المؤلف: أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي الطحاوي
عدد الأحاديث: 1٬004
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ قَالَ أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن سلمة الطحاوي الأزدي رحمه الله : أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَزَّ بَعَثَ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاتِمًا لِأَنْبِيَائِهِ الَّذِينَ كَانَ بَعَثَهُمْ قَبْلَهُ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ وَسَلَامُهُ وَرَحْمَتُهُ وَبَرَكَاتُهُ - وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ كِتَابًا خَاتِمًا لِكُتُبِهِ الَّتِي كَانَ أَنْزَلَهَا قَبْلَهُ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهَا وَمُصَدِّقًا لَهَا ، وَأَمَرَ فِيه مَنْ آمَنَ بِهِ بِتَرْكِ رَفْعِ أَصْوَاتِهِمْ فَوْقَ صَوْتِهِ ، وَتَرْكِ التَّقَدُّمِ بَيْنَ يَدَيْ أَمْرِهِ ، وَأَعْلَمَهُمْ أَنَّهُ قَدْ تَوَلَّاهُ فِيمَا يَنْطِقُ بِهِ بِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى . وَأَمَرَهُمْ بِالْأَخْذِ بِمَا آتَاهُمْ بِهِ وَالِانْتِهَاءِ عَمَّا نَهَاهُمْ عَنْهُ بِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ، وَنَهَاهُمْ أَنْ يَكُونُوا مَعَهُ كَبَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ . وَحَذَّرَهُمْ فِي فِعْلِهِمْ ذَلِكَ إنْ فَعَلُوهُ حُبُوطَ أَعْمَالِهِمْ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ، وَحَذَّرَ مَعَ ذَلِكَ مَنْ خَالَفَ أَمْرَهُ بِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَإِنِّي نَظَرْتُ فِي الْآثَارِ الْمَرْوِيَّةِ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْأَسَانِيدِ الْمَقْبُولَةِ الَّتِي نَقَلَهَا ذَوُو التَّثَبُّتِ فِيهَا وَالْأَمَانَةِ عَلَيْهَا ، وَحُسْنِ الْأَدَاءِ لَهَا ، فَوَجَدْت فِيهَا أَشْيَاءَ مِمَّا يَسْقُطُ مَعْرِفَتُهَا ، وَالْعِلْمُ بِمَا فِيهَا عَنْ أَكْثَرِ النَّاسِ فَمَالَ قَلْبِي إلَى تَأَمُّلِهَا وَتِبْيَانِ مَا قَدَرْت عَلَيْهِ مِنْ مُشْكِلِهَا ، وَمِنْ اسْتِخْرَاجِ الْأَحْكَامِ الَّتِي فِيهَا ، وَمِنْ نَفْيِ الْإِحَالَاتِ عَنْهَا ، وَأَنْ أَجْعَلَ ذَلِكَ أَبْوَابًا أَذْكُرُ فِي كُلِّ بَابٍ مِنْهَا مَا يَهَبُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِي مِنْ ذَلِكَ مِنْهَا حَتَّى آتِيَ فِيمَا قَدَرْت عَلَيْهِ مِنْهَا ، كَذَلِكَ مُلْتَمِسًا ثَوَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِ ، وَاَللَّهَ أَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ لِذَلِكَ وَالْمَعُونَةَ عَلَيْهِ ، فَإِنَّهُ جَوَّادٌ كَرِيمٌ ، وَهُوَ حَسْبِي وَنِعْمَ الْوَكِيلُ . وَابْتَدَأْتُهُ بِمَا أَمَرَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِابْتِدَاءِ الْحَاجَةِ بِهِ مِمَّا قَدْ رُوِيَ عَنْهُ بِأَسَانِيدَ أَنَا ذَاكِرُهَا بَعْدَ ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَهُوَ : إنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ ، وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا ، مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ، وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ، وَ اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا . وَكَانَتْ الْأَسَانِيدُ الَّتِي رُوِيَتْ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما قَدْ ذَكَرْنَا مِنْ خُطْبَةِ الْحَاجَةِ بِهَا : . 1 - مَا قَدْ حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ نَصْرِ بْنِ الْمُعَارِكِ الْبَغْدَادِيُّ أَبُو عَلِيٍّ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادٍ ، حَدَّثَنَا الْمَسْعُودِيُّ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ ، عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : عَلَّمَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُطْبَةَ الْحَاجَةِ ، فَذَكَرَ هَذَا الْكَلَامَ بِعَيْنِهِ . 2 - وَمَا قَدْ حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ أَيْضًا ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ ، أَخْبَرَنَا الْمَسْعُودِيُّ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ ، عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : عَلَّمَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَهُ . 3 - وَمَا قَدْ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ سِنَانِ بْنِ يَزِيدَ الْبَصْرِيُّ أَبُو خَالِدٍ ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ الزَّهْرَانِيُّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ الْعَبْدِيُّ ، قَالَا : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ يُعَلِّمُنَا خُطْبَةَ الْحَاجَةِ ، ثُمَّ ذَكَرَ هَذَا الْكَلَامَ بِعَيْنِهِ . وَزَادَ بِشْرٌ قَالَ شُعْبَةُ : وَقَدْ أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بِهَذَا الْحَدِيثِ ، وَأَنَّ هَذَا حَدِيثُ أَبِي عُبَيْدَةَ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَكَانَ هَذَا الَّذِي وَجَدْنَاهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْمَعْنَى مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مِمَّا يَدْخُلُ فِي هَذَا الْمَعْنَى أَيْضًا : . 4 - مَا قَدْ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ دَاوُد ، وَفَهْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، قَالَا : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّلْتِ الْكُوفِيُّ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا ، عَنْ دَاوُد بْنِ أَبِي هِنْدٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَلَّمَ رَجُلٌ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي حَاجَةٍ ؛ فَأَجَابَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ ، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ ، فَلَا مُضِلَّ لَهُ ، وَمَنْ يُضْلِلْ ، فَلَا هَادِيَ لَهُ ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، أَمَّا بَعْدُ : وَقَدْ رُوِيَ عَنْ نُبَيْطِ بْنِ شَرِيطٍ مَا يَدْخُلُ فِي هَذَا الْمَعْنَى أَيْضًا : 5 - مَا حَدَّثَنَا فَهْدٌ ، حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ النَّهْدِيُّ ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَنْصَارِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو مَالِكٍ الْأَشْجَعِيُّ . عَنْ نُبَيْطِ بْنِ شَرِيطٍ قَالَ : كُنْت رَدِيفَ أَبِي عَلَيَّ عَجُزِ الرَّاحِلَةِ ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ عِنْدَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ ، وَهُوَ يَقُولُ : الْحَمْدُ لِلَّهِ ، نَسْتَعِينُهُ ، وَنَسْتَغْفِرُهُ ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، وَأَنِّي عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، ثُمَّ قَالَ : أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ . ثُمَّ قَالَ : فَمِمَّا أَنَا ذَاكِرُهُ مِنْ الْأَبْوَابِ الَّتِي أَنَا مُجْرِي كِتَابِي هَذَا عَلَى مِثْلِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ .
752 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من سروره بقول مجزز المدلجي في زيد بن حارثة وأسامة ابنه لما رأى أقدامهما بادية ووجوههما مغطاة إن هذه لأقدام بعضها من بعض . 5638 - حدثنا يونس بن عبد الأعلى ، قال : حدثنا ابن عيينة ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة دخل مجزز المدلجي على رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى أسامة وزيدا وعليهما قطيفة قد غطيا رؤوسهما ، فقال : إن هذه لأقدام بعضها من بعض ، فدخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم مسرورا . 5639 - حدثنا يونس ، قال : حدثنا شعيب بن الليث بن سعد ، عن أبيه ، عن ابن شهاب ، عن عروة ، عن عائشة أنها قالت : دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم تبرق أسارير وجهه ، فقال : ألم تري أن مجززا نظر آنفا إلى زيد بن حارثة وأسامة بن زيد ، فقال : إن بعض هذه الأقدام لمن بعض . فقال قائل : لو لم يكن في القافة إلا ما في هذا الحديث ، لكان فيه ما قد دل أن مع أهلها بها علما هذه معاني ألفاظه ، وإن لم تكن ألفاظنا ألفاظه . فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله - عز وجل - وعونه : أنا لم ننكر أن مع أهل القيافة بالقيافة علما ، ولكنه ليس من العلوم التي يقطع بها فيما تذهب أنت إلى أنه يقطع بها فيه من الأنساب المدعاة المختلف فيها ، وإنما هي عندنا كعلم التجار بالسلع التي يتباينون ومن سواهم في معرفة أجناسها ، وفي معرفة بلدانها ، فيقول هذا : هي من بلد كذا ، ويقول هذا : هي من بلد كذا ، فيختلفون في بلدانها التي صنعت فيها ، ويتبين ذوو العلم منهم فيما يقولونه في ذلك بالإضافة فيما يقولونه فيه ، وحتى يقول بعضهم : هي من صنعة فلان ، فيصيب بذلك حقيقة الأمر في ذلك ، وليس ذلك مما يجب أن يستعمل به حكم ، ولكنه علم يعلمه قوم ، ويجهله آخرون . فمثل ذلك القيافة التي يتباين الناس فيها ، فيعلمها بعضهم ، ويجهلها بعضهم ويضيفها بعضهم إلى صانع بعينه ، كما يضيف القائف الولد إلى رجل بعينه ، وكما كان لا يجوز أن تحكم بالسلعة المدعاة بشهادة من شهد أنها من عمل فلان أحد من يدعيها بغير حضور منه ، لوقوعه على عمله إياها ، فمثل ذلك الولد لا يجب أن يحكم به بقول القافة إنه من نطفة ذلك الرجل الذي لم يره قط قبل ذلك الوقت ، ولم يسمع منه إقرارا بما أضافه إليه يكون ما يقوله في ذلك علما يتبين به عن غيره ممن لا علم معه بمثله ، ويجوز لمن يقع في قلبه مثل ذلك ، أو من قد علم حقيقة الأمر فيه قبل ذلك أن يسر به ، ولا يكون مع شيء من ذلك وجوب القضاء ولا وجوب الحكم به ، ولو وجب أن يستعمل ذلك فيما ذكرنا لوجب أن يستعمل في قفو الآثار التي يتبين أهل العلم بها بما يعلمون منها ، فيكون من قال : لعبده إن دخلت موضع كذا اليوم فأنت حر ، فيدعي العبد بعد مضي ذلك اليوم أنه قد كان دخل في ذلك اليوم ، ويكذبه مولاه في ذلك ، ويشهد جماعة من أهل العلم بقفو الآثار على أثر قدم يرى في ذلك المكان أنها قدم ذلك العبد أن يحكموا بقولهم ، وأن يعتقوه على مولاه بذلك ، أو يكون مولاه قال له : إن كنت دخلت هذه الدار قبل قولي هذا فأنت حر ، فيدعي العبد أنه قد كان دخلها قبل ذلك ، وينكر ذلك مولاه ، ويشهد على ذلك جماعة من القافة ، فيشهدون أن هذه قدمه أن يحكم بذلك ، وأن يعتقوه على مولاه فمما قد روي مما كان يستعمل فيه قفو الآثار . 5640 - ما قد حدثنا فهد بن سليمان ، قال : حدثنا أبو غسان مالك بن إسماعيل النهدي ، قال : حدثنا زهير بن معاوية ، قال : حدثنا سماك بن حرب ، عن معاوية بن قرة ، عن أنس بن مالك ، قال : أتى رسول الله نفر من حي من أحياء بني فلان ، فأسلموا وبايعوه ، وقد وقع الموم وهو البرسام ، فقالوا : يا رسول الله ، هذا الوجع قد وقع ، فلو أذنت لنا خرجنا إلى الإبل ، فكنا فيها ، فقال لهم : اخرجوا فكونوا فيها ، فخرجوا فقتلوا أحد الراعيين ، وذهبوا بالإبل ، وجاء الآخر قد جرح ، فقال : قد قتلوا صاحبي وذهبوا بالإبل ، قال : وعنده شباب من الأنصار قريب من عشرين ، فأرسلهم إليهم ، وبعث معهم قائفا يقتص أثرهم فأتاهم ، فقطع أيديهم وأرجلهم ، وسمر أعينهم قال : وفي إجماعهم أنهم لا يستعملون أقوال القافة فيما ذكرنا ما قد يلزمهم به أن لا يستعملوا أقوالهم فيما قد ذكرناه قبل ذلك في هذا الباب ، فإن قال : قائل قد كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - استعمل أقوالهم في الأنساب ، وقضى بها فيها . وذكر 5641 - ما قد حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، قال : حدثنا وهب بن جرير ، قال : حدثنا شعبة ، عن توبة العنبري ، عن الشعبي ، عن ابن عمر أن رجلين اشتركا في طهر امرأة ، فولدت فدعا عمر القافة ، فقالوا : أخذ الشبه منهما جميعا فجعله بينهما . وما 5642 - قد حدثنا علي بن شيبة ، قال : حدثنا يزيد بن هارون ، قال : أخبرنا همام بن يحيى ، عن قتادة ، عن سعيد بن المسيب : أن رجلين اشتركا في طهر امرأة فولدت لهما ولدا ، فارتفعا إلى عمر بن الخطاب ، فدعا لهما ثلاثة من القافة ، فدعا بتراب فوطئ فيه الرجلان والغلام ، ثم قال لأحدهم : انظر ، فنظر فاستقبل واستعرض واستدبر ، ثم قال : أسر أم أعلن ، فقال عمر : بل أسر ، قال : لقد أخذ الشبه منهما جميعا ، فما أدري لأيهما هو ، فأجلسه ، ثم قال للآخر : انظر فنظر ، فاستقبل واستعرض واستدبر ، ثم قال : أسر أم أعلن ، قال : بل أسر ، قال : لقد أخذ الشبه منهما جميعا ، فما أدري لأيهما هو ، فأجلسه ، ثم أمر الثالث ، فنظر فاستقبل واستعرض واستدبر ، ثم قال : أسر أم أعلن ، قال : أعلن ، قال : لقد أخذ الشبه منهما جميعا ، فما أدري لأيهما هو ، فقال عمر : إنا نقوف الآثار ثلاثا يقولها ، وكان عمر قائفا ، فجعله لهما يرثانه ويرثهما ، فقال لي سعيد : أتدري من عصبته ، قلت : لا ، قال : الباقي منهما . قال : فهذا عمر قد استعمل في الأنساب أقوال القافة ، فجعل الولد المدعى بين مدعييه جميعا بقولهم ، وذلك منه بحضرة من سواه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلم ينكروا ذلك عليه ، ولم يخالفوه فيه ، فدل ذلك على متابعتهم إياه عليه . فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله وعونه : أن عمر لم يقض في ذلك بأقوال القافة ؛ لأنهم إنما قالوا في حديث سعيد بن المسيب : إنهم لا يدرون لأيهما هو ، لأخذه الشبه منهما ، فجعل عمر الولد منهما جميعا ، وذلك غير ما قال القافة ، فدل ذلك أن عمر لم يقض بما قد جهله القافة بقول القافة الذي قد جهلوه ، ولكنه قضى في ذلك بغيره ، وهو مدعى مدعييه إياه بأيديهما عليه ، وجواز قول كل واحد منهما فيه ، وأما حديث توبة فجعله بينهما ، فقد يجوز أن يكون كان ذلك منه بعدما قد تقدمه ما في حديث سعيد بن المسيب ، وبعد هذا كله ، فإن المحتج علينا بحديثي عمر هذين لا يجعل الولد ابن رجلين ، فإذا كان لا يجعله ابن رجلين وعمر فقد جعله ابنهما كان هذا الحديث عليه لا له ، فقال : هذا القائل : فإنه قد روي عن عمر في هذه القصة غير هذا القول الذي في هذين الحديثين . وهو 5643 - ما قد حدثنا بحر بن نصر ، قال : حدثنا عبد الله بن وهب ، قال : أخبرني عبد الرحمن بن أبي الزناد ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن يحيى بن حاطب ، عن أبيه هكذا ، حدثناه بحر ، وإنما هو يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب ، عن أبيه ، قال : أتى رجلان إلى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في غلام من ولادة الجاهلية يقول : هذا هو ابني ، ويقول : هذا هو ابني ، فدعا لهما عمر قائفا من بني المصطلق ، فسأله عن الغلام ، فنظر إليه المصطلقي ، ثم نظر ، ثم قال لعمر : والذي أكرمك إني لأجدهما قد اشتركا فيه جميعا ، فقام إليه عمر فضربه بالدرة حتى اضطجع ، ثم قال : والله لقد ذهب بك النظر إلى غير مذهب ، ثم دعا أم الغلام ، فسألها فقالت : إن هذا لأحد الرجلين قد كان غلب علي الناس حتى ولدت له أولادا ، ثم وقع بي على نحو ما كان يفعل ، فحملت فيما أرى فأصابني هراقة من دم حتى وقع في نفسي أن لا شيء في بطني ، ثم إن هذا الآخر وقع بي ، فوالله ما أدري من أيهما هو ، فقال عمر للغلام : اتبع أيهما شئت ، فاتبع أحدهما ، قال عبد الرحمن بن حاطب : وكأني أنظر إليه متبعا لأحدهما ، فذهب به ، وقال عمر : قاتل الله أخا بني المصطلق . قال أبو جعفر : وقد دل ما في آخر هذا الحديث من قول راويه ، قال عبد الرحمن بن حاطب : فكأنني أنظر إليه متبعا لأحدهما على ما قد ذكرنا في إسناده أنه عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب ، عن أبيه ، قال : ففي هذا الحديث ، أن عمر ، قال للغلام : اتبع أيهما شئت ، وهذا خلاف ما في حديثي ابن عمر وابن المسيب اللذين ذكرت . فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله جل وعز وعونه : أن ما في حديثي ابن عمر وابن المسيب في صبي لا يعبر عن نفسه ويد مدعييه عليه ، فرد حكمه إلى ما يقولان فيه ، فجعله إليهما جميعا . وما في حديث يحيى بن عبد الرحمن في صبي سواه يعبر عن نفسه لو ادعاه أحد الرجلين ، أو رجل هو في يده لا يد عليه غير يده فدفعه عن ذلك لم تقبل دعواه إياه لدفعه إياه عنها ، فلم يقض عمر به لهما لذلك ، ورد الأمر في ذلك إلى ما يقوله الغلام المدعى فيه ، وهكذا نقول نحن في الغلام الذي لا يعبر عن نفسه إذا ادعاه رجلان أيديهما عليه لا يد عليه سوى أيديهما أنه يكون ابنهما جميعا ، وإذا كان يعبر عن نفسه لم يجعل ابنهما جميعا بدعواهما إياه ، وجعل ابن الذي يصدقه منهما على ما يدعيه فيه ، فكنا نحن المتمسكين بما روي عن عمر في هذه الآثار كلها ، وكان هو فيها بخلاف ذلك ، وعاد ما احتج به علينا لقوله فيما ذكرنا حجة لنا عليه فيما خالفنا فيه . وفي حديث يحيى بن عبد الرحمن ما قد دل أن عمر لم يستعمل قول القافة لمعنى غير المعنى الذي ذكرنا ، وهو : أن قول القافة لو كان مستعملا في ذلك لكان الولد المدعى ، لما صدق أحد مدعييه ، يكون قول القافة حجة للآخر أنه ابنه ، ويكون كولد ادعاه رجلان ، فصدق أحدهما وكذب الآخر ، فأقام الآخر بينة أنه ابنه أنه مأخوذ له بها ، وأنها أولى من قول الغلام ، ففي تركهم الأخذ له بقول القافة في ذلك أن لا معنى كان لقول القافة عنده من وجوب حكم به في نسب ، ولا في غيره . فإن قال قائل : كيف يجوز ما ذكرت ، ويكون قول القافة عنده لا معنى له ، وهو قد دعاهم وسألهم عن ما خوصم إليه فيه ، ولم يكن ذلك إلا وبه حاجة إلى قولهم . فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله - عز وجل - وعونه : أنه قد كانت به حاجة إلى قولهم : إن الولد قد يكون من رجلين ، وإن ذلك غير مستحيل ، فيستعمل فيه الواجب استعماله بقول مدعيي الولد ، لا بقول القافة ، أو يكون محالا فلا يتشاغل بذلك ، ولا يقول فيه شيئا ، والدليل على أن ذلك كان كذلك : 5644 - أن بكار بن قتيبة حدثنا ، قال : حدثنا سعيد بن عامر ، قال : حدثنا عوف بن أبي جميلة ، عن أبي المهلب : أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قضى في رجل ادعاه رجلان ، كلاهما يزعم أنه ابنه ، وذلك في الجاهلية ، فدعا عمر أم الغلام المدعى ، فقال : أذكرك بالذي هداك للإسلام لأيهما هو ؟ قالت : لا ، والذي هداني للإسلام لا أدري لأيهما هو ، أتاني هذا أول الليل ، وأتاني هذا آخر الليل ، فما أدري لأيهما هو ، فدعا عمر من القافة بأربعة ودعا ببطحاء فنثرها ، فأمر الرجلين المدعيين فوطئ كل واحد منهما بقدم وأمر المدعي ، فوطئ بقدم ، ثم أراه القافة ، فقال : انظروا فإذا أثبتم فلا تكلموا حتى أسألكم فنظر القافة فقالوا : قد أثبتنا ، ثم فرق بينهم ، ثم سألهم رجلا رجلا ، فتعاقدوا ، يعني : فتتابعوا أربعتهم ، كلهم يشهد أن هذا لمن هذين ، فقال عمر : يا عجبا لما يقول هؤلاء ، قد كنت أعلم أن الكلبة تلقح بالكلاب ذوات العدد ، ولم أكن أشعر أن النساء يفعلن ذلك قبل هذا ، إني لأرى ما ترون ، اذهب فإنهما أبواك . فدل ما ذكرنا على أن عمر - رضي الله عنه - إنما احتاج إلى القافة لتنتفي الإحالة عن الدعوى ، لا لما سوى ذلك ، والدليل على أن مذهب عمر كان ألا يقضى بقول القافة في نسب ولا في غيره . 5645 - ما قد حدثنا المزني ، قال : حدثنا الشافعي . وما قد حدثنا علي بن شيبة ، قال : حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي ، قال المزني : عن سفيان بن عيينة ، وقال علي : قال : أخبرنا سفيان بن عيينة ، عن عبيد الله بن أبي يزيد ، عن أبيه ، قال : أرسل عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - إلى شيخ من بني زهرة من أهل دارنا ، فذهبت مع الشيخ إلى عمر وهو في الحجر ، فسأله عن ولاد من ولاد الجاهلية ، قال : وكانت المرأة في الجاهلية إذا طلقها زوجها أو مات عنها ، نكحت بغير عدة ، فقال الرجل : أما النطفة ، فمن فلان ، وأما الولد فعلى فراش فلان ، فقال عمر : صدق ، ولكن قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بالولد للفراش . قال أبو جعفر : أفلا ترى أن عمر لم يلتفت إلى ما قال ذلك الرجل المسؤول في النطفة ، وهي ما سئل به القافة على ما يقولونه في ذلك ، ورد الحكم إلى ما يخالفه مما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى به ، وما يؤكد ذلك أيضا : أن أهل الإسلام لم يختلفوا في الرجل ينفي ولد زوجته التي قد ولدته على فراشه ، ويقول : ليس هو مني ، وتقول أمه : هو منه أنه يلاعن بينهما ، وينفى منه ، ويرد إلى أمه ، وأن أمه لو جاءت لجماعة من القافة يشهدون لها بتصديقها ، وأن الولد منه ، أن قولهم في ذلك كلا قول ، وأن حكم اللعان الذي يكون نفي نسبه به منه قائما على حاله ، وأن قول القافة في ذلك ليس كشهادة بينة عادلة عليه أنه ابنه ، هذه يقضى بها ، ولا يستعمل معها اللعان . وفي ذلك ما قد دل أن أقوال القافة فيما ذكرنا ليس بحجة ، وإنما كانت أقوال القافة تستعمل في الجاهلية في مثل هذا المعنى في ما قد نفاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ورد الأحكام إلى خلافه مما أهل الإسلام عليه . 5646 - مما قد حدثنا إبراهيم بن أبي داود ، قال : حدثنا أصبغ بن الفرج ، قال : حدثنا عبد الله بن وهب ، قال : أخبرني يونس بن يزيد ، عن ابن شهاب ، قال : أخبرني عروة بن الزبير : أن عائشة أخبرته أن النكاح كان في الجاهلية على أربعة أنحاء : فنكاح منها نكاح الناس اليوم ، يخطب الرجل إلى الرجل ابنته فيصدقها ، ثم ينكحها . ونكاح آخر : كان الرجل يقول لامرأته إذا طهرت من طمثها : أرسلي إلى فلان ، فاستبضعي منه ، ويعتزلها زوجها ، ولا يمسها أبدا حتى يبين حملها من ذلك الرجل ، الذي يستبضع منه ، فإذا تبين حملها أصابها زوجها إن أحب ، وإنما يصنع ذلك رغبة في نجابة الولد ، وكان هذا النكاح نكاح الاستبضاع . ونكاح آخر : يجتمع الرهط دون العشرة يدخلون على المرأة ، فكلهم يصيبها ، فإذا حملت ووضعت ، ومرت ليال بعد أن تضع حملها ، أرسلت إليهم ، فلم يستطع رجل أن يمتنع حتى يجتمعوا عندها ، فتقول لهم : قد عرفتم الذي كان من أمرها ، وقد ولدت وهو ولدك يا فلان ، وتسمي من أحبت منهم باسمه ، فيلحق به ولدها ، لا يستطيع أن يمتنع . ونكاح رابع : يجتمع الناس الكثير فيدخلون على المرأة ، فلا تمتنع ممن جاءها ، وهن البغايا ، كن ينصبن على أبوابهن رايات ، فمن أرادهن دخل عليهن ، فإذا حملت إحداهن ، ووضعت حملها ، جمعوا لها ودعوا لهم القافة ، فألحقوا ولدها بالذي يرون ، ودعي ابنه ، لا يمتنع من ذلك ، فلما بعث الله - عز وجل - محمدا صلى الله عليه وسلم بالحق ، هدم نكاح أهل الجاهلية كله إلا نكاح أهل الإسلام اليوم . قال : ففي هذا الحديث نفي رسول الله صلى الله عليه وسلم قول القافة فيما كان يستعمل فيه مما ذكرناه في هذا الحديث ، ورد أحكام الأنساب إلى الفرش لا إلى ما سواها . وقد اختلف أهل العلم في هذا الباب ، فأما أبو حنيفة والثوري وسائر أهل الكوفة ، فلا يستعملون للقافة قولا في شيء من الأشياء . وأما مالك فقد كان يستعمل أقوال القافة في الإماء ، ولا يستعمله في الحرائر وفي نفيه استعماله في الحرائر ما يجب به نفي استعماله في الإماء . وأما الشافعي : فقد كان يستعمله في الحرائر ، وفي الإماء جميعا ، وفيما تقدم ذكرنا له في هذا الباب مما قد وضح به الأمر في أقوال القافة بما قد ذكرناه فيه مما يوجب نفيه في الأشياء كلها ، والله نسأله التوفيق .
1 - بَابُ مَا قَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي أَشَدِّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ . 6 - وَهُوَ مَا قَدْ حَدَّثَنَا فَهْدٌ ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ ، حَدَّثَنَا أَبَانُ بْنُ يَزِيدَ ، عَنْ عَاصِمٍ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ . عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ نَبِيِّ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : ( إنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَجُلٌ قَتَلَ نَبِيًّا ، أَوْ قَتَلَهُ نَبِيٌّ ، وَإِمَامُ ضَلَالَةٍ ، وَمُمَثِّلٌ مِنْ الْمُمَثِّلِينَ ) . قَالَ أَبُو جَعْفَرٌ : فَوَقَفْنَا بِهَذَا عَلَى أَشَدِّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَّهُمْ أَهْلُ هَذِهِ الْأَصْنَافِ الثَّلَاثَةِ ، وَفِيهِ مَا يَنْتَفِي أَنْ يَكُونَ لَهُمْ يَوْمَئِذٍ مِثْلٌ مِنْ الْمُعَذَّبِينَ سِوَاهُمْ ، غَيْرَ أَنَّا قَدْ وَجَدْنَا فِي حَدِيثٍ سِوَاهُ مَا يَجِبُ تَأَمُّلُهُ . 7 - وَهُوَ مَا حَدَّثَنَا يُونُسُ ، عَنْ بِشْرِ بْنِ بَكْرٍ ، عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، أَخْبَرَنِي الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ . ( عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا مُسْتَتِرَةٌ بِقِرَامٍ فِيهِ صُورَةٌ ، فَهَتَكَهُ ، ثُمَّ قَالَ : إنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يُشَبِّهُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ) . فَكَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْجِنْسَ الْمَذْكُورَ فِيهِ هُوَ أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا . فَإِنْ كَانَ هَذَا ثَابِتًا ؛ فَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْأَوَّلِ ، وَحَاشَ لِلَّهِ أَنْ يَجْرِيَ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ مَا هُوَ كَذَلِكَ ، فَتَأَمَّلْنَاهُ مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ . 8 - فَوَجَدْنَا يُونُسَ قَدْ حَدَّثَنَا : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ الْقَاسِمِ ، عَنْ عَائِشَةَ : ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ ) وَذَكَرَهُ . فَوَقَفْنَا بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ مَا كَانَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ غَيْرُ مُخَالِفٍ لِمَا فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ ، إذْ كَانَ الْمُشَبِّهُ بِخَلْقِ اللَّهِ هُوَ الْمُمَثِّلُ بِخَلْقِ اللَّهِ ، وَأَنَّ الْجِنْسَ الْمَذْكُورَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ هُوَ مِنْ الْأَجْنَاسِ الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورِينَ فِي الْأَوَّلِ . وَغَيْرَ أَنَّا وَجَدْنَا حَدِيثًا آخَرَ سِوَى ذَيْنَك . 9 - وَهُوَ مَا حَدَّثَنَا أَبُو أُمَيَّةَ ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى الْعَبْسِيُّ ، أَخْبَرَنَا شَيْبَانُ النَّحْوِيُّ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ . عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : ( أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَجُلٌ هَجَا رَجُلًا ، فَهَجَا الْقَبِيلَةَ بِأَسْرِهَا ) . فَإِنْ كَانَ مَا فِي هَذَا كَمَا فِيهِ ، فَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْأَوَّلِ ، وَحَاشَ ذَلِكَ أَنْ يَخْتَلِفَ قَوْلُ الرَّسُولِ فِي هَذَا ، أَوْ فِي غَيْرِهِ ، غَيْرَ أَنَّهُ قَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَا فِي هَذَا مِنْ تَقْصِيرِ بَعْضِ رُوَاتِهِ عَنْ حِفْظِ مَا كَانَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ ، فَالْتَمَسْنَاهُ فِي غَيْرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ . 10 - فَوَجَدْنَا إِسْحَاقَ بْنَ إبْرَاهِيمَ الْبَغْدَادِيَّ قَدْ حَدَّثَنَا ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ( ح ) ، وَحَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ الْوَاسِطِيُّ ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي سَمِينَةَ ، قَالَا : حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : إنَّ أَعْظَمَ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ فِرْيَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ الرَّجُلُ يَهْجُو الْقَبِيلَةَ بِأَسْرِهَا ، أَوْ رَجُلٌ انْتَفَى مِنْ أَبِيهِ . فَوَقَفْنَا بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ الَّذِي قَصَدَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ هُوَ ذِكْرُ مَا كَانَ مِنْهُ الْهِجَاءُ لِعِظَمِ الْفِرْيَةِ عِنْدَ اللَّهِ ، لَا لِوَصْفِ عَذَابِ اللَّهِ إيَّاهُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ أَشَدُّ الْعَذَابِ ، أَوْ خِلَافُهُ مِنْ أَصْنَافِ الْعَذَابِ ، فَانْتَفَى أَنْ يَكُونَ فِيهِ خِلَافٌ لِشَيْءٍ مِمَّا فِي الْأَوَّلِ . وَمِنْ ذَلِكَ :
754 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في سلب المددي - صاحب عوف - الذي دفع إليه خالد بن الوليد بعضه ، ومنعه بقيته ، ثم أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بتسليم بقيته إليه ، ثم أمره بأن لا يفعل ذلك . 5649 - حدثنا محمد بن عبد الرحيم الهروي ، قال : حدثنا دحيم ، قال : حدثنا الوليد بن مسلم ، قال : حدثنا صفوان بن عمرو ، عن عبد الرحمن بن جبير ، عن أبيه ، عن عوف ، قال الوليد : وحدثني ثور ، عن خالد بن معدان ، عن جبير ، عن عوف أن مدديا رافقهم في غزوة مؤتة ، وأن روميا كان يشد على المسلمين ، ويفري بهم ، فتلطف به ذلك المددي فقعد له تحت صخرة ، فلما مر به عرقب فرسه ، وخر الرومي لقفاه ، وعلاه بالسيف فقتله ، فأقبل بفرسه وسرجه ولجامه وسيفه ومنطقته ، وسلاحه مذهب بالذهب والجوهر إلى خالد بن الوليد ، فأخذ منه خالد طائفة ، ونفله بقيته ، فقلت : يا خالد ، ما هذا ؟ ما تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سلب القاتل السلب كله ، قال : بلى ، ولكني استكثرته ، فقلت : أما والله لأعرفنكها عند رسول الله ، قال : عوف فلما قدمنا على رسول الله أخبرته خبره ، فدعاه وأمره أن يدفع إلى المددي بقية سلبه ، فولى خالد ليفعل ، فقلت : كيف رأيت يا خالد ؟ أولم أوف لك ما وعدتك ؟ فغضب رسول الله ، وقال : يا خالد ، لا تعطه . وأقبل علي ، فقال : هل أنتم تاركوا أمرائي ، لكم صفوة أمرهم ، وعليهم كدره . ففي هذا الحديث ، أن خالد بن الوليد كان دفع إلى المددي بعض سلب قتيله ومنعه من بقيته بعد علمه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسلب القاتل سلب من قتله . فتأملنا ذلك فاحتمل عندنا أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يعرض للقاتلين في أسلاب قتلاهم لا بوجوبها للقاتلين ، ولكن لسماحته بها لهم ، لا بواجب لهم فيها . والدليل على ذلك . ما 5650 - قد حدثنا يونس ، قال : حدثنا سفيان بن عيينة ، عن أيوب ، عن ابن سيرين ، عن أنس بن مالك أن البراء بن مالك أخا أنس بن مالك بارز مرزبان الزارة ، فطعنه طعنة ، فكسر القربوس ، وخلص إليه ، فقتله ، فقوم سلبه ثلاثين ألفا ، فلما صلينا الغداة غدا علينا عمر ، فقال لأبي طلحة : إنا كنا لا نخمس الأسلاب وإن سلب البراء قد بلغ مالا ، ولا أرانا إلا خامسيه ، فقومناه ثلاثين ألفا ، فدفعنا إلى عمر ستة آلاف . قال أبو جعفر : وهذا مع حضور عمر وأبي طلحة وأنس بن مالك ما كان من رسول الله يوم حنين من قوله : من قتل قتيلا فله سلبه . وفي ذلك ما ينفي أن يكون فيه خمس ، وقد طلب عمر أخذ الخمس من سلب البراء ، فدل ذلك أنهم كانوا يتركون أخماس الأسلاب لا بواجب عليهم تركها ، ولكن سماحة منهم بها للقاتلين لأهلها ، وإذا كان ذلك كذلك في أخماس الأسلاب كان كذلك هو في بقيتها ، فكان من ذلك ما كان مما له أن يمنع منه ، وكان منه ما كان مما له أن يسمح به وإمضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل قول عوف ، وبعد قوله على ما أمضى الأمر عليه ، بما قد كان له أن يمضيه عليه ، وفي ذلك ما قد دل : أن أسلاب القتلى لا تستحق إلا بقول متقدم من الإمام ، من قتل قتيلا فله سلبه ، فذلك الذي لا يجوز أن يمنع منه بحال من الأحوال ، والله نسأله التوفيق .
2 - بَابُ بَيَانِ مَا أَشْكَلَ عَلَيْنَا مِمَّا قَدْ رُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ الْعَشْرِ الْخَوَاتِمِ مِنْ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ الَّتِي تَلَاهَا فِي لَيْلَةٍ عِنْدَ اسْتِيقَاظِهِ مِنْ نَوْمِهِ وَمَا رُوِيَ عَنْهُ فِي ذَلِكَ . 11 - حَدَّثَنَا يُونُسُ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَنَّ مَالِكًا أَخْبَرَهُ وَمَا قَدْ حَدَّثَنَا إسْمَاعِيلُ الْمُزَنِيّ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ ، عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ ، عَنْ كُرَيْبٍ أَنَّ ( ابْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ : أَنَّهُ بَاتَ عِنْدَ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَهِيَ خَالَتُهُ ، قَالَ : فَاضْطَجَعْتُ فِي عَرْضِ الْوِسَادَةِ ، وَاضْطَجَعَ رسُولُ صلى الله عليه وسلم وَأَهْلُهُ فِي طُولِهَا ، فَنَامَ حَتَّى إذَا انْتَصَفَ اللَّيْلُ - أَوْ قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ ، أَوْ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ - اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَجَعَلَ يَمْسَحُ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ ، ثُمَّ قَرَأَ الْعَشْرَ الْآيَاتِ الْخَوَاتِمَ مِنْ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ ، ثُمَّ قَامَ إلَى شَنٍّ مُعَلَّقَةٍ ، فَتَوَضَّأَ مِنْهَا ، فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : فَقُمْتُ ، فَصَنَعْتُ مِثْلَ مَا صَنَعَ ، ثُمَّ ذَهَبْتُ ، فَقُمْتُ إلَى جَنْبِهِ ، فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى رَأْسِي ، وَأَخَذَ بِأُذُنِي يَفْتِلُهَا ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ أَوْتَرَ ، ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى جَاءَهُ الْمُؤَذِّنُ ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ ، ثُمَّ خَرَجَ ، فَصَلَّى الصُّبْحَ ) . فَلَمْ نَقِفْ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَوَّلِ الْعَشْرِ الْآيَاتِ الَّتِي قَرَأَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَاحْتَجْنَا إلَى الْوُقُوفِ عَلَى حَقِيقَتِهَا إذْ كَانَ الْقُرَّاءُ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، وَمِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ يَذْهَبُونَ إلَى أَنَّ أَوَّلَهَا هُوَ قَوْلُهُ : الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا ، وَإِذْ كَانَ الْقُرَّاءُ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ يَعُدُّونَهَا إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ . فَالْتَمَسْنَا حَقِيقَةَ ذَلِكَ . 12 - فَوَجَدْنَا بَكَّارَ بْنَ قُتَيْبَةَ قَدْ حَدَّثَنَا ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَسَدِيُّ ، وَوَجَدْنَا عَلِيَّ بْنَ مَعْبَدٍ قَدْ حَدَّثَنَا ، قَالَ : حَدَّثَنَا شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ ، وَوَجَدْنَا فَهْدًا قَدْ حَدَّثَنَا ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ ، قَالُوا : حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : ( أَمَرَنِي الْعَبَّاسُ أَنْ أَبِيتَ بِآلِ رَسُولِ اللَّهِ اللَّيْلَةَ ، وَتَقَدَّمَ إلَيَّ أَنْ لَا تَنَامَ حَتَّى تَحْفَظَ لِي صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : فَصَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ الْعِشَاءَ ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ ، وَانْصَرَفَ النَّاسُ ، فَلَمْ يَبْقَ فِي الْمَسْجِدِ أَحَدٌ غَيْرِي ، قَالَ النَّبِيُّ : مَنْ هَذَا ؟ فَقَالَ : أَعَبْدُ اللَّهِ ؟ قُلْت : نَعَمْ ، قَالَ فَمَهْ ؟ قُلْت : أَمَرَنِي الْعَبَّاسُ أَنْ أَبِيتَ بِكُمْ اللَّيْلَةَ ، قَالَ : فَالْحَقْ إذًا ، قَالَ : فَدَخَلْت مَعَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَقَالَ : افْرِشْ عَبْدَ اللَّهِ ، فَأَتَيْت بِوِسَادَةٍ مِنْ مُسُوحٍ حَشْوُهَا لِيفٌ ، فَنَامَ حَتَّى سَمِعْتُ غَطِيطَهُ أَوْ خَطِيطَهُ ، ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى فِرَاشِهِ قَاعِدًا ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ إلَى السَّمَاءِ ، وَقَالَ : سُبْحَانَ اللَّهِ الْقُدُّوسِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، وَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ مِنْ آخِرِ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ إِنَّ فِي خَلْقِ حَتَّى خَتَمَ السُّورَةَ ) . 13 - وَوَجَدْنَا أَحْمَدَ بْنَ دَاوُد الْبَصْرِيَّ قَدْ حَدَّثَنَا ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ حُصَيْنٍ ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ ، أَخْبَرَنِي أَبِي ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : ( بِتُّ عِنْدَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَقَامَ ، أَخَذَ سِوَاكَهُ ، ثُمَّ تَوَضَّأَ ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ إلَى السَّمَاءِ وَهُوَ يَقُولُ : إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْآيَةَ ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ، فَأَطَالَ فِيهِمَا الْقِيَامَ وَالرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ ، ثُمَّ نَامَ حَتَّى نَفَخَ ، ثُمَّ قَامَ ، فَأَخَذَ السِّوَاكَ ، فَاسْتَاكَ ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ إلَى السَّمَاءِ ، فَقَالَ : إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إلَى آخِرِ الْآيَةِ ، فَفَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، ثُمَّ قَامَ ، فَأَوْتَرَ بِثَلَاثِ رَكَعَاتٍ ) . 14 - وَوَجَدْنَا صَالِحَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَنْصَارِيَّ قَدْ حَدَّثَنَا قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، أَخْبَرَنَا حُصَيْنٌ ، ثُمَّ ذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ . فَوَقَفْنَا بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ أَوَّلَ الْعَشْرِ الْآيَاتِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ ، هُوَ كَمَا فِي عَدَدِ الشَّامِيِّينَ ، وَمُوَافَقَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ إيَّاهُمْ عَلَى ذَلِكَ . ثُمَّ وَجَدْنَا فِي حَدِيثِ كُرَيْبٍ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ مُوَافَقَةَ مَا فِي حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ . 15 - كَمَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْإِمَامِ ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدٍ الزُّهْرِيُّ ، حَدَّثَنَا عَمِّي يَعْقُوبُ بْنُ إبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ نُوَيْفِعٍ مَوْلَى آلِ الزُّبَيْرِ ، كِلَاهُمَا حَدَّثَنِي عَنْ كُرَيْبٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : ( بَعَثَنِي أَبِي الْعَبَّاسُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَحْفَظُ لَهُ صَلَاتَهُ ، قَالَ : فَهَبَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ اللَّيْلِ ، فَتَعَارَّ بِبَصَرِهِ إلَى السَّمَاءِ ، ثُمَّ تَلَا هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ مِنْ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ : إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ حَتَّى انْتَهَى إلَى عَشْرٍ مِنْهَا ، ثُمَّ عَادَ لِمَضْجَعِهِ ، فَنَامَ ، ثُمَّ هَبَّ ، فَفَعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلَ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى ) ، ثُمَّ ذَكَرَ بَقِيَّةَ الْحَدِيثِ . فَعَادَ مَا رَوَاهُ كُرَيْبٌ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيمَا ذَكَرْنَا إلَى مُوَافَقَةِ مَا رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا وَصَفْنَاهُ ، وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ . وَمِنْ ذَلِكَ :
751 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أحكام أقوال السكران وأفعاله ، وفي الحكم الذي يكون به سكرانا ما هو . قال أبو جعفر : أول ما نبتدئ به في هذا الباب قول الله جل ثناؤه : يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ ، فكان في هذه الآية نهي الله - عز وجل - إياهم في الحال التي كانت الخمر فيها حلالا لهم أن يقربوا الصلاة إذا شربوها ، حتى صاروا لا يعلمون ما يقولون ، وقد روينا فيما تقدم منا في كتابنا هذا حديث عمر - رضي الله عنه - أن منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أقيمت الصلاة ينادي : لا يقربن الصلاة سكران . وفي هذا ما قد دل على أنهم لما كانوا قد نهوا عن ما نهوا عنه من هذا ، قد كانت بقيت من عقولهم بقية يعلمون بها ما نهوا عنه ، ولا يدخلون الصلاة عليه ، وفي ذلك ما قد دل : أن السكران المستحق لاسم السكر ليس هو الذي لا يعقل الأرض من السماء ولا المرأة من الرجل ، كما كان أبو حنيفة يقوله في ذلك ، ولكنه الذي معه التخليط من أجل السكر الذي قد صار من أهله ، فصار يلحقه به التخليط في أقواله وفي أفعاله ، حتى لا يملك من نفسه الامتناع من ذلك ، كما كان أبو يوسف يقوله فيه ، وقد روي في ذلك ما قد دل على هذا المعنى . 5631 - كما قد حدثنا ابن أبي مريم ، قال : حدثنا الفريابي ، قال : حدثنا سفيان ، عن عطاء بن السائب ، عن أبي عبد الرحمن السلمي ، قال : دعا رجل من الأنصار عليا وعبد الرحمن بن عوف ، فأصابوا من الخمر ، يعني : قبل أن تحرم ، فقدموا عليا في صلاة المغرب فقرأ : قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ ، فخلط فيها ، فنزلت : يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى . قال : فعقلنا بذلك أن السكر الذي يسمى صاحبه سكرانا ، ويدخل في أحكام أهله ، هو الذي جعله أبو يوسف سكرانا بما يحدث فيه بالسكر لا السكران الآخر الذي جعله أبو حنيفة سكرانا بالأحوال التي ذكرها مما يحدث فيه . فقال قائل : هذا حديث منقطع ، ليس مما ينبغي أن يحتج في هذا الباب بمثله . فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله - عز وجل - وعونه : أنه وإن كان منقطعا في رواية الفريابي عن سفيان ، فإن غيره من رواة سفيان ، قد رفعه ، منهم عبد الرحمن بن مهدي وغيره ، فذكروه عن أبي عبد الرحمن ، عن علي . وقد رواه أبو جعفر الرازي ، عن عطاء بن السائب مرفوعا ، كما ذكرنا . 5632 - مما ناولناه أحمد بن شعيب في كتابه بخطه أمرنا بانتساخه ليحدثنا به ، فكان فيه أن أحمد بن سعيد - يعني : الرباطي - أخبره ، قال : أخبرنا عبد الرحمن بن عبد الله ، يعني : ابن سعد الدشتكي ، قال : حدثنا أبو جعفر ، يعني : الرازي ، عن عطاء بن السائب ، عن أبي عبد الرحمن ، عن علي ، قال : صنع لنا عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه - طعاما ، فدعانا فأكلنا وسقانا من الخمر ، فأخذت فينا ، وحضرت الصلاة فقدموني فقرأت : قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ونحن نعبد ما تعبدون ، فأنزل الله - عز وجل - : لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى . فعاد هذا الحديث متصل الإسناد ، ولما وقفنا على السكران الذي تزول به أحكامه ، عن أحكام الأصحاء ، ويرجع إلى خلافها من أحكام أضدادهم ، التمسنا ما قد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك المعنى أيضا . 5633 - فوجدنا فهد بن سليمان قد حدثنا ، قال : حدثنا أبو نعيم ، قال : حدثنا بشير بن المهاجر الغنوي ، قال : حدثنا عبد الله بن بريدة ، عن أبيه ، قال : كنت جالسا عند النبي صلى الله عليه وسلم فأتاه رجل يقال له : ماعز بن مالك ، فقال : يا نبي الله ، إني قد زنيت ، وإني أريد أن تطهرني ، قال له : ارجع ، فلما كان من الغداة أتاه أيضا ، فاعترف عنده بالزنى ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ارجع ، ثم أرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى قومه ، فسألهم عنه ، فقال : ما تقولون في ماعز بن مالك ؟ هل ترون به بأسا ، أو تنكرون من عقله شيئا ؟ فقالوا : يا رسول الله ، ما نرى به بأسا ، وما ننكر من عقله شيئا ، ثم عاد إلى النبي صلى الله عليه وسلم الثالثة ، فاعترف عنده بالزنى ، وقال : يا رسول الله ، طهرني ، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم فسألهم عنه ، فقالوا كما قالوا في المرة الأولى : ما نرى به بأسا ، وما ننكر من عقله شيئا ، ثم رجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأقر عنده بالزنى ، فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم ، فحفرت له حفرة ، فجعل فيها إلى صدره ، ثم أمر الناس أن يرجموه ، قال بريدة : كنا نتحدث بيننا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن ماعز بن مالك لو جلس في رحله بعد اعترافه ثلاث مرات لم يطلبه ، وإنما رجمه عند الرابعة . فكان في هذا الحديث ، من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في سؤاله قوم ماعز عنه : هل تنكرون من عقله شيئا ؟ ولم يخصص في ذلك سببا مما ينكر به عقله من سكر ومن غيره . عقلنا بذلك : أنه إذا أنكر من عقله شيء ، خرج به من أحكام الأصحاء المقبولة إقراراتهم إلى من سواهم ممن لا يقبل إقراره ، وأنه يستوي في ذلك حكم الأسباب التي بها ينكر من عقول أصحابها ما ينكر من الجنون ومن غيره ، وفي ذلك دخول السكر في ذلك المعنى ، ووجدنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضا في أمر ماعز ما يزيد على ما في هذا الحديث . 5634 - وهو ما قد حدثنا أحمد بن شعيب ، قال : أخبرني إبراهيم بن يعقوب بن إسحاق الجوزجاني ، قال : حدثني يحيى بن يعلى بن الحارث ، قال : حدثنا أبي ، قال : حدثنا غيلان بن جامع ، عن علقمة بن مرثد ، عن سليمان بن بريدة ، عن أبيه ، قال : جاء ماعز بن مالك إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله ، طهرني ، فقال : ويحك ، ارجع ، فاستغفر الله وتب إليه ، ثم جاءه ، فقال : يا رسول الله ، طهرني ، فقال : ويحك ارجع فاستغفر الله - عز وجل - وتب إليه ، فرجع غير بعيد ، ثم جاء ، فقال : يا رسول الله طهرني ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك ، حتى إذا كانت الرابعة ، قال له النبي صلى الله عليه وسلم : مما أطهرك ؟ قال : من الزنى ، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم : أبه جنون ؟ فأخبر أنه ليس بمجنون ، فسأل : أشربت خمرا ؟ فقام رجل فاستنكهه ، فلم يجد فيه ريح خمر ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أثيب أنت ؟ قال : نعم ، فأمر به فرجم . فكان في هذا الحديث الكشف عن أحوال ماعز التي بها يندفع عنه إقراره بالزنى ، ووجوب الحد به عليه ، وأن السكر منها ، وأن ذلك السكر هو السكر الذي ذكرناه عن أبي يوسف ، لا السكر الذي ذكرناه ، عن أبي حنيفة . وفي ذلك ما قد دل على أن السكران الذي معه التخليط الذي لا يملكه من نفسه ، فيدخل بذلك في أحكام من معه ذلك التخليط بالجنون ، فيكون في أحكامه فيما كان سببه السكر كالمجنون في أحكامه مما يشبه الجنون الذي هو به ، ثم طلبنا الوجه في ذلك من أقوال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم . 5635 - فوجدنا الربيع بن سليمان المرادي قد حدثنا ، قال : حدثنا خالد بن عبد الرحمن الخراساني ، قال : حدثنا ابن أبي ذئب ، قال : حدثنا الزهري ، قال : أتي عمر بن عبد العزيز بسكران فقيل : إنه طلق امرأته ، فكان رأي عمر أن يجلده وأن يفرق بينه وبينها ، فحدثه أبان بن عثمان أن عثمان قال : ليس للمجنون ولا للسكران طلاق ، فقال عمر : هذا يخبرني عن عثمان ، فجلده ورد امرأته ، قال الزهري : فذكرته لرجاء بن حيوة ، فقال : قرأ علينا عبد الملك بن مروان كتابا من معاوية فيه السنن : أن كل طلاق جائز إلا طلاق المجنون . فقال قائل : فقد رويت ، عن عثمان ما قد رويته في هذا الباب ورويت فيه ، عن معاوية ما يخالفه فيه ، وقد روي مثل ذلك ، عن علي بن أبي طالب عليه السلام . فذكر 5636 - ما قد حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، قال : حدثنا بشر بن عمر الزهراني ، قال : حدثنا شعبة ، عن سليمان الأعمش ، قال : سمعت إبراهيم ، عن عابس بن ربيعة أن عليا عليه السلام ، قال : من طلق أجزنا طلاقه إلا طلاق المعتوه . وما 5637 - قد حدثنا علي بن شيبة ، قال : حدثنا أبو نعيم ، قال : حدثنا سفيان ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن عابس بن ربيعة ، عن علي ، قال : كل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه . وكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله - عز وجل - وعونه : أن الذي رويناه عن علي ، وعن معاوية ، ليس بمخالف لما رويناه عن عثمان مما ذكرنا ؛ لأن العته قد يكون من الجنون وقد يكون من السكر كما يكون من الجنون ، فعاد معنى قولهما في ذلك إلى قول عثمان فيه . فقال قائل : إن السكران وإن كان قد ذهب عقله بسكره ، فهو الذي أدخل السكر على نفسه بفعله ، فلم يكن إذ كان كذلك كالمجنون الذي دخل عليه الجنون من غير فعله . فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله - عز وجل - وعونه : أنا رأينا المجنون لا تختلف أحكامه في حال جنونه باختلاف أسباب جنونه في أن يكون بأفعاله ، وفي أخذه أشياء كانت أسبابا لذهاب عقله ، وفي حدوث الجنون به مما لا سبب له فيه في لزوم أحكام المجانين إياه في سقوط الفروض عنهم ، وفي ارتفاع العمد عنهم في جناياتهم في القتل حتى لا يكون عليهم فيه قود ، وحتى يكون ديات من قتلوا على عواقلهم ، ولما كان ذلك كذلك ، وكان المراعى في ذهاب عقول الأصحاء ذهاب عقولهم لا الأسباب التي كانت أسبابا لذهاب عقولهم ، كان كذلك السكران يكون عليه ذهاب عقله لا السبب الذي كان به ذهب عقله ، فيكون بذهاب عقله له حكم من لا عقل له ، ولا يراعى في ذلك اختلاف أسباب ذهاب عقله ، ومثل ذلك أيضا ما قد أجمع عليه في الصحيح المطيق للصلاة قائما الذي فرض الله - عز وجل - عليه أن يصليها كذلك لو كسر رجله حتى عاد عاجزا ، عن القيام للصلاة ، وأن يصليها كذلك أن فرضه أن يصليها قاعدا على ما يطيق صلاتها عليه ، وأن ذلك مما يكون حكمه فيه في العجز ، عن القيام وصلاته كذلك في حكم العجز ، عن القيام بما يحل به مما يعيده إلى تلك الحال من أفعال الله جل وعز به ، ثم من أفعال عباده مثله به وأنه لا يجب عليه قضاء الصلاة قائما وإن عاد إلى القدرة على ذلك ، وفيما ذكرنا دليل على أن طلاق السكران وسائر أقواله وسائر أفعاله يعود إلى أحكام أقوال ذاهبي العقول سواه ، وإلى أحكام أفعال ذاهبي العقول سواه ، وهذا خلاف ما كان أبو حنيفة وأصحابه والشافعي يقولونه فيه وخلاف ما كان مالك يقوله فيه من إجازتهم طلاقه غير أن مالكا ، قال : لو علمت أنه لم يكن يعقل ما أجزت طلاقه ، فكأنه أعذر من غيره في ذلك لا أنه قد كان يلزمه أن لا يطلق بالشك حتى يعلم باليقين وجوب الطلاق ؛ لأن ما علم يقينا لم يرتفع إلا بما يزيله يقينا ، كذلك فرائض الله - عز وجل - على عباده في صلواتهم وفيما سواها من عباداتهم ، وما رأينا فقيها ممن ينسب إليه النظر من أهل الفرق إلا على ما ذكرناه ، وهو القول عندنا الذي لا يجوز خلافه ، ولا يسع ذا فهم أن يتقلد غيره ، والله نسأله التوفيق .
3 - بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْهُ فِيمَا يُقَالُ عِنْدَ الْمَسَاءِ مِمَّا لَا يَضُرُّ مَعَهُ قَائِلِهِ لَدْغَةُ حُمَةٍ حَتَّى يُصْبِحَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَمِمَّا رُوِيَ فِي ذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ الَّذِي رَوَاهُ عَنْهُ ابْنُهُ سُهَيْلٌ مِمَّا قَدْ اُخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِيمَنْ ذَكَرَهُ فِي إسْنَادِهِ بَعْدَ أَبِيهِ ، فَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَنْهُ أَنَّهُ أَبُو هُرَيْرَةَ . 16 - كَمَا حَدَّثَنَا يُونُسُ ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ ، عَنْ سُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ( أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ قَالَ : مَا نِمْتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ ، فَقَالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ : مِنْ أَيِّ شَيْءٍ ؟ فَقَالَ : لَدَغَتْنِي عَقْرَبٌ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَمَا إنَّك لَوْ قُلْتَ حِينَ أَمْسَيْتَ : أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ ، لَمْ يَضُرّكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ ) . 17 - وَمِنْ ذَلِكَ مَا حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ سُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : ( جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَقَالَ : إنِّي لُدِغْتُ الْبَارِحَةَ ، فَلَمْ أَنَمْ حَتَّى أَصْبَحْتُ ، فَقَالَ لَهُ : أَمَا إنَّك لَوْ قُلْت حِينَ أَمْسَيْت : أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ لَمْ تَضُرَّ بِكَ لَدْغَةُ عَقْرَبٍ حَتَّى تُصْبِحَ ) . 18 - وَمِنْ ذَلِكَ مَا حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُد ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمِنْهَالِ ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ ، عَنْ سُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ مِثْلَ حَدِيثِ يُونُسَ الَّذِي رَوَيْنَاهُ فِي هَذَا الْبَابِ غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ فِيهِ : ( إنْ شَاءَ اللَّهُ ) . وَمِثْلَ حَدِيثِ مَالِكٍ . 19 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، قَالَ : قَرَأْت عَلَى لُوَيْنٍ ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ سُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : ( أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ لُدِغَ ، فَبَلَغَ مِنْهُ مَا شَاءَ اللَّهُ فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ فَقَالَ : أَمَا إنَّهُ لَوْ قَالَ : أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ ثَلَاثًا لَمْ يَضُرَّهُ ) . 20 - وَمِنْ ذَلِكَ مَا حَدَّثَنَا أَحْمَدُ أَيْضًا ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ ، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ ، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ ، عَنْ سُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( مَنْ قَالَ حِينَ يُمْسِي ثَلَاثَ مَرَّاتٍ : أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ لَمْ يَضُرَّهُ لَسْعَةٌ تِلْكَ اللَّيْلَةِ ) . 21 - وَمِنْ ذَلِكَ مَا حَدَّثَنَا يُونُسُ ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ ، عَنْ سُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ مِثْلَهُ ، وَقَالَ فِيهِ : ( ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ) . 22 - وَمِنْ ذَلِكَ مَا حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ الْعُقَيْلِيُّ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى - يَعْنِي : السَّامِيَّ - عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ سُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : ( أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ تَغَيَّبَ عَنْهُ لَيْلَةً ، فَسَأَلَ عَنْهُ ، فَلَمَّا أَصْبَحَ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : مَا حَبَسَكَ ؟ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لَدَغَتْنِي عَقْرَبٌ ، قَالَ : لَوْ قُلْت حِينَ أَمْسَيْت : أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ لَمْ يَضُرّكَ ) . 23 - وَمِنْ ذَلِكَ مَا حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ الْكُوفِيُّ ، حَدَّثَنَا الْأَشْجَعِيُّ ، عَنْ سُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : ( لَدَغَتْ رَجُلًا عَقْرَبٌ ، فَجَاءَ النَّبِيَّ ، فَأَخْبَرَهُ ، فَقَالَ لَهُ : أَمَا إنَّكَ لَوْ قُلْت حِينَ أَمْسَيْت : أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ لَمْ يُصِبْكَ شَيْءٌ ) . غَيْرَ أَنَّ الْأَشْجَعِيَّ قَدْ خُولِفَ عَنْ سُفْيَانَ فِي شَيْءٍ مِنْ إسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ ، فَقِيلَ لَهُ مَكَانَ أَبِي هُرَيْرَةَ : عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَسْلَمَ ، وَنَحْنُ ذَاكِرُوهُ فِي بَقِيَّةِ هَذَا الْبَابِ . وَمِنْ ذَلِكَ مَنْ قَدْ رَوَى عَنْ سُهَيْلٍ هَذَا الْحَدِيثَ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَسْلَمَ . 24 - كَمَا قَدْ حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ إبْرَاهِيمَ الْغَافِقِيُّ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ سُهَيْلٍ ، سَمِعَ أَبَاهُ يُخْبِرُهُ ( عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَسْلَمَ قَالَ : كُنْت عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ ، فَقَالَ : لُدِغْت الْبَارِحَةَ ، فَلَمْ أَنَمْ حَتَّى أَصْبَحْت ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَمَا إنَّكَ لَوْ قُلْتَ حِينَ أَمْسَيْتَ : أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ ، مَا ضَارَّك إنْ شَاءَ اللَّهُ ) . 25 - وَكَمَا حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ سُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَسْلَمَ ، عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ : ( مَنْ قَالَ حِينَ يُمْسِي : أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، لَمْ يَضُرَّهُ حُمَّةٌ تِلْكَ اللَّيْلَةِ ) . 26 - وَكَمَا قَدْ حَدَّثَنَا فَهْدٌ ، حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ ، حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، عَنْ سُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ( عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَسْلَمَ ، قَالَ : كُنْت جَالِسًا عِنْدَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ ، فَقَالَ : لُدِغْت الْبَارِحَةَ ) ، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَهُ . 27 - وَكَمَا قَدْ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ دَاوُد ، حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ بَكَّارٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ سُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَسْلَمَ ، عَنْ النَّبِيِّ ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ . وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ أَسَدُ بْنُ مُوسَى ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ سُهَيْلٍ ، وَأَخِيهِ ، عَنْ أَبِيهِمَا ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَسْلَمَ . 28 - كَمَا حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ الْمُرَادِيُّ ، حَدَّثَنَا أَسَدٌ . وَحَدَّثَنَا يُونُسُ ، حَدَّثَنَا أَسَدٌ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ سُهَيْلٍ ، وَأَخِيهِ ، عَنْ أَبِيهِمَا ، ( عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَسْلَمَ : أَنَّهُ لُدِغَ ، فَأَتَى النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ ) ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ . وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ سُهَيْلٍ وُهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ ، فَخَالَفَهُمْ جَمِيعًا فِي إسْنَادِهِ . 29 - كَمَا قَدْ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ ، أَخْبَرَنَا حِبَّانُ ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ ، عَنْ سُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَسْلَمَ ثُمَّ ذكر نَحْوَهُ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَلَمَّا اخْتَلَفُوا عَلَيْنَا فِي إسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ ، عَنْ سُهَيْلٍ كَمَا قَدْ رَوَيْنَاهُ مِنْ اخْتِلَافِهِمْ عَلَيْهِ فِي هَذَا الْبَابِ ، طَلَبْنَاهُ مِنْ غَيْرِ رِوَايَةِ سُهَيْلٍ ، مِنْ حَدِيثِ مَنْ رَوَاهُ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ سِوَاهُ ، وَسِوَى أَخِيهِ ، لِنَقِفَ بِذَلِكَ عَلَى حَقِيقَتِهِ ، هَلْ هُوَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَوْ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَسْلَمَ ؟ . 30 - فَوَجَدْنَا يُونُسَ قَدْ حَدَّثَنَا ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ ، عَنْ أَبِيهِ ، وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - يَعْنِي : ابْنَ الْأَشَجِّ - عَنْ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ ، عَنْ ذَكْوَانَ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ : ( جَاءَ رَجُلٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا لَقِيت مِنْ عَقْرَبٍ لَدَغَتْنِي الْبَارِحَةَ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَمَا إنَّك لَوْ قُلْت حِينَ أَمْسَيْت : أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ ، لَمْ يَضُرَّك ) . 31 - وَوَجَدْنَا بَحْرَ بْنَ نَصْرٍ قَدْ حَدَّثَنَا ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ مِثْلَهُ . 32 - وَوَجَدْنَا الرَّبِيعَ الْمُرَادِيَّ حَدَّثَنَا ، قَالَ : حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ اللَّيْثِ ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ، عَنْ جَعْفَرٍ ، عَنْ يَعْقُوبَ أَنَّهُ ذَكَرَ لَهُ أَنَّ أَبَا صَالِحٌ مَوْلَى غَطَفَانَ أَخْبَرَ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ : قَالَ رَجُلٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَدَغَتْنِي عَقْرَبٌ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَوْ أَنَّك قُلْت حِينَ أَمْسَيْت : أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ لَمْ يَضُرَّك ) . فَنَسَبَ أَبَا صَالِحٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فِي وَلَائِهِ إلَى غَطَفَانَ ، وَقَدْ خُولِفَ فِي ذَلِكَ . فَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ صَاحِبُ الْوَاقِدِيِّ فِي كِتَابِهِ فِي الطَّبَقَاتِ قَالَ : وَأَبُو صَالِحٍ السَّمَّانُ مَوْلَى جُوَيْرِيَةَ امْرَأَةٍ مِنْ قَيْسٍ . قَالَ : وَقَدْ كُنَّا ذَكَرْنَا فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّ الْأَشْجَعِيَّ قَدْ خُولِفَ عَنْ سُفْيَانَ فِي إسْنَادِهِ حَدِيثَ سُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي قَدْ رَوَيْنَاهُ فِيمَا تَقَدَّمَ ، وَاَلَّذِي خَالَفَهُ فِيهِ عَنْ سُفْيَانَ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ . 33 - كَمَا قَدْ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ سُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَسْلَمَ ، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ الْأَشْجَعِيِّ . وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ أَيْضًا ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ غَيْرُ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ ، وَهُوَ طَارِقُ بْنُ مُخَاشِنٍ . 34 - كَمَا قَدْ حَدَّثَنَا فَهْدٌ ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ ، حَدَّثَنِي الزُّبَيْدِيُّ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ طَارِقِ بْنِ مُخَاشِنٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، ( عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ : أَنَّهُ أُتِيَ بِلَدِيغٍ لَدَغَتْهُ عَقْرَبٌ ، فَقَالَ : لَوْ قَالَ : أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ ، لَمْ يُلْدَغْ أَوْ لَمْ يَضُرَّهُ ) . وَلَمَّا وَجَدْنَاهُ مِنْ رِوَايَةِ الْقَعْقَاعِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، لَا عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَسْلَمَ ، قَوي فِي قُلُوبِنَا أَنَّ أَصْلَ هَذَا الْحَدِيثِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، لَا عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَسْلَمَ ، وَكَانَ الَّذِينَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لَمَّا صَحَّحْت هَذِهِ الرِّوَايَاتِ فِيهِ يَرْجِعُ مَا فِيهِ إلَى أَنَّ قَائِلَ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ الْمَحْفُوظَاتِ فِيهِ يَكُونُ بِقَوْلِهِ إيَّاهَا مَحْفُوظًا حَتَّى تَنْقَضِيَ تِلْكَ اللَّيْلَةُ الَّتِي قَالَهَا فِيهَا ، لَا زِيَادَةَ عَلَيْهَا ، غَيْرَ أَنَّا قَدْ وَجَدْنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَا يَزِيدُ عَلَى مَا يَكُونُ قَائِلُهَا مَحْفُوظًا بِهَا مِنْ الزَّمَانِ عَلَى مَا فِي ذَلِكَ الْحَدِيثِ . 35 - وَهُوَ مَا حَدَّثَنَا يُونُسُ ، وَبَحْرٌ ، قَالَا : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ، وَالْحَارِثِ بْنِ يَعْقُوبَ ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَشَجِّ ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، عَنْ خَوْلَةَ بِنْتِ حَكِيمٍ السُّلَمِيَّةِ أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَقُولُ : ( إذَا نَزَلَ أَحَدُكُمْ مَنْزِلًا ، فَلْيَقُلْ : أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ ، فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّهُ شَيْءٌ حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْهُ ) . 36 - وَمَا قَدْ حَدَّثَنَا يُونُسُ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ الدِّمَشْقِيُّ ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، وَكَمَا قَدْ حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ الْمُرَادِيُّ ، حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ، عَنْ الْحَارِثِ بْنِ يَعْقُوبَ : أَنَّ يَعْقُوبَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَهُ : أَنَّهُ سَمِعَ بُسْرَ بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ : سَمِعْت سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ يَقُولُ : سَمِعْت خَوْلَةَ بِنْتَ حَكِيمٍ السُّلَمِيَّةَ تَقُولُ : إنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَقُولُ : ( مَنْ نَزَلَ مَنْزِلًا ، فَقَالَ : أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ ، لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِكَ ) . 37 - وَمَا قَدْ حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ مَرْزُوقٍ ، حَدَّثَنَا الْخصيبُ بْنُ نَاصِحٍ ، حَدَّثَنَا وُهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَجْلَانَ ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ خَوْلَةَ بِنْتِ حَكِيمٍ قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إذَا نَزَلَ مَنْزِلًا ، قَالَ : أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ ، لَمْ يَضُرَّهُ فِي ذَلِكَ الْمَنْزِلِ شَيْءٌ حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْهُ ) . فَخَالَفَ مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ الْحَارِثَ بْنَ يَعْقُوبَ ، وَيَزِيدَ بْنَ أَبِي حَبِيبٍ فِي مَنْ بَعْدَ يَعْقُوبَ فِي إسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ ، فَقَالَ : عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، مَكَانَ قَوْلِ الْحَارِثِ فِيهِ : عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ ، وَلَمْ يَكُنْ فِي هَاتَيْنِ الرِّوَايَتَيْنِ اللَّتَيْنِ رَوَيْنَاهُمَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يَكُونُ بِهِ قَائِلُ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ مَحْفُوظًا بِهَا فِيهِ مِنْ الزَّمَانِ ، وَحَاشَ لِلَّهِ أَنْ يَكُونَ فِيهِمَا اخْتِلَافٌ ، وَلَكِنَّ تَصْحِيحَهُمَا أَنَّ مَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَى قَوْلِ مَنْ هُوَ مُقِيمٌ فِي مَنْزِلِهِ غَيْرَ مُسَافِرٍ . وَمَا فِي حَدِيثِ خَوْلَةَ عَلَى قَوْلِ مَنْ هُوَ مُسَافِرٌ ، وَالْمُسَافِرُ مُخَفَّفٌ عَنْهُ لِمَكَانِ السَّفَرِ ، مَرْفُوعٌ عَنْهُ طَائِفَةٌ مِنْ صَلَاتِهِ ، مُخَفَّفٌ عَنْهُ فِي صِيَامِهِ الْمُفْتَرَضِ عَلَيْهِ ، مُبَاحٌ لَهُ تَأْخِيرُهُ إلَى خُرُوجِهِ مِنْ سَفَرِهِ وَرُجُوعِهِ إلَى وَطَنِهِ ، وَالْمُقِيمُ لَيْسَ كَذَلِكَ ، وَكَانَتْ هَذِهِ الْكَلِمَاتُ الَّتِي ذَكَرْنَا لِلْمُسَافِرِ مَدْفُوعًا عَنْهُ بِهَا فِي وَقْتٍ أَوْسَعَ مِنْ الْوَقْتِ الَّذِي يُدْفَعُ بِهَا عَنْ الْمُقِيمِ مَا يُدْفَعُ عَنْ الْمُسَافِرِ بِهَا لِلتَّخْفِيفِ ، وَعَنْ الْمُسَافِرِ فِي سَفَرِهِ الَّذِي لَيْسَ لِلْمُقِيمِ مِنْ التَّخْفِيفِ فِي إقَامَتِهِ مِثْلُهُ ، وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
755 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما كان منه في سلب أبي جهل ومن نفله إياه من الناس ، وفيما احتج به محمد بن الحسن مما ذكر أن ما روي في ذلك يوجب ما قاله فيه . قال محمد بن الحسن : لو أن عسكرا من المسلمين دخل أرض الحرب وعليهم أمير ، فقال الأمير : من قتل قتيلا فله سلبه فضرب رجل من المسلمين رجلا من المشركين فصرعه ، واحتز آخر رأسه ، فالسلب للذي صرعه ، وإن كان لم يقتله ، وإن كان صرعه وضربه ضربا يقدر على التحامل معه والعود بكلام أو غيره فالسلب للذي احتز رأسه ، قال : وبلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال يوم بدر : من قتل قتيلا فله سلبه . فضرب ابن عفراء أبا جهل ، فأثخنه وقتله ابن مسعود ، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم سلبه لابن مسعود ، وكذلك إن كان الذي صرعه ضربه ضربا لا يعاش من مثله يعلم أن آخره الموت ، إلا أنه ربما عاش اليوم واليومين والثلاثة ، وأقل من ذلك وأكثر ، إلا أن الآخر احتز رأسه فالسلب للذي احتز رأسه ، وإن كان الأول ضربه فنثر ما في بطنه فألقاه أو قطع أوداجه إلا أن فيه شيئا من الروح ، ثم إن الآخر احتز رأسه فالسلب للذي صرعه ، وليس للذي احتز رأسه شيء ؛ لأن هذا إنما بقي منه مثل الذي يكون من الحركة عند الموت . فتأملنا ما قال محمد في هذا ، فكان الذي قاله من باب الفقه كما قاله فيه ، وكان الذي قال في أمر أبي جهل وهما منه ؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعلم منه أنه كان قال : من قتل قتيلا فله سلبه ، إلا في يوم حنين لا فيما قبل ذلك من يوم بدر ، ولا مما بعده ، وإنما كانت الأمور تجري في الأسلاب على ما ذكرناه في الباب الذي قبل هذا الباب ، فاحتج محتج لمحمد بن الحسن في ذلك . 5651 - بما قد حدثنا ابن أبي داود ، قال : حدثنا القواريري ، قال : حدثنا وكيع ، عن أبيه ، عن أبي إسحاق ، عن أبي عبيدة ، عن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم نفله سيف أبي جهل يوم بدر . فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله - عز وجل - وعونه : أن الذي في هذا الحديث ، إنما هو تنفيل رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن مسعود سيف أبي جهل لا ما سواه من سلبه ، وفي ذلك ما قد دل : أنه لم يكن تقدم من رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ قول يوجب سلب القاتل ، ولو كان ذلك كذلك لدفع سلب أبي جهل بكليته إلى قاتله ، ومما قد روي في أمر أبي جهل مما هو أصح مما ذكرنا وأثبت إسنادا . 5652 - ما قد حدثنا إبراهيم بن أبي داود ، قال : حدثنا إبراهيم بن حمزة الزبيري ، قال : حدثنا يوسف بن الماجشون ، قال : حدثني صالح بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن عبد الرحمن بن عوف ، قال : إني لقائم يوم بدر بين غلامين حديثة أسنانهما ، تمنيت لو أني بين أضلع منهما ، فغمزني أحدهما ، فقال : يا عم ، أتعرف أبا جهل ، فقلت : وما حاجتك إليه يا ابن أخي ، فقال : أخبرت أنه يسب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والذي نفسي بيده لو رأيته لا يفارق سوادي سواده ، حتى يموت الأعجل منا ، فعجبت لذلك ، وغمزني الآخر ، فقال مثلها ، فلم أنشب أن نظرت إلى أبي جهل ترجل في الناس ، فقلت : ألا تريان هذا صاحبكما الذي تسألان عنه ، فابتدراه فضرباه بسيفيهما حتى قتلاه ، ثم أتيا رسول الله فأخبراه ، فقال : أيكما قتله ، قال : كل واحد منهما أنا قتلته ، فقال : أمسحتما سيفيكما ، قالا : لا فنظر في السيفين ، فقال : كلاكما قتله ، وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح ، والرجلان : معاذ بن عمرو بن الجموح ، ومعاذ بن عفراء . ففي هذا الحديث ، قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسلب لأحد رجلين قد أخبرا رسول الله قبل ذلك : أن كليهما قد قتله ، ففي ذلك ما قد دل أنه لم يكن لسلبه مستحق بعينه ، وإنما كان سلبه مردودا إلى ما يراه رسول الله فيه من سماح به لمن يقتله ، ومما سوى ذلك ، والدليل على هذا أيضا دفع بعض سلبه إلى ابن مسعود ومنعه بقيته ، ودفع بقية سلبه بعد الذي نفله منه ابن مسعود إلى معاذ بن عمرو دون معاذ بن عفراء ، وفي هذا ما قد دل على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن تقدم منه يومئذ ما ذكر محمد بن الحسن أنه كان تقدم منه من القول يومئذ ، وأن ذلك إنما كان مما سمح به لمن شاء أن يسمح به له ومما منع من سواه مما منعه منه من قتله أبي جهل ، لا لما قاله محمد بن الحسن مما ذكرناه عنه ، والله نسأله التوفيق .
4 - بَابُ بَيَانِ مَا أُشْكِلَ عَلَيْنَا مِمَّا قَدْ رُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ نَهْيِهِ عَنْ اتِّخَاذِ الدَّوَابِّ مَجَالِسَ وَمِنْ نَهْيِهِ عَنْ اتِّخَاذِهَا كَرَاسِيِّ . 38 - كَمَا قَدْ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانِ بْنِ سَرْحٍ الشَّيْزريُّ أَبُو جَعْفَرٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ نَجْدَةَ ، حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي عَمْرٍو السيْبَانِيُّ ، عَنْ أَبِي مَرْيَمَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : ( إيَّاكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا ظُهُورَ دَوَابِّكُمْ مَنَابِرَ ، فَإِنَّ اللَّهَ إنَّمَا سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُبَلِّغَكُمْ إلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ ، وَجَعَلَ لَكُمْ الْأَرْضَ ، فَعَلَيْهَا فَاقْضُوا حَوَائِجَكُمْ ) . 39 - وَكَمَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ الصَّائِغُ ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، حَدَّثَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ ، فَذَكَرَهُ بِإِسْنَادِهِ . 40 - وَكَمَا حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ الْمُرَادِيُّ ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : سَمِعْت اللَّيْثَ يَقُولُ : حَدَّثَنِي سَهْلُ بْنُ مُعَاذٍ الْجُهَنِيُّ عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِم وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( ارْكَبُوا هَذِهِ الدَّوَابَّ سَالِمَةً ، أو ايتَدِعُوهَا سَالِمَةً ، وَلَا تَتَّخِذُوهَا كَرَاسِيَّ ) . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَوَقَفْنَا مِمَّا فِي هَذَيْنِ عَلَى نَهْيِهِ عَمَّا نَهَى عَنْهُ مِنْهُمَا مَعَ وُقُوفِنَا عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ مِنْ جُلُوسِهِ عَلَى ظَهْرِ رَاحِلَتِهِ لِلْخُطْبَةِ عَلَيْهَا فِي يَوْمِ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ ، وَفِي يَوْمِ النَّحْرِ . 41 - كَمَا حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ الْمُرَادِيُّ ، حَدَّثَنَا أَسَدُ بْنُ مُوسَى ، حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إسْمَاعِيلَ ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرٍ فِي حَدِيثِهِ عَنْ حَجَّةِ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : أَنَّهُ لَمَّا زَاغَتْ الشَّمْسُ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ فِي حَجَّتِهِ ، أَمَرَ بِالْقَصْوَاءِ ، فَرُحِّلَتْ لَهُ ، فَرَكِبَ حَتَّى أَتَى بَطْنَ الْوَادِي ، فَخَطَبَ النَّاسَ ، فَقَالَ : ( إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا ، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا ، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا ، أَلَا وَإِنَّ كُلَّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمِي مَوْضُوعٌ ، وَدِمَاءَ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ ، وَأَوَّلُ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ ، وَإِنَّ رِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَا الْعَبَّاسِ ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ ، اتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللَّهِ ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ ، وَإِنَّ لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ ، فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ ، وَقَدْ تَرَكْت فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ : كِتَابَ اللَّهِ ، وَأَنْتُمْ مَسْئُولُونَ عَنِّي ، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ ؟ قَالُوا : نَشْهَدُ أَنَّك قَدْ بَلَّغْت ، وَأَدَّيْت ، وَنَصَحْت ، فَقَالَ بِأُصْبُعِهِ السَّبَّابَةِ وَرَفَعَهَا إلَى السَّمَاءِ يَنْكُتُهَا إلَى النَّاسِ : اللَّهُمَّ اشْهَدْ ، اللَّهُمَّ اشْهَدْ ، اللَّهُمَّ اشْهَدْ ، ثُمَّ أَذَّنَ بِلَالٌ ) . 42 - وَكَمَا حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ ، وَيَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ الْحَضْرَمِيُّ ، قَالَا : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ مُرَّةَ بْنِ شَرَاحِيلَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، قَالَ : وَأَحْسَبُهُ قَالَ : فِي عَرَفَتِي هَذِهِ ، قَالَ : ( قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى نَاقَةٍ حَمْرَاءَ مُخشرَمَةٍ ) ، وَقَالَ يَعْقُوبُ فِي حَدِيثِهِ : ( خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى نَاقَةٍ حَمْرَاءَ مُخَضْرَمَةٍ فَقَالَ : هَلْ تَدْرُونَ أَيَّ يَوْمٍ هَذَا ؟ قَالُوا : نَعَمْ ، يَوْمُ النَّحْرِ ، قَالَ : صَدَقْتُمْ يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ ، قَالَ : هَلْ تَدْرُونَ أَيَّ شَهْرٍ هَذَا ؟ قَالُوا : نَعَمْ ، ذُو الْحِجَّةِ ، قَالَ : صَدَقْتُمْ ، شَهْرُ اللَّهِ الْأَصَمُّ ، ثُمَّ قَالَ : هَلْ تَدْرُونَ أَيَّ بَلَدٍ هَذَا ؟ قَالُوا : نَعَمْ ، الْمَشْعَرُ الْحَرَامُ ، قَالَ : صَدَقْتُمْ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ - وَأَحْسَبُهُ قَالَ - : وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا ، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا ، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا - أَوْ قَالَ : كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا وَشَهْرِكُمْ هَذَا ، وَبَلَدِكُمْ هَذَا - أَلَا وَإِنِّي فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ أَنْتَظِرُكُمْ ، وَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمْ الْأُمَمَ أَوْ النَّاسَ ، فَلَا تُسَوِّدُوا وَجْهِي ، أَلَا وَإِنِّي مُسْتَنْقِذٌ رِجَالًا ، وَمُسْتَنْقَذٌ مِنِّي آخَرُونَ ، فَأَقُولُ : أَصْحَابِي ، فَيُقَالُ : إنَّك لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ ، أَلَا وَقَدْ رَأَيْتُمُونِي ، وَقَدْ سَمِعْتُمْ مِنِّي ، وَسَتُسْأَلُونَ عَنِّي ، فَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ ) . 43 - وَمِنْ ذَلِكَ مَا قَدْ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدِ بْنِ نُوحٍ ، حَدَّثَنَا هَوْذَةُ بْنُ خَلِيفَةَ ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ ، عَنْ ابْنِ سِيرِينَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ [ عَنْ أَبِيهِ ] قَالَ : ( لَمَّا كَانَ ذَلِكَ الْيَوْمُ رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَاقَتَهُ ، ثُمَّ وَقَفَ ، فَقَالَ : أَتَدْرُونَ أَيَّ يَوْمٍ هَذَا ؟ فَسَكَتْنَا حَتَّى رَأَيْنَا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ سِوَى اسْمِهِ ، ثُمَّ قَالَ : أَلَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ ؟ قُلْنَا : بَلَى ، ثُمَّ قَالَ : أَتَدْرُونَ أَيَّ شَهْرٍ هَذَا ؟ فَسَكَتْنَا حَتَّى رَأَيْنَا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ سِوَى اسْمِهِ ، فَقَالَ : أَلَيْسَ ذَا الْحِجَّةِ ؟ فَقَالُوا : بَلَى ، فَقَالَ : أَتَدْرُونَ أَيَّ بَلَدٍ هَذَا ؟ فَسَكَتْنَا حَتَّى رَأَيْنَا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ سِوَى اسْمِهِ ، فَقَالَ أَلَيْسَ الْبَلَدَ الْحَرَامَ ؟ فَقُلْنَا : بَلَى ، قَالَ : فَإِنَّ أَمْوَالَكُمْ ، وَأَعْرَاضَكُمْ ، وَدِمَاءَكُمْ حَرَامٌ بَيْنَكُمْ فِي مِثْلِ يَوْمِكُمْ هَذَا ، فِي مِثْلِ شَهْرِكُمْ هَذَا ، فِي مِثْلِ بَلَدِكُمْ هَذَا ، أَلَا لِيُبَلِّغْ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ ، فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ مُبَلِّغٍ ، ثُمَّ مَالَ عَلَى نَاقَتِهِ إلَى غُنَيْمَاتٍ ، فَجَعَلَ يُقَسِّمُهُنَّ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ الشَّاةُ ، وَبَيْنَ الثَّلَاثَةِ الشَّاةُ ) . وَذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي بَكْرَةَ ، وَفِيهِ : ( رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ نَاقَتَهُ ) . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَكَانَ مَا كَانَ مِنْهُ مِنْ خُطْبَتِهِ عَلَى رَاحِلَتِهِ جُلُوسًا مِنْهُ عَلَيْهَا فِي ذَلِكَ ، وَحَاشَ لِلَّهِ أَنْ يَكُونَ كَانَ مِنْهُ فِي فِعْلِهِ مَا يُضَادُّ مَا كَانَ مِنْهُ فِي قَوْلِهِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْهُ فِي الْحَدِيثَيْنِ اللَّذَيْنِ قَدَّمْنَا ذِكْرَهُمَا ، وَلَكِنَّهُ كَانَ الَّذِي كَانَ مِنْهُ مِمَّا ذَكَرْنَا فِي ذَيْنِك الْحَدِيثَيْنِ عَلَى نَهْيِهِ عَنْ الْجُلُوسِ عَلَى ظُهُورِ الدَّوَابِّ ، لِلْحَدِيثِ عَلَيْهَا الَّذِي لَا حَاجَةَ بِالْجَالِسِ عَلَيْهَا فِي ذَلِكَ مِنْهُ ، وَإِذْ لَا فَضْلَ لِجُلُوسِهِ عَلَيْهَا لِذَلِكَ الْحَدِيثِ ، وَجُلُوسُهُ عَلَى الْأَرْضِ ، وَإِنْ كَانَ جُلُوسُهُ عَلَى ظَهْرِهَا لِذَلِكَ فَضْلًا لَمْ تَدْعُهُ إلَيْهِ ضَرُورَةٌ ، وَفِي ذَلِكَ إتْعَابُهَا لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ دَعَتْهُ إلَى ذَلِكَ مِنْهَا ، وَكَانَ جُلُوسُهُ لِلْخُطْبَةِ عَلَى النَّاسِ عَلَيْهَا ، وَلِإِسْمَاعِهِ إيَّاهُمْ أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ مِمَّا لَا يَتَهَيَّأُ لَهُ مِثْلُهُ فِي الْجُلُوسِ عَلَى الْأَرْضِ ، وَإِذَا كَانَ الْجُلُوسُ عَلَى الْأَرْضِ لَا يُسْمَعُ مِنْهُ مَا يَكُونُ مِنْ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ كَمَا يُسْمَعُ ذَلِكَ مِنْهُ ، وَهُوَ عَلَى ظَهْرِ رَاحِلَتِهِ ، وَكَانَتْ خُطْبَتُهُ عَلَى ظَهْرِهَا بِمَا ذَكَرْنَا مِمَّا قَدْ دَعَتْهُ إلَيْهِ ضَرُورَةٌ ، وَكَانَ مَا فِي الْحَدِيثَيْنِ الأولين مِنْ نَهْيِهِ عَمَّا نَهَى عَنْهُ فِيهِمَا إنَّمَا هُوَ نَهْيٌ عَنْ جُلُوسٍ عَلَى ظَهْرِهَا مِمَّا لَمْ تَدْعُ إلَيْهِ ضَرُورَةٌ ، فَخَرَجَ كُلُّ وَاحِدٍ مِمَّا فِي الْحَدِيثَيْنِ ، وَمِمَّا فِي خُطْبَتِهِ عَلَى رَاحِلَتِهِ عَلَى مَعْنَى خِلَافِ الْمَعْنَى الَّذِي خَرَجَ عَلَيْهِ مَعْنَى مَا فِي صَاحِبِهِ ، وَانْتَفَى أَنْ يَكُونَ فِي ذَلِكَ تَضَادٌّ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَسَأَلَ سَائِلٌ عَنْ مُعَاذٍ الْمَذْكُورِ فِي أَحَدِ الْحَدِيثَيْنِ وَهُوَ مُعَاذُ بْنُ أَنَسٍ الْجُهَنِيُّ ، فَقَالَ : هَلْ ثَبَتَ لَهُ عِنْدَكُمْ صُحْبَةٌ يَجِبُ بِهَا إدْخَالُ حَدِيثِهِ الَّذِي رَوَيْتُمُوهُ عَنْهُ فِي هَذَا الْبَابِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَمَا أَدْخَلْتُمْ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي رَوَيْتُمُوهُ عَنْهُ فِيهِ لِصُحْبَةِ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ ؟ فَقِيلَ لَهُ : نَعَمْ ، قَدْ وَقَفْنَا عَلَى صُحْبَتِهِ لَهُ وَرِوَايَتِهِ عَنْهُ . 44 - وَهُوَ مَا حَدَّثَنَا فَهْدٌ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ ، حَدَّثَنِي الْهِقْلُ ، عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ ، عَنْ أُسَيْدَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ فَرْوَةَ بْنِ مُجَاهِدٍ ، ( عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : غَزَوْنَا مَعَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَضَيَّقَ النَّاسُ الْمَنَازِلَ ، وَقَطَعُوا الطُّرُقَ ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَقَالَ : أَلَا مَنْ قَطَعَ طَرِيقًا ، أَوْ ضَيَّقَ مَنْزِلًا فَلَا جِهَادَ لَهُ ) . 45 - وَمَا قَدْ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ سُلَيْمَانَ ، حَدَّثَنَا ابْنُ عياش ، عَنْ أُسَيْدَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ فَرْوَةَ بْنِ مُجَاهِدٍ ( عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ : غَزَوْت مَعَ أَبِي الصَّائِفَةِ فِي زَمَنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ ، فَضَيَّقَ النَّاسُ الْمَنَازِلَ ، وَقَطَعُوا الطُّرُقَ ، فَقَامَ أَبِي فِي النَّاسِ ، فَقَالَ : أَيُّهَا النَّاسُ ، إنِّي قَدْ غَزَوْت مَعَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ غَزْوَةَ كَذَا وَكَذَا ، فَضَيَّقَ النَّاسُ الْمَنَازِلَ ، وَقَطَعُوا الطُّرُقَ ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنَادِيًا يُنَادِي : أَلَا مَنْ ضَيَّقَ مَنْزِلًا أَوْ قَطَعَ طَرِيقًا ، فَلَا جِهَادَ لَهُ ) . فَعَقَلْنَا بِذَلِكَ أَنَّ لِمُعَاذٍ الْجُهَنِيِّ مِنْ الصُّحْبَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَالْغَزْوِ مَعَهُ ، وَالرِّوَايَةِ عَنْهُ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ . وَسَمِعْت إبْرَاهِيمَ بْنَ أَبِي دَاوُد يَقُولُ : أَكْثَرُ حَدِيثِ مُعَاذٍ هَذَا الَّذِي فِي أَيْدِي النَّاسِ هُوَ مَا رَوَاهُ الْمِصْرِيُّونَ عَنْهُ ، وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ مَا يَدُلُّ عَلَى صُحْبَتِهِ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَاَلَّذِي وَجَدْنَاهُ مِمَّا قَدْ دَلَّنَا عَلَى ذَلِكَ ، فَهُوَ مَا رَوَاهُ الشَّامِيُّونَ عَنْهُ عَلَى قِلَّةِ رِوَايَتِهِمْ عَنْهُ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ فِيمَا أَجَازَهُ لَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْهُ : الْمُخَضْرَمَةُ : الْمَشْقُوقَةُ الْأُذُنُ ، وَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ ، مِنْهُمْ عَبَّاسٌ الرِّيَاشِيُّ فِيمَا حَدَّثَنِي إبْرَاهِيمُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْهُ ، قَالَ : مُحَالٌ عِنْدَنَا أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ خَطَبَ عَلَى نَاقَةٍ هَذِهِ صِفَتُهَا لِأَنَّهَا مَبْتُوكَةٌ ، وَلَكِنَّهَا نَاقَةٌ وُلِدَتْ بَيْنَ الْعِرَابِ وَالْيَمَانِيَّةِ ، فَقِيلَ لَهَا بِذَلِكَ : مُخَضْرَمَةٌ كَمَا قِيلَ لِمَنْ وُلِدَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، وَلَحِقَ الْإِسْلَامَ مُخَضْرَمٌ ، أَيْ : لِإِدْرَاكِهِ الطَّرَفَيْنِ جَمِيعًا . سَمِعْت مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ دَاوُد الْبَغْدَادِيَّ يَقُولُ : سَمِعْت يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ يَقُولُ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ عَلَى بَابِ عَفَّانَ : يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ، إنْ سَرَّكَ أَنْ تَكْتُبَ عَنْ رَجُلٍ لَا يَكُونُ فِي قَلْبِكَ مِنْهُ شَيْءٌ ، فَاكْتُبْ ، عَنْ أَبِي غَسَّانَ مَالِكِ بْنِ إسْمَاعِيلَ .
750 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الذهب الذي كان علي عليه السلام بعث به إليه من اليمن ، فدفعه إلى من دفعه إليه من المؤلفة قلوبهم ، هل في ذلك ما يدل على أن الواجب فيما وجد في المعادن هو الصدقة ، أم لا ؟ . 5628 - حدثنا بكار بن قتيبة وإبراهيم بن مرزوق قالا : حدثنا أبو داود الطيالسي ، قال : حدثنا أبو الأحوص ، عن سعيد بن مسروق أبي سفيان الثوري ، عن عبد الرحمن بن أبي نعم ، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عليا عليه السلام إلى اليمن ، فبعث إليه بذهبة من تربتها ، فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أربعة : بين الأقرع بن حابس ، وعيينة بن بدر ، وزيد الخير الطائي ، وعلقمة بن علاثة العامري ، ثم أحد بني كلاب فغضبت قريش ، وقالت : يعطي صناديد أهل نجد ويدعنا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنما أعطيهم أتألفهم . 5629 - وحدثنا عبد الله بن محمد بن سعيد بن أبي مريم ، قال : حدثنا الفريابي ، قال : حدثنا سفيان ، عن أبيه ، عن ابن أبي نعم البجلي عن أبي سعيد الخدري ، قال : بعث علي عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم بذهيبة في تربتها من اليمن ، فقسمها بين أربعة : الأقرع بن حابس التميمي ، وبين علقمة بن علاثة العامري ، ثم أحد بني كلاب ، وبين عيينة بن بدر الفزاري وبين زيد الخيل الطائي ، ثم أحد بني نبهان ، قال : فغضبت قريش والأنصار ، وقالوا : يعطي صناديد أهل نجد ويدعنا ، فقال : إني أتألفهم . فقال قائل في صرف رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك الذهب الموجود في المعدن إلى المؤلفة قلوبهم ما قد دل : أنه من المال الذي يعطى منه المؤلفة قلوبهم ، وهو أموال الزكوات . فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله - عز وجل - وعونه : أنه لا دليل له بذلك على ما ذكر ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد كان يتألف قلوب أولئك القوم من الصدقات ، كما قد ذكر هذا القائل ، وقد كان يتألفهم من غيرها . 5630 - كما قد حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، قال : حدثنا عبد الله بن بكر السهمي ، قال : حدثنا حميد الطويل ، عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى من غنائم حنين مائة من الإبل : عيينة بن بدر ، والأقرع بن حابس مائة من الإبل . ولما كان ما ذكرنا كذلك ، انتفى أن يكون في الحديث الأول دليل لهذا القائل على ما توهم أنه دليل له على ما استدل به فيه ، والله - عز وجل - نسأله التوفيق .
5 - بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي نَهْيِهِ أَبَا ذَرٍّ أَنْ يَتَوَلَّى قَضَاءً بَيْنَ اثْنَيْنِ وَأَنْ يُؤْوِيَ أَمَانَةً . 46 - حَدَّثَنَا يُونُسُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ أَنَّ دَرَّاجًا أَبَا السَّمْحِ حَدَّثَهُ ، عَنْ أَبِي الْمُثَنَّى ( ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ : قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ سِتَّةَ أَيَّامٍ : اعْقِلْ يَا أَبَا ذَرٍّ مَا أَقُولُ لَك ، ثُمَّ لَمَّا كَانَ فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ ، قَالَ : أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ فِي سِرِّ أَمْرِكَ وَعَلَانِيَتِكَ ، وَإِذَا أَسَأْت ؛ فَأَحْسِنْ ، وَلَا تَسَلْنَ أَحَدًا ، وَإِنْ سَقَطَ سَوْطُكَ ، وَلَا تُؤْوِيَنَّ أَمَانَةً ، وَلَا تُؤْوِيَنَّ يَتِيمًا ، وَلَا تَقْضِيَنَّ بَيْنَ اثْنَيْنِ ) . فَكَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ نَهْيُهُ أَبَا ذَرٍّ عَمَّا نَهَاهُ عَنْهُ ، وَقَدْ كَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ اسْتَعْمَلَ عَلَى الْقَضَاءِ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ . فَعَقَلْنَا بِذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَسْتَعْمِلْهُ عَلَى عَمَلٍ مَكْرُوهٍ ، وَأَنَّهُ لَمْ يُدْخِلْهُ فِي مَعْنًى يُنْقِصُ بِهِ رُتْبَتَهُ عَمَّا هِيَ عَلَيْهِ ، بَلْ مَا أَدْخَلَهُ إلَّا فِي مَعْنًى يَكُونُ زَائِدًا فِي رُتْبَتِهِ ، وَفِي مَعْنًى يَكُونُ سَبَبًا لِمَا يُقَرِّبُهُ مِنْ رَبِّهِ تَعَالَى . وَرُوِيَ مِمَّا كَانَ مِنْهُ إلَى عَلِيٌّ فِي ذَلِكَ لَمَّا بَعَثَهُ عَلَى مَا وَلَّاهُ عَلَيْهِ ، مِنْهُ . 47 - مَا قَدْ حَدَّثَنَا أَبُو أُمَيَّةَ ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ النَّحْوِيُّ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ حَبَشِيٍّ ( عَنْ عَلِيٍّ ، قَالَ : بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى الْيَمَنِ ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّك تَبْعَثُنِي إلَى قَوْمٍ شُيُوخٍ ذَوِي سِنٍّ ، وَإِنِّي أَخَافُ أَنْ لَا أُصِيبَ ، فَقَالَ : إنَّ اللَّه يُثَبِّتُ لِسَانَكَ ، وَيَهْدِي قَلْبَكَ ) . 48 - وَمَا قَدْ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيُّ ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ ، وَزَائِدَةُ ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ مُعَاذٍ ، كُلُّهُمْ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ ، عَنْ حَنَشٍ - وَهُوَ ابْنُ الْمُعْتَمِرِ - عَنْ عَلِيٍّ قَالَ : قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : ( إذَا تَقَاضَى إلَيْكَ الرَّجُلَانِ ، فَلَا تَقْضِ لِلْأَوَّلِ حَتَّى تَسْمَعَ مَا يَقُولُ الْآخَرُ ، فَإِنَّك إذَا سَمِعْتَ ذَلِكَ عَرَفْتَ كَيْفَ تَقْضِي ) ، قَالَ عَلِيٌّ : فَمَا زِلْت قَاضِيًا بَعْدُ . وَزَادَ سُلَيْمَانُ أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ لِعَلِيٍّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : ( إنَّ اللَّهَ يُثَبِّتُ لِسَانَكَ ، وَيَهْدِي قَلْبَكَ ) . 49 - وَمَا قَدْ حَدَّثَنَا فَهْدٌ ، حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ النَّهْدِيُّ ، حَدَّثَنَا إسْرَائِيلُ بْنُ يُونُسَ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ حَارِثَةَ بْنِ مُضَرِّبٍ ( عَنْ عَلِيٍّ قَالَ : بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى الْيَمَنِ ، فَقُلْت : إنَّك بَعَثْتَنِي إلَى قَوْمٍ أَسَنَّ مِنِّي ، فَكَيْفَ أَقْضِي ؟ قَالَ : اذْهَبْ فَإِنَّ اللَّهَ يَهْدِي قَلْبَكَ ، وَيُثَبِّتُ لِسَانَكَ ) . 50 - وَمَا حَدَّثَنَا فَهْدٌ ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْأَصْبَهَانِيِّ مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ ، عَنْ سِمَاكٍ ، عَنْ حَنَشٍ قَالَ : ( قَالَ عَلِيٌّ : بَعَثَنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى الْيَمَنِ ، وَأَنَا حَدِيثُ السِّنِّ ، فَقُلْت : بَعَثْتَنِي وَأَنَا حَدِيثُ السِّنِّ ، وَلَا عِلْمَ لِي بِالْقَضَاءِ ، فَقَالَ : إنَّ اللَّهَ هَادِي قَلْبَكَ وَلِسَانَكَ ، فَإِذَا جَلَسَ إلَيْكَ الْخَصْمَانِ ، فَلَا تَقْضِ لِلْأَوَّلِ حَتَّى تَسْمَعَ كَلَامَ الْآخَرِ ، قَالَ : فَمَا شَكَكْتُ فِي قَضَاءٍ بَعْدُ ) . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَاسْتَحَالَ عِنْدَنَا - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَدْخَلَ عَلِيًّا إلَّا فِيمَا زَادَ فِي رُتْبَتِهِ ، وَفِي جَلَالَةِ مِقْدَارِهِ ، وَفِيمَا يُقَرِّبُهُ مِنْ رَبِّهِ تَعَالَى . وَمِمَّا يَدْخُلُ فِي تَوْكِيدِ مَا ذَكَرْنَا : . 51 - مَا حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَنْصَارِيُّ ، وَبَكْرُ بْنُ إدْرِيسَ الْأَزْدِيُّ ، قَالَا : حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِئ ، حَدَّثَنَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ ، حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُسَامَةَ بْنِ الْهَادِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي قَيْسٍ مَوْلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، عَنْ عَمْرٍو أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : ( إذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ ، وَاجْتَهَدَ ، ثُمَّ أَصَابَ ، فَلَهُ أَجْرَانِ ، وَإِذَا حَكَمَ ، وَاجْتَهَدَ ، ثُمَّ أَخْطَأَ ، فَلَهُ أَجْرٌ ) ، قَالَ : فَحَدَّثْتُ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَبَا بَكْرِ بْنَ حَزْمٍ ، فَقَالَ : هَكَذَا حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . 52 - وَمَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خُزَيْمَةَ ، وَفَهْدٌ ، قَالَا : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ ، حَدَّثَنِي أَبُو الزِّنَادِ ، ثُمَّ ذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ . 53 - وَمَا قَدْ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ - يَعْنِي الْكَوْسَجَ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِثْلَهُ . 54 - وَمَا حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُد ، حَدَّثَنَا أَصْبَغُ بْنُ الْفَرَجِ ، حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إسْمَاعِيلَ ، حَدَّثَنِي شَرِيكٌ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ ، عَنْ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، قَالَ : ( الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ : فَقَاضِيَانِ فِي النَّارِ ، وَقَاضٍ فِي الْجَنَّةِ : قَاضٍ تَرَكَ الْحَقَّ وَهُوَ يَعْلَمُ ، وَقَاضٍ قَضَى بِغَيْرِ الْحَقِّ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ ، فَأَهْلَكَ حُقُوقَ النَّاسِ ، فَهَذَانِ فِي النَّارِ ، وَقَاضٍ قَضَى بِالْحَقِّ فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ ) . 55 - وَمَا قَدْ حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُد ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، وَمَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ دَاوُد ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْوَاسِطِيُّ ، قَالَا : حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ خَلِيفَةَ ، حَدَّثَنَا أَبُو هَاشِمٍ ، قَالَ : لَوْلَا حَدِيثُ ابْنِ بُرَيْدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ : ( الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ : اثْنَانِ فِي النَّارِ ، وَوَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ : رَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ ، وَقَضَى بِهِ ، فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ ، وَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ ، فَلَمْ يَقْضِ بِهِ ، وَجَارَ فِي الْحُكْمِ ، فَهُوَ فِي النَّارِ ، وَرَجُلٌ لَمْ يَعْرِفْ الْحَقَّ فَقَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْلٍ ، فَهُوَ فِي النَّارِ ) . [ لَقُلْنَا : إنَّ الْقَاضِيَ إذَا اجْتَهَدَ ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ ] . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : أَفَلَا تَرَى مَا فِي الْقَضَاءِ مِمَّا يَكُونُ سَبَبًا لِلْجَنَّةِ ، فَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى جَلَالَةِ مِقْدَارِهِ ، وَعَلَى أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمْ يَمْنَعْ أَبَا ذَرٍّ مِنْهُ لِلْقَضَاءِ بِعَيْنِهِ ، وَلَكِنْ لِمَعْنًى سِوَاهُ . فَالْتَمَسْنَا ذَلِكَ الْمَعْنَى مَا هُوَ ؟ . 56 - فَوَجَدْنَا يَزِيدَ بْنَ سِنَانٍ ، وَعَلِيَّ بْنَ شَيْبَةَ ، وَإِبْرَاهِيمَ بْنَ مُنْقِذٍ الْعُصْفُرِيَّ ، وَمُوسَى بْنَ النُّعْمَانَ الْمَكِّيَّ قَدْ حَدَّثُونَا عَنْ الْمُقْرِئ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي أَيُّوبَ حَدَّثَنِي ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ الْقُرَشِيِّ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي سَالِمٍ الْجَيَشَانِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يَا أَبَا ذَرٍّ ، إنِّي أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي ، وَإِنِّي أَرَاكَ ضَعِيفًا ، فَلَا تَأَمَّرَنَّ عَلَى اثْنَيْنِ ، وَلَا تَلينَّ مَالَ يَتِيمٍ ) . فَوَقَفْنَا بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي بِهِ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَا ذَرٍّ عَمَّا نَهَاهُ عَنْهُ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ ، وَإِنَّهُ لِمَعْنًى فِيهِ نَقَصَ بِهِ عَنْ رُتْبَةِ الْقَضَاءِ مِمَّا كَانَ ضِدَّهُ فِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ مِمَّا اسْتَحَقَّ بِهِ وِلَايَةَ الْقَضَاءِ . 57 - وَوَجَدْنَا يُوسُفَ بْنَ يَزِيدَ بْنِ كَامِلٍ الْقُرَشِيِّ قَدْ حَدَّثَنَا ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ الْحَارِثِ بْنِ يَزِيدَ الْحَضْرَمِيِّ ، عَنْ ابْنِ حُجَيْرَةَ الْأَكْبَرِ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ ، قَالَ : ( قُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَلَا تَسْتَعْمِلُنِي ؟ قَالَ : فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى مَنْكِبِي ، ثُمَّ قَالَ : يَا أَبَا ذَرٍّ ، إنَّكَ ضَعِيفٌ ، وَإِنَّهَا أَمَانَةٌ ، وَإِنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ إلَّا مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا ، وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا ) . فَوَقَفْنَا بِهَذَا أَيْضًا أَنَّهَا عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ كَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِأَبِي ذَرٍّ مَا كَرِهَهُ لَهُ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ . وَوَقَفْنَا بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَهُوَ : ( إلَّا مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا ، وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا ) ، أَنَّ مَنْ كَانَ كَذَلِكَ ، فَلَيْسَ مِمَّنْ لَحِقَهُ فِي ذَلِكَ نَهْيٌ ، وَلَا لَحِقَتْهُ فِيهِ كَرَاهَةٌ ، وَأَنَّ الْكَرَاهَةَ لِذَلِكَ إنَّمَا تَلْحَقُ الْمُتَعَرِّضِينَ لَهُ ، الطَّالِبِينَ لِوِلَايَتِهِ . وَمِمَّا قَدْ رُوِيَ فِي تَوْكِيدِ هَذَا الْمَعْنَى : . 58 - مَا قَدْ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرَةَ ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ حَفْصٍ الْأَصْبَهَانِيُّ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ إسْمَاعِيلَ - وَهُوَ ابْنُ أَبِي خَالِدٍ - عَنْ أَخِيهِ ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ : قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ رَجُلَانِ مِنْ الْأَشْعَرِيِّينَ ، فَخَطَبَا ، ثُمَّ تَعَرَّضَا لِلْعَمَلِ ، فَقَالَ : « إنَّ أَخْوَنَكُمْ عِنْدِي مَنْ طَلَبَهُ ، فَعَلَيْكُمَا بِتَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى » . 59 - وَمَا قَدْ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْقَاسِمِ الْكُوفِيُّ أَبُو الْحُسَيْنِ ، حَدَّثَنَا إسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ ، عَنْ الْحَسَنِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ ، قَالَ : قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : « يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ لَا تَسْأَلْ الْإِمَارَةَ ؛ فَإِنَّكَ إنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إلَيْهَا ، وَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا » . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَفِيمَا قَدْ ذَكَرْت مَا قَدْ وَضَحَ بِهِ جَمِيعُ مَا رَوَيْنَاهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي هَذَا الْبَابِ بِالْحَدِيثِ الْأَوَّلِ الَّذِي رَوَيْنَاهُ عَنْهُ فِيهِ نَهْيُهُ أَبَا ذَرٍّ عَمَّا نَهَاهُ عَنْهُ ، وَفِي الْأَحَادِيثِ الَّتِي رَوَيْنَاهَا بَعْدَهُ مِمَّا فِيهِ نَفْيُ ذَلِكَ النَّهْيِ عَنْ سِوَاهُ مِمَّنْ بِهِ الْقُوَّةُ عَلَى مَا يَتَوَلَّاهُ مِنْ ذَلِكَ . فَبَانَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنْ لَا تَضَادَّ فِي شَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ فِي هَذَا الْبَابِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَنَّ مَعَانِيَهُ قَدْ اتَّضَحَتْ مُلْتَئِمَةً بَاينَةً لِمُعَايِنِهَا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِيهِ . وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
756 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حرمة صيد المدينة وفي الواجب على منتهكها فيه . 5653 - حدثنا محمد بن العباس بن الربيع اللؤلؤي ، عن علي بن معبد ، وحدثنا إبراهيم بن أبي داود ، قال : حدثنا عمرو بن عون الواسطي قالا : حدثنا أبو يوسف ، عن يزيد بن أبي زياد ، عن مجاهد ، عن ابن عباس أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله - عز وجل - حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض والشمس والقمر ، ووضعها بين هذين الأخشبين ، لم تحل لأحد قبلي ، ولم تحل لي إلا ساعة من نهار ، لا يختلى خلاها ، ولا يعضد شجرها ، ولا يرفع لقطتها إلا منشد . فقال العباس : إلا الإذخر فإنه لا غنى لأهل مكة عنه لبيوتهم وقبورهم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إلا الإذخر . قال أبو جعفر : ففي هذا الحديث ، أن تحريم مكة كان بتحريم الله إياها يوم خلق السماوات والأرض والشمس والقمر ، ووضعه إياها بين الأخشبين اللذين وضعها بينهما . 5654 - وحدثنا الربيع بن سليمان المرادي ، ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم ، وبحر بن نصر بن سابق ، قال : الربيع وبحر ، حدثنا شعيب بن الليث ، وقال محمد : أخبرنا أبي وشعيب بن الليث ، عن الليث ، عن أبي سعيد المقبري ، عن أبي شريح الخزاعي ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله - عز وجل - حرم مكة ، ولم يحرمها الناس ، فمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر ، فلا يسفكن فيها دما ، ولا يعضدن فيها شجرا ، فإن ترخص مترخص ، فقال : قد حلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإن الله أحلها لي ولم يحلها للناس ، وإنما أحلها لي ساعة . 5655 - وحدثنا محمد بن خزيمة ، قال : حدثنا مسدد ، قال : حدثنا يحيى بن سعيد ، عن ابن أبي ذئب ، قال : حدثني سعيد المقبري ، قال : سمعت أبا شريح الكعبي يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ذكر مثله . 5656 - وحدثنا بكار بن قتيبة ، قال : حدثنا أبو داود الطيالسي ، قال : حدثنا حرب بن شداد ، عن يحيى بن أبي كثير ، قال : حدثني أبو سلمة ، قال : حدثني أبو هريرة ، قال : لما فتح الله - عز وجل - على رسوله صلى الله عليه وسلم مكة ، قتلت هذيل رجلا من بني ليث بقتيل كان لهم في الجاهلية ، فقام النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : إن الله حبس عن أهل مكة القتل وسلط عليهم رسوله والمؤمنين ، وإنها لم تحل لأحد كان قبلي ولا تحل لأحد بعدي ، وإنما أحلت لي ساعتين من نهار ، وإنها بعد ساعتي هذه حرام لا يعضد شجرها ، ولا يختلى شوكها ، ولا تلتقط ساقطتها إلا لمنشد . 5657 - حدثنا محمد بن عبد الله بن ميمون البغدادي ، قال : حدثنا الوليد بن مسلم ، عن الأوزاعي ، عن يحيى ، ثم ذكر بإسناده مثله ، غير أنه قال : إن الله - عز وجل - حبس عن أهل مكة الفيل . 5658 - وحدثنا محمد بن خزيمة ، قال : حدثنا حجاج بن منهال وموسى بن إسماعيل المنقري ، قالا : حدثنا حماد بن سلمة ، عن محمد بن عمرو بن علقمة ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، قال : وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحجون ، ثم قال : والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله - عز وجل - لم تحل لأحد كان قبلي ، ولا تحل لأحد بعدي ، وما أحلت لي إلا ساعة من النهار ، وهي بعد ساعتها هذه حرام إلى يوم القيامة . 5659 - وحدثنا علي بن عبد الرحمن بن محمد بن المغيرة ، قال : حدثنا ابن أبي مريم ، قال : أخبرنا ابن الدراوردي ، قال : حدثنا محمد بن عمرو ، ثم ذكر بإسناده مثله . قال : ففي هذه الآثار أن مكة حرام ، وأنها لم تحل لأحد قبل النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان الواجب على من انتهك حرمة صيدها الواجب على قاتل الصيد في الإحرام ، كما ذكره الله في كتابه بقوله : لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ الآية . وما أجمع أهل العلم جميعا على من فعل ذلك في حرمة مكة وهو حلال من وجوب مثل ذلك عليه ، غير ما اختلفوا فيه من الصوم في ذلك ، ومن قول بعضهم : إنه لا يجزئ صوم ، وممن قال ذلك منهم أبو حنيفة وأصحابه ، ومن قول غيرهم : إن الصوم يجزئ في ذلك كما يجزئ في القتل في الإحرام ، وممن ذهب إلى ذلك منهم مالك بن أنس ، وهو القول عندنا في ذلك ، والله أعلم . ثم نظرنا فيما أنبأنا الله - عز وجل - في كتابه مما كان من إبراهيم نبيه صلى الله عليه وسلم فيها من قوله : رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا ، ومن قوله : رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا ، فلم يكن ذلك من التحريم الذي كان من الله - عز وجل - في شيء ، كما لم يكن الربا الذي حرمه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الربا الذي حرمه الله - عز وجل - في كتابه في شيء ؛ لأن الربا الذي حرمه الله - عز وجل - في كتابه في النسيئة ، والذي حرمه رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في التفاضل ، وكان ما دعا به إبراهيم صلى الله عليه وسلم لأهل مكة هو الأمان الذي يبينون به عن سائر أهل البلدان سوى مكة ، ودل على ذلك قوله - عز وجل - : أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ ، وكان ذلك عندنا ، والله أعلم لما كان من دعاء إبراهيم صلى الله عليه وسلم في الآيتين اللتين تلونا . ثم نظرنا إلى ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تحريمه المدينة كيف كان . 5660 - فوجدنا علي بن معبد قد حدثنا ، قال : حدثنا أحمد بن إسحاق الحضرمي ، قال : حدثنا وهيب بن خالد ، قال : حدثنا عمرو بن يحيى المازني ، عن عباد بن تميم ، عن عبد الله بن زيد ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن إبراهيم حرم مكة ، ودعا لهم وإني حرمت المدينة ودعوت لهم بمثل ما دعا به إبراهيم لأهل مكة ، أن يبارك لهم في صاعهم ومدهم . وكان في هذا الحديث ، ما قد دلنا على أن الذي كان من النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة هو مثل الذي كان من إبراهيم صلى الله عليه وسلم في مكة في أمان أهلها فيها ، وفي أن يكونوا في ذلك بخلاف من حولهم من الناس فيما سواها غير ، أنا وجدنا فيما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . 5661 - ما قد حدثنا علي بن شيبة ، قال : حدثنا قبيصة بن عقبة ، قال : حدثنا سفيان ، عن أبي الزبير ، عن جابر ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن إبراهيم صلى الله عليه وسلم حرم بيت الله وأمنه ، وإني حرمت المدينة مما بين لابتيها لا يقطع عضاهها ولا يصاد صيدها . وكان في هذا الحديث تحريم ما بين لابتي المدينة أن لا يقطع عضاهها ولا يصاد صيدها ، فاحتمل أن يكون ذلك زيادة زادها رسول الله صلى الله عليه وسلم في مدينته على ما كان من إبراهيم صلى الله عليه وسلم في مكة ودعاؤه الله - عز وجل - بذلك ، وإجابته إياه فيه . ثم نظرنا : هل حكم ما تنتهك حرمته بين لابتي المدينة من الصيد والعضاه كما تنتهك في حرمة مكة منهما ، وفي الواجب بذلك على منتهكهما ؟ . 5662 - فوجدنا إبراهيم بن مرزوق قد حدثنا ، قال : حدثنا أبو عامر العقدي ، قال : حدثنا عبد الله بن جعفر الزهري ، عن إسماعيل بن محمد ، وهو ابن سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - عن عامر بن سعد أن سعدا - رضي الله عنه - ركب إلى قصره بالعقيق ، فوجد غلاما يقطع شجرا أو يخبطه ، فأخذ سلبه ، فلما رجع أتاه أهل الغلام ، فكلموه أن يرد ما أخذ من غلامهم ، فقال : معاذ الله أن أرد شيئا نفلنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه ، وأبى أن يرد إليهم . قال أبو جعفر : هكذا ، حدثنا إبراهيم بهذه الألفاظ . 5663 - وحدثنا يزيد بن سنان وإبراهيم بن مرزوق قالا : حدثنا وهب بن جرير ، قال : حدثنا أبي ، قال : سمعت يعلى بن حكيم يحدث ، عن سليمان بن أبي عبد الله ، قال : شهدت سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - وأتاه قوم في عبد لهم أخذ سعد سلبه رآه يصيد في حرم المدينة الذي حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكلموه أن يرد عليهم سلبه ، فأبى وقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حد حدود حرم المدينة ، فقال : من وجدتموه يصيد في شيء من هذه الحدود ، فمن وجده فله سلبه ، ولا أرد عليكم طعمة أطعمنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولكن إن شئتم أن أعوض لكم مكان سلبه فعلت . واللفظ ليزيد . 5664 - ووجدنا إبراهيم بن أبي داود قد حدثنا ، قال : حدثنا سليمان بن حرب ، قال : حدثنا جرير بن حازم ، عن يعلى بن حكيم ، عن سليمان بن أبي عبد الله أن سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - أخذ عبدا صاد في حرم المدينة الذي حرم النبي صلى الله عليه وسلم فسلبه ثيابه ، فجاء مواليه إلى سعد فكلموه ، فقال سعد : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرم هذا الحرم ، وقال : من أخذ يصيد فيه شيئا ، فلمن أخذه سلبه ، فلم أكن لأرد عليكم طعمة أطعمنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولكن إن شئتم أعطيتكم ثمنه . فكان في هذا ما قد دلنا أن الواجب في انتهاك الصيد والعضاه بين لابتي المدينة غير الواجب في انتهاكهما في حرمة مكة ؛ لأن الواجب في انتهاكهما في حرمة مكة ما قد ذكرناه في هذا الباب في ذلك ، والواجب في انتهاك حرمتها من المدينة هو ما قد ذكرناه في هذين الحديثين . ثم وجدنا فقهاء الأمصار الذين تدور عليهم الفتيا ، ويؤخذ العلم عنهم في الحرمين وفي سائر البلدان سواهما مجتمعين على : أن أخذ سلب منتهك حرمة الصيد والعضاه بالمدينة غير مستعملة . فعقلنا بذلك : أن إجماعهم على ترك ما في هذين الحديثين كان لوقوفهم على نسخه ؛ لأنهم المأمونون على ما رووا وعلى ما قالوا ، ولأن من ترك ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم أو حكم به خارج من هذه الرتبة ، غير مقبول قوله ، وغير مستعملة روايته ، وحاش لله - عز وجل - أن يكونوا كذلك ، ولكن تركهم لذلك كان عندنا والله أعلم على مثل تركهم ما سواه ، مما قد روي في انتهاك الحرم ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فمثل ذلك ما روي عنه في مانع الزكاة : إنا آخذوها وشطر ماله عزمة من عزمات ربنا - عز وجل وما روي عنه صلى الله عليه وسلم في حريسة الجبل أن فيها غرامة مثليها وجلدات نكال . وما روي عنه فيمن وقع بجارية امرأته مستكرها لها أنها تعتق عليه ويكون عليه مثلها ، وأنه إن كان ذلك منه إليها وهي مطاوعة له كانت له ، وكان عليها مثلها لزوجته ، فألزم جارية فاسدة ، وجعل عليها مكانها جارية غير فاسدة ، وأعتقت عليه إذا كان وقع بها مستكرها لها ، فمثل ذلك والله أعلم ما روي من السلب ، فيما ذكرنا يحتمل أن يكون كان والأحكام فيه كذلك ، ثم نسخ بنسخ أشكاله التي ذكرناها في هذا الباب ، والله نسأله التوفيق .
6 - بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ فِي السَّبَبِ الَّذِي فِيهِ نَزَلَتْ وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ مِمَّا قَدْ ظَنَّ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّهُ قَدْ تَضَادَّتْ الرِّوَايَاتُ فِيهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِمَّا هُوَ فِي الْحَقِيقَةِ بِخِلَافِ ذَلِكَ . 60 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَحْرِ بْنِ مَطَرٍ ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ دَاوُد بْن مُوسَى ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ التَّيْمِيِّ ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ أَنَسٍ : ( أَنَّ ثَمَانِينَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ هَبَطُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَأَصْحَابِهِ بِالتَّنْعِيمِ عِنْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ لِيَقْتُلُوهُمْ ، فَأَخَذَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِلْمًا ، فَأَعْتَقَهُمْ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ الْآيَةَ . قَالَ أَبُو سَلَمَةَ : فَحَدَّثْتُ بِهَذَا الْحَدِيثِ الْكَلْبِيَّ ، فَقَالَ : هَكَذَا كَانَ الْحَدِيثُ . 61 - وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَعْيَنَ ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي إسْرَائِيلَ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى الْبَزَّازُ أَبُو الْقَاسِمِ - الْمَعْرُوفُ مُحَمَّدٌ هَذَا بِرِجَالٍ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، ثُمَّ اجْتَمَعَا ، فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي جَانِبٍ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، قَالَ : وَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ عَنْ الْمِسْوَرِ ، وَمَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ يُصَدِّقُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ ، قَالَ فِي حَدِيثِ الْهُدْنَةِ : ( إنَّ سُهَيْلًا كَانَ مِمَّا اشْتَرَطَ فِي الصُّلْحِ الَّذِي كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ لَا يَأْتِيكَ مِنَّا رَجُلٌ ، وَإِنْ كَانَ عَلَى دِينِكَ ، إلَّا رَدَدْتَهُ إلَيْنَا ، ثُمَّ رَجَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى الْمَدِينَةِ ، فَجَاءَ أَبُو بَصِيرٍ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ ، وَهُوَ مُسْلِمٌ ، فَأَرْسَلُوا فِي طَلَبِهِ رَجُلَيْنِ ، فَقَالُوا : الْعَهْدُ الَّذِي جَعَلْت لَنَا ، فَدَفَعَهُ إلَى الرَّجُلَيْنِ ، فَخَرَجَا بِهِ ، فَلَمَّا بَلَغَا ذَا الْحُلَيْفَةِ ، نَزَلُوا يَأْكُلُونَ مِنْ تَمْرِهِمْ ، فَقَالَ أَبُو بَصِيرٍ لِأَحَدِ الرَّجُلَيْنِ : وَاَللَّهِ إنِّي لَأَرَى سَيْفَكَ يَا فُلَانٌ جَيِّدًا ، فَاسْتَلَّهُ الْآخَرُ ، فَقَالَ : أَجَلْ وَاَللَّهِ إنَّهُ لَجَيِّدٌ ، فَقَالَ أَبُو بَصِيرٍ : أَرِنِي أَنْظُرْ إلَيْهِ ، فَضَرَبَهُ بِهِ حَتَّى بَرَدَ ، وَفَرَّ الْآخَرُ حَتَّى أَتَى الْمَدِينَةَ ، فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ حِينَ رَآهُ : لَقَدْ رَأَى هَذَا ذُعْرًا ، فَلَمَّا انْتَهَى إلَيْهِ قَالَ : قُتِلَ وَاَللَّهِ صَاحِبِي ، وَإِنِّي لَمَقْتُولٌ ، فَجَاءَ أَبُو بَصِيرٍ ، فَقَالَ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، قَدْ وَاَللَّهِ وَفَّى اللَّهُ ذِمَّتَكَ أَنْ رَدَدْتَنِي إلَيْهِمْ ، ثُمَّ أَنْجَانِي اللَّهُ مِنْهُمْ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَيْلُ أُمِّهِ مِسْعَرَ حَرْبٍ لَوْ كَانَ لَهُ أَحَدٌ ، فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ مِنْهُ ، عَرَفَ أَنَّهُ سَيَرُدُّهُ إلَيْهِمْ ، فَخَرَجَ حَتَّى أَتَى سِيفَ - يَعْنِي - الْبَحْرَ قَالَ : وَتَفَلَّتَ مِنْهُمْ أَبُو جَنْدَلٍ ، فَلَحِقَ بِأَبِي بَصِيرٍ ، فَجَعَلَ لَا يَخْرُجُ مِنْ قُرَيْشٍ رَجُلٌ قَدْ أَسْلَمَ إلَّا لَحِقَ بِأَبِي بَصِيرٍ ، حَتَّى اجْتَمَعَتْ مِنْهُمْ عِصَابَةٌ ، قَالَ : فَوَاَللَّهِ مَا سَمِعُوا بِعِيرٍ خَرَجَتْ لِقُرَيْشٍ إلَى الشَّامِ إلَّا اعْتَرَضُوا لَهُمْ ، فَقَتَلُوهُمْ ، وَأَخَذُوا أَمْوَالَهُمْ ، فَأَرْسَلَتْ قُرَيْشٌ إلَى النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ تُنَاشِدُهُ اللَّهَ وَالرَّحِمَ لَمَّا أَرْسَلَ إلَيْهِمْ ، فَمَنْ أَتَاهُ فَهُوَ آمِنٌ ، فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَيْهِمْ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ حَتَّى بَلَغَ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَكَانَتْ حَمِيَّتُهُمْ أَنَّهُمْ لَمْ يُقِرُّوا أَنَّهُ نَبِيُّ اللَّهِ ، وَلَمْ يُقِرُّوا بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، وَحَالُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ ) . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَكَانَ مَا فِي حَدِيثِ أَنَسٍ : ( أَنَّ ثَمَانِينَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ هَبَطُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَأَصْحَابِهِ مِنْ التَّنْعِيمِ عِنْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ لِيَقْتُلُوهُمْ ) ، وَأَنَّ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ كَانَ فِي ذَلِكَ ، وَكَانَ مَا فِي ذَلِكَ الْحَدِيثِ مُضَافًا إلَى أَنَسٍ لِغَيْرِ حِكَايَةٍ مِنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ لَهُ ذَلِكَ . وَكَانَ مَا فِي حَدِيثِ الْمِسْوَرِ ، وَمَرْوَانَ أَنَّ نُزُولَهَا كَانَ فِيمَا كَانَ مِنْ أَبِي بَصِيرٍ ، وَأَبِي جَنْدَلٍ ، وَمِمَّنْ لَحِقَ بِهِمَا مِمَّنْ أَسْلَمَ مِنْ قُرَيْشٍ بِسِيفِ الْبَحْرِ فِي قَطْعِهِمْ مَا كَانَ يَمُرُّ بِهِمْ مِنْ عَيْرَاتِ قُرَيْشٍ ، وَمِمَّا سِوَاهَا مِمَّا كَانَتْ مِيرَةً لَهُمْ ، حَتَّى كَانَ مِنْ قُرَيْشٍ الَّذِينَ كَانُوا بِمَكَّةَ سُؤَالُهُمْ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَمُنَاشَدَتُهُمْ إيَّاهُ بِاَللَّهِ وَبِالرَّحِمِ لَمَّا أَرْسَلَ إلَيْهِمْ ، فَمَنْ أَتَاهُ فَهُوَ آمِنٌ ، وَأَنَّ إنْزَالَ اللَّهِ هَذِهِ الْآيَةِ الَّتِي تَلَوْنَا كَانَ فِي ذَلِكَ ، وَكَانَ كُلُّ وَجْهٍ مِمَّا فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ مُضَافًا إلَى رُوَاتِهِ لَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَبَانَ بِذَلِكَ أَنْ لَا تَضَادَّ فِي وَاحِدٍ مِمَّا فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَأَنَّ التَّضَادَّ الَّذِي فِيهِمَا فِي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ كَانَ مِمَّنْ دُونَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْهُ . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ فِي نُزُولِهَا أَيْضًا شَيْءٌ يَدُلُّ عَلَى مَا قَالَهُ أَنَسٌ ، وَأَنَّ نُزُولَهَا كَانَ فِيهِ . 62 - كَمَا قَدْ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ دَاوُد ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ الْعِجْلِيّ ، عَنْ إيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِيهِ سَلَمَةَ قَالَ : ( جَاءَ عَمِّي بِرَجُلٍ مِنْ عَبَلَاتٍ وَبِفَرَسِهِ مُجَفِّفًا فِي سَبْعِينَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ حَتَّى وَقَفَ بِهِمْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : دَعُوهُمْ تَكُونُ لَنَا الْيَدُ وَالْفَخَارُ ، فَعَفَا عَنْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ الْآيَةَ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : ثُمَّ تَأَمَّلْنَا نَحْنُ مِنْ بَعْدُ مَا قَالُوهُ فِي ذَلِكَ ، فَوَجَدْنَا فِي الْآيَةِ الَّتِي تَلَوْنَا مَا يَدُلُّ عَلَى مَا قَالَهُ أَنَسٌ فِي السَّبَبِ الَّذِي فِيهِ أُنْزِلَتْ لَا عَلَى مَا قَالَ مَرْوَانُ وَالْمِسْوَرُ فِي ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ فِيهَا وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ الْآيَةَ ، وَكَانَ التَّنْعِيمُ مِنْ مَكَّةَ ، وَكَانَ سِيفُ الْبَحْرِ لَيْسَ مِنْ بَطْنِ مَكَّةَ ، وَكَانَ الَّذِي كَانَ فِي ذَلِكَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ : الظَّفَرُ بِالْقَوْمِ الَّذِينَ حَاوَلُوا مَا حَاوَلُوا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَمِنْ أَصْحَابِهِ ، وَلَا ظَفَرَ فِي حَدِيثِ الْمِسْوَرِ ، وَمَرْوَانَ . وَمِنْ ذَلِكَ :
749 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في كراهية ذهب المعادن وإخباره أنه لا خير فيه . 5625 - حدثنا ابن خزيمة وفهد بن سليمان قالا : حدثنا القعنبي ، قال : حدثنا الدراوردي ، عن عمرو بن أبي عمرو ، عن عكرمة ، عن ابن عباس أن رجلا لزم غريما له بعشرة دنانير ، فقال : والله ما عندي شيء أقضيكه اليوم ، فقال : والله لا أفارقك حتى تعطيني ، أو تأتيني بحميل يتحمل عنك ، قال : والله ما عندي قضاء ، وما أجد أحدا يتحمل عني ، قال : فجره إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله ، إن هذا لزمني واستنظرته شهرا واحدا ، فأبى حتى أقضيه أو آتيه بحميل ، فقلت : والله ما عندي حميل ، ولا أجد قضاء اليوم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هل تستنظره إلا شهرا واحدا ، قال : لا ، قال : فأنا أحمل بها عنه ، فحمل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فذهب الرجل ، فأتاه بقدر ما وعده ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أين أصبت هذه الذهب ؟ قال : من معدن ، قال : لا حاجة لنا بها ، ليس فيها خير ، فقضاها رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه . قال أبو جعفر : ففي هذا الحديث ، من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الذهب الذي جاءه به ذلك الرجل ، لما أخبره أنه أخذه من بعض المعادن أنه لا خير فيه . فقال قائل : وهل جميع الذهب الذي في أيدي الناس يصرفونه في زكواتهم وفي مهور نسائهم وفي أثمان بياعاتهم إلا من المعادن التي يوجد فيها ، ودفع بذلك هذا الحديث أن يكون مقبولا ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال : قد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أخذ من المعادن ما فيه خلاف ما في هذا الحديث . 5626 - فذكر ما قد حدثنا علي بن شيبة ، قال : حدثنا يزيد بن هارون ، قال : أخبرنا محمد بن إسحاق ، عن عاصم بن عمر بن قتادة ، عن محمود بن لبيد ، عن جابر بن عبد الله ، قال : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ببيضة من ذهب أصابها في بعض المعادن ، فقال : خذها يا رسول الله ، فوالله ما أصبحت أملك غيرها ، فأعرض عنه ، ثم أتاه عن شماله ، فقال مثل ذلك ، فأعرض عنه ، ثم أتاه من بين يديه ، فقال مثل ذلك ، فقال : هاتها مغضبا ، فأخذها فحذفه بها حذفة لو أصابه لشجه أو عقره ، ثم قال : يأتي أحدكم بماله كله فيتصدق به ، ثم يجلس يتكفف الناس ، إنه لا صدقة إلا عن ظهر غنى . 5627 - وما قد حدثنا فهد ، قال : حدثنا يوسف بن بهلول ، قال : حدثنا عبد الله بن إدريس ، قال : حدثنا محمد بن إسحاق ، عن عاصم بن عمر بن قتادة ، عن محمود بن لبيد ، عن ابن عباس ، قال : حدثني سلمان الفارسي حديثه من فيه ، فذكر حديثه بطوله ، وقال فيه : فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : كاتب ، فسألت صاحبي ذلك فلم أزل به حتى كاتبني على أن أحيي له ثلاث مائة نخلة وبأربعين أوقية من ورق ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أعينوا أخاكم بالنخل ، فأعانني كل رجل يقدر بالثلاثين والعشرين والخمس عشرة والعشر ، ثم قال لي : يا سلمان ، اذهب ففقر لها ، فإذا أردت أن تضعها فلا تضعها حتى تأتي فتؤذنني ، فأكون أنا الذي أضعها بيدي ، فقمت في تفقيري وأعانني أصحابي حتى فقرنا شربها ثلاث مائة ودية ، وجاء كل رجل بما أعانني به من النخل ، ثم جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يضعها بيده ، وجعل يسوي عليها ترابها ، وينزل حتى فرغ منها جميعا ، فلا والذي نفسي بيده ، ما نفقت منها واحدة وبقيت الدراهم ، فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم في أصحابه إذ أتاه رجل من أصحابه بمثل البيضة من ذهب أصابها من بعض المعادن فتصدق بها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما فعل الفارسي المسكين المكاتب ، ادعوه لي ، فدعيت له فجئت ، فقال : اذهب فأدها عنك مما عليك من المال ، قلت : وأين تقع هذه مما علي يا رسول الله ، فقال : إن الله سيؤدي بها عنك . فكان جوابنا له في ذلك - بتوفيق الله عز وجل وعونه : أن الأمر في ذلك لا نعلمه كما حكي ، إذ كان قد يحتمل أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما قال في ذلك الحديث ما قاله فيه ، قبل أن تحل المعادن للناس ؛ لأنها عند قوم من أهل العلم من الغنائم ، والخمس واجب فيها ؛ لوجوبه في الغنائم ، وممن كان يقول ذلك في المعادن أبو حنيفة وأصحابه ، وقد كانت الغنائم محرمة على من قبل هذه الأمة من الأمم وعلى هذه الأمة في مدة من الإسلام حتى أحلها الله - عز وجل - لهم رحمة منه إياهم ، وتخفيفا منه عليهم ، فكانت قبل إحلال الله - عز وجل - إياها لهم ، لا خير لهم في الموجود فيها ، وهي عند قوم آخرين من أهل العلم من أموال الصدقات ، وهم أهل الحجاز ، فاحتمل أن يكون ذلك قبل فرض الله - عز وجل - الزكاة على عباده في أموالهم ، فلم يكن ما وجد مما إذا أخذوه من المعادن كان مالا لهم فيه خير لذلك ، ثم فرض الله - عز وجل - فيها الزكاة ، فعادت إلى خلاف ما كانت عليه قبل ذلك ، وصارت مما فيه الخير والقربة إلى الله - عز وجل - وأدى المفروض في ذلك إليه ، فكان ما ذكرنا مما قد دل على أن ذلك إنما كان على ما ذكر في ذلك الحديث في حال الحكم كان فيها في الموجود في المعادن ، خلاف الحكم في الموجود فيها من بعد ذلك ، وقد يحتمل أيضا وجه آخر وهو : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما كان قد تحمل عن ذلك الرجل بالدين ، الذي كان عليه ، صار ذلك الدين على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان عليه قضاؤه لمن هو له ، وإنما كان ذلك الدين عشرة دنانير مضروبة ، فلما جاءه ذلك الرجل المتحمل عنه بما جاءه به مما وجده في المعدن الذي وجده وليس بدنانير مضروبة ، إنما هو ذهب غير مضروب ، وذلك عند الناس دون الدنانير المضروبة من مثله ، وكان أداء ذلك قضاء عن ما قد كان صار على رسول الله صلى الله عليه وسلم بتحمله إياه عما قد كان عليه ، وقد كان من شريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن خيار الناس أحسنهم قضاء ، وكان هو أولى الناس بذلك ، فكان أن دفع إلى الرجل الذي يحمل له ذلك الذهب قضاء عن الدنانير الذي يحمل له بها المضروبة لم يحسن قضاءه ، وهو صلى الله عليه وسلم أبعد الناس من ذلك فكره أخذها لذلك ، وأدى إلى الذي تحمل له بها من ماله دنانير لا نقص عليه فيها ، ولا كراهة عنده في أخذه إياها ، وهذا تأويل حسن ، وكان ما قد ذكرنا في هذا الباب مما حملنا ما رويناه فيه على ما حملناه عليه ومن صرفنا إياه إلى ما صرفناه إليه ما قد انتفى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون في شيء مما قد رويناه عنه فيه تضاد أو اختلاف ، والله نسأله التوفيق .
7 - بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ ثُمَّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مِمَّا يُحِيطُ عِلْمًا أَنَّهُ لَمْ يَقُلْهُ إلَّا بِأَخْذِهِ إيَّاهُ عَنْهُ إذْ كَانَ مِثْلُهُ لَا يُوجَدُ إلَّا عَنْهُ ، وَلَا مِمَّا يُدْرَكُ بِالرَّأْيِ ، وَلَا مِنْ اسْتِنْبَاطٍ وَلَا مِنْ اسْتِخْرَاجٍ فِي التِّسْعِ الْآيَاتِ الَّتِي أُوتِيَهَا مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم . 63 - حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُد ، حَدَّثَنَا مُسَدِّدُ بْنُ مُسَرْهَدٍ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ شُعْبَةَ ، حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ ، قَالَ : ( قَالَ رَجُلٌ مِنْ الْيَهُودِ لِآخَرَ : اذْهَبْ بِنَا إلَى هَذَا النَّبِيِّ ، فَقَالَ لَهُ الْآخَرُ : لَا تَقُلْ هَذَا النَّبِيَّ ؛ فَإِنَّهُ إنْ سَمِعَهَا كَانَ لَهُ أَرْبَعَةُ أَعْيُنٍ ، فَانْطَلَقَا إلَيْهِ ، فَسَأَلَاهُ عَنْ تِسْعِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ، فَقَالَ : تَعْبُدُوا اللَّهَ لَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ، وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلَّا بِالْحَقِّ ، وَلَا تَزْنُوا ، وَلَا تَسْرِقُوا ، وَلَا تَفِرُّوا مِنْ الزَّحْفِ ، وَلَا تُسْحِرُوا ، وَلَا تَأْكُلُوا الرِّبَا ، وَلَا تَمْشُوا بِبَرِيءٍ إلَى سُلْطَانٍ ، وَعَلَيْكُمْ يَهُودَ أَنْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ . فَقَالَا : نَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ) . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : هَذَا الْحَرْفُ ( نَشْهَدُ أَنَّك رَسُولُ اللَّهِ ) لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ أَصْحَابِ شُعْبَةَ إلَّا يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ ، فَكَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ التِّسْعَ آيَاتٍ الَّتِي آتَاهَا اللَّهُ مُوسَى هِيَ التِّسْعُ الْآيَاتُ الْمَذْكُورَاتُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَأَنَّهَا عِبَادَاتٌ لَا نِذَارَاتٌ ، وَلَا تَخْوِيفَاتٌ ، وَلَا وَعِيدَاتٌ . وَمَا عَلِمْنَا أَحَدًا مِمَّنْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ شُعْبَةَ ضَبَطَ التِّسْعَ الْآيَاتِ الْمَذْكُورَاتِ فِيهِ غَيْرَ يَحْيَى ، وَقَدْ ظَنَّ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ قَدْ ضَبَطَهَا عَنْ شُعْبَةَ أَيْضًا بِضَبْطِ يَحْيَى إيَّاهَا عَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إدْرِيسَ الْأَوْدِيُّ . وَذَكَرَ فِي ذَلِكَ : 64 - مَا حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، أَخْبَرَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، عَنْ ابْنِ إدْرِيسَ ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ عَمْرٍو ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ صَفْوَانَ قَالَ : ( قَالَ يَهُودِيٌّ لِصَاحِبِهِ : اذْهَبْ بِنَا إلَى هَذَا النَّبِيِّ ، فَقَالَ صَاحِبُهُ : لَا تَقُلْ نَبِيٌّ ، لَوْ سَمِعَهَا كَانَ لَهُ أَرْبَعَةُ أَعْيُنٍ ، فَأَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَسَأَلَاهُ عَنْ تِسْعِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَقَالَ لَهُمْ : لَا تُشْرِكُوا بِاَللَّهِ شَيْئًا ، وَلَا تَسْرِقُوا ، وَلَا تَزْنُوا ، وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلَّا بِالْحَقِّ ، وَلَا تَمْشُوا بِبَرِيءٍ إلَى سُلْطَانٍ ، وَلَا تُسْحِرُوا ، وَلَا تَأْكُلُوا الرِّبَا ، وَلَا تَقْذِفُوا الْمُحْصَنَةَ ، وَلَا تَوَلُّوا يَوْمَ الزَّحْفِ ، وَعَلَيْكُمْ خَاصَّةً يَهُودُ أَنْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ فَقَبَّلُوا يَدَيْهِ ، وَرِجْلَيْهِ ، وَقَالُوا : نَشْهَدُ أَنَّكَ نَبِيٌّ قَالَ : فَمَا يَمْنَعُكُمْ أَنْ تَتَّبِعُونِي ؟ قَالُوا : إنَّ دَاوُد دَعَا أَنْ لَا يَزَالَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ نَبِيٌّ ، وَإِنَّا نَخَافُ إنْ تَبِعْنَاكَ أَنْ تَقْتُلَنَا يَهُودُ ) . هَكَذَا حَدَّثَنَاهُ ابْنُ شُعَيْبٍ بِلَا شَكٍّ مِنْهُ فِيهِ ، وَلَا مِمَّنْ رَوَاهُ عَنْهُ ، وَلَا مِمَّنْ فَوْقَهُ مِنْ رُوَاتِهِ فِيهِ . وَكَانَ مَا ظَنَّ هَذَا الظَّانُّ بِخِلَافِ مَا ظَنَّهُ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَمَا ظَنَّ ، لَكَانَ ابْنُ إدْرِيسَ قَدْ زَادَ عَلَى يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ فِيهِ آيَةً أُخْرَى ، فَصَارَ الَّذِي فِيهِ عَشْرُ آيَاتٍ ، وَإِنَّمَا الَّذِي أَخْبَرَ اللَّهُ أَنَّهُ آتَاهُ مُوسَى مِنْهَا تِسْعُ آيَاتٍ لَا عَشْرُ آيَاتٍ . وَلَكِنَّ حَقِيقَةَ هَذِهِ الزِّيَادَةِ الَّتِي فِيهِ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ عَلَى يَحْيَى إنَّمَا هِيَ أَنَّ شُعْبَةَ قَدْ كَانَ شَكَّ فِيهِ بِأخِرِة ، فَلَمْ يَدْرِ : هَلْ مِنْ الْآيَاتِ الَّتِي فِيهِ التَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ ، أَوْ قَذْفُ الْمُحْصَنَةِ ، وَكَانَ يُحَدِّثُ بِهِ كَذَلِكَ إلَى أَنْ مَاتَ ، وَكَان سَمَاع يَحْيَى إيَّاهُ مِنْهُ بِلَا شَكٍّ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ . وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا : . 65 - أَنَّ عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْعَتَّابِيَّ أَخْبَرَنَا خَالِدٌ ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُد ، وَأَحْمَدُ بْنُ دَاوُد قَدْ حَدَّثُونَا ، قَالُوا : حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ عَبْد اللَّهِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ ( أَنَّ يَهُودِيًّا قَالَ لِصَاحِبِهِ تَعَالَ حَتَّى نَسْأَلَ هَذَا النَّبِيَّ فَقَالَ الْآخَرُ : لَا تَقُلْ له النَّبِيَّ فَإِنَّهُ إنْ سَمِعَهَا صَارَتْ لَهُ أَرْبَعَةُ أَعْيُنٍ ، فَأَتَاهُ فَسَأَلَهُ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَقَالَ : لَا تُشْرِكُوا بِاَللَّهِ شَيْئًا ، وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلَّا بِالْحَقِّ ، وَلَا تَسْرِقُوا ، وَلَا تَزْنُوا ، وَلَا تَسْحَرُوا ، وَلَا تَأْكُلُوا الرِّبَا ، وَلَا تَمْشُوا بِبَرِيءٍ إلَى سُلْطَانٍ لِيَقْتُلَهُ ، وَلَا تَقْذِفُوا الْمُحْصَنَةَ أَوْ تَفِرُّوا مِنْ الزَّحْفِ وَعَلَيْكُمْ خَاصَّةً الْيَهُودَ أَنْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ قَالَ : فَقَبَّلُوا يَدَهُ وَقَالُوا : نَشْهَدُ أَنَّك نَبِيٌّ قَالَ : فَمَا يَمْنَعُكُمْ أَنْ تَتَّبِعُونِي قَالُوا : إنَّ دَاوُد دَعَا أَنْ لَا يَزَالَ فِي ذُرِّيَّتِهِ نَبِيٌّ ، وَإِنَّا نَخْشَى إنْ اتَّبَعْنَاك أَنْ تَقْتُلَنَا الْيَهُودُ ) . 66 - وَأَنَّ بَكَّارَ بْنَ قُتَيْبَةَ قَدْ حَدَّثَنَا ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُد صَاحِبُ الطَّيَالِسَةِ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ أَبِي الْوَلِيدِ بِالشَّكِّ الَّذِي فِيهِ . 67 - وَأَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ الرَّقِّيَّ ، حَدَّثَنَا قَالَ : حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، وَزَادَ أَنَّ ذَلِكَ الشَّكَّ مِنْ شُعْبَةَ . فَعَقَلْنَا بِذَلِكَ انْفِرَادَ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَنْ شُعْبَةَ خَالِيًا من الشَّكِّ فِيهِ دُونَ ابْنِ إدْرِيسَ وَدُونَ مَنْ سِوَاهُ مِمَّنْ رَوَاهُ عَنْ شُعْبَةَ مِمَّنْ ذَكَرْنَاهُ فِي هَذَا الْبَابِ . فَهَذَا مَا وَجَدْنَاهُ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَالْمَوْضِعُ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ الشَّكُّ مِنْهَا هُوَ مَوْضِعٌ يَجِبُ أَنْ يُوقَفَ عَلَى الْفَائِدَةِ فِيهِ وَهُوَ مَا قَدْ دَلَّ أَنَّ حُكْمَ اللَّهِ تَعَالَى كَانَ تَحْرِيمَ الْفِرَارِ مِنْ الزَّحْفِ مِمَّا تَعَبَّدَ بِهِ نَبِيُّهُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَمِمَّا لَمْ يَنْسَخْهُ بَعْدَ ذَلِكَ حَتَّى صَارَ مِنْ شَرِيعَةِ نَبِيِّنَا ، وَكَانَ فِي ذَلِكَ دَفْعٌ لِقَوْلِ مَنْ قَالَ إنَّ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى : وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ الْآيَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا فِي سُورَةِ الْأَنْفَالِ إنَّمَا كَانَ ذَلِكَ فِي يَوْمِ بَدْرٍ خَاصَّةً ، وَأَنَّ حُكْمَهُ لَيْسَ فِيمَا بَعْدَهُ . فَأَمَّا مَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي تَأْوِيلِهَا وَفِي التِّسْعِ الْآيَاتِ الْمَذْكُورَاتِ فِيهَا . 68 - فَإِنَّ يَحْيَى بْنَ عُثْمَانَ حَدَّثَنَا قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْغَفَّارِ بْنُ دَاوُد الْحَرَّانِيُّ أَبُو صَالِحٍ ، حَدَّثَنَا عَتَّابُ بْنُ بَشِيرٍ ، عَنْ خُصَيْفٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ، قَالَ : الْيَدُ ، وَالْعَصَا ، وَالطُّوفَانُ ، وَالْجَرَادُ ، وَالْقُمَّلُ ، وَالضَّفَادِعُ ، وَالدَّمُ ، وَالسنين ، وَنَقْصٌ مِنْ الثَّمَرَاتِ . غَيْرَ أَنَّا تَأَمَّلْنَا مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ مَوْلَاهُ ، فَوَجَدْنَا عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْهُ فِي ذَلِكَ مِمَّا ذَكَرَهُ فِي حَدِيثِهِ فِي الْفُتُونِ . 69 - كَمَا قَدْ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، أَخْبَرَنَا الْأَصْبَغُ بْنُ زَيْدٍ ، حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، قَالَ : سَأَلْت ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ قَوْله تَعَالَى لِمُوسَى : وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَسَأَلْتُهُ عَنْ الْفُتُونِ مَا هُوَ ؟ قَالَ : اسْتَأْنِفْ النَّهَارَ يَا ابْنَ جُبَيْرٍ ، فَإِنَّ لَهَا حَدِيثًا طَوِيلًا فَلَمَّا أَصْبَحْت غَدَوْت إلَيْهِ لِأَنْتَجِزَ مِنْهُ مَا وَعَدَنِي فَذَكَرَ عَنْهُ مَا ذَكَرَ عَنْهُ فِي حَدِيثِهِ إلَى أَنْ ذَكَرَ قَوْلَ مُوسَى لِفِرْعَوْنَ أُرِيدُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَتُرْسِلَ مَعِي بَنِي إسْرَائِيلَ ، وَأَنَّ فِرْعَوْنَ أَبَى عَلَيْهِ ذَلِكَ ، فَقَالَ : ائْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْت مِنْ الصَّادِقِينَ ، فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ عَظِيمَةٌ فَاغِرَةٌ فَاهَا قَاصِدَةٌ مُسْرِعَةٌ إلَى فِرْعَوْنَ ، فَلَمَّا رَآهَا فِرْعَوْنُ قَاصِدَةً إلَيْهِ خَافَهَا ، فَاقْتَحَمَ عَنْ سَرِيرِهِ ، وَاسْتَغَاثَ بِمُوسَى أَنْ يَكُفَّهَا عَنْهُ فَفَعَلَ ، ثُمَّ أَخْرَجَ يَدَهُ مِنْ جَيْبِهِ فَرَآهَا بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ مِنْ غَيْرِ بَرَصٍ ، ثُمَّ رَدَّهَا فَعَادَتْ إلَى لَوْنِهَا الْأَوَّلِ ، ثُمَّ سَاقَ الْحَدِيثَ حَتَّى بَلَغَ ذِكْرَ مُكْثِ مُوسَى لِمَوَاعِيدِ فِرْعَوْنَ الْكَاذِبَةِ كُلَّمَا جَاءَهُ بِآيَةٍ وَعَدَهُ عِنْدَهَا أَنْ يُرْسِلَ مَعَهُ بَنِي إسْرَائِيلَ ، فَإِذَا مَضَتْ أَخْلَفَ مَوْعِدَهُ ، وَقَالَ : هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّك أَنْ يَصْنَعَ غَيْرَ هَذَا ؟ فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى قَوْمِهِ الطُّوفَانَ ، وَالْجَرَادَ ، وَالْقُمَّلَ ، وَالضَّفَادِعَ ، وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ ، كُلُّ ذَلِكَ يَشْكُو إلَى مُوسَى ، وَيَطْلُبُ إلَيْهِ أَنْ يَكُفَّهَا عَنْهُ ، وَيُوَافِقَهُ عَلَى أَنْ يُرْسِلَ مَعَهُ بَنِي إسْرَائِيلَ ، فَإِذَا كَفَّ ذَلِكَ عَنْهُ نَكَثَ عَهْدَهُ ، وَأَخْلَفَ حَتَّى أُمِرَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ بِالْخُرُوجِ بِقَوْمِهِ فَخَرَجَ بِهِمْ لَيْلًا ، فَلَمَّا أَصْبَحَ فِرْعَوْنُ وَرَآهُمْ قَدْ مَضَوْا أَرْسَلَ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ ، فَتَبِعَهُمْ جُنْدٌ عَظِيمَةٌ كَثِيرَةٌ ، وَأَوْحَى اللَّهُ إلَى الْبَحْرِ إذَا ضَرَبَك عَبْدِي مُوسَى بِعَصَاهُ فَانْفَرِقْ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ فِرْقَةً حَتَّى يَجُوزَ مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ ثُمَّ الْتَقِمْ عَلَى مَنْ بَقِيَ مِنْ فِرْعَوْنَ وَأَشْيَاعِهِ ، ثُمَّ ذَكَرَ مَا كَانَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى مِمَّا أَهْلَكَ بِهِ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ مِنْ الْغَرَقِ حَتَّى بَلَغَ إلَى مَا كَانَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى فِيمَا كَانَ مِنْهُ فِي قَوْمِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَأَنَّهُ نَتَقَ عَلَيْهِمْ الْجَبَلَ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ ، وَدَنَا مِنْهُمْ حَتَّى خَافُوا أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِمْ . ثُمَّ ذكر مَا بَعْدَ ذَلِكَ فِي حَدِيثِهِ الَّذِي ذَكَرْنَا حَتَّى بَلَغَ إلَى مَوْضعِ تَحْرِيمِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى مَنْ حَرَّمَ مِنْ الْقَوْمِ الَّذِينَ سَمَّاهُمْ مُوسَى قَبْلَ ذَلِكَ فَاسِقِينَ ثُمَّ ابْتَلَاهُمْ بِمَا ابْتَلَاهُمْ بِهِ مِنْ التِّيهِ فِي الْأَرْضِ الَّتِي ابْتَلَاهُمْ بِالتِّيهِ فِيهَا أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ ، فَيُصْبِحُونَ كُلَّ يَوْمٍ فَيَسِيرُونَ لَيْسَ لَهُمْ قَرَارٌ ، ثُمَّ ظَلَّلَ عَلَيْهِمْ الْغَمَامَ فِي التِّيهِ ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِمْ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى وَجَعَلَ لَهُمْ ثِيَابًا لَا تَبْلَى وَلَا تَتَّسِخُ ، وَجَعَلَ بَيْنَ ظَهْرَانِيهِمْ حَجَرًا مُرَبَّعًا وَأَمَرَ تَعَالَى مُوسَى فَضَرَبَهُ بِعَصَاهُ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا فِي كُلِّ نَاحِيَةٍ ثَلَاثَةُ أَعْيُنٍ ، وَأَعْلَمَ كُلَّ سِبْطٍ عَيْنَهُمْ الَّتِي يَشْرَبُونَ وَلَا يَرْتَحِلُونَ مِنْ مَنْقَلَةٍ إلَّا وَجَدُوا ذَلِكَ الْحَجَرَ مِنْهُمْ بِالْمَكَانِ الَّذِي كَانَ مِنْهُمْ بِالْأَمْسِ . رَفَعَ ابْنُ عَبَّاسٍ هَذَا الْحَدِيثَ إلَى النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَكَانَ مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ الْآيَاتِ التِّسْعِ سَبْعَ آيَاتٍ كَانَتْ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى قَبْلَ تَغْرِيقِهِ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ فِي الْبَحْرِ وَهِيَ : عَصَا مُوسَى ، وَيَدُهُ ، وَإِرْسَالُهُ عَلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ الطُّوفَانَ ، وَالْجَرَادَ ، وَالْقُمَّلَ ، وَالضَّفَادِعَ ، وَالدَّمَ . وَمِنْهَا مَا بَعْدَ تَغْرِيقِهِ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ مَا قَدْ ذَكَرْنَاه فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ نَتْقِهِ الْجَبَلَ عَلَى مَنْ نَتَقَهُ ، وَمِنْ التِّيهِ الَّذِي ابْتَلَى بِهِ مَنْ ابْتَلَاهُ ، وَمِمَّا كَانَ مِنْهُ تَعَالَى في ذَلِكَ مِنْ تَظْلِيلِهِ عَلَيْهِمْ الْغَمَامَ فِي التِّيهِ ، وَإِنْزَالِهِ عَلَيْهِمْ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى ، وَبما جَعَلَ لَهُمْ مِنْ الثِّيَابِ الَّتِي لَا تَبْلَى وَلَا تَتَّسِخُ ، وَمِمَّا جَعَلَ بَيْنَ ظَهْرَانِيهِمْ مِنْ الْحَجَرِ الْمَوْصُوفِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَمِمَّا كَانَ مِنْ مُوسَى فِيهِ مِنْ ضَرْبِهِ إيَّاهُ بِعَصَاهُ حَتَّى انْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا مِنْ كُلِّ واحدة مِنْهُ ثَلَاثَةُ أَعْيُنٍ ، وَإِعْلَامِهِ كُلَّ سِبْطٍ عَيْنَهُمْ الَّتِي يَشْرَبُونَ ، وَمِنْ أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْحَلُونَ مِنْ مَنْقَلَةٍ إلَّا وَجَدُوا ذَلِكَ الْحَجَرَ مِنْهُمْ بِالْمَكَانِ الَّذِي كَانُوا مِنْهُ بِالْأَمْسِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مَا الْآيَتَانِ الْبَاقِيَتَانِ بَعْدَ السَّبْعِ الْآيَاتِ الَّتِي كَانَتْ قَبْلَ تَغْرِيقِ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ ، وَصَارَ هَذَا الْحَدِيثُ مَرْفُوعًا إلَى النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ . ثُمَّ اعْتَبَرْنَا مَا يُرْوَى عَمَّنْ قَدَرْنَا عَلَيْهِ مِمَّنْ قَدْ رُوِيَ عَنْهُ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ هَلْ هُوَ مُوَافِقٌ لِمَا رَوَيْنَاهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَعَنْ صَفْوَانَ فِي ذَلِكَ ؟ . 70 - فَوَجَدْنَا أَحْمَدَ بْنَ دَاوُد حَدَّثَنَا قَالَ : حَدَّثَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِمٍ ، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ ، أَخْبَرَنَا مَنْصُورٌ ، عَنْ الْحَسَنِ ، وَمُغِيرَةُ عَنْ الشَّعْبِيِّ فِي قَوْله تَعَالَى : تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ، قَالَ : الطُّوفَانُ ، وَالْجَرَادُ ، وَالْقُمَّلُ ، وَالضَّفَادِعُ ، وَالدَّمُ ، وَيَدُهُ ، وَعَصَاهُ ، وَالسُّنُونَ ، وَنَقْصٌ مِنْ الثَّمَرَاتِ . 71 - وَوَجَدْنَا أَحْمَدَ قَدْ حَدَّثَنَا قَالَ : حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ إسْمَاعِيلَ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ وَعِكْرِمَةَ مِثْلَهُ . 72 - وَوَجَدْنَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ قَدْ حَدَّثَنَا قَالَ : حَدَّثَنَا الْفِرْيَابِيُّ ، حَدَّثَنَا إسْرَائِيلُ ، عَنْ أَبِي يَحْيَى ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ . وَكَانَتْ الْآيَاتُ الْمَذْكُورَاتُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَفِي أَحَادِيثِ مَنْ ذَكَرْنَاهُ مَعَهُ مِنْ التَّابِعِينَ نِذَارَاتٍ وَتَخْوِيفَاتٍ وَوَعِيدَاتٍ ، وَكَانَتْ الْآيَاتُ هِيَ الْعَلَامَاتُ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً ، وَقَالَ : وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ ، فَكَانَتْ تِلْكَ الْآيَاتُ حُجَجًا عَلَى الْخَلْقِ ؛ لِأَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهَا لَا تَكُونُ إلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَأَنَّ الْمَخْلُوقِينَ عَاجِزُونَ عَنْهَا فَيَعْقِلُونَ مَعَ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ إذَا لَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ الرُّجُوعُ إلَى أَمْرِهِ مِمَّا جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ أَجْلِهِ مُعَاقِبُهُمْ وَمُعَذِّبُهُمْ . وَالْآيَاتُ أَيْضًا فَقَدْ تَكُونُ عِبَادَاتٍ . وَمِنْ ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ عَبْدِهِ وَنَبِيِّهِ زَكَرِيَّا عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ قَوْلِهِ : رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً ، وَمِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ : آيَتُكَ أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلا رَمْزًا فِي أَحَدِ الْمَوْضِعَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَ ذَلِكَ فِيهِمَا فِي كِتَابِهِ ، وَفِي الْمَوْضِعِ الْآخَرِ مِنْهُمَا ( قَالَ : آيَتُكَ أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا فَكَانَ تَصْحِيحُ مَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَمَا فِي حَدِيثِ صَفْوَانَ فِي ذَلِكَ إنَّمَا فِي حَدِيثِ صَفْوَانَ هُوَ عَلَى الْآيَاتِ الَّتِي تَعَبَّدُوا بِهَا ، وَكَانَ مَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ هُوَ الْآيَاتُ الَّتِي أُوعِدُوا بِهَا وَخَوِّفُوهَا ، وَأُنْذِرُوا بِهَا إنْ لَمْ يَعملوا مَا تُعُبِّدُوا بِهِ مَا قَدْ بَيَّنَهُ لَهُمْ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَصَحَّ ذَلِكَ مَا فِي الْحَدِيثَيْنِ جَمِيعًا ، وَعَقَلْنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّ مُرَادَهُ بِمَا فِي أَحَدِهِمَا غَيْرُ مُرَادِهِ بِمَا فِي الْآخَرِ مِنْهُمَا ، وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ . وَسَأَلَ سَائِلٌ فَقَالَ : فِيمَا قَدْ رَوَيْتَهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَنْ صَفْوَانَ مَا قَدْ وَقَفْنَا بِهِ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ كَانَ آتَى نَبِيَّهُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ آيَةً فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْحَدِيثَيْنِ اللَّذَيْنِ رَوَيْتُهُمَا مِنْهُ تِسْعُ آيَاتٍ ، وَإِنَّمَا فِي الْآيَةِ الَّتِي ذَكَرْت هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ مِنْ أَجْلِهَا إيتَاؤُهُ إيَّاهُ تِسْعَ آيَاتٍ ، وَهِيَ قَوْلُهُ : وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهَا مِنْ الْآيَاتِ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ ، فَالْحَاجَةُ بِنَا مِنْ بَعْدُ إلَى الْوُقُوفِ عَلَى التِّسْعِ الْآيَاتِ الْمَذْكُورَاتِ فِيهَا مَا هِيَ ؟ قَائِمَةٌ . فَكَانَ جَوَابُنَا فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ وَعَوْنِهِ أَنَّ فِي الْآيَةِ الَّتِي تَلَاهَا قَوْله تَعَالَى : فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَامُوسَى مَسْحُورًا . فَعَقَلْنَا بِذَلِكَ أَنَّ مُوسَى إنَّمَا كَانَ جَاءَ بَنِي إسْرَائِيلَ بِمَا كَانَ اللَّهُ تَعَالَى تَعَبَّدَهُمْ بِهِ حِينَئِذٍ لَا بِمَا سِوَاهُ ؛ وَلِأَنَّهُ لَيْسَ مَنْ أُرْسِلَ إلَى قَوْمٍ بِمَا تُعُبِّدُوا بِهِ يَأْتِيهِمْ بِنِذَارَاتٍ وَلَا وَعِيدَاتٍ وَلَا تَخْوِيفَاتٍ ، وَإِنَّمَا يَأْتِيهِمْ بِمَا أُرْسِلَ بِهِ إلَيْهِمْ لَا بِمَا سِوَاهُ ، فَإِنْ أَجَابُوهُ إلَى ذَلِكَ وَقَبِلُوهُ مِنْهُ اكْتَفَى بِذَلِكَ مِنْهُمْ ، وَحَمَلَهُمْ عَلَيْهِ ، وَغَنِيَ بِذَلِكَ عَمَّا سِوَاهُ مِنْ النِّذَارَاتِ وَالتَّخْوِيفَاتِ ، وَمِنْ الْوَعِيدَاتِ فَلَمَّا قَابَلَهُ فِرْعَوْنُ لَمَّا جَاءَهُمْ بِهَا بِمَا قَابَلَهُ بِهِ فِيهِمْ مِنْ حَبْسِهِمْ وَدَعْوَاهُ رُبُوبِيَّتِهِمْ بِمَا حَكَاهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ مِنْ قَوْلِهِ لَهُمْ : مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي ، وَمِنْ قَوْلِهِ لِمُوسَى لَمَّا قَالَ لَهُ مَا قَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا قَدْ رَوَيْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ الْفُتُونِ فِي هَذَا الْبَابِ لَمَّا جَاءَهُ هُوَ وَأَخُوهُ هَارُونُ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ مِنْ قَوْلِهِ لَمَّا سَأَلَهُ عَمَّا يُرِيدُ فَقَالَ لَهُ مُوسَى : تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَتُرْسِلُ مَعِي بَنِي إسْرَائِيلَ ، وَمِنْ قَوْلِ فِرْعَوْنَ عِنْدَ ذَلِكَ : ائتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْت مِنْ الصَّادِقِينَ ، فَجَاءَهُ مُوسَى مِنْ الْآيَاتِ بِمَا جَاءَهُ بِهِ مِمَّا قَدْ رَوَيْنَاه فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ التَّخْوِيفَاتِ وَالنِّذَارَاتِ وَالْوَعِيدَاتِ ، فَلَمَّا عَتَا عَنْ ذَلِكَ وَتَمَادَى فِي كُفْرِهِ وَفِي إبَاءَتِهِ عَلَى مُوسَى مَا دَعَا بَنِي إسْرَائِيلَ إلَيْهِ ، جَاءَهُ مِنْ اللَّهِ حَقِيقَةُ وَعِيدِهِ ، فَأَهْلَكَهُ وَقَوْمَهُ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ بِمَا أَهْلَكَهُمْ بِهِ مِمَّا ذَكَرَهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ ، وَعَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِيمَا رَوَيْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ الْفُتُونِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَفِيمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ ذَلِكَ مَا قَدْ بَانَ بِهِ مَا الْآيَاتُ التِّسْعُ مِنْ الثَّمَانِيَ عَشْرَةَ الْآيَةِ الَّتِي ذَكَرْنَا ، وَإِنَّمَا كَانَ قَصْدُنَا فِي هَذَا الْجَوَابِ إلَى حَدِيثِ ابْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْفُتُونِ دُونَ حَدِيثِ عِكْرِمَةَ مَوْلَاهُ عَنْهُ ، اللَّذَيْنِ رَوَيْنَاهُمَا فِي هَذَا الْبَابِ ؛ لِأَنَّ الَّذِي فِي حَدِيثِ ابْنِ جُبَيْرٍ هِيَ الَّتِي خَوَّفَ بِهَا مُوسَى فِرْعَوْنَ ، وَأَوْعَدَهُ بِهَا حِينَ لَمْ يُؤْمِنْ ، وَلَمْ يُجِبْهُ إلَى إرْسَالِ بَنِي إسْرَائِيلَ مَعَهُ . وَحَدِيثُ عِكْرِمَةَ فِي تَحْقِيقِ الْآيَاتِ التِّسْعِ الْمُرَادَاتِ بِقَوْلِهِ : وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ، وَذَلِكَ مِمَّا قَدْ دَفَعَهُ حَدِيثُ صَفْوَانَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ ؛ لِأَنَّ حَدِيثَ صَفْوَانَ هَذَا مَخْرَجُهُ تَفْسِيرُ قَوْله تَعَالَى : وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ، كَمَا مخرجَ حَدِيثُ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ تِلْكَ الْآيَاتِ هِيَ الْآيَاتُ الَّتِي ذَكَرَهَا فِي حَدِيثِهِ عَنْهُ ، فَضَادَّ ذَلِكَ حَدِيثَ صَفْوَانَ ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ حُجَّةٌ ، وَلِأَنَّ مَعْقُولًا ، أَنَّ الَّذِي فِي حَدِيثِ عِكْرِمَةَ هَذَا مُحَالٌ ؛ لِأَنَّ فِيهِ الْمَجِيءَ بِالنِّذَارَاتِ وَالْوَعِيدَاتِ وَالتَّخْوِيفَاتِ قَبْلَ الْمَجِيءِ بِالشَّرِيعَةِ الَّتِي تَكُونُ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ عِنْدَ إبَاءَتِهَا . وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
757 - باب بيان مشكل ما اختلف أهل العلم في كيفية الشهادات في الحقوق عند الحكام بما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك . 5665 - حدثنا إبراهيم بن محمد الصيرفي ، قال : حدثنا عارم بن الفضل ، قال : حدثنا أبو عوانة ، عن المغيرة ، عن إبراهيم أن عبد الرحمن بن يزيد شهد بشهادة عند يزيد بن أبي مسلم ، فقال : أتشهد بشهادة الله - عز وجل ؟ قال : أشهد شهادة نفسي ، فأعاد عليه مرتين كل ذلك يقول : أشهد شهادة نفسي . 5666 - حكى لنا علي بن عبد العزيز ، عن أبي عبيد ، قال : حدثنا حجاج يعني : ابن محمد ، عن شعبة ، عن مغيرة ، عن إبراهيم ، عن عبد الرحمن بن يزيد ، أن يزيد بن أبي مسلم ، قال له : أتشهد بشهادة الله ؟ فقال : لا ، ولكني أشهد شهادتي ، قال حجاج : قال شعبة : وشهدت عند سوار ، فقال لي : أتشهد بشهادة الله - عز وجل ؟ فقلت : لا ، وحدثته بهذا الحديث ، فقال : لعمري بشهادتك . قال أبو جعفر : فكان في هذه الحكاية ، عن سوار طلبه الشهادة من شعبة على ما حضر ليشهد به عنده ، أن تكون شهادته على ذلك عنده بشهادة الله - عز وجل - على ما يشهد به ، وهذا القول فقد وجدنا فقهاء الأمصار جميعا على خلافه ، وأن الشهادة المطلوبة في ذلك شهادة الشهود على شهادات أنفسهم ، لا على شهادة الله بها على من يشهدون بها عليه . وقد روي مثل ذلك ، عن شريح . كما 5667 - قد حدثنا يوسف بن يزيد ، قال : حدثنا أسد بن موسى ، قال : حدثنا حماد بن زيد ، عن أيوب وهشام ، عن محمد بن سيرين : أن رجلا شهد عند شريح بشهادة ، فقال : أشهد بشهادة الله ، فقال شريح : لا تقل شهادة الله ، فإن الله لا يشهد إلا على حق ، ولكن اشهد بشهادتك . ثم نظرنا : هل روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك شيء يدل على المستعمل فيها أم لا ؟ - 5668 - فوجدنا فهد بن سليمان قد حدثنا ، قال : حدثنا أبو اليمان ، قال : حدثنا شعيب بن أبي حمزة ، عن الزهري ، قال : حدثني عمارة بن خزيمة الأنصاري أن عمه حدثه وهو من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ابتاع فرسا من أعرابي ، فاستتبعه ليقضيه ثمن فرسه ، فأسرع النبي صلى الله عليه وسلم المشي ، وأبطأ الأعرابي فطفق رجال يعترضون الأعرابي فيساومونه بالفرس ، لا يشعرون أن النبي صلى الله عليه وسلم ابتاعه حتى زاد بعضهم الأعرابي في السوم على ثمن الفرس الذي ابتاعه به النبي صلى الله عليه وسلم ، فنادى الأعرابي النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : إن كنت مبتاعا لهذا الفرس فابتعه ، وإلا بعته ، فقام النبي صلى الله عليه وسلم حين سمع نداء الأعرابي ، فقال : أوليس قد ابتعته منك ؟ فقال الأعرابي : لا والله ما بعتك ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : بلى ، قد ابتعته منك ، فطفق الناس يلوذون بالنبي صلى الله عليه وسلم والأعرابي وهما يتراجعان ، وطفق الأعرابي يقول : هلم شهيدا يشهد أني قد بايعتك ، فمر رجل من المسلمين ، فقال الأعرابي : ويلك إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يقول إلا حقا ، حتى جاء خزيمة فاستمع لمراجعة النبي صلى الله عليه وسلم ومراجعة الأعرابي وهو يقول : هلم شهيدا يشهد لك أني قد بايعتك ، فقال خزيمة : أنا أشهد أنك قد بايعته ، فأقبل النبي صلى الله عليه وسلم على خزيمة ، فقال : بم تشهد ، فقال : بتصديقك يا رسول الله ، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم شهادة خزيمة شهادة رجلين ، قال : فكان في هذا الحديث ، من شهادة خزيمة على الأعرابي لرسول الله صلى الله عليه وسلم عند حاجته إلى الشهادة له على ما جحده إياه الأعرابي بأن شهد له على بيعه إياه ، لا على أن شهد له بشهادة الله - عز وجل - على بيعه إياه ، فاستحق بذلك الشرف والرتبة التي خصه الله بهما ، فدل ذلك أن الشهادات كلها عند الحكام على الحقوق كذلك ، لا على ما كان سوار ذهب إليه فيه . ثم وجدنا ما هو أعلى من هذا وهو ما ذكره الله في كتابه في آية اللعان من قوله - عز وجل - : فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ ، ولم يقل شهادة أحدهم بشهادة الله - عز وجل - بما يشهد به في اللعان ، وفي ذلك دليل على كيفية الشهادات على الحقوق أنها كما ذكرنا ، لا على ما كان سوار كلف شعبة في شهادته عنده ، وفي ذلك معنى يجب أن يوقف عليه ، وهو أن الله - عز وجل - يعلم حقائق الأشياء التي لا يعلمها خلقه ، وكان قد يجوز أن يشهد الرجل للرجل على وجوب حق له عليه ، ثم يبرأ إليه منه ، ويعلم الله ذلك منه ، ويخفى على المخلوقين ، فيسع من كان علم وجوب الحق في البدء أن يشهد بوجوبه لمدعيه على المدعى عليه ، والله يشهد فيه بخلاف ذلك مما قد أخفاه على خلقه ، وفيما ذكرنا ما قد دل على ما وصفنا مما بيناه في هذا الباب ، والله نسأله التوفيق .
8 - باب بَيَانُ مَا أَشْكَلَ مِمَّا رُوِيَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي السَّبَبِ الَّذِي كَانَ فِيهِ نُزُولُ قَوْله تَعَالَى : يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى الْآيَةَ ، وَمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ فِي ذَلِكَ مِمَّا يُحِيطُ عِلْمًا أَنَّ عَلِيًّا لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ رَأْيًا وَلَا اسْتِنْبَاطًا إذْ كَانَ مِثْلُهُ لَا يُقَالُ بِالرَّأْيِ وَلَا بِالِاسْتِنْبَاطِ بِهِمَا ، وَلَا يُقَالُ إلَّا بِالتَّوْقِيفِ مِنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ . 73 - حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنِ عُبَادَةَ ، حَدَّثَنَا عَوْفٌ الْأَعْرَابِيُّ ، عَنْ ابْنِ سِيرِينَ ، عَنْ ( أَبِي هُرَيْرَةَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى الْآيَةَ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : إنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ رَجُلًا حَيِيًّا سِتِّيرًا ، لَا يَكَادُ أَنْ يُرَى مِنْ جِلْدِهِ شَيْءٌ اسْتِحْيَاءً مِنْهُ ، فَآذَاهُ مَنْ آذَاهُ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ ، وَقَالُوا مَا يَسْتَتِرُ هَذَا التَّسَتُّرَ إلَّا مِنْ عَيْبٍ بِجِلْدِهِ ، إمَّا بَرَصٍ ، وَإِمَّا أدرَةٍ ) - هَكَذَا قَالَ لَنَا إبْرَاهِيمُ فِي حَدِيثِهِ ، وَأَهْلُ اللُّغَةِ يُخَالِفُونَهُ فِي ذَلِكَ وَيَقُولُونَ : إنَّهَا أُدْرَةٌ ؛ لِأَنَّهَا آدَرٌ بِمَعْنَى آدَم ، فَمِنْهَا بِالْإِضَافَةِ إلَيْهَا أُدْرَةٌ ، وَإِمَّا آفَةٌ ، وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرَادَ أَنْ يُبَرِّئَهُ مِمَّا قَالُوا ، وَإِنَّ مُوسَى خَلَا يَوْمًا وَحْدَهُ ، فَوَضَعَ ثَوْبَهُ عَلَى حَجَرٍ ، ثُمَّ اغْتَسَلَ ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ غُسْلِهِ أَقْبَلَ إلَى ثَوْبِهِ لِيَأْخُذَهُ ، وَإِنَّ الْحَجَرَ عَدَا بِثَوْبِهِ فَأَخَذَ مُوسَى عَصَاهُ وَطَلَبَ الْحَجَرَ ، وَجَعَلَ يَقُولُ : ثَوْبِي حَجَرٌ ، ثَوْبِي حَجَرٌ ، إلَى أَنْ انْتَهَى إلَى مَلَأ بَنِي إسْرَائِيلَ فَرَأَوْهُ عُرْيَانًا كَأَحْسَنِ الرِّجَالِ خَلْقًا ، فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا ، وَإِنَّ الْحَجَرَ قَامَ ، فَأَخَذَ ثَوْبَهُ فَلَبِسَهُ فَطَفِقَ بِالْحَجَرِ ضَرْبًا ، قَالَ : فَوَاَللَّهِ إنَّ فِي الْحَجَرِ لَنَدَبًا مِنْ أَثَرِ ضَرْبِهِ ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا أَوْ خَمْسًا ، فَهَذَا مَا رُوِيَ فِي هَذَا الْمَعْنَى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَأَمَّا مَا قَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ فِي ذَلِكَ مِمَّا نُحِيطُ عِلْمًا أَنَّهُ لَمْ يَقُلْهُ إلَّا بِأَخْذِهِ إيَّاهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ لِأَنَّ فِيهِ إخْبَارَهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَنَى مَا ذَكَرَهُ فِيهِ ، وَذَلِكَ شَهَادَةٌ مِنْهُ عَلَى اللَّهِ بِهِ ، وَلَا يَسَعُهُ ذَلِكَ إلَّا بِأَخْذِهِ إيَّاهُ مِنْ حَيْثُ ذَكَرْنَا . 74 - كَمَا حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُد ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْوَاسِطِيُّ ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ الْعَوَّامِ ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ ، عَنْ الْحَكَمِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ عَلِيٍّ : لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى ، قَالَ : صَعِدَ مُوسَى وَهَارُونُ الْجَبَلَ فَمَاتَ هَارُونُ ، فَقَالَ بَنُو إسْرَائِيلَ : أَنْتَ قَتَلَتْهُ كَانَ أَلْيَنَ لَنَا مِنْك ، وَأَشَدَّ حَيَاءً فَآذَوْهُ فِي ذَلِكَ ، فَأَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى الْمَلَائِكَةَ فَحَمَلَتْهُ ، وَتَكَلَّمَتْ بِمَوْتِهِ حَتَّى عَرَفَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ فَدَفَنُوهُ ، فَلَمْ يَعْرِفْ مَوْضِعَ قَبْرِهِ إلَّا الرَّخَمُ ، فَإِنَّ اللَّهَ جَعَلَهُ أَبْكَمَ أَصَمَّ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَكَانَ مَنْ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ مِمَّنْ وَقَفَ عَلَى هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ ، يَرَى أَنَّهُمَا مُتَضَادَّانِ ، وَحَاشَا لِلَّهِ أَنْ يَكُونَا كَذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ بَنُو إسْرَائِيلَ آذَتْ مُوسَى ، مِمَّا ذَكَرَ مِمَّا كَانَ مِمَّا آذَتْهُ بِهِ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْحَدِيثَيْنِ ، حَتَّى بَرَّأَهُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ بِمَا بَرَّأَهُ بِهِ مِنْ ذَلِكَ ، مِمَّا هُوَ مَذْكُورٌ [ فِي ] هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ .
