حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تفسير الطبري

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ . . . "

) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : ثُمَّ أَتْبَعَنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا الَّذِينَ أَرْسَلْنَاهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ عَلَى آثَارِ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ بِرُسُلِنَا ، وَأَتْبَعْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ، وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ يَعْنِي : الَّذِينَ اتَّبَعُوا عِيسَى عَلَى مِنْهَاجِهِ وَشَرِيعَتِهِ ، ( رَأْفَةً ) وَهُوَ أَشَدُّ الرَّحْمَةِ ، وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا يَقُولُ : أَحْدَثُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ يَقُولُ : مَا افْتَرَضْنَا تِلْكَ الرَّهْبَانِيَّةَ عَلَيْهِمْ ، إِلا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ يَقُولُ : لَكِنَّهُمُ ابْتَدَعُوهَا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا . وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الَّذِينَ لَمْ يَرْعَوُا الرَّهْبَانِيَّةَ حَقَّ رِعَايَتِهَا . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : هُمُ الَّذِينَ ابْتَدَعُوهَا ، لَمْ يَقُومُوا بِهَا ، وَلَكِنَّهُمْ بَدَّلُوا وَخَالَفُوا دِينَ اللَّهِ الَّذِي بَعَثَ بِهِ عِيسَى ، فَتَنَصَّرُوا وَتَهَوَّدُوا .

وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ هُمْ قَوْمٌ جَاءُوا مِنْ بَعْدِ الَّذِينَ ابْتَدَعُوهَا ، فَلَمْ يَرْعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا كُفَّارًا ، وَلَكِنَّهُمْ قَالُوا : نَفْعَلُ كَالَّذِي كَانُوا يَفْعَلُونَ مِنْ ذَلِكَ أَوَّلِيًّا ، فَهُمُ الَّذِينَ وَصَفَ اللَّهُ بِأَنَّهُمْ لَمْ يَرْعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي تَأْوِيلِ هَذِهِ الْأَحْرُفِ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي ذَكَرْنَا أَنَّ أَهْلَ التَّأْوِيلِ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً فَهَاتَانِ مِنَ اللَّهِ ، وَالرَّهْبَانِيَّةُ ابْتَدَعَهَا قَوْمٌ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ، وَلَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِمْ ، وَلَكِنِ ابْتَغَوْا بِذَلِكَ وَأَرَادُوا رِضْوَانَ اللَّهِ ، فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا ، ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُمْ رَفَضُوا النِّسَاءَ ، وَاتَّخَذُوا الصَّوَامِعَ .

حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا قَالَ : لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِمْ ، ابْتَدَعُوهَا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ . حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ قَالَ : فَلِمَ ؟ قَالَ : ابْتَدَعُوهَا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ تَطَوُّعًا ، فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا . ذِكْرُ مَنْ قَالَ : الَّذِينَ لَمْ يَرْعَوُا الرَّهْبَانِيَّةَ حَقَّ رِعَايَتِهَا كَانُوا غَيْرَ الَّذِينَ ابْتَدَعُوهَا .

وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا الْمُرِيدِي الِاقْتِدَاءِ بِهِمْ . حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْحُرَيْثِ [ أَبُو عَمَّارٍ الْمَرْوَزِيُّ ] قَالَ : ثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَتْ مُلُوكٌ بَعْدَ عِيسَى بَدَّلُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ ، وَكَانَ فِيهِمْ مُؤْمِنُونَ يَقْرَءُونَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ . فَقِيلَ لِمَلِكِهِمْ : مَا نَجِدُ شَيْئًا أَشَدَّ عَلَيْنَا مِنْ شَتْمٍ يَشْتِمُنَاهُ هَؤُلَاءِ ، أَنَّهُمْ يَقْرَءُونَ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ .

مَعَ مَا يَعِيبُونَنَا بِهِ فِي قِرَاءَتِهِمْ ، فَادْعُهُمْ فَلْيَقْرَءُوا كَمَا نَقْرَأُ ، وَلْيُؤْمِنُوا كَمَا آمَنَّا بِهِ قَالَ . فَدَعَاهُمْ فَجَمَعَهُمْ وَعَرَضَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلَ ، أَوْ يَتْرُكُوا قِرَاءَةَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ ، إِلَّا مَا بَدَّلُوا مِنْهَا . فَقَالُوا : مَا تُرِيدُونَ إِلَى ذَلِكَ فَدَعُونَا قَالَ : فَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ : ابْنُوا لَنَا أُسْطُوَانَةً ، ثُمَّ ارْفَعُونَا إِلَيْهَا ، ثُمَّ أَعْطُونَا شَيْئًا نَرْفَعُ بِهِ طَعَامَنَا وَشَرَابَنَا ، فَلَا نَرُدَّ عَلَيْكُمْ .

وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ : دَعُونَا نَسِيحُ فِي الْأَرْضِ ، وَنَهِيمُ وَنَشْرَبُ كَمَا تَشْرَبُ الْوُحُوشُ ، فَإِنْ قَدَرْتُمْ عَلَيْنَا بِأَرْضِكُمْ فَاقْتُلُونَا . وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : ابْنُوا لَنَا دُورًا فِي الْفَيَافِي ، وَنَحْتَفِرُ الْآبَارَ ، وَنَحْتَرِثُ الْبُقُولَ ، فَلَا نَرُدَّ عَلَيْكُمْ ، وَلَا نَمُرَّ بِكُمْ ، وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أُولَئِكَ إِلَّا وَلَهُ حَمِيمٌ فِيهِمْ . قَالَ : فَفَعَلُوا ذَلِكَ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا .

الْآخَرُونَ قَالُوا : نَتَعَبَّدُ كَمَا تَعَبَّدَ فُلَانٌ ، وَنَسِيحُ كَمَا سَاحَ فُلَانٌ ، وَنَتَّخِذُ دُورًا كَمَا اتَّخَذَ فُلَانٌ ، وَهُمْ عَلَى شِرْكِهِمْ لَا عِلْمَ لَهُمْ بِإِيمَانِ الَّذِينَ اقْتَدَوْا بِهِمْ . قَالَ : فَلَمَّا بُعِثَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ ، انْحَطَّ رَجُلٌ مِنْ صَوْمَعَتِهِ ، وَجَاءَ سَائِحٌ مِنْ سِيَاحَتِهِ ، وَجَاءَ صَاحِبُ الدَّارِ مِنْ دَارِهِ ، وَآمَنُوا بِهِ وَصَدَّقُوهُ . فَقَالَ اللَّهُ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ قَالَ : أَجْرَيْنَ لِإِيمَانِهِمْ بِعِيسَى ، وَتَصْدِيقِهِمْ بِالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ ، وَإِيمَانِهِمْ بِمُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَتَصْدِيقِهِمْ بِهِ .

قَالَ : وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ : الْقُرْآنُ ، وَاتِّبَاعُهُمُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ ﴿لِئَلا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ . حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ قَالَ : ثَنَا دَاوُدُ بْنُ الْمُحَبَّرِ قَالَ : ثَنَا الصَّعْقُ بْنُ حَزْنٍ قَالَ : ثَنَا عُقَيْلٌ الْجَعْدِيُّ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيُّ ، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : اخْتَلَفَ مَنْ كَانَ قَبْلَنَا عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً ، نَجَا مِنْهُمْ ثَلَاثٌ وَهَلَكَ سَائِرُهُمْ : فِرْقَةٌ مِنَ الثَّلَاثِ وَازَتِ الْمُلُوكَ وَقَاتَلَتْهُمْ عَلَى دِينِ اللَّهِ وَدِينِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ ، فَقَتَلَتْهُمُ الْمُلُوكُ . وَفِرْقَةٌ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ طَاقَةٌ بِمُوَازَاةِ الْمُلُوكِ ، فَأَقَامُوا بَيْنَ ظَهْرَانَيْ قَوْمِهِمْ يَدْعُونَهُمْ إِلَى دِينِ اللَّهِ وَدِينِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ - صَلَوَاتُ اللَّهُ عَلَيْهِ - فَقَتَلَتْهُمُ الْمُلُوكُ ، وَنَشَرَتْهُمْ بِالْمَنَاشِيرِ .

وَفِرْقَةٌ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ طَاقَةٌ بِمُوَازَاةِ الْمُلُوكِ ، وَلَا بِالْمَقَامِ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ قَوْمِهِمْ يَدْعُونَهُمْ إِلَى دِينِ اللَّهِ وَدِينِ عِيسَى - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ - فَلَحِقُوا بِالْبَرَارِي وَالْجِبَالِ ، فَتَرَهَّبُوا فِيهَا ، فَهُوَ قَوْلُ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ قَالَ : مَا فَعَلُوهَا إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ ، فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا قَالَ : مَا رَعَاهَا الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ حَقَّ رِعَايَتِهَا ، فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ قَالَ : وَهُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِي ، وَصَدَّقُونِي . قَالَ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ قَالَ : فَهُمُ الَّذِينَ جَحَدُونِي وَكَذَّبُونِي . حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : ثَنَا مِهْرَانُ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا قَالَ الْآخَرُونَ : مِمَّنْ تَعَبَّدَ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ ، وَفَنِيَ مَنْ فَنِيَ مِنْهُمْ .

يَقُولُونَ : نَتَعَبَّدُ كَمَا تَعَبَّدَ فُلَانٌ ، وَنَسِيحُ كَمَا سَاحَ فُلَانٌ ، وَهُمْ فِي شِرْكِهِمْ لَا عِلْمَ لَهُمْ بِإِيمَانِ الَّذِينَ اقْتَدَوْا بِهِمْ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ - الَّذِينَ لَمْ يَرْعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا - الَّذِينَ ابْتَدَعُوهَا . حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : ثَنِي أَبَى ، قَالَ ثَنِي عَمِّي قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً .

إِلَى قَوْلِهِ : ( حَقَّ رِعَايَتِهَا ) يَقُولُ : مَا أَطَاعُونِي فِيهَا ، وَتَكَلَّمُوا فِيهَا بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - كَتَبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالَ قَبْلَ أَنْ يَبْعَثَ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمَّا اسْتَخْرَجَ أَهْلَ الْإِيمَانِ ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ ، وَكَثُرَ أَهْلُ الشِّرْكِ ، وَذَهَبَ الرُّسُلُ وَقُهِرُوا ، اعْتَزَلُوا فِي الْغِيرَانِ ، فَلَمْ يَزَلْ بِهِمْ ذَلِكَ حَتَّى كَفَرَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ ، وَتَرَكُوا أَمْرَ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - وَدِينَهُ ، وَأَخَذُوا بِالْبِدْعَةِ وَبِالنَّصْرَانِيَّةِ وَبِالْيَهُودِيَّةِ ، فَلَمْ يَرْعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا ، وَثَبَتَتْ طَائِفَةٌ عَلَى دِينِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ - حِينَ جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ . وَبَعَثَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - مُحَمَّدًا رَسُولًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُمْ كَذَلِكَ ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ . إِلَى ( وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) .

حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ يَقُولُ : ثَنَا عُبَيْدٌ قَالَ : سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ : وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ : كَانَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - كَتَبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالَ قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ مُحَمَّدٌ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمَّا اسْتَخْرَجَ أَهْلَ الْإِيمَانِ ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ إِلَّا الْقَلِيلُ ، وَكَثُرَ أَهْلُ الشِّرْكِ ، وَانْقَطَعَتِ الرُّسُلُ ، اعْتَزَلُوا النَّاسَ ، فَصَارُوا فِي الْغِيرَانِ ، فَلَمْ يَزَالُوا كَذَلِكَ حَتَّى غَيَّرَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ ، فَتَرَكُوا دِينَ اللَّهِ وَأَمْرَهُ ، وَعَهْدَهُ الَّذِي عَهِدَهُ إِلَيْهِمْ ، وَأَخَذُوا بِالْبِدَعِ ، فَابْتَدَعُوا النَّصْرَانِيَّةَ وَالْيَهُودِيَّةَ ، فَقَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - لَهُمْ : فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا ، وَثَبَتَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ عَلَى دِينِ عِيسَى - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ - حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَآمَنُوا بِهِ . حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ ثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ : أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّا بْنُ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ الْبَاهِلِيَّ يَقُولُ : إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمْ صِيَامَ رَمَضَانَ ، وَلَمْ يَكْتُبْ عَلَيْكُمْ قِيَامَهُ ، وَإِنَّمَا الْقِيَامُ شَيْءٌ ابْتَدَعْتُمُوهُ ، وَإِنَّ قَوْمًا ابْتَدَعُوا بِدْعَةً لَمْ يَكْتُبْهَا اللَّهُ عَلَيْهِمْ ، ابْتَغَوْا بِهَا رِضْوَانَ اللَّهِ ، فَلَمْ يَرْعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا ، فَعَابَهُمُ اللَّهُ بِتَرْكِهَا ، فَقَالَ : وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا . وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصِّحَّةِ أَنْ يُقَالَ : إِنَّ الَّذِينَ وَصَفَهُمُ اللَّهُ بِأَنَّهُمْ لَمْ يَرْعَوُا الرَّهْبَانِيَّةَ حَقَّ رِعَايَتِهَا بَعْضُ الطَّوَائِفِ الَّتِي ابْتَدَعَتْهَا ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - أَخْبَرَ أَنَّهُ آتَى الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ قَالَ : فَدَلَّ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ قَدْ رَعَاهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ مَنْ كَانَ كَذَلِكَ ، لَمْ يَكُنْ مُسْتَحِقَّ الْأَجْرِ الَّذِي قَالَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ ، إِلَّا أَنَّ الَّذِينَ لَمْ يَرْعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا مُمْكِنٌ أَنْ يَكُونَ كَانُوا عَلَى عَهْدِ الَّذِينَ ابْتَدَعُوهَا ، وَمُمْكِنٌ أَنْ يَكُونُوا كَانُوا بَعْدَهُمْ ؛ لِأَنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ أَبْنَائِهِمْ إِذَا لَمْ يَكُونُوا رَعَوْهَا ، فَجَائِزٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ أَنْ يُقَالَ : لَمْ يَرْعَهَا الْقَوْمُ عَلَى الْعُمُومِ ، وَالْمُرَادُ مِنْهُمُ الْبَعْضُ الْحَاضِرُ ، وَقَدْ مَضَى نَظِيرُ ذَلِكَ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ .

وَقَوْلُهُ : فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : فَأَعْطَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ - مِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ ابْتَدَعُوا الرَّهْبَانِيَّةَ - ثَوَابَهُمْ عَلَى ابْتِغَائِهِمْ رِضْوَانَ اللَّهِ ، وَإِيمَانِهِمْ بِهِ وَبِرَسُولِهِ فِي الْآخِرَةِ ، وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ أَهْلُ مَعَاصٍ ، وَخَرَجَ عَنْ طَاعَتِهِ ، وَالْإِيمَانِ بِهِ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ قَالَ : الَّذِينَ رَعَوْا ذَلِكَ الْحَقَّ .

موقع حَـدِيث