الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ . . . "
) ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾( 4 ) يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَهُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ ، وَفِي آخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ ، فَ آخَرُونَ فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ عَطْفًا عَلَى الْأُمِّيِّينَ . وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي الَّذِينَ عُنُوا بِقَوْلِهِ : ( وَآخَرِينَ مِنْهُمْ ) ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : عُنِيَ بِذَلِكَ الْعَجَمُ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : ثَنِي ابْنُ عُلَيَّةَ ، عَنْ لَيْثٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، فِي قَوْلِهِ : وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ قَالَ : هُمُ الْأَعَاجِمُ .
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ طَلْحَةَ الْيَرْبُوعِيُّ ، قَالَ : ثَنَا فُضَيْلُ بْنُ طَلْحَةَ ، عَنْ لَيْثٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، فِي قَوْلِهِ : وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ قَالَ : هُمُ الْأَعَاجِمُ . حَدَّثَنَا أَبُو السَّائِبِ ، قَالَ : ثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ ، عَنْ لَيْثٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ قَالَ : الْأَعَاجِمُ . حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : ثَنَا عَاصِمٌ ، قَالَ : ثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ لَيْثٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ قَالَ : الْأَعَاجِمُ .
حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ لَا أَعْلَمُهُ إِلَّا عَنْ مُجَاهِدٍ : وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ قَالَ : الْعَجَمُ . حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، قَالَ : ثَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ ، قَالَ : ثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْعَاصِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّهُ قَالَ لَهُ : أَمَا إِنَّ سُورَةَ الْجُمُعَةِ أُنْزِلَتْ فِينَا وَفِيكُمْ فِي قَتْلِكُمُ الْكَذَّابَ ، ثُمَّ قَرَأَ يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ . حَتَّى بَلَغَ وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ قَالَ : فَأَنْتُمْ هُمْ .
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : ثَنَا مِهْرَانُ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ لَيْثٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ قَالَ : الْأَعَاجِمُ . حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ ، قَالَ : ثَنَا أَبُو عَامِرٍ ، قَالَ : ثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ ، وَحَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ ، جَمِيعًا عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ أَبِي الْغَيْثِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْجُمُعَةِ ، فَلَمَّا قَرَأَ : وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ قَالَ رَجُلٌ : مَنْ هَؤُلَاءِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ : فَلَمْ يُرَاجِعْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى سَأَلَهُ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ، قَالَ : وَفِينَا سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ ، فَوَضَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَهُ عَلَى سَلْمَانَ فَقَالَ : لَوْ كَانَ الْإِيمَانُ عِنْدَ الثُّرَيَّا لَنَالَهُ رِجَالٌ مِنْ هَؤُلَاءِ . حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، قَالَ : ثَنَا عَمِّي ، قَالَ : ثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ الْمَدَنِيُّ ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ سَالِمٍ أَبي الْغَيْثِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : وَكُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ .
وَقَالَ آخَرُونَ : إِنَّمَا عُنِيَ بِذَلِكَ جَمِيعُ مَنْ دَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ مِنْ بَعْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَائِنًا مَنْ كَانَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : ثَنَا عِيسَى; وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ ، قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ ، قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ : وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ قَالَ : مِنْ رَدِفِ الْإِسْلَامِ مِنَ النَّاسِ كُلِّهِمْ . حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ قَالَ : هَؤُلَاءِ كُلُّ مَنْ كَانَ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، كُلُّ مَنْ دَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ مِنَ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ .
وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ عِنْدِي قَوْلُ مَنْ قَالَ : عُنِيَ بِذَلِكَ كُلُّ لَاحِقٍ لَحِقَ بِالَّذِينِ كَانُوا صَحِبُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي إِسْلَامِهِمْ مِنْ أَيِّ الْأَجْنَاسِ; لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ عَمَّ بِقَوْلِهِ : وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ كُلَّ لَاحِقٍ بِهِمْ مِنْ آخَرِينَ ، وَلَمْ يُخَصِّصْ مِنْهُمْ نَوْعًا دُونَ نَوْعٍ ، فَكُلُّ لَاحِقٍ بِهِمْ فَهُوَ مِنَ الْآخَرِينَ الَّذِينَ لَمْ يَكُونُوا فِي عِدَادِ الْأَوَّلِينَ الَّذِينَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِ اللَّهِ وَقَوْلُهُ : لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ يَقُولُ : لَمْ يَجِيئُوا بَعْدُ وَسَيَجِيئُونَ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : ( لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ ) يَقُولُ : لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ .
وَقَوْلُهُ : ( وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) يَقُولُ : وَاللَّهُ الْعَزِيزُ فِي انْتِقَامِهِ مِمَّنْ كَفَرَ بِهِ مِنْهُمْ ، الْحَكِيمُ فِي تَدْبِيرِهِ خَلْقَهُ . وَقَوْلُهُ : ( ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ ) يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : هَذَا الَّذِي فَعَلَ تَعَالَى ذِكْرُهُ مِنْ بِعْثَتِهِ فِي الْأُمِّيِّينَ مِنَ الْعَرَبِ ، وَفِي آخَرِينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ ، وَيَفْعَلُ سَائِرَ مَا وَصَفَ ، فَضْلُ اللَّهِ ، تَفَضَّلَ بِهِ عَلَى هَؤُلَاءِ دُونَ غَيْرِهِمْ ، يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ ، يَقُولُ : يُؤْتِي فَضْلَهُ ذَلِكَ مَنْ يَشَاءُ مِنْ خَلْقِهِ ، لَا يَسْتَحِقُّ الذَّمَّ مِمَّنْ حَرَمَهُ اللَّهُ إِيَّاهُ ، لِأَنَّهُ لَمْ يَمْنَعْهُ حَقًّا كَانَ لَهُ قَبْلَهُ وَلَا ظَلَمَهُ فِي صَرْفِهِ عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ ، وَلَكِنَّهُ عَلَى مَنْ هُوَ لَهُ أَهْلٌ ، فَأَوْدَعَهُ إِيَّاهُ ، وَجَعَلَهُ عِنْدَهُ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا ابْنُ سِنَانٍ الْقَزَّازُ ، قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : ثَنَا عِيسَى ، عَنْ شَبِيبٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي : ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ قَالَ : الْفَضْلُ : الدِّينُ ( وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ) يَقُولُ : وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ عَلَى عِبَادِهِ ، الْمُحْسِنِ مِنْهُمْ وَالْمُسِيءِ ، وَالَّذِينَ بَعَثَ فِيهِمُ الرَّسُولَ مِنْهُمْ وَغَيْرِهِمْ ، الْعَظِيمُ الَّذِي يَقِلُّ فَضْلُ كُلِّ ذِي فَضْلٍ عِنْدَهُ .