الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ . . . "
) يَقُولُ جَلَّ ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَإِذَا رَأَيْتَ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ يَا مُحَمَّدُ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ لِاسْتِوَاءِ خَلْقِهَا وَحُسْنِ صُوَرِهَا وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَإِنْ يَتَكَلَّمُوا تَسْمَعْ كَلَامَهُمْ يُشْبِهُ مَنْطِقُهُمْ مَنْطِقَ النَّاسِ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَقُولُ كَأَنَّ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ لَا خَيْرَ عِنْدَهُمْ وَلَا فِقْهَ لَهُمْ وَلَا عِلْمَ ، وَإِنَّمَا هُمْ صُوَرٌ بِلَا أَحْلَامٍ ، وَأَشْبَاحٌ بِلَا عُقُولٍ . وَقَوْلُهُ : يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : يَحْسَبُ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ مِنْ خُبْثِهِمْ وَسُوءِ ظَنِّهِمْ ، وَقِلَّةِ يَقِينِهِمْ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ ، لِأَنَّهُمْ عَلَى وَجَلٍ أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ فِيهِمْ أَمْرًا يَهْتِكُ بِهِ أَسْتَارَهُمْ وَيَفْضَحُهُمْ ، وَيُبِيحُ لِلْمُؤْمِنِينَ قَتْلَهُمْ وَسَبْيَ ذَرَارِيِّهِمْ ، وَأَخْذَ أَمْوَالِهِمْ ، فَهُمْ مِنْ خَوْفِهِمْ مِنْ ذَلِكَ كُلَّمَا نَزَلَ بِهِمْ مِنَ اللَّهِ وَحْيٌ عَلَى رَسُولِهِ ، ظَنُّوا أَنَّهُ نَزَلَ بِهَلَاكِهِمْ وَعَطَبِهِمْ . يَقُولُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هُمُ الْعَدُوُّ يَا مُحَمَّدُ فَاحْذَرْهُمْ ، فَإِنَّ أَلْسِنَتَهُمْ إِذَا لَقُوكُمْ مَعَكُمْ وَقُلُوبَهُمْ عَلَيْكُمْ مَعَ أَعْدَائِكُمْ ، فَهُمْ عَيْنٌ لِأَعْدَائِكُمْ عَلَيْكُمْ .
وَقَوْلُهُ : قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ يَقُولُ : أَخْزَاهُمُ اللَّهُ إِلَى أَيِّ وَجْهٍ يُصْرَفُونَ عَنِ الْحَقِّ . حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ فِي قَوْلِ اللَّهِ : وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ . الْآيَةَ ، قَالَ : هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ .
وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ : كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَالْكُوفَةِ خَلَا الْأَعْمَشَ وَالْكِسَائِيَّ ( خُشُبٌ ) بِضَمِّ الْخَاءِ وَالشِّينِ ، كَأَنَّهُمْ وَجَّهُوا ذَلِكَ إِلَى جَمْعِ الْجَمْعِ ، جَمَعُوا الْخَشَبَةَ خِشَابًا ثُمَّ جَمَعُوا الْخِشَابَ خُشُبًا ، كَمَا جُمِعَتِ الثَّمَرَةُ ثِمَارًا ، ثُمَّ ثُمُرًا . وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْخُشُبُ بِضَمِّ الْخَاءِ وَالشِّينِ إِلَى أَنَّهَا جَمْعُ خَشَبَةٍ ، فَتُضَمُّ الشِّينُ مِنْهَا مَرَّةً ، وَتُسَكَّنُ أُخْرَى ، كَمَا جَمَعُوا الْأَكَمَةَ أُكُمًا وَأَكْمًا بِضَمِّ الْأَلِفِ وَالْكَافِ مَرَّةً ، وَتَسْكِينِ الْكَافِ لَهَا مَرَّةً ، وَكَمَا قِيلَ : الْبُدُنُ وَالْبُدْنُ ، بِضَمِّ الدَّالِّ وَتَسْكِينِهَا لِجَمْعِ الْبَدَنَةِ ، وَقَرَأَ ذَلِكَ الْأَعْمَشُ وَالْكِسَائِيُّ ( خُشْبٌ ) بِضَمِّ الْخَاءِ وَسُكُونِ الشِّينِ . وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ ، وَلُغَتَانِ فَصِيحَتَانِ ، وَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ وَتَسْكِينُ الْأَوْسَطِ فِيمَا جَاءَ مِنْ جَمْعِ فُعُلَةَ عَلَى فُعْلٍ فِي الْأَسْمَاءِ عَلَى أَلْسُنِ الْعَرَبِ أَكْثَرُ وَذَلِكَ كَجَمْعِهِمُ الْبَدَنَةَ بُدْنًا ، وَالْأَجَمَةَ أُجْمًا .