748 - باب بيان مشكل مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلاوته وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلا ، عند قول علي عليه السلام لما قال له ولفاطمة عليهما السلام : ألا تصليان ، إنما أنفسنا بيد الله عز وجل إن شاء أن يبعثنا بعثنا . 5618 - حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب ، قال : حدثنا شعيب بن الليث بن سعد ، عن أبيه ، عن عقيل بن خالد ، عن ابن شهاب ، قال : أخبرني علي بن الحسين أن حسين بن علي حدثه ، عن علي بن أبي طالب عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طرقه هو وفاطمة ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : ألا تصلون ؟ فقلت : يا رسول الله ، إنما أنفسنا بيد الله عز وجل إن شاء أن يبعثنا بعثنا ، فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قلت له ذلك ، ولم يرجع إلي شيئا ، ثم سمعته وهو مدبر يضرب فخذه ويقول : وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلا . 5619 - وحدثنا يزيد بن سنان وإبراهيم بن أبي داود قالا : حدثنا أبو صالح عبد الله بن صالح ، قال : حدثني الليث بن سعد ، قال : حدثني عقيل بن خالد ثم ذكر بإسناده مثله . 5620 - وحدثنا أحمد بن شعيب ، قال : أخبرنا قتيبة بن سعيد ، قال : حدثني الليث ثم ذكر بإسناده مثله . 5621 - وحدثنا أبو أمية ، قال : حدثنا حنيفة بن مرزوق والوليد بن صالح قالا : حدثنا ليث بن سعد ، عن عقيل ثم ذكر بإسناده مثله ، غير أنه لم يقل في حديثه وهو يضرب فخذه . 5622 - وحدثنا أحمد بن عبد الرحمن ، قال : حدثنا عمي عبد الله بن وهب ، عن إبراهيم بن سعد الزهري ، عن صالح بن كيسان ، عن ابن شهاب ، ثم ذكر بإسناده مثله . 5623 - وحدثنا أبو أمية ، قال : حدثنا بشر بن النعمان الحراني ، قال : حدثنا محمد بن إسحاق ، قال : حدثني الزهري أن علي بن حسين أخبره ، عن أبيه ، عن علي بن أبي طالب عليه السلام ، ثم ذكر مثل حديثي أحمد بن عبد الرحمن اللذين ذكرناهما في هذا الباب . 5624 - وحدثنا أحمد بن شعيب ، قال : أخبرنا عبيد الله بن سعد بن إبراهيم بن سعد ، قال : حدثني عمي ، قال : حدثني أبي ، عن ابن إسحاق ، قال : حدثني حكيم بن حكيم بن عباد بن حنيف ، عن محمد بن مسلم بن شهاب ، عن علي بن حسين ، عن أبيه ، عن جده علي بن أبي طالب عليه السلام ، ثم ذكر مثله . قال أبو جعفر : فوقفنا بهذا الحديث على أن محمد بن إسحاق لم يحدث به بشر بن النعمان سماعا ، وعلى أنه إنما حدثه به تدليسا ، فتأملنا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلا ، لما قال له علي ما قال مما ذكر عنه في هذا الحديث ، هل كان ذلك لكراهية منه ما قال له من ذلك ، أم لما سواه فوجدناه صلى الله عليه وسلم قد قال له بلال لما ناموا عن صلاة الصبح حتى طلعت عليهم الشمس بعد أن كان بلال قال له في الليل : أنا أوقظكم ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : أين ما قلت يا بلال ؟ فقال له بلال : أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك فلم ينكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله عليه ، وقد ذكرنا هذا الحديث بإسناده في ما تقدم منا في كتابنا هذا . فعقلنا بذلك : أن الذي كان منه صلى الله عليه وسلم من تلاوته وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلا حين قال له علي ما ذكرناه عنه مما قاله له في هذا الحديث ، لم يكن لكراهيته إياه منه ، وكيف ينكره منه وهو حق ؟ وأن ذلك كان منه على إعجابه إياه منه ، لأنه لما قال له ولابنته عليهما السلام : ألا تصليان ، مريدا به منهما أن يأخذا بحظهما من الصلاة في الليل ، وأن لا يتشاغلا عن ذلك بنوم ولا بغيره ، فقال له علي عند ذلك : إنما أنفسنا بيد الله يبعثها متى شاء ، أي : أنا لم ندع ما دعوتنا إليه وحضضتنا عليه مما هو خير لنا مما نحن عليه اختيارا منا ، لما نحن عليه على ما دعوتنا إليه ، ولكن النوم الذي لا حيلة لنا في دفعه عن أنفسنا ، لأنه شيء يحل بنا من الله عز وجل ، مما لا نستطيع دفعه عن أنفسنا ، فكان ذلك القول من علي عليه السلام أحسن ما يكون من الجواب لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيما خاطبه وزوجته به ، فكان من رسول الله صلى الله عليه وسلم تلاوته ما تلاه مما ذكر عنه في هذا الحديث ، لإعجابه بذلك من علي ، ولأن فيما تلاه من القرآن ما يدل على أن الإنسان يكون منه من الجدل ما يكون في أحسن ما يكون من الجواب للكلام الذي تكلم به ، ومما هو محمود منه ، والله نسأله التوفيق .
9 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِمَّا كَانَ مِنْهُ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ بْنِ سَلُولَ رَأْسِ الْمُنَافِقِينَ بَعْدَ مَوْتِهِ مِنْ صَلَاتِهِ عَلَيْهِ ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ كَانَ مِنْهُ فِيهِ . 75 - حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُد جَمِيعًا ، قَالَا : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ ، حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدِ بْنِ شِهَابٍ ، أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : ( لَمَّا مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ بْنُ سَلُولَ ، دُعِيَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ ، فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَثَبْتُ إلَيْهِ ، فَقُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَتُصَلِّي عَلَى ابْنِ أُبَيٍّ ، وَقَدْ قَالَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا : كَذَا وَكَذَا ، أُعَدِّدُ عَلَيْهِ قَوْلَهُ ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ، وَقَالَ : أَخِّرْ عَنِّي يَا عُمَرُ ، فَلَمَّا أَكْثَرْت عَلَيْهِ قَالَ : إنِّي خُيِّرْت فَاخْتَرْت ، وَلَوْ أَعْلَمُ أَنِّي لَوْ زِدْت عَلَى السَّبْعِينَ غُفِرَ لَهُ زِدْت عَلَيْهَا ، قَالَ : فَصَلَّى عَلَيْهِ ) . هَكَذَا حَدَّثَنَاهُ يَزِيدُ ، وَابْنُ أَبِي دَاوُد خَاصَّةً فِي حَدِيثِهِ ، ثُمَّ انْصَرَفَ ، فَلَمْ يَمْكُثْ إلَّا يَسِيرًا حَتَّى نَزَلَتْ الْآيَتَانِ مِنْ بَرَاءَةٌ : وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ ، إلَى قَوْله تَعَالَى : وَهُمْ فَاسِقُونَ . 76 - حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُد ، وَأَحْمَدُ بْنُ دَاوُد بْنِ مُوسَى جَمِيعًا قَالَا : حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ( أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ لَمَّا تُوُفِّيَ جَاءَ ابْنُهُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَعْطِنِي قَمِيصَك أُكَفِّنْهُ بِهِ ، وَصَلِّ عَلَيْهِ ، وَاسْتَغْفِرْ لَهُ ، فَأَعْطَاهُ قَمِيصَهُ ، ثُمَّ قَالَ : آذِنِّي بِهِ أُصَلِّ عَلَيْهِ فَآذَنَهُ ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ جَذَبَهُ عُمَرُ ، وَقَالَ : أَلَيْسَ اللَّهُ قَدْ نَهَاك أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى الْمُنَافِقِينَ ؟ فَقَالَ : أَنَا بَيْنَ خِيرَتَيْنِ : ( اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ) ، فَنَزَلَتْ : ( وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ ) ، فَتَرَكَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِمْ ) . 77 - حَدَّثَنَا فَهْدٌ ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : ( لَمَّا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ جَاءَ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ فَسَأَلَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ قَمِيصَهُ يُكَفِّنُ فِيهِ أَبَاهُ فَأَعْطَاهُ ، ثُمَّ سَأَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ ، فَقَامَ عُمَرُ فَأَخَذَ بِثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَتُصَلِّي عَلَيْهِ ، وَقَدْ نَهَاكَ اللَّهُ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَيْهِ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ إنَّمَا خَيَّرَنِي اللَّهُ فَقَالَ : اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً ، وَسَأَزِيدُهُ عَلَى سَبْعِينَ ، فَقَالَ : إنَّهُ مُنَافِقٌ ، فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ ) . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ هَذَا قَوْلُ عُمَرَ لِرَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : أَتُصَلِّي عَلَيْهِ وَقَدْ نَهَاك اللَّهُ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى الْمُنَافِقِينَ فِي حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي أُسَامَةَ ، وَقَدْ نَهَاك اللَّهُ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَيْهِ . وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِي رَوَيْنَاهُ قَبْلَهُ ، وَمَكَانُ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَتُصَلِّي عَلَيْهِ ، وَقَدْ قَالَ يوْمَ كَذَا وَكَذَا : كَذَا وَكَذَا . وَاَلَّذِي فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ هَذَا أَوْلَى عِنْدَنَا مِمَّا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ؛ لِأَنَّ مُحَالًا أَنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى يَنْهَى نَبِيَّهُ عَنْ شَيْءٍ ، ثُمَّ يَفْعَلُ ذَلِكَ الشَّيْءَ وَلَا نَرَى هَذَا إلَّا وَهْمًا مِنْ بَعْضِ رُوَاةِ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . 78 - وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ دَاوُد ، حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى ، عَنْ مُجَالِدٍ ، عَنْ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ : ( أَوْصَى رَأْسُ الْمُنَافِقِينَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَأَنْ يُكَفِّنَهُ فِي قَمِيصِهِ ، فَلَمَّا مَاتَ كَفَّنَهُ فِي قَمِيصِهِ ، وَصَلَّى عَلَيْهِ ، وَقَامَ عَلَى قَبْرِهِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ : وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ ) . قُلْت : ظَنَّ عُمَرُ أَنَّ فِي قَوْلِهِ : اسْتَغْفِرْ لَهُمْ الْآيَةُ نَهْيًا عَنْ الصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ ، فَأَعْلَمَهُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِنَهْيٍ ، وَلَمْ يَكُنْ قَوْله تَعَالَى : وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ نَزَلَ بَعْدُ وَهَذَا بَيِّنٌ فِي الْخَبَرِ . وَمِمَّا يُؤَكِّدُ هَذَا ، وَأَنَّ الْأَمْرَ عَلَى خِلَافِ مَا ظَنَّهُ أَبُو جَعْفَرٍ : - مَا رَوَاهُ يَعْقُوبُ بْنُ شَيْبَةَ ، عَنْ سُنَيْدِ بْنِ دَاوُد ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ ، قَالَ : ( ZZ لَمَّا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ، جَاءَ ابْنُهُ الْحُبَابُ ، وَكَانَ مِنْ صَالِحِي أَصْحَابِهِ فَقَالَ : يَا رَسُولِ اللَّهِ ، إنَّ أَبَا الْحُبَابِ قَدْ مَاتَ فَأَعْطِهِ قَمِيصَكَ الَّذِي يَلِي جِلْدَكَ أُكَفِّنُهُ فِيهِ ، وَصَلِّ عَلَيْهِ ، فَقَالَ عُمَرُ : أَتُصَلِّي عَلَى هَذَا وَقَدْ نَهَى اللَّهُ عَنْهُ ؟ قَالَ : وَأَيْنَ النَّهْيُ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ ؟ فَقَرَأَ عَلَيْهِ : اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إلَى قَوْلِه اللَّهُ لَهُمْ قَالَ : وَأَيْنَ النَّهْيُ ، تَرَى نَهْيًا ، فَأَعْطَاهُ قَمِيصَهُ ، وَصَلَّى عَلَيْهِ ) . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَفِيمَا رَوَيْنَا مِنْ هَذِهِ الْآثَارِ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى ابْنِ أُبَيٍّ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ مَا قَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ صَلَّى عَلَيْهِ . 79 - كَمَا حَدَّثَنَا عَبْدُ الْغَنِيِّ بْنُ رِفَاعَةَ بْنِ أَبِي عَقِيلٍ أَبُو جَعْفَرٍ اللَّخْمِيُّ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، سَمِعَ جَابِرًا يَقُولُ : ( أَتَى النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ ابْنَ أُبَيٍّ بَعْدَ مَا أُدْخِلَ حُفْرَتَهُ ، فَأَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ ، فَوَضَعَهُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ ، وَنَفَثَ عَلَيْهِ مِنْ رِيقِهِ ، وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ ) ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . 80 - وَكَمَا حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ الْمُرَادِيُّ ، حَدَّثَنَا أَسَدُ بْنُ مُوسَى ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ : ( لَمَّا مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ جَاءَ ابْنُهُ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّكَ إنْ لَمْ تَشْهَدْهُ لَمْ نَزَلْ نُعَيَّرُ بِهِ ، فَأَتَاهُ وَقَدْ أُدْخِلَ فِي حُفْرَتِهِ فَقَالَ : أَفَلَا قَبْلَ أَنْ تُدْخِلُوهُ قَالَ : فَأُخْرِجَ مِنْ حُفْرَتِهِ ، فَتَفَلَ عَلَيْهِ مِنْ قَرْنِهِ إلَى قَدَمِهِ ، وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ ) . 81 - وَكَمَا حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ قَاسِمٍ الْكُوفِيُّ ، حَدَّثَنَا أَسْبَاطُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ مِثْلَهُ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَفِي هَذَا مَا قَدْ دَلَّ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ صَلَّى عَلَيْهِ وَلَا شَهِدَهُ وَلَا أَتَاهُ قَبْلَ ذَلِكَ . وَهَذَا هُوَ أَشْبَهُ بِأَفْعَالِهِ كَانَتْ فِيمَنْ سِوَاهُ مِنْ النَّاسِ ؛ أَنَّ صَلَاتَهُ عَلَى مَنْ كَانَ يُصَلِّي عَلَيْهِ إنَّمَا كَانَتْ لِمَا يَفْعَلُ اللَّهُ لِمَنْ صَلَّاهَا عَلَيْهِ . 82 - كَمَا قَدْ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى النَّيْسَابُورِيُّ ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمٍ الْأَنْصَارِيِّ ، عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : ( لَا أَعْرِفَنَّ أَحَدًا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ مَاتَ إلَّا آذَنْتُمُونِي لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِ ؛ فَإِنَّ صَلَاتِي عَلَيْهِمْ رَحْمَةٌ ) . 83 - وَمَا حَدَّثَنَا ، فَهْدٌ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ ( أَنَّهُ دَخَلَ الْمَقْبَرَةَ فَصَلَّى عَلَى رَجُلٍ بَعْدَ مَا دُفِنَ فَقَالَ : مُلِئَتْ هَذِهِ الْمَقْبَرَةُ نُورًا بَعْدَ أَنْ كَانَتْ مُظْلِمَةً عَلَيْهِمْ ) . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَإِذَا كَانَتْ صَلَاتُهُ لِمَنْ كَانَ يُصَلِّي عَلَيْهِ إنَّمَا كَانَتْ لِمَنْ ذَكَرَ فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ ، وَلَمْ يَكُنْ ابْنُ أُبَيٍّ مِمَّنْ يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ ، اسْتَحَالَ أَنْ يَكُونَ صَلَّى عَلَيْهِ ، وَقَدْ تَرَكَ عَلَيْهِ السَّلَامُ الصَّلَاةَ عَلَى مَنْ غَلَّ مِنْ الْغَنَائِمِ ، وَهُوَ مِمَّنْ كَانَ غَزَا مَعَهُ لِقِتَالِ أَعْدَائِهِ مِمَّنْ لَا يَعْلَمُهُ لَحِقَهُ ذَمٌّ مِنْ فِعْلٍ كَانَ مِنْهُ سِوَى ذَلِكَ ، وَأَبَاحَ غَيْرُهُ مِمَّنْ كَانَ مَعَهُ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ . 84 - كَمَا حَدَّثَنَا الْمُزَنِيّ ، حَدَّثَنَا الشَّافِعِيُّ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ ، عَنْ أَبِي عَمْرَةَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ ، قَالَ : كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِخَيْبَرَ ، فَمَاتَ رَجُلٌ مِنْ أَشْجَعَ ، فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَقَالَ : ( صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ ، فَنَظَرُوا فِي مَتَاعِهِ ، فَوَجَدُوا فِيهِ خَرَزًا مِنْ خَرَزِ يَهُودَ لَا يُسَاوِي دِرْهَمَيْنِ ) . 85 - وَكَمَا قَدْ حَدَّثَنَا الْمُزَنِيّ أَيْضًا ، حَدَّثَنَا الشَّافِعِيُّ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ ، قَالَ : سَمِعْت يَحْيَى بْنَ سَعِيدٌ يَقُولُ : سَمِعْت مُحَمَّدَ بْنَ يَحْيَى يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي عَمْرَةَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ ( أَنَّ رَجُلًا تُوُفِّيَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَشْجَعَ يَوْمَ خَيْبَرَ ، وَأَنَّهُمْ ذَكَرُوهُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَزَعَمَ أَنَّهُ قَالَ لَهُمْ : صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ ، فَتَغَيَّرَتْ وُجُوهُ النَّاسِ لِذَلِكَ ، فَزَعَمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : إنَّ صَاحِبَكُمْ قَدْ غَلَّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، قَالَ : فَفَتَّشْنَا مَتَاعَهُ فَوَجَدْنَا خَرَزًا مِنْ خَرَزِ يَهُودَ ، وَاَللَّهِ مَا يُسَاوِي دِرْهَمَيْنِ ) . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَإِذَا كَانَ مِنْ سُنَّتِهِ أَنْ لَا يُصَلِّيَ عَلَى مَنْ غَلَّ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ ؛ لِأَنَّهُ بِغُلُولِهِ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ لِلْمَدْحِ فِي صَلَاتِهِ عَلَيْهِ ، وَلَا مُسْتَحَقٌّ لِسُؤَالِهِ لَهُ رَبَّهُ مَا يَسْأَلُهُ لَهُ فِي صَلَاتِهِ عَلَيْهِ ، مِمَّنْ هُوَ بَرِيءٌ مِنْ مِثْلِ ذَلِكَ ؛ كَانَتْ صَلَاتُهُ عَلَى الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ قَدْ أَخْبَرَهُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ أَبْعَدَ وَبِتَرْكِهَا عَلَيْهِمْ أَحَقُّ . وَكَذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْهُ فِي تَرْكِهِ الصَّلَاةَ عَلَى مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ مِمَّنْ كَانَ يَنْتَحِلُ الْإِسْلَامَ . 86 - كَمَا قَدْ حَدَّثَنَا ابْنُ مَعْبَدٍ ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ ، حَدَّثَنَا إسْرَائِيلُ ، وَشَرِيكٌ ، وَزُهَيْرٌ ، عَنْ سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ : ( أَنَّ رَجُلًا نَحَرَ نَفْسَهُ بِمِشْقَصٍ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ ) . وَإِذَا كَانَ لَمْ يُصَلِّ عَلَى هَذَا الرَّجُلِ ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ لِمَا كَانَ مِنْهُ مِنْ قَتْلِ نَفْسِهِ ، كَانَ بِأَنْ لَا يُصَلِّيَ عَلَى مَنْ حَرَّمَهُ عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَعَلَى نَفْسِهِ فَوْقَ ذَلِكَ أَحْرَى ، وَبِتَرْكِهِ إيَّاهُ عَلَيْهِ أَوْلَى ، وَقَدْ كَانَتْ سُنَّتُهُ فِيمَنْ كَانَ يَمُوتُ مِنْ أُمَّتِهِ فَيُدْعَى لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِ أَنْ يَعْتَبِرَ فِي أَمْرِهِ مِنْ أَحْوَالِهِ . 87 - مَا قَدْ حَدَّثَنَا يُونُسُ ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ، وَيُونُسُ بْنُ يَزِيدَ ، وَمَا قَدْ حَدَّثَنَا بَحْرُ بْنُ نَصْرٍ ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ - وَلَمْ يَذْكُرْ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ - ثُمَّ اجْتَمَعَا جَمِيعًا فَقَالَا : عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُؤْتَى بِالرَّجُلِ الْمَيِّتِ عَلَيْهِ الدَّيْنُ فَيَسْأَلُ مَا تَرَكَ لِدَيْنِهِ مِنْ قَضَاءٍ ، فَإِنْ حُدِّثَ أَنَّهُ تَرَكَ وَفَاءً صَلَّى عَلَيْهِ ، وَإِلَّا قَالَ : صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ ، فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْفُتُوحَ ، قَالَ : أَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ، فَمَنْ تُوُفِّيَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ ، وَمَنْ تَرَكَ مَالًا فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ ) . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَإِذَا كَانَ لَا يُصَلِّي عَلَى الْمَدِينِينَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ الْمَوْتَى ؛ لِأَنَّهُمْ مَحْبُوسُونَ عَنْ الْجَنَّةِ بِدُيُونِهِمْ الَّتِي عَلَيْهِمْ ، كَمَا قَدْ رُوِيَ عَنْهُ فِي ذَلِكَ . 88 - مِمَّا قَدْ حَدَّثَنَاهُ الْمُزَنِيّ ، حَدَّثَنَا الشَّافِعِيُّ ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : ( جَاءَ رَجُلٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنْ قُتِلْت فِي سَبِيلِ اللَّهِ صَابِرًا مُحْتَسِبًا مُقْبِلًا غَيْرَ مُدْبِرٍ ، يُكَفِّرُ اللَّهُ عَنِّي خَطَايَايَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : نَعَمْ ، فَلَمَّا وَلَّى الرَّجُلُ نَادَاهُ ، أَوْ أَمَرَ بِهِ فَنُودِيَ فَقَالَ : كَيْفَ قُلْت ، وَأَعَادَ عَلَيْهِ الْقَوْلَ فَقَالَ : نَعَمْ ، إلَّا الدَّيْنَ . كَذَلِكَ قَالَ لِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ) . 89 - وَمِمَّا قَدْ حَدَّثَنَاهُ الْمُزَنِيّ ، حَدَّثَنَا الشَّافِعِيُّ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ ابْنِ عَجْلَانَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ ، عَنْ أَبِيهِ : ( أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَرَأَيْت إنْ ضَرَبْت بِسَيْفِي هَذَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ صَابِرًا مُحْتَسِبًا مُقْبِلًا غَيْرَ مُدْبِرٍ أَتُكَفَّرُ عَنِّي خَطَايَايَ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ ، فَلَمَّا أَدْبَرَ قَالَ : تَعَالَ ، هَذَا جِبْرِيلُ يَقُولُ : إلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَيْك دَيْنٌ ) . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَمَعْنَى قَوْلِهِ : أَتُكَفَّرُ عَنِّي خَطَايَايَ ؟ أَيْ : أَدْخُلُ الْجَنَّةَ ، فَأَجَابَهُ بِمَا أَجَابَهُ بِهِ فِي ذَلِكَ ، كَانَ بِأَنْ لَا يُصَلِّيَ عَلَى مَنْ هُوَ مَحْبُوسٌ عَنْ الْجَنَّةِ ، بِمَا هُوَ أَغْلَظُ مِنْ الدَّيْنِ أَحْرَى .
758 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في لبس النساء الذهب من تحليل ومن تحريم . 5669 - حدثنا الربيع بن سليمان الجيزي ، ويحيى بن عثمان بن صالح ، قالا : حدثنا إسحاق بن بكر بن مضر ، عن أبيه ، عن عمرو بن الحارث ، عن ابن شهاب ، عن عروة ، عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى عليها مسكتين من ذهب ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألا أخبرك بأحسن من هذا ، لو نزعت هذين وجعلت مسكتين من ورق ، ثم صفرتيهما بزعفران كانتا حسنتين . قال أبو جعفر : فطعن طاعن في إسناد هذا الحديث ، فقال : إنما أصله ، عن ابن شهاب ، ليس فيه عروة ، ولا عائشة ، وذكر في ذلك . 5670 - ما قد حدثنا يحيى بن عثمان ، قال : حدثنا أصبغ بن الفرج ، قال : حدثنا ابن وهب ، قال : حدثني عمرو بن الحارث ، عن ابن شهاب ، فذكر مثله ولم يذكر فيه عروة ولا عائشة . قال أبو جعفر : ولم يكن ذلك عندنا يوجب ما قال ؛ لأن ابن وهب ليس فوق بكر بن مضر فيقضى له عليه في ذلك ، ولكن بكرا حفظ في ذلك ما لم يحفظه ابن وهب ، وكلاهما بحمد الله حجة ، وإن كان مع ذكر التقدم الذي معه في السن وفي الرواية ، وقد وجدنا هذا الحديث من رواية غير عمرو ، عن ابن شهاب بموافقة بكر على ما رواه عليه . 5671 - كما قد حدثنا فهد ، قال : حدثنا سعيد بن كثير بن عفير ، قال : حدثنا أبو حريز ، عن ابن شهاب ، عن عروة ، عن عائشة قالت : زفتني أمي وعلي قلادة وأظفار وسوار فضة ، فلما كان ذات يوم قلت للنبي صلى الله عليه وسلم : لو كان لي سواران من ذهب ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لو لطخت على سواريك من زعفران كان شبيها بالذهب . فقال هذا الطاعن : ليس أبو حريز ممن يقضى بروايته في مثل الذي ذكرت عند الاختلاف فيه . فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله - عز وجل - وعونه : أنه وإن كان كما ذكر فإنه قد وافق بكرا وأباه على ذلك من روايته ليست بدون رواية عمرو وهو معمر بن راشد . 5672 - كما حدثنا محمد بن علي بن داود ، قال : حدثنا علي بن بحر القطان ، قال : حدثنا هشام بن يوسف ، عن معمر ، عن الزهري ، عن عروة ، أو عن عمرة ، عن عائشة - كذا قال - قالت : رأى النبي صلى الله عليه وسلم في يدي عائشة قلبين ملويين بذهب ، فقال : ألقيهما عنك واجعلي قلبين من فضة ، وصفريهما بزعفران . فوجب بذلك القضاء لبكر على ابن وهب فيما ذكرنا اختلافهما فيه من إسناد الحديث الذي اختلفا في إسناده . 5673 - وحدثنا الحسين بن نصر ، قال : حدثنا الفريابي ، قال : حدثنا سفيان ، عن منصور ، عن ربعي بن حراش ، عن أخت لحذيفة بن اليمان قالت : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ويلكن يا معشر النساء أما لكن في الفضة ما تتحلين به حتى تحلين الذهب ، إنه ليس منكن امرأة تحلى ذهبا إلا عذبت به يوم القيامة . 5674 - حدثنا الحسين بن عبد الله بن منصور البالسي ، قال : حدثنا الهيثم بن جميل ، قال : حدثنا شريك بن عبد الله ، عن منصور ، عن ربعي بن حراش ، عن أخت لحذيفة بن اليمان قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ، ثم ذكرت مثله . فتأملنا حديث عائشة الذي بدأنا بذكره في هذا الباب : هل روي ما قد دل على نسخه أم لا ؟ . 5675 - فوجدنا روح بن الفرج قد حدثنا ، قال : حدثنا عمرو بن خالد ، قال : حدثنا عبيد الله بن عمرو ، عن عبد الكريم بن مالك ، عن عطاء ، عن عائشة أنها كانت تحلي بنات أختها الذهب ، وكانت أم سلمة تكره ذلك وتنكره . فكان في إباحة عائشة تحلي بنات أختها الذهب بعد سماعها من النبي صلى الله عليه وسلم ما قد ذكرناه عنها في هذا الباب : أن ذلك لم يكن منها إلا بعد وقوفها على حل ذلك لهن ولأمثالهن بعد حرمته كان عليهن وعلى أمثالهن ، فثبت بذلك نسخ ما كانت علمته من منع رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان منع منه . ثم تأملنا حديث منصور الذي رواه عنه سفيان وشريك . 5676 - فوجدنا أحمد بن شعيب قد حدثنا ، قال : أخبرنا علي بن حجر ، قال : حدثنا جرير ، عن منصور ووجدنا أحمد قد حدثنا ، قال : أخبرنا محمد بن بشار ، قال : حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، قال : حدثنا سفيان ، عن منصور ، عن ربعي ، عن امرأته ، عن أخت حذيفة قالت : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم ذكر مثل حديث سفيان وشريك ، عن منصور اللذين ذكرناهما عنه في هذا الباب . 5677 - ووجدنا أحمد قد حدثنا ، قال : أخبرنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : حدثنا المعتمر ، قال : سمعت منصورا يحدث ، عن ربعي ، عن امرأته ، عن أخت حذيفة قالت : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ذكر مثله . قال : ففسد هذا الحديث بفساد إسناده ؛ لأن إسناده عاد إلى امرأة ربعي التي لا تعرف ، ولا يجوز أن يحتج بمثلها في هذا الباب . 5678 - وحدثنا بكار بن قتيبة ، قال : حدثنا أبو داود ، قال : حدثنا هشام ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلام ، عن أبي أسماء الرحبي ، عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : جاءت بنت هبيرة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يدها فتخ من ذهب ، أو خواتيم ضخام ، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يضرب يدها ، فأتت فاطمة ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فشكت إليها ما صنع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال ثوبان : فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على فاطمة وأنا معه ، وقد أخذت من عنقها سلسلة من ذهب ، فقالت : هذه أهداها إلي أبو حسن ، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم والسلسلة في يدها ، فقال : يا فاطمة أيسرك أن يقول الناس فاطمة ابنة محمد ، وفي يدك سلسلة من نار . ثم خرج ولم يقعد فعمدت فاطمة إلى السلسلة فاشترت بها غلاما ، فأعتقته فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : الحمد لله الذي نجى فاطمة من النار . قال أبو جعفر : فكان هذا الحديث من أحسن ما روي في هذا الباب في تحريم لبس الذهب على النساء ، غير أنه قد يحتمل أن يكون نسخه ما ذكرنا مما نسخ حديث عائشة ، الذي رويناه في هذا الباب . 5679 - حدثنا الربيع بن سليمان المرادي ، قال : حدثنا أسد ، قال : حدثنا أسباط بن محمد ، عن مطرف ، عن أبي الجهم ، عن أبي زيد ، عن أبي هريرة ، قال : كنت قاعدا عند النبي صلى الله عليه وسلم فأتته امرأة فقالت : يا رسول الله ، طوق من ذهب ، فقال : طوق من نار . فقالت : يا رسول الله ، سوار من ذهب ، فقال : سوار من نار . قالت : قرطين من ذهب ، قال : قرطين من نار . وعليها سواران من ذهب فرمت بهما ، فقالت : يا رسول الله ، إن المرأة إذا لم تزين لزوجها صلفت عنده ، قال : فما يمنع إحداكن أن تصنع قرطين من فضة ، ثم تصفرهما بالزعفران . فتأملنا هذا الحديث فوجدنا في إسناده رجلا مجهولا ، لا يعرف من هو ، وهو أبو زيد المذكور فيه ، فبطل أن يحتج في هذا الباب بمثله . 5680 - وحدثنا مالك بن يحيى أبو غسان ، قال : حدثنا عبد الوهاب بن عطاء ، قال : حدثنا هشام ، عن يحيى وهو ابن أبي كثير ، عن محمود بن عمرو : أن أسماء ابنة يزيد حدثته أن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : أيما امرأة تحلت قلادة من ذهب جعل في عنقها مثلها من النار يوم القيامة ، وأيما امرأة جعلت في أذنها خرصا من ذهب ، جعل في أذنها مثله يوم القيامة . فكان هذا الحديث أيضا في إسناده محمود بن عمرو ، وهو غير معروف . فقال قائل : ممن يحتج في دفع ما في هذا الباب في حظر الذهب على النساء أن يتحلينه ، قد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في إطلاق ذلك لهن . 5681 - فذكر ما قد حدثنا الربيع المرادي ، قال : حدثنا شعيب بن الليث ، قال : حدثنا الليث ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن أبي الصعبة ، عن رجل من همدان يقال له : أفلح ، عن ابن زرير ، أنه سمع علي بن أبي طالب عليه السلام يقول : إن نبي الله صلى الله عليه وسلم أخذ حريرا في يمينه ، وأخذ ذهبا في شماله ، ثم قال : إن هذين حرام على ذكور أمتي . 5682 - وما قد حدثنا فهد ، قال : حدثنا ابن أبي مريم ، قال : حدثنا ابن لهيعة ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن عبد العزيز بن أبي الصعبة القرشي ، عن أبي علي الهمداني ، عن عبد الله بن زرير ، قال : سمعت عليا عليه السلام يقول : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي إحدى يديه ذهب وفي الأخرى حرير ، فقال : هذان حرام على ذكور أمتي ، وحل لإناثها . فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله جل وعز وعونه : أن هذا الحديث فاسد الإسناد ؛ لأن ابن لهيعة ، قال فيه ، عن أبي علي الهمداني وقد خالفه الليث ، وهو أصح رواية منه ، فقال فيه : عن رجل من همدان ، يقال له : أفلح ، وأفلح هذا فمجهول ، وليس هو أبا علي الهمداني ؛ لأن أبا علي هو ثمامة بن شفي ، وقد روى محمد بن إسحاق هذا الحديث ، عن يزيد بن أبي حبيب فوافق الليث فيه ، وخالفه ابن لهيعة . 5683 - وحدثنا حسين بن نصر ، قال : سمعت يزيد بن هارون ، قال : أخبرنا محمد بن إسحاق ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن عبد العزيز بن أبي الصعبة ، عن أبي أفلح ، عن عبد الله بن زرير الغافقي ، عن علي عليه السلام ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم ذكر مثل حديث الليث ، ولم يذكر فيه وحل لإناثها ، كما لم يذكره الليث . ثم نظرنا نحن هل في هذا الباب شيء يوافق ما في حديث ابن لهيعة هذا من غير هذا الوجه . 5684 - فوجدنا يونس قد حدثنا ، قال : حدثنا ابن وهب ووجدنا صالح بن عبد الرحمن وإبراهيم بن منقذ قد حدثانا قالا : حدثنا المقرئ ، ثم اجتمعوا فقالوا : عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم ، عن عبد الرحمن بن رافع ، عن عبد الله بن عمرو ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : الحرير والذهب حل لإناث أمتي حرام على ذكورها . ثم نظرنا هل نجد في هذا المعنى أقوى من هذا الحديث . 5685 - فوجدنا ابن أبي عمران ومحمد بن خزيمة وابن أبي داود وعلي بن عبد الرحمن وأبا زرعة الدمشقي قد حدثونا قالوا : حدثنا سعيد بن سليمان الواسطي ، عن عباد بن العوام ، قال : حدثنا سعيد بن أبي عروبة ، قال : حدثني ثابت بن زيد بن أرقم ، قال : حدثتني عمتي أنيسة ابنة زيد بن أرقم ، عن أبيها زيد بن أرقم ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر مثله ، وزاد علي في حديثه قالت : فقال له رجل : إنك لتقول هذا ، وهذا أمير المؤمنين ينهى عنه ، قالت : فكان في يدي قلبان من ذهب ، فقال : ضعيهما وركب حميرا له ، فانطلق ثم رجع ، فقال : أعيديهما فقد سألته ، فقال : لا بأس به . ثم نظرنا هل نجد في هذا الباب أقوى من هذا . 5686 - فوجدنا ابن أبي داود قد حدثنا ، قال : حدثنا ابن أبي مريم ، قال : أخبرنا يحيى بن أيوب ، قال : حدثني الحسن بن ثوبان وعمرو بن الحارث ، عن هشام بن أبي رقية ، قال : سمعت مسلمة بن مخلد يقول لعقبة بن عامر : قم ، فحدث الناس بما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقام عقبة ، فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من كذب علي فليتبوأ بيته من جهنم . 5687 - وسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : الحرير والذهب حرام على ذكور أمتي ، حل لإناثهم . فكان هذا الحديث من أحسن ما في هذا الباب ، غير أنا وجدنا ابن وهب قد خالف يحيى في هذا الحديث ، عن عمرو . 5688 - كما حدثنا يونس وبحر ، قال يونس : أخبرنا ابن وهب ، وقال بحر : حدثنا ابن وهب ، قال : أخبرني عمرو بن الحارث في حديثيهما جميعا : أن هشام بن أبي رقية اللخمي حدثه ، قال : سمعت مسلمة بن مخلد يخطب وهو يقول : يا أيها الناس أما لكم في العصب والكتان ما يغنيكم ، عن لبس الحرير ، وهذا فيكم رجل يخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : قم يا عقبة ، فقام عقبة بن عامر ، فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من لبس الحرير في الدنيا حرمه أن يلبسه في الآخرة . فاختلف ابن وهب ويحيى على عمرو في هذا الحديث ، فرواه ابن وهب على ما يوجب المنع من لبس الحرير ، ورواه يحيى على ما يبيح لبسه للإناث ، والله أعلم بالحقيقة في ذلك كيف هي ؟ وحديث الحسن بن ثوبان فلم يختلف فيه أنه على ما يوجب إباحة لبس الحرير للنساء . ثم نظرنا : هل روي في هذا الباب شيء سوى هذه الآثار . 5689 - فوجدنا محمد بن خزيمة قد حدثنا ، قال : حدثنا حجاج بن منهال ، قال : حدثنا حماد بن سلمة ، عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن سعيد بن أبي هند ، عن أبي موسى الأشعري ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : الحرير والذهب حلال لإناث أمتي ، حرام على ذكورها . 5690 - ووجدنا أحمد بن شعيب قد حدثنا ، قال : حدثنا علي بن الحسين الدرهمي ، قال : حدثنا عبد الأعلى ، عن سعيد بن أبي عروبة ، عن أيوب ، عن نافع ، عن سعيد بن أبي هند ، عن أبي موسى ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فذكر مثله . فكان هذا من أحسن ما روي في هذا الباب غير أن بعض الناس قد ذكر أن عبد الله بن عمر العمري قد روى هذا الحديث ، عن نافع ، فقال فيه عن سعيد بن أبي هند ، عن رجل ، عن أبي موسى ، وأن يونس بن يزيد من حديث القاسم بن مبرور قد رواه عن نافع كذلك أيضا ، وليس عبد الله بن عمر العمري ممن يعارض به مثل من ذكرنا ؛ لأن يونس وإن كان فوق عبد الله بن عمر فليس ممن يعارض به عبيد الله وأيوب . ثم نظرنا : هل روي في إباحة لبس الحرير للنساء غير ما قد ذكرنا . 5691 - فوجدنا بكارا وابن مرزوق قد حدثانا قالا : حدثنا أبو داود ، قال : حدثنا شعبة ، عن أبي عون الثقفي ، قال : سمعت أبا صالح الحنفي يقول : سمعت عليا عليه السلام يقول : أهدي لرسول الله صلى الله عليه وسلم حلة سيراء من حرير ، فبعث بها إلي ، فلبستها فرأيت الكراهة في وجهه فأطرتها خمرا بين نسائي . 5692 - ووجدنا يونس قد حدثنا ، قال : حدثنا عبد الله بن يوسف ، قال : حدثنا الليث ، عن يزيد بن أبي حبيب : أن إبراهيم بن عبد الله بن حنين حدثه أن أباه حدثه أنه سمع علي بن أبي طالب عليه السلام يقول : كساني رسول الله صلى الله عليه وسلم حلة سيراء ، فرحت فيها ، فقال لي : يا علي إني لم أكسكها لتلبسها ، فرجعت إلى فاطمة فأعطيتها طرفها ، كأنها تطوي معي فشققتها ، فقالت : تربت يداك يا ابن أبي طالب ، ماذا جئت به ؟ قلت : نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ألبسها فالبسيها واكسي أنسابك . 5693 - ووجدنا بكارا قد حدثنا ، قال : حدثنا أبو داود ، قال : حدثنا شعبة ، عن أبي بشر ، قال : سمعت مجاهدا يحدث ، عن ابن أبي ليلى ، قال : سمعت عليا يقول : أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بحلة حرير فبعث بها إلي فلبستها ، فرأيت الكراهة في وجهه ، فأمرني فأطرتها خمرا بين النساء . 5694 - ووجدنا يزيد وابن مرزوق قد حدثانا قالا : حدثنا وهب ، قال : حدثنا أبي ، قال : سمعت نافعا يحدث ، عن ابن عمر ، قال : رأى عمر - رضي الله عنه - عطاردا التميمي يقيم في السوق حلة سيراء ، فقال عمر : يا رسول الله ، لو اشتريتها لوفد العرب إذا قدموا عليك ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنما يلبس الحرير في الدنيا من لا خلاق له . فلما كان بعد ذلك أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بحلل سيراء ، فبعث إلى عمر بحلة وإلى أسامة بحلة ، وأعطى عليا حلة فأمره أن يشققها خمرا بين نسائه ، قال : وراح أسامة بحلته ، فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم نظرا عرف أنه كره ما صنع ، فقال : إني لم أبعث بها إليك لتلبسها ، إنما بعثت بها إليك لتشقها خمرا بين نسائك . 5695 - ووجدنا روحا قد حدثنا ، قال : حدثنا حامد بن يحيى ، قال : حدثنا سفيان ، قال : حدثنا أيوب بن موسى ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : أبصر رسول الله صلى الله عليه وسلم حلة سيراء على عطارد فكرهها له ونهاه عنها ، ثم كسا عمر مثلها ، فقال : يا رسول الله ، قلت : في حلة عطارد ما قلت : وتكسوني هذه ، فقال : إني لم أكسكها لتلبسها إنما أعطيتكها لتلبسها النساء . فكان ما روينا تواتر الآثار ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بإباحة النساء لبس الحرير ، فوجب أن لا تعارض ما روي عنه في ذلك بما روي عنه فيما يخالفه مما لم يجئ كمجيئه ، ولم تتواتر الروايات به كما تواترت الروايات بخلافه ، وسنأتي بالنظر في ذلك فيما بعد هذا الباب من كتابنا هذا إن شاء الله ، والله - عز وجل - نسأله التوفيق .
10 - بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْأَعْدَادِ مِنْ الزَّمَانِ الَّتِي لَوْ وَقَفَهَا مَنْ مَرَّ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي كَانَتْ خَيْرًا لَهُ مِنْ مُرُورِهِ مِنْ بَيْنَ يَدَيْهِ مَا هِيَ ، وَهَلْ هِيَ مِنْ السِّنِينِ أَوْ مِنْ الشُّهُورِ أَوْ مِنْ الْأَيَّامِ ؟ . 90 - حَدَّثَنَا يُونُسُ ، قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ . أَرْسَلَهُ أَبُو جُهَيْمِ ابْنُ أُخْتِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ إلَى زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ ، يَسْأَلُهُ مَا سَمِعْت مِنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي الَّذِي يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي فَحَدَّثَهُ عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ : ( لَأَنْ يَقُومَ أَحَدُكُمْ أَرْبَعِينَ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ ، لَا يَدْرِي أَرْبَعِينَ سَنَةً ، أَوْ شَهْرًا ، أَوْ يَوْمًا ) . 91 - حَدَّثَنَا يُونُسُ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ ، عَنْ بُسْرٍ ، كَمَا قَدْ حَدَّثَنَاهُ عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ إلَّا أَنَّهُ قَالَ : أَرْسَلَهُ زَيْدٌ إلَى أَبِي الْجُهَيْمِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَلَمَّا اخْتَلَفَ مَالِكٌ وَسُفْيَانُ فِي الْمَرْدُودِ إلَيْهِ رِوَايَةُ مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَنْ هُوَ مِنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ وَمِنْ أَبِي الْجُهَيْمِ الْأَنْصَارِيِّ ، احْتَجْنَا إلَى طَلَبِهِ مِنْ رِوَايَةِ غَيْرِهِمَا مِنْ الْأَئِمَّةِ الَّذِينَ رَوَوْهُ عَنْ أَبِي النَّضْرِ لِيَكُونَ مَا عَسَى أَنْ نَجِدَهُ فِي ذَلِكَ قَاضِيًا بَيْنَ مَالِكٍ وَابْنِ عُيَيْنَةَ فِيهِ . 92 - فَوَجَدْنَا إبْرَاهِيمَ بْنَ مَرْزُوقٍ قَدْ حَدَّثَنَا قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ يَعْنِي الثَّوْرَيَّ ، عَنْ سَالِمٍ أَبِي النَّضْرِ ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي الْجُهَيْمِ الْأَنْصَارِيِّ ، قَالَ : سَمِعْت النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَقُولُ : ( لَأَنْ يَقُومَ أَحَدُكُمْ أَرْبَعِينَ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ ، قَالَ : مَا أَدْرِي أَرْبَعِينَ يَوْمًا ، أَوْ أَرْبَعِينَ شَهْرًا ، أَوْ أَرْبَعِينَ سَنَةً ) . فَكَانَ فِي ذَلِكَ أَنَّ رَاوِيَهُ عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ هُوَ أَبُو الْجُهَيْمِ الْأَنْصَارِيُّ لَا زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ ، فَوَجَبَ بِذَلِكَ الْقَضَاءُ فِيمَا اخْتَلَفَ فِيهِ مَالِكٌ وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ لِمَالِكٍ عَلَى ابْنِ عُيَيْنَةَ ؛ لِأَنَّ مَالِكًا وَالثَّوْرِيَّ لَمَّا اجْتَمَعَا فِي ذَلِكَ عَلَى شَيْءٍ ، كَانَا أَوْلَى بِحِفْظِهِ مِنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ فِيمَا خَالَفَهُمَا فِيهِ . ثُمَّ رَجَعْنَا إلَى طَلَبِ الْأَعْدَادِ الْمَذْكُورَةِ فِيهِ هَلْ هِيَ مِنْ السِّنِينَ أَوْ مِنْ الشُّهُورِ أَوْ مِنْ الْأَيَّامِ ؟ . 93 - فَوَجَدْنَا أَبَا أُمَيَّةَ قَدْ حَدَّثَنَا قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ قَادِمٍ ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي : ابْنَ موَهْبٍ ، عَنْ عَمِّهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : ( لَوْ يَعْلَمُ الَّذِي يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْ أَخِيهِ مُعْتَرِضًا ، وَهُوَ يُنَاجِي رَبَّهُ ، لَكَانَ [ أَنْ ] يَقِفَ مَكَانَهُ مِائَةَ عَامٍ ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ الْخُطْوَةِ الَّتِي خَطَا ) . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَدَلَّ ذَلِكَ أَنَّ تِلْكَ الْأَرْبَعِينَ مِنْ الْأَعْوَامِ ، لَا مِمَّا سِوَاهَا مِنْ الشُّهُورِ ، وَمِنْ الْأَيَّامِ ، وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ . وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا هُوَ عِنْدَنَا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مُتَأَخِّرٌ عَنْ حَدِيثِ أَبِي الْجُهَيْمِ ، الَّذِي رَوَيْنَاهُ فِي صَدْرِ هَذَا الْبَابِ ؛ لِأَنَّ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الزِّيَادَةَ فِي الْوَعِيدِ لِلْمَارِّ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي ، وَاَلَّذِي فِي حَدِيثِ أَبِي الْجُهَيْمِ التَّخْفِيفُ ، وَأَوْلَى الْأَشْيَاءِ بِنَا أَنْ نَظُنَّهُ بِاَللَّهِ تَعَالَى الزِّيَادَةُ فِي الْوَعِيدِ لِلْعَاصِي الْمَارِّ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي لَا التَّخْفِيفُ مِنْ ذَلِكَ عَنْهُ فِي مُرُورِهِ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي .
747 - باب بيان مشكل ما في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم المذكور فيه استحلاف المهاجرات على ما كان يستحلفهن عليه . حدثنا أبو القاسم هشام بن محمد بن قرة بن أبي خليفة الرعيني ، قال : حدثنا أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي ، قال : 5617 - حدثنا حسين بن نصر ، قال : حدثنا الفريابي ، قال : حدثنا قيس بن الربيع ، عن الأغر ، عن خليفة بن حصين ، عن أبي نصر ، عن ابن عباس في قوله عز وجل : إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ ، قال : كانت المرأة إذا أتت النبي صلى الله عليه وسلم لتسلم حلفها بالله عز وجل ما خرجت من بغض زوج ، وبالله عز وجل ما خرجت رغبة بأرض عن أرض ، وبالله عز وجل ما خرجت التماس دنيا ، وبالله عز وجل ما خرجت إلا حبا له عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم . قال أبو جعفر : ففي هذا الحديث ، استحلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم من كان يأتيه من النساء للهجرة إليه على ما ذكر فيه من استحلافه إياهن عليه ، وهذا مما يدخل في باب من الفقه قد اختلف أهله فيه ، وهو الرجل يمر بماله على عاشر المسلمين ، فيطلب منه زكاته ، فيقول : قد أديتها إلى المساكين الذين يستحقون مثلها ، أو قد أديتها إلى عاشر مررت به قبلك ، فكان بعضهم يقول يستحلفه على ذلك إن اتهمه على ما قاله له ، ويخلي بينه وبين ماله ، منهم أبو حنيفة وأصحابه والشافعي ومنهم من يصدقه على ذلك ولا يستحلفه عليه ، منهم مالك والثوري ، وكانا يذهبان في ذلك إلى أن هذه عبادة المتعبدون بها مؤتمنون عليها ولا يجب استحلافهم بالظنون بهم فيها غير الواجب كان عليهم فيها ، ويذهبون إلى أن الاستحلافات على الأشياء المدعاة إنما تجب للمدعيين بعد علمهم أنها قد كانت من المطلوبين بها ، وأن استعمال الظنون بهم غير الواجب كان عليهم فيها غير واسع لمن ظن ذلك بهم ، وفي ذلك ما ينفي أن يكون على المدعى عليه في ذلك بالظنون لا بالحقائق يمين ، وكان هذا القول هو الذي يقوم في قلوبنا والذي نذهب إليه في هذا المعنى حتى وقفنا على ما في الحديث الذي رويناه في هذا الباب من استحلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم المهاجرات إليه على ما كان يستحلفهن عليه مما ذكر في الحديث الذي رويناه في ذلك حياطة للإسلام ، فمثل ذلك الاستحلاف فيما اختلف فيه مما ذكرنا يكون ذلك لمن تولى الصدقات حياطة للإسلام ، واستيفاء لحقوق أهله ممن وجبت لهم عليهم ، والله نسأله التوفيق .
11 - بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ قَوْلِهِ : إنَّ الْأَمِيرَ إذَا ابْتَغَى الرِّيبَةَ فِي النَّاسِ أَفْسَدَهُمْ . 94 - حَدَّثَنَا أَبُو أُمَيَّةَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ دَاوُد قَالَا : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْوَاسِطِيُّ ، حَدَّثَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ ، عَنْ ضَمْضَمِ بْنِ زُرْعَةَ ، عَنْ شُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدٍ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ، وَالْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ ، وَكَثِيرِ بْنِ مُرَّةَ ، وَعَمْرِو بْنِ الْأَسْوَدِ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : ( إنَّ الْأَمِيرَ إذَا ابْتَغَى الرِّيبَةَ فِي النَّاسِ أَفْسَدَهُمْ ) . 95 - حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُد ، حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ الْعَلَاءِ بْنِ زِبْرِيقٍ الْحِمْصِيُّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْوَاسِطِيُّ ، قَالَا : حَدَّثَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ ، عَنْ ضَمْضَمِ بْنِ زُرْعَةَ ، عَنْ شُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدٍ ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ ، وَكَثِيرِ بْنِ مُرَّةَ ، وَعَمْرِو بْنِ الْأَسْوَدِ ، وَالْمِقْدَامِ ، وَأَبِي أُمَامَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ . 96 - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي دَاوُد ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ رَبِّهِ الْحِمْصِيُّ ، حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ ، عَنْ إسْمَاعِيلِ بْنِ عَيَّاشٍ ، عَنْ ضَمْضَمٍ ، عَنْ شُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدٍ ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ ، وَعَمْرِو بْنِ الْأَسْوَدِ ، وَأَبِي أُمَامَةَ قَالَا : إنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : ( إنَّ الْأَمِيرَ إذَا ابْتَغَى الرِّيبَةَ فِي النَّاسِ أَفْسَدَهُمْ ) . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : مَعْنَى ذَلِكَ عِنْدَنَا أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَمَرَ عِبَادَهُ بِالسَّتْرِ ، وَأَنْ لَا يَكْشِفُوا عَنْهُمْ سَتْرَهُ الَّذِي سَتَرَهُمْ بِهِ فِيمَا يُصِيبُونَهُ مِمَّا قَدْ نَهَاهُمْ عَنْهُ لِمَنْ سِوَاهُمْ مِنْ النَّاسِ ، وَرُوِيَ عَنْهُ فِي ذَلِكَ . 97 - مَا قَدْ حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ مَرْزُوقٍ أَبُو الْفَتْحِ ، حَدَّثَنَا أَسَدُ بْنُ مُوسَى ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَامَ بَعْدَ أَنْ رَجَمَ الْأَسْلَمِيَّ فَقَالَ : اجْتَنِبُوا هَذِهِ الْقَاذُورَة الَّتِي نَهَى اللَّهُ عَنْهَا ، فَمَنْ أَلَمَّ فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَلْيَتُبْ إلَى اللَّهِ ، فَإِنَّهُ مَنْ يُبْدِ لَنَا صَفْحَتَهُ نُقِمْ عَلَيْهِ كِتَابَ اللَّهِ ) . 98 - وَمَا قَدْ حَدَّثَنَا يُونُسُ ، أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ اللَّيْثِيُّ ، عَنْ يَحْيَى ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ : أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ ثُمَّ ذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ حَرْفًا حَرْفًا . 99 - وَمَا قَدْ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ دَاوُد ، حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبَانُ بْنُ يَزِيدَ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ ، حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ نُعَيْمِ بْنِ هَزَّالٍ ، وَكَانَ هَزَّالٌ اسْتَرْجَمَ لِمَاعِزٍ قَالَ : ( كَانَ فِي أَهْلِهِ جَارِيَةٌ تَرْعَى غَنَمًا ، وَإِنَّ مَاعِزًا وَقَعَ عَلَيْهَا ، وَإِنَّ هَزَّالًا أَخَذَهُ فَمَكَرَ بِهِ وَخَدَعَهُ فَقَالَ : انْطَلِقْ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنُخْبِرُهُ بِاَلَّذِي صَنَعْت عَسَى أَنْ يَنْزِلَ فِيك قُرْآنٌ ، فَأَمَرَ بِهِ نَبِيُّ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنْ يُرْجَمَ فَرُجِمَ ، فَلَمَّا عَضَّهُ مَسُّ الْحِجَارَةِ انْطَلَقَ يَسْعَى ، فَاسْتَقْبَلَهُ رَجُلٌ بِلَحْيِ بَعِيرٍ ، فَضَرَبَهُ فَصَرَعَهُ . فَقَالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ : يَا هَزَّالُ ، لَوْ كُنْت سَتَرْتَهُ بِثَوْبِك َكَانَ خَيْرًا لَك ) . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَكَانَ الْأَمِيرُ إذَا تَتَبَّعَ مَا قَدْ أَمَرَ اللَّهُ بِتَرْكِ تَتَبُّعِهِ امْتَثَلَ النَّاسُ ذَلِكَ مِنْهُ ، وَكَانَ فِي ذَلِكَ فَسَادُهُمْ . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : فَكَيْفَ يَكُونُ مَا ذَكَرْت كَمَا ذَكَرْتَ ، وَقَدْ ( أَمَرَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ أُنَيْسًا الْأَسْلَمِيَّ أَنْ يَأْتِيَ امْرَأَةَ الرَّجُلِ الَّذِي ذُكِرَ لَهُ عَنْهَا أَنَّهَا زَنَتْ ، فَيَسْأَلَهَا عَنْ ذَلِكَ ، وَأَنْ يَرْجُمَهَا إنْ اعْتَرَفَتْ عِنْدَهُ بِذَلِكَ ) . وَذَكَرَ فِي ذَلِكَ : 100 - مَا قَدْ حَدَّثَنَا يُونُسُ ، وَعِيسَى بْنُ إبْرَاهِيمَ الْغَافِقِيُّ قَالَا : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ ، وَشِبْلٍ قَالُوا : ( كُنَّا قُعُودًا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَامَ إلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ : أَنْشُدُك اللَّهَ إلَا قَضَيْت بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ ، فَقَامَ خَصْمُهُ ، وَكَانَ أَفْقَهَ مِنْهُ فَقَالَ : صَدَقَ اقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ وَائْذَنْ لِي قَالَ : قُلْ . قَالَ : إنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا عَلَى هَذَا ، فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ ، فَافْتَدَيْت مِنْهُ بِمِائَةِ شَاةٍ وَخَادِمٍ ، ثُمَّ إنِّي سَأَلْت رِجَالًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، فَأَخْبَرُونِي أَنَّ عَلَى ابْنِي جَلْدَ مِائَةٍ وَتَغْرِيبَ عَامٍ ، وَعَلَى امْرَأَةِ هَذَا الرَّجْمَ . فَقَالَ : وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ [ اللَّهِ ] ، الْمِائَةُ شَاةٍ وَالْخَادِمُ رَدٌّ عَلَيْك ، وَعَلَى ابْنِك جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ ، وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ ، إلَى امْرَأَةِ هَذَا ، فَإِنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا ، فَغَدَا عَلَيْهَا فَاعْتَرَفَتْ فَرَجَمَهَا ) . 101 - وَمَا قَدْ حَدَّثَنَا الْمُزَنِيّ ، حَدَّثَنَا الشَّافِعِيُّ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ أَنَّهُمَا أَخْبَرَاهُ : ( أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : أَحَدُهُمَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ، اقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ ، فَقَالَ الْآخَرُ : وَهُوَ أَفْقَهُهُمَا أَجَلْ ، يَا رَسُولَ اللَّهِ ، اقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ ، وَائْذَنْ لِي فِي أَنْ أَتَكَلَّمَ ، فَقَالَ : تَكَلَّمْ ، فَقَالَ : إنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا عَلَى هَذَا ، فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ ، فَأُخْبِرْت أَنَّ عَلَى ابْنِي الرَّجْمَ فَافْتَدَيْت مِنْهُ بِمِائَةِ شَاةٍ وَبِجَارِيَةٍ ، ثُمَّ إنِّي سَأَلْت أَهْلَ الْعِلْمِ فَأَخْبَرُونِي أَنَّ عَلَى ابْنِي جَلْدَ مِائَةٍ وَتَغْرِيبَ عَامٍ ، وَإِنَّمَا الرَّجْمُ عَلَى امْرَأَتِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَمَا وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ ، أَمَّا غَنَمُك وَجَارِيَتُك فَرَدٌّ عَلَيْك ، وَجَلَدَ ابْنَهُ مِائَةً ، وَغَرَّبَهُ عَامًا ، وَأَمَرَ أُنَيْسًا الْأَسْلَمِيَّ أَنْ يَأْتِيَ امْرَأَةَ الْآخَرِ ، فَإِنْ اعْتَرَفَتْ رَجَمَهَا ، فَاعْتَرَفَتْ فَرَجَمَهَا ) . قَالَ مَالِكٌ : وَالْعَسِيفُ الْأَجِيرُ . 102 - وَمَا قَدْ حَدَّثَنَا يُونُسُ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ ، وَمَالِكٌ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٌ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَيْدٍ قَالَا : كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ ثم ذَكَرَ مِثْلَهُ . قِيلَ لَهُ : قَدْ كَانَ الشَّافِعِيُّ يَقُولُ فِي ذَلِكَ مَا قَدْ حَكَاهُ لَنَا الْمُزَنِيّ عَنْهُ فِي مُخْتَصَرِهِ قَوْلَهُ : إنَّهُ قَالَ : وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ إذَا رُمِيَ رَجُلٌ بِالزِّنَا أَنْ يَبْعَثَ إلَيْهِ فَيَسْأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ : وَلا تَجَسَّسُوا فَإِنْ شُبِّهَ عَلَى أَحَدٍ بِأَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ بَعَثَ أُنَيْسًا إلَى امْرَأَةِ رَجُلٍ فَقَالَ : إنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا ، فَتِلْكَ امْرَأَةٌ ذَكَرَ أَبُو الزَّانِي بِهَا أَنَّهَا زَنَتْ ، فَكَانَ يَلْزَمُهُ أَنْ يَسْأَلَ ، فَإِنْ اعْتَرَفَتْ حُدَّتْ ، وَسَقَطَ الْحَدُّ عَمَّنْ قَذَفَهَا ، وَإِنْ أَنْكَرَتْ حُدَّ قَاذِفُهَا . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَنَا أَقُولُ جَوَابًا عَنْ ذَلِكَ لِقَائِلِهِ هَذَا الْحَدِيثُ لَمْ يَسْتَوْعِبْ لَنَا فِيهِ مَا كَانَ مِمَّا جَرَى مِنْ الْخَصْمَيْنِ ، وَمِنْ ابْنِ أَحَدِهِمَا عِنْدَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَذَلِكَ أَنَّ فِيهِ أَنَّ أَحَدَهُمَا قَالَ : إنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا عَلَى هَذَا ، يَعْنِي الْآخَرَ مِنْهُمَا ، فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ فَأُخْبِرْتُ أَنَّ عَلَى ابْنِي الرَّجْمَ ، فَافْتَدَيْت مِنْهُ بِمِائَةِ شَاةٍ وَخَادِمٍ ، وَنَحْنُ نُحِيطُ عِلْمًا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ خَافَ عَلَى ابْنِهِ مِنْ اعْتِرَافِهِ عَلَيْهِ ، وَنَعْلَمُ أَنَّهُ إنَّمَا كَانَ خَافَ عَلَيْهِ مِنْ اعْتِرَافِهِ بِذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ ؛ لِأَنَّ أَحَدًا لَا يُؤْخَذُ بِاعْتِرَافِ غَيْرِهِ عَلَيْهِ . وَلَمَّا عَقَلْنَا ذَلِكَ ، عَقَلْنَا أَنَّ ابْنَ هَذَا الْخَصْمِ قَدْ كَانَ صَادِقًا فِيمَا ذَكَرَهُ عَنْ نَفْسِهِ بِزِنَاهُ بِامْرَأَةِ خَصْمِ أَبِيهِ ، فَيَكُونُ الَّذِي عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ حَدُّ الزِّنَا لَا مَا سِوَاهُ ، أَوْ يَكُونُ كَاذِبًا فِي ذَلِكَ فَيَكُونُ الَّذِي عَلَيْهِ فِيهِ حَدَّ الْقَذْفِ لِامْرَأَةِ خَصْمِ أَبِيهِ لِمَا رَمَاهَا مِنْ الزِّنَا ، لَا مَا سِوَى ذَلِكَ . فَلَمَّا وَقَفَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى وُجُوبِ حَدٍّ عَلَيْهِ مِنْ ذَيْنِكَ الْحَدَّيْنِ لَا يَدْرِي أَيَّهُمَا هُوَ دَعَتْهُ الضَّرُورَةُ فِي ذَلِكَ إلَى اسْتِعْلَامِ مَا تَقُولُهُ الْمَرْأَةُ الْمَرْمِيَّةُ بِالزِّنَا فِي ذَلِكَ ، مِنْ تَصْدِيقِ رَامِيهَا بِهِ ، فَيَكُونُ الَّذِي عَلَيْهَا فِيهِ حَدُّ الزِّنَا لَا مَا سِوَاهُ ، أَوْ تُكَذِّبُهُ فِي ذَلِكَ فَيَكُونُ الَّذِي عَلَيْهِ حَدُّ الْقَذْفِ لَهَا فِيمَا رَمَاهَا بِهِ مِنْ الزِّنَا لَا مَا سِوَاهُ . فَهَذَا عِنْدَنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ هُوَ الْمَعْنَى الَّذِي أَمَرَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ أُنَيْسًا أَنْ يَغْدُوَ إلَى تِلْكَ الْمَرْأَةِ فِيهِ ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ .
759 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في لبس النساء الحرير من تحريم ومن تحليل . 5696 - حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، قال : حدثنا عارم ، قال : حدثنا حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر : أن عمر ، قال : يا رسول الله ، إني مررت بعطارد أو بلبيد وهو يعرض حلة حرير فلو اشتريتها للجمعة وللوفود ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنما يلبس الحرير في الدنيا من لا خلاق له في الآخرة . 5697 - حدثنا يونس ، قال : أخبرنا عبد الله بن وهب أن مالكا حدثه ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثله غير أنه لم يذكر عطاردا ولا لبيدا . 5698 - وحدثنا يونس ، قال : حدثنا ابن وهب ، قال : أخبرني يونس وعمرو ، عن ابن شهاب ، عن سالم ، عن أبيه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله ، وذكر : أن الرجل عطارد أو لبيد . 5699 - وحدثنا محمد بن حميد بن هشام الرعيني أبو قرة ، قال : حدثنا عبد الله بن يوسف ، قال : حدثنا يحيى بن حمزة ، قال : حدثني الأوزاعي ، قال : حدثني يحيى بن أبي كثير ، قال : حدثني حمران ، قال : حج معاوية فدعا نفرا من الأنصار في الكعبة ، فقال : أنشدكم بالله - عز وجل - ألم تسمعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن ثياب الحرير ، قالوا : اللهم نعم ، قال : وأنا أشهد . 5700 - وحدثنا أحمد بن شعيب ، قال : أخبرني شعيب بن شعيب يعني : ابن إسحاق الدمشقي ، قال : حدثنا عبد الوهاب بن سعيد ، قال : حدثنا شعيب يعني : ابن إسحاق ، قال : حدثنا الأوزاعي ، قال : حدثني يحيى بن أبي كثير ، قال : حدثني أبو شيخ ، قال : حدثني حمان ، هكذا قال ، قال : حج معاوية ، ثم ذكر مثله . 5701 - وحدثنا أحمد بن شعيب ، قال : أخبرني نصير بن الفرج ، قال : حدثنا عمارة بن بشر ، عن الأوزاعي ، عن يحيى ، قال : حدثني أبو إسحاق ، قال : حدثني حمان هكذا قال ، قال : حج معاوية ، ثم ذكر مثله . 5702 - وحدثنا أحمد بن شعيب ، قال : أخبرنا العباس بن الوليد بن مزيد ، عن عقبة ، عن الأوزاعي ، قال : حدثني يحيى بن أبي كثير ، قال : حدثني أبو إسحاق ، قال : حدثني ابن حمان هكذا قال ، قال : حج معاوية ، ثم ذكر مثله . قال أبو جعفر : ففي هذه الآثار نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لبس الحرير مطلقا ، فاحتمل أن يكون ذلك قد دخل فيه النساء مع الرجال ، إذ كان قد روي هذا المذهب ، عن عبد الله بن الزبير مما سنذكره فيما بعد من كتابنا هذا ، إن شاء الله . وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يدل على هذا المعنى أيضا . 5703 - كما قد حدثنا بحر بن نصر ، قال : حدثنا عبد الله بن وهب ، قال : أخبرني عمرو بن الحارث ، عن أبي عشانة المعافري ، أنه حدثه أنه سمع عقبة بن عامر الجهني يخبر : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمنع أهله الحلية والحرير ، ويقول : إن كنتن تحببن حلية الجنة وحريرها ، فلا تلبسنها في الدنيا . فكان هذا الحديث قد شد ما ذهب إليه ابن الزبير ، وما قد حمل عليه من حمل الآثار الأول ، من دخول النساء مع الرجال في النهي المذكور فيها ، وكان هذا القول عندنا في القياس صحيح ، لأنا رأينا استعمال آنية الذهب والفضة قد نهي عن ذلك ؛ لأنه آنية أهل الجنة ، فاستوى في ذلك الرجال والنساء ، وكان الحرير لباس أهل الجنة ، كما أخبرنا الله - عز وجل - في كتابه بقوله : وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ ، وكان الرجال منهيين ، عن ذلك ، فكان في القياس أن يكون النساء منهيات عن ذلك ، وأن يكن فيه كالرجال كما كان في أواني الذهب والفضة لهم ، فهذا هو القياس في هذا الباب ، ولكن أكثر الآثار يخالف ذلك ، وقد ذكرنا منها ما فيه كفاية في الباب الذي قبل هذا الباب . وقد روي عن أم كلثوم ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في لباسها من ذلك . 5704 - ما قد حدثنا ابن أبي داود ، قال : حدثنا أبو اليمان ، قال : أخبرنا شعيب بن أبي حمزة ، عن الزهري ، عن أنس أنه رأى على أم كلثوم بنت النبي صلى الله عليه وسلم برد حرير سيراء . 5705 - وما قد حدثنا محمد بن حميد ، قال : حدثنا عبد الله بن يوسف ، قال : أخبرنا يحيى بن حمزة ، عن الزبيدي ، عن الزهري ، عن أنس مثله . 5706 - وما قد حدثنا أبو أمية ، قال : حدثنا عبد الله بن جعفر الرقي ، قال : حدثنا عيسى بن يونس ، عن الأوزاعي ومعمر ، عن الزهري ، عن أنس مثله . 5707 - وما قد حدثنا صالح بن عبد الرحمن الأنصاري ، قال : حدثنا سعيد بن منصور ، قال : حدثنا ابن المبارك ، عن معمر ، عن الزهري ، عن أنس مثله . 5708 - وما قد حدثنا ابن أبي داود ، قال : حدثنا الخطاب بن عثمان ، وحيوة بن شريح الحضرمي قالا : حدثنا بقية ، عن الزبيدي ، عن الزهري ، عن أنس مثله . قال أبو جعفر : ففي هذا ما قد دل : أن من أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم من قد كان لبس الحرير ، فإن كان ذلك كان في زمنه ، ففيه ما قد عارض حديث عقبة الذي ذكرناه في هذا الباب ، وإن كان بعده كان دليلا على نسخه ، والله نسأله التوفيق .
12 - بَابٌ بَيَانُ ما أشْكِلِ ممَا رُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّ ابْنَ آدَمَ خُلِقَ عَلَى ثَلَاثِ مِائَةٍ وَسِتِّينَ مَفْصِلًا فَإِذَا كَبَّرَ اللَّهَ تَعَالَى وَهَلَّلَهُ وَحَمِدَهُ وَاسْتَغْفَرَهُ وَسَبَّحَهُ وَعَزَلَ الْعَظْمَ وَالْحَجَرَ وَالشَّوْكَ عَنْ طَرِيقِ النَّاسِ ، وَأَمَرَ بِالْمَعْرُوفِ ، وَنَهَى عَنْ الْمُنْكَرِ عَدَّ ذَلِكَ ثَلَاثَ مِائَةِ مَفْصِلٍ . 103 - حَدَّثَنَا جَعْفَرُ الْفِرْيَابِيُّ ، حَدَّثَنَا هُدْبَةُ ، حَدَّثَنَا أَبَانُ الْعَطَّارُ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ ، أَنَّ زَيْدًا حَدَّثَهُ – يَعْنِي : ابْنَ سَلَامٍ - أَنَّ أَبَا سَلَامٍ حَدَّثَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ فَرُّوخَ حَدَّثَهُ - قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهُوَ مَوْلَى أَبِي طَلْحَةَ - أَنَّ عَائِشَةَ حَدَّثَتْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : ( خُلِقَ ابْنُ آدَمَ عَلَى ثَلَاثِ مِائَةٍ وَسِتِّينَ مَفْصِلًا ، فَإِذَا كَبَّرَ اللَّهَ ، وَهَلَّلَهُ ، وَحَمِدَ اللَّهَ ، وَاسْتَغْفَرَ اللَّهَ ، وَسَبَّحَ اللَّهَ ، وَعَزَلَ الْعَظْمَ عَنْ طَرِيقِ النَّاسِ ، وَالْحَجَرَ وَالشَّوْكَ عَنْ طَرِيقِ النَّاسِ ، وَأَمَرَ بِالْمَعْرُوفِ ، وَنَهَى عَنْ الْمُنْكَرِ ، عَدَّ ذَلِكَ ثَلَاثَ مِائَةٍ - قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَرَاهُ سَقَطَ مِنْ الْحَدِيثِ : وَسِتِّينَ مَفْصِلًا - أَمْسَى يَوْمَئِذٍ ، وَقَدْ زَحْزَحَ نَفْسَهُ عَنْ النَّارِ ) . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَتَأَمَّلْنَا ذَلِكَ لِنَقِفَ عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي جَعَلَ بِهِ الثَّوَابَ لِكُلِّ مَفْصِلٍ مِنْ هَذِهِ الْمَفَاصِلِ ، وَهَلْ نَجِدُ لِذَلِكَ مَثَلًا فِيمَا قَدْ رُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِيمَا سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ . 104 - فَوَجَدْنَا يُونُسَ قَدْ حَدَّثَنَا قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنْ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : ( كَتَبَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ عُضْوٍ حَظَّهُ مِنْ الزِّنَا ، فَالْعَيْنُ تَزْنِي وَزِنَاهَا النَّظَرُ ، وَاللِّسَانُ يَزْنِي وَزِنَاهُ الْكَلَامُ ، وَالْيَدُ تَزْنِي وَزِنَاهَا الْبَطْشُ ، وَالرِّجْلُ تَزْنِي وَزِنَاهَا الْمَشْيُ ، وَالسَّمْعُ يَزْنِي وَزِنَاهُ الِاسْتِمَاعُ ، وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ الْفَرْجُ أَوْ يُكَذِّبُهُ ) . وَإِذَا كَانَ مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ فِي الْأَمْرِ الْمَذْمُومِ مَعْمُومًا بِهِ كُلَّ الْأَعْضَاءِ كَانَ الْأَمْرُ الْمَحْمُودُ أَيْضًا مَعْمُومًا بِهِ كُلَّ الْأَعْضَاءِ ، فَاتَّفَقَ بِمَا ذَكَرْنَا مَعْنَى هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ ، وَبَانَ بِهِ الْمُرَادُ فِيهِمَا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ثُمَّ وَجَدْنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ حَدِيثًا فِيهِ بَيَانُ مَعْنَى الْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي أَوَّلِ هَذَا الْبَابِ . وَهُوَ مَا : . 105 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ الْمَرْوَزِيِّ ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيقِ ، أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ وَاقِدٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ قَالَ : سَمِعْت أَبِي يَقُولُ : [ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ ] : ( فِي الْإِنْسَانِ سِتُّونَ وَثَلَاثُ مِائَةِ مَفْصِلٍ ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ عَنْ كُلِّ مَفْصِلٍ مِنْهُ صَدَقَةً ، قَالُوا : وَمَنْ يُطِيقُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : النُّخَاعَةُ فِي الْمَسْجِدِ تَدْفِنُهَا ، أَوْ الشَّيْءُ تُنَحِّيهِ عَنْ الطَّرِيقِ ، فَإِنْ لَمْ تَقْدِرْ فَرَكْعَتَا الضُّحَى تُجْزِئُكَ ) . فَوَقَفْنَا بِهَذَا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ هُوَ الصَّدَقَةُ عَنْ كُلِّ مَفْصِلٍ مِنْ تِلْكَ الْمَفَاصِلِ الْمَذْكُورَةِ فِيهِ ، لِمَا ذُكِرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الثَّانِي ، وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
746 - باب بيان مشكل حديث أبي موسى في البعير الذي ادعاه رجلان ، فقضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما وما اختلف فيه أن ذلك كان ببينة أقامها كل واحد منهما ، أو بما سوى ذلك . 5601 - حدثنا علي بن شيبة ، حدثنا روح بن عبادة ، حدثنا سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن سعيد بن أبي بردة ، عن أبيه ، عن أبي موسى ، قال : اختصم رجلان إلى النبي صلى الله عليه وسلم في بعير ليس لواحد منهما بينة ، فقضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما نصفين . 5602 - وحدثنا إبراهيم بن مرزوق ، حدثنا سعيد بن عامر ، عن سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن سعيد بن أبي بردة ، عن أبيه ، عن أبي موسى : أن رجلين اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء قد سماه ليس لواحد منهما بينة ، فقضى بينهما . 5603 - وحدثنا أحمد بن شعيب ، أخبرنا عمرو بن علي ، حدثنا عبد الأعلى ، يعني : السامي ، حدثنا سعيد ، يعني : ابن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن سعيد بن أبي بردة ، عن أبيه ، عن أبي موسى : أن رجلين اختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم في دابة ليس لواحد منهما بينة ، فقضى بها النبي صلى الله عليه وسلم بينهما نصفين . وكان في هذا الحديث ، من رواية سعيد بن أبي عروبة : أن ذلك القضاء كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم بين ذينك الرجلين ، بلا بينة أقامها واحد منهما على دعواه ، وقد روى همام بن يحيى هذا الحديث ، عن قتادة بهذا الإسناد ، فخالف فيه سعيدا . 5604 - كما حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، حدثنا عفان بن مسلم ، حدثنا همام بن يحيى ، أخبرنا قتادة ، عن سعيد بن أبي بردة ، عن أبيه ، عن جده أن رجلين اختصما في بعير ، فبعث كل واحد منهما شاهدين ، فقسمه النبي صلى الله عليه وسلم بينهما . 5605 - وكما حدثنا إبراهيم بن أبي داود ، حدثنا هدبة بن خالد ، حدثنا همام بن يحيى ، حدثنا قتادة ، عن سعيد بن أبي بردة ، عن أبيه ، عن أبي موسى أن رجلين اختصما في بعير ، فبعث كل واحد منهما شاهدين ، فقسمه النبي صلى الله عليه وسلم بينهما . فخالف همام سعيدا في متن هذا الحديث ، كما قد ذكرنا . ثم نظرنا : هل روى هذا الحديث عن قتادة غير سعيد وغير همام . 5606 - فوجدنا أحمد بن شعيب قد حدثنا ، قال : أخبرنا علي بن محمد بن علي بن أبي المضاء قاضي المصيصة ، حدثنا محمد بن كثير ، عن حماد بن سلمة ، عن قتادة ، عن النضر بن أنس ، عن أبي بردة ، عن أبي موسى : أن رجلين ادعيا دابة وجداها عند رجل ، فأقام كل واحد منهما شاهدين أنها دابته ، فقضى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما نصفين . هكذا روى هذا الحديث محمد بن كثير ، عن حماد ، عن قتادة ، فذكره عن النضر ، عن أبي بردة ، عن أبي موسى ، وقد خالفه فيه أبو كامل مظفر بن مدرك ، فرواه عن حماد بن سلمة . 5607 - كما حدثنا محمد بن أحمد بن خزيمة ، قال : حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ، حدثني أبي ، قال : حدثنا أبو كامل مظفر بن مدرك ، قال : حدثنا حماد بن سلمة ، عن قتادة ، عن النضر بن أنس ، عن أبي بردة بن أبي موسى ، ولم يذكر فيه روايته إياه ، عن أبيه أن رجلين ادعيا دابة عند رجل ، ثم ذكر بقية الحديث . قال أبو جعفر : فكان في رواية حماد ، عن قتادة موافقة همام ، عن قتادة في متن هذا الحديث ، وإن كان قد عاد في إسناده إلى التقصير ، عن أبي موسى وعلى إيقافه على أبي بردة ، وكان تصحيح هذه الآثار يوجب أن الأولى منها فيما اختلف فيه سعيد وهمام ما رواه همام ، لأن فيها ذكر القضاء من رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك الشيء بين مدعييه ، والقضاء فلا يكون إلا بالبينات ولا يكون بالأيدي التي ليس معها بينات ، وإنما يقال فيما يكون من الحاكم في مثل هذا بالأيدي لا بالبينات ، أنه أقره في أيديهما لتساوي معانيهما فيه ، ولا يقال : إنه قضى إلا بالبينات دون ما سواها ، فإذا اتفق همام وحماد على ما اتفقا عليه مما ذكرنا قوي في قلوبنا أن يكون ما رويا عن قتادة أولى مما رواه سعيد عنه مما يخالفه ، لأن اثنين أولى بالحفظ من واحد . فقال قائل : هذا حديث أصله فاسد . 5608 - وذكر ما قد حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، حدثنا عفان ، حدثنا حماد بن سلمة ، أخبرنا سماك بن حرب ، عن تميم بن طرفة أن رجلين ادعيا بعيرا ، فأقام كل واحد منهما شاهدين ، فقضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما نصفين ، قال : فأخبرت بذلك أبا بردة ، فكتب به إلى الحجاج ، فكتب : أن اقض به . قال هذا القائل : فعاد هذا الحديث إلى أخذ أبي بردة إياه ، عن تميم بن طرفة لا عن أبيه أبي موسى . فكان جوابنا له في ذلك : أنه لا يجب بما ذكر ما قاله ، لأنه قد يجوز أن يكون أبو بردة كتب إلى الحجاج بما كتب به مما حدثه إياه تميم بن طرفة ليعلم الحجاج أن لأبي بردة في هذا الحديث موافقا غيره في الجملة ، فإن سماك بن حرب عند أهل العلم بالحديث لا يكافئ قتادة ، ولا سعيد بن أبي بردة ، ويجب إذا كان ذلك كذلك أن لا يلتفت إلى روايته هذه ، وأن يمضي هذا الحديث على ما صححناه عليه مما اختلف فيه سعيد وهمام ، وأن يعاد إلى ما رواه همام لما قد استحق به مما ذكرناه ولموافقة حماد بن سلمة إياه عليه في متنه . وهذه مسألة من الفقه مما قد اختلف فيه أهله . فطائفة منهم كانت تذهب في ذلك إلى هذا الحديث ، وممن كان ذهب إليه من هذه الطائفة أبو حنيفة وأصحابه . وطائفة منهم كانت تذهب إلى الإقراع بين المدعيين ، فأيهما قرع استحق ما ادعى ، وقضي له به . وقد روي في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث وإن كان منقطعا ، وهو . 5609 - ما قد حدثنا المرادي ، حدثنا شعيب بن الليث ، وما قد حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ، أخبرنا أبي وشعيب بن الليث ، ثم اجتمعا فقالا عن الليث ، عن بكير بن عبد الله بن الأشج : أنه سمع سعيد بن المسيب يقول : اختصم رجلان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر فجاء كل واحد منهما بشهداء عدول على عدة واحدة ، فأسهم بينهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : اللهم أنت تقضي بينهما . وطائفة منهم تقول : يقضي به لصاحب أزكى البينتين وأظهرهما ورعا وأفضلهما ، وممن كان يقول ذلك منهم مالك بن أنس في آخرين سواه من أهل المدينة ويجيء في قياس قولهم : إذا تكافأت البينتان في ذلك أن يقضى به بين المدعيين نصفين . وطائفة منهم تقول : يقضي به بين المدعيين على عدد شهود كل واحد منهما ، فإن استووا في العدد قضي به بينهما نصفين ورووا ذلك عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه . 5610 - كما قد حدثنا محمد بن جعفر بن محمد بن أعين ، قال : حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير ، حدثنا أبي ، حدثنا حجاج ، عن سماك بن حرب ، عن حنش بن المعتمر أن عليا - رضي الله عنه - خوصم إليه في بغلة فأقام أحد الخصمين خمسة شهداء ، أنها له نتجت عنده ، وأقام الآخر شاهدين أنها نتجت عنده ، فقضى لصاحب الخمسة بخمسة أسباعها ، ولصاحب الشاهدين بالسبعين . ولما اختلفوا في ذلك نظرنا فيما اختلفوا فيه منه ، لنعلم الأولى مما قالوه فيه ، فبدأنا بقول من قال يقرع بينهما فوجدنا القرعة قد كانت تستعمل في بدء الإسلام ويقضى بها . 5611 - كما قد حدثنا إسماعيل بن إسحاق الكوفي ، قال : حدثنا جعفر بن عون العمري أو يعلى بن عبيد الطنافسي . قال أبو جعفر : أنا أشك في الذي ، حدثني به عنه منهما ، عن الأجلح ، عن الشعبي ، عن عبد الله بن أبي الخليل ، عن زيد بن أرقم ، قال : كان علي - رضي الله عنه - باليمن فأتي بامرأة وطئها ثلاثة في طهر واحد ، فسأل اثنين أتقران لهذا بالولد ، فلم يقرا ثم سأل اثنين أتقران لهذا بالولد فلم يقرا ، ثم سأل اثنين حتى فرغ يسأل اثنين اثنين ، فلم يقروا ، فأقرع بينهم وألزم الولد الذي خرجت عليه القرعة ، وجعل عليه ثلثي الدية ، فرفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فضحك حتى بدت نواجذه . 5612 - وكما حدثنا علي بن الحسين بن حرب ، حدثنا الحسن بن أبي الربيع ، أخبرنا عبد الرزاق ، أخبرنا سفيان ، عن الأجلح ، عن الشعبي ، عن عبد خير الحضرمي ، عن زيد بن أرقم ، ثم ذكر مثله . فكان في هذا الحديث ، قضاء علي في النسب المدعى عليه الذي ذكرنا بالقرعة حتى جعل الولد بها لأحد من ادعاه ، وجعل عليه مع ذلك من الدية ما جعله عليه منها ، ووقوف رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك وتركه النكير عليه لما كان فيه منه . ثم وجدنا عليا قد أتي في مثل ذلك بعد النبي صلى الله عليه وسلم فلم يستعمل فيه ذلك الحكم . 5613 - كما قد حدثنا علي بن الحسين ، حدثنا الحسن بن أبي الربيع الجرجاني ، أخبرنا عبد الرزاق ، حدثنا سفيان ، عن قابوس بن أبي ظبيان ، عن أبي ظبيان ، عن علي ، قال : أتاه رجلان قد وقعا على امرأة في طهر واحد ، فقال : الولد بينكما وهو للباقي منكما . فعقلنا بذلك : أن عليا لم يترك ما قد كان حكم به من الإقراع الذي ذكرناه عنه مما قد وقف عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ينكره عليه ، إلا إلى ما هو أولى منه مما قد نسخه ، وأعاد الحكم في الوقت الذي قد قضى به إلى خلاف ما كان عليه في الوقت الأول الذي كان قضى فيه بما قضى ، وفي ذلك ما يجب به انتفاء القضاء بالقرعة في الأنساب وفيما سواها من الأشياء المدعاة التي تتكافأ البينات التي تقام عليها . ثم ثنينا بما قاله من ذكرنا عنه أنه ينظر إلى أفضل البينتين الشاهدتين على ذلك وأبينهما صلاحا فيحكم به . فوجدنا ذلك مما يدفعه المعقول أيضا ، لأن الله تعالى قال : وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ ، وقال عز وجل : مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ ، فأعلمنا من جعل لنا الحكم بشهادته ، وهو ذو العدل ، وقد يختلف أهل العدل فيما هم عليه منه فيكون بعضهم أعلى رتبة فيه من بعض ، ولما كان ذلك كذلك عقلنا عن الله عز وجل أنه قد جعل لنا أن نحكم بشهادة من وقفنا على عدالته كان معه من الفضل ما يتجاوز ذلك ، أو لم يكن ، فانتفى بذلك هذا القول . ثم ثلثنا بالنظر في قول من قال : إنه يحكم في ذلك بعدد الشهود ، فوجدناه أيضا لا معنى له ، لأن الشاهدين العدلين لما أمرنا الله تعالى بالحكم بهما عقلنا عنه عز وجل أنهما كأكثر منهما من العدد ، وإذا كان ذلك كذلك كان كثرة العدد وقلته في ذلك سواء . ولما انتفت هذه الأقوال الثلاثة بما ذكرنا ولم يكن في هذا الباب مما وجدنا أهل العلم قالوه فيه غير الأربعة الأقوال التي ذكرناها عنهم فيه كانت الثلاثة التي ذكرناها منها لما انتفت ثبت القول الآخر منها ، ولم يجب الخروج عنه إلى ما يخالفه وهو أن يقضى بالمدعى لمدعييه اللذين قد تكافأت حجتهما فيه بالتسوية لا سيما وقد روي ذلك عن رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم جليل المقدار في العلم ، ولم يرو عن أحد منهم في ذلك خلاف ما قاله فيه . 5614 - كما قد حدثنا ابن أبي مريم ، حدثنا الفريابي ، حدثنا سفيان ، عن عطاء بن السائب وعلقمة بن مرثد ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، قال : اختصم رجلان إلى أبي الدرداء في فرس فأقام كل واحد منهما البينة أنه فرسه أنتجه لم يبعه ولم يهبه ، فقال أبو الدرداء : إن أحدكما لكاذب ثم قسمه بينهما نصفين ، ثم قال أبو الدرداء : ما أحوجنا إلى سلسلة بني إسرائيل ، فسئل ما هي ؟ قال : كانت تنزل فتأخذ بعنق الظالم . 5615 - وكما قد حدثنا يزيد بن سنان ، حدثنا أبو عاصم ، حدثنا سفيان الثوري ، عن علقمة بن مرثد ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، قال : كنت قاعدا عند أبي الدرداء ثم ذكر هذا الحديث . 5616 - وكما حدثنا فهد بن سليمان ، قال : حدثنا عبد الله بن صالح ، قال : حدثني معاوية بن صالح ، عن أبي الزاهرية حدثه ، عن جبير بن نفير أن رجلين اختصما إلى أبي الدرداء في فرس أو بغل ، فأتوا بشهادتهم متفقة ، فقضى به بينهما ، وقال : ما أحوج الناس إلى السلسلة ، فتأخذ بعنق الظالم . ولا نعلم لأحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك خلافا لأبي الدرداء . وفي هذا الحديث ، من كلام أبي الدرداء ما يجب أن يوقف عليه ويعلم به فضل علمه ورتبته في المعنى الذي هو من أهله ، وهو قوله للمدعيين لذلك الفرس أحدكما كاذب ، فقصد بتحقيق الكذب في ذلك إلى أحد المدعيين ولم يقصد به إلى واحدة من البينتين ، وكان وجه ذلك عندنا - والله أعلم - أن معه إحاطة العلم في المدعيين بكذب أحدهما فيما ادعى ، لأنه لا يكون مالكا لشيء غيره مالكه ، ولم تكن البينتان عنده كذلك ، إذ كان قد يحتمل أن تكون إحداهما رأت التي نتجت تلك الفرس في يد أحد مدعييها ، فوسعها بذلك أن تشهد أنها له ، ثم خرجت من ملك الذي رأتها في يده من حيث لا يعلم بها ببيع كان منه ، أو بما سواه من وجوه التمليكات ، ثم رآه الأخرى في يد المدعي الآخر ، ثم كان النتاج بعد ذلك ، فوسع كل واحدة من تينك البينتين أن تشهد أن ذلك النتاج كان في ملك الذي رأت فيه الفرس الذي أنتجته في ملك الذي ادعاه ، ممن قد علمت يده كان على ما أنتجته له ، ولم يكلف الله أحدا في الأمور التي تعبد خلقه في الشهادة بها في قبولها ممن يشهد بها مع ظاهر عدله إلا حمل أمره على ظاهره وترك التماس باطنه منه . فلما قامت الحجتان في ذلك على ما قامتا عليه وعذر الشهود بهما في شهادتهما بهما ، كان في ذلك انتفاء الجرحة عنهم في ذلك ووجوب عدالتهم فيه والقضاء بما أمر العباد من القضاء به بالبينات اللاتي تثبت عدلها عندهم ، وترك استعمال الظنون بها ، ورد الأمر إلى ما قد رفع الله عز وجل عن عباده علمه ، وردهم فيه إلى ما قد وقفوا عليه مما قد أمرهم أن يحكموا بمثله ، والله نسأله التوفيق .
13 - بَابٌ بَيَانُ مَا أُشْكِلَ عَلَيْنَا مِمَّا رَوَيْنَاهُ عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ قَوْلِهِ : ( وَعَلَى الْمُقْتَتِلِينَ أَنْ يَنْحَجِزُوا الْأَدْنَى فَالْأَدْنَى ، وَإِنْ كَانَتْ امْرَأَةً ) . 106 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ بَكْرٍ ، عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ ، حَدَّثَنِي حِصْنٌ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ : حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : ( عَلَى الْمُقْتَتِلِينَ أَنْ يَنْحَجِزُوا الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ ، وَإِنْ كَانَتْ امْرَأَةً ) . 107 - حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ النَّصْرِيُّ الدِّمَشْقِيُّ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُبَارَكِ وَهُوَ الصُّورِيُّ ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ ، حَدَّثَنِي حِصْنٌ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَعَلَى الْمُقْتَتِلِينَ أَنْ يَنْحَجِزُوا الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ ، وَإِنْ كَانَتْ امْرَأَةً ) . 108 - سَمِعْت أَبَا زُرْعَةَ يَقُولُ : وَحَدَّثَنِي سُلَيْمَانَ - يَعْنِي : ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ – بِهَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا ، عَنْ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ ، وَزَادَ فِيهِ قَالَ : قَالَ الْأَوْزَاعِيِّ : لَيْسَ لِنسَاءِ عَفْوٌ . 109 - وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ الشِّيزريُّ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ نَجْدَةَ الْحَوْطِيُّ ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، ثُمَّ ذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا حَكَاهُ لَنَا أَبُو زُرْعَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِهِ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ فِي عَفْوِ النِّسَاءِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَقَدْ كُنَّا سَأَلْنَا غَيْرَ وَاحِدٍ مِنْ شُيُوخِنَا عَنْ تَأْوِيلِ هَذَا الْحَدِيثِ ، فَأَمَّا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ ، فَكَانَ جَوَابُهُ لَنَا فِي ذَلِكَ أَنْ قَالَ : قَالَ الْفِرْيَابِيُّ - يَعْنِي مُحَمَّدَ بْنَ يُوسُفَ - : سَأَلْت الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ تَأْوِيلِ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ : لَا أَدْرِي مَا هُوَ ؟ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ : فَإِذَا كَانَ الَّذِي رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ لَا يَدْرِي مَا تَأْوِيلُهُ ، كُنَّا نَحْنُ بِأَنْ لَا نَدْرِي مَا تَأْوِيلُهُ أَوْلَى . وَأَمَّا إسْمَاعِيلُ بْنُ يَحْيَى الْمُزَنِيّ فَقَالَ : تَأْوِيلُهُ عِنْدِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ فِي الْمُقْتَتِلِينَ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ عَلَى التَّأْوِيلِ ، فَإِنَّ الْبَصَائِرَ رُبَّمَا أَدْرَكَتْ بَعْضَهُمْ فَيَحْتَاجُ مَنْ أَدْرَكَتْهُ مِنْهُمْ إلَى الِانْصِرَافِ مِنْ مَقَامِهِ الْمَذْمُومِ إلَى الْمَقَامِ الْمَحْمُودِ ، فَإِذَا لَمْ يَجِدْ طَرِيقًا يَمُرُّ إلَيْهِ فِيهِ بَقِيَ فِي مَكَانِهِ الْأَوَّلِ ، وَعَسَاهُ يُقْتَلُ فِيهِ ، فَأُمِرُوا بِمَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ لِهَذَا الْمَعْنَى . وَأَمَّا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي عِمْرَانَ فَكَانَ جَوَابُهُ فِي ذَلِكَ أَنْ حَكَى عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ أَنَّهُ كَانَ يَزْعُمُ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ يُحَدِّثُ بِهِ النَّاسُ عَلَى خِلَافِ مَا هُوَ عَلَيْهِ فِي الْحَقِيقَةِ ، وَيَذْكُرُ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ بِهِ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ حِصْنٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ : أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : ( لِأَهْلِ الْقَتِيلِ أَنْ يَنْحَجِزُوا الْأَدْنَى فَالْأَدْنَى ، وَإِنْ كَانَتْ امْرَأَةً ) . قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : وَهَذَا الِانْحِجَازُ هُوَ الْعَفْوُ عَنْ الدَّمِ ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا قَدْ دَلَّ عَلَى جَوَازِ عَفْوِ النِّسَاءِ عَنْ الدَّمِ الْعَمْدِ ، كَمَا يَجُوزُ عَفْوُ الرِّجَالِ عَنْهُ كُلُّ هَذَا مِنْ كَلَامِ أَبِي عُبَيْدٍ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَتَأَمَّلْنَا نَحْنُ ذَلِكَ ، فَوَجَدْنَا مَا ذَكَرَهُ أَبُو عُبَيْدٍ مِنْ هَذَا وَهْمًا مِنْهُ ، إذْ كَانَ أَصْحَابُ الْوَلِيدِ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ الَّذِينَ رَوَوْا هَذَا الْحَدِيثَ عَنْهُ هم الْحُجَّةَ فِي حَدِيثِهِ ، قَدْ رَوَوْهُ عَنْهُ بِخِلَافِ مَا بَلَغَ أَبَا عُبَيْدٍ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُهُ فَمَا رَوَوْا مِنْ ذَلِكَ أَوْلَى مِمَّا بَلَغَهُ ، لَا سِيَّمَا وَمَعَهُمْ سَمَاعُهُمْ إيَّاهُ مِنْ الْوَلِيدِ ، وَإِنَّمَا مَعَهُ هُوَ بَلَاغُهُ إيَّاهُ عَنْ الْوَلِيدِ ، وَقَدْ تَابَعَهُمْ عَلَى ذَلِكَ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ بِشْرُ بْنُ بَكْرٍ ، فَرَوَاهُ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ كَمَا رَوَوْهُ عَنْ الْوَلِيدِ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ . وَلَمَّا انْتَفَى ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ تَأْوِيلُهُ أَحْسَنَ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ فِيهِ عَنْ الْمُزَنِيّ ، غَيْرَ أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ قَدْ ذَكَرَ أَنَّهُ يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ أَيْضًا الْمُقْتَتِلُونَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي قِتَالِهِمْ أَهْلَ الْحَرْبِ ، إذْ كَانَ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يطْرأ عَلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ مَنْ مَعَهُ الْعَدَدُ الَّذِي يُبِيحُ لَهُمْ الِانْصِرَافَ عَنْ قِتَالِهِ إلَى فِئَةِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِي يَقْوَوْنَ بِهَا عَلَى عَدُوِّهِمْ ، فَيُقَاتِلُونَهُمْ مَعَهُمْ ، وَلَيْسَ هَذَا التَّأْوِيلُ بِبَعِيدٍ مِمَّا قَالَ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ قَوْلِ الْأَوْزَاعِيِّ عُقَيْبًا لِهَذَا الْحَدِيثِ لَيْسَ لِلنِّسَاءِ عَفْوٌ ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْأَوْزَاعِيِّ قَدْ كَانَ عِنْدَ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّ ذَلِكَ الْحَدِيثَ عَلَى نَحْوِ مَا حَكَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ بَلَاغًا عَنْ الْوَلِيدِ فِي الْعَفْوِ عَنْ الدَّمِ ، ثُمَّ خَالَفَهُ الْأَوْزَاعِيِّ بِأَنْ قَالَ : لَيْسَ لِلنِّسَاءِ عَفْوٌ .
760 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مما تأوله ابن الزبير عليه من تحريمه لبس الحرير في الدنيا أن من لبسه فيها لم يدخل الجنة : هل هو كما تأوله عليه أم لا ؟ . 5709 - حدثنا بكار بن قتيبة ، قال : حدثنا أبو داود ، قال : حدثنا شعبة ، قال : حدثني أبو ذبيان ، قال : سمعت ابن الزبير يخطب يقول : يا أيها الناس لا تلبسوا نساءكم الحرير ، فإني سمعت عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة . قال ابن الزبير : وأنا أقول من لم يلبسه في الآخرة لم يدخل الجنة ؛ لأن الله تبارك وتعالى قال : وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ . 5710 - وحدثنا سليمان بن شعيب الكيساني ، قال : حدثنا عبد الرحمن بن زياد ، قال : حدثنا شعبة ، قال : حدثني أبو ذبيان خليفة بن كعب ، ثم ذكر مثله . ففي تأويل ابن الزبير هذا ما يمنع أن يكون من لبسه في الدنيا يدخل الجنة ، فنظرنا : هل ما تأوله عليه كما تأوله عليه أم لا ؟ . 5711 - فوجدنا بكار بن قتيبة قد حدثنا ، قال : حدثنا أبو داود ، قال : حدثنا هشام بن أبي عبد الله ، عن قتادة ، عن داود السراج ، عن أبي سعيد الخدري ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة ، ولو دخل الجنة يلبسه أهل الجنة ولا يلبسه هو . 5712 - ووجدنا أحمد بن شعيب قد حدثنا ، قال : أخبرنا محمد بن عثمان ، يعني : ابن أبي صفوان ، قال : حدثنا يحيى يعني : ابن سعيد ، قال : حدثنا شعبة ، عن قتادة ، عن أبي داود ، قال أحمد بن شعيب : هكذا قال محمد بن عثمان ، والصواب داود ، عن أبي سعيد ، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله . ففي هذا الحديث ، موافقة شعبة هشاما على متن هذا الحديث . 5713 - ووجدنا أحمد قد حدثنا ، قال : حدثنا محمد بن بشار ، قال : حدثنا أبو داود ، قال : حدثنا شعبة ، عن قتادة ، عن داود السراج ، عن أبي سعيد ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة . ولم يذكر ما سوى ذلك مما في الحديث الذي قبله . 5714 - ووجدنا أحمد قد حدثنا ، قال : أخبرنا سعيد بن الفرج ، قال : حدثنا يحيى بن أبي بكير ، قال : حدثنا شعبة ، عن قتادة ، عن داود السراج ، عن أبي سعيد مثله من قوله ، قال شعبة ، وأخبرني هشام وكان أصحب له مني ، أنه كان يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم . 5715 - ووجدنا أحمد قد حدثنا ، قال : أخبرنا عبيد الله بن سعيد ، يعني : أبا قدامة ، قال : أخبرنا معاذ بن هشام ، قال : حدثنا أبي ، عن قتادة ، عن داود السراج ، عن أبي سعيد : أن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة ، وإن دخل الجنة لبسه أهل الجنة ولم يلبسه . قال أبو جعفر : فوقفنا بذلك على أن تأويل ابن الزبير الذي تأوله فيما ذكرنا تأويله إياه لم يكن في الحقيقة ، كما تأول لما قد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يخالفه ، ونظرنا في داود السراج من هو وكيف أحواله في الرواية ، فوجدنا البخاري قد ذكره ، وذكر أنه من ثقيف ، ولم يذكره بشيء مما يذكر بمثله غيره ممن يتكلم في روايته ، والله نسأله التوفيق .
14 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا قد رُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمْ ابْنُ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ حَكَمًا مُقْسِطًا يَكْسِرُ الصَّلِيبَ وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ . 110 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ يَحْيَى بْنِ صَالِحٍ أَبُو شُرَيْحٍ ، حَدَّثَنَا الْفِرْيَابِيُّ ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيِّ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ يَقُولُ : ( وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمْ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا مُقْسِطًا ، يَكْسِرُ الصَّلِيبَ ، وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ ، وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ ، وَيَفِيضُ الْمَالُ حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ ) . 111 - حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِثْلَهُ ، إلَّا أَنَّهُ قَالَ : حَكَمًا عَادِلًا . 112 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ ، أَخْبَرَنَا أَبِي ، وَشُعَيْبُ بْنُ اللَّيْثِ قَالَا : حَدَّثَنَا اللَّيْثُ ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ مِينَاءَ مَوْلَى ابْنِ أَبِي ذُبَابٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَيَنْزِلَنَّ ابْنُ مَرْيَمَ حَاكِمًا عَادِلًا ، وَلَيَكْسِرَنَّ الصَّلِيبَ ، وَلَيَقْتُلَنَّ الْخِنْزِيرَ ، وَلَيَضَعَنَّ الْجِزْيَةَ ، وَلَتُتْرَكَنَّ الْقِلَاصُ فَلَا يُسْعَى عَلَيْهَا ، وَلَتذْهِبَنَّ الشَّحْنَاءَ وَالتَّبَاغُضَ وَالتَّحَاسُدَ ، وَلَيَدْعُوَنَّ إلَى الْمَالِ فَلَا يَقْبَلُهُ أَحَدٌ ) . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَتَأَمَّلْنَا هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ فَوَقَفْنَا عَلَى أَنَّ الْمَالَ إذَا عَادَ فِي النَّاسِ إلَى أَنْ صَارَ لَا يَقْبَلُهُ أَحَدٌ صَارُوا بِذَلِكَ جَمِيعًا أَغْنِيَاءَ ، وَذَهَبَ الْفَقْرُ وَالْمَسْكَنَةُ ، وَجَمِيعُ الْوُجُوهِ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ الصَّدَقَةَ لِأَهْلِهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ إلَى قَوْلِهِ : وَابْنِ السَّبِيلِ فَلَمْ يَكُنْ لِلزَّكَاةِ أَهْلٌ يُوضَعُ فِيهِمْ ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ سَقَطَ فَرْضُهَا ، وَكَذَلِكَ الْجِزْيَةُ إنَّمَا جَعَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى عَلَى مَنْ جَعَلَهَا عَلَيْهِ لِتصْرَفَ فِيمَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ قِتَالٍ ، وَمِمَّا سِوَاهُ مِمَّا يَجِبُ صَرْفُهَا فِيهِ ، فَإِذَا ذَهَبَ ذَلِكَ وَلَمْ يَكُنْ لَهَا أَهْلٌ تُصْرَفُ إلَيْهِمْ سَقَطَ فَرْضُهَا ، فَهَذَا عِنْدَنَا وَجْهُ مَا رُوِيَ فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
745 باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ما قال أصحابه وتابعوهم ومن سواهم من أهل اللغة في أختان الرجل من هم وفي أصهاره من هم ؟ . 5589 - حدثنا أحمد بن شعيب ، حدثنا أحمد بن بكار الحراني ، حدثنا محمد بن سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط ، عن محمد بن أسامة بن زيد ، عن أبيه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أما أنت يا علي فختني وأبو ولدي ، وأنت مني وأنا منك . فكان في هذا الحديث ، ما قد عقلنا به أن زوج ابنة الرجل ختن له . وقد روي عن عبد الله بن مسعود مما يدخل في هذا الباب ، 5590 - ما قد حدثنا محمد بن خزيمة ، حدثنا الحجاج بن منهال ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن عاصم ، عن زر ، عن عبد الله وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً النحل 72 ، قال : الحفدة : الأختان . 5591 - وما قد حدثنا ابن أبي مريم ، حدثنا الفريابي ، حدثنا سفيان الثوري ، عن عاصم ، عن زر ، عن عبد الله مثله . وكان ذلك عندنا والله أعلم : أن الله تعالى جعل لعباده بنين وهم الذكران ، وبنات يزوجونهن ممن يكون من حفدتهم ، أي : من أعوانهم ، وممن يدخل في جملتهم . وقد روي عن ابن عباس في ذلك . 5592 - ما قد حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، حدثنا أبو داود الطيالسي ، عن شعبة ، عن أبي بشر ، عن مجاهد ، عن ابن عباس في قوله بَنِينَ وَحَفَدَةً ، قال : هم الولد . قال أبو جعفر : فلم يكن هذا عندنا مخالفا لما رويناه ، عن ابن مسعود ، لأن الذي في هذا : أنهم الولد الذين يكون منهم البنات اللاتي يكن سببا للأختان المذكورين في حديث ابن مسعود . وقد روي عن من بعد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك . 5593 - ما قد حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، حدثنا وهب ، عن شعبة ، عن عاصم ، عن زر ، قال : سألني عبد الله بن مسعود ، عن الحفدة ، قلت : هم الأعوان . 5594 - وما قد حدثنا إبراهيم ، حدثنا عارم ، حدثنا معتمر ، عن أبيه ، قال : قال الحسن : الحفدة : الخدم ، وقال أهل المدينة : أزواج البنات . 5595 - وما قد حدثنا محمد بن جعفر بن أعين ، حدثنا عاصم بن علي ، قال : حدثنا أبو هلال ، عن الحسن في قول الله عز وجل : وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً ، قال : البنون : بنوك وبنو ابنك ، والحفدة : ما حفد لك وعمل لك وأعانك . قال أبو جعفر : وهذا عندنا لا اختلاف فيه لما قد ذكرنا قبله من قول من قال : إنهم أزواج البنات ، لأنه قد يجوز أن يكونوا إذا صاروا أزواجا لبناتهم أن يصيروا لهم أعوانا وخدما ، وقد كان محمد بن الحسن قال في كتابه في الزيادات الذي 5596 - ناولناه الحجاج بن عمران وأخبرنا أنه أخذه من صفوان بن المغلس ، عن أبي سليمان الجوزجاني ، عن محمد بن الحسن أنه قال : أختان الرجل أزواج بناته وأخواته وعماته وخالاته وكل ذات رحم محرم منه ، وأصهاره : كل ذي رحم محرم من زوجته ، ولم يحك في ذلك خلافا بينه وبين أحد من أصحابه . وذكر ابن السكيت في كتابه في إصلاح المنطق قال : سألت الأصمعي : من الأختان ؟ فقال : كل شيء من قبل المرأة فهم الأختان ، مثل أم المرأة وأختها وعمتها والأصهار تجمع هذا كله ، يقال : صاهر فلان إلى بني فلان وأصهر إليهم ، قال : وخالفه ابن الأعرابي في الأصهار ، فقال : الصهر : زوج ابنة الرجل وأخوه وأبوه وعمه ، والأختان : أبو المرأة وأخوها وعمها . قال أبو جعفر : فتأملنا ما قد قيل في هذين المعنيين فوجدنا ما قاله محمد بن الحسن في تخصيصه ذوي الأرحام المحرمة في المعنيين اللذين ذكرا في هذا الباب دون من سواهم ، ممن هو في القرابة مثلهم ، من غير أن يكون أرحامهم محرمة ، فوجدنا ذلك من قوله : لا معنى له ، إذ كان فيما قد روي عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل اللغة والفصاحة ما قد دفع ذلك ، وهو ما قد روي عنهم مما قالوه عند تزويج رسول الله صلى الله عليه وسلم جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار . 5597 - كما قد حدثنا الربيع المرادي ، حدثنا أسد بن موسى ، حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة ، حدثنا محمد بن إسحاق ، حدثني محمد بن جعفر بن الزبير ، عن عروة ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : لما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سبايا بني المصطلق وقعت جويرية بنت الحارث في سهم لثابت بن قيس بن شماس ، أو لابن عم له ، فكاتبت على نفسها ، وكانت امرأة حلوة مليحة لا يكاد يراها أحد إلا أخذت بنفسه ، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم لتستعينه في مكاتبتها ، فوالله ما هو إلا أن رأيتها على باب الحجرة فكرهتها ، وعرفت أنه سيرى منها مثل الذي رأيت ، فقالت : يا رسول الله ، أنا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار سيد قومه ، وقد أصابني من الأمر ما لم يخف ، فوقعت في سهم لثابت بن قيس بن شماس ، أو لابن عم له ، فكاتبني فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم أستعينه على كتابتي ، قال : فهل لك في خير من ذلك ؟ قالت : وما هو يا رسول الله ؟ قال : أقضي عنك كتابتك وأتزوج بك ، قالت : نعم ، قال : قد فعلت ، وخرج الخبر إلى الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج جويرية بنت الحارث ، فقالوا : صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسلوا ما في أيديهم ، قالت : فلقد أعتق بتزويجه إياها مائة أهل بيت من بني المصطلق ، فلا نعلم امرأة كانت أعظم بركة على قومها منها . ففي هذا الحديث ، أن الناس قالوا : لما بلغهم تزويج رسول الله صلى الله عليه وسلم جويرية لقومها أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجعلوهم بذلك أصهارا له ، وفيهم من ليس بذي رحم منها ، فدل ذلك : أن أصهار الرجل قوم نسائه اللائي هن أزواجه ممن أرحامهم التي بينهم وبين أزواجه محرمات ، أو غير محرمات ، وكان هذا مثل ما قاله محمد بن الحسن في قرابة الرجل وفي أنسبائه : إنهم على كل ذي رحم محرم من الرجال ، والنساء على بني الأب ، الذي ينتمون إليه من قبل الرجال أقصى أب في الإسلام ، ومن قبل النساء أقصى أب في الإسلام كانوا ذوي رحم محرم ، أو لم يكونوا ، ولا يلتفت إلى من كان من الآباء في الجاهلية وهذا قول قد قاله أبو يوسف أيضا ، كما حدثنا الكيساني ، عن أبيه ، عن أبي يوسف في إملائه عليهم فكان مثل ذلك عندنا في أصهاره أن يمتثل فيه هذا المعنى أيضا ، وقد روي في حديث الفضل بن العباس وربيعة بن الحارث قولهما لعلي - رضي الله عنه - : لقد كنت نلت صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم - يعنون تزويجه ابنته - فما نفسناه عليك . 5598 - كما قد حدثنا ابن أبي داود ، حدثنا عبد الله بن محمد بن أسماء ، حدثنا جويرية بن أسماء ، عن مالك بن أنس ، عن الزهري أن عبد الله بن عبد الله بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب حدثه أن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث حدثه ، قال : اجتمع ربيعة بن الحارث والعباس بن عبد المطلب قالا : لو بعثنا هذين الغلامين لي وللفضل بن العباس على الصدقة ، فأديا ما يؤدي الناس ، وأصابا ما يصيب الناس ، فبينما هما في ذلك إذ جاء علي - رضي الله عنه - فوقف عليهما فذكرا له ذلك ، فقال علي : لا تفعلا ذلك ، فوالله ما هو بفاعل ، فقال ربيعة بن الحارث : ما يمنعك هذا إلا نفاستك علينا ، فوالله لقد نلت صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم فما نفسناه عليك ، قال علي : أنا أبو حسن ، أرسلاهما فانطلقا واضطجع ، ثم ذكر بقية الحديث . فكان في هذا الحديث ، قول ربيعة بن الحارث لعلي : لقد نلت صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم فما نفسناه عليك . فقال قائل : ففي هذا ما قد دل أن عليا كان صهرا لرسول الله صلى الله عليه وسلم بتزوجه ابنته . فكان جوابنا له في ذلك : أنه ليس في هذا الحديث مما يوجب ذلك ، لأن معنى قول ربيعة لعلي : لقد نلت صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أي : نلت أن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم صهرا لك بتزويجك ابنته ، كما يقال للرجل : نلت معروف فلان ، على معنى : أنك نلت المعروف الذي كان من قبل فلان ، لا أن الذي نال المعروف كان المعروف من قبله ، وإنما كان من قبل غيره إليه . ومثل ذلك أيضا ما روي من قول عثمان بن عفان - رضي الله عنه - في نفسه . 5599 - كما حدثنا أبو أمية ، حدثنا يحيى بن صالح الوحاظي ، حدثنا إسحاق بن يحيى ، يعني : العوصي ، حدثنا الزهري ، حدثنا عروة بن الزبير أن عبيد الله بن عدي بن الخيار حدثه ، قال : قال لي عثمان بن عفان - رضي الله عنه - : بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم بالحق ، فكنت ممن استجاب لله ولرسوله وآمن بما بعث به ، ثم هاجرت الهجرتين ونلت صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم وبايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فوالله ما عصيته ، ولا غششته ، حتى توفاه الله عز وجل . فمعنى ذلك كمعنى ما ذكرناه في مثله في علي بن أبي طالب - رضي الله عنه . ولما ثبت في الأصهار ما ذكرنا ، وأنهم أنسباء أزواج البنات كانت أنسباء أرحامهم بأزواجهم محرمات أو غير محرمات ، كان مثل ذلك الأختان الذين هم أزواج البنات وأزواج الأخوات وأزواج العمات وأزواج الخالات يكون أنسباؤهم الذين هم من أزواج هؤلاء ، كأنسباء الزوجات ، فيما ذكرنا الذين صاروا بذلك أصهارا للأزواج ، يستوي في ذلك من كانت رحمه من أزواج هؤلاء النساء محرمات أو غير محرمات ، وقد أجاز لنا علي بن عبد العزيز ، عن أبي عبيد في كتابه في الأنساب أنه ذكر عاصم بن عبد الله بن يزيد ، وهو رجل من بني هلال ، قال : كان قد ولي لأبي جعفر خراسان ، وأنه ذكر ذلك من كلام أبي عبيد لإبراهيم بن محمد العباسي ، فأنشده لعاصم هذا ، قال : فلو كنت صهرا لابن مروان قربت ركابي إلى المعروف والعطن الرحب ولكنني صهر النبي محمد وخال بني العباس والخال كالأب . قال أبو جعفر : ففي هذا الحديث ، ما قد دل أن أنسباء المرأة أصهار لزوجها ، كانت أرحامهم منها محرمات ، أو كانت أرحامهم منها غير محرمات ، وقد روي عن ابن عباس - رضي الله عنه - ما يدخل في هذا المعنى . 5600 - ما قد حدثنا ابن أبي مريم ، حدثنا الفريابي ، حدثنا سفيان ، عن الأعمش ، عن إسماعيل بن رجاء ، عن عمير ، قال الشيخ وهو أحد موالي العباس ، عن ابن عباس ، قال : قال : حرم من النسب سبع ، ومن الصهر سبع ، ثم قرأ : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ إلى قوله : وَبَنَاتُ الأُخْتِ هذا من النسب ، وباقي الآية من الصهر والسابعة وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا قَدْ سَلَفَ . ففي هذا الحديث ، أن الله تعالى حرم من الصهر سبعا ، أي : حرم على الرجل أن يتزوج من يكون له بتزويجه إياه أصهارا سواه من أنسبائه ، وفي ذلك ما قد دل على ما ذكرنا ، والله نسأله التوفيق .
15 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي الشَّيْطَانِ أَنَّهُ يَجْرِي مِنْ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ وَهَلْ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ فِي ذَلِكَ كَمَنْ سِوَاهُ مِنْ النَّاسِ أَوْ بِخِلَافِهِمْ . 113 - حَدَّثَنَا فَهْدٌ ، حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ : ( أَنَّ صَفِيَّةَ زَوْجَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا جَاءَتْ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ تَزُورُهُ فِي اعْتِكَافِهِ فِي الْمَسْجِدِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ ، فَتَحَدَّثَتْ عِنْدَهُ سَاعَةً ، ثُمَّ قَامَتْ تَنْقَلِبُ ، وَقام النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَهَا يَقْلِبُهَا حَتَّى إذَا بَلَغَتْ بَابَ الْمَسْجِدِ الَّذِي عِنْدَ بَابِ أُمِّ سَلَمَةَ مَرَّ بِهِمَا رَجُلَانِ مِنْ الْأَنْصَارِ ، فَسَلَّمَا عَلَى النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، ثُمَّ نَفَذَا فَقَالَ لَهُمَا النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ : عَلَى رِسْلِكُمَا ، إنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ ، فَقَالَا : سُبْحَانَ اللَّهِ ، يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَكَبُرَ ذَلِكَ عَلَيْهِمَا ، فَقَالَ : إنَّ الشَّيْطَانَ يَبْلُغُ مِنْ ابْنِ آدَمَ مَبْلَغَ الدَّمِ ، وَإِنِّي خَشِيت أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا ) . 114 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ ، ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ . 115 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حشيش الْبَصْرِيُّ أَبُو الْحُسَيْنِ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ أَنَسٍ : ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ مَعَ إحْدَى نِسَائِهِ مَرَّ بِهِ رَجُلٌ فَدَعَاهُ فَقَالَ : يَا فُلَانُ ، إنَّهَا زَوْجَتِي فُلَانَةُ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَنْ كُنْت أَظُنُّ بِهِ ، فَإِنِّي لَمْ أَكُنْ أَظُنُّ بِك ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : إنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنْ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ ) . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَكَانَ فِيمَا رَوَيْنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ مَا قَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَدْ كَانَ فِي ذَلِكَ كَمَنْ سِوَاهُ مِنْ النَّاسِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ كَانَ فِيهِ بِخِلَافِهِمْ ، فَتَأَمَّلْنَا مَا رُوِيَ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ سِوَى هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ ، هَلْ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ؟ 116 - فَوَجَدْنَا فَهْدًا قَدْ حَدَّثَنَا قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ . وَوَجَدْنَا أَبَا أُمَيَّةَ قَدْ حَدَّثَنَا قَالَ : حَدَّثَنَا عبيد اللَّهِ بْنُ مُوسَى قَالَا : أَخْبَرَنَا شَيْبَانُ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : ( مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إلَّا وَقَدْ وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِنْ الْجِنِّ ، فَقِيلَ : وَإِيَّاكَ ، قَالَ : وَإِيَّايَ ، وَلَكِنَّ اللَّهَ أَعَانَنِي عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ ، فَلَا يَأْمُرُنِي إلَّا بِخَيْرٍ ) . 117 - وَوَجَدْنَا فَهْدًا قَدْ حَدَّثَنَا قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْأَصْبَهَانِيِّ ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ ، عَنْ مُجَالِدٍ ، عَنْ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ : قَالَ لَنَا النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ : ( لَا تَدْخُلُوا عَلَى الْمُغَيَّبَاتِ ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنْ أَحَدِكُمْ مَجْرَى الدَّمِ ، قِيلَ : وَمِنْك يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : وَمِنِّي ، وَلَكِنَّ اللَّهَ أَعَانَنِي عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ ) . 118 - وَوَجَدْنَا إبْرَاهِيمَ بْنَ أَبِي دَاوُد قَدْ حَدَّثَنَا قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ ، حَدَّثَنِي عُمَارَةُ بْنُ غَزِيَّةَ قَالَ : سَمِعْت أَبَا النَّضْرِ يَقُولُ : سَمِعْت عُرْوَةَ يَقُولُ : ( قَالَتْ عَائِشَةُ : فَقَدْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةً ، وَكَانَ مَعِي عَلَى فِرَاشِي فَوَجَدْتُهُ سَاجِدًا رَاصًّا عَقِبَيْهِ ، مُسْتَقْبِلًا بِأَطْرَافِ أَصَابِعِهِ الْقِبْلَةِ ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ : أَعُوذُ بِرِضَاك مِنْ سَخَطِك ، وَبِعَفْوِك مِنْ عُقُوبَتِك ، وَبِك مِنْك ، لَا أَبْلُغُ كُلَّ مَا فِيكَ ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ : يَا عَائِشَةُ ، أَخَذَكِ شَيْطَانُك ؟ فَقُلْتُ : أَمَا لَكَ شَيْطَانٌ ؟ قَالَ : مَا مِنْ آدَمِيٍّ إلَّا لَهُ شَيْطَانٌ ، فَقُلْت : وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : وَأَنَا ، وَلَكِنِّي دَعَوْت اللَّهَ ، فَأَعَانَنِي عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ ) . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَوَقَفْنَا عَلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ كَانَ فِي هَذَا الْمَعْنَى كَسَائِرِ النَّاسِ سِوَاهُ ، وَأَنَّ اللَّهَ أَعَانَهُ عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ بِإِسْلَامِهِ الَّذِي هَدَاهُ لَهُ حَتَّى صَارَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي السَّلَامَةِ مِنْهُ بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنْ النَّاسِ فِيمَنْ هُوَ مَعَهُ مِنْ جِنْسِهِ . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : فَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْبَابِ شَيْءٌ مِمَّا يُوجِبُ أَنْ يُوقَفَ عَلَى ارْتِفَاعِ التَّضَادِّ عَنْهُ ، وَعَمَّا رَوَيْت مِمَّا قَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُصَّ بِهِ مِنْ إسْلَامِ شَيْطَانِهِ ، لِكَيْ يَسْلَمَ مِنْهُ . وَذَكَرَ فِي ذَلِكَ : . 119 - مَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خُزَيْمَةَ بن راشد الْبَصْرِيُّ أَبُو عَمْرٍو ، وَفَهْدٌ قَالَا : حَدَّثَنَا أَبُو مُسْهِرٍ ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ ، حَدَّثَنِي ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ ، عَنْ أَبِي الْأَزْهَرِ الْأَنْمَارِيِّ ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ إذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ مِنْ اللَّيْلِ قَالَ : بِسْمِ اللَّهِ وَضَعْت جَنْبِي ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ ذَنْبِي ، وَأَخْسِئْ شَيْطَانِي ، وَفُكَّ رِهَانِي ، وَثَقِّلْ مِيزَانِي ، وَاجْعَلْنِي فِي النَّدِيِّ الْأَعْلَى ) . قِيلَ لَهُ : هَذَا عِنْدَنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ، كَانَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَبْلَ إسْلَامِ شَيْطَانِهِ ، فَلَمَّا أَسْلَمَ اسْتَحَالَ أَنْ يَكُونَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو اللَّهَ فِيهِ بِذَلِكَ مَعَ إسْلَامِهِ الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ .
761 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاته على النجاشي بالمدينة ، وهل كان ذلك والنجاشي حينئذ بأرض الحبشة أو بالمدينة ؟ . 5716 - حدثنا محمد بن خزيمة ، قال : حدثنا مسلم بن إبراهيم الأزدي ، قال : حدثنا أبان بن يزيد العطار ، عن يحيى ، يعني : ابن أبي كثير ، عن أبي قلابة ، عن أبي المهلب ، عن عمران بن حصين أن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : إن أخاكم النجاشي قد مات فصلوا عليه ، قال : ونحن نرى أن الجنازة قد أتت ، قال : فصفنا فصلينا عليه ، وإنما مات بالحبشة فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دخل المدينة . قال أبو جعفر : ففي هذا الحديث ، مما كان عند أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر النجاشي أنه حمل إلى المدينة بلطيف قدرة الله - عز وجل - في اليوم الذي مات فيه حتى صلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يصلي على من مات عنده بالمدينة . ودفع ذلك أن يكون في هذا الحديث حجة لمن أطلق الصلاة على الميت الغائب ، وكان ما كان من الله - عز وجل - في ذلك من لطيف قدرته ، كمثل ما كان منه لنبيه صلى الله عليه وسلم لما كذبته قريش حين أخبرهم أنه أسري به إلى بيت المقدس ، ثم رجع إلى بيته من ليلته . 5717 - كما حدثنا إبراهيم بن أبي داود ، قال : حدثنا شجاع بن أشرس ، قال : حدثنا عبد العزيز وهو الماجشون ، عن عبد الله بن الفضل وهو الهاشمي ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لقد رأيتني في الحجر وقريش تسألني ، عن مسراي ، فسألوني عن أشياء من بيت المقدس لما أتيتها ، فكربت كربا ما كربت مثله قط ، فرفعه الله - عز وجل - إلي أنظر إليه ، فما سألوني عن شيء إلا أنبأتهم به . 5718 - كما حدثنا يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : أخبرني يونس بن يزيد ، قال : قال ابن شهاب ، قال : أبو سلمة بن عبد الرحمن ، سمعت جابر بن عبد الله يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : لما كذبتني قريش قمت في الحجر ، فجلى الله - عز وجل - لي بيت المقدس فطفقت أخبرهم عن أثاثه ، وأنا أنظر إليه . 5719 - وحدثنا أحمد بن شعيب ، قال : أخبرنا قتيبة بن سعيد ، قال : حدثنا الليث بن سعد ، عن عقيل ، عن الزهري ، عن أبي سلمة ، عن جابر ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مثله . فقال قائل : تفسير هذا الحديث الذي رويته ، عن عمران محال ؛ لأن فيه أن الجنازة أتت فيما يرونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأن صلاته عليه كان حين دخل المدينة والجنازة لا إتيان لها والنجاشي لا دخول له ؛ لأن الدخول إنما يكون من الأحياء لا من الأموات . فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله جل وعز وعونه : أن هذا ونحوه قد يذكر به الأموات ، كما يذكر به الأحياء ؛ لأنهم يقولون : قد حضرت الجنازة ، بمعنى : قد أحضرت الجنازة ، ومثل هذا كثير في كلامهم ، حتى يقال ذلك في كتاب الله - عز وجل - قال الله تبارك وتعالى : أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ ، فأضاف الإتيان إلى البأس ، والبأس لا يأتي ، إنما يؤتى به . ومثل ذلك قوله - عز وجل - : وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ الآية ، وكان إتيان الرزق إياها إنما هو بإتيان من يأتي به إليها ، فمثل ذلك أيضا إتيان الجنازة إلى ما كان عند أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من إتيانها إليه ، ودخول النجاشي المدينة في الوقت الذي دخلها هو على ذلك مما فعله من سوى الجنازة ، وسوى النجاشي ، فارتفع بحمد الله أن يكون في هذا الحديث استحالة كما ذكر هذا المدعي لذلك ، وكان في هذا الحديث ما يدفع أن يكون لمن يرى الصلاة على الميت الغائب فيه حجة ، وممن كان لا يرى الصلاة على الميت الغائب أبو حنيفة ومالك وأصحابهما والله - عز وجل - نسأله التوفيق .
16 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا أَمَرَ بِهِ فِي السَّيْرِ عَلَى الْإِبِلِ فِي حَالِ الْخِصْبِ وَفِي حَالِ الْجَدْبِ . 120 - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْجَارُودِ ، حَدَّثَنَا رُوَيْمٌ الْمُقْرِئ اللُّؤْلُؤيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ عُقَيْلٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، أَخْبَرَنِي أَنَسٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : ( إذَا أَخْصَبَتْ الْأَرْضُ فَانْزِلُوا عَنْ ظَهْرِكُمْ ، فَأَعْطُوهُ حَقَّهُ مِنْ الْكَلَأ ، وَإِذَا أَجْدَبَتْ الْأَرْضُ فَامْضُوا عَلَيْهَا بِنَقْيِهَا ، وَعَلَيْكُمْ بِالدُّلْجَةِ ؛ فَإِنَّ الْأَرْضَ تُطْوَى بِاللَّيْلِ ) . 121 - حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُد ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ ، حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ فِيهِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَتَأَمَّلْنَا هَذَا الْحَدِيثَ فَوَجَدْنَا فِيهِ أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي حَالِ الْخِصْبِ بِالنُّزُولِ عَنْ الظَّهْرِ ، لِيَأْخُذَ حَاجَتَهُ مِنْ الْكَلَأ ، وَأَمْرَهُ فِي حَالِ الْجَدْبِ بِالْمُضِيِّ عَلَيْهِ بِنَقْيِهِ ، وَهُوَ مُخَيَّرٌ ، وَأَمَرَهُمْ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مَسِيرُهُمْ عَلَيْهِ فِي اللَّيْلِ ؛ لِأَنَّ الْأَرْضَ تُطْوَى فِيهِ ، فَتَكُونُ الْمَسَافَاتُ فِيهِ عَلَى الظَّهْرِ دُونَ الْمَسَافَاتِ فِي غَيْرِ اللَّيْلِ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ فِي ذَلِكَ أَيْضًا مِمَّا يَدْخُلُ فِي هَذَا الْمَعْنَى . 122 - مَا قَدْ حَدَّثَنَا أَبُو أُمَيَّةَ ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ ، عَنْ سُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : ( إذَا سَافَرْتُمْ فِي الْخِصْبِ فَأَعْطُوا الْإِبِلَ حَقَّهَا ، وَعَلَيْكُمْ بِالدُّلْجَةِ ، فَإِنَّ الْأَرْضَ تُطْوَى بِاللَّيْلِ ) . 123 - وَمَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خُزَيْمَةَ ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ الْأَنْمَاطِيُّ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، حَدَّثَنَا سُهَيْلٌ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : ( إذَا سَافَرْتُمْ فِي الْخِصْبِ فَأَعْطُوا الْإِبِلَ حَقَّهَا ، وَإِذَا سَافَرْتُمْ فِي الْجَدْبِ فَأَسْرِعُوا السَّيْرَ ، وَإِذَا أَرَدْتُمْ التَّعْرِيسَ فَتَنَكَّبُوا الطَّرِيقَ ) . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَكَانَ مَعْنَى حَدِيثِ أَبِي أُمَيَّةَ عَلَى الْقَصْدِ إلَى السَّيْرِ عَلَيْهَا فِي اللَّيْلِ ، وَكَانَ فِي حَدِيثِ ابْنِ خُزَيْمَةَ مَا قَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِذِكْرِهِ التَّعْرِيسَ ، وَالتَّعْرِيسُ فِي هَذَا الْمَعْنَى إنَّمَا يَكُونُ فِي اللَّيْلِ لَا فِي النَّهَارِ .
744 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في لعنه زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج . 5583 - حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، حدثنا وهب بن جرير ، حدثنا شعبة ، عن محمد بن جحادة ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس ، قال : لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زائرات القبور ، والمتخذين عليها المساجد والسرج . 5584 - وحدثنا إبراهيم بن أبي داود ، حدثنا أبو معمر ، حدثنا عبد الوارث بن سعيد ، عن محمد بن جحادة ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس ، قال : لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زائرات القبور ، والمتخذين عليها المساجد والسرج . فتأملنا هذا الحديث فوجدناه محتملا أن يكون ذلك كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل إباحته زيارة القبور ، ووجدناه محتملا أن يكون أراد به جميع الأشياء المذكورة في هذا الحديث ، من اتخاذ المساجد على القبور والسرج مع ذلك ، ويكون الوصول إلى ذلك بالزيارة للقبور المتخذ ذلك عليها ، وتكون الزيارة للقبور ما لم يكن ذلك متخذا قبلها مباحة . فنظرنا فيما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في إباحته زيارة القبور بعد أن كانت منهيا عنها . 5585 - فوجدنا فهد بن سليمان قد حدثنا ، قال : حدثنا النفيلي ، حدثنا زهير بن معاوية ، حدثنا زبيد اليامي ، عن محارب بن دثار ، عن ابن بريدة ، عن أبيه ، قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر ، فنزل بنا ونحن قريب من ألف رجل ، فصلى بنا ركعتين ، ثم أقبل علينا بوجهه وعيناه تذرفان ، فقام إليه عمر ، ففداه بالأب والأم ، يقول : ما لك يا رسول الله ، قال : إني استأذنت ربي في الاستغفار لأمي ، فلم يأذن لي ، فدمعت عيناي رحمة لها من النار ، وإني كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ، ولتزدكم زيارتها خيرا ، وإني كنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي بعد ثلاث ، فكلوا وأمسكوا ما شئتم ، وإني كنت نهيتكم عن الأشربة في الأوعية ، فاشربوا في أي وعاء شئتم ، ولا تشربوا مسكرا . 5586 - ووجدنا يونس قد حدثنا ، قال : أخبرنا ابن وهب ، أخبرني أسامة بن زيد أن محمد بن يحيى بن حبان أخبره ، أن الواسع بن حبان أخبره ، أن أبا سعيد الخدري حدثه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ، فإن فيها عبرة ، ونهيتكم عن النبيذ ألا فانتبذوا ، ولا أحل مسكرا ، ونهيتكم عن لحوم الأضاحي ، فكلوا وادخروا . 5587 - ووجدنا إبراهيم بن مرزوق قد حدثنا ، قال : حدثنا أبو عاصم ، حدثنا سفيان الثوري ، عن علقمة بن مرثد ، عن ابن بريدة ، عن أبيه ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مثله . فكان في هذا الحديث ، إذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في زيارة القبور بعد نهيه كان عن زيارتها قبل ذلك ، فقوي في قلوبنا أن يكون اللعن المذكور في حديث ابن عباس إنما وقع على متخذي المساجد والسرج عليها ، لا على زائريها خاصة ممن ليس في زيارته قصد لمسجد اتخذه عليها ، ولا لسراج يوقده عليها ، وكذلك روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في لعنه اليهود والنصارى لاتخاذهم كان مثل هذا المعنى على قبور أنبيائهم . 5588 - كما قد حدثنا عيسى بن إبراهيم الغافقي ، حدثنا عبد الله بن وهب ، أخبرني يونس ، عن ابن شهاب ، أخبرني عبيد الله بن عبد الله أن عائشة وابن عباس رضي الله عنهما قالا : إنه لما نزل برسول الله طفق يطرح خميصة له على وجهه ، فإذا اغتنم كشفها عن وجهه ، قال : وهو كذلك يقول : لعنة الله على اليهود والنصارى ، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ، يحذر مثل ما صنعوا . قال أبو جعفر : فوقفنا بهذا الحديث على قصد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتحذير من اتخاذ القبور مساجد . فوقفنا بذلك : على أن اللعن الذي في حديث ابن عباس إنما كان لمن هذه سبيله ، لا لمن سواه من زائري القبور لا لمثل ذلك ، ولكن لما سواه مما أباح صلى الله عليه وسلم زيارتها من أجله . وقصدنا إلى حديث ابن عباس وعائشة هذا ، لأن فيه أن ذلك القول كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم عند وفاته ، وأنه لا ناسخ له ، وغنينا بذلك عن ذكرنا ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في لعنه اليهود والنصارى لاتخاذهم قبور أنبيائهم مساجد ، مما قد يجوز أن يكون كان منه صلى الله عليه وسلم بعد ذلك في هذا المعنى ، غير هذا الكلام ، والله عز وجل نسأله التوفيق .
17 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِيمَا بَيْنَ وَضْعِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى فِي الْأَرْضِ مِنْ الْمُدَّةِ . 124 - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ الرَّقِّيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ إبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ : ( قُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الْأَرْضِ أَوَّلًا ؟ قَالَ : الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ ، قَالَ : قُلْت : ثُمَّ أَيُّ ؟ قَالَ : ثُمَّ الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى . قَالَ : قُلْت : كَمْ بَيْنَهُمَا ؟ قَالَ : أَرْبَعُونَ سَنَةً ، فَأَيْنَمَا أَدْرَكَتْك الصَّلَاةُ فَصَلِّ ، فَهُوَ مَسْجِدٌ ) . فَقَالَ قَائِلٌ : بَانِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ هُوَ إبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَبَانِي الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى هُوَ دَاوُد وَابْنُهُ سُلَيْمَانُ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ مِنْ بَعْدِهِ ، وَقَدْ كَانَ بَيْنَ إبْرَاهِيمَ وَبَيْنَهُمَا مِنْ الْقُرُونِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ بَعْدَ إبْرَاهِيمَ ابْنُهُ إِسْحَاقُ ، وَبَعْدَ ابْنِهِ إِسْحَاقَ ابْنُهُ يَعْقُوبُ ، وَبَعْدَ يَعْقُوبَ ابْنُهُ يُوسُفُ ، وَبَعْدَ يُوسُفَ مُوسَى ، وَبَعْدَ مُوسَى دَاوُد ، سِوَى مَنْ كَانَ بَيْنَهُمْ مِنْ الْأَسْبَاطِ ، وَمِمَّنْ سِوَاهُمْ مِنْ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ ، وَفِي ذَلِكَ مِنْ الْمُدَدِ مَا يَتَجَاوَزُ الْأَرْبَعِينَ بِأَمْثَالِهَا . فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ أَنَّ مَنْ بَنَى هَذَيْنِ الْمَسْجِدَيْنِ هُوَ مَنْ ذَكَرَهُ ، وَلَمْ يَكُنْ سُؤَالُ أَبِي ذَرٍّ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَنْ مُدَّةِ مَا بَيْنَ بِنَائِهِمَا ، إنَّمَا سَأَلَهُ عَنْ مُدَّةِ مَا كَانَ بَيْنَ وَضْعِهِمَا ، فَأَجَابَهُ بِمَا أَجَابَهُ بِهِ ، وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ وَاضِعُ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى كَانَ بَعْضَ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ قَبْلَ دَاوُد وَقَبْلَ سُلَيْمَانَ ، ثُمَّ بَنَاهُ دَاوُد وَسُلَيْمَانُ فِي الْوَقْتِ الَّذِي بَنَيَاهُ فِيهِ ، فَلَمْ يَكُنْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِحَمْدِ اللَّهِ مَا يَجِبُ اسْتِحَالَتُهُ ، وَكَذَا يَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ تَأْوِيلُ مِثْلِهِ عَلَيْهِ كَمَا قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ . 125 - وَكَمَا حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ : إذَا حُدِّثْتُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ حَدِيثًا فَظُنُّوا بِرَسُولِ اللَّهِ أَهْنَاهُ وَأَتْقَاهُ وَأَهْدَاهُ .
762 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في إثبات الحجر على السفيه في ماله ، وفي نفي الحجر عنه . 5720 - حدثنا يونس ، قال : أخبرنا عبد الله بن وهب أن مالكا أخبره ، عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر وحدثنا المزني ، قال : حدثنا الشافعي ، عن مالك ، عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر : أن رجلا ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يخدع في البيوع ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا بايعت فقل لا خلابة . فكان الرجل إذا باع يقول : لا خلابة . 5721 - وحدثنا نصر بن مرزوق ، قال : حدثنا علي بن معبد ، قال : حدثنا إسماعيل بن جعفر ، عن عبد الله بن دينار ، أنه سمع ابن عمر يقول ، ثم ذكر مثله . 5722 - وحدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ، قال : حدثني حجاج بن رشدين ، عن حيوة ، عن ابن عجلان ، عن نافع ، عن ابن عمر أن رجلا كان ثقيل اللسان ، كان إذا بايع الناس غبنوه في البيع ، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا بايعت أحدا ، فقل هاء ولا خلابة . قال أبو جعفر : فكان في هذا إعلام ذلك الرجل أو إعلام غيره رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يخدع في البيوع ، فلم يحجر عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا قبض يده عن ماله من أجله . فقال قائل : في ذلك ما قد دل على نفي الحجر على البالغين غير المجانين ، وممن كان يذهب إلى ذلك أبو حنيفة ، وقد تقدمه فيه محمد بن سيرين . 5723 - كما حدثنا أبو أمية ، قال : حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري ، قال : حدثنا ابن عون ، عن محمد : أنه كان لا يعد الحجر شيئا . 5724 - وكما حدثنا أبو أمية ، قال : حدثنا أبو الوليد الطيالسي ، قال : حدثنا سليم بن أخضر ، عن ابن عون ، عن محمد : أنه كان لا يعرف الحجر ، ولا يرى شيئا . فكان من الحجة على من ذهب إلى هذا القول واحتجاجه له بما قد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما ذكرنا احتجاجه له به في هذا الباب : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يطلق لذلك الرجل البيع إلا باشتراطه فيه ، أنه لا خلابة فيه ، وفي ذلك ما قد دل على أن البيع الذي أطلقه له ليس كبيع من سواه ممن لا يخدع في البيع ، ألا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نهى أن يبيع حاضر لباد ، وقال : دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض . 5725 - حدثناه يونس ، قال : أخبرنا سفيان ، عن أبي الزبير ، عن جابر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم فكان هذا الذي روي في إطلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم لذلك الرجل البيع مع اشتراطه أن لا خلابة فيه ، ما قد دل أن بيعه بيع مردود إلى اعتبار من يتولى عليه إياه ، فإن كانت فيه خلابة أبطله ، وإن لم يكن فيه خلابة أمضاه ، وفي ذلك ما قد دل على وقوع اليد عليه لا على ارتفاعها عنه . 5726 - وقد حدثنا المزني ، قال : حدثنا الشافعي ، عن سفيان ، قال : حدثنا محمد بن إسحاق ، عن نافع ، عن ابن عمر أن حبان بن منقذ كان شج في رأسه مأمومة ، فثقل لسانه ، فكان يخدع في البيع فجعل له رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ابتاع من شيء فهو فيه بالخيار ثلاثا ، وقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : قل لا خلابة ، قال ابن عمر : فسمعته يقول : لا خذابة لا خذابة ، فكان في هذا الحديث ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل لحبان - وهو هذا الرجل المذكور في هذه الآثار فيما يبتاعه - الخيار ثلاثة أيام ، ليعتبر بيعه ، فيمضي أو يرد على ما رويناه قبله في قصته في هذا الباب ، وذلك حجر عليه في ماله لا إطلاق له فيه . 5727 - وقد حدثنا أحمد بن شعيب ، قال : أخبرنا يوسف بن حماد المعني ، قال : حدثنا عبد الأعلى ، يعني : ابن عبد الأعلى ، عن سعيد ، عن قتادة عن أنس : أن رجلا كان في عقله ضعف ، وكان يبايع وأن أهله أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا نبي الله احجر عليه ، فدعاه نبي الله صلى الله عليه وسلم فنهاه ، فقال : يا نبي الله ، إني لا أصبر عن البيع ، قال : فإذا بايعت فقل : لا خلابة . قال : ففي هذا الحديث ، أن أهل حبان سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحجر عليه فلم ينكر ذلك عليهم من قولهم ، وأمره بمثل ما في حديث عبد الله بن عمر في قصته وفي ذلك ما قد دل على الحجر على مثله في ماله ، وأن يده لا تنطلق فيه إلا فيما يطلقها من يتولى عليه فيه . ثم قد وجدنا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من خلفائه الراشدين المهديين ، وممن سواهم منهم على إثبات الحجر ، فيمن يستحقه فمن ذلك . 5728 - ما قد حدثنا أحمد بن أبي عمران ، قال : أخبرنا محمد بن سماعة ، قال : سمعت أبا يوسف يقول . وما قد حدثنا جعفر بن أحمد بن الوليد ، قال : أخبرنا بشر بن الوليد الكندي ، قال : أخبرنا أبو يوسف ، ثم اجتمعا فقالا ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه أن عبد الله بن جعفر أتى الزبير ، فقال : إني ابتعت بيعا ، وإن عليا عليه السلام يريد أن يحجر علي ، فقال الزبير : فأنا شريكك في البيع ، فأتى علي عثمان - رضي الله عنه - فسأله أن يحجر على عبد الله بن جعفر ، فقال الزبير : أنا شريكه في هذا البيع ، فقال عثمان : كيف أحجر على رجل شريكه الزبير ؟ . ففي هذا الحديث ، أن عليا عليه السلام حاول الحجر على عبد الله بن جعفر ، وأن الزبير لما وقف على ذلك سأل عبد الله بن جعفر أن يشركه في ذلك البيع الذي حاول علي الحجر عليه من أجله ليرتفع بذلك عنه ما خافه على نفسه من عثمان فيه ، ووقوف عثمان على ذلك ومحاجته عليا شركة الزبير عبد الله بن جعفر في ذلك ، وكان في ذلك ما قد دل أنه لولا شركة الزبير إياه فيه حجر عليه ، ورأى عبد الله بن جعفر ذلك لخوفه على نفسه من عثمان أن يحجر عليه من أجله ، وكان ذلك منهم جميعا بمحضر من حضرهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سواهم ، فلم ينكروا ذلك عليهم ، ولم يخالفوهم فيه ، فدل ذلك على متابعتهم إياهم عليه . 5729 - حدثنا يونس ، قال : أخبرني أنس بن عياض ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن يزيد بن هرمز أن نجدة كتب إلى ابن عباس يسأله : متى ينقضي يتم اليتيم ؟ فكتب إليه ابن عباس : كتبت تسألني متى ينقضي يتم اليتيم ؟ ولعمري ، إن الرجل تنبت لحيته وإنه لضعيف الأخذ لنفسه ، ضعيف الإعطاء منها ، فإذا أخذ لنفسه من صالح ما يأخذ الناس ، فقط انقطع عنه اليتم . فهذا ابن عباس أيضا ، قد كان منه ما قد وافق من قد ذكرناه قبله من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في إثبات الحجر . 5730 - وقد حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، قال : حدثنا وهب بن جرير ، عن أبيه ، قال : سمعت النعمان بن راشد يحدث ، عن الزهري ، عن عروة أن عائشة بلغها أن ابن الزبير بلغه أنها تبيع بعض عقارها ، فقال : لتنتهين أو لأحجرن عليها ، فقالت : أوقاله ؟ ! لله - عز وجل - علي ألا أكلمه أبدا . 5731 - وحدثنا محمد بن سنان ، قال : حدثنا عبد الوهاب بن نجدة الحوطي ، قال : حدثنا ابن شابور ، قال : حدثنا الأوزاعي ، عن الزهري أنه حدثه ، قال : حدثني الطفيل بن الحارث ، وكان أخا عائشة من أمها ، وكان رجلا من أزد شنوءة ، أنه بلغ ابن الزبير أن عائشة تبيع بعض رباعها ، ثم ذكر مثله . 5732 - وحدثنا الحسن بن غليب ، قال : حدثنا سعيد بن كثير بن عفير ، قال : حدثني الليث بن سعد ، قال : حدثني عبد الرحمن بن خالد بن مسافر ، عن ابن شهاب ، عن عوف بن الحارث بن الطفيل ، وهو ابن أخي عائشة لأمها ، أن عائشة حدثته أن عبد الله بن الزبير ، ثم ذكر مثله . 5733 - وحدثنا فهد وهارون بن كامل قالا : حدثنا عبد الله بن صالح ، قال : حدثني الليث ، قال : حدثني عبد الرحمن بن خالد بن مسافر ، ثم ذكر بإسناده مثله . ففي هذا الحديث ، عن ابن الزبير ما فيه عنه ، وفيه عن عائشة ما فيه عنها ، مما لا إنكار فيه منها للحجر ، ومن تركها أن تقول وهل يكون أحد محجورا عليه بفعله في ماله مثل الذي بلغ ابن الزبير أنها تفعله في مالها ، فكيف يجوز لأحد الخروج عن أقوال من ذكرنا إلى ما يخالفه ؟ فقال قائل : فقد وجدنا في نفي الحجر ما هو أقوى من هذا ، وهو قول الله - عز وجل - : يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ، ثم قال بعد ذلك : فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ ، فذكر في أول القصة المداينة ممن قد ذكر في آخرها ، أنه قد يكون سفيها أو ضعيفا ، وفي ذلك ما قد دل على جواز بيعه في حال سفهه . فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله جل وعز وعونه : أن السفه قد يكون في تضييع المال ، وقد يكون فيما سواه مما لا تضييع للمال معه ، كذلك هو في كلام العرب يقولون : سفه فلان في ماله ، سفه فلان في دينه ، ومنه قول الله - عز وجل : وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ . قال أبو جعفر : وسمعت ولادا النحوي يقول : حدثني المصادري ، عن أبي عبيدة معمر بن المثنى ، قال : سفه نفسه : أهلكها وأوبقها ، وقد يكون ذلك ممن يكون معه من الحزم في ماله ما ليس مع من لا يختلف في صلاحه في دينه . وقال الكسائي : السفيه الذي يعرف الحق ، وينحرف عنه عنادا ، وقرأ : أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ ، قال : يقول الذين عرفوا الأمر وعندوا عنه ، وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مما قد تقدمت روايتنا له فيما قد تقدم من كتابنا هذا في الكبر ، أنه من يدفع الحق ، وفي ذلك ما قد دل أنه أريد بذلك من معه معرفة والعنود عنها ، والتمسك بضدها ، ففي ذلك ما قد دل : أن السفه المذكور في الآية التي تلونا ليس على سفه الفساد في المال ، ولكنه على ما سواه من وجوه السفه . وقد قال قائل : إن هذه الآية التي تأولنا أدل أنه في القرآن على استعمال الحجر - وهو الشافعي - قال : لأن فيها فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ فكان من حجتنا عليه في دفع ما تأولها عليه في أول الآية من مداينة من قد وصف في آخرها بالسفه ، وفي ذلك ما يدفع ما قال . فإن قال قائل : فمن وليه المراد في آخر هذه الآية ؟ كان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله - عز وجل - وعونه : أنه ولي الدين الذي هو عليه ، وفي الآية ما قد دل على هذا ، وهي قوله - عز وجل : وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا ، فلو كان وليه هو الذي يتولى عليه كما ذكر هذا القائل ، لم يخاطب بهذا الخطاب ؛ لأنه لا يجر إلى نفسه ببخسه شيئا ، ولكنه حذر من ذلك خوفا عليه أن ينقص الذي له عليه الدين طائفة مما عليه منه . وفيما ذكرنا دليل واضح على فساد ذلك التأويل ، غير أن مذهبا في الحجر استعماله والحكم به ، وحفظ المال على من يملكه إذا كان مخوفا عليه منه ، وقد دخل أبو حنيفة في بعض هذا ، فقال : إني أمنعه بعد بلوغه من ماله حتى يستكمل خمسا وعشرين سنة ، ولا أرد أفعاله فيه ، وهذا من القول الذي لا يشكل فساده على أحد ؛ لأنه إن كان يمنعه من ماله ليحفظه عليه من إتلافه فيما لا يجب إتلافه فيه ، فإن أفعاله التي فيها تلفه هي التي حفظ المال عليه من أجلها ، وإن كان لا يمنعه مع حفظه إياه عليه من إتلافه إياه على نفسه فلا معنى لحفظه إياه عليه ، ويقول مع هذا فيما فعله من يستحق الحجر عليه في ماله قبل أن يحجر عليه الحاكم ، ما قد اختلف فيه أبو يوسف ومحمد ، فأجاز ذلك أبو يوسف منه ، وأبطله محمد بن الحسن ، فراعى أحواله لا حكم الحاكم عليه ، فنذهب إلى : أن قول محمد في ذلك أولى القولين عندنا ؛ لأن الحجر إنما يكون لمعنى من أجله ، يحجر الحاكم على من فيه ذلك المعنى ، فيكون بحجره عليه مخففا له بكونه فيه قبل حجره عليه ، وهو مذهب مالك بن أنس في ذلك والله - عز وجل - نسأله التوفيق .
18 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي الْمُعَوِّذَتَيْنِ وَمَا رُوِيَ عَنْهُ مَا يُوجِبُ أَنَّهُمَا مِنْ الْقُرْآنِ . 126 - حَدَّثَنَا الْمُزَنِيّ ، حَدَّثَنَا الشَّافِعِيُّ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَبْدَةَ بْنِ أَبِي لُبَابَةَ ، وَعَاصِمِ بْنِ بَهْدَلَةَ ، عَنْ ( زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ ، قَالَ : سَأَلْت أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ عَنْ الْمُعَوِّذَتَيْنِ وَقُلْت لَهُ : إنَّ أَخَاكَ ابْنَ مَسْعُودٍ يَحُكَّهُمَا مِنْ الْمُصْحَفِ فَقَالَ : إنِّي سَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ : قِيلَ لِي : قُلْ فَقُلْت : فنَحْنُ نَقُولُ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ ) . 127 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ الرَّقِّيُّ ، حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ أَبِي لُبَابَةَ ، وَعَاصِمُ بْنُ بَهْدَلَةَ ، أَنَّهُمَا سَمِعَا زِرَّ بْنَ حُبَيْشٍ يَقُولُ : سَأَلْت أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ عَنْ الْمُعَوِّذَتَيْنِ ، ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ . 128 - حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُد ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ ، عَنْ عَاصِمٍ ، عَنْ ( زِرٍّ قَالَ : قُلْت لِأُبَيٍّ : إنَّ عَبْدَ اللَّهِ يَقُولُ فِي الْمُعَوِّذَتَيْنِ : لَا تُلْحِقُوا بِالْقُرْآنِ مَا لَيْسَ منه ، فَقَالَ : إنِّي سَأَلْت عَنْهُمَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : قِيلَ لِي قُلْ فَقُلْت : قَالَ أُبَيٌّ : قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُولُوا فَنَحْنُ نَقُولُ ) . 129 - حَدَّثَنَا أَبُو أُمَيَّةَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَابِقٍ ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ ، عَنْ عَاصِمٍ ، عَنْ ( زِرٍّ قَالَ : قُلْت لِأُبَيٍّ : يَا أَبَا الْمُنْذِرِ ، السُّورَتَانِ اللَّتَانِ لَيْسَتَا فِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ ؟ فَقَالَ : سَأَلْت عَنْهُمَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : قِيلَ لِي قُلْ فَقُلْت لَكُمْ ، فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَنَحْنُ نَقُولُ كَمَا قَالَ ) . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَكَانَ مَا رَوَيْنَا عَنْ أُبَيٍّ فِي هَذِهِ الْآثَارِ مِنْ جَوَابِهِ زِرًّا ، مَا قَدْ ذَكَرَ فِيهَا مِمَّا لَيْسَ فِيهِ إثْبَاتٌ مِنْهُ أَنَّهُمَا مِنْ الْقُرْآنِ ، وَلَا إخْرَاجٌ لَهُمَا مِنْهُ ، ثُمَّ تَأَمَّلْنَا مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِيهِمَا سِوَى ذَلِكَ ، هَلْ نَجِدُ فِيهِ تَحْقِيقَهُ أَنَّهُمَا مِنْ الْقُرْآنِ ، أَوْ أَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْهُ . 130 - فَوَجَدْنَا مَالِكَ بْنَ يَحْيَى الْهَمْدَانِيَّ ، قَدْ حَدَّثَنَا قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، حَدَّثَنَا إسْمَاعِيلُ ، عَنْ قَيْسٍ ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيَّ آيَاتٍ لَمْ يُنْزِلْ عَلَيَّ مِثْلَهُنَّ ؛ الْمُعَوِّذَاتِ ، ثُمَّ قَرَأَهُمَا ) . 131 - حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ الْمُرَادِيُّ ، حَدَّثَنَا أَسَدُ بْنُ مُوسَى ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ ، عَنْ قَيْسٍ ، عَنْ عُقْبَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ آيَاتٌ مَا أريت ، أَوْ رَأَيْتُ مِثْلَهُنَّ ، يَعْنِي الْمُعَوِّذَتَيْنِ ) . 132 - وَوَجَدْنَا يَحْيَى بْنَ عُثْمَانَ بْنِ صَالِحٍ ، قَدْ حَدَّثَنَا قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْوَاسِطِيُّ ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، عَنْ ابْنِ جَابِرٍ ، عَنْ الْقَاسِمِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ عُقْبَةَ : ( أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى لهمْ صَلَاةَ الصُّبْحِ ، فَقَرَأَ لَهُمْ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ، وَقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ، ثُمَّ مَرَّ بِي فَقَالَ : رَأَيْت يَا عُقْبَةُ ، اقْرَأْ بِهِمَا كُلَّمَا نِمْت وَكُلَّمَا قُمْت ) . 133 - وَوَجَدْنَا الرَّبِيعَ قَدْ حَدَّثَنَا قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ جَابِرٍ ، عَنْ الْقَاسِمِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، حَدَّثَنِي عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ قَالَ : ( بَيْنَمَا أَنَا أَقُودُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نَقْبٍ مِنْ تِلْكَ النِّقَابِ ، إذْ قَالَ لِي : أَلَا تَرْكَبُ يَا عُقْبَةُ ، فَأَجْلَلْت رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنْ أَرْكَبَ مَرْكَبَهُ ثُمَّ أَشْفَقْت أَنْ تَكُونَ مَعْصِيَةً ، فَرَكِبْت هُنَيْهَةً ، ثُمَّ نَزَلْت ، ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقُدْت بِهِ فَقَالَ لِي : يَا عُقْبَةُ ، أَلَا أُعَلِّمُك مِنْ خَيْرِ سُورَتَيْنِ قَرَأَ بِهِمَا النَّاسُ ؟ قُلْت : بَلَى ، يَا رَسُولَ اللَّهِ ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي ، قَالَ : قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ، و قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ، فَلَمَّا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ قَرَأَ بِهِمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ مَرَّ بِي فَقَالَ : كَيْفَ رَأَيْت يَا عُقْب ، اقْرَأْ بِهِمَا كُلَّمَا نِمْت وَقُمْت ) . 134 - وَوَجَدْنَا عُبَيْدَ بْنَ رِجَالٍ قَدْ حَدَّثَنَا قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ، حَدَّثَنَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ الْحِمْصِيُّ ، حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ عَنْ بَحِيرِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ ، عَنْ عُقْبَةَ : ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُهْدِيَتْ لَهُ بَغْلَةٌ شَهْبَاءُ ، فَرَكِبَهَا فَأَخَذَ عُقْبَةُ يَقُودُهَا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يا عُقْبَة ، اقْرَأْ قَالَ : مَا أَقْرَأُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : اقْرَأْ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ ، فَأَعَادَهَا عَلَيَّ حَتَّى قَرَأْتُهَا ، فَقَالَ : لَعَلَّك تَهَاوَنْتَ بِهَا ، فَمَا قُمْت تُصَلِّي بِشَيْءٍ مِثْلَهَا ) . 135 - وَوَجَدْنَا مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ دَاوُد قَدْ حَدَّثَنَا قَالَ : حَدَّثَنَا حَاجِبُ بْنُ الْوَلِيدِ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ ( عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ، قَالَ : كُنْت أَسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ الْجُحْفَةِ وَالْأَبْوَاءِ ، إذْ غَشِيَنَا رِيحٌ وَظُلْمَةٌ ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَعَوَّذُ بِقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ، وَقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ، وَيَقُولُ : يَا عُقْبَةُ ، تَعَوَّذْ فَمَا تَعَوَّذَ مُتَعَوِّذٌ بِمِثْلِهِمَا ، ثُمَّ سَمِعْتُهُ يَؤُمُّنَا بِهِمَا فِي الصَّلَاةِ ) . 136 - وَوَجَدْنَا أَبَا أُمَيَّةَ قَدْ حَدَّثَنَا قَالَ : حَدَّثَنَا عَفَّانَ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ الْجَرِيرِيِّ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ قَوْمِهِ ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَرَّ بِهِ فَقَالَ : اقْرَأْ فِي صَلَاتِكَ بِالْمُعَوِّذَتَيْنِ ) . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَكَانَ فِيمَا رَوَيْنَا تَحْقِيقُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُمَا مِنْ الْقُرْآنِ ، فَاتَّفَقَ جَمِيعُ مَا رَوَيْنَاهُ عَنْهُ فِي ذَلِكَ لَمَّا صَحَّ وَخَرَجَتْ مَعَانِيهِ ، وَلَمْ تُخَالِفْ بِشَيْءٍ مِنْهُ شَيْئًا ، وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
743 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يدل على المسجد الذي أسس على التقوى ، أي المساجد هو ؟ . 5573 - حدثنا يونس ، أخبرني أنس بن عياض ، عن أنيس بن أبي يحيى مولى الأسلميين ، قال : سمعت أبي يحدث ، عن أبي سعيد الخدري أن رجلا من بني خدرة ، ورجلا من بني عمرو بن عوف امتريا في المسجد الذي أسس على التقوى ، فقال العوفي : هو مسجدنا بقباء ، وقال الخدري : هو هذا المسجد مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فخرجا فأتيا النبي صلى الله عليه وسلم فسألاه عن ذلك ، فقال : هو هذا المسجد مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفي ذلك خير كثير . 5574 - وحدثنا يونس ، أخبرنا ابن وهب ، أخبرنا سحبل بن محمد بن أبي يحيى ، قال : سمعت عمي أنيس بن أبي يحيى يحدث ، عن أبيه ، عن أبي سعيد الخدري ، أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : المسجد الذي أسس على التقوى هو هذا ، يعني : رسول الله صلى الله عليه وسلم مسجده . 5575 - وحدثنا إبراهيم بن مرزوق ، حدثنا أبو عامر العقدي ، حدثنا سحبل ، عن أنيس بن أبي يحيى ، عن أبيه ، عن أبي سعيد الخدري ، ولم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : المسجد الذي أسس على التقوى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم . 5576 - وحدثنا أحمد بن داود بن موسى ، حدثنا مسدد ، حدثنا يحيى بن سعيد ، عن حميد الخراط ، قال : سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن يقول : مر بي عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري ، فقلت له : كيف سمعت أباك يذكر في المسجد الذي أسس على التقوى ، فقال : قال أبي : دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت بعض نسائه ، فقلت : يا رسول الله ، أين المسجد الذي أسس على التقوى ؟ فأخذ كفا من حصى ، فضرب به الأرض ، فقال : هو مسجدكم هذا ، مسجد المدينة ، قال : فقلت : شهدت أباك يذكر هذا . 5577 - حدثنا يونس ، أخبرنا ابن وهب ، حدثني الليث وحدثنا بحر بن نصر ، قال : قرئ على شعيب بن الليث : أخبرك أبوك وحدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ، قال : أخبرنا أبي وشعيب بن الليث ، عن الليث ، ثم اجتمعوا فقالوا جميعا ، عن عمران بن أبي أنس ، عن سعيد بن أبي سعيد الخدري ، عن أبي سعيد الخدري أنه قال : تمارى رجلان في المسجد الذي أسس على التقوى ، فقال رجل : هو مسجد قباء ، وقال الآخر : هو مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هو مسجدي هذا . 5578 - وحدثنا فهد بن سليمان ، حدثنا الحسن بن الربيع ، حدثنا عبد الله بن إدريس ، عن ربيعة بن عثمان ، عن عمران بن أبي أنس ، عن سهل بن سعد ، قال : تمارى رجلان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد الذي أسس على التقوى ، أحدهما من أهل العالية ، والآخر من أهل المدينة ، فقال أحدهما : هو مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال الآخر : هو مسجد قباء ، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : هو مسجدي هذا . قال أبو جعفر : فكانت هذه الآثار صحيحة الأسانيد ، مقبولة الرواة ، كلها تخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير حديث ابن مرزوق الذي لم يذكر فيه النبي صلى الله عليه وسلم أنه مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقد زعم قوم : أنه مسجد سعد بن خيثمة ، يعني : مسجد قباء وذكروه ، عن عروة بن الزبير . 5579 - كما حدثنا أحمد بن داود ، حدثنا هدبة بن خالد ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن هشام بن عروة ، عن عروة ، قال : مسجد قباء هو المسجد الذي أسس على التقوى . قالوا : ومما يؤكد ذلك بنيان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه إياه بأيديهم ، وذكروا في ذلك . 5580 - ما قد حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب ، حدثنا عمي عبد الله بن وهب ، أخبرني يحيى بن أيوب ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه عن عائشة ، قالت : أول من حمل حجرا لقبلة مسجد قباء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم حمل أبو بكر حجرا آخر ، ثم حمل عمر آخر ، ثم حمل عثمان آخر ، فقلت : يا رسول الله ، ألا ترى هؤلاء يتبعونك ؟ فقال : أما إنهم أمراء الخلافة بعدي . وذكروا مع ذلك مما يحتجون به لقولهم : هذا حديثا منقطعا وهو . 5581 - ما قد حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، حدثنا عارم ، حدثنا حماد بن زيد ، عن أيوب عن سعيد بن جبير ، قال : ذكر أن بني عمرو بن عوف ابتنوا مسجدا ، فبعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم ، فيصلي في مسجدهم ، فلما أن رأى ذلك إخوتهم بنو غنم بن عوف حسدوهم ، فقالوا : نبني نحن أيضا مسجدا كما ابتنى إخواننا ، ونرسل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، ولعل أبا عامر أن يمر بنا ، فيصلي فيه ، فبنوا مسجدا وأرسلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم فيصلي في مسجدهم كما صلى في مسجد إخوتهم ، فلما جاءه الرسول قام ليأتيهم ، أو هم أن يأتيهم ، فأنزل الله تعالى : وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ إلى قوله : لا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ . وشدوا ذلك بحديث متصل وهو . 5582 - ما قد حدثنا إسماعيل بن إسحاق بن سهل الكوفي ، حدثنا هشام بن عمار ، حدثنا صدقة ، حدثنا عتبة بن أبي حكيم ، حدثني طلحة بن نافع ، حدثني أبو أيوب الأنصاري ، وجابر بن عبد الله ، وأنس بن مالك أن هذه الآية لما أنزلت : فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : يا معشر الأنصار ، إن الله قد أثنى عليكم خيرا في الطهور ، فما طهوركم هذا ؟ قالوا : نتوضأ للصلاة ، ونغتسل من الجنابة ، ونستنجي بالماء ، قال : هو ذاك ، فعليكم به . قالوا : فدل ذلك على أن المسجد الذي نزلت فيه هذه الآية هو خلاف مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو مسجد قباء ، لأن في الآية : فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وهم الأنصار دون من سواهم . وكان من حجتنا على قائل ذلك القول : أن أولئك الرجال كانوا في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ، لأن مسجده كان معمورا بالمهاجرين والأنصار ومن سواهم من صحبه ، فلم يكن في هذا الحديث ما يدل على خلاف الأحاديث الأول ، وكان حديث إبراهيم ، عن عارم حديثا منقطعا ، لا يقاوم مثله الأحاديث المتصلة ، التي رويناها في صدر هذا الباب ، فثبت بذلك : أن المسجد الذي أسس على التقوى هو المسجد المذكور فيها ، وهو مسجد النبي صلى الله عليه وسلم الذي بمدينته ، لا ما سواه من المساجد ، والله نسأله التوفيق .
19 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي السَّبَبِ الَّذِي فِيهِ نَزَلَتْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ إلَى قَوْلِهِ : فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ . 137 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، وَحَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ الْعَبْدِيُّ ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، وَحَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُد ، حَدَّثَنَا مُسَدِّدٌ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنْ وَهْبِ بْنِ رَبِيعَةَ ، عَنْ ( عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : إنِّي لَمُسْتَتِرٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ إذْ جَاءَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ ثَقَفِيٌّ وَخَتَنَاهُ قُرَشِيَّانِ ، كَثِيرٌ شَحْمُ بُطُونِهِمْ ، قَلِيلٌ فِقْهُ قُلُوبِهِمْ ، فَتَحَدَّثُوا بَيْنَهُمْ بِحَدِيثٍ فَقَالَ أَحَدُهُمْ : أَتَرَى اللَّهَ يَسْمَعُ مَا قُلْنَاهُ ؟ قَالَ أَحَدُهُمْ : أَرَاهُ يَسْمَعُ إذَا رَفَعْنَا ، وَلَا يَسْمَعُ إذَا خَفَضْنَا . وَقَالَ الْآخَرُ : إنْ كَانَ يَسْمَعُ مِنْهُ شَيْئًا إنَّهُ يَسْمَعُهُ كُلَّهُ ، فَذَكَرْت ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ حَتَّى بَلَغَ الْمُعْتَبِينَ ) . 138 - وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي دَاوُد ، حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، قَالَ يَحْيَى : قَالَ سُفْيَانُ : وَحَدَّثَنَا مَنْصُورٌ عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَخْبَرَةَ الْأَزْدِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ نَحْوَهُ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ دَاوُد ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي سَمِينَةَ الْبَغْدَادِيُّ قَالَ : قَالَ قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ قَالَ لِي قُطْبَةُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ : كُنْت أَنَا وَسُفْيَانُ نَتَذَاكَرُ حَدِيثَ الْأَعْمَشِ ، فَذَكَرْت حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ ، كُنْت مُتَعَلِّقًا بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ فَقُلْت : عَنْ عُمَارَةَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ لِي سُفْيَانُ : عُمَارَةُ عَنْ وَهْبِ بْنِ رَبِيعَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ فَقُمْت مِنْ فَوْرِي إلَى الْأَعْمَشِ فَقُلْت : يَا أَبَا مُحَمَّدٍ ، عِنْدَك حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ كُنْت مُتَعَلِّقًا بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ ؟ فَقَالَ عُمَارَةُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ فَقُلْت : إنَّ سُفْيَانَ يَقُولُ : عُمَارَةُ عَنْ وَهْبِ بْنِ رَبِيعَةَ فَقَالَ لِي : أَمْهِلْ ، فَجَعَلَ يُهِمُّهُمْ كَمَا يُهِمُّهُمْ الْبَعِيرُ ، ثُمَّ قَالَ : أَصَابَ سُفْيَانُ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَتَأَمَّلْنَا هَذِهِ الْآيَاتِ الْمَذْكُورَاتِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَوَجَدْنَا قَائِلًا مِنْ النَّاسِ قَدْ قَالَ : إنْ قِيلَ هَذِهِ الْآيَاتُ مِنْ السُّورَةِ اللَّاتِي هُنَّ فِيهَا مَا يَدُلُّ عَلَى اسْتِحَالَةِ مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ إذْ نُزُولُهُنَّ كَانَ مِنْ أَجْلِهِ ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى : وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ الْآيَةَ . فَكَانَ ذَلِكَ عَلَى شَيْءٍ يَكُونُ فِي الْقِيَامَةِ ، ثُمَّ أَتْبَعَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ إلَى قَوْلِهِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ فَكَانَ ذَلِكَ عَلَى قَوْلٍ يَكُونُ مِنْهُمْ حِينَئِذٍ خِطَابًا لِجُلُودِهِمْ عِنْدَ شَهَادَتِهِمْ عَلَيْهِمْ بِمَا شَهِدَتْ بِهِ عَلَيْهِمْ حِينَئِذٍ ، وَذَلِكَ كُلُّهُ كَائِنٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَيْسَ مِمَّا كَانَ فِي الدُّنْيَا ، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُوَبِّخًا لَهُمْ : وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ إلَى قَوْلِهِ : فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ أَيْ : حِينَئِذٍ . وَفِي ذَلِكَ مَا يَنْفِي أَنْ يَكُونَ مَا فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ الَّذِي رَوَيْته عَلَى مَا فِيهِ ؛ لِأَنَّ الَّذِي فِيهِ إنْزَالُ اللَّهِ إيَّاهُ عَلَى نَبِيِّهِ لِمَا كَانَ مِنْ أُولَئِكَ الْجُهَّالِ فِي الدُّنْيَا . فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ أَنَّهُ قَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْزَلَ عَلَى رَسُولِهِ فِي الْخَبَرِ الَّذِي ذَكَرَ لَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ مَا ذَكَرَهُ لَهُ عَنْ أُولَئِكَ الْجُهَّالِ تَوْبِيخًا لَهُمْ ، وَإِعْلَامًا مِنْ اللَّهِ إيَّاهُمْ بِذَلِكَ مَا أَعْلَمَهُمْ بِهِ فِيهِ ، ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ إلَى قَوْلِهِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ فَجَعَلَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ فِي الْمَكَانِ الَّذِي جَعَلَهُ فِيهِ مِمَّا هُوَ شَكِلٌ لِذَلِكَ ، وَوَصَلَهُ بِهِ إذْ كَانَ ذَلِكَ كُلُّهُ مِمَّا يُخَاطَبُ بِهِ أَهْلُ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . وَمِمَّا يُقَوِّي هَذَا الِاحْتِمَالَ الَّذِي قَدْ ذَكَرْنَا مَا قَدْ . 139 - حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُمْرَانَ الْحُمْرَانِيُّ ، حَدَّثَنَا عَوْفٌ الْأَعْرَابِيُّ ، عَنْ يَزِيدَ الْفَارِسِيِّ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : ( قُلْت لِعُثْمَانَ مَا حَمَلَكُمْ عَلَى أَنْ عَمَدْتُمْ إلَى الْأَنْفَالِ وَهِيَ مِنْ الْمَثَانِي ، وَإِلَى بَرَاءَةٌ ، وَهِيَ مِنْ الْمِئِينِ ، فَقَرَنْتُمْ بَيْنَهُمَا وَلَمْ تَكْتُبُوا بَيْنَهُمَا سَطْرًا . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَوَضَعْتُمُوهما فِي السَّبْعِ الطِّول ، فَمَا حَمَلَكُمْ عَلَى ذَلِكَ ؟ قَالَ : فَقَالَ عُثْمَانُ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْتِي عَلَيْهِ الزَّمَانُ وَهُوَ يَنْزِلُ عَلَيْهِ مِنْ السُّوَرِ ذَوَاتِ الْعَدَدِ ، فَكَانَ إذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الشَّيْءُ دَخَلَ بَعْضُ مَنْ يَكْتُبُ لَهُ ، فَيَقُولُ : ضَعُوا هَذَا فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا ، وَإِذَا نَزَلَتْ عَلَيْهِ الْآيَاتُ يَقُولُ : ضَعُوا هَذِهِ الْآيَاتِ فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا ، وَكَانَتْ الْأَنْفَالُ مِنْ أَوَّلِ مَا نَزَلَ بِالْمَدِينَةِ ، وَكَانَتْ بَرَاءَةٌ مِنْ آخِرِ الْقُرْآنِ ، وَكَانَتْ قِصَّتُهَا شَبِيهَةً بِقِصَّتِهَا ، فَظَنَنْت أَنَّهَا مِنْهَا ، وَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يُبَيِّنْ لَنَا أَنَّهَا مِنْهَا ، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ قَرَنْت بَيْنَهُمَا ، وَلَمْ أَكْتُبْ بَيْنَهُمَا سَطْرًا . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، وَوَضَعْتُهُمَا فِي السَّبْعِ الطِّول ) . فَأَخْبَرَ عُثْمَانُ أَنَّهُمْ كَانُوا يُؤْمَرُونَ أَنْ يَجْعَلُوا بَعْضَ الْآيِ الْمُنَزَّلِ عَلَيْهِمْ فِي سُورَةٍ مُتَكَامِلَةٍ قَبْلَ ذَلِكَ ، وَكَانَ فِي قَوْلِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَكَانَتْ قِصَّتُهَا شَبِيهَةً بِقِصَّتِهَا مَا قَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ إنَّمَا كَانُوا يُؤْمَرُونَ أَنْ يَجْعَلُوا مَا تَأَخَّرَ نُزُولُهُ مِنْ الْآيِ عِنْدَ الَّذِي يُشْبِهُهُ مِمَّا قَدْ تَقَدَّمَ نُزُولُهُ منهَا ، وَفِيمَا ذَكَرْنَا مَا قَدْ دَلَّ عَلَى احْتِمَالِ مَا وَصَفْنَا مِمَّا أَحَلْنَا بِهِ التَّأْوِيلَ الَّذِي ذَكَرْنَا عَنْهُ مَا ذَكَرْنَا ، وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
763 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله : من أدرك عرفة فقد أدرك الحج . 5734 - حدثنا علي بن معبد ، قال : حدثنا يعلى بن عبيد الطنافسي ، قال : حدثنا سفيان الثوري ، عن بكير بن عطاء ، عن عبد الرحمن بن يعمر الديلي ، قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم واقفا بعرفات ، فأقبل أناس من أهل نجد فسألوه عن الحج ، فقال : الحج يوم عرفة ومن أدرك جمعا قبل صلاة الصبح ، فقد أدرك الحج ، أيام منى ثلاثة أيام التشريق ، فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه ، ثم أردف خلفه رجلا فنادى بذلك . 5735 - حدثنا علي بن معبد ، قال : حدثنا شبابة بن سوار ، قال : حدثنا شعبة ، عن بكير بن عطاء ، عن عبد الرحمن بن يعمر ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم ذكر مثله ، غير أنه لم يذكر سؤال أهل نجد إياه ، ولا إردافه الرجل . فقال قائل : كيف تقبلون هذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنتم على خلافه ؟ لأنكم تقولون : إن من أدرك الوقوف بعرفة قبل طلوع الفجر ، قد بقيت عليه من الحج بقايا ، منها الوقوف بالمزدلفة ، ومنها رمي الجمار ، ومنها الحلق ، ومنها طواف الزيارة الذي هو أوكدها ، والذي لو لحق ببلده ولم يفعله أمر بالرجوع إلى مكة حتى يفعله بها ، وإنه باق في حرمة إحرامه على حاله ، ومنها طواف الصدر ، وإن كان ليس مثله في الوجوب ، والأشياء التي قد ذكرناها في هذه المعارضة تجزئ فيها الدماء ، ولا يجب على تاركها الرجوع لها إلى مكة كما يجب عليه لتركه طواف يوم النحر ، فكيف يكون من هذه سبيله مدركا للحج ؟ فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله - عز وجل - وعونه : أن الوقوف بعرفة لا يفوت بعده الحج ، وإن فوته يفوت به الحج ، وإذا جاز أن يكون الحج فائتا بفوت الوقوف بعرفة وبعده من أسباب الحج ما بعده منها ، جاز أن يقال : إن من أدرك الوقوف بعرفة مدرك للحج ؛ لأنه تصدر من يفوته الوقوف بها للحج . وهذا كلام عربي خاطب به رسول الله صلى الله عليه وسلم عربا يعقلون مراده منه ، ويفهمون معناه فيه ، وفيما ذكرنا دليل صحيح على نفي الاستحالة فيه ، ومثل هذا مما قد خاطبهم صلى الله عليه وسلم بمثله في غير الحج ، وهو قوله : من أدرك من الصلاة ركعة ، فقد أدرك الصلاة . ليس على معنى أنه كمن صلاها ، فلا يحتاج إلى أن يصلي ما يصلي ما بقي منها ، ولكنه قد أدرك من ثوابها ما قد أدركه من دخل فيها من أولها ، وفهم مراده به من خاطبه به ، رضوان الله عليهم ؛ لأن لغته لغتهم كما قال عز وجل : وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ، فإذا كان ما خاطبهم به قد تبينوا به مراده به ، غنوا عن الزيادة فيه ، كما قد جاء القرآن بأشياء متجاورة في هذا المعنى مثل هذا منها : وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الأَمْرُ جَمِيعًا ، وغني عما سوى ذلك مما قد اختلف أهل العلم باللغة فيه ، ما هو ؟ فقال بعضهم : هو لكفروا به ، وقال بعضهم : لكان هذا القرآن ، والله أعلم بمراده به . ومثل ذلك قوله عز وجل : وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ ، وغني بذلك عن ذكر ما يكون لولا فضله ورحمته لفهمهم المراد بذلك ، وفيما ذكرنا كشف المعنى فيما قد روينا في هذا الباب ، والله نسأله التوفيق .
20 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي الْمُرَادِ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ . 140 - حَدَّثَنَا يُونُسُ ، أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ اللَّيْثِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ الزُّبَيْرِ ، قَالَ : ( لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ إلَى قَوْلِهِ تَخْتَصِمُونَ قَالَ الزُّبَيْرُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَيُكَرَّرُ عَلَيْنَا مَا كَانَ فِي الدُّنْيَا مَعَ خَوَاصِّ الذُّنُوبِ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، حَتَّى يُؤَدَّى إلَى كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ ) . 141 - حَدَّثَنَا أَبُو أُمَيَّةَ ، حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ سَلَمَةَ الْخُزَاعِيُّ ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ الْقُمِّيُّ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي الْمُغِيرَةِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وَمَا نَعْلَمُ فِي أَيِّ شَيْءٍ نَزَلَتْ : ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ قَالَ قَائِلٌ : مَنْ نُخَاصِمُ وَلَيْسَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ أَهْلِ الْكِتَابِ خُصُومَةٌ ، فَمَنْ نُخَاصِمُ ؟ حَتَّى وَقَعَتْ الْفِتْنَةُ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : هَذَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا نَخْتَصِمُ فِيهِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أَنَّ مَا فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ قَدْ أَوْجَبَ تَضَادًّا لِمَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي السَّبَبِ الَّذِي كَانَ فِيهِ نُزُولُ هَذَا الْآيَةِ ، فَتَأَمَّلْنَا ذَلِكَ فَوَجَدْنَاهُ بِحَمْدِ اللَّهِ وَنِعْمَتِهِ خَالِيًا مِنْ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ مِنْهُمَا إنَّمَا فِيهِ مَا كَانَ مِنْ قَوْلِهِمْ عِنْدَ نُزُولِ الْآيَةِ ، وَمَا تَبَيَّنَ بِهِ عِنْدَ حُدُوثِ الْفِتْنَةِ أَنَّهُ الْمُرَادُ فِيهَا ، وَكَانَ ذَلِكَ تَأْوِيلًا مِنْهُ لَا حِكَايَةً مِنْهُ إيَّاهُ ، سَمَاعًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَكَانَ مَا فِي حَدِيثِ الزُّبَيْرِ جَوَابًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إيَّاهُ لَمَّا سَأَلَهُ عَمَّا ذَكَرَ مِنْ سُؤَالِهِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَمَّا يسألهُ إيَّاهُ عَنْهُ فِي حَدِيثِهِ ، وَجَوَابُ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَنْهُ ممَا أَجَابَهُ بِهِ ، وَلَمْ يُضَادَّهُ غَيْرُهُ مِمَّا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، وَلَا مِمَّا سِوَاهُ فِيمَا عَلِمْنَاهُ ، وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ
742 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أحكام الضوال . 5557 - حدثنا علي بن معبد ، حدثنا يعلى بن عبيد الطنافسي ، حدثنا أبو حيان التيمي ، عن الضحاك بن منذر ، عن منذر ، وهو ابن جرير ، قال : كنا في البوازيج فراحت البقر ، فرأى جرير فيها بقرة أنكرها ، فقال للراعي : ما هذه البقرة ؟ فقال : بقرة لحقت بالبقر لا أدري لمن هي ، فأمر بها جرير ، فطردت حتى توارت ، ثم قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : لا يأوي الضالة إلا ضال . قال أبو جعفر : فكان في هذا الحديث ، إعلام رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس أنه لا يأوي الضال إلا ضال ، واستعمل ما قاله عليه السلام جرير بعده في البقرة التي لحقت ببقره . ووجدنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوعيد في الضوال وإخباره الناس أنها حرق النار . 5558 - ما قد حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، حدثنا سليمان بن حرب ، حدثنا حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن أبي العلاء يزيد بن عبد الله بن الشخير ، عن أبي مسلم الجذمي ، عن الجارود ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ضالة المسلم حرق النار . 5559 - وما قد حدثنا محمد بن علي بن داود ، حدثنا عفان بن مسلم ، حدثنا همام ، حدثنا قتادة ، عن يزيد أخي مطرف ، عن أبي مسلم الجذمي ، عن الجارود ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم ذكر مثله . 5560 - وما قد حدثنا محمد بن علي ، حدثنا عفان بن مسلم ، حدثنا يحيى بن سعيد ، يعني : القطان ، حدثني حميد ، حدثنا الحسن ، عن مطرف بن الشخير ، عن أبيه ، قال : قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من بني عامر فقال : ألا أحملكم ؟ قلنا : نجد في الطريق هوامي الإبل ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ضالة المسلم حرق النار . 5561 - وما قد حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، حدثنا سعيد بن عامر ، حدثنا شعبة ، عن خالد الحذاء ، عن يزيد بن عبد الله بن الشخير ، عن أبي مسلم ، عن الجارود ، قال : أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن على إبل عجاف ، فقلنا : يا رسول الله ، إنا نمر بالجرف فنجد إبلا فنركبها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ضالة المسلم حرق النار . 5562 - وما قد حدثنا أحمد بن شعيب ، أخبرنا موسى بن عبد الرحمن ، أخبرنا أبو أسامة ، عن سفيان ، عن خالد الحذاء ، عن يزيد بن عبد الله ، عن مطرف ، عن الجارود ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : ضالة المسلم حرق النار ، فلا تقربنها . 5563 - وما قد حدثنا أحمد ، أخبرنا محمد بن عبد الله بن بزيع ، عن يزيد ، يعني : ابن زريع ، عن الجريري ، عن أبي العلاء ، عن مطرف ، عن أبي مسلم الجذمي ، هكذا قال : عن الجارود ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ضالة المسلم حريق النار ، فلا تقربنها ثلاثا . قال أبو جعفر : ثم نظرنا هل يروى ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يدل على أن ذلك القول مستعمل في كل الأحوال ، أو في خاص منها . 5564 - فوجدنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب قد حدثنا ، قال : حدثنا عمي عبد الله بن وهب ، حدثني عمرو بن الحارث أن بكر بن سوادة أخبره ، عن أبي سالم الجيشاني ، عن زيد بن خالد الجهني ، قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : من آوى ضالة فهو ضال ، ما لم يعرفها . 5565 - ووجدنا فهدا قد حدثنا ، قال : حدثنا سعيد بن أبي مريم ، أخبرنا يحيى بن أيوب ، أخبرني عمرو بن الحارث أن بكر بن سوادة أخبره ، عن أبي سالم الجيشاني ، عن زيد بن خالد الجهني ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم ذكره مثله . فعقلنا بذلك : أن الإيواء الذي أراده رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الأول الذي ذكرناه في أول هذا الباب ، وفي الأحاديث الثانية التي ذكرناها بعده : إنما هو الإيواء الذي ليس معه التعريف ، وعقلنا بهذا الحديث : أن الإيواء الذي معه التعريف محمود من صاحبه ، وأنه في ذلك بخلاف الضال الذي جعله رسول الله صلى الله عليه وسلم بإيواء الضالة ضالا ، فنظرنا : هل نجده روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غير هذه الآثار ؟ . 5566 - فوجدنا يونس قد حدثنا ، قال : حدثنا ابن وهب ، أخبرني عمرو بن الحارث ، ومالك بن أنس ، وسفيان الثوري أن ربيعة بن أبي عبد الرحمن حدثهم ، عن يزيد مولى المنبعث ، عن زيد بن خالد الجهني أنه قال : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا معه ، فسأله عن اللقطة ، فقال : اعرف عفاصها ووكاءها ، ثم عرفها سنة ، فإن جاء صاحبها ، وإلا فشأنك بها ، قال : فضالة الغنم ، قال : لك أو لأخيك أو للذئب ، قال : فضالة الإبل ، قال : معها سقاؤها وحذاؤها ترد الماء وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها . 5567 - ووجدنا فهد بن سليمان وعلي بن عبد الرحمن قد حدثانا ، قالا : حدثنا سعيد بن أبي مريم ، حدثنا يحيى بن أيوب ، حدثني محمد بن عجلان ، حدثني القعقاع بن حكيم ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن ضالة الغنم ، قال : لك أو لأخيك أو للذئب ، وسئل عن ضالة الإبل ، فقال مالك : ولها معها سقاؤها وحذاؤها ، دعها حتى يجدها ربها . 5568 - ووجدنا يونس قد حدثنا ، قال : حدثنا ابن وهب ، أخبرني عمرو بن الحارث وهشام بن سعد ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، أن رجلا من مزينة أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله : كيف ترى في ضالة الغنم ، قال : طعام مأكول لك ، أو لأخيك ، أو للذئب ، احبس على أخيك ضالته ، قال : يا رسول الله ، فكيف ترى في ضالة الإبل ، قال : مالك ولها معها سقاؤها وحذاؤها ، وليس يخاف عليها الذئب ، تأكل الكلأ ، وترد الماء حتى يأتي طالبها . قال أبو جعفر : فكان فيما روينا من حديثي عبد الله بن عمرو وزيد بن خالد الجهني ، ما قد دل على إباحة رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ ما أباح أخذه من الضوال الموجودة ، وكان ذلك الأخذ على تصحيح حديث أبي سالم ، عن زيد بن خالد ، هو الأخذ الذي معه التعريف لا ما سواه ، وكان فيه في ضالة الإبل ما ظاهره خلاف ذلك ، لأن فيه مالك ولها معها سقاؤها وحذاؤها ترد الماء وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها ، فاحتمل أن يكون ذلك إنما أمر به في ضالة الإبل لما أنه لا يخاف عليها ، فاتسع بذلك لمن وجدها تركها ، إذ لا خوف عليها فيتسع له أخذها من أجله . ثم وجدنا ما قد يكون مخوفا عليها من غير الذئب مما يخاف عليها من الأيدي المذمومة التي لا يؤمن عليها ، ولا يعرف بها إن وقعت فيها ، وتكون الأيدي التي لا يخافها المأمونة عليها والمعروفة بها بعد أخذها ، بخلاف ذلك ، ويكون ما في حديث أبي سالم ، عن زيد بن خالد مبيحا أخذها لتعريفها ولردها على صاحبها متى قدر عليه ، لأن حديث زيد بن خالد هذا لا يفرق بين ضوال الإبل وضوال ما سواها . وقد روي عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قد دل على هذا المعنى ، 5569 - كما حدثنا يونس بن عبد الأعلى ، أخبرني أنس بن عياض الليثي ، عن يحيى بن سعيد ، قال : سمعت سليمان بن يسار يحدث أن ثابت بن الضحاك حدثه أنه وجد بعيرا ، فذكره لعمر بن الخطاب ، فأمره أن يعرفه ، فقال : قد عرفته ، فشغل علي غلامي ، فذكر أنه قال له : أرسله حيث أخذته . 5570 - وكما قد حدثنا يونس ، أخبرنا ابن وهب أن مالكا حدثه ، عن يحيى بن سعيد ، ثم ذكر بإسناده مثله ، غير أنه لم يذكر غلامه فيه . 5571 - وكما قد حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، حدثنا القعنبي ، حدثنا مالك ، فذكر بإسناده مثله . قال أبو جعفر : وثابت بن الضحاك هو رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، فقد أخذ البعير الضال ليعرفه ، ووقف عمر على ذلك منه ، فلم ينكره عليه ، ولم يعنفه في أخذه إياه ، فدل ذلك في أمر الضوال من الإبل على ما ذكرنا . وأحكام الضوال عندنا كأحكام اللقطة سواء ، وقد خالفنا في ذلك مخالف ، فزعم أن اللقطة خلاف الضوال ، وأن الضوال ما ضل بنفسه ، وأن اللقطة بخلاف ذلك ، فجعل أحكام اللقطة ما في حديث زيد بن خالد ، وجعل أحكام الضوال على ما في الأحاديث الأخر ، فأباح أخذ اللقطة ، ومنع من أخذ الضوال . فتأملنا ما قال من ذلك ، فوجدنا كتاب الله عز وجل قد دفعه ، وهو قوله عز وجل : ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا ، فجعل عز وجل فقدهم إياهم ضلالا لهم بهم عنهم . ومثل ذلك ما قد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث فقد عائشة قلادتها : إن أمكم أضلت قلادتها فابتغوها ، فدل ذلك على أن الفقد لما له روح ، ولما لا روح له ، قد يطلق عليه أنه ضال ، وفيما ذكرنا ما قد دل على أن أحكام الضوال وأحكام اللقطة في جميع ما ذكرنا سواء . وهكذا كان أبو حنيفة وأصحابه يقولون في هذا ، وقد ذكرنا اختلافهم في يد الملتقط ، وأن بعضهم جعلها ضامنة إذا لم يشهد ملتقطها على أنه إنما التقط ما التقطه للتعريف والحفظ على صاحبها . وأن بعضهم جعلها يد أمانة لا ضمان معها ، أشهد ملتقطها عندما التقطها ، أو لم يشهد . ثم وجدنا حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدل على حكمها ، وأنها يد أمانة غير ضامنة ، وهو ما قد . 5572 - حدثنا علي بن عبد الرحمن بن المغيرة ، حدثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب وما قد حدثنا روح بن الفرج ، حدثنا عبد الله بن محمد الفهمي قالا : أخبرنا سليمان بن بلال ، قال : علي بن عبد الرحمن في حديثه ، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن ، ويحيى بن سعيد ، عن يزيد مولى المنبعث ، أنه سمع زيد بن خالد ، وقال : روح في حديثه ، قال : حدثني يحيى بن سعيد وربيعة ، عن يزيد مولى المنبعث ، عن زيد بن خالد الجهني ، ثم اجتمعا فقالا : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اللقطة الذهب والورق ، فقال : اعرف وكاءها وعفاصها ، ثم عرفها سنة ، فإن لم يعرفها أحد فاستمتع بها ، ولتكن وديعة عندك ، فإن جاء لها طالب يوما من الدهر ، فأدها إليه ، ثم ذكر بقية حديث عمرو بن الحارث ، ومالك بن أنس ، وسفيان الثوري ، عن ربيعة ، عن يزيد مولى المنبعث ، الذي قد ذكرناه فيما تقدم منا في هذا الباب . فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث ، أن اللقطة تكون وديعة عند الملتقط لها حتى يلقى ربها بغير إشهاد ذكره في التقاطه إياها ، كالوديعة فالذي هي في يده أمين عليها غير ضامن لها . ففي ذلك ما قد دل على أن كونها في يد الملتقط لها إذا كان يريد بها ما أمره النبي صلى الله عليه وسلم ، فيده فيها يد أمانة عليها ، لا يد ضمان لها . ووجدنا أيضا في حديث عبد الله بن عمرو الذي ذكرناه في هذا الباب من حديث عمرو بن شعيب قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لسائله ، عن ضالة الغنم : احبس على أخيك ضالته ، ما قد دل على أن أخذه إياها لحبسها على أخيه أخذ مأمور به ، ولا يكون مع الأخذ المأمور به ضمان على من أمر به ، وقد يحتمل قوله : احبس على أخيك ضالته ، أن لا يكون مقصودا به إلى ضالة دون ضالة ، وأن يكون على كل الضوال ، والله أعلم بمراد رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك ، والله الموفق .
21 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ قَوْلِهِ : ( وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ ) . 142 - وَحَدَّثَنَا يُونُسُ ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ بَكْرٍ ، وَحَدَّثَنَا الرَّبِيعُ الْمُرَادِيُّ ، حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ ، حَدَّثَنَا حَسَّانُ بْنُ عَطِيَّةَ ، حَدَّثَنِي أَبُو كَبْشَةَ السَّلُولِيُّ ، قَالَ : سَمِعْت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو يَقُولُ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَقُولُ : ( بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً ، وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ ) . 143 - حَدَّثَنَا بَكَّارَ بْنُ قُتَيْبَةَ ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ قَالَا : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ ، عَنْ حَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةَ ، عَنْ أَبِي كَبْشَةَ السَّلُولِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَا مِثْلَهُ . 144 - حَدَّثَنَا يُونُسُ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : ( حَدِّثُوا عَنْ بَنِي إسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ ) . فَتَأَمَّلْنَا مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ قَوْلِهِ لِأُمَّتِهِ : وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ ، فَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَنَا - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - إرَادَةً مِنْهُ أَنْ يَعْلَمُوا مَا كَانَ فِيهِمْ مِنْ الْعَجَائِبِ الَّتِي كَانَتْ فِيهِمْ ؛ وَلِأَنَّ أُمُورَهُمْ كَانَتْ الْأَنْبِيَاءُ تَسُوسُهَا . 145 - كَمَا حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي دَاوُد ، حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ أَبِي الْحَجَّاجِ الْمُنْقِرِيُّ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُحَادَةَ ، عَنْ فُرَاتٍ الْقَزَّازِ ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إنَّ بَنِي إسْرَائِيلَ كَانَ يَسُوسُهُمْ الْأَنْبِيَاءُ ، كُلَّمَا مَاتَ نَبِيٌّ قَامَ نَبِيٌّ ) . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَكَانَ فِيمَا يَتَحَدَّثُونَ بِهِ مِنْ ذَلِكَ مَا عَسَى أَنْ يَعِظَهُمْ وَيُحَذِّرَهُمْ مِنْ الْخُرُوجِ عَنْ التَّمَسُّكِ بِدِينِ اللَّهِ ، كَمَا خَرَجَتْ عَنْهُ بَنُو إسْرَائِيلَ ، فَيُعَاقِبَهُمْ بِمِثْلِ مَا عَاقَبَهُمْ بِهِ ، وَكَانَ مَعَ ذَلِكَ عَلَيْهِ السَّلَامُ يُحَدِّثُهُمْ مِنْهَا . 146 - كَمَا قَدْ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي دَاوُد ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ الْوَاشِحِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو هِلَالٍ الرَّاسِبِيُّ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَبِي حَسَّانَ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ : ( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَّةَ لَيْلِهِ يُحَدِّثُ عَنْ بَنِي إسْرَائِيلَ مَا يَقُومُ إلَّا لِعُظْمِ صَلَاةٍ ) . وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَكَانَ قَوْلُهُ عَقِيبًا لِمَا أَمَرَهُمْ بِهِ مِنْ الْحَدِيثِ عَنْ بَنِي إسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ ، أَيْ : وَلَا حَرَجَ عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تُحَدِّثُوا عَنْهُمْ كَمِثْلِ مَا قَالَ مِمَّا قَدْ رُوِيَ عَنْهُ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ : . 147 - كَمَا حَدَّثَنَا بَكَّارَ ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، حَدَّثَنَا ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ ، عَنْ حُصَيْنٍ الْحُبْرَانِيِّ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخير ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : ( مَنْ اكْتَحَلَ فَلْيُوتِرْ ، مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ ، وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ ، وَمَنْ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ ، مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ ، وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ ، وَمَنْ أَتَى الْخَلَاءَ فَلْيَسْتَتِرْ ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا كَثِيبَ رَمْلٍ فَلْيَجْمَعْهُ فَلْيَسْتَدْبِرْهُ ، فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ تَلْعَبُ بِمَقَاعِدِ بَنِي آدَمَ ، مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ ، وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ ، وَمَنْ أَكَلَ طَعَامًا فَمَا تَخَلَّلَ فَلْيُلْقِهَا ، وَمَا لَاكَ بِلِسَانِهِ فَلْيَبْلَعْ ، مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ ، وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ ) . قَالَ : فَكَانَ مَا أَمَرَ بِهِ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الْمَذْكُورَةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِمَّا أَتْبَعَ أَمْرَهُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا قَوْلَهُ : وَلَا حَرَجَ ، أَيْ : وَلَا حَرَجَ عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا مَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ مِنْ ذَلِكَ ، إذْ كَانَ مَا أَمَرَهُمْ بِهِ مِنْهُ عَلَى الِاخْتِيَارِ لَا عَلَى الْإِيجَابِ ، فَكَانَ مِثْلُ ذَلِكَ مَا أَمَرَهُمْ بِهِ مِنْ الْحَدِيثِ عَنْ بَنِي إسْرَائِيلَ ، مِمَّا أَتْبَعَهُ قَوْلَهُ : وَلَا حَرَجَ ، مِثْلُ ذَلِكَ أَيْضًا عَلَى التَّوْسِعَةِ مِنْهُ عَلَيْهِمْ ، أَنْ لَا يُحَدِّثُوا عَنْهُمْ إنْ شَاءُوا ؛ لِأَنَّ مَا أَمَرَهُمْ بِهِ إنَّمَا كَانَ عَلَى الِاخْتِيَارِ لَا عَلَى الْإِيجَابِ ، وَكَانَ تِلْكَ مِنَّةً مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِ عَقِيبًا لِقَوْلِهِ لَهُمْ : بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً ، مِمَّا أَمَرَهُمْ بِهِ إيجَابًا عَلَيْهِمْ ، فَأَتْبَعَ ذَلِكَ فِي أَمْرِهِ مَا أَمَرَهُمْ بِهِ مِنْ الْحَدِيثِ عَنْ بَنِي إسْرَائِيلَ ، بِبَيَانِ مُخَالَفَةِ ذَلِكَ لِمَا قَبْلَهُ ، إذْ كَانَ مَا قَبْلَهُ عَلَى الْوُجُوبِ ، وَاَلَّذِي بَعْدَهُ عَلَى الِاخْتِيَارِ .
764 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله : إن أحق ما وفيتم به من الشروط ما استحللتم به الفروج . حدثنا أبو القاسم هشام بن محمد بن قرة بن أبي خليفة الرعيني ، قال : حدثنا أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي ، قال : . 5736 - حدثنا الربيع بن سليمان المرادي ، قال : حدثنا شعيب بن الليث بن سعد ، قال : حدثنا الليث بن سعد ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن أبي الخير ، عن عقبة بن عامر الجهني : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن أحق ما وفيتم به من الشروط ما استحللتم به الفروج . 5737 - حدثنا أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم البرقي ، قال : حدثنا عمرو بن أبي سلمة الدمشقي ، عن زهير بن محمد ، قال : أخبرني ابن جريج ، عن يزيد بن أبي حبيب أن أبا الخير حدثه ، عن عقبة بن عامر الجهني ، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله ، ولم يذكر في إسناده بين ابن جريج وبين يزيد بن أبي حبيب أحدا . قال أبو جعفر : فنظرنا هل سمعه ابن جريج من يزيد ، أو أخذه عن غيره عنه ؟ . 5738 - فوجدنا عبد الملك بن مروان الرقي قد حدثنا ، قال : حدثنا حجاج بن محمد ، عن ابن جريج ، قال : حدثني سعيد بن أيوب ، هكذا أملاه علينا ، وإنما هو ابن أبي أيوب ، عن يزيد بن أبي حبيب : أن أبا الخير حدثه ، عن عقبة بن عامر الجهني ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : إن أحق الشروط أن يوفى بها ما استحللتم به الفروج . فوقفنا بذلك على أن ابن جريج إنما أخذ هذا الحديث ، عن سعيد بن أبي أيوب ، عن يزيد . ثم تأملنا متن هذا الحديث لنقف على المراد به إن شاء الله ، فوجدنا الله - عز وجل - قد قال في كتابه : وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً ، وقال : وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ، وقال : فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا ، حضا منه لهم على إمساكهن لما عسى أن يكون قد علمه - عز وجل - لهم في ذلك من الخيرة فيما يفعلونه من ذلك . ثم قال : وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا ، فجعل أخذهم إياه منهن من حيث لا ينبغي أخذهم إياه منهن بهتانا وإثما مبينا . ثم قال : وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا ، وكان الإفضاء المذكور في هذه الآية هو الجماع ، الذي كان بينهم ، والميثاق المذكور فيها هو العقد الذي كان فيه إحلالهن فروجهن لمن تزوجهن . وقال الله - عز وجل - على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم . 5739 - ما قد حدثنا علي بن معبد ، قال : حدثنا يونس بن محمد ، قال : حدثنا حسين بن عازب بن شبيب بن غرقدة أبو غرقد ، عن شبيب بن غرقدة ، عن سليمان بن عمرو ، وهو ابن الأحوص الأزدي ، عن عمرو بن الأحوص ، قال : خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع ، فقال : في خطبته ألا واتقوا الله - عز وجل - في النساء ، فإنما هن عندكم عوان ، أخذتموهن بأمانة الله - عز وجل - واستحللتم فروجهن بكلمة الله ، لكم عليهن حق ، ولهن عليكم حق ، ومن حقكم عليهن أن لا يأذن في بيتكم إلا بإذنكم ، ولا يوطئن فرشكم من تكرهون ، فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع واضربوهن ضربا غير مبرح ، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا ، وإن من حقهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف . قال أبو جعفر : فكان عقد التزويج يوجب هذه الأشياء المذكورات فيما ذكرنا للزوجات على الأزواج بعقد التزويجات اللاتي يعقدونها بينهم ، وكانت بذلك مشترطات من الله - عز وجل - للزوجات على الأزواج ، فكانت أحق ما وفي به ؛ لأن ما يشترطه الآدميون بعضهم لبعض كان واجبا على من شرطه منهم الوفاء به لمن اشترطه له على نفسه ، وإذا كان ذلك كذلك فيما اشترطه بعضهم لبعض كان ما اشترطه الله - عز وجل - لبعضهم على بعض أحق بالوفاء به مما سواه مما يشترطه بعضهم لبعض ، ولا سيما ما قد جعل في انتهاك حرمته من العقوبات ما قد جعل من النكال ومن الحدود التي في بعضها فوات الأنفس ، وما كان كذلك كان معقولا أن في الأشياء التي ترفع ذلك - وهي العقوبة - التي معها إباحة ذلك ووصف الله - عز وجل - ما قد جعله سببا له بقوله : وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ، وما كان تكون به المودة والرحمة مع علو رتبتهما ضدا لما قابله من العقوبة بالنكال ، وما سواه مما ذكرنا ، وأحق الأشياء بذوي الألباب اختيار ما ذكرنا من الأشياء المحمودات على أضدادها من الأشياء المذمومات ، وبالله التوفيق .
22 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ نَهْيِهِ عَنْ بَيْعِ الثُّنْيَا . 148 - حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُد ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ ، وَهُوَ ابْنُ زَيْدٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، وَسَعِيدِ بْنِ مِينَاءَ ، عَنْ جَابِرٍ : أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ ( نَهَى عَنْ الْمُحَاقَلَةِ وَالْمُزَابَنَةِ وَالْمُخَابَرَةِ ) . وَقَالَ أَحَدُهُمَا : وَالْمُعَاوَمَةِ ، وَقَالَ الْآخَرُ : بَيْعُ السِّنِينَ ، وَنَهَى عَنْ الثُّنْيَا . قَالَ : وَرَخَّصَ فِي الْعَرَايَا . 149 - حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفِرْيَابِيُّ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ وَهُوَ ابْنُ زَيْدٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، وَسَعِيدِ بْنِ مِينَاءَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ ( نَهَى عَنْ الْمُزَابَنَةِ ، وَعَنْ الْمُحَاقَلَةِ وَالْمُعَاوَمَةِ وَالْمُخَابَرَةِ ) . قَالَ أَحَدُهُمَا : وَعَنْ بَيْعِ السِّنِينَ ، وَعَنْ الثُّنْيَا ، وَرَخَّصَ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا . فَكَانَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ النَّهْيَ عَنْ بَيْعِ الثُّنْيَا مُطْلَقًا ، وَكَانَ فِي ذَلِكَ إنْ لَمْ يَكُنْ حَقِيقَةً بِخِلَافِ ظَاهِرِهِ الْمَنْعُ مِنْ الْبَيْعِ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ الثُّنْيَا . فَتَأَمَّلْنَا ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي هَذَا الْمَعْنَى سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ ، هَلْ نَجِدُ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى إيضَاحِ حَقِيقَةِ مُرَادِهِ فِي ذَلِكَ . 150 - فَوَجَدْنَا ابْنَ أَبِي دَاوُد قَدْ حَدَّثَنَا قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْوَاسِطِيُّ ، حَدَّثَنَا عَبَّادٌ ، وَهُوَ [ ابْنُ ] الْعَوَّامِ ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ قَالَ : حَدَّثَنِي الثِّقَةُ يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ جَابِرٍ ( أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثُّنْيَا حَتَّى تُعْلَمَ ) . فَانْكَشَفَ لَنَا بِذَلِكَ حَقِيقَةُ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ النَّهْيُ فِي حَدِيثِ أَبِي الزُّبَيْرِ ، وَسَعِيدٍ مِنْ بَيْعِ الثُّنْيَا ، وَأَنَّهَا الثُّنْيَا لَيْسَتْ بِمَعْلُومَةٍ ، وَأَنَّ الثُّنْيَا الْمَعْلُومَةَ بِخِلَافِهَا ، وَأَنَّ الْمُسْتَثْنَاةَ فِيهِ جَائِزٌ ، إذْ كَانَتْ مَعْلُومَةً ، وَإِذْ كَانَ مَا يَبْقَى بَعْدَهَا مِنْ الْبَيْعِ مَعْلُومًا بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ ، وَأَنَّ عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ حَفِظَ عَنْ جَابِرٍ فِيمَا حَدَّثَهُمْ بِهِ مِنْ ذَلِكَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا لَمْ يَحْفَظْهُ أَبُو الزُّبَيْرِ وَلَا سَعِيدٌ ، فَكَانَ بِذَلِكَ مَا رَوَى فِيهِ عَنْ جَابِرٍ أَوْلَى مِمَّا رَوَيَاهُ فِيهِ عَنْهُ . وَقَدْ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْبَيْعِ إذَا كَانَتْ جُزْءًا مِنْ أَجْزَاءِ مَبِيعٍ . فَكَانَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ يَقُولُ فِي ذَلِكَ : . 151 - مَا حَدَّثَنَا يُونُسُ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ مَالِكٌ الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا أَنَّ الرَّجُلَ إذَا بَاعَ ثَمَرَ حَائِطِهِ أَن [ لَهُ أَنْ ] يَسْتَثْنِيَ مِنْهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ ثُلُثِ الثَّمَرِ ، لَا يُجَاوِزُ ذَلِكَ ، وَمَا كَانَ مِنْ دُونِ الثُّلُثِ فَلَا بَأْسَ بِهِ إذَا كَانَ يَرَى أَنَّهُ الثُّلُثُ فَأَدْنَى . وَقَدْ خَالَفَهُ فِي ذَلِكَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَزُفَرُ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، فَأَجَازُوا الْبَيْعَ بِهَذَا الِاسْتِثْنَاءِ ، وَلَمْ يُفَرِّقُوا فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ إذَا كَانَ دُونَ الثُّلُثِ أَوْ الثُّلُثَ ، أَوْ أَكْثَرَ مِنْهُ إذْ كَانَ ثَمَرٌ مَا يَبْقَى بَعْدَهُ مَعْلُومًا . وَفِي حَدِيثِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ الَّذِي قَدْ رَوَيْنَاهُ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ حَدِيثِ عَطَاءٍ ، عَنْ جَابِرٍ مِنْ نَهْيِهِ عَنْ بَيْعِ الثُّنْيَا حَتَّى تُعْلَمَ مَا قَدْ دَلَّ عَلَى مَا قَالُوا مِنْ ذَلِكَ إذَا كَانَ مَا دَخَلَ فِي الْبَيْعِ بَعْدَ الثُّنْيَا مَعْلُومًا ، وَكَانَ ثَمَرُهُ مَعْلُومًا ، وَكَانَ هَذَا الْقَوْلُ أَوْلَى الْقَوْلَيْنِ عِنْدَنَا فِي ذَلِكَ ؛ لِمُوَافَقَةِ أَهْلِ الْعِلْمِ مَا قَدْ رَوَيْنَاهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِيهِ .
741 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمره الملتقط بالإشهاد على ما التقطه . 5552 - حدثنا محمد بن خزيمة ، حدثنا معلى بن أسد العمي ، حدثنا عبد العزيز بن المختار ، عن خالد الحذاء ، عن يزيد بن الشخير ، عن مطرف بن الشخير ، عن عياض بن حمار المجاشعي ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : من التقط لقطة فليشهد ذوي عدل ولا يكتم ولا يغيرها ، فإن جاء ربها فهو أحق بها ، وإلا فمال الله يؤتيه من يشاء . 5553 - وحدثنا أحمد بن شعيب ، أخبرنا علي بن حجر ، حدثنا هشيم ، عن خالد وهو الحذاء ، عن يزيد بن عبد الله بن الشخير ، عن مطرف ، عن عياض بن حمار المجاشعي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : من أخذ لقطة فليشهد ذوي عدل ، وليحفظ عفاصها ووكاءها ، ولا يكتم ولا يغيرها ، فإن جاء صاحبها فهو أحق بها ، وإلا فهو مال الله يؤتيه من يشاء . قال أبو جعفر : هكذا وجدنا هذا الحديث من روايتي عبد العزيز بن المختار وهشيم بن بشير ، عن خالد الحذاء ، وقد وجدناه من رواية شعبة ، عن خالد الحذاء بزيادة على ذلك . 5554 - كما قد حدثنا يزيد بن سنان ، حدثنا سعيد بن عامر ، حدثنا شعبة ، عن خالد الحذاء ، عن يزيد بن عبد الله بن الشخير ، عن مطرف ، عن عياض بن حمار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : من التقط لقطة فليشهد ذا عدل أو ذوي عدل ، ثم لا يكتم ولا يغيب ، فإن جاء صاحبها فهو أحق بها ، وإلا فهو مال الله يؤتيه من يشاء . قال أبو جعفر : وكان ما في هذا الحديث ، فليشهد ذا عدل أو ذوي عدل ، وهو عندنا ، والله أعلم على الشك من شعبة فيما سمعه من خالد في ذلك ، لأنه إنما كان يحدث من حفظه ، والحفظ قد يقع فيه مثل هذا ، وهشيم أيضا فقد كان يحدث من حفظه ، وحفظه معهود منه مثل هذا ، وعبد العزيز فإنما كان حديثه من كتابه ، فما روياه عندنا من ذلك أولى مما رواه شعبة فيه ، لأن الاثنين أولى بالحفظ من الواحد . ثم وجدنا هذا الحديث من رواية حماد بن سلمة ، عن خالد الحذاء مخالفا لما قد ذكرناه قبله في إسناده ، ومقصرا في متنه عنهم . 5555 - كما قد حدثنا يزيد بن سنان ، قال : حدثنا موسى بن إسماعيل ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن خالد الحذاء ، عن أبي قلابة ، عن مطرف بن عبد الله بن الشخير ، عن عياض بن حمار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل ، عن اللقطة ، فقال : تعرف ولا تغيب ولا تكتم ، فإن جاء صاحبها وإلا فهو مال الله يؤتيه من يشاء . ووجدنا عند حماد بن سلمة أيضا هذا الحديث بمثل هذا المعنى في متنه ، عن أبي هريرة . 5556 - كما حدثنا يزيد بن سنان ، أخبرنا موسى بن إسماعيل ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن سعيد ، عن أبي العلاء ، عن مطرف ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكر مثله . قال أبو جعفر : وهذا باب من الفقه ، قد اختلف أهله فيه . فطائفة منهم تقول : إذا ترك الملتقط الأشهاد على اللقطة حين التقطها إنه إنما التقطها ليحفظها على صاحبها وليردها إن وجده ، كانت يده عليها يدا ضامنة وكان عليه غرمها لصاحبها إن ضاعت من يده ، وإن كان أشهد حين التقطها على ذلك كانت يده عليها يد أمانة ، لا ضمان عليه فيها ، إن ضاعت من يده وممن كان يقول ذلك منهم أبو حنيفة . وطائفة منهم تقول : يده عليها يد أمانة أشهد حين التقطها على ما ذكرنا أنه ينبغي له أن يشهد عليه ، أو لم يشهد على ذلك ، إذا كان إنما التقطها مريدا بذلك حفظها على صاحبها وأداءها إذا قدر عليه ، وممن كان يقول ذلك أبو يوسف ومحمد . فتأملنا ما اختلفوا فيه من ذلك ، فكان أولى المذهبين اللذين ذكرناهما فيه عندنا ما قالته الطائفة الثانية من الطائفتين اللذين ذكرناهما ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أمر بأخذ اللقطة لحفظها على صاحبها ولردها عليه ، وذلك مما لا يوصل إلى حقيقة ما الملتقط عليه منه ، ولا يعلم إلا بقوله ، ولأنه قد يجوز أن يشهد على أن أخذه إياها ليردها على صاحبها وليحفظها عليه ، ويكون في الحقيقة بخلاف ذلك ، ولما كان ما ذكرنا كذلك عقلنا أن المرجوع إليه فيما يأخذ الملتقط اللقطة عليه مما يكون به ضامنا ، ومما يكون به مؤتمنا عليه ، هو ما هو في الحقيقة عليه من ذلك ، وما لا يعلمه منه غيره من المخلوقين ، فثبت بذلك ما قالته هذه الطائفة في ذلك وانتفاء ما قالته الطائفة الأخرى فيه . وقد توهم متوهم ممن وقع إليه هذا الحديث على ما رواه شعبة عليه من ذكر ذوي عدل ، أو ذي عدل ، أن ذلك إنما أريد به حجة لمالك اللقطة ، إن دفعه عنها الملتقط أو من سواه ممن تصير إلى يده فليشهد له عليها من كان الملتقط أشهده عليها من ذوي عدل فيستحقها لذلك ، أو من ذي عدل فيحلف معه فيستحقها بذلك ، وذكر أن ذلك حجة في القضاء باليمين مع الشاهد . فتأملنا ما قال من ذلك ، فوجدناه فاسدا ، لأن الإشهاد الذي أمر به رسول صلى الله عليه وسلم في ذلك ، إن كان لما ذكر ولم يكن على الشك من شعبة فيما رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيه ، فكان فيه تقصير عن مالك اللقطة ، بما يصل به إلى لقطته ، إذا دفع عنها ، إذ كان قد يكون صبيا غير بالغ ، أو مكاتبا ، فلم يعتق ، فيكون ممن لا يستطيع أن يحلف مع شاهده ويقضي له بما يطلبه ، والنبي صلى الله عليه وسلم ، فأبعد الناس من التقصير في شيء بقوله ، أو في تركه الأمر بإشهاده ذوي عدل في ذلك ، فالأمر بإشهاد ذوي عدل ممن قد لا يكون حجة في ذلك فيما ذكر هذا المتوهم ، وفيما ذكرنا انتفاء ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويعود الحديث على ما رواه عبد العزيز بن المختار وهشيم بن بشير فيه ، والله نسأله التوفيق .
23 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي أَفْضَلِ بَنَاتِهِ مَنْ هِيَ مِنْهُنَّ . 152 - حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ الْجِيزِيُّ ، وَيُوسُفُ بْنُ يَزِيدَ أَبُو يَزِيدَ ، وَفَهْدٌ قَالُوا : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْهَادِ ، حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ عَائِشَةَ ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ خَرَجَتْ ابْنَتُهُ مِنْ مَكَّةَ مَعَ بَنِي كِنَانَةَ ، فَخَرَجُوا فِي أَثَرِهَا ، فَأَدْرَكَهَا هَبَّارُ بْنُ الْأَسْوَدِ ، فَلَمْ يَزَلْ يَطْعَنُ بَعِيرَهَا حَتَّى صَرَعَهَا ، فَأَلْقَتْ مَا فِي بَطْنِهَا وَأُهْرِيقَتْ دَمًا ، فَانْطَلَقَ بِهَا وَاشْتَجَرَ فِيهَا بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو أُمَيَّةَ ، فَقَالَ بَنُو أُمَيَّةَ : نَحْنُ أَحَقُّ بِهَا وَكَانَتْ تَحْتَ ابْنِ عَمِّهِمْ أَبِي الْعَاصِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ ، فَكَانَتْ عِنْدَ هِنْدَ بِنْتِ رَبِيعَةَ ، وَكَانَتْ تَقُولُ لَهَا هِنْدُ : هَذَا فِي سَبَبِ أَبِيك ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِزَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ : أَلَا تَنْطَلِقُ فَتَجِيءُ بِزَيْنَبِ ، فَقَالَ : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : فَخُذْ خَاتَمِي هَذَا فَأَعْطِهَا إيَّاهُ ، قَالَ : فَانْطَلَقَ زَيْدٌ فَلَمْ يَزَلْ يَلْطُفُ وَتَرَكَ بَعِيرَهُ حَتَّى أَتَى رَاعِيًا فَقَالَ : لِمَنْ تَرْعَى ؟ فَقَالَ : لِأَبِي الْعَاصِ بْنِ رَبِيعَةَ . قَالَ : فَلِمَنْ هَذِهِ الْغَنَمُ ؟ قَالَ : لِزَيْنَبِ بِنْتِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَسَارَ مَعَهُ شَيْئًا ، ثُمَّ قَالَ لَهُ : هَلْ لَك أَنْ أُعْطِيَك شَيْئًا تُعْطِيَهَا إيَّاهُ ، وَلَا تَذْكُرَهُ لِأَحَدٍ قَالَ : نَعَمْ ، فَأَعْطَاهُ الْخَاتَمَ ، فَانْطَلَقَ الرَّاعِي فَأَدْخَلَ غَنَمَهُ وَأَعْطَاهَا الْخَاتَمَ ، فَعَرَفَتْهُ فَقَالَتْ : مَنْ أَعْطَاك هَذَا ؟ قَالَ : رَجُلٌ . قَالَتْ : وَأَيْنَ تَرَكْتَهُ ؟ قَالَ : مَكَانَ كَذَا وَكَذَا ، فَسَكَنَتْ حَتَّى إذَا كَانَ اللَّيْلُ خَرَجَتْ إلَيْهِ فَقَالَ لَهَا : ارْكَبِي بَيْنَ يَدَيَّ ، قَالَتْ : لَا ، وَلَكِنْ ارْكَبْ أَنْتَ فَرَكِبَ وَرَكِبَتْ وَرَاءَهُ حَتَّى أَتَتْ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَقُولُ : هِيَ أَفْضَلُ بَنَاتِي ، أُصِيبَتْ فِي ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ ، فَانْطَلَقَ إلَى عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ فَقَالَ : مَا حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنْك أَنَّك تُحَدِّثُهُ ، تَنْتَقِصُ فِيهِ حَقَّ فَاطِمَةَ ، فَقَالَ عُرْوَةُ : مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَإِنِّي أَنْتَقِصُ فَاطِمَةَ حَقًّا هُوَ لَهَا ، وَأَمَّا بَعْدُ ؛ فَلَكَ عَلَيَّ أَنْ لَا أُحَدِّثَ بِهِ أَبَدًا ) . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَكَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِمَّا يَجِبُ تَأَمُّلُهُ وَالْوُقُوفُ عَلَى الْمَعْنَى فِيهِ ، مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِزَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ أَلَا تَنْطَلِقُ فَتَجِيءُ بِزَيْنَبِ وَزَيْدٌ لَيْسَ بِمَحْرَمٍ مِنْهَا ، وَلَا بِزَوْجٍ لَهَا ، وَقَدْ نَهَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تُسَافِرَ امْرَأَةٌ إلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ . وَرُوِيَتْ عَنْهُ فِي ذَلِكَ آثَارٌ بَعْضُهَا مُطْلَقٌ بِلَا ذِكْرِ وَقْتٍ مَعْلُومٍ لِذَلِكَ السَّفَرِ ، وَبَعْضُهَا فِيهِ ذِكْرُ مِقْدَارِ ذَلِكَ السَّفَرِ مِنْ الزَّمَانِ ، وَفِي بَعْضِهَا إلَّا وَمَعَهَا زَوْجٌ أَوْ ذُو مَحْرَمٍ مِنْهَا ، وَسَنَذْكُرُ هَذَا الْبَابَ وَمَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ فِيمَا بَعْدُ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ . غَيْرَ أَنَّا تَأَمَّلْنَا مَا كَانَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ إطْلَاقِهِ لِزَيْدٍ السَّفَرَ بِزَيْنَبِ فَوَجَدْنَا زَيْدًا قَدْ كَانَ حِينَئِذٍ فِي تَبَنِّي رَسُولِ اللَّهِ إيَّاهُ ، حَتَّى كَانَ يُقَالُ لَهُ بِذَلِكَ : زَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، وَلَمْ يَزَلْ بَعْدَ ذَلِكَ كَذَلِكَ إلَى أَنْ نَسَخَ اللَّهُ ذَلِكَ ، فَأَخْرَجَهُ مِنْ بُنُوَّتِهِ ، وَرَدَّهُ إلَى أَبِيهِ فِي الْحَقِيقَةِ بِقَوْلِهِ : مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ، وَبِقَوْلِهِ لِزَيْدٍ وَأَمْثَالِهِ مِنْ الْمُتَبَنِّينَ : ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ ، وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ، وَبِمَا أُنْزِلَ فِي زَيْدٍ خَاصَّةً فِي إبَاحَتِهِ تَزْوِيجَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ ، الَّتِي كَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ زَوْجًا لِزَيْدٍ ، وَبِمَا أُنْزِلَ فِي ذَلِكَ : فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا إلَى قَوْلِهِ : وَطَرًا . فَوَقَفْنَا عَلَى أَنَّ مَا كَانَ أَمَرَ بِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ زَيْدًا قَبْلَ ذَلِكَ فِي زَيْنَبَ وَفِي إبَاحَتِهِ لَهَا وَلَهُ السَّفَرَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَعَ صَاحِبِهِ ، كَانَ عَلَى الْحُكْمِ الْأَوَّلِ ، وَفِي الْحَالِ الَّتِي كَانَ زَيْدٌ فِيهَا أَخًا لِزَيْنَبِ ، فَكَانَ بِذَلِكَ مَحْرَمًا لَهَا جَائِزًا لَهُ السَّفَرُ بِهَا ، كَمَا يَجُوزُ لِأَخٍ لَوْ كَانَ لَهَا مِنْ النَّسَبِ مِنْ السَّفَرِ بِهَا ، فَهَذَا وَجْهُ هَذَا الْمَعْنَى مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا مَا ذُكِرَ فِيهِ مِنْ تَفْضِيلِ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ زَيْنَبَ عَلَى سَائِرِ بَنَاتِهِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ كَانَ وَلَا ابْنَةَ لَهُ يَوْمَئِذٍ ، فَتَسْتَحِقُّ الْفَضِيلَةَ غَيْرُهَا ، لِمَا كَانَتْ عَلَيْهِ مِنْ الْإِيمَانِ بِهِ ، وَالِاتِّبَاعِ لَهُ ، وَلِمَا نَزَلَ بِهَا فِي بَدَنِهَا مِنْ أَجْلِهِ مِمَّا قَدْ ذَكَرْنَا ، ثُمَّ كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ مِمَّا وَهَبَهُ اللَّهُ لَهُ ، وَأَقَرَّ بِهِ عَيْنَهُ فِي ابْنَتِهِ فَاطِمَةَ مَا كَانَ مِنْهُ فِيهَا مِنْ تَوْفِيقِهِ إيَّاهَا لِلْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ الزَّاكِيَةِ ، وَمَا وَهَبَ لَهَا مِنْ الْوَلَدِ الَّذِينَ صَارُوا لَهُ وَلَدًا وَذُرِّيَّةً مِمَّا لَمْ يُشْرِكْهَا فِي ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ بَنَاتِهِ سِوَاهَا ، وَكَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي اسْتَحَقَّتْ زَيْنَبُ مَا اسْتَحَقَّتْ مِنْ الْفَضِيلَةِ صَغِيرَةً غَيْرَ بَالِغٍ مِمَّنْ لَا يَجْرِي لَهَا ثَوَابٌ بِطَاعَتِهَا ، وَلَا عِقَابٌ بِخِلَافِهَا . وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ من صِغَرِ سِنِّهَا حِينَئِذٍ وَتَقْصِيرِهَا عَنْ الْبُلُوغِ . 153 - مَا حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَهْلٍ الرَّازِيّ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنِ بْنِ حَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، حَدَّثَنِي أَبِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ، حَدَّثَنِي أَبِي مُوسَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنِ قَالَ : دَخَلْت أَنَا وَابْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ فَسَأَلَهُ عَنْ سِنِّ فَاطِمَةَ ، فَبَدَرَنِي ابْنُ شِهَابٍ بِالْجَوَابِ عَنْ ذَلِكَ فَقَلْتُ لَهُ : سَلْ هَذَا عَنْ أُمِّهِ ، وَسَلْنِي عَنْ أُمِّي ، ثُمَّ قُلْت لَهُ : كَانَ سِنُّهَا - يَعْنِي الَّذِي مَاتَتْ عَلَيْهِ - خَمْسًا وَعِشْرِينَ سَنَةً . ثُمَّ تَأَمَّلْنَا الْوَقْتَ الَّذِي كَانَتْ فِيهِ وَفَاتُهَا ، أَيَّ وَقْتٍ كَانَ مِنْ الزَّمَانِ . 154 - فَوَجَدْنَا أَحْمَدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَهْبٍ قَدْ حَدَّثَنَا قَالَ : حَدَّثَنَا عَمِّي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ ، وَحَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُد ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ ، ثُمَّ اجْتَمَعَا فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا : حَدَّثَنِي اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ عُقَيْلٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَرْسَلَتْ إلَى أَبِي بَكْرٍ تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ وَفَدَكَ ، وَمَا بَقِيَ مِنْ خُمُسِ خَيْبَرَ ، فَقَالَ لَهَا أَبُو بَكْرٍ : إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا نُورَثُ ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ ، إنَّمَا كَانَ يَأْكُلُ آلُ مُحَمَّدٍ فِي هَذَا الْمَالِ ، وَإِنِّي وَاَللَّهِ لَا أُغَيِّرُ شَيْئًا مِنْ صَدَقَةِ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَنْ حَالِهَا الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهَا فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَلَأَعْمَلَنَّ فِيهَا بِمَا عَمِلَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَبَى أَبُو بَكْرٍ أَنْ يَدْفَعَ إلَى فَاطِمَةَ مِنْهَا شَيْئًا ، فَوَجَدَتْ فَاطِمَةُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ فِي ذَلِكَ فَهَجَرَتْهُ ، فَلَمْ تُكَلِّمْهُ حَتَّى تُوُفِّيَتْ ، وَعَاشَتْ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ سِتَّةَ أَشْهُرٍ ، فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ دَفَنَهَا زَوْجُهَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ لَيْلًا ، وَلَمْ يُؤْذِنْ بِهَا أَبَا بَكْرٍ ، وَصَلَّى عَلَيْهَا عَلِيٌّ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : ثُمَّ كَانَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ إبَانَتِهِ لِلنَّاسِ فَضْلَ فَاطِمَةَ عَلَى سَائِرِ بَنَاتِهِ ، وَعَلَى سَائِرِ نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ سِوَاهَا وَسِوَاهُنَّ . 155 - مَا قَدْ حَدَّثَنَا بَكَّار ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُد صَاحِبُ الطَّيَالِسَةِ ، وَمَا قَدْ حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ ، ثُمَّ اجْتَمَعَا فَقَالَ بَكَّار : قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ ، وَقَالَ إبْرَاهِيمُ : قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ فِرَاسٍ ، عَنْ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ مَسْرُوقٍ ، حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ : ( أَنَّ النِّسَاءَ كُنَّ اجْتَمَعْنَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمْ تُغَادِرْ مِنْهُنَّ وَاحِدَةٌ فَجَاءَتْ فَاطِمَةُ تَمْشِي مَا تُخْطِئُ مِشْيَتُهَا مِشْيَةَ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَلَمَّا رَآهَا رَحَّبَ بِهَا وَقَالَ : مَرْحَبًا بِابْنَتِي ، وَأَخَذَهَا فَأَقْعَدَهَا عَنْ يَمِينِهِ ، أَوْ عَنْ يَسَارِهِ ، فَسَارَّهَا فَبَكَتْ ، ثُمَّ سَارَّهَا الثَّانِيَةَ فَضَحِكَتْ ، فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ قُلْت لَهَا : إنَّ لَك مِنْ بَيْنِ نِسَائِهِ فَضْلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ بَيْنِنَا بِالسِّرَارِ ، وَأَنْتِ تَبْكِينَ ! عَزَمْت عَلَيْك بِمَا لِي عَلَيْك مِنْ حَقٍّ ، مِمَّ بَكَيْت ؟ وَمِمَّ ضَحِكْت ؟ فَقَالَتْ : مَا كُنْت لِأُفْشِيَ سِرَّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْت لَهَا : عَزَمْت عَلَيْك بِمَا لِي عَلَيْك مِنْ حَقٍّ إلَّا أَخْبَرْتنِي ، قَالَتْ : أَمَّا الْآنَ فَنَعَمْ إنَّهُ لَمَّا سَارَّنِي فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى قَالَ : إنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُنِي بِالْقُرْآنِ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً ، وَإِنَّهُ عَارَضَنِي الْعَامَ مَرَّتَيْنِ ، وَإِنِّي لَا أَظُنُّ إلَّا أَجَلِي قَدْ حَضَرَ فَاتَّقِي اللَّهَ ، فَنِعْمَ السَّلَفُ لَكِ أَنَا ، قَالَتْ : فَبَكَيْت بُكَائِي الَّذِي رَأَيْت ، ثُمَّ سَارَّنِي الثَّانِيَةَ فَقَالَ : أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ هَذِهِ الْأُمَّةِ ، أَوْ سَيِّدَةَ نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ ؟ قَالَتْ : فَضَحِكْت ) . 156 - وَمَا قَدْ حَدَّثَنَا فَهْدٌ ، حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ أَبِي زَائِدَةَ ، عَنْ فِرَاسٍ ، عَنْ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : أَقْبَلَتْ تَمْشِي - تَعْنِي فَاطِمَةَ - كَأَنَّ مِشْيَتَهَا مِشْيَةُ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، ثُمَّ ذَكَرَ بَقِيَّةَ هَذَا الْحَدِيثِ كَمَا فِي حَدِيثِ بَكَّارٍ وَإِبْرَاهِيمَ سَوَاءً ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا فِي حَدِيثِهِمَا قَبْلَ ذَلِكَ . 157 - وَمَا قَدْ حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَزِيدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ، عَنْ نَافِعِ بْنِ يَزِيدَ ، حَدَّثَنِي ابْنُ غَزِيَّةَ - يَعْنِي عُمَارَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ : أَنَّ أُمَّهُ فَاطِمَةَ بِنْتَ الْحُسَيْنِ حَدَّثَتْهُ أَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ تَقُولُ : ( إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ لِفَاطِمَةَ : يَا بُنَيَّةُ ، أَحْنِي عَلَيَّ ، فَأَحْنَتْ عَلَيْهِ فَنَاجَاهَا سَاعَةً ، ثُمَّ انْكَشَفَتْ عَنْهُ وَهِيَ تَبْكِي ، وَعَائِشَةُ حَاضِرَةٌ ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ بِسَاعَةٍ : أَحْنِي عَلَيَّ يَا بُنَيَّةُ ، فَأَحْنَتْ عَلَيْهِ فَنَاجَاهَا سَاعَةً ، ثُمَّ كَشَفَتْ عَنْهُ تَضْحَكُ . فَقَالَتْ عَائِشَةُ : أَيْ بُنَيَّةُ ، مَاذَا نَاجَاك أَبُوك ، قَالَتْ فَاطِمَةُ : أُوشِكُ أُبَيِّنُهُ ؛ نَاجَانِي عَلَى حَالِ سِرٍّ ، ثُمَّ رَأَيْت أَنِّي أُخْبِرُك بِسِرِّهِ ، وَهُوَ حَيٌّ ؟ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى عَائِشَةَ ، أَنْ يَكُونَ سِرٌّ دُونَهَا ، فَلَمَّا قَبَضَهُ اللَّهُ قَالَتْ عَائِشَةُ لِفَاطِمَةَ : أَلَا تُخْبِرِينِي ذَلِكَ الْخَبَرَ ؟ فَقَالَتْ : أَمَّا الْآنَ فَنَعَمْ ، نَاجَانِي فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى فَأَخْبَرَنِي أَنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ يُعَارِضُهُ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً ، وَإِنَّهُ عَارَضَنِي الْعَامَ مَرَّتَيْنِ . وَأَخْبَرَتْنِي أَنَّهُ أَخْبَرَهَا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ كَانَ بَعْدَهُ نَبِيٌّ إلَّا عَاشَ نِصْفَ عُمْرِ الَّذِي كَانَ قَبْلَهُ ، وَأَخْبَرَنِي أَنَّ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ عَاشَ عِشْرِينَ وَمِائَةَ سَنَةٍ ، وَلَا أَرَانِي إلَّا ذَاهِبٌ عَلَى سِتِّينَ ، فَأَبْكَانِي ذَاكَ ، وَقَالَ : يَا بُنَيَّةُ ، إنَّهُ لَيْسَ مِنْ نِسَاءِ الْمُسْلِمِينَ امْرَأَةٌ أَعْظَمُ رزيةً مِنْك ، فَلَا تَكُونِي أَدْنَى امْرَأَةٍ صَبْرًا ، ثُمَّ نَاجَانِي فِي الْمَرَّةِ الْأُخْرَى ، فَأَخْبَرَنِي أَنِّي أَوَّلُ أَهْلِهِ لُحُوقًا بِهِ ، وَقَالَ : إنَّك سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، إلَّا مَا كَانَ مِنْ الْبَتُولِ مَرْيَمَ ابْنَةَ عِمْرَانَ ، فَضَحِكْت لِذَلِكَ ) . 158 - وَمَا قَدْ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ ، أَبُو الْحَسَنِ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، أخبرنا مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ : ( أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : حَسْبُك مِنْ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ : مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ ، وَخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ ، وَآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ ) . 159 - وَمَا قَدْ حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُد ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عُثْمَانَ اللَّاحِقِيُّ الْبَصْرِيُّ ، حَدَّثَنَا دَاوُد بْنُ أَبِي الْفُرَاتِ ، عَنْ عَلْبَاءَ بْنِ أَحْمَرَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : ( خَطَّ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَرْبَعَةَ خُطُوطٍ ، ثُمَّ قَالَ : أَتَدْرُونَ مَا هَذَا ؟ قَالُوا : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، قَالَ : أَفْضَلُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ : خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ ، وَمَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ ، وَآسِيَةُ بِنْتُ مُزَاحِمٍ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ ) . 160 - وَمَا قَدْ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ دَاوُد ، حَدَّثَنَا مُثَنَّى بْنُ مُعَاذِ بْنِ مُعَاذٍ ، حَدَّثَنَا لَيْثُ بْنُ دَاوُد الْبَغْدَادِيُّ ، قَالَ مُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ : حَدَّثَنَا عَنْ الْحَسَنِ ، قَالَ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ : ( خَرَجْت يَوْمًا فَإِذَا أَنَا بِرَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ لِي : يَا عِمْرَانُ ، إنَّ فَاطِمَةَ مَرِيضَةٌ ، فَهَلْ لَك أَنْ تَعُودَهَا ؟ قَالَ : قُلْت : فِدَاك أَبِي وَأُمِّي ، وَأَيُّ شَرَفٍ أَشْرَفُ مِنْ هَذَا ؟ قَالَ : انْطَلِقْ ، فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَانْطَلَقْت مَعَهُ حَتَّى أَتَى الْبَابَ . فَقَالَ : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ ، أَدْخُلُ ؟ فَقَالَتْ : وَعَلَيْكُمْ ، اُدْخُلْ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنَا وَمَنْ مَعِي ؟ قَالَتْ : وَاَلَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ ، مَا عَلَيَّ إلَّا هَذِهِ الْعَبَاءَةُ ، قَالَ : وَمَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُلَاءَةٌ خَلِقَةٌ ، فَرَمَى بِهَا إلَيْهَا ، فَقَالَ لَهَا : شُدِّيهَا عَلَى رَأْسِك ، فَفَعَلْت ، ثُمَّ قَالَتْ : اُدْخُلْ ، فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَدَخَلْت مَعَهُ ، فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهَا ، وَقَعَدْت قَرِيبًا مِنْهُ ، فَقَالَ : أَيْ بُنَيَّةُ ، كَيْفَ تَجِدِينَكِ ؟ قَالَتْ : وَاَللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنِّي لَوَجِعَةٌ ، وَإِنَّهُ لَيَزِيدُنِي وَجَعًا إلَى وَجَعِي أَنَّهُ لَيْسَ عِنْدِي مَا آكُلُ ، فَبَكَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَكَتْ فَاطِمَةُ عَلَيْهَا السَّلَامُ ، وَبَكَيْت مَعَهُمَا ، فَقَالَ لَهَا : أَيْ بُنَيَّةُ ، تَصَبَّرِي مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ، ثُمَّ قَالَ لَهَا : أَيْ بُنَيَّةُ ، أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ ؟ قَالَتْ : يَا لَيْتَهَا مَاتَتْ ، وَأَيْنَ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ ؟ فَقَالَ لَهَا : أَيْ بُنَيَّةُ ، تِلْكَ سَيِّدَةُ نِسَاءِ عَالَمِهَا ، وَأَنْتِ سَيِّدَةُ نِسَاءِ عَالَمِك ، وَاَلَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ ، لَقَدْ زَوَّجْتُك سَيِّدًا فِي الدُّنْيَا ، سَيِّدًا فِي الْآخِرَةِ ، لَا يُبْغِضُهُ إلَّا مُنَافِقٌ ) . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَفِيمَا قَدْ رَوَيْنَا مَا قَدْ دَلَّ أَنَّ سِنَّ فَاطِمَةَ كَانَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ الْمَدِينَةَ وَأَمَرَ زَيْدًا بِالذَّهَابِ إلَى زَيْنَبَ وَالْمَجِيءِ بِهَا إلَيْهِ كَانَ بِضْعَ عَشْرَةَ سَنَةً ، وَهُوَ سِنٌّ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَمْ تَبْلُغْ فِيهِ . وَعَقَلْنَا بِمَا رَوَيْنَا مِنْ خَبَرِ عَائِشَةَ عَنْ الْوَقْتِ الَّذِي مَاتَتْ فِيهِ ، وَأَنَّهُ كَانَ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ ، فَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا قَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّ بُلُوغَهَا ، وَلُزُومَ الْأَحْكَامِ إيَّاهَا كَانَ بَعْدَ مَا قَالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِزَيْدٍ فِي زَيْنَبَ مَا قَالَ ، ثُمَّ صَارَ مَا فَضَّلَ اللَّهُ تَعَالَى فَاطِمَةَ مِمَّا ذَكَرْنَا يُوجِبُ فَضْلَهَا عَلَى زَيْنَبَ ، وَعَلَى مَنْ سِوَاهَا مِمَّنْ فَضَّلَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْآثَارِ الَّتِي رَوَيْنَاهَا فِي هَذَا الْبَابِ . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : فَقَدْ رُوِيَ فِي ذِكْرِ مَنْ فَضَّلَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَكَرَهُ بِالْكَمَالِ مِنْ النِّسَاءِ نِسَاءٌ ذَكَرَهُنَّ لَيْسَتْ فَاطِمَةُ فِيهِنَّ . وَذَكَرَ فِي ذَلِكَ : 161 - مَا قَدْ حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ ، حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ ، عَنْ شُعْبَةُ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ مُرَّةَ يَعْنِي : ابْنَ شَرَاحِيلَ ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : ( كَمُلَ مِنْ الرِّجَالِ كَثِيرٌ ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنْ النِّسَاءِ إلَّا مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ ، وَآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ ، وَإِنَّ فَضْلَ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ ) . قِيلَ لَهُ : قَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ كَانَ قَبْلَ بُلُوغِ فَاطِمَةَ وَاسْتِحْقَاقِهَا الرُّتْبَةَ الَّتِي ذَكَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَا ، فَعَادَ بِحَمْدِ اللَّهِ جَمِيعُ مَا رَوَيْنَاهُ فِي هَذَا الْبَابِ ، إلَى أَنْ لَا تَضَادَّ فِيهِ وَلَا إيجَابَ ، كَشْفِ مَعَانِيهِ عَمَّا ذُكِرَ مِمَّا يُوجِبُهُ ، وَأَنَّ كُلَّ فَضْلٍ ذُكِرَ لِغَيْرِ فَاطِمَةَ مِمَّا قَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ فَضُلَتْ بِهِ فَاطِمَةُ مُحْتَمِلًا لَأَنْ يَكُونَ وَهِيَ يَوْمَئِذٍ صَغِيرَةٌ ، ثُمَّ بَلَغَتْ بَعْدَ ذَلِكَ فَصَارَتْ بِالْمَكَانِ الَّذِي جَعَلَهَا اللَّهُ بِهِ ، وَذَكَرَهَا بِهِ ، وَاخْتَصَّهَا بِمَا اخْتَصَّهَا بِهِ فِيهِ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
765 - باب بيان مشكل ما روى بعض الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في رد شهادة المحدود في الإسلام . 5740 - حدثنا الربيع بن سليمان المرادي ، قال : حدثنا أسد بن موسى ، قال : حدثنا مروان بن معاوية الفزاري ، عن يزيد بن أبي زياد الشامي ، قال : حدثنا الزهري ، عن عروة ، قال : قالت عائشة : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا مجلود حدا ، ولا ذي غمر لأخيه ، ولا مجرب عليه شهادة زور ، ولا القانع مع أهل البيت لهم ، ولا الظنين في ولاء ، ولا قرابة . فتأملنا هذا الحديث فوجدنا فيه من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه : لا تجوز شهادة مجلود حدا . ووجدنا الأوزاعي قد كان يذهب هذا المذهب حتى كان يقول في المجلود في الخمر : إنه لا تقبل شهادته وإن تاب . 5741 - كما أجاز لنا محمد بن سنان الشيزري ، عن محمود بن خالد ، عن عمر بن عبد الواحد ، قال : سمعت الأوزاعي يقول : لا تجوز شهادة محدود في الإسلام ، ولا معلوم منه شهادة زور ، ولا ظنين في ولاء ، ولا قرابة ، ولا خائن ، ولا خائنة ، ولا ذي غمر على أخيه ، ولا خصم ، ولا مريب . وكانت ألفاظ الأوزاعي في هذه الحكاية هي ألفاظ هذا الحديث غير ما في آخره من ذكر الخصم والمريب ، فوقفنا بذلك على أنه أخذ قوله هذا من ذلك الحديث إما عن يزيد الذي حدث به عنه مروان ، أو ممن هو أعلى منه ممن فوق يزيد ، وهو الزهري ، ولم نجد له على قوله : إنه لا تجوز شهادة مجلود حدا من أهل العلم موافقا غير الحسن بن صالح بن حي ، فإنا وجدنا عنه مما ذكره حميد بن عبد الرحمن الرؤاسي عنه أنه كان يقول : إذا ضرب القاضي رجلا في حد لم تجز شهادته أبدا ، وإن تاب ، وهذا القول مما يخالفهما فيه فقهاء الأمصار سواهما . ثم تأملنا ما اختلفا وفقهاء الأمصار فيه من هذا المعنى ، فوجدنا أشياء مما قد حرمها الله - عز وجل - وتوعد عليها وغلظ العقوبات فيها من الزنى ومن السرقة ، وكانت العقوبات فيها كفارات لمصيبها ، منها قطع أيدي السراق ، ومنها إقامة حد الزنى على الأبكار من الزناة ، وهي الجلد ، وعلى الثيب منهم وهي الرجم . ووجدنا أهل العلم لا يختلفون في قبول شهادة المقطوعين في السرقات إذا تابوا ، ولا في قبول شهادة الزناة الأبكار المحدودين إذا تابوا ، وفي ذلك ما قد دل على أن سائر المحدودين فيما سوى الزنى والسرقة كذلك أيضا ، غير ما قد أخرجه كتاب الله - عز وجل - من ذلك في حد القذف بقوله عز وجل : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ، فأبانهم - عز وجل - ممن سواهم وألزمهم الفسق الذي جعله وصفا لهم ، وأعقب ذلك بقوله : إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ . وكان أهل العلم قد اختلفوا في قبول شهادتهم بعد التوبة مما قد كان هذا حكمهم ، فقال بعضهم : يزول ذلك عنهم بالتوبة ، ويرجعون إلى قبول الشهادة ، وقال بعضهم : يزول الفسق عنهم الذي عليه الوعيد ، ولا تقبل لهم شهادة أبدا ، وكان ممن ذهب إلى القول الأول أكثر أهل الحجاز ، وممن ذهب إلى القول الثاني بعض أهل الحجاز ، وكثير ممن سواهم . فأما فقهاء الأمصار الذين دارت عليهم الفتيا كمالك ومن سواه من أهل الحجاز ، فيقبلون شهادتهم بعد التوبة ، وكذلك كان الشافعي يقول في هذا . وأما أبو حنيفة والثوري وأصحابهما ، فكانوا لا يقبلونها أبدا ، ويجعلون حكمهم في ردها منهم بعد التوبة كحكمهم في ردها منهم قبل التوبة . وقد تعلق الحجازيون والذين قبلوا شهادتهم بعد التوبة بما قد رووه عن عمر بن الخطاب مما كان قاله لأبي بكرة ، بعد حده إياه فيما كان منه في المغيرة بن شعبة . 5742 - كما حدثنا يونس بن عبد الأعلى ، قال : حدثنا سفيان بن عيينة ، عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال لأبي بكرة : إن تبت قبلت شهادتك أو تب تقبل شهادتك . قال : فتأملنا هذا الحديث فوجدناه قد دخل في إسناده ما يدفع أن يكون فيه حجة لمن احتج به على مخالفه . 5743 - كما قد حدثنا المزني ، قال : حدثنا الشافعي ، عن سفيان بن عيينة ، قال : سمعت الزهري يقول : زعم أهل العراق أن شهادة القاذف لا تجوز ، فأشهد لأخبرني سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال لأبي بكرة : تب ، تقبل شهادتك ، أو إن تتب قبلت شهادتك ، قال : وسمعت سفيان بن عيينة يحدث به هكذا مرارا ، ثم سمعته يقول : شككت فيه ، قال الزهري : أخبرني ، فلما قمت سألت ، فقال لي عمر بن قيس وحضر المجلس معي : هو سعيد بن المسيب ، قلت لسفيان : أشككت فيه حين أخبرك أنه سعيد ، قال : لا ، غير أنه قد كان دخلني الشك . قال أبو جعفر : فكان عمر المذكور في هذا الحديث ، الذي استثبت به سفيان فيه هو عمر بن قيس ، وهو عند أهل الرواية غير ثبت فيها ، وإذا كان كذلك لم يكن ما ثبت من قد شك في حديث يكون ذلك قطعا لشكه فيه ، ثم قد وجدنا هذا الحديث قد رواه عن الزهري من هو من أهل الثقة في روايته والقبول لها ، وهو الليث بن سعيد . 5744 - كما قد حدثنا هارون بن كامل ، قال : حدثنا عبد الله بن صالح ، قال : حدثنا الليث بن سعد ، قال : حدثني ابن شهاب ، أنه بلغه أن عمر بن الخطاب استتاب أبا بكرة فيما قذف به المغيرة بن شعبة ، فأبى أن يتوب ، وزعم أن ما قال حق وأقام على ذلك ، وأصر عليه ، فلم يكن تجوز له شهادة . وتعلقوا في ذلك أيضا . 5745 - بما قد حدثنا فهد بن سليمان ، قال : حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين وسعيد بن أبي مريم قالا : حدثنا محمد بن مسلم الطائفي ، عن إبراهيم بن ميسرة ، عن سعيد بن المسيب ، قال : شهد على المغيرة أربعة ، فنكل زياد فجلد عمر بن الخطاب الثلاثة واستتابهم ، فتاب اثنان وأبى أبو بكرة أن يتوب ، فكانت تقبل شهادتهما حين تابا ، وكان أبو بكرة لا تقبل شهادته ؛ لأنه أبى أن يتوب وكان مثل النضو من العبادة . فقال الذين تعلقوا بالحديث الأول : هذا الحديث لا طعن فيه ، ولا يسع أحدا التخلف عن القول به ، وكان من الحجة لمخالفيه عليه بتوفيق الله - عز وجل - وعونه ، أن سعيد بن المسيب لم يأخذ هذا عن عمر سماعا منه ، وإنما أخذه عنه بلاغا ؛ لأن سعيدا وإن كان قد رأى عمر فإنه لا يصح له عنه سماع هذا منه ، والدليل على أن الحديث لم يكن عند سعيد بالقوي ، أنه قد كان يذهب إلى خلاف ما فيه . 5746 - كما قد حدثنا محمد بن خزيمة ، قال : حدثنا حجاج بن منهال ، قال : حدثنا حماد بن سلمة ، قال : حدثنا قتادة ، عن الحسن وسعيد بن المسيب أنهما قالا : القاذف إذا تاب توبته فيما بينه وبين ربه - عز وجل - ولا تقبل شهادته . 5747 - وكما حدثنا أحمد بن داود ، قال : حدثنا عبيد الله بن محمد التيمي ، قال : حدثنا حماد بن سلمة ، ثم ذكر بإسناده وبمتنه مثله . فدل ذلك : أن الأولى كان عند سعيد بن المسيب ترك قبول شهادة القاذف وإن تاب ، وعقلنا أن ما حدث به عنه عن عمر لم يكن صحيحا عنده ؛ لأنه يستحيل عندنا أن يكون مع جلالة عمر - رضي الله عنه - وعظم قدره عنده يقول هذا القول لا سيما بحضرة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلا ينكرونه عليه ، ولا يخالفونه فيه ، ثم يتركه إلى خلافه . وقال قائل ممن يذهب إلى قبول شهادة القاذف بعد توبته : قد روي هذا القول عن عطاء وطاوس ومجاهد . 5748 - وذكر ما قد حدثنا المزني ، قال : حدثنا الشافعي ، قال : حدثني إسماعيل ابن علية ، عن ابن أبي نجيح في القاذف إذا تاب ، قال : تقبل شهادته ، وقال : كلنا يقوله عطاء وطاوس ومجاهد . وذكر غيره في ذلك . 5749 - ما قد حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، قال : حدثنا أبو عاصم ، عن ابن جريج ، قال : قلت : لعطاء : وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا ، قال : إذا تاب قبلت شهادته . فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله - عز وجل - وعونه : أنه قد خالفهم في ذلك من هو أجل منهم ، وهو سعيد بن المسيب ، ووافقه على ذلك مثله ممن قد قضى للخلفاء الراشدين المهديين وهو شريح . 5750 - كما قد حدثنا أحمد بن داود ، قال : حدثنا إسماعيل بن سالم ، قال : حدثنا هشيم ، قال : حدثنا الشيباني ، عن الشعبي ، عن شريح ، قال : لا تجوز شهادته إذا تاب ، يعني : القاذف ، توبته فيما بينه وبين ربه . وخالفهم في ذلك من هو مثلهم أو فوقهم ، وهو الحسن البصري ، ولما اختلفوا في ذلك هذا الاختلاف نظرنا فيما اختلفوا فيه من ذلك فوجدناهم لا يختلفون في القذف : أنه لا يمنع من قبول شهادة القاذف قبل أن يحد فيها . ألا ترى أن رجلا لو شهد على رجل بالزنى وحده ، ثم شهد بشهادة وظاهره العدل في شهادته ، وهو يقول : ما شهدت عليه إلا بحق أن شهادته مقبولة وأنه إذا حد فيها ، ثم جاء فشهد بشهادة سواها وهو مقيم على شهادته تلك أن شهادته مردودة ، وإن كان الحد الذي أقيم عليه طهارة له ، إن كان كاذبا في شهادته ، ولما كانت الشهادة غير مردودة بما قد جعل فيه قاذفا بظاهره ، ومردودة بإقامة العقوبة عليه فيها ، وهو الحد الذي حد فيها ، وكانت التوبة إن كانت منه بعد ذلك فإنما هي من القول الذي كان منه في الشهادة التي شهد بها ، ولم ترد شهادته بذلك القول وإنما ردت بغيره وهو الجلد ، وكان الجلد مما لا توبة فيه ، وإنما التوبة فيما قد تقدمه من الشهادة التي كان فيها قاذفا ، ولم تكن مسقطة للشهادة ، وإنما الذي أسقط الشهادة الحد الذي كان بعدها ، وكانت الشهادة بعد الجلد وقبل الجلد بمعنى واحد ، فلما كانت لا تمنع من قبول الشهادة ، وكان الذي يمنع من قبول الشهادة سواها مما هو مفعول بالشاهد ، وكانت توبته إنما تكون من أفعاله ومن أقواله لا مما فعل به كان رد شهادته بعدها على حكمه الذي كان عليه قبلها ؛ لأن الذي ردت به شهادته هو مما لا توبة فيه ، وإنما التوبة في غيره . وفيما ذكرنا دليل صحيح على ثبوت قول الذين ذهبوا إلى رد الشهادة بعد التوبة ممن ذكرنا ، والله نسأله التوفيق .
24 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِمَّا كَانَ أَمَرَ بِهِ عُمَرَ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ مِنْ الْأَكْلِ مِمَّا يَلِيهِ مِنْ الطَّعَامِ دُونَ مَا سِوَاهُ مِنْهُ وَمَا يَدْخُلُ فِي هَذَا الْمَعْنَى سِوَاهُ . 162 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ يُونُسَ الْكُوفِيُّ ، أَبُو جَعْفَرٍ الْمَعْرُوفُ بِالسُّوسِيِّ ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ الضَّرِيرُ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِي وَجْزَةَ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ مُزَيْنَةَ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ ، قَالَ : ( دَخَلْت عَلَى النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَهُوَ يَأْكُلُ فِي بَيْتِ أُمِّي فَقَالَ : اجْلِسْ يَا بُنَيَّ ، سَمِّ اللَّهَ تَعَالَى ، وَكُلْ بِيَمِينِك ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيك ، قَالَ : فَمَا زَالَتْ إكْلَتِي بَعْدُ ) . 163 - حَدَّثَنَا فَهْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ أَبِي وَجْزَةَ ، عَنْ جَارٍ لِعُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ ، ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَكَانَ هَذَا الْحَدِيثُ عِنْدَنَا فَاسِدَ الْإِسْنَادِ ، إذْ كَانَ مِنْ رِوَايَةِ جَارِ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ لَنَا فِيهِ ، وَلَمْ نَعْرِفْهُ ، فَطَلَبْنَاهُ مِنْ رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي مُعَاوِيَةَ ، وَغَيْرِ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، عَنْ هِشَامٍ . 164 - فَوَجَدْنَا أَحْمَدَ بْنَ شُعَيْبٍ قَدْ حَدَّثَنَا قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الصَّبَّاحِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى ، يَعْنِي : ابْنَ عَبْدِ الْأَعْلَى ، قَالَ : حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ ، ( أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعِنْدَهُ طَعَامٌ ، فَقَالَ : ادْنُهْ يَا بُنَيَّ ، فَسَمِّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ ، وَكُلْ بِيَمِينِك ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيك ) . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَكَانَ ظَاهِرُ هَذَا الْحَدِيثِ لَوْلَا مَا قَدْ عَارَضَهُ بِمَا قَدْ رَوَيْنَاهُ قَبْلَهُ مُسْتَقِيمَ الْإِسْنَادِ ، وَلَكِنْ لَمَّا عَارَضَهُ فِي إسْنَادِ مَا رَوَيْنَاهُ قَبْلَهُ كَافَأَهُ ، وَوَجَبَ تَنَافِيهِ وَإِيَّاهُ لِذَلِكَ ، ثُمَّ طَلَبْنَاهُ مِنْ غَيْرِ حَدِيثِ هِشَامٍ . 165 - فَوَجَدْنَا أَبَا أُمَيَّةَ قَدْ حَدَّثَنَا قَالَ : حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ الْقَطَوَانِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ ، عَنْ عُمَرَ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ لَهُ : ( سَمِّ اللَّهَ ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيك ) . 166 - وَوَجَدْنَا إبْرَاهِيمَ بْنَ أَبِي دَاوُد ، قَدْ حَدَّثَنَا قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ الْوُحَاظِيُّ ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ ، عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ ، ( أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ لَهُ : اُدْنُ فَسَمِّ اللَّهَ ، وَكُلْ بِيَمِينِك ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيك ) . فَكَانَ هَذَا الْحَدِيثُ حَسَنَ الْإِسْنَادِ ، غَيْرَ أَنَّا قَدْ وَجَدْنَاهُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ ، عَنْ مَالِكٍ فِي مُوَطَّئِهِ ، عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ مَوْقُوفًا . 167 - كَمَا حَدَّثَنَا يُونُسُ ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَنَّ مَالِكًا حَدَّثَهُ عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ أَنَّهُ قَالَ : ( أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِطَعَامٍ ، وَمَعَهُ رَبِيبُهُ عُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : سَمِّ اللَّهَ ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيك ) . ثُمَّ طَلَبْنَاهُ مِنْ غَيْرِ حَدِيثِ مَالِكٍ عَنْ وَهْبٍ 168 - فَوَجَدْنَا رَوْحَ بْنَ الْفَرَجِ أَبَا الزِّنْبَاعِ ، قَدْ حَدَّثَنَا قَالَ : حَدَّثَنَا حَامِدُ بْنُ يَحْيَى الْبَلْخِيُّ ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ كَثِيرِ الْمَدِينِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ وَهْبَ بْنَ كَيْسَانَ قَالَ : سَمِعْت عُمَرَ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ يَقُولُ : ( كُنْت غُلَامًا يَتِيمًا فِي حِجْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَكَلْت مَعَهُ ، فَكَانَتْ يَدِي تَطِيشُ فِي الصَّحْفَةِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا غُلَامُ ، إذَا أَكَلْت فَسَمِّ اللَّهَ ، وَإِذَا أَكَلْت فَكُلْ بِيَمِينِك ، وَإِذَا أَكَلْت فَكُلْ مِمَّا يَلِيك . قَالَ : فَمَا زَالَتْ تِلْكَ طُعْمَتِي بَعْدُ ) . 169 - وَوَجَدْنَا أَحْمَدَ بْنَ شُعَيْبٍ قَدْ حَدَّثَنَا قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ الْجَوَّازُ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ كَثِيرٍ قَالَ : سَمِعْت وَهْبَ بْنَ كَيْسَانَ قَالَ : سَمِعْت عُمَرَ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ يَقُولُ : ( كُنْت غُلَامًا فِي حِجْرِ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَكَانَتْ يَدِي تَطِيشُ فِي الصَّحْفَةِ ، فَقَالَ لِي النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ : يَا غُلَامُ ، سَمِّ اللَّهَ ، وَكُلْ بِيَمِينِك ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيك ) . فَاسْتَقَامَ لَنَا إسْنَادُ هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ ، ثُمَّ تَأَمَّلْنَا بَعْدَ ذَلِكَ حَدِيثًا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِمَّا يَدْخُلُ هَذَا الْمَعْنَى 170 - وَهُوَ مَا قَدْ حَدَّثَنَا أَبُو أُمَيَّةَ ، حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : ( إنَّ الْبَرَكَةَ وَسَطَ الْقَصْعَةِ ، فَكُلُوا مِنْ نَوَاحِيهَا ، وَلَا تَأْكُلُوا مِنْ رَأْسِهَا ) . 171 - وَوَجَدْنَا مُحَمَّدَ بْنَ خُزَيْمَةَ قَدْ حَدَّثَنَا قَالَ : حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، أَخْبَرَنَا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَلَمْ يَذْكُرْ ابْنَ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : ( كُلُوا مِنْ أَسْفَلِ الصَّحْفَةِ ، فَإِنَّ الْبَرَكَةَ تَنْزِلُ أَعْلَاهَا ) . فَاخْتَلَفَ الثَّوْرِيُّ وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَلَى عَطَاءٍ ، وَكِلَاهُمَا حُجَّةٌ فِيهِ فِي إسْنَادِ هَذَا الْحَدِيث ، فَوَصَلَهُ الثَّوْرِيُّ ، وَوَقَفَهُ حَمَّادٌ عَلَى ابْنِ جُبَيْرٍ . 172 - وَوَجَدَنَا مُحَمَّدَ بْنَ خُزَيْمَةَ قَدْ حَدَّثَنَا قَالَ : حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ قَالَ : حَدَّثَنَا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( كُلُوا مِنْ حَافَّاتِ الْقَصْعَةِ ، فَإِنَّ الْبَرَكَةَ تَنْزِلُ مِنْ وَسَطِهَا ) . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَإِنَّمَا أَدْخَلْنَا فِي هَذَا الْبَابِ مَا رَوَاهُ هَمَّامٌ ، عَنْ عَطَاءٍ ، وَإِنْ كَانَ الَّذِينَ يَعُدُّونَهُمْ الْحُجَّةَ فِي عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ أَهْلَ الْعِلْمِ بِالْإِسْنَادِ إنَّمَا هُمْ أَرْبَعَةٌ دُونَ مَنْ سِوَاهُمْ : شُعْبَةُ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ؛ لِأَنَّ سَمَاعَ هَمَّامٍ مِنْ عَطَاءٍ إنَّمَا كَانَ بِالْبَصْرَةِ لَمَّا قَدِمَهَا عَلَيْهِمْ ، وَقَدْ كَانَ أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ لَمَّا قَدِمَهَا عَلَيْهِمْ عَطَاءُ قَالَ لِلنَّاسِ : إيتُوهُ وَسَلُوهُ عَنْ حَدِيثِهِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فِي التَّسْبِيحِ فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ . كَمَا قَدْ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ دَاوُد ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ قَالَ : قَدِمَ عَلَيْنَا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ الْبَصْرَةَ فَقَالَ لَنَا أَيُّوبُ : إيتُوهُ فَاسْأَلُوهُ عَنْ حَدِيثِ التَّسْبِيحِ . قَالَ الْقَوَارِيرِيُّ : يَعْنِي حَدِيثَ أَبِيهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَقَوِيٌّ فِي قُلُوبِنَا سَمَاعُ هَمَّامٍ مِنْهُ إذْ كَانَ بِالْبَصْرَةِ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا كَانَ اخْتِلَاطُهُ بَعْدَ رُجُوعِهِ إلَى الْكُوفَةِ . وَتَأَمَّلْنَا حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا هَلْ ضَادَّ حَدِيثَ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ الَّذِي رَوَيْنَاهُ عَنْهُ ؟ إذْ كَانَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ( كُلُوا مِنْ نَوَاحِي الصَّحْفَةِ ) ، فَلَمْ يُوجَدْ فِي ذَلِكَ مَا يُوجِبُ تَضَادَّ حَدِيثِ عُمَرَ ، إذْ كَانَ قَدْ يَحْتَمِلُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : ( كُلُوا مِنْ نَوَاحِي الصَّحْفَةِ ) أَيْ : يَأْكُلُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مِمَّا يَلِيهِ مِنْ نَوَاحِيهَا ، لَا يَخْرُجُ عَنْهُ إلَى مَا سِوَاهُ مِنْ نَوَاحِيهَا . وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ مَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا يُرَادُ بِهِ الْأَكْلُ وَحْدَهُ ، لَا الْأَكْلُ مَعَ غَيْرِهِ ، إذْ كَانَ تَعَدِّيهِ فِي أَكْلِهِ مَعَ غَيْرِهِ إلَى غَيْرِ مَا يَلِيهِ مِنْ الْقَصْعَةِ الَّتِي يَأْكُلُ مَعَهُ فِيهَا سُوءُ أَدَبٍ عَلَيْهِ ، وَإِذَا كَانَ يَأْكُلُ وَحْدَهُ لَمْ يَكُنْ فِي أَكْلِهِ مِنْ حَيْثُ أَكَلَ مِنْ الصَّحْفَةِ سِوَى وَسَطِهَا سُوءُ أَدَبٍ عَلَى أَحَدٍ . ثُمَّ تَأَمَّلْنَا مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي هَذَا الْبَابِ غَيْرَ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ : هَلْ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا طَلَبْنَاهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْهُمَا ؟ . 173 - فَوَجَدْنَا أَحْمَدَ بْنَ شُعَيْبٍ قَدْ حَدَّثَنَا قَالَ : حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ : أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ : ( إنَّ خَيَّاطًا دَعَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِطَعَامٍ صَنَعَهُ . قَالَ أَنَسٌ : فَذَهَبْت مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى ذَلِكَ الطَّعَامِ ، فَقَرَّبَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُبْزًا مِنْ شَعِيرٍ ، وَقَدِيدًا فِيهِ دُبَّاءٌ . قَالَ أَنَسٌ : فَرَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَتَبَّعُ الدُّبَّاءَ مِنْ حَوْلِ الصَّحْفَةِ ، فَلَمْ أَزَلْ أُحِبُّ الدُّبَّاءَ مِنْ يَوْمِئِذٍ ) . فَكَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ذِكْرُ ( أَكْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غَيْرِ مَا كَانَ يَلِيهِ مِنْ الْقَصْعَةِ الَّتِي كَانَ يَأْكُلُ فِيهَا ذَلِكَ الطَّعَامَ ) . فَعَقَلْنَا بِذَلِكَ أَنَّ مَا فِي حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ مِمَّا ( نَهَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ عَنْ الْأَكْلِ مِنْ غَيْرِ مَا يَلِيهِ مِنْ الْقَصْعَةِ الَّتِي كَانَ يَأْكُلُ مَعَهُ فِيهَا ) ، إنَّمَا كَانَ لِأَكْلِهِ مَعَ غَيْرِهِ ، وَأَنَّ مَا فِي حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ مِنْ أَكْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غَيْرِ مَا يَلِيهِ مِنْ الْقَصْعَةِ الَّتِي كَانَ يَأْكُلُ فِيهَا إنَّمَا كَانَ لِأَكْلِهِ وَحْدَهُ ، فَخَرَجَ بِذَلِكَ جَمِيعُ مَا رَوَيْنَاهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْبَابِ عَنْ التَّضَادِّ ، وَعَقَلْنَا أَنَّهُ عَلَى مَعْنَيَيْنِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خِلَافُ الْمَعْنَى الْآخَرِ ، وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
740 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الموطن الذي تعتكف فيه النساء . 5547 - حدثنا أبو أمية ، حدثنا يعلى بن عبيد الطنافسي ، حدثنا يحيى بن سعيد ، عن عمرة ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يعتكف صلى الصبح ، ثم دخل المكان الذي يريد أن يعتكف فيه ، فأراد أن يعتكف في العشر الأواخر ، فأمر فضرب له خباء ، وأمرت عائشة ، فضرب لها خباء ، وأمرت حفصة فضرب لها خباء ، فلما رأت زينب خبائيهما أمرت بخباء ، فضرب لها ، فلما راح النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : ما هذا ؟ آلبر تردن ؟ ! فلم يعتكف في رمضان واعتكف عشرا من شوال . 5548 - وحدثنا الربيع المرادي ، حدثنا عبد الله بن وهب ، أخبرني عمرو بن الحارث ، عن يحيى بن سعيد ، عن عمرة حدثته ، عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد الاعتكاف فاستأذنته عائشة رضي الله عنها لتعتكف معه ، فأذن لها ، فضربت خباءها ، فسألتها حفصة لتستأذنه لها لتعتكف معه ، فلما رأته زينب ضربت معهن وكانت امرأة غيورا ، فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبيتهن ، فقال : ما هذا ؟ آلبر تردن ؟ ! فترك الاعتكاف حتى أفطر من رمضان ، ثم إنه اعتكف في عشر من شوال . 5549 - وحدثنا يونس ، أخبرنا ابن وهب ، وحدثنا الربيع المرادي ، حدثنا عبد الله بن وهب ، قال : يونس في حديثه : إن مالكا أخبره ، وقال الربيع في حديثه : قال : سمعت مالكا يحدث ، ثم اجتمعا جميعا فقالا عن يحيى بن سعيد ، عن عمرة بنت عبد الرحمن ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : مثله ولم يذكرا في حديثيهما عائشة . 5550 - وحدثنا محمد بن سنان ، حدثنا عبد الوهاب بن نجدة الحوطي ، حدثنا أبو المغيرة ، عن الأوزاعي ، حدثني يحيى بن سعيد ، حدثتني عمرة ، عن عائشة ، ثم ذكر مثله . قال أبو جعفر : ففي هذه الآثار إرادة من أراد الاعتكاف مع النبي صلى الله عليه وسلم من نسائه في المسجد ، وإذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن أذن لها منهن في ذلك ، وهذا باب من الفقه قد اختلف أهل العلم فيه . فطائفة منهم تقول : تعتكف النساء في المساجد كما يعتكف الرجال ، ولا يجوز لهن أن يعتكفن في غيرها ، وهذا قول فقهاء الحجاز . وطائفة منهم تقول : بل يعتكفن في مساجد بيوتهن ، ولا يعتكفن في غيرها من مساجد الجماعة كما يعتكف الرجال ، وممن كان يذهب إلى ذلك أبو حنيفة وأصحابه . فتأملنا هذا الحديث : هل فيه حجة لما ذهب إليه الحجازيون إلى ما قد ذكرناه عنهم مما ذهبوا إليه في هذا الباب ، أم لا ؟ فوجدنا الذي فيه مما أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه ، لمن أذن له فيه من أزواجه . فوجدنا ذلك : إنما كان على اعتكاف منهن معه فيه ، وقد رأينا النساء يسافرن مع أزواجهن ومع من سواهم من محارمهن إلى الأسفار البعيدة ، وليس لهن أن يفعلن ذلك مع غير أزواجهن ، ومع غير محارمهن ، فاحتمل أن يكون الذي اتسع به لمن أذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم من نسائه في الاعتكاف في المسجد هو لكونه معهن فيه بحق الزوجية التي بينهن وبينه ، واحتمل أن يكون لحرمتهن على جميع المسلمين سواه ، فاتسع لهن بذلك الاعتكاف في المسجد ، ولم يتسع ذلك لغيرهن ممن هو بخلاف ذلك ، فانتفى بذلك أن يكون في هذا الحديث حجة لما احتج به الحجازيون فيما ذكرناه عنهم . ونظرنا بعد ذلك في أحكام النساء بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم في إتيان المساجد . 5551 - فوجدنا يونس قد حدثنا ، قال : حدثنا سفيان ، عن يحيى بن سعيد ، عن عمرة ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : لو رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أحدث النساء بعده لمنعهن المساجد ، كما منعت نساء بني إسرائيل . قال أبو جعفر : فكان قول عائشة في هذا وهي المأمونة على ما قالت مع علمها وفقهها ويقظتها ، ما قد دل على أن النساء إنما كان لهن إتيان المساجد في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم واسعا لحال كن عليها ، وقد خرجن عنها بعده إلى ضدها ، فانتفى بذلك ما كان واسعا لهن من إتيانهن إياه على ما كن يأتينه في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإذا كن كذلك في حياة عائشة كن بعد موتها من ذلك أبعد ، فإذا كان ذلك كذلك عقلنا أنه : إن كان لهن أن يعتكفن فإنما يكون ذلك منهن في خلاف المساجد لا في المساجد ، وبالله التوفيق .
25 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رَوَاهُ جَابِرٌ عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ اسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ : مَنْ هَذَا فَقَالَ جَابِرٌ : أَنَا . فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ : أَنَا ، أَنَا ، وَكَأَنَّهٌ كَرِهَ ذَلِكَ . 174 - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ الرَّقِّيُّ ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ ، عَنْ ( جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : اسْتَأْذَنْت عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : مَنْ هَذَا فَقُلْت : أَنَا . فَقَالَ : أَنَا ، أَنَا ، وَكَأَنَّهُ كَرِهَ ذَلِكَ ) . 175 - وَحَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ الزَّهْرَانِيُّ ، وَوَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ قَالَا : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ ، عَنْ ( جَابِرٍ قَالَ : أَتَيْت النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي دَيْنٍ كَانَ عَلَى أَبِي ، فَضَرَبْت الْبَابَ ، فَقَالَ : مَنْ ذَا ؟ فَقُلْت : أَنَا ، فَقَالَ : أَنَا أَنَا ، كَأَنَّهُ كَرِهَ ذَلِكَ ) . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَكَانَ مَعْنَى هَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا قَرَعَ جَابِرٌ عَلَيْهِ الْبَابَ فَقَالَ لَهُ : مَنْ هَذَا ؟ إذْ كَانَ لَمْ يَعْرِفْهُ لِيَعْرِفَهُ ، فَأَجَابَهُ جَابِرٌ بِمَا أَجَابَهُ بِهِ ، فَلَمْ يَعْرِفْهُ بِذَلِكَ ، فَكَانَ سُؤَالُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ إيَّاهُ مَنْ هَذَا يَقْتَضِي جَوَابًا ، لَمْ يَكُنْ مِنْ جَابِرٍ إلَى حِينَئِذٍ ، فَكَرِهَ ذَلِكَ مِنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَرَادَ مِنْهُ جَوَابًا يُفِيدُهُ عِلْمَ الَّذِي دَقَّ الْبَابَ مَنْ هُوَ ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ .
766 - باب بيان مشكل ما روي في أم عبد الله بن شداد عنه ، وعن أهل الأنساب : من هي من الأخوات المؤمنات ؟ ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك . 5751 - حدثنا علي بن زيد الفرائضي ، قال : حدثنا عبدة بن سليمان ، قال : حدثنا عبد الله بن المبارك ، قال : حدثنا جرير بن حازم ، عن محمد بن عبد الله بن أبي يعقوب وأبي فزارة ، قالا : حدثنا عبد الله بن شداد أن ابنة حمزة أعتقت مولى لها ، فمات المولى وتركها ، وترك ابنته ، فأعطاها النبي صلى الله عليه وسلم النصف ، وأعطى ابنة حمزة النصف ، ثم قال : يعني : عبد الله بن شداد ، هل تدرون ما بيني وبينها ، هي أختي من أمي كانت أمنا أسماء ابنة عميس الخثعمية . وقد كان مصعب الزبيري وموضعه من الأنساب موضعه منها يقول في ذلك ما أجازه لنا هارون العسقلاني ، عن العلائي عنه ، قال : عبد الله بن شداد مولى بني ليث ، وأمه أسماء ابنة عميس ، وكان أخا ابنة حمزة عليه السلام لأمها . فتأملنا ما روي في ذلك ، عن النبي صلى الله عليه وسلم لنقف به على الحقيقة في ذلك ، إن شاء الله . 5752 - فوجدنا إبراهيم بن أبي داود قد حدثنا ، قال : حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب الحجبي ، قال : حدثنا الدراوردي ، عن إبراهيم بن عقبة ، عن كريب ، عن ابن عباس ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الأخوات المؤمنات أربع ابنة الحارث زوج النبي صلى الله عليه وسلم ، وأم الفضل ابنة الحارث أم ابن عباس ، وسلمى ابنة الحارث امرأة حمزة بن عبد المطلب ، وأختهن لأمهن أسماء ابنة عميس الخثعمية . 5753 - ووجدنا روح بن الفرج قد حدثنا ، قال : حدثنا أبو مصعب الزهري ، قال : حدثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي ، ثم ذكر بإسناده مثله . فكان في هذا الحديث من الأخوات المؤمنات التي كانت عند حمزة سلمى ابنة الحارث لا أسماء ابنة عميس ، وحقق أنها سلمى لا أسماء ما قد رويناه فيما تقدم من كتابنا هذا في خصومة جعفر وعلي ابني أبي طالب ، وزيد بن حارثة رضوان الله عليهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في ابنة حمزة ، وقول جعفر في ذلك لعلي : لي من القرابة مثل الذي لك وخالتها عندي ، يعني : أسماء ابنة عميس ، ثم قضى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم لجعفر لتكون عند خالتها أسماء ، وفي ذلك ما قد دل على أن عبد الله بن شداد إنما كان ابن سلمى ابنة الحارث لا ابن أسماء ابنة عميس ، وهذا فمن لطيف ما يستخرج في مثل هذا ، والله نسأله التوفيق .
26 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ نَهْيِهِ عَنْ الْجُلُوسِ بِالصُّعُدَاتِ وَمِنْ إبَاحَتِهِ ذَلِكَ عَلَى الشَّرَائِطِ الَّتِي اشْتَرَطَهَا فِي إبَاحَتِهِ ذَلِكَ . 176 - حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سِنَانٍ الْهَرَوِيُّ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ قَالَ : سَمِعْت إِسْحَاقَ بْنَ سُوَيْد يُحَدِّثُ عَنْ ابْنِ حُجَيْرٍ الْعَدَوِيِّ قَالَ : سَمِعْت عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ : ( أَتَى عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ جُلُوسٌ عَلَى الطَّرِيقِ فَقَالَ : إيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ عَلَى هَذِهِ الطُّرُقِ ، فَإِنَّهَا مَجَالِسُ الشَّيْطَانِ ، فَإِنْ كُنْتُمْ لَا مَحَالَةَ فَأَدُّوا حَقَّ الطَّرِيقِ ، ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقُلْت : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : أَدُّوا حَقَّ الطَّرِيقِ ، وَلَمْ أَسْأَلْهُ مَا هُوَ ، فَلَحِقْتُهُ فَقُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّك قُلْت كَذَا وَكَذَا ، فَمَا حَقُّ الطَّرِيقِ ؟ قَالَ : حَقُّ الطَّرِيقِ : أَنْ تَرُدَّ السَّلَامَ ، وَتَغُضَّ الْبَصَرَ ، وَتَكُفَّ الْأَذَى ، وَتَهْدِيَ الضَّالَّ ، وَتُعِينَ الْمَلْهُوفَ ) . 177 - وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خُزَيْمَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ سُوَيْد ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ ، عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِهَذَا الْحَدِيثِ مُنْقَطِعِ الْإِسْنَادِ كَمَا ذَكَرْنَا ، وَبِدُونِ الْكَلَامِ الَّذِي فِي حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ سِنَانٍ . 178 - حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ ، حَدَّثَنَا عَفَّانَ بْنُ مُسْلِمٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : قَالَ أَبُو طَلْحَةَ : ( كُنَّا جُلُوسًا بِالْأَفْنِيَةِ فَمَرَّ بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : مَا لَكُمْ وَلِمَجَالِسِ الصُّعُدَاتِ ؟ فَقُلْنَا : اجْتَمَعْنَا لِغَيْرِ مُرَابٍ نَتَذَاكَرُ وَنَتَحَدَّثُ ، قَالَ : فَأَعْطُوا الْمَجَالِسَ حَقَّهَا . قَالُوا : وَمَا حَقُّهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : غَضُّ الْبَصَرِ ، وَرَدُّ السَّلَامِ ، وَطِيبُ الْكَلَامِ ) . 179 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ ، حَدَّثَنَا الْأَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ ، حَدَّثَنَا هُرَيْمُ بْنُ سُفْيَانَ الْبَجَلِيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيُّ ، عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : ( إيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ فِي الصُّعُدَاتِ ، فَمَنْ جَلَسَ فِي صَعِيدٍ فَلْيُعْطِهِ حَقَّهُ . قَالُوا : وَمَا حَقُّهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : إغْضَاضُ الْبَصَرِ ، وَرَدُّ التَّحِيَّةِ ، وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ ) . 180 - حَدَّثَنَا يُونُسُ ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، حَدَّثَني حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : ( إيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ بِالطُّرُقَاتِ ، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لَا بُدَّ مِنْ مَجَالِسِنَا نَتَحَدَّثُ فِيهَا . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : فَإِذَا أَبَيْتُمْ إلَّا الْمَجَالِسَ فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ . قَالُوا : وَمَا حَقُّ الطَّرِيقِ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : غَضُّ الْبَصَرِ ، وَكَفُّ الْأَذَى ، وَرَدُّ السَّلَامِ ، وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ ) . 181 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خُزَيْمَةَ ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، حَدَّثَنِي أَبُو إِسْحَاقَ قَالَ : سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ يَقُولُ : ( إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِنَاسٍ مِنْ الْأَنْصَارِ فَقَالَ : إنْ كُنْتُمْ لَا بُدَّ فَاعِلِينَ ، فَأَفْشُوا السَّلَامَ ، وَأَعِينُوا الْمَظْلُومَ ، وَاهْدُوا السَّبِيلَ ) . 182 - حَدَّثَنَا فَهْدٌ ، حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ ، عَنْ الْبَرَاءِ : ( أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَرَّ بِنَاسٍ جُلُوسٍ مِنْ الْأَنْصَارِ ، فَقَالَ : إنْ كُنْتُمْ لَا بُدَّ فَاعِلِينَ ) ، ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ سَوَاءً غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ فِيهِ : قَالَ شُعْبَةُ : وَلَمْ يَسْمَعْ هَذَا الْحَدِيثَ أَبُو إِسْحَاقَ مِنْ الْبَرَاءِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذَا اخْتِلَافٌ شَدِيدٌ عَلَى شُعْبَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ؛ لِأَنَّ حَجَّاجًا يَذْكُرْ فِيهِ سَمَاعَ أَبِي إِسْحَاقَ إيَّاهُ مِنْ الْبَرَاءِ ، وَأَبُو الْوَلِيدِ يَنْفِي ذَلِكَ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مَا الصَّوَابِ فِيهِ . 183 - حَدَّثَنَا فَهْدٌ ، حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ النَّهْدِيُّ مَالِكُ بْنُ إسْمَاعِيلَ ، حَدَّثَنَا إسْرَائِيلُ بْنُ يُونُسَ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ الْبَرَاءِ قَالَ : ( مَرَّ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى مَجْلِسٍ لِلْأَنْصَارِ فَقَالَ : إنْ أَبَيْتُمْ إلَّا أَنْ تَجْلِسُوا ، فَرُدُّوا السَّلَامَ ، وَاهْدُوا السَّبِيلَ ، وَأَعِينُوا الْمَظْلُومَ ) . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَتَأَمَّلْنَا مَا فِي هَذِهِ الْآثَارِ ، فَوَجَدْنَا فِيهَا نَهْيَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْجُلُوسِ بِالصُّعُدَاتِ ، ثُمَّ أَبَاحَ بَعْدَ ذَلِكَ مَا أَبَاحَهُ مِنْ الْجُلُوسِ فِيهَا عَلَى الشَّرَائِطِ الَّتِي اشْتَرَطَهَا عَلَى مَنْ أَبَاحَهُ ذَلِكَ مِنْهَا . فَوَقَفْنَا بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ نَهْيَهُ كَانَ عَلَى الْجُلُوسِ فِيهَا ، إنَّمَا كَانَ عَلَى الْجُلُوسِ الَّذِي لَيْسَ مَعَهُ الشَّرَائِطُ الَّتِي اشْتَرَطَهَا عِنْدَ إبَاحَتِهِ الْجُلُوسَ فِيهَا عَلَى مَنْ آثَرَ أَنْ يَجْلِسَ فِيهَا ، وَعَلَى أَنَّ إبَاحَتَهُ الْجُلُوسَ فِيهَا مُضَمَّنٌ بِالشَّرَائِطِ الَّتِي اشْتَرَطَهَا فِي إبَاحَتِهِ الْجُلُوسَ فِيهَا عَلَى مَنْ أَبَاحَهُ ذَلِكَ مِنْهَا . وَفِي ذَلِكَ مَا قَدْ دَلَّ عَلَى تَبَايُنِ نَهْيِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَبَايُنِ إبَاحَتِهِ ، وَأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِمَعْنًى لَيْسَ فِي الْآخَرِ مِنْهُمَا . وَفِي هَذِهِ الْآثَارِ مَا يَدُلُّ عَلَى إبَاحَةِ النَّاسِ الِاسْتِعْمَالَ مِنْ طُرُقِهِمْ الْعَامَّةِ مَا لَا ضَرَرَ فِيهِ عَلَى أَحَدٍ مِنْ أَهْلِهَا ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ كَانَ مَعْقُولًا أَنَّ الْجُلُوسَ فِيهَا إنْ كَانَ مِمَّا يُضَيِّقُ عَلَى الْمَارِّينَ بِهَا جُلُوسَ الْجَالِسِينَ بِهَا إيَّاهَا ، غَيْرُ دَاخِلٍ فِيمَا أَبَاحَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْهَا ، وَأَنَّ ذَلِكَ رَاجِعٌ إلَى مَا فِي حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ مُعَاذٍ الْجُهَنِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ : ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَمَرَ مُنَادِيًا فِي بَعْضِ غَزَوَاتِهِ لَمَّا ضَيَّقَ النَّاسُ الْمَنَازِلَ ، وَقَطَعُوا الطُّرُقَاتِ ، فَنَادَى أَنَّ مَنْ ضَيَّقَ مَنْزِلًا ، وَقَطَعَ طَرِيقًا فَلَا جِهَادَ لَهُ ) . وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا الْحَدِيثَ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنَّا فِي كِتَابِنَا هَذَا ، وَالْوَاجِبُ عَلَى ذَوِي اللُّبِّ أَنْ يَعْقِلُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَا يُخَاطِبُ بِهِ أُمَّتَهُ ، فَإِنَّهُ إنَّمَا يُخَاطِبُهُمْ بِهِ لِيُوقِفَهُمْ عَلَى حُدُودِ دِينِهِمْ ، وَعَلَى الْآدَابِ الَّتِي يَسْتَعْمِلُونَهَا فِيهِ ، وَعَلَى الْأَحْكَامِ الَّتِي يَحْكُمُونَ بِهَا فِيهِ ، وَأَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ لَا تَضَادَّ فِيهَا ، وَأَنَّ كُلَّ مَعْنًى مِنْهَا يُخَاطِبُهُمْ بِهِ يُخَالِفُ أَلْفَاظُهُ فِيهِ الْأَلْفَاظَ الَّتِي قَدْ كَانَ خَاطَبَهُمْ فِيمَا قَبْلَهُ مِنْ جِنْسِ ذَلِكَ الْمَعْنَى ، وَأَنْ يَطْلُبُوا مَا فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ ذَيْنِك الْمَعْنَيَيْنِ إذَا وَقَعَ فِي قُلُوبِهِمْ أَنَّ فِي ذَلِكَ تَضَادًّا أَوْ خِلَافًا ، فَإِنَّهُمْ يَجِدُونَهُ بِخِلَافِ مَا ظَنُّوهُ فِيهِ ، وَإِنْ خَفِيَ ذَلِكَ عَلَى بَعْضِهِمْ ، فَإِنَّمَا هُوَ لِتَقْصِيرِ عِلْمِهِ عَنْهُ ، لَا لِأَنَّ فِيهِ مَا ظَنَّهُ مِنْ تَضَادٍّ أَوْ خِلَافٍ ؛ لِأَنَّ مَا تَوَلَّاهُ اللَّهُ بِخِلَافِ ذَلِكَ كَمَا قَالَ تَعَالَى : وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا ، وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
739 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله للناس في قلادة ابنته زينب لما رآها في الأموال المجتمعة لفداء الأسرى : إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا عليها الذي لها فافعلوا . 5546 - حدثنا إبراهيم بن أبي داود ، حدثنا إبراهيم بن يحيى الشجري ، حدثنا أبي ، عن ابن إسحاق ، عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير ، عن أبيه ، عن عائشة قالت : لما بعث أهل مكة في فداء أسيرهم بعثت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في فداء زوجها أبي العاص بن الربيع ، وبعثت فيه بقلادة لها كانت خديجة أدخلتها على أبي العاص حين بنى عليها ، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم القلادة رق لها رقة شديدة ، حتى دمعت عيناه ، وقال : إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها ، وأن تردوا عليها الذي لها فافعلوا ، فقالوا : يا رسول الله ، بأبينا أنت وأمنا ، فأطلقوه وردوا عليها الذي لها . فقال قائل : وما كانت الحاجة في هذا إليهم ، وإنما المن في ذلك كان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لا إليهم ، ألا ترى إلى حديث جبير بن مطعم لما كلم النبي صلى الله عليه وسلم فيهم ، فقال شيخ : لو كان جاءني ، يعني : أباه المطعم بن عدي لأطلقتهم له . وقد روينا هذا الحديث فيما تقدم منا في كتابنا هذا . وكان جوابنا له في ذلك : أن الذي كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث جبير ، إنما كان في الوقت الذي كان للنبي صلى الله عليه وسلم قتلهم ، وكان إليه المن عليهم بترك قتلهم ، وكان الذي في حديث عائشة إنما كان بعد أن حقن فداؤهم دماءهم ، وعاد ما افتدوا به مالا حكمه حكم الغنيمة التي صارت لمن أوجف عليها ما لهم فيها ، فلم يصلح أن يطلق أموالهم منها ، إلا بما طابت به أنفسهم ، وقد يجوز أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم رد ذلك إلى معنى من وجوه الغنيمة بأن يعوض أهلها الذين صرف ذلك إليهم ما رأى أن يعوضهم من تلك الغنيمة حتى تستقر بكليتها في مواضعها التي يجب أن تستقر فيها ، والله الموفق .
27 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي اسْمِ اللَّهِ الْأَعْظَمِ أَيُّ أَسْمَائِهِ هُوَ . 184 - حَدَّثَنَا أَبُو أُمَيَّةَ ، حَدَّثَنَا أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، وَمَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ ، عَنْ ابْنِ بُرَيْدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ : ( سَمِعَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ رَجُلًا يَقُولُ : اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك بِأَنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ الْأَحَدُ الصَّمَدُ ، الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ، فَقَالَ : لَقَدْ سَأَلَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ بِاسْمِهِ الَّذِي إذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ ، وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى ) . 185 - حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُد ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ الْهَمْدَانِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْر ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ ، عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : ( مَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَجُلٍ يُصَلِّي ، وَهُوَ : يَقُولُ اللَّهُمَّ لَك الْحَمْدُ ، لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ ، يَا مَنَّانُ ، يَا بَدِيعَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ، يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِنَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ : تَدْرُونَ مَا دَعَا الرَّجُلُ ؟ قَالُوا : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، قَالَ : دَعَا رَبَّهُ بِاسْمِهِ الْأَعْظَمِ الَّذِي إذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ ، وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى ) . 186 - حَدَّثَنَا فَهْدٌ ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ خَلِيفَةَ ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ ( أَنَسٍ قَالَ : كُنْت قَاعِدًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَلْقَةٍ فَقَامَ رَجُلٌ يُصَلِّي فَلَمَّا رَكَعَ وَسَجَدَ وَقَعَدَ فَتَشَهَّدَ دَعَا فَقَالَ : اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك بِأَنَّ لَك الْحَمْدَ ، لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ ، بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ، يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ، يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : أَتَدْرُونَ مَا دَعَا ؟ قَالُوا : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ . قَالَ : إنَّهُ دَعَا بِاسْمِهِ الْعَظِيمِ الَّذِي إذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ ، وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى ) . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَهَذِهِ الْآثَارُ قَدْ رُوِيَتْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ موتفقة فِي اسْمِ اللَّهِ الْأَعْظَمِ أَنَّهُ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي هَذَا شَيْءٌ نَحْنُ ذَاكِرُوهُ فِي هَذَا الْبَابِ 187 - وَهُوَ مَا أَجَازَ لَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْعَبَّاسِ الرَّازِيّ ، وَأَعْلَمَنَا أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ مُوسَى بْنِ نَصْرٍ الرَّازِيِّ ، وَأَنَّ مُوسَى بْنَ نَصْرٍ حَدَّثَنَا بِهِ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الرَّازِيِّ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ ، عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ قَالَ : اسْمُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ الْأَكْبَرُ هُوَ اللَّه ُ . قَالَ مُحَمَّدٌ : أَلَا تَرَى أَنَّ الرَّحْمَنَ اُشْتُقَّ مِنْ الرَّحْمَةِ ، وَالرَّبَّ مِنْ الرُّبُوبِيَّةِ ، وَذَكَرَ أَشْيَاءَ نَحْوَ هَذَا ، وَاَللَّهُ غَيْرُ مُشْتَقٍّ مِنْ شَيْءٍ . قَالَ هِشَامُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الرَّازِيّ : فَمَا أَدْرِي أَفَسَّرَ مُحَمَّدٌ هَذَا مِنْ قَوْلِهِ أَمْ مِنْ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ؟ فَقَالَ قَائِلٌ : فَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْآثَارِ مَا يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ مَا فِي هَذِهِ الْآثَارِ فَذَكَرَ : . 188 - مَا قَدْ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ الشَّيْزريُّ ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَلَاءِ ، أَنَّهُ سَمِعَ الْقَاسِمَ أَبَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ يَرْفَعُهُ قَالَ : ( اسْمُ اللَّهِ الْأَعْظَمُ الَّذِي إذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ فِي سُوَرٍ ثَلَاثٍ : الْبَقَرَةِ ، وَآلِ عِمْرَانَ ، وطه ) . 189 - حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُد ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حَفْصٍ عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ الدِّمَشْقِيُّ ، قَالَ : سَمِعْت عِيسَى بْنَ مُوسَى يَقُولُ لِابْنِ زَبْرٍ : يَا أَبَا زَبْرٍ ، سَمِعْت غَيْلَانَ بْنَ أَنَسٍ ؟ قَالَ : سَمِعْت الْقَاسِمَ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : ( إنَّ اسْمَ اللَّهِ الْأَعْظَمَ لَفِي ثَلَاثِ سُوَرٍ مِنْ الْقُرْآنِ : الْبَقَرَةِ ، وَآلِ عِمْرَانَ ، وطه ) . قَالَ أَبُو حَفْصٍ : فَنَظَرْت فِي هَذِهِ السُّوَرِ الثَّلَاثِ فَرَأَيْت فِيهَا أَشْيَاءَ لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ مِثْلُهَا : آيَةُ الْكُرْسِيِّ : اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ، وَفِي آلِ عِمْرَانَ : اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ، وَفِي طَه وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ أَنَّ مَا اسْتَخْرَجَهُ أَبُو حَفْصٍ مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ فِيهِ اللَّهُ ، وَاَلَّذِي اسْتَخْرَجَهُ مِنْ آلِ عِمْرَانَ كَذَلِكَ أَيْضًا فِيهِ اللَّهُ ، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ خَارِجًا مِنْ الْآثَارِ الَّتِي رَوَيْنَاهَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَلَا مُخَالِفًا لِمَا فِيهَا ، وَكَانَ مَا اسْتَخْرَجَهُ مِمَّا فِي طَه قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كَمَا اسْتَخْرَجَهُ ، فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ اسْمَ اللَّهِ الْأَعْظَمَ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ، وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ مَا فِي طَه سِوَى ذَلِكَ ، وَهُوَ قَوْلُ اللَّهِ فِيهَا : وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْآيَةَ ، فَيَرْجِعُ مَا فِي طَه إلَى مِثْلِ مَا رَجَعَ إلَيْهِ مَا فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ ، وَمَا فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ ، أَنَّهُ اللَّهُ تَعَالَى . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ الْأَنْصَارِيَّةِ ، عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي ذَلِكَ مَا يُخَالِفُ الْحَدِيثَ الَّذِي اسْتَخْرَجَ مِنْهُ أَبُو حَفْصٍ مَا اسْتَخْرَجَ . 190 - كَمَا حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ ، حَدَّثَنَا مَكِّيُّ بْنُ إبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي زِيَادٍ ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ ، عَنْ ( أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَقُولُ : إنَّ فِي هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ اسْمَ اللَّهِ الْأَعْظَمَ : وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلا هُوَ ، وَ الم اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ) . 191 - وَمَا قَدْ حَدَّثَنَا أَبُو أُمَيَّةَ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ النَّبِيلُ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي زِيَادٍ ، عَنْ شَهْرٍ ، عَنْ أَسْمَاءَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِثْلَهُ . فَكَانَ فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ مَوْضِعُ اسْمِ اللَّهِ مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ ، وَمِنْ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ ، بِمَا لَيْسَ فِي إحْدَاهُمَا ذِكْرُ الْحَيِّ الْقَيُّومِ ، وَفِيهِمَا جَمِيعًا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ . فَكَانَ فِي ذَلِكَ مَا يَجِبُ بِهِ أَنْ يُعْقَلَ أَنَّ الَّذِي فِي سُورَةِ طَه هُوَ ذَلِكَ أَيْضًا ، لَا مَا ذَكَرَهُ أَبُو حَفْصٍ وَكَانَ فِيمَا ذَكَرْنَا مَا قَدْ وَافَقَهُ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ . فَكَانَ قَوْلُهُمْ : اللَّهُمَّ ، إنَّمَا كَانَ الْأَصْلُ فِيهِ يَا اللَّهُ ، فَلَمَّا حَذَفُوا الْيَاءَ مِنْ أَوَّلِ الْحَرْفِ زَادُوا الْمِيمَ فِي آخِرِهِ لِيَرْجِعَ الْمَعْنَى الَّذِي فِي يَا اللَّهُ ، وَفِيمَا رَوَيْنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَصْدِيقُ بَعْضِهِ بَعْضًا ، وَانْتَفَى الِاخْتِلَافُ مِنْهُ .
767 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يحكيه ، عن ربه - عز وجل - من قوله : كل عمل ابن آدم هو له إلا الصيام هو لي ، وأنا أجزي به . 5754 - حدثنا الربيع بن سليمان المرادي ، قال : حدثنا عبد الله بن وهب ، قال : أخبرني يونس بن يزيد ، عن ابن شهاب ، قال : أخبرني سعيد بن المسيب أنه سمع أبا هريرة ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : كل عمل ابن آدم له إلا الصيام هو لي ، وأنا أجزي به ، والذي نفس محمد بيده ، لخلفة فم الصائم أطيب عند الله - عز وجل - من ريح المسك . فتأملنا هذا الحديث ، فوجدنا الصيام فيه معنى لم نجده في غيره من الأشياء التي تعبد الناس بها ، منها الصلاة ، فقد يقدر الإنسان أن يأتي بها على أنه يريد بها غير الله - عز وجل - فيري الناس صلاته ، ويخفي عنهم عيبه ، فكذلك هو في صدقته وفي حجه وكان الصيام بخلاف ذلك ؛ لأنه لا يتهيأ لأحد أن يراه منه كما يرى تلك الأشياء من أهلها ، وإنما ينفرد بعلمه منه ووقوفه عليه الله - عز وجل - دون من سواه ، فكان ما ينفرد به - عز وجل - من خلقه هو الذي له ، وما يكون هو يعلمه ، ثم يعلمه خلقه ممن يكون منه ، على ما قد ذكرنا مما قد كان له فيه شركاء جل وتعالى ، وكان ذلك الذي ذكرنا من الصيام ما يناله وخارجا عنه ، فأضيف الصيام فيما ذكرنا إلى الله - عز وجل - ولم يضف ما سواه مما وصفنا إليه ، إذ كان قد يأتيه ، وخالفه فيما ينفرد الله - عز وجل - به من الصيام وما يشركه فيه غيره من سواه ، والله نسأله التوفيق .
28 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ دُعَائِهِ : اللَّهُمَّ قَوِّ فِي طَاعَتِك ضَعْفِي . 192 - حَدَّثَنَا أَبُو أُمَيَّةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْمَعْنِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا مِنْدَلُ بْنُ عَلِيٍّ ، عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، عَنْ أَبِي دَاوُد الْهَمْدَانِيِّ ، عَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ : ( قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَلَا أُعَلِّمُك كَلِمَاتٍ مَنْ أَرَادَ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا عَلَّمَهُ إيَّاهَا ، ثُمَّ لَمْ يَنْسَهُنَّ أَبَدًا : اللَّهُمَّ إنِّي ضَعِيفٌ فَقَوِّ فِي رِضَاك ضَعْفِي ، وَخُذْ إلَى الْخَيْرِ بِنَاصِيَتِي ، وَاجْعَلْ الْإِسْلَامَ مُنْتَهَى رِضَايَ ، اللَّهُمَّ إنِّي ضَعِيفٌ فَقَوِّنِي ، وَإِنِّي ذَلِيلٌ فَأَعِزَّنِي ، وَإِنِّي فَقِيرٌ فَأَغْنِنِي ) . 193 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ دَاوُد ، حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَاصِمٍ ، حَدَّثَنَا مِنْدَلُ بْنُ عَلِيٍّ ، حَدَّثَنَا الْعَلَاءُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، عَنْ أَبِي دَاوُد الْهَمْدَانِيِّ ، عَنْ بُرَيْدَةَ الْأَسْلَمِيِّ ، ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ إلَّا أَنَّهُ قَالَ : ثُمَّ ( لَمْ يَسْأَلْهُنَّ إيَّاهُ أَبَدًا ) . فَتَأَمَّلْنَا مَا فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَوَجَدْنَا الضَّعْفَ لَا يَكُونُ قُوَّةً أَبَدًا ، وَوَجَدْنَا الْقُوَّةَ لَا تَكُونُ ضَعْفًا أَبَدًا ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ضِدٌّ لِصَاحِبِهِ ، وَلَا يَكُونُ الشَّيْءُ ضِدًّا لِنَفْسِهِ أَبَدًا ، إنَّمَا يَكُونُ ضِدًّا لِغَيْرِهِ ، وَكَانَ الضَّعْفُ وَالْقُوَّةُ لَا يَقُومَانِ بِأَنْفُسِهِمَا ، إنَّمَا يَكُونَانِ حَالَّيْنِ فِي أَبْدَانِ الْحَيَوَانِ مِنْ بَنِي آدَمَ ، وَمِمَّا سِوَاهُمْ فَيَعُودُ مَا يَحُلُّ فِيهِ الضَّعْفُ مِنْهُمَا ضَعِيفًا ، وَمَا يَحُلُّ فِيهِ الْقُوَّةُ مِنْهُمَا قَوِيًّا . فَعَقَلْنَا بِذَلِكَ أَنَّ دُعَاءَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَجْعَلَ ضَعْفَهُ قَوِيًّا ، إنَّمَا مُرَادُهُ فِيهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ يَجْعَلَ مَا فِيهِ الضَّعْفُ مِنْهُ ، وَهُوَ بَدَنُهُ قَوِيًّا ، فَهَذَا أَحْسَنُ مَا وَجَدْنَاهُ فِي تَأْوِيلِ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
738 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في لقطة مكة . 5542 - حدثنا محمد بن العباس ، عن علي بن معبد ، وحدثنا إبراهيم بن أبي داود ، حدثنا عمرو بن عون الواسطي قالا : أخبرنا أبو يوسف ، عن يزيد بن أبي زياد ، عن مجاهد ، عن ابن عباس ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة : ولا يرفع لقطتها إلا منشد لها . 5543 - حدثنا محمد بن خزيمة ، حدثنا الحجاج بن منهال وأبو سلمة موسى بن إسماعيل قالا : حدثنا حماد بن سلمة ، عن محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في مكة : لا يرفع لقطتها إلا منشد . وقد روي هذا الحديث بخلاف هذا اللفظ . 5544 - كما حدثنا بكار ، حدثنا أبو داود ، حدثنا حرب بن شداد ، قال : حدثنا يحيى بن أبي كثير ، وكما حدثنا محمد بن عبد الله بن ميمون ، حدثنا الوليد بن مسلم ، عن الأوزاعي ، عن يحيى بن أبي كثير ، ثم اجتمعا فقالا : عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال في مكة : ولا تلتقط ضالتها إلا لمنشد . 5545 - وكما حدثنا علي بن عبد الرحمن ، حدثنا ابن أبي مريم ، أخبرنا ابن الدراوردي ، حدثنا محمد بن عمرو بن علقمة ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ذكر مثله . قال أبو جعفر : فكان النضر بن شميل فيما حدثت به عنه يقول : معناهما مختلف ، فأما معنى ولا يرفع لقطتها إلا منشد ، أي : من رأى لقطة بها فسبيله أن يرفعها بيده ، ثم يقول لمن هذه منكم أيها الناس ؟ ومعنى قوله : ولا ترفع لقطتها إلا لمنشد أن الذي يرى لقطتها لا يسعه أخذها ، إلا أن يسمع رجلا يقول : من وجد كذا وكذا مما يوافق ما قد رأى ، فيرفعها بيده ، ثم يقول : أهي هذه ؟ فتأملنا ما قد رويناه في هذا الباب وما قد قاله النضر بن شميل فيه . فوجدنا الذي قاله صحيحا ، وكان في ذلك ما قد دل على ما في حديث عبد الرحمن بن عثمان الذي رويناه في الباب الذي قبله ، من اجتناب لقطة الحاج ، وأنها بخلاف اللقطة التي يرجو من يحاول التقاطها لقاء من هي له ليخرج إليه منها ، وأنها بخلاف ما سواها من اللقطة التي لا يرجو فيها ذلك ، والله الموفق .
29 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ قَوْلِهِ : إذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَبْرُكْ كَمَا يَبْرُكُ الْبَعِيرُ ، وَلَكِنْ لِيَضَعْ يَدَيْهِ ثُمَّ رُكْبَتَيْهِ . 194 - حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ الْأَنْصَارِيُّ ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَبْرُكْ كَمَا يَبْرُكُ الْبَعِيرُ ، وَلَكِنْ يَضَعُ يَدَيْهِ ، ثُمَّ رُكْبَتَيْهِ ) . فَقَالَ قَائِلٌ : هَذَا كَلَامٌ مُسْتَحِيلٌ ؛ لِأَنَّهُ نَهَاهُ إذَا سَجَدَ أَنْ يَبْرُكَ كَمَا يَبْرُكُ الْبَعِيرُ ، وَالْبَعِيرُ إنَّمَا يَنْزِلُ عَلَى يَدَيْهِ ، ثُمَّ أَتْبَعَ ذَلِكَ بِأَنْ قَالَ : ( وَلَكِنْ لِيَضَعَ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ ) ، فَكَانَ مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِمَّا نَهَاهُ عَنْهُ فِي أَوَّلِهِ قَدْ أَمَرَهُ بِهِ فِي آخِرِهِ . فَتَأَمَّلْنَا مَا قَالَ مِنْ ذَلِكَ فَوَجَدْنَاهُ مُحَالًا ، وَوَجَدْنَا مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مُسْتَقِيمًا لَا إحَالَةَ فِيهِ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْبَعِيرَ رُكْبَتَاهُ فِي يَدَيْهِ ، وَكَذَلِكَ كُلُّ ذِي أَرْبَعٍ مِنْ الْحَيَوَانِ ، وَبَنُو آدَمَ بِخِلَافِ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ رُكَبَهُمْ فِي أَرْجُلِهِمْ لَا فِي أَيْدِيهِمْ ، فَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْمُصَلِّيَ أَنْ يَخِرَّ عَلَى رُكْبَتَيْهِ اللَّتَيْنِ فِي رِجْلَيْهِ ، كَمَا يَخِرُّ الْبَعِيرُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ اللَّتَيْنِ فِي يَدَيْهِ ، وَلَكِنْ يَخِرُّ لِسُجُودِهِ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ ، فَيَخِرُّ عَلَى يَدَيْهِ اللَّتَيْنِ لَيْسَ فِيهِمَا رُكْبَتَاهُ ، بِخِلَافِ مَا يَخِرُّ الْبَعِيرُ عَلَى يَدَيْهِ اللَّتَيْنِ فِيهِمَا رُكْبَتَاهُ ، فَبَانَ بِحَمْدِ اللَّهِ وَنِعْمَتِهِ أَنَّ الَّذِي فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَلَامٌ صَحِيحٌ لَا تَضَادَّ فِيهِ وَلَا اسْتِحَالَةَ فِيهِ ، وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
768 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله لأبي بردة بن نيار في أضحيته التي ذبحها : أعد أخرى مكانها ، ومن قوله له لما قال له : إن عندي جذعة خير من مسنة ، فقال له : اذبحها ولا تجزئ عن أحد بعدك . 5755 - حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، قال : حدثنا أبو داود الطيالسي ووهب بن جرير قالا : حدثنا شعبة ، عن زبيد الإيامي ، قال : سمعت الشعبي يحدث ، عن البراء بن عازب ، قال : خرج إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أضحى إلى البقيع فبدأ فصلى ركعتين ، ثم أقبل علينا بوجهه ، فقال : إن أول نسكنا في يومنا هذا أن نبدأ بالصلاة ، ثم نرجع فننحر ، فمن فعل ذلك فقد وافق سنتنا ، ومن ذبح قبل ذلك ، فإنما هو لحم عجله لأهله ليس من النسك في شيء ، فقام خالي ، فقال : يا رسول الله ، إني ذبحت وعندي جذعة خير من مسنة ، فقال : اذبحها ولا تجزئ ، أو لا توفي عن أحد بعدك . 5756 - وحدثنا محمد بن علي بن داود ووهبان بن عثمان البغداديان ، قالا : حدثنا عفان بن مسلم ، قال : حدثنا شعبة ، قال : حدثني زبيد ومنصور وداود وابن عون ومجالد عن الشعبي ، وهذا حديث زبيد ، قال : سمعت الشعبي هاهنا يحدث ، عن البراء عند سارية في المسجد ولو كنت قريبا منها لأخبرتكم بموضعها ، ثم ذكر مثله . 5757 - وحدثنا إسماعيل بن يحيى المزني ، قال : حدثنا الشافعي ، حدثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد ، عن داود بن أبي هند ، عن عامر الشعبي ، عن البراء بن عازب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام يوم النحر خطيبا فحمد الله - عز وجل - وأثنى عليه ، ثم قال : لا يذبحن أحد حتى يصلي فقام خالي ، فقال : يا رسول الله ، هذا يوم اللحم فيه مكروه ، وإني ذبحت نسيكتي فأطعمت أهلي وجيراني ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : قد فعلت فأعد ذبحا آخر ، فقال : عندي عناق لبن هي خير من شاتي لحم ، فقال : هي خير نسيكتيك لن تجزئ جذعة عن أحد بعدك . 5758 - وحدثنا محمد بن خزيمة ، قال : حدثنا حجاج بن منهال ، قال : حدثنا يزيد بن زريع ، قال : حدثنا داود بن أبي هند ، عن الشعبي ، عن البراء ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثله . 5759 - وحدثنا محمد بن خزيمة ، قال : حدثنا حجاج بن منهال ، قال : حدثنا شعبة ، قال : حدثني زبيد ، قال : سمعت الشعبي ، عن البراء ، ثم ذكر مثله . 5760 - وحدثنا أبو أمية ، قال : حدثنا عبيد الله بن موسى ، قال : حدثنا زكريا بن أبي زائدة ، عن فراس ، عن عامر ، عن البراء ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مثله . 5761 - وحدثنا أبو أمية ، قال : حدثنا أبو غسان ، قال : حدثنا عبد السلام ، عن أبي خالد الدالاني ، عن عامر ، عن البراء ، عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله . قال أبو جعفر : وكانت الجذعة المرادة في هذا الحديث ، هي الجذعة من المعز لا الجذعة من الضأن ، وكان أهل العلم قد اختلفوا في الأضحية ، فقال قائلون منهم : إنها واجبة على الواجدين لها ، منهم أبو حنيفة ، وذهب أكثر أهل العلم سواه : إلى أنها مأمور بها محضوض عليها غير واجبة ، فكان ما احتج به ممن ذهب إلى إيجابها قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بردة : لن تجزئ جذعة عن أحد بعدك . فقال : لا يكون إجزاء إلا عن واجب ، وكان من حجة مخالفه عليه في ذلك أن الوجوب الذي كان من أجله هذا القول أن أبا بردة لما ذبح أضحيته التي كان أوجبها قبل أوان ذبحها مستهلكا لها فيما قد كانت ، صارت له ، فوجب بذلك عليه البدل منها ، وقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال له من أجل استهلاكه واجبا ، كان لله - عز وجل - عليه بإيجابه إياه . فتأملنا ما قالوه في ذلك لنقف على الحقيقة فيه إن شاء الله . فوجدنا الأشياء التي تجب بإيجاب الله - عز وجل - إياها إذا أوجبها العباد على أنفسهم لم يكن إيجابهم إياها إيجابا له معنى ، ألا ترى أن من أوجب على نفسه صلاة من الصلوات الخمس ، أو أوجب على نفسه صيام شهر رمضان ، أو أوجب على نفسه حجة الإسلام ، وهو ممن يستطيع السبيل إليها أنه لا يلزمه بذلك شيء ، وأنه يكون كمن لم يوجبه ، وكانت الأضحية إن كانت واجبة بإيجاب الله - عز وجل - إياها كان إيجاب العباد إياها على أنفسهم لا معنى له ، وإن لم تكن واجبة بإيجاب الله - عز وجل - إياها ، كان من أوجبها على نفسه وجبت عليه بإيجابه إياها ، غير أن الأضحية إن كان الله - عز وجل - أوجبها فلم يوجبها في شاة ولا بقرة ولا بدنة بعينها ، فإذا جعل الرجل الواجب عليه منها بإيجاب الله - عز وجل - عليه في شيء من ذلك بعينه ، احتمل أن يجب كما أوجبه ، فنظرنا في ذلك فرأينا ما أوجبه في شيء من ذلك بعينه لو هلك بموت أو بغيره لم يسقط ما كان الله أوجبه عليه ؛ لأنه لم يوجبه عليه فيما هلك من ذلك . وإذا كان ذلك كذلك عقلنا أن الذي أوجبه إن كان الله - عز وجل - قد أوجب الأضحية هو غير الذي أوجب ، فكان هلاكه وبقاؤه بمعنى واحد ، هذا حكم الأضحية إن كان الله - عز وجل - أوجبها . ثم نظرنا في حكمها إن كان الله لم يوجبها . فوجدنا أهل العلم لا يختلفون أن من أوجبها وجبت عليه ، وأن من استهلكها قبل أن ينفذها فيما أوجبها فيه كان عليه ضمان قيمتها حتى يصرفها فيما يجب صرفها فيه ، مما هو بدل منها ، فكان النبي صلى الله عليه وسلم لم ينظر إلى قيمة ما ذبح أبو بردة ، فلزمه إياه لله - عز وجل . فعقلنا بذلك : أن الذي ألزمه إياه ، لما ألزمه إياه له هو لغير ما أوجب على نفسه ، ولكنه لما أوجبه الله - عز وجل - عليه ، فثبت بذلك وجوب الأضحية على واجديها ، وكان ما احتج به أبو حنيفة في ذلك من أحسن ما يحتج به في مثله ، والله - عز وجل - نسأله التوفيق .
30 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ قَوْلِهِ : إنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ثَوْرَانِ مُكَوَّرَانِ فِي النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . 195 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خُزَيْمَةَ ، حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ الْعَمِّيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُخْتَارِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الدَّانَاجِ قَالَ : شَهِدْت أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ جَلَسَ فِي مَسْجِدٍ فِي زَمَنِ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدِ بْنِ أُسَيْدَ ، قَالَ : فَجَاءَ الْحَسَنُ فَجَلَسَ إلَيْهِ فَتَحَدَّثَا ، فَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ : حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : ( الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ثَوْرَانِ مُكَوَّرَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) ، فَقَالَ الْحَسَنُ : مَا ذَنْبُهُمَا ؟ فَقَالَ : إنَّمَا أُحَدِّثُك عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَكَتَ الْحَسَنُ . فَكَانَ مَا كَانَ مِنْ الْحَسَنِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ إنْكَارًا عَلَى أَبِي سَلَمَةَ ، إنَّمَا كَانَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لِمَا وَقَعَ فِي قَلْبِهِ أَنَّهُمَا يُلْقَيَانِ فِي النَّارِ لِيُعَذَّبَا بِذَلِكَ ، فَلَمْ يَكُنْ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ لَهُ عَنْ ذَلِكَ جَوَابٌ . وَجَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ : أَنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ إنَّمَا يُكَوَّرَانِ فِي النَّارِ ، لِيُعَذِّبَا أَهْلَ النَّارِ لَا أَنْ يَكُونَا مُعَذَّبَيْنِ فِي النَّارِ ، وَأَنْ يَكُونَا فِي تَعْذِيبِ مَنْ فِي النَّارِ كَسَائِرِ مَلَائِكَةِ اللَّهِ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَ أَهْلَهَا ، أَلَا تَرَى إلَى قَوْله تَعَالَى : يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ أَيْ : مِنْ تَعْذِيبِ أَهْلِ النَّارِ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ . وَكَذَلِكَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ هُمَا فِيهَا بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ مُعَذِّبَانِ لِأَهْلِ النَّارِ بِذُنُوبِهِمْ ، لَا مُعَذَّبَانِ فِيهَا ، إذْ لَا ذُنُوبَ لَهُمَا . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ هَذَا الْمَعْنَى أَيْضًا ، وَفِيهِ زِيَادَةُ أَنَّهُمَا عَقِيرَانِ . 196 - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ الْبَغْدَادِيُّ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْقُرَشِيُّ ، قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهُوَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ : ابْنُ النَّطَّاحِ ، وَيُضَافُ وَلَاؤُهُ إلَى جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْهَاشِمِيِّ ، حَدَّثَنَا دُرُسْتُ بْنُ زِيَادٍ الْقُشَيْرِيُّ ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهُوَ الرَّقَاشِيُّ ، حَدَّثَنَا أَنَسٌ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : ( الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ثَوْرَانِ عَقِيرَانِ فِي النَّارِ ) . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَمَعْنَى الْعُقْرِ الَّذِي ذُكِرَ أَنَّهُ لَهُمَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِاللُّغَةِ لَمْ يُرِدْ بِهِ الْعُقْرَ لَهُمَا عُقُوبَةً لَهُمَا ، إذْ كَانَ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ فِيهِمَا ، إذْ كَانَا فِي الدُّنْيَا مِنْ عِبَادَةِ اللَّهِ عَلَى مَا ذَكَرَهُمَا بِهِ فِي كِتَابِهِ بِقَوْلِهِ : أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ، وَذَكَرَ مَعَهُمَا مَنْ ذَكَرَ مَعَهُمَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ ، حَتَّى أَتَى عَلَى قَوْله تَعَالَى فيها : وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ . فَأَخْبَرَ أَنَّ عَذَابَهُ إنَّمَا يَحِقُّ عَلَى غَيْرِ مَنْ يَسْجُدُ لَهُ فِي الدُّنْيَا ، وَلَكِنَّهُمَا كَانَا فِي الدُّنْيَا يَسْبَحَانِ فِي الْفَلَكِ الَّذِي كَانَا يَسْبَحَانِ فِيهِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ الْآيَةَ ، ثُمَّ أَعَادَهُمَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُوَكَّلَيْنِ بِالنَّارِ كَغَيْرِهِمَا مِنْ مَلَائِكَتِهِ الْمُوَكَّلِينَ بِهَا ، فَقَطَعَهُمَا بِذَلِكَ عَمَّا كَانَا فِيهِ مِنْ الدُّنْيَا مِنْ السِّبَاحَةِ ، فَعَادَا بِانْقِطَاعِهِمَا عَنْ ذَلِكَ كَالزَّمِنَيْنِ بِالْعُقْرِ ، فَقِيلَ لَهُمَا : عَقِيرَانِ عَلَى اسْتِعَارَةِ هَذَا الِاسْمِ لَهُمَا ، لَا عَلَى حَقِيقَةِ حُلُولِ عَقْرٍ بِهِمَا ، وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
737 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في نهيه عن لقطة الحاج . 5541 - حدثنا روح بن الفرج ، حدثنا أبو مصعب الزهري ، حدثنا ابن أبي حازم ، عن أسامة بن زيد ، عن بكير بن عبد الله ، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب ، عن عبد الرحمن بن عثمان ، قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عن لقطة الحاج . قال أبو جعفر : فتأملنا هذا الحديث لنقف على المعنى الذي أريد به إن شاء الله ، فكان أحسن ما حضرنا في ذلك ، والله أعلم بحقيقة الأمر فيه ، أن الحج يجمع أهل البلدان المختلفة الذين يتفرقون من حجتهم إلى مواطنهم ، ثم عسى أن لا يلتقوا بعد ذلك ، فأمر من وجد ما سقط منهم إن كان الذي يغلب على قلبه أنه لا يقدر على صاحبه أن لا يتعرض للقطته خوف بقائها في ضمانه ، حتى يلقى بها ربها ، وأنها بخلاف اللقطة التي يرجو لقاء ربها ليدفعها إليه ، ويكون أخذه إياها لحفظها عليه ، لا لما سوى ذلك ، والله الموفق .
31 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ قَوْلِهِ : بِئْسَ مَطِيَّةُ الرَّجُلِ زَعَمُوا . 197 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَيْمُونٍ الْبَغْدَادِيُّ أَبُو بَكْرٍ ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، حَدَّثَنِي أَبُو قِلَابَةَ ، حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : قَالَ النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ : بِئْسَ مَطِيَّةُ الرَّجُلِ زَعَمُوا . 198 - حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ : قَالَ أَبُو مَسْعُودٍ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ ، أَوْ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ لِأَبِي مَسْعُودٍ : أَمَا سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي زَعَمُوا : ( بِئْسَ مَطِيَّةُ الرَّجُلِ ) . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَتَأَمَّلْنَا مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي وَصْفِهِ زَعَمُوا بِمَا وَصَفَهَا بِهِ ، وَذِكْرُهُ إيَّاهَا أَنَّهَا بِئْسَ مَطِيَّةُ الرَّجُلِ ، فَوَجَدْنَا زَعَمُوا لَمْ تَجِئْ فِي الْقُرْآنِ إلَّا فِي الْإِخْبَارِ عَنْ الْمَذْمُومِينَ بِأَشْيَاءَ مَذْمُومَةٍ كَانَتْ مِنْهُمْ . فَمِنْ ذَلِكَ قَوْل الله تَعَالَى : زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا ، ثُمَّ أَتْبَعَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ . وَمِنْ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ ، ثُمَّ أَتْبَعَ ذَلِكَ بِإِخْبَارِهِ بِعَجْزِهِمْ أَنْ دَعَوْهُمْ بِذَلِكَ بِقَوْلِهِ : فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلا . وَمِنْ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ ، ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ : لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ الْآيَةَ . وَمِنْ ذَلِكَ قَوْله : وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ . وَمِنْ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُهَا إِلا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ . وَمِنْ ذَلِكَ قَوْله : أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ . وَمِنْ ذَلِكَ قَوْله : أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْـزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْـزِلَ مِنْ قَبْلِكَ الْآيَةَ . وَكُلُّ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فإخْبَارٌ عن اللَّهِ تَعَالَى بِهَا ، عَنْ قَوْمٍ مَذْمُومِينَ فِي أَحْوَالٍ لَهُمْ مَذْمُومَةٍ ، وَبِأَقْوَالٍ كَانَتْ مِنْهُمْ كَانُوا فِيهَا كَاذِبِينَ مُفْتَرِينَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى ، فَكَانَ مَكْرُوهًا لِأَحَدٍ مِنْ النَّاسِ لُزُومُ أَخْلَاقِ الْمَذْمُومِينَ فِي أَخْلَاقِهِمْ الْكَافِرِينَ ، فِي أَدْيَانِهِمْ الْكَاذِبِينَ فِي أَقْوَالِهِمْ . وَكَانَ الْأَوْلَى بِأَهْلِ الْإِيمَانِ لُزُومَ أَخْلَاقِ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ سَبَقُوهُمْ بِالْإِيمَانِ ، وَمَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ الْمَذَاهِبِ الْمَحْمُودَةِ ، وَالْأَقْوَالِ الصَّادِقَةِ الَّتِي حَمِدَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهَا رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَرَحْمَتُهُ ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ .
769 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعثه من كان بعثه في قتال من بعثه لقتاله بلا إمرة ، كان أمره في ذلك . 5762 - حدثنا الربيع المرادي ، قال : حدثنا أسد ، قال : حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة ، قال : حدثني المجالد بن سعيد ، عن زياد بن علاقة ، عن سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - قال : لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة جاءته جهينة ، فقالوا : إنك قد نزلت بين أظهرنا ، فأوثق لنا حتى نأمنك وتأمننا ، فأوثق لهم لو لم يسلموا ، فبعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في رجب ، وأمرنا أن نغير على حي من كنانة إلى جنب جهينة ، فأغرنا عليهم ، فكانوا كثيرا فلجأنا إلى جهينة فمنعونا ، وقالوا : لم تقاتلون في الشهر الحرام ، فقلنا : إنما نقاتل من أخرجنا من البلد الحرام في الشهر الحرام ، فقال : بعضنا لبعض : ما ترون ، قالوا : نأتي النبي صلى الله عليه وسلم فنخبره ، وقال قوم : لا بل نقيم هاهنا ، وقلت أنا في أناس معي : لا ، بل نأتي عير قريش هذه فنقتطعها ، فانطلقنا إلى العير وكان الفيء إذ ذاك من أخذ شيئا فهو له ، وانطلق أصحابنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه ، فقام غضبان محمر الوجه ، فقال : ذهبتم جميعا وجئتم متفرقين ، إنما أهلك من كان قبلكم الفرقة ، لأبعثن عليكم رجلا ليس بخيركم ، أصبركم على الجوع والعطش ، فبعث علينا عبد الله بن جحش الأسدي ، فكان أول أمير في الإسلام . فكان في هذا الحديث ما قد دل أن ذلك الجيش لم يكن عليه أمير . فقال قائل : كيف تقبلون هذا وقد رويتم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فذكر ما قد ذكرناه فيما تقدم منا في كتابنا هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله : إذا كنتم ثلاثة في سفر ، فأمروا عليكم أحدكم . فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله - عز وجل - وعونه : أن حديث سعد كان متقدما ، وكان من المبعوثين فيما بعثوا له ما كان منهم من الاختلاف ، فكان من الله - عز وجل - في ذلك لكراهته الاختلاف ، ما قد أجرى أمور نبيه صلى الله عليه وسلم في المستأنف على خلافه من التأمير على جيوشه لترجع الأمور إلى قول واحد ، يجب على من معه طاعته وترك الخروج عن قوله ، وشد ذلك ما أنزله - عز وجل - في كتابه من قوله : وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ، والله نسأله التوفيق .
32 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ أَمْرِهِ مَنْ قِبَلَهُ مَظْلِمَةٌ لِأَخِيهِ فِي عِرْضٍ أَوْ فِي مَالٍ أَنْ يَتَحَلَّلَهُ مِنْهَا فِي الدُّنْيَا . 199 - حَدَّثَنَا يُونُسُ ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : ( مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلِمَةٌ مِنْ أَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ مَالِهِ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ حِينَ لَا يَكُونُ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ ، فَإِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلِمَتِهِ ، وَإِلَّا أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَتْ عَلَيْهِ ) . 200 - حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ الْمُرَادِيُّ ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْخُرَاسَانِيُّ ، عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ، ثُمَّ ذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ . 201 - حَدَّثَنَا يُونُسُ ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : وَحَدَّثَنِي مَالِكٌ ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ مَظْلِمَةٌ لِأَخِيهِ فِي عِرْضٍ أَوْ فِي مَالٍ فَلْيَأْتِهِ فَلْيُحَلِّلْهُ مِنْهَا ، فَإِنَّهُ لَيْسَ ثَمَّ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُؤْخَذَ لِأَخِيهِ مِنْ حَسَنَاتِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ أَخِيهِ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ) . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَتَأَمَّلْنَا هَذَا الْحَدِيثَ فَكَانَ مَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ مِنْهُ : ( مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلِمَةٌ مِنْ أَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ مَالِهِ فَلْيَتَحَلَّلْهُ ) ، فَكَانَ مَعْنَى ذَلِكَ عِنْدَنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فَلْيَتَحَلَّلْهُ بِمَا يَتَحَلَّلُ بِهِ مِنْ مِثْلِهِ ، مِنْ دَفْعِ مَالٍ مَكَانَ مَالٍ ، وَمِنْ عَفْوٍ عَنْ عُقُوبَةٍ وَجَبَتْ فِي انْتِهَاكِهِ عِرْضَهُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الِانْتِهَاكَ يُوجِبُ عَلَى الْمُنْتَهِكِ الْعُقُوبَةَ فِي بَدَنِهِ ، كَقَوْلِ الرَّجُلِ لِلرَّجُلِ : يَا فَاسِقُ ، أَوْ يَا خَبِيثُ ، أَوْ يَا سَارِقُ ، وَلَا تَقُومُ الْحُجَّةُ لَهُ عَلَيْهِ أَنَّهُ كَذَلِكَ ، فَعَلَى ذَلِكَ الْقَائِلِ الْعُقُوبَةُ ، وَلِلْوَاجِبَةِ لَهُ تِلْكَ الْعُقُوبَةُ الْعَفْوُ عَنْهُ ، لَا اخْتِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي ذَلِكَ ، وَذَلِكَ التَّحْلِيلُ الَّذِي يُرَادُ مِنْ هَذِهِ الْعُقُوبَةِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَفِي حَدِيثِ مَالِكٍ مَكَانَ ذَلِكَ فَلْيَأْتِهِ فَلْيُحَلِّلْهُ مِنْهَا ، فَذَلِكَ عَلَى إتْيَانِ مَنْ لَهُ الْمَظْلِمَةُ ، لَا عَلَى إتْيَانِ مَنْ هِيَ عَلَيْهِ ، وَذَلِكَ بَعِيدٌ فِي الْمَعْنَى ؛ لِأَنَّ الَّذِي لَهُ الْمَظْلِمَةُ غَيْرُ مَخُوفٍ عَلَيْهِ مِنْهَا فِي الْآخِرَةِ ، وَإِنَّمَا الْخَوْفُ فِي الْآخِرَةِ عَلَى مَنْ هِيَ قِبَلَهُ ، فَبَانَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْأَوْلَى مِمَّا اخْتَلَفَ فِيهِ مَالِكٌ وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، هُوَ مَا رَوَاهُ عَلَيْهِ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ لَا مَا رَوَاهُ عَلَيْهِ مَالِكٌ . ثُمَّ رَجَعْنَا إلَى مَا فِي حَدِيثِهِمَا جَمِيعًا مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : ( مِنْ قَبْلِ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ حِينَ لَا يَكُونُ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ ، فَإِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلِمَتِهِ ، وَإِلَّا أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَتْ عَلَيْهِ ) ، فَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ رَاجِعًا عَلَى الْمَظْلِمَةِ فِي الْمَالِ لَا عَلَى الْمَظْلِمَةِ فِي الْعِرْضِ ؛ لِأَنَّ الْمَظْلِمَةَ فِي الْمَالِ تُوجِبُ مَالًا ، وَهُوَ الدَّنَانِيرُ وَالدَّرَاهِمُ ، فَإِذَا كَانَ غَيْرَ مَقْدُورٍ عَلَيْهِمَا عَادَ صَاحِبُ الْمَظْلِمَةِ فِي حَقِّهِ بِمَظْلِمَتِهِ إلَى حَسَنَاتِ ظَالِمِهِ ، وَأُخِذَ مِنْهَا بِقَدْرِ مَظْلِمَتِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِهِ ، فَأُلْقِيَ عَلَى ظَالِمِهِ بِمِقْدَارِ مَظْلِمَتِهِ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْمَظْلِمَةُ فِي الْعِرْضِ ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ بِهَا هُوَ الْعُقُوبَةُ فِي بَدَنِ الظَّالِمِ بِجَلْدِهِ عَلَيْهَا ، وَذَلِكَ مَقْدُورٌ عَلَيْهِ فِي الْآخِرَةِ مِنْ بَدَنِهِ كَمَا كَانَ مَقْدُورًا عَلَيْهِ مِنْهُ فِي الدُّنْيَا ، وَمِمَّا يُقَوِّي مَا قُلْنَاهُ فِي ذَلِكَ : . 202 - مَا قَدْ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خُزَيْمَةَ ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، يَعْنِي : ابْنَ عَائِشَةَ ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ ، حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ غَزْوَانَ ، عَنْ ابْنِ أَبِي نُعَيْمٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ عَلَيْهِ السَّلَامُ نَبِيُّ التَّوْبَةِ : ( مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكَهُ بِزِنًا بَرِيئًا مِمَّا قَالَهُ لَهُ ، أَقَامَ عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَدًّا ، إلَّا أَنْ يَكُونَ كَمَا قَالَ ) . 203 - وَمَا قَدْ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ يَعْنِي : ابْنَ الْمُبَارَكِ ، عَنْ فُضَيْلِ بْنِ غَزْوَانَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي نُعْمٍ الْبَجَلِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ نَبِيُّ التَّوْبَةِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكَهُ بِزِنًا بَرِيئًا مِمَّا قَالَ : أَقَامَ عَلَيْهِ الْحَدَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ كَمَا قَالَ ) . 204 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، حَدَّثَنَا سُوَيْد بْنُ نَصْرٍ ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ الْفُضَيْلِ بْنِ غَزْوَانَ ، ثُمَّ ذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ ، وَلَمْ يَقُلْ : بِزِنًا . 205 - وَمَا قَدْ حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُد ، حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى ؛ وَهُوَ ابْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ فُضَيْلِ بْنِ غَزْوَانَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي نُعْمٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : ( مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكًا ، وَهُوَ بَرِيءٌ مِمَّا قَالَ ؛ جُلِدَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ كَمَا قَالَ ) . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَقَدْ كَانَ الْعَبْدُ فِي الدُّنْيَا عَاجِزًا أَنْ يُقِيمَ الْحَدَّ عَلَى قَاذِفِهِ مِنْ مَوْلَاهُ ، وَمِمَّنْ سِوَاهُ بِالرِّقِّ الَّذِي فِيهِ ، وَلَمَّا أَزَالَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فِي الْآخِرَةِ ، وَرَدَّهُ إلَى أَحْكَامِ مَنْ سِوَاهُ مِنْ بَنِي آدَمَ الْمُسْتَحِقِّينَ لِلْحُدُودِ عَلَى قَاذِفِيهِمْ ، ذَهَبَ الْمَعْنَى الَّذِي كَانَ يَمْنَعُهُ مِنْ أَخْذِهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا ، فَأَخَذَهُ لَهُ فِي الْآخِرَةِ كَمَا كَانَ يَأْخُذُهُ فِي الدُّنْيَا لَوْ انْطَلَقَ لَهُ الْأَخْذُ بِهِ فِيهَا . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : فَقَدْ جَاءَ الْخِطَابُ فِي حَدِيثِ التَّحْلِيلِ مِنْ الْغِيبَةِ الَّذِي رَوَيْتُهُ بِالْمَظْلِمَةِ فِي الْعِرْضِ وَالْمَالِ جَمِيعًا ، فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَرْجِعَ بِشَيْءٍ مِنْ الْكَلَامِ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ عَلَى بَعْضِ مَا اُبْتُدِئَ بِهِ دُونَ بَقِيَّتِهِ ، قِيلَ لَهُ : الْعَرَبُ تَفْعَلُ هَذَا كَثِيرًا ، تُخَاطِبُ بِالشَّيْءِ بِعَقِبِ ذِكْرِ شَيْئَيْنِ ، تُرِيدُ بِخِطَابِهَا أَحَدَ ذَيْنِك الشَّيْئَيْنِ جَمِيعًا . وَمِنْ ذَلِكَ قَوْل الله تَعَالَى : مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ ثُمَّ قَالَ : يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ وَإِنَّمَا يَخْرُجَانِ مِنْ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْله : يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ وَالرُّسُلُ فإنَّمَا كَانُوا مِنْ الْإِنْسِ لَا مِنْ الْجِنِّ . وَمِنْ ذَلِكَ مَا يُرْوَى عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ : . 206 - مِمَّا قَدْ حَدَّثَنَاهُ يُونُسُ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي إدْرِيسَ ، عَنْ عُبَادَةَ قَالَ : ( كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي مَجْلِسٍ فَقَالَ : تُبَايِعُونِي عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاَللَّهِ شَيْئًا الْآيَةَ ، فَمَنْ أَوْفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ، وَمَنْ أَصَابَ شَيْئًا فَعُوقِبَ عَلَيْهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَسَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ ، فَأَمْرُهُ إلَى اللَّهِ إنْ شَاءَ عَذَّبَهُ ، وَإِنْ شَاءَ رَحِمَهُ ) . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ مَنْ أَشْرَكَ بِاَللَّهِ فَعُوقِبَ عَلَى شِرْكِهِ لَمْ تَكُنْ تِلْكَ الْعُقُوبَةُ كَفَّارَةً لَهُ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ، وَأَنَّهُ إنْ لَمْ يُعَاقَبْ وَسُتِرَ عَلَيْهِ ، لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُ ، فَكَانَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : ( فَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ) إنَّمَا هُوَ عَلَى بَعْضِ تِلْكَ الْأَشْيَاءِ لَا عَلَى كُلِّهَا ، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي تَحْوِيلِ بَعْضِ حَسَنَاتِ الظَّالِمِ إلَى الْمَظْلُومِ ، وَفِي تَحْوِيلِ بَعْضِ سَيِّئَاتِ الْمَظْلُومِ إلَى الظَّالِمِ لَيْسَ ذَلِكَ فِي الظُّلْمِ فِي الْأَعْرَاضِ ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي الظُّلْمِ فِي الْأَمْوَالِ لَا الظُّلْمِ فِي الْأَعْرَاضِ ، وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
736 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أحكام اللقطة . 5526 - حدثنا علي بن شيبة ، حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي وحدثنا فهد بن سليمان ، قال : حدثنا محمد بن سعيد ابن الأصبهاني ، قالا : حدثنا أبو أسامة ، عن الوليد بن كثير ، وحدثنا أحمد بن شعيب ، أخبرنا إسحاق بن إبراهيم ، أخبرنا عيسى بن يونس ، ثم اجتمعوا جميعا فقالوا : أخبرنا الوليد بن كثير المخزومي - قال عيسى : وكان ثقة في الحديث - عن عمرو بن شعيب ، عن عاصم وعمرو ابني سفيان بن عبد الله ، أن سفيان بن عبد الله وجد عيبة فأتى بها عمر ، فقال : عرفها سنة ، فإن عرفت فذاك ، وإلا فهي لك ، فلم تعرف ، فلقيته من العام المقبل فذكرتها له ، فقال : هي لك إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا بذلك ، قال : لا حاجة لي بها ، فقبضها عمر ، وجعلها في بيت المال . 5527 - وحدثنا أحمد بن شعيب ، أخبرنا أبو عبيدة بن عبد الله بن أبي السفر الكوفي ، حدثنا أبو أسامة ، عن الوليد بن كثير ، عن عمرو بن شعيب ، عن عمرو وعاصم ابني سفيان بن عبد الله بن ربيعة ، عن أبيهما أنه التقط عيبة ، ثم ذكر مثله . قال أبو جعفر : ففي هذا الحديث إخبار عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في اللقطة : إنها للملتقط بعد السنة التي يعرفها فيها ، إذا لم يجد من يعرفها . فتأملنا المراد بقوله في ذلك : هل هو على التمليك منه لها ، أم لا ؟ فوجدنا عمر قد روي عنه في ذلك مما قاله فيه بعد النبي صلى الله عليه وسلم . 5528 - ما قد حدثنا يونس ، أخبرنا ابن وهب أن مالكا حدثه ، عن أيوب بن موسى ، عن معاوية بن عبد الله بن بدر الجهني ، أن أباه أخبره أنه نزل منزلا بطريق الشام ، فوجد صرة فيها ثمانون دينارا ، فذكرها لعمر - رضي الله عنه فقال له : عرفها على أبواب المساجد ، واذكرها لمن يقدم من الشام سنة ، فإذا انقضت سنة فشأنك بها . 5529 - وما قد حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث ، عن شعبة ، عن أيوب بن موسى ، عن عبد الله بن زيد ، عن أبيه أنه أتى عمر بصرة فيها ألف درهم ، فقال : إني قد عرفتها فلم أجد من يعرفها ، فقال له عمر : عرفها سنة ، فإن وجدت ربها ، وإلا فاستمتع بها . فاختلف مالك وشعبة على أيوب بن موسى في اسم الرجل الذي حدثهما عنه هذا الحديث وفي اسم أبيه ، فقال : كل واحد منهما في روايته إياه عنه ما قد ذكرناه في روايته إياه عنه ، والله أعلم بالصواب في ذلك ما هو . وكان ما في هذا الحديث ، موافقا لما في حديث سفيان بن عبد الله الذي رويناه قبله ثم وجدنا ، عن عمر في حكم اللقطة بعد الحول ما هو أولى من هذا . 5530 - كما قد حدثنا علي بن شيبة ، قال : حدثنا يزيد بن هارون ، أخبرنا الأسود بن شيبان ، عن أبي نوفل العريجي عن أبيه ، قال : وجدت بدرة فيها مال فعرفتها فلم أجد من يعرفها ، فأتيت عمر بن الخطاب ، فقلت : إني وجدت بدرة فعرفتها ، فلم أجد من يعرفها ، فقال : عرفها حولا ، فإن وجدت من يعرفها فادفعها إليه ، وإلا فائتني بها عند رأس الحول ، قال : فعرفتها حولا ، فلم أجد من يعرفها فأتيته فأخبرته ، وقلت : أعنها عني يا أمير المؤمنين ، قال : ما أنا بفاعل ، قلت : أنشدك الله يا أمير المؤمنين إلا أعنتها عني ، فقال : ما أنا بفاعل ولكن إن شئت أخبرتك ما المخرج منها ، فقلت : ما المخرج منها ، قال : إن شئت تصدقت بها ، فإن جاء صاحبها خيرته بين أن يكون له الأجر ، فإن أبى رددت عليه ماله ، وكان لك الأجر . قال أبو جعفر : أبو نوفل العريجي هذا هو ابن أبي عقرب من كنانة قريش ، واسمه معاوية بن مسلم بن عمرو بن أبي عقرب ، هكذا قال أحمد بن حنبل ويحيى بن معين ، وقال غيرهما : وقد صحب أبوه النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو من أهل مكة ، غير أنه تحول منها ، فسكن البصرة ، وقد روى أبو نوفل ، عن ابن عباس وشعبة من الرواة عنه . قال أبو جعفر : ففي هذا الحديث ، عن عمر إبانة حكم اللقطة بعد التعريف ، وأنه الصدقة بها ، وكان تصحيح ما روي عنه مما قد ذكرناه عنه في هذا الباب أن المراد بقوله : وإلا فهي لك ، ليس على سبيل التمليك لها ، ولكن هي لك تصرفها فيما يجب صرفها فيه ، فهذا ما وجدناه عن عمر فيه في أحكام اللقطة بعد الحول . وقد روي عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - في ذلك شيء كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم في لقطة ، كان وجدها علي في زمنه ، وإن كان الحديث المذكور ذلك فيه ، منقطع الإسناد لا يحتج عندنا بمثله ، ولكن حملنا على المجيء به أن الشافعي قد احتج به علينا في منعنا للملتقط من أكلها بعد الحول ، إذا كان غنيا عنها . 5531 - وهو ما قد حدثنا يوسف بن يزيد ، حدثنا حجاج بن إبراهيم ، حدثنا إسماعيل بن جعفر ، عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر ، عن عطاء بن يسار أنه قال : وجد علي بن أبي طالب دينارا فجاء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : إني وجدت هذا ، فقال : عرفه فذهب ما شاء الله ، ثم قال : قد عرفته فلم أجد أحدا يعرفه ، قال : فشأنك به ، قال : فذهبت فرهنته بثلاثة دراهم في طعام وودك ، فبينا هو كذلك إذ جاء صاحبه ينشده ، فعرفه فجاء علي إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : هذا صاحب الدينار ، قال : أده إليه فأداه علي إليه بعدما أكلوا منه . قال الشافعي : ففي هذا الحديث ، دليل على أن اللقطة حلال للملتقط بعد الحول ، وإن كان غنيا عنها ، لأنها لو كانت ترجع إلى الصدقة لما جازت لعلي - رضي الله عنه - لأنه من صليبة بني هاشم ، ولأن الصدقة عليه حرام . فكان جوابنا له في ذلك : أن هذا حديث منقطع ، لا يحتج بمثله ، لا سيما وأحد رواته شريك بن عبد الله بن أبي نمر ، وأهل الأسانيد يقولون في روايته ما يقولون فيها ، ولو احتج عليك خصمك بمثل هذا لما سوغته إياه ، فكيف يجوز لك أن تحتج به على خصمك ؟ . والصحيح عندنا ، عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - في حكم اللقطة بعد الحول كالذي رويناه فيها ، عن عمر . كما حدثنا سليمان بن شعيب ، حدثنا عبد الرحمن بن زياد ، حدثنا شعبة ، عن أبي إسحاق الهمداني ، عن عاصم بن ضمرة ، قال : جاء رجل إلى علي بن أبي طالب - رضي الله عنه فقال : إني وجدت صرة من دراهم فعرفتها ، فلم أجد أحدا يعرفها ، فقال : تصدق بها ، فإن جاء صاحبها ورضي كان له الأجر ، وإلا غرمتها ، وكان لك الأجر ، وقد روي عن أبي بن كعب ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حكم اللقطة بعد الحول . 5532 - ما قد حدثنا بكار بن قتيبة ، حدثنا أبو داود الطيالسي ، حدثنا شعبة ، عن سلمة بن كهيل ، قال : سمعت سويد بن غفلة ، قال : خرجت حاجا فأصبت سوطا فأخذته ، فقال زيد بن صوحان : دعه ، فقلت : لا أدعه للسباع ، لآخذنه فلأنتفعن به ، فلقيت أبي بن كعب فذكرت ذلك له ، فقال : أحسنت ، إني وجدت صرة فيها مائة دينار على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له ، فقال : عرفها حولا ، فعرفتها حولا ، فلم أجد من يعرفها ، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : عرفها حولا فعرفتها حولا فلم أجد من يعرفها ، ثم أتيته الثالثة ، فقال : عرفها حولا فعرفتها حولا ، فلم أجد من يعرفها ، فقال : احفظ عددها ووعاءها ، فإن جاء صاحبها وإلا فاستمتع بها . قال شعبة : ثم إن سلمة شك ، فلا يدري أثلاثة أعوام أم عاما واحدا ؟ قال سلمة : فأعجبني هذا الحديث ، فقلت لأبي صادق ، فقال : سمعته من أبي كما سمعته من سويد . 5533 - وما قد حدثنا علي بن شيبة ، حدثنا يزيد بن هارون ، أخبرنا سفيان الثوري ، عن سلمة بن كهيل ، عن سويد بن غفلة ، قال : خرجت حاجا فأصبت سوطا فأخذته ، فقال زيد بن صوحان : دعه ، فقلت : لا أدعه للسباع لآخذنه ولأنتفعن به ، فلقيت أبي بن كعب فذكرت ذلك له ، فقال : أحسنت إني وجدت صرة فيها مائة دينار على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذتها فذكرتها لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : عرفها حولا ، فإن وجدت من يعرفها فادفعها إليه ، وإلا فاستنفع بها . 5534 - وما قد حدثنا ابن أبي داود ، حدثنا أبو معمر ، حدثنا عبد الوارث ، حدثنا محمد بن جحادة ، عن سلمة بن كهيل ، عن سويد بن غفلة ، عن أبي بن كعب ، قال : التقطت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة دينار ، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له ، فقال : عرفها فعرفتها سنة ، ثم أتيته فقلت : عرفتها سنة فلم أجد من يعرفها ، فقال : عرفها سنة ، فعرفتها سنة فلم أجد أحدا يعرفها ، فأتيته فقلت : عرفتها سنة ، فلم أجد أحدا يعرفها ، فقال : عرفها فعرفتها سنة فلم أجد أحدا يعرفها ، فأتيته ، فقلت : قد عرفتها سنة فلم أجد أحدا يعرفها ، قال : احفظ عددها ووكاءها واستمتع بها . قال الشافعي رحمه الله : وأبي بن كعب قد كان من أيسر أهل المدينة . وكان جوابنا له في ذلك : أن يسار أبي بن كعب الذي ذكر إنما كان بعد النبي صلى الله عليه وسلم ، فأما قبل ذلك فقد كان فقيرا ، والدليل على ذلك . 5535 - ما قد حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري ، حدثنا أبي ، عن ثمامة ، قال : قال أنس : كانت لأبي طلحة أرض ، فجعلها لله عز وجل ، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : اجعلها في فقراء قرابتك ، فجعلها لحسان بن ثابت وأبي ، قال أبي ، عن ثمامة ، عن أنس ، وكانا أقرب إليه مني . قال أبو جعفر : فعقلنا بذلك أنه لا حجة لمن ذهب في اللقطة بعد الحول إلى ما يذهب إليه الشافعي فيها ، في حديث أبي هذا . وقد روي عن غير من ذكرنا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في اللقطة بعد الحول مثل الذي رويناه فيها ، عن عمر وعلي . منهم : عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه 5536 - كما حدثنا فهد + ، حدثنا محمد بن سعيد ابن الأصبهاني ، أخبرنا شريك بن عبد الله ، عن عامر وهو ابن شقيق ، عن أبي وائل ، قال : اشترى عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - خادما بسبع مائة درهم ، فطلب صاحبها فلم يجده فعرفها حولا ، فلم يجد صاحبها فجمع المساكين فجعل يعطيهم ويقول : اللهم عن صاحبها ، فإن أتى فعني ، وعلي الثمن ، ثم قال : هكذا يفعل بالضالة . ومنهم : عبد الله بن عباس . 5537 - كما حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، حدثنا أبو عامر العقدي ، حدثنا ابن أبي ذئب ، عن المنذر بن أبي المنذر ، قال : جاء رجل إلى ابن عباس بصرة مسك ، فقال : إني وجدت هذه ، فقال ابن عباس : عرفها ، فإن وجدت صاحبها وإلا فتصدق بها ، فإن جاء صاحبها فخيره بين الأجر والغرم . ومنهم : أبو هريرة . 5538 - كما ناولني محمد بن العباس ، عن علي بن معبد . وكما حدثني إبراهيم بن سليمان ، حدثنا علي بن معبد ، حدثنا عبيدة بن حميد ، عن سهيل بن أبي صالح ، عن أبيه ، عن أبي هريرة في الرجل يجد اللقطة ، قال : يعرفها فإن لم يجد صاحبها تصدق بها ، فإن جاء صاحبها خيره ، فإن شاء كان له الأجر ، وإن شاء أعطاه الثمن ، وكان له الأجر . ومنهم : عبد الله بن عمر . 5539 - كما حدثنا يوسف بن يزيد ، حدثنا علي بن معبد ، حدثنا عبيد الله بن عمرو ، عن زيد بن أبي أنيسة ، عن الحر بن الصياح ، قال : بينا أنا جالس عند ابن عمر إذ جاءه رجل ، فقال : يا أبا عبد الرحمن ، إني قد وجدت هذا الثوب ، وقد عرفته سنة ، فلم أجد أحدا يعرفه ، وهذا يوم التروية ويتفرق الناس ، قال : عرفه في الموسم بعرفات حتى يصدر الناس ، قال : أرأيت إن لم يعرفه ماذا أصنع به ، فقال له عبد الله بن عمر : قومه قيمة عدل وتصدق به إن شئت ، وأنت ضامن متى جاء صاحبه يطلبه ، فإن أخذ منك ثمنه فلك الأجر ، وإن أحب أن يكون له أجره أمضاه لوجهه ، وإن شئت قومته قيمة عدل ولبسته ، وكنت له ضامنا متى جاء صاحبه يطلبه دفعت إليه قيمته ، وإن لم يجئ له طالب ، فهو لك إن شئت . قال أبو جعفر : وكان الذي وجدناه ، عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين ذكرناهم في هذا الباب في حكم اللقطة بعد الحول هو : الأمر بالصدقة بها ، إلا ما في حديث ابن عمر هذا من إباحته لملتقطها أن يلبسها إن شاء ، فكان ذلك مما قد يحتمل أن يكون إباحة ذلك لضرر رآه به دله على حاجته ، فإباحة لباسها لذلك فكيف يسع أحدا خلاف هؤلاء ، لا سيما ومنهم من قد سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها ، ما قد رويناه عنه في هذا الباب ، ثم قال : هو هذا القول الذي ذكرناه عنه ، فإنه مما نحيط علما أنه لم يخرج فيما قال من ذلك عما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فيه ، فإن احتج محتج في ذلك بحديث زيد بن خالد الجهني الذي . 5540 - حدثناه يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، أخبرني عمرو بن الحارث ومالك بن أنس وسفيان الثوري أن ربيعة بن أبي عبد الرحمن حدثهم ، عن يزيد مولى المنبعث ، عن زيد بن خالد الجهني أنه قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأنا معه ، فسأله عن اللقطة ، فقال : اعرف عفاصها ووكاءها ، ثم عرفها سنة ، فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها . كان الجواب له في ذلك : أن ما ذكرناه فيما تأولنا عليه حديث عمر وحديث أبي بن كعب ما يغنينا عن إعادته هاهنا جوابا له ، لما سأل عنه ، وممن ذهب في اللقطة إلى ما قد اجتبيناه في هذا الباب من كراهية أكلها بعد الحول الذي يعرفها فيه لملتقطها إلا أن يكون ذا حاجة إليها أبو حنيفة وسائر أصحابه ، والله الموفق .
33 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِيمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ مُتَعَمِّدًا هَلْ يَجُوزُ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ أَمْ لَا ؟ . 207 - حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ الْمُرَادِيُّ ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ ، وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَعْنِي : ابْنَ هُرْمُزٍ الْأَعْرَجَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : ( الَّذِي يَخْنُقُ نَفْسَهُ يَخْنُقُ نَفْسَهُ فِي النَّارِ ، وَاَلَّذِي يَقْتَحِمُ نَفْسَهُ يَقْتَحِمُ نَفْسَهُ فِي النَّارِ ، وَاَلَّذِي يَطْعَنُ نَفْسَهُ يَطْعَنُ نَفْسَهُ فِي النَّارِ ) . 208 - حَدَّثَنَا فَهْدٌ ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ النَّخَعِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ ، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : ( مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ، يَتَوَجَّأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا ، وَمَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَرَدَّى فِي جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِسُمٍّ فَسُمُّهُ فِي يَدِهِ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا ) . 209 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ الْمَكِّيُّ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَوَّاسُ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَجِيدِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي فَافَاهُ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِثْلُهُ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَافَاهُ هَذَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ ، وَأَهْلِ الْقُرْآنِ ، وَاسْمُهُ إسْمَاعِيلُ بْنُ زِيَادٍ . فَقَالَ قَائِلٌ : فَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثٌ يُخَالِفُ هَذَا ، ثُمَّ ذَكَرَ : . 210 - مَا حَدَّثَنَا أَبُو أُمَيَّةَ ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُد ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ يَحْيَى بْنِ جَنَّادٍ الْبَغْدَادِيُّ أَبُو بَكْرٍ ، قَالُوا : حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ حَجَّاجٍ الصَّوَافِّ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ ( أَنَّ الطُّفَيْلَ بْنَ عَمْرٍو الدَّوْسِيَّ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَلْ لَك فِي حِصْنٍ حَصِينٍ ، وَمَعَهُ حِصْنٌ كَانَ لِدَوْسٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، فَأَبَى ذَلِكَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِلَّذِي ذُخِرَ لِلْأَنْصَارِ ، فَلَمَّا هَاجَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى الْمَدِينَةِ هَاجَرَ إلَيْهِ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو ، وَهَاجَرَ مَعَهُ رَجُلٌ فَاجْتَوَوْا الْمَدِينَةَ ، فَمَرِضَ فَجَزِعَ ، فَأَخَذَ مَشَاقِصَ لَهُ فَقَطَعَ بِهَا بَرَاجِمَهُ ، فَشَخَبَتْ يَدَاهُ حَتَّى مَاتَ ، فَرَآهُ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو فِي مَنَامِهِ فِي هَيْئَةٍ حَسَنَةٍ ، وَرَآهُ مُغَطِّيًا يَدَيْهِ ، فَقَالَ لَهُ : مَا صَنَعَ بِكَ رَبُّك ، قَالَ : غَفَرَ لِي بِهِجْرَتِي إلَى نَبِيِّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ . قَالَ : مَا لِي أَرَاك مُغَطِّيًا يَدَيْك ، فَقَالَ : قِيلَ لِي : لَنْ نُصْلِحَ مِنْك مَا أَفْسَدْت ، فَقَصَّهَا الطُّفَيْلُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اللَّهُمَّ وَلِيَدَيْهِ فَاغْفِرْ ) . فَكَانَ مِنْ جَوَابِنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ وَعَوْنِهِ أَنَّهُ قَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ الْمَذْكُورُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَعَلَ بِنَفْسِهِ مَا فَعَلَ مِمَّا ذَكَرَ فِيهِ عَلَى أَنَّهُ عِنْدَهُ عِلَاجٌ تَبْقَى بِهِ بَقِيَّةُ يَدَيْهِ ، فَفَعَلَ مَا فَعَلَ لِتَسْلَمَ لَهُ نَفْسُهُ ، وَتَبْقَى لَهُ بَقِيَّةُ يَدَيْهِ ، فَلَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ مَذْمُومًا ، وَكَانَ كَرَجُلٍ أَصَابَهُ فِي يَدِهِ شَيْءٌ ، فَخَافَ إنْ لَمْ يَقْطَعْهَا أَنْ يَذْهَبَ بِهَا سَائِرُ بَدَنِهِ ، وَيُتْلِفَ بِهَا نَفْسَهُ ، فَهُوَ فِي سَعَةٍ مِنْ قَطْعِهَا . فَإِنْ لَمْ يَقْطَعْهَا ، وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ بِذَلِكَ يَسْلَمُ لَهُ بِذَلِكَ بَقِيَّةُ بَدَنِهِ ، وَيَأْمَنُ عَلَى نَفْسِهِ ، ثُمَّ مَاتَ مِنْهَا أَنَّهُ غَيْرُ مَلُومٍ فِي ذَلِكَ ، وَلَا مُعَاقَبٌ عَلَيْهِ . وَكَذَلِكَ هَذَا الرَّجُلُ فِيمَا فَعَلَ بِبَرَاجِمِهِ حَتَّى كَانَ مِنْ فِعْلِهِ تَلَفُ نَفْسِهِ ، وَهُوَ خِلَافُ مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ طَاعِنًا لَهَا ، أَوْ مُتَرَدِّيًا مِنْ مَكَان إلَى مَكَان لِيُتْلِفَ نَفْسَهُ ، أَوْ مُتَحَسِّيًا لِسُمٍّ لِيَقْتُلَ بِهِ نَفْسَهُ ، فَلَمْ يَبِنْ بِحَمْدِ اللَّهِ فِيمَا رَوَيْنَاهُ فِي هَذَا الْبَابِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَضَادٌّ وَلَا اخْتِلَافٌ . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِيَدَيْ هَذَا الرَّجُلِ بِالْغُفْرَانِ ، وَدُعَاؤُهُ لِيَدَيْهِ بِذَلِكَ دُعَاءٌ لَهُ ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا عَنْ جِنَايَةٍ كَانَتْ مِنْهُ عَلَى يَدَيْهِ اسْتَحَقَّ بِهَا الْعُقُوبَةَ ، فَدَعَا لَهُ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِالْغُفْرَانِ لِيَدَيْهِ ، فَيَكُونُ ذَلِكَ غُفْرَانًا لَهُ . قِيلَ لَهُ : مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى مَا ذَكَرْت ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَا كَانَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ ذَلِكَ الدُّعَاءِ لِيَدَيْ ذَلِكَ الرَّجُلِ كَانَ لِإِشْفَاقِهِ عَلَيْهِ ، وَلِعَمَلِ الْخَوْفِ مِنْ اللَّهِ كَانَ فِي قَلْبِهِ ، فَدَعَا لَهُ بِذَلِكَ لِهَذَا الْمَعْنَى لَا لِمَا سِوَاهُ ، كَمَا قَدْ رُوِيَ عَنْهُ مِمَّا عَلَّمَهُ حُصَيْنًا الْخُزَاعِيُّ أَبَا عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْعُوَ بِهِ . 211 - كَمَا قَدْ حَدَّثَنَا أَبُو أُمَيَّةَ ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ الْعَبْدِيُّ ، أخبرنا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ ، حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ الْمُعْتَمِرِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا رِبْعِيُّ بْنُ حِرَاشٍ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ : ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَّمَ أَبَاهُ حُصَيْنًا بَعْدَمَا أَسْلَمَ ، فَقَالَ : قُلْ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا أَسْرَرْت ، وَمَا أَعْلَنْت ، وَمَا أَخْطَأْت ، وَمَا عَمَدْت ، وَمَا جَهِلْت ، وَمَا عَلِمْت ) . فَكَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ تَعْلِيمُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُصَيْنًا أَنْ يَدْعُوَ اللَّهَ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ مَا أَخْطَأَ ، يَعْنِي الْخَطَأَ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الْعَمْدِ ، وَذَلِكَ مِمَّا هُوَ غَيْرُ مَأْخُوذٍ بِهِ ، وَلَا مُعَذَّبٍ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ . فَكَانَ الْخَطَأُ الَّذِي لَيْسَ مَعَهُ تَعَمُّدُ الْقُلُوبِ مَعْفُوًّا عَنْهُ ، غَيْرَ مَأْخُوذٍ بِهِ صَاحِبُهُ ، وَكَانَ أَمْرُ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ حُصَيْنًا أَنْ يَدْعُوَ اللَّهَ بِغُفْرَانِهِ إيَّاهُ لَهُ عَلَى الرَّهْبَةِ مِنْ اللَّهِ ، وَالتَّعْظِيمِ لَهُ ، وَالْخَوْفِ مِمَّا عَسَى أَنْ يَكُونَ يُخَالِطُ قَلْبَ الْمُخْطِئِ فِي حَالِ خَطَئِهِ ، مِنْ مَيْلٍ إلَى مَا أَخْطَأَ بِهِ . وَكَذَلِكَ مَا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ مِنْ دُعَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْغُفْرَانِ لِلرَّجُلِ الْمَذْكُورِ فِيهِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِمِثْلِ هَذَا أَيْضًا ، وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
770 - باب بيان مشكل ما روي فيما كان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أشهر الحرم من غزو لأعدائه ، أو ترك لذلك حتى تنقضي . 5763 - حدثنا يزيد بن سنان ، قال : حدثنا أبو الوليد الطيالسي ، قال : حدثنا ليث بن سعد ، قال : حدثنا أبو الزبير ، عن جابر بن عبد الله ، قال : لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يغزو في الشهر الحرام ، يحسبه أبو الوليد ، قال : إلا أن يغزى ، فإذا حضر قام حتى ينسلخ . 5764 - حدثنا ابن أبي داود ، قال : حدثنا المقدمي ، قال : حدثنا المعتمر بن سليمان ، عن أبيه ، قال : حدثني الحضرمي ، عن أبي السوار ، عن جندب بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث رهطا ، وبعث عليهم أبا عبيدة ، أو عبيدة بن الحارث رضي الله عنهما ، فلما مضى لينطلق بكى صبابة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس وبعث عبد الله بن جحش وكتب له كتابا ، وأمره أن لا يقرأ الكتاب حتى يبلغ مكان كذا وكذا ، وقال : لا تكرهن أحدا من أصحابك على المسير ، فلما بلغ المكان قرأ الكتاب فاسترجع ، وقال : سمعا وطاعة لله - عز وجل - ولرسوله صلى الله عليه وسلم ، فخبرهم الخبر ، وقرأ عليهم الكتاب ، فرجع منهم رجلان ومضى بقيتهم ، فلقوا ابن الحضرمي فقتلوه ولم يدروا أن ذلك اليوم من رجب ، أو من جمادى ، فقال المشركون للمسلمين : قتلتم في الشهر الحرام ، فأنزل الله - عز وجل - : يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ، وقال المشركون : إن لم يكن وزر لم يكن لهم أجر ، فأنزل الله : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ إلى آخر الآية . 5765 - وحدثنا فهد بن سليمان ، قال : حدثنا محمد بن عبد الله الرقاشي ، قال : حدثنا معتمر بن سليمان ، قال : سمعت أبي ، قال : حدثنا الحضرمي ، عن أبي السوار يحدثه أبو السوار ، عن جندب بن عبد الله البجلي ، ثم ذكر مثله سواء . فقال قائل : ففي هذا الحديث ، تحريم القتال في الشهر الحرام لمن لم يقاتل وأنتم تروون عن غير واحد من المتقدمين خلاف ذلك ، وتتابعونهم عليه . 5766 - وذكر ما قد حدثنا يونس ، قال : حدثنا ابن وهب ، قال : أخبرني مخرمة بن بكير ، عن أبيه ، عن ابن المسيب ، واستفتيته هل يصلح للمسلمين أن يقاتلوا الكفار في الشهر الحرام ؟ فقال ابن المسيب : نعم ، قال بكير : وقال ذلك سليمان بن يسار . فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله - عز وجل - وعونه : أن ذلك الحكم منسوخ بما نزل في سورة براءة . 5767 - كما قد حدثنا علي بن عبد الرحمن ، قال : حدثنا عبد الله بن صالح ، قال : حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس في قوله بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ، قال : حد الله - عز وجل - للذين عاهدوا رسوله صلى الله عليه وسلم أربعة أشهر يسيحون فيها حيث شاؤوا ، وحد لمن ليس له عهد انسلاخ الأشهر الحرم من يوم النحر إلى انسلاخ المحرم خمسين ليلة فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ ، فإذا انسلخ الأشهر الحرم أمره أن يضع السيف فيمن عاهد إن لم يدخلوا في الإسلام ، ونقض ما سمى لهم من العهد والميثاق ، وأذهب الميقات وأذهب الشرط الأول ، ثم قال : إِلا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، يعني : أهل مكة فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ، وقوله : وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلا وَلا ذِمَّةً ، قوله : إلًّا : القرابة ، والعهد : الذمة ، فلما نزلت براءة انتقضت العهود وقاتل المشركين حيث وجدهم ، وقعد لهم كل مرصد حتى دخلوا في الإسلام فلم يؤو به أحد من العرب بعد براءة . فدل هذا الحديث على أن العهود كلها انقطعت بما تلونا في سورة براءة ، وحل القتال في الزمان كله ، وحملنا على قبول رواية علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس وإن كان لم يلقه ؛ لأنها في الحقيقة عنه عن مجاهد وعكرمة ، عن ابن عباس . ولقد حدثني علي بن الحسين القاضي ، قال : سمعت الحسين بن عبد الرحمن بن فهد يقول : سمعت أحمد بن حنبل يقول بمصر : كتاب معاوية بن صالح في التأويل لو دخل رجل إلى مصر فكتبه ، ثم انصرف به ، ما رأيت رجليه ذهبت باطلا ، والله - عز وجل - نسأله التوفيق .
34 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِيمَا كَانَ مِنْ بَعْثِهِ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ لِقَتْلِهِ كَعْبَ بْنَ الْأَشْرَفِ ، بِمَا يَدْفَعُ التَّضَادَّ عَنْ مَا تَوَهَّمَ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّهُ قَدْ ضَادَّ مَا فِيهِ . 212 - حَدَّثَنَا يُونُسُ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرٍو ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ ( مَنْ لِكَعْبٍ فَإِنَّهُ قَدْ آذَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ ، فَقَامَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَتُحِبُّ أَنْ أَقْتُلَهُ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : فَأْذَنْ لِي أَنْ أَقُولَ شَيْئًا ، [ قَالَ : قُلْ ] . قَالَ : فَأَتَاهُ فَقَالَ : إنَّ هَذَا الرَّجُلَ قَدْ سَأَلَنَا الصَّدَقَةَ ، وَقَدْ عَنَّانَا ، وَ [ إنِّي قَدْ أَتَيْتُك أَسْتَسْلِفُكَ قَالَ : وَأَيْضًا وَاَللَّهِ لَتَمَلُّنَّهُ . قَالَ : إنَّا ] قَدْ اتَّبَعْنَاهُ ، وَنَحْنُ نَكْرَهُ أَنْ نَدَعَهُ حَتَّى نَنْظُرَ إلَى أَيِّ شَيْءٍ يَصِيرُ أَمْرُهُ . قَالَ : أَيَّ شَيْءٍ تَرْهَنُونِني قَالُوا : وَمَا تُرِيدُ مِنَّا ؟ قَالَ : تَرْهَنُونِني نِسَاءَكُمْ . قَالُوا : أَنْتَ أَجْمَلُ الْعَرَبِ ، كَيْفَ نَرْهَنُك نِسَاءَنَا ؟ فَأَبَوْا فَأَبَى . قَالُوا : يَكُونُ ذَلِكَ عَارًا عَلَيْنَا . قَالَ : فَتَرْهَنُونِني أَوْلَادَكُمْ ، قَالُوا : يَا سُبْحَانَ اللَّهِ ، يُسَبُّ ابْنُ أَحَدِنَا فَيُقَالُ : رُهِنْت بِوَسْقٍ أَوْ وَسْقَيْنِ ، قَالُوا : نَرْهَنُك اللَّأْمَةَ . قَالَ : تُرِيدُونَ السِّلَاحَ فَوَاعَدَهُ أَنْ يَأْتِيَهُ فَجَاءَهُ لَيْلًا فَلَمَّا أَتَاهُ نَادَاهُ فَخَرَجَ إلَيْهِ ، وَهُوَ مُتَطَيِّبٌ ، فَلَمَّا أَنْ جَلَسَ إلَيْهِ ، وَقَدْ كَانَ جَاءَ مَعَهُ بِنَفَرٍ ثَلَاثَةٍ أَوْ أَرْبَعَةٍ ، وَرِيحُ الطِّيبِ يَنْضَحُ مِنْهُ فَذَكَرُوا لَهُ قَالَ : عِنْدِي فُلَانَةُ ، وَهِيَ مِنْ أَعْطَرْ نِسَاءِ النَّاسِ . قَالَ : تَأْذَنُ لِي فَأَشَمُّ . قَالَ : نَعَمْ . فَوَضَعَ يَدَهُ فِي رَأْسِهِ فَشَمَّهُ . قَالَ : أَعُودُ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : فَلَمَّا اسْتَمْكَنَ مِنْ رَأْسِهِ قَالَ : دُونَكُمْ فَضَرَبُوهُ حَتَّى قَتَلُوهُ ) . 213 - حَدَّثَنَا بَحْرُ بْنُ نَصْرِ بْنِ سَابِقٍ الْخَوْلَانِيُّ ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، حَدَّثَنِي سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدٍ أَخِي سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَبَايَةَ . قَالَ : ذُكِرَ قَتْلُ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ عِنْدَ مُعَاوِيَةَ فَقَالَ ابْنُ يَامِينَ : كَانَ قَتْلُهُ غَدْرًا . فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ : يَا مُعَاوِيَةُ ، أَيُغَدَّرُ عِنْدَك رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَلَا تُنْكِرُ ، وَاَللَّهِ لَا يُظِلُّنِي وَإِيَّاكَ سَقْفُ بَيْتٍ أَبَدًا ، وَلَا يَحْلُو لِي دَمُ هَذَا إلَّا قَتَلْتُهُ ، فَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أَنَّ فِيمَا رَوَيْنَا مِمَّا كَانَ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ وَأَصْحَابِهِ ، قَدْ دَخَلُوا بِهِ فِي خِلَافِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ . 214 - مِمَّا قَدْ حَدَّثَنَاهُ عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدِ بْنِ نُوحٍ ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُؤَدَّبُ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ ، وَهُوَ ابْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنْ رِفَاعَةَ بْنِ شَدَّادٍ قَالَ : كُنْت أَقُومُ عَلَى رَأْسِ الْمُخْتَارِ ، فَلَمَّا تَبَيَّنَتْ لِي كِذَابَتُهُ ، هَمَمْتُ وَاَللَّهِ أَنْ أَسُلَّ سَيْفِي فَأَضْرِبَ بِهِ عُنُقَهُ ، حَتَّى ذَكَرْت حَدِيثًا حَدَّثَنِيهِ عَمْرُو بْنُ الْحَمِقِ قَالَ : سَمِعْتُ النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ يَقُولُ : ( مَنْ آمَنَ رَجُلًا عَلَى نَفْسِهِ فَقَتَلَهُ ، أُعْطِيَ لِوَاءَ غَدْرٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) . 215 - وَمِمَّا قَدْ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ نَصْرٍ الْعُصْفُرِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنْ رِفَاعَةَ بْنِ شَدَّادٍ قَالَ : كُنْتُ أَقُومُ عَلَى رَأْسِ الْمُخْتَارِ ، فَلَمَّا سَمِعْتُ كِذَابَتَهُ هَمَمْتُ أَنْ أَخْتَرِطَ سَيْفِي فَأَضْرِبَ بِهِ عُنُقَهُ ، حَتَّى ذَكَرْتُ حَدِيثًا حَدَّثَنِيهِ عَمْرُو بْنُ الْحَمِقِ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( مَنْ أَمِنَ رَجُلًا عَلَى نَفْسِهِ فَقَتَلَهُ أُعْطِيَ لِوَاءَ غَدْرٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) . فَاخْتَلَفَ عَلِيٌّ وَأَيُّوبُ فِي الْحَرْفِ الَّذِي ذَكَرْنَا اخْتِلَافَهُمَا فِيهِ ، وَهُوَ آمَنَ وَأَمِنَ ، وَقَالَ أَيُّوبُ : أَمِنَ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ 216 - وَمِمَّا قَدْ حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُد ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّلْتِ ، حَدَّثَنِي عِيسَى بْنُ يُونُسَ ، عَنْ نُصَيْرِ بْنِ أَبِي نُصَيْرٍ ، عَنْ السُّدِّيِّ ، عَنْ رِفَاعَةَ الْفتيَانِيِّ ، قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : ( وَفتيانُ مِنْ بَجِيلَةَ . قَالَ : دَخَلْت عَلَى الْمُخْتَارِ فَإِذَا وِسَادَتَانِ مَطْرُوحَتَانِ فَقَالَ : يَا جَارِيَةُ ، هَلُمِّي لِفُلَانٍ وِسَادَةً ، فَقُلْت : مَا بَالُ هَاتَيْنِ . فَقَالَ : قَامَ عَنْ إحْدَاهُمَا جِبْرِيلُ ، وَعَنْ الْأُخْرَى مِيكَائِيلُ ) ، وَمَا منعني أَنْ أَقْتُلَهُ إلَّا حَدِيثٌ حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَمِقِ قُلْت : وَمَا حَدَّثَك ؟ قَالَ : سَمِعْت النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَقُولُ : ( مَنْ ائْتَمَنَهُ رَجُلٌ عَلَى دَمِهِ فَقَتَلَهُ فَأَنَا مِنْهُ بَرِيءٌ ، وَإِنْ كَانَ الْمَقْتُولُ كَافِرًا ) . وَقَدْ حَقَّقَ مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي دَاوُد : مَنْ ائْتَمَنَهُ رَجُلٌ ، صِحَّةُ مَا رَوَى أَيُّوبُ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ مِمَّا خَالَفَنَا فِيهِ عَلِيٌّ . وَكَانَ مَا تَوَهَّمَهُ هَذَا الْمُتَوَهِّمُ جَهْلًا بِلُغَةِ الْعَرَبِ وَسَعَتِهَا ، إذْ كَانَ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْحَمِقِ هُوَ عَلَى مَنْ كَانَ آمِنًا ، إمَّا بِالْإِسْلَامِ ، وَإِمَّا بِذِمَّةٍ ، وَإِمَّا بِأَمَانٍ بِإِعْطَاءٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ إيَّاهُ ، ذَلِكَ الْأَمَانَ حَتَّى صَارَ بِهِ آمِنًا عَلَى نَفْسِهِ ، وَحَتَّى صَارَ بِهِ دَمُهُ فِي حَالِهِ تِلْكَ حَرَامًا عَلَى أَهْلِ الْمِلَّةِ ، وَأَهْلِ الذِّمَّةِ جَمِيعًا . فَكَانَ مَعْنَى قَوْلِهِ فِيهِ : مَنْ ائْتَمَنَ ، أَيْ : مِمَّنْ هَذِهِ صِفَتُهُ رَجُلًا عَلَى نَفْسِهِ فَقَتَلَهُ ، أُعْطِيَ لِوَاءَ غَدْرٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . وَكَانَ مَا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ فِي قِصَّةِ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ وَأَصْحَابِهِ فِي كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ ، وَفِي ائْتِمَانِهِ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ عَلَى نَفْسِهِ إنَّمَا بِأَمْنِ كَافِرٍ لَا يَحِلُّ أَمَانُهُ لِمَلِيٍّ وَلَا لِذِمِّيٍّ ، وَلَا يَكُونُ لِمَلِيٍّ وَلَا لِذِمِّيٍّ إعْطَاؤُهُ ذَلِكَ ، وَذَلِكَ لِمَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْأَذَى لِلَّهِ تَعَالَى وَلِرَسُولِهِ ، وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْمِلَّةِ أَمَّنَهُ لَمَا أَمِنَ بِذَلِكَ ، وَلَا حَرُمَ بِهِ دَمُهُ ، فَدَلَّ ذَلِكَ أَنَّ مَا كَانَ مِنْ ائْتِمَانِ كَعْبٍ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ عَلَى نَفْسِهِ كَانَ كَلَا ائْتِمَانٍ ، وَأَنَّهُ كَانَ بَعْدَهُ فِي حِلِّ دَمِهِ ، كَهُوَ كَانَ فِي ذَلِكَ مِنْ قَبْلِ مَا كَانَ مِنْهُ مِنْ ائْتِمَانِهِ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ عَلَى مَا ائْتَمَنَهُ عَلَيْهِ مِنْ نَفْسِهِ ، فَعَادَتْ أَحَادِيثُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ إلَى انْتِفَاءِ التَّضَادِّ عَنْهَا ، وَانْصَرَفَ كُلُّ صِنْفٍ مِنْهَا إلَى خِلَافِ الصِّنْفِ الَّذِي انْصَرَفَ إلَيْهِ غَيْرُهُ مِنْهَا .
735 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث عروة بن مضرس ، ومن لم يدرك الوقوف بجمع فلا حج له . 5519 - حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح ، حدثنا عبد الغفار بن داود الحراني ، حدثنا موسى بن أعين ، عن مطرف بن طريف ، عن الشعبي ، عن عروة بن مضرس الطائي ، قال : أتى رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله ، أتعبت وأنضيت ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أدرك جمعا والإمام واقف فوقف مع الإمام ، ثم أفاض مع الناس فقد أدرك الحج ، ومن لم يدرك فلا حج له . قال أبو جعفر : وهذا المعنى لمن فاته الوقوف بجمع ، أنه لا حج له ، فلم نعلم أحدا جاء به في هذا الحديث عن الشعبي غير مطرف ، فأما الجماعة من أصحاب الشعبي ، فلا يذكرونه فيه ، منهم عبد الله بن أبي السفر وإسماعيل بن أبي خالد . 5520 - كما قد حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، قال : حدثنا وهب بن جرير ، قال : حدثنا شعبة ، عن ابن أبي السفر وإسماعيل بن أبي خالد ، عن الشعبي ، عن عروة بن مضرس ، قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بجمع فقلت : يا رسول الله ، هل لي من حج قد أنضيت راحلتي ، فقال : من صلى معنا هذه الصلاة وقد وقف معنا قبل ذلك ، وأفاض من عرفة ليلا أو نهارا فقد تم حجه وقضى تفثه . 5521 - وكما قد حدثنا يزيد بن سنان ، حدثنا يزيد بن هارون ، أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد ، عن الشعبي ، عن عروة بن مضرس ، قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم ثم ذكر مثله . ومنهم زكريا بن أبي زائدة وداود بن أبي هند . 5522 - كما قد حدثنا روح بن الفرج ، حدثنا حامد بن يحيى ، حدثنا سفيان بن عيينة ، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد ، عن الشعبي وزكريا ، عن الشعبي وداود بن أبي هند ، عن الشعبي ، قال : سمعت عروة بن مضرس بن أوس بن حارثة بن لام الطائي يقول : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بمزدلفة فقلت : يا رسول الله ، جئت من جبلي طيئ ، والله ما جئت حتى أتعبت نفسي وأنضيت راحلتي ، وما تركت جبلا من هذه الجبال إلا وقد وقفت عليه ، فهل لي من حج ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من شهد معنا هذه الصلاة ، صلاة الفجر بالمزدلفة ، وقد كان وقف بعرفة قبل ذلك ليلا أو نهارا ، فقد تم حجه ، وقضى تفثه ، قال سفيان : وزاد زكريا فيه : وكان أحفظ الثلاثة لهذا الحديث ، قال : فقلت : يا رسول الله ، أتيت هذه الساعة من جبلي طيئ ، قد أكللت راحلتي وأتعبت نفسي فهل لي من حج ، فقال : من شهد معنا هذه الصلاة ووقف معنا حتى نفيض ، وقد كان وقف قبل ذلك بعرفة ليلا أو نهارا ، فقد تم حجه ، وقضى تفثه ، قال سفيان ، وزاد داود بن أبي هند ، فقال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين برق الفجر ، ثم ذكر الحديث . 5523 - وكما قد حدثنا فهد بن سليمان ، حدثنا أبو نعيم ، حدثنا زكريا ، عن عامر ، قال : حدثنا عروة بن مضرس بن أوس بن حارثة بن لام أنه حج على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يدرك الناس إلا ليلا وهم بجمع ، فانطلق إلى عرفات ليلا ، فأفاض ثم رجع إلى جمع ، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله ، أعملت نفسي وأنضيت راحلتي فما لي من كبير من الحج ، فقال : من صلى معنا صلاة الغداة بجمع ، ووقف معنا حتى نفيض ، وقد أفاض من عرفات قبل ذلك ليلا أو نهارا فقد تم حجه وقضى تفثه . ومنهم مجالد بن سعيد الهمداني . 5524 - كما قد حدثنا عمر بن العباس بن الربيع اللؤلؤي ، قال : حدثنا أسد بن موسى ، حدثنا محمد بن خازم ، عن مجالد ، عن الشعبي ، عن عروة بن مضرس ، قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بجمع ، يعني : مزدلفة ، فقلت : يا رسول الله ، أتعبت نفسي وأنضيت راحلتي ، ولم يبق جبل من جبال عرفة إلا وقد وقفت به ، فهل لي من حج ، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : من صلى معنا صلاتنا هذه ، وقد كان أتى عرفة قبل ذلك من ليل أو نهار ، فقد تم حجه ، وقضى تفثه . قال أبو جعفر : فتأملنا هذا المعنى الذي زاده مطرف ، عن الشعبي على أصحاب الشعبي في هذا الحديث ، بعد وقوفنا على أن فقهاء الأمصار الذين تدور الفتيا عليهم بالحرمين وبسائر الأمصار سواهما ، لا يختلفون أن من فاته الوقوف بجمع وقد كان وقف بعرفة قبل ذلك أنه ليس في حكم من فاته الحج ، وأنه قد أدرك الحج وقد فاته منه ما يكفيه عنه الدم ، غير طائفة منهم قليلة العدد فإنها زعمت أن من فاته الوقوف بجمع في حجه بعدما يطلع الفجر فقد فاته الحج ، وجعلوا فوت الوقوف بجمع قبل طلوع الفجر كفوت الوقوف بعرفة في الحج ، حتى يطلع الفجر ، ولا نعلم أحدا ممن تقدمهم روي عنه هذا القول غير علقمة بن قيس . فوجدنا ذلك المعنى قد يحتمل ما حمله عليه أهل تلك المقالة ، وقد يحتمل غير ذلك ، ويكون الذي أريد به التغليظ والتوكيد في التخلف عن مزدلفة ، ويكون ما قيل في ذلك مما في ذلك الحديث كمثل ما قد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مما قد رويناه فيما تقدم منا في كتابنا هذا من قوله : لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له ، فلم يكن ذلك منه صلى الله عليه وسلم على أن من لا أمانة له خارج من الإيمان داخل في ضده ، ولكنه في إيمان دون الإيمان الذي مع أهله الأمانة ، وكذلك قوله : ولا دين لمن لا عهد له ، لم يرد بذلك أنه لا دين له ، ولكن أراد : أنه لا دين له كالدين الذي مع من له العهد ، فمثل ذلك ما في حديث مطرف مما ذكرنا قد يكون قوله صلى الله عليه وسلم : ومن لم يدرك فلا حج له ، على معنى : فلا حج له كحج من أدرك تلك الصلاة معه . ووجدنا ما قد دلنا على ذلك بالاستنباط والاستخراج ، وهو أنا قد وجدنا الوقوف بعرفة من صلب الحج ، لا يجزئ الحج إلا بإصابته ، ولا يتم إلا به ، ولم يعذر أحد في تركه بعذر ولا بغير عذر ، وكانت جمع بخلاف ذلك لأنا قد رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رخص لزوجته سودة أن تفيض منها قبل أن تقف . 5525 - كما حدثنا محمد بن خزيمة ، حدثنا حجاج بن منهال ، حدثنا حماد بن سلمة ، أخبرنا عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه ، عن عائشة قالت : كانت سودة امرأة ثبطة ثقيلة ، فاستأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تفيض من جمع قبل أن تقف ، فأذن لها ، ولوددت أني كنت استأذنته فأذن لي . ومثل ذلك : ما قد كان منه صلى الله عليه وسلم مما قد رويناه فيما تقدم منا في كتابنا هذا ، مما كان منه في تقديمه ضعفة أهله من جمع بليل . ولما كان الوقوف بجمع مما قد يرتفع بالعذر ، وكان بخلاف الوقوف بعرفة الذي لا يرتفع بعذر ولا بغيره ، عقلنا أن ما يرتفع بالعذر فليس من صلب الحج ، وأن مثل ذلك مثل الطواف ، فمنه طواف الزيارة هو الذي فرض لا بد للحاج منه ، ولا يرتفع فرضه عنه بعذر ولا بغيره وكان بخلاف طواف الصدر الذي قد رفع عن الحائض ، وعذرت بالحيض في تركه ، وفيما ذكرنا دليل صحيح أن الوقوف بجمع لما كان يسقط بالعذر في حال ما عن الحاج دل ذلك أنه ليس من صلب الحج ، وأنه مما قد يجزئ منه الدم كما يجزئ في ترك الطواف بين الصفا والمروة ، وبالله التوفيق .
35 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ مِنْ قَوْلِهِ : بَايَعْت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَنْ لَا أَخِرَّ إلَّا قَائِمًا . 217 - حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ الضُّبَعِيُّ ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ قَالَ : ( بَايَعْت رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى أَنْ لَا أَخِرَّ إلَّا قَائِمًا ) . فَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي تَأْوِيلِ هَذَا الْحَدِيثِ ، فَقَالَ قَوْمٌ : مَعْنَاهُ عَلَى أَنَّهُ بَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَنْ لَا يَكُونَ سُجُودُهُ إلَّا خُرُورًا مِنْ قِيَامِهِ ، لِتَكُونَ صَلَاتُهُ لَا شَيْءَ فِيهَا مِمَّا قَدْ رُوِيَ عَنْ ( رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ إذَا كَانَ مِنْ مُصَلِّيهَا فِيهَا شَيْءٌ لَمْ يَنْظُرْ اللَّهُ إلَى صَلَاتِهِ ) . 218 - وَهُوَ مَا قَدْ حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ الزَّهْرَانِيُّ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ الْأَعْمَشُ ، قَالَ : سَمِعْت عُمَارَةَ بْنَ عُمَيْرٍ ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ أَنَّ النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : ( لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يُقِمْ صُلْبَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ ) . 219 - وَمَا قَدْ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ ، حَدَّثَنَا الْفِرْيَابِيُّ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ عُمَارَةَ ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا تُجْزِئُ صَلَاةٌ لَا يُقِيمُ الرَّجُلُ فِيهَا صُلْبَهُ ، إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ ) . قَالَ : فَأَخْبَرَ حَكِيمٌ فِي حَدِيثِهِ هَذَا أَنَّهُ بَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَنْ تَكُونَ صَلَاتُهُمْ الصَّلَاةَ الَّتِي عَلَّمَهُمْ إيَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، لَا الصَّلَاةَ الَّتِي يَكْرَهُهَا اللَّهُ مِنْهُمْ ، وَلَا يَنْظُرُ إلَيْهَا . وَقَالَ آخَرُونَ : الْخُرُورُ هُنَا أُرِيدَ بِهِ الْخُرُورُ بِالْمَوْتِ مِنْ حَالِ الْقِيَامِ ، وَمِنْ حَالِ الْقُعُودِ إلَى الْأَرْضِ الَّتِي يَخِرُّ إلَيْهَا مِنْ الْقِيَامِ ، وَمِنْ الْقُعُودِ ، فَأَخْبَرَ أَنَّ مَا بَايَعَ عَلَيْهِ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَا يَمُوتُ إلَّا وَهُوَ قَائِمٌ عَلَيْهِ ، وَهُوَ الْإِسْلَامُ يُرِيدُ بِقِيَامِهِ ذَلِكَ الْقِيَامَ الَّذِي هُوَ الْعَزْمُ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي أَهْلِ الْكِتَابِ : وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ، أَيْ : بِالْمُطَالَبَةِ لَدَيْهِ ، وَطَلَبِ أَخْذِهِ مِنْهُ . وَقَالَ آخَرُونَ : كَانَتْ مُبَايَعَتُهُ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى الْمَوْتِ ، وَهِيَ أَشْرَفُ الْبَيْعَاتِ ، وَهُوَ الَّذِي لَا يَجُوزُ أَنْ يُبَايَعَ عَلَيْهِ غَيْرُ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مَعْصُومًا غَيْرَ مَوْهُومٍ مِنْهُ زَوَالُ الْحَالِ الَّتِي بِهَا ثَبَتَتْ بَيْعَتُهُ عَلَى مُبَايَعَتِهِ وَغَيْرُهُ لَيْسَ كَذَلِكَ . فمَمَا رُوِيَ مِمَّا بُويِعَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَذَلِكَ : . 220 - مَا قَدْ حَدَّثَنَاهُ عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْحَضْرَمِيُّ ، حَدَّثَنَا وُهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى الْمَازِنِيُّ ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ قَالَ : لَمَّا كَانَ زَمَنُ الْحَرَّةِ جَاءَ رَجُلٌ إلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ فَقَالَ : هَاذَاكَ ابْنُ حَنْظَلَةَ يُبَايِعُ النَّاسَ عَلَى الْمَوْتِ ، فَقَالَ : لَا أُبَايِعُ أَحَدًا عَلَى هَذَا بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ . فَكَانَ مَا أَخْبَرَ بِهِ حَكِيمٌ فِي حَدِيثِهِ مِمَّا بَايَعَ عَلَيْهِ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ هَذِهِ الْبَيْعَةَ الَّتِي هِيَ أَشْرَفُ الْبَيْعَاتِ ، وَاَلَّتِي لَا تَجُوزُ إلَّا لِرَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَكُلُّ هَذِهِ الْأُصُولِ الَّتِي تَأَوَّلَ عَلَيْهَا حَدِيثُ حَكِيمٍ هَذَا مُحْتَمَلَةٌ أَنْ يَكُونَ مَا تَأَوَّلَتْ عَلَيْهِ هُوَ الَّذِي أَرَادَهُ حَكِيمٌ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مَا كَانَ أَرَادَ مِنْهَا ، وَمِمَّا سِوَاهَا مِمَّا قَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ .
771 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمن صلى ، وهو معقوص الشعر . 5768 - حدثنا إسماعيل بن يحيى المزني ، قال : حدثنا الشافعي ، قال : وأخبرنا عبد المجيد بن عبد العزيز ، يعني : ابن أبي رواد ، قال : حدثنا ابن جريج ، قال : أخبرني عمران بن موسى ، قال : حدثني سعيد بن أبي سعيد المقبري ، أنه رأى أبا رافع مولى النبي صلى الله عليه وسلم مر بحسن بن علي عليه السلام يصلي قد غرز ضفره في قفاه ، فحلها أبو رافع ، فالتفت إليه حسن مغضبا ، فقال أبو رافع : أقبل على صلاتك ولا تغضب ، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ذلك كفل الشيطان ، يقول : مقعد الشيطان ، يعني : مغرز ضفرته . قال أبو جعفر : فلم ندر من عمران بن موسى هذا حتى سمعت محمد بن أحمد بن حماد الرازي يقول : سمعت صالح بن أحمد بن حنبل ، قال : حدثنا علي بن عبد الله ، يعني : ابن المديني ، قال : ZZ سمعت سفيان بن عيينة يسأل ، عن إسماعيل بن أمية وأيوب بن موسى أيهما أسن ، قال : كان أيوب أسود الرأس واللحية ، وكان إسماعيل يخضب ، قيل لسفيان : ماتا في سنة ؟ قال : لا ، مات أيوب قبل أن يجيء هؤلاء ، يعني : المسودة ، قيل لسفيان : فعمران بن موسى ؟ قال : كان أكبرهم ، ولم نر أن عنده حديثا . قال : فعلمنا بذلك أن عمران هذا هو أخو أيوب بن موسى . ثم تأملنا ما ذكر في هذا الحديث ، عن سعيد المقبري من رؤيته أبا رافع فعل بحسن بن علي ما ذكر في هذا الحديث ، أنه فعله به . فوجدناه بعيدا جدا ؛ لأن أبا رافع قديم الموت ، كان موته في زمن علي عليه السلام ، وكان علي وصيه في ماله وعلى ولده . 5769 - كما حدثنا فهد بن سليمان ، قال : حدثنا محمد بن سعيد ابن الأصبهاني ، قال : أخبرنا شريك بن عبد الله ، عن أبي اليقظان ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أن عليا عليه السلام زكى أموال بني أبي رافع فدفعها إليهم فوجدوها تنقص ، فقالوا : إنا وجدناها تنقص ، فقال : أتريدون أن يكون عندي مال لا أزكيه . فوقفنا بذلك : على أن المقبري لا يحتمل أن يكون رأى من أبى رافع ما حكى في هذا الحديث ، أنه رأى منه ، ولأن المقبري إنما كانت وفاته فيما ذكر محمد بن سعد صاحب الواقدي ، عن الواقدي في كتاب الطبقات في أول خلافة هشام في سنة خمس وعشرين ومائة ، وبين ذلك وبين وفاة علي بن أبي طالب عليه السلام خمسة وثمانون سنة ، وموت أبي رافع كان قبل ذلك بما شاء الله أن يكون ، ولم نجد في النهي للرجل عن صلاته معقوص الشعر غير ما روي عن علي عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . 5770 - كما حدثنا علي بن شيبة ، قال : حدثنا يزيد بن هارون ، قال : حدثنا إسرائيل بن يونس ، قال : حدثنا أبو إسحاق ، عن الحارث عن علي ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا علي إني أحب لك ما أحب لنفسي وأكره لك ما أكره لنفسي لا تصلي وأنت عاقص شعرك فإنه كفل الشيطان . 5771 - وكما حدثنا الربيع بن سليمان المرادي ، قال : حدثنا أسد بن موسى ، قال : حدثنا إسرائيل ، ثم ذكر بإسناده مثله . 5772 - حدثنا ابن أبي مريم ، قال : حدثنا الفريابي ، قال : حدثنا سفيان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث ، عن علي ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مثله ، غير أنه لم يقل في حديثه : فإنه كفل الشيطان . قال أبو جعفر : وكان هذا مما لا ينبغي للمصلي أن يفعله في صلاته ، وأن يرسل شعره حين يسجد بسجوده ، وكذلك يفعل في ثيابه لا نعلم في ذلك اختلافا بين أهل العلم فيه ، والله - عز وجل - نسأله التوفيق .
36 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي الْمُؤَذِّنِينَ أَنَّهُمْ أَطْوَلُ النَّاسِ أَعْنَاقًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ . 221 - حَدَّثَنَا بَكَّارَ ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ قَالَا : حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى ، عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ قَالَ : سَمِعْت مُعَاوِيَةَ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الْمُؤَذِّنُونَ أَطْوَلُ النَّاسِ أَعْنَاقًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) . فَتَأَمَّلْنَا مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ مَا مَعْنَاهُ ، فَوَجَدْنَا الْمُؤَذِّنِينَ أَحَدَ الْعَامِلِينَ فِي الدُّنْيَا بِطَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى مِمَّا يُعَانُونَهُ مِنْ الْأَذَانِ . وَوَجَدْنَا اللَّهَ قَدْ ذَكَرَهُمْ فِي كِتَابِهِ بِأَحْسَنِ مَا ذَكَرَ بِهِ أَحَدًا مِمَّنْ يَعْمَلُ فِي الدُّنْيَا بِطَاعَتِهِ ، بِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ الْآيَةَ ، وَكَانَ الْعَامِلُونَ بِأَصْنَافِ طَاعَاتِ اللَّهِ فِي الدُّنْيَا يَنْتَظِرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَوَابَ أَعْمَالِهِمْ فِي الدُّنْيَا ، فَتَطَاوَلَ إلَى ذَلِكَ أَعْنَاقُهُمْ ، وَيَكُونُونَ فِي الْعُلُوِّ بِذَلِكَ أَضْدَادًا لِمَا وَصَفَهُمْ اللَّهُ مِنْ أَهْلِ مَعَاصِيهِ ، وَالْخُرُوجِ عَنْ أَمْرِهِ فِي الدُّنْيَا بِقَوْلِهِ : فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ . وَكَانَ الْمُؤَذِّنُونَ فِيمَا كَانُوا يُعَانُونَهُ مِنْ أَذَانِهِمْ فِي الدُّنْيَا ، وَرَفْعِ أَصْوَاتِهِمْ بِهِ فَوْقَ مَا غَيْرُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَهْلِ الطَّاعَاتِ سِوَاهُ فِي مُعَانَاتِهِمْ إيَّاهُمْ ، كَانَتْ فِي الدُّنْيَا فَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونُوا بِعُلُوِّ أَصْوَاتِهِمْ فِي أَذَانِهِمْ الَّذِي كَانُوا يُعَانُونَهُ فِي الدُّنْيَا ، وَمُدَاوَمَتِهِمْ عَلَيْهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ ، وَإِتْبَاعِهِمْ ذَلِكَ إقَامَاتِ الصَّلَوَاتِ ، وَاجْتِهَادِهِمْ فِي ذَلِكَ بِأَصْوَاتِهِمْ ، وَاسْتِعْلَائِهِمْ عَلَى الْأَمْكِنَةِ الَّتِي يَأْتُونَ بِالْأَذَانِ فِيهَا ، مَعَ مَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْمَشَقَّةِ الَّتِي لَا خَفَاءَ بِهَا جُعِلُوا فِي ذَلِكَ فِي طُولِ أَعْنَاقِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إلَى ثَوَابِهِمْ عَلَيْهِ فَوْقَ مَنْ سِوَاهُمْ مِنْ أَهْلِ الْأَعْمَالِ بِطَاعَاتِ اللَّهِ سِوَاهُ ، فِي انْتِظَارِ الثَّوَابِ لَهُ ، وَالْجَزَاءِ عَلَيْهِ ، وَلَمْ نَجِدْ فِي تَأْوِيلِ هَذَا الْحَدِيثِ مِمَّا قَالَ النَّاسُ فِيهِ أَحْسَنَ مِنْ هَذَا التَّأْوِيلِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِيهِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا أَرَادَهُ رَسُولُهُ فِي ذَلِكَ ، وَإِيَّاهُ نَسْأَل التَّوْفِيقَ .
734 - باب بيان مشكل ما اختلف العلماء فيه من المراد بقول الله عز وجل : وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ، مما روي عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من السبب الذي كان نزولها فيه ، ومما تأوله بعضهم عليه . 5508 - حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، حدثنا أبو عبد الرحمن المقرئ ، عن حيوة بن شريح ، قال : حدثنا يزيد بن أبي حبيب ، حدثن0ي أسلم أبو عمران ، قال : كنا بالقسطنطينية وعلى أهل مصر عقبة بن عامر ، وعلى أهل الشام رجل فخرج من المدينة صف عظيم من الروم ، فصففنا لهم فحمل رجل من المسلمين على الروم حتى دخل فيه ، ثم خرج إلينا فصاح الناس إليه : سبحان الله ألقى بيده إلى التهلكة ، فقام أبو أيوب الأنصاري صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا أيها الناس إنكم تتأولون هذه الآية على هذا التأويل ، إنما أنزلت فينا معشر الأنصار ، إنا لما أعز الله دينه وكثر ناصروه قلنا فيما بيننا لبعضنا بعض سرا من رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن أموالنا قد ضاعت ، فلو أقمنا فيها وأصلحنا منها ما قد ضاع ، فأنزل الله تعالى في كتابه يرد علينا ما قد هممنا به ، فقال : وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ، فكانت التهلكة في الإقامة التي أردنا أن نقيم في أموالنا ونصلحها ، فأمرنا بالغزو ، فما زال أبو أيوب غازيا في سبيل الله حتى قبضه الله تعالى . ففي هذا الحديث ، أن التهلكة المذكورة في هذه الآية هي التهلكة في الدين ، والتهلكة والهلك واحد في كلام العرب ، كذلك حدثنا ولاد النحوي ، عن المصادري ، عن أبي عبيدة ، وكان معنى ذلك : أن من بلغت حاله من ترك الغزو والامتناع من النفقة في سبيل الله كما قد كانت الأنصار عليه ، ثم همت بخلافه هلاك . ومثله ما قد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . 5509 - كما قد حدثنا علي بن شيبة ، أخبرنا روح بن عبادة ، حدثنا مالك بن أنس ، عن سهيل بن أبي صالح ، عن أبيه ، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : إذا سمعت الرجل يقول هلك الناس فهو أهلكهم . 5510 - وكما قد حدثنا أبو أمية ، حدثنا خالد بن مخلد القطواني ، حدثنا مالك بن أنس ، عن سهيل ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله ، وكان ذلك على الهلاك في الدين لا فيما سواه . ثم نظرنا فيما روي عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في المراد بهذه الآية عندهم ، مما لم يذكروا فيه أن نزولها كان فيه كما ذكره أبو أيوب في حديثه الذي ذكرناه عنه . 5511 - فوجدنا أحمد بن الحسن الكوفي قد حدثنا ، قال : سمعت سفيان بن عيينة يقول : حدثنا إسماعيل بن أبي خالد ، عن قيس ، قال : قال رجل لعمر - وقتل خاله - : يا أمير المؤمنين ، إن قوما يزعمون أن خالي ممن ألقى بيده إلى التهلكة ، قال : بل هو من الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة . قال أبو جعفر : ولم يذكر في هذا الحديث السبب الذي قيل لخاله من أجله ما قيل ، غير أنا قد أحطنا علما أنه من أسباب القتال في سبيل الله . 5512 - ووجدنا إبراهيم بن مرزوق قد حدثنا ، حدثنا شعبة ، عن أبي إسحاق أن رجلا قال للبراء : أحمل على الكتيبة في ألف بالسيف من التهلكة ، قال : لا إنما التهلكة أن يذنب الرجل الذنب ، ثم يلقي بيديه يقول : لا يغفر لي . 5513 - ووجدنا محمد بن زكريا أبا شريح وابن أبي مريم قد حدثانا قالا : حدثنا الفريابي ، حدثنا قيس بن الربيع ، عن عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ، قال : أنفقوا في سبيل الله ، ولا تمسكوا النفقة في سبيل الله فتهلكوا 5514 - ووجدنا إبراهيم بن مرزوق قد حدثنا ، حدثنا سعيد بن عامر ، عن شعبة ، عن منصور ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس ، قال : ينفق في سبيل الله وإن لم يكن له إلا مشقص . قال أبو جعفر : يريد أنه ينفق في سبيل الله من قليل المال ، كما ينفق من كثيره على التحذير منه إياه ، أن يترك ذلك فيدخل في الوعيد الذي قد ذكرنا . 5515 - ووجدنا إبراهيم بن مرزوق قد حدثنا ، حدثنا سعيد بن عامر ، عن شعبة ، عن سليمان ، عن أبي وائل ، قال : قال حذيفة في تأويل هذه الآية في النفقة ، قال شعبة : فحدثت به يونس ، فقال : رحم الله الحسن ، ما قال شيئا إلا وجدت له أصلا . 5516 - ووجدنا فهدا قد حدثنا ، حدثنا عبد الله بن رجاء ، حدثنا شيبان النحوي ، عن منصور ، عن أبي صالح مولى أم هانئ ، عن ابن عباس في قوله عز وجل : وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ، قال : لا يقولن أحدكم إني هالك لا أجد شيئا إن لم يجد إلا مشقصا ، فليجاهد به في سبيل الله عز وجل . فكل هؤلاء الذين روينا عنهم هذه الآثار يخبرون أن التهلكة المذكورة في الآية التي تلونا ليست في لقاء العدو بالقتال الذي ليس مع من لقيهم من الطاعة ما لا يؤمن عليه منهم قتلهم إياه ، وأنه في فعله ذلك غير مذموم فيه . فقال قائل : كيف تقبلون هذا وقد رويتم في تأويل هذه الآية خلافه ؟ . 5517 - فذكر ما قد حدثنا فهد بن سليمان وهارون بن كامل جميعا قالا : حدثنا عبد الله بن صالح ، قال : حدثنا الليث بن سعد ، حدثنا عبد الرحمن بن خالد بن مسافر ، عن ابن شهاب ، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث الزهري ، أخبره أنهم حاصروا دمشق فانطلق رجل من أزد شنوءة ، فأسرع إلى العدو وحده يستقبل ، فعاب ذلك عليه المسلمون ، ورفعوا حديثه إلى عمرو بن العاص ، وهو على جند من الأجناد ، فأرسل إليه عمرو فرده وقال له عمرو : إن الله عز وجل يقول إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ ، وقال : وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ . قال : فهذا عمرو بن العاص قد جعل لقاء العدو بمثل ما طلب ذلك الرجل لقاءهم عليه من التهلكة . وكان جوابنا له في ذلك أن هذا الذي كان من عمرو ليس فيه إخبار ، عن السبب الذي فيه نزلت الآية ، وحديث أبي أيوب فيه الإخبار عن السبب الذي فيه نزلت ، وفي خبر أبي أيوب التوقيف على السبب الذي فيه نزلت ، وهم فلم يعلموا نزولها ، ولا السبب الذي أريد بنزولها فيه إلا من رسول الله صلى الله عليه وسلم بتلاوته إياها عليهم وبإخباره إياهم السبب الذي نزلت فيه ، وعمرو بن العاص قد يحتمل أن يكون ما قاله مما في حديثه الذي رويناه عنه كان ما تأولها عليه ، مما هو له واسع ، إذ كانت محتملة لما تأولها عليه ، ولو وقف على ما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يخالف ذلك لتمسك به ، ولرد تأويله إليه ، ولم يقل في تأويلها خلافه ، والذي يكون ممن يطلب في قتال العدو وتأول في حديث عمرو هذا مما يطلب به النكاية في العدو وصاحبه محمود عليه ، والله أعلم الذي أراده عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في الحديث الذي رويناه عنه في هذا الباب حتى تلا من أجله الآية التي تلاها ، وهي : الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ ، وهي أجل المراتب وأعلاها . وقد كان من جعفر بن أبي طالب يوم مؤتة مثل ذلك . 5518 - كما قد حدثنا ابن أبي داود ، قال : حدثنا أحمد بن خالد الوهبي ، حدثنا ابن إسحاق ، عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير ، عن أبيه ، قال : حدثني أبي الذي أرضعني وكان أحد بني مرة ، قال : شهد مؤتة مع جعفر بن أبي طالب وأصحابه رضي الله عنهم فرأيت جعفرا حين لاحمه القتال اقتحم على فرس له شقراء ، ثم عقرها وقاتل القوم حتى قتل ، فكان أول رجل عقر في سبيل الله يومئذ . قال أبو جعفر : وذلك كان منه بحضرة من بقي من الأمراء الذين كانوا معه وهو بحضرة عبد الله بن رواحة وبحضرة من خلفه في القتال ، وهو خالد بن الوليد الذي حمده رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وسماه لذلك سيف الله ، وبحضرة من كان سواهما من المسلمين ذلك منه ، ولم ينكروه عليه . ومما نحيط علما به : أنه قد تناهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من فعله فلم ينكره عليه ، ولم ينه المسلمين عن مثله ، فدل ذلك أن هذا الفعل من أجل الأفعال وأن الثواب عليه من أعظم الثواب من الله عز وجل ، وأن تأويل الآية التي تلوناها كما رويناه عن أبي أيوب في تأويلها ، لا كما سواه مما يخالف ذلك ، والله نسأله التوفيق .
37 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ قَوْلِهِ لِأَزْوَاجِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ : أَسْرَعُكُنَّ بِي لِحَاقًا أَطْوَلُكُنَّ يَدَيْنِ . 222 - حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ إسْمَاعِيلَ يَعْنِي : ابْنَ أَبِي خَالِدٍ ، عَنْ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى : ( أَنَّ عُمَرَ كَبَّرَ عَلَى زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ أَرْبَعًا ، ثُمَّ أَرْسَلَ إلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَنْ يُدْخِلُ هَذِهِ قَبْرَهَا ؟ قُلْنَ : مَنْ كَانَ يَدْخُلُ عَلَيْهَا فِي حَيَاتِهَا . وَقَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَقُولُ : أَسْرَعُكُنَّ بِي لِحَاقًا أَطْوَلُكُنَّ يَدًا ، فَكُنَّ يَتَطَاوَلْنَ بِأَيْدِيهِنَّ ، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ أَنَّهَا كَانَتْ صَنَاعًا ، يَعْنِي بِمَا يُقِيمُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) . 223 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ إسْمَاعِيلَ الْبَغْدَادِيُّ ، أَبُو زَكَرِيَّا بِطَبَرِيَّةَ ، حَدَّثَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : ( قَالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِأَزْوَاجِهِ : يَتْبَعُنِي أَطْوَلُكُنَّ يَدًا ) قَالَ : قَالَتْ عَائِشَةُ : فَكُنَّا إذَا اجْتَمَعْنَا فِي بَيْتِ إحْدَانَا بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ نَمُدُّ أَيْدِيَنَا فِي الْجِدَارِ نَتَطَاوَلُ ، فَلَا نَزَالُ نَفْعَلُ ذَلِكَ حَتَّى تُوُفِّيَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشِ بْنِ رِئَابٍ ، زَوْجُ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَكَانَتْ امْرَأَةً قَصِيرَةً ، يَرْحَمُهَا اللَّهُ ، وَلَمْ تَكُنْ أَطْوَلَنَا يَدًا ، فَعَرَفْنَا حِينَئِذٍ أَنَّ مَا أَرَادَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ الصَّدَقَةَ . قَالَتْ : وَكَانَتْ زَيْنَبُ امْرَأَةً صَنَاعَةَ الْيَدِ ، تَدْبَغُ ، وَتَخْرُزُ ، وَتَصَّدَّقُ بِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ . فَكَانَ مَا قَدْ ذَكَرْنَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِمَّا قَدْ عَرَفَهُ أَزْوَاجُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا كَانَ بَعْدَ وَفَاتِهِ مِنْ وَفَاةِ زَوْجَتِهِ زَيْنَبَ مِنْ الْقَوْلِ الَّذِي كَانَ مِنْهُ فِي حَيَاتِهِ ، مَعَ قِصَرِ يَدَيْهَا لِلْخَيْرِ الَّذِي كَانَتْ تَكْتَسِبُهُ بِهِنَّ ، أَنَّهَا أَطْوَلُهُنَّ يَدَيْنِ . أَيْ : بِالْخَيْرِ ، لَا بِمَا سِوَاهُ ، وَكَفَانَا ذلك عَنْ الْكَلَامِ فِي تَأْوِيلِهِ بِشَيْءٍ غَيْرِ مَا قَالَهُ فِيهِ ، وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
772 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله : إن هذا المال حلوة خضرة . 5773 - حدثنا الربيع بن سليمان الجيزي ، قال : حدثنا يعقوب بن إسحاق بن أبي عباد ، قال : حدثنا مسلم بن خالد ، عن إسماعيل بن أمية ، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري ، عن خولة ، قال : جئناها لنسألها عن حديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكانت تحت حمزة بن عبد المطلب - رضي الله عنه - فخلف عليها بعده رجل من بني زريق ، فجاء زوجها ونحن عندها ، فقال : ما جاء بكم ؟ قلنا : جئناها لنسألها عن حديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال لها : انظري ما تحدثين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإن كذبا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس كالكذب ، قالت : أشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد دخل على عمه يعوده يقول : إن هذا المال خضرة حلوة ، فمن أخذه بحقه بورك له فيه ، ورب متخوض فيما اشتهت نفسه من مال الله - عز وجل - ورسوله ، له النار يوم القيامة . فتأملنا هذا الحديث فوجدناه من حديث إسماعيل بن أمية ، عن المقبري بتحقيق أخذه إياه ، عن خولة سماعا له منها ، ووجدنا الذي حدث به عنه مسلم بن خالد . ثم وجدنا داود بن عبد الرحمن العطار قد خالف مسلما في إسناد هذا الحديث ، فذكر أنه عن إسماعيل ، عن سعيد ، عن أبي هريرة لا عن خولة . 5774 - كما قد حدثنا الربيع المرادي ، قال : حدثنا أسد ، قال : حدثنا داود بن عبد الرحمن العطار ، عن إسماعيل ، عن سعيد ، عن أبي هريرة : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن هذا المال خضرة حلوة ، فمن أخذه بحقه بورك له فيه ، ورب متخوض في مال الله - عز وجل - ورسوله صلى الله عليه وسلم فيما اشتهت نفسه ، له النار يوم القيامة . 5775 - وكما حدثنا عبيد بن رجال ، قال : حدثنا إبراهيم بن محمد الشافعي ، قال : حدثنا داود العطار ، ثم ذكر بإسناده مثله . وتأملنا رواية مسلم لهذا الحديث ، عن إسماعيل بن أمية ، عن سعيد المقبري ، عن خولة : هل هو في الحقيقة كما رواه عنها . 5776 - فوجدنا الربيع بن سليمان المرادي ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم قد حدثانا ، قال : الربيع ، حدثنا شعيب بن الليث ، قال : أخبرنا الليث ، وقال محمد : أخبرنا أبي وشعيب بن الليث قالا : حدثنا الليث ، ثم اجتمعا فقالا : عن سعيد بن أبي سعيد المقبري ، عن عبيد أبي الوليد ، قال : سمعت خولة ابنة قيس بن قهد ، وكانت تحت حمزة بن عبد المطلب ، تقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن هذا المال حلوة خضرة من أصابه بحقه بورك له فيه ، ورب متخوض فيما شاءت نفسه من مال الله - عز وجل - ورسوله ليس له يوم القيامة إلا النار . فوقفنا بذلك على أن سعيدا المقبري لم يسمع هذا الحديث من خولة ، وأنه إنما سمعه من عبيد أبي الوليد عنها ، وعبيد هذا هو الذي يقال له : سنوطا ، قد ذكر ذلك يحيى بن سعيد الأنصاري . 5777 - كما قد حدثنا الربيع المرادي ، قال : حدثنا أسد ، قال : حدثنا حماد بن سلمة ، عن يحيى بن سعيد ، عن عمر بن كثير بن أفلح ، عن عبيد سنوطا ، عن خولة ابنة قيس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم ذكر هذا الحديث . 5778 - وكما حدثنا المطلب بن شعيب بن حيان الأزدي ، قال : حدثنا عبد الله بن صالح ، قال : حدثني الليث ، قال : حدثني يحيى بن سعيد ، عن عمر بن كثير بن أفلح ، عن عبيد سنوطا ، عن خولة ابنة قيس ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مثله ، ثم تأملنا ما في هذا الحديث ، من ذكر خولة هل هو على ما في هذا الحديث ، أم لا ؟ . 5779 - فوجدنا يونس بن عبد الأعلى قد حدثنا ، قال : حدثنا عبد الله بن وهب ، قال : سمعت حيوة بن شريح ، قال : أخبرني أبو الأسود أنه سمع النعمان بن أبي عياش الأنصاري يقول : إنه سمع خولة ابنة ثامر تقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن هذا المال خضرة حلوة ، وكم من متخوض في مال الله - عز وجل - ورسوله صلى الله عليه وسلم بغير الحق له يوم القيامة النار . 5780 - ووجدنا الربيع بن سليمان الجيزي قد حدثنا ، قال : حدثنا أبو زرعة ، قال : أخبرنا حيوة ، ثم ذكر بإسناده مثله . فكان في هذا الحديث ، نسبة خولة إلى ثامر ، فاحتمل أن يكون قيس بن قهد الذي نسب إليه فيما روينا قبل هذا ، كان يلقب بثامر ، فروى بعضهم حديثها بحقيقة اسم أبيها ، ورواه بعضهم باللقب الذي كان يلقب به . ثم تأملنا قوله صلى الله عليه وسلم : إن هذا المال خضرة حلوة ، فذكر المال وهو مذكر بمثل ما يذكر به المؤنث ، فقال : خضرة حلوة ، ولم يقل خضرا حلوا ، فكان ذلك عندنا والله أعلم على رده المال إلى الدنيا ، إذ كان المال لا يكون إلا فيها ، ووكد ذلك بما تؤكد العرب الأشياء التي تؤكدها ، فإنها كانت إذا أرادت ذلك استعملت فيه مثل هذا في الخير والشر جميعا ، فتقول في الخير : فلان علامة ، وفلان نسابة ، وتقول في الشر : فلان همزة فلان لمزة في أشياء من هذا النوع ، فيما ذكرناه منها كفاية والله نسأله التوفيق . وقد روي هذا الحديث ، عن معاوية بن أبي سفيان ، عن رسول الله أيضا . 5781 - كما حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، قال : حدثنا وهب بن جرير ، قال : حدثنا شعبة ، عن منصور ، عن إبراهيم ، عن معبد الجهني ، عن معاوية أنه كان لا يكاد يحدث ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء ، وكان لا يدع هؤلاء الكلمات كل يوم جمعة ، يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين ، وإن هذا المال حلوة خضرة ، فمن أخذه بحقه بارك الله فيها ، وإياكم والتمادح ، فإنه الذبح .
38 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي إنْزَاءِ الْحَمِيرِ عَلَى الْخَيْلِ . 224 - حَدَّثَنَا فَهْدٌ ، حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي زُرْعَةَ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ عَلْقَمَةَ ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ : ( أُهْدِيَ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ بَغْلٌ أَوْ بَغْلَةٌ ، فَقُلْت : مَا هَذَا ؟ قَالُوا : بَغْلٌ أَوْ بَغْلَةٌ . قُلْت : وَمَا هُوَ ؟ قَالَ : يُحْمَلُ الْحِمَارُ عَلَى الْفَرَسِ فَيَكُونُ مِثْلَ هَذَا ، أَوْ يَخْرُجُ مِثْلَ هَذَا . قُلْت : أَفَلَا نَحْمِلُ فُلَانًا عَلَى فُلَانَةَ ؟ قَالَ : إنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ) . 225 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَنْصُورٍ ، حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ جَمِيلٍ ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ ، ثُمَّ ذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ : عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَلْقَمَةَ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَسَالِمٌ هَذَا هُوَ ابْنُ أَبِي الْجَعْدِ . 226 - حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَوْسٍ ، حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ : ( نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنْ نَحْمِلَ الْحُمُرَ عَلَى الْبَرَاذِينِ ) . 227 - حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ الْمُرَادِيُّ ، حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ اللَّيْثِ ، أخبرنا اللَّيْثُ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ ، عَنْ ابْنِ زُرَيْرٍ ، يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زُرَيْرٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ : ( أُهْدِيَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَغْلَةٌ فَرَكِبَهَا فَقَالَ عَلِيُّ : لَوْ حَمَلْنَا الْحَمِيرَ عَلَى الْخَيْلِ كَانَ لَنَا مِثْلُ هَذِهِ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ) . 228 - حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ ، وَحَدَّثَنَا يَزِيدُ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زُرَيْرٍ ، عَنْ عَلِيٍّ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِثْلَهُ . 229 - حَدَّثَنَا رَبِيعٌ الْمُرَادِيُّ ، حَدَّثَنَا أَسَدُ بْنُ مُوسَى ، وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ دَاوُد ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ الْوَشَاحِيِّ قَالَا : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ أَبِي جَهْضَمٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : مَا اخْتَصَّنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَيْءٍ دُونَ النَّاسِ إلَّا بِثَلَاثٍ : إسْبَاغِ الْوُضُوءِ ، وَأَنْ لَا نَأْكُلَ الصَّدَقَةَ ، وَأَنْ لَا نُنْزِيَ الْحُمُرَ عَلَى الْخَيْلِ . 230 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، ثُمَّ ذُكِرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ . 231 - وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ يُونُسَ ، حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، حَدَّثَنَا إسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ سَالِمٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ . فَقَالَ قَائِلٌ : فَهَذَانِ الْحَدِيثَانِ مُتَضَادَّانِ ؛ لِأَنَّ فِي الْأَوَّلِ مِنْهُمَا قَوْلَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ : ( إنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ، لَمَّا قَالَ لَهُ عَلِيٌّ : لَوْ حَمَلْنَا الْحُمُرَ عَلَى الْخَيْلِ لَكَانَ لَنَا مِثْلُ هَذِهِ ، فَكَانَ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهْيًا لِلنَّاسِ ) جَمِيعًا عَلى إنْزَاءِ الْحُمُرِ عَلَى الْخَيْلِ . وَفِي الْحَدِيثِ الثَّانِي مِنْهُمَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ : إنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ اخْتَصَّهُمْ يَعْنِي بَنِي هَاشِمٍ ، بِأَنْ لَا يُنَزُّوا الْحُمُرَ عَلَى الْخَيْلِ . فَكَانَ نَهْيُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لَمْ يَتَجَاوَزْ بَنِي هَاشِمٍ إلَى غَيْرِهِمْ ، وَكَانَ نَهْيُهُ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ قَدْ عَمَّ النَّاسَ جَمِيعًا ، فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ عَنْ ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ وَعَوْنِهِ : أَنَّ الْحَدِيثَ الْأَوَّلَ كَانَ جَوَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فِيمَا قَالَ لَهُ : لَوْ حَمَلْنَا الْحَمِيرَ عَلَى الْخَيْلِ ، جَاءَنَا مِثْلُ هَذَا ، أَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يَفْعَلُهُ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ؛ أَيْ : أَنَّ الْحُمُرَ إذَا حَمَلَتْ عَلَى الْخَيْلِ كَانَ مَا يَكُونُ بَيْنَهُمَا بِغَالَاتٌ وَبِغَالٌ ، لَا ثَوَابَ فِي ارْتِبَاطِهَا ، وَلَا سُهْمَانَ لَهَا فِي الْغَنَائِمِ لِمَنْ غَزَا عَلَيْهَا ، وَإِذَا حُمِلَتْ الْخَيْلُ عَلَى الْخَيْلِ كَانَتْ عَنْهَا خَيْلًا فِي ارْتِبَاطِهَا الثَّوَابُ الَّذِي وَعَدَ اللَّهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ مُرْتَبِطِيهَا وَارْتِبَاطِهِمْ إيَّاهَا . 232 - مَا قَدْ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ يُونُسَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ الْهَمْدَانِيُّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : ( الْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ) . 233 - وَكَمَا قَدْ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي دَاوُد ، حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِثْلَهُ . 234 - وَكَمَا قَدْ حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ ، حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ . 235 - وَكَمَا قَدْ حَدَّثَنَا فَهْدٌ ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ أَشْعَثَ بْنِ سَوَّارٍ ، عَنْ أَبِي زِيَادٍ التَّيْمِيِّ ، عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ . 236 - وكَمَا قَدْ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ ، حَدَّثَنَا الْفِرْيَابِيُّ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَقُولُ : ( الْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، الْأَجْرُ وَالْغَنِيمَةُ ) . 237 - وَكَمَا قَدْ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خُزَيْمَةَ ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ التَّيْمِيُّ ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ ، ثُمَّ ذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ . 238 - حَدَّثَنَا فَهْدٌ ، حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ أَبِي زَائِدَةَ ، عَنْ الشَّعْبِيِّ ، حَدَّثَنَا عُرْوَةُ الْبَارِقِيُّ : أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : ( الْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، الْأَجْرُ وَالْمَغْنَمُ ) . 239 - وَكَمَا حَدَّثَنَا فَهْدٌ ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إدْرِيسَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ ، عَنْ ابْنِ إدْرِيسَ ، وَابْنِ فُضَيْلٍ ، عَنْ حُصَيْنٍ ، عَنْ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ الْبَارِقِيِّ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الْخَيْرُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِي الْخَيْلِ ، فَقِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مِمَّ ذَاكَ ؟ قَالَ : الْأَجْرُ وَالْغَنِيمَةُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ) . زَادَ ابْنُ إدْرِيسَ : ( وَالْإِبِلُ عِزٌّ لِأَهْلِهَا ، وَالْغَنَمُ بَرَكَةٌ ) . 240 - حَدَّثَنَا فَهْدٌ ، حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ ، حَدَّثَنَا فِطْرُ بْنُ خَلِيفَةَ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ : وَقَفَ عَلَيْنَا عُرْوَةُ الْبَارِقِيُّ وَنَحْنُ فِي مَجْلِسِنَا ، فَحَدَّثَنَا قَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( الْخَيْرُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِي الْخَيْلِ أَبَدًا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ) . 241 - وَكَمَا قَدْ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدِ بْنِ هِشَامٍ الرُّعَيْنِيُّ أَبُو قُرَّةَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ الدِّمَشْقِيُّ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَالِمٍ ، حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْأَفْطَسُ ، حَدَّثَنِي الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجرشِيُّ ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ نُفَيْلٍ السَّكُونِيُّ ، قَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَقُولُ : ( الْخَيْلُ مَعْصُوبٌ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَأَهْلُهَا مُعَانُونَ عَلَيْهَا ) . وَفِي ذَلِكَ أَحَادِيثُ تَدْخُلُ فِي هَذَا النَّوْعِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اخْتَرْنَا بَعْضَهَا لِمَا عَسَى أَنْ يَكُونَ أَوْلَى بِهِ مِمَّا يَجِيءُ فِيمَا بَعْدُ فِي كِتَابِنَا هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ . فَأَعْلَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فِي جَوَابِهِ إيَّاهُ عَنْ قَوْلِهِ لَوْ حَمَلْنَا الْحُمُرَ عَلَى الْخَيْلِ بِقَوْلِهِ : ( إنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ) ، أَيْ : أَنَّ مُنْتِجِي مَا لَا ثَوَابَ فِي إنْتَاجِهِ ، وَلَا سَهْمَ فِي الْغَنِيمَةِ مَعَ الْغَزْوِ عَلَيْهِ ، وَتَارِكِي إنْتَاجِ مَا فِي إنْتَاجِهِ ثَوَابٌ وَالسُّهْمَانِ فِي الْغَنِيمَةِ ، الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ، فَهَذَا وَجْهُ مَا فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ الَّذِي رَوَيْنَا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا مَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، فَإِنَّمَا كَانَ عَلَى اخْتِصَاصِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إيَّاهُمْ أَنْ لَا يُنَزُّوا الْحُمُرَ عَلَى الْخَيْلِ لِمَعْنًى كَانَ فِيهِمْ قَدْ ذَكَرَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، وَبَيَّنَ فِيهِ الْمَعْنَى الَّذِي اخْتَصَّهُمْ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِذَلِكَ مِنْ أَجْلِهِ 242 - كَمَا قَدْ حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُد ، حَدَّثَنَا أَبُو عُمَرَ الْحَوْضِيُّ ، حَدَّثَنَا مُرَجَّى بْنُ رَجَاءٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو جَهْضَمٍ ، حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : ( مَا اخْتَصَّنَا رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ إلَّا بِثَلَاثٍ أَنْ لَا نَأْكُلَ الصَّدَقَةَ ، وَأَنْ نُسْبِغَ الْوُضُوءَ ، وَأَنْ لَا نُنْزِيَ حِمَارًا عَلَى فَرَسٍ . قَالَ : فَلَقِيت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَسَنِ ، وَهُوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ فَحَدَّثْتُهُ فَقَالَ : صَدَقَ . كَانَتْ الْخَيْلُ قَلِيلَةً فِي بَنِي هَاشِمٍ ، فَأَحَبَّ أَنْ يَكْثُرَ فِيهِمْ ) . فَبَانَ بِحَمْدِ اللَّهِ وَنِعْمَتِهِ أَنْ لَا تَضَادَّ فِي وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ لِلْآخَرِ مِنْهُمَا ، وَأَنَّ مَا فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِمَعْنًى غَيْرِ الْمَعْنَى الَّذِي فِي الْآخَرِ مِنْهُمَا ، وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
733 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أثمان الكلاب في حلها وفي النهي عنها . 5467 - حدثنا الربيع بن سليمان المرادي ، ونصر بن مرزوق جميعا ، قالا : حدثنا أسد بن موسى ، حدثنا عبد المجيد بن عبد العزيز ، عن ابن جريج ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن عاصم بن ضمرة ، عن علي أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن الكلب . 5468 - وحدثنا يونس بن عبد الأعلى ، والحسين بن نصر ، قالا : حدثنا علي بن معبد ، حدثنا عبيد الله بن عمرو ، عن عبد الكريم بن مالك ، عن قيس بن حبتر ، عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : ثمن الكلب حرام . 5469 - حدثنا فهد بن سليمان ، قال : حدثنا أبو غسان ، حدثنا زهير بن معاوية ، حدثنا عبد الكريم الجزري ، عن قيس بن حبتر ، عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : ثمن الكلب حرام . 5470 - حدثنا يونس ، قال : حدثنا سفيان بن عيينة ، عن الزهري ، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، عن أبي مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن الكلب ، ومهر البغي ، وحلوان الكاهن . 5471 - حدثنا يونس ، قال : أخبرنا عبد الله بن وهب أن مالك بن أنس أخبره ، عن الزهري ثم ذكر بإسناده مثله . 5472 - وحدثنا يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : أخبرني يونس بن يزيد ، عن ابن شهاب ، عن أبي بكر بن عبد الرحمن ، عن أبي مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : ثلاث هن سحت : ثمن الكلب ، ومهر البغي ، وحلوان الكاهن . 5473 - وحدثنا إبراهيم بن مرزوق ، حدثنا هارون بن إسماعيل الخزاز ، حدثنا علي بن المبارك ، حدثنا يحيى بن أبي كثير ، عن إبراهيم بن عبد الله بن قارظ أن السائب بن يزيد حدثه : أن رافع بن خديج حدثه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : ثمن الكلب خبيث . 5474 - وحدثنا فهد ، حدثنا عمر بن حفص بن غياث ، حدثنا أبي ، عن الأعمش ، حدثني أبو سفيان ، عن جابر أثبته مرة ، ومرة شك في أبي سفيان ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه نهى عن ثمن الكلب والسنور . 5475 - وحدثنا الربيع المرادي ، حدثنا أسد بن موسى ، حدثنا عيسى بن يونس ، عن الأعمش ، عن أبي سفيان ، عن جابر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فذكر مثله ، ولم يشك . 5476 - حدثنا يونس ، أخبرنا ابن وهب ، أخبرني معروف بن سويد الجذامي أن علي بن رباح حدثهم أنه سمع أبا هريرة يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يحل ثمن الكلب . 5477 - وحدثنا ابن أبي داود ، حدثنا المقدمي ، حدثنا حميد بن الأسود ، حدثنا عبد الله بن سعيد بن أبي هند ، عن شريك بن أبي نمر ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم : نهى عن ثمن الكلب ومهر البغي . 5478 - وحدثنا إبراهيم بن مرزوق ، حدثنا أبو عامر العقدي ، حدثنا رباح بن أبي معروف ، عن عطاء ، عن أبي هريرة ، قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ثمن الكلب من السحت . 5479 - حدثنا فهد ، حدثنا محمد بن سعيد ابن الأصبهاني ، حدثنا محمد بن الفضيل ، عن الأعمش ، عن أبي حازم ، عن أبي هريرة ، قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب . فكانت هذه الآثار التي رويناها ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الباب تنهى عن أثمان الكلاب بألفاظ مختلفة ، فمنها : ما ينهى عنها بلا سبب مذكور فيه ، فكان ذلك محتملا أن يكون ذلك لأنها حرام كالأشياء المحرمة بالشريعة ، واحتمل أن يكون فيه ذلك لما فيه من الدناءة ، وإن لم يكن حراما ، كما نهى عن كسب الحجام لما فيه من الدناءة ، وإن لم يكن حراما كما سواه من الأشياء التي حرمتها الشريعة ، فإنه روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في كسب الحجام نهيه عنه . 5480 - كما حدثنا بكار بن قتيبة ، حدثنا عمر بن يونس اليمامي ، حدثنا عكرمة بن عمار ، حدثنا طارق بن عبد الرحمن : أن رفاعة بن رافع ، أو رافع بن رفاعة - الشك منهم - جاء إلى مجلس الأنصار ، فقال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عن كسب الحجام ، وأمرنا أن نطعمه ناضحنا . 5481 - وكما حدثنا المزني ، حدثنا الشافعي ، حدثنا سفيان ، عن الزهري ، عن حرام بن سعد بن محيصة : أن محيصة سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كسب الحجام ، فنهاه أن يأكل كسبه ، فلم يزل يراجعه ، حتى قال صلى الله عليه وسلم : اعلفه ناضحك ، وأطعمه رقيقك . 5482 - وكما حدثنا سليمان بن شعيب ، حدثنا أسد بن موسى ، حدثنا ابن أبي ذئب ، عن ابن شهاب ، عن حرام بن سعد بن محيصة الحارثي ، عن أبيه أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عن كسب الحجام ثم ذكر مثله . 5483 - وكما حدثنا يونس ، أخبرنا ابن وهب أن مالكا أخبره ، عن ابن شهاب ، عن ابن محيصة أحد بني حارثة ، عن أبيه ثم ذكر مثله فلم يكن نهيه ، عن كسب الحجام لأنه حرام ، ألا ترى أنه قد أباح سائله أن يعلفه ناضحه ورقيقه ، ولو كان ذلك حراما لما أباحه ذلك ، وإذا لم يكن حراما كان معقولا أن نهيه إياه عنه كان لما فيه من الدناءة لا لما سوى ذلك ، فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يدنئوا أنفسهم . ومنها : ما ذكر فيه أن مع نهيه عنه جعله سحتا ، فاحتمل أن يكون ذلك لمثل المعنى الأول ، إذ كان قد روي عنه في كسب الحجام أنه سحت ، ولم يكن ذلك لأنه حرام ، ولكن لأنه دنيء . فمما روي عنه في ذلك . 5484 - ما قد حدثنا يزيد بن سنان وإبراهيم بن مرزوق جميعا قالا : حدثنا أبو عامر العقدي ، حدثنا رباح بن أبي معروف ، عن عطاء ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من السحت كسب الحجام ، فلم يكره ذلك ، لأنه حرام ، ولكن لأنه دنيء . ومنها : ما قد ذكر فيه مع نهيه عنه أنه خبيث ، فاحتمل أن يكون ذلك لمثل المعنى الأول أيضا ، إذ كان قد روي عنه في كسب الحجام أنه خبيث . 5485 - كما قد حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، حدثنا هارون بن إسماعيل الخزاز ، حدثنا علي بن المبارك ، حدثنا يحيى بن أبي كثير ، عن إبراهيم بن عبد الله بن قارظ ، أن السائب بن يزيد حدثه أن رافع بن خديج حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : كسب الحجام خبيث . قال أبو جعفر : فلم يكن ذلك ، لأنه حرام ، ولكن لأنه دنيء ، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم أمته أن يدنئوا أنفسهم بالأشياء التي تدنئهم ، وإن لم يكن حراما عليهم في شريعته كحرمة الأشياء التي حرمها الشرع ، فاحتمل أن يكون نهاهم عن أثمان الكلاب لمثل هذا المعنى . ثم نظرنا : هل روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء يدل على إحلال أثمان الكلاب التي ينتفع بها ؟ . 5486 - فوجدنا أحمد بن شعيب قد حدثنا : قال : أخبرنا إبراهيم بن الحسن المقسمي ، حدثنا الحجاج بن محمد ، عن حماد بن سلمة ، عن أبي الزبير ، عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن السنور والكلب إلا كلب صيد . فكان في هذا الحديث ، أن الكلب المنهي عن ثمنه ، هو خلاف كلب الصيد ، وهو الكلب الذي لا منفعة فيه ، وقد روينا في حديث جابر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم من نهيه عن ثمن السنور مثل الذي فيه من نهيه عن ثمن الكلب ، ولم نعلم اختلافا بين أهل العلم في ثمن السنور أنه ليس بحرام ، ولكنه دنيء ، وكان مثله ثمن الكلب المقرون معه في ذلك الحديث . وقد يحتمل أيضا أن يكون نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب أراد به جميع الكلاب ، وكان ذلك منه في الوقت الذي أمر فيه بقتل الكلاب ، وأن لا يترك منها شيء ، فإنه قد كان أمر بذلك ، ونهى أن يترك منها شيء ، وروي عنه صلى الله عليه وسلم في ذلك . 5487 - ما قد حدثنا يونس ، أخبرنا ابن وهب أخبرني يونس ، عن ابن شهاب ، عن سالم ، عن أبيه ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم رافعا صوته يأمر بقتل الكلاب . 5488 - وما قد حدثنا يونس ، أخبرنا ابن وهب أخبرني أسامة بن زيد ، عن نافع ، عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الكلاب . 5489 - وما قد حدثنا فهد ، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا أبو أسامة ، عن عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل الكلاب كلها ، فأرسل في أقطار المدينة أن تقتل . 5490 - وما قد حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، حدثنا هارون بن إسماعيل ، حدثنا علي بن المبارك ، عن يحيى بن أبي كثير ، حدثني ابن بنت أبي رافع ، عن أبي رافع أن النبي صلى الله عليه وسلم دفع العنزة إلى أبي رافع ، فأمره أن يقتل كلاب المدينة كلها حتى أفضى به القتل إلى كلب لعجوز ، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بقتله . 5491 - وما قد حدثنا بكار بن قتيبة ، حدثنا أبو عامر العقدي ، وما قد حدثنا صالح بن عبد الرحمن ومحمد بن خزيمة قالا : حدثنا القعنبي ، قال : حدثنا يعقوب بن محمد بن طحلاء ، عن أبي الرجال ، عن سالم بن عبد الله ، عن أبي رافع ، قال : أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل الكلاب فخرجت أقتلها لا أرى كلبا إلا قتلته حتى أتيت موضع كذا ، وسماه فإذا فيه كلب يدور ببيت ، فذهبت أقتله فناداني إنسان من جوف البيت : يا عبد الله ما تريد أن تصنع ، قلت : إني أريد أن أقتل هذا الكلب ، قالت : إني امرأة بدار مسبعة ، وإن هذا الكلب يطرد عني السباع ، ويرد عني ما كان ، فأت النبي صلى الله عليه وسلم فاذكر له ذلك ، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم ، فأمرني بقتله . 5492 - وما قد حدثنا فهد ، حدثنا علي بن معبد ، حدثنا إسماعيل بن جعفر ، عن محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن عائشة أن جبريل عليه السلام واعد النبي صلى الله عليه وسلم في ساعة يأتيه فيها ، فذهبت الساعة فلم يأته فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فإذا جبريل على الباب ، فقال : ما يمنعك أن تدخل البيت ، قال : إن في البيت كلبا وإنا لا ندخل بيتا فيه كلب ولا صورة ، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالكلب فأخرج ، ثم أمر بالكلاب أن تقتل . فاحتمل أن يكون نهيه كان عن أثمان الكلاب في الوقت الذي كان هذا الحكم حكمها ، ثم أباح النبي صلى الله عليه وسلم بعضها . 5493 - كما قد حدثنا بكار بن قتيبة ، حدثنا سعيد بن عامر الضبعي ، حدثنا شعبة ، عن أبي التياح ، عن مطرف بن عبد الله بن الشخير ، عن عبد الله بن المغفل ، قال : أمر رسول صلى الله عليه وسلم بقتل الكلاب ثم قال : ما لي وللكلاب ، ثم رخص في كلب الصيد وفي كلب آخر ، نسيه سعيد . 5494 - وكما قد حدثنا علي بن معبد ، حدثنا مكي بن إبراهيم ، حدثنا حنظلة بن أبي سفيان ، قال : سمعت سالم بن عبد الله يقول : سمعت ابن عمر يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من اقتنى كلبا إلا كلبا ضاريا بالصيد ، أو كلب ماشية ، فإنه ينقص من أجره كل يوم قيراطان . 5495 - وكما حدثنا يونس ، حدثنا سفيان ، عن الزهري ، عن سالم ، عن أبيه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : من اقتنى كلبا إلا كلب صيد أو ماشية ، نقص من عمله كل يوم قيراطان . 5496 - وكما حدثنا يونس ، أخبرنا ابن وهب أن مالكا أخبره ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ذكر مثله . 5497 - وكما حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، حدثنا عارم ، حدثنا حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم ذكر مثله . 5498 - وما قد حدثنا فهد ، قال : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، قال : حدثنا أبو أسامة ، عن عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ذكر مثله ، غير أنه قال : قيراط . 5499 - وكما حدثنا محمد بن النعمان السقطي ، قال : حدثنا القعنبي ، حدثنا سليمان بن بلال ، عن يزيد بن خصيفة أخبرني السائب بن يزيد أن سفيان بن أبي زهير الشنائي ، أخبره أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من اقتنى كلبا لا يغني عنه في زرع ولا ضرع نقص من عمله كل يوم قيراط ، قال : فقال : السائب لسفيان أنت سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : إي ورب القبلة . 5500 - وما قد حدثنا يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب أن مالكا حدثه ، عن يزيد بن خصيفة ، ثم ذكر بإسناده مثله . 5501 - وما قد حدثنا ابن أبي داود ، حدثنا سعيد بن أبي مريم ، أخبرنا محمد بن جعفر ، أخبرني يزيد بن خصيفة ، ثم ذكر بإسناده مثله ، غير أنه لم يذكر قول السائب لسفيان : أنت سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم . 5502 - وكما قد حدثنا الحسين بن نصر ، قال : سمعت يزيد بن هارون ، أخبرنا همام بن يحيى ، عن قتادة ، عن أبي الحكم ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من اقتنى كلبا غير كلب زرع ولا صيد ، نقص من عمله كل يوم قيراطان . 5503 - وكما حدثنا الحسين ، حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس ، حدثنا زهير بن معاوية ، حدثنا موسى بن عقبة ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر مثله ، غير أنه قال : إلا كلبا ضاريا أو كلب ماشية . 5504 - وكما حدثنا ابن أبي داود ، حدثنا أمية بن بسطام ، حدثنا يزيد بن زريع ، عن روح بن القاسم ، عن بجير بن أبي بجير ، عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر الكلاب ، فقال : من اتخذ كلبا ليس بكلب قنص ، أو كلب ماشية ، نقص من أجره كل يوم قيراط . 5505 - وكما حدثنا سليمان بن شعيب الكيساني ، حدثنا بشر بن بكر ، حدثني الأوزاعي ، حدثني يحيى بن أبي كثير ، حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن ، قال : حدثني أبو هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من اقتنى كلبا فإنه ينقص من عمله كل يوم قيراط ، إلا كلب حرث أو ماشية . قال أبو جعفر : فخرج ما رخص فيه منها مما كان نهيه وقع عليه ، وخرج بذلك نهيه من التحريم الذي كان تقدم منه فيه . قال أبو جعفر : غير أنه قد روي أن الكلاب التي كانت تقتل بالمدينة ليست بكلاب الصيد ، ولا بكلاب الماشية . 5506 - كما قد حدثنا بحر بن نصر ، حدثنا عبد الله بن وهب أخبرني يونس ، قال : قال ابن شهاب ، حدثني سالم بن عبد الله ، عن أبيه ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم رافعا صوته يأمر بقتل الكلاب ، فكانت الكلاب تقتل إلا كلب صيد أو ماشية . 5507 - قال ابن شهاب : وحدثني سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : من اقتنى كلبا ليس بكلب صيد ولا ماشية ولا أرض ، فإنه ينقص من أجره قيراطان في كل يوم . ولما وقفنا على اختلاف أحوال الكلاب التي كانت في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإنها كانت في حال مقتولة كلها ، وفي حال مقتولة بعضها ، غير مقتول بقيتها ، وكان الذي رويناه عنه من نهيه ، عن أثمانها قد يحتمل أن يكون في الحال التي لا يحل فيها حبسها ، ويحتمل أن يكون في الأحوال كلها ، ولم يجز أن يحمل ذلك على أنه قد كان في وقت إباحة ما أبيح فيها دون أن يحمله على الوقت الذي يخالفه إلا بما يوجب حمله عليه ، لا سيما وقد روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم استثناءه من منعه من أثمان الكلاب إلا كلب الصيد ، ففي ذلك ما قد دل على أن نهيه عن أثمان الكلاب ، إنما كان في أثمان كلاب سوى كلب الصيد ، وسوى الكلاب التي أباح اتخاذها على ما قد رويناه عنه صلى الله عليه وسلم في هذه الآثار . وهذا باب قد اختلف أهل العلم فيه : فطائفة منهم ذهبت إلى تحريم أثمان الكلاب كلها ، وممن ذهب إلى ذلك منهم مالك والشافعي ، وطائفة منهم نهت عن أثمان ما لا يحل الانتفاع به منها ، وأباحت أثمان ما سوى ذلك مما يحل الانتفاع به منها ، وممن ذهب إلى ذلك منهم أبو حنيفة وسائر أصحابه وهو أولى القولين بالقياس عندنا ، إذ كانت الكلاب التي عادت إلى الإباحة وإن كانت لحمانها غير مأكولة مردودة إلى أحكام الحمر الأهلية التي لحمانها غير مأكولة ، فلما كانت أثمان الحمر الأهلية حلالا كانت أثمان الكلاب المباحة المنتفع بها كذلك ، والله نسأله التوفيق .
39 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي الذُّلِّ بِالزَّرْعِ . 243 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدِ بْنِ هِشَامٍ الرُّعَيْنِيُّ ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُد ، وَفَهْدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيُّ الْكُوفِيُّ أَبُو الْحَسَنِ قَالُوا : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ، حَدَّثَني عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَالِمٍ الْحِمْصِيُّ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ الْأَلْهَانِيُّ قَالَ : سَمِعْت أَبَا أُمَامَةَ وَرَأَى سِكَّةً وَشَيْئًا مِنْ آلَةِ الْحَرْثِ فَقَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( مَا دَخَلَتْ هَذِهِ بَيْتَ قَوْمٍ إلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ الذُّلَّ ) . فَتَأَمَّلْنَا مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ هَذَا فَوَجَدْنَا وِلَايَةَ خَرَاجِ الْأَرْضِينَ وَجِبَايَةَ أَمْوَالِهَا وَوَضْعُهَا فِي مَوَاضِعَهَا الَّتِي يَجِبُ وَضْعُهَا فِيهَا إلَى الْمُسْلِمِينَ يَتَوَلَّاهُ مِنْهُمْ أَئِمَّتُهُمْ حَتَّى يَأْخُذُوهُ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ ، فَيَضَعُونَهُ فِيمَا يَجِبُ وَضْعُهُ فِيهِ ، وَكَانَ مَا تَوَلَّاهُ أَئِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ لِلْمُسْلِمِينَ كَمَا تَوَلَّاهُ الْمُسْلِمُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ، وَكَانَ مَنْ دَخَلَ فِيمَا يُوجِبُ الْخَرَاجَ عَلَيْهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، عَادَ بِهِ مَطْلُوبًا بِمَا كَانَ بِهِ قَبْلَ ذَلِكَ طَالِبًا ، فَكَانَ فِي ذَلِكَ دُخُولُ الذُّلِّ عَلَيْهِمْ . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا أَخْبَرَ بِهِ عَنْ رِزْقِهِ ، وَعَنْ انْتِقَالِ الذُّلِّ وَالصَّغَارِ عَنْهُ ، وَعَنْ لُزُومِهِمَا مُخَالَفَتَهُ . 244 - مَا قَدْ حَدَّثَنَا أَبُو أُمَيَّةَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَهْبِ بْنِ عَطِيَّةَ ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيِّ ، عَنْ حَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةَ ، عَنْ أَبِي مُنِيبٍ الْجُرَشِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : ( بُعِثْت بِالسَّيْفِ بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ لِيُعْبَدَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَجُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ رُمْحِي ، وَجُعِلَ الذُّلُّ وَالصَّغَارُ عَلَى مَنْ خَالَفَنِي ، وَمَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ ) .
773 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يقضى لبعض القراء على بعض مما يختلفون فيه في قراءتهم مِنْ لَدُنِّي من التثقيل ، ومن التخفيف . 5782 - حدثنا عبد الملك بن مروان الرقي ، قال : حدثنا الحجاج بن محمد ، عن حمزة الزيات ، عن أبي إسحاق ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، عن أبي بن كعب ، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذكر أحدا فدعا له بدأ بنفسه ، فقال ذات يوم : رحمة الله علينا وعلى موسى لو لبث مع صاحبه لأبصر العجب العجاب ، ولكنه قال : إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي ، مثقلة . 5783 - حدثنا إبراهيم بن أبي داود ، قال : حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير ، قال : حدثنا أبو داود الحفري ، عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة ، عن حمزة الزيات ، عن أبي إسحاق ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، عن أبي بن كعب أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا ، مثقلة . 5784 - وحدثنا ابن أبي داود ، قال : حدثنا نعيم بن حماد ، قال : حدثنا أمية بن خالد ، عن شعبة ، عن أبي إسحاق ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، عن أبي بن كعب ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ : قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا بثقل النون . قال : وهذا مما لا نعلم لمن رواه فيه مخالفا ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه عنه عليه ، فأما اختلاف القراء في ذلك . 5785 - وكما حدثنا ابن أبي عمران ، قال : حدثنا خلف بن هشام ، قال : الأعمش من لدني مشدد حمزة كمثل أبو عمرو كمثل عاصم لدني مكسورة النون ، وبجزم الدال ، ويشمها الضمة ، وبنصب اللام في السورة من لدنه مثلها ، ولنافع من لدني مخففة . وفيما أجازه لنا علي بن عبد العزيز ، عن أبي عبيد القاسم بن سلام في كتابه في القراءات قال : وقوله قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا ، كان نافع وغيره من أهل المدينة يقرؤونها بفتح اللام ، وتخفيف النون مع ضم الدال لدني ، وكذلك قرأها عاصم إلا أنه كان يشم اللام الضمة مع جزم الدال لدني . وأما الأعمش وأبو عمرو وحمزة والكسائي ، فإنهم كانوا يثقلون النون مع فتح اللام ، وضم الدال لدني . قال أبو عبيد : وكذلك القراءة عندنا ، وهي اللغة العالية ، وإنما ثقلت النون ليسلم سكونها وهي من الأصل ساكنة ، كقولهم في من وعن ألا ترى أن النون منهما ساكنة في الأصل ، كقولك : من فلان ، وعنك ، فإذا أضفت إلى نفسك قلت : مني وعني ، فزدت نونا ثانية ليسلم السكون الذي كان فيها ، ولو قلت : مني وعني مخففتين ، لذهب السكون ، وصارت النون إلى الكسر ، فلهذا قالوا : مني وعني بالتشديد كذا لدني . قال أبو جعفر : ومما جاء ذكره في القرآن في نون الجماعة في لدن لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا ، أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا ، وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً . وفي إجماعهم على ما ذكرنا ما قد دل على أن أولى القراءات فيما قد ذكرنا اختلافهم فيه ، ما كان يقرؤه الأعمش وحمزة وأبو عمرو على ما ذكرناه عنهم في ذلك ، لا سيما قد شد ذلك بما قد رويناه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه ، مما يوافق ما قرؤوه عليه ، والله نسأله التوفيق .
40 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ مِنْ قَوْلِهِ عِنْدَ قِسْمَتِهِ بَيْنَ أَزْوَاجِهِ بِالْعَدْلِ عَلَيْهِنَّ : اللَّهُمَّ إنَّ هَذِهِ قِسْمَتِي فِيمَا أَمْلِكُ ، فَلَا تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ وَلَا أَمْلِكُ . 245 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خُزَيْمَةَ ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْخِطْمِيِّ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( كَانَ يَقْسِمُ بَيْنَ نِسَائِهِ ، وَيَقُولُ : اللَّهُمَّ إنَّ هَذِهِ قِسْمَتِي فِيمَا أَمْلِكُ ، فَلَا تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ وَلَا أَمْلِكُ ) . 246 - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ عِمْرَانَ الطَّبَرَانِيُّ بِطَبَرِيَّةَ أَبُو أَيُّوبَ ، وَهُوَ الْمَعْرُوفُ كَانَ بِابْنِ خَلَفٍ ، حَدَّثَنَا عَفَّانَ بْنُ مُسْلِمٍ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْخِطْمِيِّ ، عَنْ عَائِشَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِثْلَهُ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَتَأَمَّلْنَا مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَمَا الْمَعْنَى الَّذِي قَصَدَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ : ( اللَّهُمَّ هَذِهِ قِسْمَتِي فِيمَا أَمْلِكُ ، فَلَا تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ وَلَا أَمْلِكُ ) ، وَهُوَ غَيْرُ مَلُومٍ فِي ذَلِكَ ، إذْ كَانَ ذَلِكَ مِمَّا لَا فِعْلَ لَهُ فِيهِ ، فَكَانَ مَعْنَى ذَلِكَ عِنْدَنَا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ عَلَى الْإِشْفَاقِ وَالرَّحْمَةِ مِنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ اللَّهِ أَنْ يَكُونَ قَدْ عَلِمَ مِنْهُ فِي قِسْمَتِهِ بَيْنَهُنَّ ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَخْرُجْ فِيهَا عَنْ الْعَدْلِ مَيْلًا مِنْ قَلْبِهِ إلَى بَعْضِهِنَّ بِمَا لَمْ يَمِلْ بِمِثْلِهِ إلَى بَقِيَّتِهِنَّ ، وَذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ ، وَمِمَّا الْعِبَادُ فِيهِ سَوَاءٌ ، كَمَا قَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي التَّحْذِيرِ مِنْ مِثْلِ ذَلِكَ . 247 - كَمَا قَدْ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْقَاسِمِ الْكُوفِيُّ أَبُو الْحَسَنِ ، حَدَّثَنَا وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ يَحْيَى ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : ( مَنْ كَانَتْ لَهُ زَوْجَتَانِ فَكَانَ يَمِيلُ مَعَ إحْدَاهُمَا عَنْ الْأُخْرَى جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَحَدُ شِقَّيْهِ مَائِلٌ ، أَوْ قَالَ : سَاقِطٌ ) . وَقَدْ رُوِيَ فِي تَأْوِيلِ قَوْل الله تَعَالَى : وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ أَنَّ ذَلِكَ أُرِيدَ بِهِ مَا يَقَعُ فِي قُلُوبِكُمْ لِبَعْضِهِنَّ دُونَ بَعْضٍ ، وَذَلِكَ مَعْفُوٌّ لَهُمْ عَنْهُ ، إذْ لَا يَسْتَطِيعُونَ دَفْعَهُ عَنْ قُلُوبِهِمْ ، غَيْرَ أَنَّهُ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ مَا يَجْتَلِبُوهُ إلَى قُلُوبِهِمْ . فَكَانَ الَّذِي كَانَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِمَّا أَرَادَهُ مِنْ رَبِّهِ عَلَى الْإِشْفَاقِ ، وَعَلَى الرَّهْبَةِ مِمَّا يَسْبِقُ إلَى قَلْبِهِ ، مِمَّا قَدْ يَسْتَطِيعُ رَدَّهُ عَنْهُ مَعَ قُرْبِهِ مِنْ غَلَبَتِهِ عَلَيْهِ ، وَهَذَا عِنْدَنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مِثْلُ الَّذِي فِي حَدِيثِ حُصَيْنٍ الْخُزَاعِيُّ ، مِمَّا قَدْ عَلَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إيَّاهُ أَنْ يَدْعُوَ بِهِ رَبَّهُ تَعَالَى أَنْ يَغْفِرَ لَهُ مَا أَخْطَأَ وَمَا تَعَمَّدَ ، وَمَا أَخْطَأَهُ فَهُوَ غَيْرُ مَأْخُوذٍ بِهِ ، لَمَّا خَافَ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ تَقَرُّبُهُ مِمَّا تَعَمَّدَهُ ، وَقَدْ رَوَيْنَا هَذَا الْحَدِيثَ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنَّا فِي كِتَابِنَا هَذَا ، وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
732 - باب بيان مشكل حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم : أعف الناس قتلة أهل الإيمان في إسناده ومتنه . 5457 - حدثنا إبراهيم بن أبي داود ، حدثنا عثمان بن أبي شيبة ، حدثنا غندر ، عن شعبة ، عن مغيرة ، عن شباك ، عن إبراهيم ، عن هُنَيّ بن نويرة ، عن علقمة ، عن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : أعف الناس قتلة أهل الإيمان . 5458 - وحدثنا يزيد بن سنان ، حدثنا يحيى بن حماد ، حدثنا أبو عوانة ، عن المغيرة ، عن إبراهيم ، عن هني بن نويرة ، قال : جلست إلى علقمة ، فقال علقمة : سمعت ابن مسعود يقول : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : إن أعف الناس مثلة أهل الإيمان . قال أبو جعفر : فاختلف شعبة وأبو عوانة على مغيرة في إسناد هذا الحديث ، فأدخل شعبة في إسناده شباكا بين مغيرة وبين إبراهيم ، ولم يدخل أبو عوانة بينهما فيه أحدا ، وقد اختلف على هشيم في إسناد هذا الحديث ، عن مغيرة . 5459 - فحدثنا محمد بن علي بن داود ، قال : حدثنا بشر بن آدم ، حدثنا هشيم ، حدثنا مغيرة ، عن شباك ، عن إبراهيم ، عن هني بن نويرة ، عن علقمة ، عن ابن مسعود ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن أعف الناس قتلة أهل الإيمان . وكان في حديث هشيم هذا من حديث بشر بن آدم موافقة شعبة في إسناد هذا الحديث ، عن مغيرة ، وقد خالفه فيه غير واحد من أصحاب هشيم ، فرووه عنه على موافقة أبي عوانة في إسناده ، فمنهم سعيد بن منصور . 5460 - كما قد حدثنا يوسف بن يزيد ، قال : حدثنا سعيد بن منصور ، قال : حدثنا هشيم ، قال : أخبرنا مغيرة ، عن إبراهيم ، عن هني بن نويرة ، عن علقمة ، عن ابن مسعود ، قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : إن أعف الناس قتلة أهل الإيمان . ومنهم : موسى بن داود . 5461 - كما حدثنا فهد بن سليمان ، قال : حدثنا موسى بن داود ، قال : حدثنا هشيم ، عن مغيرة ، عن إبراهيم ، عن هني بن نويرة ، عن علقمة ، عن ابن مسعود ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فذكر مثله . ومنهم : محمد بن الصباح الدولابي . 5462 - كما حدثنا محمد بن أحمد بن جعفر الذهلي الكوفي ، قال : حدثنا محمد بن الصباح الدولابي ، قال : حدثنا هشيم ، قال : حدثنا مغيرة ، عن إبراهيم ، عن هني ، عن علقمة ، عن عبد الله ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم ذكر مثله . ومنهم : عمرو بن عون الواسطي . 5463 - كما قد حدثنا ابن أبي داود ، قال : حدثنا عمرو بن عون الواسطي ، قال : أخبرنا هشيم ، عن مغيرة ، عن إبراهيم ، عن هني بن نويرة ، عن علقمة ، عن عبد الله ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم ذكر مثله . قال أبو جعفر : فسمعت ابن أبي داود يقول : قلت لعمرو بن عون : أسمع هشيم هذا الحديث من مغيرة ؟ فقال : نعم ، قد حدثنا به ، وقال فيه : أخبرنا مغيرة وما سمعت ذكر فيه شباكا قط ، وسمعت ابن أبي داود يقول : كان هشيم ربما ذكر فيه شباكا ، إلا أنه كان إذا قال فيه : أخبرنا مغيرة ، لم يذكر فيه شباكا ، وإذا لم يقل : أخبرنا فيه مغيرة ، ذكر فيه شباكا . قال أبو جعفر : وقد يحتمل أن يكون قد سمعه من مغيرة ، وكان مرة يذكر فيه شباكا ، ومرة لا يذكر فيه ، حتى لا تتضاد الروايات عنه فيه . ثم نظرنا : هل رواه عن إبراهيم غير مغيرة . 5464 - فوجدنا محمد بن علي بن زيد المكي قد حدثنا ، قال : حدثنا إبراهيم بن محمد الشافعي ، حدثنا سفيان ، عن منصور ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن عبد الله ، قال : يقال : أعف الناس مثلة أهل الإيمان ، ولم يذكر فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم . 5465 - ووجدنا فهدا قد حدثنا ، قال : حدثنا علي بن معبد ، حدثنا جرير بن عبد الحميد ، عن منصور ، عن إبراهيم ، قال : كنا مع علقمة في المسجد ، فرأى الناس يعدون نحو باب القصر ، فقال : ما لهم ، فقلت : أو قال إنسان : إن زيادا أو ابن زياد يمثل بابن المكعبر ، قال : كان أحسن الناس قتلة المسلم ، ولم يذكر فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عبد الله ، ولا نعلم أحدا روى هذا الحديث ، عن إبراهيم غير مغيرة ومنصور . ثم رجعنا إلى متن هذا الحديث ، فوجدنا بعض الناس قد طالب فيه بمعنى ، فقال : قد رويتم ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قصة العرنيين الذين كان منهم في لقاحه ما كان من قتلهم الراعي الذي كان فيه واستياقهم إياه ، وبعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم في طلبهم حتى أدركوا ، فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم وتركهم في الحرة حتى ماتوا ، فحديث عبد الله الذي ذكرتموه في هذا الباب ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدفع ما قد رويتموه عنه فيه فيما فعل في العرنيين ، ويخالف أيضا لما قد رويتموه عنه سوى ذلك . 5466 - فذكر ما قد حدثنا المزني ، حدثنا الشافعي ، عن عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي ، عن خالد الحذاء ، عن أبي قلابة ، عن أبي الأشعث ، عن شداد بن أوس ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا قتلتم فأحسنوا القتلة ، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة ، وليحد أحدكم شفرته ، وليرح ذبيحته . وإذا كان ذلك هو الذي يجب أن يمتثل في غير بني آدم ، كان امتثاله فيما حل قتله من بني آدم أولى . فكان من حجتنا عليه في ذلك : أن الذي كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم في العرنيين كان قبل نزول آية المحاربة ، وكان ما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك هو حكم الله عز وجل ، وكان في ذلك الفعل في ذلك الوقت ، كما أن من حكمه عز وجل رجم الزناة المحصنين حتى يقتلوا بذلك ، وإن هربوا اتبعوا حتى يؤتى على أنفسهم ، وفي ذلك ما قد يجوز أن تتسع فيه المدة ، وإذا كان ذلك كذلك في الزناة المحصنين لم يكن منكرا أن يكون قد كانت العقوبة فيما كان من العرنيين ما كان منهم ، وإن طالت فيها المدة حتى يموتوا ، ثم رد الله عز وجل الحكم في أمثالهم إلى ما أنزله في آية المحاربة ، وكان في ذلك ما قد دل على أنه لا يتجاوز ما فيها إلى ما سواه ، ونهى صلى الله عليه وسلم عن المثلة ، وأمر بما في حديث شداد ، أنه لا يخرج عن عقوبات الله عز وجل إلى ما سواها بما هو أكثر منها ، فبان بحمد الله ونعمته : أن لا تضاد في شيء من هذه الآثار ، والله نسأله التوفيق .
41 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ نَهْيِهِ أُمَّتَهُ أَنْ يَقُولُوا : مَا شَاءَ اللَّهُ وَشَاءَ مُحَمَّدٌ ، وَأَمْرِهِ إيَّاهُمْ أَنْ يَقُولُوا مَكَانُ ذَلِكَ : مَا شَاءَ اللَّهُ ، ثُمَّ مَا شَاءَ مُحَمَّدٌ . 248 - حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُد ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ الْوَهْبِيُّ ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ يَعْنِي النَّحْوِيَّ ، عَنْ الْأَجْلَحِ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : ( جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَرَاجَعَهُ فِي بَعْضِ الْكَلَامِ فَقَالَ : مَا شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَشِئْت . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَجَعَلْتَنِي مَعَ اللَّهِ عَدْلًا ، لَا ، بَلْ مَا شَاءَ اللَّهُ وَحْدَهُ ) . 249 - حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ ، حَدَّثَنَا عَفَّانَ بْنُ مُسْلِمٍ ، عَنْ شُعْبَةَ ، قَالَ مَنْصُورُ بْنُ الْمُعْتَمِرِ : أَنْبَأَنِي قَالَ : سَمِعْت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَسَارٍ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا تَقُولُوا : مَا شَاءَ اللَّهُ ، وَشَاءَ فُلَانٌ ، وَلَكِنْ قُولُوا : مَا شَاءَ اللَّهُ ، ثُمَّ شَاءَ فُلَانٌ ) . 250 - حَدَّثَنَا أَبُو أُمَيَّةَ ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ بَحْرٍ الْقَطَّانُ ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ : ( رَأَى رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي النَّوْمِ قَوْمًا مِنْ الْيَهُودِ ، فَأَعْجَبَتْهُ هَيْئَتُهُمْ فَقَالَ : إنَّكُمْ قَوْمٌ لَوْلَا أَنَّكُمْ تَقُولُونَ : عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ ؟ قَالَ : وَأَنْتُمْ قَوْمٌ لَوْلَا أَنَّكُمْ تَقُولُونَ : مَا شَاءَ اللَّهُ ، وَشَاءَ مُحَمَّدٌ ، ثُمَّ إنَّهُ رَأَى قَوْمًا مِنْ النَّصَارَى فَأَعْجَبَتْهُ هَيْئَتُهُمْ فَقَالَ : إنَّكُمْ قَوْمٌ لَوْلَا أَنَّكُمْ تَقُولُونَ : الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ . قَالَ : وَإِنَّكُمْ قَوْمٌ لَوْلَا أَنَّكُمْ تَقُولُونَ : مَا شَاءَ اللَّهُ وَشَاءَ مُحَمَّدٌ . فَلَمَّا أَصْبَحَ قَصَّ ذَلِكَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ : قَدْ كُنْتُ أَسْمَعُهَا مِنْكُمْ فَتُؤْذِينِي . فَلَا تَقُولُوا : مَا شَاءَ اللَّهُ وَشَاءَ مُحَمَّدٌ ، وَلَكِنْ قُولُوا : مَا شَاءَ اللَّهُ ، ثُمَّ شَاءَ مُحَمَّدٌ ) . 251 - حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ أَبَانَ الْبَصْرِيُّ أَبُو شُعَيْبٍ ، حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى وَهُوَ ابْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ الْمَسْعُودِيِّ قَالَ : حَدَّثَنِي مَعْبَدُ بْنُ خَالِدٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ قُتَيْلَةَ بِنْتِ صَيْفِيٍّ الْجُهَنِيَّةِ قَالَتْ : ( أَتَى حَبْرٌ مِنْ الْأَحْبَارِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، نِعْمَ الْقَوْمُ أَنْتُمْ ، لَوْلَا أَنَّكُمْ تُشْرِكُونَ . قَالَ : سُبْحَانَ اللَّهِ ، وَمَا ذَاكَ ؟ قَالَ : تَقُولُونَ : إذَا حَلَفْتُمْ وَالْكَعْبَةِ ، فَأَمْهَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ قَالَ : إنَّهُ يُقَالُ فَمَنْ حَلَفَ مِنْكُمْ فَلْيَحْلِفْ بِرَبِّ الْكَعْبَةِ ، ثُمَّ قَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، نِعْمَ الْقَوْمُ أَنْتُمْ لَوْلَا أَنَّكُمْ تَجْعَلُونَ لِلَّهِ نِدًّا . قَالَ : سُبْحَانَ اللَّهِ ، قَالَ : تَقُولُونَ : مَا شَاءَ اللَّهُ وَشَاءَ فُلَانٌ . فَأَمْهَلَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، ثُمَّ قَالَ : إنَّهُ قَدْ قَالَ مَنْ قَالَ . فَمَنْ قَالَ : مَا شَاءَ اللَّهُ فَلْيَقُلْ مَعَهَا ، ثُمَّ شِئْت ) . 252 - حَدَّثَنَا فَهْدٌ ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ دَاوُد ، حَدَّثَنَا الْمَسْعُودِيُّ ، عَنْ مَعْبَدِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَسَارٍ الْجُهَنِيِّ ، عَنْ قُتَيْلَةَ بِنْتِ صَيْفِيٍّ الْجُهَنِيِّ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَكَانَ فِيمَا رَوَيْنَا فِي هَذَا الْبَابِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( نَهْيَهُ أُمَّتَهُ أَنْ يَقُولُوا : مَا شَاءَ اللَّهُ وَشِئْت ، وَأَمْرُهُ إيَّاهُمْ أَنْ يَقُولُوا مَكَانَ ذَلِكَ : مَا شَاءَ اللَّهُ ، ثُمَّ شِئْت ) . قَالَ قَائِلٌ : فَإِنَّ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى مَا قَدْ دَلَّ عَلَى إبَاحَةِ هَذَا الْمَحْظُورِ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ ، ثُمَّ ذَكَرَ قَوْله تَعَالَى : أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ وَلَمْ يَقُلْ : ثُمَّ لِوَالِدَيْك ، فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ أَنَّ هَذَا مِمَّا كَانَ مُبَاحًا قَبْلَ نَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَنْ مِثْلِهِ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ ، ثُمَّ نَهَى عَمَّا نَهَى عَنْهُ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ ، فَكَانَ ذَلِكَ نَسْخًا لِمَا قَدْ كَانَ مُبَاحًا مِمَّا قَدْ تَلَوْتَهُ قَبْلَ ذَلِكَ ، وَمَذْهَبُنَا أَنَّ السُّنَّةَ قَدْ تَنْسَخُ الْقُرْآنَ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يَنْسَخُ مَا شَاءَ مِنْهُمَا بِمَا شَاءَ مِنْهُمَا ، وَلِأَنَّا قَدْ وَجَدْنَا كِتَابَ اللَّهِ قَدْ دَلَّنَا عَلَى ذَلِكَ ، وَهُوَ قَوْله فِيهِ : وَاللاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ الْآيَةَ ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ : ( خُذُوا عَنِّي قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا : الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ ) . 253 - كَمَا قَدْ حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُد ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ الْحَسَنِ ، عَنْ حِطَّانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ، ( عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : خُذُوا عَنِّي قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا : الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ ، الْبِكْرُ يُجْلَدُ وَيُنْفَى ، وَالثَّيِّبُ يُجْلَدُ وَيُرْجَمُ ) . 254 - وَكَمَا قَدْ حَدَّثَنَا يُونُسُ ، حَدَّثَنَا أَسَدُ بْنُ مُوسَى ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ الْحَسَنِ ، عَنْ حِطَّانَ الرَّقَاشِيُّ ، عَنْ عُبَادَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ مِثْلَهُ . 255 - وَكَمَا قَدْ حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَنْصَارِيُّ ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، أَخْبَرَنَا مَنْصُورٌ ، عَنْ الْحَسَنِ ، حَدَّثَنَا حِطَّانُ ، عَنْ عُبَادَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : ( خُذُوا عَنِّي فَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا : الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ ) . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : أَفَلَا تَرَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ قَالَ فِي كِتَابِهِ فِي اللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مَا قَالَ ، ثُمَّ قَالَ : أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا فَكَانَ حَدُّهُنَّ قَبْلَ أَنْ يَجْعَلَ لَهُنَّ سَبِيلًا مَا ذَكَرَهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ، ثُمَّ جَعَلَ لَهُنَّ سَبِيلًا فِيهَا حَدًّا يُخَالِفُ ذَلِكَ الْحَدَّ الْمَذْكُورَ فِي تِلْكَ الْآيَةِ ، فَدَلَّ ذَلِكَ أَنَّ السُّنَّةَ قَدْ تَنْسَخُ الْقُرْآنَ كَمَا يَنْسَخُ الْقُرْآنُ الْقُرْآنَ ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ .
774 - باب بيان مشكل ما روي عن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - من قوله لأبي برزة : لما استأذنه في قتل الرجل الذي استأذنه في قتله ، إنها لم تكن لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفي ذلك الشيء ما هو ؟ . 5786 - حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، قال : حدثنا عفان بن مسلم ، قال : حدثنا يزيد بن زريع ، قال : حدثنا يونس بن عبيد ، عن حميد بن هلال ، عن عبد الله بن مطرف بن الشخير أنه حدثهم ، عن أبي برزة الأسلمي ، قال : كنا عند أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - في عمله ، فغضب على رجل من المسلمين فاشتد غضبه عليه جدا ، قال : فلما رأيت ذلك ، قلت : يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أضرب عنقه ؟ فلما ذكرت القتل صرف عن ذلك الحديث أجمع ، فلما تفرقنا أرسل إلي بعد ذلك ، فقال : يا أبا برزة ما قلت ؟ ونسيت الذي قلت ، قلت : ذكرنيه ، قال : أما تذكر يوم قلت كذا وكذا ، أكنت فاعلا ذلك ؟ قلت : نعم ، والله لو أمرتني فعلت ، فقال : ويحك ، إن تلك والله ما هي لأحد بعد محمد صلى الله عليه وسلم . 5787 - حدثنا أحمد بن داود بن موسى ، قال : حدثنا محمد بن المنهال الضرير ، قال : حدثنا يزيد بن زريع ، قال : حدثنا يونس بن عبيد ، عن حميد بن هلال ، عن عبد الله بن مطرف ، عن أبي برزة الأسلمي ، قال : كنت ذات يوم عند أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - فاشتد غضبه على رجل من المسلمين ، فقلت : يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أضرب عنقه ، قال : فتركني لا يكلمني ، ثم لقيته بعد أيام فذكر ما قلت ، قال : قلت ما قلت ، قال : تذكر يوم كنت عندي فاشتد غضبي على رجل من المسلمين ، فقلت : يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أضرب عنقه ، قلت : الآن إن أمرتني فعلت ، قال أبو بكر : ليست تلك لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال أبو جعفر : ففي هذا الحديث من قول أبي بكر لأبي برزة ما فيه مما قد ذكرناه فيه ، فاحتمل أن يكون أراد أعني أبا بكر - رضي الله عنه - بقوله : إنها لم تكن لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقتل أحدا لغضبه عليه ، واحتمل أن يكون لا يقتل أحد إلا بأمر من يأمر بقتله حتى يعلم المأمور استحقاقه لذلك ، ويكون من بعد النبي صلى الله عليه وسلم غير مطاع في ذلك ، كما كان يطاع هو صلى الله عليه وسلم فيه ؛ لأنه المأمون على أفعاله وعلى أقواله ، ولأن أقواله وأفعاله إنما هي مردودة إلى الله - عز وجل - واجب التصديق بها وإجراء الأمور عليها وغيره في ذلك بخلافه ، ثم وجدنا هذا الحديث قد روي بألفاظ أخر . 5788 - كما حدثنا يزيد بن سنان ، قال : حدثنا أبو داود الطيالسي ، قال : حدثنا شعبة ، عن عمرو بن مرة ، قال : سمعت أبا سوار يحدث ، عن أبي برزة ، قال : أتيت على أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - وقد أغلظ على رجل ، فرد عليه الرجل ، فقلت : ألا أضرب عنقه ، فانتهرني ، وقال : إنها ليست لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم . غير أنا وجدنا هذا الحديث قد اختلف علينا في من بين عمرو بن مرة ، وبين أبي برزة في إسناده ، فقال فيه شعبة : عن عمرو ، سمعت أبا سوار يحدث ، عن أبي برزة ، وقال الأعمش : عن عمرو بن مرة ، عن سالم بن أبي الجعد ، عن أبي برزة . 5789 - كما قد حدثنا فهد بن سليمان ، قال : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، قال : حدثنا معاوية ، عن الأعمش ، عن عمرو بن مرة ، عن سالم بن أبي الجعد ، عن أبي برزة ، قال : تغيظ أبو بكر على رجل فقلت : من هو يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : لم ؟ قلت : لأضرب عنقه إن أمرتني بذلك ، قال : وكنت فاعلا ؟ قلت : نعم ، قال : فوالله لأذهب عظم كلمتي التي قلت غضبه ، ثم قال : ما كانت لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم . ثم وجدنا رواته ، عن الأعمش ، عن عمرو يختلفون فيه أيضا ، فيقول فيه أبو معاوية : عن سالم بن أبي الجعد ، ويقول فيه حفص بن غياث : عن أبي البختري ، 5790 - كما حدثنا فهد بن سليمان ، قال : حدثنا عمر بن حفص بن غياث النخعي ، قال : حدثنا أبي ، قال : حدثنا الأعمش ، قال : حدثنا عمرو بن مرة ، عن أبي البختري ، عن أبي برزة ، قال : رأيت أبا بكر - رضي الله عنه - ثم ذكر مثله . ووافق حفصا على ما رواه عليه عبد الواحد بن زياد . 5791 - حدثنا أحمد بن داود ، قال : حدثنا إبراهيم بن الحجاج ، قال : حدثنا عبد الواحد بن زياد ، قال : حدثنا سليمان الأعمش ، عن عمرو بن مرة ، عن أبي البختري ، قال : حدثني أبو برزة الأسلمي ، قال : انتهيت إلى أبي بكر ، ثم ذكر مثله . ووجدنا هذا الحديث أيضا من رواية زيد بن أبي أنيسة ، عن عمرو بن مرة بموافقة شعبة إياه عليه . 5792 - كما حدثنا فهد بن سليمان ، قال : حدثنا علي بن معبد ، قال : حدثنا عبيد الله بن عمرو ، عن زيد ، يعني : ابن أبي أنيسة ، عن عمرو بن مرة ، عن أبي سوار ، عن أبي برزة الأسلمي ، قال : غضب أبو بكر - رضي الله عنه - على رجل ، لم نر أشد غضبا منه يومئذ ، فقال له أبو برزة : يا خليفة رسول الله ، مرني فأضرب عنقه ، قال : فكأنها نار أطفئت ، قال : ثم خرج أبو برزة ، ثم أرسل إليه أبو بكر ، فقال : ثكلتك أمك ، ما قلت ؟ قال : قلت : والله إن أمرتني بقتله لأقتلنه ، قال : ثكلتك أمك أبا برزة ، إنها لم تكن لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال أبو جعفر : فاحتمل أن يكون الذي كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك هو : قتل من كانت سبيله السبيل المذكورة في هذه الآثار ، وأن ذلك ليس لأحد بعده . ثم وجدنا هذا الحديث أيضا قد جاء بألفاظ أخر ، بمعان سوى معاني ما ذكرناه فيما قبله منها . 5793 - كما حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، قال : حدثنا عثمان بن عمر بن فارس ، قال : حدثنا شعبة ، عن توبة العنبري ، عن أبي سوار ، عن أبي برزة : أن رجلا سب أبا بكر - رضي الله عنه - فقلت : ألا أضرب عنقه يا خليفة رسول الله ؟ فقال : لا ، ليست هذه لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم . فكان في هذا الحديث سب ذلك الرجل أبا بكر ، وقول أبي بكر لأبي برزة حين استأذنه في قتله إياه لذلك : ليست هذه لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان ذلك المعنى مخالفا للمعاني المذكورة فيما رويناه قبله من هذه الآثار ، وكان معقولا : أن من سب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان كافرا حلال الدم ، وليس من سب غيره كذلك ، فاضطرب علينا معنى ما أريد به في حديث أبي برزة هذا من خصوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم ما خص به دون الناس الذي يتولون الأمور بعده . ثم وجدنا أهل العلم قد اختلفوا في هذا وأمثاله مما يأمر به الولاة غيرهم من الناس ، هل يسع المأمورين امتثال ذلك ، أو لا يسعهم ، فكان بعضهم يقول : ذلك واسع للمأمورين أن يفعلوه بأمور حكامهم ، وبأمور من سواهم ممن ولاية ذلك لهم ، ومن القائلين بذلك : أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد . 5794 - كما حدثنا محمد بن العباس ، عن علي بن معبد ، عن محمد بن الحسن ، عن يعقوب ، عن أبي حنيفة بغير خلاف ذكره عنهم فيه ، غير أن محمد بن الحسن قد كان قال بعد ذلك في نوادره التي حكاها عنه محمد بن سماعة ، وأخذناها نحن من ابن أبي عمران مذاكرة لنا بها عنه أنه قال : لا يسع المأمور أن يفعل ذلك حتى يكون الذي يأمره به عنده عدلا ، وحتى يشهد عنده بذلك عدل سواه على المأمور فيه بذلك في غير الزنى ، ولا يسعه في الزنى ذلك حتى يشهد عنده ثلاثة رجال على المأمور فيه بذلك ، بوجوب ذلك عليه على ما أمره به فيه بالذي أمره به فيه ، ولا نعلم لأهل العلم في هذا الباب قولا غير هذين القولين . وكان الذي ذكرناه ، عن أهل القول الأول منها ، إنما أرادوا به العدل من الأمرين لا من سواهم ؛ لأن من خرج عن العدل الذي به استحق الولاية على ما يتولى إلى ضده ذاك عن الولاية على ذلك ، وانعزل عنها ، فلم يكن واليا عليها ، وكان القول الثاني من هذين القولين في القياس لا معنى له ؛ لأنه ليس للمأمور بما ذكرنا استماع شهادة من شاهد بها ، إذ ليس هو حاكما فيسمع ذلك بما إليه من استماع ما يستعمله في أحكامه ، فبان بذلك فساد هذا القول ، وثبت القول الأول ، إذ لم يكن في هذا الباب غير هذين القولين ، فلما انتفى أحدهما ثبت الآخر . ثم نظرنا : هل روي في هذا الباب شيء سوى حديث أبي برزة الذي ذكرناه أم لا ؟ . 5795 - فوجدنا محمد بن علي بن داود ، قد حدثنا ، قال : حدثنا عفان بن مسلم ، قال : حدثنا حماد بن سلمة ، قال : أخبرنا محمد بن عمرو ، عن عمر بن الحكم ، عن أبي سعيد الخدري : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل علقمة بن مجزز المدلجي على جيش ، فبعث سرية ، واستعمل عليهم عبد الله بن حذافة السهمي ، فكان رجلا فيه دعابة ، وبين أيديهم نار قد أججت ، فقال لأصحابه : أليس طاعتي عليكم واجبة ؟ قالوا : بلى ، قال : فاقتحموا هذه النار ، فقام رجل ، فاحتجز حتى يدخلها فضحك ، وقال : إنما كنت ألعب ، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فضحك ، وقال : أوقد فعلوا هذا ، فلا تطيعوهم في معصية الله - عز وجل . 5796 - ووجدنا يوسف بن يزيد قد حدثنا ، قال : حدثنا حجاج بن إبراهيم ، قال : حدثنا إسماعيل بن جعفر ، عن محمد بن عمرو ، ثم ذكر بإسناده مثله ، غير أنه قال : علقمة بن محزز بالحاء . قال أبو جعفر : فكان معقولا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ولى عبد الله بن حذافة على ما ولاه عليه ، كان ذلك ليطيعوه فيما يأمرهم به مما إليه أن يأمرهم به ، ولذلك أراد من أراد منهم أن يلقي نفسه في النار لما أمرهم بذلك ، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : فلا تطيعوهم في معصية الله . فأخرج بذلك أمرهم إياهم بمعصية الله مما كان جعله عليهم من طاعتهم من ولاه عليهم ، وفي ذلك ما قد دل على القول الأول من القولين اللذين ذكرناهما في هذا الباب ، وبان بذلك : أن معنى قول أبي بكر - رضي الله عنه - أنها لم تكن لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أراد بذلك : أنه لم يكن لأحد أن يأمر بقتل أحد لسب سبه من سواه مما ينطلق به له مثل ذلك فيمن سب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن سواه في ذلك ؛ لأن من سب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان كافرا واجبا على أمته قتله ، أمروا بذلك أو لم يؤمروا بذلك ، ومن سب من سواه من ولاة الأمور بعده ، فالذي يستحقه على ذلك الأدب عليه أدب مثله ، فأما ما سوى ذلك مما يوجبه عليه خروجه عن الإسلام إلى الكفر فلا ، والله نسأله التوفيق .
42 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا قَرَأَهُ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ قَوْله تَعَالَى : وَالْأَرْحَامَ فِي أَوَّلِ سُورَةِ النِّسَاءِ هَلْ كَانَ بِالنَّصْبِ أَوْ الْجَرِّ ؟ . 256 - حَدَّثَنَا بَكَّارَ ، حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، حَدَّثَنِي عَوْنُ بْنُ أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ : سَمِعْت مُنْذِرَ بْنَ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : ( كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي صَدْرِ النَّهَارِ فَجَاءَهُ قَوْمٌ حُفَاةٌ عُرَاةٌ ، مُجْتَابِي النِّمَارِ ، مُتَقَلِّدِي السُّيُوفِ ، وَعَامَّتُهُمْ مِنْ مُضَرَ ، بَلْ كُلُّهُمْ مِنْ مُضَرَ ، قَالَ : فَرَأَيْت وَجْهَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَتَغَيَّرُ لِمَا رَأَى بِهِمْ مِنْ الْفَاقَةِ ، ثُمَّ دَخَلَ بَيْتَهُ ، ثُمَّ خَرَجَ فَأَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ وَأَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ ، ثُمَّ قَالَ أَوْ خَطَبَ : يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ إلَى آخِرِ الْآيَةِ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ، تَصَدَّقَ رَجُلٌ مِنْ دِينَارِهِ ، مِنْ دِرْهَمِهِ ، مِنْ ثَوْبِهِ ، مِنْ صَاعِ بُرِّهِ ، مِنْ صَاعِ تَمْرِهِ ، حَتَّى قَالَ : مِنْ شِقِّ التَّمْرَةِ . قَالَ : فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ بِصُرَّةٍ قَدْ كَادَتْ كَفُّهُ تَعْجِزُ عَنْهَا ، بَلْ قَدْ عَجَزَتْ عَنْهَا ، ثُمَّ تَتَابَعَ النَّاسُ حَتَّى رَأَيْت كَوْمَيْنِ مِنْ طَعَامٍ وَثِيَابٍ ، وَرَأَيْت وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَهَلَّلُ كَأَنَّهُ مُدهنهٌ ، ثُمَّ قَالَ : مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً ، كَانَ لَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ لَا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ ، وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً ، كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهُ وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ لَا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ ) . 257 - حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُد ، حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ بَكَّارٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ ، حَدَّثَنَا رَقَبَةُ بْنُ مَصْقَلَةَ الْعَبْدِيُّ ، عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ ، عَنْ الْمُنْذِرِ بْنِ جَرِيرِ ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : كُنْت جَالِسًا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ ، إلَّا أَنَّهُ قَالَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ : ( لِبِلَالٍ عَجِّلْ الصَّلَاةَ ) . 258 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ ، حَدَّثَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ الْوَاسِطِيُّ ، حَدَّثَنَا الْمَسْعُودِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنْ ابْنِ جَرِيرٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : ( قَدِمَ نَاسٌ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مُضَرَ ، مُتَقَلِّدِي السُّيُوفِ ، مُجْتَابِي النِّمَارِ - قَالَ الْمَسْعُودِيُّ : النِّمَارُ الصُّوفُ - بِهِمْ ضُرٌّ شَدِيدٌ ، وَحَاجَةٌ شَدِيدَةٌ ، فَقَامَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَحَمِدَ اللَّهَ ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ : وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا تَصَدَّقُوا قَبْلَ أَنْ لَا تَصَدَّقُوا ، لِيَتَصَدَّقْ الرَّجُلُ مِنْ دِينَارِهِ ، وَلْيَتَصَدَّقْ الرَّجُلُ مِنْ دِرْهَمِهِ ، وَلْيَتَصَدَّقْ الرَّجُلُ مِنْ بُرِّهِ ، وَلْيَتَصَدَّقْ الرَّجُلُ مِنْ شَعِيرِهِ ، وَلْيَتَصَدَّقْ الرَّجُلُ مِنْ تَمْرِهِ . قَالَ : فَجَاءَ رَجُلٌ بِصَدَقَةٍ لَهَا مِزٌّ ، فَوَضَعَهَا فِي يَدِهِ ، فَسَرَّهُ ذَلِكَ وَأَعْجَبَهُ ، ثُمَّ تَسَارَعَ النَّاسُ بَعْدُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ ، كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ ، وَمَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ كَانَ عَلَيْهِ مِثْلُ وِزْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ ) . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَكَانَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَاتِ قِرَاءَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى النَّاسِ : وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا عِنْدَ حَضِّهِ إيَّاهُمْ عَلَى صِلَةِ أَرْحَامِهِمْ ، لِمَا رَأَى مِنْ أَهْلِهَا مِنْ الْجَهْدِ وَالضُّرِّ وَالْحَاجَةِ ، فَكَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا أَنَّهُ قَرَأَهَا بِالنَّصْبِ بِمَعْنَى اتَّقُوا الْأَرْحَامَ أَنْ تَقْطَعُوهَا ، وَكَانَ مَا حَمَلَهَا عَلَيْهِ مَنْ قَرَأَهَا بِالْجَرِّ عَلَى تَسَاؤُلِهِمْ كَانَ بَيْنَهُمْ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَالْأَرْحَامِ ، وَلَمْ تَكُنْ تِلَاوَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إيَّاهَا عَلَى مَنْ تَلَاهَا عَلَيْهِ عَلَى التَّسَاؤُلِ ، وَإِنَّمَا كَانَ عَلَى الْحَضِّ عَلَى التَّوَاصُلِ وَتَرْكِ قَطِيعَةِ الْأَرْحَامِ ، وَفِي ذَلِكَ مَا قَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ قَرَأَهَا بِالنَّصْبِ لَا بِالْجَرِّ ، 259 - وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهَا كَذَلِكَ . كَمَا حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عُثْمَانَ ، حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ عَدِيٍّ الْكُوفِيُّ ، حَدَّثَنَا عَثَّامُ بْنُ عَلِيٍّ ، عَنْ الْأَعْمَشِ قَالَ : سَمِعْت مُجَاهِدًا يَقُولُ : كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقْرَأُ هَذِهِ الْآيَةَ : الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ مَنْصُوبَةً ، يَقُولُ اتَّقُوا اللَّهَ وَالْأَرْحَامَ 260 - وَقَدْ قَرَأَهَا كَذَلِكَ أَكْثَرُ الْقُرَّاءِ . كَمَا قَدْ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عِمْرَانَ أَحْمَدُ أَبُو جَعْفَرٍ ، حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ قَالَ : قَرَأَ عَاصِمٌ : وَالْأَرْحَامَ نَصَبَ ، وَنَافِعٌ كَمِثْل ، وَأَبُو عَمْرٍو كَمِثْل . 261 - وَكَمَا حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ، حَدَّثَنَا خَلَفٌ عَنْ الْخَفَّافِ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ الْحَسَنِ : وَالْأَرْحَامَ بِالنَّصْبِ يَقُولُ : وَالْأَرْحَامَ لَا تَقْطَعُوهَا . وَكَذَلِكَ قَالَ الْكَلْبِيُّ ، قَالَ خَلَفٌ : وَهِيَ الْقِرَاءَةُ . وَسَمِعْتُ ابْنَ أَبِي عِمْرَانَ يَقُولُ : سَمِعْت خَلَفًا يَقُولُ : أُخِذَتْ قِرَاءَةُ عَاصِمٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ آدَمَ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ عَنْهُ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَخَذْنَا نَحْنُ بَعْدَ ذَلِكَ قِرَاءَةَ عَاصِمٍ سَمَاعًا ، مِنْ رَوْحِ بْنِ الْفَرَجِ ، حَدَّثَنَا بِهَا حَرْفًا حَرْفًا ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سُلَيْمَانَ الْجُعْفِيِّ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ نَفْسِهِ ، عَنْ عَاصِمٍ .
731 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله : من دعي إلى حكم الرسول ليقضي بينه وبين خصمه ، فلم يجئ فلا حق له . 5456 - حدثنا إبراهيم بن أبي داود ، حدثنا مروان بن جعفر بن سعد بن سمرة بن جندب ، قال : حدثني محمد بن إبراهيم بن خبيب بن سليمان بن سمرة بن جندب ، عن جعفر بن سعد بن سمرة بن جندب ، عن خبيب بن سليمان ، عن أبيه ، عن سمرة بن جندب ، بسم الله الرحمن الرحيم ، من سمرة بن جندب إلى بنيه ، أما بعد : فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول : إذا خاصم الرجل الآخر فدعا أحدهما صاحبه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ليقضي بينهما ، فأبى أن يجيء ، فلا حق له . فتأملنا هذا الحديث ، وكان أحسن ما حضرنا فيه ، ما كان بكار بن قتيبة يحكيه لنا ، عن هلال بن يحيى أن معناه : أن من حق الرجل إذا ادعى عليه الرجل عند الحاكم دعوى بغير محضر من ادعاها عليه أن يبعث إلى المدعى عليه ، حتى يسمع دعوى المدعي عليه ، وحتى يسمع الحاكم منه ما كان يكون منه من إقرار بها ، أو من جحود لها ، ثم يفعل الحاكم في ذلك ما يفعله فيه ، فإن دعي لذلك فلم يجب ، ذهب ذلك الحق منه ، ووجب للحاكم أن يقيم له وكيلا ، فيكون ذلك الوكيل كهو لو أقامه ذلك المقام ، ثم يسمع من بينة للمدعي إن أقامها عنده بما ادعى ، ويقضي بها إن ثبت عدلها عنده كما يقضي بها عليه لو كان حاضرا غير أنه يجعله على حجته إن كانت عنده في ذلك ، أو على مخرج ، إن كان عنده فيه . وهذه مسألة من الفقه ، مما قد اختلف أهل العلم فيها ، فمنهم من ذهب فيها هذا المذهب ، وهم أبو يوسف وكثير من البصريين ، ومنهم من لا يسمع من بينة عليه في ذلك ، ولا يقيم له فيه وكيلا حتى يحضر المدعى عليه فيكون منه في ذلك ما يكون من إقرار به ، أو من جحود له ، وممن قال بذلك منهم : أبو حنيفة ومحمد . ومنهم من يسمع من البينة عليه في كل شيء سوى العقار ، ولا يسمعها عليه في العقار حتى يحضر ، وممن قال ذلك منهم : مالك بن أنس . ومنهم من يسمع البينة عليه في ذلك كله ، ويقضي بها عليه ، ويجعله على حجة إن كانت في ذلك ، منهم : الشافعي ، ولما اختلفوا في ذلك تأملنا ما اختلفوا فيه منه ، فوجدناهم لا يختلفون أنه لو كان حاضرا مع خصمه عند الحاكم ، فامتنع من الجواب عن الدعوى التي ادعاها عليه خصمه عند الحاكم ، أن الحاكم لا يخلي بينه وبين ذلك ، ويأخذه بالجواب عما ادعى عليه خصمه ، وأنه لا يسمع من بينة عليه ، وإن أحضرها خصمه تشهد له على دعواه عليه حتى يكون منه الجواب الذي يحتاج من بعده إلى بينة على ما ادعى عليه ، وإذا كان ذلك كذلك في حضوره وجب أن يكون كذلك في مغيبه ، والله الموفق .
43 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ قَوْلِهِ : إذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلَّا مِنْ : صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ ، وَعِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ ، وَوَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ . 262 - حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَزِيدَ قَالَ : حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ ، عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( إذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ : إلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ ، وَعِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ ، وَوَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ ) . 263 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ غُلَيْبِ بْنِ سَعِيدٍ الْأَزْدِيُّ أَبُو عَلِيٍّ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَيْطَارِيُّ ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ ، عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَسَأَلَ سَائِلٌ فَقَالَ : هَلْ يُخَالِفُ هَذَا مَا قَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا قَدْ ذَكَرْتُهُ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا الْبَابِ ، فِيمَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً ، وَعَمِلَ بِهَا مَنْ بَعْدَهُ ، وَفِيمَا قَدْ ذَكَرْتُهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ يَعْنِي : 264 - مَا قَدْ حَدَّثَنَا يُونُسُ ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَاصِمٍ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، عَنْ جَرِيرٍ : أَنَّ ( قَوْمًا أَتَوْا النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ الْأَعْرَابِ مُجْتَابِي النِّمَارِ ، فَحَثَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الصَّدَقَةِ ، وَكَأَنَّهُمْ أَبْطَئُوا بِهَا ، حَتَّى رَأَوْا ذَلِكَ فِي وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ بِقِطْعَةِ تِبْرٍ ، فَأَلْقَاهَا فَتَتَابَعَ النَّاسُ حَتَّى عُرِفَ ذَلِكَ فِي وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَعَمِلَ بِهَا مَنْ بَعْدَهُ ، كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْقُطَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ ، وَمَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَمِلَ بِهَا مَنْ بَعْدَهُ ، كَانَ عَلَيْهِ مِثْلُ وِزْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ ) . 265 - وَمَا قَدْ حَدَّثَنَا أَبُو أُمَيَّةَ ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ يَعْنِي النَّحْوِيَّ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ صُبَيْحٍ ، وَمُوسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هِلَالٍ الْعَبْسِيِّ ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : ( أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْمٌ مِنْ الْأَعْرَابِ ، فَأَبْصَرَ عَلَيْهَا الْخَصَاصَةَ وَالْجَهْدَ ، فَخَطَبَ النَّاسَ فَحَمِدَ اللَّهَ ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، ثُمَّ أَمَرَهُمْ بِالصَّدَقَةِ ، وَحَضَّهُمْ عَلَيْهَا ، وَرَغَّبَهُمْ فِيهَا ، فَأَبْطَئُوا حَتَّى رُئِيَ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ بِقَبْضَةٍ مِنْ وَرِقٍ فَأَعْطَاهَا إيَّاهُ ، ثُمَّ جَاءَ آخَرُ ، ثُمَّ تَتَابَعَ النَّاسُ بِالصَّدَقَةِ ، حَتَّى رُئِيَ السُّرُورُ فِي وَجْهِهِ ، فَقَالَ : مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً ) ثُمَّ ذَكَرَ بَقِيَّةَ الْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ قَبْلَهُ . 266 - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي دَاوُد ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعَلَّافُ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَوَاءٍ ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ جَرِيرٍ الْبَجَلِيِّ : أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ فِي نَاحِيَةِ مَسْجِدِ الْكُوفَةِ أَنَّ ( رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ قَامَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِصُرَّةٍ مِنْ ذَهَبٍ تَمْلَأُ مَا بَيْنَ الْأَصَابِعِ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَذِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، ثُمَّ قَامَ أَبُو بَكْرٍ فَأَعْطَى ، ثُمَّ قَامَ عُمَرُ فَأَعْطَى ، ثُمَّ قَامَ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ فَأَعْطَوْا ، فَأَشْرَقَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى رَأَيْنَا الْفَرَحَ فِي وَجْهِهِ ، فَقَالَ عِنْدَ ذَلِكَ : مَنْ سَنَّ سُنَّةً ) ، ثُمَّ ذَكَرَ بَقِيَّةَ الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ ( مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً كَانَ لَهُ أَجْرُهَا ، وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ ، وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا ، وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ ) . وَرَوَى حُذَيْفَةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي ذَلِكَ مِمَّا يَدْخُلُ فِي هَذَا الْمَعْنَى : 267 - مَا قَدْ حَدَّثَنَا بَكَّارَ ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ ، عَنْ مُحَمَّدٍ يَعْنِي : ابْنَ سِيرِينَ ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ حُذَيْفَةَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : ( قَامَ قَائِلٌ فَسَأَلَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَمْسَكَ الْقَوْمُ ، ثُمَّ إنَّ رَجُلًا مِنْ الْقَوْمِ أَعْطَى ، وَأَعْطَى الْقَوْمُ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : مَنْ سَنَّ خَيْرًا فَاسْتُنَّ بِهِ فَلَهُ أَجْرُهُ ، وَمِنْ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ غَيْرَ مُنْتَقِصٍ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا ، وَمَنْ سَنَّ سُوءًا فَاسْتُنَّ بِهِ فَعَلَيْهِ وِزْرُهُ ، وَمِنْ أَوْزَارِ مَنْ اتَّبَعَهُ غَيْرَ مُنْتَقِصٍ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئًا ) . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذَا أَشْبَهُ الْمَعْنَيَيْنِ عِنْدَنَا بِالْحَقِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ؛ لِأَنَّ الْمُقْتَدِيَ بِمَنْ تَقَدَّمَهُ مَعَهُ الْعَمَلُ ، وَمَنْ تَقَدَّمَهُ فَعَمَلُهُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ قَدْ انْقَطَعَ ، فَمَعْقُولٌ عِنْدَنَا أَنَّ مَعَ الْمُقْتَدِي فِي ذَلِكَ أَكْثَرَ مِمَّا مَعَ الْمُبْتَدِي ، وَكَذَلِكَ يَكُونُ أَجْرُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي ذَلِكَ . فَكَانَ جَوَابُنَا فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ وَعَوْنِهِ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي قَدْ ذَكَرْنَاهُ ؛ لِأَنَّ الَّذِي فِي هَذِهِ الرِّوَايَاتِ ذِكْرُ السُّنَّةِ الْمُسْتَنَّةِ ، فَهِيَ مِنْ الْعِلْمِ الَّذِي يُنْتَفَعُ بِهِ . وَسَأَلَ سَائِلٌ فَقَالَ : هَلْ يُخَالِفُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي قَدْ ذَكَرْتَهُ مَا قَدْ رَوَى فَضَالَةُ بْنُ عُبَيْدٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَذَكَرَ : 268 - مَا حَدَّثَنَا يُونُسُ ، وَعِيسَى الْغَافِقِيُّ ، قَالَا : حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : وَأَخْبَرَنِي أَبُو هَانِئٍ الْخَوْلَانِيُّ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَالِكٍ الْجَنْبِيِّ : أَنَّهُ سَمِعَ فَضَالَةَ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( مَنْ مَاتَ عَلَى مَرْتَبَةٍ مِنْ هَذِهِ الرَّوَاتِبِ ، بُعِثَ عَلَيْهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) . 269 - وَمَا قَدْ حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ إدْرِيسَ بْنِ الْحَجَّاجِ بْنِ هَارُونَ الْأَزْدِيُّ أَبُو الْقَاسِمِ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ ، حَدَّثَنَا حَيْوَةُ ، وَابْنُ لَهِيعَةَ قَالَا : حَدَّثَنَا أَبُو هَانِئٍ : أَنَّ أَبَا عَلِيٍّ الْجَنْبِيَّ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ فَضَالَةَ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ . 270 - حَدَّثَنَا الْمُزَنِيّ ، حَدَّثَنَا الشَّافِعِيُّ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي حُرَّةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِثْلَهُ ، وَزَادَ : ( وَلَا تُقَرِّبُوهُ طِيبًا ) . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَذَكَرَ هَذَا السَّائِلُ مَعَ ذَلِكَ . 271 - مَا قَدْ حَدَّثَنَا أَبُو أُمَيَّةَ ، حَدَّثَنَا النَّبِيلُ أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ : ( يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ . قِيلَ لَهُ : عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ ؟ قَالَ : نَعَمْ ) . فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ أَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي شَيْءٍ ؛ لِأَنَّ هَذَا فِيمَا كَانَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ مِنْ أَعْمَالِ الْخَيْرِ حَتَّى قَطَعَهُ مَوْتُهُ عَنْهُ ، فَبَقِيَ بَعْدَ مَوْتِهِ عَلَى نِيَّتِهِ الَّتِي مَاتَ عَلَيْهَا ، وَكُتِبَ لَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ مِنْ الثَّوَابِ مَا كَانَ يُكْتَبُ لَهُ لَوْ لَمْ يَمُتْ ، وَمِثْلُ ذَلِكَ مَا قَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي الْمُحْرِمِ يَمُوتُ فِي إحْرَامِهِ . 272 - كَمَا قَدْ حَدَّثَنَا يُونُسُ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ : سَمِعَ عَمْرَو بْنَ دِينَارٍ ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ بِخَبَرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ سَمِعَهُ يَقُولُ : ( كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي سَفَرٍ ، فَخَرَّ رَجُلٌ عَنْ بَعِيرِهِ فَوُقِصَ فَمَاتَ ، وَهُوَ مُحْرِمٌ فَقَالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ : اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ ، وَادْفِنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ ، فَإِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُهِلُّ ) . 273 - قَالَ لَنَا يُونُسُ : قَالَ لَنَا سُفْيَانُ : وَزَادَ فِيهِ إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي حُرَّةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ يَرْفَعُهُ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَلَا تُقَرِّبُوهُ طِيبًا ) . 274 - وَكَمَا قَدْ حَدَّثَنَا الْمُزَنِيّ ، حَدَّثَنَا الشَّافِعِيُّ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( أَنَّ رَجُلًا خَرَّ مِنْ بَعِيرِهِ فَوُقِصَ فَمَاتَ ، فَقَالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ : اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ ؛ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُهِلُّ ، أَوْ يُلَبِّي ) . وَمِثْلَهُ مَا قَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي الشَّهِيدِ . 275 - كَمَا قَدْ حَدَّثَنَا يُونُسُ ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ : أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ حَدَّثَهُ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ الزُّهْرِيِّ ، ( وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَدْ مَسَحَ وَجْهَهُ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِقَتْلَى أُحُدٍ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَوَجَدُوهُمْ قَدْ مُثِّلَ بِهِمْ . فَقَالَ : زَمِّلُوهُمْ بِجِرَاحِهِمْ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ كَلْمٍ كُلِمَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إلَّا يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَوْنُهُ لَوْنُ دَمٍ ، وَرِيحُهُ رِيحُ مِسْكٍ ) . فَهَذَا أَعْنِي حَدِيثَ فَضَالَةَ ، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ ، فِيهَا ذِكْرُ أَحْوَالِ مَنْ كَانَ عَمِلَ فِي طَاعَاتِ اللَّهِ تَعَالَى ، حَتَّى قَطَعَهُ عَنْهُ مَوْتُهُ ، وَذِكْرُ أَحْوَالِهِ الَّتِي يُبْعَثُ عَلَيْهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ . وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَفِيهِ ذِكْرُ أَعْمَالٍ مُسْتَأْنَفَاتٍ بَعْدَ مَوْتِ ذَوِي الْعِلْمِ الَّذِي يُنْتَفَعُ بِهِ ، يَجْرِي عَلَيْهِمْ ثَوَابُهَا بَعْدَ مَوْتِهِمْ مُنْضَافًا إلَى مَا كَانَ مِنْهُمْ فِي ذَلِكَ فِي حَيَاتِهِمْ .
775 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله : من قتل عمدا فقود يده . 5797 - حدثنا إبراهيم بن أبي داود ، قال : حدثنا سعيد بن سليمان الواسطي ، عن سليمان بن كثير ، قال : حدثنا عمرو بن دينار ، عن طاوس ، عن ابن عباس ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من قتل في عميا ورميا يكون بينهم بحجر أو بسوط أو بعصا ، فعقله عقل خطأ ، ومن قتل عمدا فقود يده ، ومن حال بينه وبينه ، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا . قال أبو جعفر : فطعن طاعن في هذا الحديث ، فقال : قد روى هذا الحديث ، عن عمرو من هو أثبت من سليمان بن كثير ، وهو سفيان بن عيينة ، فذكر 5798 - ما قد حدثنا يونس ، قال : حدثنا سفيان ، عن عمرو ، عن طاوس مثله ، ولم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا ابن عباس . فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله - عز وجل - وعونه : أن سفيان قد كان يحدث به هكذا بأخرة ، وقد كان يحدث به قبل ذلك ، كما حدث به سليمان بن كثير ، ولو اختلفا ، لكان سليمان مقبول الرواية ، ثبتا فيها ممن لو روى حديثا فتفرد به ، لكان مقبولا منه ، وإذا كان كذلك كان فيما زاده على غيره في حديث مقبولة زيادته فيه عليه . ثم تأملنا معنى قوله : فقود يده فكان ذلك عندنا ، والله أعلم ، على أن الواجب لولي المقتول كذلك القود لا ما سواه . قال قائل : فأنتم تروون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا المعنى خلاف ما ذكرتم ، وذكر ما قد . 5799 - حدثنا بكار ، قال : حدثنا أبو داود الطيالسي ، قال : حدثنا حرب بن شداد ، عن يحيى بن أبي كثير ، قال : حدثني أبو سلمة ، قال : حدثني أبو هريرة ، قال : لما فتح الله - عز وجل - على رسوله مكة ، قتلت هذيل رجلا من بني ليث بقتيل كان لهم في الجاهلية ، فقام النبي صلى الله عليه وسلم فخطب ، فقال في خطبته : من قتل له قتيل ، فهو بخير النظرين : إما أن يقتل ، وأما أن يودى . 5800 - وما قد حدثنا محمد بن عبد الله بن ميمون البغدادي ، قال : حدثنا الوليد بن مسلم ، عن الأوزاعي ، قال : حدثنا يحيى بن أبي كثير ، ثم ذكر بإسناده مثله . فكان في هذا الحديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل ولي المقتول بالخيار بين الشيئين المذكورين فيه ، وفي الحديث الذي رويته قبله أنه جعل له شيئا واحدا وهو القود ، وهذا اختلاف شديد . فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله - عز وجل - وعونه : أنه لا اختلاف في ذلك كما توهم ، وذلك أن في الحديث الأول الذي رويناه عن ابن عباس ذكر الواجب ، وأنه القود ، والذي في حديث أبي هريرة الذي رويناه بعده : أن لولي المقتول أن يقتل ، وهو القود الذي في حديث ابن عباس ، فذلك عندنا ، والله أعلم ، على أداء القاتل الدية إلى ولي المقتول ، وقبول ولي المقتول إياها منه ، فكان ذلك بمعنى الصلح من الدم على الدية التي أديت إليه . فقال هذا القائل : فقد روى أبو شريح الخزاعي ، عن النبي صلى الله عليه وسلم هذا الحديث بما يدل على خلاف ما ذكرت ، وذكر ما قد . 5801 - حدثنا محمد بن خزيمة ، قال : حدثنا مسدد ، قال : حدثنا يحيى وهو ابن سعيد ، عن ابن أبي ذئب ، قال : حدثني سعيد المقبري ، قال : سمعت أبا شريح الكعبي يقول : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطبته يوم فتح مكة : ألا إنكم معشر خزاعة ، قتلتم هذا القتيل من هذيل ، وإني عاقله ، فمن قتل له بعد مقالتي قتيل ، فأهله بين خيرتين ، بين أن يأخذوا العقل وبين أن يقتلوا . قال : ففي هذا الحديث أخذ ولي المقتول الدية من القاتل ، لا تبيين أن ذلك بإدامته إياها لهم . فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله - عز وجل - وعونه : أن ذلك مما في هذا الحديث ، ليس بخلاف لما في حديث أبي هريرة الذي رويناه قبله ؛ لأن في حديث أبي هريرة أداء من القاتل ، وفي حديث أبي شريح أخذ ولي المقتول من القاتل ، فتصحيحهما على أداء من القاتل على ما في حديث أبي هريرة ، وأخذ من الولي لذلك على ما في حديث أبي شريح . وهذه مسألة قد اختلف أهل العلم فيها : فقائلون منهم يقولون هذا القول الذي ذكرناه ، وصححنا عليه هذين الحديثين ، وهو مذهب أهل الحجاز وأهل العراق جميعا ، وقائلون يقولون : إن لولي المقتول أن يأخذوا الدية من القاتل شاء أم أبى ، ويحتجون في ذلك بما تأول هذا المتأول هذا الحديث عليه ، وممن ذهب إلى ذلك الشافعي ، وقالوا : على القاتل استحياء نفسه ، فإذا لم يفعل ما عليه أخذ به ، وإن كره . فكان جوابنا لمن احتج بذلك : أن على القاتل استحياء نفسه كما ذكر ، وأن عليه أن يستحييها بالدية وبما سواها مما يملك ، حتى يعود بذلك حاقنا لدمه ، وأجمعوا جميعا : أن ولي المقتول لو طلب من القاتل داره أو عبده على أن يأخذ ذلك منه ، ويرفع القود عنه ، أن على القاتل فيما بينه وبين ربه أن يفعل ذلك ، وأنه غير مجبر عليه إن أباه ، فكان ما سوى ذلك من ماله ، كذلك لا يكون مجبرا على استحياء نفسه به ، ولا مأخوذا منه على ذلك بغير طيب نفسه . فقال هذا القائل : فلم احتيج في ذلك إلى ذكر هذا ؟ قيل له : لأن الشريعة كانت في بني إسرائيل في القتل العمد القود لا ما سواه ، وكان القود واجبا على القاتل ليس لأحد دفع ذلك عنه ، فخفف الله عن هذه الأمة بما أنزل في كتابه في ذلك . 5802 - كما قد حدثنا يونس ، قال : حدثنا سفيان ، عن عمرو بن دينار ، عن مجاهد ، عن ابن عباس ، قال : كان القصاص في بني إسرائيل ولم يكن فيهم دية ، فقال الله لهذه الأمة : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ إلى قوله عز وجل : فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فالعفو في أن يقبل الدية في العمد ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ ، مما كان كتب على من قبلكم . فكان ما في هذا الحديث ، من ابن عباس إخبارا منه عن المعنى الذي من أجله خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة بما خطب به من إباحة أخذ الدية في الدم العمد ؛ لأن ذلك كان محرما على من قبل أمته وليس من شرائع دينهم ، وجعله الله - عز وجل - من شريعته ، ومما قد تعبد أمته به ، فخطب به على الناس ليعلموه . وقد روى هذا الحديث حماد بن سلمة ، عن عمرو ، فخالف ابن عيينة في إسناده ، وقصر في بعض ألفاظه . 5803 - كما حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، قال : حدثنا أبو عامر العقدي ، عن حماد ، عن عمرو بن دينار ، عن جابر بن زيد ، عن ابن عباس : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ إلى آخر الآية ، قال : كتب على بني إسرائيل القصاص ، وأرخص لكم في الدية : فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ ، قال : مما كتب على بني إسرائيل فيما عاد إلى الرخصة لم يكن مأخوذا ممن يؤخذ منه إلا بطيب نفسه بذلك . وفيما ذكرنا كفاية ودليل ، وأن لا تضاد في شيء مما رويناه في هذا الباب ، والله نسأله التوفيق .
44 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ قَوْلِهِ : وَإِيَّاكَ وَاللَّوَّ ، فَإِنَّهَا تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ . 276 - حَدَّثَنَا يُونُسُ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ ، عَنْ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : ( الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُك ، وَلَا تَعْجِزْ ، فَإِنْ فَاتَك شَيْءٌ فَقُلْ : قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ ، وَإِيَّاكَ وَاللَّوْ ؛ فَإِنَّهَا تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ ) . فَتَأَمَّلْنَا إسْنَادَ هَذَا الْحَدِيثِ هَلْ هُوَ مَوْصُولٌ أَوْ قَدْ دَخَلَهُ تَدْلِيسٌ مِنْ ابْنِ عَجْلَانَ أَتَاهُ بِهِ عَنْ الْأَعْرَجِ يُحَدِّثُ بِهِ عَنْهُ بِغَيْرِ سَمَاعٍ مِنْهُ إيَّاهُ . 277 - فَوَجَدْنَا مُحَمَّدَ بْنَ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ الْكُوفِيَّ الذُّهْلِيَّ أَبَا الْعَلَاءِ ، قَدْ حَدَّثَنَا قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَمِيلٍ الْمَرْوَزِيِّ ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ ، عَنْ رَبِيعَةَ ، عَنْ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ ( الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إلَى اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُك وَلَا تَعْجِزْ ، فَإِنْ غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُلْ : قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ صَنَعَ ، وَإِيَّاكَ وَاللَّوْ ؛ فَإِنَّهَا تَفْتَحُ مِنْ الشَّيْطَانِ ) . ثُمَّ سَمِعْتُهُ مِنْ رَبِيعَةَ ، وَحِفْظِي لَهُ مِنْ مُحَمَّدٍ . 278 - وَوَجَدْنَا يَحْيَى بْنَ عُثْمَانَ ، قَدْ حَدَّثَنَا قَالَ : حَدَّثَنَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ ، ثُمَّ ذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ : ثُمَّ سَمِعْتُهُ مِنْ رَبِيعَةَ بْنِ عُثْمَانَ ، وَلَمْ يُذْكَرْ فِي أَوَّلِهِ رَبِيعَةُ . فَوَقَفْنَا بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَجْلَانَ إنَّمَا حَدَّثَ بِهِ عَنْ الْأَعْرَجِ تَدْلِيسًا مِنْهُ بِهِ عَنْهُ ، وَأَنَّهُ إنَّمَا كَانَ أَخَذَهُ مِنْ رَبِيعَةَ بْنِ عُثْمَانَ عَنْهُ . ثُمَّ تَأَمَّلْنَا حَدِيثَ رَبِيعَةَ عَنْ الْأَعْرَجِ ، هَلْ هُوَ سَمَاعُهُ إيَّاهُ مِنْهُ ، أَوْ عَلَى التَّدْلِيسِ بِهِ عَنْهُ . 279 - فَوَجَدْنَا فَهْدًا قَدْ حَدَّثَنَا قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حُمَيْدٍ الْكُوفِيُّ ، خَتْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إدْرِيسَ ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عُثْمَانَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ ، عَنْ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : ( الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إلَى اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُك ، وَاسْتَعِنْ بِاَللَّهِ وَلَا تَعْجِزْ ، فَإِنْ فَاتَك شَيْءٌ فَقُلْ : قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ ، وَإِيَّاكَ وَ لَوْ ؛ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ ) . فوقفنا بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ أَصْلَ هَذَا الْحَدِيثِ فِي إسْنَادِهِ إنَّمَا هُوَ عَنْ ابْنِ عَجْلَانَ ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عُثْمَانَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ ، عَنْ الْأَعْرَجِ ، ثُمَّ بَانَ لَنَا مَعْنَى لَوْ الْمُحَذَّرِ مِنْهَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ بَعْدَ وُقُوفِنَا عَلَى أَنَّ لَوْ لَيْسَتْ مَكْرُوهَةً فِي كُلِّ الْأَشْيَاءِ ، إذْ كَانَ اللَّهُ قَدْ ذَكَرَ فِي كِتَابِهِ إبَاحَتَهَا فِي شَيْءٍ ذَكَرَهَا فِيهِ ، وَهُوَ قَوْلُهُ لِنَبِيِّهِ فِيمَا ذَكَرَ مِنْ جَوَابِهِ لِمَنْ سَأَلَهُ عَنْ السَّاعَةِ : وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ ، إذْ قَدْ كَانَ رَسُولُهُ ذَكَرَهَا فِيمَا ذَكَرَهَا فِيهِ . 280 - كَمَا حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ الرَّقِّيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ ، عَنْ أَبِي كَبْشَةَ الْأَنْمَارِيِّ قَالَ : ( ضَرَبَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَثَلُ الدُّنْيَا مَثَلُ أَرْبَعَةٍ : رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا وَآتَاهُ عِلْمًا ، فَهُوَ يَعْمَلُ بِعِلْمِهِ فِي مَالِهِ ، وَرَجُلٌ آتَاهُ الله عِلْمًا وَلَمْ يُؤْتِهِ مَالًا ، فَهُوَ يَقُولُ : لَوْ أَنَّ اللَّهَ آتَانِي مِثْلَ مَا آتَى فُلَانًا لَفَعَلْتُ فِيهِ مِثْلَ الَّذِي يَفْعَلُ ، فَهُمَا فِي الْأَجْرِ سَوَاءٌ ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا وَلَمْ يُؤْتِهِ عِلْمًا ، فَهُوَ يَمْنَعُهُ مِنْ حَقِّهِ ، وَيُنْفِقُهُ فِي الْبَاطِلِ ، وَرَجُلٌ لَمْ يُؤْتِهِ اللَّهُ مَالًا وَلَمْ يُؤْتِهِ عِلْمًا ، فَهُوَ يَقُولُ : لَوْ أَنَّ اللَّهَ آتَانِي مِثْلَ مَا آتَى فُلَانًا ، لَفَعَلْت فِيهِ مِثْلَ مَا يَفْعَلُ ، فَهُمَا فِي الْوِزْرِ سَوَاءٌ ) . فَلَمْ تَكُنْ لَوْ مَكْرُوهَةً فِيمَا ذَكَرْنَا ، فَعَلِمْنَا بِذَلِكَ أَنَّهَا إنَّمَا هِيَ مَكْرُوهَةٌ ، مُحَذَّرٌ مِنْهَا فِي غَيْرِ مَا وَصَفْنَا . ثُمَّ تَأَمَّلْنَا ذَلِكَ لِنَقِفَ عَلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي هِيَ مَكْرُوهَةٌ فِيهِ . فَوَجَدْنَا اللَّهَ قَدْ ذَكَرَ فِي كِتَابِهِ مَا كَانَ مِنْ قَوْمٍ ذَمَّهُمْ بِمَا كَانَ مِنْ قَوْلٍ كَانَ مِنْهُمْ ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى : يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ فَرَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ : قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ ثُمَّ عَادَ يُخْبِرُ عَنْهُمْ بِمَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ مِمَّا أَخْفَوْهُ عَنْ نَبِيِّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَقَالَ : يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لا يُبْدُونَ لَكَ ، ثُمَّ عَادَ تَعَالَى بَعْدُ يُخْبِرُ عَنْهُمْ بِمَا كَانُوا يَقُولُونَ فَقَالَ : يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا فَرَدَّ تَعَالَى ذَلِكَ عَلَيْهِمْ بِمَا أَمَرَ نَبِيَّهُ أَنْ يَقُولَهُ لَهُمْ فَقَالَ : قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ ، ثُمَّ عَادَ بَعْدَ ذَلِكَ إلَى الْمُؤْمِنِينَ مُحَذِّرًا لَهُمْ أَنْ يَكُونُوا أَمْثَالَهُمْ فَقَالَ : يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا ، ثُمَّ أَخْبَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِالْمَعْنَى الَّذِي بِهِ اُبْتُلِيَ بِذَلِكَ أُولَئِكَ الْكَافِرُونَ فَقَالَ : لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ ، ثُمَّ أَخْبَرَهُمْ بِحَقَائِقِ الْأُمُورِ الَّتِي يَجْرِي عَلَيْهَا الْخَلْقُ مِنْ الْمَوْتِ وَالْحَيَاةِ فَقَالَ : وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ الْآيَةَ . وَوَجَدْنَاهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَدْ قَالَ فِي كِتَابِهِ : أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ إلَى قَوْلِهِ : مِنَ الْمُحْسِنِينَ فَرَدَّ اللَّهُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ : بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا الْآيَةَ . قَالَ : فَكَانَ فِيمَا تَلَوْنَا في اللَّوَّاتِ مَا قَدْ عُقِلَ بِهِ مَا هِيَ فِيهِ غَيْرُ مَذْمُومَةٍ ، وَمَا هِيَ فِيهِ مَذْمُومَةٌ ، وَكَذَلِكَ فِيمَا رَوَيْنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي كَبْشَةَ . ثُمَّ وَجَدْنَا الْعَرَبَ تَذُمُّ اللَّوَّ ، وَتُحَذِّرُ مِنْهَا ، فَتَقُولُ : احْذَرْ لَوًّا ، تُرِيدُ بِهِ قَوْلَ الْإِنْسَانِ لَوْ عَلِمْت أَنَّ هَذَا يَلْحَقُنِي لَعَمِلْت خَيْرًا . وَفِيمَا ذُكِرَ مَا قَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّ اللَّوَّ الْمَكْرُوهَةَ هِيَ مَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي رَوَيْنَا ، وَعَلَى أَنَّ اللَّوَّ الَّتِي لَيْسَتْ بِمَكْرُوهَةٍ هِيَ اللَّوُّ الْمَذْكُورَةُ فِي حَدِيثِ أَبِي كَبْشَةَ الَّذِي رَوَيْنَاهُ أَيْضًا . 281 - وَحَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي الْحَجَّاجِ الْأَزْدِيِّ ، عَنْ سَلْمَانَ أَنَّهُ قَالَ : الْإِيمَانُ بِالْقَدَرِ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَك لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَك ، وَمَا أَخْطَأَك لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَك ، وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ أَصَابَك لَوْ فَعَلْت كَذَا وَكَذَا . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي لَكَانَ كَذَا وَكَذَا ، وَلَمْ يَكُنْ كَذَا وَكَذَا . وَقَدْ بَانَ مِمَّا شَرَحْنَا وَذَكَرْنَا أَنْ لَا تَضَادَّ وَلَا اخْتِلَافَ فِي شَيْءٍ مِمَّا قَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَأَنَّ مَا تَلَوْنَا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى شَادٌّ لِذَلِكَ ، شَاهِدٌ لَهُ ، وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
730 - باب بيان مشكل ما روي عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الركعتين الأخريين من الصلوات التي تزيد على ركعتين ، هل القراءة في توكيدهما فيهما كهي في الركعتين الأوليين ، أو بخلاف ذلك ، وهل لمصليهما ترك القراءة فيهما بما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك ؟ قال أبو جعفر : قد روينا في الباب الذي قبل هذا الباب قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الركعتين الأخريين من الصلوات المذكورة في تلك الآثار ، أنه قدر نصف القراءة في الركعتين الأوليين ، وأنه في الركعتين الأخريين من صلاة الظهر قدر خمس عشرة آية ، وهو سبع آيات ونصف آية ، وفي الركعتين الأخريين من العصر نصف ما كان من قراءته في الركعتين الأوليين منها ، وهي خمس عشرة آية ، وفي الأخريين منها نصف ذلك ، وهي سبع آيات ونصف آية ، ففي ذلك ما قد دل على أنه قد كان يقرأ في الركعتين الأخريين من الظهر وفي الركعتين الأخريين من العصر زيادة على فاتحة الكتاب ، التي هي سبع آيات لا غير . وقد وجدنا أهل العلم مختلفين في الركعتين الأخريين من هاتين الصلاتين : فبعضهم يقول : إن شاء المصلي قرأ في كل واحدة منهما فاتحة الكتاب ، وزاد عليها ما سوى ذلك من القرآن ، مما معناه معنى الدعاء ، وإن شاء سبح فيهما ولم يقرأ فيهما بشيء من القرآن ، وممن كان يقول ذلك منهم أبو حنيفة والثوري وأصحابهما . وقائلون منهم يقولون : لا بد من قراءة فاتحة الكتاب فيهما ، ولا يزاد عليها شيء ، وهذا قول فقهاء الحجاز . وقد روي عن علي بن أبي طالب وعن عائشة رضي الله عنهما في ذلك ما قد . 5446 - حدثنا محمد بن أحمد بن خزيمة أبو معمر ، قال : أخبرنا أحمد بن منصور الرمادي ، حدثنا عبد الرزاق بن همام ، أخبرنا معمر ، عن الزهري ، قال : حدثني عبيد الله بن أبي رافع ، قال : كان علي - رضي الله عنه - يقرأ في الركعتين الأوليين من الظهر والعصر بأم القرآن وسورة ، ولا يقرأ في الأخريين بشيء ، قال : الزهري : وكان جابر بن عبد الله يقرأ في الركعتين الأوليين من الظهر والعصر بأم القرآن وسورة ، وفي الأخريين بأم القرآن ، قال الزهري : والقوم يقتدون بإمامهم . 5447 - وما قد حدثنا علي بن شيبة ، حدثنا قبيصة بن عقبة ، حدثنا سفيان ، عن عاصم ، عن ذكوان ، عن عائشة أنها كانت تقرأ في الركعتين الأخريين بفاتحة الكتاب وتقول : إنما هما دعاء . قال أبو جعفر : فأردنا أن ننظر في ذلك لنعلم من عاصم هذا : هل هو عاصم بن عبيد الله ، فلا نجعل حديثه حجة لما يتكلم به أهل الأسانيد فيه ، أو هل هو عاصم بن أبي النجود فنجعله حجة ؟ . 5448 - فوجدنا ابن أبي مريم قد حدثنا قال : حدثنا الفريابي ، قال : حدثنا سفيان ، عن عاصم بن أبي النجود ، عن ذكوان ، عن عائشة رضي الله عنها ، قال : كانت تقرأ أو تأمر بفاتحة الكتاب في الأخريين . فعقلنا بذلك : أن عاصما هذا هو ابن أبي النجود لا ابن عبيد الله ، وعقلنا أن عائشة رضي الله عنها كانت تقرؤها دعاء ، لا كما تقرأ ما سواها من القرآن في الصلاة في سوى تينك الركعتين . ثم نظرنا : هل روي في ذلك شيء عن غير عائشة وعلي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ . 5449 - فوجدنا يونس قد حدثنا ، قال : أخبرنا ابن وهب أن مالكا حدثه ، عن أبي عبيد مولى سليمان بن عبد الملك أن عبادة بن نسي أخبره أنه سمع قيس بن الحارث يقول أخبرني أبو عبد الله الصنابحي ، أنه قدم المدينة في خلافة أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - وصلى خلف أبي بكر المغرب ، فقرأ في الركعتين الأوليين بأم القرآن وسورة ، سورة من قصار المفصل ، ثم قام في الركعة الثالثة فدنوت منه حتى كاد أن تمس ثيابي ثيابه ، فسمعته قرأ بأم القرآن وهذه الآية : رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ . 5450 - ووجدنا عبد الرحمن بن عمرو الدمشقي قد حدثنا : قال : عبد الرحمن بن إبراهيم ، حدثنا الوليد بن مسلم ، حدثنا الأوزاعي ومالك قالا : حدثنا أبو عبيد ، حدثني عبادة بن نسي ، عن قيس بن الحارث ، ثم ذكر مثله ، قال عبادة : فحضرت عمر بن عبد العزيز وهو يقول لقيس وسأل عن هذا الحديث فحدث به ، قال عمر : ما تركتها منذ سمعتك تحدث به ، وإن كنت قبل ذلك لعلى غيره ، قلت : وما هو يا أمير المؤمنين ، قال : كنت أقرأ : قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ . 5451 - ووجدنا علي بن شيبة قد حدثنا ، قال : حدثنا يزيد بن هارون ، أخبرنا عبد الله بن عون ، عن رجاء بن حيوة ، عن محمود بن الربيع ، عن الصنابحي ، قال : صليت خلف أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - المغرب ، فدنوت منه حتى مست ثيابي ثيابه ، أو كادت فقرأ في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة ، وقرأ في الركعة الأخيرة بفاتحة الكتاب ، وقال : رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا إلى قوله : الْوَهَّابُ ، ثم كبر وركع ، قال يزيد : وأخبرني محمد بن راشد ، عن مكحول ، قال : ZZ والله ما كانت قراءة ، ولكنها كانت دعاء . 5452 - ووجدنا عبد الرحمن بن عمرو قد حدثنا ، قال : حدثنا أبو نعيم ، حدثنا عاصم بن رجاء بن حيوة الكندي ، عن عبادة بن نسي ، عن الصنابحي ، ولم يذكر بينهما أحدا ثم ذكر مثل حديثه الذي ذكرناه عنه في هذا الباب . 5453 - ووجدنا ابن أبي داود قد حدثنا ، قال : حدثنا خطاب بن عثمان ، قال : حدثنا إسماعيل بن عياش ، عن عبادة بن نسي ، عن أبي عبد الرحمن ، ولم يذكر بينهما أحدا ، وقال : عن أبي عبد الرحمن ولم يقل ، عن أبي عبد الله ، ثم ذكر مثله . وكان في هذا الحديث ، ما قد شد ما ذهب إليه الذين قالوا : إن القراءة في الركعتين الأخريين إنما هو دعاء وتسبيح لا كالقراءة في الركعتين الأوليين من الصلوات ، وهذا مما لم يقله من قاله رأيا ولا استنباطا ولا استخراجا ، إذ كان مثله لا يقال بالرأي ولا بالاستنباط والاستخراج ، وإنما يقال بالتوقيف ، وما كانت هذه سبيله لم يصلح خلافه ، ولا القول بغيره ، وقد كان إبراهيم النخعي يذهب إلى هذا القول أيضا . 5454 - كما حدثنا علي بن شيبة ، قال : حدثنا قبيصة ، حدثنا سفيان ، عن منصور ، عن إبراهيم ، قال : التسبيح أحب إلي في الركعتين الأخريين . وكذلك كان الثوري يقول في ذلك . 5455 - كما حدثنا أبو غسان ، قال : حدثنا أبو النضر ، عن الأشجعي ، عن سفيان . فأما أبو حنيفة وأصحابه : فكانوا يذهبون إلى أن القراءة فيهما أحب إليهم من التسبيح فيهما ، والله الموفق .
