الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ . . . "
) اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَى ذَلِكَ : يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يُضِيءُ نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ الْآيَةَ . ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُ : مِنَ الْمُؤْمِنِينَ مَنْ يُضِيءُ نُورُهُ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى عَدَنَ أَبْيَنَ فَصَنْعَاءَ ، فَدُونَ ذَلِكَ ، حَتَّى إِنَّ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ مَنْ لَا يُضِيءُ نُورُهُ إِلَّا مَوْضِعَ قَدَمَيْهِ .
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ بِنَحْوِهِ . حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى قَالَ : ثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ قَالَ : سَمِعْتُ أَبِي يَذْكُرُ عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ قَيْسِ بْنِ سَكَنٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : يُؤْتَوْنَ نُورَهُمْ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ ، فَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْتَى نُورَهُ كَالنَّخْلَةِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْتَى نُورَهُ كَالرَّجُلِ الْقَائِمِ ، وَأَدْنَاهُمْ نُورًا عَلَى إِبْهَامِهِ يُطْفَأُ مَرَّةً وَيُوقَدُ مَرَّةً . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى إِيمَانُهُمْ وَهُدَاهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ، وَبِأَيْمَانِهِمْ كُتُبُهُمْ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ يَقُولُ : ثَنَا عُبَيْدٌ قَالَ : سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ : يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ كُتُبُهُمْ . يَقُولُ اللَّهُ : ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ ﴾. وَأَمَّا نُورُهُمْ فَهُدَاهُمْ .
وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ الْقَوْلُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنِ الضَّحَّاكِ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ عَنَى بِذَلِكَ النُّورِ الضَّوْءَ الْمَعْرُوفَ لَمْ يَخُصَّ عَنْهُ الْخَبَرَ بِالسَّعْيِ بَيْنَ الْأَيْدِي وَالْأَيْمَانِ دُونَ الشَّمَائِلِ ؛ لِأَنَّ ضِيَاءَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِي يُؤْتُونَهُ فِي الْآخِرَةِ يُضِيءُ لَهُمْ جَمِيعَ مَا حَوْلَهُمْ . وَفِي خُصُوصِ اللَّهِ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - الْخَبَرَ عَنْ سَعْيِهِ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ دُونَ الشَّمَائِلِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَعْنِيٌّ بِهِ غَيْرُ الضِّيَاءِ ، وَإِنْ كَانُوا لَا يَخْلُونَ مِنَ الضِّيَاءِ . فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ - إِذْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا وَصَفْنَا - : وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى ، يَوْمَ تَرَوْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى ثَوَابُ إِيمَانِهِمْ وَعَمَلِهِمُ الصَّالِحِ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ، وَفِي أَيْمَانِهِمْ كُتُبُ أَعْمَالِهِمْ تَتَطَايَرُ .
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : ( يَسْعَى ) : يَمْضِي . وَالْبَاءُ فِي قَوْلِهِ : ( وَبِأَيْمَانِهِمْ ) بِمَعْنَى فِي . وَكَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّيِ الْبَصْرَةِ يَقُولُ : الْبَاءُ فِي قَوْلِهِ : ( وَبِأَيْمَانِهِمْ ) بِمَعْنَى عَلَى أَيْمَانِهِمْ .
وَقَوْلُهُ : ( يَوْمَ تَرَى ) : مِنْ صِلَةِ وَعَدَ . وَقَوْلُهُ : بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : يُقَالُ لَهُمْ : بِشَارَتُكُمُ الْيَوْمَ - أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ - الَّتِي تُبَشَّرُونَ بِهَا جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ، فَأَبْشِرُوا بِهَا . وَقَوْلُهُ : ( خَالِدِينَ فِيهَا ) يَقُولُ : مَاكِثِينَ فِي الْجَنَّاتِ ، لَا يَنْتَقِلُونَ عَنْهَا وَلَا يَتَحَوَّلُونَ .
وَقَوْلُهُ : ( ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) يَقُولُ : خُلُودُهُمْ فِي الْجَنَّاتِ - الَّتِي وَصَفَهَا - هُوَ النُّجْحُ الْعَظِيمُ الَّذِي كَانُوا يَطْلُبُونَهُ بَعْدَ النَّجَاةِ مِنْ عِقَابِ اللَّهِ ، وَدُخُولِ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا .