الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ . . . "
) يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ صَدَّقُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ يَصُدُّونَكُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ، وَيُثَبِّطُونَكُمْ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ ( فَاحْذَرُوهُمْ ) أَنْ تَقْبَلُوا مِنْهُمْ مَا يَأْمُرُونَكُمْ بِهِ مِنْ تَرْكِ طَاعَةِ اللَّهِ . وَذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ كَانُوا أَرَادُوا الْإِسْلَامَ وَالْهِجْرَةَ ، فَثَبَّطَهُمْ عَنْ ذَلِكَ أَزْوَاجُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَ : ثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ، عَنْ إِسْرَائِيلَ ، عَنْ سِمَاكٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : سَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ قَالَ : هَؤُلَاءِ رِجَالٌ أَسْلَمُوا ، فَأَرَادُوا أَنْ يَأْتُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ; فَأَبَى أَزْوَاجُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ أَنْ يَدَعُوهُمْ يَأْتُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ; فَلَمَّا أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَأَوُا النَّاسَ قَدْ فَقِهُوا فِي الدِّينِ ، هَمُّوا أَنْ يُعَاقِبُوهُمْ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ .
الْآيَةَ . حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ ، قَالَ : ثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ ، عَنْ سِمَاكٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، فِي قَوْلِهِ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ قَالَ : كَانَ الرَّجُلُ يُرِيدُ أَنْ يَأْتِيَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَقُولُ لَهُ أَهْلُهُ : أَيْنَ تَذْهَبُ وَتَدَعُنَا ؟ قَالَ : وَإِذَا أَسْلَمَ وَفَقِهَ ، قَالَ : لَأَرْجِعَنَّ إِلَى الَّذِينَ كَانُوا يَنْهَوْنَ عَنْ هَذَا الْأَمْرِ فَلَأَفْعَلَنَّ وَلَأَفْعَلَنَّ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ . حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، قَالَ : ثَنِي عَمِّي ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَوْلُهُ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ كَانَ الرَّجُلُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُهَاجِرَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ تَمْنَعُهُ زَوْجَتُهُ وَوَلَدُهُ ، وَلَمْ يَأْلُوا يُثَبِّطُوهُ عَنْ ذَلِكَ ، فَقَالَ اللَّهُ : إِنَّهُمْ عَدُوٌّ لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا ، وَامْضُوا لِشَأْنِكُمْ ، فَكَانَ الرَّجُلُ بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا مُنِعَ وَثُبِّطَ مَرَّ بِأَهْلِهِ وَأَقْسَمَ ، وَالْقَسَمُ يَمِينٌ لَيَفْعَلَنَّ وَلَيُعَاقِبَنَّ أَهْلَهُ فِي ذَلِكَ ، فَقَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ .
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : ثَنَا سَلَمَةُ ، قَالَ : ثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ : نَزَلَتْ سُورَةُ التَّغَابُنِ كُلُّهَا بِمَكَّةَ ، إِلَّا هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ نَزَلَتْ فِي عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ ، كَانَ ذَا أَهْلٍ وَوَلَدٍ ، فَكَانَ إِذَا أَرَادَ الْغَزْوَ بَكَوْا إِلَيْهِ وَرَقَّقُوهُ ، فَقَالُوا : إِلَى مَنْ تَدَعُنَا ؟ فَيَرِقُّ وَيُقِيمُ ، فَنَزَلَتْ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ الْآيَةَ كُلَّهَا بِالْمَدِينَةِ فِي عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ وَبَقِيَّةُ الْآيَاتِ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ بِالْمَدِينَةِ . حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ ، قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ ، قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، فِي قَوْلِهِ : إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ قَالَ : إِنَّهُمَا يَحْمِلَانِهِ عَلَى قَطِيعَةِ رَحِمِهِ ، وَعَلَى مَعْصِيَةِ رَبِّهِ ، فَلَا يَسْتَطِيعُ مَعَ حُبِّهِ إِلَّا أَنْ يَقْطَعَهُ . حَدَّثَنِي الْحَارِثُ ، قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ ، قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : فَلَا يَسْتَطِيعُ مَعَ حُبِّهِ إِلَّا أَنْ يُطِيعَهُ .
حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَا ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلُهُ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ . الْآيَةَ ، قَالَ : مِنْهُمْ مَنْ لَا يَأْمُرُ بِطَاعَةِ اللَّهِ ، وَلَا يَنْهَى عَنْ مَعْصِيَتِهِ ، وَكَانُوا يُبَطِّئُونَ عَنِ الْهِجْرَةِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَنِ الْجِهَادِ . حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، قَالَ ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مِعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، فِي قَوْلِهِ : إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ قَالَ : يَنْهَوْنَ عَنِ الْإِسْلَامِ ، وَيُبَطِّئُونَ عَنْهُ ، وَهُمْ مِنَ الْكُفَّارِ فَاحْذَرُوهُمْ .
حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ ، قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ يَقُولُ : ثَنَا عُبَيْدٌ ، قَالَ : سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ . الْآيَةَ ، قَالَ : هَذَا فِي أُنَاسٍ مِنْ قَبَائِلِ الْعَرَبِ كَانَ يُسْلِمُ الرَّجُلُ أَوِ النَّفَرُ مِنَ الْحَيِّ ، فَيَخْرُجُونَ مِنْ عَشَائِرِهِمْ وَيَدَعُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَأَوْلَادَهُمْ وَآبَاءَهُمْ عَامِدِينَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَقُومُ عَشَائِرُهُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ وَآبَاؤُهُمْ ، فَيُنَاشِدُونَهُمُ اللَّهَ أَنْ لَا يُفَارِقُوهُمْ ، وَلَا يُؤْثِرُوا عَلَيْهِمْ غَيْرَهُمْ ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَرِقُّ وَيَرْجِعُ إِلَيْهِمْ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْضِي حَتَّى يَلْحَقَ بِنَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَ : ثَنَا عُثْمَانُ بْنُ نَاجِيَةَ وَزَيْدُ بْنُ حُبَابٍ ، قَالَا ثَنَا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ ، جَمِيعًا عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ ، قَالَ : ثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ ، فَجَاءَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَلَيْهِمَا قَمِيصَانِ أَحْمَرَانِ يَعْثُرَانِ وَيَقُومَانِ ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخَذَهُمَا فَرَفَعَهُمَا فَوَضَعَهُمَا فِي حِجْرِهِ ثُمَّ قَالَ : صَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ : إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ رَأَيْتُ هَذْينِ فَلَمْ أَصْبِرْ ، ثُمَّ أَخَذَ فِي خُطْبَتِهِ اللَّفْظُ لِأَبِي كُرَيْبٍ عَنْ زَيْدٍ .
حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِهِ : إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ قَالَ : يَقُولُ : عَدُوًّا لَكُمْ فِي دِينِكُمْ ، فَاحْذَرُوهُمْ عَلَى دِينِكُمْ . حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَلِيٍّ الْمُقَدَّمِيُّ ، قَالَ ثَنَا أَشْعَثُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : ثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ ، فِي قَوْلِهِ : إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ قَالَ : كَانَ الرَّجُلُ يُسْلِمُ ، فَيَلُومُهُ أَهْلُهُ وَبَنُوهُ ، فَنَزَلَتْ : إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ . وَقَوْلُهُ : وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا يَقُولُ : إِنْ تَعْفُوا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ عَمَّا سَلَفَ مِنْهُمْ مِنْ صَدِّهِمْ إِيَّاكُمْ عَنِ الْإِسْلَامِ وَالْهِجْرَةِ وَتَصْفَحُوا لَهُمْ عَنْ عُقُوبَتِكُمْ إِيَّاهُمْ عَلَى ذَلِكَ ، وَتَغْفِرُوا لَهُمْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الذُّنُوبِ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ لَكُمْ لِمَنْ تَابَ مِنْ عِبَادِهِ ، مِنْ ذُنُوبِكُمْ ( رَحِيمٌ ) بِكُمْ أَنْ يُعَاقِبَكُمْ عَلَيْهَا مِنْ بَعْدِ تَوْبَتِكُمْ مِنْهَا .