45 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِيمَنْ صَلَّتْ عَلَيْهِ مِنْ الْمَوْتَى جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَشَفَعُوا لَهُ أَنَّهُمْ يَشْفَعُونَ فِيهِ إذَا كَانَ لَهُمْ عَدَدٌ ذُكِرَ مِقْدَارُهُ فِيمَا رُوِيَ عَنْهُ فِي ذَلِكَ . 282 - حَدَّثَنَا يُونُسُ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ ، أَنَّ أَيُّوبَ بْنَ أَبِي تَمِيمَةَ حدثهُ أَنَّ أَبَا قِلَابَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ رَضِيعَ عَائِشَةَ أَخْبَرَهُ : أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَخْبَرَتْهُ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( مَا مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ يَمُوتُ فَيُصَلِّي عَلَيْهِ أُمَّةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، يَبْلُغُونَ أَنْ يَكُونُوا مِائَةً ، فَيَشْفَعُوا لَهُ إلَّا شُفِّعُوا فِيهِ ) . 283 - حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ نُصَيْرٍ ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ يَعْنِي : ابْنَ عَمْرٍو ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : لَا يَمُوتُ أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَتُصَلِّيَ عَلَيْهِ أُمَّةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَبْلُغُونَ أَنْ يَكُونُوا مِائَةً فَيَشْفَعُوا لَهُ ، إلَّا شُفِّعُوا فِيهِ . 284 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ ، حَدَّثَنَا إسْمَاعِيلُ ، وَهُوَ ابْنُ إبْرَاهِيمَ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ رَضِيعِ عَائِشَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِثْلَهُ . 285 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خُزَيْمَةَ ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْخِطْمِيِّ ، عَنْ عَائِشَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : ( مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ فَيُصَلِّي عَلَيْهِ أُمَّةٌ مِنْ النَّاسِ يَبْلُغُونَ أَنْ يَكُونُوا مِائَةً ، إلَّا شُفِّعُوا فِيهِ ) . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : هَكَذَا يَقُولُ حَمَّادُ فِي إسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْخِطْمِيِّ ، وَالنَّاسُ يُخَالِفُونَهُ فِي ذَلِكَ ، وَيَقُولُونَ : عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ رَضِيعُ عَائِشَةَ ، وَهُوَ أَشْبَهُ بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْخِطْمِيُّ ، هُوَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ رَوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْرَ حَدِيثٍ مِنْهَا : 286 - مَا حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي دَاوُد ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ ، عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ قَالَ : كُنْت جَالِسًا عِنْدَ أَمِيرٍ قَدْ سَمَّاهُ فَجَعَلَ يَتَرَدَّدُ عَلَيْهِ بِرُءُوسِ الْخَوَارِجِ ، قَالَ : فَجَعَلْتُ كُلَّمَا رَأَيْتُ رَأْسًا مِنْهَا قُلْت : إلَى النَّارِ . فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ : يَا ابْنَ أَخِي ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَقُولُ : ( يَكُونُ عَذَابُ هَذِهِ الْأُمَّةِ فِي دُنْيَاهَا ) . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَذَكَرَهُ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ فِي كِتَابِ الطَّبَقَاتِ ، وَقَالَ : عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْخِطْمِيُّ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّنْ نَزَلَ الْكُوفَةَ ، وَاخْتَطَّ بِهَا دَارًا ، وَوَلَّاهُ عَلَيْهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ . ثُمَّ رَجَعْنَا إلَى مَا كُنَّا فِيهِ مِنْ عَدَدِ الْمُصَلِّينَ عَلَى الْجِنَازَةِ الشُّفَعَاءِ لِصَاحِبِهَا : 287 - حَدَّثَنَا ابْنُ مَعْبَدٍ ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو حَمْزَةَ يَعْنِي السُّكَّرِيَّ ، وَاسْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَيْمُونٍ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : ( مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ مِائَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ غُفِرَ لَهُ ) . 288 - وَوَجَدْنَا أَبَا أُمَيَّةَ قَدْ حَدَّثَنَا قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ يَعْنِي أَبَا مُعَاوِيَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّحْوِيَّ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : ( مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ مِائَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ غُفِرَ لَهُ ) . وَقَدْ رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي عَدَدِ الْجَمَاعَةِ الْمُشَفَّعِينَ فِي هَذَا الْمَعْنَى : 289 - مَا قَدْ حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ إبْرَاهِيمَ الْغَافِقِيُّ ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، حَدَّثَنِي أَبُو صَخْرٍ حُمَيْدُ بْنُ زِيَادٍ ، عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ ، عَنْ كُرَيْبٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ مَاتَ ابْنٌ لَهُ بِقُدَيْدٍ أَوْ بِعُسْفَانَ . فَقَالَ لِكُرَيْبٍ : اُنْظُرْ مَا اجْتَمَعَ لَهُ مِنْ النَّاسِ . قَالَ : فَخَرَجْت فَإِذَا نَاسٌ قَدْ اجْتَمَعُوا ، قَالَ : أَخْرِجُوهُ ، فَإِنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( مَا مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ يَمُوتُ فَيَقُومُ عَلَى جِنَازَتِهِ أَرْبَعُونَ رَجُلًا لَا يُشْرِكُونَ بِاَللَّهِ شَيْئًا إلَّا شَفَّعَهُمْ اللَّهُ فِيهِ ) . وَوَجَدْنَا عَنْ أَنَسٍ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يُوَافِقُ مَا رَوَيْنَاهُ فِي هَذَا الْبَابِ عَنْ عَائِشَةَ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَيُخَالِفُ مَا رَوَيْنَاهُ فِيهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : 290 - كَمَا حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، أَخْبَرَنَا سُوَيْد بْنُ نَصْرٍ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ يَعْنِي : ابْنَ الْمُبَارَكِ ، عَنْ سَلَّامِ بْنِ أَبِي مُطِيعٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ رَضِيعِ عَائِشَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : ( مَا مِنْ مَيِّتٍ يُصَلِّي عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَبْلُغُونَ أَنْ يَكُونُوا مِائَةً يَشْفَعُونَ إلَّا شُفِّعُوا فِيهِ ) . قَالَ سَلَّامٌ : فَحَدَّثْت بِهِ شُعَيْبَ بْنَ الْحَبْحَابِ فَقَالَ : حَدَّثَنِي بِهِ أَنَسٌ ، عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ . فَقَالَ قَائِلٌ : مِنْ أَيْنَ جَاءَ هَذَا الِاخْتِلَافُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَاتِ ؟ فَكَانَ جَوَابُنَا عَنْ ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ جَادَ لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ بِالْغُفْرَانِ لِمَنْ صَلَّى عَلَيْهِ مِائَةٌ مِنْهُمْ بِشَفَاعَتِهِمْ لَهُ ، ثُمَّ جَادَ لَهُ بِالْغُفْرَانِ بِشَفَاعَةِ أَرْبَعِينَ مِنْهُمْ . فَكَانَ خَبَرُ ابْنِ عَبَّاسٍ بِذَلِكَ هُوَ آخِرُ مَا كَانَ مِنْهُ عَزَّ وَجَلَّ مِمَّا جَادَ بِسَبَبِهِ بِالْغُفْرَانِ لِلْمُصَلَّى عَلَيْهِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ بِشَفَاعَتِهِمْ . وَكَانَ خَبَرُ عَائِشَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ مُتَقَدِّمَيْنِ لِذَلِكَ . فَقَالَ : وَلِمَ حَمَلْتَ ذَلِكَ عَلَى مَا ذَكَرْت ، وَلَمْ تَحْمِلْهُ عَلَى أَنَّ حَدِيثَ عَائِشَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ هُمَا الْمُتَأَخِّرَانِ ، وَحَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ هُوَ الْمُتَقَدِّمُ ؟ فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ عَنْ ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ وَعَوْنِهِ : أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ مِنْ صِفَتِهِ أَنْ يَجُودَ بِغُفْرَانٍ بِمَعْنًى ، ثُمَّ يَرْجِعَ عَنْ الْغُفْرَانِ بِذَلِكَ الْمَعْنَى ، وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَجُودَ بِالْغُفْرَانِ بِمَعْنًى ، ثُمَّ يَجُودَ بِالْغُفْرَانِ بِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ الْمَعْنَى ، وَبِأَيْسَرِهِ عَلَى خَلْقِهِ الَّذِينَ جَادَ بِذَلِكَ عَلَيْهِمْ ، فَبَانَ بِمَا ذَكَرْنَا الْوَجْهُ الَّذِي جَاءَ مِنْهُ اخْتِلَافُ الْعَدَدَيْنِ فِي الْآثَارِ الَّتِي رَوَيْنَاهَا ، وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
776 - باب بيان مشكل قول الله - عز وجل - في آية القصاص : فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ، وما اختلف أهل العلم فيه بما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك . قال أبو جعفر : قال الله : يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فأعلمنا الله - عز وجل - أن الذي كتب مما معناه فرض في قتلانا ، فأمن عقوبة قاتليهم ، هو القصاص بغير ذكر منه في هذه الآية مع ذلك غيره . فعلمنا بذلك : أن الواجب على القاتل في قتله الذي قد دخل في هذه الآية هو القصاص لا ما سواه ، ثم أعقب - عز وجل - ذلك بقوله : فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ . فعلمنا بذلك : أن الواجب بالعفو المذكور في هذه الآية طارئ على القصاص المذكور وجوبه فيها ، ومغير لحق القاتل الذي كان له من القصاص إلى ما سواه مما يتبع من هو عليه بمعروف ، ويؤديه إليه بإحسان . وقد اختلف أهل العلم في ذلك العفو ، ما هو ؟ فقال أكثرهم منهم : أبو حنيفة ، ومالك ، والثوري في متبعيهم : إنه أن يعفو الذي له الدم عن الذي هو له عليه على شيء يشترط لنفسه عليه بدلا من القصاص ، فيتبعه به بمعروف ، ويؤديه إليه الذي كان عليه القصاص بإحسان ، وإن ذلك لا يكون إلا باجتماع الفريقين جميعا عليه ، وإن القاتل لو أبى ذلك لم يجبر عليه ، ولم يؤخذ به . وقال الأوزاعي : إن للذي له الدم أن يأخذ الذي هو له عليه بالدية ، شاء ذلك الذي هو له عليه أو أبى . وقال آخرون سواه : إن لولي الدم أن يأخذ الذي هو عليه بالدية ، شاء أو أبى ، من جهة ذكر أنها توجب له ما قال من ذلك ، وهي أنه قال : رأيت الله - عز وجل - قد أوجب في القتل الخطأ الدية ، وأوجب في القتل العمد ما هو أغلظ من الدية وهو القصاص ، فإذا وجب على القاتل بالقتل العمد الذي كان منه القصاص ، وهو أغلظ من الدية ، فاختار الذي له الدم رد الأغلظ الذي وجب له على القاتل بقتله إلى الأيسر الذي كان يجب له لو كان الذي كان منه أيسر من القتل العمد الذي يوجب له القصاص ، كان قد نزل عن بعض الواجب له إلى ما دونه وهو الدية ، فاستحق ذلك على الذي عليه القصاص شاء القاتل أو أبى . وقال آخرون : إن العفو من الذي قال له القصاص توجب الدية له على الذي كان له عليه القصاص ، شاء ذلك الذي كان له عليه القصاص أو أبى ، وهو القول الذي ذكر المزني : أنه الأولى بالشافعي بعقب حكايته عن الشافعي : أن الدم العمد لا يملك به المال إلا بمشيئة المجني عليه ، إن كان حيا ، وبمشيئة الورثة إن كان ميتا . لا نعلم في تأويل العفو المذكور في هذه الآية قولا غير هذه الأقوال التي ذكرنا ، فتأملناها لنقف على الأولى منها بتأويل الآية - إن شاء الله - فبدأنا بقول من قال : إن من عفا عن القصاص إلى الدية ، استحق الدية بذلك ؛ لأنه تارك لبعض حقه طالب لبقيته . فوجدنا ما قال من ذلك فاسدا ؛ لأن الله - عز وجل - أوجب في القتل العمد غير الذي أوجب في القتل الخطأ ، ولم يجعل واحدا منهما جزاء من الآخر ، ولما كان ذلك كذلك عقلنا : أن من نزل عن المجعول له منهما فقد نزل عن الذي أوجبه الله له إلى غيره ، مما لم يوجبه له ، فكان معقولا : أن لا يجب ذلك له إلا برضا من كان له عليه الذي أوجبه الله - عز وجل - له عليه ، ولأنه لو كان بنزوله عن ما أوجبه الله - عز وجل - له من القصاص يوجب له الدية الواجبة في القتل الخطأ ، لوجبت له على من كانت تجب عليه ، وهي العاقلة ، وفي إجماعهم على خلاف ذلك ، وجوب بطلان هذا القول . ثم ثنينا بقول من قال : إن العفو يوجب له الدية على القاتل ، شاء أو أبى . فوجدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد روي عنه ما قد دفع ذلك ، مما قد ذكرناه فيما قد تقدم منا في كتابنا هذا في حديث ذي النسعة من قوله لولي المقتول : اعف عنه - يعني : قاتل وليه - فأبى ، فقال له : فخذ أرشا . فعقلنا بذلك : أن عفوه لا أرش معه لو عفا ؛ لأنه قال له لما أباه : فخذ أرشا . وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضا في ذلك ما قد . 5804 - حدثنا علي بن شيبة ، قال : حدثنا يزيد بن هارون ، قال : أخبرنا محمد بن إسحاق ، عن الحارث بن فضيل ، عن سفيان بن أبي العوجاء ، عن أبي شريح الخزاعي ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أصيب بدم أو بخبل - يعني : بالخبل الجراح - فوليه بالخيار بين إحدى ثلاث : بين أن يعفو ، أو يقتص ، أو يأخذ الدية ، فإن أبى الرابعة فخذوا على يديه ، فإن قبل واحدة منهن ، ثم عدا بعد ذلك ، فله النار خالدا فيها مخلدا . 5805 - وما قد حدثنا علي بن معبد ، قال : حدثنا سعيد بن سليمان الواسطي ، قال : حدثنا عباد - يعني : ابن العوام - عن ابن إسحاق ، قال : أخبرني الحارث بن فضيل ، عن سفيان بن أبي العوجاء ، عن أبي شريح ، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله . قال أبو جعفر : ففي هذا الحديث ، أن ولي المقتول بالخيار بين أن يعفو أو يقتص أو يأخذ الدية ، فكان معقولا في ذلك : أن عفوه لا أخذ دية معه ، كما أخذه الدية لا عفو معه ، ففسد بذلك هذا القول أيضا . ثم ثلثنا بما قال الأوزاعي من إيج للولي أخذ الدية من القاتل شاء أو أبى ، بعد وقوفنا على ما في الآية التي تلونا ، وهي : أن الله - عز وجل - إنما كتب علينا في قتلانا القصاص لا ما سواه ، وكان معقولا أن لا يتحول الحق الذي جعله الله له إلى ما سواه إلا برضا من يتحول عليه بذلك ، ففسد بذلك هذا القول أيضا . ولم يبق في هذا الباب غير القول الذي قد ذكرنا فيه عن الطائفة الأولى ، وهو القصاص ، وأن لا يتحول إلى ما سواه إلا برضا القاتل ومن له الدم جميعا بذلك ، والله نسأله التوفيق .
46 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ قَوْلِهِ : إنَّ لِلْقَبْرِ لَضَغْطَةً لَوْ نَجَا مِنْهَا أَحَدٌ نَجَا مِنْهَا سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . 291 - حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : ( إنَّ لِلْقَبْرِ لَضَغْطَةً لَوْ كَانَ أَحَدٌ نَاجِيًا مِنْهَا نَجَا مِنْهَا سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ ) . هَكَذَا حَدَّثَنَاهُ ابْنُ مَرْزُوقٍ بِغَيْرِ إدْخَالٍ مِنْهُ بَيْنَ نَافِعٍ وَبَيْنَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَحَدًا . 292 - وَحَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْكَيْسَانِيُّ أَبُو مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادٍ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ سَعْدٍ قَالَ : سَمِعْت نَافِعًا يُحَدِّثُ عَنْ امْرَأَةِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِثْلَهُ . 293 - وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ بْنُ سَالِمٍ الصَّائِغُ الْمَكِّيُّ أَبُو جَعْفَرٍ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْر الْكَرْمَانِيُّ قَاضِي كَرْمَانَ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، قَالَ سَعْدُ : أَخْبَرَنِي قَالَ : سَمِعْت نَافِعًا عَنْ امْرَأَةِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عَائِشَةَ تَرْفَعُهُ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ . وَقَدْ خَالَفَ سُفْيَانُ بْنُ سَعِيدٍ شُعْبَةَ فِي إسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ سَعْدٍ فَرَوَاهُ عَنْهُ . 294 - كَمَا حَدَّثَنَا فَهْدٌ ، حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ سَعْدٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَوْ أَنَّ أَحَدًا نَجَا مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ لَنَجَا مِنْهُ سَعْدٌ ، ثُمَّ قَالَ بِأَصَابِعِهِ الثَّلَاثَةِ يَجْمَعُهَا كَأَنَّهُ يَقْلِبُهَا ، ثُمَّ قَالَ : لَقَدْ ضُغِطَ ، ثُمَّ عُوفِيَ ) . فَقَالَ قَائِلٌ : أَفَيَكُونُ هَذَا مُضَادًّا لِمَا قَدْ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فِي هَذَا الْمَعْنَى ؟ فَذَكَرَ : 295 - مَا حَدَّثَنَا ابْنُ مَرْزُوقٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي هِلَالٍ ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ سَيْفٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَقُولُ : ( مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ ، أَوْ لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ ، إلَّا بَرِئَ مِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ ) . فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ وَعَوْنِهِ أَنَّ هَذَا حَدِيثٌ مُنْقَطِعٌ ، فَإِنَّ رَبِيعَةَ بْنَ سَيْفٍ لَمْ يَلْقَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو ، وَإِنَّمَا كَانَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ عَنْهُ . وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ : 296 - أَنَّ الرَّبِيعَ بْنَ سُلَيْمَانَ الْجِيزِيَّ قَدْ حَدَّثَنَا قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ ، أَخْبَرَنَا حَيْوَةُ ، حَدَّثَنِي رَبِيعَةُ بْنُ سَيْفٍ الْمَعَافِرِيُّ ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، ( عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ رَأَى ابْنَتَهُ فَاطِمَةَ عَلَيْهَا السَّلَامُ فَقَالَ لَهَا : مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتِ يَا فَاطِمَةُ ؟ فَقَالَتْ : أَقْبَلْتُ مِنْ وَرَاءِ جِنَازَةِ هَذَا الرَّجُلِ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : هَلْ بَلَغْتِ الْكُدَى ؟ قَالَتْ : وَكَيْفَ أَبْلُغُهَا ، وَقَدْ سَمِعْت مِنْك مَا سَمِعْت ؟ فَقَالَ : وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ بَلَغْتِ الْكُدَى ، مَا رَأَيْتِ الْجَنَّةَ حَتَّى يَرَاهَا جَدُّ أَبِيك ) . ثُمَّ عُدْنَا إلَى طَلَبِ مَنْ بَيْنَ رَبِيعَةَ بْنِ سَيْفٍ وَبَيْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فِي هَذَا الْحَدِيثِ 297 - فَوَجَدْنَا يُونُسَ قَدْ حَدَّثَنَا قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ سَيْفٍ : أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ قَحْزَمٍ أَخْبَرَهُ ، أَنَّ ابْنًا لِفَيَّاضِ بْنِ عُقْبَةَ تُوُفِّيَ يَوْمَ جُمُعَةٍ ، فَاشْتَدَّ وَجْدُهُ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ : يَا أَبَا يَحْيَى ، أَلَا أُبَشِّرُكَ بِشَيْءٍ سَمِعْتُهُ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو سَمِعْتُهُ يَقُولُ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ ، أَوْ لَيْلَةِ جُمُعَةٍ ، إلَّا بَرِئَ مِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ ) . 298 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، وَشُعَيْبُ بْنُ اللَّيْثِ ، عَنْ اللَّيْثِ ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ يَعْنِي : ابْنَ يَزِيدَ ، عَنْ ابْنِ أَبِي هِلَالٍ ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ سَيْفٍ : أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ قَحْزَمٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ ابْنًا لِفَيَّاضِ بْنِ عُقْبَةَ ، ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ سَوَاءً . وَزَادَ عَلَى يُونُسَ فِي إسْنَادِهِ إدْخَالَهُ بَيْنَ اللَّيْثِ وَبَيْنَ رَبِيعَةَ بْنِ سَيْفٍ خَالِدَ بْنَ يَزِيدَ ، وَسَعِيدَ بْنَ أَبِي هِلَالٍ ، وَهُوَ أَشْبَهُ عِنْدَنَا بِالصَّوَابِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . فَوَقَفْنَا بِذَلِكَ عَلَى فَسَادِ إسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِمِثْلِهِ إخْرَاجُ شَيْءٍ مِمَّا يُوجِبُ حَدِيثُ عَائِشَةَ دُخُولَهُ فِيهِ ، وَنَسْأَلُ اللَّهَ الْعَوْنَ عَلَى ذَلِكَ ، وَنَسْتَوْثِقُهُ فِيمَا أَمَّلْنَا .
729 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الركعتين الأوليين من الصلوات التي تجاوز عدد ركعاتها ركعتين إلى أربع أو إلى ثلاث ، هل تطال إحداهما على الأخرى في القراءة ، أو يسوي بينهما فيها ؟ . 5432 - حدثنا بكار بن قتيبة ، حدثنا أبو عاصم ، حدثنا الأوزاعي ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن عبد الله بن أبي قتادة ، عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الركعتين من الظهر والعصر بفاتحة الكتاب وسورة يطيل في الأولى ويسمعنا الآية . 5433 - وحدثنا بكار ، حدثنا حبان بن هلال ، حدثنا أبان بن يزيد العطار ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن عبد الله بن أبي قتادة ، عن أبيه ثم ذكر مثله ، وزاد : وكان يقرأ في الركعتين الآخرتين بفاتحة الكتاب ، وكان يطيل أول ركعة من الظهر ، وأول ركعة من الغداة . 5434 - وحدثنا بكار ، حدثنا أبو داود صاحب الطيالسة ، حدثنا هشام بن أبي عبد الله ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن عبد الله بن أبي قتادة ، عن أبي قتادة ثم ذكر مثله ، وزاد : وكان يقرأ بنا في الركعتين الأوليين من صلاة العصر . 5435 - وحدثنا فهد ، حدثنا أبو نعيم ، حدثنا هشام بن أبي عبد الله ، ثم ذكر بإسناده مثله . قال أبو جعفر : ففي هذا الحديث ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يطيل القراءة في الأولى من صلاة الظهر على القراءة في الثانية منها ، وهذا المعنى مما قد اختلف فيه أهل العلم ، فذهب بعضهم فيه إلى ما في هذا الحديث ، مما يوافقه ، منهم : محمد بن الحسن ، وذهب بعضهم إلى التسوية بين القراءة في الركعتين الأوليين من هذه الصلوات منهم : أبو حنيفة وأبو يوسف ، ولم يختلفوا جميعا في القراءة في الركعة الأولى من صلاة الصبح أنها تطال في القراءة على الركعة الثانية منها . فنظرنا فيما اختلفوا فيه من ذلك : هل نجد شيئا من الآثار يدل على ما يخالف ما في حديث أبي قتادة من ذلك ، أم لا ؟ . 5436 - فوجدنا إبراهيم بن مرزوق قد حدثنا ، قال : حدثنا حبان بن هلال ، حدثنا أبو عوانة ، عن منصور بن زاذان ، عن الوليد أبي بشر ، عن أبي الصديق الناجي ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم في الظهر في الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر قراءة ثلاثين آية ، وفي الأخريين نصف ذلك ، وكان يقوم في العصر في الركعتين الأوليين قدر خمس عشرة آية ، وفي الأخريين قدر نصف ذلك . 5437 - ووجدنا محمد بن خزيمة قد حدثنا ، قال : حدثنا حجاج بن منهال ، حدثنا أبو عوانة ثم ذكر بإسناده مثله . 5438 - ووجدنا أحمد بن شعيب قد حدثنا ، قال : حدثنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي ، قال : حدثنا هشيم ، أخبرنا منصور بن زاذان ، عن الوليد بن مسلم ، عن أبي الصديق ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : كنا نحزر قيام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الظهر والعصر ، فحزرنا قيامه في الظهر قدر ثلاثين آية قدر سورة السجدة في الركعتين الأوليين ، وفي الأخريين على النصف من ذلك ، وحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من العصر على قدر الأخريين من الظهر ، وحزرنا قيامه في الركعتين الأخريين من العصر على النصف من ذلك . 5439 - وحدثنا بكار ، قال : حدثنا أبو داود ، حدثنا المسعودي عن زيد العمي ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : اجتمع ثلاثون من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم فقالوا : تعالوا حتى نقيس قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما لا يجهر فيه من الصلاة ، فما اختلف منهم رجلان ، فقاسوا قراءته في الركعتين الأوليين من الظهر بقدر ثلاثين آية ، وفي الركعتين الأخريين على النصف من ذلك ، وفي العصر في الركعتين الأوليين على قدر النصف من الركعتين الأوليين من الظهر ، وفي الركعتين الأخريين على قدر النصف من الركعتين الأخريين من الظهر ، فكان في هذا الحديث ، التسوية بين القراءة في الركعتين الأوليين من صلاة الظهر والعصر ، وكان ما في هذه الآثار التي ذكرناها في هذا الفصل من هذا الباب أولى عندنا مما في الآثار الأول التي قد ذكرناها في الفصل الذي قبله منه ، لأن هاتين الصلاتين وما كان من الصلوات مثلهما ينقسم قسمين ، فيكون القسم الأخير منهما يستوي فيه ما يقرأ في الركعتين الأوليين منه ، وكان مثل ذلك في النظر في القسم الأول منهما يستوي القراءة في الركعتين الأوليين منه . وقد شد ذلك ما كان من سعد بن أبي وقاص فيما خاطب عمر فيه دفعا لقول أهل الكوفة إنه لا يحسن يصلي مما حمده عمر عليه . 5440 - كما حدثنا بكار بن قتيبة ، حدثنا أبو داود ، وكما حدثنا إبراهيم بن مرزوق أيضا ، قال : حدثنا أبو داود واللفظ لبكار ، عن شعبة أنبأني أبو عون الثقفي ، قال : سمعت جابر بن سمرة ، قال : قال عمر بن الخطاب لسعد : قد شكوك في كل شيء حتى الصلاة ، فقال سعد : أما أنا فأمد في الأوليين ، وأحذف في الأخريين ، وما آلو فيما اقتديت به من صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال عمر : ذاك الظن بك أو ذا الظن بك . 5441 - وكما حدثنا يزيد بن سنان ، حدثنا أبو داود ووهب بن جرير ومحمد بن كثير ويعقوب بن إسحاق قالوا : حدثنا شعبة ثم ذكر بإسناده مثله . 5442 - وكما قد حدثنا جعفر بن محمد بن الحسن الفريابي ، حدثنا منجاب بن الحارث ، أخبرنا علي بن مسهر ، عن مسعر ، عن أبي عون ، عن عبد الملك بن عمير ، عن جابر بن سمرة ، ثم ذكر مثله . 5443 - وكما قد حدثنا ابن أبي مريم ، قال : حدثنا الفريابي ، حدثنا سفيان الثوري ، عن عبد الملك بن عمير ، عن جابر بن سمرة ثم ذكر مثله . 5444 - وكما حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن يونس البغدادي ، حدثنا عبد الله بن عمر يعني : ابن أبان ، حدثنا الحسين الجعفي ، عن زائدة ، عن عبد الملك بن عمير ، عن جابر يعني : ابن سمرة ثم ذكر مثله . 5445 - وكما حدثنا إسحاق ، حدثنا هارون بن عبد الله يعني : الحمال ، حدثنا الحسن بن موسى ، عن شيبان ، عن عبد الملك بن عمير ، عن جابر بن سمرة ثم ذكر مثله . وكان في هذا الحديث ، إخبار سعد عمر : أنه كان يطيل في الأوليين ويحذف في الأخريين ، اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك وحمد عمر إياه على ذلك . ففي ذلك ما قد وكد ما ذكرنا وأن حكم القسم الأول من هذه الصلوات المد في القراءة وحكم القسم الآخر منها الحذف ، ومعقول أن القسم الآخر إذا استوت ركعتاه في الحذف ، أن يكون القسم الأول تستوي ركعتاه في المد ، والله الموفق .
47 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِيمَا تَغْرُبُ فِيهِ الشَّمْسُ . 299 - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ الرَّقِّيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ الضَّرِيرُ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ إبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ : ( دَخَلْت الْمَسْجِدَ فَإِذَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسٌ ، فَلَمَّا غَابَتْ الشَّمْسُ قَالَ : يَا أَبَا ذَرٍّ ، تَدْرِي أَيْنَ تَذْهَبُ هَذِهِ ؟ قَالَ : قُلْت : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ . قَالَ : فَإِنَّهَا تَذْهَبُ تَسْتَأْذِنُ فِي السُّجُودِ ، فَيُؤْذَنُ لَهَا ، وَكَأَنَّهَا قَدْ قِيلَ لَهَا : اُطْلُعِي مِنْ حَيْثُ جِئْت ، فَتَطْلُعُ مِنْ مَغْرِبِهَا . قَالَ : ثُمَّ قَرَأَ فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ ذَلِكَ مُسْتَقَرٌّ لَهَا ) . فَفِي هَذَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الشَّمْسَ تَغْرُبُ فِي السَّمَاءِ . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيْضًا فِيمَا تَغْرُبُ فِيهِ . 300 - مَا حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُغِيرَةَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْغَفَّارِ بْنُ دَاوُد الْحَرَّانِيُّ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، ( عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَرَأَ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ ) ، وَكَأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مِمَّا لَمْ يَرْفَعْهُ أَحَدٌ مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، غَيْرُ عَبْدِ الْغَفَّارِ بْنِ دَاوُد ، وَهُوَ مِمَّا يُخَطِّئُهُ فِيهِ أَهْلُ الْحَدِيثِ ، وَيَقُولُونَ : إنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَقَدْ خَالَفَهُ فِيهِ أَصْحَابُ حَمَّادٍ فَلَمْ يَرْفَعُوهُ ، فَمِمَّنْ خَالَفَهُ فِيهِ مِنْهُمْ : خَالِدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْخُرَاسَانِيُّ ، وَحَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ الْأَنْمَاطِيُّ 301 - كَمَا قَدْ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَجَّاجِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْحَضْرَمِيُّ أَبُو جَعْفَرٍ ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهَا : فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ يَهْمِزُهَا . 302 - وَكَمَا قَدْ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خُزَيْمَةَ ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ فَذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ ، وَلَمْ يَرْفَعْهُ . وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِمُوَافَقَةِ هَذَا الْمَعْنَى . 303 - كَمَا قَدْ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ ، حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ مَنْصُورٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ دِينَارٍ يَعْنِي الطَّاحِيَّ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَوْسٍ ، عَنْ مِصْدَعٍ أَبِي يَحْيَى ، عَنْ ( ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : أَقْرَأَنِي أُبَيٌّ كَمَا أَقْرَأَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ مُخَفَّفَةً ) . 304 - وَكَمَا قَدْ حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيُّ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ دِينَارٍ ، ثُمَّ ذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ وَلَمْ يَقُلْ : مُخَفَّفَةً . 305 - وَكَمَا قَدْ حَدَّثَنَا أَبُو أُمَيَّةَ ، حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ حَفْصٍ الدَّارِمِيُّ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ دِينَارٍ ، ثُمَّ ذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ ، وَلَمْ يَقُلْ : مُخَفَّفَةً . فَفِيمَا رَوَيْنَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ أُبَيٍّ هَذَا مَا يُثْبِتُ قِرَاءَةَ مَنْ قَرَأَ هَذَا الْحَرْفَ ، كَمَا قَدْ ذَكَرْنَاهُ فِيهِ ، وَهِيَ قِرَاءَةُ نَافِعٍ ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، وَقَدْ شَدَّ ذَلِكَ : . 306 - مَا قَدْ حَدَّثَنَا يُونُسُ ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرٍو ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : خَالَفَنِي عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ ، وَنَحْنُ عِنْدَ مُعَاوِيَةَ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَقَالَ عَمْرٌو : حَامِيَةٍ . قَالَ : فَسَأَلْنَا كَعْبًا فَقَالَ : إنَّهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ الْمُنَزَّلِ لَتَغْرُبُ فِي طِينَةٍ سَوْدَاءَ . 307 - حَدَّثَنَا يُونُسُ ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ فِي شَاهِدِ حَمِئَةٍ ، 308 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ ، عَنْ أَبِي حَاضِرٍ الْحِمْيَرِيِّ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كُنْت عِنْدَ مُعَاوِيَةَ وَعِنْدَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو فَقَالَ مُعَاوِيَةُ لِعَبْدِ اللَّهِ : كَيْفَ تَقْرَأُ هَذَا الْحَرْفَ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ قَالَ : فِي عَيْنٍ حَامِيَةٍ . فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقُلْت لِمُعَاوِيَةَ : أَتَسْأَلُ هَذَا عَنْ الْقُرْآنِ ، وَإِنَّمَا نَزَلَ فِي بَيْتِي ، فَقَالَ : كَيْفَ تَقْرَؤُهَا يَا ابْنَ عَبَّاسٍ ؟ فَقُلْتُ : وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ . قَالَ أَبُو حَاضِرٍ : فَقُلْت لِابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَا أَشُدُّ قَوْلَك بِقَوْلِ صَاحِبِنَا تُبَّعٍ : قَدْ كَانَ ذُو الْقَرْنَيْنِ قَبْلِي مُسْلِمًا مَلِكًا تَدِينُ لَهُ الْمُلُوكُ وَتَحْشِدُ بَلَغَ الْمَشَارِقَ وَالْمَغَارِبَ يَبْتَغِي أَسْبَابَ عِلْمٍ مِنْ حَكِيمٍ مُرْشِدِ وَأَتَى مَغِيبَ الشَّمْسِ عِنْدَ غُرُوبِهَا فِي عَيْنِ ذِي خُلُبٍ وَثَأْطٍ حَرْمَدِ فَالْخُلُبُ فِي لُغَتِنَا الطِّينُ ، وَالثَّأْطُ الْحَمْأَةُ ، وَالْحَرْمَدُ الْأَسْوَدُ . فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِأَبِي مُحَمَّدِ بْنِ سَلَامَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ فَقَالَ لِي : هَذِهِ قَوَافِي مُخْتَلِفَةٌ ، وَقَدْ رَأَيْت أَهْلَ الْعِلْمِ بِالشِّعْرِ ، مِنْهُمْ : أَبُو بِجَادٍ الْحَارِثِيُّ الْبَصْرِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشِّعْرِ يُنْشِدُونَ الْأَوَّلَ مِنْ هَذِهِ الْأَبْيَاتِ بِغَيْرِ مَا ذَكَرْت لِي عَنْ يُونُسَ ، وَهُوَ : قَدْ كَانَ ذُو الْقَرْنَيْنِ خَالِي قَدْ أَتَى طَرَفَ الْبِلَادِ مِنْ الْمَكَانِ الْأَبْعَدِ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ حَتَّى تَلْتَئِمَ قَوَافِي هَذِهِ الْأَبْيَاتِ ، وَتَعُودَ كُلُّهَا إلَى الْحَرْفِ ، وَلَا تَخْتَلِفَ . 309 - وَحَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَزِيدَ ، حَدَّثَنَا نُعَيْمٌ ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ وَهُوَ ابْنُ سُلَيْمَانَ الْكِلَابِيُّ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ حَاضِرٍ ، أَوْ أَبُو حَاضِرٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَرَأَ مُعَاوِيَةُ فِي الْكَهْفِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَامِيَةٍ فَقُلْت : إنَّا نَقْرَؤُهَا حَمِئَةٍ فَسَأَلَ مُعَاوِيَةُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو عَنْهَا فَقَالَ : كَمَا قَرَأْتهَا . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : فَقُلْت : فِي بَيْتِي نَزَلَ الْقُرْآنُ ، قَالَ : فَبَعَثَ مُعَاوِيَةُ إلَى كَعْبٍ يَسْأَلُهُ أَيْنَ تَجِدُ الشَّمْسَ تَغْرُبُ فِي التَّوْرَاةِ ؟ قَالَ : فِي مَاءٍ وَطِينٍ . قَالَ : فَقُلْت لِابْنِ عَبَّاسٍ : لَوْ كُنْت عِنْدَكُمْ لَرَفَدْتُكَ بِمَا تَزْدَادُ بِهِ بَصِيرَةً فِي حَمِئَةٍ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : وَمَاذَا هُوَ ؟ قَالَ : قُلْتُ : نَجُدُ فِيمَا كَانَ مِنْ قَوْلِ تُبَّعٍ مَا ذَكَرَهُ فِي ذِي الْقَرْنَيْنِ مِنْ كَلَفِهِ بِالْعِلْمِ ، وَإِمْعَانِهِ إيَّاهُ : بَلَغَ الْمَشَارِقَ وَالْمَغَارِبَ يَبْتَغِي أَسْبَابَ أَمْرٍ مِنْ حَكِيمٍ مُرْشِدِ فَرَأَى مَغَابَ الشَّمْسِ عِنْدَ غُرُوبِهَا فِي عَيْنٍ ذِي خُلُبٍ وَثَأْطٍ حَرْمَدِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : مَا الْخُلُبُ ؟ قَالَ : قُلْت : الطِّينُ فِي كَلَامِهِمْ . قَالَ : فَمَا الثَّأْطُ ؟ قُلْت : الْحَمَأَةُ . قَالَ : فَمَا الْحَرْمَدُ ؟ قُلْت : الْأَسْوَدُ . فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لِرَجُلٍ : اُكْتُبْ مَا يَقُولُ هَذَا الرَّجُلُ . فَقَالَ قَائِلٌ : حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أُبَيٍّ هَذَا يُخَالِفُ حَدِيثَ أَبِي ذَرٍّ الَّذِي رَوَيْتُهُ فِي أَوَّلِ الْبَابِ ؛ لِأَنَّ فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ غُرُوبَ الشَّمْسِ فِي السَّمَاءِ ، وَفِي هَذَا غُرُوبُهَا فِي طِينَةٍ سَوْدَاءَ ، وَالطِّينُ فإنَّمَا يَكُونُ فِي الْأَرْضِ لَا فِي السَّمَاءِ . فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ أَنَّ الطِّينَ قَدْ يَكُونُ فِي السَّمَاءِ ، كَمَا يَكُونُ فِي الْأَرْضِ ، وَقَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ قَوْل الله تَعَالَى مِمَّا ذَكَرَهُ عَنْ أَضْيَافِ إبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِمَّا كَانَ جَوَابًا مِنْهُمْ لِإِبْرَاهِيمَ مِنْ قَوْلِهِ : فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الطِّينَ فِي السَّمَاءِ كَمَا هُوَ فِي الْأَرْضِ ، فَقَالَ هَذَا الْقَائِلُ : فَفِي شِعْرِ تُبَّعٍ الَّذِي رَوَيْتَهُ : فَرَأَى مَغِيبَ الشَّمْسِ فَذَلِكَ مِمَّا قَدْ دَلَّ أَنَّهُ قَدْ رَأَى مَغِيبَهَا ، وَأَنَّهُ فِي الْأَرْضِ لَا فِي السَّمَاءِ . فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ عَنْ ذَلِكَ أَنَّ الَّذِي رَوَيْنَاهُ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ هُوَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الْحُجَّةُ فِي اللُّغَةِ ، وَفِيمَا سِوَاهَا ، وَمَعَ هَذَا فَقَدْ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الرُّؤْيَةُ الَّتِي أَرَادَهَا تُبَّعٌ رُؤْيَةَ يَقِينٍ وَعِلْمٍ بِالْقَلْبِ ، لَا رُؤْيَةَ عَيْنٍ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ، فَكَانَ ذَلِكَ عَلَى رُؤْيَةِ الْقُلُوبِ وَيَقِينِهَا ، لَا عَلَى رُؤْيَةِ الْأَبْصَارِ ، فَخَرَجَ بِذَلِكَ جَمِيعُ مَا ذَكَرْنَاهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْبَابِ عَلَى الِالْتِئَامِ بِغَيْرِ تَضَادٍّ فِيهِ ، وَلَا اخْتِلَافٍ . وَقَدْ قَرَأَ هَذَا الْحَرْفَ أَعْنِي حَمِئَةٍ غَيْرُ ابْنِ عَبَّاسٍ بِخِلَافِ مَا قَرَأَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَهُوَ حَامِيَةٌ مِنْهُمْ ابْنُ مَسْعُودٍ . 310 - كَمَا حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي عِمْرَانَ ، حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ ، حَدَّثَنَا الْخَفَّافُ ، عَنْ هَارُونَ ، عَنْ عَاصِمٍ ، عَنْ زِرٍّ ، عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ حَامِيَةً ، يَقُولُ : حَارَّةٍ . وَمِنْهُمْ ابْنُ الزُّبَيْرِ . 311 - كَمَا قَدْ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ، حَدَّثَنَا خَلَفٌ ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ عَقِيلٍ ، عَنْ شِبْلٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَيْصِنٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ : حَامِيَةٍ بِأَلِفٍ كَمِثْل . وَفِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ عَنْ الَّذِي كَانَ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ مُعَاوِيَةَ مِنْ عَمْرٍو ، وَمِنْ ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ هَذِهِ الْقِرَاءَةُ أَيْضًا ، وَلَا نَعْلَمُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِوَى ابْنِ عَبَّاسٍ مُوَافَقَةَ ابْنَ عَبَّاسٍ فِي حَمِئَةٍ ، وَالْأَكْثَرُ مِنْهُمْ عَلَى حَامِيَةٍ ، وَقَدْ رَوَيْنَا مِنْ ذَلِكَ مَا رَوَيْنَاهُ ، وَتَرَكْنَا مَا سِوَاهُ مِمَّا لَا يَتَّصِلُ أَسَانِيدُهُ . وَكَانَ مِمَّنْ قَرَأَ هَذَا الْحَرْفَ أَيْضًا عَاصِمٌ ، وَسُلَيْمَانُ الْأَعْمَشُ ، وَحَمْزَةُ ، وَذَكَرَ لَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ أَنَّهُ كَانَ يَذْهَبُ إلَى ذَلِكَ وَيَخْتَارُهُ ، لِكَثْرَةِ عَدَدِ الْقُرَّاءِ ؛ وَلِأَنَّ عَاصِمًا لِقِرَاءَتِهِ مِنْ صِحَّةِ الْمَخْرَجِ مَا لَيْسَ لِقِرَاءَةِ غَيْرِهِ . 312 - سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ أَبِي عِمْرَانَ يَقُولُ : سَمِعْت يَحْيَى بْنَ أَكْثَمَ يَقُولُ : إنْ كَانَتْ الْقِرَاءَةُ تُؤْخَذُ بِصِحَّةِ الْمَخْرَجِ ، فَمَا نَعْلَمُ لِقِرَاءَةٍ مِنْ صِحَّةِ الْمَخْرَجِ مَا صَحَّ لِقِرَاءَةِ عَاصِمٍ ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ : قَرَأْتُ الْقُرْآنَ عَلَى أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَقَرَأَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَلَى عَلِيٍّ ، وَقَرَأَ عَلِيٌّ عَلَى النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، قَالَ : وَكُنْت أَنْصَرِفُ مِنْ عِنْدِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، فَأَمُرُّ بِزِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ ، فَأَقْرَأُ عَلَيْهِ كَمَا قَرَأْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَلَا يُغَيِّرُ عَلَيَّ شَيْئًا . قَالَ : وَقَرَأَ زِرٌّ عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ . 313 - قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَصَدَقَ ، وَقَدْ كُنَّا أَخَذْنَا قِرَاءَةَ عَاصِمٍ حَرْفًا حَرْفًا عَنْ رَوْحِ بْنِ الْفَرَجِ ، وَحَدَّثَنَا أَنَّهُ أَخَذَهَا عَنْ يَحْيَى بْنِ سُلَيْمَانَ الْجُعْفِيِّ ، وَأَنَّهُ قَالَ لَهُمْ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ ، قَالَ : قَرَأْتُ عَلَى عَاصِمٍ قَالَ أَبُو بَكْرٍ : فَقُلْت لِعَاصِمٍ : عَلَى مَنْ قَرَأْت ؟ فَقَالَ : عَلَى السُّلَمِيِّ ، وَقَرَأَ عَلَى عَلِيٍّ ، وَقَرَأَ عَلِيٌّ عَلَى النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ . قَالَ عَاصِمٌ : وَكُنْتُ أَجْعَلُ طَرِيقِي عَلَى زِرٍّ فَأَقْرَأُ عَلَيْهِ ، وَقَرَأَ زِرٌّ عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَقَرَأَ عَلَى النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ . 314 - وَلَقَدْ حَدَّثَنِي إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مَرْوَانَ الْوَاسِطِيُّ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْوَاسِطِيُّ ، قَالَ : سَمِعْت حَفْصَ بْنَ سُلَيْمَانَ الْكُوفِيَّ ، عَنْ عَاصِمٍ قَالَ : قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ : قَرَأْت عَلَى عَلِيٍّ فَأَكْثَرْتُ ، وَأَمْسَكْتُ عَلَيْهِ فَأَكْثَرْتُ ، وَأَقْرَأْتُ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ حَتَّى خَتَمَا الْقُرْآنَ ، وَلَقِيتُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ بِحُرُوفِ الْقُرْآنِ ، فَمَا خَالَفَ عَلِيًّا فِي حَرْفٍ فَلَوْ أَضَافَ مُضِيفٌ قِرَاءَةَ عَاصِمٍ كُلَّهَا إلَى النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَا كَانَ مُعَنَّفًا ، وَمِمَّا يُقَوِّي ذَلِكَ : . 315 - مَا حَدَّثَنَا فَهْدٌ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْأَصْبَهَانِيِّ ، حَدَّثَنَا شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ ، وَوَكِيعٌ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ قَالَ : قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى الْقِرَاءَةِ الْأُولَى تَقْرَأُ قِرَاءَةَ ابْنِ مَسْعُودٍ ؟ قَالَ : بَلْ قِرَاءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ هِيَ الْآخِرَةُ . ( إنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ يَعْرِضُ عَلَى نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ رَمَضَانَ ، فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ عَرَضَهُ مَرَّتَيْنِ ) ، فَشَهِدَ عَبْدُ اللَّهِ مَا نُسِخَ مِنْهُ وَمَا بُدِّلَ . 316 - وَمَا حَدَّثَنَا فَهْدٌ ، حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ ، حَدَّثَنَا إسْرَائِيلُ بْنُ يُونُسَ ، عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ لِأَصْحَابِهِ : أَيُّ الْقِرَاءَتَيْنِ تَرَوْنَ آخِرًا ؟ قَالُوا : قِرَاءَةَ زَيْدٍ . قَالَ : إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَعْرِضُ الْقُرْآنَ عَلَى جِبْرِيلَ فِي كُلِّ سَنَةٍ ، فَلَمَّا كَانَتْ السَّنَةُ الَّتِي قُبِضَ فِيهَا عَرَضَهُ عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ ، فَشَهِدَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ ، فَكَانَتْ قِرَاءَةُ عَبْدِ اللَّهِ آخِرًا . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالِاخْتِلَافُ فِي هَاتَيْنِ الْقِرَاءَتَيْنِ فِي هَذَا الْحَرْفِ مِنْ أَيْسَرِ الِاخْتِلَافِ ؛ لِأَنَّا إذَا صَحَّحْنَا مَا رُوِيَ فِي الْعَيْنِ الَّتِي تَغْرُبُ فِيهَا الشَّمْسُ اسْتَحَقَّ بِذَلِكَ الْحَمَأُ وَالْحَرَارَةُ جَمِيعًا ، فَكَانَتَا مِنْ صِفَاتِهَا ، وَكَانَ مَنْ قَرَأَ حَامِيَةٍ وَصَفَهَا بِإِحْدَى صِفَاتِهَا ، وَمَنْ قَرَأَ حَمِئَةٍ وَصَفَهَا بِصِفَتِهَا الْأُخْرَى ، وَذَلِكَ وَاسِعٌ غَيْرُ ضَيِّقٍ عَلَى أَحَدٍ مِمَّنْ رَوَى قِرَاءَةً مِنْ هَاتَيْنِ الْقِرَاءَتَيْنِ .
777 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاته على قبر الذي صلى على قبره بغير حضره دفنه . 5806 - حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن يونس ، قال : حدثنا محمد بن قدامة المصيصي ، قال : حدثنا عبد الله بن إدريس ، عن الشيباني ، عن الشعبي ، عن ابن عباس : أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على قبر بعد ثلاث . وكان أهل العلم يختلفون في الصلاة على قبر [من] دفن ، ولم يصل عليه ، فكانت طائفة منهم تقول : يصلى على قبره إلى أن يمضي ثلاثة أيام ، ولا يتجاوز إلى ما هو أكثر منها ، ويذهب إلى أن الميت بعدها يخرج من حال من يصلى عليه ، وممن كان يذهب إلى ذلك : أبو حنيفة وأصحابه . وفي هذا الحديث ، الذي روينا عن ابن عباس ما قد دفع ذلك ، وكان الذي قالوه من ذلك توقيتا ، والتوقيت لا يؤخذ إلا بالتوقيف ، مع أنا قد رأينا غير واحد من الموتى المقبورين يخرجون من قبورهم بعد مدة تجاوز المدة التي قالوا بالمدة الطويلة ، وهم على حال لو كانوا عليها في غير قبورهم ، لوجب أن يصلى عليهم ، فثبت بذلك فساد هذا القول . وقد وجدنا الموتى بالغرق يخرجون بعد الأيام التي يجاوز هذا الوقت ، فيصلى عليهم ، فإذا كان ذلك كذلك في الغرقى كان من سواهم من الموتى كذلك أيضا ، ما كانت أبدانهم موجودة ، وإذا فقدت أبدانهم بفنائها ، إما ببلى ، وإما بما سواه ، كان معقولا أن لا يصلى عليهم ، فهذا هو القول عندنا في هذا الباب ، والله نسأله التوفيق .
48 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ ( عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي جَوَابِهِ كَانَ لِزَوْجَتَيْهِ أُمِّ سَلَمَةَ وَمَيْمُونَةَ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا لَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ الْأَعْمَى وَهُمَا عِنْدَهُ بَعْدَمَا أُنْزِلَ الْحِجَابُ : احْتَجَبَا مِنْهُ . فَقُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّهُ أَعْمَى لَا يَرَانَا وَلَا يَعْرِفُنَا ، وَمِنْ قَوْلِهِ : لَهُمَا أَعَمْيَاوَانِ أَنْتُمَا ) . 317 - حَدَّثَنَا يُونُسُ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، حَدَّثَني يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ ( نَبْهَانَ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ ، أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا كَانَتْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَمَيْمُونَةَ قَالَتْ : فَبَيْنَا نَحْنُ عِنْدَهُ أَقْبَلَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ ، وَذَلِكَ بَعْدَ أَنْ أُمِرَ بِالْحِجَابِ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : احْتَجِبَا مِنْهُ ، فَقُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَلَيْسَ هُوَ أَعْمَى ، لَا يُبْصِرُنَا وَلَا يَعْرِفُنَا ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : أَفَعَمْيَاوَانِ أَنْتُمَا ، أَلَسْتُمَا تُبْصِرَانِهِ ) ؟ . 318 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، حَدَّثَنِي ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ نَبْهَانَ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ ، ( عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ : كُنْت عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعِنْدَهُ مَيْمُونَةُ ، فَاسْتَأْذَنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ ، وَذَلِكَ بَعْدَ الْحِجَابِ فَقَالَ : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُومَا ، فَقُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّهُ أَعْمَى لَا يُبْصِرُنَا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَفَعَمْيَاوَانِ أَنْتُمَا ؟ ) . فَكَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا قَدْ دَلَّ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمَّا حَجَبَ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ النَّاسِ ، فَمَنَعَهُمْ منْ رُؤْيَتِهِنَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَنَّهُ قَدْ كَانَ فِي ذَلِكَ حَجْبُ النَّاسِ عَنْهُنَّ كَمَا حَجَبَهُنَّ عَنْ النَّاسِ ، وَأَنَّهُ حَرَامٌ عَلَيْهِنَّ النَّظَرُ إلَى النَّاسِ الَّذِينَ يَحْرُمُ عَلَيْهِمْ النَّظَرُ إلَيْهِنَّ ، فَدَخَلَ فِي ذَلِكَ الْعُمْيَانُ وَالْبُصَرَاءُ جَمِيعًا ، فَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أَنَّ مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِمَّا ذَكَرْنَا مَا قَدْ خَالَفَ مَا فِي الْحَدِيثِ الْمَرْوِيِّ فِي أَمْرِ عَائِشَةَ رُضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهَا : . 319 - وَهُوَ مَا حَدَّثَنَا يُونُسُ ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : ( رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَسْتُرُنِي بِرِدَائِهِ ، وَأَنَا أَنْظُرُ إلَى الْحَبَشَةِ ، وَهُمْ يَلْعَبُونَ وَأَنَا جَارِيَةٌ ، فَاقْدُرُوا قَدْرَ الْجَارِيَةِ الْعَرِبَةِ الْحَدِيثَةِ السِّنِّ ) 320 - وَمَا قَدْ حَدَّثَنَا يُونُسُ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ عَمْرٌو ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ( وَكَانَ يَوْمًا عِنْدِي تَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَعِبَ السُّودَانُ بِالدَّرَقِ وَالْحِرَابِ ، فَإِمَّا سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَإِمَّا قَالَ : تَنْظُرِينَ ؟ فَقُلْتُ : نَعَمْ ، فَأَقَامَنِي وَرَاءَهُ حِذَاءَ خَدِّهِ ، وَهُوَ يَقُولُ : دُونَكُمْ يَا بَنِي أَرْفِدَةَ ، حَتَّى إذَا مَلِلْتُ . قَالَ : حَسْبُكِ ؟ قُلْت : نَعَمْ . قَالَ : اذْهَبِي ) . 321 - حَدَّثَنَا يُونُسُ ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، وَحَدَّثَنِي بَكْرُ بْنُ مُضَرَ ، عَنْ ابْنِ الْهَادِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : ( دَخَلَ الْحَبَشَةُ الْمَسْجِدَ يَلْعَبُونَ فَقَالَ لِي : يَا حُمَيْرَاءُ ، أَتُحِبِّينَ أَنْ تَنْظُرِي إلَيْهِمْ ؟ فَقُلْت : نَعَمْ ، فَقَامَ بِالْبَابِ ، وَجِئْتُهُ فَوَضَعْتُ ذَقَنِي عَلَى عَاتِقِهِ ، وَأَسْنَدْتُ وَجْهِي إلَى خَدِّهِ ، وَمِنْ قَوْلِهِمْ يَوْمَئِذٍ : أَبا الْقَاسِمِ ، طَيِّبًا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : حَسْبُكِ . فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لَا تَعْجَلْ ، فَقَامَ ، ثُمَّ قَالَ : حَسْبُك . فَقُلْتُ : لَا تَعْجَلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَتْ : وَمَا بِي حُبُّ النَّظَرِ إلَيْهِمْ ، وَلَكِنْ أَحْبَبْتُ أَنْ يَبْلُغَ النِّسَاءَ مَقَامُهُ لِي ، أَوْ مَكَانِي مِنْهُ ) 322 - وَمَا قَدْ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ شُعَيْبٍ الْكَيْسَانِيُّ ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ بَكْرٍ ، حَدَّثَنِي الْأَوْزَاعِيِّ ، حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : ( دَخَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَالْحَبَشَةُ يَلْعَبُونَ فِي الْمَسْجِدِ ، فَزَجَرَهُمْ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : دَعْهُمْ يَا عُمَرُ ، فَإِنَّهُمْ بَنُو أَرْفِدَةَ ) . فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ عَنْ ذَلِكَ أَنَّ مَا فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ هَذَا لَمْ يَبِنْ لَنَا مُضَادَّتُهُ لِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ وَمَيْمُونَةَ الَّذِي رَوَيْنَاهُ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ مِنْ هَذَا الْبَابِ ، وَكَانَ مَا فِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ وَمَيْمُونَةَ مَكْشُوفَ الْمَعْنَى ، وَمَوْقُوفًا بِهِ عَلَى أَنَّهُ كَانَ بَعْدَ نُزُولِ الْحِجَابِ ، وَعَلَى أَنَّ مَا فِيهِ مِمَّا خَاطَبَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ أُمَّ سَلَمَةَ وَمَيْمُونَةَ زَوْجَتَيْهِ كَانَ لِامْرَأَتَيْنِ بَالِغَتَيْنِ قَدْ لَحِقَهُمَا الْعِبَادَةُ ، وَكَانَ حَدِيثُ عَائِشَةَ لَا ذِكْرَ فِيهِ لِتَقَدُّمِ نُزُولِ الْحِجَابِ فِي نِسَاءِ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَنْ النَّاسِ ، وَفِي حِجَابِ النَّاسِ عَنْهُنَّ ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَحْمِلَهُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ بَعْدَ نُزُولِ الْحِجَابِ إلَّا كَانَ لِمُخَالِفِهِ أَنْ يَحْمِلَهُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ نُزُولِ الْحِجَابِ فَيَتَكَافَآنِ فِي ذَلِكَ ، وَإِذَا تَكَافَآ فِيهِ ارْتَفَعَ ، وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ مَا فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ كَانَ وَهِيَ حِينَئِذٍ لَمْ تَبْلُغْ مَبْلَغَ النِّسَاءِ ، فَلَمْ يَلْحَقْهَا الْعِبَادَاتُ ، فَكَانَ ذَلِكَ الَّذِي كَانَ مِنْهَا كَانَ ، وَلَا تَعَبُّدَ عَلَيْهَا . فَقَالَ هَذَا الْقَائِلُ : وَفِيمَا رَوَيْتُمْ عَنْ عَائِشَةَ مَا يَجِبُ دَفْعُهُ وَتَرْكُ قَبُولِهِ ؛ لِأَنَّ فِيهِ لَعِبَ السُّودَانِ بِالدَّرَقِ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَذَلِكَ مِنْ اللَّهْوِ الَّذِي لَا يَصْلُحُ فِي غَيْرِهِ مِنْ الْمَسَاجِدِ ، وَكَيْفَ فِيهِ عَلَى تَجَاوُزِ حُرْمَتِهِ حُرْمَتَهُمْ غَيْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، وَوُصِلَ ذَلِكَ بِمَا قَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 323 - مِمَّا قَدْ حَدَّثَنَاهُ عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَكْرٍ السَّهْمِيُّ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : لَمْ يَكُنْ هَذَا مِنْ سَهْمِ قُرَيْشٍ ، كَانَ مِنْ سَهْمِ بَاهِلَةَ عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، 324 - وَمَا قَدْ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : ( قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ الْمَدِينَةَ وَلَهُمْ يَوْمَانِ يَلْعَبُونَ فِيهِمَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، فَقَالَ : إنَّ اللَّهَ أَبْدَلَكُمَا بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا يَوْمَ الْفِطْرِ وَيَوْمَ النَّحْرِ ) . وَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ : أَنَّ الَّذِي فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ مِمَّا كَانَ مِنْ السُّودَانِ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ مِنْ اللَّهْوِ الْمَذْمُومِ ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يُحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ أَمْثَالِهِمْ فِي الْحَرْبِ ، فَذَلِكَ مَحْمُودٌ مِنْهُمْ فِي الْمَسْجِدِ ، وَفِيمَا سِوَاهُ ، وَاَلَّذِي فِي حَدِيثِ أَنَسٍ مِمَّا كَانُوا يَفْعَلُونَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ اللَّعِبِ كَانَ عَلَى جِهَةِ اللَّهْوِ ، مِمَّا لَا يُقَابَلُ بِمِثْلِهِ عَدُوٌّ وَلَا مَنْفَعَةَ فِيهِ لِلْإِسْلَامِ ، وَلَا لِأَهْلِهِ ، فَذَلِكَ مَذْمُومٌ مِنْ أَهْلِهِ ، غَيْرُ مَحْمُودٍ مِنْهُمْ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صِنْفٍ مِنْ اللَّهْوِ الَّذِي يَرْجِعُ إلَيه أَنَّهُ آلَةٌ فِي حَرْبِ الْعَدُوِّ ، وَأَنَّهُ مَحْمُودٌ 325 - كَمَا حَدَّثَنَا بَكَّارَ ، حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ الدَّسْتُوَائِيُّ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ أَبِي سَلَّامٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ الْأَزْرَقِ ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : ( إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُدْخِلُ بِالسَّهْمِ الْوَاحِدِ ثَلَاثَةً الْجَنَّةَ : صَانِعَهُ يَحْتَسِبُ فِي صَنْعَتِهِ الْأَجْرَ ، وَالرَّامِيَ بِهِ ، وَالمُنْبِلَهُ ، فَارْمُوا وَارْكَبُوا ، وَأَنْ تَرْمُوا أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ تَرْكَبُوا ، وَلَيْسَ مِنْ اللَّهْوِ إلَّا ثَلَاثَةٌ : تَأْدِيبُ الرَّجُلِ فَرَسَهُ ، وَمُدَاعَبَتُهُ امْرَأَتَهُ ، وَرَمْيُهُ بِقَوْسِهِ ، وَمَنْ تَرَكَ الرَّمْيَ بَعْدَ مَا عَلِمَهُ كَانَتْ نِعْمَةً كَفَرَهَا ) . 326 - وَحَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمُرَادِيُّ ، حَدَّثَنَا أَسَدُ بْنُ مُوسَى ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ زَكَرِيَّا بِإِسْنَادِهِ . 327 - وَكَمَا حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ بَكْرٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءَ ، حَدَّثَنِي أَبُو سَلَّامٍ ، حَدَّثَنِي خَالِدُ بْنُ زَيْدٍ قَالَ : قَالَ لِي عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ . وَكَانَ مَا قَدْ رَوَيْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ عُقْبَةَ هَذَا قَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّ مَا كَانَ مِنْ اللَّهْوِ مِمَّا يُرَادُ بِهِ تَعْلِيمُ آلَةِ الْحَرْبِ مِمَّا هُوَ مَأْمُورٌ بِهِ ، مَحْمُودٌ عَلَيْهِ أَهْلُهُ ، فَبَانَ مِمَّا ذَكَرْنَا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ وَعَوْنِهِ أَنْ لَا شَيْءَ فِيمَا رَوَيْنَاهُ فِي هَذَا الْبَابِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مُضَادٌّ لِشَيْءٍ مِمَّا رَوَيْنَاهُ عَنْهُ فِيهِ ، وَأَنَّ كُلَّ نَوْعٍ مِنْهُ فَلِمَعْنًى أَرَادَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِ ، وَأَنَّ تَمْيِيزَ ذَاكَ وَوَضْعَهُ مَوَاضِعَهُ يُؤْخَذُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِمِثْلِهِ ، لَا مِمَّنْ سِوَاهُمْ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ .
728 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدليل على الواجب فيما اختلف فيه أهل العلم في حكم الحكم الذي يحكمه الرجلان بينهما ، هل يكون جائزا عليهما كما يكون حكم الحاكم عليهما به ، وحتى لا يكون للحاكم إذا رفع إليه نقضه إذا كان مما يراه بعض أهل العلم وإن كان هو يرى خلافه . 5430 - حدثنا أحمد بن شعيب ، حدثنا عمار بن خالد الواسطي ، أخبرنا القاسم بن مالك يعني : المزني ، عن الأعمش ، عن زيد بن وهب ، قال : قال عمر : إذا كان في سفر ثلاثة ، فليؤمروا أحدهم ، فذلك أمير أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم . 5431 - وحدثنا محمد بن علي بن داود البغدادي ، حدثنا علي بن بحر بن بري وأبو مسلم عبد الرحمن بن يونس ، قالا : حدثنا حاتم بن إسماعيل ، قال : أخبرني محمد بن عجلان ، عن نافع مولى ابن عمر ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : إذا كان ثلاثة في سفر ، فليؤمروا أحدهم ، قال نافع : فقلت لأبي سلمة : فأنت أميرنا . قال أبو جعفر : ففي هذين الحديثين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جعل الأمير الذي يؤمره الناس عليهم حيث يبعدون من أمرائهم كأمرائهم عليهم في وجوب السمع منهم والطاعة له ، فيما يأمرهم به أمراؤهم إذا كانوا بحضرتهم ، وإذا كان ذلك كذلك في الإمرة كان مثله في القضاء ، إذا حكم الرجلان المتنازعان في الشيء حكما بينهما فيما يتنازعان فيه ، فأمر ذلك الحكم فيما حكماه فيه كالحكم عليهما فيما يحكم به عليهما الحكم الذي جعله إمامهما الذي إليه تولية الحكام عليهما فيما يلزمهما من الحكم لهما وعليهما . وهذه مسألة قد تنازع أهل العلم فيها . فقال طائفة منهم : ما حكم به ذلك الحكم بين اللذين حكماه ، ثم رفع إلى الحاكم الذي جعله الإمام للناس حاكما تأمل ذلك ، فإن وافق ما يراه فيه أمضاه ، وإن خالف ما يراه فيه وإن كان غيره من العلماء يراه رده . وممن كان يذهب إلى ذلك من أهل العلم أبو حنيفة وأصحابه . ومنهم من قال : ليس للحاكم المرفوع ذلك الحكم إليه رده ولا إبطاله ، إلا أن يكون خارجا من أقوال أهل العلم جميعا فيرده ويبطله . وأما إذا لم يكن كذلك فليس له رده ، ولا إبطاله ، وكان عليه أن يمضيه كما يمضي حكم حاكم كان قبله من الحكام . وممن كان يقول ذلك من أهل العلم ابن أبي ليلى ، وفقهاء المدينة ، وقد كان الشافعي قال القولين جميعا . وكان أولى القولين عندنا في ذلك وأشبههما بالحق ما قاله ابن أبي ليلى وأهل المدينة فيه ، لإجماعهم ومن خالفهم على ما يوجب ذلك ، وذلك أنا رأيناهم لا يختلفون أن ذينك الرجلين لو أرادا بعد ما كان من ذلك الحكم ما كان من الحكم بينهما رد ذلك الحكم عنهما أو أراده أحدهما قبل أن يصير إلى الحاكم أن ذلك ليس لهما ولا لواحد منهما ، إذ كان قد لزمهما بحكم الحكم فيه بينهما بما حكم بينهما فيه ، ولما كان ذلك كذلك في لزومه إياهما قبل أن يصير إلى الحاكم ثم صار إلى الحاكم وهو لازم لهما ، وكان سبيل الحكام فيما يتناهى إليهم مما قد لزم قبل ذلك شده لا إبطاله ، وجب عليه بذلك شد ما كان من ذلك الحكم بين ذينك الرجلين وإمضاؤه بينهما كما يمضي حكم حاكم حكم بينهما من حكام الأئمة الذين يولونهم الأحكام بين الناس ، والله الموفق .
49 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ ( عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي قَوْلِهِ لِأُمِّ سَلَمَةَ زَوْجَتِهِ : إذَا كَانَ لِإِحْدَاكُنَّ مُكَاتَبٌ وَكَانَ عِنْدَهُ مَا يُؤَدِّي فَلْتَحْتَجِبْ مِنْهُ ) . 328 - حَدَّثَنَا الْمُزَنِيّ ، حَدَّثَنَا الشَّافِعِيُّ ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ نَبْهَانَ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّهُ كَانَ مَعَهَا ، وَأَنَّهَا سَأَلَتْ كَمْ بَقِيَ عَلَيْك مِنْ كِتَابَتِكَ ؟ فَذَكَرَ شَيْئًا قَدْ سَمَّاهُ فَأَمَرَتْهُ أَنْ يُعْطِيَهُ أَخَاهَا ، أَوْ ابْنَ أَخِيهَا ، وَأَلْقَتْ الْحِجَابَ مِنْهُ ، وَقَالَتْ : عَلَيْك السَّلَامُ ، وَذَكَرَتْ عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ : ( إذَا كَانَ لِإِحْدَاكُنَّ مُكَاتَبٌ ، وَكَانَ عِنْدَهُ مَا يُؤَدِّي ، فَلْتَحْتَجِبْ مِنْهُ ) . قَالَ سُفْيَانُ : سَمِعْتُهُ مِنْ الزُّهْرِيِّ ، وَثَبَّتَهُ مَعْمَرٌ . 329 - وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُد الْبَغْدَادِيُّ ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ دَاوُد بْنِ أَبِي زَنْبَرٍ ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ ، أَنَّ نَبْهَانَ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ بَيْنَا هُوَ يَسِيرُ مَعَ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ ، وَقَدْ بَقِيَ مِنْ كِتَابَتِهِ أَلْفَا دِرْهَمٍ قَالَ : فَكُنْت أَتَمَسَّكُ بِهَا كَيْمَا أَدْخُلَ عَلَيْهَا وَأَرَاهَا ، فَقَالَتْ : وَهِيَ تَسِيرُ مَاذَا بَقِيَ عَلَيْك مِنْ كِتَابَتِكَ يَا نَبْهَانُ ؟ قُلْت : أَلْفَا دِرْهَمٍ ، قَالَتْ : فَهُمَا عِنْدَك ؟ فَقُلْت : نَعَمْ . فَقَالَتْ : ادْفَعْ مَا بَقِيَ عَلَيْك مِنْ كِتَابَتِك إلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ ، فَإِنِّي قَدْ أَعَنْتُهُ بِهِمَا فِي نِكَاحِهِ ، وَعَلَيْكَ السَّلَامُ ، ثُمَّ أَلْقَتْ دُونِي الْحِجَابَ ، فَبَكَيْتُ وَقُلْتُ : وَاَللَّهِ لَا أُعْطِيهَا إيَّاهَا أَبَدًا ، قَالَتْ : إنَّك وَاَللَّهِ يَا بُنَيَّ لَنْ تَرَانِي أَبَدًا ؛ ( إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَهِدَ إلَيْنَا أَنَّا إذَا كَانَ عِنْدَ مُكَاتَبِ إحْدَاكُنَّ وَفَاءٌ بِمَا بَقِيَ عَلَيْهِ فِي كِتَابَتِهِ فَاضْرِبْنَ دُونَهُ الْحِجَابَ ) . 330 - حَدَّثَنَا أَبُو أُمَيَّةَ ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى الْعَبْسِيُّ ، أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ إسْمَاعِيلَ بْنِ مُجَمِّعٍ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ نَبْهَانَ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ ، ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ . فَتَأَمَّلْنَا مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِمَّا ذُكِرَ مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِيهِ لِزَوْجَتِهِ أُمِّ سَلَمَةَ بَعْدَ وُقُوفِنَا بِهِ ، وَبِمَا سِوَاهُ مِنْ الْآثَارِ الْمَرْوِيَّةِ فِي الْكِتَابَةِ ، أَنَّ الْمُكَاتَبَ لَا يَعْتِقُ بِإِلْقَاءِ الْحِجَابِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ كَاتَبَهُ عَلَيْهَا . ثُمَّ تَأَمَّلْنَا مَعْنَى قَوْلِهِ هَذَا إذَا كَانَ لِإِحْدَاكُنَّ مُكَاتَبٌ وَكَانَ عِنْدَهُ مَا يُؤَدِّي مِمَّا قَدْ بُيِّنَ فِي بَعْضِ مَا قَدْ رَوَيْنَاهُ مِنْهَا فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّهُ الْوَفَاءُ بِمَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ كِتَابَتِهِ أَنْ تَحْتَجِبَ مِنْهُ ، وَهُوَ غَيْرُ عَتِيقٍ يَكُونُ ذَلِكَ عِنْدَهُ قَبْلَ أَدَائِهِ إيَّاهُ عَنْ نَفْسِهِ مِنْ كِتَابَتِهِ إلَى مَنْ كَانَ كَاتَبَهُ . وَوَجَدْنَا اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ مَا أَبَاحَ لِأَزْوَاجِ نَبِيِّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ النَّظَرِ إلَى مَنْ أَبَاحَ لَهُنَّ النَّظَرَ إلَيْهِ مِنْ النَّاسِ ، وَأَبَاحَ لِمَنْ أَبَاحَ لَهُنَّ ذَلِكَ مِنْهُ النَّظَرَ إلَيْهِنَّ بِقَوْلِهِ : لا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ إلَى وَلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ . فَوَجَدْنَا مَنْ كَاتَبَهُنَّ مِمَّا ذَكَرْنَا قَدْ دَخَلَ فِيمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ بِالدَّلَالَةِ عَلَى ذَلِكَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَكَانَ مَا دَلَّ عَلَى مَنْ كَاتَبْنَ مِنْ الْمُكَاتَبَةِ مِمَّا إذَا أَدَّاهُ الْمُكَاتَبُ الَّذِي قَدْ حَلَّ عَلَيْهِ عَتَقَ بِهِ ، وَحَرُمَ عَلَيْهِ النَّظَرُ إلَى سَيِّدَتِهِ الَّتِي هِيَ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَكَانَ تَأْخِيرُهُ ذَلِكَ لِيَسَعَ لَهُ النَّظَرُ إلَيْهَا بِمِلْكِهَا إيَّاهُ حَرَامًا عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ مَنَعَ وَاجِبًا عَلَيْهِ لِيَبْقَى لَهُ مَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ إذَا أَدَّى ذَلِكَ الْوَاجِبَ لِمَنْ هُوَ لَهُ عَلَيْهِ ، فَهَذَا وَجْهُ قَوْلِهِ لِزَوْجَتِهِ أُمِّ سَلَمَةَ : ( إذَا كَانَ لِإِحْدَاكُنَّ مُكَاتَبٌ ، وَكَانَ عِنْدَهُ مَا يُؤَدِّي فَلْتَحْتَجِبْ مِنْهُ ) . وَمِمَّا يُسْتَخْرَجُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ الْأَحْكَامِ مِمَّا يَدْخُلُ فِيهِ مَعَ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ سِوَاهُنَّ مِنْ النَّاسِ أَنَّا قَدْ وَجَدْنَا الْمُكَاتَبَةَ فِي حَالِ مُكَاتَبَتِهَا لَهَا أَنْ تُصَلِّيَ بِلَا قِنَاعٍ ، وَإِذَا بَرِئَتْ مِنْ مُكَاتَبَتِهَا بِأَدَائِهَا إيَّاهَا إلَى مَنْ كَاتَبَهَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهَا ، وَكَانَ عَلَيْهَا أَنْ تُصَلِّيَ كَمَا تُصَلِّي سَائِرُ النِّسَاءِ بِقِنَاعٍ ، فَاحْتِبَاسُهَا مُكَاتَبَتَهَا لِيَتَّسِعَ ذَلِكَ لَهَا فِي صَلَاتِهَا حَرَامٌ عَلَيْهَا . وَرَأَيْنَاهَا فِي عِدَّتِهَا مِنْ وَفَاةِ زَوْجِهَا أَوْ مِنْ طَلَاقِهِ إيَّاهَا ، تَعْتَدُّ نِصْفَ عِدَّةِ الْحُرَّةِ ، وَإِذَا أَدَّتْ فَعَتَقَتْ حَالَتْ عَنْ ذَلِكَ ، وَكَانَتْ فِيمَا يَجِبُ عَلَيْهَا مِنْ الْعِدد كَسَائِرِ النِّسَاءِ الْحَرَائِرِ سِوَاهَا ، وَكَانَتْ فِي عِدَّتِهَا قَبْلَ أَدَائِهَا مُكَاتَبَتَهَا لَا إحْدَادَ عَلَيْهَا فِي ذَلِكَ ، وَبَعْدَ أَدَائِهَا إيَّاهَا عَلَيْهَا فِيهَا مِنْ الْإِحْدَادِ مَا عَلَى سَائِرِ الْحَرَائِرِ سِوَاهَا فِي مِثْلِهَا ، فَإِذَا احْتَبَسَتْ مُكَاتَبَتَهَا لِيَتَّسِعَ لَهَا مَا يَحِلُّ لَهَا مِنْ ذَلِكَ ، وَلِتَكُونَ فِي عِدَّتِهَا بِخِلَافِ سَائِرِ الْحَرَائِرِ سِوَاهَا ، كَانَ ذَلِكَ حَرَامًا عَلَيْهَا . وَرَأَيْنَاهَا فِي مُكَاتَبَتِهَا لَهَا أَنْ تُسَافِرَ بِلَا مَحْرَمٍ إلَى حَيْثُ شَاءَتْ ، وَهِيَ بَعْدَ أَدَائِهَا مُكَاتَبَتِهَا فِي ذَلِكَ بِخِلَافِ هَذَا الْحُكْمِ ، فَإِذَا احْتَبَسَتْ مُكَاتَبَتَهَا لِيَتَّسِعَ لَهَا هَذَا الْمَعْنَى كَانَ حَرَامًا عَلَيْهَا . وَوَجَدْنَا سَائِرَ الْمُكَاتَبِينَ مِنْ الذُّكْرَانِ فِي حَالِ مُكَاتَبَاتِهِمْ لَا زَكَاةَ عَلَيْهِمْ فِي أَمْوَالِهِمْ ، وَهُمْ فِيهَا بَعْدَ أَدَائِهِمْ مُكَاتَبَاتِهِمْ ، وَعَتَاقِهِمْ بِذَلِكَ بِخِلَافِ ذَلِكَ مِنْ وُجُوبِ الزَّكَوَاتِ عَلَيْهِمْ كَوُجُوبِهَا عَلَى سَائِرِ ذَوِي الزَّكَوَاتِ مِنْهُمْ فِي أَمْوَالِهِمْ ، فَإِذَا احْتَبَسُوا مُكَاتَبَاتَهُمْ لِسُقُوطِ الزَّكَوَاتِ عَنْهُمْ فِي أَمْوَالِهِمْ ، لَوْ أَدَّوْا مُكَاتَبَاتَهُمْ كَانَ ذَلِكَ حَرَامًا عَلَيْهِمْ . فَهَذِهِ وُجُوهٌ مِنْ وُجُوهِ الْفِقْهِ مَوْجُودَةٌ فِي قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ الَّذِي خَاطَبَ بِهِ زَوْجَتَهُ أُمَّ سَلَمَةَ يَجِبُ عَلَى أَهْلِ الْفِقْهِ الْوُقُوفُ عَلَيْهَا ، وَالتَّأَمُّلُ لَهَا فِي أَقْوَالِ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ الْفَوَائِدِ ، وَمِنْ الْمَعَانِي الَّتِي لَا يَعْلَمُهَا إلَّا اللَّهُ تَعَالَى مِمَّا يُنَزِّلُهُ فِي كِتَابِهِ ، وَمِمَّا يُجْرِيهِ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
778 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاته على قتلى أحد بعد مقتلهم بثماني سنين . 5807 - حدثنا يونس بن عبد الأعلى ، قال : حدثنا عبد الله بن وهب ، قال : أخبرني عمرو بن الحارث وابن لهيعة ، عن يزيد بن أبي حبيب : أن أبا الخير أخبره : أنه سمع عقبة بن عامر يقول : إن آخر ما خطب لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنه صلى على شهداء أحد ، ثم رقي على المنبر ، فحمد الله - عز وجل - وأثنى عليه ، ثم قال : إني فرط لكم ، وأنا عليكم شهيد . 5808 - حدثنا علي بن معبد ، قال : حدثنا يونس بن محمد ، قال : حدثنا الليث بن سعد ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن أبي الخير ، عن عقبة بن عامر : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يوما ، فصلى على أهل أحد صلاته على الميت . قال أبو جعفر : ففي هذا الحديث ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان صلى على قتلى أحد بعد مقتلهم بثماني سنين ، فاحتمل أن يكون ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه لم تكن سنة الشهداء قبل ذلك الصلاة عليهم ، ثم جعل الله الصلاة عليهم من سنتهم ، فصلى عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لذلك . فقال قائل : وكيف تقبلون هذا وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى عليهم بحضرة قتلهم . وذكر ما قد . 5809 - حدثنا إبراهيم بن أبي داود ، قال : حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير ، قال : حدثنا أبو بكر بن عياش ، عن يزيد بن أبي زياد ، عن مقسم عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوضع بين يديه يوم أحد عشرة ، فيصلي عليهم وعلى حمزة ، ثم يرفع العشرة وحمزة موضوع ، ثم توضع عشرة فيصلي عليهم وعلى حمزة معهم . 5810 - وما قد حدثنا فهد ، قال : حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس ، قال : حدثنا أبو بكر بن عياش ، عن يزيد بن أبي زياد ، عن مقسم ، عن ابن عباس ، قال : أمر رسول صلى الله عليه وسلم يوم أحد بالقتلى ، فجعل يصلي عليهم ، فيضع تسعة وحمزة ، فيكبر عليهم سبع تكبيرات ، ثم يرفعون ويترك حمزة ، ثم يجاء بتسعة فيكبر عليهم سبعا حتى فرغ منهم . فقال القائل : ففي هذا الحديث ، أنه قد كان صلى عليهم بحضرة قتلهم ، وإذا كان ذلك كذلك ممن قد صلى قبل ذلك على المدفون جاز له أن يعيد الصلاة عليه ، وفي جواز ذلك له ما يجوز به لغيره الصلاة عليه أيضا . فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله - عز وجل - وعونه : أن الذي قد روي من هذا الحديث ، عن ابن عباس قد خالفه فيه جابر وأنس بن مالك ، كما قد . 5811 - حدثنا يونس ، قال : حدثنا ابن وهب ، قال : حدثني الليث بن سعد ، عن ابن شهاب حدثه ، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك أن جابر بن عبد الله أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بدفن قتلى أحد بدمائهم ، ولم يصل عليهم ، ولم يغسلوا . 5812 - كما قد حدثنا يونس ، قال : حدثنا ابن وهب ، قال : حدثني أسامة بن زيد الليثي : أن ابن شهاب حدثه أن أنس بن مالك حدثه : أن شهداء أحد لم يغسلوا ودفنوا بدمائهم ولم يصل عليهم . قال أبو جعفر : فهذا جابر وأنس يخبران أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن صلى عليهم بحضرة قتلهم ، وقد يجوز أن يكون لم يصل عليهم ، وقد صلى عليهم غيره بأمره ، فنظرنا في ذلك هل روي فيه شيء أم لا ؟ . 5813 - فوجدنا إبراهيم بن مرزوق قد حدثنا ، قال : حدثنا عثمان بن عمر بن فارس ، قال : أخبرنا أسامة بن زيد ، عن ابن شهاب ، عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد مر بحمزة عليه السلام ، وقد جدع ومثل به ، فقال : لولا أن تجزع صفية لتركته حتى يحشره الله - عز وجل - من بطون الطير والسباع ، فكفنه في نمرة إذا خمر رأسه بدت رجلاه ، وإذا خمر رجليه بدا رأسه ، فخمر رأسه ولم يصل على أحد من الشهداء غيره ، وقال : أنا شهيد عليكم اليوم . فكان في هذا الحديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن صلى على أحد من الشهداء يوم أحد غير حمزة ، وقد يجوز أن يكون فعل ذلك من الصلاة على حمزة ، ومن ترك الصلاة على غيره لما أشغله يومئذ مما كان نزل به في وجهه ، ومن هشم البيضة على رأسه ، كما قد . 5814 - حدثنا يونس ، قال : حدثنا ابن وهب ، قال : أخبرني ابن أبي حازم وسعيد بن عبد الرحمن الجمحي ، عن أبي حازم ، قال سعيد في حديثه : سمعت سهل بن سعد ، وقال ابن أبي حازم ، عن سهل : أنه سئل ، عن وجه رسول الله يوم أحد ، بأي شيء دووي ؟ قال سهل : كسرت البيضة على رأسه ، وكسرت رباعيته ، وجرح وجهه ، فكانت فاطمة تغسله ، وكان علي عليه السلام يسكب الماء بالمجن ، فلما رأت فاطمة أن الماء لا يزيد الدم إلا كثرة أخذت قطعة حصير ، فأحرقتها وألصتها على جرحه ، فاستمسك الدم ، يختلف لفظ ابن أبي حازم وسعيد في هذا الحديث ، والمعنى واحد . 5815 - وكما حدثنا ابن أبي داود ، قال : حدثنا عمرو بن عون ، قال : أخبرنا خالد بن عبد الله ، عن محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : اشتد غضب الله على قوم دموا وجه رسول الله ، وهشموا عليه البيضة ، وكسروا رباعيته . 5816 - وكما حدثنا عبد الله بن محمد بن خشيش ، قال : حدثنا القعنبي ، قال : حدثنا حماد ، عن ثابت البناني ، عن أنس : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كسرت رباعيته يوم أحد ، وشج وجهه ، فجعل يسلت الدم عن وجهه ، ويقول : كيف يفلح قوم شجوا وجه نبيهم ، وكسروا رباعيته ، وهو يدعوهم إلى الله - عز وجل - فأنزل الله - عز وجل - : لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ . قال أبو جعفر : فاحتمل أن يكون صلى الله عليه وسلم ترك الصلاة عليهم لما شغله عنهم من ألم ما نزل به ، غير حمزة فإنه اختصه بالصلاة عليه لمكانه منه . فقال قائل : فقد روي الحديث الذي ذكرت فيه اختصاص رسول الله صلى الله عليه وسلم حمزة بالصلاة عليه بخلاف ما رواه عليه عثمان بن عمر الذي ذكرت ذلك في حديثه عنه ، وذكر ما قد . 5817 - حدثنا يونس ، قال : حدثنا عبد الله بن وهب ، قال : أخبرني أسامة بن زيد ، عن ابن شهاب ، عن أنس بن مالك ، قال : كفن حمزة في نمرة ، كانوا إذا مدوها على رأسه خرجت رجلاه ، وإذا مدوها على رجليه خرج رأسه ، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقدموا على رأسه ويجعلوا على رجليه من الإذخر . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لولا أن تجزع صفية لتركنا حمزة ، فلم ندفنه حتى يحشر من بطون الطير والسباع . ولم يذكر فيه ابن وهب صلاة رسول الله على حمزة . فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله - عز وجل - وعونه : أن ابن وهب ، وإن كان لم يذكر ذلك ، فقد زاد عليه عثمان بن عمر ، عن أسامة ما في حديثه من إثباته الصلاة عليه ، وكلاهما بحمد الله ثقة ثبت مقبول الرواية ، ومن زاد وهو كذلك على غيره زيادة في حديث روياه جميعا كانت زيادته مقبولة . فقال قائل : فقد ذكرت في الباب الذي قبل هذا الباب : أن الميت إذا فني ببلى أو بما سواه ، فصار بذلك معدوما أنه لا يصلى على قبره ، وفي حديث عقبة الذي رويته : أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على قتلى أحد بعد مقتلهم بثماني سنين ، فهذا الحديث حجة عليك لما ذكرته من ذلك ؛ لأن الموتى يفنون في أقل من تلك المدة . فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله - عز وجل - وعونه : أن شهداء أحد قد علم رسول الله أنهم لم يفنوا ، وأنهم باقون لما أنزل الله - عز وجل - عليه فيهم من قوله : وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ، فصلى عليهم لذلك ، وقد روي في وجودهم على الأحوال التي ذكرها الله في هذه الآية بعد أضعاف هذه المدة من الزمان . 5818 - ما قد حدثنا عبد الغني بن أبي عقيل ، قال : حدثنا سفيان بن عيينة ، عن أبي الزبير سمع جابر بن عبد الله يقول : لما أراد معاوية يجري العين التي عند قبور الشهداء بالمدينة ، أمر مناديا فنادى : من كان له ميت فليأته ، قال جابر : فذهبت إلى أبي ، فأخرجناهم رطابا يتثنون ، فأصابت المسحاة أصبع رجل منهم فانفطرت دما . ففي هذا الحديث ، ما قد دل على بقاء أبدانهم بعد المدة التي كان صلى عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها ، فهكذا نقول : من علم بقاء بدنه بعد مدة ، وإن طالت في قبره ، جاز أن يصلى على قبره إذا لم يكن صلي عليه قبل دفنه ، اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك ، واتباعا له ، والله - عز وجل - نسأله التوفيق .
50 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي رَفْعِ الْعِلْمِ عَنْ النَّاسِ وَقَبْضِهِ مِنْهُمْ . 331 - حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، سَمِعْت اللَّيْثَ يَقُولُ : حَدَّثَنِي إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي عَبْلَةَ ، عَنْ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجُرَشِيِّ ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ أَنَّهُ قَالَ : حَدَّثَنِي عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيُّ : ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ نَظَرَ إلَى السَّمَاءِ يَوْمًا فَقَالَ : هَذَا أَوَانُ يُرْفَعُ الْعِلْمُ ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ : يُقَالُ لَهُ : لَبِيدُ بْنُ زِيَادٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، يُرْفَعُ الْعِلْمُ وَقَدْ أُثْبِتَ وَوَعَتْهُ الْقُلُوبُ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنْ كُنْتُ لَأَحْسِبكَ مِنْ أَفْقَهِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، ثُمَّ ذَكَرَ ضَلَالَةَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى عَلَى مَا فِي أَيْدِيهِمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى ، قَالَ : فَلَقِيتُ شَدَّادَ بْنَ أَوْسٍ فَحَدَّثْتُهُ بِحَدِيثِ عَوْفٍ فَقَالَ : صَدَقَ عَوْفٌ ، أَلَا أُخْبِرُك بِأَوَّلِ ذَلِكَ يُرْفَعُ ؟ الْخُشُوعُ حَتَّى لَا تَرَى خَاشِعًا ) . 332 - حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُد ، حَدَّثَنَا خَطَّابُ بْنُ عُثْمَانَ الْفَوْزِيُّ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حِمْيَرَ ، حَدَّثَني ابْنُ أَبِي عَبْلَةَ ، عَنْ الْوَلِيدِ الْجُرَشِيِّ ، حَدَّثَنَا جُبَيْرٌ ، عَنْ عَوْفٍ ، ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ إلَّا أَنَّهُ قَالَ مَكَانَ لَبِيدِ بْنِ زِيَادٍ : زِيَادَ بْنَ لَبِيدٍ ، وَإِلَّا أَنَّهُ قَالَ : ( يُرْفَعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَفِينَا كِتَابُ اللَّهِ ، وَقَدْ عَلَّمْنَاهُ أَبْنَاءَنَا وَنِسَاءَنَا ؟ ) . 333 - حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ الْجِيزِيُّ ، وَالْحُسَيْنُ بْنُ نَصْرٍ الْبَغْدَادِيُّ قَالَا : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ، أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ ، حَدَّثَنَا أَبُو إسْمَاعِيلَ إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي عَبْلَةَ ، أَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَدَّثَهُ عَنْ جُبَيْرٍ ، ( عَنْ عَوْفٍ قَالَ : بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : هَذَا أَوَانُ يُرْفَعُ الْعِلْمُ ، فَقُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، يُرْفَعُ الْعِلْمُ وَعِنْدَنَا كِتَابُ اللَّهِ ، قَدْ قَرَأْنَاهُ ، وَعَلَّمْنَاهُ صِبْيَانَنَا وَنِسَاءَنَا ؟ فَذَكَرَ ضَلَالَةَ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى ، ثُمَّ قَالَ : ذَهَابُهُ بِذَهَابِ أَوْعِيَتِهِ . قَالَ جُبَيْرٌ : فَلَقِيت شَدَّادَ بْنَ أَوْسٍ ، فَذَكَرْت لَهُ حَدِيثَ عَوْفٍ فَقَالَ : صَدَقَ عَوْفٌ ، وَأَوَّلُ مَا يُرْفَعُ الْخُشُوعُ ، حَتَّى لَا تَرَى خَاشِعًا ) . 334 - وَحَدَّثَنَا فَهْدٌ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ( ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّهُ قَالَ : كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَشَخَصَ بِبَصَرِهِ إلَى السَّمَاءِ فَقَالَ : هَذَا أَوَانُ يُخْتَلَسُ الْعِلْمُ مِنْ النَّاسِ حَتَّى لَا يَقْدِرُوا مِنْهُ عَلَى شَيْءٍ . فَقَالَ زِيَادُ بْنُ لَبِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَكَيْفَ يُخْتَلَسُ مِنَّا ، وَقَدْ قَرَأْنَا الْقُرْآنَ ، فَوَاَللَّهِ لَنَقْرَأَنَّهُ وَلَنُقْرِئَنَّهُ نِسَاءَنَا وَأَبْنَاءَنَا ، فَقَالَ : ثَكِلَتْكَ أُمُّك يَا زِيَادُ ، وَإِنْ كُنْتُ لَأَعُدّكَ مِنْ فُقَهَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، هَذِهِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ عِنْدَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى ، فَمَاذَا يُغْنِي عَنْهُمْ ) . قَالَ جُبَيْرٌ : فَلَقِيت عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ فَقُلْت لَهُ : أَلَا تَسْمَعُ مَا يَقُولُ أَخُوك أَبُو الدَّرْدَاءِ ، فَأَخْبَرْتُهُ بِاَلَّذِي قَالَ : قَالَ : فَقَالَ صَدَقَ أَبُو الدَّرْدَاءِ ، إنْ شِئْت لَأُحَدِّثَنَّكَ بِأَوَّلِ عِلْمٍ يُرْفَعُ مِنْ النَّاسِ الْخُشُوعُ ، يُوشِكُ أَنْ تَدْخُلَ مَسْجِدَ الْجَمَاعَةِ ، فَلَا تَرَى فِيهِ خَاشِعًا . 335 - حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ الْمُرَادِيُّ ، حَدَّثَنَا أَسَدُ بْنُ مُوسَى ، حَدَّثَنَا وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ ، ( عَنْ زِيَادِ بْنِ لَبِيدٍ قَالَ : ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا وَذَاكَ عِنْدَ أَوَانِ ذَهَابِ الْعِلْمِ ، قُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَكَيْفَ يَذْهَبُ الْعِلْمُ وَنَحْنُ نَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَنُقْرِئُهُ أَبْنَاءَنَا وَنِسَاءَنَا ، وَيُقْرِئُهُ أَبْنَاؤُنَا أَبْنَاءَهُمْ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ؟ قَالَ : ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ ابْنَ أُمِّ لَبِيدٍ ، إنْ كُنْتُ أُرَاكَ مِنْ أَفْقَهِ رَجُلٍ بِالْمَدِينَةِ ، أَوَلَيْسَ هَذِهِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى يَقْرَءُونَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ لَا يَفْقَهُونَ مِمَّا فِيهِمَا شَيْئًا ؟ ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَأَنْكَرَ مُنْكِرٌ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ ، وَقَالَ : كَيْفَ يَكُونُ الْعِلْمُ يُرْفَعُ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَأَيَّامُهُ هِيَ الْأَيَّامُ السَّعِيدَةُ الَّتِي لَا أَمْثَالَ لَهَا ، وَالْوَحْيُ إنَّمَا كَانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِ فِيهَا ، فَمُحَالٌ أَنْ يَكُونَ الْعِلْمُ الَّذِي يَنْزِلُ فِيهَا ، وَيَبْقَى فِي أَيْدِي النَّاسِ لِيُبَلِّغَهُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، كَمَا أُمِرُوا بِهِ فِيهِ يَكُونُ ذَلِكَ مَرْفُوعًا فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ انْقَطَعَ التَّبْلِيغُ ، وَبَقِيَ النَّاسُ فِي أَيَّامِ رَسُولِ اللَّهِ بِلَا عِلْمٍ ، وَكَانُوا بَعْدَهُ فِي خُرُوجِهِمْ عَنْهُ أَغْلَطَ وَهَذَا يَسْتَحِيلُ ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ إنَّمَا عُلِّمَ لِيَأْخُذَهُ خَلَفٌ عَنْ سَلَفٍ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ . فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ أَحْسَنِ الْأَحَادِيثِ وَأَصَحِّهَا ، وَأَنَّ الَّذِي فِيهِ مِنْ نَظَرِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ إلَى السَّمَاءِ ، وَمِنْ قَوْلِهِ عِنْدَ ذَلِكَ هَذَا أَوَانٌ يُرْفَعُ فِيهِ الْعِلْمُ ، إنَّمَا هُوَ إشَارَةٌ مِنْهُ إلَى وَقْتٍ يُرْفَعُ فِيهِ الْعِلْمُ ، قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هُوَ وَقْتٌ يَكُونُ بَعْدَهُ ؛ لِأَنَّ هَذَا إنَّمَا هُوَ كَلِمَةٌ يُشَارُ بِهَا إلَى الْأَشْيَاءِ مِنْ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ لَيْسَ هُمْ فِيهِ يَوْمَ أُنْزِلَ ذَلِكَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ لَيْسَ عَلَى شَيْءٍ مَرْئِيٍّ يَوْمَ قِيلَ لَهُمْ ذَلِكَ فِي أَمْثَالٍ لِهَذَا كَثِيرَةٍ فِي الْقُرْآنِ . فَمِثْلُ ذَلِكَ مَا فِي حَدِيثِ عَوْفٍ قَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا نَظَرَ إلَى السَّمَاءِ أُرِيَ فِيهَا الزَّمَانَ الَّذِي يُرْفَعُ فِيهِ الْعِلْمُ فَقَالَ : مَا قَالَ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ . وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ هَذَا احْتِجَاجُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِضَلَالَةِ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى ، وَعِنْدَ الْيَهُودِ مِنْهُمْ التَّوْرَاةُ ، وَعِنْدَ النَّصَارَى مِنْهُمْ الْإِنْجِيلُ ، وَلَمْ يَمْنَعَاهُمْ مِنْ الضَّلَالَةِ ، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ ذَهَابِ أَنْبِيَائِهِمْ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ، لَا فِي أَيَّامِهِمْ . فَكَذَلِكَ مَا تَوَاعَدَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِهِ أُمَّتَهُ فِي حَدِيثِ عَوْفٍ هَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ أَيَّامِهِ ، وَبَعْدَ ذَهَابِ مَنْ تَبِعَهُ وَخَلَفَهُ بِالرُّشْدِ وَالْهِدَايَةِ مِنْ أَصْحَابِهِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ، وَمِنْ سَائِرِ أُمَّتِهِ سِوَاهُمْ . وَفِي حَدِيثِ عَوْفٍ الَّذِي ذَكَرْنَا قَوْلُ جُبَيْرٍ : فَلَقِيتُ شَدَّادَ بْنَ أَوْسٍ ، فَذَكَرْت ذَلِكَ لَهُ ، فَقَالَ : صَدَقَ عَوْفٌ ، وَأَوَّلُ مَا يُرْفَعُ مِنْ ذَلِكَ الْخُشُوعُ ، حَتَّى لَا تَرَى خَاشِعًا . وَالْخُشُوعُ الَّذِي أَرَادَ شَدَّادٌ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ، هُوَ الْإِخْبَاتُ وَالتَّوَاضُعُ وَالتَّذَلُّلُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ 336 - وَكَذَلِكَ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ التَّمِيمِيُّ النَّحْوِيُّ ، أَبُو الْقَاسِمِ الْمَعْرُوفُ بِوَلَّادٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْمَصَادِرِيُّ ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ مَعْمَرِ بْنِ الْمُثَنَّى فِي قَوْل الله تَعَالَى : وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلا عَلَى الْخَاشِعِينَ قَالَ : الْخَاشِعُونَ الْمُخْبِتُونَ الْمُتَوَاضِعُونَ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي لِلَّهِ تَعَالَى حَتَّى يَرَى ذَلِكَ فِيهِمْ ، وَيَكُونَ عَلَامَةً لَهُمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي وَصْفِهِ أَصْحَابَ نَبِيِّهِ : وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ إلَى قَوْلِهِ : سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ وَأَثَرُ السُّجُودِ فِيمَا قَدْ رُوِيَ عَنْ الْمُتَقَدِّمِينَ . 337 - مَا قَدْ حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ حُمَيْدٍ الْأَعْرَجِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ قَالَ : الْخُشُوعُ وَالتَّوَاضُعُ . 338 - وَبِهِ عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ قَالَ : الْخُشُوعُ . 339 - وَمَا قَدْ حَدَّثَنَا ابْنُ مَرْزُوقٍ ، حَدَّثَنَا حِبَّانُ بْنُ هِلَالٍ ، عَنْ أَبَانَ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ قَالَ : أَثَرُ التُّرَابِ . 340 - وَمَا قَدْ حَدَّثَنَا ابْنُ مَرْزُوقٍ ، حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ إسْمَاعِيلَ الْخَزَّازُ ، عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ قَالَ : سَمِعْت عِكْرِمَةَ وَسُئِلَ سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ قَالَ : أَثَرُ التُّرَابِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَكُلُّ هَذَا صِفَاتُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَكَيْفَ نَظُنُّ أَنَّ هَذِهِ الصِّفَاتِ تُرْفَعُ عَنْهُمْ ، وَكَانَ فِيمَا ذَكَرْنَا مِمَّا يُقَوِّي التَّأْوِيلَ الَّذِي تَأَوَّلْنَا عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ عَوْفٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِمَّا حَمَلَنَا عَلَيْهِ مَا قَدْ رُوِيَ عَنْ شَدَّادٍ فِيهِ مِنْ الدَّلِيلِ عَلَى رَفْعِ الْعِلْمِ فِي الْأَوَانِ الَّذِي يُرْفَعُ فِيهِ ، وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الزَّمَانُ الَّذِي لَا خُشُوعَ فِيهِ مَعَ النَّاسِ ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ الْخُشُوعُ كَانَتْ مَعَهُمْ الْقَسْوَةُ وَالِاسْتِكْبَارُ ، وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ ذَلِكَ . وَفِي حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ الَّذِي يَعُودُ إلَى عَوْفٍ وَشَدَّادٍ ، مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي ذَهَابِ الْعِلْمِ أَنَّهُ ذَهَابُ أَوْعِيَتِهِ ، وَمِثْلُ ذَلِكَ مَا قَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : . 341 - كَمَا قَدْ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ يُونُسَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : ( إنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِأَنْ يَنْتَزِعَهُ انْتِزَاعًا ، وَلَكِنْ يَقْبِضُهُ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ ، حَتَّى إذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا ، سُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا ) . 342 - وَكَمَا حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى الْأَسَدِيُّ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كُنَاسَةَ ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ، ثُمَّ ذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ . 343 - وَكَمَا قَدْ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ الرَّقِّيُّ ، حَدَّثَنَا شُجَاعُ بْنُ الْوَلِيدِ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، ثُمَّ ذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ . 344 - وَكَمَا حَدَّثَنَا فَهْدٌ ، حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ ، حَدَّثَنَا زُهَيْرُ ، أَخْبَرَنِي هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ، ثُمَّ ذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ نَحْوَهُ . 345 - وَكَمَا حَدَّثَنَا يُونُسُ ، وَعَبْدُ الْغَنِيِّ بْنُ أَبِي عَقِيلٍ جَمِيعًا ، قَالَا : حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، ثُمَّ ذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ . 346 - وَحَدَّثَنَا فَهْدٌ ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ كَثِيرِ بْنِ عُفَيْرٍ ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : وَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ ، عَنْ عَائِشَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِثْلَهُ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : هَكَذَا قَالَ يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ عَائِشَةَ مَكَانَ ابْنِ عَمْرٍو ، فِيمَا رَوَيْنَاهُ قَبْلَهُ ، وَقَدْ خَالَفَهُ فِي ذَلِكَ مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ فَقَالَ فِيهِ : عَنْ ابْنِ عَمْرٍو . 347 - كَمَا حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ رِجَالٍ ، حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ يهَابٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ . وَلَمَّا وَقَعَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ هَذَا الِاخْتِلَافُ فِي إسْنَادِهِ بَحَثْنَا عَنْ ذَلِكَ لِنَقِفَ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْهُ . 348 - فَوَجَدْنَا الرَّبِيعَ بْنَ سُلَيْمَانَ الْأَزْدِيَّ قَدْ حَدَّثَنَا قَالَ : حَدَّثَنَا طَلْقُ بْنُ السَّمْحِ اللَّخْمِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو شُرَيْحٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ شُرَيْحٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَسْوَدِ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ لَهُ : يَا ابْنَ أَخِي ، إنِّي قَدْ أُخْبِرْتَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ حَاجٌّ فِي عَامِي هَذَا ، وَأَنَّهُ قَدْ حَفِظَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَادِيثَ كَثِيرَةً ، فَلَقِيَ عُرْوَةُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَقُولُ ، ثُمَّ ذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ . فَقَوِيَ فِي قُلُوبِنَا أَنْ يَكُونَ هَذَا الْحَدِيثُ يَرْجِعُ إلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، لَا إلَى عَائِشَةَ ، حَتَّى وَقَفْنَا عَلَى مَا هُوَ أَوْلَى مِنْ ذَلِكَ 349 - وَهُوَ مَا قَدْ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، أَخْبَرَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ ، حَدَّثَنِي خَالِدُ بْنُ نَزَارٍ الْأَيْلِيُّ ، حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ مَبْرُورٍ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، وَعَنْ عَائِشَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ ذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ . فَوَقَفْنَا بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْحَدِيثَ كَانَ عِنْدَ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ، وَعَنْ ابْنِ عَمْرٍو جَمِيعًا ، وَقَدْ رَوَى يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ عُرْوَةَ ، فَرَدَّهُ إلَى ابْنِ عَمْرٍو لَا إلَى عَائِشَةَ . 350 - كَمَا حَدَّثَنَا الْمُطَّلِبُ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ حِبَّانَ الْأَزْدِيُّ ، وَفَهْدٌ قَالَا : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ ابْنِ عَمْرٍو ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ . وَقَدْ رُوِيَ فِي هَذَا الْبَابِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيْضًا عَنْ غَيْرِ عَائِشَةَ ، وَغَيْرِ ابْنِ عَمْرٍو : . 351 - مَا قَدْ حَدَّثَنَا ابْنُ مَعْبَدٍ ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ، أَخْبَرَنَا الْأَعْمَشُ ، عَنْ شَقِيقٍ قَالَ : كُنْت مَعَ عَبْدِ اللَّهِ ، وَأَبِي مُوسَى فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَا : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إنَّ بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ أَيَّامًا يَنْزِلُ فِيهَا الْجَهْلُ ، وَيُرْفَعُ فِيهَا الْعِلْمُ ، وَيَكْثُرُ فِيهَا الْهَرْجُ ) ؛ وَالْهَرْجُ الْقَتْلُ . 352 - وَمَا قَدْ حَدَّثَنَا فَهْدٌ ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ ، عَنْ عُبَيْدَةَ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ : جَلَسَ ابْنُ مَسْعُودٍ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسٍ فِي نَاحِيَةٍ مِنْ الْمَسْجِدِ الْأَيْمَنِ ، فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : حَدِّثْنَا يَا أَبَا مُوسَى ، حَدِّثْنَا عَنْ الْأَيَّامِ الَّتِي سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ تَكُونُ بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ . فَقَالَ أَبُو مُوسَى : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَقُولُ : ( يَأْتِي عَلَيْكُمْ أَيَّامٌ يُقْبَضُ فِيهِنَّ الْعِلْمُ ، وَيَنْزِلُ فِيهِنَّ الْجَهْلُ ، وَيَكْثُرُ فِيهِنَّ الْهَرْجُ ، فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : وَمَا الْهَرْجُ ؟ قَالَ : هُوَ الْقَتْلُ بِالْحَبَشِيَّةِ ) . 353 - وَمَا قَدْ حَدَّثَنَا فَهْدٌ ، حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ ، عَنْ يَزِيدَ يَعْنِي : ابْنَ الْأَصَمِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : تَظْهَرُ الْفِتَنُ ، وَيَكْثُرُ الْهَرْجُ ، قُلْنَا : وَمَا الْهَرْجُ ؟ قَالَ : الْقَتْلُ ، وَيُقْبَضُ الْعِلْمُ . فَقَالَ عُمَرُ لَمَّا سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَأْثُرُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَمَا إنَّ قَبْضَ الْعِلْمِ لَيْسَ بِشَيْءٍ يُنْتَزَعُ مِنْ صُدُورِ الرِّجَالِ ، وَلَكِنَّهُ فَنَاءُ الْعُلَمَاءِ . 354 - وَمَا قَدْ حَدَّثَنَا أَبُو أُمَيَّةَ ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ يَعْنِي النَّحْوِيَّ ، عَنْ عَاصِمٍ ، عَنْ زِيَادٍ بْنِ قَيْسٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدْ اقْتَرَبَ ، يُقْبَضُ الْعِلْمُ ، وَيَكْثُرُ الْهَرْجُ ، قُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَمَا الْهَرْجُ ؟ قَالَ : الْقَتْلُ ) . 355 - وَمَا قَدْ حَدَّثَنَا يُونُسُ ، حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ ، عَنْ زَبَّانَ بْنِ فَائِدٍ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذٍ ، عَنْ أَبِيهِ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : ( لَا تَزَالُ الْأُمَّةُ عَلَى شَرِيعَةٍ مَا لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُمْ ثَلَاثٌ ، يُقْبَضُ مِنْهُمْ الْعِلْمُ ، وَيَكْثُرُ فِيهِمْ وَلَدُ الْحِنْثِ ، وَيَظْهَرُ فِيهِمْ الصَّقَّارُونَ . قَالُوا : وَمَا الصَّقَّارُونَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : نَشْءٌ يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ ، تَحِيَّتُهُمْ بَيْنَهُمْ إذَا الْتَقَوْا التَّلَاعُنُ ) . فَفِيمَا رَوَيْنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ هَذِهِ الْآثَارِ ، مَا قَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّ أَوَانَ رَفْعِ الْعِلْمِ هُوَ عَلَى زَمَانٍ لَمْ يَكُنْ حِينَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِيهِ مَا قَالَ ، وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى زَمَانٍ يَكُونُ بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ ، فَقَدْ اتَّفَقَتْ آثَارُ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ كُلُّهَا الَّتِي رَوَيْنَا فِي هَذَا الْبَابِ ، وَيَصْدُقُ بَعْضُهَا بَعْضًا ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقَ .
727 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في السبب الذي فيه نزلت : إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ . 5427 - حدثنا فهد بن سليمان ، حدثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني ، حدثنا يعقوب القمي ، عن جعفر بن أبي المغيرة ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : أتت قريش اليهود قالوا : ما جاءكم به موسى من الآيات ، قالوا : عصاه ويده بيضاء للناظرين ، وأتوا النصارى فقالوا : كيف كان عيسى فيكم ، قالوا : كان يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى ، وأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : ادع لنا ربك يجعل لنا الصفا ذهبا ، فدعا به ، فنزلت هذه الآية إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الآية ، فليتفكروا فيها . ففي هذا الحديث ، أن السبب الذي نزلت فيه هذه الآية ما كان من سؤال قريش رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدعو الله عز وجل ، أن يجعل لهم الصفا ذهبا ودعاؤه بذلك ، وأن الله تبارك وتعالى أنزل عليه في ذلك هذه الآية . وقد روي عن ابن عباس من وجه آخر في ذلك . 5428 - ما قد حدثنا الحسين بن نصر ، حدثنا أبو نعيم ، حدثنا سفيان ، عن سلمة بن كهيل ، عن عمران السلمي ، عن ابن عباس ، قال : قالت قريش للنبي صلى الله عليه وسلم : ادع لنا ربك يجعل لنا الصفا ذهبا فإن أصبح ذهبا اتبعناك ، فدعا ربه فأتاه جبريل عليه السلام ، فقال : إن ربك يقرؤك السلام ، ويقول : إن شئت أصبح لهم ذهبا ، ومن كفر بعده منهم عذبته عذابا أليما لم أعذبه أحدا من العالمين ، وإن شئت فتحت لهم باب التوبة والرحمة ، قال : بل يا رب التوبة والرحمة . ففي هذا الحديث ، تخيير جبريل صلى الله عليه وسلم ، عن الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بين الشيئين المذكورين في هذا الحديث ، واختيار رسول الله صلى الله عليه وسلم منهما ما ذكر في اختياره منهما . فعقلنا بذلك أن الذي كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم مما اختاره من هذين الشيئين اللذين خير بينهما هو كراهية أن يختار السبب الآخر منهما ، فتكفر قريش بعد ذلك فيصيبهم العذاب الذي أوعدهم الله به ، إن فعل لهم ما سألوه ، ثم كفروا به بعد ذلك ، كما فعله بمن تقدمهم من الأمم بعد أن أراهم الآيات التي كانوا سألوها منه ، وإن اختياره لهم المعنى الآخر من المعنيين اللذين خيره الله بينهما ، نظرا لهم ورأفة بهم واختيارا لهم خير لهم مما اختاروه لأنفسهم ، ثم أنزل الله تعالى على نبيه بعد ذلك احتجاجا عليهم وتنبيها لهم وإعلاما منه إياهم ، أن معهم من آياته عز وجل ما هو أكبر مما سألوه من ذلك وأدل عليه وأوجب عليهم معه الإيمان به ، والتصديق لرسوله بما جاءهم به من عنده من خلقه السماوات والأرض ومن اختلاف الليل والنهار الذي يرونه منذ خلقهم ويراه من قبلهم من آبائهم على ما يرونه عليه ، وعلى ما قامت الحجة له عز وجل لعجز الخلق عنه ، وإذا كان معهم من آياته ما ذكرنا غنوا به عما سواه مما هو دونه ، لا سيما ما لو جاءهم فلم يؤمنوا بعقبه تلاه هلاكهم ، كما قد كان منه عز وجل في أمثالهم لما سألوا أن يروا ما أروا فلم يرعووا عن ذلك ، ولم يؤمنوا فأصابهم من عذابه ما أصابهم به ، وعاجلهم من عقوبته بما عاجلهم به حتى لا يرى لهم باقية . 5429 - وقد حدثنا أبو أمية ، حدثنا محمد بن القاسم الأسدي ، عن أبي جناب الكلبي ، عن عطاء بن أبي رباح ، قال : دخلت مع عبد الله بن عمر وعبيد بن عمير على عائشة رضي الله عنهم ، وهي في خدرها ، فقالت : من هؤلاء ، قلنا : عبد الله بن عمر وعبيد بن عمير ، فقالت : يا عبيد بن عمير أنت كما قال الأول : زر غبا تزدد حبا ، فقال : ابن عمر دعونا من باطلكم هذا ، حدثينا بأعجب ما رأيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فبكت بكاءً شديدا ، ثم قالت : كل أمره كان عجبا ، أتاني ذات ليلة ، وقد دخلت فراشي فدخل معي حتى لصق جلده بجلدي ، ثم قال : يا عائشة ائذني لي أتعبد لربي عز وجل ، قالت : قلت يا رسول الله ، إني لأحب قربك وأحب هواك قالت : فقام إلى قربة في البيت فتوضأ منها ، ثم قرأ القرآن ، ثم بكى حتى ظننت أن دموعه بلغت حبوته ، ثم جلس فدعا وبكى حتى ظننت أن دموعه بلغت حجزته ، ثم اضطجع على يمينه وجعل يده اليمنى تحت خده اليمنى ، ثم بكى حتى ظننت أن دموعه قد بلغت الأرض ، ثم جاءه بلال بعدما أذن فسلم فلما رآه يبكي ، قال : يا رسول الله ، تبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ، قال : وما لي لا أبكي وقد أنزلت علي الليلة : إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ الآية ، ويل لمن قرأها ثم لم يتفكر فيها ، ويحك يا بلال ، ألا أكون عبدا شكورا . وكان في هذا الحديث ، إنزال الله عليه هذه الآية في الليلة التي كان فيها عند عائشة ، وكان منه فيما بينه وبين ربه عز وجل ما كان وإخباره عائشة بما أنزل الله عليه في ليلته تلك من هذه الآية ، وإعلامه إياها أنه من لم يتفكر فيها فويل له . فقال قائل : فهذا بخلاف حديث ابن عباس الذي رويته في هذا الباب ، لأن في حديث ابن عباس : أن إنزال الله تعالى كان لهذه الآية على رسوله للسبب الذي ذكره ابن عباس في حديثه ، وفي حديث عائشة رضي الله عنها هذا إنزاله إياها على رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الذي كان منه من صلاته ورقة قلبه عندها . فكان جوابنا له في ذلك : أنه لا اختلاف في هذين الحديثين ولا تضاد ، لأن الذي في حديث ابن عباس هو ذكر سؤال قريش رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ذكر من سؤالها إياه فيه ، وتخيير الله عز وجل إياه صلى الله عليه وسلم بين الشيئين المذكورين في ذلك الحديث ، واختياره صلى الله عليه وسلم لسائليه ما هو في العاقبة أحمد ، ومآلهم فيه السبب الذي يكون إيصالا لهم إلى الجنة وفوزا لهم من عذابه ، وكان إنزال الله عز وجل الآية التي أقام بها الحجة عليهم في الليلة التي أنزلها فيها عليه ، وهو في بيت عائشة ، وكان ابن عباس قد تقدم علمه بالسبب الذي كان من أجله نزولها ، ولم يكن ذلك تقدم عند عائشة فعاد بحمد الله ونعمته جميع الآثار التي رويناها في هذا الباب إلى انتفاء التضاد لها والاختلاف عنها ، والله الموفق .
51 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِيمَنْ كَانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْوَحْيُ ، وَهُوَ فِي لِحَافِهَا . 356 - حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ ، حَدَّثَنَا عَفَّانَ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، حَدَّثَنِي عَوْفُ بْنُ الْحَارِثِ ، عَنْ أُخْتِهِ رُمَيْثَةَ ابْنَةِ الْحَارِثِ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ( أَنَّ النِّسَاءَ قُلْنَ لَهَا : إنَّ النَّاسَ يَتَحَرَّوْنَ بِهَدَايَاهُمْ يَوْمَ عَائِشَةَ ، وَإِنَّا نُحِبُّ الْخَيْرَ كَمَا تُحِبُّهُ عَائِشَةُ ، فَإِذَا جَاءَكِ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقُولِي لَهُ : إنَّ النَّاسَ يَتَحَرَّوْنَ بِهَدَايَاهُمْ يَوْمَ عَائِشَةَ ، وَإِنَّا نُحِبُّ الْخَيْرَ كَمَا تُحِبُّهُ عَائِشَةُ ، فَلَوْ أَمَرْت النَّاسَ يُهْدُونَ لَك حَيْثُ كُنْتَ قَالَتْ : فَلَمَّا جَاءَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ قُلْتُ لَهُ فَأَعْرَضَ عَنِّي ، فَلَمَّا خَرَجَ قُلْنَ لَهَا مَا فَعَلْتِ ؟ قَالَتْ : قَدْ قُلْت لَهُ فَأَعْرَضَ عَنِّي ، فَقُلْنَ : عَاوِدِيهِ ، فَعَاوَدْتُهُ فَأَعْرَضَ عَنِّي ، ثُمَّ قَالَ : يَا أُمَّ سَلَمَةَ ، لَا تُؤْذِينِي فِي عَائِشَةَ ، فَوَاَللَّهِ مَا مِنْكُنَّ امْرَأَةٌ يَنْزِلُ عَلَيَّ الْوَحْيُ وَأَنَا فِي لِحَافِهَا لَيْسَ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : قُلْت : لَا جَرَمَ ، وَاَللَّهِ لَا أُوذِيكَ فِيهَا أَبَدًا ) . فَقَالَ قَائِلٌ : فَقَدْ رُوِيَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ فِي غَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ مَا يُضَادُّ مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ . 357 - وَذَكَرَ مَا قَدْ حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيُّ ، عَنْ صَالِحِ بْنِ أَبِي الْأَخْضَرِ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ ، وَكَانَ قَائِدَ كَعْبٍ حِينَ عَمِيَ ، قَالَ : سَأَلْت كَعْبًا عَنْ حَدِيثِهِ حِينَ تَخَلَّفَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ ، فَذَكَرَ أَنَّهُ حَدَّثَهُ إيَّاهُ ، وَقَالَ فِيهِ : قَالَ كَعْبٌ : وَأَخْبَرَتْنِي ( أُمُّ سَلَمَةَ زَوْجُ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَكَانَتْ مُحْسِنَةً فِي شَأْنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ عِنْدَهَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ تَعْنِي الَّتِي نَزَلَتْ فِيهَا تَوْبَتُهُ ، قَالَتْ : فَلَمَّا بَقِيَ ثُلُثٌ مِنْ اللَّيْلِ نَزَلَتْ عَلَيْهِ تَوْبَتُنَا ، فَقَالَ : يَا أُمَّ سَلَمَةَ ، تِيبَ عَلَى كَعْبٍ وَصَاحِبَيْهِ ، قَالَتْ : فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَفَلَا أُرْسِلُ إلَيْهِ أُبَشِّرُهُ ؟ قَالَ : إذًا يَحْطِمَكُمُ النَّاسُ ، وَيَمْنَعُونَكِ النَّوْمَ سَائِرَ اللَّيْلَةِ ، وَأَخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَوْبَةِ اللَّهِ عَلَيْنَا بَعْدَمَا صَلَّى الصُّبْحَ ) . فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ عَنْ ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ أَنَّ مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ غَيْرُ مُضَادٍّ لِمَا فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّ الَّذِي فِي هَذَا الْحَدِيثِ إنَّمَا هُوَ إخْبَارُ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ تَوْبَةُ كَعْبٍ وَصَاحِبَيْهِ فِي بَيْتِهَا ، وَفِي لَيْلَتِهَا ، لَا مَا سِوَى ذَلِكَ ، وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَزَلَ ذَلِكَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهُوَ فِي غَيْرِ لِحَافِهَا . وَفِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ إثْبَاتُ أُمِّ سَلَمَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ : وَاَللَّهِ مَا مِنْكُنَّ امْرَأَةٌ يَنْزِلُ عَلَيَّ الْوَحْيُ وَأَنَا فِي لِحَافِهَا لَيْسَ عَائِشَةَ ، فَفِي ذَلِكَ إثْبَاتُ أَنَّ نُزُولَ الْوَحْيِ كَانَ عَلَيْهِ ، وَهُوَ فِي لِحَافِ عَائِشَةَ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ الثَّانِي الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
779 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يحتج به من ذهب إلى إطلاق بيع المدبر . 5819 - حدثنا يزيد بن سنان ، قال : حدثنا عبد الحميد بن موسى ، قال : حدثنا عبيد الله بن عمرو ، عن عبد الكريم وهو الجزري ، عن عطاء ، عن جابر بن عبد الله : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه رجل قد دبر غلاما له ، فاحتاج فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : إنما الصدقة عن ظهر غنى ، وابدأ بمن تعول . 5820 - وحدثنا روح بن الفرج ، قال : حدثنا عمرو بن خالد ، قال : حدثنا عبيد الله بن عمرو ، عن عبد الكريم الجزري ، عن عطاء ، عن جابر : أن رجلا أعتق عبده عن دبر منه ، فاحتاج مولاه فأمره ببيعه ، فباعه بثمان مائة درهم ، فقال : أنفقها على عيالك ، فإنما الصدقة عن ظهر غنى ، وابدأ بمن تعول . قال أبو جعفر : ففي هذا الحديث ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إطلاقه للمدبر لهذا العبد بيعه ، وقد روي هذا الحديث ، عن عطاء بن أبي رباح من غير هذين الوجهين . 5821 - كما قد حدثنا أحمد بن داود ، قال : حدثنا عبد الرحمن بن المبارك ، قال : حدثنا يزيد بن زريع ، عن حسين المعلم ، عن عطاء ، عن جابر بن عبد الله : أن رجلا من الأنصار أعتق غلاما له ، عن دبر منه ، فاحتاج ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : من يشتريه مني ؟ فاشتراه نعيم بن عبد الله بثمان مائة درهم ، فدفعها إليه النبي صلى الله عليه وسلم . 5822 - وكما حدثنا محمد بن علي بن داود ، قال : حدثنا داود بن عمرو ، قال : حدثنا حسان بن إبراهيم ، عن إبراهيم الصائغ ، عن عطاء ، قال : أخبرني جابر بن عبد الله : أن رجلا كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم له مملوك ، فأعتقه على ذلك النحو ، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : من يشتريه مني ، فباعه ودفع ثمنه إلى صاحبه . 5823 - كما حدثنا محمد بن سنان ، قال : حدثنا عبد الوهاب بن نجدة الحوطي ، قال : حدثنا شعيب بن إسحاق ، عن الأوزاعي ، عن عطاء بن أبي رباح ، قال : سمعت جابر بن عبد الله يقول : كان لرجل عبد ، فجعل له العتق بعد موته ، وكان قليل الشيء ، فباع رسول الله صلى الله عليه وسلم العبد ، ثم دفع إليه ثمنه ، وقال : أنت إلى ثمنه أحوج ، والله - عز وجل - أغنى . قال أبو جعفر : ففي هذا الحديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تولى بيع ذلك المدبر ، فاحتمل أن يكون ذلك كان لمعنى في الرجل الذي باعه عليه من الأحوال التي تقصر بمالكي العبيد ، عن التبسط في عبيدهم بالتدبير وبما سواه ، فباعه عليه لذلك ، وهكذا وجدنا هذا الحديث من رواية عطاء ، عن جابر ، وقد رواه عن جابر أيضا مجاهد . 5824 - كما قد حدثنا علي بن شيبة ، قال : حدثنا يزيد بن هارون ، قال : أخبرنا محمد بن إسحاق ، عن عبد الله بن أبي نجيح ، عن مجاهد ، عن جابر بن عبد الله ، قال : كان بالمدينة رجل من بني عذرة ، فأعتق غلاما له قبطيا ، يدعى : أبا المذكر ، عن دبر منه ، ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر له حاجة ، فأمره أن يبيعه ، فباعه بثمان مائة درهم من نعيم النحام . 5825 - وكما حدثنا ابن أبي داود ، قال : حدثنا يوسف بن عدي ، قال : حدثنا المحاربي ، عن محمد بن إسحاق ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد عن جابر بن عبد الله ، قال : كان لرجل من بني عذرة عبد فأعتقه ، عن دبر منه ، وكان ذا حاجة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا كان لأحدكم حاجة فليبدأ بنفسه ، ثم أمره فباعه من نعيم بن عبد الله بثمان مائة درهم . 5826 - وكما حدثنا أبو أمية ، قال : حدثنا الحسين بن محمد المروذي ، قال : حدثنا جرير بن حازم ، عن عبد الله بن أبي نجيح ، عن مجاهد ، عن جابر بن عبد الله أن رجلا من الأنصار ، يكنى : أبا مذكر ، أعتق عبدا له عن دبر ، وليس له مال غيره ، فبعث إليه النبي صلى الله عليه وسلم فباعه من نعيم بن عبد الله النحام بثمان مائة درهم ، ودعاه فرد عليه الثمن ، وقال : إنما يعتق من له فضل ، وإلا فإنما يعود على نفسه . 5827 - وكما حدثنا أبو أمية ، قال : حدثنا الحسين بن محمد ، قال : حدثنا جرير بن حازم ، عن أيوب ، عن عمرو بن دينار ، عن جابر مثل ذلك ، غير أنه قال : قال جابر : عبدا قبطيا يقال له : يعقوب ، مات عام أول . قال أبو جعفر : ففي هذا الحديث ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تولى بيع ذلك المملوك ، فقد يحتمل : أن يكون ذلك للمعنى الذي قد ذكرناه في حديث عطاء ، عن جابر . ثم نظرنا هل روى هذا الحديث ، عن جابر غير من ذكرنا . فوجدنا محمد بن المنكدر قد رواه أيضا ، عن جابر . 5828 - كما قد حدثنا ابن أبي داود ، قال : حدثنا المقدمي ، قال : حدثنا سعيد بن سلمة . قال أبو جعفر : وهو ابن أبي الحسام ، قال : حدثنا محمد بن المنكدر ، عن جابر بن عبد الله : أن رجلا أعتق عبدا له ليس له مال غيره ، فرده النبي صلى الله عليه وسلم في الرق ، فباعه وأعطاه ثمنه . ثم نظرنا : هل رواه عن جابر غير من ذكرنا ؟ 5829 - فوجدنا أحمد بن داود قد حدثنا ، قال : حدثنا محمد بن يحيى بن أبي عمر ، قال : حدثنا سفيان ووجدنا أحمد قد حدثنا ، قال : حدثنا مسدد ، قال : حدثنا حماد بن زيد جميعا ، عن عمرو بن دينار ، عن جابر بن عبد الله أن رجلا أعتق غلاما له عن دبر منه ، لم يكن له مال غيره ، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال رسول الله : من يشتريه مني ؟ فاشتراه نعيم بن عبد الله بن النحام عبدا قبطيا ، مات عام أول بثمان مائة درهم . فكان في هذا الحديث ، أيضا مثل ما في الأحاديث التي قبله ، وكان محتملا لما احتملته الأحاديث التي قبله . ثم نظرنا : هل رواه عن جابر غير من ذكرنا . 5830 - فوجدنا إبراهيم بن مرزوق قد حدثنا ، قال : حدثنا أبو حذيفة ، قال : حدثنا سفيان الثوري ، عن أبي الزبير ، عن جابر : أن رجلا من الأنصار يقال له : أبو فاطمة ، أعتق غلاما له عن دبر منه ، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : هل له من مال غيره ؟ فقالوا : لا ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : من يشتريه مني ؟ فاشتراه نعيم بن النحام ختن عمر بن الخطاب بثمان مائة درهم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أنفقها على نفسك ، فإن كان فضل فعلى أهلك ، فإن كان فضل فعلى أقاربك ، فإن كان فضل ، فاقسم هاهنا وهاهنا ، يمينا وشمالا . 5831 - ووجدنا يزيد بن سنان قد حدثنا ، قال : حدثنا عمرو بن خالد ، قال : حدثنا زهير بن معاوية ، قال : حدثنا أبو الزبير ، عن جابر ، قال : أعتق رجل من الأنصار غلاما له عن دبر منه ، فقال عمرو : أرى أن زهيرا ، قال : يقال له : أبو مذكور ، لم يكن له مال غيره ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : أعتقت غلامك عن دبر منك ؟ قال : نعم ، قال : من يشتريه مني ، فابتاعه النحام بثمان مائة درهم ، فدفعها إليه ، فقال : أنفق على نفسك ، فإن فضل عنك شيء فعلى أهلك ، فإن فضل شيء فعلى ذوي قرابتك ، فإن فضل شيء ، فهكذا وهكذا . 5832 - ووجدنا يونس قد حدثنا ، قال : حدثنا ابن وهب ، قال : حدثنا ابن لهيعة والليث ، عن أبي الزبير ، عن جابر ، ثم ذكر مثله ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . 5833 - ووجدنا يزيد بن سنان قد حدثنا ، قال : حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري ، قال : حدثنا عزرة بن ثابت ، عن أبي الزبير ، عن جابر : أن النبي صلى الله عليه وسلم باع مدبرا بثمان مائة درهم ، ودفع ثمنه إلى مولاه ، وقال : إذا كان أحدكم فقيرا فليبدأ بنفسه . قال أبو جعفر : ففي أحاديث سفيان وزهير والليث وابن لهيعة كشف رسول الله صلى الله عليه وسلم أحوال مولى ذلك العبد ، أله مال غيره أو ليس له مال غيره ، وبيعه إياه لما وقف على أن لا مال له غيره ، ففي هذا ما يدل : أن أحواله في تدبيره عبده إذا كان له مال غيره خلاف تدبيره إياه ، وليس له مال غيره ، ولم يكن ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا لاختلاف الأحوال في ذلك ، وقد روي عن عطاء ما يدل أن مذهبه كان كذلك . 5834 - كما حدثنا أحمد بن الحسن الكوفي ، قال : حدثني أسباط بن محمد ، قال : حدثنا عبد الملك ، عن عطاء في رجل أعتق جارية ، عن دبر أيطؤها ، قال : نعم ، قال : أيبيعها ، قال : لا إلا أن يحتاج إلى ثمنها . قال الشيخ : فمن يطلق بيعه عن غير حاجة منه ، إلى ثمنه ، كان هذا الحديث حجة عليه . وقد روي عن عطاء ، عن جابر : أن المبيع من ذلك المدبر ، إنما هو خدمته لا رقبته . 5835 - كما حدثنا إسحاق بن إبراهيم ، قال : حدثنا محمد بن طريف الكوفي ، قال : حدثنا محمد بن فضيل ، قال : حدثنا عبد الملك ، عن عطاء ، عن جابر بن عبد الله : أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر ببيع خدمة المدبر ، فكان في هذا الحديث ، أن الذي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ببيعه من المدبر ، خدمته لا رقبته . فقال قائل : أفيجوز أن يقال في هذا باعه وإنما آجره . فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله - عز وجل - : أن هذا مما قد يجوز أن يذكر بالبيع ، وإنما يراد منه الإجارة ، كما قد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . 5836 - ما قد حدثناه يزيد ، قال : حدثنا أبو عاصم ، قال : حدثنا ابن جريج ، قال : حدثني أبو الزبير ، عن جابر بن عبد الله ، قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عن بيع بياض الأرض لتحترث ، يبيع الرجل أرضه ، فنهى رسول الله ، عن ذلك . 5837 - ومما قد حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، قال : حدثنا أبو داود الطيالسي ، عن سليم بن حيان ، عن سعيد بن مينا ، عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : من كان له فضل ماء ، أو فضل أرض ، فليزرعها ولا يبيعها ، قال سليم : فقلت له : يعني : الكراء ، قال : نعم ، قال : ففي هذا الحديث ، ذكر الإجارة المنهي عنها بالبيع ، فكما جاز في هذا أن يطلق عليها اسم البيع ، احتمل أن يكون بيع خدمة المدبر أيضا كانت كذلك من إطلاق اسم البيع عليها ، وقد كشفنا عن حديث جابر هذا فوجدنا جابرا لم يأخذه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما أخذه ، عن رجل غيره ممن لا يعلم أهو من أصحابه أم من غيرهم ، وفي ذلك ما يمنع الاحتجاج به . 5838 - كما حدثنا أحمد بن شعيب ، قال : حدثنا محمد بن بشار ، قال : حدثنا محمد ، يعني : ابن جعفر غندرا ، قال : حدثنا شعبة ، عن عمرو ، قال : سمعت جابر ، عن رجل من قومه أنه أعتق مملوكا له عن دبر ، فدعا به النبي صلى الله عليه وسلم فباعه . ثم وجدنا هذه القصة قد روي أنها كانت من رسول الله صلى الله عليه وسلم في مدبر ، قد كان مات مولاه . 5839 - كما حدثنا فهد بن سليمان ، قال : حدثنا محمد بن سعيد ابن الأصبهاني ، قال : حدثنا شريك ، عن سلمة بن كهيل ، عن عطاء وأبي الزبير ، عن جابر أن رجلا دبر مملوكا له ، ثم مات وعليه دين ، فباعه النبي صلى الله عليه وسلم في دينه . 5840 - وكما حدثنا أبو أمية ، قال : حدثنا أبو نعيم ، قال : حدثنا شريك ، ثم ذكر بإسناده مثله . 5841 - وكما قد حدثنا محمد بن علي بن داود ، قال : حدثنا خلف بن هشام ، قال : حدثنا شريك ، عن سلمة بن كهيل ، عن عطاء ، عن جابر بن عبد الله ، قال : مات ختن لعمر بن الخطاب ، وعليه دين ، وله مدبر ، فباعه النبي صلى الله عليه وسلم في دينه . ففيما روينا : أن هذا البيع من النبي صلى الله عليه وسلم لهذا المدبر ، إنما كان بعد موت مولاه في الدين الذي كان على مولاه ، وقد قال جماعة من أهل المدينة ، منهم : مالك بن أنس : إن المدبر يباع بعد موت مولاه في دين مولاه ، وهم يمنعون مولاه من بيعه في حياته ، فإن كان الحديث إنما كان على ما في حديث شريك هذا ، فليس فيه ما يوجب إطلاق بيع المدبر في حياة مولاه ، وبعد هذا فهذا اضطراب شديد قد وقع في هذا الباب مما يحتج من يطلق بيع المدبر باضطراب بعض الأحاديث بأقل من هذا القدر ، قال في حديث بروع : إنه قد اضطرب عنده ؛ لأن بعض الناس يقول فيه معقل بن سنان ، وبعضهم يقول فيه معقل بن يسار ، وإن كنا ما وجدناه عن معقل بن يسار في رواية أحد ، وإذا كان هذا عنده اضطرابا كان ما ذكرناه في حديث المدبر بالاضطراب أولى ، وكان إذ وسعه فيما قال في حديث بروع تركه ، والأخذ بغيره كان من منع من بيع المدبر في حياة مولاه بالاضطراب الذي روي فيه لمن منع من ذلك أوسع . ولقد وجدنا عن جابر بن عبد الله ، وهو الذي روى الحديث : ما يدل على أن مذهبه كان أن لا يباع المدبر . 5842 - كما قد حدثنا يحيى بن عثمان ، قال : حدثنا نعيم بن حماد ، قال : حدثنا ابن المبارك ، قال : أخبرنا ابن جريج ، قال : أخبرنا أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول في أولاد المدبرة : إذا مات مولاها ، لا يراهم إلا أحرارا ، وولدها ذلك منها كأنه عضو منها ، فهذا جابر يقول هذا ، وفي ذلك من قوله ما قد دل على أن المدبرة ليست معتقة بوصية ؛ لأن الموصى بعتقها إذا ولدت ولدا في حياة مولاها لا يجب عتاقه معها بعد موت مولاها ، ففي ذلك ما قد دل أن للتدبير عملا فيمن دبر في حياة مولاه ليس مع الموصى بعتقه ذلك العمل للوصية بعتقه ، وقد وكد هذا المعنى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما قد رويناه فيه إنما الصدقة ، عن ظهر غنى ، ففي ذلك ما يوجب عمل التدبير في المدبر في حياة مولاه ، ولا ينكر بيع من هذه سبيله ، وقد وجدنا عن عثمان بن عفان وعبد الله بن عمر ما يدل على المنع من بيع المدبر . 5843 - كما حدثنا الربيع المرادي ، قال : حدثنا شعيب بن الليث ، قال : حدثنا الليث ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن أبي النضر ، عن عبد الرحمن بن يعقوب مولى الحرقة ، بطن من بطون جهينة ، أنه قال : أنكح سيد جدتي جدتي عبدا له ، ثم أعتقها ، عن دبر ، وقد ولدت أولادا قبل أن يعتقها وولدت أولادا بعد عتقها عن دبر ، ثم توفي سيدها ، فخاصمت إلى عثمان - رضي الله عنه - فقضى : أن ما ولدت قبل أن تدبر عبيد ، وما ولدت بعد التدبير معها يعتقون بعتاقها . 5844 - وكما حدثنا فهد ، قال : حدثنا أبو نعيم ، قال : حدثنا سفيان ، عن عبيد الله ، عن نافع عن ابن عمر ، قال : ولد المدبرة بمنزلتها . 5845 - وكما حدثنا يحيى بن عثمان ، قال : حدثنا نعيم ، قال : حدثنا ابن المبارك ، قال : حدثنا عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : المعتقة ، عن دبر ولدها بمنزلتها ، يعتقون بعتقها ، ويرقون برقها . ففي هذا الحديث من عثمان وابن عمر ما قد دل على أن مذهبهما كان في المدبرة المذهب الذي ذكرناه عن جابر فيها ، وهذا القول في المنع من بيع المدبرة قد قال به من فقهاء الأمصار أبو حنيفة وابن أبي ليلى والثوري وأئمة الحجاز كمالك وذويه ، والله - عز وجل - نسأله التوفيق .
52 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ نَهْيِهِ عَنْ تَقْلِيدِ الْخَيْلِ الْأَوْتَارَ . 358 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ دَاوُد الْبَغْدَادِيُّ ، حَدَّثَنَا حِبَّانُ بْنُ مُوسَى ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ يَعْنِي : ابْنَ الْمُبَارَكِ ، أَخْبَرَنِي عُتْبَةُ بْنُ أَبِي حَكِيمٍ ، حَدَّثَنِي الْحُصَيْنُ بْنُ حَرْمَلَةَ ، عَنْ أَبِي مُصَبِّحٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : ( الْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَأَهْلُهَا مُعَانُونَ عَلَيْهَا ، وَامْسَحُوا نَوَاصِيَهَا ، وَادْعُوا لَهَا بِالْبَرَكَةِ ، وَقَلِّدُوهَا وَلَا تُقَلِّدُوهَا الْأَوْتَارَ ) . وَهَذَا - أَعْنِي قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَلَا تُقَلِّدُوهَا الْأَوْتَارَ - مِمَّا تَكَلَّمَ النَّاسُ فِي مُرَادِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِ . فَكَانَ مِمَّا قَالُوهُ فِي ذَلِكَ مِمَّا أَجَازَهُ لَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ كَأَنَّهُ يَحْكِيهِ عَنْ قَائِلٍ سِوَاهُ قَالَ : الْأَوْتَارُ ، هَاهُنَا الذُّحُولُ ، يَقُولُ : لَا تَطْلُبُوا عَلَيْهَا الذُّحُولَ الَّتِي وُتِرْتُمْ بِهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ . قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : وَغَيْرُ هَذَا أَشْبَهُ عِنْدِي بِالصَّوَابِ . سَمِعْت مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ يَقُولُ : مَعْنَاهُ الْأَوْتَارُ ، وَكَانُوا يُقَلِّدُونَهَا إيَّاهَا فَتُخْنَقُ بِهَا ، قَالَ : وَمِمَّا يُصَدِّقُ ذَلِكَ حَدِيثُ هُشَيْمٍ ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ الْيَشْكُرِيِّ ، عَنْ جَابِرٍ : ( أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَمَرَ بِقَطْعِ الْأَوْتَارِ مِنْ أَعْنَاقِ الْخَيْلِ ) . قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : وَبَلَغَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ : إنَّمَا كَانَ ذَلِكَ يُفْعَلُ بِهَا مَخَافَةَ الْعَيْنِ عَلَيْهَا ، حَدَّثَنِي بِهِ عَنْهُ أَبُو الْمُنْذِرِ الْوَاسِطِيُّ ، إسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ ، فَأَمَرَهُمْ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِقَطْعِهَا ؛ لِأَنَّهَا لَا تَرُدُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ شَيْئًا . قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : وَهَذَا يُشْبِهُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَهُ بِالتَّمَائِمِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَأَمَّا مَا حَكَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ ، عَنْ أَبِي الْمُنْذِرِ ، عَنْ مَالِكٍ فِي تَأْوِيلِ هَذَا الْحَدِيثِ ، فَإِنَّمَا أَخَذَهُ فِيمَا نَرَى ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مِنْ حَدِيثِهِ الَّذِي : . 359 - حَدَّثَنَاهُ يُونُسُ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ : أَنَّ مَالِكًا حَدَّثَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ : أَنَّ ( أَبَا بَشِيرٍ الْأَنْصَارِيَّ أَخْبَرَهُ : أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ قَالَ : فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَسُولًا ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ ، حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ : وَالنَّاسُ فِي مَبِيتِهِمْ أَلَا لَا تَبْقَيَنَّ فِي رَقَبَةِ بَعِيرٍ قِلَادَةٌ وَلَا وَتَرٌ إلَّا قُطِعَتْ ) . قَالَ مَالِكٌ : ZZ أَرَى ذَلِكَ مِنْ الْعَيْنِ . 360 - حَدَّثَنَاهُ إبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ بْنِ فَارِسَ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ عَبَّادٍ ، عَنْ أَبِي بَشِيرٍ : ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ بَعَثَ رَجُلًا وَقَالَ : لَا تَدَعْ قِلَادَةَ وَتَرٍ ، وَلَا قِلَادَةً فِي عُنُقٍ ، يَعْنِي إلَّا قَطَعْتَهُ ) . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَتَأَمَّلْنَا حَدِيثَ جَابِرٍ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي أَوَّلِ هَذَا الْبَابِ ، فَوَجَدْنَا فِيهِ أَمْرَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِتَقْلِيدِ الْخَيْلِ بِقَوْلِهِ : وَقَلِّدُوهَا ، فَكَانَ ذَلِكَ مَعْقُولًا أَنَّهُ أَرَادَ التَّقْلِيدَ الَّذِي يَفْعَلُهُ النَّاسُ ، وَهُوَ تَقْلِيدُ الْخَيْلِ فِي أَعْنَاقِهَا ، ثُمَّ أَتْبَعَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ، وَلَا تُقَلِّدُوهَا الْأَوْتَارَ ، فَانْتَفَى بِذَلِكَ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ التِّرَاتَ ، وَثَبَتَ بِهِ أَنَّ مَا يُقَلِّدُهُ فِي أَعْنَاقِهَا مِمَّا أُمِرَ بِتَقْلِيدِهَا إيَّاهُ ، هُوَ مَا لَا يُخَافُ عَلَيْهَا مِنْهُ ، كَمَا يُخَافُ عَلَيْهَا مِنْ الْأَوْتَارِ إذَا قَلَّدَ بِهَا ، فَبَانَ بِذَلِكَ صِحَّةُ مَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي تَأْوِيلِهِ هَذَا الْمَعْنَى ، وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
726 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في طلاقه حفصة ، وفي مراجعته إياها بعد ذلك . 5421 - حدثنا إبراهيم بن أبي داود ، حدثنا إسماعيل بن الخليل الكوفي ، وحدثنا أحمد بن داود ، حدثنا عبد الرحمن بن صالح الأزدي ، حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة ، قال ابن أبي داود : أخبرني صالح بن صالح ، وقال أحمد في حديثه ، عن صالح بن صالح ، عن سلمة بن كهيل ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم طلق حفصة ، ثم راجعها . 5422 - وحدثنا أبو أمية ، حدثنا محمد بن الصلت ، حدثنا يحيى بن زكريا ، ثم ذكر بإسناده مثله . 5423 - وحدثنا أبو أمية ، حدثنا إسماعيل بن الخليل الخزاز ، حدثنا يونس بن بكير ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن ابن عمر ، قال : دخل عمر على حفصة أختي وهو تبكي ، فقال : ما لك لعل رسول الله صلى الله عليه وسلم طلقك ، أما إنه قد كان طلقك مرة ، ثم راجعك من أجلي . قال أبو جعفر : وصالح بن صالح هذا هو ابن صالح بن حي الذي يروي عن الشعبي أبو علي ، والحسن بن صالح ، فدل هذا على أنه قد كان له بنون ثلاثة ، أخذ عنهم العلم ، وهم : علي ، والحسن ، وصالح . فأما علي والحسن فولدا في بطن واحد . 5424 - كما حدثني عبد الرحمن بن القاسم القطان الكوفي أبو محمد ، قال : حدثني جعفر بن محمد رجل من الكوفة ، قال : حدثني جدي ، قال : قال صالح بن حي قلت للشعبي : إنه ولد لي في هذه الليلة ابنان ، فقال : وما سميتهما ، قلت : سميت أحدهما عليا والآخر حسنا ، فقال لي : قد أحسنت ، بارك الله لك فيهما ، وأعلى عليا وحسن حسنا . ومما يقوي هذا أن البخاري ذكر في كتابه ، فقال : وعبد الله بن صالح بن صالح بن حي الهمداني سمع من عبثر بن القاسم ، سمع منه عمرو الناقد . قال أبو جعفر : فأما علي وحسن ، فلا عقب لهما ، ووفاتهما متقدمة كما سمعت أبا زرعة الدمشقي يقول : توفي علي بن صالح ومسعر بن كدام في سنة خمس وخمسين ومائة ، وتوفي الحسن بن صالح سنة سبع وستين ومائة . 5425 - وحدثنا يحيى بن عثمان بن صالح ، قال : حدثنا حرملة بن يحيى ، حدثنا ابن وهب أخبرني عمرو بن صالح ، عن موسى بن علي ، عن أبيه ، عن عقبة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلق حفصة فأتاه جبريل فقال : راجعها فإنها صوامة قوامة . قال أبو جعفر : وعمرو بن صالح هذا رجل من أهل مصر ممن كان يسكن الحمراء ، تعرف ببطن الدير . 5426 - وحدثنا محمد بن إبراهيم بن يحيى بن جناد ، حدثنا مسلم بن إبراهيم ، حدثنا الحسن بن أبي جعفر ، حدثنا ثابت ، عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم طلق حفصة تطليقة فأتاه جبريل ، فقال : يا محمد طلقت حفصة تطليقة ، وهي صوامة قوامة ، وهي زوجتك في الدنيا وفي الجنة . فقال قائل : وكيف تقبلون مثل هذا ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يطلق زوجة من أزواجه هي زوجته في الدنيا وفي الجنة ، وقد كان الله عز وجل خير أزواج نبيه ، وهي منهن بين الدنيا والآخرة ، فاخترن الله ورسوله على الدنيا ، فشكر الله ذلك لهن واحتبسه عليهن واحتبسهن عليه ، حتى جعل لهن أن يكن بعد موته كما كن في حياته ، لأنهن محبوسات عليه ومحرمات على من سواه من الناس . فكان جوابنا له في ذلك : أنه وإن كان صلى الله عليه وسلم قد طلقها فلم يخرجها بذلك من أزواجه المستحقات في الدنيا والآخرة ما استحقته من لم يطلقها من أزواجه ، وإنما كان طلاقه لها طلاقا لم يقطع السبب الذي بينه وبينها ، لأنه كان طلاقا رجعيا ، ثم كان بحمد الله ونعمته منه فيها ما كان من مراجعته إياها إلى ما كانت عليه قبل طلاقه إياها رضي الله عنها . فإن قال هذا القائل : فلو انقضت عدتها ولم يراجعها ، أكانت بذلك تخرج من جملة أمهات المؤمنين حتى لا تكون أما لهم كما كانت قبل ذلك . كان جوابنا له في ذلك : أن ذلك لو كان لما خرجت من جملة أمهات المؤمنين ولكانت بعده أما لهم ، وأن حرمتها عليهم كحرمتها عليهم قبل ذلك ، وأنها زوجة لرسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنة ، كما لا يخرجها الموت من ذلك لو كان مات عنها وهي بعد موته تستحق النفقة عليها مما كان ينفق عليها منه في حياته ، لأنها محبوسة عليه بعد موته ، كما كانت محبوسة عليه في حياته وفيما ذكرنا بيان لما قد توهمه هذا القائل ، وبالله التوفيق .
53 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ قَوْلِهِ : نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إبْرَاهِيمَ ، وَمَا ذَكَرَ مَعَهُ سِوَاهُ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ ذَلِكَ فِيهِ . 361 - حَدَّثَنَا يُونُسُ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَني يُونُسُ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : ( نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إبْرَاهِيمَ ، إذْ قَالَ : رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى إلَى قَوْلِهِ قَلْبِي وَيَرْحَمُ اللَّهُ لُوطًا ، لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ ، وَلَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ كَمَا لَبِثَ يُوسُفُ لَأَجَبْت الدَّاعِيَ ) . 362 - حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبَانَ أَبُو عَلِيٍّ ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عِيسَى بْنِ تَلِيدٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ ، حَدَّثَنِي بَكْرُ بْنُ مُضَرَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، وَابْنِ الْمُسَيِّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ مِثْلَهُ إلَّا أَنَّهُ قَالَ : رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى ، وَلَمْ يَقُلْ إذْ قَالَ : رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى . 363 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ دَاوُد ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ دَاوُد بْنِ أَبِي زَنْبَرٍ ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ : أَنَّ ابْنَ الْمُسَيِّبِ ، وَأَبَا عُبَيْدٍ أَخْبَرَاهُ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ زَكَرِيَّا أَيْضًا سَوَاءً . 364 - حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُد ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ ، حَدَّثَنا عَمِّي جُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ : أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ ، وَأَبَا عُبَيْدٍ أَخْبَرَاهُ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ زَكَرِيَّا أَيْضًا سَوَاءً . فَتَأَمَّلْنَا قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إبْرَاهِيمَ إذْ قَالَ : رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى . فَوَجَدْنَا إبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ اللَّهِ فِي نَفْسِهِ الْآيَةَ الَّتِي لَمْ يَرَ مِثْلَهَا ، وَهُوَ إلْقَاءُ أَعْدَائِهِ إيَّاهُ فِي النَّارِ ، فَلَمْ تَعْمَلْ فِيهِ شَيْئًا لِوَحْيِ اللَّهِ إلَيْهَا : يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ ، فَكَانَتْ آيَةً مُعْجِزَةً لَمْ يُرَ مِثْلُهَا قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا . فَقَالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِيَنْفِيَ الشَّكَّ عَنْ إبْرَاهِيمَ عِنْدَ قَوْلِهِ : رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى أَي : إنَّا وَلَمْ نَرَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ الْآيَةَ الَّتِي أُرِيَهَا إبْرَاهِيمُ فِي نَفْسِهِ ، لَا نَشُكُّ ، فَإِبْرَاهِيمُ مَعَ رُؤْيَتِهِ إيَّاهَا فِي نَفْسِهِ أَحْرَى أَنْ لَا يَشُكَّ ، وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى لَهُ : أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى ، وَقَدْ حَقَّقَ ذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ كان : رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى لَمْ يَكُنْ عَلَى الشَّكِّ مِنْهُ ، وَلَكِنْ لِمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ طَلَبِهِ إجَابَةَ اللَّهِ تَعَالَى فِي مَسْأَلَتِهِ إيَّاهُ ، ذَلِكَ لِيَطْمَئِنَّ بِهِ قَلْبُهُ ، وَيَعْلَمَ بِذَلِكَ عُلُوَّ مَنْزِلَتِهِ عِنْدَهُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : ( وَيَرْحَمُ اللَّهُ لُوطًا ، لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ ، أَيْ : قَوْلُهُ لِقَوْمِهِ : لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً ، أَيْ : كَقُوَّةِ أَهْلِ الدُّنْيَا ، أَيْ : يَنْتَصِفُ بِهَا بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ ، أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ أَيْ : مِنْ أَرْكَانِ الدُّنْيَا الَّتِي كَانُوا يُؤْذِونَهُ بِمِثْلِهَا ، وَلَهُ مَعَ ذَلِكَ الرُّكْنُ الشَّدِيدُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى الَّذِي لَا رُكْنَ مِثْلُهُ ، وَلَكِنَّهُ جَلَّ وعز إذْ كَانَ لَا يَخَافُ الْفَوْتَ رُبَّمَا أَخَّرَ بَعْضَ عُقُوبَاتِ الْمُذْنِبِينَ لِمَا يَشَاءُ أَنْ يُؤَخِّرَهَا لَهُ مِنْ إمْلَاءٍ أَوْ مِنْ اسْتِدْرَاجٍ لَهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ ، حَتَّى يُنْزِلَهَا بِهِمْ عِنْدَ مَشِيئَتِهِ ذَلِكَ فِيهِمْ ، كَمَا أَنْزَلَ بِذَوِي مَعَاصِيهِ مِنْ فِرْعَوْنَ وَسَائِرِ الْأُمَمِ الَّتِي خَالَفَتْ عَلَيْهِ ، وَخَرَجَتْ عَنْ أَمْرِهِ ، وَعَنَدَتْ عَمَّا جَاءَتْهُمْ بِهِ رُسُلُهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ . وَقَدْ وَجَدْنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجْهًا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ سَبَبَ قَوْلِ لُوطٍ هَذَا كَانَ مِنْ أَجْلِهِ . 365 - وَهُوَ مَا قَدْ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ غُلَيْبٍ ، حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ عَدِيٍّ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو ، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَى لُوطٍ ، إنْ كَانَ لَيَأْوِي إلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ : لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ وَمَا بَعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ نَبِيٍّ إلَّا فِي ثَرْوَةٍ مِنْ قَوْمِهِ ) . فَدَلَّ ذَلِكَ أَنَّ قَوْلَ لُوطٍ هَذَا كَانَ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي ثَرْوَةٍ مِنْ قَوْمِهِ ، يُكَوِّنُونَ لَهُ رُكْنًا يَأْوِي إلَيْهِمْ . وَأَمَّا قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : ( وَلَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ مِثْلَ مَا لَبِثَ يُوسُفُ لَأَجَبْت الدَّاعِيَ ) ، أَيْ : لِأَنَّ يُوسُفَ لَمَّا جَاءَهُ الدَّاعِي قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ الْآيَةَ أَيْ : كُنْتُ أَجَبْتُ الدَّاعِيَ ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ خُرُوجِي مِنْ السِّجْنِ الَّذِي كُنْت فِيهِ .
780 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في إقامته حد الزنى على المقر به عنده من المرأة التي أنكرت ذلك . 5846 - حدثنا الربيع بن سليمان المرادي ونصر بن مرزوق جميعا قالا : حدثنا أسد بن موسى ، قال : حدثنا مسلم بن خالد ، قال : حدثنا أبو حازم ، حدثني سهل بن سعد صاحب النبي صلى الله عليه وسلم : أن رجلا من أسلم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : إنه زنى بامرأة سماها ، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى المرأة ، فدعاها فسألها عما قال ، فأنكرت ، فحده وتركها . هكذا حدثنا الربيع ونصر بهذا الحديث بغير إدخال منهما بين مسلم بن خالد ، وبين أبي حازم فيه أحدا . 5847 - وقد حدثنا إبراهيم بن أبي داود ، قال : حدثنا هشام بن عمار ، قال : حدثنا مسلم بن خالد ، قال : حدثنا عباد بن إسحاق ، عن أبي حازم عن سهل بن سعد أن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : زنى بي فلان ، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم إلى فلان ، فسأله فأنكر ، فرجم المرأة . فأدخل ابن أبي داود في إسناد هذا الحديث بين مسلم وبين أبي حازم عباد بن إسحاق . ففي هذا الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقام حد الزنى على المقر به عنده من الرجل ومن المرأة . وهذه مسألة قد اختلف أهل العلم فيها ، فقال بعضهم : إن المقر بالزنى يحد حد الزاني ، وإن المنكر لذلك لا حد عليه ، وممن كان يذهب إلى ذلك منهم : أبو يوسف . وقال بعضهم : لا يحد المقر بالزنى منهما ، إذ كان للمنكر منهما مطالبة المقر بالزنى بحد القذف بالزنى الذي رماه به ، لأنا نحيط علما : أنه لا يجتمع عليه فيما أقر به من ذلك هذان الحدان جميعا ؛ لأنه إن كان صادقا فيما أقر به كان زانيا ، وكان عليه حد الزنى ، ولم يكن عليه حد قذف لصاحبه ، وإن كان كاذبا كان قاذفا ، ووجب عليه حد القذف لصاحبه ، ولم يجب عليه حد الزنى ؛ لأنه كان كاذبا في إقراره به ، وممن قال بذلك أبو حنيفة ، وقد احتج عليه مخالفوه بهذا الحديث وادعوا عليه تركه إياه ، فنظرنا في ذلك . 5848 - فوجدنا إبراهيم بن محمد الصيرفي قد حدثنا ، قال : حدثنا أبو الوليد الطيالسي ، قال : حدثنا أبو عوانة ، عن سماك بن حرب ، عن عكرمة ، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال لماعز بن مالك : أحق ما بلغني عنك ؟ قال : وما بلغك عني ، قال : إنك أتيت جارية آل فلان ، فأقر به على نفسه أربع مرات ، فأمر به فرجم . 5849 - ووجدنا أحمد بن داود قد حدثنا ، قال : حدثنا أبو الوليد الطيالسي ، قال : حدثنا أبان بن يزيد ، قال : حدثنا يحيى بن أبي كثير ، قال : حدثني أبو سلمة ، عن يزيد بن نعيم بن هزال ، وكان هزال استرجم لماعز ، قال : كانت لأهله جارية ترعى غنما ، وإن ماعزا وقع عليها ، وإن هزالا أخذه فمكر به وخدعه ، فقال : انطلق إلى رسول الله ، فنخبره بالذي صنعت عسى أن ينزل فيك قرآن ، فأمر به نبي الله صلى الله عليه وسلم ، فلما عضه مس الحجارة انطلق يسعى ، فاستقبله رجل بلحي بعير فضربه فصرعه ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : يا هزال ، لو كنت سترته بثوبك كان خيرا لك . قال أبو جعفر : فوقفنا بما رويناه في هذين الحديثين على : أن المقر كان بالزنى عند النبي صلى الله عليه وسلم كان هو الرجل المذكور في الحديثين الأولين ، كما في حديث الربيع ونصر لا المرأة ، كما في حديث ابن أبي داود ، وأن ذلك الرجل كان من أسلم ، وهو ماعز بن مالك لا اختلاف فيه أنه كذلك . ودل ما في هذين الحديثين الآخرين : أن المرأة التي أقر ذلك الرجل بالزنى بها كانت أمة لا حد لها عليه في رميه إياها بالزنى ، وهكذا يقول أبو حنيفة في المرمية بالزنى التي ذكرنا ، إذا كانت أمة لا يجب على قاذفها حد ، وأنكرت الزنى الذي رماها به ، أن المقر بالزنى يحد حد الزنى ، وإنما يرفع عند حد الزنى إذا كانت حرة يجب لها عليه حد القذف الذي يجعل به كاذبا فيما رماها به ، ساقط الشهادة في المستأنف . وأما إذا كانت أمة لا حد على قاذفها ، فإنه يكون محدودا في الزنى الذي أقر به ؛ لأنه لا حد عليه فيما أقر به غير حد الزنى الذي أقر به ، وإذا كانت حرة كان عليه لها حد القذف الذي نحيط علما أنه لا يكون عليه معه حد الزنى ، فبان بحمد الله ونعمته : أن لا حجة في هذا الحديث ، لمن ادعى فيه الخلاف له على أبي حنيفة ، والله نسأله التوفيق .
54 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مُرَادِ اللَّهِ بِقَوْلِهِ : وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ هَلْ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ أَوْ مَنْ سِوَاهُ ؟ . 366 - حَدَّثَنَا يُونُسُ ، وَيَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ ، وَالرَّبِيعُ الْجِيزِيُّ ، وَصَالِحُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَعَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُد ، وَفَهْدٌ ، وَمَالِكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَيْفٍ التُّجِيبِيِّ أَبُو سَعْدٍ ، قَالُوا : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ، قَالَ : سَمِعْت مَالِكًا يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي النَّضْرِ ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ سَعْدٍ قَالَ : مَا سَمِعْتُ النَّبِيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَقُولُ ( لِأَحَدٍ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ : إنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ إلَّا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ ، وَفِيهِ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ . فَأَنْكَرَ مُنْكِرٌ أَنْ يَكُونَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ هُوَ الْمُرَادَ بِهَذِهِ الْآيَةِ ، وَذَكَرَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا سِوَاهُ ، وَأَنَّهَا فِي سُورَةٍ مَكِّيَّةٍ ، وَأَنَّ إسْلَامَ عَبْدِ اللَّهِ فَإِنَّمَا كَانَ بِالْمَدِينَةِ ، وَذَكَرَ فِي ذَلِكَ : . 367 - مَا قَدْ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ ، حَدَّثَنَا الْفِرْيَابِيُّ ، حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ ، عَنْ عَاصِمٍ ، عَنْ الشَّعْبِيِّ ، فِي قَوْله تَعَالَى : وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ قَالَ : لَيْسَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ ، آيَةٌ مَكِّيَّةٌ ، وَإِنَّمَا أَسْلَمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ قَبْلَ وَفَاةِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِعَامَيْنِ ، وَمَا أُنْزِلَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ الْقُرْآنِ ، وَإِنَّمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي رَجُلٍ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ آمَنَ بِهِ قَوْمُهُ وَاسْتَكْبَرْتُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا . وَقَدْ وَافَقَ الشَّعْبِيُّ فِي نَفْيِ هَذِهِ الْآيَةِ أَنْ تَكُونَ أُنْزِلَتْ فِي ابْنِ سَلَامٍ ، وَفِي نَفْيِ آيَةٍ أُخْرَى قَدْ قَالَ بَعْضُ النَّاسِ : إنَّهَا أُنْزِلَتْ فِيهِ أَيْضًا ، وَهِيَ قَوْله : قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ . 368 - كَمَا حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ دَاوُد بْنِ مُوسَى ، حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ قَالَ : سَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ قُلْت : هُوَ ابْنُ سَلَامٍ ، قَالَ : كَيْفَ يَكُونُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ ، وَهَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ . قَالَ : وَكَانَ سَعِيدٌ يَقْرَأُ وَمَنْ عِنْدِهِ عِلْمُ الْكِتَابِ . وَكَانُوا يَشُدُّونَ ذَلِكَ بِمَا يَرْوِيهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ : . 369 - كَمَا حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي عِمْرَانَ ، حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ الْبَزَّارُ ، حَدَّثَنَا الْخَفَّافُ ، عَنْ هَارُونَ النَّحْوِيِّ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي وَحْشِيَّةَ ، عَنْ ابْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ : وَمَنْ عِنْدِهِ بِكَسْرِهَا ، وَيَقُولُ : مَنْ عِنْدِ اللَّهِ عِلْمُ الْكِتَابِ . فَتَأَمَّلْنَا هَذَا الْبَابَ هَلْ خَالَفَ فِيهِ الشَّعْبِيُّ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ أَحَدًا مِنْ أَمْثَالِهِمَا ؟ 370 - فَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ ، حَدَّثَنَا الْفِرْيَابِيُّ ، حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ ، عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَالَ : هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ . 371 - وَكَمَا حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ ، حَدَّثَنَا أَزْهَرُ بْنُ سَعْدٍ السَّمَّانُ ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ ، عَنْ الشَّعْبِيِّ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ قَالَ : يَقُولُونَ : ابْنُ سَلَامٍ ، وَكَيْفَ يَكُونُ ابْنُ سَلَامٍ ، وَهَذِهِ الْآيَةُ مَكِّيَّةٌ ؟ قَالَ ابْنُ عَوْنٍ : فَنُبِّئْت أَنَّ مُحَمَّدًا يَعْنِي : ابْنَ سِيرِينَ قَالَ : صَدَقَ ، هِيَ مَكِّيَّةٌ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي السُّورَةَ الَّتِي فِيهَا تِلْكَ الْآيَةُ ، وَهِيَ سُورَةُ الْأَحْقَافِ ، وَلَكِنَّهَا قَدْ كَانَتْ تَنْزِلُ الْآيَةُ ، فَيُؤْمَرُ بِهَا أَنْ تُوضَعَ فِي مَكَانِ كَذَا وَكَذَا . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي أَنَّهُ قَدْ كَانَتْ الْآيَةُ تَنْزِلُ بِالْمَدِينَةِ فَيُؤْمَرُ بِوَضْعِهَا فِي سُورَةٍ قَدْ كَانَتْ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ . ثُمَّ رَجَعْنَا إلَى حَدِيثِ مَالِكٍ الَّذِي رَوَيْنَاهُ فِي أَوائل الْبَابِ فَكَشَفْنَاهُ ، لِنَقِفَ عَلَى حَقِيقَتِهِ . 372 - فَوَجَدْنَا ابْنَ أَبِي دَاوُد ، وَفَهْدًا ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَمْرِو بْنِ صَفْوَانَ النَّصْرِيَّ الدِّمَشْقِيَّ ، قَدْ حَدَّثُونَا قَالُوا : حَدَّثَنَا أَبُو مُسْهِرٍ عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ مُسْهِرٍ الْغَسَّانِيُّ ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ سَعْدٍ قَالَ : ( مَا سَمِعْت النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَقُولُ لِأَحَدٍ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ إنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ إلَّا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ ) . وَلَمْ يُذْكَرْ فِيهِ نُزُولُ تِلْكَ الْآيَةِ فِيهِ . فَوَقَعَ فِي قُلُوبِنَا مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ ، فَكَشَفْنَا عَنْهُ أَيْضًا حَتَّى وَقَفْنَا عَلَى الْحَقِيقَةِ فِيهِ بِمَنِّ اللَّهِ وَعَوْنِهِ . 373 - فَوَجَدْنَا يُونُسَ قَدْ حَدَّثَنَا ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْر ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ ، عَنْ مَالِكٍ ، فَذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ . قَالَ فِيهِ : قَالَ مَالِكٌ : وَفِيهِ نَزَلَتْ : وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ . 374 - وَوَجَدْنَا أَحْمَدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَهْبٍ قَدْ حَدَّثَنَا قَالَ : حَدَّثَنَا عَمِّي ، ثُمَّ ذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ ، وَبِمَا أَضَافَهُ إلَى مَالِكٍ فِيهِ مِثْلَهُ . فَوَقَفْنَا بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ ذِكْرَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لَيْسَ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَلَا مِنْ كَلَامِ سَعْدٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ كَلَامِ مَالِكٍ ، فَخَرَجَ بِذَلِكَ أَنْ يَكُونَ فِيهِ حُجَّةٌ عَلَى الشَّعْبِيِّ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي إثْبَاتِ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهُ كَانَ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ . ثُمَّ تَأَمَّلْنَا مَا قَدْ رُوِيَ فِي نُزُولِهَا سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ : . 375 - فَوَجَدْنَا بَكَّارَ بْنَ قُتَيْبَةَ ، قَدْ حَدَّثَنَا قَالَ : حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُد صَاحِبُ الطَّيَالِسَةِ ، حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ صَفْوَانَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ : أَنَّ الْحَجَّاجَ بْنَ يُوسُفَ قَالَ لِمُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ : لِلَّهِ أَبُوكَ ، تَعْلَمُ حَدِيثًا حَدَّثَهُ أَبُوك عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ؟ قَالَ : أَيُّ حَدِيثٍ يَرْحَمُك اللَّهُ ؟ فَرُبَّ حَدِيثٍ حَدَّثَ بِهِ ؛ قَالَ : حَدِيثُ الْمِصْرِيِّينَ لَمَّا حَاصَرُوا عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ؛ قَالَ : قَدْ عَلِمْتُ ذَلِكَ الْحَدِيثَ ، فَحَدَّثَهُ بِهِ فَكَانَ فِيهِ أَنَّهُمْ قَالُوا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ لَمَّا حَذَّرَهُمْ مِنْ قَتْلِ عُثْمَانَ ، كَذَبَ الْيَهُودِيُّ ، كَذَبَ الْيَهُودِيُّ . فَقَالَ : كَذَبْتُمْ وَاَللَّهِ ، وَأَثِمْتُمْ مَا أَنَا بِيَهُودِيٍّ ، وَإِنِّي لَأَحَدُ الْمُؤْمِنِينَ يَعْلَمُ ذَلِكَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ، وَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ : قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ ، وَالْآيَةُ الْأُخْرَى : قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ . فَكَانَ مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ إخْبَارِ ابْنِ سَلَامٍ بِنُزُولِ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ فِيهِ أَوْلَى ، وَكَانَ بِمَا نُزِّلَ فِيهِ أَعْلَمَ ، وَلَمْ نَجِدْ أَحَدًا مِنْ الْقُرَّاءِ الَّذِينَ أُضِيفَتْ الْقِرَاءَةُ إلَيْهِمْ مِنْ الْآيَةِ الَّتِي تَلَوْنَا ، وَهُوَ قَوْله : وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ إلَّا كَذَلِكَ ، وَلَمْ نَجِدْ أَحَدًا قَرَأَهَا بِالْكَسْرِ إلَّا ابْنَ عَبَّاسٍ وَابْنَ جُبَيْرٍ . 376 - وَقَدْ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عِمْرَانَ ، حَدَّثَنَا خَلَفٌ ، قَالَ : قَرَأَ الْأَعْمَشُ : وَمَنْ عِنْدَهُ نَصب ، وَعَاصِمٌ وَحَمْزَةُ كَمِثْل ، وَنَافِعٌ كَمِثْل ، وَابْنُ كَثِيرٍ كَمِثْل ، وَأَبُو عَمْرٍو كَمِثْل . 377 - وَقَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ مِنَّا فِي كِتَابِنَا مَخْرَجَ قِرَاءَةِ عَاصِمٍ ، وَرُجُوعَهَا إلَى عَلِيٍّ ، وَإِلَى ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَإِلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ . وَقِرَاءَةِ نَافِعٍ فَقَدْ كَانَتْ مَأْخُوذَةً عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ : أَبُو جَعْفَرٍ يَزِيدُ بْنُ الْقَعْقَاعِ ، وَكَانَ أَخْذُ أَبِي جَعْفَرٍ إيَّاهَا مِنْ مَوْلَاهُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَيَّاشٍ ، وَكَانَ أَخْذُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَيَّاشٍ إيَّاهَا مِنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ . كَذَلِكَ حَدَّثَنِي رَوْحُ بْنُ الْفَرَجِ ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ صَالِحٍ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ ذَلِكَ . 378 - وَقِرَاءَةُ حَمْزَةَ مَأْخُوذَةٌ فِيمَا حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي عِمْرَانَ مِمَّا سَمِعَهُ مِنْ خَلَفٍ الْبَزَّارِ ، أَنَّهُ قَرَأَ الْقُرْآنَ عَلَى سُلَيْمِ بْنِ عِيسَى عَشْرَ مَرَّاتٍ ، وَأَنَّ سُلَيْمًا حَدَّثَهُ أَنَّهُ قَرَأَهُ عَلَى حَمْزَةَ ، وَأَنَّ حَمْزَةَ ذَكَرَ أَنَّهُ قَرَأَ الْقُرْآنَ عَلَى رَجُلَيْنِ وَهُمَا الْأَعْمَشُ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، فَمَا كَانَ مِنْ قِرَاءَةِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى فَعَلَى حَرْفِ عَلِيٍّ ، وَمَا كَانَ مِنْ قِرَاءَةِ الْأَعْمَشِ فَعَلَى حَرْفِ ابْنِ مَسْعُودٍ . وَمِمَّا أَخَذْنَاهُ مِنْ قِرَاءَةِ حَمْزَةَ عَنْ غَيْرِ ابْنِ أَبِي عِمْرَانَ أَنَّ ابْنَ أَبِي لَيْلَى قَرَأَ الْقُرْآنَ عَلَى أَخِيهِ عِيسَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَأَنَّ أَخَاهُ قَرَأَهُ عَلَى أَبِيهِ ، وَأَنَّ أَبَاهُ قَرَأَهُ عَلَى عَلِيٍّ ، وَأَنَّ الْأَعْمَشَ قَرَأَهُ عَلَى يَحْيَى بْنِ وَثَّابٍ ، وَأَنَّ يَحْيَى قَرَأَهُ عَلَى عُبَيْدِ بْنِ نُضَيْلَةَ ، وَأَنَّ عُبَيْدًا قَرَأَهُ عَلَى عَلْقَمَةَ بْنِ قَيْسٍ النَّخَعِيِّ ، وَأَنَّ عَلْقَمَةَ قَرَأَهُ عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .
725 - باب بيان مشكل الواجب فيما اختلف فيه أهل العلم في الرجل يشتري السلعة فيفلس ، أو يموت وعليه ديون ، هل يكون بائعها أحق بها من غرمائه أم لا ؟ . 5410 - حدثنا الحسين بن نصر ، حدثنا يزيد بن هارون ، أخبرنا يحيى بن سعيد ، عن أبي بكر بن محمد يعني : ابن عمرو بن حزم أنه أخبره أنه سمع عمر بن عبد العزيز يحدث ، أنه سمع أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام يحدث ، أنه سمع أبا هريرة يحدث ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : من أفلس بمال قوم فوجد رجل متاعه بعينه فهو أحق به . 5411 - وحدثنا يونس ، حدثنا ابن وهب أن مالكا أخبره ، عن يحيى بن سعيد ، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ، عن عمر بن عبد العزيز ، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : أيما رجل أفلس فأدرك رجل ماله بعينه فهو أحق به من غيره . 5412 - وحدثنا إبراهيم بن مرزوق ، حدثنا وهب بن جرير وبشر بن عمر قالا : حدثنا شعبة ، عن قتادة ، عن النضر بن أنس ، عن بشير بن نهيك ، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : في الرجل إذا أفلس فوجد رجل متاعه بعينه ، فهو أحق به ، وفي حديث بشر : من الغرماء . 5413 - وحدثنا إبراهيم ، حدثنا بشر بن عمر ، حدثنا شعبة ، عن يحيى بن سعيد ، عن أبي بكر بن محمد بن حزم ، عن عمر بن عبد العزيز ، عن عبد الرحمن بن الحارث ، قال أبو جعفر : هكذا قال : عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم بذلك . 5414 - وحدثنا أحمد بن شعيب ، أخبرني عبد الرحمن بن خالد القطان ، وإبراهيم بن الحسن المقسمي ، واللفظ له ، قال : حدثنا حجاج بن محمد ، قال : قال ابن جريج ، أخبرنا ابن أبي حسين أن أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ، أخبره أن عمر بن عبد العزيز حدثه عن أبي بكر بن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم في الرجل يعدم إذا وجد عنده المتاع بعينه وعرفه أنه لصاحبه الذي باعه . قال أبو جعفر : وقد كنا نقول في هذا الحديث ، إن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه فوجد رجل ماله بعينه ، أن ذلك قد يحتمل أن يكون أريد به الودائع والعواري ، وأشباههما ، التي ملك واجدها قائم فيها ، ليست الأشياء المبيعات التي ليست لواجدها حينئذ ، وإنما هي أشياء قد كانت له ، فزال ملكه عنها كما يقول أبو حنيفة وأصحابه في ذلك ، وقد كان بعض الناس ممن يذهب في ذلك مذهب مالك ومن تابعه على قوله في ذلك يحتج علينا في ذلك . 5415 - كما قد حدثنا يونس ، أخبرنا ابن وهب أن مالكا أخبره ، عن ابن شهاب ، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : أيما رجل باع متاعا فأفلس الذي ابتاعه ، ولم يقبض الذي باعه من ثمنه شيئا فوجده بعينه فهو أحق به ، وإن مات المشتري فصاحب المتاع أسوة الغرماء . وكنا لا نرى ذلك حجة له علينا في خلافنا إياه الذي ذكرنا لانقطاع هذا الحديث حتى . 5416 - حدثنا حامد بن محمد المروزي أبو أحمد ، حدثنا محمد بن إسحاق بن خزيمة ، عن عبد الرحمن بن بشر بن الحكم النيسابوري ، قال : وكان هذا من علماء نيسابور وثقاتهم ، قال : حدثنا عبد الرزاق ، أخبرنا مالك ، عن ابن شهاب ، عن أبي بكر بن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقوي بذلك هذا الحديث في قلوبنا لما اتصل لنا إسناده ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قد ذكرنا . وقد كان بعض الناس قبل ذلك احتج علينا في هذا الباب بما . 5417 - حدثنا جعفر بن محمد بن الحسن الفريابي ، حدثنا عبد الله بن عبد الجبار الخبائري ، حدثنا إسماعيل بن عياش ، عن موسى بن عقبة ، عن الزهري ، عن أبي بكر بن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : أيما رجل باع سلعة فأدرك سلعته بعينها عند رجل قد أفلس ولم يقبض من ثمنها شيئا ، فهي له ، وإن كان قضاه من ثمنها شيئا فما بقي فهو أسوة الغرماء . فكنا لا نرى ذلك حجة له علينا لفساد رواية إسماعيل بن عياش ، عن غير الشاميين ، ثم وجدناه من رواية إسماعيل ، عن الشاميين الذين لا يتكلم في رواية إسماعيل عنهم . 5418 - كما حدثنا جعفر بن محمد بن الحسن ، حدثنا عبد الله بن عبد الجبار ، حدثنا إسماعيل بن عياش ، عن الزبيدي ، عن الزهري ، عن أبي بكر بن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم ذكر مثل حديثه الذي قبل هذا ، وزاد فيه : وأيما امرؤ هلك وعنده مال امرئ بعينه اقتضى منه شيئا ، أو لم يقتض ، فهو أسوة الغرماء . فلم يسع عندنا خلاف هذا الحديث لمن بلغه ووقف عليه من هذه الوجوه المقبولة خلافه ، ورجعنا في هذه المعاني المروية فيه إلى ما كان مالك يقوله فيها ، وعذرنا من خالفها في خلافه إياها ، إنما كان ذلك منه ، لأنها لم تتصل به هذا الاتصال ولو اتصلت به هذا الاتصال وقامت عنده كمثل ما قامت عندنا ، لما خالفها ولرجع إليها وقال بها ، كما قد رأيناه فعل في أمثالها . وأما الشافعي فقد كان يقول : إذا أفلس بعدما قضى البائع بعض الثمن الذي ابتاع به تلك السلعة أنه يكون في حصة ما قضاه أسوة الغرماء ، ويكون أحق بالباقي منها منهم ، والذي في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم يدفع ذلك ويخالفه ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم فهو حجة الله على جميع خلقه ، وكان أيضا مع ذلك يسوي بين حكم إفلاسه وبين حكم موته ، فيجعل صاحب السلعة فيهما أحق بها من سائر الغرماء ، وقد فرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما ، وجعل الحكم فيهما مختلفا على ما قد ذكرناه في حديث الزبيدي ، عن الزهري ، وفي حديث عبد الرزاق ، عن مالك ، عن الزهري . وكان الشافعي يحتج فيما ذهب إليه من التسوية في ذلك بين الإفلاس والموت بما قد . 5419 - حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ، أخبرنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك ، عن ابن أبي ذئب ، قال : حدثني أبو المعتمر بن عمرو بن رافع ، عن ابن خلدة الزرقي ، وكان قاضيا أنه قال : جئنا إلى أبي هريرة في صاحب لنا أفلس ، فقال : هذا الذي قضى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم : أيما رجل مات أو أفلس ، فصاحب المتاع أحق بمتاعه . 5420 - وبما قد حدثنا يونس ، حدثني محمد بن إدريس حين ذاكرته مسألة الذي يبيع السلعة ثم يموت أو يفلس ، فيجد الرجل سلعته بعينها ، فقال لي : هو أحق بها في الموت والتفليس ، ثم قال : حدثني ابن أبي فديك ، قال : أخبرني ابن أبي ذئب ، ثم ذكر مثل حديث محمد ، عن ابن أبي فديك . قال أبو جعفر : وهذا الحديث إنما رجع إلى أبي المعتمر الذي لا يعرف ولا يدرى من هو ، ولا سمعنا له ذكرا إلا في هذا الحديث ، ومن هذه سبيله فليس ممن يجوز أن يحتج به في هذا المعنى ، مع أنه لو كان ثابتا لكان حديث الزهري ، عن أبي بكر ، عن أبي هريرة أولى منه ، لأنه قد روته الأئمة الذين تقوم الحجة برواياتهم ، والذين لا يجب أن يعارض ما رووا بمثل ما روى أبو المعتمر الذي لا يعرف ولا يدرى من هو ، ولو تدبر حديث أبي المعتمر لوقف على أن لا حجة فيه ، لأن فيه : أيما رجل أفلس أو مات ، فقد يحتمل أن يكون ذلك على الشك فيعود الحديث إلى أن لا يدرى ما فيه مما ذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم ، هل هو في التفليس أو في الموت ، وما وجدنا أحدا من أهل العلم أخذ بكل ما في هذا الحديث ، إلا مالك بن أنس ، فأما من سواه فقد ذكرنا أقوالهم في هذا الباب ، ونسأل الله التوفيق .
55 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي السَّبَبِ الَّذِي أُنْزِلَتْ فِيهِ الْآيَتَانِ اللَّتَانِ أَوَّلَ سُورَةِ الْحُجُرَاتِ : يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا الْآيَةَ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ الْآيَةَ . 379 - حَدَّثَنَا بَكَّارَ بْنُ قُتَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ إسْمَاعِيلَ ، حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ الْجُمَحِيُّ ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ ، عَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ : ( قَدِمَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، اسْتَعْمِلْهُ عَلَى قَوْمِهِ . وَقَالَ عُمَرُ : لَا تَسْتَعْمِلْهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَتَكَلَّمَا فِي ذَلِكَ حَتَّى ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا . فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لِعُمَرَ : مَا أَرَدْتَ إلَّا خِلَافِي ؟ قَالَ : مَا أَرَدْتُ خِلَافَك . قَالَ : فَنَزَلَتْ : لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ . قَالَ : فَكَانَ عُمَرُ بَعْدَ ذَلِكَ إذَا تَكَلَّمَ لَمْ يُسْمِعْ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ حَتَّى يَسْتَفْهِمَهُ . قَالَ : وَمَا ذَكَرَ أَبَاهُ وَلَا جَدَّهُ ، يَعْنِي أَبَا بَكْرٍ وَالزُّبَيْرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا . 380 - حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَزِيدَ ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ أَبِي عَبَّادٍ الْمَكِّيُّ ، حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ ، عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ : كَادَ الْخَيِّرَانِ أَنْ يَهْلَكَا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ رَفَعَا أَصْوَاتَهُمَا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ قَدِمَ عَلَيْهِ رَكْبٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ ، أَشَارَ أَحَدُهُمَا بِالْأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ أَخِي بَنِي مُجَاشِعٍ ، وَأَشَارَ الْآخَرُ بِرَجُلٍ آخَرَ لَا أَحْفَظُ اسْمَهُ ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ لِعُمَرَ : مَا أَرَدْت إلَّا خِلَافِي . فَقَالَ : مَا أَرَدْت خِلَافَك . فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا فِي ذَلِكَ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ إلَى آخِرِ الْآيَةِ . 381 - حَدَّثَنَا يُوسُفُ ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ ، حَدَّثَنَا نَافِعٌ قَالَ : قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ فَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ : فَمَا كَانَ عُمَرُ يُسْمِعُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ حَتَّى يَسْتَفْهِمَهُ . قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ : وَلَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ عَنْ أَبِيهِ أَبِي بَكْرٍ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْآيَةَ الَّتِي أُنْزِلَتْ فِي الْمَعْنَى الَّذِي كَانَ مِنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ هِيَ : لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ الْآيَةَ الَّتِي أُنْزِلَتْ فِي ذَلِكَ هِيَ قَوْلُهُ : يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ الْآيَةَ . 382 - كَمَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَخْلَدٍ الْأَصْبَهَانِيُّ أَبُو الْحُسَيْنِ ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي إسْرَائِيلَ ، حَدَّثَني هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ فِي تَفْسِيرِ ابْنِ جُرَيْجٍ : لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُمْ ، أَنَّهُ قَدِمَ رَكْبٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ عَلَى النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : أَمِّرْ الْقَعْقَاعَ بْنَ مَعْبَدِ بْنِ زُرَارَةَ . وَقَالَ عُمَرُ : بَلْ أَمِّرْ الْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ . فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : مَا أَرَدْت إلَّا خِلَافِي ! فَقَالَ عُمَرُ : مَا أَرَدْتُ خِلَافَك ؛ فَتَمَارَيَا حَتَّى ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا فَنَزَلَتْ فِي ذَلِكَ : يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ . فَكَانَ مَا فِي الْحَدِيثَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ أَشْبَهَ بِأَنْ تَكُونَ الْآيَةُ الْمَذْكُورَةُ فِيهِمَا هِيَ الَّتِي أُنْزِلَتْ فِيمَا كَانَ مِنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فِي الْمَعْنَى الْمَذْكُورِ فِيهِمَا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ شَدَّ ذَلِكَ مَا قَدْ رُوِيَ مِمَّا كَانَ عِنْدَ نُزُولِهَا مِنْ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ الْأَنْصَارِيِّ : . 383 - حَدَّثَنَا فَهْدٌ ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ أَبُو سَلَمَةَ الْمُنْقِرِيُّ ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ يَعْنِي : ابْنَ الْمُغِيرَةِ ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ قَالَ : ( وَكَانَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ رَفِيعَ الصَّوْتِ ، فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ جَلَسَ فِي بَيْتِهِ ، وَقَالَ : أَنَا الَّذِي كُنْتُ أَرْفَعُ صَوْتِي فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ، وَأَجْهَرُ لَهُ بِالْقَوْلِ ، حَبِطَ عَمَلِي ، وَأَنَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ . فَفَقَدَهُ النَّبِيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ : إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَدَك . فَقَالَ : أُنْزِلَتْ فِي هَذِهِ الْآيَةُ ، أَنَا الَّذِي كُنْتُ أَرْفَعُ صَوْتِي فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَجْهَرُ لَهُ بِالْقَوْلِ ، فَحَبِطَ عَمَلِي ، وَأَنَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ . فَأَتَى بِهِ الرَّجُلُ فَقَالَ : إنَّهُ يَقُولُ : كَذَا وَكَذَا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : بَلْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ) . قَالَ أَنَسٌ : فَكُنَّا نَرَاهُ يَمْشِي بَيْنَ أَظْهُرِنَا ، وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْيَمَامَةِ كَانَ فِي بَعْضِنَا بَعْضُ الِانْكِشَافِ فَأَقْبَلَ ، وَقَدْ تَكَفَّنَ وَتَحَنَّطَ فَقَالَ : بِئْسَ مَا عَوَّدْتُمْ أَقْرَانَكُمْ فَقَاتَلَهُمْ حَتَّى قُتِلَ رَحِمَهُ اللَّهُ . فَأَمَّا نُزُولُ الْآيَةِ الْأُخْرَى الَّتِي تَلَوْنَاهَا فِي هَذَا الْبَابِ ، فَكَانَ فِيمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ فِي مَعْنًى سِوَى ذَلِكَ الْمَعْنَى الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ الْآيَةُ الْأُخْرَى . 384 - كَمَا حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ شُعَيْبٍ الْكَيْسَانِيُّ ، حَدَّثَنِي أَبِي فِي إمْلَاءِ أَبِي يُوسُفَ عَلَيْهِمْ عَنْ يَحْيَى بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ ، عَنْ حِبَالِ بْنِ رُفَيْدَةَ ، عَنْ مَسْرُوقِ بْنِ الْأَجْدَعِ قَالَ : كُنَّا عِنْدَ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ عَرَفَةَ وَالنَّاسُ يَسْأَلُونَ يَرَوْنَ أَنَّهُ يَوْمُ النَّحْرِ . فَقَالَتْ لِجَارِيَةٍ لَهَا : أَخْرِجِي لِمَسْرُوقٍ سَوِيقًا وَحَلِّيهِ ، فَلَوْلَا أَنِّي صَائِمَةٌ لَذُقْتُهُ . فَقَالَ لَهَا : أَصُمْتِ هَذَا الْيَوْمَ ، وَهُوَ يُشَكُّ فِيهِ ؟ فَقَالَتْ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي مِثْلِ هَذَا الْيَوْمِ : يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ كَانَ قَوْمٌ يَتَقَدَّمُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّوْمِ وَفِيمَا أَشَبَهَهُ ، فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ . 385 - وَكَمَا حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَبُو عَلِيٍّ الْمَرُّوذِيُّ ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ السَّلُولِيُّ ، أَخْبَرَنَا جَعْفَرٌ الْأَحْمَرُ ، عَنْ يَحْيَى الْجَابِرِ ، عَنْ حِبَالِ بْنِ رُفَيْدَةَ ، عَنْ مَسْرُوقٍ : أَنَّ رَجُلًا صَامَ يَوْمَ الشَّكِّ ، فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ : لَا تَفْعَلْ ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ : لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ . فَدَلَّ مَا ذَكَرْنَا عِنْدَ تَصْحِيحِ مَا رَوَيْنَا أَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْآيَتَيْنِ اللَّتَيْنِ تَلَوْنَا كَانَ نُزُولُهَا فِي مَعْنًى غَيْرِ الْمَعْنَى الَّذِي كَانَ فِيهِ نُزُولُ الْآيَةِ الْأُخْرَى مِنْهُمَا . وَفِي حَدِيثِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مَعْنًى يَجِبُ أَنْ يُوقَفَ عَلَيْهِ ، وَهُوَ مَا فِي حَدِيثِ بَكَّارَ بْنِ قُتَيْبَةَ الَّذِي رَوَيْنَا مِنْ قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ لِعُمَرَ : مَا أَرَدْت إلَّا خِلَافِي . وَمِنْ قَوْلِ عُمَرَ عِنْدَ ذَلِكَ : مَا أَرَدْت خِلَافَك . وَمَا فِي حَدِيثِ يُوسُفَ بْنِ يَزِيدَ ، وَمُحَمَّدٍ الْأَصْبَهَانِيِّ مَكَانَ ذَلِكَ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لِعُمَرَ : مَا أَرَدْتَ إلَّا خِلَافِي . وَقَوْلُ عُمَرَ لَهُ عِنْدَ ذَلِكَ : مَا أَرَدْتَ خِلَافَكَ . فَاَلَّذِي فِي حَدِيثِ بَكَّارٍ أَوْلَى عِنْدَنَا وَأَشْبَهُ بِهِمَا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ سُؤَالٌ مِنْ أَبِي بَكْرٍ لِعُمَرَ : مَا الَّذِي أَرَادَ بِهِ خِلَافَهُ ، وَاَلَّذِي فِي حَدِيثَيْ يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ : مَا أَرَدْتَ إلَّا خِلَافِي . هُوَ عَلَى سَبِيلِ الْخُصُومَةِ وَالنَّكِيرِ مِنْ أَبِي بَكْرٍ لِعُمَرَ ، مَا كَانَ مِنْهُ فِي ذَلِكَ ، وَقَدْ بَرَّأَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى مِنْ الِاخْتِلَاقِ الَّذِي يُوقِعُ بَيْنَهُمَا الِاخْتِلَافَ فِي هَذَا ، وَمَا أَشْبَهَهُ ، وَطَهَّرَ قُلُوبَهُمَا ، وَجَعَلَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَلِيًّا لِصَاحِبِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ؛ وَلِأَنَّهُ لَا يُخَالِفُ بَاطِنُهَا ظَاهِرَهَا . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ . 386 - مَا قَدْ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ ، حَدَّثَنَا الْفِرْيَابِيُّ ، حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ ، عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْله : وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ قَالَ : لَا تُنَادُوا نِدَاءً لَا تَقُولُوا : يَا مُحَمَّدُ ، وَلَكِنْ قُولُوا قَوْلًا لَيِّنًا : يَا رَسُولَ اللَّهِ . وَرُوِيَ عَنْهُ أَيْضًا فِي تَأْوِيلِ قَوْله تَعَالَى : لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ : . 387 - مَا قَدْ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ أَيْضًا قَالَ : حَدَّثَنَا الْفِرْيَابِيُّ ، حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ ، عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ قَالَ : لَا تَفْتَاتُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى يُفِيضَهُ اللَّهُ عَلَى لِسَانِهِ . وَرُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ فِي ذَلِكَ : . 388 - مَا حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ دَاوُد ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ التَّيْمِيُّ ، وَمُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ ، وَسَهْلُ بْنُ بَكَّارٍ ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ حُمَيْدٍ ، عَنْ الْحَسَنِ لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ قَالَ : لَا تَذْبَحُوا حَتَّى يَذْبَحَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ : وَقَالَ الْكَلْبِيُّ : لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلٍ وَلَا عَمَلٍ . فَاَلَّذِي رَوَيْنَاهُ فِي هَذَا الْبَابِ عَنْ الْحَسَنِ وَعَنْ مُجَاهِدٍ فِيهِ تَوْكِيدٌ لِمَا ذَكَرْنَا مِمَّا يُوَافِقُهُ ، وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
781 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في القتل : هل يكون منه شبه عمد ، كما يقول الكوفيون ، أو لا شبه عمد فيه ، كما يقول الحجازيون . 5850 - حدثنا علي بن شيبة ، قال : حدثنا يحيى بن يحيى النيسابوري ، قال : أخبرنا هشيم ، عن خالد الحذاء ، عن القاسم بن ربيعة بن جوشن ، عن عقبة بن أوس السدوسي ، عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب يوم فتح مكة ، فقال في خطبته : ألا إن قتل خطأ العمد بالسوط والعصا والحجر ، فيه دية مغلظة مائة من الإبل ، منها أربعون خلفة في بطونها أولادها . قال : ففي هذا الحديث ، إعلام رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس ، أن في القتل بالسوط والعصا والحجر مائة من الإبل ، منها أربعون خلفة في بطونها أولادها ، ففي ذلك ما قد دل أنه لم يجعل فيه قودا ، وهذا مما قد اختلف فيه . فطائفة منهم تقول : القتل وجهان : خطأ وعمد ، لا ثالث لهما ، وهذا قول الحجازيين . وطائفة منهم تقول : القتل على ثلاثة أوجه : فمنه عمد فيه القود ، ومنه خطأ فيه الدية على العاقلة ، ومنه شبه عمد فيه هذه الدية المذكورة في هذا الحديث ، غير أن الكوفيين يختلفون في القتل بالحجر الثقيل الذي مثله يقتل ، فتقول طائفة منهم : هو شبه عمد لا قود فيه ، وفيه الدية مغلظة ، وممن قال بذلك منهم : أبو حنيفة . وطائفة منهم تقول : في ذلك القود بالسيف ، وتذهب إلى أن الحجر المذكور في هذا الحديث ، هو الحجر الذي لا يقتل مثله من جنس السوط والعصا الذي لا يقتل أمثالهما ، وتقول في السوط والعصا : إن كرر الضرب بهما أو بأحدهما حتى يكون الضرب بجملته موهوما منه القتل ، كان ذلك عمدا ، وكان فيه القود بالسيف ، وممن كان يقول ذلك منهم : أبو يوسف ، ومحمد بن الحسن ، وقد ذكرنا الحديث المروي في ذلك في صدر هذا الباب من حديث هشيم خاصة ، عن خالد الحذاء وقد رواه غير هشيم ، وهو شعبة عن أيوب السختياني ، فخالفه في إسناده . 5851 - كما قد حدثنا أحمد بن شعيب ، قال : حدثنا محمد بن بشار ، قال : حدثنا عبد الرحمن ، وهو ابن مهدي ، قال : حدثنا شعبة ، عن أيوب السختياني ، عن القاسم بن ربيعة ، عن عبد الله بن عمرو ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : قتيل الخطأ شبه العمد بالسوط أو العصا مائة من الإبل ، أربعون منها في بطونها أولادها ، ولم يذكر أيوب في حديثه هذا عقبة بن أوس ، وقد رواه أيضا حماد بن زيد ، عن أيوب ، فخالف شعبة فيه . 5852 - كما حدثنا أحمد بن شعيب ، قال : أخبرنا محمد بن إسماعيل بن إبراهيم ، قال : حدثنا يونس بن محمد ، قال : حدثنا حماد ، عن أيوب ، عن القاسم بن ربيعة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب يوم الفتح ولم يذكر في إسناده غير هذا . ثم طلبنا ذكر الرجل الذي رجع ذكر هذا الحديث إليه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في رواية خالد من هو . 5853 - فوجدنا أحمد بن شعيب قد حدثنا ، قال : حدثني يحيى بن حبيب بن عربي ، قال : حدثنا حماد ، عن خالد ، عن القاسم بن ربيعة ، عن عقبة بن أوس ، عن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : ألا وإن قتيل الخطأ شبه العمد ما كان بالسوط والعصا مائة من الإبل ، فيها أربعون في بطونها أولادها . ثم نظرنا هل روى هذا الحديث أيضا ، عن خالد غير هشيم . 5854 - فوجدنا أحمد قد حدثنا ، قال : حدثنا إسماعيل بن مسعود ، قال : حدثنا بشر بن المفضل ، عن خالد الحذاء ، عن القاسم بن ربيعة ، عن يعقوب بن أوس ، ولم يقل عقبة ، عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم ذكر الحديث . 5855 - ووجدنا أحمد قد حدثنا ، قال : حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع ، قال : حدثنا يزيد بن زريع ، قال : حدثنا خالد ، عن القاسم بن ربيعة ، عن يعقوب بن أوس أن رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم حدثه : أن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال ، ثم ذكره ، ولم يذكر بشر ولا يزيد في حديثهما الحجر ، وإنما ذكر السوط والعصا خاصة ، وكان ما ذهب إليه أبو يوسف ومحمد مما ذكرناه عنهما أولى عندنا مما ذهب إليه أبو حنيفة ، مما ذكرناه عنه بالقياس ، ذلك أنا وجدنا القتل بالسيف على العمد لذلك يوجب القود والقاتل به مأثوم إثم القتل . ووجدنا القاتل بالحجر الثقيل الذي مثله يقتل مأثوما إثم القتل . ووجدنا القاتل بالسوط والعصا اللذين مثلهما لا يقتل إذا كان منهما القتل لم يكن على القاتل بهما إثم القتل . فعقلنا بذلك : أن ما كان معه إثم القتل كان فيه القود ، وأن ما لم يكن معه إثم القتل لم يكن فيه قود ، وكانت فيه الدية مغلظة ، فكان من ذكرناه من الكوفيين يختلفون في الدية المغلظة ما هي ، فكان أبو حنيفة وأبو يوسف يقولان : هي مائة من الإبل ، منها خمس وعشرون بنات مخاض ، ومنها خمس وعشرون بنات لبون ، ومنها خمس وعشرون حقة ، ومنها خمس وعشرون جذعة ، وكان محمد بن الحسن يخالفهما في ذلك ، ويقول : هي مائة من الإبل ، منها ثلاثون حقة ، ومنها ثلاثون جذعة ، ومنها أربعون خلفة في بطونها أولادها ، وكان هذا القول عندنا أولى ما قيل في هذا الباب لموافقة قائله ما قد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه مما قد ذكرنا ، فأما ما دون النفس فلا اختلاف بين أهل العلم فيه أنه وجهان ، خطأ وعمد لا شبه عمد معهما ، وقد كان الحجازيون يحتجون بها على الكوفيين ، ويقولون كما لم يكن فيما دون النفس شبه عمد ، فكذلك لا يكون في النفس شبه عمد . وكما كان ما دون النفس خطأ وعمد لا ثالث لهما ، فكذلك ما يكون في النفس يكون خطأ وعمدا لا ثالث لهما ، فنظرنا هل روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك شيء يدل على أحد المذهبين ، فيكون هو الأولى في ذلك . 5856 - فوجدنا بكار بن قتيبة قد حدثنا ، قال : حدثنا عبد الله بن بكر السهمي ووجدنا إبراهيم بن مرزوق قد حدثنا ، قال : حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري وعبد الله بن بكر السهمي ، ثم اجتمعا جميعا ، أعني : بكارا وإبراهيم فقالا في حديثيهما : حدثنا حميد الطويل ، عن أنس بن مالك أن عمته الربيع لطمت جارية فكسرت ثنيتها ، وطلبوا إليهم العفو ، فأبوا والأرش ، فأبوا وأبوا إلا القصاص ، فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقصاص ، فقال أنس بن النضر : أتكسر ثنية الربيع ، لا والذي بعثك بالحق ، لا تكسر ثنيتها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا أنس ، كتاب الله - عز وجل - القصاص ، فرضي القوم فعفوا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن من عباد الله - عز وجل - من لو أقسم على الله لأبره ، وكانت اللطمة مما لو كانت في النفس لم يكن فيها قود ، وقد جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها القود فيما دون النفس ، فكان تصحيح هذا الحديث والحديث الذي رويناه قبله يدلان على ما قال الكوفيون : إن النفس قد يكون فيها عمد يوجب القود ، وقد يكون فيها خطأ يوجب دية الخطأ ، وقد يكون فيها شبه عمد يوجب دية شبه العمد ، وإن ما دون النفس لا يكون فيه إلا خطأ وعمد لا شبه عمد معهما ، والله نسأله التوفيق .
56 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَوْلِهِ : ( إنَّ الشَّيْطَانَ يَعْقِدُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ ثَلَاثَ عُقَدٍ إذَا نَامَ كُلُّ عُقْدَةٍ مِنْهَا يَضْرِبُ مَكَانَهَا : عَلَيْك لَيْلٌ طَوِيلٌ فَإِذَا أَصْبَحَ وَلَمْ يُصَلِّ أَصْبَحَ كَسْلَانَ خَبِيثَ النَّفْسِ ) . 389 - حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ الْمُرَادِيُّ ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ ، وَمَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : ( يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ إذَا نَامَ ثَلَاثَ عُقَدٍ ، كُلُّ عُقْدَةٍ يَضْرِبُ مَكَانَهَا : عَلَيْك لَيْلٌ طَوِيلٌ : اُرْقُدْ ، فَإِذَا اسْتَيْقَظَ فَإِنْ ذَكَرَ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ ، وَإِنْ تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ ، وَإِنْ صَلَّى انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ ، وَأَصْبَحَ نَشِيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلَانَ ) . 390 - حَدَّثَنَا فَهْدٌ ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ الْكُوفِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : ( إنَّ لِلشَّيْطَانِ عِنْدَ رَأْسِ أَحَدِكُمْ حَبْلًا فِيهِ ثَلَاثُ عُقَدٍ ، فَإِذَا اسْتَيْقَظَ وَوَحَّدَ اللَّهَ حُلَّتْ عُقْدَةٌ ، وَإِنْ قَامَ وَتَوَضَّأَ حُلَّتْ عُقْدَةٌ أُخْرَى ، فَإِذَا هُوَ صَلَّى حُلَّتْ عُقَدُهُ كُلُّهَا ، وَأَصْبَحَ خَفِيفًا طَيِّبَ النَّفْسِ ، وَإِنْ هُوَ نَامَ حَتَّى يُصْبِحَ أَصْبَحَ عَلَيْهِ عُقَدٌ ، وَأَصْبَحَ وَهُوَ ثَقِيلٌ ، خَبِيثَ النَّفْسِ ) . فَقَالَ قَائِلٌ : فَكَيْفَ تَقْبَلُونَ هَذَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَدْ رَوَيْتُمْ عَنْهُ النَّهْيَ عَنْ وَصْفِ النَّفْسِ بِالْخُبْثِ ، وَأَمْرَهُ أَنْ يَقُولَ : مَنْ يُرِيدُ أَنْ يَقُولَ : خَبُثَتْ نَفْسِي ، لَقِسَتْ نَفْسِي مَكَانَ خَبُثَتْ نَفْسِي . وَذَكَرَ فِي ذَلِكَ : . 391 - مَا قَدْ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خُزَيْمَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ ، حَدَّثَنَا ابْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ : خَبُثَتْ نَفْسِي ، وَلْيَقُلْ : لَقِسَتْ نَفْسِي ) . 392 - وَمَا قَدْ حَدَّثَنَا ابْنُ خُزَيْمَةَ أَيْضًا ، حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ بَشَّارٍ ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ . 393 - وَمَا قَدْ حَدَّثَنَا يُونُسُ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ ، عَنْ أَبِيهِ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( لَا يَقُولُ أَحَدُكُمْ : خَبُثَتْ نَفْسِي ، وَلْيَقُلْ : لَقِسَتْ نَفْسِي ) . 394 - وَمَا قَدْ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْغَنِيِّ بْنُ أَبِي عَقِيلٍ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَذَكَرَ مِثْلَهُ . وَلَمْ يَقُلْ : عَنْ أَبِيهِ . فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ أَنَّ وَصْفَ النَّفْسِ بِالْخُبْثِ وَصْفٌ لَهَا بِالْفِسْقِ ، وَمِنْهُ قَوْل الله تَعَالَى : الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ فَكَانَ مَكْرُوهًا لِلرَّجُلِ أَنْ يُفَسِّقُ نَفْسَهُ ، إذَا لَمْ يَكُنْ مِنْهَا مَا يُوجِبُ ذَلِكَ عَلَيْهَا ، وَكَانَ مَحْبُوبًا لَهُ أَنْ يَقُولَ مَكَانَ ذَلِكَ : لَقِسَتْ نَفْسِي ، وَإِنَّ مَعْنَاهُمَا مَعْنًى وَاحِدٌ ، وَهُوَ الشَّرَاسَةُ ، وَشِدَّةُ الْخُلُقِ ، كَذَلِكَ مَعْنَاهُمَا عِنْدَ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ ، وَمِمَّنْ حَكَى ذَلِكَ عَنْهُ مِنْهُمْ أَبُو عُبَيْدٍ ، حَكَى ذَلِكَ لَنَا عَنْهُ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَقَالَ فِيمَا حَكَاهُ لَنَا عَنْهُ فِي ذَلِكَ ، وَمِنْهُ قَوْلُ عُمَرَ فِي صِفَةِ الزُّبَيْرِ : إنَّهُ وَعْقَةٌ لَقِسٌ يَعْنِي هَذَا الْمَعْنَى . وَلَمَّا كَانَ مَعْنَى الْخَبِيثِ مَعْنَى اللَّقِسِ الَّذِي ذَكَرْنَا وَاحِدًا ، كَانَ أَوْلَاهُمَا بِمَنْ يُرِيدُ وَصْفَ نَفْسِهِ بِالْمَعْنَى الَّذِي يَرْجِعَانِ إلَيْهِ أَحْسَنَهُمَا ، وَهُوَ مَا أَمَرَهُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِهِ فِي حَدِيثَيْ عَائِشَةَ وَسَهْلٍ حَتَّى يَكُونَ مِنْ نَفْسِهِ مَا يَسْتَحِقُّ لَهُ أَنْ يُوصَفَ بِالْخُبْثِ مِنْ تَرْكِهَا الصَّلَاةَ ، وَإِنْشَائِهَا وَاخْتِيَارِهَا النَّوْمَ عَلَى ذَلِكَ ، فَيَكُونُ ذَلِكَ فِسْقًا مِنْهَا ، وَتَسْتَحِقُّ بِذَلِكَ أَنْ تُوصَفَ بِالْخُبْثِ الَّذِي مَعْنَاهُ بِهَذَا الْفِسْقِ عَلَى مَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، الَّذِي قَدْ رَوَيْنَا ، فَقَدْ بَانَ بِحَمْدِ اللَّهِ أَنَّ كُلَّ مَعْنًى مِنْ الْمَعْنَيَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْنَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَاتِ غَيْرُ مُخَالِفٍ لِلْمَعْنَى الْآخَرِ الْمَذْكُورِ فِيهَا وَلَا مُضَادَّ لَهُ ، وَأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَدْ انْصَرَفَ إلَى مَعْنًى مِنْ الْمَعْنَيَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ ، غَيْرِ الْمَعْنَى الَّذِي انْصَرَفَ إلَى الْحَدِيثِ الْآخَرِ مِنْهُمَا ، مَعَ أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِإِسْنَادٍ مَحْمُودٍ أَنَّهُ قَالَ : ( وَإِذَا أَصْبَحَ وَلَمْ يُصَلِّ أَصْبَحَ لَقِسَ النَّفْسِ ) 395 - وَهُوَ مَا قَدْ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ غُلَيْبِ بْنِ سَعِيدٍ الْأَزْدِيُّ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَهْمِيُّ الْمَعْرُوفُ بِالْبَيْطَرِيِّ ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثَيْ الرَّبِيعِ وَفَهْدٍ اللَّذَيْنِ ذَكَرْنَا فِي هَذَا الْبَابِ ، إلَّا أَنَّهُ قَالَ فِي آخِرِهِ : فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ يَعْنِي ( لَمْ يَذْكُرْ اللَّهَ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ ، وَلَمْ يُصَلِّ أَصْبَحَ لَقِسَ النَّفْسِ كَسْلَانَ ) . فَقَدْ ذَكَرَ هَذَا مَا ذَكَرْنَا ، وَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَعْنَى خَبِيثِ النَّفْسِ أَنَّهُ لَقِسُ النَّفْسِ ، غَيْرَ أَنَّ الْأَوْلَى بِوَصْفِ الرَّجُلِ نَفْسَهُ إذَا لَمْ يَكُنْ مِنْهَا اخْتِيَارٌ لِلْأُمُورِ الْمَذْمُومَةِ ، وَمَعَهَا الشَّرَاسَةُ ، وَشِدَّةُ الْخُلُقِ بِمَا فِي حَدِيثَيْ عَائِشَةَ وَسَهْلٍ ، فَإِذَا كَانَ مَعَهَا الِاخْتِيَارُ لِلْأُمُورِ الْمَذْمُومَةِ ، جَازَ لَهُ وَصْفُهَا بِمَا فِي حَدِيثَيْ الْأَعْرَجِ وَأَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَمِمَّا فِي حَدِيثِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يَصِفُهَا بِمَا شَاءَ مِنْهُمَا ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ .
724 - باب بيان مشكل ما روي في المراد بقول الله عز وجل : لأمهات المؤمنين : وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى . 5403 - حدثنا يزيد بن سنان ، حدثنا سعيد بن أبي مريم ، وحدثنا يحيى بن عثمان ، حدثنا نعيم بن حماد قالا : حدثنا عبد العزيز بن محمد ، واللفظ ليحيى بن عثمان ، عن ثور ، عن عكرمة ، عن ابن عباس أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - سأله ، فقال : أرأيت قول الله تعالى : وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى ، هل كانت جاهلية غير واحدة ، فقال له ابن عباس : ما سمعت أولى إلا ولها آخرة ، فقال عمر : هات من كتاب الله تعالى ما يصدق ذلك ، فقال ابن عباس : إن الله جل اسمه يقول : وجاهدوا في الله حق جهاده كما جاهدتم أول مرة ، فقال عمر : من أمرنا الله أن نجاهده ، فقال ابن عباس : مخزوم وعبد شمس . فتأملنا هذا الحديث وقول ابن عباس فيه لعمر : ما سمعت بأولى إلا ولها آخرة ، وتلاوة ابن عباس عليه بعد ذلك ما ذكر له ، أنه من كتاب الله مما لم ينكر عمر أن يكون كذلك ، وإن كنا لا نجده في كتاب الله ، فوجدنا قد روي فيه أنه قد كان من كتاب الله ، ثم أسقط منه فيما أسقط منه . كما 5404 - حدثنا يزيد بن سنان ، أخبرنا ابن أبي مريم ، أخبرنا نافع يعني : ابن عمر ، قال : حدثني ابن أبي مليكة ، عن المسور بن مخرمة ، قال : قال عمر بن الخطاب لعبد الرحمن بن عوف ، رضي الله عنهما : ألم نجد فيما أنزل الله علينا أن جاهدوا كما جاهدتم أول مرة ، فإنا لا نجدها ، فقال : أسقطت فيما أسقط من القرآن ، فقال عمر : أتخشى أن يرجع الناس كفارا ، فقال : ما شاء الله ، قال : إن يرجع الناس كفارا لتكونن أمراؤهم بني فلان ، ووزراؤهم بني فلان . 5405 - وكما حدثنا يوسف بن يزيد ، حدثنا يعقوب بن إسحاق بن أبي عباد ، قال : حدثنا نافع يعني : ابن عمر ، عن ابن أبي مليكة ، عن المسور بن مخرمة ، ثم ذكر مثله . 5406 - وكما حدثنا يزيد ، قال : حدثنا ابن أبي مريم ، أخبرنا الليث بن سعد ، حدثني يحيى بن سعيد ، قال : أخبرني رجل من قريش مرضي ، عن ابن أبي مليكة ، عن المسور بن مخرمة ، عن عبد الرحمن بن عوف بآخر الحديث ، قال : قال عمر : إذا كان ذلك لا يكون إلا بنو أمية وبنو مخزوم من الأمر بسبيل . 5407 - وكما حدثنا يوسف ، حدثنا يعقوب بن أبي عباد ، حدثنا سفيان ، عن عمرو ، عن ابن أبي مليكة ، عن المسور بن مخرمة ، قال : قال عمر لعبد الرحمن : ثم ذكر مثل حديثه ، عن يعقوب بن إسحاق ، عن نافع ، عن ابن أبي مليكة إلا أنه قال : ليكونن أمراؤهم بني أمية ، ووزراؤهم بني المغيرة . فعقلنا بذلك أن الذي تلي في هذه الآثار على أنه من كتاب الله عز وجل قد كان من كتاب الله ، كما قد تلي فيه ، غير أن عمر وابن عباس لم يكونا علما أنه أسقط منه ، حتى أعلمهما ذلك عبد الرحمن بن عوف ، وكان سقوطه من كتاب الله لا يمنع أن يكون من فصيح الكلام الذي هو النهاية في الحجة في اللغة . ووقفنا بذلك على أنه : قد يكون أول لما لا يكون له آخر . ومثل ذلك : ما قد قاله أهل العلم في مثله في رجل قال : أول عبد أملكه فهو حر ، فملك عبدا أنه عتق عليه ، وإن لم يملك بعده غيره حتى يموت ، وخلافهم بين ذلك وبين الآخر حيث لم يجعلوا آخرا إلا لما قد كان له أول . ومن ذلك ما قد قالوه في رجل ، قال : آخر عبد أملكه فهو حر فملك عبدا ثم لم يملك عبدا سواه حتى مات أنه لا يعتق ، وأنه لا يكون آخرا إذا كان قد كان أولا ، فهذا أحسن ما حضرنا في تأويل ما في هذا الحديث . وقد روي عن بعض المتقدمين من الصحابة ومن غيرهم في تأويل ذلك المعنى غير هذا التأويل . 5408 - كما قد حدثنا روح بن الفرج ، حدثنا عمرو بن خالد ، حدثنا عبيد الله بن عمرو ، عن عبد الكريم الجزري ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى ، قال : كنا نقول تكون جاهلية أخرى . 5409 - وكما حدثنا ابن أبي مريم ، قال : حدثنا الفريابي ، حدثنا ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى ، قال : هي الجاهلية التي كانت بين عيسى ومحمد - صلوات الله عليهما . وأما أهل اللغة منهم الفراء فوجدناه قد قال : في كتابه في معاني القرآن ومشكل إعرابه : وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى ، قال : كان ذلك في الزمن الذي ولد فيه إبراهيم صلوات الله عليه ، كانت المرأة تلبس الدرع من اللؤلؤ غير مخيط من الجانبين ، وكانت تلبس الثياب من المال لا يواري جسدها ، فأمرن أن لا يفعلن ذلك ، فهذه تأويلات قد رويت لهذا المعنى ، وهي محتملة لما قيل فيها ، والله أعلم بمراده فيها . وقد احتج محتج ممن وافقنا على أنه قد يكون أولى ، وإن لم يكن له آخرة ، كما قال : من ذلك قول الله عز وجل : وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الأُولَى ، فهذا يدل على أن النشأة قد كانت أولى ، وإن لم يكن بعدها نشأة أخرى . فكان جوابنا له في ذلك أن ذلك أيضا إنما أنزل بعد أن كانت نشأت ، ومنه قول الله : كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ ، وكان ذلك مما قد تقدم نزول الآية التي ذكر أنها تدل على ما قال ، والله الموفق .
57 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِيمَا كَانَ مِنْهُ فِي هَدِيَّتِهِ إلَى النَّجَاشِيِّ وَمِنْ وَعْدِهِ بِهَا أُمَّ سَلَمَةَ إنْ رَجَعَتْ إلَيْهِ بِمَوْتِ النَّجَاشِيِّ قَبْلَ وُصُولِهَا إلَيْهِ ، وَمِنْ إعْطَائِهِ بَعْدَ رُجُوعِهَا إلَيْهِ أُمَّ سَلَمَةَ بَعْضَهَا وَسَائِرَ نِسَائِهِ سِوَاهَا بَقِيَّتَهَا . 396 - حَدَّثَنَا يُونُسُ ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : وَحَدَّثَنِي مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، عَنْ أُمِّهِ ، عَنْ أُمِّ كُلْثُومٍ ابْنَةِ أَبِي سَلَمَةَ قَالَتْ : ( لَمَّا تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمَّ سَلَمَةَ قَالَ لَهَا : إنِّي قَدْ أَهْدَيْتُ إلَى النَّجَاشِيِّ أَوَاقِيَّ مِنْ مِسْكٍ ، وَحُلَّةً ، وَإِنِّي لَا أَرَاهُ إلَّا قَدْ مَاتَ ، وَلَا أَرَى الْهَدِيَّةَ الَّتِي أَهْدَيْتُ إلَيْهِ إلَّا سَتُرَدُّ إلَيَّ ، فَإِذَا رُدَّتْ إلَيَّ فَهُوَ لَكِ ، فَكَانَ كَمَا قَالَ : هَلَكَ النَّجَاشِيُّ ، فَلَمَّا رُدَّتْ الْهَدِيَّةُ أَعْطَى كُلَّ امْرَأَةٍ مِنْ نِسَائِهِ وُقِيَّةً مِنْ ذَلِكَ الْمِسْكِ ، وَأَعْطَى الْبَاقِيَ أُمَّ سَلَمَةَ ، وَأَعْطَاهَا الْحُلَّةَ ) . 397 - حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ الْمُرَادِيُّ ، حَدَّثَنَا أَسَدٌ ، حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ . فَأَنْكَرَ مُنْكِرٌ هَذَا الْحَدِيثَ ، وَقَالَ : مَا فِيهِ مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي النَّجَاشِيِّ : لَا أَرَاهُ إلَّا قَدْ مَاتَ . قَدْ دَفَعَهُ مَا كَانَ مِنْ إخْبَارِ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ النَّاسَ بِمَوْتِهِ فِي الْيَوْمِ الَّذِي كَانَ مَوْتُهُ فِيهِ ، وَصَلَاتِهِ لَهُمْ عَلَيْهِ . وَذَكَرَ فِي ذَلِكَ : 398 - مَا قَدْ حَدَّثَنَا يُونُسُ ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ قَالَ : سَمِعْت جَابِرًا يَقُولُ : قَالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ : ( قَدْ تُوُفِّيَ الْيَوْمَ رَجُلٌ صَالِحٌ مِنْ الْحَبَشِ أَصْحَمَةُ ، فَهَلُمَّ فَقُومُوا فَصَلُّوا عَلَيْهِ ، قَالَ : فَصَفَفْنَا فَصَلَّى عَلَيْهِ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ ) . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : أَصْحَمَةُ لَفْظَةٌ بِالْحَبَشِيَّةِ ، تَفْسِيرهَا عَطِيَّةٌ ، وَهِيَ اسْمُ هَذَا الرَّجُلِ . 399 - وَمَا قَدْ حَدَّثَنَا يُونُسُ ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ نَعَى لِلنَّاسِ النَّجَاشِيَّ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ ، خَرَجَ بِهِمْ إلَى الْمُصَلَّى ، فَصَفَّ بِهِمْ ، وَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ ) . 400 - وَمَا قَدْ حَدَّثَنَا يُونُسُ ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، أَخْبَرَنِي ابْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَأَبُو سَلَمَةَ ، وَأَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْلٍ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِثْلَهُ . وَلَمْ يَذْكُرْ أَبَا هُرَيْرَةَ وَلَا غَيْرَهُ . 401 - وَمَا قَدْ حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُد ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ ، حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَأَبُو سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، ( عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : أَنَّهُ نَعَى لَهُمْ النَّجَاشِيَّ صَاحِبَ الْحَبَشَةِ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ ، وَقَالَ : اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ ) . 402 - وَمَا قَدْ حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ ، حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، أَخْبَرَنِي ابْنُ الْمُسَيِّبِ : أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُ : ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ صَفَّ بِهِمْ بِالْمُصَلَّى ، وَكَبَّرَ عَلَيْهِ - يَعْنِي النَّجَاشِيَّ - أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ ) . فَفِي ذَلِكَ وُقُوفُهُ عَلَى مَوْتِ النَّجَاشِيِّ فِي الْيَوْمِ الَّذِي كَانَ مَوْتُهُ فِيهِ ، فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ لِمَا قَدْ وَقَفَ عَلَى حَقِيقَتِهِ لَا أَرَاهُ إلَّا قَدْ كَانَ . قَالَ : وَيَدْفَعُهُ أَيْضًا مَا قَدْ ذُكِرَ فِيهِ مِنْ وَعْدِ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ أُمَّ سَلَمَةَ بِالْهَدِيَّةِ إنْ رُدَّتْ إلَيْهِ ، وَأَنَّهُ لَمَّا رُدَّتْ إلَيْهِ أَعْطَاهَا بَعْضَهَا وَمَنَعَهَا مِنْ بَقِيَّتِهَا ، وَفِي ذَلِكَ خُلْفُهُ بَعْضَ مَا وَعَدَهَا بِهِ ، وَحَاشَ لِلَّهِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ أَخْلَاقِهِ ؛ لِأَنَّ مَوَاعِيدَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَدْ كَانَتْ تَجْرِي بِخِلَافِ ذَلِكَ حَتَّى كَانَ أَبُو بَكْرٍ يُنْجِزُهَا عَنْهُ بَعْدَ وَفَاتِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ . فَمِمَّا قَدْ رُوِيَ فِي ذَلِكَ : . 403 - مَا قَدْ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَقِيلٍ ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ ، عَنْ ( جَابِرٍ قَالَ : قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَوْ قَدْ جَاءَنَا مَالُ الْبَحْرَيْنِ لَأَعْطَيْتُك هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا ، فَلَمْ يَأْتِ مَالُ الْبَحْرَيْنِ حَتَّى قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَمَّا قَدِمَ مَالُ الْبَحْرَيْنِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ : مَنْ كَانَ لَهُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَيْنٌ أَوْ عِدَةٌ فَلْيَأْتِنَا . قَالَ جَابِرٌ : فَأَتَيْتُهُ فَقُلْت : إنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَعَدَنِي أَنْ يُعْطِيَنِي هَكَذَا ، فَأَعْطَانِي أَبُو بَكْرٍ ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ بَعْدُ أَسْأَلُهُ فَلَمْ يُعْطِنِي ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ فَسَأَلْتُهُ فَلَمْ يُعْطِنِي ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ الثَّالِثَةَ فَقُلْت : قَدْ سَأَلْتُك فَلَمْ تُعْطِنِي ، ثُمَّ سَأَلْتُك فَلَمْ تُعْطِنِي ، فَإِمَّا أَنْ تُعْطِيَنِي ، وَإِمَّا أَنْ تَبْخَلَ عَنِّي . قَالَ : وَأَيُّ دَاءٍ أَدْوَأُ مِنْ الْبُخْلِ ؟ مَا مَنَعْتُكَ مِنْ شَيْءٍ إلَّا وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُعْطِيَكَ . 404 - وَمَا قَدْ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَقِيلٍ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ عَمْرٍو ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ جَابِرٍ مِثْلَهُ قَالَ : وَحَثَا لِي حَثْيَةً ، ثُمَّ قَالَ : عُدَّهَا فَعَدَدْتُهَا فَوَجَدَ بِهَا خَمْسَ مِائَةٍ . قَالَ : خُذْ مِثْلَهَا مَرَّتَيْنِ . 405 - وَمَا قَدْ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، أَخْبَرَنِي ابْنُ الْمُنْكَدِرِ ، عَنْ جَابِرٍ ، وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ : لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ قَالَ عَمْرٌو : وَكَانَ لَهُ أَوَّلُ مَالٍ أَتَاهُ مِنْ قِبَلِ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : مَنْ كَانَ لَهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ دَيْنٌ أَوْ كَانَتْ لَهُ عِنْدَهُ عِدَةٌ فَلْيَأْتِنَا قَالَ جَابِرٌ : فَقُلْت : أَنَا وَعَدَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، وَبَسَطَ جَابِرٌ كَفَّيْهِ فَعَدَّ لِي أَبُو بَكْرٍ خَمْسَ مِائَةٍ ، وَخَمْسَ مِائَةٍ ، وَخَمْسَ مِائَةٍ . قَالَ : هَذَا الْمُنْكِرُ ، وَإِذَا كَانَتْ مَوَاعِيدُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَيَاتِهِ وَاجِبًا عَلَى وَلِيِّ أَمْرِهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ إمْضَاؤُهَا ، كَانَ هُوَ عَلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِذَلِكَ فِي حَيَاتِهِ أَوْلَى . فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الَّذِي ذَكَرَهُ مِنْ إخْبَارِ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ النَّاسَ بِحَقِيقَةِ مَوْتِ النَّجَاشِيِّ فِي الْيَوْمِ الَّذِي كَانَ مَوْتُهُ فِيهِ كَمَا ذُكِرَ . غَيْرَ أَنَّهُ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ ذَلِكَ لَمَّا تَأَخَّرَ عَنْهُ أَمْرُ هَدِيَّتِهِ ، وَانْقَطَعَتْ عَنْهُ أَخْبَارُ النَّجَاشِيِّ فِيهَا ، وَقَعَ بِقَلْبِهِ عِنْدَ ذَلِكَ مَا يَقَعُ مِثْلُهُ فِي قُلُوبِ مَنْ سِوَاهُ مِنْ بَنِي آدَمَ ، فِيمَا قَدْ كَانَ مِمَّا قَدْ جَرَتْ الْعَادَةُ فِيهِ بِخِلَافِهِ ، مَا ذُكِرَ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ الَّذِي قَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي أَوَّلِ هَذَا الْبَابِ ، ثُمَّ لَمَّا أَطْلَعَهُ اللَّهُ عَلَى حَقِيقَةِ مَوْتِ النَّجَاشِيِّ فِي الْيَوْمِ الَّذِي كَانَتْ وَفَاتُهُ فِيهِ ، كَانَ مِنْهُ مَا أَخْبَرَ النَّاسَ بِهِ مِمَّا ذُكِرَ فِي الْفَصْلِ الثَّانِي مِنْ هَذَا الْبَابِ ، وَأَمَّا مَا كَانَ مِنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي إعْطَائِهِ أُمَّ سَلَمَةَ بَعْضَ الْهَدِيَّةِ الَّتِي رُدَّتْ إلَيْهِ ، وَإِعْطَائِهِ بَقِيَّتَهَا مَنْ سِوَاهَا مِنْ أَزْوَاجِهِ بَعْدَ تَقَدُّمِ وَعْدِهِ إيَّاهَا بِهَا كُلِّهَا ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا قَدْ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْهَدِيَّةُ لَمَّا رُدَّتْ إلَيْهِ بَذَلَهَا لِأُمِّ سَلَمَةَ كَمَا كَانَ وَعَدَهَا بِهَا ، ثُمَّ لَمْ تَقْبَلْهَا إلَّا بِإِدْخَالِهِ بَقِيَّةَ نِسَائِهِ مَعَهَا فِيهَا كَرَاهِيَةَ اسْتِئْثَارِهَا عَلَيْهِنَّ ، كَمَا كَانَ مِنْ الْأَنْصَارِ لَمَّا دَعَاهُمْ لِيَقْطَعَ لَهُمْ مِنْ الْبَحْرَيْنِ مَا أَرَادَ أَنْ يَقْطَعَهُ لَهُمْ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا : لَا نَفْعَلْ حَتَّى تَقْطَعَ لِإِخْوَانِنَا مِنْ الْمُهَاجِرِينَ مِثْلَ الَّذِي قَطَعْتَهُ لَنَا مِنْ ذَلِكَ كَرَاهِيَةَ الِاسْتِئْثَارِ عَلَيْهِمْ مِمَّا قَالَهُ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَهُمْ ، وَسَنَذْكُرُ ذَلِكَ بِإِسْنَادِهِ فِيمَا هُوَ أَوْلَى بِهِ ، مِنْ هَذَا الْمَوْضِعِ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ . فَكَانَ مَا فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَمْرِ أُمِّ سَلَمَةَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى ، وَفِي ذَلِكَ مَا قَدْ أَوْجَبَ لَهَا جَلَالَةَ الرُّتْبَةِ ، وَحُسْنَ الصُّحْبَةِ لِصَوَاحِبَاتِهَا مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ
782 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمره علي بن أبي طالب عليه السلام في القبطي الذي كان يختلف إلى مارية أم إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقتله . حدثنا أبو القاسم هشام بن محمد بن قرة بن حميد بن أبي خليفة ، قال : حدثنا أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن سلمة الأزدي ، قال : 5857 - حدثنا أحمد بن داود ، قال : حدثنا عبد الرحمن بن صالح الأزدي الكوفي ، قال : حدثنا يونس بن بكير ، عن محمد بن إسحاق ، عن إبراهيم بن محمد بن علي بن أبي طالب عليه السلام ، عن أبيه ، عن جده علي بن أبي طالب عليه السلام ، قال : كان الناس قد تجرؤوا على مارية في قبطي كان يختلف إليها ، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : انطلق ، فإن وجدته عندها فاقتله ، فقلت : يا رسول الله ، أكون في أمرك كالسكة المحماة ، وأمضي لما أمرتني لا يثنيني شيء أم الشاهد يرى ما لا يرى الغائب ؟ قال : الشاهد يرى ما لا يرى الغائب ، فتوشحت سيفي ، ثم انطلقت فوجدته خارجا من عندها على عنقه جرة ، فلما رأيته اخترطت سيفي ، فلما رآني إياه أريد ، ألقى الجرة وانطلق هاربا ، فرقي في نخلة ، فلما كان في نصفها ، وقع مستلقيا على قفاه ، وانكشف ثوبه عنه ، فإذا أنا به أجب أمسح ليس له شيء مما خلق الله - عز وجل - للرجال ، فغمدت سيفي وقلت : مه ، قال : خيرا ، رجل من القبط ، وهي امرأة من القبط ، وزوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحتطب لها ، وأستعذب لها ، فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته ، فقال : الحمد لله الذي يصرف عنا السوء أهل البيت . فقال قائل : وكيف تقبلون مثل هذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمره عليا عليه السلام بقتل من لم يكن منه ما يوجب قتله ، وأنتم تروون عنه صلى الله عليه وسلم ، قال : فذكر ما قد تقدم ذكرنا له في كتابنا هذا من قوله : لا يحل دم امرئ إلا بإحدى ثلاث : زنى بعد إحصان ، أو كفر بعد إيمان ، أو نفس بنفس . وها لم يقم عليه حجة بأنه كانت منه واحدة من هذه الثلاث خصال . فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله - عز وجل - وعونه : أن الحديث الذي احتج به يوجب ما قال لو بقيت الأحكام على ما كانت عليه في الوقت الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا القول ، ولكنه قد كانت أشياء تحل بها الدماء سوى هذه الثلاثة الأشياء . فمنها : من شهر سيفه على رجل ليقتله ، فقد حل له به قتله . ومنها : من أريد ماله ، فقد حل له قتل من أراده ، وكانت هذه الأشياء قد يحتمل أن يكون كانت بعد ما في الحديث الذي حظر أن لا تحل نفس إلا بواحدة من الثلاثة الأشياء المذكورة فيه ، فيكون ذلك إذا كان بعده لاحقا بالثلاثة الأشياء المذكورة فيه ، ويكون الحظر في الأنفس مما سواها على حاله . وكان في حديث القبطي الذي ذكرنا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا عليه السلام إن وجد ذلك القبطي عند مارية ، قتله ، يريد : إن وجده في بيته فلم يجده عندها في بيته ، فلما لم يجده في بيته ، لم يقتله ، ولو وجده فيه لقتله كما أمره النبي صلى الله عليه وسلم به . فكان من الأشياء التي ذكرنا منها الشيئين اللذين ذكرناهما مما في شريعته صلى الله عليه وسلم : أن من وجد رجلا في بيته قد دخله بغير إذنه حلال له قتله ، وكذلك منها : من أدخل عينه في منزل رجل بغير أمره ليرى ما في منزله ، حل له فقؤ عينه ، وكذلك روي عنه صلى الله عليه وسلم في الذي اطلع في بيته من جحر فيه من قوله له : لو أعلم أنك تنظر ، لطعنت به ، يريد مدرى كان في يده ، في عينك ، ومن قوله : من اطلع على رجل في بيته ، فحذفه ، ففقأ عينه ، فلا جناح عليه . ومن قوله : من اطلع على قوم ففقؤوا عينه ، فلا قصاص له ولا دية . وقد ذكرنا ذلك كله فيما تقدم منا في كتابنا هذا ، وكان مثل ذلك : من دخل ببدنه بيت رجل بغير إذنه ، حل له قتله ، فبان بحمد الله - عز وجل - ونعمته أن لا تضاد في شيء من آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا خروج لبعضها عن بعض ، والله - عز وجل - نسأله التوفيق .
58 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ وَفِي قَوْله تَعَالَى : ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ . 406 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ دَاوُد الْبَغْدَادِيُّ ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْوَاسِطِيُّ ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَوْلَى آلِ طَلْحَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : ( لَمَّا نَزَلَتْ : ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ شَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ ، فَنَزَلَتْ ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ شَطْرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، وَقَالَ مَرَّةً أُخْرَى : نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، وَتُقَاسِمُوهُمْ النِّصْفَ الْبَاقِيَ ) . فَتَأَمَّلْنَا هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ فَوَجَدْنَا الْأُولَى مِنْهُمَا قَدْ تَقَدَّمَهَا قَوْل الله تَعَالَى : وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فَجَعَلَ الْمُقَرَّبِينَ أَعْلَاهُمْ رُتْبَةً ، وَأَشْرَفَهُمْ مَنْزِلَةً ، وَوَصَفَهُمْ بِالسَّبْقِ ، ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّهُمْ ثُلَّةٌ مِنْ الْأَوَّلِينَ ، كَأَنَّهُ جَلَّ وعز يَعْنِي مِمَّنْ تَقَدَّمَهُمْ مِنْ الْأُمَمِ ، وَقَلِيلٌ مِنْ الْآخِرِينَ . وَوَجَدْنَا الثَّانِيَةَ مِنْهُمَا قَدْ تَقَدَّمَهَا قَوْله تَعَالَى : إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا عُرُبًا أَتْرَابًا لأَصْحَابِ الْيَمِينِ ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ ، وَكَانَ الَّذِي فِي الْأُولَى فَمِنْ قَوْله تَعَالَى : وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ عَلَى الْمُقَرَّبِينَ ، وَاَلَّذِي سَبَقَ فِي الْآيَةِ الثَّانِيَةِ فَمِنْ قَوْلِهِ : وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ عَلَى أَصْحَابِ الْيَمِينِ ، وَهُمْ غَيْرُ الْمُقَرَّبِينَ . وَوَجَدْنَاهُ تَعَالَى قَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ فِي آخِرِ السُّورَةِ الَّتِي فِيهَا هَاتَانِ الْآيَتَانِ بِقَوْلِهِ : فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ فَنُـزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ . فَعَقَلْنَا بِذَلِكَ أَنَّ الْمُقَرَّبِينَ هُمْ غَيْرُ أَصْحَابِ الْيَمِينِ ، وَأَنَّهُمْ أَعْلَى الثَّلَاثِ الْفِرَقِ رُتْبَةً وَأَعْلَاهُمْ مَنْزِلَةً ، وَأَنَّهُمْ فِي الْعَدَدِ أَقَلُّ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ ، وَهُمْ الْمَذْكُورُونَ فِي الْآيَةِ الْأُولَى مِنْ الْآيَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ ، وَأَنَّ الْمَذْكُورِينَ فِي الْآيَةِ الثَّانِيَةِ مِنْهُمَا هُمْ أَصْحَابُ الْيَمِينِ ، وَكَانَ الزَّوْجَانِ جَمِيعًا الْمُقَرَّبُونَ ، وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ هُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ إلَّا أَنَّ الْمُقَرَّبِينَ مِنْهُمْ أَعْلَى فِيهَا رُتْبَةً ، وَأَشْرَفُ فِيهَا مَنْزِلَةً مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ . وَدَلَّنَا ذَلِكَ أَنَّ فَرَحَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِالْآيَةِ الثَّانِيَةِ كَانَ لِمَا عَلِمُوا بِهَا أَنَّ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ سِوَى الْمُقَرَّبِينَ مِنْهُمْ أَصْحَابَ الْيَمِينِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا أَرَادَ بِهِ مِنْ ذَلِكَ . ثُمَّ طَلَبْنَا مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أُمَّتِهِ الَّتِي تَدْخُلُ الْجَنَّةَ ، كَمْ هُوَ مِمَّنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ سِوَاهَا . 407 - فَوَجَدْنَا يَزِيدَ بْنَ سِنَانٍ ، قَدْ حَدَّثَنَا قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ التَّنُّورِيُّ ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ الدَّسْتُوَائِيُّ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ الْحَسَنِ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ، عَنْ ( ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : تَحَدَّثْنَا عِنْدَ نَبِيِّ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَيْلَةً حَتَّى أَكْرَيْنَا الْحَدِيثَ ، ثُمَّ رَجَعْنَا إلَى أَهْلِينَا ، فَلَمَّا أَصْبَحْنَا غَدَوْنَا علَى نبِيِّ الله عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ : عُرِضَتْ عَلَيَّ الْأَنْبِيَاءُ بِأُممهَا وَأَتْبَاعِهَا مِنْ أُمَّتِهَا ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ يَمُرُّ وَمَعَهُ الثَّلَاثَةُ مِنْ أُمَّتِهِ ، وَالنَّبِيُّ مَعَهُ الْعِصَابَةُ مِنْ أُمَّتِهِ ، وَالنَّبِيُّ مَعَهُ النَّفَرُ مِنْ أُمَّتِهِ ، وَالنَّبِيُّ وَمَا مَعَهُ أَحَدٌ مِنْ أُمَّتِهِ حَتَّى مَرَّ عَلَيَّ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ فِي كَبْكَبَةٍ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ أَعْجَبُونِي فَقُلْت : يَا رَبِّ ، مَنْ هَؤُلَاءِ ؟ قَالَ : هَذَا أَخُوك مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ وَمَنْ تَبِعَهُ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ . فَقُلْت : يَا رَبِّ ، فَأَيْنَ أُمَّتِي ؟ قَالَ : اُنْظُرْ عَنْ يَمِينِك . فَنَظَرْتُ فَإِذَا الظِّرَابُ ظِرَابُ مَكَّةَ تَهَوَّشُ قَدْ سُدَّ بِوُجُوهِ الرِّجَالِ ، قَالَ : رَضِيتَ ؟ قُلْت : رَبِّ ، رَضِيتُ . مَنْ هَؤُلَاءِ ؟ قَالَ : هَؤُلَاءِ أُمَّتُك ، أَفَرَضِيت ؟ قُلْتُ : رَضِيتُ رَبِّ . ثُمَّ قَالَ : اُنْظُرْ عَنْ يَسَارِك فَنَظَرْت ، فَإِذَا الْأُفُقُ قَدْ سُدَّ بِوُجُوهِ الرِّجَالِ قَالَ : رَضِيتَ ؟ قُلْت : رَبِّ رَضِيتُ . قَالَ : فَإِنَّ مَعَ هَؤُلَاءِ سَبْعِينَ أَلْفًا ، يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ لَا حِسَابَ عَلَيْهِمْ ، فَأَنْشَأَ عُكَاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ أَخِي بَنِي أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ فَقَالَ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، اُدْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ . قَالَ : اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ مِنْهُمْ ، ثُمَّ أَنْشَأَ رَجُلٌ آخَرُ فَقَالَ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، اُدْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ . قَالَ : سَبَقَك بِهَا عُكَاشَةُ . قَالَ : وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : إنْ اسْتَطَعْتُمْ فِدًى لَكُمْ أَبِي وَأُمِّي أَنْ تَكُونُوا مِنْ السَّبْعِينَ فَافْعَلُوا ، فَإِنْ عَجَزْتُمْ وَقَصَّرْتُمْ فَكُونُوا مِنْ أَهْلِ الظِّرَابِ ، فَإِنْ عَجَزْتُمْ وَقَصَّرْتُمْ فَكُونُوا مِنْ أَهْلِ الْأُفُقِ ، فَإِنِّي قَدْ رَأَيْت عِنْدَهُ نَاسًا يَتَهَوَّشُونَ كَثِيرًا . وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ رِجَالًا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ تَرَاجَعُوا فِيهِمْ فَقَالُوا : مَا تَرَوْنَ عَمِلَ هَؤُلَاءِ السَّبْعُونَ أَلْفًا حَتَّى صَيَّرُوا مِنْ أَمْرِهِمْ ؟ فَقَالُوا : هَؤُلَاءِ وُلِدُوا فِي الْإِسْلَامِ ، فَلَمْ يَزَالُوا يَعْمَلُونَ بِهِ حَتَّى مَاتُوا . قَالَ : لَيْسَ كَذَلِكَ ، وَلَكِنَّهُمْ الَّذِينَ لَا يَكْتَوُونَ ، وَلَا يَسْتَرِقُّونَ ، وَلَا يَتَطَيَّرُونَ ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ . قَالَ : وَذَكَرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ مَعِي مِنْ أُمَّتِي رُبْعُ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، فَكَبَّرْنَا ، ثُمَّ قَالَ : إنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا الثُّلُثَ فَكَبَّرْنَا ، ثُمَّ قَالَ : إنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا الشَّطْرَ فَكَبَّرْنَا ، ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ : ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ . 408 - وَوَجَدْنَا يَزِيدَ قَدْ حَدَّثَنَا قَالَ : حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ مُوسَى الْعَمِّيُّ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ الْحَسَنِ ، وَالْعَلَاءِ بْنِ زِيَادٍ ، عَنْ عِمْرَانَ : أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَالَ : تَحَدَّثْنَا ذَاتَ لَيْلَةٍ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ ذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ ، غَيْرَ أَنَّهُ ذَكَرَ فِيهِ عِنْدَ قَوْلِهِ : ( فَإِذَا النَّبِيُّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ ، وَقَدْ أَنْبَأَكُمْ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ قَوْمِ لُوطٍ ، يَعْنِي فِيمَا كَانَ قَالَهُ لَهُمْ : أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ . 409 - وَوَجَدْنَا أَبَا أُمَيَّةَ قَدْ حَدَّثَنَا قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ، أَخْبَرَنَا إسْرَائِيلُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : ( أَسْنَدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ظَهْرَهُ إلَى قُبَّةٍ مِنْ أَدَمٍ بِمِنًى ، ثُمَّ قَالَ لِأَصْحَابِهِ : أَلَا تَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ ؟ قَالُوا : بَلَى ، قَالَ : أَلَا تَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ ؟ قَالُوا : بَلَى . قَالَ : وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، إنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، وَسَأُحَدِّثُكُمْ بِقِلَّةِ الْمُسْلِمِينَ فِي الْكُفَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، مِثْلُ شَعْرَةٍ سَوْدَاءَ فِي جِلْدِ ثَوْرٍ أَبْيَضَ ، أَوْ شَعْرَةٍ بَيْضَاءَ فِي جِلْدِ ثَوْرٍ أَسْوَدَ ، وَلَنْ تَدْخُلَ الْجَنَّةَ إلَّا نَفْسٌ مُؤْمِنَةٌ ) . 410 - حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيُّ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ : سَمِعْت عَمْرَو بْنَ مَيْمُونٍ يُحَدِّثُ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : ( كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قُبَّةٍ نَحْوًا مِنْ أَرْبَعِينَ فَقَالَ لَنَا : أَتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ ؟ قُلْنَا : نَعَمْ . قَالَ : فَوَاَلَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ ، إنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْجَنَّةَ لَا يَدْخُلُهَا إلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ ، وَمَا أَنْتُمْ فِي الشِّرْكِ إلَّا كَالشَّعْرَةِ الْبَيْضَاءِ فِي جِلْدِ الثَّوْرِ الْأَسْوَدِ ، أَوْ كَالشَّعْرَةِ السَّوْدَاءِ فِي جِلْدِ الثَّوْرِ الْأَحْمَرِ ) . 411 - وَوَجَدْنَا إبْرَاهِيمَ بْنَ مَرْزُوقٍ ، قَدْ حَدَّثَنَا قَالَ : حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ عَمْرٍو ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ، ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ ، غَيْرَ أَنَّهُ زَادَ فَقَالَ : ( أَتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ ؟ قُلْنَا : نَعَمْ . قَالَ : أَتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ ؟ فَقُلْنَا : نَعَمْ . قَالَ : أَتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ ؟ قُلْنَا : نَعَمْ ) ، ثُمَّ ذَكَرَ بَقِيَّةَ الْحَدِيثِ . 412 - حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ مُوسَى ، وَحَكِيمُ بْنُ سَيْفٍ قَالَا : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ الْأَوْدِيِّ قَالَ : سَمِعْت ابْنَ مَسْعُودٍ قَالَ : ( خَرَجَ إلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَأَسْنَدَ ظَهْرَهُ إلَى قُبَّةِ أَدَمٍ ، فَحَمِدَ اللَّهَ ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ : أَمَّا بَعْدُ ، أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا رُبْعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ ؟ فَقُلْنَا : نَعَمْ . يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : أَوَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ ؟ فَقُلْنَا : نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، إنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، أَلَا إنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ ، أَلَا وَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي الْقِلَّةِ مِثْلُ الشَّعْرَةِ الْبَيْضَاءِ فِي الثَّوْرِ الْأَسْوَدِ ، وَالشَّعْرَةِ السَّوْدَاءِ فِي الثَّوْرِ الْأَبْيَضِ ) . 413 - وَوَجَدْنَا صَالِحَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ ، قَدْ حَدَّثَنَا قَالَ : حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ عَدِيٍّ الْكُوفِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ ، عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا رُبْعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ ؟ فَكَبَّرَ النَّاسُ ، فَقَالَ : أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ ؟ فَكَبَّرَ النَّاسُ فَقَالَ : أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا شَطْرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، وَسَأُحَدِّثُكُمْ عَنْ ذَلِكَ ، مَا الْمُسْلِمُونَ فِي الْكُفَّارِ إلَّا كَالشَّعْرَةِ السَّوْدَاءِ فِي الثَّوْرِ الْأَبْيَضِ ، أَوْ كَالشَّعْرَةِ الْبَيْضَاءِ فِي الثَّوْرِ الْأَسْوَدِ . ثُمَّ وَجَدْنَا اللَّهَ قَدْ زَادَهُ عَلَى مَا رَجَا مِنْ ذَلِكَ ، فَجَعَلَ أُمَّتَهُ ثُلُثَيْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ) . 414 - كَمَا قَدْ حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ ، حَدَّثَنَا عَفَّانَ بْنُ مُسْلِمٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ ، حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ حَصِيرَةَ ، حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ ( ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كَيْفَ أَنْتُمْ وَرُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، لَكُمْ رُبُعُهَا ، وَلِسَائِرِ النَّاسِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهَا ؟ قَالُوا : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ . قَالَ : فَكَيْفَ أَنْتُمْ وَثُلُثَهَا ؟ فَقَالُوا : فَذَلِكَ أَكْبَرُ ، قَالَ : فَكَيْفَ أَنْتُمْ وَالشَّطْرَ ؟ قَالُوا : ذَلِكَ أَكْبَرُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَهْلُ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِشْرُونَ وَمِائَةُ صَفٍّ أَنْتُمْ مِنْهُمْ ثَمَانُونَ صَفًّا ) . 415 - وَكَمَا حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ أَيْضًا ، حَدَّثَنَا عَفَّانَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ الْقَسْمَلِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو سِنَانٍ ، عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ ، عَنْ ابْنِ بُرَيْدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : ( أَهْلُ الْجَنَّةِ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ صَفًّا ، هَذِهِ الْأُمَّةُ مِنْهَا ثَمَانُونَ صَفًّا ) . فَإِلَى هَذَا تَنَاهَى مَا وَقَفْنَا عَلَيْهِ مِمَّا يروى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي هَذَا الْبَابِ مِمَّا شَرَّفَ اللَّهُ بِهِ نَبِيَّهُ فِي أُمَّتِهِ ، وَأَعْطَاهُ مِمَّا لَمْ يُعْطِهِ غَيْرَهُ مِنْ أَنْبِيَائِهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ ، وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
723 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في إخوانه ، هل هم أصحابه أو هل هم سواهم ؟ . 5401 - حدثنا إبراهيم بن أبي داود ، حدثنا محمد بن الصلت أبو يعلى ، حدثنا محمد بن معن ، حدثنا داود بن خالد ، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن أن ربيعة بن عبد الله بن الهدير أخبره ، وكان يصحب طلحة بن عبيد الله - رضي الله عنه - قال : ما سمعت طلحة يحدث ، عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا حديثا واحدا قلنا : ما هو ، قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر ، فلما أشرفنا على حرة واقم ، إذا نحن بقبور فقلنا : يا رسول الله هذه قبور إخواننا ، قال : هذه قبور أصحابنا فلما جاء قبور الشهداء ، قال : هذه قبور إخواننا . 5402 - وحدثنا يونس ، أخبرنا ابن وهب أن مالكا حدثه ، عن العلاء بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى المقبرة ، فقال : السلام عليكم دار قوم مؤمنين ، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون ، وددت أني رأيت إخواننا قالوا : يا رسول الله ، ألسنا بإخوانك ، قال : بل أنتم أصحابي وإخواني الذين لم يأتوا بعد ، وأنا فرطهم على الحوض ، فتأملنا هذين الحديثين ، فوجدنا الأخوة هي المصافاة ، التي لا غش فيها ولا باطن لها يخالف ظاهرها ، ومنها قول الله عز وجل : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ، أي : لأن ما بينهم وما بعضهم عليه لبعض ، فظاهره غير مخالف لباطنه ، ومنه قوله عز وجل : اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ ، ثم منه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم مما أمر به أمته ، فقال : لا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ، وكونوا عباد الله إخوانا ، وكانت الصحبة قد تكون بظاهر يخالفه الباطن ، الذي مع أصحابها ، والأخوة بخلاف ذلك ، وهي الخالية من هذا الذي لا يخالف ظاهرها باطنها ، وباطنها ظاهرها ، وبالله التوفيق والعصمة .
59 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَفِي قَوْلِهِ : وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ . 416 - حَدَّثَنَا أَبُو أُمَيَّةَ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ الْحَفْرِيُّ ، حَدَّثَنَا أَسْبَاطُ بْنُ نَصْرٍ ، عَنْ السُّدِّيِّ ، عَنْ أَبِي الْكَنُودِ ، عَنْ خَبَّابٍ : وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ الْآيَةَ ، قَالَ : ( جَاءَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ ، وَعُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ فَوَجَدُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ بِلَالٍ وَعَمَّارٍ وَصُهَيْبٍ وَخَبَّابٍ فِي أُنَاسٍ مِنْ الضُّعَفَاءِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ ، فَلَمَّا رَأَوْهُمْ حَوْلَهُ حَقَرُوهُمْ فَأَتَوْهُ فَخَلَوْا بِهِ ، فَقَالُوا لَهُ : إنَّا نُحِبُّ أَنْ تَجْعَلَ لَنَا مِنْكَ مَجْلِسًا تَعْرِفُ لَنَا بِهِ الْعَرَبُ فَضْلَنَا ، وَإِنَّ وُفُودَ الْعَرَبِ تَأْتِيك فَنَسْتَحْيِي أَنْ تَرَانَا قُعُودًا مَعَ هَذِهِ الْأَعْبُدِ ، فَإِذَا نَحْنُ جِئْنَاك فَأَقِمْهُمْ عَنَّا ، فَإِذَا نَحْنُ فَرَغْنَا فَاقْعُدْ مَعَهُمْ إنْ شِئْت ، قَالَ : نَعَمْ ، قَالُوا : فَاكْتُبْ لَنَا عَلَيْك كِتَابًا ، فَدَعَا بِالصَّحِيفَةِ لِيَكْتُبَ لَهُمْ ، وَدَعَا عَلِيًّا لِيَكْتُبَ فَلَمَّا أَرَادَ ذَلِكَ وَنَحْنُ قُعُودٌ فِي نَاحِيَةٍ نَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ : وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ الْآيَةَ ، ثُمَّ ذَكَرَ الْأَقْرَعَ وَصَاحِبَهُ فَقَالَ : وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ الْآيَةَ ، ثُمَّ ذَكَرَ فَقَالَ : وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا إلَى الرَّحْمَةَ فَرَمَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالصَّحِيفَةِ ، وَدَعَانَا فَأَتَيْنَاهُ ، وَهُوَ يَقُولُ : سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ، فَدَنَوْنَا مِنْهُ ، فَوَضَعْنَا رُكَبَنَا عَلَى رُكْبَتهِ ، فَكَانَ إذَا أَرَادَ أَنْ يَقُومَ قَامَ وَتَرَكَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ الْآيَةَ ، يَقُولُ مَجَالِسَ الْأَشْرَافِ : وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ الْآيَةَ ، أَمَّا الَّذِي أَغْفَلَ قَلْبَهُ فَهُوَ عُيَيْنَةُ وَالْأَقْرَعُ ، وَأَمَّا فُرُطًا فَهَلَاكًا ، ثُمَّ ضَرَبَ لَهُمْ مَثَلَ رَجُلَيْنِ ، وَمَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ، ( فَكُنَّا بَعْدَ ذَلِكَ نَقْعُدُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَإِذَا بَلَغْنَا السَّاعَةَ الَّتِي يَقُومُ فِيهَا قُمْنَا ، وَتَرَكْنَاهُ حَتَّى يَقُومَ ، وَإِلَّا صَبَرَ أَبَدًا حَتَّى نَقُومَ ) . فَتَأَمَّلْنَا مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ ذِكْرِ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَانَ سُؤَالُ الْأَقْرَعِ وَعُيَيْنَةَ فِيهِمْ مَا سَأَلَا ، وَفِيمَا أُنْزِلَ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ مِنْ قَوْله : وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ الْآيَةُ ، وَمِنْ قَوْلِهِ : وَاصْبِرْ نَفْسَكَ الْآيَةَ ، هَلْ هُمَا خَاصَّتَانِ فِي النَّفَرِ الْمَذْكُورِينَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، أَمْ هُمَا عَلَى مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ فِيهِمَا ، مِنْهُمْ هَؤُلَاءِ النَّفَرُ الْمَذْكُورُونَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ . 417 - فَوَجَدْنَا يَزِيدَ بْنَ سِنَانٍ ، قَدْ حَدَّثَنَا قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ ، أَخْبَرَنِي ابْنُ عَجْلَانَ ، عَنْ نَافِعٍ ، أَخْبَرَنِي ابْنُ عُمَرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ أَنَّهُمْ الَّذِينَ شَهِدُوا الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ . 418 - وَحَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ ، فَذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ . فَعَقَلْنَا أَنَّ الْمُرَادَيْنِ فِي الْآيَتَيْنِ اللَّتَيْنِ تَلَوْنَا أَنَّهُمْ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ ، وَأَنَّهُمَا لَيْسَتَا بِخَاصَّتَيْنِ لِلنَّفَرِ الْمَذْكُورِينَ فِي حَدِيثِ خَبَّابٍ دُونَ مَنْ سِوَاهُمْ مِنْ النَّاسِ ، وَأَنَّهُمَا عَلَى النَّفَرِ الْمَوْصُوفِينَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، وَأَنَّ مِنْهُمْ النَّفَرَ الْمَذْكُورِينَ فِي حَدِيثِ خَبَّابٍ وَأَمْثَالَهُمْ مِمَّنْ كَانَ يَشْهَدُ مَا يَشْهَدُونَ مِنْ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ .
783 - باب بيان خلاف ما روى أبو بحرية ، عن عمر في طلحة بن عبيد الله رضي الله عنهما من موت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عليه عاتب . 5858 - حدثنا إبراهيم بن أبي داود ، قال : حدثنا أحمد بن شبيب بن سعيد ، قال : حدثنا أبي ، عن يونس بن يزيد ، عن ابن شهاب ، قال : كان عبد الملك بن مروان يحدث ، عن أبي بحرية أن عمر - رضي الله عنه - خرج على مجلس فيه عثمان وعلي وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهم ، فقال لهم عمر : كلكم يحدث نفسه بالإمارة بعدي ، فسكتوا ، فقال لهم عمر : أكلكم يحدث نفسه بالإمارة بعدي ؟ فقال الزبير : نعم ، ويراها له أهلا ، قال : أفلا أحدثكم عنكم ؟ فقال الزبير : حدثنا ، ولو سكتنا لحدثتنا ، قال : أما أنت يا زبير ، فإنك مؤمن الرضا ، كافر الغضب ، تكون يوما شيطانا ويوما إنسانا ، أفرأيت يوما تكون شيطانا ، فمن يكون الخليفة يومئذ . وأما أنت يا طلحة ، فوالله لقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عليك عاتب . وأما أنت يا علي ، فإنك صلب مزاح . وأما أنت يا عبد الرحمن ، فوالله إنك لما آتاك الله - عز وجل - من خير لأهل ، وإن منكم لرجلا لو قسم إيمانه على جند من الأجناد لوسعهم . وقد روى الزبيدي هذا الحديث ، عن الزهري ، فأدخل في إسناده بين الزهري وبين عبد الملك بن مروان عمرو بن الحارث الفهمي . 5859 - كما حدثنا عبد الرحمن بن معاوية العتبي أبو القاسم ، قال : حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن العلاء ابن زبريق الزبيدي ، قال : حدثني عمرو بن الحارث الحميري الحمصي ، قال : حدثنا عبد الله بن سالم الزبيدي ، قال : حدثني محمد بن مسلم ، عن عمرو بن الحارث الفهمي ، وكان كاتبا لعبد الله بن الزبير ، أن عبد الملك بن مروان كان يحدث ، عن أبي بحرية الكندي أنه أخبره : أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - خرج على مجلس فيه عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب ، ثم ذكر هذا الحديث ، وزاد في آخره بعد قوله لوسعهم ، يريد عثمان بن عفان - رضي الله عنه . فكبر في قلوبنا ما حكاه أبو بحرية ، عن عمر - رضي الله عنه - في طلحة لجلالته عندنا ، ولموضعه من الإسلام ولصحبته رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن توفي أحسن صحبة ، ولدخوله في الآية التي أنزلها الله على رسوله ، وهي قوله - عز وجل - : لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ، فكيف يعتب رسول الله صلى الله عليه وسلم على من - رضي الله عنه - هذا عند ذوي العقول من المحال الذي لا يجوز كونه . ثم نظرنا في هذا الحديث أيضا فوجدنا أبا بحرية ، لم يذكر فيه حضور ذلك من عمر - رضي الله عنه - ولا سماعه إياه منه ، ولو كان ذكر سماعه إياه منه ، لما كان عندنا مقبولا ، إذ كان رجلا مجهولا ليس من أهل العلم المؤتمنين عليه ، المأخوذ عنهم ، فكيف ولم يذكر سماعه إياه منه ؟ ثم نظرنا : هل روي عن عمر في طلحة رضي الله عنهما ما يخالف ذلك ؟ . 5860 - فوجدنا : محمد بن علي بن داود البغدادي ، قد حدثنا ، قال : حدثنا سعيد بن داود الزنبري ، قال : حدثنا مالك بن أنس أن ابن شهاب حدثه أن سالم بن عبد الله بن عمر أخبره : أن عبد الله بن عمر ، قال : دخل الرهط على عمر - رضي الله عنه - قبل أن ينزل به عثمان وعلي وعبد الرحمن والزبير وسعد رضي الله عنهم ، فقال : إني نظرت لكم في أمر الناس ، فلم أجد عند الناس شقاقا إلا أن يكون فيكم ، فإن كان شقاق فهو فيكم ، وإن الأمر إلى ستة إلى عبد الرحمن وعثمان وعلي وسعد والزبير وطلحة ، وكان طلحة غائبا في السراة في أموال له ، ثم إن قومكم إنما يؤمرون أحدكم أيها الثلاثة لعثمان وعلي وعبد الرحمن ، فإن كنت على شيء من أمر الناس يا عبد الرحمن ، فلا تحملن بني أبيك على رقاب الناس ، وإن كنت يا عثمان على شيء من أمور الناس ، فلا تحملن بني أبي معيط على رقاب الناس ، وإن كنت يا علي على شيء من أمور الناس ، فلا تحملن بني هاشم على رقاب الناس . 5861 - وحدثنا محمد بن الحارث بن صالح المخزومي المدني ، قال : حدثنا عبد العزيز بن عبد الله الأويسي ، قال : حدثنا إبراهيم بن سعد ، عن ابن شهاب ، قال : أخبرني سالم بن عبد الله : أن عبد الله بن عمر ، ثم ذكر مثله سواء . وكان في هذا الحديث ، ذكر عمر - رضي الله عنه - في النفر الذين جعل الخلافة إليهم طلحة ، وكان محالا أن يجعلها إلى رجل قد مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عاتب عليه . وكان هذا الذي وجدناه ، عن عبد الله بن عمر في ذلك وعبد الله بن عمر هو العدل في روايته ، الثبت فيها ، المأمون عليها ، لا كأبي بحرية ، الذي هو في هذه الأشياء بضد ذلك . وكان ممن روى ، عن عمر أيضا في طلحة رضي الله عنهما ما يخالف ما روى أبو بحرية عنه أسلم مولى عمر . 5862 - ما قد حدثنا ابن أبي داود ، قال : حدثنا شجاع بن أشرس ، قال : حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة ، عن زيد بن أسلم ، عن أبيه ، قال : خطب عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فقال : إني رأيت فيما يرى النائم ديكا أحمر ، نقرني في معقد إزاري ثلاث نقرات ، وإني استعبرت أسماء ابنة عميس ، فقالت : يقتلك رجل من العجم ، وإني قد حسبت أن يكون موتي فجأة ، وإني أشهدكم أني إن أهلك ولم أعهد ، فإن الأمر إلى هؤلاء النفر الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض : عثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف . ومنهم : عمرو بن ميمون الأودي . 5863 - كما حدثنا أحمد بن داود بن موسى ، قال : حدثنا سهل بن بكار ، قال : حدثنا أبو عوانة ، عن حصين بن عبد الرحمن ، عن عمرو بن ميمون : أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لما طعن ، قال : وكنت حاضرا لذلك ، قيل له : استخلف ، فقال : ما أجد أحدا أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر أو الرهط الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض ، فسمى عليا وعثمان وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعدا ، رضي الله عنهم . ومنهم : معدان بن أبي طلحة اليعمري . 5864 - حدثنا علي بن معبد ، قال : حدثنا عبد الوهاب بن عطاء ، قال : أخبرنا سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن سالم بن أبي الجعد ، عن معدان بن أبي طلحة اليعمري : أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قام فحمد الله ، وأثنى عليه ، وذكر النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر - رضي الله عنه - ثم قال : أيها الناس إني رأيت في المنام كأن ديكا أحمر نقرني نقرة أو نقرتين ، شك سعيد ، وما أرى ذلك إلا بحضور أجلي ، وإن ناسا يأمروني أن أستخلف ، وإن الله لم يكن ليضيع دينه ولا خلافته ولا الذي بعث به نبيه صلى الله عليه وسلم ، فإن عجل بي أمر ، فإن الشورى في هؤلاء الستة الرهط ، الذين قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض ، أيهم بايعتم فاسمعوا له وأطيعوا ، علي وعثمان وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن مالك أبي وقاص ، وقد أعرف أن ناسا سيطعنون في هذا الأمر ، وإني قاتلتهم بيدي هذه على الإسلام ، فإن فعلوا فأولئك أعداء الله الكفرة الضلال . 5865 - وكما حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، قال : حدثنا معاذ بن فضالة ، قال : حدثني هشام بن أبي عبد الله ، عن قتادة ، عن سالم بن أبي الجعد ، عن معدان بن أبي طلحة ، ثم ذكر مثله ، إلا أنه لم يسم الستة الرهط في حديثه ، ولكنه قال فيه : فإن عجل بي أمر ، فالخلافة في هؤلاء الستة الرهط الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض . فهذا أسلم مولى عمر وعمرو بن ميمون الأودي ومعدان بن أبي طلحة اليعمري ، وهم أئمة في العلم ، عدول فيه ، مأمونون عليه ، مقبولة روايتهم إياه ، يروون عن عمر - رضي الله عنه - خلاف ما روى أبو بحرية عنه ، ويحكون ذلك سماعا من عمر مع مشاهدة منهم له ، فكيف يجوز لذي عقل أو لذي دين أن يتعلق برواية مثل أبي بحرية الذي لا يعرف ، ولا يعد من أهل العلم ، ولا يعرف له لقاء لعمر أن يقبل ما روى عن عمر مما قد خالفه فيه من قد ذكرنا ؟ وهو ممن لو روى مثل هذا في من دون طلحة ، وهذه أحواله لم تقبل روايته ولم يلتفت إليها ، فكيف في طلحة - رضي الله عنه - مع جلالة قدره وعلو مرتبته وموضعه من دين الله ، وقيام الحجة له بموضعه من رسول الله وشهادة الأئمة العدول الذين ذكرناهم على عمر فيه بما قد ذكرناه من استحقاقه للخلافة ، وأنه لها موضع ومن موت رسول الله صلى الله عليه وسلم على الرضا عنه ، والله نسأله التوفيق .
60 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ ( فِي نَهْيِهِ رَدِيفَهُ عِنْدَ عُثُورِ جَمَلِهِ أَوْ حِمَارِهِ أَنْ يَقُولَ : تَعِسَ الشَّيْطَانُ ) . 419 - حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمْرَانَ ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ ، عَنْ أَبِي تَمِيمَةَ الْهُجَيْمِيِّ ، عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : كُنْتُ رَدِيفَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَعَثَرَ بَعِيرِي فَقُلْتُ : تَعِسَ الشَّيْطَانُ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا تَقُلْ : تَعِسَ الشَّيْطَانُ ، فَإِنَّهُ يَعْظُمُ حَتَّى يَصِيرَ مِثْلَ الْبَيْتِ ، وَيَقُولُ : بِقُوَّتِي صَرَعْتُهُ ، وَلَكِنْ قُلْ : باِسْمِ اللَّهِ ، فَإِنَّهُ يَصْغُرُ حَتَّى يَصِيرَ مِثْلَ الذُّبَابَةِ ) . 420 - حَدَّثَنَا أَبُو أُمَيَّةَ ، حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ ، عَنْ أَبِي تَمِيمَةَ ، عَنْ رِدْفِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ حَدَّثَنَاهُ مَرَّةً هَكَذَا ، وَحَدَّثَنَا بِهِ مَرَّةً أُخْرَى فَقَالَ فِيهِ - أَوْ مِنْ حَدَّثَنِي بِهِ ، عَنْ رِدْفِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَ : ( عَثَرَ حِمَارٌ فَقَالَ : تَعِسَ الشَّيْطَانُ ، فَقَالَ : لَا تَقُلْ : تَعِسَ الشَّيْطَانُ ، وَلَكِنْ قُلْ باِسْمِ اللَّهِ ، فَإِنَّك إذَا قُلْت : تَعِسَ الشَّيْطَانُ يَعْظُمُ حَتَّى يَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ فَيَقُولُ : بِقُوَّتِي صَرَعْته ، وَإِذَا قُلْت : بِاسْمِ اللَّهِ تَصَاغَرَ حَتَّى يَصِيرَ مِثْلَ الذُّبَابِ ) . فَكَانَ فِيمَا رَوَيْنَا نَهَي رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَدِيفَهُ عِنْدَ عُثُورِ جَمَلِهِ أَوْ حِمَارِهِ عَنْ قَوْلِهِ : تَعِسَ الشَّيْطَانُ ، وَإِخْبَارُهُ إيَّاهُ عِنْدَ ذَلِكَ بِمَا يَكُونُ مِنْ الشَّيْطَانِ بِسَبَبِ هَذَا الْقَوْلِ عِنْدَ هَذِهِ الْحَادِثَةِ . فَقَالَ قَائِلٌ : فَقَدْ رَوَيْتُمْ عَنْ رسول الله عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ ( قَوْلِهِ لِعُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ لَمَّا ذُكِرَ لَهُ أَنَّ الشَّيْطَانَ يُلَبِّسُ عَلَيْهِ قِرَاءَتَهُ وَصَلَاتَهُ أَنْ يخسئه ) وَذَلِكَ مُثْبِتٌ مِنْهُ لَهُ . وَذَكَرَ فِي ذَلِكَ : . 421 - مَا قَدْ حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُد ، حَدَّثَنَا أَبُو عُمَرَ الْحَوْضِيُّ ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْوَاسِطِيُّ ، عَنْ الْجُرَيْرِيِّ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ مُطَرِّفٍ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ قَالَ : ( قُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّ الشَّيْطَانَ يَأْتِينِي فَيُلَبِّسُ عَلَيَّ قِرَاءَتِي ، قَالَ : ذَاكَ شَيْطَانٌ يُقَالُ لَهُ : خَنْزَبٌ ، فَإِذَا أَتَاك فَاخْسَأْهُ ، فَفَعَلْت فَذَهَبَ عَنِّي ) . 422 - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ ، حَدَّثَنَا الْفِرْيَابِيُّ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ إيَاسٍ الْجَرِيرِيِّ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ ، عَنْ عُثْمَانَ ، وَلَمْ يَذْكُرْ مُطَرِّفًا قَالَ : ( قُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، حَالَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ صَلَاتِي وَقِرَاءَتِي . قَالَ : ذَاكَ شَيْطَانٌ يُقَالُ لَهُ : خَنْزَبٌ ، فَإِذَا حَسَسْته فَتَعَوَّذْ بِاَللَّهِ ، وَاتْفُلْ عَنْ يَسَارِك ثَلَاثًا ) . فَقَالَ هَذَا الْمُعَارِضُ : فَهَلْ تَجِدُونَ وَجْهًا يُخَرِّجُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْحَدِيثَيْنِ مَعْنًى غَيْرَ مَعْنَى الْآخَرِ حَتَّى يَنْتَفِيَ عَنْهُمَا التَّضَادُّ وَالِاخْتِلَافُ . فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ أَنَّ سُلْطَانَ الشَّيْطَانِ عَلَى بَنِي آدَمَ هُوَ وَسْوَسَتُهُ إيَّاهُمْ ، وَإِيقَاعُهُ فِي قُلُوبِهِمْ مَا لَا يُحِبُّونَ ، وَإِنْسَاؤُهُ إيَّاهُمْ مَا يَذْكُرُونَ . وَمِنْ ذَلِكَ قَوْل الله تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ صَاحِبِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ : فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ . وقَوْله تَعَالَى : فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ فِي قِصَّةِ نَبِيِّهِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَأَشْيَاءُ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ ، وَلَمْ يُجْعَلْ لَهُ سُلْطَانٌ فِي إعْثَارِ دَوَابِّهِمْ ، وَلَا فِي اسْتِهْلَاكِ أَمْوَالِهِمْ ، وَأُمِرُوا عِنْدَ ذَلِكَ أَنْ يَسْتَعِيذُوا بِاَللَّهِ تَعَالَى مِنْهُ . فَمِنْ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ . فَلَمَّا كَانَ مِنْ رِدْفِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ عِنْدَ عُثُورِ جَمَلِهِ أَوْ حِمَارِهِ قَوْلُهُ : تَعِسَ الشَّيْطَانُ ، وَالتَّعْسُ هُوَ السُّقُوطُ عَلَى أَنَّهُ جُعِلَ ذَلِكَ فِعْلًا لِلشَّيْطَانِ لِسُؤَالِهِ بِقَوْلِ : تَعِسَ الشَّيْطَانُ أَنْ يَفْعَلَ بِهِ مِثْلَ ذَلِكَ ، نَهَاهُ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِأَنَّهُ بِذَلِكَ مُوقِعٌ لِلشَّيْطَانِ أَنَّ ذَلِكَ الْفِعْلَ كَانَ مِنْهُ ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْهُ ، إنَّمَا كَانَ مِنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَكُونَ مَكَانَ ذَلِكَ بِاسْمِ اللَّهِ حَتَّى لَا يَكُونَ عِنْدَ الشَّيْطَانِ أَنَّهُ كَانَ مِنْهُ عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ فِعْلٌ ، وَلَمَّا كَانَ مِنْ تَشَكِّي عُثْمَانَ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ الشَّيْطَانِ مَا شَكَاهُ إلَيْهِ مِنْهُ ، مِمَّا هُوَ مَوْهُومٌ مِنْهُ أَنْ يَفْعَلَهُ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ سُلْطَانِهِ عَلَى بَنِي آدَمَ أَمَرَهُ أَنْ يَخْسَأَهُ ، وَهُوَ الْإِبْعَادُ ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ فَخَرَجَ مَعْنَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ بِمَا لَا مُضَادَّةَ فِيهِ ، لِمَا فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ مِنْهُمَا ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ .
722 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قول أيوب نبي الله عليه السلام : تعلم أني كنت أمر على الرجلين يتنازعان , فيذكران الله عز وجل , فأرجع إلى بيتي , فأكفرعنهما كراهة أن يذكرا الله إلا في حق . 5396 - حدثنا يونس ، أخبرنا ابن وهب ، أخبرني نافع بن يزيد ، عن عقيل بن خالد ، عن ابن شهاب ، عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن نبي الله أيوب عليه السلام لبث به بلاؤه ثمان عشرة سنة , فرفضه القريب والبعيد إلا رجلين من إخوانه كانا من أخص إخوانه , كانا يغدوان إليه ويروحان , فقال أحدهما لصاحبه : تعلم والله , لقد أذنب أيوب ذنبا ما أذنبه أحد من العالمين , فقال له صاحبه : وما ذاك ؟ قال : من ثمان عشرة سنة لم يرحمه الله , فيكشف ما به , فلما راحا إليه , لم يصبر الرجل حتى ذكر ذلك له , فقال : أيوب صلوات الله عليه : لا أدري ما تقول غير أن الله قد رآني كنت أمر على الرجلين يتنازعان , فيذكران الله تعالى , فأرجع إلى بيتي , فأكفرعنهما كراهية أن يذكرا الله إلا في حق , وكان يخرج في حاجته , فإذا قضاها , أمسكت امرأته بيده حتى يبلغ , فلما كان ذات يوم أبطأ عليها , فأوحى الله تعالى إلى أيوب في مكانه أن (اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب([ ص : 42 ] , واستبطأته فتلقته تنظر , وأقبل عليها قد أذهب الله تعالى جده ما به من البلاء وهو على أحسن ما كان , فلما رأته قالت : أي بارك الله فيك , هل رأيت نبي الله هذا المبتلى ؟ والله على ذلك ما رأيت أحدا أشبه به منك إذ كان صحيحا , قال : فإني أنا هو , وكان له أندران : أندر للقمح وأندر للشعير , فبعث الله تعالى سحابتين , فلما كانت إحداهما على أندر القمح أفرغت فيه القمح ذهبا حتى فاض , وأفرغت الأخرى في أندر الشعير الورق حتى فاض . 5397 - وحدثنا يزيد بن سنان ، حدثنا سعيد بن أبي مريم , حدثنا نافع بن يزيد ، أخبرني عقيل ، عن ابن شهاب ، عن أنس بن مالك ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم , فذكر مثله , إلا أنه قال مكان يتنازعان : يتراغمان . 5398 - وحدثنا يزيد قال : حدثنا أبو صالح ، عن نافع , ثم ذكر بإسناده مثله . 5399 - قال أبو جعفر : فسألت أنا إبراهيم بن أبي داود عن هذا الحديث , وقلت له : هل رواه عن عقيل غير نافع بن يزيد ؟ قال : نعم , حدثنا نعيم بن حماد قال : حدثنا ابن المبارك ، عن يونس بن يزيد ، عن عقيل ، عن ابن شهاب ، عن النبي صلى الله عليه وسلم , ولم يذكر فيه أنس بن مالك . قال أبو جعفر : فتأملنا ما في هذا الحديث من قول أيوب عليه السلام للرجل الذي قال له ما قال : والله ما أدري ما تقول غير أني كنت أمر بالرجلين يتنازعان فيذكران الله عز وجل , فأرجع إلى بيتي , فأكفرعنهما كراهية أن يذكرا الله إلا في حق , فكان محالا أن يكون ما كان منه صلى الله عليه وسلم في ذلك كفارة عن يمين كانت منهما أو من أحدهما , لأنه لا يجوز أن يكفر عن حالف بيمين غيره بعد حنثه فيها , ولا قبل حنثه فيها وهو حي , ولكنه عندنا - والله أعلم - على كفارة عن الكلام الذي ذكر الله عز وجل فيه مما لم يكن يصلح أن يذكر , ثم عدنا إلى الكفارات عن الأشياء ما هي ؟ فرأيناها هي التغطية لما كفرت به عنه , وكانت التغطية للأشياء قد يكون منها فناء تلك الأشياء , كمثل ما يبذره الناس في أرضهم , يزرعونه فيها , فيغطونه بما يلقون عليه من الطين , فسموا بذلك كفارا لتغطيتهم إياه , ومنه قول الله تعالى : (كمثل غيث أعجب الكفار نباته([ الحديد : 20 ] , يعني الزراع له , لا الكفار بالله تعالى , ولا يكون نباته إلا بعد فناء ما كان زرع في مكانه , وقد يكون مع ذلك بقاؤهما وظهورهما بعد ذلك , كمثل ما قيل : في ليلة كفر النجوم غمامها أي : غطى نجومها التي قد ظهرت . وكان أحسن ما حضرنا في تأويل ما قال أيوب صلوات الله عليه مما ذكرعنه في هذا الحديث : أنه لما كان من خطاب ذينك الرجلين ما كان مما خلطا ذكر الله بما لا يصلح ذكره عز وجل فيه , كان ذلك خطيئة قد ظهرت , وما ظهر من الخطايا فلم تغير , عذب الله تعالى عليه الخاصة والعامة . 5400 - كما قد حدثنا إبراهيم بن مرزوق , حدثنا عمرو بن أبي رزين , حدثنا سيف بن أبي سليمان المكي ، عن عدي بن عدي - قال أبو جعفر : وهو ابن عميرة - عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله تعالى لا يهلك العامة بعمل الخاصة , ولكن إذا رأوا المنكر بين ظهرانيهم فلم يغيروا , عذب الله تعالى العامة والخاصة . قال أبو جعفر : فلما عاد ما كان من ذينك الرجلين إلى ما يؤخذ به العامة , تلافاه أيوب بما يدفع وقوع عذاب الله من الصدقة التي تكفر الذنوب وتدفع العقوبات من غير أن يكون ذينك الرجلين قد كانت لهما في ذلك كفارة , فكانت تلك الكفارة تغطي تلك المعصية تغطية فيها فناؤها , وإن كان الرجلان اللذان اكتسباها لم يدخلا في ذلك , ومثل ذلك قوله لنبيه صلى الله عليه وسلم : وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ([ الأنفال : 33 ] , فأعلمه صلى الله عليه وسلم أنه يرفع العذاب عنهم , وإن كانوا يستحقونه , باستغفارهم إياه , وكان ذلك الاستغفار - والله أعلم - مما يقع في القلوب أنه لم يكن كان من جميعهم , ولكنه كان من بعضهم , فرفعت به العقوبة عمن كانت منه تلك المعاصي , وعمن لم تكن منه , فهذا أحسن ما حضرنا من المعاني التي يحتملها ما قد ذكرناه عن أيوب عليه السلام , والله أعلم بالحقيقة كانت في ذلك , والله نسأله التوفيق .
61 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رَوَاهُ أَبُو مَسْعُودٍ عُقْبَةُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ قَوْلِهِ : ( لَا يَبْقَى عَلَى الْأَرْضِ بَعْدَ مِائَةِ سَنَةٍ نَفْسٌ مَنْفُوسَةٌ ) . 423 - حَدَّثَنَا فَهْدٌ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ ، حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، حَدَّثَنَا مُطَرِّفُ بْنُ طَرِيفٍ ، عَنْ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو ، ( عَنْ نُعَيْمِ بْنِ دَجَاجَةٍ قَالَ : كُنْت جَالِسًا عِنْدَ عَلِيٍّ فَجَاءَ أَبُو مَسْعُودٍ فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ وَنَهَضَ : يَا فُرَيْجُ ، أَمَا إنَّك تُعْيِي النَّاسَ . قَالَ : أَمَا إنِّي أُخْبِرُهُمْ أَنَّ الْآخِرَ فَالْآخِرَ شَرٌّ . قَالَ : فَحَدِّثْنَا مَا سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي الْمِائَةِ ؟ قَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَقُولُ : لَا يَكُونُ مِائَةُ سَنَةٍ وَعَلَى الْأَرْضِ عَيْنٌ تَطْرِفُ ، قَالَ : أَخْطَأْت وَأَخْطَأْت فِي أَوَّلِ فَتْوَاكَ ، إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِمَنْ هُوَ يَوْمَئِذٍ ، وَهَلْ الرَّخَاءُ أَوْ الْفَرَجُ إلَّا بَعْدَ الْمِائَةِ ) . فَتَأَمَّلْنَا مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِمَّا حَكَاهُ أَبُو مَسْعُودٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَإِذَا هُوَ مَا ذُكِرَ عَنْهُ فِيهِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ مِائَةُ سَنَةٍ ، وَعَلَى الْأَرْضِ عَيْنٌ تَطْرِفُ فَكَانَ ظَاهِرُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَبْقَى بَعْدَ الْمِائَةِ سَنَةٍ عَيْنٌ تَطْرِفُ عَلَى فَنَاءِ النَّاسِ جَمِيعًا ، وَفِي فَنَائِهِمْ ذَهَابُ الدُّنْيَا . وَوَجَدْنَا فِيهِ مِنْ كَلَامِ عَلِيٍّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ إنَّمَا كَانَ قَصَدَ بِكَلَامِهِ ذَلِكَ لِمَنْ هُوَ يَوْمَئِذٍ عَلَى الْأَرْضِ مِنْ النَّاسِ ، لَا لِمَنْ سِوَاهُمْ ، وَإِتْبَاعُهُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ نَفْسِهِ ، وَهَلْ يَكُونُ الرَّخَاءُ أَوْ الْفَرَجُ إلَّا بَعْدَ الْمِائَةِ . فَكَانَ فِي ذَلِكَ وُقُوفُهُ عَلَى مَا لَمْ يَقِفْ عَلَيْهِ أَبُو مَسْعُودٍ ، مِمَّا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَهُ ، وَكَانَ فِي ذَلِكَ دَلِيلٌ أَنَّ الَّذِي كَانَ مِنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ هُوَ فَنَاءُ ذَلِكَ الْقَرْنِ بِغَيْرِ نَفْيٍ مِنْهُ أَنْ يَخْلُفَهُمْ قُرُونٌ بَعْضُهَا بَعْدَ بَعْضٍ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ . ثُمَّ وَجَدْنَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ مُوَافَقَةَ عَلِيٍّ فِيمَا حَكَاهُ مِنْ مُرَادِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا حَكَاهُ أَبُو مَسْعُودٍ عَنْهُ . 424 - كَمَا حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، أَخْبَرَنَا نُوحُ بْنُ حَبِيبٍ الْقُومِسِيُّ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، حَدَّثَنِي سَالِمٌ ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : ( صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ ذَاتَ لَيْلَةٍ صَلَاةَ الْعِشَاءِ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ : أَرَأَيْتُكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ فَإِنَّ عَلَى رَأْسِ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْهَا لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ أَحَدُهُمْ ) . 425 - وَكَمَا حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ غُلَيْبٍ ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ كَثِيرِ بْنِ عُفَيْرٍ حَدَّثَنِي اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدِ بْنِ مُسَافِرٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمٍ ، وَابْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ : أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ : ( صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ صَلَاةَ الْعِشَاءِ ، ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ ) . وَوَجَدْنَا عَنْ جَابِرٍ أَيْضًا مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ : . 426 - كَمَا قَدْ حَدَّثَنَا أَبُو أُمَيَّةَ ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ عَدِيٍّ ، أَخْبَرَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ : ( قَالَ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَتَى السَّاعَةُ ؟ قَالَ : وَمَا سُؤَالُك عَنْ السَّاعَةِ ، مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ يَأْتِي عَلَيْهَا مِائَةُ سَنَةٍ ) . 427 - وَكَمَا قَدْ حَدَّثَنَا فَهْدٌ ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا عَلَى الْأَرْضِ مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ يَأْتِي عَلَيْهَا مِائَةُ سَنَةٍ . قَالَ سُلَيْمَانُ : أَرَاهُمْ ذَكَرُوا عِنْدَهُ السَّاعَةَ ) . وَوَجَدْنَا عَنْ أَنَسٍ أَيْضًا هَذَا الْمَعْنَى . 428 - كَمَا حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ شُعَيْبٍ الْكَيْسَانِيُّ ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ الْعَبْدِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو مَلِيحٍ الْحَسَنُ بْنُ عُمَرَ الْفَزَارِيّ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : ( صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، ثُمَّ اتَّكَأَ عَلَى غُلَامٍ فَقَالَ : رَأْسُ مِائَةِ سَنَةٍ لَا يَبْقَى أَحَدٌ مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ الْيَوْمَ حَيٌّ ) . فَقَدْ اتَّفَقَتْ الرِّوَايَاتُ اللَّاتِي ذَكَرْنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَائْتَلَفَتْ بِأَنَّ مُرَادَهُ كَانَ فِيمَا رَوَاهُ عَنْهُ أَبُو مَسْعُودٍ ، مِمَّا ذَكَرْنَا مَعْنًى مَوْهُومًا صَحِيحًا ، لَا مَعْنَى مَا ظَنَّهُ الْجَاهِلُونَ مِمَّا قَدْ دَفَعَهُ الْعِيَانُ ، وَلَا مِمَّا يُوهِمُ مَنْ تَوَهَّمَ مِنْ إغْفَالِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْضَ مَا كَانَ قَالَهُ فِي ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ نَقْلَهُمْ عَنْهُ نَقْلُ الْجَمَاعَةِ ، وَنَقْلُ الْجَمَاعَةِ بَرِيءٌ مِنْ ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا يَكُونُ مِثْلُ هَذَا إذَا كَانَ فِي نَقْلِ الْآحَادِ . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : فَقَدْ كَانَ فِي بَاقِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُخَضْرَمُونَ مِمَّنْ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، وَبَقِيَ فِي الْإِسْلَامِ حَتَّى جَاوَزَ هَذِهِ الْمُدَّةَ مِنْهُمْ : أَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ ، فَقَدْ رُوِيَ فِي سِنِّهِ 429 - مَا قَدْ حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ ، حَدَّثَنَا عَفَّانَ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ قَالَ : سَمِعْت أَبَا عُثْمَانَ يَقُولُ : أَتَتْ عَلَيَّ ثَلَاثُونَ وَمِائَةُ سَنَةٍ ، مَا مِنْ شَيْءٍ إلَّا نَقَصَ سِوَى أَمَلِي . وَلَهُ فِي ذَلِكَ أَمْثَالٌ كَزِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ ، وَسُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ : . 430 - كَمَا قَدْ حَدَّثَنَا أَبُو أُمَيَّةَ ، حَدَّثَنَا الْخَضِرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شُجَاعٍ ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ : تُوُفِّيَ زِرٌّ ، وَهُوَ ابْنُ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ ، وَتُوُفِّيَ سُوَيْد بْنُ غَفَلَةَ ، وَهُوَ ابْنُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةِ سَنَةٍ . قَالَ هُشَيْمٌ : وَبَلَغَنِي أَنَّ أَبَا عُثْمَانَ النَّهْدِيَّ تُوُفِّيَ وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعِينَ وَمِائَةِ سَنَةٍ . فَالْجَوَابُ لَهُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مَا كَانَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا ذَكَرَهُ عَنْهُ عَلِيٌّ وَابْنُ عُمَرَ ، وَجَابِرٌ ، وَأَنَسٌ ، وَأَبُو مَسْعُودٍ قَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِهِ مِمَّنْ كَانَ اتَّبَعَهُ لَا مِمَّنْ سِوَاهُمْ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مَا أَرَادَ مِنْ ذَلِكَ ، غَيْرَ أَنَّهُ قَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ وَفَاةُ هَؤُلَاءِ الْمُعَمِّرِينَ فِي الْمِائَةِ سَنَةٍ الَّتِي ذَكَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ خُرُوجِهَا ، وَهُوَ أَوْلَى مَا حَمَلْتُ عَلَيْهِ هَذَا الْمَعْنَى إنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
784 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تركه الصلاة على من قتل نفسه . 5866 - حدثنا علي بن معبد ، قال : حدثنا إسحاق بن منصور ، قال : حدثنا إسرائيل وشريك وزهير ، عن سماك ، عن جابر بن سمرة أن رجلا نحر نفسه بمشقص ، فلم يصل عليه النبي صلى الله عليه وسلم . 5867 - وحدثنا إسماعيل بن حمدويه البيكندي ، قال : حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس ، قال : حدثنا زهير ، قال : حدثنا سماك ، قال : حدثنا جابر بن سمرة ، قال : مرض رجل فصيح عليه فجاء جاره إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : إنه قد مات ، قال : وما يدريك ، قال : أنا رأيته ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنه لم يمت ، فرجع فصيح عليه ، فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : إنه مات ، فقال : إنه لم يمت فرجع الرجل فصيح عليه ، فقالت امرأته : انطلق إلى رسول الله فأخبره ، فقال الرجل : اللهم العنه ، ثم انطلق إلى الرجل فرآه قد نحر نفسه بمشاقص معه ، فانطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره أنه قد مات ، قال : وما يدريك ، قال : رأيته نحر نفسه بمشاقصه ، قال : أنت رأيته ؟ قال : نعم ، قال : إذن لا أصلي عليه . فكان في هذا الحديث ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تركه الصلاة على ذلك الرجل لقتله نفسه . وهذه مسألة قد اختلف أهل العلم فيها : فطائفة تذهب إلى أنه يصلى على من هذه سبيله ، منهم : إبراهيم النخعي وأبو حنيفة وأصحابه . وطائفة تقول : لا يصلى عليه ، وتحتج بهذا الحديث . فتأملنا هذا الحديث فوجدنا : ترك الصلاة عليه إنما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم لا من الناس جميعا ، وقد يحتمل أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يصل عليه لفعله المذموم الذي كان منه بنفسه ، وكان من شريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا يصلي على المذمومين من أمته ، وأن يصلي عليهم غيره ، كما قد روي عنه في الذي قتل بخيبر معه من أمره الناس بالصلاة عليه وتركه ذلك ، ومن تغير وجوههم عند ذلك ، ومن قوله لهم : إن صاحبكم غل في سبيل الله ، ففتش متاعه فوجد فيه خرز من خرز يهود لا يساوي درهمين ، وقد ذكرنا ذلك بإسناده فيما تقدم منا في كتابنا هذا . وكما قد روي عنه : أنه كان إذا أتي بالرجل ليصلي عليه ، سأل أعليه دين ؟ فإن قالوا : لا ، صلى عليه ، وإن قالوا : نعم ، قال : هل ترك له وفاء ، فإن قالوا : نعم ، صلى عليه ، وإن قالوا : لا ، قال : صلوا على صاحبكم . وكان تركه للصلاة على من ذكر تركه الصلاة عليه فيما ذكرنا ليس على منع منه الناس سواه أن يصلوا عليه ، وكان تركه الصلاة عليه ؛ لأن من سنة الصلاة على الموتى سؤاله الله لهم الجنة ، وكان من كان منه ما كان ممن امتنع من الصلاة عليه يحول بينه وبين الجنة ، إما لذنبه وأما لدينه الذي عليه ، فترك الصلاة عليهم لذلك ؛ لأن صلاته على من يصلي عليه رحمة ، وصلى عليهم غيره ممن ليست صلاته في هذا المعنى كصلاته صلى الله عليه وسلم فيه . وكذلك القاتل لنفسه ترك الصلاة عليه لما كان منه مما يمنعه مما سئل للمصلى عليهم ، ولم يمنع من ذلك غيره ممن ليست صلاته عليه ، كصلاته هو صلى الله عليه وسلم ، والله - عز وجل - نسأله التوفيق .
62 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ ( مِنْ قَوْلِهِ : مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ ) عَلَى مَا قَدْ رُوِيَ عَنْهُ فِي ذَلِكَ قَوْلِهِ : مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا . وَمِنْ قَوْلِهِ : مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُطْلَقًا . وَفِي السَّبَبِ الَّذِي كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ . 431 - حَدَّثَنَا أَبُو أُمَيَّةَ ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ عَدِيٍّ ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ ، عَنْ صَالِحِ بْنِ حَيَّانَ ، عَنْ ابْنِ بُرَيْدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : ( كَانَ حَيٌّ مِنْ بَنِي لَيْثٍ مِنْ الْمَدِينَةِ عَلَى مِيلَيْنِ ، وَكَانَ رَجُلٌ قَدْ خَطَبَ امْرَأَةً مِنْهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، فَأَبَوْا أَنْ يُزَوِّجُوهُ فَجَاءَهُمْ وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ فَقَالَ : إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَسَانِي هَذِهِ الْحُلَّةَ ، وَأَمَرَنِي أَنْ أَحْكُمَ فِي دِمَائِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ بِمَا أَرَى وَانْطَلَقَ فَنَزَلَ عَلَى الْمَرْأَةِ ، فَأُرْسِلَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ : كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ ، ثُمَّ أَرْسَلَ رَسُولًا وَقَالَ : إنْ أَنْتَ وَجَدْتَهُ حَيًّا فَاضْرِبْ عُنُقَهُ وَلَا أُرَاك تَجِدُهُ حَيًّا ، وَإِنْ وَجَدْتَهُ مَيِّتًا فَحَرِّقْهُ بِالنَّارِ ، فَجَاءَهُ فَوَجَدَهُ قَدْ لَدَغَتْهُ أَفْعَى ، فَمَاتَ فَحَرَقَهُ بِالنَّارِ ) . فَذَلِكَ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ ) . 432 - وَحَدَّثَنَا فَهْدٌ ، حَدَّثَنَا الْحِمَّانِيُّ ، حَدَّثَنَا عَلِيٌّ ، عَنْ صَالِحٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : ( جَاءَ رَجُلٌ إلَى قَوْمٍ فِي جَانِبِ الْمَدِينَةِ فَقَالَ : إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَنِي أَنْ أَحْكُمَ بِرَأْيِي فِيكُمْ فِي كَذَا وَفِي كَذَا ، وَقَدْ كَانَ خَطَبَ امْرَأَةً مِنْهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، فَأَبَوْا أَنْ يُزَوِّجُوهُ ، فَذَهَبَ حَتَّى نَزَلَ عَلَى الْمَرْأَةِ فَبَعَثَ الْقَوْمُ إلَى النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ : كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ ، ثُمَّ أَرْسَلَ رَجُلًا فَقَالَ : إنْ أَنْتَ وَجَدْتَهُ حَيًّا فَاضْرِبْ عُنُقَهُ ، وَمَا أُرَاك تَجِدُهُ حَيًّا ، وَإِنْ وَجَدْتَهُ مَيِّتًا فَحَرِّقْهُ ، فَانْطَلَقَ الرَّجُلُ فَوَجَدَهُ قَدْ لُدِغَ فَمَاتَ فَحَرَقَهُ ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ ) . فَكَانَ فِيمَا رَوَيْنَا ذِكْرُ السَّبِيلِ الَّذِي كَانَ عِنْدَه قَوْلِهِ : ( مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ ) . وَقَدْ رَوَى هَذَا الْقَوْلَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ ، مِنْهُمْ : عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . 433 - كَمَا قَدْ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ التَّنُّورِيُّ ، وَأَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ قَالَا : حَدَّثَنَا أَبُو الْغُصْنِ دُجَيْنُ بْنُ ثَابِتٍ ، حَدَّثَنِي شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عِنْدَ مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ فَفِي النَّارِ . قَالَ : فَقُلْت : مَا اسْمُ الشَّيْخِ ؟ قَالَ : سُلَيْمٌ أَوْ أَسْلَمُ مَوْلَى عُمَرَ ) . وَمِنْهُمْ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ . 434 - كَمَا قَدْ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ ، عَنْ عُثْمَانَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : ( مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ بَيْتًا فِي النَّارِ ) . 435 - وَحَدَّثَنَا الرَّبِيعُ الْمُرَادِيُّ ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَخْبَرَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّهُ سَمِعَ ( عُثْمَانَ يَقُولُ : مَا يَمْنَعُنِي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلَّا أَكُونَ أَوْعَى صَحَابَتِهِ عَنْهُ ، وَلَكِنْ اشْهَدُوا : لَسَمِعْته يَقُولُ : مَنْ قَالَ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ ) . وَمِنْهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ : . 436 - كَمَا حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ ، وَأَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيُّ قَالَا : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ رِبْعِيٍّ قَالَ : سَمِعْت عَلِيًّا ، يَخْطُبُ وَهُوَ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : ( لَا تَكْذِبُوا عَلَيَّ ، فَإِنَّهُ مَنْ يَكْذِبْ عَلَيَّ يَلِجْ النَّارَ ) . 437 - وَكَمَا قَدْ حَدَّثَنَا يَزِيدُ ، حَدَّثَنَا أَبُو قَطَنٍ عَمْرُو بْنُ الْهَيْثَمِ الْقَطَعِيُّ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ مَنْصُورٍ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ . 438 - وَكَمَا قَدْ حَدَّثَنَا فَهْدٌ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْأَصْبَهَانِيِّ ، حَدَّثَنَا شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ رِبْعِيٍّ ، عَنْ عَلِيٍّ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ . وَمِنْهُمْ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ : . 439 - كَمَا قَدْ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ تَمَّامٍ الْكَلْبِيُّ أَبُو الْكَرَوَّسِ ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَيُّوبَ بْنِ عِيسَى بْنِ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ، حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ جَدِّي ، عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ ، عَنْ أَبِيهِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَقُولُ : ( مَنْ حَدَّثَ عَنِّي فَكَذَبَ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ ) . وَمِنْهُمْ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ : . 440 - كَمَا حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُد ، وَوَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ قَالَا : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، أَخْبَرَنِي جَامِعُ بْنُ شَدَّادٍ الْمُحَارِبِيُّ ، قَالَ : ( سَمِعْت عَامِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قُلْت لِلزُّبَيْرِ : مَا يَمْنَعُك أَنْ تُحَدِّثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا يُحَدِّثُ عَنْهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ ، فَقَالَ : أَمَا وَاَللَّهِ مَا فَارَقْته مُنْذُ أَسْلَمْت ، وَلَكِنِّي سَمِعْته يَقُولُ : مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ . زَادَ وَهْبٌ فِي حَدِيثِهِ : وَاَللَّهِ مَا قَالَ : مُتَعَمِّدًا ، وَأَنْتُمْ تَقُولُونَ : مُتَعَمِّدًا ) . 441 - وَكَمَا قَدْ حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ ، ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَ مَا حَدَّثَنَا يَزِيدُ عَنْ وَهْبٍ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ . 442 - وَكَمَا حَدَّثَنَا يَزِيدُ ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَفَهْدٌ ، قَالُوا : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ ، حَدَّثَنِي ابْنُ الْهَادِ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَقُولُ : ( مَنْ حَدَّثَ عَنِّي كَذِبًا ، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ ) . وَمِنْهُمْ سَعِيدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ : . 443 - كَمَا قَدْ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي عِمْرَانَ ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ التَّيْمِيُّ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ ، عَنْ صَدَقَةَ بْنِ الْمُثَنَّى ، عَنْ جَدِّهِ رِيَاحِ بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ : سَمِعْت النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَقُولُ : ( مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا ، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ ) . وَمِنْهُمْ ابْنُ مَسْعُودٍ : . 444 - كَمَا قَدْ حَدَّثَنَا ابْنُ مَرْزُوقٍ ، حَدَّثَنَا عَفَّانَ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ بَهْدَلَةَ ، عَنْ زِرٍّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا ، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ ) . وَمِنْهُمْ ابْنُ عَبَّاسٍ : . 445 - كَمَا حَدَّثَنَا ابْنُ مَرْزُوقٍ ، حَدَّثَنَا عَفَّانَ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى الثَّعْلَبِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : ( مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا ، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ ، وَمَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ ) . 446 - وَكَمَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى أَبُو شُرَيْحٍ ، حَدَّثَنَا الْفِرْيَابِيُّ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى ثُمَّ ذكر بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ . وَمِنْهُمْ عَائِشَةُ : . 447 - كَمَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ بَكْرٍ ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيِّ ، حَدَّثَنَا حِصْنٌ ، حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ ، حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : ( مَنْ قَالَ عَلي مَا لَمْ أَقُلْ فَلْيَتَبَوَّأْ بَيْتًا فِي النَّارِ ) . وَمِنْهُمْ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ : . 448 - كَمَا قَدْ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ أَبِي الْفَيْضِ ، عَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : ( مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ ) . وَمِنْهُمْ عَمَّارٌ ، وَأَبُو مُوسَى : . 449 - كَمَا قَدْ حَدَّثَنَا فَهْدٌ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ يَعِيشَ ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْر الشَّيْبَانِيُّ ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي فَاطِمَةَ ، عَنْ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ : سَمِعْت عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ يَقُولُ لِأَبِي مُوسَى : أَنْشُدُك اللَّهَ ، أَلَمْ تَسْمَعْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ ) . وَمِنْهُمْ ابْنُ عُمَرَ : . 450 - كَمَا حَدَّثَنَا جَعْفَرُ الْفِرْيَابِيُّ ، حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، حَدَّثَنَا الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ سَالِمٍ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : ( مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا ، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ ) . وَمِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو : . 451 - كما حَدَّثَنَا يُونُسُ وَالرَّبِيعُ الْمُرَادِيُّ ، قَالَا : حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ بَكْرٍ . وَكَمَا حَدَّثَنَا بَكَّارَ وَابْنُ مَرْزُوقٍ قَالَا : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، ثُمَّ اجْتَمَعُوا جَمِيعًا فَقَالُوا : عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ ، عَنْ حَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةَ ، عَنْ أَبِي كَبْشَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً ، وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا ، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ ) . 452 - وَكَمَا قَدْ حَدَّثَنَا أَبُو أُمَيَّةَ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْوَلِيدِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ قَالَ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ ، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ ) . وَمِنْهُمْ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ : . 453 - كَمَا حَدَّثَنَا ابْنُ مَرْزُوقٍ ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ بْنِ فَارِسَ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : ( مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ ) . 454 - حَدَّثَنَا يَزِيدُ ، حَدَّثَنَا أَبُو قَطَنٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو حَنِيفَةَ ، عَنْ عَطِيَّةَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ مِثْلَهُ . 455 - وَكَمَا حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ يُونُسَ الْبَغْدَادِيُّ أَبُو يَعْقُوبَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ الْمِصِّيصِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدَةَ الْحَدَّادُ ، عَنْ هَمَّامٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ . وَمِنْهُمْ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ : . 456 - كَمَا قَدْ حَدَّثَنَا يُونُسُ ، حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ اللَّيْثِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَنَسٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ - حَسِبْته أَنَّهُ قَالَ - مُتَعَمِّدًا ، فَلْيَتَبَوَّأْ بَيْتَهُ مِنْ النَّارِ ) . 457 - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ رِجَالٍ ، حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ خَلَفٍ الْبَصْرِيُّ ، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ ) . 458 - وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خُزَيْمَةَ ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ ، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ ثُمَّ ذكر بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ . 459 - وَكَمَا حَدَّثَنَا عُبَيْدٌ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ، وَحَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ الْحَسَنِ ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ قَالَا : حَدَّثَنَا حَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ ، غَيْرَ أَنَّهُ سَقَطَ مِنْ كِتَابِي مِنْ حَدِيثِ عُبَيْدٍ فَلْيَتَبَوَّأْ كَذَا قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : . 460 - وَكَمَا حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عَمْرٍو ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ حَمَّادٍ يَعْنِي : ابْنَ أَبِي سُلَيْمَانَ قَالَ : سَمِعْت أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ : قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ ) . 461 - وَكَمَا حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَسْعُودٍ الْمَقْدِسِيُّ الْخَيَّاطُ ، حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ جَمِيلٍ ، حَدَّثَنَا سَلَّامُ بْنُ سُلَيْمٍ ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ سُلَيْمَانَ ، عَنْ أَنَسٍ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ . وَمِنْهُمْ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ : . 462 - كَمَا حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى الْقَطَّانُ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ أَبُو حَيَّانَ التَّيْمِيُّ ، حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ التَّيْمِيُّ قَالَ : ( سَمِعْت زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ قَالَ : بَعَثَ إلَيَّ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ فَقَالَ : مَا أَحَادِيثُ تَبْلُغُنِي أَنَّك تُحَدِّثُ بِهَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَزْعُمُ أَنَّ لَهُ حَوْضًا فِي الْجَنَّةِ ، فَقُلْت : حَدَّثَنَا بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَوَعَدْنَاهُ ، قَالَ : كَذَبْت ، وَلَكِنَّك شَيْخٌ قَدْ خَرِفْت ، فَقُلْت لَهُ : أَمَا إنَّهُ قَدْ سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهُوَ يَقُولُ : مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ ، وَمَا كَذَبْت عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) . وَمِنْهُمْ أَبُو هُرَيْرَةَ : . 463 - كَمَا حَدَّثَنَا يُونُسُ ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي نُعَيْمَةَ ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ الطُّنْبُذِيِّ رَضِيعِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ قَالَ : سَمِعْت أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : ( مَنْ قَالَ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ ، فَلْيَتَبَوَّأْ بَيْتًا فِي جَهَنَّمَ ، وَمَنْ أَفْتَى بِغَيْرِ عِلْمٍ كَانَ إثْمُهُ عَلَى مَنْ أَفْتَاهُ ، وَمَنْ أَشَارَ عَلَى أَخِيهِ بِأَمْرٍ يَعْلَمُ أَنَّ الرُّشْدَ فِي غَيْرِهِ فَقَدْ خَانَهُ ) . 464 - وَحَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ ، وَمُبَشِّرُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ مُبَشِّرِ بْنِ مُكَسِّرٍ الْبَصْرِيُّ ، أَبُو بِشْرٍ قَالَا : حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ ، حَدَّثَنِي بَكْرُ بْنُ عَمْرٍو الْمَعَافِرِيُّ ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ . وَمِنْهُمْ أَبُو مُوسَى الْغَافِقِيُّ مَالِكُ بْنُ عُبَادَةَ : . 465 - كَمَا حَدَّثَنَا يُونُسُ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ : أَنَّ يَحْيَى بْنِ مَيْمُونٍ حَدَّثَهُ : ( أَنَّ وَدَاعَةَ الْحَمْدِيَّ حَدَّثَهُ : أَنَّهُ كَانَ بِجَنْبِ مَالِكِ بْنِ عُبَادَةَ أَبِي مُوسَى الْغَافِقِيِّ ، وَعُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ يَقُصُّ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَقَالَ مَالِكٌ : إنَّ صَاحِبَكُمْ هَذَا غَافِلٌ ، أَوْ هَالِكٌ ؛ إنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَهِدَ إلَيْنَا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ : عَلَيْكُمْ بِالْقُرْآنِ ، وَإِنَّكُمْ سَتَرْجِعُونَ إلَى قَوْمٍ يَشْتَهُونَ الْحَدِيثَ عَنِّي ، فَمَنْ عَقَلَ شَيْئًا فَلْيُحَدِّثْ بِهِ ، وَمَنْ افْتَرَى عَلَيَّ فَلْيَتَبَوَّأْ بَيْتًا أَوْ مَقْعَدًا فِي جَهَنَّمَ ) . وَحَدَّثَنَاهُ يُونُسُ غَيْرَ مَرَّةٍ فَقَالَ فِي بَعْضِهَا : عَاقِلٌ ، وَفِي بَعْضِهَا : غَافِلٌ . وَمِنْهُمْ أَبُو قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيُّ : . 466 - كَمَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُزَيْزِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادِ بْنِ عُقَيْلٍ الْأَيْلِيُّ ، حَدَّثَنَا سَلَامَةُ بْنُ رَوْحٍ ، عَنْ عُقَيْلٍ ، عَنْ مَعْبَدِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيَّ يُحَدِّثُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَقُولُ : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، إيَّاكُمْ وَكَثْرَةَ الْحَدِيثِ ، وَمَنْ حَدَّثَ عَنِّي فَلَا يَقُول إلَّا صِدْقًا ، أَوْ قَالَ : حَقًّا ، أَوْ قَالَ : إحْدَاهُمَا ، وَمَنْ افْتَرَى عَلَيَّ فَلْيَتَبَوَّأْ بَيْتًا فِي النَّارِ ) . 467 - وَكَمَا حَدَّثَنَا فَهْدٌ ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ يَعِيشَ ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْر ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ مَعْبَدِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : سَمِعْت أَبَا قَتَادَةَ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ قَالَ عَلَيَّ فَلَا يَقُلْ إلَّا حَقًّا أَوْ صِدْقًا ، وَمَنْ قَالَ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ جَهَنَّمَ ) . وَمِنْهُمْ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ الثَّقَفِيُّ : . 468 - كَمَا حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَحْرِ بْنِ مَطَرٍ قَالَا : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدٍ أَبُو الْهُذَيْلِ الطَّائِيُّ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ ، قَالَ : نِيحَ عَلَى قَرَظَةَ بْنِ كَعْبٍ ، ( فَخَطَبَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ فَقَالَ : مَا بَالُ النِّيَاحَةِ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ ، إنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَقُولُ : إنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ ، مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ ، وَمَنْ نِيحَ عَلَيْهِ عُذِّبَ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ ) . وَمِنْهُمْ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ الْجُهَنِيُّ : . 469 - كَمَا حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُد ، وَفَهْدٌ قَالَا : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ ، حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ ثَوْبَانَ ، وَعَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ أَبِي رُقَيَّةَ اللَّخْمِيِّ قَالَ : سَمِعْت مَسْلَمَةَ بْنَ مَخْلَدٍ يَقُولُ لِعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ، قُمْ فَحَدِّثْ النَّاسَ بِمَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَامَ عُقْبَةُ فَقَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ فَلْيَتَبَوَّأْ بَيْتَهُ مِنْ جَهَنَّمَ . 470 - وَسَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : الْحَرِيرُ وَالذَّهَبُ حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي ، حِلٌّ لِإِنَاثِهِمْ ) . وَمِنْهُمْ خَالِدُ بْنُ عُرْفُطَةَ : . 471 - كَمَا حَدَّثَنَا فَهْدٌ ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ يَعِيشَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ الْعَبْدِيُّ ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْن أَبِي زَائِدَةَ ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ سَلَمَةَ : أَنَّ مُسْلِمًا مَوْلَى خَالِدِ بْنِ عُرْفُطَةَ حَدَّثَهُ أَنَّ خَالِدَ بْنَ عُرْفُطَةَ قَالَ لِلْمُخْتَارِ : هَذَا رَجُلٌ كَذَّابٌ ، وَلَقَدْ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَقُولُ : ( مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ جَهَنَّمَ ) . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَفِي هَذَا الْبَابِ أَحَادِيثُ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ ، تَرَكْتهَا إذْ كَانَتْ طُرُقُهَا لَيْسَتْ كَطُرُقِ هَذِهِ الْآثَارِ ، وَفِيمَا قَدْ رَوَيْنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْبَابِ ذِكْرُهُ التَّعَمُّدَ بِالْكَذِبِ عَلَيْهِ ، وَفِي بَعْضِهَا السُّكُوتُ عَنْ ذَلِكَ ، وَهُوَ عِنْدَنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لَا يُوجِبُ اخْتِلَافًا ؛ لِأَنَّ مَنْ كَذَبَ فَقَدْ تَعَمَّدَ الْكَذِبَ ، وَلَحِقَهُ الْوَعِيدُ الَّذِي ذَكَرْنَا ، وَذِكْرُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التَّعَمُّدَ فِيمَا ذَكَرَهُ مِنْ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ عَلَى التَّوْكِيدِ ، لَا عَلَى مَا سِوَاهُ ، كَمَا يَقُولُ الرَّجُلُ : فَعَلْت كَذَا وَكَذَا بِيَدِي ، وَنَظَرْت إلَى كَذَا وَكَذَا بِعَيْنِي ، وَسَمِعْت كَذَا وَكَذَا بِأُذُنِي ، عَلَى التَّوْكِيدِ مِنْهُ فِي الْكَلَامِ لَا عَلَى أَنَّهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ بِغَيْرِ يَدِهِ ، وَلَا عَلَى أَنَّهُ سَمِعَهُ بِغَيْرِ أُذُنِهِ ، وَلَا عَلَى أَنَّهُ يَرَاهُ بِغَيْرِ عَيْنِهِ ، وَكِتَابُ اللَّهِ قَدْ جَاءَ بِمِثْلِ مَا قَدْ ذَكَرْنَاهُ مِمَّا يُوجِبُ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْوَعِيدَ فِي الْآخِرَةِ ، بِغَيْرِ ذِكْرِ تَعَمُّدٍ فِيهِ ، إذْ كَانَ لَا يَكُونُ إلَّا بِالتَّعَمُّدِ إلَيْهِ ، مِنْ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ الْآيَةَ ، وقَوْله : إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ الْآيَةَ ، وَأَتْبَعَ ذَلِكَ بِذِكْرِ الْوَعِيدِ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ . وَمِنْ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا الْآيَةَ ، وَلَمْ يُذْكَرْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ التَّعَمُّدَ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ لَا تَكُونُ إلَّا عَلَى التَّعَمُّدِ ؛ وَلِأَنَّهُ لَا يَكُونُ كَاذِبًا ، وَلَا يَكُونُ زَانِيًا ، وَلَا يَكُونُ مُحَارِبًا ، وَلَا يَكُونُ سَارِقًا إلَّا بِقَصْدِهِ إلَى ذَلِكَ وَتَعَمُّدِهِ إيَّاهُ . وَكَذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِيمَنْ كَذَبَ عَلَيْهِ مِنْ ذِكْرِهِ التَّعَمُّدَ فِي بَعْضِ ذَلِكَ ، وَمِنْ سُكُوتِهِ عَنْهُ فِي بَعْضِهِ ، وَإِنَّمَا ذِكْرُهُ التَّعَمُّدَ عَلَى التَّوْكِيدِ فِي الْكَلَامِ ، لَا عَلَى مَا سِوَاهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ مَا يَلْحَقُ الْوَعِيدُ فِيهِ إلَّا لِلْمُتَعَمِّدِينَ ، وَلَا يَكُونُ كَاذِبًا وَلَا سَارِقًا وَلَا مُحَارِبًا وَلَا زَانِيًا إلَّا مَنْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا يَخْتَلِفُ الْعَمْدُ وَغَيْرُ الْعَمْدِ فِي مِثْلِ الْقَتْلِ الَّذِي قَدْ يَكُونُ الرَّجُلُ فِيهِ قَاتَلَا غَيْرَ مُتَعَمِّدٍ ، وَيَكُونُ قَاتِلًا مُتَعَمِّدًا ، فَتَبَيَّنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ بِعَمْدِهِ وَخَطَئِهِ . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي هَذَا الْبَابِ بِزِيَادَةِ مَعْنًى ذَكَرَهُ فِيهِ أَخَّرْنَا ذِكْرَهُ إلَى هَذَا الْمَوْضِعِ مِنْ هَذَا الْبَابِ بِخِلَافِ حَدِيثِ الْجَمَاعَةِ الَّذِينَ ذَكَرْنَاهُمْ . 472 - وَهُوَ مَا حَدَّثَنَا فَهْدٌ ، حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْر ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ ، عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا لِيُضِلَّ بِهِ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ ) . وَهَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ ، وَلَيْسَ أَحَدٌ يَرْفَعُهُ بِهَذَا اللَّفْظِ غَيْرَ يُونُسَ بْنِ بُكَيْر ، وَطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ لَيْسَ فِي سِنِّهِ مَا يُدْرِكُ بِهِ عَمْرَو بْنَ شُرَحْبِيلَ لِقِدَمِ وَفَاتِهِ ، وَقَدْ حَدَّثَنَاهُ مِنْ غَيْرِ حَدِيثِ يُونُسَ بْنِ بُكَيْر ، وَقَدْ دَخَلَ فِيهِ بَيْنَ طَلْحَةَ وَعَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ أَبُو عَمَّارٍ ، وَهُوَ غَرِيبٌ . 473 - كَمَا حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ ، عَنْ طَلْحَةَ ، عَنْ أَبِي عَمَّارٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ ، وَلَمْ يَذْكُرْ بَعْدَهُ ابْنَ مَسْعُودٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا لِيُضِلَّ بِهِ ، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ ) . وَقَدْ وَجَدْنَاهُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ الْأَعْمَشِ كَذَلِكَ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ : عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ . 474 - كَمَا حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غِيلَانَ ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ طَلْحَةَ ، عَنْ أَبِي عَمَّارٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ سَوَاءً . وَلَوْ كَانَ الْحَدِيثُ صَحِيحًا لَمَا كَانَ مُخَالِفًا لِغَيْرِهِ مِنْ الْأَحَادِيثِ الَّتِي رَوَيْنَاهَا فِي هَذَا الْبَابِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَلَى التَّوْكِيدِ لَا عَلَى مَا سِوَاهُ ، مِثْلُ ذَلِكَ قَوْل الله تَعَالَى : فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَذَكَرَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ ، وَذَكَرَهُ فِي سَائِرِ الْمَوَاضِعِ الَّتِي ذَكَرَهُ فِيهَا مِنْ الْقُرْآنِ بِغَيْرِ ذِكْرِهِ مَعَهُ الزِّيَادَةَ الَّتِي فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، وَذَلِكَ عِنْدَنَا عَلَى تَوْكِيدِهِ حَيْثُ شَاءَ أَنْ يُؤَكِّدَ وَتَرْكِهِ ذَلِكَ حَيْثُ شَاءَ تَرْكَهُ ، وَالْمَعْنَى فِيهِ كُلِّهِ وَاحِدٌ ، وَاَللَّهَ تَعَالَى نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
721 - باب بيان مشكل ما روي في الدية التي ودي بها الأنصاري , هل كانت من عند الرسول صلى الله عليه وسلم ؟ أو من إبل الصدقة ؟ أو من عند اليهود ؟ قال أبو جعفر : قد روينا في حديث أبي سلمة وسليمان ، عن رجال من الأنصار أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل ديته على يهود , لأنه وجد بين أظهرهم . ففي هذا الحديث قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بها على يهود , وفي حديث سهل بن أبي حثمة من غير حديث سعيد بن عبيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غرمها من عنده , فيحتمل أن يكون غرمها من عنده , وقد جعلها واجبة على غيره , فغرمها من حيث لا يجب عليه غرمها , ولم يدفع ذلك أن يكون قد تقدم قضاؤه بها على من قضى بها عليه , وفي حديث سعيد بن عبيد أن النبي صلى الله عليه وسلم ودى ذلك القتيل بها من إبل الصدقة , فيحتمل أن يكون قول من قال : وداه من عنده , أي : مما يدل عليه , وإن لم يكن مالكا له , حتى لا تتضاد هذه الأحاديث وحديث سهل , ويحتمل أن يكون أداؤه لذلك من إبل الصدقة , لا غرما عن اليهود , لأنهم ليسوا من أهل الصدقة , ولكن كي لا تبطل دية ذلك القتيل , ويطل دمه , فدفع ذلك من إبل الصدقة لهذا المعنى , لا أنه دفع عن اليهود شيئا يسقط عنهم ما كان قضى به عليهم , وفي ذلك ما قد دل على أن من غرم عن رجل دينا كان عليه لمن هو له أنه لم يملك الذي كان عليه الدين شيئا مما غرمه عنه , وهكذا كان محمد بن الحسن يقوله في هذا , حتى قال في رجل تزوج امرأة على مئة درهم فأدى إليها رجل عنه تلك المئة , ثم طلقها زوجها قبل أن يدخل بها : إن نصف الصداق الواجب عليها رده يجب عليها رده إلى الذي أدى إليها المئة لا إلى زوجها , ولم يحك محمد في ذلك خلافا بينه وبين أحد من أصحابه , وقد قال قائل : إنها تردها على الزوج , والقول عندنا في ذلك القول الأول , لأن الدراهم إنما خرجت في البدء من ملك مؤديها إلى ملك المرأة , لا إلى ملك الزوج , وهذا عندنا أيضا يدل على خلاف ما قاله مالك بن أنس فيمن أدى عن رجل دينا عليه بغير أمره إلى من هو له أنه يرجع بذلك الدين على الذي كان عليه , لأنه قد ملكه بأدائه إياه عنه , وقد علمنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما دفع من إبل الصدقة ما دفع ليرجع إليه مثله , وقد ذكرنا أيضا من الحجة على هذا القول فيما تقدم منا في كتابنا هذا ما رويناه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان لا يصلي على من ترك عليه دينا لم يترك له وفاء , وإن أبا قتادة لما ضمن ذلك عن المتوفى الذي لم يصل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم للدين الذي عليه , ولم يترك له وفاء ذلك الذي عليه , صلى عليه . فعقلنا بذلك أن مؤدي الدين لو كان يرجع إليه بأدائه إياه عنه , فيكون له أخذ من هو عليه به , لكان دين ذلك الميت قد عاد إلى أبي قتادة , ولم يبرأ من الدين , ولم يصل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم , وفي صلاته عليه ما قد دل أن الدين لم يرجع إلى أبي قتادة , ولم يملكه , وفي هذا بيان لما وصفنا , وإيضاح للحكم كان عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الباب , ثم وجدنا في هذا المعنى حديثا آخر فيه غير ما في هذه الآثار التي ذكرنا في هذا الباب , وهو : . 5395 - ما قد حدثنا أحمد بن شعيب ، أخبرنا محمد بن معمر البحراني ، حدثنا روح بن عبادة حدثنا عبيد الله بن الأخنس ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده أن ابن محيصة الأصغر أصبح قتيلا على أبواب خيبر , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أقم شاهدين على من قتله , أدفعه إليك برمته , فقال : يا رسول الله ومن أين أصيب شاهدين ؟ وإنما أصبح قتيلا على أبوابهم , قال : فتحلف خمسين قسامة ؟ قال : يا رسول الله , وكيف أحلف على ما لا أعلم ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فنستحلف منهم خمسين قسامة ؟ فقال : يا رسول الله كيف نستحلفهم وهم كفار , أو وهم مشركون ؟ فقسم النبي صلى الله عليه وسلم ديته عليهم , وأعانهم ببعضها . ففي هذا الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم ديته على اليهود بغير حلف كان في تلك الدعوى عليهم , وفي ذلك ما قد دل على أن الدية لزمتهم بوجود القتيل بين ظهرانيهم , وفيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عونه إياهم بنصف دية القتيل , فذلك عندنا - والله أعلم - على أن ذلك كان منه صلى الله عليه وسلم غرما عن الأنصار لا عن اليهود , ولأن الذي غرمه في ذلك إنما كان من الأموال التي لا تحل لليهود , وبالله التوفيق .
63 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَوْلِهِ : ( مَنْ حَدَّثَ عَنِّي حَدِيثًا يَرَى أَنَّهُ كَذِبٌ فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبِينَ ) . 475 - حَدَّثَنَا جَعْفَرُ الْفِرْيَابِيُّ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ الْحَكَمِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ حَدَّثَ عَنِّي بِحَدِيثٍ ، وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ كَذِبٌ ، فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبِينَ ) . 476 - وَحَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ ، حَدَّثَنَا الْعَقَدِيُّ ، وَبِشْرٌ الزَّهْرَانِيُّ ، وَعَفَّانُ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ الْحَكَمِ ، عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ، عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِثْلَهُ . 477 - وَحَدَّثَنَا بَكَّارَ ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ أَبِي شَبِيبٍ ، عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِثْلَهُ . 478 - وَحَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيُّ ، وَبِشْرُ بْنُ عُمَرَ قَالَا : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ حَبِيبٍ ، عَنْ مَيْمُونٍ ، عَنْ الْمُغِيرَةِ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ . 479 - وَحَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ ، حَدَّثَنَا وَهْبٌ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ثُمَّ ذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ . 480 - وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ نَصْرٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ ، وَالْفِرْيَابِيُّ قَالَا : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ الرَّقِّيُّ ، حَدَّثَنَا الْفِرْيَابِيُّ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ حَبِيبٍ ، عَنْ مَيْمُونٍ ، عَنْ الْمُغِيرَةِ ، عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِثْلَهُ . فَتَأَمَّلْنَا هَذَا الْحَدِيثَ لِنَقِفَ عَلَى الْمُرَادِ بِهِ مِنْهُ مَا هُوَ ، فَوَجَدْنَا اللَّهَ تَعَالَى قَدْ قَالَ فِي كِتَابِهِ : فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ إلَى قَوْلِهِ : أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ فَوَجَدْنَاهُ تَعَالَى قَدْ أَخْبَرَ أَنَّ ذَوِي الْكِتَابِ مَأْخُوذٌ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إلَّا الْحَقَّ ، وَكَانَ مَا يَأْخُذُونَهُ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى هُوَ مَا يَأْخُذُونَهُ عَنْ رُسُلِهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ إلَيْهِمْ ، فَكَانَ فِيمَا أَخَذَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إلَّا الْحَقَّ ، وَدَخَلَ فِيهِ أَخْذُهُ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى رُسُلِهِ إلَّا الْحَقَّ ، كَانَ الْحَقُّ هَاهُنَا كَهُوَ فِي قَوْله تَعَالَى : إِلا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ، وَكَانَ مَنْ شَهِدَ بِظَنٍّ فَقَدْ شَهِدَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ، إذْ كَانَ الظَّنُّ كَمَا قَدْ وَصَفَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ : وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا . وَفِي ذَلِكَ إعْلَامُهُ إيَّانَا أَنَّ الظَّنَّ غَيْرُ الْحَقِّ ، وَإِذَا كَانَ مَنْ شَهِدَ بِالظَّنِّ شَاهِدًا بِغَيْرِ الْحَقِّ ، كَانَ مِثْلُهُ مَنْ حَدَّثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثًا لظَّنّ مُحَدِّثًا عَنْهُ بِغَيْرِ الْحَقِّ ، وَالْمُحَدِّثُ عَنْهُ بِغَيْرِ الْحَقِّ مُحَدِّثٌ عَنْهُ بِالْبَاطِلِ ، وَالْمُحَدِّثُ عَنْهُ بِالْبَاطِلِ كَاذِبٌ عَلَيْهِ كَأَحَدِ الْكَاذِبِينَ عَلَيْهِ الدَّاخِلِينَ فِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : ( مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا ، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ ) ، وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى مِنْ ذَلِكَ .
785 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من تشبيهه الصلوات الخمس في محو الله - عز وجل - بهن الذنوب ، عن من يصليهن بالاغتسال بالماء الذي ينقي درن أبدانهم . 5868 - حدثنا علي بن معبد ، قال : حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد الزهري ، قال : حدثنا ابن أخي ابن شهاب ، عن عمه محمد بن مسلم بن عبيد الله الزهري ، قال : أخبرني صالح بن عبد الله بن أبي فروة أن عامر بن سعد بن أبي وقاص أخبره أنه سمع أبان بن عثمان يقول : قال : عثمان - رضي الله عنه - سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : أرأيت لو كان بفناء أحدكم نهر يجري يغتسل منه كل يوم خمس مرار ، ما كان مبقيا من درنه ؟ قال : لا شيء ، قال : فإن الصلوات تذهب الذنوب كما يذهب الماء الدرن . 5869 - حدثنا علي بن معبد ، قال : حدثنا يعلى بن عبيد الطنافسي ، قال : حدثنا الأعمش ، عن أبي سفيان ، عن جابر ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : مثل الصلوات المكتوبات ، كمثل نهر جار يجري على باب أحدكم ، يغتسل منه كل يوم خمس مرات . 5870 - حدثنا بكار بن قتيبة ، قال : حدثنا يحيى بن حماد ، قال : حدثنا أبو عوانة ، عن سليمان ، وهو الأعمش ، ثم ذكر بإسناده مثله . 5871 - وحدثنا محمد بن خزيمة وفهد بن سليمان جميعا قالا : حدثنا عبد الله بن صالح ، قال : حدثني الليث بن سعد ، قال : حدثني ابن الهاد ، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : أرأيتم لو أن نهرا بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرار ، ما تقولون ذلك مبقيا من درنه ؟ قالوا : لا يبقي من درنه شيئا ، قال : فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله - عز وجل - بهن الخطايا . 5872 - حدثنا يونس بن عبد الأعلى ، قال : حدثنا عبد الله بن يوسف وحدثنا يونس ، قال : حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير قالا : حدثنا الليث ، ثم ذكر بإسناده مثله . 5873 - وحدثنا إسحاق بن إبراهيم بن يونس ، قال : حدثنا هارون بن عبد الله الحمال ، قال : حدثنا محمد بن عبيد ، قال : حدثنا الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنما مثل هؤلاء الصلوات الخمس ، كمثل نهر جار على باب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات ، فماذا يبقين من درنه ؟ ففي هذه الآثار إخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله - عز وجل - يمحو بالصلوات الخمس ، عن من افترضها عليه بأدائه إياها الذنوب التي يجوز أن يغفرها جزاء لمن يصليها ، وتشبيه محوه ذلك عنهم بالماء الذي يغسل الدرن عن أبدانهم في كل يوم خمس مرات ، وفي ذلك ما قد دل على استعمال تشبيه الأشياء بغيرها من أمثالها ، وإمضائها عليه ، فمن ذلك تشبيه الأشياء المتلفات بالواجب مكانها على متلفيها من أمثالها إن كانت من ذوات الأمثال ، ومن قيمتها ، إن لم تكن من ذوات الأمثال ، واستعمال تشبيهها بأجناسها من الأشياء التي هي منها ، والله - عز وجل - نسأله التوفيق .
64 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْه عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي ( صَلَاتِهِ عَلَى الْجُهَنِيَّةِ الَّتِي رَجَمَهَا بِإِقْرَارِهَا عِنْدَهُ بِالزِّنَا وَفِي تَرْكِهِ الصَّلَاةَ عَلَى مَاعِزٍ الَّذِي رَجَمَهُ بِإِقْرَارِهِ عِنْدَهُ ) . 481 - حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ يَحْيَى ، أَبُو غَسَّانَ الْهَمْدَانِيُّ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ الدَّسْتُوَائِيُّ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ أَبِي الْمُهَلَّبِ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ : ( أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ أَتَتْ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَهِيَ حُبْلَى مِنْ الزِّنَا فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنِّي أَصَبْت حَدًّا فَأَقِمْهُ عَلَيَّ ، فَدَعَا النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَلِيَّهَا فَقَالَ لَهُ : أَحْسِنْ إلَيْهَا ، فَإِذَا وَضَعَتْ حَمْلَهَا فَائْتِنِي بِهَا ، فَفَعَلَ فَأَمَرَ بِهَا النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَشُدَّتْ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا ، وَأَمَرَ بِهَا فَرُجِمَتْ ، ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهَا فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ : تُصَلِّي عَلَيْهَا وَقَدْ زَنَتْ ؟ فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ قُسِمَتْ بَيْنَ سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَوَسِعَتْهُمْ ، وَهَلْ وَجَدْتَ أَفْضَلَ مِنْ أَنْ جَادَتْ بِنَفْسِهَا لِلَّهِ تَعَالَى ) . 482 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، حَدَّثَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ ، عَنْ يَحْيَى مِثْلَهُ ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ مَكَانَ فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ : فَقَالَ لَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا . 483 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ بَكْرٍ ، عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ ، عَنْ يَحْيَى ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ أَبِي الْمُهَاجِرِ ، عَنْ عِمْرَانَ فَذَكَرَ مِثْلَهُ ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ مَكَانَ مَا فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ : فَقَالَ لَهُ عُمَرُ . 484 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ ، حَدَّثَنَا الْفِرْيَابِيُّ ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيِّ ، ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ فِي إسْنَادِهِ ، وَمَتْنِهِ سَوَاءً . فَفِيمَا رَوَيْنَا صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى هَذِهِ الْمَرْجُومَةِ فِي الزِّنَا : . 485 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى النَّيْسَابُورِيُّ ، وَنُوحُ بْنُ حَبِيبٍ الْقُومِسِيُّ ، قَالَا : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ جَابِرٍ : ( أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ جَاءَ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَاعْتَرَفَ بِالزِّنَا فَأَعْرَضَ عَنْهُ ، ثُمَّ اعْتَرَفَ فَأَعْرَضَ عَنْهُ ، حَتَّى شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ . فَقَالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ : أَبِك جُنُونٌ ؟ قَالَ : لَا ، قَالَ : أَحْصَنْتَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، فَأَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَرُجِمَ ، فَلَمَّا أَذْلَقَتْهُ الْحِجَارَةُ فَرَّ ، فَأُدْرِكَ فَرُجِمَ حَتَّى مَاتَ . فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ خَيْرًا ، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ ) . فَفِي هَذَا تَرْكُهُ الصَّلَاةَ عَلَى هَذَا الْمَرْجُومِ فِي الزِّنَا وَهُوَ مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ ، فَتَأَمَّلْنَا جَمِيعَ مَا رَوَيْنَا فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ الْمَرْجُومَيْنِ فِي الزِّنَا فِي صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ مِنْهُمَا ، وَفِي تَرْكِهِ الصَّلَاةَ عَلَى مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ مِنْهُمَا ، لِأَيِّ مَعْنًى كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ . فَوَجَدْنَا الْمَرْأَةَ الَّتِي رَجَمَهَا لِإِقْرَارِهَا عِنْدَهُ بِالزِّنَا كَانَ مِنْهَا لِلَّهِ تَعَالَى فِي إقْرَارِهَا عِنْدَهُ بِذَلِكَ جُودٌ مِنْهَا بِنَفْسِهَا لَهُ ، وَبَذْلٌ مِنْهَا نَفْسَهَا لِإِقَامَةِ الْوَاجِبِ فِي ذَلِكَ الزِّنَا عَلَيْهَا ، وَفِي صَبْرِهَا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى أُخِذَ مِنْهَا ، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْهَا مُوجِبًا لِحَمْدِهَا فَصَلَّى عَلَيْهَا ، إذْ كَانَ مِنْ سُنَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ صَلَاتُهُ عَلَى الْمَحْمُودِينَ مِنْ أُمَّتِهِ . وَوَجَدْنَا مَا كَانَ مِنْ الرَّجُلِ الَّذِي كَانَ أَقَرَّ عِنْدَهُ بِالزِّنَا بِخِلَافِ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجِئْ إلَيْهِ بَاذِلًا لِنَفْسِهِ فِي رَجْمِهِ إيَّاهُ الَّذِي يَكُونُ بِهِ مَوْتُهُ ، وَإِنَّمَا جَاءَهُ ؛ لِأَنَّهُ يَرَى أَنَّهُ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ بِهِ ، وَسَنَأْتِي بِمَا رُوِيَ فِي ذَلِكَ فِيمَا بَعْدُ مِنْ كِتَابِنَا إنْ شَاءَ اللَّهُ ، ثُمَّ كَانَ مِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ - قَبْلَ أَنْ يُؤْتَى عَلَى نَفْسِهِ - هَرَبُهُ مِنْ إقَامَةِ عُقُوبَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ الَّتِي أَوْجَبَهَا مَا أَقَرَّ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ عَلَيْهِ ، فَكَانَ فِي ذَلِكَ مُوقِعَ الرَّيْبِ فِي أَمْرِهِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْهَرَبُ كَانَ مِنْهُ لِرُجُوعٍ كَانَ عَمَّا أَقَرَّ بِهِ ، أَوْ فِرَارًا مِنْ إقَامَةِ الْعُقُوبَةِ الَّتِي قَدْ لَزِمَتْهُ عَلَيْهِ ، وَكَانَ مَذْمُومًا فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ ، فَتَرَكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ لِذَلِكَ ؛ لِأَنَّ مِنْ سُنَّتِهِ أَنْ لَا يُصَلِّيَ عَلَى الْمَذْمُومِينَ مِنْ أُمَّتِهِ ، كَمَا لَمْ يُصَلِّ عَلَى قَاتِلِ نَفْسِهِ ، وَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا ، وَكَمَا لَمْ يُصَلِّ عَلَى الْغَالِّ مِنْ الْغُزَاةِ مَعَهُ بِخَيْبَرَ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا مَا رُوِيَ فِي ذَلِكَ بِأَسَانِيدِهِ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنَّا فِي كِتَابِنَا هَذَا فِي بَابِ مَا رُوِيَ عَنْهُ فِي أَمْرِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ بْنِ سَلُولَ مِنْ صَلَاتِهِ عَلَيْهِ أَوْ مِنْ تَرْكِ صَلَاتِهِ عَلَيْهِ ، فَمِمَّا رُوِيَ فِي أَمْرِ الْمَرْجُومِ الَّذِي قَدْ ذَكَرْنَا مِنْ هَرَبِهِ عَنْ اسْتِتْمَامِ الرَّجْمِ وَمَا كَانَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ الْقَوْلِ عِنْدَمَا بَلَغَهُ ذَلِكَ مِنْهُ : . 486 - مَا قَدْ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ دَاوُد ، حَدَّثَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِمٍ الصَّائِغُ ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، أَخْبَرَنِي النُّعْمَانُ بْنُ ثَابِتٍ ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ ، عَنْ ابْنِ بُرَيْدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : ( جَاءَ مَاعِزٌ الْأَسْلَمِيُّ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهُوَ جَالِسٌ فَأَقَرَّ بِالزِّنَا فَرَدَّهُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ ، ثُمَّ أَمَرَ بِرَجْمِهِ فَأَقَامُوهُ فِي مَكَان قَلِيلِ الْحِجَارَةِ ، فَلَمَّا أَصَابَتْهُ الْحِجَارَةُ جَزِعَ فَخَرَجَ يَشْتَدُّ حَتَّى أَتَى الْحَرَّةَ ، فَثَبَتَ لَهُمْ فِيهَا ، فَرَمَوْهُ بِجَلَامِيدِهَا ، حَتَّى سَكَتَ فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَاعِزٌ حِينَ أَصَابَتْهُ الْحِجَارَةُ جَزِعَ فَخَرَجَ يَشْتَدُّ فَقَالَ : هَلَّا خَلَّيْتُمْ سَبِيلَهُ ) . 487 - وَمَا قَدْ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ دَاوُد ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ صَالِحٍ الْأَزْدِيُّ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا بْنُ أَبِي زَائِدَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : ( قِيلَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنَّ مَاعِزًا حِينَ وَجَدَ مَسَّ الْمَوْتِ وَالْحِجَارَةِ فَرَّ ، قَالَ : أَفَلَا تَرَكْتُمُوهُ ؟ ) . 488 - وَمَا قَدْ حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْن أَبِي دَاوُد ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ ، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ ( بنْ نَصْرِ بْنِ دَهْرٍ الْأَسْلَمِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : كُنْت فِيمَنْ رَجَمَ مَاعِزًا فَلَمَّا وَجَدَ مَسَّ الْحِجَارَةِ جَزِعَ جَزَعًا شَدِيدًا ، فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : فَهَلَّا تَرَكْتُمُوهُ ؟ ) قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : فَذَكَرْت ذَلِكَ مِنْ حَدِيثِهِ حِينَ سَمِعْته يَقُولُ : فَهَلَّا تَرَكْتُمُوهُ لِعَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ فَقَالَ : حَدَّثَنِي حَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ : حَدَّثَنِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : ( هَلَّا تَرَكْتُمُوهُ لِمَاعِزٍ من سِت مِنْ رِجَالِ أَسْلَمَ ، وَمَا أَتَّهِمُ الْقَوْمَ ، وَلَمْ أَعْرِفْ الْحَدِيثَ ، فَجِئْت جَابِرًا فَقُلْت : إنَّ رِجَالًا مِنْ أَسْلَمَ يُحَدِّثُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ لَهُمْ حِينَ ذَكَرُوا جَزَعَ مَاعِزٍ مِنْ الْحِجَارَةِ هَلَّا تَرَكْتُمُوهُ ، مَا أَتَّهِمُ الْقَوْمَ وَلَا أَعْرِفْ الْحَدِيثَ فَقَالَ : يَا ابْنَ أَخِي ، أَنَا أَعْلَمُ هَذَا الْحَدِيثَ كُنْت فِيمَنْ رَجَمَ الرَّجُلَ فَرَجَمْنَاهُ ، فَوَجَدَ مَسَّ الْحِجَارَةِ فَصَرَخَ بِنَا يَا قَوْمُ ، رُدُّونِي إلَى رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَإِنَّ قَوْمِي قَتَلُونِي وَغَرُّونِي مِنْ نَفْسِي ، وَأَخْبَرُونِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ غَيْرُ قَاتِلِي ، فَلَمْ نَنْزِعْ عَنْهُ حَتَّى قَتَلْنَاهُ ، فَلَمَّا رَجَعْنَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرْنَاهُ بِمَا قَالَ : قَالَ فَهَلَّا تَرَكْتُمْ الرَّجُلَ وَجِئْتُمُونِي بِهِ لِيَسْتَثْبِتَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ ) مِنْهُ ، فَأَمَّا لِتَرْكِهِ حَدًّا فَلَا ، فَعَرَفْت وَجْهَ الْحَدِيثِ . 489 - وَمَا قَدْ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُبَارَكِ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ نُعَيْمٍ ، عَنْ أَبِيهِ : ( جَاءَ مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنِّي زَنَيْت فَأَقِمْ عَلَيَّ كِتَابَ اللَّهِ حَتَّى أَتَى أَرْبَعَ مِرَارٍ . قَالَ : اذْهَبُوا بِهِ فَارْجُمُوهُ ، فَلَمَّا مَسَّتْهُ الْحِجَارَةُ جَمَزَ ، فَاشْتَدَّ فَخَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ مِنْ بَادِيَتِهِ فَرَمَاهُ بِوَظِيفِ حِمَارٍ فَصَرَعَهُ فَرَمَاهُ النَّاسُ حَتَّى قَتَلُوهُ فَذُكِرَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِرَارُهُ فَقَالَ : هَلَّا تَرَكْتُمُوهُ لَعَلَّهُ يَتُوبُ فَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ ) . وَفِيمَا رَوَيْنَا فِي هَذَا الْفَصْلِ قَوْلُ الْمَرْجُومِ لِلنَّاسِ : إنَّ قَوْمِي قَتَلُونِي ، وَغَرُّونِي مِنْ نَفْسِي ، وَأَخْبَرُونِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ غَيْرُ قَاتِلِي ، فَدَلَّ ذَلِكَ أَنَّ مَجِيئَهُ كَانَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَإِقْرَارَهُ عِنْدَهُ بِمَا أَقَرَّ بِهِ لَيْسَ لِأَنَّهُ يَرْجُمُهُ الرَّجْمَ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ قَتْلُهُ ، وَلَكِنْ لِمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ نُزُولِ قُرْآنٍ فِيهِ بِمَعْنًى عَسَى أَنْ لَا يَكُونَ مَعَهُ عُقُوبَةٌ لَهُ ، فَلَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ كَالْجُهَنِيَّةِ الْمُقِرَّةِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِالزِّنَا عَلَى نَفْسِهَا ، وَطَلَبِهَا مِنْهُ إقَامَةَ الْعُقُوبَةِ عَلَيْهَا ، وَتَرْدَادِهَا إلَيْهِ لِذَلِكَ فِي حَالِ حَمْلِهَا ، وَبَعْدَ وَضْعِهَا حَمْلَهَا ، وَبَعْدَ فِطَامِهَا وَلَدَهَا ، فِي ذَلِكَ مَا قَدْ دَلَّ عَلَى عِلْمِهَا كان بِالْعُقُوبَةِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَخْفَى عَلَى مِثْلِهَا فِي مِثْلِ تِلْكَ الْمُدَّةِ ، وَلَا يُخْفِيهِ عَلَيْهَا مَنْ يَرَاهَا تَطْلُبُ إقَامَةَ الْحَدِّ عَلَيْهَا فِيمَا كَانَ مِنْهَا يَغْفِرُ اللَّهُ لَهَا . وَفِي ذَلِكَ مَا قَدْ دَلَّ عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّلَاةَ عَلَى ذَلِكَ الْمَرْجُومِ . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : فَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْهُ : ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا بَلَغَهُ مَا كَانَ مِنْهُ قَالَ لَهُ خَيْرًا ) . فَفِي ذَلِكَ مَا قَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُ مَحْمُودًا ، وَلَمْ يَكُنْ مَذْمُومًا . قِيلَ لَهُ : فِي حَدِيثِ جَابِرٍ مَا قَدْ ذَكَرْت ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ فِيمَا كَانَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ ذَلِكَ فِي أَمْرِهِ خِلَافُ ذَلِكَ . 490 - كَمَا قَدْ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ ، يَعْنِي الرَّقِّيَّ الْقَطَّانَ ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ دَاوُد بْنِ أَبِي هِنْدٍ ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ : ( جَاءَ مَاعِزٌ إلَى النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَاعْتَرَفَ بِالزِّنَا أَرْبَعَ مَرَّاتٍ ، فَسَأَلَ عَنْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ فَرَجَمْنَاهُ بِالْخَزَفِ وَالْجَنْدَلِ وَالْعِظَامِ ، وَمَا حَفَرْنَا لَهُ ، وَمَا أَوْثَقْنَاهُ ، فَسَبَقَنَا إلَى الْحَرَّةِ فَاتَّبَعْنَاهُ ، فَقَامَ لَنَا فَرَمَيْنَاهُ حَتَّى سَكَتَ فَمَا اسْتَغْفَرَ لَهُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَمَا سَبَّهُ ) . فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ خِلَافُ مَا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ ، ثُمَّ تَأَمَّلْنَا حَدِيثَ جَابِرٍ فَوَجَدْنَا عَنْ ابْنِ بُرَيْدَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَا قَدْ كَشَفَ الْمَعْنَى لَنَا فِيهِ . 491 - كَمَا قَدْ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، أَخْبَرَنِي إبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ الْجُوزَجَانِيُّ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَعْلَى بْنِ الْحَارِثِ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا غِيلَانُ بْنُ جَامِعٍ ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ : ( أَنَّهُمْ لَبِثُوا بَعْدَ رَمْيِ مَاعِزٍ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً ، فَجَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُمْ جُلُوسٌ ، فَسَلَّمَ ثُمَّ جَلَسَ . فَقَالَ : اسْتَغْفِرُوا لِمَاعِزِ بْنِ مَالِكٍ . فَقَالُوا : غَفَرَ اللَّهُ لِمَاعِزِ بْنِ مَالِكٍ . فَقَالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، لَقَدْ تَابَ تَوْبَةً لَوْ قُسِمَتْ بَيْنَ أُمَّةٍ لَوَسِعَتْهَا ) . فَوَقَفْنَا بِذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ قَدْ كَانَ تَرَكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ ، وَمِنْ هَذَا الْقَوْلِ الْمُدَّةُ الْمَذْكُورَةُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْحَمْدَ لَحِقَهُ مِنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ بَعْدَ ذَهَابِ وَقْتِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ قَدْ صَلَّى عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْحَمْدُ لَهُ لِمَعْنًى عَلِمَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدَثَ فِي أَمْرِهِ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى لَحِقَتْهُ إمَّا بِوَحْيٍ جَاءَهُ ، وَإِمَّا بِرُؤْيَا رَآهَا فِيهِ ؟ وَقَدْ وَجَدْنَا مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فِي حَدِيثٍ قَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . 492 - وَهُوَ مَا قَدْ حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : سَمِعْت يَزِيدَ بْنَ هَارُونَ يَقُولُ : أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هَضَّاضٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : ( أَنَّ مَاعِزَ بْنَ مَالِكٍ زَنَى فَأَتَى هَزَّالًا فَأَقَرَّ لَهُ أَنَّهُ زَنَى ، فَقَالَ لَهُ هَزَّالٌ : ائْتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبِرْهُ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ فِيك قُرْآنٌ ، فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنِّي قَدْ زَنَيْت فَأَعْرَضَ عَنْهُ حَتَّى قَالَ ذَلِكَ أَرْبَعَ مِرَارٍ ، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ أَنْ يُرْجَمَ فَلَجَأَ إلَى شَجَرَةٍ فَقُتِلَ فَقَالَ رَجُلٌ لِصَاحِبِهِ : هَذَا قَدْ قُتِلَ كَمَا يُقْتَلُ الْكَلْبُ ، فَمَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحِمَارٍ مُنْتَفِخٍ ، فَقَالَ لَهُمَا : انْهَشَا مِنْ هَذَا . قَالَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لَا نَسْتَطِيعُ جِيفَةٌ مُنْتِنَةٌ ، فَقَالَ : مَا أَصَبْتُمَا مِنْ أَخِيكُمَا أَنْتَنُ ؛ إنَّهُ يَهَشُّ فِي أَنْهَارِ الْجَنَّةِ ، ثُمَّ قَالَ : وَيْحَك يَا هَزَّالُ ، أَلَا سَتَرْته ، وَيْحَك يَا هَزَّالُ أَلَا سَتَرْته ) . 493 - وَكَمَا قَدْ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ بْنِ نُعَيْمٍ ، أَخْبَرَنَا حِبَّانُ بْنُ مُوسَى ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ يَعْنِي : ابْنَ الْمُبَارَكِ ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هَضَّاضٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ : ( مَكَانَ يَهَشُّ فِي أَنْهَارِ الْجَنَّةِ ، إنَّهُ لَيَنْغَمِسُ فِي أَنْهَارِ الْجَنَّةِ ) . فَدَلَّ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ كَانَ مِنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمْ يَكُنْ عَقِيبًا لِرَجْمِهِ مَاعِزًا ، وَإِنَّمَا كَانَتْ بَيْنَهُمَا مُدَّةٌ وَقَفَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ حَقِيقَةِ مَا صَارَ إلَيْهِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى ، مِمَّا لَمْ يَكُنْ وَاقِفًا عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ وَلَا عَالِمًا بِهِ حَتَّى أَعْلَمَهُ اللَّهُ إيَّاهُ ، وَكَانَ مَا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ فَقَالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَهُ خَيْرًا كَانَ مُؤَخَّرًا عَنْ غَيْرِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ . فَأَمَّا فِي حَدِيثِ ابْنِ هَضَّاضٍ الَّذِي رَوَيْنَاهُ مِمَّا حُكِيَ فِيهِ مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلرَّجُلَيْنِ مَا قَالَ مَوْصُولًا بِانْصِرَافِهِمْ مِنْ رَجْمِهِ ، فَذَلِكَ مُسْتَحِيلٌ ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَحْضُرْ رَجْمَهُ ، وَإِنَّمَا جَاءَهُ رَاجِمُوهُ فَأَخْبَرُوهُ بِمَا كَانَ مِنْهُمْ وَمِنْهُ ، ثُمَّ كَانَ مِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ هَذَا الْقَوْلُ بَعْدَ وُقُوفِهِ عَلَى حَقِيقَةِ مَا صَارَ إلَيْهِ عِنْدَ رَبِّهِ تَعَالَى مِنْ عَفْوِهِ عَنْهُ .
720 - باب بيان مشكل الواجب بالقسامة , هل يكون فيه سفك دم من يقسم عليه كما قال مالك ؟ أو غرم ديته كما قال مخالفوه ؟ قال قائل : في حديث يحيى بن سعيد عن بشر بن سهل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للأنصار : أتحلفون خمسين يمينا , وتستحقون دم قاتلكم أو صاحبكم ؟ قالوا : فهذا يدل على أن الدم يستحق بالقسامة , وكان من حجة مخالفيهم عليهم في ذلك أن هذا الحديث إنما روي بالشك , وهو ما فيه من قوله صلى الله عليه وسلم : وتستحقون قاتلكم حتى تقتلوه , أو صاحبكم , كما فيه : فما يستحقونه فيه على قاتلهم هو القود , وما فيه مما يستحقون في صاحبهم هو الدية , والله أعلم كيف كان الذي قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك , غير أن في حديث مالك عن أبي ليلى , عن سهل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إما أن يدوا صاحبكم , وإما أن يؤذنوا بحرب , فكان هذا الحديث على ذكر أن يدوا صاحبكم لا على ما سوى ذلك , والواجب في الحديث الأول الذي وقع فيه الشك أن يرد إلى هذا الحديث الذي لا يشك فيه , والله الموفق .
65 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْه عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ ( قَوْلِهِ لِلَّذِي حَلَفَ عِنْدَهُ لِخَصْمِهِ الَّذِي كَانَ خَاصَمَهُ إلَيْهِ فِيمَا كَانَ ادَّعَى عَلَيْهِ : أَمَا إنَّك قَدْ فَعَلْت ، فَادْفَعْ إلَيْهِ حَقَّهُ ، وَسَتُكَفِّرُ عَنْك لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مَا صَنَعْت ) . 494 - حَدَّثَنَا ابْنُ مَرْزُوقٍ ، حَدَّثَنَا حِبَّانُ بْنُ هِلَالٍ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ ، عَنْ أَبِي يَحْيَى ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ( أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إلَى النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَسَأَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الطَّالِبَ الْبَيِّنَةَ ، فَلَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ ، فَاسْتَحْلَفَ الْمَطْلُوبَ ، فَحَلَفَ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنَّك قَدْ فَعَلْت ، وَلَكِنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ بِقَوْلِك : لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ) . 495 - وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ بْنِ سَمُرَةَ الْكُوفِيُّ ، عَنْ وَكِيعٍ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ ، عَنْ أَبِي يَحْيَى عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : ( جَاءَ رَجُلَانِ يَخْتَصِمَانِ إلَى النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي شَيْءٍ فَقَالَ لِلْمُدَّعِي : أَقِمْ الْبَيِّنَةَ ، فَلَمْ يُقِمْ . فَقَالَ لِلْآخَرِ : احْلِفْ فَحَلَفَ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ . فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ : ادْفَعْ إلَيْهِ حَقَّهُ ، وَسَتُكَفِّرُ عَنْكَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مَا صَنَعْت ) . فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ قَدْ غُفِرَ بِهَا لِلْحَالِفِ بِهَا يَمِينُهُ عَلَى مَا قَدْ كَانَ فِي الْحَقِيقَةِ بِخِلَافِ مَا حَلَفَ بِهَا عَلَيْهِ . فَقَالَ قَائِلٌ : فَكَيْفَ تَقْبَلُونَ هَذَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَقَدْ رَوَيْتُمْ عَنْهُ ؟ فَذَكَرَ : . 496 - مَا حَدَّثَنَا الْمُزَنِيّ ، حَدَّثَنَا الشَّافِعِيُّ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ جَامِعٍ ، وَعَبْدِ الْمَلِكِ سَمِعَا أَبَا وَائِلٍ يُخْبِرُ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَقِيَ اللَّهَ تَعَالَى وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ ، ثُمَّ قَرَأَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ : إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا ) الْآيَةَ . 497 - وَمَا قَدْ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ يَحْيَى بْنِ جَنَّادٍ ، حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ بَكَّارٍ ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ ، عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : ( مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ ، لَقِيَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ ) . 498 - وَمَا قَدْ حَدَّثَنَا ابْنُ مَرْزُوقٍ ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ الْيَمَامِيُّ ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ ، حَدَّثَنِي طَارِقُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ : سَمِعْت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ، وَأَبُوهُ كَعْبٌ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا قَالَ : ( حَدَّثَنِي أَبُو أُمَامَةَ ، وَهُوَ مُسْنِدٌ ظَهْرَهُ إلَى هَذِهِ السَّارِيَةِ لِسَارِيَةٍ مِنْ سِوَارِي مَسْجِدِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : كُنْت أَنَا وَأَبُوك كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ وَأَخُوك مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ قُعُودًا عِنْدَ هَذِهِ السَّارِيَةِ ، وَنَحْنُ نَذْكُرُ الرَّجُلَ يَحْلِفُ عَلَى مَالِ الرَّجُلِ فَيَقْتَطِعُهُ بِيَمِينِهِ كَاذِبًا . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ ذَلِكَ : أَيُّمَا رَجُلٍ حَلَفَ عَلَى مَالِ رَجُلٍ كَاذِبًا فَاقْتَطَعَهُ بِيَمِينِهِ ، فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الْجَنَّةُ ، وَوَجَبَتْ لَهُ النَّارُ . فَقَالَ أَخُوك مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا . قَالَ : فَقَلَّبَ سِوَاكًا بَيْنَ أُصْبُعَيْهِ فَقَالَ : وَإِنْ كَانَ سِوَاكًا مِنْ أَرَاكٍ ، أَوْ وَإِنْ كَانَ عُودًا مِنْ أَرَاكٍ ) . 499 - وَمَا قَدْ حَدَّثَنَا أَبُو أُمَيَّةَ ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ ، حَدَّثَنِي طَارِقٌ قَالَ : سَمِعْت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو أُمَامَةَ قَالَ : ( قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الَّذِي يَحْلِفُ عَلَى مَالِ آخَرَ فَيَقْتَطِعُهُ بِيَمِينِهِ ، قَدْ وَجَبَتْ لَهُ النَّارُ ، وَبَرِئَتْ مِنْهُ الْجَنَّةُ ) . 500 - وَمَا حَدَّثَنَا فَهْدٌ ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الرِّيَاحِيُّ ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ ، عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَطَاءِ بْنِ أَبِي الْخُوَارِ ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ جُرَيْح ، عَنْ الْحَارِثِ ابْنِ الْبَرْصَاءِ قَالَ : ( سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَهُوَ يَقُولُ ، وَهُوَ يَمْشِي بَيْنَ جَمْرَتَيْنِ مِنْ الْجِمَارِ ، مَنْ أَخَذَ شَيْئًا مِنْ مَالِ أَخِيهِ بِيَمِينٍ فَاجِرَةٍ ، فَلْيَتَبَوَّأْ بَيْتًا فِي النَّارِ ) . 501 - وَمَا حَدَّثَنَا ابْنُ خُزَيْمَةَ ، حَدَّثَنَا الرَّمَادِيُّ إبْرَاهِيمُ بْنُ بَشَّارٍ ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ ، عَنْ ابْنِ أَبِي الْخُوَارِ ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ الْحَارِثِ بْنِ مَالِكِ الْبَرْصَاءِ أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : ( مَنْ اقْتَطَعَ مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينٍ كَاذِبَةٍ لَقِيَ اللَّهَ ، وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ ) . 502 - حَدَّثَنَا الْمُزَنِيّ ، حَدَّثَنَا الشَّافِعِيُّ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ مَعْبَدِ بْنِ كَعْبٍ ، عَنْ أَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : ( مَنْ اقْتَطَعَ حَقَّ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ ، وَأَوْجَبَ لَهُ النَّارَ قَالُوا : وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : وَإِنْ كَانَ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ . قَالَهَا ثَلَاثًا ) . 503 - وَمَا قَدْ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ جَنَّادٍ ، حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ بَشَّارٍ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ مَعْبَدِ بْنِ كَعْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَوْ عَنْ عَمِّهِ - شَكَّ سُفْيَانُ - أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : ( مَنْ اقْتَطَعَ مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينٍ كَاذِبَةٍ لَقِيَ اللَّهَ ، وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ ، وَهُوَ لَهُ مَاقِتٌ قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا قَالَ : وَإِنْ كَانَ سِوَاكًا مِنْ أَرَاكٍ ، فَقَالَ : هَذَا الْقَائِلُ فَفِي هَذِهِ الْآثَارِ مِنْ وَعِيدِ اللَّهِ تَعَالَى مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ كَاذِبَةٍ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ مَا فِيهَا ، وَالْحَالِفُ بِهَا فقَدْ وَحَّدَ اللَّهَ فِي حَلِفِهِ بِهَا ، وَنَفَى أَنْ يَكُونَ إلَهٌ غَيْرُهُ ، فَلَمْ يَرْفَعْ ذَلِكَ الْوَعِيدُ عِنْدَ الْمَذْكُورِ ذَلِكَ الْوَعِيدَ فِيهَا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ وَعِيدُ اللَّهِ إيَّاهُ فِي كِتَابِهِ بِقَوْلِهِ : إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ الْآيَةَ ، فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ تَقْبَلُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، يَعْنِي الَّذِي رَوَيْنَاهُ فِي صَدْرِ هَذَا الْبَابِ . وَهَذِهِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي ذَكَرَهَا هَذَا وَكُلُّ صِنْفٍ مِنْ ذَلِكَ الْحَدِيثِ ، وَمِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ ضِدٌّ لِلصِّنْفِ الْآخَرِ . فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ - بِتَوْفِيقِ اللَّهِ - أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِي بَدَأْنَا بِذِكْرِهِ فِي هَذَا الْبَابِ غَيْرُ مُضَادٍّ لِلْأَحَادِيثِ الَّتِي عَارَضَنَا بِهَا ، وَذَلِكَ أَنَّ الْحَدِيثَ الْأَوَّلَ إنَّمَا فِيهِ أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا فِي شَيْءٍ فَدَعَا الْمُدَّعِيَ بِالْبَيِّنَةِ ، فَلَمْ يَأْتِ بِهَا ، فَاسْتَحْلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَحَلَفَ . وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ حَلَفَ عَلَى مَا قَدْ كَانَ عِنْدَهُ كَمَا قَدْ حَلَفَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ ذَهَبَ عَنْهُ مَا قَدْ كَانَ تَقَدَّمَ مِنْهُ فِيهِ ، وَمَا فِي الْحَقِيقَةِ عَلَى غَيْرِ مَا كَانَتْ يَمِينُهُ عَلَيْهِ ، ثُمَّ أَعْلَمَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَدْ كَانَ مِنْهُ غَيْرُ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ ، وَأَنَّ الَّذِي كَانَ فِي الْحَقِيقَةِ مِمَّا حَلَفَ عَلَيْهِ خِلَافُ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ ، وَأَمَرَهُ بِدَفْعِ حَقِّ خَصْمِهِ إلَى خَصْمِهِ ، ثُمَّ أَعْلَمَهُ أَنَّهُ يُكَفِّرُ عَنْهُ مَا كَانَ مِنْهُ مِنْ الْحَلِفِ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ تَعَالَى . فَقَالَ هَذَا الْمُعَارِضُ : وَكَيْفَ يَكُونُ مَا ذَكَرْتُمْ كَمَا وَصَفْتُمْ مِنْ احْتِمَالِ مَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا مِنْ حَلِفِ هَذَا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، عَلَى مَا حَلَفَ عَلَيْهِ مِمَّا هُوَ فِي الْحَقِيقَةِ بِخِلَافِ ذَلِكَ ، وَمِمَّا هُوَ نَاسٍ لَهُ . وَقَدْ رَوَيْتُمْ فِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ يُكَفِّرُ عَنْهُ مَا كَانَ مِنْهُ مِنْ يَمِينِهِ الَّتِي حَلَفَ عَلَيْهَا فِي ذَلِكَ ، وَالْكَفَّارَةُ إنَّمَا تَكُونُ لِيُكَفَّرَ بِهَا عَمَّنْ يُكَفَّرُ بِهَا عَنْهُ مَا قَدْ كَانَ مِنْهُ مِنْ مَعَاصِي اللَّهِ تَعَالَى ، وَالْخُرُوجِ مِنْ طَاعَاتِهِ إلَى أَضْدَادِهَا لَا بِمَا سِوَى ذَلِكَ . وَالْحَالِفُ عَلَى النِّسْيَانِ فَخَارِجٌ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى لَا شَكَّ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْمِدْ حَلِفًا عَلَى مَا لَا يَحِلُّ لَهُ الْحَلِفُ عَلَيْهِ . فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْكَفَّارَاتِ قَدْ تَجِبُ فِي الْأَشْيَاءِ الَّتِي لَا آثَامَ فِيهَا عَلَى مَنْ كَانَتْ مِنْهُ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ فِي كِتَابِهِ : وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً إلَى قَوْله : تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ الْآيَةَ ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ بِقَتْلِهِ آثِمًا . وَمِثْلُ ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَنْ نَسِيَ صَلَاةً ، أَوْ نَامَ عَنْهَا . 504 - كَمَا قَدْ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ : أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : ( مَنْ نَسِيَ صَلَاةً أَوْ نَامَ عَنْهَا ، فَإِنَّ كَفَّارَتَهَا أَنْ يُصَلِّيَهَا إذَا ذَكَرَهَا ) . 505 - وَكَمَا قَدْ حَدَّثَنَا فَهْدٌ ، وَأَحْمَدُ بْنُ دَاوُد قَالَا : حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ : أَنَّ رسول الله عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : ( مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا ) . وَفِي حَدِيثِ أَحْمَدَ خَاصَّةً قَالَ هَمَّامٌ : ثُمَّ سَمِعْت قَتَادَةَ يُحَدِّثُ بِهِ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَقَالَ : وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي ، وَفِي حَدِيثِ فَهْدٍ ( لَا كَفَّارَةَ لَهَا إلَّا ذَلِكَ ) . فَكَانَ مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ مَا قَدْ أُمِرَ بِهِ النَّاسِي لِلصَّلَاةِ وَالنَّائِمُ عَنْهَا كَفَّارَةٌ لَهُمَا مِمَّا ذَكَرْنَا عَنْهُمَا فِيهِ ، وَقَدْ كَانَا قَبْلُ مَأْثُومَيْنِ . وَقَبْلَ ذَلِكَ مَا فِي الْآيَةِ الَّتِي تَلَوْنَا فِي الْقَاتِلِ خَطَأً ، مِمَّا قَدْ جُعِلَ عَلَيْهِ فِيهَا مِنْ الْكَفَّارَةِ ، وَإِخْبَارِ اللَّهِ عَنْهَا أَنَّ ذَلِكَ تَوْبَةٌ مِنْ اللَّهِ يَعْنِي عَنْ الْقَاتِلِ . وَفِيمَا ذَكَرْنَا مِنْ هَذَا مَا قَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْكَفَّارَاتِ قَدْ تَجِبُ مَعَ ارْتِفَاعِ الْآثَامِ . فَمِثْلُ ذَلِكَ مَا رَوَيْنَاهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي أَوَّلِ هَذَا الْبَابِ ، وَمَا كَانَ مِنْ الْحَالِفِ مِنْ الْحَلِفِ الَّذِي كَانَ فِيهِ غَيْرَ مَأْثُومٍ ، وَكَانَ الَّذِي كَانَ مِنْهُ مِنْ تَوْحِيدِهِ اللَّهَ تَعَالَى ، وَمِنْ نَفْيِهِ أَنْ يَكُونَ آلَهُ سِوَاهُ ، كَفَّارَةٌ عَمَّا حَلَفَ عَلَيْهِ ، وَكَيْفَ يُظَنُّ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقِفَ مِنْ رَجُلٍ عَلَى كَبِيرَةٍ مِنْ الْكَبَائِرِ الَّتِي قَدْ وَعَدَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهَا النَّارَ ، ثُمَّ لَا يَأْمُرُهُ بِالتَّوْبَةِ إلَى اللَّهِ مِنْهَا ، وَالْعَمَلِ بَعْدَهَا بِمَا عَسَى أَنْ يَسْتَنْقِذَهُ اللَّهُ بِهِ مِنْ النَّارِ . وَفِيمَا ذَكَرْنَا مِنْ هَذَا دَلِيلٌ وَاضِحٌ أَنَّ الْحَلِفَ الَّذِي كَانَ مِنْ ذَلِكَ الْحَالِفِ عَلَى مَا وَصَفْنَا مِنْ ذَهَابِ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ ، أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْهُ ، مِمَّا قَدْ كَانَ فَعَلَهُ عَنْهُ ، وَأَنَّ الْأَحَادِيثَ الْأُخَرَ الْمَذْكُورَةَ فِيهَا الْوَعِيدُ الْمُوَافِقُ لِلْوَعِيدِ الْمَذْكُورِ فِي كِتَابِ اللَّهِ هُوَ عَلَى مَنْ حَلَفَ كَاذِبًا قَاصِدًا بِيَمِينِهِ إلَى اقْتِطَاعِ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ . فَقَدْ بَانَ بِحَمْدِ اللَّهِ أَنَّ كُلَّ صِنْفٍ مِنْ هَذَيْنِ الصِّنْفَيْنِ مِنْ الْآثَارِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي هَذَا الْبَابِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنْصَرِفٌ إلَى مَعْنًى غَيْرِ الْمَعْنَى الَّذِي يَنْصَرِفُ إلَيْهِ الصِّنْفُ الْآخَرُ مِنْهُمَا ، غَيْرِ مُخَالِفٍ لَهُ . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِمَّا يَدْخُلُ فِي هَذَا الْمَعْنَى : 506 - مَا حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ : ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ لِرَجُلٍ : أَيْ فُلَانُ ، أَفَعَلْت كَذَا وَكَذَا ، قَالَ : لَا وَاَلَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ مَا فَعَلْته ، فَجَاءَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ : قَدْ فَعَلَ ، وَلَكِنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَهُ بالِإِخْلَاصِ قَوْلِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ) . فَهَذَا مُحْتَمِلٌ أَنْ يَكُونَ حَلِفُهُ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ كَانَ عِنْدَهُ كَمَا حَلَفَ عَلَيْهِ ، وَذَهَبَ عَنْهُ أَنَّهُ قَدْ كَانَ فَعَلَهُ ، وَقَدْ فَعَلَهُ فِي الْحَقِيقَةِ فَرَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ الْإِثْمَ فِي ذَلِكَ ، فَلَمْ يُعَاقِبْهُ عَلَيْهِ ، وَجَعَلَ تَوْحِيدَهُ إيَّاهُ وَإِخْلَاصَهُ لَهُ كَفَّارَةً لِمَا هُوَ فِي الْحَقِيقَةِ مَحْظُورٌ عَلَيْهِ . وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
786 - باب بيان مشكل جواب رسول الله صلى الله عليه وسلم في البتع لما سئل عنه . 5874 - حدثنا يونس بن عبد الأعلى ، قال : حدثنا عبد الله بن وهب أن مالك بن أنس أخبره وحدثنا يونس بن عبد الأعلى ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : أخبرني يونس بن يزيد كلاهما ، عن ابن شهاب ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن عائشة قالت : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عن البتع ، فقال : كل شراب أسكر فهو حرام . 5875 - وحدثنا علي بن معبد ، قال : حدثنا إسحاق بن عيسى ، يعني : ابن الطباع ، قال : حدثني مالك بن أنس ، قال : حدثني ابن شهاب الزهري ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن عائشة قالت : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عن البتع ، ثم ذكر مثله . 5876 - وحدثنا علي بن معبد ، قال : حدثنا سريج بن النعمان الجوهري ، قال : حدثنا سفيان بن عيينة ، عن الزهري ، عن أبي سلمة ، عن عائشة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : كل شراب أسكر فهو حرام . قال أبو جعفر : ففيما روينا جواب رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سئل عن البتع بقوله : كل شراب أسكر فهو حرام ، فاحتمل أن يكون ذلك على الشراب قد يكون السكر من كثيره ، وإن كان لا يكون من قليله فيكون حراما إذا أسكر ، ولا يكون حراما إذا لم يسكر ، واحتمل أن يكون إذا كان كثيره يسكر أن يكون في نفسه حراما قليله وكثيره . فنظرنا : هل روى في جواب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذا السؤال أحد غير عائشة شيئا ؟ . 5877 - فوجدنا حسين بن نصر قد حدثنا ، قال : حدثنا عبد الرحمن بن زياد ، قال : حدثنا شعبة ، عن سعيد بن أبي بردة ، قال : سمعت أبي يحدث ، عن أبي موسى أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذا وأبا موسى إلى اليمن ، قال له أبو موسى : إن شرابا يصنع في أرضنا من العسل ، يقال له : البتع ، ومن الشعير ، يقال له : المزر ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : كل مسكر حرام . وكان الذي في هذا الجواب من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : كل مسكر حرام محتملا لما قد ذكرنا مما قد يحتمله حديث عائشة الذي روينا . فنظرنا : هل روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في جوابه كان عن ذلك غير ما في هذين الحديثين أم لا ؟ - 5878 - فوجدنا علي بن معبد قد حدثنا ، قال : حدثنا يونس بن محمد ، قال : حدثنا شريك بن عبد الله ، عن أبي إسحاق ، عن أبي بردة ، عن أبيه ، قال : بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن فقلت : يا نبي الله ، إن بها شرابا يصنع من الشعير والبر يسمى المزر والبتع فما نشرب ؟ قال : اشربوا ولا تشربوا مسكرا ، أو قال : لا تسكروا . 5879 - ووجدنا بكار بن قتيبة قد حدثنا ، قال : حدثنا عبد الله بن رجاء الغداني ، قال : حدثنا إسرائيل بن يونس ، عن أبي إسحاق ، عن أبي بردة ، عن أبيه ، قال : بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا ومعاذا إلى اليمن ، فقلت : إنك بعثتنا إلى أرض كثير شراب أهلها ، فقال : اشربا ، ولا تشربا مسكرا . 5880 - وحدثنا الربيع بن سليمان المرادي ، قال : حدثنا أسد بن موسى ، قال : حدثنا الفضيل بن مرزوق ، عن أبي إسحاق ، عن أبي بردة ، عن أبيه ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مثله . فكان جواب رسول الله صلى الله عليه وسلم المذكور عنه في رواية سعيد بن أبي بردة ، عن أبيه ، عن أبي موسى محتملا لما قد ذكرنا في احتماله إياه مما هو موافق لما احتمله حديث عائشة الذي ذكرناه قبله ، وكان في حديث أبي إسحاق الذي رواه عنه شريك وإسرائيل والفضيل بن مرزوق ما قد كشف ما في تلك الاحتمالات ؛ لأن فيها إطلاقه له الشراب والنهي عن كل مسكر . فعقلنا بذلك : أن المسكر الذي أراده في حديث عائشة وفي حديث أبي موسى من رواية سعيد بن أبي بردة ، عن أبيه عنه ، هو ما يسكر من تلك الأشربة لا ما لا يسكر منها . ثم نظرنا في حديث سعيد بن أبي بردة الذي رواه عن أبيه ، عن أبي موسى كما ذكرنا في رواية شعبة إياه عنه ، هل زاد عليه غيره فيه شيئا مما يرجع به معناه إلى معنى حديث أبي إسحاق ، عن أبي بردة . 5881 - فوجدنا فهدا قد حدثنا ، قال : حدثنا علي بن معبد بن شداد ، قال : حدثنا عبيد الله يعني : ابن عمرو ، عن زيد يعني : ابن أبي أنيسة ، عن سعيد بن أبي بردة ، قال : حدثنا أبو بردة ، عن أبي موسى الأشعري ، قال : بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعاذ بن جبل إلى اليمن فقلت : يا رسول الله ، أفتنا في شرابين كنا نصنعهما باليمن ، البتع من العسل ينبذ حتى يشتد ، والمزر من الشعير والذرة ينبذ حتى يشتد ، قال : وكان نبي الله صلى الله عليه وسلم قد أعطي جوامع الكلم بخواتمه ، فقال : حرام كل مسكر أسكر عن الصلاة . فكان في هذا الحديث زيادة يرجع بها معناه إلى معنى حديث أبي إسحاق وبيان ما رواه شعبة ، عن سعيد في المسكر أنه الذي يسكر عن الصلاة ، وفي ذلك ما قد دل : أن المسكر المحرم في هذا الحديث ، هو الذي يسكر منه ، عن الصلاة ، لا الذي لا يسكر منه عنها ، وعقلنا بذلك : أن ما لا يسكر منه عنها بخلاف ما يسكر منه عنها في التحريم ، فعاد معنى حديث سعيد بن أبي بردة ، عن أبيه إلى معنى حديث أبي إسحاق ، عن أبي بردة ، عن أبيه الذي ذكرنا مما لا يمنع من شرابه قليل ما يسكر كثيره . ثم نظرنا : هل روى هذا الحديث ، عن أبي بردة غير أبي إسحاق وغير ابنه سعيد بن أبي بردة أم لا ؟ . 5882 - فوجدنا أبا أمية قد حدثنا ، قال : حدثنا عبيد الله بن عمر القواريري ، قال : حدثني يحيى بن سعيد ، قال : حدثنا قرة بن خالد ، قال : حدثنا سيار أبو الحكم ، عن أبي بردة ، عن أبي موسى ، قال : قلت : يا رسول الله ، إن أهل اليمن يتخذون شرابا من العسل والمزر من الذرة والشعير ، فقال : أنهاكم عن كل مسكر . 5883 - ووجدنا مبشر بن الحسن بن مبشر البصري قد حدثنا ، قال : حدثنا أبو داود الطيالسي ، قال : حدثنا الحريش بن سليم الكوفي ، عن طلحة الإيامي ، عن أبي بردة ، عن أبي موسى ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كل مسكر حرام . فكان ما في هذين الحديثين نهيه صلى الله عليه وسلم ، عن كل مسكر ، وكان تصحيحهما وتصحيح حديث زيد بن أبي أنيسة ، عن سعيد بن أبي بردة ، عن أبي بردة ، عن أبيه كل مسكر أسكر عن الصلاة ، لا على ما لا يسكر منه عنها ، حتى تصح هذه الآثار كلها ، ولا يضاد بعضها بعضا . ثم نظرنا أيضا : هل روى هذا الحديث ، عن أبي موسى غير ابنه أبي بردة أم لا ؟ . 5884 - فوجدنا أبا أمية قد حدثنا ، قال : حدثنا إبراهيم بن أبي العباس ، قال : حدثنا ابن المبارك ، قال : حدثنا الأجلح بن عبد الله ، قال : حدثنا أبو بكر بن أبي موسى الأشعري ، عن أبيه ، قال : بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن فقلت له : يا رسول الله ، إن بها أشربة فما أشرب منها وما أدع ، قال : وما هي ؟ قلت : البتع والمزر ، قال : وما البتع ؟ قلت : البتع من العسل ، والمزر من الذرة يشتد حتى يسكر ، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تشرب مسكرا ، فإني حرمت كل مسكر . 5885 - ووجدنا فهدا قد حدثنا ، قال : حدثنا نعيم بن حماد ، قال : حدثنا ابن المبارك ، ثم ذكر بإسناده مثله . فكان تصحيح هذا الحديث مع ما قبله من الأحاديث التي رويناها في هذا الباب : أن المسكر المراد فيه هو المسكر الذي يسكر عن الصلاة ، وكان مثله بتصحيحها حديث عائشة الذي رويناه في هذا الباب ، وفي ذلك ما يبيح شرب ما لا يسكر من هذه الأشربة ، ويمنع من شرب ما يسكر منها ، والله - عز وجل - نسأله التوفيق .
66 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي الْحَسَدِ ، هَلْ يَتَّسِعُ لِأَحَدٍ مِنْ النَّاسِ فِي حَالٍ مِنْ الْأَحْوَالِ أَمْ لَا . 507 - حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُمَيْرٍ ، عَنْ سُلَيْمِ بْنِ عَامِرٍ ، ( عَنْ أَوْسَطَ الْبَجَلِيِّ ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَخْطُبُ فَقَالَ : إنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ خَطَبَنَا عَامَ أَوَّلَ ، ثُمَّ بَكَى أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ : سَلُوا اللَّهَ الْمُعَافَاةَ ، فَإِنَّ النَّاسَ لَمْ يُعْطُوا بَعْدَ الْيَقِينِ شَيْئًا ، هُوَ أَفْضَلُ مِنْ الْمُعَافَاةِ ) ، وَفِيهِ ( أَلَا وَعَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ ، فَإِنَّهُ مَعَ الْبِرِّ ، وَهُمَا فِي الْجَنَّةِ ، وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ فَإِنَّهُ مَعَ الْفُجُورِ ، وَهُمَا فِي النَّارِ ، لَا تَدَابَرُوا ، وَلَا تَقَاطَعُوا ، وَلَا تَبَاغَضُوا ، وَلَا تَحَاسَدُوا ، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إخْوَانًا كَمَا أَمَرَكُمْ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ) . 508 - حَدَّثَنَا يُونُسُ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أَنَّ مَالِكًا أَخْبَرَهُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَنَسٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( لَا تَبَاغَضُوا ، وَلَا تَحَاسَدُوا ، وَلَا تَدَابَرُوا ، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إخْوَانًا ، وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ ) . 509 - حَدَّثَنَا أَبُو أُمَيَّةَ ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، وَزَكَرِيَّا بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، أَخْبَرَنِي أَنَسٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( لَا تَقَاطَعُوا ، وَلَا تَدَابَرُوا ، وَلَا تَبَاغَضُوا ، وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ ) ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ : وَلَا تَحَاسَدُوا . 510 - وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( لَا تَقَاطَعُوا ، وَلَا تَبَاغَضُوا ، وَلَا تَحَاسَدُوا ، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إخْوَانًا ) . 511 - حَدَّثَنَا يُونُسُ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ : أَنَّ مَالِكًا حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( إيَّاكُمْ وَالظَّنَّ ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ ، وَلَا تَحَاسَدُوا ، وَلَا تَبَاغَضُوا ، وَلَا تَنَافَسُوا ، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إخْوَانًا ) . فَفِيمَا رَوَيْنَا النَّهْيُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَنْ الْحَسَدِ نَهْيًا مُطْلَقًا ، وَقَدْ وَافَقَ ذَلِكَ كِتَابَ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ . فَقَالَ قَائِلٌ : فَمِنْ أَيْنَ انْطَلَقَ لَكُمْ مَعَ هَذَا أَنْ تَقْبَلُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا قَدْ رَوَيْتُمُوهُ عَنْهُ لَا حَسَدَ إلَّا فِي اثْنَتَيْنِ ؟ وَذَكَرَ : . 512 - مَا قَدْ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ ، وَبَكَّارٌ قَالَا : حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ إسْمَاعِيلَ ، عَنْ قَيْسٍ ، عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : ( لَا تَحَاسَد إلَّا فِي اثْنَتَيْنِ : رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ حِكْمَةً فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ ) . 513 - وَمَا قَدْ حَدَّثَنَا يُونُسُ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا حَسَدَ إلَّا عَلَى اثْنَتَيْنِ : رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ هَذَا الْكِتَابَ فَقَامَ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ ، وَرَجُلٌ أَعْطَاهُ اللَّهُ مَالًا فَتَصَدَّقَ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ ) . 514 - وَمَا قَدْ حَدَّثَنَا أَبُو أُمَيَّةَ ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ، وَمَا قَدْ حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ بْنُ فَارِسٍ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ مِثْلَهُ . 515 - وَمَا قَدْ حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ ، حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ : سَمِعْت النُّعْمَانَ بْنَ رَاشِدٍ يُحَدِّثُ عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ . 516 - وَمَا قَدْ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيِّ ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ يَعْنِي : ابْنَ أَبِي أُوَيْسٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ ، وَهُوَ ابْنُ بِلَالٍ ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ ، عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ : أَنَّ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ، وَنَافِعًا قَدْ حَدَّثَاهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ . 517 - وَمَا قَدْ حَدَّثَنَا أَبُو أُمَيَّةَ ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : ( لَا حَسَدَ إلَّا فِي اثْنَتَيْنِ : رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ فَهُوَ يَتْلُوهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَهُوَ يُنْفِقُهُ فِي حَقِّهِ ) . 518 - وَمَا حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : ( لَا حَسَدَ إلَّا فِي اثْنَتَيْنِ : رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ فَهُوَ يَتْلُوهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ ، فَيَقُولُ رَجُلٌ : لَوْ آتَانِي اللَّهُ مِثْلَ مَا آتَى فُلَانًا فَعَلْت فِيهِ مِثْلَ مَا فَعَلَ ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَهُوَ يُنْفِقُهُ فِي حَقِّهِ ، فَيَقُولُ رَجُلٌ : لَوْ آتَانِي اللَّهُ مِثْلَ مَا آتَى فُلَانًا فَعَلْت فِيهِ مِثْلَ مَا فَعَلَ ) . فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ : أَنَّ الْحَسَدَ يَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ : فَقِسْمٌ مِنْهُمَا حَسَدٌ لِمَنْ أُوتِيَ شَيْئًا عَلَى مَا أُوتِيَهُ مِنْهُ وَتَمَنٍّ مِنْ الْحَاسِدِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الشَّيْءُ لَهُ دُونَ الَّذِي آتَاهُ اللَّهُ إيَّاهُ ، فَذَلِكَ مَا هُوَ مَذْمُومٌ مِمَّنْ يَكُونُ مِنْهُ . وَقِسْمٌ مِنْهُمَا : حَسَدٌ لِمَنْ آتَاهُ اللَّهُ شَيْئًا وَتَمَنٍّ مِنْ الْحَاسِدِ أَنْ يُؤْتَى مِثْلَ ذَلِكَ الشَّيْءِ لَا أَنْ يُنْقَلَ ذَلِكَ الشَّيْءُ بِعَيْنِهِ مِنْ الْمَحْسُودِ حَتَّى يَخْلُوَ مِنْهُ ، وَيَكُونَ لِلَّذِي حَسَدَهُ دُونَهُ . وَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ فِي كِتَابِهِ فَقَالَ : وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ إلَى قَوْلِهِ : وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ أَيْ حَتَّى يُؤْتِيَكُمْ مِثْلَهُ ، وَيَبْقَى مَنْ حَسَدْتُمُوهُ مَعَهُ مَا آتَاهُ اللَّهُ إيَّاهُ غَيْرَ مُسْتَنْقِصٍ مِنْهُ شَيْئًا . فَكَانَ الْحَسَدُ الَّذِي فِيهِ تَمَنِّي نَقْلِ الشَّيْءِ الْمَحْسُودِ عَلَيْهِ عَمَّنْ آتَاهُ اللَّهُ إيَّاهُ إلَى حَاسِدِهِ عَلَيْهِ مَذْمُومًا ، وَالْحَسَدُ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ ذَلِكَ التَّمَنِّي ، وَإِنَّمَا فِيهِ حَسَدُ الْحَاسِدِ الْمَحْسُودَ عَلَى مَا آتَاهُ اللَّهُ حَتَّى يُؤْتِيَهُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ مِثْلَهُ لَيْسَ بِمَذْمُومٍ . وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ أَبِي كَبْشَةَ الْأَنْمَارِيِّ الَّذِي رَوَيْنَاهُ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنَّا فِي كِتَابِنَا هَذَا الَّذِي حَكَاهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَوْلِهِ : ( مَثَلُ الدُّنْيَا مَثَلُ أَرْبَعَةٍ : رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ عِلْمًا وَآتَاهُ مَالًا ، فَهُوَ يَعْمَلُ فِي مَالِهِ بِعِلْمِهِ ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ عِلْمًا وَلَمْ يُؤْتِهِ مَالًا فَهُوَ يَقُولُ : لَوْ كَانَ لِي مِنْ الْمَالِ مِثْلُ مَا لِفُلَانٍ لَفَعَلْت فِيهِ الَّذِي يَفْعَلُ أَيْ : فِي مَالِهِ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَهُمَا فِي الْأَجْرِ سَوَاءٌ ) . وَقَدْ ثَبَتَ أَيْضًا فِي حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي قَدْ رَوَيْنَاهُ فِي هَذَا الْبَابِ . فَقَدْ بَانَ بِحَمْدِ اللَّهِ وَنِعْمَتِهِ أَنْ لَا تَضَادَّ فِي شَيْءٍ لِمَا قَدْ رَوَيْنَاهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْحَسَدَيْنِ - مِمَّا قَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي هَذَا الْبَابِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُمَا فِيهِ فَذَمَّ عَلَى أَحَدِهِمَا ، وَلَمْ يَذُمَّ عَلَى الْآخَرِ - مُتَبَايِنَانِ فِي أَحَدِهِمَا مَا يَنْبَغِي لِلنَّاسِ أَنْ يَكُونُوا عَلَيْهِ ، وَفِي الْآخَرِ مَا يَنْبَغِي لِلنَّاسِ أَنْ لَا يَكُونُوا عَلَيْهِ ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ .
719 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في القسامة التي قضى بها على اليهود , وجعل الدية عليهم , هل تكون كذلك الأحكام فيمن بعدهم تكون الدية على ساكني الموضع الموجود فيه ذلك القتيل , وإن لم يكونوا يملكونه ؟ أو على مالكيه ؟ قال أبو جعفر : قد روينا في حديث سهل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للأنصار : إما أن يدوا صاحبكم , وإما أن يؤذنوا بحرب . وفي حديث أبي سلمة وسليمان أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل دية ذلك القتيل على اليهود , وخيبر فإنما كانت للمسلمين , وكانت اليهود عمالهم فيها . قال أبو يوسف : فهكذا أقول , إذا كانت دار لها سكان لا يملكونها , ولها مالكون بعدوا عنها , فالقسامة والدية على ساكنها , لا على مالكيها الذين لا يسكنونها . وقد خالفه في ذلك أبو حنيفة ومحمد بن الحسن , وكثير من أهل العلم سواهما , فجعلوا القسامة والدية في ذلك على المالكين , لا على السكان الذين لا يملكون ذلك الموضع . وتأملنا ما قاله أبو يوسف في ذلك , فوجدناه قد أوهم فيه , لأن في حديث بشر بن المفضل أنها كانت - يعني خيبر - يومئذ صلحا , وقد شد ذلك حديث مالك عن أبي ليلى ، عن سهل الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم : إما أن يدوا صاحبكم , وإما أن يؤذنوا بحرب , وذلك لا يكون إلا على موضع هو لهم , وقد وافق بشر بن المفضل على ما روي في خيبر أنها كانت صلحا يومئذ عن يحيى بن سعيد سليمان بن بلال . 5394 - كما قد حدثنا محمد بن خزيمة قال : حدثنا القعنبي قال : حدثنا سليمان بن بلال ، عن يحيى بن سعيد ، [ عن بشير بن يسار ] أن عبد الله بن سهل ومحيصة خرجا إلى خيبر في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي يومئذ صلح وأهلها يهود , فتفرقا لحاجتهما , فقتل عبد الله بن سهل , فوجد في شربة مقتولا , فدفنه صاحبه , ثم أقبل إلى المدينة , فمشى أخو المقتول عبد الرحمن بن سهل وحويصة ومحيصة , فذكروا لرسول الله صلى الله عليه وسلم شأن عبد الله بن سهل وكيف قتل , فزعم بشير بن يسار وهو يحدث عمن أدرك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لهم : تحلفون خمسين يمينا وتستحقون قتيلكم أو صاحبكم ؟ قالوا : يا رسول الله ، ما شهدنا ولا حضرنا , قال : أفتبرئكم اليهود بخمسين يمينا ؟ قالوا : يا رسول الله ، وكيف نقبل أيمان قوم كفار ؟ فزعم بشير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عقله . قال أبو جعفر : فعقلنا بحديث بشر وسليمان إيهام أبي يوسف في هذا الحديث في الأمر الذي كانت عليه خيبر لما وجد فيها ذلك القتيل , وأنها لم تكن للمسلمين , وإنما كانت لليهود , والله أعلم .
67 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الرُّوَيْبِضَةِ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي وَصْفِهِ السِّنِينَ الَّتِي أَمَامَ الدَّجَّالِ مَنْ هُوَ مِنْ النَّاسِ ؟ . 519 - حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُد ، حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْر ، عَنْ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي عَبْلَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إنَّ أَمَامَ الدَّجَّالِ سِنِينَ خَوَادِعَ ، يَكْثُرُ فِيهَا الْمَطَرُ ، وَيَقِلُّ فِيهَا النَّبْتُ ، وَيُصَدَّقُ فِيهَا الْكَاذِبُ ، وَيُكَذَّبُ فِيهَا الصَّادِقُ ، وَيُؤْتَمَنُ فِيهَا الْخَائِنُ ، وَيُخَوَّنُ فِيهَا الْأَمِينُ ، وَيَنْطِقُ فِيهَا الرُّوَيْبِضَةُ ، قِيلَ : وَمَا الرُّوَيْبِضَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : مَنْ لَا يُؤْبَهُ لَهُ ) . 520 - وَبِهِ عَنْ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ أَنَسٍ مِثْلُهُ ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ : ( قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَمَا الرُّوَيْبِضَةُ ؟ قَالَ : الْفُوَيْسِقُ يَتَكَلَّمُ فِي أَمْرِ الْعَامَّةِ ) . 521 - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي دَاوُد ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ النَّاقِدُ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إدْرِيسَ ، عَنْ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إنَّ بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ سِنِينَ خَدَّاعَةً ، يُصَدَّقُ فِيهَا الْكَاذِبُ ، وَيُكَذَّبُ فِيهَا الصَّادِقُ ، وَيُؤْتَمَنُ فِيهَا الْخَائِنُ ، وَيُخَوَّنُ فِيهَا الْأَمِينُ ، وَيَتَكَلَّمُ فِيهَا الرُّوَيْبِضَةُ . قِيلَ : وَمَا الرُّوَيْبِضَةُ ؟ قَالَ : الْفُوَيْسِقُ يَتَكَلَّمُ فِي أَمْرِ الْعَامَّةِ ) . فَلَمْ يَكُنْ فِيمَا رَوَيْنَاهُ مِنْ هَذِهِ الْآثَارِ مِنْ ذِكْرِ الرُّوَيْبِضَةِ مَا يُوجِبُ اخْتِلَافًا فِيهِ مَنْ هُوَ مِنْ النَّاسِ عَلَى لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَصْفُهُ إيَّاهُ بِالْفِسْقِ الَّذِي يَمْنَعُ مِثْلُهُ مِنْ الْكَلَامِ فِي أَمْرِ الْعَامَّةِ يَنْطَلِقُ لَهُ فِي الدَّهْرِ الْمَذْمُومِ الْكَلَامُ فِي أَمْرِ الْعَامَّةِ ، كَمَا يَكُونُ فِيهِ تَصْدِيقُ الْكَاذِبِ ، وَتَكْذِيبُ الصَّادِقِ ، وَائْتِمَانُ الْخَائِنِ ، وَيَكُونُ وَصْفُهُ إيَّاهُ بِأَنَّهُ لَا يُؤْبَهُ لَهُ لِعَلَنِهِ بِفِسْقِهِ ، وَلِأَنَّهُ مِمَّنْ لَا حَاجَةَ بِالنَّاسِ إلَيْهِ ، فَيَكُونُ بِذَلِكَ خَامِلًا لَا يُؤْبَهُ لَهُ ، فَاتَّفَقَ بِحَمْدِ اللَّهِ الْمَعْنَيَانِ اللَّذَانِ رَوَيْنَا فِي تَفْسِيرِ الرُّوَيْبِضَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَلَمْ يَخْتَلِفَا . وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ
787 - باب بيان مشكل ما روي عن ابن عباس من قوله في ما حرم من كل شراب ، هل هو السكر أو المسكر ؟ . 5886 - حدثنا فهد بن سليمان ، قال : حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين ، قال : حدثنا مسعر بن كدام ، عن أبي عون الثقفي ، عن عبد الله بن شداد بن الهاد ، عن ابن عباس ، قال : حرمت الخمر بعينها ، والسكر من كل شراب . 5887 - حدثنا فهد ، قال : حدثنا علي بن معبد ، قال : حدثنا جرير بن عبد الحميد ، عن مسعر ، عن أبي عون ، عن عبد الله بن شداد ، قال : قال ابن عباس : حرمت الخمر بعينها القليل منها ، والكثير ، والسكر من كل شراب . 5888 - حدثنا أحمد بن عبد الله بن محمد الكندي ، قال : حدثنا علي بن معبد ، قال : حدثنا وكيع ، قال : حدثنا مسعر ، ثم ذكر بإسناده مثله . 5889 - وحدثنا جعفر بن أحمد بن الوليد الأسلمي ، قال : حدثنا بشر بن الوليد الكندي ، قال : أخبرنا أبو يوسف ، عن أبي حنيفة ، عن أبي عون ، عن عبد الله بن شداد ، عن ابن عباس مثله . 5890 - وحدثنا أحمد بن عبد الله ، قال : حدثنا علي بن معبد ، قال : حدثنا محمد بن الحسن ، قال : أخبرنا أبو حنيفة ، ثم ذكر بإسناده مثله . 5891 - وحدثنا ابن أبي مريم ، قال : حدثنا الفريابي ، قال : حدثنا سفيان ، عن أبي عون ، عن عبد الله بن شداد ، عن ابن عباس ، ثم ذكر مثله . 5892 - حدثنا أحمد بن شعيب ، قال : أخبرنا أبو بكر بن علي ، قال : حدثنا سريج بن يونس ، قال : حدثنا هشيم ، عن ابن شبرمة ، قال : حدثني الثقة ، عن عبد الله بن شداد ، عن ابن عباس ، ثم ذكر مثله . قال أبو جعفر : ولا اختلاف بين أهل الرواية أن الثقة الذي أراده ابن شبرمة هذا في الحديث هو أبو عون الثقفي ، فقد عاد هذا الحديث من رواية أبي عون التي رواها عنه مسعر بن كدام وأبو حنيفة وابن شبرمة والثوري إلى ذكر المسكر من كل شراب ، وقد رواه شعبة ، عن مسعر بهذا الإسناد ، فقال فيه : والمسكر من كل شراب . 5893 - كما قد حدثنا أحمد بن شعيب ، قال : أخبرنا أحمد بن عبد الله بن الحكم ، قال : حدثنا محمد يعني : ابن جعفر . وحدثنا الحسين بن منصور ، قال : حدثنا أحمد بن حنبل ، قال : حدثنا محمد بن جعفر ، قال : حدثنا شعبة ، عن مسعر ، عن أبي عون ، عن عبد الله بن شداد عن ابن عباس ، قال : حرمت الخمر بعينها ، قليلها وكثيرها ، والمسكر من كل شراب ، قال أحمد بن شعيب : ولم يذكر أحمد بن عبد الله بن الحكم : قليلها وكثيرها . قال : وكان ما روى وكيع وأبو نعيم وجرير ، عن مسعر من هذا الحديث أولى مما رواه شعبة ، عن مسعر مما يخالفه ؛ لأن ثلاثة أحفظ من واحد ، ولأن من سوى مسعر قد رواه ، عن أبي عون كما رواه هؤلاء الثلاثة ، عن مسعر ، عن أبي عون ، ولأن شعبة مع جلالته إنما كان يحدث من حفظه ، ولم يكن فقيها ، وكان يحدث بالشيء على ما يظن أنه معناه ، وليس في الحقيقة معناه ، فيحول معناه عن ما عليه حقيقة الحديث إلى ضده . من ذلك ما حدث به عن بديل بن ميسرة من حديث المقدام بن معدي كرب في توريث الخال ، فقال فيه : والخال وارث من لا وارث له ، يرث ماله ويعقل عنه ، وإنما هو يرث ماله ويفك عانه . وكذلك رواه حماد بن زيد ، عن بديل بن ميسرة ، وكذلك رواه معاوية بن صالح ، عن راشد بن سعد الذي حدث به عنه بديل بن ميسرة ، وقد ذكرنا ذلك فيما تقدم منا في كتابنا هذا . ومن ذلك ما حدث به عن إسماعيل ابن علية . 5894 - كما حدثنا ابن أبي عمران وابن أبي داود جميعا قالا : حدثنا علي بن الجعد ، قال : حدثني شعبة ، قال : حدثني إسماعيل بن إبراهيم ، عن عبد العزيز بن صهيب ، عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن التزعفر . قال ابن أبي عمران في حديثه ، قال : علي ، ثم لقيت إسماعيل ، فسألته عنه ، وحدثته : أن شعبة ، حدثنا به عنه ، فقال : ليس هكذا حدثته ، وإنما حدثته أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يتزعفر الرجل . قال ابن أبي عمران وهما مختلفان ، أما قوله : أن يتزعفر الرجل فإنما دخل في نهيه الرجال دون النساء . وأما قوله : نهى عن التزعفر فأدخل فيه الرجال والنساء . قال أبو جعفر : وقد رواه سائر أصحاب عبد العزيز ، عن عبد العزيز بالنهي أن يتزعفر الرجل . ثم تأملنا حديث ابن عباس هذا فلم يخل من أحد وجهين : أن يكون على ما رواه عليه شعبة ، عن مسعر ، فيكون محتملا لما قد ذكرنا في مثله في الباب الأول ، أو يكون على ما روى آخرون عليه ، فيكون أيضا على ما قد ذكرناه في الباب الأول ، والله - عز وجل - نسأله التوفيق .
68 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْه عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي تَأْوِيلِ قَوْل اللَّه تَعَالَى : ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ . 522 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ دَاوُد ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي سَمِينَةَ ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ الزُّبَيْرِ قَالَ : ( لَمَّا نَزَلَتْ : ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ قُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَأَيُّ نَعِيمٍ ، وَإِنَّمَا هُمَا الْأَسْوَدَانِ ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنَّهُ سَيَكُونُ ) . فَتَأَمَّلْنَا هَذَا الْحَدِيثَ ، فَوَجَدْنَا فِيهِ قَوْلَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ عَلَيْهِ : أَيُّ نَعِيمٍ ؟ أَيْ : مَا هُمْ فِيهِ ، وَإِنَّمَا هُمَا الْأَسْوَدَانِ . وَجَوَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إيَّاهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ : إنَّهُ سَيَكُونُ أَيْ سَيَكُونُ لَكُمْ عَيْشٌ سِوَى الْأَسْوَدَيْنِ ، فَتُسْأَلُونَ عَنْهُ . فَعَقَلْنَا بِذَلِكَ أَنَّ الَّذِي يُسْأَلُونَ عَنْهُ ، هُوَ الْفَضْلُ عَنْ الْأَسْوَدَيْنِ مِمَّا يَتَجَاوَزُ مَا تَقُومُ أَنْفُسَهُمْ بِهِ ، وَأَنَّهُمْ غَيْرُ مَسْئُولِينَ عَمَّا لَا تَقُومُ أَنْفُسَهُمْ إلَّا بِهِ . وَوَجَدْنَا مَا قَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ مَرْوِيًّا عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي غَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ : . 523 - كَمَا حَدَّثَنَا ابْنُ مَرْزُوقٍ ، وَابْنُ أَبِي دَاوُد قَالَا : حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ ، حَدَّثَنَا حَشْرَجُ بْنُ نَبَاتَةَ ، حَدَّثَنَا أَبُو نَصِيرَةَ ، عَنْ أَبِي عَسِيبٍ قَالَ : ( خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلًا فَمَرَّ بِأَبِي بَكْرٍ فَدَعَاهُ فَخَرَجَ إلَيْهِ ، ثُمَّ مَرَّ بِعُمَرَ فَدَعَاهُ فَخَرَجَ إلَيْهِ ، ثُمَّ انْطَلَقَ يَمْشِي وَنَحْنُ مَعَهُ حَتَّى دَخَلَ بَعْضَ حَوَائِطِ الْأَنْصَارِ فَقَالَ : أَطْعِمْنَا بُسْرًا ، فَأَتَاهُمْ بِعِذْقٍ فَأَكَلُوا مِنْهُ ، وَأَتَاهُمْ بِمَاءٍ فَشَرِبُوا . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : هَذَا مِنْ النَّعِيمِ الَّذِي تُسْأَلُونَ عَنْهُ . فَقَالَ عُمَرُ : إنَّا لَمَسْئُولُونَ عَنْ هَذَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، إلَّا مِنْ ثَلَاثٍ : كِسْرَةٍ يَسُدُّ بِهَا الرَّجُلُ جُوعَهُ ، وَخِرْقَةٍ يُوَارِي بِهَا عَوْرَتَهُ ، وَحَجَرٍ يَدْخُلُ فِيهِ مِنْ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ ) . 524 - وَكَمَا قَدْ حَدَّثَنَا أَبُو أُمَيَّةَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَابِقٍ ، حَدَّثَنَا حَشْرَجُ بْنُ نَبَاتَةَ ، ثُمَّ ذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ . وَزَادَ : ( فَأَخَذَ عُمَرُ الْعِذْقَ فَضَرَبَ بِهِ الْأَرْضَ حَتَّى تَنَاثَرَ الْبُسْرُ ، ثُمَّ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّا لَمَسْئُولُونَ عَنْ هَذَا ؟ ) . فَكَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ تِبْيَانُ مَا ذَكَرْنَا ؛ لِأَنَّ فِيهِ أَنَّهُمْ مَسْئُولُونَ عَنْ الْبُسْرِ الَّذِي أَكَلُوهُ ، وَعَنْ الْمَاءِ الَّذِي شَرِبُوهُ ؛ لِأَنَّهُمَا فَضْلٌ عَنْ الْكِسْرَةِ الَّتِي يَسُدُّونَ بِهَا جُوعَهُمْ ، وَعَنْ الْخِرْقَةِ الَّتِي يُوَارُونَ بِهَا عَوْرَاتِهِمْ ، وَعَنْ الْحَجَرِ الَّذِي يَقِيهِمْ الْحَرّ وَالْبَرْد . 525 - كَمَا حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ دَاوُد ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ التَّيْمِيُّ ، أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ : ( أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَطْعَمْنَاهُ رُطَبًا ، وَسَقَيْنَاهُ مَاءً ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَذَا مِنْ النَّعِيمِ الَّذِي تُسْأَلُونَ عَنْهُ ) . 526 - كَمَا حَدَّثَنَا فَهْدٌ ، حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ ، عَنْ عَمَّارٍ : سَمِعْت جَابِرًا يَقُولُ : جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى بَيْتِنَا فَذَكَرَ مِثْلَهُ ، غَيْرَ أَنَّ أَبَا الْوَلِيدِ شَكَّ ، فَقَالَ : أَطْعَمْنَاهُ رُطَبًا أَوْ بُسْرًا . 527 - وَكَمَا قَدْ حَدَّثَنَا أَبُو أُمَيَّةَ ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ ، وَحَدَّثَنَا أَبُو أُمَيَّةَ ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ الْأَشْيَبُ ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ ، جَمِيعًا عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : ( خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَاعَةٍ لَا يَخْرُجُ فِيهَا وَلَا يَلْقَاهُ فِيهَا أَحَدٌ فَأَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ : مَا أَخْرَجَك يَا أَبَا بَكْرٍ ؟ قَالَ : خَرَجْت لِلِقَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَالنَّظَرِ فِي وَجْهِهِ ، وَالتَّسْلِيمِ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ جَاءَ عُمَرُ فَقَالَ : مَا أَخْرَجَك يَا عُمَرُ ؟ قَالَ : الْجُوعُ . قَالَ : وَأَنَا وَجَدْت بَعْضَ الَّذِي تَجِدُ ، انْطَلِقْ بِنَا إلَى أَبِي الْهَيْثَمِ بْنِ التَّيْهَانِ ) . وَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ ، وَقَالَ فِيهِ : ( فَإِنَّ الْمُسْتَشَارَ مُؤْتَمَنٌ ) هَكَذَا حَدَّثَنَاهُ أَبُو أُمَيَّةَ ، وهو لسياقته . 528 - وَكَمَا قَدْ حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَزِيدَ ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِيهِ : ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ ذَاتَ يَوْمٍ ، فَجَلَسَ ، ثُمَّ إنَّ أَبَا بَكْرٍ جَاءَ فَجَلَسَ إلَى النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : مَا أَخْرَجَك هَذِهِ السَّاعَةَ ؟ قَالَ : الْجُوعُ . قَالَ : يَا أَبَا بَكْرٍ ، وَأَنَا مَا أَخْرَجَنِي إلَّا الْجُوعُ ، ثُمَّ جَاءَ عُمَرُ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : انْطَلِقُوا بِنَا إلَى مَنْزِلِ أَبِي الْهَيْثَمِ ، فَلَمْ يُوَافِقُوهُ ، وَأَذِنَتْ لَهُمْ امْرَأَتُهُ فَلَمْ يَلْبَثُوا إلَّا قَلِيلًا حَتَّى جَاءَ أَبُو الْهَيْثَمِ ، فَصَرَمَ لَهُمْ مِنْ نَخْلَةٍ عِذْقًا ، فَوَضَعَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ، فَجَعلوا يَأْكُلُونَ مِنْ الرُّطَبِ وَالْبُسْرِ ، ثُمَّ شَرِبُوا مِنْ الْمَاءِ ، وَأَمَرَ أَنْ تُذْبَحَ لَهُمْ شَاةٌ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَذْبَحْ ذَاتَ دَرٍّ ، فَذَبَحَ لَهُمْ ثُمَّ أُتُوا بِاللَّحْمِ فَأَكَلُوا مِنْ الرُّطَبِ وَاللَّحْمِ حَتَّى شَبِعُوا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَتُسْأَلُنَّ عَنْ هَذَا ، وَإِنَّ هَذَا مِنْ النَّعِيمِ الَّذِي تُسْأَلُونَ عَنْهُ ، فَلَمَّا انْصَرَفَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ لِأَبِي الْهَيْثَمِ : إذَا أَتَانَا رَقِيقٌ ، فَأْتِنَا حَتَّى نَأْمُرَ لَك بِخَادِمٍ ، فَلَبِثَ مَا شَاءَ اللَّهُ ، ثُمَّ أُتِيَ بِسَبْيٍ فَأَتَاهُ أَبُو الْهَيْثَمِ ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ : اخْتَرْ مِنْهُمْ أَيَّهُمْ شِئْت ، قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، خِرْ لِي ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْمُسْتَشَارُ مُؤْتَمَنٌ . مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ، قَالَ : خُذْ هَذَا وَاسْتَوْصِ بِهِ خَيْرًا ، فَإِنِّي رَأَيْته يُصَلِّي ، وَإِنِّي نُهِيت عَنْ الْمُصَلِّينَ . فَانْطَلَقَ بِهِ أَبُو الْهَيْثَمِ ، فَلَمَّا أَتَى أَهْلَهُ قَالَ : إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَوْصَانِي بِك خَيْرًا ، فَأَنْتَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى ) . 529 - وَكَمَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ سُلَيْمَانَ ، حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ خَلِيفَةَ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ كَيْسَانَ ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ خَرَجَ يَوْمًا ، فَإِذَا هُوَ بِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فَقَالَ : مَا أَخْرَجَكُمَا هَذِهِ السَّاعَةَ ؟ قَالَا : الْجُوعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : وَأَنَا وَاَلَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ أَخْرَجَنِي الَّذِي أَخْرَجَكُمَا ، فَقُومَا ، فَقَامَا مَعَهُ فَأَتَى رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ ، فَلَمْ يَكُنْ الرَّجُلُ ثَمَّتَ ، وَإِذَا امْرَأَتُهُ فَلَمَّا نَظَرَتْ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ قَالَتْ : مَرْحَبًا وَأَهْلًا . قَالَ نبِيُّ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيْنَ فُلَانٌ ؟ قَالَتْ : انْطَلَقَ يَسْتَعْذِبُ لَنَا الْمَاءَ ، قَالَ : فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ إذْ جَاءَ الْأَنْصَارِيُّ ، وَعَلَيْهِ قِرْبَةٌ مِنْ مَاءٍ ، فَلَمَّا نَظَرَ إلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَإِلَى صَاحِبَيْهِ كَبَّرَ ، ثُمَّ قَالَ : اللَّهُ أَكْبَرُ مَا أَحَدٌ مِنْ النَّاسِ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى أَكْرَمَ أَضْيَافًا مِنِّي الْيَوْمَ ، فَعَلَّقَ الْقِرْبَةَ بِكُرْنَافَةٍ ، فَانْطَلَقَ فَجَاءَ بِعِذْقٍ فِيهِ تَمْرٌ وَرُطَبٌ وَبُسْرٌ فَوَضَعَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ؛ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَوْلَا اجْتَنَيْته قَالَ : تَخَيَّرُوا عَلَى أَعْيُنِكُمْ ، يَا رَسُولَ اللَّهِ ، ثُمَّ أَخَذَ الْمُدْيَةَ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إيَّاكَ وَالْحَلُوبَ ، فَذَبَحَ لَهُمْ شَاةً فَأَكَلُوا فَلَمَّا شَبِعُوا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتُسْأَلُنَّ عَنْ هَذِهِ النِّعْمَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ الْجُوعُ ، ثُمَّ لَمْ تَرْجِعُوا حَتَّى أَصَبْتُمْ هَذَا النَّعِيمَ ) . فَقَدْ اتَّفَقَ بِحَمْدِ اللَّهِ وَنِعْمَتِهِ هَذِهِ الْآثَارُ الَّتِي رَوَيْنَاهَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَائْتَلَفَتْ مَعَانِيهَا ، وَانْتَفَى عَنْهَا الِاخْتِلَافُ وَالتَّضَادُّ . وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
718 - باب بيان مشكل كيفية القسامة كيف كانت مما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه . 5390 - حدثنا يونس ، أخبرنا ابن وهب أن مالكا أخبره ، عن يحيى بن سعيد ، عن بشير بن يسار أنه أخبره أن عبد الله بن سهل الأنصاري ومحيصة بن مسعود خرجا إلى خيبر , فتفرقا في حوائجهما , فقتل عبد الله بن سهل , فبلغ محيصة , فأتى هو وأخوه حويصة وعبد الرحمن بن سهل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم , فذهب عبد الرحمن ليتكلم لمكانه من أخيه , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كبر كبر , فتكلم حويصة ومحيصة , فذكرا شأن عبد الله بن سهل , فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : تحلفون خمسين يمينا , وتستحقون قاتلكم أو صاحبكم , قالوا : يا رسول الله ، لم نشهد ولم نحضر . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أفتبرئكم يهود بخمسين يمينا ؟ قالوا : يا رسول الله ، كيف نقبل أيمان قوم كفار ؟ قال مالك : قال يحيى بن سعيد : فزعم بشير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وداه من عنده . هكذا روى مالك هذا الحديث عن بشير ولم يتجاوزه إلى غيره , وقد رواه غيره فتجاوز به إلى سهل بن أبي حثمة . 5391 - كما حدثنا يونس ، حدثنا سفيان ، عن يحيى بن سعيد , سمع بشير بن يسار ، عن سهل بن أبي حثمة قال : وجد عبد الله بن سهل قتيلا في قليب من قلب خيبر , فجاء أخوه عبد الرحمن بن سهل وعماه محيصة وحويصة , إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم , فذهب عبد الرحمن ليتكلم , فقال النبي عليه السلام : الكبر الكبر , فتكلم أحد عميه , إما حويصة وإما محيصة , فكلم الكبير منهما , قال : يا رسول الله ، إنا وجدنا عبد الله بن سهل قتيلا في قليب من قلب خيبر , وذكر عداوة يهود لهم , قال : أفتبرئكم يهود بخمسين يمينا : إنهم لم يقتلوه ؟ قالوا : كيف نرضى بأيمانهم وهم مشركون ؟ قال : فيقسم منكم خمسون : إنهم قتلوه قالوا : كيف نقسم على ما لم نر ؟ فوداه رسول الله صلى الله عليه وسلم من عنده . ففي هذا الحديث تبرئة رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهود في الأيمان , وهذا خلاف ما في حديث مالك , غير أن أكثر الناس رووه على موافقة مالك فيه . فممن رواه كذلك بشر بن المفضل . 5392 - كما حدثنا أحمد بن داود قال : حدثنا مسدد قال : حدثنا بشر بن المفضل ، عن يحيى بن سعيد ، عن بشير بن يسار , عن سهل بن أبي حثمة قال : انطلق عبد الله بن سهل ومحيصة بن مسعود بن زيد إلى خيبر , وهي يومئذ صلح , فتفرقا في حوائجهما , فأتى محيصة على عبد الله بن سهل وهو يتشحط في دمه , فدفنه , ثم قدم المدينة , فانطلق عبد الرحمن بن سهل وحويصة ومحيصة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم , ثم ذكر بقية حديث مالك . فقال قائلون : هكذا القسامة على ما [ في ] حديث مالك وبشر بن المفضل , يبدأ فيها أولياء الدم . وخالفهم في ذلك آخرون , فقالوا : بل يبدأ فيها بالموجود ذلك القتيل بين ظهرانيهم على ما في حديث ابن عيينة , وفي حديث أبي سلمة وسليمان عن رجال من الأنصار الذي ذكرنا في الباب الذي قبل هذا الباب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ليهود بدأ بهم : يحلف منكم خمسون , فهذا مخالف لحديث بشير , وهو أولى منه لجلالة قدر رواة هذا الحديث على رواة حديث يحيى بن سعيد , مع أنا قد وجدنا حديث بشير قد روي عنه بخلاف ما رواه عنه يحيى بن سعيد 5393 - كما قد حدثنا فهد ، حدثنا أبو نعيم ، حدثنا سعيد بن عبيد الطائي ، عن بشير بن يسار أن رجلا من الأنصار يقال له : سهل بن أبي حثمة , أخبره أن نفرا من قومه انطلقوا إلى خيبر , فتفرقوا فيها , فوجدوا أحدهم قتيلا , فقالوا للذين وجدوه عندهم : قتلتم صاحبنا ؟ قالوا : والله ما قتلنا ولا علمنا له قاتلا , فانطلقوا إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم , فقالوا : يا نبي الله , انطلقنا إلى خيبر , فوجدنا أحدنا قتيلا , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الأكبر الأكبر , فقال لهم : تأتون بالبينة على من قتل , قالوا : ما لنا بينة . قال : فيحلفون لكم , قالوا : لا نرضى بأيمان اليهود , فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطل دمه , فوداه بمئة من إبل الصدقة . قال أبو جعفر : ففي هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما جعل الأيمان في هذا المعنى على اليهود الموجود ذلك القتيل فيهم , لا على أولياء ذلك القتيل , وقد شد ذلك حديث أبي سلمة وسليمان على ما رويناه من قضاء عمر على الحارث بن الأزمع وقومه , وهذا عندنا مما لا يسع خلافه .
69 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْه عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي جَوَابِ مَنْ سَأَلَهُ عَنْ السَّاعَةِ . 530 - حَدَّثَنَا يُونُسُ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَنَسٍ : ( أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَنْ السَّاعَةِ فَقَالَ : مَا أَعْدَدْت لَهَا ، قَالَ : حُبَّ اللَّهِ وَرَسُولِهِ قَالَ : أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْت ) . 531 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ يُونُسَ الثَّعْلَبِيُّ السُّوسِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، ( عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ الْأَعْرَابُ يَجِيئُونَ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَتَى السَّاعَةُ ؟ مَتَى السَّاعَةُ ؟ فَنَظَرَ إلَى أَحَدِهِمْ فَقَالَ : إنْ بَقِيَ هَذَا لَمْ يَقْتُلْهُ الْهَرَمُ حَتَّى تَقُومَ عَلَيْهِ سَاعَتُهُ ) . وَفِي هَذَا الْبَابِ آثَارٌ كَثِيرَةٌ اكْتَفَيْنَا مِنْهَا بِهَذَيْنِ . لِأَنَّ الْآثَارَ الَّتِي رُوِيَتْ فِيهِ سِوَاهُمَا مَخْلُوطَةٌ بِغَيْرِ هَذَا الْمَعْنَى ، فَأَخَّرْنَاهَا لِنَجْعَلَ كُلَّ حَدِيثٍ مِنْهَا فِي مَوْضِعٍ هُوَ أَوْلَى بِهِ مِنْ هَذَا الْمَوْضِعِ إنْ شَاءَ اللَّهُ . وَكَانَ الَّذِي كَانَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْجَوَابِ عِنْدَمَا سُئِلَ عَنْهُ فِي هَذَيْنِ الْجَوَاب الَّذِي أَمَرَهُ اللَّهُ إذَا سُئِلَ عَمَّا سُئِلَ عَنْهُ مِمَّا ذَكَرْنَا فِيهِمَا قَوْله تَعَالَى : يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا إلَى قَوْلِهِ : قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلا هُوَ إلَى قَوْلِهِ : إِلا بَغْتَةً وَبِقَوْلِهِ : يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا أَيْ إنَّهُمْ لَمَّا سَأَلُوهُ عَنْ ذَلِكَ سَأَلُوهُ عَمَّا قَدْ أَخْفَى اللَّهُ عَنْهُ حَقِيقَتَهُ . فَكَانَ جَوَابُهُ لَهُمْ عَنْ ذَلِكَ الْجَوَابِ الَّذِي ذُكِرَ عَنْهُ فِي هَذَيْنِ الْأَثَرَيْنِ مُنْتَهِيًا فِيهِ إلَى مَا أَمَرَهُ اللَّه تَعَالَى بِالِانْتِهَاءِ إلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْمَعْنَى .
788 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله : إن بني هشام بن المغيرة استأذنوني في أن ينكحوا ابنتهم علي بن أبي طالب وما كان منه في ذلك . 5895 - حدثنا الربيع بن سليمان المرادي ، قال : حدثنا عبد الله بن وهب وحدثنا الربيع أيضا ، قال : حدثنا شعيب بن الليث وحدثنا ابن أبي داود ، قال : حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس ، ثم اجتمعوا جميعا فقالوا : حدثنا الليث بن سعد ، عن عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة ، عن المسور بن مخرمة ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول : إن بني هشام بن المغيرة استأذنوا في أن ينكحوا ابنتهم علي بن أبي طالب ، ولا آذن ، ثم لا آذن ، ثم لا آذن ، إلا أن يريد ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي ، وينكح ابنتهم ، فإنما هي بضعة مني ، يريبني ما أرابها ، ويؤذيني ما آذاها . قال أبو جعفر : فاحتمل أن يكون ذلك كان لخطبة من علي كان أتاها إليهم ، واحتمل أن يكون ذلك ليخطبوا عليا إلى نفسه لها ، وإن لم يكن علي قبل ذلك خطبها إليهم . فنظرنا في ذلك : هل روي في ذلك غير هذا الحديث مما يكشف عن حقيقة المعنى كان في ذلك . 5896 - فوجدنا ابن أبي داود قد حدثنا ، قال : حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي ، قال : حدثنا وهب بن جرير ، قال : حدثنا أبي ، قال : سمعت النعمان بن راشد يحدث ، عن الزهري ، عن علي بن حسين ، عن المسور بن مخرمة أن عليا خطب بنت أبي جهل فأتت فاطمة النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : إن قومك يتحدثون أنك لا تغضب لبناتك ، وإن عليا قد خطب ابنة أبي جهل ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إنما فاطمة بضعة مني ، وإني أكره أن يسوءها ، وذكر أبا العاص بن الربيع فأحسن عليه الثناء ، وقال : لا يجمع بين ابنة نبي الله وبين ابنة عدو الله . 5897 - ووجدنا أحمد بن شعيب قد حدثنا ، قال : حدثنا محمد بن خالد بن خلي ، قال : حدثنا بشر بن شعيب ، عن أبيه ، عن الزهري ، قال : أخبرني علي بن حسين أن المسور بن مخرمة أخبره أن علي بن أبي طالب عليه السلام خطب ابنة أبي جهل وعنده فاطمة ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما سمعت فاطمة أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت له : إن قومك يتحدثون أنك لا تغضب لبناتك ، وهذا علي ناكح ابنة أبي جهل ، قال المسور : فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمعته حين تشهد يقول : أما بعد ، فإني أنكحت أبا العاص فحدثني فصدقني ، وإن فاطمة ابنة محمد بضعة مني ، وإنما أكره أن يفتنوها ، وايم الله - عز وجل - لا تجتمع ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وابنة عدو الله أبدا ، فترك علي الخطبة . 5898 - ووجدنا أحمد قد حدثنا ، قال : حدثنا عبيد الله بن سعد بن إبراهيم الزهري ، قال : حدثنا عمي ، قال : حدثني أبي ، عن الوليد بن كثير ، عن محمد بن عمرو بن حلحلة الدؤلي حدثه أن ابن شهاب ، حدثه أن علي بن حسين حدثه ، أنهم حين قدموا من عند يزيد بن معاوية مقتل حسين بن علي عليه السلام لقيه المسور بن مخرمة ، فقال : هل لك من حاجة تأمرني بها ، قلت له : لا ، قال : هل أنت معطي سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإني أخاف أن يغلبك القوم عليه ، وايم الله لئن أعطيتنيه لا يخلص إليه أبدا حتى تبلغ نفسي ، إن علي بن أبي طالب خطب ابنة أبي جهل على فاطمة ، فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب الناس في ذلك وأنا يومئذ كالمحتلم ، فقال : إن فاطمة مني ، وإني أتخوف أن تفتتن في دينها ، ثم ذكر صهرا من بني عبد شمس ، فأثنى عليه في مصاهرته إياه فأحسن ، قال : حدثني فصدقني ووعدني فوفى لي ، وإني لست أحرم حلالا وأحل حراما ، ولكن والله لا تجتمع ابنة رسول الله وابنة عدو الله في مكان واحد أبدا . 5899 - ووجدنا عبد الرحمن بن معاوية قد حدثنا ، قال : حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن العلاء ابن زبريق الزبيدي ، قال : حدثنا عمرو بن الحارث الحميري ، قال : حدثني عبد الله بن سالم ، عن الزبيدي ، قال : حدثني محمد بن مسلم أن علي بن حسين أخبره أنهم لما رجعوا من الطف ، وكان أتى به يزيد بن معاوية أسيرا في رهط هو رابعهم ، قال علي : فلما قدمنا المدينة جاءني المسور بن مخرمة الزهري ، ثم ذكر مثله في إسناده غير أنه لم يقل فيه : وإني لست أحرم حلالا ولا أحل حراما ، فكان في هذه الآثار أن عليا عليه السلام قد كان خطب تلك المرأة ، فاحتمل أن يكون ذلك كان منه ، وهو لا يرى أن ذلك يقع من رسول الله صلى الله عليه وسلم الموقع الذي وقع منه ، فلما علم بذلك تركه وأضرب عنه واختار ما يحسن موقعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم فلزمه فكان على ذلك محمودا . فقال قائل : فقد ذكر في هذه الآثار ثناء رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي العاص في تركه ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي كانت عنده مثل الذي كان من علي في ابنة رسول الله التي كانت عنده ، أفيكون ذلك على موضع له من قلبه صلى الله عليه وسلم بما كان منه في ابنته يتقدم به ما لعلي في قلبه صلى الله عليه وسلم في ابنته التي كانت عنده مما يخالف ذلك . فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله - عز وجل - : أنه قد يحتمل أن يكون الذي كان من أبي العاص بتركه ما كان ترك من ذلك في ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي كانت عنده أن نفسه لم تدعه إلى ذلك من غيرها ، وكان الذي كان من علي عليه السلام مما ذكر عنه في هذه الآثار ، لما دعته نفسه إليه من التي خطبها ، إذ لم تحرم الشريعة التي هو من أهلها ذلك منها ، وإن كان الأحسن به ترك التعرض لذلك لما يدخل به قلب ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي عنده ، مما هو موجود في مثلها ، فلما كان من رسول الله ما كان مما ذكر عنه في هذه الآثار علم به ما كان عند رسول الله في ذلك ، فمال إليه وآثره على ما كانت نفسه دعته إليه مما يخالف ذلك ، فكان في ذلك محمودا لإيثاره رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما مالت إليه نفسه ، مما لا خفاء بمثله من صعوبة ذلك وغلظة ، فكان في ذلك فوق حال أبي العاص في تركه ما لم تكن نفسه دعته إليه . فقال هذا القائل : فكيف لم يذكر صلى الله عليه وسلم مكان أبي العاص عثمان بن عفان - رضي الله عنه - وعنده ابنة له كما عند كل واحد من علي ومن أبي العاص ابنة له . فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله جل وعز وعونه : أن ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر عثمان كان في ذلك ؛ لأنه كان لعلي نظير لما لكل واحد منهما من السوابق التي ليست لأبي العاص ، وذكر أبا العاص ليستوفي بذلك الحجة فيما خطب به ، وهذا من أعلى مراتب الحكمة فيما خطب به وفيما أراد سماع علي إياه ؛ لأن أبا العاص وإن لم يكن مثله ، فقد لحقه هذا الثناء بتركه ما كان هم به وعلي كان بذلك الثناء أولى من أبي العاص لسوابقه ولموضعه من الله - عز وجل - ثم من رسول الله صلى الله عليه وسلم مما ليس ذلك لأبي العاص ، فذكر صلى الله عليه وسلم أبا العاص توكيدا لحجته فيما أراد وقوف علي عليه ، ولم يذكر عثمان - رضي الله عنه - مكانه ؛ لأنه لو ذكره كان قد ذكر له مثلا ، ولم تجب له عليه هذه الحجة التي وجبت له عليه بذكره أبا العاص ، ولما زال ذلك من علي عليه السلام ، وكان كهو لو لم يكن منه في ذلك شيء مما كان منه بل زاد بذلك في رتبته وفي تمسكه برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفي إيثاره إياه على نفسه - رضوان الله عليه - وكيف يجوز أن يظن بعلي سوى ذلك ، وقد تقدم وعد الله فيه بما أنزله في كتابه من قوله : وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ ، ومن إدخاله الجنة مع من ذكره معه في قوله : إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ الآية ، وقد ذكرنا ذلك بأسانيده فيما تقدم منا في كتابنا هذا ، وهذا مما لا يلحقه نسخ ؛ لأن النسخ لا يلحق الإخبار بما يكون ، وإنما يلحق الشرائع التي تحول من تحريم إلى تحليل أو من تحليل إلى تحريم ، لا ما سوى ذلك مما قد أخبر - عز وجل - أنه يكون ذلك كائنا لا محالة ، ثم ما قد كان منه صلى الله عليه وسلم بعد هذه القصة في غدير خم ، من قوله : من كنت مولاه فعلي مولاه ، اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه وانصر من نصره ، واخذل من خذله ، وقد ذكرنا ذلك بأسانيده فيما تقدم منا في كتابنا هذا ، ومن قوله له لما خلفه في غزوة تبوك وهي آخر غزواته : أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي ، ومن بعثته معه بعد ذلك بسورة براءة ليقرأها على الناس في مواسم الحج ، وقوله مع ذلك : إنه لا يبلغ عني إلا رجل من أهلي ، ومن قوله في الحسن والحسين ابنيه عليهما السلام : إنهما سيدا شباب أهل الجنة ، وأبوهما خير منهما ، وقد ذكرنا ذلك فيما تقدم منا في كتابنا هذا ومن سيف الله - عز وجل - الذي أجراه على يده بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتله شر الخلق والخليقة ، ذا الثدية وأصحابه ومن شهادة عمر - رضي الله عنه - له أنه ممن توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنه راض . وفيما ذكرنا من هذا كفاية لإبانة المعنى الذي زاد في فضله بغلبته شهوته بإيثار رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها مع ما له من الفضائل ، سوى ذلك مما ذكرناه يغني عن ذكرها ، ويقيم الحجة على من يتعلق عليه بها في هذه الآثار التي روينا ، مما هو له فضيلة نعيده إلى خلاف ذلك ، فرحمة الله عليه وصلواته وعلى سائر أصحابه ، رضوان الله عليهم ، والله - عز وجل - نسأله التوفيق .
70 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْه عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ قَوْلِهِ : ( فَصْلُ مَا بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ أَكْلَةُ السَّحَرِ ) . 532 - حَدَّثَنَا يُونُسُ ، وَالرَّبِيعُ الْمُرَادِيُّ ، قَالَا : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي قَيْسٍ مَوْلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، عَنْ عَمْرٍو : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( فَصْلُ مَا بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ أَكْلَةُ السَّحَرِ ) . فَتَأَمَّلْنَا هَذَا لِنَقِفَ عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي أُرِيدَ بِهِ مَا هُوَ ، فَوَجَدْنَا أَهْلَ الْكِتَابِ مِنْ شَرِيعَتِهِمْ أَنَّهُمْ إذَا نَامُوا فِي لَيْلِهِمْ حَرُمَ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ فِي بَقِيَّتِهِ مَا يَحْرُمُ عَلَى الصَّائِمِ مِنْ إتْيَانِ النِّسَاءِ ، وَمِنْ الْأَكْلِ ، وَمِنْ الشُّرْبِ ، إلَى خُرُوجِهِمْ مِنْ صَوْمِ غَدِ تِلْكَ اللَّيْلَةِ ، وَكَذَلِكَ كَانَ أَهْلُ الْإِسْلَامِ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ حَتَّى نَسَخَ اللَّهُ ذَلِكَ بِمَا نَسَخَهُ مِنْ كِتَابِهِ . وَرُوِيَ فِي ذَلِكَ : . 533 - مَا قَدْ حَدَّثَنَا بَكَّارَ ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيُّ ، حَدَّثَنَا الْمَسْعُودِيُّ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، ( عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ : أُحِيلَتْ الصَّلَاةُ ثَلَاثَةَ أَحْوَالٍ ، وَالصِّيَامُ ثَلَاثَةَ أَحْوَالٍ ، فَذَكَرَ أَحْوَالَ الصَّلَاةِ الثَّلَاثَةَ ، ثُمَّ قَالَ : وَأَمَّا أَحْوَالُ الصِّيَامِ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَصَامَ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، وَصَامَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ فَصَامَهَا كَذَا سِتَّةَ عَشْرَ شَهْرًا ، أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا ، ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ إلَى قَوْلِهِ : فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ ، وَكَانَ مَنْ شَاءَ صَامَ ، وَمَنْ شَاءَ أَطْعَمَ مِسْكِينًا ، وَأَجْزَأَ ذَلِكَ عَنْهُ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْـزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ . إلَى قَوْلِهِ : فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ، وَإِلَى قَوْلِهِ : يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ . فَفَرَضَهُ اللَّهُ وَأَثْبَتَ صِيَامَهُ عَلَى الصَّحِيحِ الْمُقِيمِ ، وَرَخَّصَ فِيهِ لِلْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ ، وثَبَتَ الْإِطْعَامُ لِلشَّيْخِ الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ صِيَامَهُ ، وَكَانُوا يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ وَيَأْتُونَ النِّسَاءَ ، فَإِذَا نَامُوا امْتَنَعُوا مِنْ ذَلِكَ ، فَجَاءَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ : صِرْمَةُ قَدْ ظَلَّ يَوْمَهُ يَعْمَلُ ، فَجَاءَ فَصَلَّى الْعِشَاءَ ، وَوَضَعَ رَأْسَهُ فَنَامَ قَبْلَ أَنْ يَطْعَمَ ، فَأَصْبَحَ صَائِمًا ، فَرَآهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ آخِرِ النَّهَارِ ، وَقَدْ أَجْهَدَ فَقَالَ : إنِّي أَرَاك قَدْ أُجْهِدْت . فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، ظَلِلْتُ يَوْمِي أَعْمَلُ فَجِئْت صَلَاةَ الْعِشَاءِ ، فَنِمْت قَبْلَ أَنْ أَطْعَمَ ، وَجَاءَ عُمَرُ ، وَقَدْ أَصَابَ مِنْ النِّسَاءِ فَنَزَلَتْ هَذَا الْآيَةُ : أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ إلَى قَوْلِهِ : مِنَ الْفَجْرِ . 534 - وَمَا قَدْ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ دَاوُد ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَعْقُوبَ الطَّالْقَانِيُّ ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، أَخْبَرَنَا حُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، ( عَنْ رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ : صِرْمَةُ بْنُ مَالِكٍ ، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا جَاءَ إلَى أَهْلِهِ عِشَاءً ، وَهُوَ صَائِمٌ ، وَكَانُوا إذَا نَامَ أَحَدُهُمْ قَبْلَ أَنْ يَطْعَمَ لَمْ يَأْكُلْ شَيْئًا إلَى مِثْلِهَا ، وَالْمَرْأَةُ إذَا نَامَتْ لَمْ يَكُنْ زَوْجُهَا يَقْرَبُهَا حَتَّى جَاءَ مِثْلُهَا ، فَلَمَّا جَاءَ صِرْمَةُ إلَى أَهْلِهِ فَدَعَا بِعَشَائِهِ فَقَالُوا : أَمْهِلْ حَتَّى نَتَّخِذَ لَك طَعَامًا سَخِينًا تُفْطِرُ عَلَيْهِ ، فَوَضَعَ الشَّيْخُ رَأْسَهُ فَنَامَ ، فَجَاءُوا بِطَعَامِهِ فَقَالَ : كُنْتُ نَائِمًا فَلَمْ يَطْعَمْهُ فَبَاتَ لَيْلَته فَلَصِقَ ظَهْرًا لِبَطْنٍ ، فَلَمَّا أَصْبَحَ أَتَى النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَأَخْبَرَهُ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ فَرَخَّصَ لَهُمْ أَنْ يَأْكُلُوا مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ إلَى آخِرِهِ . وَجَاءَ عُمَرُ فَأَتَى أَهْلَهُ فَقَالَتْ : إنَّهَا نَامَتْ فَظَنَّ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهَا اعْتَلَّتْ عَلَيْهِ فَوَاقَعَهَا ، فَأُخْبِرَ أَنَّهَا كَانَتْ نَامَتْ ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَزَلَتْ فِيهِ : عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ الْآيَةَ ) . فَوَقَفْنَا بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ مَعْنَى مَا رَوَيْنَا فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ هُوَ أَنَّ صَوْمَنَا جَائِزٌ لَنَا أَنْ نَأْكُلَ فِي لَيَالِيهِ ، وَإِنْ كُنَّا قَدْ نِمْنَا فِيهَا بِخِلَافِ صَوْمِ أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ إذَا نَامُوا فِي لَيَالِي صَوْمِهِمْ لَمْ يَأْكُلُوا فِيهِ حَتَّى يَمْضِيَ غَدُ تِلْكَ اللَّيْلَةِ .
717 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما اختلف أهل العلم فيه في القتيل يوجد بين ظهراني قوم ولا يعلم من قتله , هل تجب بذلك ديته عليهم أم لا ؟ . 5374 - حدثنا يونس بن عبد الأعلى ، أخبرنا عبد الله بن وهب أن مالكا أخبره ، عن أبي ليلى بن عبد الله بن عبد الرحمن ، عن سهل بن أبي حثمة أنه أخبره رجال من كبار قومه أن عبد الله بن سهل ومحيصة خرجا إلى خيبر من جهد أصابهم , فأتي محيصة , فأخبر أن عبد الله بن سهل قتل وألقي في قليب أو عين , فأتى يهود , فقال : أنتم والله قتلتموه , فقالوا : والله ما قتلناه , فأقبل حتى قدم على قومه , فذكر لهم ذلك , ثم أقبل هو وأخوه حويصة , وهو أكبر منه وعبد الرحمن بن سهل , فذهب محيصة ليتكلم وهو الذي كان بخيبر , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمحيصة : كبر كبر يريد السن , فتكلم حويصة قبل , ثم تكلم محيصة , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إما أن يدوا صاحبكم , وإما أن يؤذنوا بحرب , فكتب إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك , فكتبوا : إنا والله ما قتلناه , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحويصة ومحيصة وعبد الرحمن : أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم ؟ قالوا : لا , قال : أفتحلف لكم اليهود ؟ قالوا : ليسوا بمسلمين , فوداه رسول الله صلى الله عليه وسلم من عنده , فبعث إليهم بمئة حتى أدخلت عليهم الدار . قال أبو جعفر : ففي هذا الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للأنصار لما ذكروا من وجودهم صاحبهم قتيلا بخيبر وهي دار اليهود : إما أن يدوا - يعني اليهود - صاحبكم , وإما أن يؤذنوا بحرب قبل أن يكون من الأنصار عنده مسألة على ما ادعوا , وهذا الوعيد , فلا يكون إلا في منع اليهود واجبا عليهم , وهو غرم دية الأنصاري الموجود قتيلا بين ظهرانيهم لأوليائه , وهذا باب من الفقه قد تنازع أهله فيه , فقالت طائفة منهم : إن وجود القتيل بين ظهراني قوم يوجب ديته على أولئك القوم , وإن لم يقسم أولياء ذلك القتيل على ما ادعوا من قبيل الموجود ذلك القتيل بين ظهرانيهم ومن ذكرهم أنهم لا يعلمون من قتله من أولئك القوم ولا ممن سواهم , وممن كان يذهب إلى هذا القول كثير من الكوفيين , منهم أبو حنيفة , وابن أبي ليلى , والثوري , وطائفة منهم تقول : إن القسامة والواجب بها لا تجب بوجود القتيل بين ظهراني قوم , وإنما تجب عندهم بأحد أمرين : أن يقول الرجل : دمي عند فلان , ثم يموت أو يدعي أولياء رجل على رجل أنه قتل رجلا ويأتون بلوث من بيته وإن لم تكن قاطعة على ما يدعون , فهذا عندهم الذي يوجب القسامة , ولا يوجبها ما سوى ذلك , وممن كان يذهب إلى ذلك منهم مالك بن أنس . وطائفة منهم تقول : إن القسامة لا تجب , ولا يجب بها عقل قتيل موجود بين ظهراني قوم حتى يكون مثل السبب الذي قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقسامة فيه , وهو أن خيبر كانت دار يهود لا يخلطهم غيرهم , وكانت العداوة بينهم وبين الأنصار ظاهرة , وخرج عبد الله بعد العصر , فوجد قتيلا قبل الليل , فيكاد أن يغلب على من يسمع هذا أن لم يقتله إلا بعض اليهود , فإذا كان مثل هذا جعل فيه القسامة ووجوب الدية لم يكن ببعيد , وكذلك يدخل نفر بيتا في قرية أو صحراء وحدهم , أو صفين في حرب , فلا يفترقون إلا وقتيل بينهم , أو تأتي بينة من المسلمين من نواح لم يجتمعوا فيها , فيثبت كل واحد على الانفراد على رجل أنه قتله , فتتواطأ شهاداتهم , ولم يسمع بعضهم شهادة بعض , وإن لم يكونوا ممن يعدل , أو شهد عدل أنه قتله , لأن كل سبب من هذا يغلب على عقل الحاكم أنه كما ادعى ولي ذلك القتيل , فللولي أن يقسم على الواحد والجماعة من أمكن أن يكون في جملتهم , ولا تكون القسامة عنده , ولا وجوب الدية بها إلا بما ذكرنا , وممن كان يذهب إلى ذلك الشافعي . ولما اختلفوا في ذلك , وجب الكشف عنه , والقياس الواجب فيه بما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم في مثله , فنظرنا في ذلك . 5375 - فوجدنا أحمد بن شعيب قد حدثنا قال : حدثنا محمد بن رافع - ووجدنا عبد الله بن أحمد بن عبد السلام قد حدثنا قال : حدثنا محمد بن يحيى النيسابوري , ثم اجتمعا , فقال كل واحد منهما : حدثنا عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري ، عن ابن المسيب قال : كانت القسامة في الجاهلية , ثم أقرها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأنصاري الذي وجد مقتولا في جب اليهود , فقالت الأنصار : إن يهودا قتلوا صاحبنا . وعن أبي سلمة وسليمان بن يسار ، عن رجال من الأنصار أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ليهود بدأ بهم : يحلف منكم خمسون , فأبوا , فقال للأنصار : احلفوا , فاستحقوا , فقالوا : أنحلف على الغيب يا رسول الله ؟ فجعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم دية على يهود , ولأنه وجد بين ظهرانيهم . فقال قائل : هذا حديث غير متصل الإسناد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لأن فيه مما ذكره الزهري عن أبي سلمة وسليمان بن يسار إنما هو عن رجال من الأنصار , وقد يكونون ممن صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم , وقد يكونون ممن لم يصحبه , ونظرنا في ذلك . 5376 - فوجدنا يونس قد حدثنا قال : أخبرنا ابن وهب ، أخبرني ابن يزيد ، عن ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار مولى ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم , عن رجال من الأنصار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقر القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية . 5377 - ووجدنا إبراهيم بن أبي داود قد حدثنا قال : حدثنا عبد الله بن صالح ، حدثني الليث بن سعد ، حدثني عقيل بن خالد ، عن ابن شهاب ، أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار ، عن أناس من الأنصار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن القسامة كانت في الجاهلية قسامة دم , فأقرها رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما كانت عليه في الجاهلية , وقضى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم في أناس من الأنصار من بني حارثة ادعوا على اليهود . 5378 - ووجدنا سليمان بن شعيب الكيساني قد حدثنا قال : حدثنا بشر بن بكر ، حدثني الأوزاعي ، حدثني الزهري , ثم ذكر مثله في إسناده سواء . فعقلنا أن هؤلاء الأنصار الذين أخذ أبو سلمة وسليمان بن يسار هذا الحديث عنهم كانوا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم , ووقفنا على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل دية الأنصاري الموجود قتيلا بين ظهراني اليهود على اليهود , وأن ذلك كان واجبا بوجوده قتيلا بين ظهرانيهم قبل أن يقسم أولياؤه على اليهود : إنهم قتلوه , ومما يدل على ذلك أيضا ما كان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعده في إيجابهم ديات القتلى الموجودين بين ظهراني القوم على القوم الموجودين قتلى بين ظهرانيهم بوجودهم بين ظهرانيهم كذلك , وإن لم يكن في ذلك قسامة من أوليائهم . 5379 - كما قد حدثنا عبد الله بن محمد بن سعيد بن أبي مريم قال : حدثنا الفريابي ، حدثنا سفيان ، عن شعبة ، عن الحكم ، عن إبراهيم ، عن الأسود أن رجلا أصيب عند البيت , فسأل عمر عليا رضي الله عنهما , فقال له علي : ديته من بيت المال . قال أبو جعفر : وهذا مما ليس فيه قسامة أشار بها علي على عمر رضي الله عنه , ولما رآه عمر فيها , وفيه ما قد دل أنهما لم يأمرا قبل إيجاب الدية أولياء ذلك القتيل أن يقسموا حتى يستحقوا الدية , وهذا بحضرة غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم , فلم ينكروا ذلك عليهما , ولم يخالفوهما فيه , فدل ذلك على متابعتهم إياهما عليه . 5380 - وكما قد حدثنا فهد ، حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس , حدثنا زهير بن معاوية ، حدثنا وهب بن عقبة ، حدثني يزيد بن مذكور الهمداني أن أناسا ازدحموا في المسجد الأكبر زمن علي بن أبي طالب رضي الله عنه , وأن شيخا مات في الزحام , فأمر علي بن أبي طالب رضي الله عنه بديته من بيت المال . 5381 - وكما قد حدثنا فهد ، حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس , حدثنا زهير , حدثنا مسلم ، عن يزيد بن مذكور نحوه . 5382 - وكما قد حدثنا يوسف بن يزيد قال : حدثنا حجاج بن إبراهيم , حدثنا عباد بن العوام ، حدثنا وهب بن عقبة ، عن يزيد بن مذكور أن شيخا زوحم في المسجد على عهد علي رضي الله عنه , فمات , فرفع ذلك إلى علي , فوداه من بيت المال , وكان يزيد إذ ذاك رأى عليا وكلمه . قال أبو جعفر : وقد كان من عمر في توكيد هذا المعنى اشتراطه إياه على أهل الذمة . 5383 - كما قد حدثنا فهد ، حدثنا أبو نعيم ، عن هشام الدستوائي ، عن قتادة ، عن الحسن ، عن الأحنف بن قيس أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه اشترط على أهل الذمة : إن قتل رجل من المسلمين بأرضكم فعليكم الدية . ثم كان منه ما يوافق هذا المعنى , ومما حكم فيه بالقسامة مع إيجابه الدية على الذين وجد القتيل الذي كانت فيه تلك القسامة بالدية على المقسمين الموجود ذلك القتيل بين ظهرانيهم . 5384 - كما قد حدثنا محمد بن خزيمة ، حدثنا يوسف بن عدي , حدثنا عثمان بن مطر ، عن أبي حريز ، عن الشعبي ، عن الحارث الوادعي قال : أصابوا قتيلا بين قريتين , فكتبوا في ذلك إلى عمر بن الخطاب , فكتب عمر : أن قيسوا بين القريتين , فأيما كان إليه أدنى , فخذوا خمسين قسامة , فيحلفون بالله , ثم غرموهم الدية , قال الحارث : فكنت فيمن أقسم , ثم غرمنا الدية . 5385 - وكما حدثنا فهد قال : حدثنا أبو غسان , حدثنا زهير بن معاوية ، حدثنا أبو إسحاق ، عن الحارث بن الأزمع قال : قتل قتيل بين وادعة وحي آخر , والقتيل إلى وادعة أقرب , فقال عمر لوادعة : يحلف خمسون رجلا منكم بالله : ما قتلنا , ولا نعلم له قاتلا , ثم اغرموا , فقال له الحارث : نحلف وتغرمنا ؟ ! قال : نعم . قال أبو جعفر : ففي هذا الحديث ، عن عمر أنه قضى بالقسامة على الذين وجد القتيل بين ظهرانيهم , ثم أغرمهم الدية لأوليائه , وفيما رويناه عنه قبل ذلك مما قد وافقه عليه علي رضي الله عنه قضاؤه بالدية في القتيل الموجود بين ظهراني من لا يمكن منهم قسامة , لأنهم ليسوا من أهل ذلك الموضع الذي وجد فيهم ذلك القتيل , إنما هم من مواضع مختلفة , فكذلك نقول في القتيل الموجود بين ظهراني قوم لا يعلم من قتله : فيه القسامة والدية , وفي القتيل الموجود في الموضع الذي لا أهل له , ولا يعلم من قتله بالدية دون القسامة , وهكذا كان أبو حنيفة وأصحابه يقولون في ذلك , ويذهبون إليه فيه . وقد شد ما قالوا من ذلك ما قد رويناه من حديث أبي ليلى ، عن سهل بن أبي حثمة مما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم للأنصار في اليهود : إما أن يدوا صاحبكم , وإما أن يؤذنوا بحرب قبل أن يكون من الأنصار في ذلك قسامة , ولا يكون إيذانهم بحرب إلا في منع واجب عليهم . فقال قائل : فإن في حديث أبي مسلمة وسليمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للأنصار : احلفوا , واستحقوا , فقالوا : أنحلف على الغيب ! فكان جوابنا له في ذلك أن قوله صلى الله عليه وسلم : استحقوا قد يحتمل أن يكون أراد به : استحقوا ببينة تقيمونها على قاتل صاحبكم بعينه , فنقتله لكم به , فقال هذا القائل : فإن في حديث أبي ليلى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للأنصار : أتحلفون وتستحقون ؟ ففي هذا ما قد دل أنهم لا يستحقون ما ادعوا إلا بالحلف الذي دعاهم إليه . فكان جوابنا له في ذلك : إن في أول هذا الحديث ما قد دل على وجوب الدية لهم على اليهود بوجودهم صاحبهم قتيلا بين ظهرانيهم , فإن قال : فما قوله : أتحلفون وتستحقون ؟ ؟ كان جوابنا له في ذلك أن هذا مما قد أنكر على سهل بن أبي حثمة , وخولف عليه فيه , وادعي عليه إيهامه فيه . 5386 - كما قد حدثنا أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم البرقي ، حدثنا عبد الملك بن هشام ، حدثنا زياد بن عبد الله البكائي قال : قال ابن إسحاق ، حدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي ، عن عبد الرحمن بن بجيد بن قيظي أخي بني حارثة - قال محمد بن إبراهيم : وايم الله ما كان سهل بأكثر علما منه , ولكنه كان أسن منه - أنه قال له : والله ما كان هكذا الشأن , ولكن سهلا أوهم , ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : احلفوا على ما لا علم لكم به , ولكنه كتب إلى يهود خيبر حين كلمته الأنصار : إنه قد وجد قتيل بين أبياتكم , فدوه , فكتبوا إليه , يحلفون بالله ما قتلوه , ولا يعلمون له قاتلا , فوداه رسول الله صلى الله عليه وسلم من عنده . قال أبو جعفر : وعبد الرحمن بن بجيد هذا , فمقداره المقدار الذي قد ذكره به محمد بن إبراهيم , ووصفه به من العلم ما قد جاوز به علم سهل بن أبي حثمة , وقد حدث عنه الجلة , منهم زيد بن أسلم . 5387 - كما قد حدثنا يونس ، أخبرنا ابن وهب أن مالكا حدثه عن زيد بن أسلم ، عن ابن بجيد الأنصاري ، عن جدته أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ردوا السائل ولو بظلف محرق . ومنهم : سعيد المقبري . 5388 - كما قد حدثنا الربيع المرادي ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم , قال الربيع : حدثني شعيب بن الليث , وقال محمد : أخبرنا أبي وشعيب ، عن الليث ، عن سعيد بن أبي سعيد ، عن عبد الرحمن بن بجيد أخي بني حارثة أنه حدثته جدته وهي أم بجيد - وكانت ممن بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم - أنها قالت : يا رسول الله ، والله إن المسكين ليقوم على بابي , فما أجد له شيئا أعطيه إياه , فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن لم تجدي شيئا تعطيه إياه إلا ظلفا محرقا , فادفعيه إليه في يده . وتابع عبد الرحمن بن بجيد على ما قال مما ذكرناه عنه عمرو بن شعيب . 5389 - كما قد حدثنا أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم ، حدثنا عبد الملك بن هشام ، حدثني زياد قال : قال ابن إسحاق : وحدثني عمرو بن شعيب مثل حديث عبد الرحمن بن بجيد , إلا أنه قال في حديثه : دوه , وإلا فأذنوا بحرب , فكتبوا يحلفون بالله ما قتلوه , ولا يعلمون له قاتلا , فوداه رسول الله صلى الله عليه وسلم من عنده . وذلك هو الأولى برسول الله صلى الله عليه وسلم , والمظنون به أن لا يأمر أحدا يحلف على ما لا علم له به . فإن قال قائل : فأنتم قلتم : لو أن ابن عشرين سنة ربي بالمشرق , فاشترى عبدا ابن مئة سنة ربي بالمغرب , فباعه من ساعته , فأصاب به المشتري عيبا أن البائع يحلف على البت : إنه قد باعه إياه وما به هذا العيب , ولا علم له به , والذي قلنا يصح علمه بما وصفنا . فكان جوابنا له في ذلك أن الذي ذكره في الحلف على العيب كما ذكر كالحلف على ما قد وقع عليه فيه الاختلاف الذي ذكرنا ؛ لأن الحلف على العيب إنما هو حلف على نفي شيء واسع للمحلوف عليه إذا كانت يمينه فيه , وإن كانت على البت , فإنما ترجع إلى العلم الذي ليس يعلم به خلاف ما حلف عليه , والحلف على تحقيق الأشياء بخلاف ذلك , لأنه لا يسع رجلا أن يحلف بالله : لقد كان كذا وكذا مما لم يعلمه , ونهاه الله عن ذلك قولا , فكيف يمينا بقوله تعالى جده : وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ (, ثم أعلمه بالمسؤول عن ذلك بقوله : إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولا ([ الإسراء : 36 ] , فأعلمه عز وجل أن الشهادة على تحقيق الأشياء هو الذي يعلمه هذه الثلاثة الأشياء , وأن من تعداها إلى سواها , أو قصر عنها , صار مخالفا لما أمره الله به فيها , والحالف على القسامة المذكورة في حديث سهل متعد لما في هذه الآية إلى غيره مما قد نهاه الله عنه . فقال قائل : فإن عبد الرحمن بن بجيد وإن كان مقداره المقدار الذي قد ذكرت , لا يضاهي سهل بن أبي حثمة , لصحبة سهل رسول الله صلى الله عليه وسلم , ولتقصير ابن بجيد عن ذلك . فكان جوابنا له في ذلك : إنه قد قال في قصة تزويج رسول الله صلى الله عليه وسلم ميمونة بعد ما روى حديث عمرو بن دينار عن جابر بن زيد ، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجها - وهي خالته - وهو محرم . قال : قد يعرف أهل المرأة من أمرها وإن لم يحضروا ذلك لعنايتهم بها ما لا يعرفه من سواهم ممن حضر أمرها , وقد روى عنها عتيقها - يعني سليمان بن يسار - وابن أختها يزيد بن الأصم أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها وهو غير محرم , فجعل ذلك حجة له في تزويج النبي صلى الله عليه وسلم إياها وهو غير محرم , وقابل به حديث ابن عباس مع جلالة ابن عباس وصحبته رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي عنه , وكونه معه في تلك الحجة فيما ينكر على خصمه أن يكون عبد الرحمن بن بجيد وهو من بني حارثة قوم المقتول ما قد قاله مما يخالف فيه سهلا , ومقابلة خصمه سهلا بعبد الرحمن في ذلك , وإن قال : إنه إنما فعل ذلك بما معه مما رواه عن عثمان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا ينكح المحرم ولا ينكح قوبل في ذلك بأن قيل له : وكذلك خصومك قابلوا سهلا بعبد الرحمن بن بجيد لما قد وافقه الأنصاريون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين هم من قوم ذلك القتيل على ما قالوا من ذلك , ولقبولنا ما رواه الزهري عن أبي سلمة وسليمان بن يسار ، عن رجال من الأنصار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى بنا من قبول ما رواه بشير بن يسار , وليس مثل أبي سلمة ولا سليمان بن يسار عن سهل , لا سيما وقد كان من عمر وعلي ما حكيناه عنهما في هذا الباب مما وجب موافقة أهل هذا القول على قولهم , وترك بقية أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خلافهما في ذلك , والله أعلم .
71 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْه عَلَيْهِ السَّلَامُ مِمَّا رَوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي رُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ . 535 - حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَزِيدَ ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ إبْرَاهِيمَ الْأَزْرَقُ ، حَدَّثَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَرْمَلَةَ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي ( كُرَيْبٌ : أَنَّ أُمَّ الْفَضْلِ بِنْتَ الْحَارِثِ بَعَثَتْهُ إلَى مُعَاوِيَةَ بِالشَّامِ . فَقَالَ : قَدِمْت إلَى الشَّامِ فَقَضَيْت حَاجَتَهَا ، وَاسْتَهَلَّ عَلَيَّ شَهْرُ رَمَضَانَ ، وَأَنَا بِالشَّامِ فَرَأَيْنَا الْهِلَالَ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ ، ثُمَّ قَدِمْت الْمَدِينَةَ فِي آخِرِ الشَّهْرِ فَسَأَلَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ أَشْيَاءَ ، ثُمَّ ذَكَرَ الْهِلَالَ قَالَ : مَتَى رَأَيْت الْهِلَالَ ؟ قُلْت : رَأَيْتُهُ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ . قَالَ : أَنْتَ رَأَيْتَهُ ؟ قُلْت : نَعَمْ . وَرَآهُ النَّاسُ . فَصَامُوا وَصَامَ مُعَاوِيَةُ ، قَالَ : لَكِنَّا رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ السَّبْتِ ، فَلَا نَزَالُ نَصُومُ حَتَّى نُكْمِلَ ثَلَاثِينَ أَوْ نَرَاهُ . فَقُلْت : أَلَا تَكْتَفِي بِرُؤْيَةِ مُعَاوِيَةَ وَصِيَامِهِ ؟ قَالَ : لَا ، هَكَذَا أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) . 536 - وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ ، حَدَّثَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ : فَقُلْت : أَوَ لَا تَكْتَفِي بِرُؤْيَةِ مُعَاوِيَةَ وَأَصْحَابِهِ مَكَانَ : وَصِيَامِهِ . فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ لَمْ يَكْتَفِ بِرُؤْيَةِ أَهْلِ بَلَدٍ غَيْرِ بَلَدِهِ الَّذِي كَانَ بِهِ ، وَإِخْبَارِهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُمْ بِذَلِكَ . فَسَأَلَ سَائِلٌ فَقَالَ : أَيُضَادُّ هَذَا مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ سِوَاهُ فِي هَذَا الْمَعْنَى ، وَذَكَرَ مَا : . 537 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، أَخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَسْرُوقِيُّ ، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ يَعْنِي الْجُعْفِيَّ ، عَنْ زَائِدَةَ ، عَنْ سِمَاكٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : ( جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : أَبْصَرْتُ الْهِلَالَ فَقَالَ : أَتَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : يَا بِلَالُ ، أَذِّنْ فِي النَّاسِ فَلْيَصُومُوا غَدًا ) . 538 - وَمَا قَدْ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ يُونُسَ ، حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ يَعْنِي الْحَمَّالَ ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ ، عَنْ زَائِدَةَ ، عَنْ سِمَاكٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : ( شَهِدَ أَعْرَابِيٌّ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رُؤْيَةِ الْهِلَالِ ، فَأَمَرَ بِلَالًا أَنْ يُنَادِيَ فِي النَّاسِ لِيَصُومُوا غَدًا ) . 539 - وَمَا قَدْ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رُزْمَةَ ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى ، وَهُوَ السِّينَانِيُّ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ سِمَاكٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : ( جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إلَى النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ : رَأَيْتُ الْهِلَالَ فَقَالَ : أَتَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : فَنَادَى النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ : أَنْ صُومُوا ) . 540 - وَحَدَّثَنَا ابْنُ مَرْزُوقٍ ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ سِمَاكٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ : ( أَنَّ أَعْرَابِيًّا شَهِدَ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ رَأَى الْهِلَالَ فَقَالَ : أَتَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ . قَالَ : نَعَمْ . فَأَجَازَ شَهَادَتَهُ ) ، وَلَمْ يَذْكُرْ ابْنَ عَبَّاسٍ . فَكَانَ جَوَابُنَا فِي ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ غَيْرُ مُضَادٍّ لِلْآخَرِ ، وَأَنَّ حَدِيثَ عِكْرِمَةَ هُوَ عَلَى اسْتِعْمَالِ شَهَادَةِ الْوَاحِدِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَى رُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ . وَحَدِيثُ كُرَيْبٍ فِيهِ إخْبَارُهُ ابْنَ عَبَّاسٍ بِرُؤْيَةِ هِلَالِ شَهْرِ رَمَضَانَ فِي وَقْتٍ قَدْ فَاتَ اسْتِعْمَالُ الصِّيَامِ بِتِلْكَ الرُّؤْيَةِ ، وَلَيْسَ فِيهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ لَوْ كَانَ ذَلِكَ اتَّصَلَ بِهِ فِي حَالِ قُدْرَتِهِ عَلَى اسْتِعْمَالِ ذَلِكَ الْخَبَرِ فِي الصَّوْمِ يَسْتَعْمِلُهُ ، وَلَمَّا فَاتَهُ ذَلِكَ رَجَعَ إلَى انْتِظَارِ مَا يَكُونُ فِي آخِرِ الشَّهْرِ مِنْ الْهِلَالِ ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَوَّلِهِ مَتَى كَانَ فَكَانَ جَائِزًا أَنْ يَمْضِيَ ثَلَاثُونَ يَوْمًا عَلَى مَا قَدْ كَانَ مِنْ الرُّؤْيَةِ الَّتِي حَكَاهَا لَهُ كُرَيْبٌ ، فَيَعْلَمُ بِذَلِكَ بُطْلَانَ مَا حَكَاهُ لَهُ كُرَيْبٌ ، فَيَصُومُ ثَلَاثِينَ يَوْمًا عَلَى رُؤْيَتِهِ هُوَ ، وَكَانَ جَائِزًا أَنْ يَرَاهُ بَعْدَ مُضِيِّ تِسْعَةٍ وَعِشْرِينَ يَوْمًا عَلَى مَا حَدَّثَ بِهِ كُرَيْبٌ ، فَيَقْضِي يَوْمًا لِاسْتِعْمَالِهِ مَا فِي حَدِيثِ عِكْرِمَةَ . وَهَذَا الْمَعْنَى الَّذِي صَحَّحْنَا عَلَيْهِ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ يُوَافِقُ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ مِنْ قَبُولِ شَهَادَةِ الْوَاحِدِ عَلَى هِلَالِ شَهْرِ رَمَضَانَ ، وَلَا يَقْبَلُونَ فِي هِلَالِ الْفِطْرِ إلَّا مَا يَقْبَلُونَهُ فِي سَائِرِ الْحُقُوقِ مِنْ الْبَيِّنَاتِ الَّتِي يَقْبَلُونَهَا فِيهَا ، وَيَقُولُونَ : إنْ صَامَ النَّاسُ بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ عَلَى رُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ ، فَمَضَتْ ثَلَاثُونَ يَوْمًا ، وَلَمْ يَرَوْا الْهِلَالَ أَنَّهُمْ يَصُومُونَ يَوْمًا آخَرَ ، وَأَنَّ ذَلِكَ بِخِلَافِ الْحُكْمِ فِي ذَلِكَ لَوْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ مَقْبُولَةٌ عِنْدَ الْإِمَامِ ، يَجُوزُ لَهُ الْحُكْمُ بِهَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ عَلَى رُؤْيَةِ الْهِلَالِ ، فَأَمَرَهُمْ بِالصَّوْمِ فَصَامُوا ثَلَاثِينَ يَوْمًا ، وَلَمْ يَرَوْا الْهِلَالَ أَنَّهُ يَأْمُرُهُمْ بِالْإِفْطَارِ وَالْخُرُوجِ مِنْ الصِّيَامِ ، وَيَجْعَلُونَ الصِّيَامَ بِشَهَادَةِ الْوَاحِدِ صِيَامَ احْتِيَاطٍ ، وَيَجْعَلُونَ الصِّيَامَ بِالْبَيِّنَةِ الْمَقْبُولَةِ الْمَحْكُومِ بِهَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَشْيَاءِ صِيَامًا بِحُجَّةٍ ، وَيَكُونُ حُكْمُ النَّاسِ كَأَنَّهُمْ رَأَوْهُ جَمِيعًا . فَبَانَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنْ لَا تَضَادَّ فِي شَيْءٍ مِمَّا وَصَفْنَاهُ فِي هَذَا الْبَابِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ .
789 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يقضي بين المختلفين في الرقبة المؤمنة ، هل يجزئ فيها من لم يصم ولم يصل ، ممن قد أقر بالإيمان أم لا ؟ قال أبو جعفر : قد روي عن الحسن البصري وإبراهيم النخعي في هذا المعنى . 5900 - ما قد حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، قال : حدثنا أبو داود ، عن أبي حرة ، قال : سمعت الحسن يقول : ما كان من رقبة مؤمنة فلا يجزئ فيها إلا من صام وصلى ، وما كان من رقبة غير مؤمنة أجزأ فيها الصغير . 5901 - وحدثنا ابن أبي داود ، قال : حدثنا عبد الحميد بن صالح ، قال : حدثنا أبو شهاب ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، قال : لا يجوز في كفارة القتل إلا رقبة قد صامت وصلت ويجزئ في الظهار وفي اليمين ما لم يصم ولم يصل . قال أبو جعفر : فكان من دونهما من فقهاء الأمصار يقولون : يجزئ في الرقبة المؤمنة من أقر بالإيمان ، وإن لم يصم ولم يصل ، ومن استحق أنه من أهل الإيمان بإيمان أبويه ، وإن لم يكن صام ولا صلى ، وكان القاضي بينهم في ذلك ما قد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه . 5902 - وهو ما قد حدثنا بكار بن قتيبة ، قال : حدثنا أبو داود . وما قد حدثنا الربيع المرادي ، قال : حدثنا أسد قالا : حدثنا المسعودي ، قال : أخبرني عون بن عبد الله بن عتبة ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، عن أبي هريرة : أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بجارية عجماء لا تفصح ، فقال : إن علي رقبة مؤمنة ، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : أين الله - عز وجل - فأشارت إلى السماء ، فقال لها : من أنا ، فأشارت إلى السماء ، فقال رسول الله : اعتقها ، وقال المسعودي مرة : اعتقها فإنها مؤمنة ، هكذا لفظ بكار . وأما لفظ الربيع ، فقال لها : من أنا ، فأشارت إليه وإلى السماء ، أي أنت رسول الله ، قال : اعتقها فإنها مؤمنة . 5903 - وما قد حدثنا ابن أبي داود ، قال : حدثنا عيسى بن إبراهيم البركي ، قال : حدثنا عبد العزيز بن مسلم القسملي ، قال : حدثنا محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله ، إن أمي جعلت عليها رقبة مؤمنة أن تعتقها وهذه أمة سوداء فسألها رسول الله : أين الله - عز وجل - قالت : في السماء ، قال : فمن أنا ، قالت : أنت رسول الله ، قال : اعتقها فإنها مؤمنة . 5904 - وما قد حدثنا يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب أن مالكا حدثه . وما قد حدثنا المزني ، قال : حدثنا الشافعي ، قال : حدثنا مالك ، عن هلال بن أسامة ، عن عطاء بن يسار عن عمر بن الحكم أنه ، قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : يا رسول الله ، إن جارية لي كانت ترعى غنما لي ، فجئتها وفقدت شاة من الغنم ، فسألتها عنها ، فقالت : أكلها الذئب فأسفت عليها ، وكنت امرأ من بني آدم ، فلطمت وجهها وعلي رقبة ، أفأعتقها ، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : أين الله - عز وجل ؟ فقالت : في السماء ، فقال : من أنا ، فقالت : أنت رسول الله ، فقال : اعتقها . سمعت المزني يقول : قال الشافعي مالك سمى هذا الرجل عمر بن الحكم وإنما هو معاوية بن الحكم . 5905 أخبرنا يونس ، قال : أخبرنا بشر بن بكر ، عن الأوزاعي ، قال : حدثني يحيى بن أبي كثير ، قال : حدثني هلال بن أبي ميمونة ، قال : حدثني عطاء بن يسار ، قال : حدثني معاوية بن الحكم السلمي ، قال : كانت لي جارية ترعى غنيمة لي قبل أحد والجوانية ، فاطلعتها فوجدت الذئب قد ذهب منها بشاة ، وأنا رجل من بني آدم آسف كما يأسفون ، فصككتها صكة ، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له ، فعظمه علي ، قال : فقلت : أفلا أعتقها ؟ قال : ادعها لي ، فدعوتها ، فقال : أين الله - عز وجل ؟ قالت : في السماء ، قال : فمن أنا ؟ قالت : أنت رسول الله ، قال : إنها مؤمنة فأعتقها . 5906 - وما قد حدثنا محمد بن ميمون البغدادي ، قال : حدثنا الوليد بن مسلم ، عن الأوزاعي ، عن يحيى ، عن هلال بن أبي أمية عن عطاء بن يسار ، عن معاوية بن الحكم السلمي ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم ذكر مثله . ففي ما ذكرنا من هذه الروايات ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قد دل على صحة ما قال المتأخرون من القولين اللذين ذكرناهما في هذا الباب ، والله - عز وجل - نسأله التوفيق .
72 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمِقْدَارِ مِنْ الْحَالِ الَّذِي تَحْرُمُ بِهِ الْمَسْأَلَةُ . 541 - حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ الْمُرَادِيُّ ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ بَكْرٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ ، حَدَّثَنِي رَبِيعَةُ بْنُ يَزِيدَ ، عَنْ أَبِي كَبْشَةَ السَّلُولِيِّ ، حَدَّثَنِي سَهْلُ بْنُ الْحَنْظَلِيَّةِ ، قَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( مَنْ سَأَلَ النَّاسَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى فَإِنَّمَا يَسْتَكْثِرُ مِنْ جَمْرِ جَهَنَّمَ ، قُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَمَا ظَهْرُ غِنًى ؟ قَالَ : أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ عِنْدَ أَهْلِهِ مَا يُغَدِّيهِمْ ، أَوْ مَا يُعَشِّيهِمْ ) . 542 - حَدَّثَنَا يُونُسُ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَنَّ مَالِكًا حَدَّثَهُ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي أَسَدٍ قَالَ : ( أَتَيْت النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَسَمِعْته يَقُولُ لِرَجُلٍ يَسْأَلُهُ : مَنْ سَأَلَ مِنْكُمْ وَعِنْدَهُ أُوقِيَّةٌ أَوْ عِدْلُهَا فَقَدْ سَأَلَ إلْحَافًا . وَالْأُوقِيَّةُ يَوْمَئِذٍ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا ) . 543 - وَحَدَّثَنَا ابْنُ مَرْزُوقٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ النَّبِيلُ ، وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ نَصْرٍ ، حَدَّثَنَا الْفِرْيَابِيُّ ، قَالَا : حَدَّثَنَا الثَّوْرِيُّ ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا يَسْأَلُ عَبْدٌ مَسْأَلَةً وَلَهُ مَا يُغْنِيهِ إلَّا جَاءَتْ شَيْنًا أَوْ كُدُوحًا أَوْ خُدُوشًا فِي وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَمَا غِنَاهُ ؟ قَالَ : خَمْسُونَ دِرْهَمًا ، أَوْ حِسَابُهَا مِنْ الذَّهَبِ ) . 544 - وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ الْبَغْدَادِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو هِشَامٍ الرِّفَاعِيُّ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ ، حَدَّثَنَا الثَّوْرِيُّ ، فَذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ : ( كُدُوحًا فِي وَجْهِهِ ) ، وَلَمْ يَشُكَّ ، وَزَادَ : فَقِيلَ لِسُفْيَانَ : لَوْ كَانَ عَنْ غَيْرِ حَكِيمٍ . فَقَالَ : حَدَّثَنَا زُبَيْدٌ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ . 545 - وَحَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ ، حَدَّثَنِي أَبِي ، ( عَنْ رَجُلٍ مِنْ مُزَيْنَةَ ، أَنَّهُ أَتَى أُمَّهُ فَقَالَتْ : يَا بُنَيَّ ، لَوْ ذَهَبْت إلَى رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَسَأَلْتَهُ . قَالَ : فَجِئْتُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَهُوَ قَائِمٌ يَخْطُبُ النَّاسَ ، وَهُوَ يَقُولُ : مَنْ اسْتَغْنَى أَغْنَاهُ اللَّهُ ، وَمَنْ اسْتَعَفَّ أَعَفَّهُ اللَّهُ ، وَمَنْ سَأَلَ النَّاسَ وَلَهُ عِدْلُ خَمْسِ أَوَاقٍ سَأَلَ إلْحَافًا ) . فَتَأَمَّلْنَا هَذِهِ الْمَقَادِيرَ الَّتِي رُوِيَتْ عَنْ رسول الله عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي تَحْرِيمِ الْمَسْأَلَةِ بِوُجُودِهَا هَلْ يَتَهَيَّأُ لَنَا تَصْحِيحُهَا حَتَّى لَا يَكُونَ شَيْءٌ مِنْهَا ضِدًّا لِمَا سِوَاهُ مِنْهَا فَوَجَدْنَاهُ مُحْتَمَلًا أَنْ يَكُونَ أَوَّلُ هَذِهِ الْمَقَادِيرِ الَّتِي حَرُمَتْ بِهَا الْمَسْأَلَةُ هُوَ الْمِقْدَارُ الَّذِي فِي حَدِيثِ ابْنِ الْحَنْظَلِيَّةِ ، ثُمَّ تَلَاهُ تَحْرِيمُهَا بِوُجُودِ مَا فِي حَدِيثِ الْأَسَدِيِّ ، ثُمَّ تَلَاهُ تَحْرِيمُهَا بِوُجُودِ مَا فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، ثُمَّ تَلَاهُ تَحْرِيمُهَا بِوُجُودِ مَا فِي حَدِيثِ الْمُزَنِيّ . فَكَانَ الْمِقْدَارُ الَّذِي فِي حَدِيثِ الْمُزَنِيّ هُوَ الْمِقْدَارَ الَّذِي يَتَنَاهَى تَحْرِيمُ الْمَسْأَلَةِ عِنْدَ وُجُودِهِ ، فَصَارَ أَوْلَى هَذِهِ الْمَقَادِيرِ الَّتِي رَوَيْنَاهَا بِالِاسْتِعْمَالِ فِي هَذَا الْبَابِ . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : فَكَيْفَ اسْتَعْمَلْت فِي هَذَا أَغْلَظَ الْمَقَادِيرِ بَدْءًا ، ثُمَّ اسْتَعْمَلْت بَعْدَهُ مَا هُوَ أَخَفُّ مِنْهُ حِينَ اسْتَعْمَلْتهَا كُلَّهَا كَذَلِكَ ، وَلَمْ تَسْتَعْمِلْ الْأَخَفَّ مِنْهَا أَوَّلًا ، ثُمَّ بَعْدَهُ مَا هُوَ أَغْلَظُ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَ عَلَيْهَا كُلَّهَا ؟ فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ : أَنَّ نَسْخَ الْأَشْيَاءِ تَكُونُ بِمَعْنًى مِنْ مَعْنَيَيْنِ : فَمَعْنًى مِنْهَا لِلْعُقُوبَةِ ، وَهُوَ نَسْخُ التَّخْفِيفِ بِالتَّغْلِيظِ ، وَهُوَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا الْآيَةَ . وَمَعْنًى مِنْهَا بِخِلَافِ الْعُقُوبَةِ ، وَهُوَ نَسْخُ التَّغْلِيظِ بِالتَّخْفِيفِ ، وَذَلِكَ رَحْمَةٌ مِنْ اللَّهِ ، وَتَخْفِيفٌ عَنْ عِبَادِهِ ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إلَى قَوْلِهِ : مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَانَ فَرْضُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنْ لَا يَفِرُّوا مِنْ عَشَرَةِ أَمْثَالِهِمْ ، وَكَانَ مَعْقُولًا فِي ذَلِكَ أَنَّهُ جَائِزٌ لَهُمْ أَنْ يَفِرُّوا مِمَّا هُوَ أَكْثَرُ مِنْ هَذَا ، ثُمَّ نَسَخَهَا اللَّهُ رَحْمَةً مِنْهُ لَهُمْ وَتَخْفِيفًا لِضَعْفِهِمْ فَقَالَ : الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ الْآيَةَ ، فَرَدَّ اللَّهُ فَرْضَهُ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يَفِرُّوا مِنْ مِثْلَيْهِمْ ، وَكَانَ مَعْقُولًا فِي ذَلِكَ أَنَّ لَهُمْ أَنْ يَفِرُّوا مِنْ أَكْثَرَ مِنْ مِثْلَيْهِمْ مِنْ الْعَدَدِ ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلا قَلِيلا إلَى قَوْلِهِ : تَرْتِيلا . فَكَانَ ذَلِكَ مَفْرُوضًا عَلَيْهِ ، وَعَلَى أُمَّتِهِ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ ، ثُمَّ نَسَخَ اللَّهُ ذَلِكَ رَحْمَةً مِنْهُ لَهُ وَلَهُمْ بِقَوْلِهِ : إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ إلَى قَوْلِهِ : فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ . فَكَانَ النَّسْخُ فِيمَا ذَكَرْنَا وَفِي أَمْثَالِهِ فِيمَا لَا سَخَطَ فِيهِ وَلَا غَضَبَ مِنْهُ مِنْ التَّغْلِيظِ إلَى التَّخْفِيفِ ، وَلَمْ يَكُنْ الْمُسْلِمُونَ الَّذِينَ كَانَتْ الْمَقَادِيرُ الَّتِي ذَكَرْنَا تُوجِبُ كُلُّ مِقْدَارٍ مِنْهَا تَحْرِيمَ الْمَسْأَلَةِ عَلَيْهِمْ ، كَانَ مِنْهُمْ ذَنْبٌ يَسْتَحِقُّونَ عَلَيْهِ الْعُقُوبَةَ ، فَيُرَدُّونَ مِنْ التَّخْفِيفِ إلَى التَّغْلِيظِ ، فَوَجَبَ بِذَلِكَ فِي النَّسْخِ الَّذِي ذَكَرْنَا أَنْ يَكُونوا مَا رَدُّوا مِنْ بَعْضِهِ إلَى مَا سِوَاهُ مِنْهُ هُوَ رَدٌّ لَهُمْ مِنْ غَلِيظَةٍ إلَى خَفِيفَةٍ ، فَوَجَبَ بِذَلِكَ اسْتِعْمَالُ مَا ذَكَرْنَا فِيهِ فِي هَذَا الْبَابِ . فَوَقَفْنَا بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْمِقْدَارَ الَّذِي تَحْرُمُ بِهِ الْمَسْأَلَةُ ، هُوَ الْمِقْدَارُ الَّذِي فِي حَدِيثِ الْمُزَنِيّ ، دُونَ مَا سِوَاهُ مِنْ الْمَقَادِيرِ الْمَذْكُورَةِ فِي غَيْرِهِ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
716 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يحبه الله من الخيلاء . 5373 - حدثنا بكار بن قتيبة ، حدثنا أبو داود الطيالسي , حدثنا حرب بن شداد ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن محمد بن إبراهيم التيمي تيم قريش قال : حدثني ابن جابر بن عتيك ، عن أبيه وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن من الخيلاء ما يحب الله عز وجل , ومنها ما يكره , فأما الخيلاء التي يحب الله , فاختيال الرجل بنفسه عند الصدقة وعند القتال , والخيلاء التي يكرهها الله عز وجل في البغي والفخر . قال أبو جعفر : فتأملنا هذا الحديث , فوجدنا فيه أن الخيلاء التي يحبها الله اختيال الرجل بنفسه عند الصدقة وعند القتال , فكان اختياله بنفسه عند القتال معقولا المراد به ما هو , وأنه مما يرعب به عدوه الذي حضر لقتاله , ومما يزيد من اقتداره عليه وقلة اكتراثه به , ولما كان ذلك كذلك في الخيلاء عند القتال كان مثله الخيلاء عند الصدقة ؛ لأن المتصدق يعارضه الشيطان , فيلقي في قلبه نقص ماله بالصدقة التي يحاولها , ويخوفه الفقر إذا كانت منه , كما قال تعالى : الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلا ([ البقرة : 268 ] . وكان إذا اختال عند صدقته ليرى بذلك شيطانه قلة اكتراثه فيما يلقيه في قلبه مما يمنعه به من الصدقة , فيكون ذلك مما يصغر شيطانه في نفسه , ومما يهم صاحب ذلك المال بما يفعله فيه مما يتقرب به إلى الله عز وجل قاهرا له فيه , فكان ذلك منه في الصدقة نظير ما يكون من المقاتل في الاختيال الذي ذكرناه فيه عنده , ويكون حمده على ذلك كحمد المختال عند القتال في اختياله , والله الموفق .
73 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ ( عَنْه عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ قَوْلِهِ لِقَبِيصَةَ بْنِ الْمُخَارِقِ الْهِلَالِيِّ : إنَّ الْمَسْأَلَةَ حَرُمَتْ إلَّا فِي ثَلَاثٍ ) ، ثُمَّ ذَكَرَهُنَّ ، ثُمَّ أَعْقَبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : ( وَمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ الْمَسْأَلَةِ فَهِيَ سُحْتٌ ) . 546 - حَدَّثَنَا يُونُسُ ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ هَارُونَ بْنِ رِئَابٍ ، عَنْ كِنَانَةَ بْنِ نُعَيْمٍ ، ( عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ الْمُخَارِقِ أَنَّهُ تَحَمَّلَ بِحَمَالَةٍ فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : نُخْرِجُهَا عَنْكَ مِنْ إبِلِ الصَّدَقَةِ ، أَوْ نَعَمِ الصَّدَقَةِ يَا قَبِيصَةُ ، إنَّ الْمَسْأَلَةَ حَرُمَتْ إلَّا فِي ثَلَاثٍ رَجُلٍ تَحَمَّلَ بِحَمَالَةٍ ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُؤَدِّيَهَا ثُمَّ يُمْسِكَ ، وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ فَاجْتَاحَتْ مَالَهُ فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ أَوْ سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ ، ثُمَّ يُمْسِكَ ، وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ حَتَّى تَكَلَّمَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ : أَنْ قَدْ حَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ أَوْ سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ ، ثُمَّ يُمْسِكَ ) . 547 - حَدَّثَنَا بَكَّارَ ، حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ هَارُونَ ، عَنْ كِنَانَةَ ، عَنْ قَبِيصَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِثْلَهُ . وَزَادَ : ( رَجُلٍ حَمَلَ حَمَالَةً عَنْ قَوْمِهِ أَرَادَ بِهَا الْإِصْلَاحَ ) . 548 - حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ هَارُونَ بْنِ رِئَابٍ ، عَنْ كِنَانَةَ يَعْنِي الْعَدَوِيَّ ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ الْمُخَارِقِ الْهِلَالِيِّ ، عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ الزِّيَادَةَ الَّتِي زَادَهَا بَكَّارَ فِي حَدِيثِهِ . 549 - وَحَدَّثَنَا يُونُسُ ، حَدَّثَنَا بَشَّارُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ : قَالَ الْأَوْزَاعِيِّ : وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ رِئَابٍ ، حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ - قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهُوَ كِنَانَةُ بْنُ نُعَيْمٍ - قَالَ : كُنْتُ عِنْدَ قَبِيصَةَ جَالِسًا ثُمَّ ذَكَرَ عَنْهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَقُولُ ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ . 550 - وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ ، حَدَّثَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ إبْرَاهِيمَ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ هَارُونَ بْنِ رِئَابٍ ، عَنْ كِنَانَةَ بْنِ نُعَيْمٍ ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ الْمُخَارِقِ ، عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَذَكَرَ مِثْلَهُ . فَتَأَمَّلْنَا هَذَا الْحَدِيثَ فَوَجَدْنَا الْأَشْيَاءَ الثَّلَاثَةَ الَّتِي أَبَاحَ النَّبِيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ عِنْدَهَا الْمَسْأَلَةَ الْمَحْظُورَةَ قَبْلَ ذَلِكَ مِنْهَا الْحَمَالَةُ الَّتِي يُرِيدُ بِهَا الْمُتَحَمِّلُ الْإِصْلَاحَ ، فَيَسْأَلُ عِنْدَ ذَلِكَ حَتَّى يُؤَدِّيَهَا . وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى لُزُومِ الْحَمَالَةِ مَنْ تَحَمَّلَ بِهَا ، وَوُجُوبِهَا عَلَيْهِ دَيْنًا ، وَوُجُوبِ أَخْذِهِ بِهَا ، وَإِنْ كَانَ الْمُتَحَمِّلُ بِهَا عَنْهُ مَقْدُورًا عَلَى مُطَالَبَتِهِ كَمَا يَقُولُ ذَلِكَ مَنْ يَقُولُهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ ، وَالشَّافِعِيُّ . وَقَدْ كَانَ مَالِكٌ قَالَهُ فِيمَا حَكَاه عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ إلَى أَنْ قَالَ : لَا يَجِبُ لِلْمُتَحَمَّلِ لَهُ أَنْ يُطَالِبَ الْحَمِيلَ بِمَا حَمَلَ حَتَّى لَا يَقْدِرَ عَلَى مُطَالَبَةِ الْمُتَحَمَّلِ عَنْهُ . وَمِنْهَا الْمَسْأَلَةُ عِنْدَ الْحَاجَةِ الَّذِي يَتَكَلَّمُ عِنْدَهَا ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا مِنْ قَوْمِ السَّائِلِ : أَنْ قَدْ حَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ ، فَيَسْأَلُ عِنْدَ ذَلِكَ حَتَّى يَسُدَّ حَاجَتَهُ . فَقَالَ قَائِلٌ : فَكَيْفَ قَصَدَ فِي هَذَا إلَى الثَّلَاثَةِ مِنْ قَوْمِهِ دُونَ الِاثْنَيْنِ ، وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ الِاثْنَيْنِ حُجَّةً فِي الشَّهَادَةِ ، وَفِي الْحُكْمِ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ ، وَفِي الْحُكْمِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ فِي الشِّقَاقِ . فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ - بِتَوْفِيقِ اللَّهِ جَلَّ وعز وَعَوْنِهِ - أَنَّ الْخَلْقَ عَبِيدُ اللَّهِ يَتَعَبَّدُهُمْ بِمَا شَاءَ ، فَتَعَبَّدَهُمْ بِأَنْ جَعَلَ الِاثْنَيْنِ حُجَّةً فِيمَا جَعَلَهُمَا فِيهِ كَذَلِكَ ، ثُمَّ جَعَلَ الْحُجَّةَ فِي غَيْرِ ذَلِكَ ، وَهُوَ الزِّنَى بِأَكْثَرَ مِنْ عَدَدِهِمَا ، وَكَانَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي أَبَاحَ الْمَسْأَلَةَ عِنْدَهَا تَعَبَّدَهُمْ فِيهِ عَلَى لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِثَلَاثَةٍ ، وَخَالَفَ بَيْنَ ذَلِكَ ، وَبَيْنَ مَا سِوَاهُ مِمَّا جَعَلَ الِاثْنَيْنِ فِيهِ حُجَّةً ، وَكَانَتْ الْحَاجَةُ الَّتِي ذَكَرْنَا دُونَ الْحَاجَةِ الْمَذْكُورَةِ مَعَهَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، فَكَانَتْ الْحَاجَةُ مِمَّا تَخْتَلِفُ أَحْوَالُ النَّاسِ عِنْدَهَا ، وَيَكُونُ الَّذِي نَزَلَتْ بِهِ بِخِلَافِ الَّذِي أَصَابَتْهُ الْجَائِحَةُ ، الَّتِي لَمْ يَبْقَ لَهُ مَعَهَا شَيْءٌ ، فَكَانَ يَحْتَاجُ إلَى سَدِّ حَاجَتِهِ ، فَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : إنَّ الْمَسْأَلَةَ قَدْ حَلَّتْ لَهُ حَتَّى رَدَّ إلَى أَقْوَالِ الْعَدَدِ الْمَذْكُورِينَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَكَانَتْ حَاجَاتُ النَّاسِ مُخْتَلِفَةً بِاخْتِلَافِ مُؤَنِهِمْ فِي قَلِيلِهَا ، وَفِي كَثِيرِهَا . فَكَانَ ذَلِكَ مَرْدُودًا إلَى مِقْدَارِ الْحَاجَةِ فِي نَفْسِهَا ، وَكَانَ السُّؤَالُ طَلْقًا مِنْ أَجْلِهَا لِأَهْلِهَا حَتَّى يَسُدَّهَا اللَّهُ تَعَالَى بِمَا شَاءَ أَنْ يَسُدَّهَا بِهِ مِنْ مَقَادِيرِ الْأَشْيَاءِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ مِقْدَارَ مَا يَمْنَعُ مِنْ الْمَسْأَلَةِ بِعَيْنِهِ ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُخَالَفا لِلْمَقَادِيرِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي هَذَا الْبَابِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا الْبَابِ ، وَكَانَ مَا فِي ذَلِكَ لِلْحَاجَةِ الَّتِي لَا حَاجَةَ بَعْدَهَا ، وَكَانَ مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ لِلْحَاجَةِ الَّتِي قَدْ تَكُونُ ، وَبَقِيَ مَعَهَا لِلَّذِي قَدْ يَلْتَمِسُ الْمَسْأَلَةَ مِنْ أَجْلِهَا شَيْءٌ مِنْ مَالِهِ ، لَا يَسْتَطِيعُ بِهِ سَدَادَ حَاجَتِهِ ، فَأُبِيحَتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يَسُدَّهَا ، وَاخْتَلَفَ مَقَادِيرُ النَّاسِ فِي ذَلِكَ فِي حَاجَاتِهِمْ فَلَمْ يَذْكُرْ مِقْدَارَ الْبَاقِي للَّذِي أُبِيحَتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ مَعَهُ لِذَلِكَ ، وبالله التَّوْفِيقَ .
790 - باب بيان مشكل ما يقضى بين المختلفين في بيع الولاء ، وفي هبته بما يروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك . 5907 - حدثنا عبد الغني بن أبي عقيل ، قال : حدثنا سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار أن ميمونة وهبت ولاء سليمان بن يسار لابن عباس . فقال قائل : هذه ميمونة وابن عباس قد أجازا هبة الولاء ، فإلى قول من خالفتموهما . فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله - عز وجل - وعونه : أنا خالفناهما إلى ما قد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يخالف ما قالا ، ومما لو احتج به عليهما لرجعا عما قالا إليه . 5908 - كما قد حدثنا بكار بن قتيبة ، قال : حدثنا أبو داود ، قال : حدثنا شعبة ومالك بن أنس ، عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر ، قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عن بيع الولاء وعن هبته ، قال شعبة : فقلت له : سمعته من ابن عمر ، قال : نعم ، سألت ابنه وسأله ابنه عنه . 5909 - وكما حدثنا صالح بن عبد الرحمن ، قال : حدثنا عبد الله بن يزيد المقرئ ، قال : حدثنا ورقاء وسفيان بن عيينة وشعبة ، عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله . 5910 - وكما حدثنا ابن أبي عقيل ، قال : حدثنا سفيان ، عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله . 5911 - وكما حدثنا ابن أبي داود ، قال : حدثنا عمرو بن خالد ، قال : حدثنا زهير بن معاوية ، عن سفيان ، عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله . 5912 - وكما حدثنا روح بن الفرج ، قال : حدثنا عمرو بن خالد ، قال : حدثنا زهير بن معاوية ، عن سفيان وابن عبد الله بن دينار ، عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله . 5913 - وكما حدثنا ابن أبي داود ، قال : حدثنا مسدد ، قال : حدثنا يحيى بن سعيد ، عن سفيان وشعبة وعبيد الله بن عمر قالوا : حدثنا عبد الله بن دينار ، قال : سمعت ابن عمر يقول : فذكر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مثله . 5914 - وكما حدثنا نصر بن مرزوق ، قال : حدثنا علي بن معبد ، قال : حدثنا إسماعيل بن جعفر ، عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله . 5915 - وكما حدثنا فهد ، قال : حدثنا أبو نعيم ، قال : حدثنا حسن بن صالح ، قال : سمعت عبد الله بن دينار يقول : سمعت ابن عمر يقول فذكر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مثله . 5916 - وكما حدثنا الربيع بن سليمان الجيزي ، قال : حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس الكوفي ، قال : سمعت عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة ، عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكر مثله . قال أبو جعفر : وهذه سنة لم ترو ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير هذا الوجه الذي رويناها عنه منه ، ولم يرو عنه شيء مما يخالفها ، فوجب القول بها ، ولم يسع خلافها ، وكان فقهاء الأمصار على موافقتها وعلى مخالفة ما روي عن ابن عباس وعن ميمونة في ذلك مما قد ذكرناه في هذا الباب ، فكان القياس يوجب ذلك أيضا ؛ لأن الولاء في ثبوته لمن وجب له بالعتاق الذي كان منه كالنسب الذي يثبت من الرجل لولده ، فكما لا يصلح له هبة الرجل نسب ولده ، فكذلك لا يصلح له هبة ولاء مولاه لغيره ، والله - عز وجل - نسأله التوفيق .
74 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْه عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ قَوْلِهِ : ( شَهْرَا عِيدٍ لَا يَنْقُصَانِ : رَمَضَانُ وَذُو الْحِجَّةِ ) . 551 - حَدَّثَنَا ابْنُ مَرْزُوقٍ ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : ( شَهْرَا عِيدٍ لَا يَنْقُصَانِ : رَمَضَانُ وَذُو الْحِجَّةِ ) . 552 - حَدَّثَنَا ابْنُ مَرْزُوقٍ ، وَعَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ جَمِيعًا ، قَالَا : حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ ، أَخْبَرَنَا حَمَّادٌ ، وَهُوَ ابْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ سَالِمٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ مِثْلَهُ . فَتَأَمَّلْنَا هَذَا الْحَدِيثَ لِنَقِفَ عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي أُرِيدَ بِهِ مَا فِيهِ ، وَهَلْ هُوَ عَلَى نُقْصَانِ الْعَدَدِ كَمَا قَالَ مَنْ قَالَ ذَلِكَ ، أَوْ هَلْ هُوَ عَلَى وُجُودِ النُّقْصَانِ مِنْ الْعَدَدِ فِي أَحَدِهِمَا ، وَعَلَى انْتِفَائِهِ مِنْ الْآخَرِ حَتَّى لَا يَكُونَا جَمِيعًا نَاقِصَيْنِ ؟ أَوْ خِلَافُ هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ . فَوَجَدْنَا مَا قَدْ عَهِدْنَاهُ فِي الْأَزْمِنَةِ أَنَّ النُّقْصَانَ مِنْ الْعَدَدَيْنِ يَكُونُ فِي أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ ، وَقَدْ يَكُونُ فِيهِمَا جَمِيعًا ، لَا تَنَازُعَ فِي ذَلِكَ ، وَقَدْ حَقَّقَهُ مَا قَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِمَّا أَمَرَ بِاسْتِعْمَالِهِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَفِي أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ 553 - كَمَا حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ ، وَابْنُ مَرْزُوقٍ قَالَا : حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ : أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ جُبَيْرٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ ( ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ : إنِّي لَأَعْجَبُ مِنْ الَّذِينَ يَصُومُونَ قَبْلَ رَمَضَانَ ، إنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إذَا رَأَيْتُمْ الْهِلَالَ فَصُومُوا ، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ ) . 554 - وَكَمَا حَدَّثَنَا بَكَّارَ ، حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ بَشَّارٍ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : سَمِعْته يَقُولُ ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ . 555 - وَكَمَا حَدَّثَنَا ابْنُ خُزَيْمَةَ ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ قَالَ : سَمِعْت أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ : قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : ( صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ ) . 556 - وَكَمَا حَدَّثَنَا فَهْدٌ ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ ، حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ حُمَيْدٍ الرُّؤَاسِيُّ ، عَنْ مُجَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ : قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إذَا جَاءَ رَمَضَانُ فَصُمْ ثَلَاثِينَ ، إلَّا أَنْ تَرَى الْهِلَالَ قَبْلَ ذَلِكَ . فَعَقِلْنَا بِذَلِكَ أَنَّ شَهْرَ رَمَضَانَ قَدْ يَكُونُ ثَلَاثِينَ ، وَقَدْ يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ ) ، فَاحْتَجْنَا إلَى مَعْنَى قَوْلِهِ : ( شَهْرَا عِيدٍ لَا يَنْقُصَانِ ) مَا هُوَ ؟ فَوَجَدْنَا هَذَيْنِ الشَّهْرَيْنِ وَهُمَا رَمَضَانُ وَذُو الْحِجَّةِ يُبْنَيَانِ عَلَى سِوَاهُمَا مِنْ الشُّهُورِ ؛ لِأَنَّ فِي أَحَدِهِمَا الصِّيَامَ ، وَلَيْسَ فِي غَيْرِهِ مِنْ الشُّهُورِ . وَفِي أَحَدِهِمَا الْحَجَّ ، وَلَيْسَ فِي غَيْرِهِ مِنْ الشُّهُورِ ، فَكَانَ مَوْهُومًا أَنْ يَقَعَ فِي قُلُوبِ قَوْمٍ أَنَّهُمَا إذَا كَانَا تِسْعًا وَعِشْرِينَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ نَقَصَ بِذَلِكَ الصَّوْمُ الَّذِي فِي أَحَدِهِمَا ، وَالْحَجُّ الَّذِي يَكُونُ فِي الْآخَرِ عَن ما يَكُونَانِ عَلَيْهِ إذَا كَانَا ثَلَاثِينَ ثَلَاثِينَ ، فَأَعْلَمَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُمَا لَا يَنْقُصَانِ ، وَإِنْ كَانَا تِسْعًا وَعِشْرِينَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ ، عَن ما يَكُونُ فِيهِمَا مِنْ هَاتَيْنِ الْعِبَادَتَيْنِ ، وَأَنَّ هَاتَيْنِ الْعِبَادَتَيْنِ كَامِلَتَانِ فِيهِمَا ، وَإِنْ كَانَا فِي الْعَدَدِ كَذَلِكَ كَكَمَالِهِمَا فِيهِمَا إذَا كَانَا ثَلَاثِينَ ثَلَاثِينَ . وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ الْبَصْرِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخِلَافِ هَذَا الْمَعْنَى . 557 - كَمَا حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُد ، حَدَّثَنَا فَرْوَةُ بْنُ أَبِي الْمَغْرَاءِ ، حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ مَالِكٍ الْمُزَنِيّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : ( كُلُّ شَهْرٍ حَرَامٍ ثَلَاثُونَ يَوْمًا ، وَثَلَاثُونَ لَيْلَةً ) . فَكَانَ هَذَا عِنْدَنَا لَيْسَ بِشَيْءٍ ، إذْ كَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ لَا يُقَاوِمُ خَالِدًا الْحَذَّاءَ فِي إمَامَتِهِ فِي الرِّوَايَةِ ، وَلَا فِي ضَبْطِهِ فِيهَا ، وَلَا فِي إتْقَانِهِ لَهَا ، وَإذ كَانَ الْعِيَانُ قَدْ دَفَعَ ذَلِكَ ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ .
715 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرضاع الذي تجب به الحرمة , هل له عدد معلوم أم لا ؟ . 5345 - حدثنا روح بن الفرج ، حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير ، حدثني الليث بن سعد ، حدثني يونس بن يزيد ، عن ابن شهاب ، عن عروة بن الزبير ، عن عائشة رضي الله عنها ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تحرم المصة من الرضاع والمصتان . 5346 - وحدثنا نصر بن مرزوق ، حدثنا أبو زرعة وهب الله بن راشد , حدثنا يونس بن يزيد ، عن ابن شهاب ، حدثني عروة بن الزبير ، عن عبد الله بن الزبير ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا تحرم المصة من الرضاع ولا المصتان . قال أبو جعفر : فاختلف الليث ووهب الله بن راشد على يونس في إسناد هذا الحديث , فقال فيه كل واحد منهما عنه ما قد ذكرناه عنه فيه , ثم نظرنا في حقيقة إسناد هذا الحديث كيف هي ؟ . 5347 - فوجدنا أحمد بن شعيب قد حدثنا قال : أخبرني زياد بن أيوب ، حدثنا ابن علية ، عن أيوب ، عن ابن أبي مليكة ، عن عبد الله بن الزبير ، عن عائشة قالت : قال النبي صلى الله عليه وسلم : لا تحرم المصة ولا المصتان . فوقفنا بذلك على أن هذا الحديث قد رجع إلى عائشة , إما عن عروة عنها , وإما عن ابن الزبير عنها . ثم نظرنا , هل روى هذا الحديث عن عروة بن الزبير غير الزهري أم لا ؟ . 5348 - فوجدنا محمد بن خزيمة قد حدثنا قال : حدثنا حجاج بن منهال , حدثنا حماد بن سلمة ، أخبرنا هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عبد الله بن الزبير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا تحرم الرضعة والرضعتان . 5349 - ووجدنا يحيى بن عثمان قد حدثنا قال : حدثنا يوسف بن عدي , حدثنا عباد بن عباد المهلبي ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عبد الله بن الزبير ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم , فذكر مثله . 5350 - ووجدنا يوسف بن يزيد قد حدثنا قال : حدثنا سعيد بن منصور , حدثنا الدراوردي ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عبد الله بن الزبير ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم , فذكر مثله . 5351 - ووجدنا محمد بن علي بن زيد المكي قد حدثنا ، حدثنا إبراهيم بن محمد الشافعي ، حدثنا عبد الله بن رجاء ، عن عبيد الله بن عمر ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن ابن الزبير ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم , ثم ذكر مثله . قال أبو جعفر : فكان هذا الحديث من حديث هشام بن عروة عن عروة , قد رواه عنه كثير من أصحابه الذين يؤخذ علمه عنهم مما قد ذكرناه عنهم عنه , وردوه إلى عبد الله بن الزبير لا إلى عائشة , غير أنا وجدنا من أصحابه رجلا واحدا قد خالف كل من رواه عنه فيه , فذكر عن عبد الله بن الزبير عن الزبير . 5352 - كما قد حدثنا يزيد بن سنان ، حدثنا أبو كامل فضيل بن الحسين الجحدري ، حدثنا محمد بن دينار أبو بكر العلائي ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عبد الله بن الزبير ، عن أبيه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا تحرم المصة أو المصتان , أو الإملاجة أو الإملاجتان . قال أبو جعفر : ولما كان هذا الحديث إنما دار على عروة بن الزبير , إما عن عائشة , وإما عن عبد الله بن الزبير , ثم وجدناه عن عروة بن الزبير بعد وقوفه على ما عنده في ذلك , إما عن عائشة , وإما عن عبد الله بن الزبير قد قاله في الرضاع الذي يحرم ما يخالف ما في هذه الآثار . 5353 - كما قد حدثنا يونس ، أخبرنا عبد الله بن وهب أن مالكا أخبره ، عن إبراهيم بن عقبة أنه سأل سعيد بن المسيب عن الرضاعة , فقال : ما كان في الحولين وإن كان قطرة واحدة , فهو يحرم , وما كان بعد الحولين , فإنما هو طعام يأكله , قال إبراهيم بن عقبة : ثم سألت عروة بن الزبير , فقال كما قال سعيد بن المسيب . قال أبو جعفر : فعقلنا بذلك أن عروة مع جلالة قدره وموضعه من العلم لم يدع ما في ذلك عنده عن عائشة , أو عن عبد الله بن الزبير , عن النبي صلى الله عليه وسلم إلى ما يخالفه إلا وقد ثبت نسخ ذلك عنده ؛ لأنه لو لم يكن الأمر كذلك , لسقط بذلك عدله , وإذا سقط عدله سقطت روايته , وحاش لله عز وجل أن يكون كذلك , وأن يكون ما قال من ذلك مما أفتى به إبراهيم بن عقبة إلا بما هو أولى عنده مما يخالف ذلك مما حدثته به عائشة أو عبد الله بن الزبير مما هو ناسخ له . فإن قال قائل : وما الذي نسخ ذلك ؟ قيل له : ما قد رويناه في غير هذا الموضع عن القاسم بن محمد ، عن عمرة ، عن عائشة . 5354 - م - كما حدثنا محمد بن خزيمة , حدثنا الحجاج بن منهال قال : حدثنا حماد بن سلمة ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن القاسم بن محمد ، عن عمرة أن عائشة رضي الله عنها قالت : كان فيما أنزل من القرآن ثم سقط : أن لا يحرم من الرضاع إلا عشر رضعات , ثم نزل بعد : أو خمس رضعات . فقد يحتمل أن يكون سقوط ذلك من القرآن سقوطا له من الأحكام , ويكون ترك عروة لمراعاة الخمس لثبوت سقوط ذلك عندهم من الأحكام . فقال قائل : فقد روي عن غير عائشة وعبد الله بن الزبير في هذا الباب ما يوافق ما قد روي عنهما فيه من نفي التحريم بالإملاجة والإملاجتين . 5355 - فذكر ما قد حدثنا محمد بن خزيمة ، حدثنا حجاج بن منهال قال : حدثنا حماد بن سلمة ، أخبرنا قتادة ، عن أبي الخليل ، عن عبد الله بن الحارث ، عن أم الفضل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا تحرم الإملاجة ولا الإملاجتان . 5356 - وما قد حدثنا أحمد بن داود قال : حدثنا سليمان بن حرب , حدثنا حماد بن زيد ، عن أيوب ، [ عن أبي الخليل ] , عن عبد الله بن الحارث ، عن أم الفضل أن رجلا تزوج امرأة وعنده امرأة أخرى , فأتى النبي صلى الله عليه وسلم , وقال : إن امرأتي الأولى زعمت أنها أرضعت امرأتي الأخرى , فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لا تحرم الإملاجة ولا الإملاجتان . 5357 - وما قد حدثنا صالح بن شعيب بن أبان البصري قال : حدثنا مسدد , حدثنا حماد بن زيد , ثم ذكر بإسناده مثله . 5358 - وما قد حدثنا يحيى بن عثمان , حدثنا بكر بن خلف , حدثنا المعتمر بن سليمان قال : سمعت أيوب يذكر عن أبي الخليل ، عن عبد الله بن الحارث ، عن أم الفضل أنها قالت : دخل أعرابي على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في بيتي , فقال : يا رسول الله ، إنه كانت لي امرأة فتزوجت عليها أخرى , وإن امرأتي الأولى زعمت أنها أرضعت امرأتي الأخرى رضعة أو رضعتين , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تحرم الإملاجة ولا الإملاجتان . قال : ففي هذا الحديث أيضا كما في حديث عروة بن الزبير . فكان جوابنا له في ذلك أن من علم شيئا أولى ممن قصر عنه , فكان عروة ممن قد وقف من حقيقة هذا الحكم على ما وقف عليه مما ذكرناه عنه , وقصر عن ذلك رواة هذا الحديث , وكان ما وقف عليه عروة من ذلك حجة على رواة هذا الحديث بإيجابه ترك ما قد ذهب عليهم إلى ما رواه عروة مما قد ذكرناه عنه . فقال قائل : فإن في حديث عائشة ما قد خالف ما قد رويته عن القاسم ، عن عمرة , عنها . 5359 - فذكر ما قد حدثنا يونس ، أخبرنا ابن وهب أن مالكا حدثه عن عبد الله بن أبي بكر ، عن عمرة ابنة عبد الرحمن ، عن عائشة أنها قالت : كان فيما أنزل من القرآن : عشر رضعات معلومات يحرمن , ثم نسخن بـ : خمس رضعات معلومات , فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مما يقرأ من القرآن . قال : ففي هذا الحديث ما قد دل على بقاء حكم الخمس . فكان جوابنا له في ذلك أن القاسم بن محمد في الحفظ والإتقان فوق عبد الله بن أبي بكر , لا سيما وقد وافقه على ما روى من ذلك يحيى بن سعيد , وهو فوق عبد الله بن أبي بكر أيضا . 5360 - كما حدثنا محمد بن خزيمة قال : حدثنا حجاج بن منهال قال : حدثنا حماد بن سلمة ، عن يحيى بن سعيد ، عن عمرة ، عن عائشة قالت : نزل من القرآن : لا يحرم إلا عشر رضعات , ثم نزل بعد ذلك : أو خمس رضعات . 5361 - وكما حدثنا روح بن الفرج قال : حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير قال : حدثني الليث ، عن يحيى بن سعيد ، عن عمرة ، عن عائشة أنها قالت : أنزل في القرآن عشر رضعات معلومات , ثم أنزل : خمس معلومات . والقاسم ويحيى أولى بالحفظ من عبد الله بن أبي بكر , لعلو مرتبتهما في العلم , ولأن اثنين أولى بالحفظ من واحد لو كان يكافئ واحدا منهما , فكيف وهو يقصر عن كل واحد منهما مع أن حديثه محال ! لأنه لو كان ما روى كما روى , لوجب أن يلحق بالقرآن , وأن يقرأ به في الصلوات كما يقرأ فيها سائر القرآن , وأن يكون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تركوا بعض القرآن فلم يكتبوه في مصاحفهم , وحاش لله أن يكون كذلك , أو يكون قد بقي من القرآن غير ما جمعه الراشدون المهديون , ولأنه لو كان ذلك كذلك جاز أن يكون ما كتبوه منسوخا , وما قصروا عنه ناسخا , فيرتفع فرض العمل , ونعوذ بالله من هذا القول ومن قائليه . ثم الجلة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كانوا في التحريم بقليل الرضاع وبكثيره على ما ذكرنا , منهم علي بن أبي طالب , وعبد الله بن مسعود , وابن عباس , وعبد الله بن عمر رضي الله عنهم . 5362 - كما قد حدثنا محمد بن خزيمة ، حدثنا حجاج بن منهال , حدثنا حماد بن سلمة ، أخبرنا قتادة قال : كتب إلى إبراهيم النخعي يسأله عن الرضعة والرضعتين , فكتب : إن أبا الشعثاء حدثهم أن عليا وابن مسعود قالا : يحرم من الرضاع قليله وكثيره . 5363 - وكما حدثنا أحمد بن شعيب ، أخبرنا محمد بن عبد الله بن بزيع قال : حدثنا يزيد يعني ابن زريع قال : حدثنا سعيد يعني ابن أبي عروبة ، عن قتادة قال : كتبنا إلى إبراهيم بن يزيد النخعي نسأله عن الرضاعة , فكتب : إن شريحا حدثه أن عليا وابن مسعود كانا يقولان : يحرم من الرضاع قليله وكثيره . 5364 - وكما حدثنا محمد بن خزيمة ، حدثنا حجاج بن منهال ، أخبرنا حماد ، عن قيس ، عن طاوس ، عن ابن عباس قال : يحرم قليل الرضاع وكثيره . 5365 - وكما حدثنا محمد بن خزيمة قال : حدثنا حجاج قال : حدثنا حماد ، أخبرني عمرو بن دينار أن ابن عمر سئل عن المصة والمصتين , فقال : لا يصلح , فقيل له : إن ابن الزبير لا يرى به بأسا , فقال : يقول الله : وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ ([ النساء : 23 ] , فقضاء الله أحق من قضاء ابن الزبير . ثم فقهاء الأمصار أيضا على هذا القول من أهل المدينة ومن أهل الكوفة , إلا من خرج عنهم إلى التعلق بهذه الآثار , وقد دل على ذلك مما قد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . 5366 - ما قد حدثنا إسماعيل بن إسحاق الكوفي قال : حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين ، حدثنا عبد السلام بن حرب ، عن أيوب ، عن ابن أبي مليكة قال : حدثني عقبة بن الحارث أنه تزوج امرأة , فأدخلت عليه , فدخلت عليهما امرأة سوداء , فقالت : إني قد أرضعتكما , فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم , فقلت : يا رسول الله ، إني قد تزوجت امرأة , فأدخلت علي , فدخلت علينا امرأة سوداء , فقالت : إني قد أرضعتكما , فأعرض عني , فجئته من الجانب الآخر , فقلت : يا رسول الله ، إني قد تزوجت امرأة , فأدخلت علي , فدخلت علينا امرأة سوداء , فقالت : إني قد أرضعتكما , وهي كاذبة , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كيف وهي تزعم أنها قد أرضعتكما ! دعها عنك . قال أبو جعفر : هكذا حدثنا إسماعيل . 5367 - وقد حدثنا الربيع المرادي قال : حدثنا أسد بن موسى قال : حدثنا حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن ابن أبي مليكة ، عن عقبة بن الحارث , قال ابن أبي مليكة : قد سمعت الحديث من عقبة , وحدثنيه صاحب لي عنه , فأنا لحديث صاحبي أحفظ , قال : قال عقبة : تزوجت أم يحيى بنت أبي إهاب , فدخلت علينا امرأة سوداء , فزعمت أنها أرضعتنا جميعا , فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم , فذكرت ذلك له , فأعرض عني , قلت : يا رسول الله ، إنها كاذبة , قال : وما يدريك ؟ كيف بها وقد قالت ما قالت , دعها عنك . ثم نظرنا في هذا الحديث , هل نقدر على معرفة الرجل الذي ذكره ابن أبي مليكة عنه عن عقبة أم لا ؟ . 5368 - فإذا أحمد بن شعيب قد حدثنا قال : أخبرنا علي بن حجر ، أخبرنا إسماعيل ابن علية ، عن أيوب ، عن ابن أبي مليكة قال : حدثني عبيد بن أبي مريم ، عن عقبة بن الحارث قال : وقد سمعته من عقبة , ولكني لحديث عبيد أحفظ , قال : تزوجت امرأة , فجاءتنا امرأة سوداء ثم ذكر هذا الحديث . فوقفنا بذلك على أن الرجل الذي حدث ابن أبي مليكة بهذا الحديث عنه بعد سماعه إياه من عقبة هو عبيد بن أبي مريم ثم نظرنا , هل رواه عن ابن أبي مليكة غير من ذكرنا ؟ . 5369 - فوجدنا إبراهيم بن مرزوق قد حدثنا قال : حدثنا أبو عاصم ، أخبرنا ابن جريج ، أخبرني ابن أبي مليكة ، حدثني عقبة بن الحارث , أو سمعته يحدث القوم , قال : تزوجت بنت أبي إهاب , فجاءت أمة سوداء , فزعمت أنها أرضعتني , فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم , فسألته , فأعرض عني - هكذا أملاه علينا إبراهيم , وإنما هو : فزعمت أنها أرضعتنا , أو أنها أرضعتني وإياها - فأعرض عني , ثم سألته , فأعرض عني , ثم قال : كيف بك وقد قيل ذلك ! ونهاني عنها 5370 - ووجدنا أحمد بن شعيب قد حدثنا قال : حدثنا إسحاق بن إبراهيم ، أخبرنا عيسى بن يونس ، حدثني عمر بن سعيد بن أبي الحسين ، عن ابن أبي مليكة ، عن عقبة بن الحارث أنه تزوج ابنة أبي إهاب , فجاءت مولاة له من أهل مكة صبيحة ملكها , فقالت : قد أرضعتكما , فسألت أهل الجارية , فأنكروا ذلك , فركبت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو بالمدينة , فذكرت ذلك , فقلت : يا رسول الله ، قد سألت أهل الجارية فأنكروا ذلك , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كيف وقد قيل ! فطلقتها ونكحت غيرها . 5371 - ووجدنا فهدا قد حدثنا قال : حدثنا أبو حذيفة ، حدثنا سفيان ، عن عمر بن أبي الحسين ، عن ابن أبي مليكة ، عن عقبة بن الحارث أن امرأة سوداء جاءت , فزعمت أنها أرضعتهما , فذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم , فأعرض وتبسم , فقال : وكيف وقد قيل ! وكانت تحته امرأة أبي إهاب التميمي . 5372 - ووجدنا فهدا [ قال ] : حدثنا أبو حذيفة قال : حدثنا سفيان ، عن ابن جريج ، عن ابن أبي مليكة ، عن عقبة بمثله , إلا أنه زاد فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهاه . قال أبو جعفر : وكان في هذا الحديث ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم كشف عدد الرضاع الذي ذكرت تلك السوداء أنها أرضعت عقبة والمرأة التي تزوجها , وفي ذلك ما قد دل على استواء قليله وكثيره في الحرمة , لأنه لو كان من شريعته أن لا تحرم الرضعة والرضعتان إلى العدد المذكور في ذلك الحديث الذي روينا , لاستحال أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر الذي سأله بفراق من قد أرضعته والمرأة التي قد تزوجها المرأة التي ذكرت له أنها أرضعتهما رضاعا لا يمنع من تزويجه إياها , ولكن يقف عقبة , فيقول له : سلها عن عدد الرضاع الذي أرضعتكما , كم هو ؟ ليقف بذلك على أنه من الرضاع الذي يحرم عليه أن يتزوجها إذا كان في الحقيقة كذلك , والتورع عن ذلك إذا كان الشك فيه , أو أنه من الرضاع الذي لا يحرم عليه تزويجها , فيخليه وذلك التزويج , وفي تركه كذلك ما قد دل على أنه لا فرق كان عنده بين قليل الرضاع وبين كثيره في الحرمة , والله نسأله التوفيق .
75 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا قَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَوْلِهِ : ( مَنْ أَحْسَنَ فِي الْإِسْلَامِ لَمْ يُؤَاخَذْ بِمَا عَمِلَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، وَمَنْ أَسَاءَ فِي الْإِسْلَامِ أُخِذَ بِالْأَوَّلِ وَالْآخِرِ ) . 558 - حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ ، وَبَكَّارٌ قَالَا : حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : ( قَالَ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَيُؤَاخَذُ أَحَدُنَا بِمَا عَمِلَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، فَقَالَ : مَنْ أَحْسَنَ فِي الْإِسْلَامِ لَمْ يُؤَاخَذْ بِمَا عَمِلَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، وَمَنْ أَسَاءَ فِي الْإِسْلَامِ ، أُخِذَ بِالْأَوَّلِ وَالْآخِرِ ) . 559 - حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، حَدَّثَنَا الثَّوْرِيُّ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، وَالْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِثْلَهُ . 560 - حَدَّثَنَا بَكَّارَ ، حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ إسْمَاعِيلَ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ ، وَمَنْصُورٌ ، ثُمَّ ذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ . 561 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَنْصُورٍ الْبَالِسِيُّ أَبُو عَلِيٍّ ، حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ جَمِيلٍ ، حَدَّثَنَا زَائِدَةُ بْنُ قُدَامَةَ ، وَجَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : قَالَ النَّاسُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ سَوَاءً . فَسَأَلَ سَائِلٌ فَقَالَ : هَلْ يَلْتَئِمُ هَذَا الْحَدِيثُ وَالْحَدِيثُ الَّذِي رَوَيْتُمُوهُ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَذَكَرَ : 562 - مَا قَدْ حَدَّثَنَا فَهْدٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ بُهْلُولٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إدْرِيسَ ، حَدَّثَنَا ابْنُ إِسْحَاقَ ، حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ ، عَنْ رَاشِدٍ مَوْلَى حَبِيبِ بْنِ أَبِي أَوْسٍ ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي أَوْسٍ قَالَ : حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ حَدِيثَهُ مِنْ فِيهِ ، فَذَكَرَ قِصَّةَ إسْلَامِهِ قَالَ : ( فَقُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أُبَايِعُك عَلَى أَنْ يُغْفَرَ لِي مَا تَقَدَّمَ ، وَلَا أَذْكُرُ مَا اسْتَأْنَفَ قَالَ : يَا عَمْرُو ، بَايِعْ فَإِنَّ الْإِسْلَامَ يَجُبُّ مَا كَانَ قَبْلَهُ ، وَإِنَّ الْهِجْرَةَ تَجُبُّ مَا كَانَ قَبْلَهَا ) . فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ عَنْ ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ أَنَّ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ مُلْتَئِمَانِ غَيْرُ مُخْتَلِفَيْنِ وَلَا مُتَضَادَّيْنِ ، وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَنَا - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - مَنْ أَحْسَنَ فِي الْإِسْلَامِ هُوَ عَلَى مَعْنَى مَنْ أَسْلَمَ فِي الْإِسْلَامِ وَمِنْ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا فَكَانَتْ الْحَسَنَةُ الْمُرَادَةُ فِي ذَلِكَ هِيَ الْإِسْلَامَ ، فَكَانَ مَنْ جَاءَ بِالْإِسْلَامِ مَجْبُوبًا عَنْهُ مَا كَانَ مِنْهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، وَمُوَافِقًا لِمَا فِي حَدِيثِ عَمْرٍو أَنَّ ( الْإِسْلَامَ يَجُبُّ مَا كَانَ قَبْلَهُ ) ، وَمَنْ لَزِمَ الْكُفْرَ فِي الْإِسْلَامِ كَانَ قَدْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فِي الْإِسْلَامِ ، وَمِنْهُ قَوْل اللَّه تَعَالَى : وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلا مِثْلَهَا فَكَانَتْ عُقُوبَةُ تِلْكَ السَّيِّئَةِ عَلَيْهِ مُنضَافَةً إلَى عُقُوبَاتِ مَا قَبْلَهَا مِنْ سَيِّئَاتِهِ كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، فَاتَّفَقَ بِحَمْدِ اللَّهِ حَدِيثَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّذَانِ ذَكَرْنَاهُمَا ، وَلَمْ يَخْتَلِفَا .
791 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذكره مما لا تصلح له المساجد ومما هي له . 5917 - حدثنا بكار بن قتيبة ، قال : حدثنا عمر بن يونس اليماني ، قال : حدثنا عكرمة بن عمار ، قال : حدثني إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ، قال : حدثني أنس بن مالك ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا يعني : البول والعذرة ، إنما هي لذكر الله - عز وجل - وللصلاة ولقراءة القرآن ، قال عكرمة ، أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال قائل : فقد رويتم ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما اعتكف في المسجد ضرب له خباء فيه ، وضرب لمن اعتكف معه من نسائه أخبية فيه ، وقد ذكرت ذلك فيما تقدم منك في كتابك هذا وفي ذلك استعماله لغير ما ذكر في الحديث الأول أنه يصلح له ، ورويت مع ذلك في غير كتابك هذا مما يدخل في هذا المعنى . 5918 - فذكر ما قد حدثنا فهد بن سليمان ، قال : حدثنا محمد بن سعيد ابن الأصبهاني ، قال : حدثنا علي بن عابس الملائي ، عن أبي فزارة ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن أبي ليلى أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتكف في العشر الأواخر من رمضان في قبة من خوص . قال هذا القائل : وفي ذلك إشغال المسجد لغير ما بني له ، وهذا وحديث أنس بن مالك الذي ذكرته في أول هذا الباب متضادان . فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله - عز وجل - وعونه : أنه لا تضاد في ذلك كما ذكر ؛ لأن الاعتكاف سبب لذكر الله - عز وجل - من المعتكفين ، وذلك مما يدخل في المعنى المذكور في حديث أنس الذي ذكرنا ، وكان المعتكفون يحتاجون في إقامتهم في اعتكافهم إلى ما يقيهم البرد والحر ، وإلى ما لا يتهيأ لهم الإقامة للاعتكاف الذي هم فيه من المساجد إلا به ، ومما يحتجب أمهات المؤمنين اللائي اعتكفن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرجال الذين لا يحل لهم النظر إليهن إلا هو ، ومن اتخاذ ما يحتاجون إليه من الطعام والشراب مما لا تقوم أبدانهم إلا به في المواضع التي يعتكفون فيها ، فكان ما اتخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك لنفسه ، ولمن اعتكف معه من أزواجه في المسجد الذي كان اعتكافه وإياهم فيه لهذا المعنى ، ولم يكن ما فعل من ذلك بقاطع الناس عن الصلاة في بقية المسجد ، وعن الوصول بذلك إلى ما كانوا يصلون إليه منه لو لم يتخذ هذه الأشياء فيه ، وكانت هذه الأشياء التي اتخذت فيه أسبابا لذكر الله - عز وجل - فيه ، فقد عاد معنى ذلك إلى معنى الحديث الأول ، قال هذا القائل : فقد رويتم ما زاد على هذا المعنى . 5919 - وذكر ما قد حدثنا فهد بن سليمان ، قال : حدثنا أبو بكر ابن أبي شيبة ، قال : حدثنا عبد الله بن نمير ، قال : حدثنا هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة قالت : أصيب سعد ، يعني : ابن معاذ - رضي الله عنه - يوم الخندق رماه رجل من قريش يقال له : حبان بن العرقة ، رماه في الأكحل ، فضرب عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم قبة في المسجد ليعوده من قريب . 5920 - وما قد حدثنا أحمد بن مسعود الخياط المقدسي ، قال : حدثنا محمد بن عيسى ابن الطباع ، قال : حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة ، قال : حدثنا هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب لسعد بن معاذ قبة في المسجد لتقرب عليه عيادته . قال هذا القائل : ففي هذا أيضا زيادة على المعنى الذي ذكرناه فيما كان اتخذه صلى الله عليه وسلم لنفسه ولأزواجه في اعتكافه وفي اعتكافهن معه في المسجد . فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله - عز وجل - وعونه : أنه قد يحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم أراد بما فعل من ذلك الزيادة لسعد عند ربه - عز وجل - من فضل الصلوات في مسجده وأن لا ينقطع عن ذلك بما حدث به ليكمل الله - عز وجل - له في صلواته ما جعله على لسان نبيه لمن صلى في مسجده صلاة من الفضل الذي يعطاه عليها زيادة على ما يعطاه من صلاها في غيره ، وهو ألف صلاة فجعل له في مسجده ما جعل له مما يكون منه ليدرك هذا الجزاء على هذه الصلوات مع قربه من عيادته والوقوف على أحواله ، وفي ذلك أيضا موافقة ما في الحديث الأول ، والله - عز وجل - نسأله التوفيق .
76 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَوْلِهِ : ( إذَا هَلَكَ كِسْرَى فَلَا كِسْرَى بَعْدَهُ ، وَإِذَا هَلَكَ قَيْصَرُ فَلَا قَيْصَرَ بَعْدَهُ ) . 563 - حَدَّثَنَا يُونُسُ ، أَخْبَرَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ ، عَنْ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي ذُبَابٍ ، عَنْ عَمِّهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : ( إذَا هَلَكَ كِسْرَى فَلَا كِسْرَى بَعْدَهُ ، وَإِذَا هَلَكَ قَيْصَرُ فَلَا قَيْصَرَ بَعْدَهُ ، وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتُنْفَقَنَّ كُنُوزُهُمَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) . 564 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : ( يَهْلِكُ كِسْرَى فَلَا كِسْرَى بَعْدَهُ ، وَإِذَا هَلَكَ قَيْصَرُ فَلَا قَيْصَرَ بَعْدَهُ ، وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتُنْفَقَنَّ كُنُوزُهُمَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) . 565 - حَدَّثَنَا ابْنُ مَرْزُوقٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيُّ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ قَالَ : سَمِعْت أَبَا عَلْقَمَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : ( إذَا هَلَكَ كِسْرَى فَلَا كِسْرَى بَعْدَهُ ، وَإِذَا هَلَكَ قَيْصَرُ فَلَا قَيْصَرَ بَعْدَهُ ) . 566 - حَدَّثَنَا يُونُسُ ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( إذَا ذَهَبَ كِسْرَى فَلَا كِسْرَى بَعْدَهُ ، وَإِذَا ذَهَبَ قَيْصَرُ فَلَا قَيْصَرَ بَعْدَهُ ، وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتُنْفَقَنَّ كُنُوزُهُمَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) . 567 - حَدَّثَنَا ابْنُ خُزَيْمَةَ ، حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ . فَتَأَمَّلْنَا هَذَا الْحَدِيثَ لِنَقِفَ عَلَى الْمَعْنَى الْمُرَادِ بِهِ مَا هُوَ ، فَوَجَدْنَا الْمُزَنِيّ قَدْ حَكَى لَنَا عَنْ الشَّافِعِيِّ فِي تَأْوِيلِهِ قَالَ : كَانَتْ قُرَيْشٌ تَنْتَابُ الشَّامَ انْتِيَابًا كَثِيرًا ، وَكَانَ كُثْرُ مَعَاشِهِمْ مِنْهُ ، وَتَأْتِي الْعِرَاقَ ، فَلَمَّا دَخَلَتْ فِي الْإِسْلَامِ ذَكَرْت ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ خَوْفًا مِنْ انْقِطَاعِ مَعَاشِهَا بِالتِّجَارَةِ مِنْ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ ، وَفَارَقَتْ الْكَفَرَةَ ، وَدَخَلَتْ فِي الْإِسْلَامِ مَعَ خِلَافِ مَلِكِ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ ، فَقَالَ : ( إذَا هَلَكَ كِسْرَى فَلَا كِسْرَى بَعْدَهُ ) ، فَلَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ الْعِرَاقِ كِسْرَى يَثْبُتُ لَهُ أَمْرٌ بَعْدَهُ ، وَقَالَ : ( إذَا هَلَكَ قَيْصَرُ فَلَا قَيْصَرَ بَعْدَهُ ) ، فَلَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ الشَّامِ قَيْصَرٌ بَعْدَهُ . فَأَجَابَهُمْ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى مَا قَالُوا فَكَانَ كَمَا كَانَ إلَى الْيَوْمِ ، وَقَطَعَ اللَّهُ الْأَكَاسِرَةَ عَنْ الْعِرَاقِ وَفَارِسَ وَقَيْصَرَ ، وَمَنْ قَامَ بَعْدَهُ بِالشَّامِ ، وَقَالَ فِي قَيْصَرَ : ثَبَتَ مُلْكُهُ بِبِلَادِ الرُّومِ ، وَيُنَحَّى مُلْكُهُ عَنْ الشَّامِ ، وَكُلُّ هَذَا مُتَّفِقٌ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَسَأَلْت أَحْمَدَ بْنَ أَبِي عِمْرَانَ عَنْ تَأْوِيلِ هَذَا الْحَدِيثِ ، فَأَجَابَنِي بِخِلَافِ هَذَا الْقَوْلِ ، وَذَكَرَ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : ( إذَا هَلَكَ كِسْرَى فَلَا كِسْرَى بَعْدَهُ ) قَالَ : فَهَلَكَ كِسْرَى كَمَا أَعْلَمَنَا أَنَّهُ سَيَهْلِكُ ، فَلَمْ يَكُنْ بَعْدَهُ كِسْرَى ، وَلَا يَكُونُ بَعْدَهُ كِسْرَى إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَكَانَ مَعْنَى قَوْلِهِ : ( إذَا هَلَكَ قَيْصَرُ فَلَا قَيْصَرَ بَعْدَهُ ) إعْلَامًا مِنْهُ إيَّاهُمْ أَنَّهُ سَيَهْلِكُ وَلَمْ يَهْلِكْ إلَى الْآنَ ، وَلَكِنَّهُ هَالِكٌ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَخُولِفَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ كِسْرَى فِي تَعْجِيلِ هَلَاكِ كِسْرَى ، وَتَأْخِيرِ هَلَاكِ قَيْصَرَ لِاخْتِلَافِ مَا كَانَ مِنْهُمَا عِنْدَ وُرُودِ كِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا . قَالَ لَنَا ابْنُ أَبِي عِمْرَانَ : وَرُوِيَ فِي ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : 568 - مَا قَدْ حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ الزُّبَيْرِيُّ ، حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ : أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ : ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَتَبَ إلَى قَيْصَرَ يَدْعُوهُ إلَى الْإِسْلَامِ ، وَبَعَثَ بِكِتَابِهِ - يَعْنِي مَعَ دِحْيَةَ بْنِ خَلِيفَةَ الْكَلْبِيِّ ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ إلَى عَظِيمِ بُصْرَى - لِيَدْفَعَهُ إلَى قَيْصَرَ ، فَدَفَعَهُ عَظِيمُ بُصْرَى إلَى قَيْصَرَ ، فَلَمَّا جَاءَهُ كِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ حِينَ قَرَأَهُ : الْتَمِسُوا لِي هَاهُنَا مِنْ قَوْمِهِ مِنْ أَحَدٍ أَسْأَلُهُ عَنْهُ ) . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : فَأَخْبَرَنِي أَبُو سُفْيَانَ أَنَّهُمْ أُدْخِلُوا عَلَيْهِ ، وَأَنَّهُ لَمَّا قَرَأَ كِتَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَأَلَ أَبَا سُفْيَانَ عَمَّا سَأَلَهُ عَنْهُ ، وَأَجَابَهُ أَبُو سُفْيَانَ بِمَا أَجَابَهُ فِي ذَلِكَ قَالَ : إنْ يَكُنْ مَا قُلْت حَقًّا فَيُوشِكُ أَنْ يَمْلِكَ مَوْضِعَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ ، وَاَللَّهِ لَوْ أَنِّي أَرْجُو أَنْ أَخْلُصَ إلَيْهِ لَتَجَشَّمْت لِقَاءَهُ ، وَلَوْ كُنْت عِنْدَهُ لَغَسَلْت قَدَمَيْهِ . 569 - وَحَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُد ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ الْأُوَيْسِيُّ ، حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ، ثُمَّ ذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ بِإِسْنَادِهِ . كَمَا حَدَّثَنَاهُ ابْنُ أَبِي عِمْرَانَ ، عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ حَمْزَةَ ، عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ سَوَاءٌ . فَكَانَ هَذَا هُوَ الَّذِي كَانَ مِنْ قَيْصَرَ عِنْدَ وُرُودِ كِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُوهُ إلَى الْإِسْلَامِ . وَكَانَ الَّذِي كَانَ مِنْ كِسْرَى عِنْدَ وُرُودِ كِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِمِثْلِ ذَلِكَ : 570 - مَا قَدْ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ دَاوُد الْبَغْدَادِيُّ ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُد الْهَاشِمِيُّ ، حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ، حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ ، وَابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ ، كِلَاهُمَا عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ بِكِتَابِهِ إلَى كِسْرَى مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ السَّهْمِيِّ ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ إلَى عَظِيمِ الْبَحْرَيْنِ ، فَدَفَعَهُ عَظِيمُ الْبَحْرَيْنِ إلَى كِسْرَى ، فَلَمَّا قَرَأَهُ خَرَقَهُ ) . قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : فَحَسِبْت أَنَّ ابْنَ الْمُسَيِّبِ قَالَ : فَدَعَا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( أَنْ يُمَزَّقُوا كُلَّ مُمَزَّقٍ ) . 571 - وَمَا قَدْ حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُد ، حَدَّثَنَا الْأُوَيْسِيُّ ، حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ سَوَاءً . قَالَ ابْنُ أَبِي عِمْرَانَ : فَخُولِفَ بَيْنَ هَلَاكَيْهِمَا فِي تَعْجِيلِ أَحَدِهِمَا ، وَفِي تَأْخِيرِ الْآخَرِ ، وَكَانَ هَذَا التَّأْوِيلُ عِنْدَنَا أَشْبَهَ مِنْ الْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّ فِي التَّأْوِيلِ الْأَوَّلِ ذَكَرَ هَلَاكَ قَيْصَرَ ، وَلَمْ يَهْلِكْ ، إنَّمَا كَانَ مِنْهُ تَحَوُّلُهُ بِمُلْكِهِ مِنْ الشَّامِ إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي هُوَ مُقِيمٌ بِهِ الْآنَ . وَمِمَّا يُحَقِّقُ أَيْضًا قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، لَتُنْفَقَنَّ كُنُوزُهُمَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) ، فَقَدْ أُنْفِقَ كَنْزُ كِسْرَى فِي ذَلِكَ ، وَلَمْ يُنْفَقْ كَنْزُ قَيْصَرَ فِي مِثْلِهِ إلَى الْآنَ ، وَلَكِنَّهُ سَيُنْفَقُ فِي الْمُسْتَأْنَفِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَإِنَّمَا هُوَ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى ، وَلَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ . وَقَدْ حَقَّقَ ذَلِكَ أَيْضًا مَا قَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي هَلَاكِ قَيْصَرَ 572 - كَمَا قَدْ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو الْأَزْدِيُّ ، حَدَّثَنَا زَائِدَةُ بْنُ قُدَامَةَ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ، عَنْ نَافِعِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : ( تُقَاتِلُونَ جَزِيرَةَ الْعَرَبِ فَيَفْتَحُهَا اللَّهُ تَعَالَى ، ثُمَّ تُقَاتِلُونَ فَارِسًا فَيَفْتَحُهَا اللَّهُ ، ثُمَّ تُقَاتِلُونَ الرُّومَ فَيَفْتَحُهَا اللَّهُ ، ثُمَّ تُقَاتِلُونَ الدَّجَّالَ فَيَفْتَحُهُ اللَّهُ ) . قَالَ جَابِرٌ : وَلَا يَخْرُجُ الدَّجَّالُ حَتَّى يَخْرُجَ الرُّومُ . 573 - وَمَا قَدْ حَدَّثَنَا أَبُو أُمَيَّةَ ، حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ الْوَلِيدِ اللُّؤْلُؤِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيّ قَالَ الطَّحَاوِيَّ : وَاسْمُهُ عِيسَى بْنُ مَاهَانَ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ : سَمِعْت النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَقُولُ : ( سَتَغْزُونَ جَزِيرَةَ الْعَرَبِ وَتُفْتَحُ عَلَيْكُمْ ، وَتَغْزُونَ فَارِسًا وَتُفْتَحُ عَلَيْكُمْ ، وَتَغْزُونَ الرُّومَ وَتُفْتَحُ عَلَيْكُمْ ، ثُمَّ الدَّجَّالَ ) . قَالَ : وَلَمْ يَذْكُرْ نَافِعَ بْنَ عُتْبَةَ . فَأَخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّ فَتْحَ الرُّومِ الْمَقْرُونَ بِفَتْحِ كِسْرَى لَمْ يَكُنْ ، وَأَنَّهُ كَائِنٌ ، وَأَنَّ كَوْنَهُ إذَا كَانَ كَكَوْنِ فَتْحِ كِسْرَى الَّذِي قَدْ كَانَ . وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي آيَةِ ذَلِكَ : 574 - مَا قَدْ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ يَزِيدَ الصُّورِيُّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ، حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ جَمِيلٍ ، حَدَّثَنَا ابْنُ ثَوْبَانَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ مَكْحُولٍ ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ يُخَامِرَ ، عَنْ مُعَاذٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( عِمْرَانُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ خَرَابٌ لِيَثْرِبَ ، وَخَرَابُ يَثْرِبَ خُرُوجُ الْمَلْحَمَةِ ، وَخُرُوجُ الْمَلْحَمَةِ فَتْحُ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ ، وَفَتْحُ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ خُرُوجُ الدَّجَّالِ ، ثُمَّ ضَرَبَ عَلَى فَخِذِي - أَوْ فَخِذِ الَّذِي بِجَنْبِهِ أَوْ مَنْكِبِهِ - ثُمَّ قَالَ : أَمَا إنَّهُ لَحَقٌّ كَمَا أَنَّكَ هَاهُنَا ) . 575 - وَمَا قَدْ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْهَرَوِيُّ ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ الْجَوْهَرِيُّ ، حَدَّثَنَا ابْنُ ثَوْبَانَ ، ثُمَّ ذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ : حُضُورُ الْمَلْحَمَةِ مَكَانَ خُرُوجِ الْمَلْحَمَةِ . فَأَخْبَرَنَا عَلَيْهِ السَّلَامُ بِالْمَعْنَى الَّذِي يَكُونُ عِنْدَهُ هَلَاكُ قَيْصَرَ حَتَّى يَكُونَ هَلَاكُهُ هَلَاكَ كِسْرَى الَّذِي قَدْ كَانَ ، فَلَا يَكُونُ بَعْدَهُ قَيْصَرٌ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، كَمَا لَا يَكُونُ بَعْدَ كِسْرَى كِسْرَى إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَتَكُونُ الْبُلْدَانُ كُلُّهَا خَالِيَةً مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، وَتَكُونُ كُنُوزُهُمَا قَدْ صُرِفَتْ إلَى مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنَّهُ يُنْفَقُ فِيهِ .
714 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله : لا ينكح الزاني إلا مجلودا مثله . 5338 - حدثنا أحمد بن داود بن موسى , حدثنا مسدد بن مسرهد ، حدثنا عبد الوارث بن سعيد ، عن حبيب المعلم ، حدثني عمرو بن شعيب ، عن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا ينكح الزاني إلا مجلودا مثله . هكذا حدثنا أحمد بن داود هذا الحديث , وكان ذلك عندنا - والله أعلم - على المجلود في الزاني المقيم بعد الجلد على الزنى الذي كان جلد فيه , لا على ترك منه لذلك , ولا نزوع منه عنه ؛ لأن وصفه صلى الله عليه وسلم إياه بالجلد ذكر له بحال هو عنده فيها مذموم , لأن الجلد في الزنى فيه كفارة للمجلود , وذمه بذلك مما يدفع أن يكون ذلك الجلد كان له كفارة إذا كان مقيما على ما يوجب عليه مثله . ثم نظرنا , هل روي هذا الحديث بغير هذه الألفاظ ؟ . 5339 - فوجدنا إسحاق بن إبراهيم بن يونس قد حدثنا قال : أخبرنا أزهر بن مروان الرقاشي ، عن عبد الوارث بن سعيد قال : أخبرنا حبيب المعلم ، عن عمرو بن شعيب ، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الزاني مجلود , هكذا قال , وإنما هو : الزاني المجلود لا ينكح إلا مثله . قال أبو جعفر : فكان في هذا الحديث القصد في ذكر الناكح والمنكوح جميعا بالجلد لا بالزنى الذي كانا جلدا فيه , فكان ذلك معقولا أنه أريد بما ذكر به كل واحد منهما الزنى الذي كان جلد فيه لا نفس الجلد الذي كان جلد فيه . ثم نظرنا , هل روى هذا الحديث غير عبد الوارث بن سعيد بمعنى يخالف فيه عبد الوارث مما رويناه عنه عليه ؟ . 5340 - فوجدنا علي بن الحسين بن حرب قد حدثنا قال : حدثنا أبو الأشعث أحمد بن المقدام العجلي ، حدثنا يزيد بن زريع , حدثنا حبيب المعلم قال : قلت لعمرو بن شعيب : إن فلانا يقول : إن الزاني لا ينكح إلا زانية مثله , قال : وما يعجبك من ذلك ؟ حدثني سعيد بن أبي سعيد , عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : الزاني لا ينكح إلا زانية مثله , والمجلود لا ينكح إلا مجلودة مثله . وكان في هذا الحديث زيادة على ما في الحديثين الأولين , وهي : لا يتزوج الزاني إلا زانية , فكان ذلك على الزانيين المقيمين على الأحوال المذمومة , أي أن أحدهما لا ينكح صاحبه إلا للأحوال المذمومة التي يوافقه عليها , وفيه أن المجلود لا ينكح إلا مجلودة على ذلك المعنى , وكان ذلك عندنا - والله أعلم - على مجلود في زنى هو مقيم عليه , مجلودة في زنى هي مقيمة عليه , لا على زانيين جلد كل واحد منهما في زناه جلدا جعله الله عز وجل له كفارة له , إذ كان قد نزع عن ذلك الزنى الذي جلد فيه ذلك الجلد وتاب إلى الله منه . ووجدنا حديثا قد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه ذكر شيء قد يحتمل أن يكون ما ذكر في هذه الأحاديث هو المقصود لما ذكر فيها إليه , وهو : . 5341 - ما قد حدثنا علي بن عبد الرحمن بن محمد بن المغيرة قال : حدثني يحيى بن معين , حدثنا معتمر بن سليمان ، عن أبيه ، عن الحضرمي - قال أبو جعفر : وهو ابن لاحق - عن القاسم بن محمد ، عن عبد الله بن عمرو أن امرأة يقال لها : أم مهزول , وكانت تكون بأجياد , وتشترط للرجل يتزوجها أن تكفيه النفقة , وأن رجلا من المسلمين استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها , فقرأ هذه الآية , أو أنزلت هذه الآية : وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ ([ النور : 3 ] . 5342 - وما قد حدثنا إبراهيم بن أبي داود , حدثنا عمرو بن عون الواسطي ، أخبرنا هشيم ، عن التيمي ، عن القاسم بن محمد - ولم يذكر بينهما الحضرمي - عن عبد الله بن عمر , ولم يقل : ابن عمرو , قال : كن نساء بغايا معلومات , كان الرجل يتزوج المرأة منهن لتنفق عليه , منهن أم مهزول . 5343 - وما قد حدثنا ابن أبي داود قال : حدثنا مسدد ، حدثنا يحيى بن سعيد ، عن عبيد الله بن الأخنس ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده أن رجلا يقال له : مرثد بن أبي مرثد قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : أنكح عناقا ؟ لبغي كانت بمكة , قال : فسكت عني رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزلت هذه الآية : الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ (. فقال : يا مرثد , فقلت : لبيك يا رسول الله ، فتلا علي هذه الآية , وقال : لا تنكحها . فاحتمل أن يكون ما في الآثار الأول هو الذي ينكح المرأة لهذا المعنى الذي يطلق لها فعله , ليصل مما تكتسبه من ذلك الفعل إلى ما يوصله إليه من الإنفاق عليه , وكفايته المؤنة في نفسه وفيها , ومن كان كذلك , كان فاعلا لما يكون سببا للزنى , وكان الذم له على ذلك مما لا خفاء به . فقال قائل : أفيجوز أن يسمى بما يسمي به في الحديث الأول من الزنى الذي سمي به فيه , ويطلق ذلك عليه , ولم يكن منه الزنى ؟ فكان جوابنا له في ذلك أنه قد يجوز أن يطلق عليه هذا الاسم إذا كان قد صار سببا لإطلاقه إياه إلى من يفعله , وإباحته إياه ذلك , كما قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم . 5344 - مما قد حدثنا علي بن معبد ، حدثنا روح بن عبادة , حدثنا ثابت بن عمارة قال : سمعت غنيم بن قيس قال : سمعت أبا موسى الأشعري يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أيما امرأة استعطرت ومرت على قوم ليجدوا ريحها فهي زانية , وكل عين زانية . وكان في هذا الحديث إطلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها الزنى , وكان منها السبب الذي يكون عنه الزنى , فمثل ذلك - والله أعلم - كان إطلاقه صلى الله عليه وسلم الزنى على من أطلقه عليه في الآثار الأول , لفعله ما يكون سببا للزنى الذي أطلقه عليه . فبان بحمد الله ونعمته المعنى الذي حملنا عليه الآثار الأول التي ذكرناها في هذا الباب بهذا الأثر الثاني الذي ذكرناه فيه , والله أعلم .
