الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ . . . "
) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَلَمْ تَنْظُرْ بِعَيْنِ قَلْبِكَ يَا مُحَمَّدُ ، فَتَرَى إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا وَهُمْ فِيمَا ذُكِرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ ، وَوَدِيعَةُ وَمَالِكٌ ابْنَا نَوْفَلٍ ، وَسُوَيْدٌ وَدَاعِسٌ ، بَعَثُوا إِلَى بَنِي النَّضِيرِ حِينَ نَزَلَ بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْحَرْبِ أَنِ اثْبُتُوا وَتَمَنَّعُوا ، فَإِنَّا لَنْ نُسْلِمَكُمْ ، وَإِنْ قُوتِلْتُمْ قَاتَلْنَا مَعَكُمْ ، وَإِنْ خَرَجْتُمْ خَرَجْنَا مَعَكُمْ ، فَتَرَبَّصُوا لِذَلِكَ مِنْ نَصْرِهِمْ ، فَلَمْ يَفْعَلُوا ، وَقَذَفَ اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ ، فَسَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُجْلِيَهُمْ ، وَيَكُفَّ عَنْ دِمَائِهِمْ عَلَى أَنَّ لَهُمْ مَا حَمَلَتِ الْإِبِلُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ إِلَّا الْحَلْقَةَ . حَدَّثَنَا بِذَلِكَ ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : ثَنَا سَلَمَةُ قَالَ : ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ . وَقَالَ مُجَاهِدٍ فِي ذَلِكَ مَا حَدَّثَنِي بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : ثَنَا عِيسَى وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا قَالَ : عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ ، وَرِفَاعَةُ أَوْ رَافِعَةُ بْنُ تَابُوتَ .
وَقَالَ الْحَارِثُ : رِفَاعَةُ بْنُ تَابُوتَ - وَلَمْ يَشُكَّ فِيهِ - وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَبْتَلٍ ، وَأَوْسُ بْنُ قَيْظِيٍّ . حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : ثَنَا سَلَمَةُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُحَمَّدٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، أَوْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ ابْنَ سَلُولَ وَأَصْحَابَهُ ، وَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ عَلَى مِثْلِ أَمْرِهِمْ . وَقَوْلُهُ : يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ يَعْنِي بَنِي النَّضِيرِ .
كَمَا حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : ثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُحَمَّدٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، أَوْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ يَعْنِي : بَنِي النَّضِيرِ . وَقَوْلُهُ : لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ يَقُولُ : لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَمَنَازِلِكُمْ ، وَأُجْلِيتُمْ عَنْهَا لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ ، فَنُجْلَى عَنْ مَنَازِلِنَا وَدِيَارِنَا مَعَكُمْ . وَقَوْلُهُ : وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا يَقُولُ : وَلَا نُطِيعُ أَحَدًا سَأَلَنَا خِذْلَانَكُمْ ، وَتَرْكَ نُصْرَتِكُمْ ، وَلَكُنَّا نَكُونُ مَعَكُمْ ، وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ يَقُولُ : وَإِنَّ قَاتَلَكُمْ مُحَمَّدٌ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَنْ مَعَهُ لَنَنْصُرَنَّكُمْ مَعْشَرَ النَّضِيرِ عَلَيْهِمْ .
وَقَوْلُهُ : وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ يَقُولُ : وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ وَعَدُوا بَنِي النَّضِيرِ النُّصْرَةَ عَلَى مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( لَكَاذِبُونَ ) فِي وَعْدِهِمْ إِيَّاهُمْ مَا وَعَدُوهُمْ مِنْ ذَلِكَ .