الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا "
) ) ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلا تَبَارًا ﴾( 28 ) يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ مُخْبِرًا عَنْ قِيلِ نُوحٍ فِي دُعَائِهِ إِيَّاهُ عَلَى قَوْمِهِ : إِنَّكَ يَا رَبِّ إِنْ تَذْرِ الْكَافِرِينَ أَحْيَاءً عَلَى الْأَرْضِ ، وَلَمْ تُهْلِكْهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِكَ يُضِلُّوا عِبَادَكَ الَّذِينَ قَدْ آمَنُوا بِكَ ، فَيَصُدُّوهُمْ عَنْ سَبِيلِكَ ، وَلا يَلِدُوا إِلا فَاجِرًا فِي دِينِكَ كَفَّارًا لِنِعْمَتِكَ . وَذُكِرَ أَنَّ قِيلَ نُوحٍ هَذَا الْقَوْلَ وَدُعَاءَهُ هَذَا الدُّعَاءَ ، كَانَ بَعْدَ أَنْ أَوْحَى إِلَيْهِ رَبُّهُ : أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلا مَنْ قَدْ آمَنَ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، فِي قَوْلِهِ : رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا أَمَا وَاللَّهِ مَا دَعَا عَلَيْهِمْ حَتَّى أَتَاهُ الْوَحْيُ مِنَ السَّمَاءِ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلا مَنْ قَدْ آمَنَ فَعِنْدَ ذَلِكَ دَعَا عَلَيْهِمْ نَبِيُّ اللَّهِ نُوحٌ فَقَالَ : رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا ﴿إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلا فَاجِرًا كَفَّارًا ﴾ ثُمَّ دَعَاهُ دَعْوَةً عَامَّةً فَقَالَ : رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ .
إِلَى قَوْلِهِ : تَبَارًا . حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، قَالَ : تَلَا قَتَادَةُ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا ثُمَّ ذَكَرَهُ نَحْوَهُ . وَقَوْلُهُ : رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ يَقُولُ : رَبِّ اعْفُ عَنِّي ، وَاسْتُرْ عَلَيَّ ذُنُوبِي وَعَلَى وَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا يَقُولُ : وَلِمَنْ دَخَلَ مَسْجِدِي وَمُصَلَّايَ مُصَلِّيًا مُؤْمِنًا ، يَقُولُ : مُصَدِّقًا بِوَاجِبِ فَرْضِكَ عَلَيْهِ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ آدَمَ ، قَالَ : ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، قَالَ : ثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ أَبِي سِنَانٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا قَالَ : مَسْجِدِي . حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : ثَنَا مِهْرَانُ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي سِنَانٍ سَعِيدٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ مِثْلَهُ .
وَقَوْلُهُ : وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَقُولُ : وَلِلْمُصَدِّقِينَ بِتَوْحِيدِكَ وَالْمُصَدِّقَاتِ . وَقَوْلُهُ : وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلا تَبَارًا يَقُولُ : وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ أَنْفُسَهَمْ بِكُفْرِهِمْ إِلَّا خَسَارًا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : ثَنَا عِيسَى; وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ ، قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ ، قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، فِي قَوْلِهِ : إِلا تَبَارًا قَالَ : خَسَارًا . وَقَدْ بَيَّنْتُ مَعْنَى قَوْلِ الْقَائِلِ : تَبَّرْتُ فِيمَا مَضَى بِشَوَاهِدِهِ ، وَذَكَرْتُ أَقْوَالَ أَهْلِ التَّأْوِيلِ فِيهِ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ . حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، قَالَ : قَالَ مَعْمَرٌ : ثَنَا الْأَعْمَشُ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، قَالَ : كَانُوا يَضْرِبُونَ نُوحًا حَتَّى يُغْشَى عَلَيْهِ ، فَإِذَا أَفَاقَ قَالَ : رَبِّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ .
آخِرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ نُوحٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .