الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ "
) ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ ﴾( 2 ) ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ﴾( 3 ) ﴿تَنَـزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ ﴾( 4 ) ﴿سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ ﴾( 5 ) . يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : إِنَّا أَنْزَلَنَا هَذَا الْقُرْآنَ جُمْلَةً وَاحِدَةً إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ، وَهِيَ لَيْلَةُ الْحُكْمِ الَّتِي يَقْضِي اللَّهُ فِيهَا قَضَاءَ السَّنَةِ ; وَهُوَ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِهِمْ : قَدَرَ اللَّهُ عَلَيَّ هَذَا الْأَمْرَ ، فَهُوَ يَقْدُرُ قَدْرًا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى ، قَالَ : ثَنِي عَبْدُ الْأَعْلَى ، قَالَ : ثَنَا دَاوُدُ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : نَزَلَ الْقُرْآنُ كُلُّهُ مَرَّةً وَاحِدَةً فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ فِي رَمَضَانَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا ، فَكَانَ اللَّهُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُحْدِثَ فِي الْأَرْضِ شَيْئًا أَنْزَلَهُ مِنْهُ حَتَّى جَمَعَهُ . حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى قَالَ : ثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ ، قَالَ : ثَنَا دَاوُدُ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : أَنْزَلَ اللَّهُ الْقُرْآنَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ، وَكَانَ اللَّهُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُوحِيَ مِنْهُ شَيْئًا أَوْحَاهُ ، فَهُوَ قَوْلُهُ : ﴿إِنَّا أَنْـزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ﴾. قَالَ : ثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ ، عَنْ دَاوُدَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، فَذَكْرَ نَحْوَهُ ، وَزَادَ فِيهِ .
وَكَانَ بَيْنَ أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ عِشْرُونَ سَنَةً . قَالَ ثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ الْكِلَابِيُّ ، قَالَ : ثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيُّ ، قَالَ : ثَنَا عِمْرَانُ أَبُو الْعَوَّامِ ، قَالَ : ثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِ اللَّهِ : ﴿إِنَّا أَنْـزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ﴾ قَالَ : نَزَلَ أَوَّلُ الْقُرْآنِ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ . حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ ، قَالَ : ثَنَا هُشَيْمٌ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا حُصَيْنٌ ، عَنْ حَكِيمٍ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : نَزَلَ الْقُرْآنُ فِي لَيْلَةٍ مِنَ السَّمَاءِ الْعُلْيَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا جُمْلَةً وَاحِدَةً ، ثُمَّ فُرِّقَ فِي السِّنِينَ ، وَتَلَا ابْنُ عَبَّاسٍ هَذِهِ الْآيَةَ : ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ ﴾ قَالَ : نَزَلَ مُتَفَرِّقًا .
حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ ، قَالَ : ثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ ، عَنْ دَاوُدَ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، فِي قَوْلِهِ : ﴿إِنَّا أَنْـزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ﴾ قَالَ : بَلَغَنَا أَنَّ الْقُرْآنَ نَزَلَ جُمْلَةً وَاحِدَةً إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا . حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : ثَنَا مِهْرَانُ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كَهَيْلٍ ، عَنْ مُسْلِمٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ : أُنْزِلَ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً ، ثُمَّ أَنْزَلَ رَبُّنَا فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ : ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ﴾. قَالَ : ثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، فِي قَوْلِهِ ﴿إِنَّا أَنْـزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ﴾ قَالَ : أُنْزِلَ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا ، فَكَانَ بِمَوْقِعِ النُّجُومِ ، فَكَانَ اللَّهُ يُنْزِلُهُ عَلَى رَسُولِهِ ، بَعْضَهُ فِي أَثَرِ بَعْضٍ ، ثُمَّ قَرَأَ : ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُـزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلا ﴾.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : ثَنَا مِهْرَانُ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ لَيْلَةِ الْقَدْرِ : لَيْلَةِ الْحُكْمِ . حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَ : ثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ﴿إِنَّا أَنْـزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ﴾ قَالَ : لَيْلَةِ الْحُكْمِ .
ثَنَا وَكِيعٌ . عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُوقَةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ : يُؤْذَنُ لِلْحُجَّاجِ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ، فَيُكْتَبُونَ بِأَسْمَائِهِمْ وَأَسْمَاءِ آبَائِهِمْ ، فَلَا يُغَادِرُ مِنْهُمْ أَحَدٌ ، وَلَا يُزَادُ فِيهِمْ ، وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُمْ . حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ ، قَالَ : ثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ ، قَالَ : ثَنَا رَبِيعَةُ بْنُ كُلْثُومَ ، قَالَ : قَالَ رَجُلٌ لِلْحَسَنِ وَأَنَا أَسْمَعُ : رَأَيْتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي كُلِّ رَمَضَانَ هِيَ ؛ قَالَ : نَعَمْ ، وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِنَّهَا لَفِي كُلِّ رَمَضَانَ ، وَإِنَّهَا لِلَيْلَةِ الْقَدْرِ ، ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ﴾ فِيهَا يَقْضِي اللَّهُ كُلَّ أَجَلٍ وَعَمَلٍ وَرِزْقٍ ، إِلَى مِثْلِهَا .
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ . قَالَ : ثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : لَيْلَةُ الْقَدْرِ فِي كُلِّ رَمَضَانَ . وَقَوْلُهُ : ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ ﴾ يَقُولُ : وَمَا أَشْعَرَكَ يَا مُحَمَّدُ أَيُّ شَيْءٍ ﴿لَيْلَةَ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ﴾.
اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى ذَلِكَ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَى ذَلِكَ : الْعَمَلُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ بِمَا يُرْضِي اللَّهَ ، خَيْرٌ مِنَ الْعَمَلِ فِي غَيْرِهَا أَلْفَ شَهْرٍ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : ثَنَا مِهْرَانُ ، عَنْ سُفْيَانَ ، قَالَ : بَلَغَنِي عَنْ مُجَاهِدٍ ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ﴾ قَالَ : عَمَلُهَا وَصِيَامُهَا وَقِيَامُهَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ . قَالَ : ثَنَا الْحَكَمُ بْنُ بَشِيرٍ ، قَالَ : ثَنَا عَمْرُو بْنُ قَيْسٍ الْمُلَائِيُّ ، قَوْلُهُ : خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ قَالَ : عَمَلٌ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ عَمَلِ أَلْفِ شَهْرٍ .
وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ ﴿لَيْلَةَ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ﴾، لَيْسَ فِيهَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ لَيْسَ فِيهَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ . وَقَالَ آخَرُونَ فِي ذَلِكَ : مَا حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : ثَنَا حَكَّامُ بْنُ سَلْمٍ ، عَنِ الْمُثَنَّى بْنِ الصَّبَّاحِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ رَجُلٌ يَقُومُ اللَّيْلَ حَتَّى يُصْبِحَ ، ثُمَّ يُجَاهِدُ الْعَدُوَّ بِالنَّهَارِ حَتَّى يُمْسِيَ ، فَفَعَلَ ذَلِكَ أَلْفَ شَهْرٍ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ : ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ﴾ قِيَامُ تِلْكَ اللَّيْلَةِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِ ذَلِكَ الرَّجُلِ .
وَقَالَ آخَرُونَ فِي ذَلِكَ : مَا حَدَّثَنِي أَبُو الْخَطَّابِ الْجَارُودِيُّ سُهَيْلٌ ، قَالَ : ثَنَا سَلْمُ بْنُ قُتَيْبَةَ ، قَالَ : ثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ الْفَضْلِ ، عَنْ عِيسَى بْنِ مَازِنِ ، قَالَ : قُلْتُ لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ رِضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : يَا مُسَوِّدَ وُجُوهُ الْمُؤْمِنِينَ ، عَمَدْتَ إِلَى هَذَا الرَّجُلِ ، فَبَايَعْتَ لَهُ ، يَعْنِي مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ ، فَقَالَ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُرِيَ فِي مَنَامِهِ بَنِي أُمِّيَّةَ يَعْلُونَ مِنْبَرَهُ خَلِيفَةً خَلِيفَةً ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ﴾ وَ ﴿إِنَّا أَنْـزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ١ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ ٢ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ﴾ يَعْنِي مُلْكَ بَنِي أُمِّيَّةَ ; قَالَ الْقَاسِمُ : فَحَسَبْنَا مُلْكَ بَنِي أُمِّيَّةَ ، فَإِذَا هُوَ أَلْفُ شَهْرٍ . وَأَشْبَهُ الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِظَاهِرِ التَّنْزِيلِ قَوْلُ مَنْ قَالَ : عَمَلٌ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِ أَلْفِ شَهْرٍ ، لَيْسَ فِيهَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ . وَأَمَّا الْأَقْوَالُ الْأُخَرُ ، فَدَعَاوَى مَعَانٍ بَاطِلَةٍ ، لَا دَلَالَةَ عَلَيْهَا مِنْ خَبَرٍ وَلَا عَقْلٍ ، وَلَا هِيَ مَوْجُودَةٌ فِي التَّنْزِيلِ .
وَقَوْلُهُ : ﴿تَنَـزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ ﴾ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلٍ ذَلِكَ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَى ذَلِكَ : تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَجِبْرِيلُ مَعَهُمْ ، وَهُوَ الرُّوحُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ يَعْنِي بِإِذْنِ رَبِّهِمْ ، مِنْ كُلِّ أَمْرٍ قَضَاهُ اللَّهُ فِي تِلْكَ السَّنَةِ ، مَنْ رِزْقٍ وَأَجَلٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، فِي قَوْلِهِ : مِنْ كُلِّ أَمْرٍ قَالَ : يُقْضَى فِيهَا مَا يَكُونُ فِي السَّنَةِ إِلَى مِثْلِهَا . فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ مُنْتَهَى الْخَبَرِ ، وَمَوْضِعُ الْوَقْفِ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ .
وَقَالَ آخَرُونَ : تَنَـزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ لَا يَلْقَوْنَ مُؤْمِنًا وَلَا مُؤْمِنَةً إِلَّا سَلَّمُوا عَلَيْهِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حُدِّثْتُ عَنْ يَحْيَى بْنِ زِيَادٍ الْفَرَّاءِ ، قَالَ : ثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ ، عَنِ الْكَلْبِيِّ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ : مِنْ كُلِّ امْرِئٍ سَلَامٌ وَهَذِهِ الْقِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ بِهَا وَجَّهَ مَعْنَى مِنْ كُلِّ امْرِئٍ : مِنْ كُلِّ مَلَكٍ ; كَانَ مَعْنَاهُ عِنْدَهُ : تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنٍ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ مَلِكٍ يُسَلِّمُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ; وَلَا أَرَى الْقِرَاءَةَ بِهَا جَائِزَةٌ ، لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقُرَّاءِ عَلَى خِلَافِهَا ، وَأَنَّهَا خِلَافٌ لِمَا فِي مَصَاحِفَ الْمُسْلِمِينَ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي مُصْحَفٍ مِنْ مَصَاحِفَ الْمُسْلِمِينَ فِي قَوْلِهِ أَمْرٍ يَاءٌ ، وَإِذَا قُرِئَتْ : ( مِنْ كُلِّ امْرِئٍ ) لَحِقَتْهَا هَمْزَةٌ ، تَصِيرُ فِي الْخَطِّ يَاءً . وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ : الْقَوْلُ الْأَوَّلُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ قَبْلُ ، عَلَى مَا تَأَوَّلَهُ قَتَادَةُ .
وَقَوْلُهُ : ﴿سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ ﴾ سَلَامُ لَيْلَةِ الْقَدْرِ مِنَ الشَّرِّ كُلِّهِ مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ لَيْلَتِهَا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ سَلامٌ هِيَ قَالَ : خَيْرٌ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ .
حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ سَلامٌ أَيْ : هِيَ خَيْرٌ كُلُّهَا إِلَى مَطْلَعِ الْفَجْرِ . حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَ : ثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ إِسْرَائِيلَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ﴿سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ ﴾ قَالَ : مِنْ كُلِّ أَمْرِ سَلَامٌ . حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِ اللَّهِ : سَلامٌ هِيَ قَالَ : لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ ، هِيَ خَيْرٌ كُلُّهَا حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ .
حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَسْرُوقِيُّ ، قَالَ : ثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ الْحِمَّانِيُّ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنِ الْمِنْهَالِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، فِي قَوْلِهِ : مِنْ كُلِّ أَمْرٍ سَلامٌ هِيَ قَالَ : لَا يَحْدُثُ فِيهَا أَمْرٌ . وَعُنِيَ بِقَوْلِهِ : حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ : إِلَى مَطْلَعِ الْفَجْرِ . وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ : حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ فَقَرَأَتْ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ ، سِوَى يَحْيَى بْنِ وَثَّابٍ وَالْأَعْمَشِ وَالْكِسَائِيِّ مَطْلَعِ الْفَجْرِ بِفَتْحِ اللَّامِ ، بِمَعْنَى : حَتَّى طُلُوعِ الْفَجْرِ ; تَقُولُ الْعَرَبُ : طَلَعَتِ الشَّمْسُ طُلُوعًا وَمَطْلَعًا .
وَقَرَأَ ذَلِكَ يَحْيَى بْنُ وَثَّابٍ وَالْأَعْمَشُ وَالْكِسَائِيُّ : حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ بِكَسْرِ اللَّامِ ، تَوْجِيهًا مِنْهُمْ ذَلِكَ إِلَى الِاكْتِفَاءِ بِالِاسْمِ مِنَ الْمَصْدَرِ ، وَهُمْ يَنْوُونَ بِذَلِكَ الْمَصْدَرِ . وَالصَّوَابُ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا : فَتْحُ اللَّامِ لِصِحَّةِ مَعْنَاهُ فِي الْعَرَبِيَّةِ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمَطْلَعَ بِالْفَتْحِ هُوَ الطُّلُوعُ ، وَالْمَطْلِعَ بِالْكَسْرِ : هُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي تَطَلُعُ مِنْهُ ، وَلَا مَعْنَى لِلْمَوْضِعِ الَّذِي تَطَلُعُ مِنْهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ . آخِرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ الْقَدْرِ