77 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ زَوْجَيْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَمُتْ حَتَّى أُحِلَّ لَهُ النِّسَاءَ . 576 - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْغَنِيِّ بْنُ أَبِي عُقَيْلٍ اللَّخْمِيُّ ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرٍو ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : ( مَا مَاتَ النَّبِيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ حَتَّى أُحِلَّ لَهُ النِّسَاءُ ) . 577 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ دَاوُد بْنِ مُوسَى ، حَدَّثَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ بَكَّارٍ ، حَدَّثَنَا وُهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : مَا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى أُحِلَّ لَهُ مِنْ النِّسَاءِ مَا شَاءَ . 578 - وَأَجَازَ لِي هَارُونُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَسْقَلَانِيُّ أَبُو يَزِيدَ مَا ذُكِرَ لِي أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ الْعَلَاءِ ، وَقَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : مَا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى أُحِلَّ لَهُ أَنْ يَنْكِحَ مِنْ النِّسَاءِ مَا شَاءَ . قَالَ : قُلْت : مَنْ أَخْبَرَك هَذَا ؟ قَالَ : حَسِبْت أَنِّي سَمِعْتُهُ مِنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ : وَقَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ : سَمِعْت رَجُلًا يُخْبِرُ بِهِ عَطَاءً . 579 - حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ النَّوْفَلِيُّ الْهَاشِمِيُّ أَبُو الْقَاسِمِ ، حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمَوْصِلِيُّ ، حَدَّثَنِي الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِزَامِيُّ ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبِ بْنِ زَمْعَةَ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهَا قَالَتْ : لَمْ يَمُتْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى أُحِلَّ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ مِنْ النِّسَاءِ مَا شَاءَ ، إلَّا ذَاتَ مَحْرَمٍ ، وَذَلِكَ قَوْل اللَّه تَعَالَى : تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ . فَفِيمَا رَوَيْنَاهُ عَنْ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَمُتْ حَتَّى أُحِلَّ لَهُ النَّسَاءُ . فَتَأَمَّلْنَا مَنْ النِّسَاءُ اللَّاتِي كُنَّ مُحَرَّمَاتٍ عَلَيْهِ حَتَّى أَحَلَّهُنَّ اللَّهُ لَهُ عَلَى مَا فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ ، وَمَا رُوِيَ عَنْ الْمُتَقَدِّمِينَ فِي ذَلِكَ . 580 - فَوَجَدْنَا مُحَمَّدَ بْنَ خُزَيْمَةَ قَدْ حَدَّثَنَا قَالَ : حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ دَاوُد ، وَهُوَ ابْنُ أَبِي هِنْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُوسَى ، عَنْ زِيَادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : سَأَلْت أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ عَنْ هَذِهِ الْآيَاتِ لَا تَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ ، قَالَ : قُلْت لَهُ : أَكَانَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ غَيْرَهُنَّ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، وَمَا بَأْسٌ بِذَلِكَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى : يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ ، حَتَّى بَلَغَ لَا تَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ ، قَالَ : لَا يَحِلُّ لَك مَا دُونَ ذَلِكَ مِنْ النِّسَاءِ الْأُمَّهَاتِ وَالْأَخَوَاتِ وَالْبَنَاتِ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ قَالَ : النِّسَاءُ الْأَرْبَعُ ، قَالَ : فَكَانَ هَذَا مُحَالًا ؛ لِأَنَّ فِيهِ أَنَّ النِّسَاءَ اللَّاتِي كُنَّ حُرِّمْنَ عَلَيْهِ هُنَّ الْأُمَّهَاتُ وَالْأَخَوَاتُ وَالْبَنَاتُ . وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ اللَّذَيْنِ رَوَيْنَا أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمْ يَمُتْ حَتَّى أُحِلَّ لَهُ النِّسَاءُ ، فَعَقَلْنَا بِذَلِكَ أَنَّهُنَّ غَيْرُ هَؤُلَاءِ . 581 - وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ ، حَدَّثَنَا الْفِرْيَابِيُّ ، حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ ، عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : لَا تَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ قَالَ : لَا نَصْرَانِيَّةٌ ، وَلَا يَهُودِيَّةٌ ، وَلَا كَافِرَةٌ ، وَلَا يُبَدِّلُ بِالْمُسْلِمَاتِ غَيْرَهُنَّ مِنْ النَّصَارَى وَالْيَهُودِ وَالْمُشْرِكِينَ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ . 582 - وَقَدْ حَدَّثَنَا الْفِرْيَابِيُّ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : لَا تَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ قَالَ : نِسَاءُ أَهْلِ الْكِتَابِ . وَهَذَا أَيْضًا عِنْدَنَا مُحَالٌ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ مِمَّا قَدْ أُحِلَّ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَعَادَ بِهِ مَنْ يَتَزَوَّجُهُ مِنْ الْيَهُودِيَّاتِ وَالنَّصْرَانِيَّات لِلْمُسْلِمِينَ أُمَّهَاتٍ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ . 583 - وَوَجَدْنَا ابْنَ خُزَيْمَةَ قَدْ حَدَّثَنَا قَالَ : حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ الْحَسَنِ فِي قَوْله : لَا تَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ الْآيَةَ ، قَالَ : قَصَرَهُ اللَّهُ عَلَى نِسَائِهِ التِّسْعِ الَّتِي مَاتَ عَنْهُنَّ . قَالَ عَلِيٌّ : فَأَخْبَرْت بِذَلِكَ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ فَقَالَ : بَلَى ، قَدْ كَانَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ غَيْرَهُنَّ . 584 - وَوَجَدْنَا جَعْفَرَ بْنَ سُلَيْمَانَ الْهَاشِمِيَّ النَّوْفَلِيَّ ، قَدْ حَدَّثَنَا قَالَ : حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ ، حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمَوْصِلِيُّ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ ، عَنْ ابْنِ أَبِي عَوْنٍ ، وَهُوَ عَبْدُ الْوَاحِدِ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ فِي قَوْله : لَا تَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ . قَالَ : حُبِسَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى نِسَائِهِ ، فَلَا يَتَزَوَّجْ بَعْدَهُنَّ ، وَحُبِسْنَ عَلَيْهِ . 585 - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ شُعَيْبٍ ، حَدَّثَنَا الْخَصِيبُ بْنُ نَاصِحٍ ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ ، عَنْ مَطَرٍ الْوَرَّاقِ ، عَنْ الْحَسَنِ ، وَابْنِ سِيرِينَ قَالَا : ( إنَّمَا خَيَّرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِسَاءَهُ بَيْنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، فَاخْتَرْنَ اللَّهَ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُنَّ ذَلِكَ ، فَحَبَسَهُ عَلَيْهِنَّ ، فَقَالَ : لَا تَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ ) فَكَانَ هَذَا مُحْتَمَلًا غَيْرَ أَنَّهُ يَدْخُلُهُ مَا سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ فِي بَقِيَّةِ هَذَا الْبَابِ . 586 - وَوَجَدْنَا ابْنَ مَرْزُوقٍ قَدْ حَدَّثَنَا ، قَالَ : حَدَّثَنَا حِبَّانُ بْنُ هِلَالٍ أَبُو حَبِيبٍ الْمُقْرِئُ ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنْ مُغِيرَةَ ، عَنْ أَبِي رَزِينٍ فِي قَوْله تَعَالَى : وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ قَالَ : لَا تَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ بَعْدَ هَذِهِ الصِّفَةِ ، يَعْنِي النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ . وَكَانَ هَذَا عِنْدَنَا مُحَالًا ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فِي نِسَائِهِ مَنْ يَخْرُجُ عَنْ هَذِهِ الصِّفَةِ ، وَقَدْ كَانَ فِيهِنَّ مَنْ يَخْرُجُ عَنْهَا ، وَهِيَ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشِ بْنِ رِئَابٍ ، وَجُوَيْرِيَةُ ابْنَةُ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي ضِرَارٍ ، وَمَيْمُونَةُ ابْنَةُ الْحَارِثِ ، وَصَفِيَّةُ ابْنَةُ حُيَيِّ بْنِ أَخَطْبَ ، وَكُلُّ هَؤُلَاءِ فَلَيْسَ مِمَّنْ يَدْخُلُ فِي تِلْكَ الصِّفَةِ ؛ لِأَنَّ زَيْنَبَ وَجُوَيْرِيَةَ وَمَيْمُونَةَ عَرَبِيَّاتٌ غَيْرُ قُرَشِيَّاتٍ ، وَلَيْسَ لَهُنَّ مِنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَرْحَامٌ مِنْ قِبَلِ أُمَّهَاتِهِ ، وَلِأَنَّ صَفِيَّةَ لَيْسَتْ مِنْ قُرَيْشٍ ، وَلَا مِنْ الْعَرَبِ ، وَإِنَّمَا هِيَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ، وَلَمَّا اسْتَحَالَتْ هَذِهِ الْأَقْوَالُ الَّتِي ذَكَرْنَا اسْتِحَالَتَهَا لَمْ يَبْقَ بَعْدَهَا مِمَّا قِيلَ فِي تَأْوِيلِ هَذِهِ الْآيَةِ إلَّا مَا قَدْ رَوَيْنَاهُ فِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ ، وَعَنْ الْحَسَنِ ، وَابْنِ سِيرِينَ فِي أَنَّهَا عَلَى أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ سِوَى نِسَائِهِ التِّسْعِ . فَقَالَ قَائِلٌ : وَكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، وَإِنَّمَا كَانَ اللَّهُ قَصَرَهُ عَلَيْهِنَّ شُكْرًا مِنْهُ لَهُنَّ عَلَى اخْتِيَارِهِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ ، فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَنْزِعَ ذَلِكَ مِنْهُنَّ . فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ كَانَ قَدْ جَعَلَ ذَلِكَ لَهُنَّ شُكْرًا عَلَى مَا كَانَ مِنْهُنَّ مِمَّا ذُكِرَ مِنْ اخْتِيَارِهِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ عَلَى الدُّنْيَا ، ثُمَّ أَبَاحَ لِنَبِيِّهِ بَعْدَ ذَلِكَ تَزْوِيجَ غَيْرِهِنَّ ، فَلَمْ يَشَأْ ذَلِكَ ، وَحَبَسَ نَفْسَهُ عَلَيْهِنَّ شَاكِرًا لَهُنَّ مَا كَانَ مِنْهُنَّ مِنْ اخْتِيَارِهِنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَإِيَّاهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ عَلَى الدُّنْيَا ، لِيَشْكُرَ اللَّهُ ذَلِكَ لَهُ ، فَيَكُونَ عَلَيْهِ مَشْكُورًا مِنْهُ ، وَيَكُونَ نِسَاؤُهُ اللَّاتِي كُنَّ قُصِرَ عَلَيْهِنَّ ، وَمُنِعَ مِنْ سِوَاهُنَّ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِنَّ بَاقِيَاتٍ فِيمَا كُنَّ عَلَيْهِ مِنْ حَبْسِ اللَّهِ تَعَالَى إيَّاهُ عَلَيْهِنَّ ، بِأَنْ عَادَ ذَلِكَ مِنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ اخْتِيَارًا بَعْدَ أَنْ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَاجِبًا ، فَهَذَا أَحْسَنُ مَا وَجَدْنَاهُ فِي تَأْوِيلِ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ . والله نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
792 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في إمامته في الليلة التي أسري به فيها إلى بيت المقدس ، هل كانت لكل الأنبياء - صلوات الله عليهم - أو لبعضهم دون بعض ؟ . 5921 - حدثنا يزيد بن سنان ، قال : حدثنا شيبان بن فروخ ، وحدثنا محمد بن خزيمة ، قال : حدثنا حجاج بن منهال ، ثم قال : كل واحد منهما ، حدثنا حماد ، يعني : ابن سلمة ، عن أبي حمزة ، قال : ابن خزيمة في حديثه الأعور ، عن إبراهيم النخعي ، عن علقمة ، عن ابن مسعود في حديث ركوب رسول الله صلى الله عليه وسلم البراق لما أسري به إلى بيت المقدس ، قال : ثم مضينا إلى بيت المقدس ، فربطت الدابة بالحلقة التي يربط بها الأنبياء صلوات الله عليهم ، ثم دخلت المسجد ، وتشرف بي الأنبياء صلوات الله عليهم من سمى الله - عز وجل - في كتابه ، ومن لم يسم ، فصليت بهم إلا هؤلاء النفر ، عيسى وموسى وإبرهيم صلى الله عليهم . ففي هذا الحديث ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أم الأنبياء صلوات الله عليه وعليهم من سمى الله - عز وجل - في كتابه ومن لم يسم فيه إلا أولئك النفر المستثنين في هذا الحديث ، وهم عيسى وموسى وإبراهيم صلوات الله عليهم ، وقد روي عن أنس بن مالك ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إمامته بهم جميعا بغير مستثنين منهم من استثني في حديث ابن مسعود . 5922 - كما حدثنا يونس بن عبد الأعلى ، قال : حدثنا عبد الله بن وهب ، قال : أخبرني يعقوب بن عبد الرحمن الزهري ، عن أبيه ، عن عبد الرحمن بن هاشم بن عتبة بن أبي وقاص ، عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما جاء بيت المقدس في الليلة التي أسري به إليه فيها ، بعث له آدم صلى الله عليه وسلم ، ومن دونه من الأنبياء ، وأمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم . 5923 - وكما حدثنا محمد بن خزيمة ، قال : حدثنا حجاج بن منهال ، قال : حدثنا حماد بن سلمة ، عن ثابت البناني ، عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : أتيت بالبراق ، وهو دابة أبيض فوق الحمار ودون البغل ، يضع حافره عند منتهى طرفه ، فركبته فسار بي حتى أتينا بيت المقدس ، فربطت الدابة بالحلقة التي يربط بها الأنبياء ، ثم دخلت فصليت ، ثم خرجت . ففي حديث أنس بن مالك الأول من حديثيه هذين : أن صلاته صلى الله عليه وسلم كانت في بيت المقدس ، أم فيها الأنبياء الذين أمهم فيها ، وفي حديثه الثاني منهما : أنه صلى فيه بغير ذكر فيه إمامة لمن ذكر إمامته فيه في حديثه الأول ، وقد روي عن أبي هريرة في ذلك ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يوافق ما في الحديث الأول من حديثي أنس هذين . 5924 - كما حدثنا إبراهيم بن أبي داود ، قال : حدثنا شجاع بن أشرس ، قال : حدثنا عبد العزيز ، يعني : ابن عبد الله الماجشون ، عن عبد الله بن الفضل ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث الإسراء به إلى بيت المقدس ، قال : ولقد رأيتني في جماعة من الأنبياء - صلوات الله عليهم - فإذا موسى عليه السلام قائم يصلي رجل ضرب جعد ، كأنه من رجال شنوءة ، ورأيت عيسى ابن مريم صلى الله عليه وسلم قائما يصلي أقرب من رأيت به شبها عروة بن مسعود الثقفي ، وإذا إبراهيم صلى الله عليه وسلم قائم يصلي أقرب من رأيت به شبها صاحبكم ، يعني : نفسه ، صلى الله عليهما ، فحانت الصلاة فأممتهم فلما فرغت من الصلاة ، قال قائل : يا محمد هذا مالك خازن النار ، يسلم عليك ، فالتفت إليه ، فنادى بالسلام . فكان فيما رويناه من حديثي أنس وأبي هريرة إثبات إمامة رسول الله في ليلتئذ جميع الأنبياء ، وفي حديث ابن مسعود الذي ذكرناه قبله استثناء الثلاثة النفر المستثنين منهم ، فنظرنا في ذلك وفي الموضع الذي منه جاء هذا الاختلاف فيما نرى ، والله أعلم أن في حديث ابن مسعود الذي رويناه مما لم نذكره فيما رويناه فيه زيادة على ما رويناه منه فيما تقدم منا في هذا الباب ، واحتجنا إلى ذكره هاهنا بتلك الزيادة . 5925 - كما حدثنا يزيد بن سنان ، قال : حدثنا شيبان بن فروخ . وكما حدثنا محمد بن خزيمة ، قال : حدثنا حجاج بن منهال ، ثم اجتمعا ، فقال كل واحد منهما : حدثنا حماد بن سلمة ، عن أبي حمزة ، عن إبراهيم النخعي ، عن علقمة ، عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أسري به إلى بيت المقدس ، قال : فأتيت يعني : في طريقه إليه على رجل ، وهو قائم يصلي ، قال : من هذا معك يا جبريل ، قال : أخوك محمد ، فرحب ودعا بالبركة ، فقال : سل لأمتك اليسر ، فقلت : من هذا ، فقال : هذا أخوك عيسى صلى الله عليه وسلم ، قال : ثم سرنا فأتينا على رجل ، فقال : من هذا معك يا جبريل ، فقال : هذا أخوك محمد ، فرحب ودعا بالبركة ، فقال : سل لأمتك اليسر ، فقلت : من هذا يا جبريل ، فقال : هذا أخوك موسى صلى الله عليه وسلم ، قال : ثم سرنا فرأينا مصابيح وضوءا فقلت : من هذا يا جبريل ، قال : هذه شجرة أبيك إبراهيم صلى الله عليه وسلم ، ادن منها ، قلت : نعم ، فدنونا منها فدعا لي بالبركة ورحب بي ، ثم مضينا إلى بيت المقدس . قال أبو جعفر : ففي هذا الحديث ، لقاؤه صلى الله عليه وسلم كان للثلاثة المستثنين من الأنبياء الذين أمهم في الحديث الأول ، وهم هؤلاء الثلاثة المسمون في حديثه هذا ، فاحتمل أن يكون الاستثناء الذي في حديثه الأول كان لذلك ، وأن يكون ذلك الاستثناء من ابن مسعود لما وقف من لقاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إياهم دون بيت المقدس ، فأخرجهم بذلك من أن يكونوا صلوا معه في بيت المقدس لا أنه سمع ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم . وكان ما روى أنس وأبو هريرة فيه إثبات إمامة رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلتئذ هناك جميع الأنبياء فيهم هؤلاء الثلاثة ، إذ كان قد يجوز أن يكون هؤلاء الثلاثة بعد مروره بهم في طريقه إلى بيت المقدس لحقوا به إلى بيت المقدس ، فأمهم مع من أمه من أنبياء الله صلوات الله عليهم سواهم ، وقد روي عن أنس بن مالك أيضا في ذلك ما يدل على هذا المعنى . 5926 - كما قد حدثنا محمد بن خزيمة ، قال : حدثنا حجاج بن منهال ، قال : حدثنا حماد بن سلمة ، عن سليمان التيمي وثابت البناني ، عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : أتيت على موسى صلى الله عليه وسلم عند الكثيب الأحمر وهو قائم يصلي في قبره . فكان في هذا الحديث ، وقوف أنس بن مالك على مرور رسول الله صلى الله عليه وسلم بموسى صلى الله عليه وسلم في طريقه إلى بيت المقدس ، وهو قائم يصلي في قبره ، ولم يمنع ذلك عنده أن يكون قد لحق بيت المقدس ، فأمه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه مع من أمه فيه من الأنبياء سواه ، صلوات الله عليه وعليهم . وقد روي عن حذيفة بن اليمان دفعه أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى ليلتئذ في بيت المقدس . 5927 - كما حدثنا محمد بن خزيمة ، قال : حدثنا حجاج بن منهال ، قال : حدثنا حماد بن سلمة ، عن عاصم بن بهدلة ، عن زر بن حبيش ، عن حذيفة بن اليمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : أتيت بالبراق ، وهو دابة طويل أبيض ، يضع حافره عند منتهى طرفه ، فلم يزايل ظهره هو وجبريل صلى الله عليهما ، حتى أتينا بيت المقدس ، ففتحت أبواب السماء ، فرأى الجنة والنار . قال حذيفة : ولم يصل في بيت المقدس ، قلت : بل صلى ، قال حذيفة : ما اسمك يا أصلع ، فإني أعرف وجهك ولا أعرف اسمك ، قال : قلت : أنا زر بن حبيش ، قال : وما يدريك أنه قد صلى فيه ، قال : قلت : يقول الله - عز وجل : سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ ، قال : فهل تجده صلى قلت : لا ، قال : إنه لو كان صلى فيه لصليتم فيه كما تصلون في المسجد الحرام ، قال : فقيل له : إنه ربط الدابة بالحلقة التي يربط بها الأنبياء ، صلى الله عليهم ، قال حذيفة : أو كان يخاف أن يذهب ، وقد أتاه الله - عز وجل - بها . قال أبو جعفر : وكان ما رويناه ، عن ابن مسعود وأنس وأبي هريرة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من إثبات صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم هناك أولى من نفي حذيفة أن يكون صلى هناك ؛ لأن إثبات الأشياء أولى من نفيها ، ولأن الذي قاله حذيفة إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لو كان صلى هناك لوجب على أمته أن يأتوا ذلك المكان ويصلوا فيه كما فعل صلى الله عليه وسلم ، فإن ذلك مما لا حجة لحذيفة فيه ، إذ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كان يأتي مواضع ، ويصلي فيها لم يكتب علينا إتيانها ، ولا الصلوات فيها ، بل قد نهى عمر بن الخطاب ، عن تتبع تلك المواضع والصلوات فيها . 5928 - كما حدثنا يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : أخبرني جرير بن حازم . وكما حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ، قال : أخبرنا أبي وشعيب بن الليث ، عن الليث بن سعد ، عن جرير بن حازم ، عن الأعمش ، قال : حدثني معرور بن سويد الأسدي ، قال : وافيت الموسم مع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فلما انصرف إلى المدينة انصرفت معه ، فصلى لنا صلاة الغداة ، فقرأ فيها : أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ . و لإِيلافِ قُرَيْشٍ ، ثم رأى أناسا يذهبون مذهبا ، فقال : أين يذهبون هؤلاء ؟ قالوا : يأتون مسجدا هاهنا صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : إنما أهلك من كان قبلكم بأشباه هذا يتبعون آثار أنبيائهم فاتخذوها كنائس وبيعا ، من أدركته الصلاة في شيء من هذه المساجد التي صلى فيها رسول الله فليصل فيها ولا يتعمدنها . 5929 - وكما حدثنا فهد ، قال : حدثنا عمر بن حفص ، قال : حدثني أبي ، عن الأعمش ، عن المعرور بن سويد ، ثم ذكر مثله . ففي هذا الحديث ، عن عمر - رضي الله عنه - ما قد وقفنا به على أن المساجد التي صلى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذه المواضع لم يجب على أمته إتيانها ، ولا الصلاة فيها لإتيان رسول الله إياها ولصلاته فيها ، فمثل ذلك أيضا صلاته في بيت المقدس على ما في أحاديث ابن مسعود وأنس وأبي هريرة لا يجب به إتيان الناس هناك ، ولا الصلاة فيه ، وأبين من هذا أنه لا مسجد أجل مقدارا ولا أكثر ثوابا من الصلاة فيه بعد المسجد الحرام من مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ، ولم يكتب على الناس إتيانه ولا الصلاة فيه كما كتب عليهم ما كتب من مثل ذلك في المسجد الحرام ، وفيما ذكرنا في هذا ما قد دل على رتبة عمر رضي الله عنه ، في العلم أنها فوق رتبة من سواه - رضوان الله عليه - وعلى سائر أصحابه . وأما ما ذكرناه أيضا ، عن حذيفة - رضي الله عنه - من دفعه أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم ربط البراق ليلتئذ على ما في حديثه الذي رويناه عنه في ذلك ، فإن ما روينا ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من إثبات ذلك أولى مما روينا ، عن حذيفة في نفيه ، ولأنه ليس كل مسخر لمعنى ينطاع لذلك المعنى ، قد سخر الله - عز وجل - لنا الدواب أن نركبها ونحن نعاني في ركوبها وفي الوصول إلى ذلك ما نعانيه فيهما ، وسخر لنا من بهيمة الأنعام ما سخره لنا منها ، ونحن لا نصل إلى ذلك منها بانطياعها لنا به ، ويبذلها إياه لنا من أنفسها ، وإذا كان ذلك كذلك فيها كان مثل ذلك تسخير الله - عز وجل - البراق لنبيه صلى الله عليه وسلم غير مستنكر منه فيه رباطه إياه ، المروي عنه في الأحاديث التي روي عنه ذلك فيها ، والله نسأله التوفيق . بعونه تعالى وتوفيقه تم الجزء الثاني عشر من شرح مشكل الآثار . ويليه الجزء الثالث عشر ، وأوله : باب بيان مشكل ما روي عن سعيد بن جبير في المكان الذي نزلت فيه وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا بما يروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك .
78 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْه عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي الْعَاطِسِ الَّذِي أَمَرَ بِتَشْمِيتِهِ أَيُّ الْعَاطِسَيْنِ هُوَ ؟ . 587 - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو السُّوسِيُّ ، حَدَّثَنِي أَسْبَاطُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ : عَطَسَ رَجُلَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَشَمَّتَ أَحَدَهُمَا وَلَمْ يُشَمِّتْ الْآخَرَ ، فَقِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ عَطَسَ رَجُلَانِ فَشَمَّتَّ أَحَدَهُمَا وَلَمْ تُشَمِّتْ الْآخَرَ ، فَقَالَ : إنَّ هَذَا حَمِدَ اللَّهَ وَإِنَّ هَذَا لَمْ يَحْمَدْ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ . 588 - حدثنا أَبُو أُمَيَّةَ ، حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ سَابِقٍ ، حدثنا مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَنَسٍ مِثْلَهُ . 589 - حدثنا أَبُو أُمَيَّةَ ، حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّلْتِ ، حدثنا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي الْأَسْوَدِ ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ : أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا عَطَسَ الرَّجُلُ فَحَمِدَ اللَّهَ أَنْ نُشَمِّتَهُ ، وَإِذَا لَمْ يَحْمَدْ اللَّهَ أَنْ لَا نُشَمِّتَهُ . 590 - حدثنا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ ، حدثنا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ ، حدثنا أَبُو مُنَيْنٍ - وَهُوَ يَزِيدُ بْنُ كَيْسَانَ - عَنْ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَعَطَسَ رَجُلٌ فَحَمِدَ اللَّهَ فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَرْحَمُك اللَّهُ ، ثُمَّ عَطَسَ آخَرُ فَسَكَتَ فَلَمْ يَقُلْ لَهُ شَيْئًا ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ عَطَسَ هَذَا فَقُلْت لَهُ : يَرْحَمُك اللَّهُ ، وَعَطَسْتُ أَنَا فَلَمْ تَقُلْ لِي شَيْئًا ، فَقَالَ : إنَّ هَذَا حَمِدَ اللَّهَ وَإِنَّكَ سَكَتَّ . فَقَالَ قَائِلٌ : وَكَيْفَ تَقْبَلُونَ هَذَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ رَوَيْتُمْ عَنْهُ فَذَكَرَ مَا قَدْ . 591 - حدثنا يُونُسُ ، أَخْبَرَني بِشْرُ بْنُ بَكْرٍ ، أَخْبَرَني الْأَوْزَاعِيِّ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ خَمْسٌ : رَدُّ السَّلَامِ ، وَعِيَادَةُ الْمَرِيضِ ، وَاتِّبَاعُ الْجَنَائِزِ ، وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ ، وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ . 592 - وَمَا قَدْ حدثنا سُلَيْمَانُ الْكَيْسَانِيُّ ، حدثنا بِشْرُ بْنُ بَكْرٍ ، حدثنا الْأَوْزَاعِيِّ ، حَدَّثني الزُّهْرِيُّ ، حَدَّثنِي ابْنُ الْمُسَيِّبِ ، حَدَّثنِي أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى أَخِيهِ الْمُسْلِمِ خَمْسٌ : يُسَلِّمُ عَلَيْهِ إذَا لَقِيَهُ ، وَيُشَمِّتُهُ إذَا عَطَسَ ، وَيُجِيبُهُ إذَا دَعَاهُ ، وَيَعُودُهُ إذَا مَرِضَ ، وَيَشْهَدُ جِنَازَتَهُ إذَا مَاتَ . 593 - وَمَا قَدْ حدثنا يُونُسُ ، أَخبرنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَني عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادِ بْنِ أَنْعُمٍ الْمَعَافِرِيُّ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ ضَمَّهُمْ وَأَبَا أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيَّ مُرْسًى فِي الْبَحْرِ فَلَمَّا حَضَرَ غَدَاؤُنَا أَرْسَلْنَا إلَى أَبِي أَيُّوبَ وَإِلَى أَهْلِ مَرْكَبِهِ فَقَالَ : دَعَوْتُمُونِي وَأَنَا صَائِمٌ فَكَانَ مِنْ الْحَقِّ عَلَيَّ أَنْ أُجِيبَكُمْ ، إنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَقُولُ : لِلْمُسْلِمِ عَلَى أَخِيهِ سِتُّ خِصَالٍ : يُجِيبُهُ إذَا دَعَاهُ ، وَإِذَا لَقِيَهُ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَيْهِ ، وَإِذَا عَطَسَ أَنْ يُشَمِّتَهُ ، أَوْ عَطِشَ أَنْ يَسْقِيَهُ - الشَّكُّ مِنْ يُونُسَ - وَإِذَا مَرِضَ أَنْ يَعُودَهُ ، وَإِذَا مَاتَ أَنْ يَحْضُرَهُ ، وَإِذَا اسْتَنْصَحَ نَصَحَهُ قَالَ : فَهَذَانِ مُخْتَلِفَانِ لِأَنَّ فِي أَحَدِهِمَا تَشْمِيتَهُ إذَا عَطَسَ وَفِي الْآخَرِ مِنْهُمَا تَشْمِيتَهُ إذَا عَطَسَ وَحَمِدَ اللَّهَ . وَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ - بِتَوْفِيقِ اللَّهِ وَعَوْنِهِ - أَنَّهُمَا لَيْسَا مُخْتَلِفَيْنِ ؛ لِأَنَّ مَعْنَى مَا عَارَضَنَا بِهِ مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَشْمِيتُهُ إذَا عَطَسَ هُوَ عَلَى تَشْمِيتِهِ إذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى عَلَى مَا رَوَيْنَا فِي أَوَّلِ هَذَا الْبَابِ . وَمِثْلُ ذَلِكَ مَا قَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ فِي كَفَّارَاتِ الْأَيْمَانِ : ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ وَلَمْ يَكُنْ الْمُرَادُ بِذَلِكَ إذَا حَلَفْتُمْ فَقَطْ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِهِ إذَا حَلَفْتُمْ فَحَنِثْتُمْ ؛ لِأَنَّهُ لَا اخْتِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِيمَنْ حَلَفَ بِيَمِينٍ فَلَمْ يَحْنَثْ فِيهَا أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ وَإِذَا كَانَ مَعْنَى : ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ هُوَ إذَا حَلَفْتُمْ وَحَنِثْتُمْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَنْكَرًا أَنْ يَكُونَ مِثْلَ ذَلِكَ مَا قَدْ رَوَيْنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَوْلِهِ : وَيشْمِتُهُ إذَا عَطَسَ ، يُرِيدُ بِهِ إذَا عَطَسَ وَحَمِدَ اللَّهَ ، وَفِيمَا ذَكَرْنَا مَا يَنْفِي التَّضَادَّ عَنْ مَا تَوَهَّمَهُ هَذَا الْجَاهِلُ فِي حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِمَّا يُخَالِفُ ذَلِكَ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ .
713 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في المراد بقول الله عز وجل : يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ (الآية [ المائدة : 106 ] , وفي حكمها , هل هو باق ؟ أو لحقه نسخ ؟ . 5318 - حدثنا علي بن معبد , حدثنا صالح بن عبد الله الترمذي ، أخبرنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة ، عن محمد بن أبي القاسم ، عن عبد الملك بن سعيد بن جبير ، عن أبيه ، عن ابن عباس قال : كان تميم الداري وعدي بن بداء يختلفان إلى مكة للتجارة , فخرج رجل من بني سهم , فتوفي بأرض ليس بها مسلم , فأوصى إليهما بتركته , فدفعا بتركته إلى أهله , وحبسا جاما من فضة مخوصا من ذهب , فاستحلفهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بالله : ما كتمنا ولا أطلعنا , ثم عرف الجام بمكة عند قوم من أهل مكة , فقالوا : اشتريناه من عدي وتميم , فقام رجلان من أولياء السهمي , فحلفا بالله : إن هذا لجام السهمي , ولشهادتنا أحق من شهادتهما , وما اعتدينا , إنا إذا لمن الظالمين , فأخذ الجام , وفيهم نزلت هذه الآية . قال أبو جعفر : ومحمد بن أبي القاسم هذا كوفي ثقة يعرف بالشني , وقد روي عنه غير ابن أبي زائدة , منهم أبو أسامة . 5319 - وحدثنا الحسين بن الحكم الحبري ، حدثنا الحسن بن الحسين العرني ، حدثنا يحيى بن المهلب أبو كدينة ، عن عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس مثله . فقال قائل : فهذه آية قد أنزلها الله في كتابه , وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم في حكمه بما أنزله عليه فيها ما قد رويته في هذا الباب , وقد روي عن ابن عباس وهو الذي روى هذا الحديث في تمسكه بها , وأنها عنده مما الحكم بما فيها قائم لم يلحقه نسخ . وذكر 5320 - ما قد حدثنا محمد بن عبد الرحيم الهروي , حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي , حدثنا المغيرة بن سلمة المخزومي ، حدثنا عبد الواحد بن زياد , حدثنا حبيب بن أبي عمرة قال : سمعت سعيد بن جبير يقول : قال ابن عباس في قوله عز وجل : أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ (, قال : من غير أهل الإسلام من الكفار إذا لم تجدوا المسلمين . 5321 - وكما حدثنا أحمد بن داود قال : حدثنا مسدد قال : حدثنا عبد الواحد يعني ابن زياد قال : حدثنا حبيب بن أبي عمرة ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ (, قال : من غير المسلمين من أهل الكتاب . قال أبو جعفر : فهذا يدل على أنها كانت عند ابن عباس محكمة غير منسوخة . وروي عن أبي موسى الأشعري فيها ما يدل على أن مذهبه كان فيها كمذهب ابن عباس , 5322 - كما حدثنا سليمان بن شعيب الكيساني ، حدثنا عبد الرحمن بن زياد ، حدثنا شعبة ، أخبرنا المغيرة الأزرق قال : سمعت الشعبي يقول : قضى أبو موسى الأشعري بدقوقاء بهذه الآية أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ (. 5323 - وكما حدثنا محمد بن عبد الرحمن الهروي , حدثنا إسحاق بن إبراهيم ، حدثنا عيسى بن يونس ، أخبرنا زكريا بن أبي زائدة ، عن عامر قال : خرج رجل من بني خثعم , فتوفي بدقوقاء , فلم يشهد وصيته إلا رجلان نصرانيان من أهله , فأشهدهما على وصيته , فقدما الكوفة فأحلفهما أبو موسى الأشعري دبر صلاة العصر في مسجد الكوفة بالله الذي لا إله إلا هو ما خانا ولا بدلا ولا كتما , وإنها لوصيته , ثم أجاز شهادتهما . قال أبو جعفر : فدل ذلك على أنها كانت عنده محكمة غير منسوخة , ولا نعلم عن أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم خلافا لهما - يعني ابن عباس وأبا موسى - في ذلك , والله أعلم , ثم التابعون في ذلك قد كان أكثرهم على مثل الذي كانا عليه في ذلك فذكر ما 5324 - حدثنا بكار بن قتيبة ، حدثنا أبو أحمد ، حدثنا سفيان ، عن منصور ، عن إبراهيم قال : كتب هشام بن هبيرة إلى شريح يسأله عن شهادة المشركين على المسلمين ؟ فكتب إليه أن لا تجوز شهادة المشركين على المسلمين إلا في وصية , ولا تجوز في وصية إلا أن يكون مسافرا . 5325 - وما قد حدثنا الهروي , حدثنا إسحاق بن إبراهيم ، حدثنا ابن فضيل , حدثنا الأعمش ، عن إبراهيم ، عن شريح قال : لا تجوز شهادة اليهودي ولا النصراني إلا في السفر , ولا تجوز في السفر إلا في الوصية . قال : فهذا شريح وهو قاضي الخلفاء الراشدين المهديين قد كان مذهبه فيها أيضا أنها محكمة غير منسوخة . 5326 - وما قد حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، حدثنا وهب بن جرير ، عن شعبة ، عن قتادة ، عن سعيد بن المسيب أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ (, قال : من أهل الكتاب . فدل ذلك على ما دل عليه ما قبله . 5327 - وما قد حدثنا الهروي حدثنا إسحاق بن إبراهيم ، حدثنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر ، عن أيوب ، عن ابن سيرين ، عن عبيدة في قوله عز وجل : تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ (, قال : هي صلاة العصر , قال : وقال معمر : قال قتادة مثله . 5328 - وما قد حدثنا أحمد بن داود ، حدثنا إبراهيم بن الحجاج , حدثنا حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن محمد قال : سألت عبيدة عنها , فقال : من غير أهل الملة . فدل ذلك أيضا على مثل ما قد دل عليه ما قبله . 5329 - وما قد حدثنا ابن أبي مريم ، حدثنا الفريابي , حدثنا ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله : شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ (أن يموت المسلم , فيحضر موته مسلمان أو كافران , ولا يحضر غير اثنين منهم , فإن رضي ورثته بما غلبا عنه من تركته فذلك , ويحلفان : إنهما صادقان , فإن عثر بلطخ وجد , أو لبس , أو تشبيه , حلف الاثنان للأقربين من الورثة , فاستحقا , وأبطلا أيمان الشاهدين . فدل ذلك أنها كانت عند مجاهد كما ذكرناها على ما كانت عليه عند غيره . 5330 - وما قد حدثنا محمد بن خزيمة ، حدثنا حجاج بن منهال ، حدثنا هشيم ، عن المغيرة ، عن إبراهيم , قال المغيرة : وأخبرني من سمع سعيد بن جبير : أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ (, قالا : من غير دينكم . 5331 - وما قد حدثنا محمد ، حدثنا حجاج ، حدثنا أبو هلال الراسبي ، عن محمد بن سيرين مثله . فدل ذلك أنها كانت عند إبراهيم , وسعيد بن جبير , وابن سيرين كذلك أيضا . فكان جوابنا له في ذلك أن الذي ذكره كما ذكره , وأن القول فيه هو القول في هذه الآثار , وقد قال به من فقهاء الأمصار ابن أبي ليلى . 5332 - كما حدثنا جعفر بن أحمد بن الوليد , حدثنا بشر بن الوليد قال سمعت أبا يوسف يقول : وكان ابن أبي ليلى يقول في ذلك , فذكر مثل القول الذي ذكرناه عن من تقدم في هذا الباب . وقال به الأوزاعي . 5333 - كما أجازه لنا محمد بن سنان ، عن محمود بن خالد ، عن عمر بن عبد الواحد قال : سمعت الأوزاعي يقول في رجل مسلم مات في قرية ليس فيها مسلمون , فأوصى , قال : يغسلونه ويدفنونه , وتجوز شهادتهم , يعني على وصيته . وقال به الثوري أيضا . 5334 - كما حدثنا القاسم بن عبد الرحمن الجزري ، حدثنا محمد بن عبد الوهاب الدعلجي ، عن محمد بن علي بن أبي خداش ، عن المعافى بن عمران قال : وسئل - يعني الثوري - عن شهادة أهل الذمة في السفر , هل يعمل بذلك اليوم ؟ فذكر عن سليمان ، عن إبراهيم ، عن شريح قال : لا تجوز شهادة اليهودي ولا النصراني إلا في وصية , ولا تجوز في وصية إلا في السفر , قال سفيان : حيث لا يوجد مسلم , قيل لسفيان : أيؤخذ بها ؟ أو نحو ذلك , فقال : قد عمل بها أبو موسى . فإن قال قائل : قد روي عن الحسن ما يخالف أقوال هؤلاء الذين ذكرت 5335 - فذكر ما قد حدثنا الهروي , حدثنا إسحاق بن إبراهيم ، حدثنا روح ، أخبرنا عوف ، عن الحسن في قوله : اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ (, قال : من غير أهل قبيلتكم , كلهم من أهل الصلاة , ألا تراه يقول : تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ (؟ فكان جوابنا له في ذلك أنا لا ندفع أن يكون أهل العلم قد اختلفوا في ذلك , وكيف ندفع أن يكونوا اختلفوا فيه , وأبو حنيفة في أصحابه , ومالك في أصحابه , والشافعي في أصحابه يذهبون إلى أنها بخلاف ما هي عليه ممن قد ذكرنا ؟ فمنهم من يذهب إلى أنها منسوخة بقوله : وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ (, وهذا مما لا يقطع فيه على المخالف بقيام الحجة عليه بالنسخ لما قد أنزله الله في كتابه , وعمل به رسوله , وعمل به من عمل به من أصحابه , ولا يجوز أن ينسخ ما قد أجمع على ثبوته إلا لقيام الحجة بما يوجب ذلك فيه . فأما ما قد ذكرناه مما يستدل به الحسن من قول الله : تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ (ما قد دل على أنهما من أهل الصلاة , فإن ذلك مما لا دليل عندنا فيه , وإنما ذلك عند كثير من أهل العلم على أنه قصد بذلك إلى الوقت الذي يعظمه أهل الأديان جميعا وهو ما بعد صلاة العصر ويتوقونه ويخافون نزول العقوبة بهم عند المعصية فيه , وقد ذكرنا في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله : ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم , ولهم عذاب أليم ؛ رجل حلف بعد العصر على سلعة أنه أعطي بها كذا وكذا كاذبا , وقد ذكرنا ذلك بإسناده فيما تقدم منا في كتابنا هذا , فإذا كان هذا الاختلاف في هذا كما قد ذكرنا , بقي حكم الآية على ما كان عليه حتى يكون مثله مما يوجب نسخها , وقد كان الزهري وزيد بن أسلم يذهبان إلى أنها مما قد نسخ العمل به . 5336 - كما قد حدثنا ابن أبي داود ، حدثنا عبد الله بن صالح , حدثنا الليث ، عن عقيل ، عن ابن شهاب , ثم ذكر في اختلاف من ذكره من فقهاء أهل المدينة في ذلك ما قد ذكره فيه , وقال بعقب ذلك : ولا تجوز شهادة كافر على أحد من المسلمين في شيء من الأموال في حضر ولا سفر . 5337 - وكما قد حدثنا يونس ، أخبرنا ابن وهب ، أخبرني عبد الله بن عياش ، عن زيد بن أسلم في هذه الآية : شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ (الآية , قال : ذلك كان في رجل توفي , وليس عنده أحد من أهل الإسلام , وذلك في أول الإسلام والأرض حرب , والناس كفار إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالمدينة , وكان الناس يتوارثون بالوصية , ثم نسخت الوصية وفرضت الفرائض , وعمل بها المسلمون . قال أبو جعفر : وليس في هذا إلى الآن ما يوجب نسخ هذه الآية , والله الموفق للصواب .
79 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْه عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي صِدْقِ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . 594 - حدثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مَرْوَانَ أَبُو إِسْحَاقَ الْوَاسِطِيُّ ، حدثنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَزْرَقُ الْوَاسِطِيُّ ، حَدَّثنِي جَدِّي إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ ، حَدَّثنِي شَرِيكٌ النَّخَعِيُّ ، عَنْ الْأَعْمَشِ قَالَ : سَمِعْت أَبَا وَائِلٍ يُحَدِّثُ ، عَنْ حُلَّامِ بْنِ جَزْلٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : مَا أَظَلَّتْ الْخَضْرَاءُ وَلَا أَقَلَّتْ الْغَبْرَاءُ عَلَى ذِي لَهْجَةٍ أَصْدَقَ مِنْ أَبِي ذَرٍّ . 595 - حدثنا فَهْدٌ ، حدثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ ، حدثنا الْأَعْمَشُ ، عَنْ عُثْمَانَ أَبِي الْيَقْظَانِ ، عَنْ أَبِي حَرْبِ بْنِ أَبِي الْأَسْوَدِ قَالَ : سَمِعْت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو يَقُولُ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَقُولُ ، ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ . 596 - حدثنا أَبُو أُمَيَّةَ ، حدثنا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى الْأَشْيَبُ ، حدثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ بِلَالِ بْنِ أَبِي الدَّرْدَاءِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ . فَتَأَمَّلْنَا هَذَا الْحَدِيثَ لِنَقِفَ عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي أُرِيدَ بِهِ مَا هُوَ ؟ فَوَجَدْنَاهُ قَدْ أَخْبَرَ فِيهِ أَنَّ الْخَضْرَاءَ مَا أَظَلَّتْ ، وَأَنَّ الْغَبْرَاءَ مَا أَقَلَّتْ مِنْ ذِي لَهْجَةٍ أَصْدَقَ مِنْ أَبِي ذَرٍّ ، فَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي أَعْلَى مَرَاتِبِ الصِّدْقِ وَلَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ مَا يَنْفِي أَنْ يَكُونَ قَدْ كَانَ فِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ هُوَ فِي الصِّدْقِ مِثْلُهُ ، فَكَانَ الَّذِي فِي هَذَا الْحَدِيثِ إثْبَاتَ أَعْلَى مَرَاتِبِ الصِّدْقِ لِأَبِي ذَرٍّ ، وَلَيْسَ فِيهِ نَفْيُ غَيْرِهِ مِنْ تِلْكَ الْمَرْتَبَةِ ، إنَّمَا فِيهِ نَفْيُ غَيْرِهِ أَنْ يَكُونَ فِي مَرْتَبَةٍ مِنْ مَرَاتِبِ الصِّدْقِ أَعْلَى مِنْهَا . وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
793 - باب بيان مشكل ما روي عن سعيد بن جبير في المكان الذي نزلت فيه: وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا بما يروى عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ذلك. 5930 - حدثنا أحمد بن داود بن موسى ، قال : حدثنا مسدد وسهل بن بكار، قالا: حدثنا أبو عوانة ، عن أبي بشر ، عن سعيد بن جبير : وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا قال: لقي الرسل - صلى الله عليهم - ليلة أسري به . وفي هذا ما قد دل أن نزول هذه الآية كان بغير مكة وبغير المدينة ؛ لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسري به من مكة إلى حيث لا يعلم ، حتى علمه بوروده إياه ، واجتماعه فيما هناك مع الأنبياء - صلوات الله عليه وعليهم - الذين جمعوا له فيما هناك حتى أمهم على ما ذكرنا في الباب الذي قبل هذا الباب ، وهم الذين أمر بسؤالهم عن ما أمر بسؤالهم عنه ؛ لأنه لم يؤمهم في غير ذلك المكان ، وفي ذلك ما قد دل على صحة ما قد رويناه عن سعيد بن جبير مما ذكرنا .
80 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْه عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي : مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا فِي يَوْمٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ هَلْ يَصُومُ ذَلِكَ الْيَوْمَ أَمْ لَا ؟ . 597 - حدثنا يُونُسُ ، أَخبرنا ابْنُ وَهْبٍ أَنَّ مَالِكًا أَخْبَرَهُ ، عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَقُولُ : كُنْت أَنَا وَأَبِي عِنْدَ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ ، وَهُوَ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ فَذَكَرَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ : مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا أَفْطَرَ ذَلِكَ الْيَوْمَ فَقَالَ مَرْوَانُ : أَقْسَمْت عَلَيْك لَتَذْهَبَنَّ إلَى أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ تَسْأَلْهُمَا عَنْ ذَلِكَ ، قَالَ : فَذَهَبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَذَهَبْت مَعَهُ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى عَائِشَةَ ، فَسَلَّمَ عَلَيْهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، ثُمَّ قَالَ يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ إنَّا كُنَّا عِنْدَ مَرْوَانَ فَذُكِرَ لَهُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ : مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا أَفْطَرَ ذَلِكَ الْيَوْمَ ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ : بِئْسَمَا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ ، أَتَرْغَبُ عَمَّا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُ ، فَقَالَ : لَا وَاَللَّهِ ، فَقَالَتْ : فَأَشْهَدُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ جِمَاعٍ غَيْرِ احْتِلَامٍ ، ثُمَّ يَصُومُ ذَلِكَ الْيَوْمَ قَالَ : ثُمَّ خَرَجْنَا حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَسَأَلْتُهَا ، عَنْ ذَلِكَ فَقَالَتْ : كَمَا قَالَتْ عَائِشَةُ ، فَخَرَجْنَا حَتَّى جِئْنَا مَرْوَانَ فَذَكَرَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ مَا قَالَتَا ، فَقَالَ مَرْوَانُ : أَقْسَمْت عَلَيْك يَا أَبَا مُحَمَّدٍ لَتَرْكَبَنَّ دَابَّتِي فَإِنَّهَا بِالْبَابِ فَلْتَذْهَبَنَّ إلَى أَبِي هُرَيْرَةَ فَإِنَّهُ بِأَرْضِهِ بِالْعَقِيقِ فَلَتُخْبِرَنَّهُ ذَلِكَ ، فَرَكِبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَرَكِبْت مَعَهُ حَتَّى أَتَيْنَا أَبَا هُرَيْرَةَ فَتَحَدَّث مَعَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ سَاعَةً ، ثُمَّ ذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : لَا عِلْمَ لِي بِذَلِكَ إنَّمَا أَخْبَرَنيهِ مُخْبِرٌ 598 - حدثنا الْحَسَنُ بْنُ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَرْوَزِيِّ ، حدثنا يَعْقُوبُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ ، حدثنا أَبِي ، عَنْ ابْنِ إِسْحَاقَ ، حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ مَوْلَى بَنِي تَيْمٍ ، عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ الْغِفَارِيِّ - وَالنُّعْمَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ الْأَنْصَارِيِّ ، ثُمَّ الزُّرَقِيِّ قَالَ كِلَاهُمَا : حَدَّثنِي عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ الْمَخْزُومِيِّ قَالَ : جَلَسْت مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ فَسَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ الصَّائِمِ إذَا أَصْبَحَ وَهُوَ جُنُبٌ ، فَقَالَ لَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ : فَلَا صِيَامَ لَهُ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : قَدْ ذَكَرْت ذَلِكَ لِأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ فَذَكَرَ ذَلِكَ أَبِي لِمَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ ، وَهُوَ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ فَقَالَ لَهُ مَرْوَانُ : لَتَأْتِيَنَّ عَائِشَةَ وَأُمَّ سَلَمَةَ زَوْجَيْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلْتَسْأَلْهُمَا عَنْ هَذَا مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَإِنَّهُ لَا أَحَدَ أَعْلَمُ بِهَذَا مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ نِسَائِهِ ، قَالَ : فَخَرَجَ أَبِي وَخَرَجْت مَعَهُ حَتَّى دَخَلَنَا عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ ، فَسَأَلَهَا عَنْ ذَلِكَ ، فَقَالَتْ : قَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصْبِحُ وَهُوَ جُنُبٌ مِنْ نِكَاحٍ غَيْرِ احْتِلَامٍ ، ثُمَّ يَصُومُ ، قَالَ : ثُمَّ خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِهَا ، فَجَلَسْنَا عَلَى بَابِ عَائِشَةَ ، فَبَعَثَ إلَيْهَا أَبِي ذَكْوَانَ مَوْلَاهَا فَسَأَلَهَا عَنْ ذَلِكَ ، فَجَاءَهُ ذَكْوَانُ ، فَقَالَ : تَقُولُ لَك : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصْبِحُ وَهُوَ جُنُبٌ مِنْ نِكَاحٍ غَيْرِ احْتِلَامٍ ، ثُمَّ يَصُومُ ، قَالَ : فَرَجَعَ أَبِي إلَى مَرْوَانَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ ، فَقَالَ : إنِّي عَزَمْت عَلَيْك لَتَأْتِيَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ حَتَّى تُخْبِرَهُ بِهَذَا قَالَ : فَقَالَ لَهُ أَبِي : يَغْفِرُ اللَّهُ لَك أَيُّهَا الْأَمِيرُ ، بَلَّغْتُك حَدِيثًا عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَمْرٍ فَتَجِيئُهُ ، حَتَّى إذَا وَجَدْت خِلَافَهُ ، أَمَرْتَنِي أَنْ أُعَرِّفَهُ بِهِ ، قَالَ : فَقَالَ لَهُ مَرْوَانُ : عَزَمْت عَلَيْك لَتَفْعَلَنَّ ، فَخَرَجَ مَرْوَانُ حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا ، فَخَرَجْنَا مَعَهُ حَتَّى إذَا كُنَّا بِذِي الْحُلَيْفَةِ - وَلِأَبِي هُرَيْرَةَ بِهَا أَرْضٌ هُوَ فِيهَا - قُمْنَا إلَيْهِ وَأَنَا مَعَ أَبِي ، فَقَالَ لَهُ أَبِي : يَا أَبَا هُرَيْرَةَ ، إنِّي أَخْبَرْت الْأَمِيرَ أَنَّك قُلْت : مَنْ أَدْرَكَ الْفَجْرَ وَهُوَ جُنُبٌ فَلَا صِيَامَ لَهُ ، فَأَمَرَنِي أَنْ أَسْأَلَ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ ، فَفَعَلْت فَحَدَّثتْنِي أُمُّ سَلَمَةَ وَعَائِشَةُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصْبِحُ وَهُوَ جُنُبٌ مِنْ نِكَاحٍ غَيْرِ احْتِلَامٍ ، ثُمَّ يَصُومُ قَالَ : فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : لَا أَدْرِي أَخْبَرَني بِذَلِكَ الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ 599 - وَحدثنا الْحَسَنُ بْنُ بَكْرٍ ، حدثنا يَعْقُوبُ ، حدثنا أَبِي ، عَنْ ابْنِ إِسْحَاقَ ، حَدَّثنِي الْحَارِثُ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ ، عَنْ أَبِيهِ مِثْلَ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ عِرَاكٍ وَالنُّعْمَانِ . 600 - حدثنا عَلِيُّ بْنُ شَيْبَةَ ، حدثنا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، أَخبرنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَوْنٍ ، عَنْ رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ ، عَنْ يَعْلَى بْنِ عُقْبَةَ ، قَالَ : أَصْبَحْت جُنُبًا وَأَنَا أُرِيدُ الصَّوْمَ ، فَأَتَيْت أَبَا هُرَيْرَةَ فَسَأَلْتُهُ ، فَقَالَ لِي : أَفْطِرْ ، فَأَتَيْت مَرْوَانَ فَسَأَلْتُهُ وَأَخْبَرْتُهُ بِقَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، فَبَعَثَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْحَارِثِ إلَى عَائِشَةَ ، فَسَأَلَهَا ، فَقَالَتْ : كَانَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَخْرُجُ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ مِنْ جِمَاعٍ ، ثُمَّ يَصُومُ ذَلِكَ الْيَوْمَ ، فَرَجَعَ إلَى مَرْوَانَ فَأَخْبَرَهُ ، فَقَالَ ائْتِ أَبَا هُرَيْرَةَ فَأَخْبِرْهُ فَأَتَاهُ فَأَخْبَرَهُ ، فَقَالَ : إنِّي لَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا حَدَّثنِيهِ الْفَضْلُ ، عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ . 601 - وَحدثنا ابْنُ خُزَيْمَةَ ، حدثنا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ ، حدثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، أَخبرنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَوْنٍ ، ثُمَّ ذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ . فَفِيمَا رَوَيْنَا مِنْ هَذِهِ الْآثَارِ مَا ذَكَرَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ فِيهَا ، عَنْ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَنْعِهِ مِنْ الصَّوْمِ مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا ، وَفِيهَا إخْبَارُ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ مِمَّا يُخَالِفُ ذَلِكَ فِي مَنْعِهِ . فَقَالَ قَائِلٌ : مِنْ أَيْنَ اتَّسَعَ لَكُمْ أَنْ تَمِيلُوا فِي هَذِهِ إلَى مَا رَوَتْهُ عَائِشَةُ وَأُمُّ سَلَمَةَ عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَتَتْرُكُوا مَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ ، عَنْ الْفَضْلِ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا يُخَالِفُهُ دُونَ أَنْ تُصَحِّحُوهُمَا جَمِيعًا ، فَتَجْعَلُونَ حَدِيثَ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ إخْبَارًا مِنْهُمَا عَنْ حُكْمِهِ ، كَانَ فِي ذَلِكَ فِي نَفْسِهِ ، وَتَجْعَلُونَ حَدِيثَ الْفَضْلِ عَنْهُ فِي حُكْمِ غَيْرِهِ مِنْ أُمَّتِهِ حَتَّى لَا يُضَادَّ وَاحِدٌ مِنْ هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ الْمَعْنَى الْآخَرَ مِنْهُمَا . فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ أَنَّا قَدْ وَجَدْنَا عَنْهُ مَا قَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّ حُكْمَهُ فِي نَفْسِهِ كَانَ فِي ذَلِكَ كَحُكْمِ سَائِرِ أُمَّتِهِ فِيهِ، وَذَلِكَ : . 602 - أَنَّ يُونُسَ قَدْ حدثنا ، قَالَ : أَخبرنا ابْنُ وَهْبٍ أَنَّ مَالِكًا أَخْبَرَهُ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْمَرٍ الْأَنْصَارِيِّ ، عَنْ أَبِي يُونُسَ مَوْلَى عَائِشَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ : أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى الْبَابِ ، وَأَنَا أَسْمَعُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أُصْبِحُ جُنُبًا وَأَنَا أُرِيدُ الصَّوْمَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَأَنَا أُصْبِحُ جُنُبًا وَأَنَا أُرِيدُ الصَّوْمَ فَأَغْتَسِلُ وَأَصُومُ ، فَقَالَ الرَّجُلُ : إنَّك لَسْت مِثْلَنَا ، قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَك مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِك وَمَا تَأَخَّرَ ، فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَالَ : وَاَللَّهِ إنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَخْشَاكُمْ لِلَّهِ تَعَالَى وَأَعْلَمَكُمْ بِمَا أَتَّقِي . وَلَمَّا وَقَفْنَا بِذَلِكَ عَلَى اسْتِوَاءِ حُكْمِهِ وَحُكْمِ سَائِرِ أُمَّتِهِ فِي ذَلِكَ ، عَقَلْنَا أَنَّ ذَيْنَك الْمَعْنَيَيْنِ قَدْ كَانَا حُكْمَيْنِ لِلَّهِ تَعَالَى ، نَسَخَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ ، وَكَانَ مَا فِي حَدِيثِ الْفَضْلِ مِنْهُمَا التَّغْلِيظَ ، وَمَا فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ التَّخْفِيفَ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ مِنَّا فِي كِتَابِنَا هَذَا أَنَّ النَّسْخَ بِلَا مَعْصِيَةٍ لِلَّهِ تَعَالَى رَحْمَةٌ مِنْ اللَّهِ ، وَرَدُّ التَّغْلِيظِ إلَى التَّخْفِيفِ ، وَلَمْ يَكُنْ بِحَمْدِ اللَّهِ فِي شَيْءٍ مِمَّا كَانَ مِنْ أَجْلِهِ هَذَا النَّسْخُ مَعْصِيَةً يَكُونُ مَعَهَا التَّغْلِيظُ ، فَجَعَلْنَا النَّسْخَ فِي هَذَا الْحُكْمِ كَانَ مِنْ التَّغْلِيظِ إلَى التَّخْفِيفِ ، وَكَانَ فِي ذَلِكَ وُجُوبُ اسْتِعْمَالِ مَا جَاءَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ دُونَ مَا فِي حَدِيثِ الْفَضْلِ ، مَعَ أَنَّا قَدْ وَجَدْنَا كِتَابَ اللَّهِ قَدْ أَوْجَبَ ذَلِكَ ، وَهُوَ قَوْل الله تَعَالَى فِيهِ : أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ إلَى قَوْلِهِ : إِلَى اللَّيْلِ وَكَانَ فِي ذَلِكَ مَا قَدْ دَلَّ عَلَى إبَاحَةِ إتْيَانِ النِّسَاءِ فِي اللَّيْلِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ ، وَلَا يَكُونُ الِاغْتِسَالُ الَّذِي يُوجِبُهُ ذَلِكَ الْإِتْيَانُ إلَّا فِي النَّهَارِ ، وَفِي ذَلِكَ مَا يُبِيحُ الصَّوْمَ مَعَ الْجَنَابَةِ ، وَفِيهِ مُوَافَقَةُ مَا فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِيهِ . وَمِمَّا قَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ مِمَّا يُوَافِقُ هَذَا الْمَعْنَى : 603 - مَا قَدْ حدثنا بَكَّارَ ، حدثنا أَبُو دَاوُد وَرَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ قَالَا : حدثنا شُعْبَةُ ، عَنْ الْحَكَمِ قَالَ : سَمِعْت أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ يُحَدِّثُ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : دَخَلْت عَلَى عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَأَخْبَرَتْنِي : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصْبِحُ جُنُبًا ، ثُمَّ يَغْتَسِلُ ، ثُمَّ يَغْدُو إلَى الْمَسْجِدِ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ ، ثُمَّ يَصُومُ ذَلِكَ الْيَوْمَ ، فَأَخْبَرْتُهُ مَرْوَانَ فَقَالَ : ائْتِ أَبَا هُرَيْرَةَ فَأَخْبِرْهُ ذَلِكَ ، فَقُلْتُ : إنَّهُ لِي صَدِيقٌ فَأَعْفِنِي ، قَالَ : عَزَمْت عَلَيْك لَتَأْتِيَنَّهُ ، فَانْطَلَقْت أَنَا وَابْنِي إلَى أَبِي هُرَيْرَةَ فَأَخْبَرْتُهُ بِذَلِكَ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : عَائِشَةُ أَعْلَمُ مِنِّي ، قَالَ شُعْبَةُ : وَفِي الصَّحِيفَةِ : عَائِشَةُ أَعْلَمُ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 604 - وَمَا قَدْ حدثنا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ ، حدثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ ، أَخبرنا دَاوُد بْنُ أَبِي هِنْدٍ ، عَنْ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَخِيهِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ كَانَ يَصُومُ وَلَا يُفْطِرُ ، فَدَخَلَ عَلَى أَبِيهِ يَوْمًا وَهُوَ مُفْطِرٌ ، فَقَالَ لَهُ : مَا شَأْنُكَ الْيَوْمَ مُفْطِرًا ، فَقَالَ : إنِّي أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ فَلَمْ أَغْتَسِلْ حَتَّى أَصْبَحْت ، فَأَفْتَانِي أَبُو هُرَيْرَةَ أَنْ أُفْطِرَ ، فَأَرْسَلُوا إلَى عَائِشَةَ يَسْأَلُونَهَا ، فَقَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تُصِيبُهُ الْجَنَابَةُ فَيَغْتَسِلُ بَعْدَمَا يُصْبِحُ ، ثُمَّ يَخْرُجُ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ مَاءً فَيُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ ، ثُمَّ يَصُومُ ذَلِكَ الْيَوْمَ 605 - وَمَا قَدْ حدثنا بَكَّارَ ، حدثنا أَبُو عَاصِمٍ ، أَخبرنا ابْنُ جُرَيْجٍ ، أَخْبَرَني ابْنُ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ : أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ يُدْرِكُهُ الْفَجْرُ وَهُوَ جُنُبٌ ، ثُمَّ يَصُومُ 606 - وَمَا قَدْ حدثنا فَهْدٌ ، حدثنا أَبُو غَسَّانَ ، حدثنا زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ الْأَسْوَدِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، عَنْ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ . 607 - وَمَا قَدْ حدثنا فَهْدٌ ، حدثنا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ، حدثنا زَائِدَةُ بْنُ قُدَامَةَ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ عَائِشَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ . 608 - وَمَا قَدْ حدثنا ابْنُ خُزَيْمَةَ ، حدثنا حَجَّاجٌ ، حدثنا حَمَّادٌ ، أَخْبَرَنا عَاصِمُ بْنُ بَهْدَلَةَ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ عَائِشَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِذَلِكَ . 609 - وَمَا قَدْ حدثنا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ ، حدثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ ، حدثنا شُعْبَةُ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ ، عَنْ عَامِرِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِذَلِكَ أَيْضًا ، قَالَ : فَرَدَّ أَبُو هُرَيْرَةَ فُتْيَاهُ . فَهَذَا أَبُو هُرَيْرَةَ أَيْضًا قَدْ رَأَى أَنَّ مَا رَوَتْهُ عَائِشَةُ وَأُمُّ سَلَمَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي هَذَا الْبَابِ أَوْلَى مِمَّا حَدَّثهُ بِهِ الْفَضْلُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِمَّا يُخَالِفُهُ ، وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
712 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في رجمه من رجمه من اليهود : هل كان ذلك بشهادة من سواهم من اليهود عليهم ؟ وما يدخل في ذلك من قبول شهادة أهل الكتاب بعضهم على بعض , ومن ردها فإن قال قائل : قد رويتم حديث ابن عمر أن اليهود أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم برجل وامرأة منهم زنيا , وكان مجيئهم بهما يدل أنهما أتياه باختيارهما , ويدل ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم سؤالهم أن يأتوا بأربعة شهداء سواهم من المسلمين ليشهدوا على ما رموهما به من ذلك , وفي تركه لذلك دليل على قبوله شهادة من جاء بهم إليه من اليهود عليهم بذلك , وكذلك في حديث البراء لما مر عليه صلى الله عليه وسلم باليهودي المحمم رأسه , فأعلموه بالزنى الذي كان منه حتى فعلوا ذلك به من أجله , وليس فيه إقرار من ذلك اليهودي بما ذكروه عنه من ذلك , ولا تصديق له إياهم عليه , وإنما كان منهم إعلامهم النبي صلى الله عليه وسلم ما كان منه , وقول النبي صلى الله عليه وسلم عند ذلك : أنا أولى من أحيا ما أماتوا من أمر الله , فرجمه . ففي ذلك ما قد دل على قبول شهاداتهم كانت عليه بذلك . فكان جوابنا له في ذلك أن الأمر في ذلك كما ذكروا فيه , وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا المعنى بأكشف من هذين الحديثين . 5308 - كما حدثنا روح بن الفرج ، حدثنا يحيى بن سليمان الجعفي ، حدثنا عبد الرحمن بن سليمان الرازي ، أخبرنا مجالد ، عن عامر ، عن جابر قال : أتي النبي صلى الله عليه وسلم بيهودي ويهودية قد زنيا , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لليهود : ما يمنعكم أن تقيموا عليهما الحد ؟ فقالوا : قد كنا نفعل إذ كان الملك لنا وفينا , فأما إذ ذهب ملكنا , فلا نجترئ على القتل , فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : ائتوني بأعلم رجلين منكم , فأتوه بابني صوريا , فقال لهما : أنتما أعلم من وراءكما ؟ قالا : كذلك يقولون , فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنشدكما بالذي أنزل التوراة على موسى , كيف تجدون حدهما في التوراة ؟ فقالا : نجد في التوراة الرجل يقبل المرأة زنية , وفيه عقوبة , والرجل يوجد على بطن المرأة زنية , وفيه عقوبة , فإذا شهد أربعة نفر أنهم رأوه يدخله في فرجها كما يدخل الميل في المكحلة رجما , فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : ائتوني بشهود , فشهد أربعة منهم على ذلك , فرجمهما رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال أبو جعفر : وكذلك وجدنا المتقدمين من أئمة الأمصار في الفقه في قبول شهادة أهل الكتاب بعضهم على بعض وإن كانوا قد اختلفوا في ذلك مع اختلاف مللهم , فأما في اتفاقها , فلم يختلفوا في ذلك , منهم شريح , وهو قاضي الخلفاء الراشدين المهديين ؛ عمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم . 5309 - كما قد حدثنا الحسين بن نصر ، حدثنا أبو نعيم ، حدثنا سفيان ، عن شيخ ، عن يحيى بن وثاب ، عن شريح أنه كان يجيز شهادة أهل الكتاب بعضهم على بعض . ومنهم : عمر بن عبد العزيز مع علمه وأمانته وموضعه من الإسلام . 5310 - كما قد حدثنا يزيد بن سنان ، حدثنا يحيى بن سعيد القطان ، أخبرنا عمرو بن ميمون أن عمر بن عبد العزيز أجاز شهادة مجوسي على نصراني , ونصراني على مجوسي . ومنهم : الشعبي . 5311 - كما قد حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، حدثنا أبو عامر العقدي ، عن سفيان ، عن أبي الحصين ، عن الشعبي أنه كان يجيز شهادة النصراني على اليهودي , واليهودي على النصراني . 5312 - وكما حدثنا الحسين بن نصر ، حدثنا أبو نعيم ، حدثنا سفيان ، عن أبي حصين ، عن الشعبي أنه كان يجيز شهادة أهل الكتاب بعضهم على بعض . ومنهم : ابن شهاب الزهري . 5313 - كما حدثنا يونس ، حدثنا ابن وهب ، أخبرني يونس بن يزيد ، عن ابن شهاب قال : تجوز شهادة النصراني واليهودي بعضهم على بعض , ولا تجوز شهادة اليهودي على النصراني , ولا النصراني على اليهودي , 5314 - وكما حدثنا إبراهيم بن منقذ ، حدثني إدريس بن يحيى ، عن بكر بن مضر ، عن يونس ، عن ابن شهاب قال : كان يقول : شهادة النصراني على النصراني , وكان يرى شهادة اليهودي على النصراني , أو النصراني على اليهودي لا تجوز . ومنهم : يحيى بن سعيد الأنصاري . 5315 - كما حدثنا يونس ، حدثنا ابن وهب ، حدثني معاوية بن صالح أنه سمع يحيى بن سعيد يقول : ثم ذكر مثل حديثه عن ابن وهب ، عن يونس ، عن ابن شهاب سواء . قال أبو جعفر : وقد تمسك بذلك من قولهم الليث بن سعد . 5316 - كما قد حدثنا يونس ، حدثنا ابن وهب قال : سمعت الليث يقول ذلك , يعني مثل الذي ذكره ، عن ابن شهاب ويحيى بن سعيد . قال أبو جعفر : وهؤلاء أئمة الأمصار وفقهاؤهم . 5317 - وقد سمعت يونس يقول : سمعت ابن وهب يقول : خالف مالك بن أنس معلميه في رد شهادة النصارى بعضهم على بعض , كان ابن شهاب ويحيى بن سعيد وربيعة يجيزونها . قال أبو جعفر : ولقد سمعت أحمد بن أبي عمران يقول : سمعت يحيى بن أكثم يقول - وذكر هذا الباب فقال : جمعت فيه قول مئة فقيه من المتقدمين في قبول شهادات أهل الكتاب بعضهم على بعض , وما وجدت فيه اختلافا من أمثالهم لهم في ذلك إلا عن ربيعة , فإني وجدت عنه قبولها , ووجدت عنه ردها . وقال قائل : كيف يجوز قبول شهادتهم مع الكفر الذي هم عليه بالله عز وجل ؟ قال : وإذا كان فساقنا بما هو دون الكفر لا تقبل شهادتهم , كان الكفار من غيرنا أحرى أن لا تقبل شهادتهم . فكان جوابنا له في ذلك أن الكفر الذي أهل الكتاب عليه لم يخرجهم من حال ولاية بعضهم بعضا في تزويج بناتهم , وفي الولاية على صغارهم ممن هم آباؤهم في البيع لهم , وفي الابتياع لهم , وكان مثل ذلك لا يجوز من فساقنا في أمثال من ذكرنا من أبنائهم , وكان من كان من فساقنا واجب علينا منابذته , وترك إقراره على ما هو عليه من فسقه حتى نزيله عنه إلى الواجب عليه بالشريعة التي هو من أهلها , وكان أهل الكتاب بخلاف ذلك , إذ كانوا مخلين على حكم شريعتهم غير مأخوذين بترك ذلك , ولا بالزوال عنه إلى غيره , وإذا كانوا فيما ذكرنا كذلك , كانوا بخلاف الفساق منا , وكانوا في سائر ما في شريعتهم كنحن في ما توجبه شريعتنا , وممن كان يذهب إلى هذا القول أبو حنيفة وابن أبي ليلى والثوري , وسائر الكوفيين سواهم , إلا ما يختلفون فيه من مللهم إذا اختلفت , فإن أبا حنيفة كان لا يراعي ذلك , وتابعه عليه أصحابه , وكان ابن أبي ليلى وكثير منهم يخالفونهم في ذلك , ولا يقبلون شهادة أهل ملة منهم على غيرهم , وبالله التوفيق .
81 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ قَوْلِهِ : إذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَانْتَهُوا عَنْهُ ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَافْعَلُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ . 610 - حدثنا يُونُسُ ، أخبرنَا ابْنُ وَهِبٍ ، أَخْبَرَني يُونُسُ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، أَخْبَرَني ابْنُ الْمُسَيِّبِ وَأَبُو سَلَمَةَ قَالَا : كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَقُولُ : مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ ، وَمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَافْعَلُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ مَسَائِلهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ . 611 - حدثنا يُونُسُ أَخبرنا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخبرنا مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ . 612 - حدثنا الرَّبِيعُ الْمُرَادِيُّ ، حدثنا ابْنُ وَهْبٍ ، حدثنا ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ وَمَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ . 613 - حدثنا فَهْدٌ ، حدثنا أَبُو الْأَسْوَدِ النَّضْرُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ الْمُرَادِيُّ ، أَخبرنا نَافِعُ بْنُ يَزِيدَ ، عَنْ ابْنِ الْهَادِ ، عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ . 614 - حدثنا ابْنُ خُزَيْمَةَ وَفَهْدٌ قَالَا : حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ ، حَدَّثنِي اللَّيْثُ ، حَدَّثنِي ابْنُ الْهَادِ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَلَمْ يَذْكُرْ عَبْدُ الْوَهَّابِ : عَنْ سَعِيدٍ وَأَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ . 615 - حدثنا فَهْدٌ ، حدثنا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ ، حدثنا أَبِي ، حدثنا الْأَعْمَشُ ، حَدَّثنِي أَبُو صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ . 616 - وَحدثنا فَهْدٌ ، حدثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ ، حدثنا أَبُو شِهَابٍ الْحَنَّاطُ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِثْلَهُ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَتَأَمَّلْنَا هَذَا الْحَدِيثَ لِنَقِفَ عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي فَرَّقَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ بَيْنَ مَا يَنْهَى عَنْهُ فَأَمَرَ بِاجْتِنَابِهِ اجْتِنَابًا مُطْلَقًا وَبَيْنَ مَا يَأْمُرُ بِهِ فَجَعَلَ ذَلِكَ عَلَى مَا يَسْتَطِيعُهُ الْمَأْمُورُونَ ، وَلَمْ يَجْعَلْهُ أَمْرًا مُطْلَقًا كَمَا جَعَلَ الَّذِي يَنْهَى عَنْهُ مُطْلَقًا ، فَوَجَدْنَا الْأَشْيَاءَ الَّتِي يَنْهَى عَنْهَا قَدْ كَانَ الْمُنْهَوْنَ عَنْهَا مُسْتَطِيعِينَ لِفِعْلِهَا فَنَهَاهُمْ أَنْ يَفْعَلُوهَا فِي الْمُسْتَأْنَفِ ، وَوَجَدْنَا الْأَشْيَاءَ الَّتِي يُؤْمَرُونَ بِفِعْلِهَا قَدْ يَكُونُ مَا يُطِيقُونَهُ وَقَدْ يَكُونُ مِمَّا يَعْجِزُونَ عَنْهُ ، وَلَمْ يُكَلَّفُوا فِي ذَلِكَ إلَّا مَا يُطِيقُونَهُ مِنْهَا ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا أَيْ طَاقَتَهَا ، وَكَمَا قَالَ تَعَالَى : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا مَا آتَاهَا ، وَكَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا 617 - حدثنا يُونُسُ ، أَخبرنا ابْنُ وَهْبٍ أَنَّ مَالِكًا أَخْبَرَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : كُنَّا إذَا بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ ، يَقُولُ لَنَا : فِيمَا اسْتَطَعْت . وَسَنَذْكُرُ فِي هَذَا الْمَعْنَى فِيمَا بَعْدُ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا فِي بَيْعَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّاسَ كَيْفَ كَانَتْ مَا يَزِيدُ عَلَى هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ . فَلَمَّا كَانَ مَا يُؤْمَرُونَ بِهِ قَدْ يُطِيقُونَهُ وَقَدْ يَعْجِزُونَ عَنْهُ قَالَ لَهُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ مَا ذُكِرَ مِنْ قَوْلِهِ لَهُمْ فِيهِ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ ؛ لِأَنَّهُمْ بِأَنْفُسِهِمْ أَعْلَمُ مِنْ قُوَّتِهَا عَلَى ذَلِكَ مِنْ عَجْزِهَا عَنْهُ ، فَهَذَا عِنْدَنَا هُوَ الْمَعْنَى الَّذِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَرَّقَ فِيهِ بَيْنَ أَمْرِهِ وَبَيْنَ نَهْيِهِ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي ذَكَرْنَا ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِمُرَادِهِ فِي ذَلِكَ وَنَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ فِيهِ وَفِي غَيْرِهِ .
794 - باب بيان مشكل ما روي في المراد . بقوله الله - عز وجل - : فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْـزَلْنَا إِلَيْكَ . 5931 - حدثنا أحمد بن أبي عمران ، قال : حدثنا الجراح بن مخلد البصري ، قال : حدثنا عمر بن يونس ، قال : حدثني عكرمة بن عمار ، قال : حدثني أبو زميل ، قال : قال رجل لابن عباس : إنه ليقع في نفسي ما أن أخر من السماء أحب إلي من أن أتكلم به. فقال ابن عباس : من الشك يعني ؟ قال : فقال : نعم . فقال : وهل يسلم من ذلك أحد ، وقد قال الله - عز وجل - لنبيه - صلى الله عليه وسلم - فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْـزَلْنَا إِلَيْكَ ) . ولا نعلمه روي عن أحد من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - في المراد بهذه الآية ، غير هذا الحديث الذي رويناه في ذلك عن ابن عباس . وأما التابعون فروي عنهم في ذلك . 5932 - ما قد حدثنا يوسف بن يزيد ، قال : حدثنا سعيد بن منصور ، قال : حدثنا هشيم ، عن أبي بشر ، عن سعيد بن جبير ومنصور ، عن الحسن ، أنهما قالا في هذه الآية : فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْـزَلْنَا إِلَيْكَ قالا : لم يشك ، ولم نشك . 5933 - وحدثنا أحمد بن علي بن مصعب أبو العباس البغدادي ، قال : حدثنا إبراهيم بن هاشم بن مشكان ، قال : حدثنا هشيم ، عن أبي بشر ، عن سعيد بن جبير مثله . 5934 - حدثنا أحمد بن داود ، قال : حدثنا إسماعيل بن سالم ، قال : أخبرنا هشيم ، قال : حدثنا أبو بشر ، عن سعيد ومنصور ، عن الحسن مثله . 5935 - وحدثنا أحمد ، قال : حدثنا مسدد وسهل بن بكار ، قالا : حدثنا أبو عوانة ، عن أبي بشر ، عن سعيد بن جبير مثله . وأما أهل اللغة ، فقد رويت عنهم في ذلك أقوال ، منها : ما قال الكسائي والفراء جميعا : ليس قوله - عز وجل - : فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ خبرا عن أنه في شك ، إنما ذلك كقول الرجل لابنه : إن كنت ابني فافعل كذا ، وليس في شك أنه ابنه . وكان أحسن من ذلك ما قد قاله غيرهما من أهل اللغة أن المراد في ذلك غير النبي - صلى الله عليه وسلم - وإن كان ظاهره القصد به إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فإن المراد به غيره ، وهم الشاكون فيه ، وكان ذلك بمعنى : فإن كنت في شك من غيرك فيما أنزلنا إليك ، وممن قال ذلك منهم : أبو عبيدة معمر بن المثنى ، وقالوا : هذا كما قال الله - عز وجل - : حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ يعني : نوحا ، لا يعنيه - صلى الله عليه وسلم - ثم كشف - عز وجل - مراده بذلك ما هو ؟ بقوله: وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ ، فأخبر - عز وجل - أن المرادين بذلك هم غيره - صلى الله عليه وسلم - وغير أمته ، وكان الذي قالوه في المرادين بقوله - عز وجل - عندهم : فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ أنهم الذين آمنوا به قبل ذلك من أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وأمثاله منهم . وحضرني أنا في ذلك تأويل قد يحتمل أن يكون هو المراد بالمذكورين في تلك الآية ، وأن يكونوا هم الذين لقيهم - صلى الله عليه وسلم - في بيت المقدس من الأنبياء الذين كان أنزل عليهم قبله من الكتب ما أنزل عليهم منها مما فيه ذكره وذكر أمته ، ومثل هذا مما قاله ابن عباس في حديث أبي زميل الذي رويناه عنه في هذا الباب : ومن يسلم من هذا ، وقد قال الله - عز وجل - لنبيه - صلى الله عليه وسلم - فتلا الآية التي تلاها فيه ، وجه ذلك عندنا من ابن عباس على مراده به غيره - صلى الله عليه وسلم - وإن كان الخطاب ظاهره هو أنه المخاطب به لسعة لغة العرب ؛ ولأنها قد تخاطب من تريده غيره ، والله أعلم بمراده - عز وجل - في ذلك ، ثم بمراد ابن عباس في جوابه الذي قد ذكرناه عنه . وقد روي عن عمر بن الخطاب في ذلك مما يدخل في هذا المعنى ، ومما ينفي أن يكون المراد بذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو أحدا من أصحابه ، وهو : . 5936 - ما قد حدثنا فهد بن سليمان ، قال : حدثنا يوسف بن بهلول الكوفي ، قال : حدثنا عبد الله بن إدريس ، قال : حدثنا محمد بن إسحاق ، قال : حدثنا الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور ، عن ابن عباس ، عن عمر رضي الله عنه في حديث المتظاهرتين على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أزواجه ، وفي ذكر تخيير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأزواجه بعد ذلك ، قال : ثم جلست ، فقلت : يا نبي الله ، أنت نبي الله وصفيه وخيرته من خلقه على ما أرى - يعني من خصفة رآه مضطجعا عليها ، ومن وسادة محشوة ليفا تحت رأسه ، هكذا هو مذكور في هذا الحديث - وكسرى وقيصر على سرر الذهب وفرش الديباج والحرير ، فجلس ، فقال : يا عمر ، لعلك شككت ؟ قلت : لا ، والذي بعثك بالحق ، إني على يقين من الله - عز وجل - فيك ، إنك لنبيه وصفيه ، ولكني عجبت لما زوي عنك من الدنيا ، وبسط على هؤلاء . فقال : إنهم قوم عجلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا ، وإنا أخرت لنا في آخرتنا . 5937 - وما قد حدثنا ابن أبي داود ، قال : حدثنا عبد الله بن صالح ، قال : حدثني الليث بن سعد ، قال : حدثني عقيل ، عن ابن شهاب ، ثم ذكر بإسناده مثله. غير أنه قال : أو في شك أنت يا ابن الخطاب ؟ أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا فقلت : يا رسول الله ، استغفر لي . وإذا كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قد نفى عن نفسه الشك فيما نفاه عنها بحلفه على ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبترك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دفعه عن ذلك ، كان ذلك عن رسول الله أشد انتفاء ، وكان عن أمثال عمر من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في انتفائه عنهم كانتفائه عن عمر ، وكان في ذلك ما قد تحققنا به على أن المرادين بالشك في ذلك هم غير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وغير عمر ، وغير من سواه من أصحابه - رضوان الله عليهم - وأنهم من سواهم من أهل الشك فيه - صلى الله عليه وسلم - ممن إسلامه - إن كان له إسلام - ليس كإسلام أصحابه - رضوان الله عليهم أو ممن لا يؤمن به ، ولم يدخل في شريعته ، ولم نجد في تأويل هذه الآية أحسن مما ذكرناه في تأويلها مما قد اجتبيناه في هذا الباب ، والله نسأله التوفيق .
82 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْه عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي الرَّجُلِ الَّذِي أَوْصَى بَنِيهِ إذَا مَاتَ أَنْ يُحَرِّقُوهُ ، ثُمَّ يَسْحَقُوهُ ، ثُمَّ يَذُرُّوهُ فِي الرِّيحِ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ، وَفِي غُفْرَانِ اللَّهِ لَهُ مَعَ ذَلِكَ . 618 - حدثنا عَلِيُّ بْنُ شَيْبَةَ ، حدثنا إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ ، أَخبرنا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ ، أَخبرنا أَبُو نَعَامَةَ الْعَدَوِيُّ ، حدثنا أَبُو هُنَيْدَةَ الْبَرَاءُ بْنُ نَوْفَلٍ ، عَنْ وَالَانَ الْعَدَوِيِّ ، عَنْ حُذَيْفَةَ ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ فَذَكَرَ حَدِيثًا طَوِيلًا مِنْ حَدِيثِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، ثُمَّ ذَكَرَ فِيهِ شَفَاعَةَ الشُّهَدَاءِ قَالَ : ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ : أَنَا أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ، اُنْظُرُوا فِي النَّارِ هَلْ فِيهَا مِنْ أَحَدٍ عَمِلَ خَيْرًا قَطُّ ، فَيَجِدُونَ فِي النَّارِ رَجُلًا فَيُقَالُ لَهُ : هَلْ عَمِلْت خَيْرًا قَطُّ ، فَيَقُولُ : لَا ، غَيْرَ أَنِّي كُنْت أَمَرْت وَلَدِي : إذَا مِتُّ فَأَحْرِقُونِي بِالنَّارِ ثُمَّ اطْحَنُونِي حَتَّى إذَا كُنْتُ مِثْلَ الْكُحْلِ فَاذْهَبُوا بِي إلَى الْبَحْرِ فَاذْرُونِي فِي الرِّيحِ ، فَوَاَللَّهِ لَا يَقْدِرُ عَلَيَّ رَبُّ الْعَالَمِينَ أَبَدًا فَيُعَاقِبَنِي ، إذْ عَاقَبْت نَفْسِي فِي الدُّنْيَا عَلَيْهِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ : لِمَ فَعَلْت هَذَا ؟ قَالَ : مِنْ مَخَافَتِك ، فَيَقُولُ : اُنْظُرْ مَلِكًا بِأَعْظَمِ مُلْكٍ ، فَإِنَّ لَك مِثْلَهُ وَعَشَرَةَ أَمْثَالِهِ . فَتَأَمَّلْنَا مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ وَصِيَّةِ هَذَا الْمُوصِي بَنِيهِ بِإِحْرَاقِهِمْ إيَّاهُ بِالنَّارِ وَبِطَحْنِهِمْ إيَّاهُ حَتَّى يَكُونَ مِثْلَ الْكُحْلِ ، وَبِتَذْرِيهِمْ إيَّاهُ فِي الْبَحْرِ فِي الرِّيحِ ، وَمِنْ قَوْلِهِ لَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ : فَوَاَللَّهِ لَا يَقْدِرُ عَلَيَّ رَبُّ الْعَالَمِينَ أَبَدًا . فَوَجَدْنَا ذَلِكَ مُحْتَمِلًا أَنْ يَكُونَ كَانَ مِنْ شَرِيعَةِ ذَلِكَ الْقَرْنِ الَّذِي كَانَ ذَلِكَ الْمُوصِي مِنْهُ ، الْقُرْبَةُ بِمِثْلِ هَذَا إلَى رَبِّهِمْ جَلَّ وَعَزَّ خَوْفَ عَذَابِهِ إيَّاهُمْ فِي الْآخِرَةِ ، وَرَجَاءَ رَحْمَتِهِ إيَّاهُمْ فِيهَا بِتَعْجِيلِهِمْ لِأَنْفُسِهِمْ ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا ، كَمَا يَفْعَلُ مِنْ أُمَّتِنَا مَنْ يُوصِي مِنْهُمْ بِوَضْعِ خَدِّهِ إلَى الْأَرْضِ فِي لَحْدِهِ رَجَاءَ رَحْمَةِ اللَّهِ جل وعَزَّ إيَّاهُ بِذَلِكَ . فَقَالَ قَائِلٌ : وَكَيْفَ جَازَ لَكَ أَنْ تَحْمِلَ تَأْوِيلَ هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى مَا تَأَوَّلْتَهُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ مِنْ وَصِيَّةِ ذَلِكَ الْمُوصِي مَا يَنْفِي عَنْهُ الْإِيمَانَ بِاَللَّهِ جل وعز ؛ لِأَنَّ فِيهِ : فَوَاَللَّهِ لَا يَقْدِرُ عَلَيَّ رَبُّ الْعَالَمِينَ أَبَدًا ، وَمَنْ نَفَى عَنْ اللَّهِ تَعَالَى الْقُدْرَةَ فِي حَالٍ مِنْ الْأَحْوَالِ كَانَ بِذَلِكَ كَافِرًا . وَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ : أَنَّ الَّذِي كَانَ مِنْ ذَلِكَ الْمُوصِي مِنْ قَوْلِهِ لِبَنِيهِ : فَوَاَللَّهِ لَا يَقْدِرُ عَلَيَّ رَبُّ الْعَالَمِينَ ، لَيْسَ عَلَى نَفْيِ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ فِي حَالٍ مِنْ الْأَحْوَالِ ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ لَكَانَ كَافِرًا ، وَلَمَا جَازَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُ ، وَلَا أَنْ يُدْخِلَهُ جَنَّتَهُ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ، وَلَكِنَّ قَوْلَهُ : فَوَاَللَّهِ لَا يَقْدِرُ عَلَيَّ رَبُّ الْعَالَمِينَ أَبَدًا ، هُوَ عِنْدَنَا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ، عَلَى التَّضْيِيقِ أَيْ : لَا يُضَيِّقُ اللَّهُ عَلَيَّ أَبَدًا فَيُعَذِّبَنِي بِتَضْيِيقِهِ عَلَيَّ لِمَا قَدْ قَدَّمْت فِي الدُّنْيَا مِنْ عَذَابِي نَفْسِي الَّذِي أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ فِيهَا ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : فَأَمَّا الإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ إلَى قَوْلِهِ : فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ أَيْ : فَضَيَّقَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ ، وقَوْله فِي نَبِيِّهِ ذِي النُّونِ ، وَهُوَ يُونُسُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فِي مَعْنَى أَنْ لَنْ نُضَيِّقَ عَلَيْهِ ، وقَوْله : يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ فَكَانَ الْبَسْطُ هُوَ التَّوْسِعَةَ ، وَكَانَ قَوْلُهُ : (وَيَقْدِرُ ) هُوَ التَّضْيِيقَ ، فَكَانَ مِثْلَ ذَلِكَ قَوْلُ ذَلِكَ الْمُوصِي : فَوَاَللَّهِ لَا يَقْدِرُ عَلَيَّ رَبُّ الْعَالَمِينَ أَبَدًا أَيْ : لَا يُضَيِّقُ عَلَيَّ أَبَدًا لِمَا قَدْ فَعَلْتُهُ بِنَفْسِي رَجَاءَ رَحْمَتِهِ وَطَلَبِ غُفْرَانِهِ ، ثِقَةً مِنْهُ بِهِ ، وَمَعْرِفَةً مِنْهُ بِرَحْمَتِهِ وَعَفْوِهِ وَصَفْحِهِ بِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ الْفِعْلِ . وَهَذَا حَدِيثٌ فَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الْجِهَةِ بِخِلَافِ هَذَا اللَّفْظِ ، مِمَّا مَعْنَى هَذَا اللَّفْظِ الَّذِي رُوِيَ بِهِ هَذَا الْحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرْنَا 619 - كَمَا قَدْ حدثنا ابْنُ مَرْزُوقٍ ، حدثنا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : سَمِعْت عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ عُمَيْرٍ يُحَدِّثُ ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ ، قَالَ : أَتَانِي أَبُو مَسْعُودٍ الْبَدْرِيُّ وَحُذَيْفَةُ وَنَحْنُ ثَلَاثَةٌ نَمْشِي لَيْسَ مَعَنَا أَحَدٌ ، فَقَالَ أَبُو مَسْعُودٍ لِحُذَيْفَةَ : يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ، هَلْ سَمِعْته - يَعْنِي : رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم - يُحَدِّثُ حَدِيثَ الرَّجُلِ الَّذِي كَانَ يَنْبُشُ الْقُبُورَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ : كَانَ رَجُلٌ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ يَنْبُشُ الْقُبُورَ ، فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ ، دَعَا بَنِيهِ ، فَقَالَ : أَيْ بَنِيَّ أَيَّ أَبٍ كُنْت لَكُمْ ؟ قَالُوا : خَيْرَ أَبٍ ، قَالَ : فَإِنِّي سَائِلُكُمْ سُؤَالًا ، قَالُوا : مَا هُوَ ؟ قَالَ : إذَا مِتُّ فَاحْرِقُونِي ، ثُمَّ اطْحَنُونِي أَشَدَّ طَحْنٍ طَحَنْتُمُوهُ شَيْئًا قَطُّ ، ثُمَّ اُنْظُرُوا يَوْمًا رَائِحًا ، فَاذْرُونِي فِيهِ ، فَإِنَّ اللَّهَ يَقْدِرُ عَلَيَّ يُعَذِّبُنِي ، فَبَعَثَهُ اللَّهُ ، فَقَالَ : مَا حَمَلَك عَلَى مَا صَنَعْت ؟ قَالَ : مَخَافَتُك ، فَغَفَرَ لَهُ بِذَلِكَ . فَقَالَ أَبُو مَسْعُودٍ : وَأَنَا قَدْ سَمِعْته . 620 - وَكَمَا حدثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، حدثنا إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ ، حدثنا جَرِيرٌ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ رِبْعِيٍّ ، عَنْ حُذَيْفَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ : كَانَ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ سَيِّئَ الظَّنِّ بِعَمَلِهِ ، فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ ، قَالَ لِأَهْلِهِ : إذَا أَنَا مِتُّ ، فَأَحْرِقُونِي ، ثُمَّ اطْحَنُونِي ، ثُمَّ ذَرُونِي فِي الْبَحْرِ ، فَإِنَّ اللَّهَ يَقْدِرُ عَلَيَّ لَمْ يَغْفِرْ لِي ، قَالَ : فَأَمَرَ اللَّهُ الْمَلَائِكَةَ ، فَتَلَقَّتْ رُوحَهُ ، قَالَ : فَقَالَ لَهُ : مَا حَمَلَك عَلَى مَا فَعَلْت ؟ قَالَ : يَا رَبِّ ، مَا فَعَلْت إلَّا مِنْ مَخَافَتِك [ يَا ] اللَّهُ ، فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ . وَكَانَ الَّذِي فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ هُوَ فَإِنَّ اللَّهَ يَقْدِرُ عَلَيَّ لَمْ يَغْفِرْ لِي فَكَانَ مَعْنَى ذَلِكَ عِنْدَنَا - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - فَإِنَّ اللَّهَ يُضَيِّقُ عَلَيَّ لَمْ يَغْفِرْ لِي 621 - وَكَمَا حدثنا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ ، حدثنا صَالِحُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ وَرْدَانَ ، حدثنا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ . وَكَمَا حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ دَاوُد ، حدثنا عَفَّانَ ، حدثنا الْمُعْتَمِرُ ، قَالَ : سَمِعْت أَبِي يَقُولُ : حدثنا قَتَادَةَ ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَبْدِ الْغَافِرِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلًا فِيمَنْ سَلَفَ - أَوْ قَالَ فِيمَنْ كَانَ - ذَكَرَ كَلِمَةً مَعْنَاهَا هَذَا : أَعْطَاهُ اللَّهُ مَالًا وَوَلَدًا ، فَلَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ ، قَالَ لِبَنِيهِ : أَيَّ أَبٍ كُنْت لَكُمْ ؟ قَالُوا : خَيْرَ أَبٍ ، قَالَ : إنَّهُ لَمْ يَبْتَئِرْ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرًا قَطُّ ، قَالَ : فَسَّرَهَا قَتَادَةَ : لَمْ يَدَّخِرْ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرًا ، وَإِنْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ يُعَذِّبْهُ ، قَالَ : فَإِذَا أَنَا مِتُّ ، فَأَحْرِقُونِي ، حَتَّى إذَا صِرْت فَحْمًا ، فَاسْحَقُونِي ، أَوْ قَالَ : فَاسْهَكُونِي ، ثُمَّ [ إذَا ] كَانَتْ رِيحٌ عَاصِفٌ ، فَذَرُّونِي فِيهَا قَالَ نَبِيُّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : فَأَخَذَ مَوَاثِيقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ ، فَقَالَ اللَّهُ لَهُ : كُنْ ، فَكَانَ ، فَإِذَا هُوَ رَجُلٌ قَائِمٌ ، قَالَ اللَّهُ : أَيْ عَبْدِي ، مَا حَمَلَك عَلَى أَنْ فَعَلْت مَا فَعَلْت ؟ قَالَ : أَيْ رَبِّ مَخَافَتُك ، أَوْ فَرَقًا مِنْك ، قَالَ : فَمَا تَلَافَاهُ أَنْ رَحِمَهُ ، قَالَ : وَقَدْ قَالَ مَرَّةً أُخْرَى [ فَمَا تَلَافَاهُ ] غَيْرَهَا أَنْ رَحِمَهُ قَالَ : فَحَدَّثت بِهَا أَبَا عُثْمَانَ النَّهْدِيَّ ، فَقَالَ : سَمِعْت هَذَا مِنْ سَلْمَانَ إلَّا أَنَّهُ زَادَ فِيهِ : قَالَ : ثُمَّ اُذْرُونِي فِي الْبَحْرِ أَوْ كَمَا حَدَّث . فَكَانَ مَعْنَى مَا فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ أَيْضًا كَمَعْنَى مَا فِي الْأَحَادِيثِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُنَا لَهَا فِي هَذَا الْبَابِ 622 - وَكَمَا حدثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُد ، حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْحَجَبِيُّ ، حدثنا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي صَدَقَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ قَالَ : أَلْقُوا نِصْفِي فِي الْبَرِّ ، وَنِصْفِي فِي الْبَحْرِ ، فَدُعِيَ الْبَرُّ بِمَا فِيهِ ، وَالْبَحْرُ بِمَا فِيهِ ، فَقَالَ : مَا حَمَلَك عَلَى مَا صَنَعْت ؟ قَالَ : أَيْ رَبِّ ، خَشْيَتُك ، قَالَ : فَمَا تَلَافَاهُ غَيْرُهَا . قَالَ لَنَا ابْنُ أَبِي دَاوُد : لَمْ يَكُنْ هَذَا الْحَدِيثُ عِنْدَ أَحَدٍ غَيْرَ الْحَجَبِيِّ . 623 - وَكَمَا قَدْ حدثنا يُونُسُ ، أَخْبَرَنا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَني يُونُسُ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ : أَسْرَفَ عَبْدٌ عَلَى نَفْسِهِ حَتَّى حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ ، فَقَالَ لِأَهْلِهِ : إذَا أَنَا مِتُّ ، فَأَحْرِقُونِي ، ثُمَّ اسْحَقُونِي ، ثُمَّ ذَرُونِي فِي الرِّيحِ فِي الْبَحْرِ ، فَوَاَللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيَّ لَيُعَذِّبَنِي عَذَابًا لَا يُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِهِ ، قَالَ : فَفَعَلَ بِهِ أَهْلُهُ ذَلِكَ ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِكُلِّ شَيْءٍ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا : أَدِّ مَا أَخَذْت مِنْهُ ، فَإِذَا هُوَ قَائِمٌ ، فَقَالَ اللَّهُ : مَا حَمَلَك عَلَى الَّذِي صَنَعْت ؟ قَالَ : خَشْيَتُك ، قَالَ : فَغَفَرَ لَهُ . 624 - وَكَمَا حدثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، حدثنا كَثِيرُ بْنُ عُبَيْدٍ ، حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ ، عَنْ الزَّبِيدِيِّ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ . 625 - وَكَمَا قَدْ حدثنا الرَّبِيعُ الْمُرَادِيُّ ، حدثنا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَني ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ وَمَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : قَالَ رَجُلٌ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ لِأَهْلِهِ ، إذَا مَا مَاتَ ، فَأَحْرِقُوهُ ، فَذَرُّوا نِصْفَهُ فِي الْبَرِّ ، وَنِصْفَهُ فِي الْبَحْرِ ، فَوَاَللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ لَيُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا لَا يُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنْ الْعَالَمِينَ ، فَلَمَّا مَاتَ فَعَلُوا ، فَأَمَرَ اللَّهُ الْبَحْرَ فَجَمَعَ مَا فِيهِ ، وَأَمَرَ الْبَرَّ فَجَمَعَ مَا فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ : لِمَ فَعَلْت هَذَا ؟ قَالَ : مِنْ خَشْيَتِك يَا رَبِّ وَأَنْتَ أَعْلَمُ ، فَغَفَرَ لَهُ . 626 - وَكَمَا قَدْ حدثنا يُونُسُ ، حدثنا ابْنُ وَهْبٍ أَنَّ مَالِكًا ، حَدَّثهُ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ . 627 - وَكَمَا قَدْ حدثنا الْحَسَنُ بْنُ غُلَيْبٍ ، حدثنا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْر ، حَدَّثنِي اللَّيْثُ ، عَنْ ابْنِ عَجْلَانَ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ : إنَّ رَجُلًا لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ فَحَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ ، فَقَالَ لِأَهْلِهِ : إذَا مِتُّ فَأَحْرِقُونِي بِالنَّارِ حَتَّى أَصِيرُ رَمَادًا ثُمَّ ذَرُونِي فِي الرِّيحِ نِصْفِي فِي الْبَرِّ وَنِصْفِي فِي الْبَحْرِ ، فَفَعَلَ ذَلِكَ بِهِ فَأَمَرَ اللَّهُ بِهِ فَجُمِعَ ، ثُمَّ قَالَ : لِمَ فَعَلْت هَذَا ؟ قَالَ : فَرَقًا مِنْك يَا رَبِّ وَأَنْتَ أَعْلَمُ ، فَقَالَ اللَّهُ : قَدْ غَفَرْت لَك . فَكَانَتْ مَعَانِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ كَمَعَانِي الَّتِي ذَكَرْنَاهَا قَبْلَهَا فِي هَذَا الْبَابِ ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ بِأَلْفَاظٍ غَيْرِ الْأَلْفَاظِ الَّتِي رَوَيْنَاهُ بِهَا فِي هَذَا الْبَابِ 628 - كَمَا قَدْ حدثنا ابْنُ مَرْزُوقٍ ، حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَكْرٍ السَّهْمِيُّ ، حدثنا بَهْزُ بْنُ حَكِيمٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : كَانَ عَبْدٌ مِنْ عَبِيدِ اللَّهِ أَعْطَاهُ اللَّهُ مَالًا وَوَلَدًا وَكَانَ لَا يُقِيمُ بِدِينِ اللَّهِ دِينًا ، فَلَبِثَ حَتَّى إذَا ذَهَبَ مِنْهُ عُمْرٌ وَبَقِيَ عُمْرٌ تَذَكَّرَ فَعَلِمَ أَنْ لَمْ يَبْتَئِرْ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرًا ، دَعَا بَنِيهِ فَقَالَ : أَيَّ أَبٍ تَعْلَمُون ؟ قَالُوا : خَيْرَهُ يَا أَبَانَا ، قَالَ : فَوَاَللَّهِ لَا أَدَعُ عِنْدَ رَجُلٍ مِنْكُمْ مَالًا هُوَ مِنِّي إلَّا أَخَذْتُهُ أَوْ لَتَفْعَلُنَّ مَا آمُرُكُمْ بِهِ ، قَالَ : فَأَخَذَ عَلَيْهِمْ مِيثَاقًا وَرَبِّي ، قَالَ : إمَّا لَا فَإِذَا أَنَا مِتُّ فَخُذُونِي فَأَلْقُونِي فِي النَّارِ حَتَّى إذَا كُنْت حُمَمًا فَدُقُّونِي ، ثُمَّ اذْرُونِي فِي الرِّيحِ ، لَعَلِّي أَضِلُّ اللَّهَ ، قَالَ : فَفَعَلُوا بِهِ وَرَبِّ مُحَمَّدٍ حِينَ مَاتَ ، فَجِيءَ بِهِ أَحْسَنَ مَا كَانَ ، فَقَدِمَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى فَقَالَ : مَا حَمَلَك عَلَى النَّارِ ، قَالَ : خَشْيَتُكَ يَا رَبَّاهُ ، قَالَ : أَسْمَعُك رَاهِبًا فَتِيبَ عَلَيْهِ . فَكَانَ مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَكَانَ الَّذِي فِي الْأَحَادِيثِ الْأُوَلِ مِمَّا قَدْ ذَكَرْنَاهُ فِيهَا مِنْ قَوْلِ ذَلِكَ الْمُوصِي : فَإِنْ يَقْدِرْ اللَّهُ عَلَيَّ لَعَلِّي أُضِلُّ اللَّهَ ، وَلَمْ نَجِدْ هَذَا فِي شَيْءٍ مِمَّا قَدْ رُوِيَ فِي هَذَا الْبَابِ إلَّا فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ فَإِنَّمَا رَوَاهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ وَاحِدٌ وَهُوَ مُعَاوِيَةُ بْنُ حَيْدَةَ جَدُّ بَهْزٍ وَقَدْ خَالَفَهُ فِي ذَلِكَ عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ : أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ وَحُذَيْفَةُ وَأَبُو مَسْعُودٍ وَأَبُو سَعِيدٍ وَسَلْمَانُ وَأَبُو هُرَيْرَةَ ، وَإِنَّمَا جَعَلْنَا مَا رَوَى حُذَيْفَةُ فِي ذَلِكَ غَيْرَ مَا رَوَى أَبُو بَكْرٍ فِيهِ ، وَإِنْ كَانَ حَدِيثُ حُذَيْفَةَ الَّذِي رَوَاهُ عَنْهُ وَالَانَ هُوَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ ، عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ ؛ لِأَنَّ حُذَيْفَةَ فِي حَدِيثِ رِبْعِيٍّ قَدْ قَالَ فِيهِ : إنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَدَلَّنَا ذَلِكَ أَنَّ الَّذِي حَمَلَهُ مَعَ سَمَاعِهِ إيَّاهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمَاعُهُ إيَّاهُ مِنْ أَبِي بَكْرٍ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، إنَّمَا كَانَ لِمَعْنًى زَادَهُ عَلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ ، فَأَخَذَهُ عَنْهُ لِزِيَادَتِهِ الَّتِي فِيهِ عَلَيْهِ . وَسِتَّةٌ أَوْلَى بِالْحِفْظِ مِنْ وَاحِدٍ غَيْرَ أَنَّ قَوْمًا أَخْرَجُوا لِحَدِيثِ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ مَعْنًى ، وَهُوَ أَنَّهُمْ جَعَلُوا قَوْلَهُ : لَعَلِّي أُضِلُّ اللَّهَ ، جَهْلًا مِنْهُ بِلَطِيفِ قُدْرَةِ اللَّهِ مَعَ إيمَانِهِ بِهِ جَلَّ وَعَزَّ ، فَجَعَلُوهُ بِخَشْيَتِهِ عُقُوبَتَهُ مُؤْمِنًا ، وَبِطَمَعِهِ أَنْ يُضِلَّهُ جَاهِلًا ، فَكَانَ الْغُفْرَانُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ بِإِيمَانِهِ ، وَلَمْ يُؤَاخِذْهُ بِجَهْلِهِ الَّذِي لَمْ يُخْرِجْهُ مِنْ الْإِيمَانِ بِهِ إلَى الْكُفْرِ بِهِ تَعَالَى . وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الَّذِي سَمِعَهُ السِّتَّةُ الْأَوَّلُونَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمُعَاوِيَةُ بْنُ حَيْدَةَ هُوَ اللَّفْظُ الَّذِي ذَكَرَهُ السِّتَّةُ الْأَوَّلُونَ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ إلَّا كَذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُمْ حَدَّثوا بِهِ عَنْهُ فِي أَزْمِنَةٍ مُخْتَلِفَةٍ بِأَلْفَاظٍ مُؤْتَلِفَةٍ فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إلَّا بِحِفْظِهِمْ إيَّاهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِتِلْكَ الْأَلْفَاظِ ، وَسَمِعَهُ مُعَاوِيَةُ بْنُ حَيْدَةَ مِنْهُ كَذَلِكَ ، فَوَقَعَ بِقَلْبِهِ أَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي أَرَادَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ : إنْ يَقْدِرْ اللَّهُ عَلَيَّ ، أَرَادَ بِهِ الْقُدْرَةَ ، فَكَانَ ضِدُّهَا عِنْدَهُ أَنْ يُضِلَّهُ ، وَهُوَ أَنْ يَفُوتَهُ ، وَلَمْ يَكُنْ مُرَادُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَقْدِرَةِ ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا هُوَ التَّضْيِيقُ ، وَكَانَ الَّذِي أَتَى فِيهِ مُعَاوِيَةُ هُوَ هَذَا الْمَعْنَى ، وَكَانَ مَا حَدَّث بِهِ السِّتَّةُ الْأَوَّلُونَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْلَى مِنْ ذَلِكَ لَا سِيَّمَا وَمِنْهُمْ الصِّدِّيقُ الَّذِي هُوَ أَحَدُ الِاثْنَيْنِ اللَّذَيْنِ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِالِاقْتِدَاءِ بِهِمَا بَعْدَهُ ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ .
711 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حدود أهل الكتاب في الزنى , وهل هي الرجم ؟ وهل هو باق فيهم إلى يوم القيامة ؟ أو قد نسخ ذلك وأعيد إلى غيره ؟ قال أبو جعفر : قال قائل : فقد رويت في الباب الذي قبل هذا الباب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم رجمه لليهودي الذي رجمه للزنى الذي كان منه في حديثي جابر والبراء اللذين رويتهما فيه , فلم تركهما من تركهما من أهل العلم , منهم أبو حنيفة والثوري وزفر وأبو يوسف ومحمد , وقالوا : لا يرجم أهل الكتاب في الزنى , وقد وقفوا على هذين الأثرين وما سواهما مما قد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك ؟ وذكروا . 5304 - ما قد حدثنا يونس ، أخبرنا ابن وهب أن مالك بن أنس أخبره ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر أنه قال : إن اليهود جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم , فذكروا له أن رجلا منهم وامرأة زنيا , فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما تجدون في التوراة من شأن الرجم ؟ فقالوا : نفضحهم ويجلدون , فقال عبد الله بن سلام : كذبتم , إن فيها الرجم , فأتوا بالتوراة فنشروها , فوضع يده أحدهم على آية الرجم , فقرأ ما قبلها وما بعدها , فقال له عبد الله بن سلام : ارفع يدك , فرفع يده , فإذا فيها آية الرجم , قالوا : صدق يا محمد , فيها آية الرجم , فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم , فرجما . قال ابن عمر : فرأيت الرجل يحني على المرأة يقيها الحجارة . قال أبو جعفر : فكان جوابنا له في ذلك أن الذي له تركوا رجم الزناة من أهل الكتاب بعد وقوفهم على هذه الآثار , وما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها أن الحكم كان عندهم في اليهود , يعني في حد الزنى في التوراة , الذي من أجله رجم النبي صلى الله عليه وسلم من رجمه من اليهود المذكورين فيها إنما هو بالزنى خاصة كان معه إحصان أو لم يكن معه إحصان , وكان الدليل عندهم على ذلك سؤال رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهود : ما تجدون حد الزاني في كتابكم ؟ فأجابوا بما أجابوه به مما ذكر , يعني في الآثار التي قد ذكرناها في ذلك , ولم يكن في سؤاله صلى الله عليه وسلم إياهم ذكر زان محصن , ولا ذكر زان غير محصن , وكذلك كان في جوابهم إياه عن ذلك ليس فيه ذكر زنى من محصن , ولا زنى من غير محصن , فاستدلوا بذلك على أن العقوبة كانت في الزنى في التوراة كذلك , ثم كانت العقوبة بعد ذلك على الزناة في الإسلام بخلاف ذلك , وهو ما ذكره الله تعالى في كتابه بقوله تعالى : وَاللاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا ([ النساء : 15 ] , فكان ذلك حد الزانيات , ثم قال عز وجل : وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا ([ النساء : 16 ] , فكان ذلك حد الرجال في ذلك بلا جلد ولا رجم , ثم نسخ الله عز وجل ذلك على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم بالسبيل الذي قد كان تقدم في ذكرها بقوله في كتابه : أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا (, فقال صلى الله عليه وسلم ما ذكره عنه في ذلك عبادة بن الصامت . 5305 - كما قد حدثنا يونس ، حدثنا أسد بن موسى ، حدثنا شعبة ، عن قتادة ، عن الحسن ، عن حطان بن عبد الله الرقاشي ، عن عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : خذوا عني , فقد جعل الله لهن سبيلا , البكر يجلد وينفى , والثيب يجلد ويرجم . 5306 - وكما حدثنا صالح بن عبد الرحمن الأنصاري ، حدثنا سعيد بن منصور ، حدثنا هشيم قال : وأخبرنا منصور بن زاذان ، عن الحسن قال : حدثنا حطان بن عبد الله الرقاشي ، عن عبادة بن الصامت قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : خذوا عني , فقد جعل الله لهن سبيلا , البكر بالبكر جلد مئة وتغريب عام , والثيب بالثيب جلد مئة ورجم بالحجارة . فبين بذلك السبيل الذي جعله الله في ذلك ما هي , وأعلم بحدود كل صنف من الأبكار ومن الثيب , ثم قال عبد الله بن عمر بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد علمه برجم رسول الله صلى الله عليه وسلم من كان يرجمه في الزنى من أهل الكتاب 5307 - ما قد حدثنا عبد الله بن سعيد بن أبي مريم ، حدثنا الفريابي ، حدثنا سفيان الثوري ، عن موسى بن عقبة ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : من أشرك بالله فليس بمحصن . فأخبر بذلك أن أهل الكتاب غير محصنين , وإذا كانوا كذلك لم يكونوا في الزنى مرجومين , وهو رضي الله عنه المأمون على ما قال , ولما خرج أهل الكتاب من الإحصان الذي يوجب الرجم بعد إطلاق الله تعالى لنبيه أن يحكم بينهم بما أنزل الله تعالى عليه , وأن لا يتبع أهواءهم , وكان الناس جميعا في البدء غير محصنين حتى تكون منهم الأسباب التي توجب لهم الإحصان , فيجب عليهم عقوبات الزنى إذا كان منهم , وهو الجلد الذي هو حدهم قبل أن يكونوا محصنين , كانوا على ذلك أيضا غير خارجين عنه حتى تقوم الحجة بخروجهم عنه إلى ما ينقل عقوباتهم في زناهم من الجلد إلى الرجم , وقد أجمعوا أن الرجل المسلم يكون محصنا بزوجته المسلمة بعد أن يكونا حرين بالغين قد جامعها وهما بالغان , فوجب بذلك لإجماعهم على نقل حكم من كانت هذه سبيله من الجلد إلى الرجم إذا كان منه الزنى , وتركه من سواه على حده الأول الذي قد أجمعوا أنه كان حده في الزنى حتى يجمعوا كذلك على نقله من ذلك الحد إلى الرجم الذي قد ذكرنا , وفي ذلك ما قد دل في أمور أهل الكتاب على ما قاله من قاله من انتفاء الرجم منه . وقد دخل مالك بن أنس في هذا المعنى , فذكرعنه عبد الله بن عبد الحكم في مختصره الصغير الذي ألفه على قوله , وكتبناه عمن حدثناه عنه , قال : وإذا أسلم النصراني ثم زنى , وقد تزوج في النصرانية , فلا يكون محصنا حتى يطأ زوجته في الإسلام , وكذلك العبد يعتق وله زوجة , فيزني , فلا يكون محصنا حتى يطأها بعد العتق , ثم يزني بعد ذلك , فيكون محصنا , وكذلك الأمة تعتق ولها زوج , فلا تكون محصنة حتى تزني بعدما يصيبها زوجها , بعد العتق , فدل ذلك على أن مذهبه كان في الإحصان أن ما كان من النصراني في نصرانيته من التزويج والجماع لا يحصنه , لأنه لو كان يحصنه في حال نصرانيته لكان الإسلام إذا طرأ عليه وكده , وإذا لم يكن ذلك كذلك , دل أن من أسباب الإحصان التي يجب بها الرجم في الزنى الإسلام , وفي ذلك ما قد دل على لزومه في ذلك ما قد قاله مخالفه فيه مما قد ذكرناه عنه , وبالله التوفيق .
83 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ احْتِمَالِ السَّبَبِ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ . 629 - حدثنا بَكَّار ، حدثنا حُسَيْنُ بْنُ مَهْدِيٍّ ، حدثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، أَخبرنا مَعْمَرٌ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ حِينَ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ قَالَ : رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ ، فِي الرَّكْعَةِ الْآخِرَةِ ، ثُمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ الْعَنْ فُلَانًا وَفُلَانًا ، يَدْعُو عَلَى نَاسٍ مِنْ الْمُنَافِقِينَ ، قَالَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ : لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ الْآيَةَ 630 - حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ ، حدثنا جَدِّي سَعِيدٌ ، حَدَّثنِي يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ ، حَدَّثنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَدْعُو عَلَى رِجَالٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ يُسَمِّيهِمْ بِأَسْمَائِهِمْ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ الْآيَةَ 631 - حدثنا ابْنُ أَبِي دَاوُد ، حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ ، حدثنا سَلَمَةُ بْنُ رَجَاءٍ ، حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرَّكْعَةِ الْآخِرَةِ قَالَ : اللَّهُمَّ نَجِّ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ ، وَسَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ ، وَعَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ ، وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ ، اللَّهُمَّ اُشْدُدْ وَطْأَتَك عَلَى مُضَرَ وَاجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ ، اللَّهُمَّ الْعَنْ لِحْيَانَ وَرِعْلًا وَذَكْوَانَ وَعُصَيَّةَ عَصَتْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ قَالَ : فَمَا دَعَا رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِدُعَاءٍ عَلَى أَحَدٍ 632 - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ خُزَيْمَةَ ، حدثنا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ ، حدثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، وَحدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ خُشَيْشٍ الْبَصْرِيُّ أَبُو الْحَسَنِ ، حدثنا الْقَعْنَبِيُّ ، حدثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، ثُمَّ اجْتَمَعَا فَقَالَا : عَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ أَنَسٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ يَوْمَ أُحُدٍ وَشُجَّ ، فَجَعَلَ يَسْلُتُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ وَيَقُولُ : كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ شَجُّوا وَجْهَ نَبِيِّهِمْ وَكَسَرُوا رَبَاعِيَتَهُ وَهُوَ يَدْعُوهُمْ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ 633 - حدثنا أَبُو شُرَيْحٍ مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ يَحْيَى وَابْنُ أَبِي مَرْيَمَ قَالَا : حدثنا الْفِرْيَابِيُّ ، حدثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ ، عَنْ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ كُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ وَشُجَّ فِي وَجْهِهِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ : كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ خَضَّبُوا وَجْهَ نَبِيِّهِمْ بِالدَّمِ ، وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إلَى رَبِّهِمْ ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ : لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ . فَتَأَمَّلْنَا هَذِهِ الْآثَارَ وَكَشَفْنَاهَا لِنَقِفَ عَلَى الْأَوْلَى مِنْهَا بِمَا نَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الْآيَةُ مِنْ الْمَعْنَيَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ فِيهَا ، فَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ نُزُولُهَا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ يُرَادُ بِهَا السَّبَبَانِ الْمَذْكُورَانِ فِي هَذِهِ الْآثَارِ ، فَوَجَدْنَا ذَلِكَ بَعِيدًا فِي الْقُلُوبِ ؛ لِأَنَّ غَزْوَةَ أُحُدٍ كَانَتْ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ ، وَفَتْحَ مَكَّةَ كَانَ فِي سَنَةٍ ثَمَانٍ ، وَدُعَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لِمَنْ دَعَا لَهُ فِي صَلَاتِهِ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ ، فَبَعِيدٌ فِي الْقُلُوبِ أَنْ يَكُونَ السَّبَبَانِ اللَّذَانِ قِيلَ : إنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَانَ نُزُولُهَا فِيهِمَا جَمِيعًا . وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ نُزُولُهَا كَانَ مَرَّتَيْنِ ، مَرَّةً فِي السَّبَبِ الَّذِي ذَكَرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ : أَنَّ نُزُولَهَا كَانَ فِيهِ ، وَمَرَّةً فِي السَّبَبِ الَّذِي ذَكَرَ أَنَسٌ أَنَّ نُزُولَهَا فِيهِ ، فَدَخَلَ عَلَى ذَلِكَ مَا نَفَاهُ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ لَكَانَتْ مَوْجُودَةً فِي الْقُرْآنِ فِي مَوْضِعَيْنِ كَمَا وُجِدَتْ : يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ الْآيَةَ فِي مَوْضِعَيْنِ ، أَحَدُهُمَا : فِي سُورَةِ بَرَاءَةَ (73 ) وَالْآخَرُ : فِي سُورَةِ التَّحْرِيمِ (9 ) ، وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ كَذَلِكَ فِي الْآيَةِ الْمَتْلُوَّةِ فِي هَذِهِ الْآثَارِ ، بَطَلَ هَذَا الِاحْتِمَالُ أَيْضًا . وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ نَزَلَتْ قُرْآنًا لِوَاحِدٍ مِنْ السَّبَبَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ فِي هَذِهِ الْآثَارِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِذَلِكَ السَّبَبِ أَيُّهُمَا هُوَ ؟ ثُمَّ أُنْزِلَتْ بَعْدَ ذَلِكَ لِلسَّبَبِ الْآخَرِ لَا عَلَى أَنَّهَا قُرْآنٌ لَاحِقٌ لِمَا نَزَلَ فِيهِ مِنْ الْقُرْآنِ ، وَلَكِنْ عَلَى إعْلَامِ اللَّهِ تَعَالَى نَبِيَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِهَا أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ ، وَأَنَّ الْأُمُورَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَحْدَهُ ، يَتُوبُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ ، وَلَمْ نَجِدْ مِنْ الِاحْتِمَالَاتِ لِمَا فِي هَذِهِ الْآثَارِ أَحْسَنَ مِنْ هَذَا الِاحْتِمَالِ ، فَهُوَ أَوْلَاهَا عِنْدَنَا بِمَا قِيلَ فِي احْتِمَالِ نُزُولِ الْآيَةِ الْمَتْلُوَّةِ فِيهَا بِهَا ، وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
794- باب بيان مشكل ما روي عن عثمان بن عفان - رضي الله عنه - من احتجاجه فيما احتج به من صدقته ببئر رومة ، ومن منعهم إياه من الشرب منها ، ومن زيادته في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما زاده فيه ، ومن منعهم إياه من الصلاة فيه . 5938 - حدثنا يزيد بن سنان ، قال : حدثنا صالح بن حاتم بن وردان ، قال : حدثنا المعتمر بن سليمان ، قال : سمعت أبي يحدث ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد مولى أبي أسيد الأنصاري ، قال : بلغ عثمان - رضي الله عنه - أن الوفد من أهل مصر قد أقبلوا ، فخرج يستقبلهم ، فذكر حديثه بطوله إلى أن بلغ إلى خروجه على الناس ، فقال : أنشدكم بالله ، أتعلمون أني اشتريت رومة من مالي بكذا وكذا ليستعذب بها ، فجعلت رشائي فيها كرشاء رجل من المسلمين ؟ فقالوا : اللهم نعم . قال : فأنشدكم بالله - عز وجل - أتعلمون أن أحدا من الناس منع من الشرب منها غيري ، حتى ما أفطر إلا على ماء البحر ؟ قال : فسكتوا ، قال : ثم أشرف عليهم ذات يوم ، فقال : أنشدكم بالله - عز وجل- أتعلمون أني اشتريت من الأرض من مالي بكذا وكذا ، فزدتها في المسجد ؟ قالوا : اللهم نعم . قال : فأنشدكم بالله - عز وجل - أتعلمون أن أحدا من الناس منع من الصلاة فيه غيري ؟ قال : فسكتوا . 5939 - وحدثناإبراهيم بن مرزوق ، قال : حدثنا سعيد بن عامر ، عن يحيى بن أبي الحجاج ، عن أبي مسعود الجريري ، عن ثمامة بن حزن القشيري ، قال : شهدت الدار وأشرف عليهم عثمان - رضي الله عنه - فقال : ائتوني بصاحبيكم هذين اللذين ألباكم علي . قال : فجيء بهما ، كأنهما جملان أو كأنهما حماران ، فأشرف عليهم عثمان ، فقال : أنشدكم الله والإسلام ، هل تعلمان أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قدم المدينة ، وليس فيها ما يستعذب غير بئر رومة ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من يشتري بئر رومة ، ويكون دلوه مع دلاء المسلمين بخير له منها في الجنة ، فاشتريتها من صلب مالي ؟ وأنتم اليوم تمنعوني أن أشرب منها حتى أشرب من ماء البحر ، قالوا : اللهم نعم . قال : أنشدكم بالله والإسلام ، هل تعلمون أن المسجد كان ضاق بأهله ، فقال : رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من يشتري بقعة آل فلان بخير له منها في الجنة ، فاشتريتها من مالي ، أو قال : من صلب مالي ، فزدتها في المسجد ؟ وأنتم تمنعوني أن أصلي فيها ركعتين . قالوا : اللهم نعم . قال : أنشدكم الله والإسلام ، هل تعلمون أني جهزت جيش العسرة من مالي ؟ قالوا : اللهم نعم . قال : أنشدكم الله والإسلام ، هل تعلمون أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان على ثبير مكة هو وأبو بكر وعمر وأنا ، فتحرك الجبل حتى تساقطت حجارته بالحضيض ، فركض برجله ، وقال : اسكن ثبير ، فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان ؟ قالوا : اللهم نعم . قال : الله أكبر ، شهدوا لي ورب الكعبة أني شهيد الله أكبر ، شهدوا لي ورب الكعبة أني شهيد ، قالها ثلاثا . فقال قائل : ففي هذين الحديثين أن عثمان - رضي الله عنه - قد كان في أيام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبأمره جعل رومة للمسلمين على أن رشاءه فيها كرشاء أحدهم ، وزاد في المسجد ما زاد على أن يكون في الصلاة فيه كأحدهم ، فكيف تقبلون هذا وقد رويتم عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في الصدقة التي كان تصدق بها في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم أراد أن يشتريها ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهاه عن ذلك ، وقال له فيه : لا تعد في صدقتك ، فإن العائد في صدقته كالعائد في قيئه ؟ ورويتم في ذلك أيضا عن الزبير بن العوام - رضي الله عنه - في دابة كان تصدق بها ، فولدت فلوا ، أنه منع من شرائه ؟ وذكر في ذلك آثارا ، سنذكرها فيما بعد من كتابنا هذا في موضع هو أولى بها من هذا الموضع - إن شاء الله قال : فكيف تقبلون ما رويتموه من حديثي عثمان اللذين رويتموهما ، وفيهما شربه من الماء الذي تصدق به ، وصلاته في المكان الذي زاده في مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - للصلاة فيه ، وذلك انتفاع منه بما قد كان تصدق به مما يمنع مما في حديث عمر - رضي الله عنه - وما في حديث الزبير اللذين رويتموهما - يعني اللذين ذكرناهما في هذا الباب - وفي ذلك تضاد شديد ؟ فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله - جل وعز وعونه - : أنه لا تضاد في شيء من ذلك كما توهم ؛ لأن الذي في حديث عمر مما أراد ابتياعه ، هو الفرس الذي كان تصدق به ، فكان ذلك طلبا منه في عود ما تصدق به إلى ملكه ، فنهي عن ذلك ، وكذلك ما في حديث الزبير فيما نهي عنه من ابتياع شيء من نتاج ما قد تصدق به ، وفي حديث عمر مثل ذلك أيضا مما سنجيء به في ذلك الباب - إن شاء الله - فكان النهي عن ما قد نهي عنه عمر والزبير هو العود في نفس الصدقة حتى تعود مملوكة إلى المتصدق بها بعدما قد أزال ملكه عنها إلى الله - عز وجل - فلم يصلح ذلك له ، ومنع من ذلك ، وكان ما في حديثي عثمان ليس فيه رجوع شيء مما كان تصدق به ، فخرج من ملكه إلى الله - عز وجل - فرجع إلى ملكه بعد ذلك ، إنما فيه انتفاعه بذلك ، وما وقعت عليه صدقته ، فلله - عز وجل - على ما كان عليه ، غير راجع إلى ملكه . وكان تصحيح كل واحد من هذين المعنيين ، على أن ما يرجع به ما وقعت عليه الصدقة ، أو شيء منه إلى ملك المتصدق بما وقعت عليه الصدقة حتى يعود ملكا له ، مكروه له ، ممنوع منه ، وأن ما كان من منافع ذلك كشرب مائه ، والمرور فيه ، والصلاة فيه ، غير ممنوع من ذلك ؛ لأنه لا يرجع ملكا للمتصدق بما تصدق به مما ذلك الجنس من منافعه ، ومما يدل على ذلك : أن الله قد حرم الصدقة على الأغنياء ، فلم يدخل في تحريمه لها شرب ماء الصدقة ، وأبيح ذلك للأغنياء ممن تصدق به ، وممن لم يتصدق به ؛ لأن ذلك لم يعد إلى ملكه ، إنما عاد إلى المنفعة به ، وهو لله - عز وجل - حينئذ ، لا لمن سواه من خلقه ممن يتصدق به ، ومن سواه ، فمثل ذلك ما كان مباحا لعثمان - رضي الله عنه - من صدقتيه اللتين ذكرنا ، فقد بان بحمد الله ونعمته أن لا تضاد في شيء من هذه الآثار ، ولا اختلاف وأن كل وجه منها يرجع إلى معنى غير المعنى الذي يرجع إليه سواه منها ، وأن المميزين بين ذلك ، هم الذين اختصهم الله - عز وجل - بعلم ذلك ، لا من سواهم ممن منعه ذلك ، والله - عز وجل - نسأله التوفيق .
84 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْه عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ قَوْلِهِ : وَلَنْ يُؤْتَى اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا مِنْ قِلَّةٍ . 634 - حدثنا ابْنُ مَرْزُوقٍ ، حدثنا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : سَمِعْت يُونُسَ بْنَ يَزِيدَ يُحَدِّثُ عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : خَيْرُ الصَّحَابَةِ أَرْبَعَةٌ ، وَخَيْرُ السَّرَايَا أَرْبَعُ مِائَةٍ ، وَخَيْرُ الْجُيُوشِ أَرْبَعَةُ آلَافٍ ، وَلَنْ يُغْلَبَ اثْنَا عَشْرَ أَلْفًا مِنْ قِلَّةٍ . فَكَانَ هَذَا الْحَدِيثُ عِنْدَنَا مِمَّا تَفَرَّدَ بِهِ جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ لَا نَعْلَمُ أَحَدًا شَرِكَهُ فِيهِ ، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ رَوَاهُ عَنْ الزُّهْرِيِّ غَيْرَ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ ، 635 - غَيْرَ أَنَّ أَحْمَدَ بْنَ شُعَيْبٍ قَدْ كَانَ خَالَفَنَا فِي ذَلِكَ وَذَكَرَ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ قَدْ شَرِكَ يُونُسَ بْنَ يَزِيدَ فِيهِ عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ ، فَرَوَاهُ عَنْ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ كَمَا رَوَاهُ عَنْهُ يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ وَذَكَرَ لَنَا فِي ذَلِكَ مَا ذَكَرَ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ إيَّاهُ مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ يَعْنِي لُوَيْنًا ، عَنْ حِبَّانَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ عُقَيْلٍ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : خَيْرُ الصَّحَابَةِ أَرْبَعَةٌ ، وَخَيْرُ السَّرَايَا أَرْبَعُ مِائَةٍ ، وَخَيْرُ الْجُيُوشِ أَرْبَعَةُ آلَافٍ . وَذَكَرَ كَلِمَةً مَعْنَاهَا : أَنْ لَا يُهْزَمَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا مِنْ قِلَّةٍ إذَا صَبَرُوا وَصَدَقُوا . ثُمَّ قَالَ لَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ عِنْدَ ذَلِكَ : وَحِبَّانُ بْنُ عَلِيٍّ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ وَكَانَ مِنْ حُجَّتِنَا عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ أَنَّ حِبَّانَ بْنَ عَلِيٍّ إنَّمَا أَخَذَ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ عُقَيْلٍ فِيمَا ذُكِرَ . 636 - كَمَا قَدْ حدثنا فَهْدٌ ، حدثنا يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ ، حدثنا مِنْدَلٌ وَحِبَّانُ ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ عُقَيْلٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : خَيْرُ الصَّحَابَةِ أَرْبَعَةٌ ، وَخَيْرُ السَّرَايَا أَرْبَعُ مِائَةٍ ، وَخَيْرُ الْجُيُوشِ أَرْبَعَةُ آلَافٍ ، وَلَنْ يُؤْتَى اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا مِنْ قِلَّةٍ . فَعَادَ هَذَا الْحَدِيثُ ، عَنْ حِبَّانَ ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ عُقَيْلٍ بِإِسْنَادِهِ وَبِمَتْنِهِ ، وَكَانَ حِبَّانُ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ فِي رِوَايَتِهِ كَمَا ذَكَرَ أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، وَكَذَلِكَ يَقُولُ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْأَسَانِيدِ سِوَاهُ ، وَمِنْدَلٌ أَخُوهُ عِنْدَهُمْ دُونَهُ فِي ذَلِكَ ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، عَادَ الْحَدِيثُ إلَى يُونُسَ عَلَى مَا رَوَاهُ عَنْهُ جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ بِلَا شَرِيكٍ لَهُ مِنْ الثَّبْتِ فِي الرِّوَايَةِ فِيهِ . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : فَهَلْ رَوَى غَيْرُ مِنْدَلٍ وَغَيْرُ حِبَّانَ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ عُقَيْلٍ ؟ قِيلَ لَهُ : نَعَمْ ، قَدْ رَوَاهُ سِوَاهُمَا ، عَنْ عُقَيْلٍ : اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، وَهُوَ مِنْ الْأَمَانَةِ فِي عُقَيْلٍ وَالثَّبْتِ وَالضَّبْطِ عَنْهُ عَلَى مَا لَا خَفَاءَ بِهِ فِي ذَلِكَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْأَسَانِيدِ وَبِرُوَاتِهَا 637 - كَمَا قَدْ حدثنا ابْنُ أَبِي دَاوُد ، حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ ، حَدَّثنِي اللَّيْثُ ، حَدَّثنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : بَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ ابْنِ مَرْزُوقٍ ، عَنْ وَهْبِ بْنِ جَرِيرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ فِي مَتْنِهِ خَاصَّةً دُونَ إسْنَادِهِ . فَعَادَ هَذَا الْحَدِيثُ إلَى يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ مِنْ رِوَايَةِ جَرِيرٍ مَوْصُولًا وَإِلَى عُقَيْلٍ مِنْ رِوَايَةِ اللَّيْثِ عَنْهُ مَقْطُوعًا . ثُمَّ تَأَمَّلْنَا مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَلَنْ يُؤْتَى اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا مِنْ قِلَّةٍ . فَوَجَدْنَا فَرْضَ اللَّهِ قَدْ كَانَ عَلَى عِبَادِهِ أَنْ لَا يَفِرَّ عِشْرُونَ صَابِرُونَ مِنْ مِائَتَيْنِ بِقَوْلِهِ : يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ الْآيَةَ ، فَكَانَ الْفَرْضُ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ أَنْ لَا يَفِرَّ قَوْمٌ مِنْ عَشَرَةِ أَمْثَالِهِمْ ، ثُمَّ خَفَّفَ اللَّهُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ رَحْمَةً لَهُمْ فَأَنْزَلَ : الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا الْآيَةَ ، فَعَادَ الْفَرْضُ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ أَنْ لَا يَفِرُّوا مِنْ مِثْليهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ مُطْلَقًا فِي قَلِيلِ الْعَدَدِ وَفِي كَثِيرِهِ ، ثُمَّ خَصَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ الِاثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا ، كَمَا خَصَّهَا بِهِ أَنْ لَا تَفِرَّ مِمَّا فَوْقَهَا مِنْ الْأَعْدَادِ ، وَأَخْبَرَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُمْ لَنْ يُؤْتَوْا مِنْ قِلَّةٍ ، وَهَكَذَا كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ ذَهَبَ إلَيْهِ فِي كِتَابِ سِيَرِهِ الْكَبِيرِ ، وَقَالَ بِهِ فِيهِ ، وَلَمْ يَحْكِ فِيهِ خِلَافًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ ، وَهَكَذَا كَانَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ حَمَلَ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنْ الْمُنْكَرِ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى بِعَيْنِهِ ، مِنْهُمْ : ابْنُ شُبْرُمَةَ عَبْدُ اللَّهِ الضَّبِّيُّ ، 638 - كَمَا كَتَبَ إلَيَّ إِسْحَاق بْن إسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى الْأَيْلِيِّ أَبُو يَعْقُوبَ يُحَدِّثُنِي ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ أَنَّهُ حَدَّثهُ ، عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ : إنْ فَرَّ رَجُلٌ مِنْ رَجُلَيْنِ فَقَدْ فَرَّ ، وَإِنْ فَرَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ فَلَمْ يَفِرَّ ، قَالَ سُفْيَانُ : فَحَدَّثت بِهِ ابْنَ شُبْرُمَةَ ، فَقَالَ : هَكَذَا الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ . وَكَانَ هَذَا أَيْضًا مُطْلَقًا عِنْدَ ابْنِ شُبْرُمَةَ فِي الْأَعْدَادِ كُلِّهَا ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَذْهَبَهُ كَانَ فِيهِ عَلَى مِثْلِ مَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِي رَوَيْنَاهُ مِنْ الْمُخَالَفَةِ بَيْنَ الِاثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا ، وَبَيْنَ مَا دُونَهَا مِنْ الْأَعْدَادِ 639 - كَمَا سَمِعْت مُحَمَّدَ بْنَ عِيسَى بْنِ فُلَيْحِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْخُزَاعِيُّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ، يَذْكُرُ أَنَّ الْعُمَرِيَّ الْعَابِدَ - وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - جَاءَ إلَى مَالِكٍ ، فَقَالَ لَهُ : يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ، قَدْ نَرَى هَذِهِ الْأَحْكَامَ الَّتِي قَدْ بُدِّلَتْ ، أَفَيَسَعُنَا مَعَ ذَلِكَ التَّخَلُّفُ عَنْ مُجَاهَدَةِ مَنْ بَدَّلَهَا ؟ فَقَالَ لَهُ مَالِكٌ : إنْ كَانَ مَعَك اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا مِثْلُك ، لَمْ يَسَعْك التَّخَلُّفُ عَنْ ذَلِكَ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَكَ هَذَا الْعَدَدُ مِنْ أَمْثَالِك ، فَأَنْتَ فِي سَعَةٍ مِنْ التَّخَلُّفِ عَنْ ذَلِكَ . وَكَانَ هَذَا الْجَوَابُ مِنْ مَالِكٍ أَحْسَنَ جَوَابٍ ، وَإِنَّمَا أَخَذَهُ عِنْدَنَا - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِي رَوَيْنَاهُ : وَلَنْ يُؤْتَى اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا مِنْ قِلَّةٍ ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ .
710 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أنزل الله عليه في أهل الكتاب إذا تحاكموا إليه في حدودهم من الحكم بينهم فيها , ومن الإعراض عنهم فيها , وهل نسخ ذلك بقوله : وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ (أم لا ؟ . 5301 - حدثنا محمد بن النعمان السقطي , حدثنا الحميدي ، حدثنا سفيان بن عيينة , حدثنا مجالد بن سعيد الهمداني ، عن الشعبي ، عن جابر بن عبد الله قال : زنى رجل من أهل فدك , فكتب أهل فدك إلى ناس من اليهود بالمدينة : أن سلوا محمدا عن ذلك , فإن أمركم بالجلد فخذوه , وإن أمركم بالرجم فلا تأخذوه عنه , فسألوه عن ذلك , فقال : أرسلوا إلي أعلم رجلين فيكم , فجاؤوه برجل أعور , يقال له : ابن صوريا , وآخر , فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أنتما أعلم من قبلكما ؟ فقالا : قد نحلنا قومنا بذلك , فقال النبي صلى الله عليه وسلم لهما : أليس عندكم التوراة فيها حكم الله ؟ فقالا : بلى , فقال النبي صلى الله عليه وسلم : فنشدتكما بالذي فلق البحر لبني إسرائيل , وأنزل التوراة على موسى , وأنزل المن والسلوى , وظلل عليكم الغمام , وأنجاكم من آل فرعون ما تجدون في التوراة من شأن الرجم ؟ فقال : أحدهما للآخر : ما نشدت بمثله قط , ثم قالا : نجد أن النظر زنية , والاعتناق زنية , والقبلة زنية , فإذا شهد أربعة أنهم رأوه يبدي ويعيد كما يدخل الميل في المكحلة , فقد وجب الرجم , فقال النبي صلى الله عليه وسلم : هو ذاك , فأمر به فرجم , ونزلت : فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ (الآية [ المائدة : 42 ] . ففي هذا الحديث أن الله تعالى جعل في الآية المتلوة فيه لنبيه الخيار في أن يحكم بين اليهود إذا جاؤوه , وفي أن يعرض عنهم , فلا يحكم بينهم . فقال قوم : هذه آية محكمة , وكان ما ذكر في هذا الحديث من رجم النبي ذلك اليهودي باختياره أن يرجمه , وقد كان له أن لا يرجمه لقول الله : أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ (, أي : فلا تحكم بينهم . وقد خالفهم في ذلك آخرون من أهل العلم , وذكروا أن هذه الآية منسوخة بقوله : وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ ([ المائدة : 49 ] , ورووا ما قالوا في ذلك عن عبد الله بن عباس . 5302 - كما قد حدثنا محمد بن سليمان بن الحارث الواسطي الباغندي قال : حدثنا سعيد بن سليمان الواسطي , حدثنا عباد بن العوام ، عن سفيان بن حسين ، عن الحكم ، عن مجاهد ، عن ابن عباس قال : آيتان نسختا من هذه السورة , يعني سورة المائدة : فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ ([ المائدة : 42 ] , فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مخيرا , إن شاء حكم بينهم , وإن شاء أعرض عنهم , فردهم إلى أحكامهم , فنزلت : وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ ([ المائدة : 49 ] , قال : فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحكم بينهم على كتابنا . قال أبو جعفر : وكان حديث ابن عباس هذا قد حقق نسخ هذه الآية بالآية المتلوة في حديثه , وكان حكم من بعد النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك من ولاة الأمور على مثل الذي كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم منها في كل واحد من هذين القولين اللذين ذكرناهما , وكان الأولى بالأحكام في ذلك عندنا - والله أعلم - هو الحكم بينهم لو لم تكن الآية منسوخة لا الإعراض عنهم , لأنهم إذا حكموا بينهم , شهد لهم الفريقان اللذان ذكرنا بالنجاة وترك مفروض عليهم في ذلك , لأن من يقول : إنهم حكموا , وعليهم أن يحكموا به , يقول : قد أدوا المفترض عليهم في ذلك , ويقول الآخرون : قد حكموا بما لهم أن يحكموا به , وخرج الحكام بذلك عندهم من ترك مفترض إن كان عليهم فيه , وإذا أعرضوا عنهم , وتركوا الحكم بينهم , فأحد الفريقين يقول : قد تركوا مفترضا عليهم , والفريق الآخر يقول : قد تركوا ما لهم تركه , وكان ما يوجب النجاة لهم عند الفريقين جميعا أولى بهم مما يوجب لهم النجاة عند أحد الفريقين , ولا يوجبه لهم عند الفريق الآخر . هذا لو لم تكن الآية منسوخة , فإذا وجب بحديث ابن عباس الذي ذكرنا مع اتصال إسناده وحسن سياقته أن تكون منسوخة بالآية التي تلونا بعدها , كان الحكم بينهم أولى , وكان التمسك بها أحرى , ووجدنا قوله تعالى : وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ (يحتمل أن يكون المراد : وأن احكم بينهم بما أنزل الله إذا تحاكموا إليك , وأن يكون على معنى : وأن احكم بينهم بما أنزل الله بوقوفك على ما كان بينهم مما يوجب ذلك الحكم عليهم , وإن لم يتحاكموا إليك , فنظرنا , هل روي في ذلك ما يدل على أحد هذين الاحتمالين ؟ . 5303 - فوجدنا فهدا قد حدثنا قال : حدثنا عمر بن حفص بن غياث النخعي قال : حدثنا أبي ، عن الأعمش ، عن عبد الله بن مرة ، عن البراء رضي الله عنه قال : مر على النبي صلى الله عليه وسلم بيهودي قد حمم وجهه وقد ضرب يطاف به , فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ما شأن هذا ؟ فقالوا : زنى , فقال : ما تجدون حد الزنى في كتابكم ؟ قالوا : يحمم وجهه , ويعزر ويطاف به , فقال : أنشدكم بالله ما تجدون حده في كتابكم ؟ فأشاروا إلى رجل منهم , فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم , فقال الرجل : نجد في التوراة الرجم , ولكنه كثر في أشرافنا , فكرهنا أن نقيم الحد على سفلتنا ونترك أشرافنا , فاصطلحنا على شيء , فوضعنا هذا . فرجمه رسول الله صلى الله عليه وسلم , وقال : أنا أولى من أحيا ما أماتوا من أمر الله تعالى . وكان في هذا الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رجم ذلك اليهودي بلا تحاكم من اليهود إليه فيه , فدل ذلك على أن أولى الاحتمالين بالآية التي تلوناها الموافق لهذا الحديث منهما , وأن المراد بقوله : وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ (أي : وأن احكم عليهم بما أنزل عليك في الكتاب الذي أنزل عليك بعد علمك بوجوب ذلك على من يحكم به عليه , تحاكموا في ذلك قبل أن تحكم بينهم فيه أو لم يتحاكموا إليك فيه , والله نسأله التوفيق .
85 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي الْمَسَاجِدِ الَّتِي لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَيْهَا ، وَمِنْ فَضْلِ الصَّلَاةِ فِيهَا عَلَى غَيْرِهَا مِنْ الْمَسَاجِدِ ، وَفِي تَسَاوِيهَا فِي ذَلِكَ ، أَوْ فِي فَضْلِ بَعْضِهَا بَعْضًا فِيهِ . 640 - حدثنا الرَّبِيعُ الْجِيزِيُّ ، حدثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ الْأُوَيْسِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : خَيْرُ مَا رُكِبَ إلَيْهِ الرَّوَاحِلُ : مَسْجِدُ إبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَمَسْجِدُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَلَمْ يَذْكُرْ فِي حَدِيثِهِ غَيْرَ هَذَا . 641 - حدثنا ابْنُ مَرْزُوقٍ ، حدثنا وَهْبٌ ، حدثنا شُعْبَةُ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنْ قَزَعَةَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ : سَمِعْت النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَقُولُ : لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ : الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى ، وَمَسْجِدِي هَذَا . 642 - حدثنا ابْنُ خُزَيْمَةَ ، حدثنا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ ، حدثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، حدثنا قَتَادَةَ ، عَنْ قَزَعَةَ الْعُقَيْلِيِّ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا تُشَدُّ الْعُرْضُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ : الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، وَمَسْجِدِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَسَقَطَ مِنْ الْحَدِيثِ ذِكْرُ الْمَسْجِدِ الثَّالِثِ 643 - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانِ بْنِ سَرْجٍ الشِّيزرِيُّ أَبُو جَعْفَرٍ ، حدثنا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ ، حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ ، عَنْ قَزَعَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَا : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ : الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى ، وَمَسْجِدِي هَذَا ، وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ . 644 - حدثنا ابْنُ خُزَيْمَةَ وَفَهْدٌ قَالَا : حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ ، حَدَّثنِي اللَّيْثُ ، حَدَّثنِي ابْنُ الْهَادِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ بَصْرَةَ بْنِ أَبِي بَصْرَةَ الْغِفَارِيِّ قَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تُعْمَلُ الْمَطِيُّ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ : الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، وَمَسْجِدِي ، وَمَسْجِدِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ . 645 - حدثنا يُونُسَ ، حدثنا ابْنُ وَهْبٍ أَنَّ مَالِكًا ، حَدَّثهُ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُسَامَةَ بْنِ الْهَادِ فَذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ : وَمَسْجِدُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، أَوْ مَسْجِدِ إيلِيَاءَ ، يَشُكُّ . 646 - حدثنا يَحْيَى بْنُ عُثْمَانَ بْنِ صَالِحٍ ، حدثنا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ ، حدثنا الدَّرَاوَرْدِيُّ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ خَرَجَ إلَى الطُّورِ فَصَلَّى فِيهِ ، ثُمَّ أَقْبَلَ فَلَقِيَ حَمِيلَ بْنَ بَصْرَةَ الْغِفَارِيِّ فَقَالَ لَهُ حَمِيلٌ : مِنْ أَيْنَ جِئْتَ ؟ قَالَ : مِنْ الطُّورِ ، قَالَ : أَمَا إنِّي لَوْ لَقِيتُك قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَهُ لَمْ تَأْتِهِ ، قَالَ : إنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : لَا تُضْرَبُ أَكْبَادُ الْمَطِيِّ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ : الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، وَمَسْجِدِي هَذَا ، وَمَسْجِدِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ . 647 - حدثنا الرَّبِيعُ الْجِيزِيُّ ، حدثنا أَبُو الْأَسْوَدِ النَّضْرِ ، حدثنا نَافِعُ بْنُ يَزِيدَ ، حدثنا ابْنُ الْهَادِ وَعُمَارَةُ بْنُ غَزِيَّةَ ، أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ إبْرَاهِيمَ ، حَدَّثهُمَا ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ بَصْرَةَ بْنِ أَبِي بَصْرَةَ الْغِفَارِيِّ قَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَقُولُ : لَا تُعْمَلُ الْمَطِيُّ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ : الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، وَمَسْجِدِي ، وَمَسْجِدِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ . 648 - حدثنا يَحْيَى بْنُ عُثْمَانَ بْنِ صَالِحٍ ، حدثنا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ، أَخبرنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي كَثِيرٍ الْأَنْصَارِيُّ ، أَخبرنا زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ : أَتَيْت الطُّورَ فَصَلَّيْت فِيهِ فَلَقِيت حَمِيلَ بْنَ بَصْرَةَ الْغِفَارِيِّ ، فَقَالَ : مِنْ أَيْنَ جِئْت ؟ فَأَخْبَرْتُهُ ، فَقَالَ : لَوْ لَقِيتُك قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَهُ مَا جِئْته ، سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : لَا تُضْرَبُ الْمَطَايَا إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ : الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، وَمَسْجِدِي هَذَا ، وَمَسْجِدِ إيلِيَاءَ . 649 - حدثنا يَحْيَى ، حدثنا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ ، أَخبرنا أَبُو غَسَّانَ مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، ثُمَّ ذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ . قَالَ لَنَا يَحْيَى : قَالَ سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ : هُوَ حَمِيلُ بْنُ بَصْرَةَ بْنِ وَقَّاصِ بْنِ حَاجِبِ بْنِ غِفَارٍ 650 - حدثنا يَحْيَى بْنُ عُثْمَانَ ، حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْوَاسِطِيُّ ، حدثنا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، حدثنا شَيْبَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، حَدَّثنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ ، حَدَّثنِي أَبُو سَلَمَةَ ، حَدَّثنِي أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ : لَقِيت أَبَا بَصْرَةَ صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لِي : مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْت ؟ قُلْت : مِنْ الطُّورِ حَيْثُ كَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى ، فَقَالَ لَهُ : لَوْ لَقِيتُك قَبْلَ أَنْ تَذْهَبَ لَزَجَرْتُكَ ، سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ : مَسْجِدِ الْحَرَامِ ، وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى ، وَمَسْجِدِي بِالْمَدِينَةِ . 651 - حدثنا فَهْدٌ ، حدثنا ابْنُ صَالِحٍ ، حَدَّثنِي اللَّيْثُ ، حَدَّثنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدِ بْنِ مُسَافِرٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إنَّمَا الرِّحْلَةُ إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ : الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، وَمَسْجِدِكُمْ هَذَا ، وَمَسْجِدِ إيلْيَاءَ . 652 - حدثنا ابْنُ أَبِي دَاوُد ، حدثنا أَبُو الْيَمَانِ ، حدثنا شُعَيْبٌ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : سَمِعْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ . 653 - حدثنا ابْنُ خُزَيْمَةَ وَفَهْدٌ قَالَا : حدثنا ابْنُ صَالِحٍ ، حدثنا اللَّيْثُ ، حَدَّثنِي ابْنُ الْهَادِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ بَصْرَةَ بْنِ أَبِي بَصْرَةَ الْغِفَارِيِّ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : لَا تُعْمَلُ الْمَطِيُّ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ : الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِي وَمَسْجِدِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ . 654 - حدثنا يُونُسُ ، أَخْبَرَنا ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُسَامَةَ بْنِ الْهَادِ مِثْلَهُ . 655 - حدثنا الْجِيزِيُّ ، حدثنا أَبُو الْأَسْوَدِ النَّضْرُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، حدثنا نَافِعُ بْنُ يَزِيدَ ، حدثنا ابْنُ الْهَادِ وَعُمَارَةُ بْنُ غَزِيَّةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ بَصْرَةَ بْنِ أَبِي بَصْرَةَ الْغِفَارِيِّ نَحْوَهُ . 656 - حدثنا أَبُو أُمَيَّةَ ، حدثنا عَبْدُ الْغَفَّارِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْكُرَيْزِيُّ ، حدثنا صَالِحُ بْنُ أَبِي الْأَخْضَرِ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ . 657 - حدثنا أَبُو أُمَيَّةَ ، حدثنا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدِّمَشْقِيُّ ، حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ ، حدثنا الزُّبَيْدِيُّ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ وَابْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنَّمَا الرِّحْلَةُ إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ . 658 - حدثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ ، حدثنا سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو الْأَشْعَثِيُّ ، حدثنا عَبْثَرُ بْنُ الْقَاسِمِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ ، عَنْ عُبَيْدَةَ بْنِ سُفْيَان الْحَضْرَمِيِّ ، عَنْ أَبِي الْجَعْدِ الضَّمْرِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ . 659 - حدثنا عَلِيُّ بْنُ شَيْبَةَ ، حدثنا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، أَخبرنا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ مِثْلَهُ . فَعَقَلْنَا بِذَلِكَ أَنَّ الرِّحَالَ لَا تُشَدُّ إلَّا إلَى هَذِهِ الثَّلَاثَةِ الْمَسَاجِدَ دُونَ مَا سِوَاهَا مِنْ الْمَسَاجِدِ ، فَاحْتَجْنَا أَنْ نَعْلَمَ فَضْلَ الصَّلَوَاتِ فِيهَا عَلَى الصَّلَوَاتِ فِي غَيْرِهَا مِنْ الْمَسَاجِدِ ، وَأَنْ نَعْلَمَ هَلْ هَذِهِ الْمَسَاجِدُ الثَّلَاثَةُ مُتَسَاوِيَةٌ فِيهَا أَوْ مُتَفَاضِلَةٌ ؟ فَنَظَرْنَا فِي ذَلِكَ : . 660 - فَوَجَدْنَا عَبْدَ الْغَنِيِّ بْنَ أَبِي عَقِيلٍ اللَّخْمِيَّ قَدْ حدثنا قَالَ : حدثنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ . وَوَجَدْنَا مُحَمَّدَ بْنَ النُّعْمَانِ السَّقَطِيَّ قَالَ : حدثنا الْحُمَيْدِيُّ ، حدثنا سُفْيَانُ ، حدثنا الزُّهْرِيُّ ، عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنْ الْمَسَاجِدِ إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامِ . 661 - وَقَالَ لَنَا السَّقَطِيُّ ، وَحدثنا الْحُمَيْدِيُّ قَالَ : قَالَ سُفْيَانُ : وَحدثنا زِيَادُ بْنُ سَعْدٍ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْخُرَاسَانِيُّ ، حَدَّثنِي سُلَيْمَانُ بْنُ عَتِيقٍ قَالَ : سَمِعْت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ : سَمِعْت عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ : صَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنْ الْمَسَاجِدِ . قَالَ سُفْيَانُ : فَنَرَى أَنَّ الصَّلَاةَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنْ الْمَسَاجِدِ إلَّا مَسْجِدَ الرَسُولِ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَإِنَّمَا فَضْلُهُ عَلَيْهِ مِائَةُ صَلَاةٍ 662 - وَوَجَدْنَا أَحْمَدَ بْنَ أَبِي دَاوُد قَدْ حدثنا ، قَالَ : حدثنا مُسَدَّدٌ ، حدثنا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ حَبِيبٍ الْمُعَلِّمِ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ ، عَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنْ الْمَسَاجِدِ إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ ، وَصَلَاةٌ فِي ذَلِكَ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ صَلَاةٍ فِي هَذَا . 663 - وَوَجَدْنَا مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَخْلَدٍ الْأَصْبَهَانِيَّ أَبَا الْحُسَيْنِ قَدْ حدثنا قَالَ : حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ حِسَابٍ وَأَبُو كَامِلٍ قَالَا : حدثنا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ حَبِيبٍ الْمُعَلِّمِ ثُمَّ ذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ . 664 - وَوَجَدْنَا يُونُسَ قَدْ حدثنا قَالَ : حدثنا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ ، حدثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ ، وَصَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : كَأَنَّهُ يَعْنِي مَسْجِدَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ 665 - وَوَجَدْنَا صَالِحَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَدْ حدثنا قَالَ : حدثنا يُوسف بْنُ عَدِيٍّ ، حدثنا أَبُو الْأَحْوَصِ ، عَنْ حُصَيْنٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعَمٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِي غَيْرِهِ إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ . 666 - وَوَجَدْنَا الرَّبِيعَ الْأَزْدِيَّ قَدْ حدثنا قَالَ : حدثنا حَسَّانُ بْنُ غَالِبٍ ، حدثنا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ : صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ . 667 - قَالَ مُوسَى : وَحَدَّثنِي بِهَذَا الْحَدِيثِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ . 668 - وَوَجَدْنَا يُونُسَ قَدْ حدثنا قَالَ : حدثنا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَني اللَّيْثُ ، عَنْ نَافِعٍ ، حَدَّثهُ ، عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبَدٍ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ : إنَّ امْرَأَةً اشْتَكَتْ شَكْوَى فَقَالَتْ : لَئِنْ شَفَانِي اللَّهُ لَأَخْرُجَنَّ فَلَأُصَلِّيَنَّ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَبَرِئَتْ ، ثُمَّ تَجَهَّزَتْ تُرِيدُ الْخُرُوجَ فَجَاءَتْ مَيْمُونَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ تُسَلِّمُ عَلَيْهَا فَأَخْبَرَتْهَا ذَلِكَ ، فَقَالَتْ : اجْلِسِي وَكُلِي مَا صَنَعْت وَصَلِّي فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنِّي سَمِعْتهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَقُولُ : صَلَاةٌ فِيهِ أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنْ الْمَسَاجِدِ إلَّا مَسْجِدَ الْكَعْبَةِ . 669 - وَوَجَدْنَا ابْنَ أَبِي دَاوُد قَدْ حدثنا قَالَ : حدثنا مُسَدَّدٌ ، حدثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَارِظٍ أَوْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ قَارِظٍ ، شَكَّ يَحْيَى ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ . 670 - حدثنا ابْنُ أَبِي دَاوُد ، حدثنا مُسَدَّدٌ ، حدثنا يَحْيَى ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو ، حدثنا سَلْمَانُ الْأَغَرُّ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ عَنْ النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ مِثْلَهُ . 671 - وَحدثنا يُونُسَ ، حدثنا ابْنُ وَهْبٍ أَنَّ مَالِكًا ، حَدَّثهُ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ رَبَاحٍ وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْأَغَرِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ . 672 - وَوَجَدْنَا الرَّبِيعَ الْأَزْدِيَّ قَدْ حدثنا قَالَ : حدثنا أَبُو الْأَسْوَدِ ، حدثنا عَطَّافُ بْنُ خَالِدٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ الْأَرْقَمِ أَنَّهُ قَالَ : جِئْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لِي : أَيْنَ تُرِيدُ ؟ قُلْت : إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، فَقَالَ : أَفِي تِجَارَةٍ ؟ قُلْت : لَا ، وَلَكِنْ أَرَدْت لَأَنْ أُصَلِّيَ فِيهِ ، فَقَالَ : صَلَاةٌ هَاهُنَا يُرِيدُ الْمَدِينَةَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ هَاهُنَا يُرِيدُ إيلْيَاءَ . فَعَقَلْنَا بِذَلِكَ أَنَّ أَفْضَلَهَا فِي الصَّلَاةِ فِيهَا الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ ، وَأَنَّ الصَّلَاةَ فِيهِ كَمِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنْ الْمَسَاجِدِ اللَّائِي سِوَى هَذِهِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي هَذِهِ الْآثَارِ . ثُمَّ طَلَبْنَا الْوُقُوفَ عَلَى فَضْلِ الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى عَلَى مَا سِوَى هَذِهِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ فَوَجَدْنَا ظَاهِرَ مَا رَوَيْنَاهُ فِي فَضْلِ الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا فَضْلَ لِلصَّلَاةِ فِيهِ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الْمَسَاجِدِ سِوَى الثَّلَاثَةِ الْمَسَاجِدِ الْمَذْكُورَةِ فِي هَذِهِ الْآثَارِ . ثُمَّ نَظَرْنَا فِيمَا سِوَاهَا مِنْ الْآثَارِ هَلْ نَجِدُ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ؟ . 673 - فَوَجَدْنَا اللَّيْثَ بْنَ عَبْدَةَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَرْوَزِيِّ أَبَا الْحَارِثِ قَدْ حدثنا قَالَ : حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَسَدٍ الْخُشَيُّ . وَحدثنا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ ، حدثنا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ ، حدثنا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، حدثنا سَعِيدُ بْنُ بَشِيرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ : سَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْت : الصَّلَاةُ فِي مَسْجِدِك أَفْضَلُ أَمْ الصَّلَاةُ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ ؟ فَقَالَ : الصَّلَاةُ فِي مَسْجِدِي مِثْلُ أَرْبَعِ صَلَوَاتٍ فِي مَسْجِدِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، وَلَنِعْمَ الْمُصَلَّى ، هُوَ أَرْضُ الْمَحْشَرِ وَأَرْضُ الْمَنْشَرِ . ثُمَّ طَلَبْنَا الْوُقُوفَ عَلَى مِقْدَارِ سَعِيدِ بْنِ بَشِيرٍ فِي الرِّوَايَةِ فَوَجَدْنَا أَبَا زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيَّ قَدْ حدثنا قَالَ : حدثنا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ الْحَضْرَمِيُّ قَالَ : سَمِعْت بَقِيَّةَ يَقُولُ : سَأَلْت شُعْبَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ بَشِيرٍ ، فَقَالَ : إنَّ ذَاكَ لَصَدُوقٌ ، قَالَ لَنَا أَبُو زُرْعَةَ : وَسَأَلْت أَنَا عَنْهُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ فَقَالَ : ثِقَةٌ ، قَدْ رَوَى عَنْهُ شُيُوخُنَا وَكِيعٌ وَابْنُ مَهْدِيٍّ . فَكَانَ مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمِائَتَيْ صَلَاةٍ وَخَمْسِينَ صَلَاةً فِي الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى . 674 - وَوَجَدْنَا عَلِيَّ بْنَ سَعِيدِ بْنِ بَشِيرٍ أَبَا الْحَسَنِ الرَّازِيَّ قَدْ حدثنا قَالَ : حدثنا أَبُو جَعْفَرٍ الْأدَمِيُّ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ ، حدثنا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ الْقَدَّاحُ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ بَشِيرٍ ، عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ، عَنْ النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : فَضْلُ الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ عَلَى غَيْرِهِ مِائَةُ أَلْفِ صَلَاةٍ ، وَفِي مَسْجِدِي أَلْفُ صَلَاةٍ ، وَمَسْجِدِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ خَمْسُ مِائَةِ صَلَاةٍ . فَفِي هَذَا أَنَّ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَصَلَاتَيْنِ يَعْنِي فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ 675 - وَوَجَدْنَا يَحْيَى بْنَ عُثْمَانَ قَدْ حدثنا قَالَ : حدثنا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ ، حدثنا عِيسَى ، وَهُوَ ابْنُ يُونُسَ ، عَنْ ثَوْرٍ ، وَهُوَ ابْنُ يَزِيدَ ، عَنْ زِيَادٍ ، وَهُوَ ابْنُ أَبِي سَوْدَةَ ، عَنْ أَخِيهِ ، عَنْ مَيْمُونَةَ مَوْلَاةِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا سَأَلَتْهُ فَقَالَتْ : أَفْتِنَا فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ ؟ فَقَالَ : أَرْضُ الْمَحْشَرِ وَالْمَنْشَرِ ، وَائْتُوهُ فَصَلُّوا فِيهِ ، فَإِنَّ صَلَاةً فِيهِ كَأَلْفِ صَلَاةٍ فِي غَيْرِهِ ، قَالَتْ : أَرَأَيْت إنْ لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أَتَحَمَّلَ عَلَيْهِ ؟ قَالَ : فَلْتُهْدِي لَهُ زَيْتًا يُسْرَجُ فِيهِ فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَهُوَ كَمَنْ أَتَاهُ . 676 - وَوَجَدْنَا يَحْيَى بْنَ عُثْمَانَ قَدْ حدثنا قَالَ : حدثنا أَبُو صَالِحٍ كَاتِبُ اللَّيْثِ ، حدثنا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ زِيَادِ بْنِ أَبِي سَوْدَةَ ، عَنْ مَيْمُونَةَ بِمِثْلِهِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَخَاهُ . 677 - وَوَجَدْنَا فَهْدًا وَهَارُونَ بْنَ كَامِلٍ قَدْ حَدَّثانَا ، قَالَا : حدثنا ابْنُ صَالِحٍ ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ ، عَنْ زِيَادٍ ، عَنْ مَيْمُونَةَ وَلَيْسَتْ بِمَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ ذَكَرَا مِثْلَهُ ، غَيْرَ أَنَّهُمَا قَالَا : فَإِنَّ الصَّلَاةَ فِيهِ كَأَلْفِ صَلَاةٍ ، وَلَمْ يَقُولَا : فِي غَيْرِهِ . فَكَانَ الَّذِي فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ فَضْلَ الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ كَفَضْلِهَا فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ . فَوَقَفْنَا بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ بَعْضَ مَا فِي هَذِهِ الْآثَارِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي الْفَصْلِ الْأَخِيرِ مِنْ هَذَا الْبَابِ قَدْ نَسَخَ بَعْضُهَا بَعْضًا ، ثُمَّ طَلَبْنَا تَصْحِيحَهَا ، وَمَا النَّاسِخُ فِيهَا مِنْ الْمَنْسُوخِ ؟ وَكَانَ مَذْهَبُنَا فِي النَّسْخِ فِي مِثْلِ هَذَا أَنَّهُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى رَحْمَةً لِعِبَادِهِ ، وَزِيَادَةً مِنْهُ إيَّاهُمْ فِي فَضْلِهِ عِنْدَهُمْ ، وَفِي رَحْمَتِهِ لَهُمْ ، فَوَجَبَ بِذَلِكَ أَنْ يَكُونَ أَوَّلُ الْأَحْكَامِ كَانَتْ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا فِي الْآثَارِ الْمَرْوِيَّةِ فِي فَضْلِ الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَا سِوَاهُ مِنْ الْمَسَاجِدِ سِوَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، وَأَنَّهُ كَالصَّلَاةِ فِي مَسْجِدٍ مِنْ الْمَسَاجِدِ سِوَى الثَّلَاثَةِ الْمَسَاجِدِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْآثَارِ الْأُوَلِ مِنْ هَذَا الْبَابِ ، ثُمَّ زَادَ اللَّهُ تَعَالَى مَنْ أَتَاهُ ، فَصَلَّى فِيهِ ، مَا رَوَاهُ أَبُو ذَرٍّ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ ، ثُمَّ زَادَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ أَنْ جَعَلَهُ كَخَمْسِ مِائَةِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَى هَذِهِ الثَّلَاثَةِ الْمَسَاجِدِ ، ثُمَّ زَادَهُ اللَّهُ فِيهِ ، فَجَعَلَ صَلَاتَهُ فِيهِ كَأَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنْ الْمَسَاجِدِ ، غَيْرِ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ الْمَسَاجِدِ ، وَجَعَلَهَا كَالصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِمُرَادِهِ فِي ذَلِكَ .
795- باب بيان مشكل ما روي في منع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عمر بن الخطاب عن العود في صدقته ، هل ذلك بكل الوجوه حتى لا تصلح له بوجه منها ، أو على خاص من الوجوه ؟ . 5940 - حدثنا محمد بن علي بن داود البغدادي ، قال : حدثنا خلف بن هشام المقرئ ، قال : حدثنا علي بن مسهر ، عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال : حملت على فرس في سبيل الله - عز وجل - وكنا إذا حملنا في سبيل الله أتينا به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فدفعناه إليه ، فيضعه حيث أراه الله - عز وجل - فجئت بفرسي ، فدفعتها إليه ، فحمل عليها رجلا من أصحابه فوافقته يبيعها في السوق ، فأردت أن أشتريها منه ، فأتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكرت ذلك له ، فقال : لا تشتريها ، ولا تعد في شيء من صدقتك . 5941 - وحدثنا المزني ، قال : حدثنا الشافعي ، عن مالك بن أنس ، عن نافع ، عن ابن عمر : أن عمر بن الخطاب حمل على فرس في سبيل الله ، فوجده يباع ، فأراد أن يبتاعه ، فسأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك ، فقال : لا تبتعه ولا تعد في صدقتك . 5942 - وحدثنا المزني ، قال : حدثنا الشافعي ، قال : حدثنا سفيان ، عن زيد بن أسلم ، عن أبيه ، عن عمر - رضي الله عنه - : أنه أبصر فرسا تباع في السوق ، وكان تصدق بها ، فسأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أشتريه ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا تشتريه ولا شيئا من نتاجه . 5943 - حدثنا المزني ، قال : حدثنا الشافعي ، قال : أخبرنا عبد الوهاب بن عبد المجيد ، قال : سمعت يحيى بن سعيد ، يقول : أخبرني نافع ، عن ابن عمر : أن عمر تصدق بفرس له في زمن رسول الله ، وأنه وجده يباع ، فذكر ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : لا تشتريه ، ولا تقربنه . قال أبو جعفر : ففي هذه الآثار نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عمر عن ابتياع صدقته ، وأن ذلك عود منه فيها فاحتمل أن يكون ذلك يوقع الكراهة لملكها من الوجوه كلها ، واحتمل أن يكون على الكراهة لملكها من بعض الوجوه دون بعض ، فنظرنا في ذلك . 5944 - فوجدنا إبراهيم بن أبي داود قد حدثنا قال : حدثنا عبد الله بن صالح ، قال : حدثني الليث ، قال حدثني عقيل ، عن ابن شهاب ، قال : أخبرني سالم بن عبد الله بن عمر : أن ابن عمر كان يحدث أن عمر - رضي الله عنه - تصدق بفرس في سبيل الله ، فوجده يباع بعد ذلك ، فأراد أن يشتريه ، ثم أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاستأمره في ذلك ، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا تعد في صدقتك . فبذلك كان ابن عمر يترك أن يبتاع شيئا تصدق به ، أو يرثه ، إلا جعله صدقة ، ففي هذا ما قد دل أن ابن عمر كان يرى أن رجوع الصدقة إلى المتصدق بها بالميراث ، مكروه له احتباسها في ملك ، حتى يردها إلى الصدقة . ثم نظرنا : هل روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما يدفع هذا القول أم لا ؟ . 5945 - فوجدنا يونس قد حدثنا ، قال : حدثنا علي بن معبد ، قال : حدثنا عبيد الله بن عمرو ، عن عبد الكريم بن مالك ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده : أن رجلا أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال يا رسول الله ، إني أعطيت أمي حديقة ، وإنها ماتت ، ولم تترك وارثا غيري ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : وجبت صدقتك ، ورجعت إليك حديقتك . فكان في هذا إباحة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للمتصدق ملك صدقته بالميراث ، وإباحته ذلك له ، وفيما روينا قبله منعه عمر من ابتياع صدقته ، فوجب بتصحيح هذه الآثار عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن تكون إعادة المتصدق صدقته بالابتياع ، وبما أشبهه من الأشياء التي تكون منه ، كالقبول لها في هبة له ، أو في صدقة عليه ، أو فيما سوى ذلك من وجوه التمليكات ، مكروها له ، وأن إعادة الله - عز وجل - إياها إلى ملكه بتوريث له إياها عن من تصدق بها عليه ، غير مكروه له ، إذ لم يكن ذلك بارتجاعه إياها ، وإنما كان ذلك بإعادة الله - عز وجل - إياها إليه . وقد روي أيضا في الرجوع في الصدقة بالابتياع لها نهي من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غير عمر عن مثل ذلك أيضا . 5946 - كما قد حدثنا علي بن شيبة ، قال : حدثنا يزيد بن هارون ، قال : حدثنا سليمان التيمي ، عن أبي عثمان النهدي ، عن عبد الله بن عامر ، عن الزبير بن العوام - رضي الله عنه - : أنه حمل على فرس في سبيل الله - عز وجل - فنزا فرسا أو مهرا ، فأراد شراءها ، فنهي عنها . 5947 - وكما حدثنا أبو أمية ، قال : حدثنا سريج بن النعمان ، قال : حدثنا حماد ، عن عاصم الأحول ، عن أبي عثمان النهدي ، عن ابن عباس : أن الزبير حمل على فرس في سبيل الله فوجد فرسا يباع من ضئضئها - يعني ولد ولدها - فنهي أن يشتريها . قال أبو جعفر : فاختلف سليمان وعاصم في الرجل الذي حدث أبو عثمان بهذا الحديث عنه كما ذكرنا في اختلافهما فيه ، وقد روي عن أسامة بن زيد مثل ذلك أيضا . 5948 - كما حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، قال : حدثنا وهب بن جرير ، قال : حدثنا شعبة ، عن الحكم ، عن عبد الله بن معقل ، عن أسامة أو زيد : أنه حمل على فرس في سبيل الله - عز وجل - فأراد أن يشتري فلوها ، فنهاه النبي - صلى الله عليه وسلم 5949 - وكما حدثنا محمد بن علي بن داود ، قال : حدثنا ليث بن داود ، قال : حدثنا شعبة ، عن الحكم بن عتيبة ، عن يحيى بن الجزار ، عن عبد الله بن معقل ، عن أسامة بن زيد أو زيد بن حارثة ، ثم ذكر مثله . فزاد ليث بن داود ، عن شعبة على وهب بن جرير في إسناد هذا الحديث بين الحكم وبين عبد الله بن معقل يحيى بن الجزار ، ففي حديثي الزبير وأسامة كراهة ما ولد الفرس المتصدق به ككراهة الفرس بعينه ، فقد بان بحمد الله - عز وجل - ونعمته أن لا تضاد في شيء مما رويناه في هذا الباب عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأن لكل معنى مذكور فيه وجه ، يتوجه فيه غير الوجه الذي يتوجه فيه ما يظن من لا علم له أنه يخالفه ، والله - عز وجل - نسأله التوفيق .
86 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْه عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي الصَّلَاةِ الَّتِي لَهَا هَذَا الْفَضْلُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ : هَلْ هِيَ مِنْ الْفَرَائِضِ أَوْ مِنْ النَّوَافِلِ ؟ . 678 - حدثنا ابْنُ مَرْزُوقٍ ، وَعَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَا : حدثنا عَفَّانَ ، حدثنا وُهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ ، حدثنا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ قَالَ : سَمِعْت أَبَا النَّضْرِ يُحَدِّثُ ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ احْتَجَرَ حُجْرَةً فِي الْمَسْجِدِ مِنْ حَصِيرٍ ، فَصَلَّى فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيَالِيَ حَتَّى اجْتَمَعَ إلَيْهِ نَاسٌ ، ثُمَّ فَقَدُوا صَوْتَهُ فَظَنُّوا أَنَّهُ قَدْ نَامَ ، فَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَتَنَحْنَحُ لِيَخْرُجَ إلَيْهِمْ ، فَقَالَ : مَا زَالَ بِكُمْ الَّذِي رَأَيْت مِنْ صَنِيعِكُمْ حَتَّى خَشِيت أَنْ يُكْتَبَ عَلَيْكُمْ قِيَامُ اللَّيْلِ ، فَصَلُّوا أَيُّهَا النَّاسُ فِي بُيُوتِكُمْ ، فَإِنَّ أَفْضَلَ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إلَّا الْمَكْتُوبَةَ . 679 - وَحدثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ ، حدثنا مَكِّيُّ بْنُ إبْرَاهِيمَ ، حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ : احْتَجَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُجْرَةً فِي الْمَسْجِدِ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْرُجُ مِنْ اللَّيْلِ يُصَلِّي فِيهَا فَيُسْمِعُ رِجَالًا وَرَاءَهُ ، وَهُوَ يُصَلِّي ، فَصَلُّوا مَعَهُ بِصَلَاتِهِ فَكَانُوا يَأْتُونَهُ كُلَّ لَيْلَةٍ حَتَّى إذَا كَانَ لَيْلَةٌ مِنْ اللَّيَالِي لَمْ يَخْرُجْ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَتَنَحْنَحُوا وَرَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ وَحَصَبُوا بَابَهُ ، فَخَرَجَ إلَيْهِمْ مُغْضَبًا فَقَالَ : مَا زَالَ بِكُمْ صَنِيعُكُمْ حَتَّى ظَنَنْت أَنْ سَتُكْتَبُ ، عَلَيْكُمْ بِالصَّلَاةِ فِي بُيُوتِكُمْ فَإِنَّ خَيْرَ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إلَّا هَذِهِ الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ . 680 حدثنا يُونُسُ ، حدثنا ابْنُ وَهْبٍ أَنَّ مَالِكًا ، حَدَّثهُ ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ ، عَنْ بُسْرٍ أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ قَالَ : أَفْضَلُ الصَّلَاةِ صَلَاتُكُمْ فِي بُيُوتِكُمْ إلَّا صَلَاةَ الْجَمَاعَةِ وَلَمْ يَرْفَعْهُ مَالِكٌ . وَكَانَ فِي حَدِيثِ زَيْدٍ هَذَا تَفْضِيلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّلَوَاتِ النَّوَافِلَ فِي الْبُيُوتِ عَلَيْهَا فِي الْمَسَاجِدِ ، وَكَانَ الْخِطَابُ بِذَلِكَ مِنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ الَّذِي خَاطَبَهُمْ بِهِ عَلَى أَنَّ صَلَوَاتِهِمْ فِي مَنَازِلِهِمْ أَفْضَلُ مِنْ صَلَوَاتِهِمْ فِي مَسْجِدِهِ غَيْرِ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ . فَعَقَلْنَا بِذَلِكَ أَنَّهَا كَذَلِكَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَفِي الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ الْفِقْهِ مَا يَقْضِي بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ الرَّجُلِ يُوجِبُ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى نَفْسِهِ أَنْ يُصَلِّيَ صَلَاةً يَتَطَوَّعُ بِهَا فِي وَاحِدٍ مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَوْ مِنْ مَسْجِدِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَوْ مِنْ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى ، فَيُصَلِّيهَا فِي بَيْتِهِ أَنَّهَا تُجْزِئُهُ أَوْ لَا تُجْزِئُهُ ، فَمِمَّنْ قَالَ إنَّهَا مُجْزِئَةٌ : أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ ، وَقَدْ خَالَفَهُمَا فِي ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْم فَقَالُوا : لَا تُجْزِئُهُ ، وَقَدْ رُوِيَ الْقَوْلَانِ جَمِيعًا عَنْ أَبِي يُوسُفَ . فَكَانَ الصَّحِيحُ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ، أَنَّهُ تُجْزِئُهُ ؛ لِأَنَّهُ صَلَّاهَا فِي مَوْضِعِ صَلَاتِهِ إيَّاهَا فِيهِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهِ إيَّاهَا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ يُصَلِّيَهَا لِلَّهِ تَعَالَى فِيهِ ، وَإِنَّمَا يَجِبُ مِنْ النُّذُورِ وَالْإِيجَابَاتِ مَا يَكُونُ لِلَّهِ تَعَالَى قُرْبَةٌ ، وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
709 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الزيادة فيما لا تجوز الزيادة فيه , بل ترجع إلى زائدها , أو تكون هبة منه للذي زادها إياه . 5300 - حدثنا صالح بن شعيب بن أبان البصري أبو شعيب ، أخبرنا الحسين بن مهدي الأبلي ، أخبرنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا جهم بن حذيفة مصدقا , فلاحاه رجل في صدقته , فأخذه فضربه , فشجه أبو جهم , فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم , فقالوا : القود يا رسول الله ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لكم كذا وكذا , فلم يرضوا , فقال : لكم كذا وكذا , فرضوا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إني خاطب العشية على الناس ومخبرهم برضاكم , [ فقالوا : نعم , فخطب رسول الله صلى الله عليه وسلم , فقال : إن هؤلاء الليثيين أتوني يريدون القود , فعرضت عليهم كذا وكذا فرضوا ] قال : أرضيتم ؟ قالوا : لا , قال : فهم بهم المهاجرون , فأمرهم النبي عليه السلام أن يكفوا عنهم , ثم دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم , فزادهم , فقال : أرضيتم ؟ قالوا : نعم , قال : فإني خاطب على الناس ومخبرهم برضاكم , قالوا : نعم , فخطب الناس فقال : أرضيتم ؟ قالوا : نعم . ففي هذا الحديث معنى لطيف من الفقه يجب أن يوقف عليه , ويوقف به على أن الزيادة في هذا المعنى بخلاف الزيادة في المعنيين اللذين ذكرناهما في الباب الذي قبل هذا الباب , وذلك أن الزيادة في المعنيين اللذين ذكرناهما في الباب الذي قبل هذا الباب زيادة في بيع قد يجوز أن يتناقضه متعاقداه , ثم يتعاقدانه من ذي قبل , وتزويج قد يجوز أن يتناقضاه , أو يتعاقدانه من ذي قبل بما يتعاقدانه , فجازت في ذلك الزيادة , وكان الصلح عن أبي جهم بن حذيفة مما لا يجوز أن يتناقضه رسول الله صلى الله عليه وسلم والذين صالحهم به عنه , لأن رجلا لو شج رجلا شجة , أو جنى عليه جناية , فصالحه منها على شيء أو صولح عنه منها على شيء , ثم أراد متعاقدا ذلك الصلح أن يتناقضاه بينهما أنهما لا يقدران على ذلك , وأنهما إن نقضاه لم ينتقض , وما هذه سبيله , فالزيادة فيه غير لاحقة بأصله ومختلف فيها , فطائفة من أهل العلم تقول : إنها باطلة , وإنها راجعة إلى الذي زادها , وممن كان يقول ذلك منهم أبو حنيفة وأبو يوسف , وطائفة منهم تقول : إنها هبة من الذي زادها للذي زادها إياه , فإن سلمها إليه جازت له , وإن منعه منها لم يجبر على تسليمها إليه , وهذا معنى قد ذكر عبد الرحمن بن قاسم ما يدل في جواباته اشتهاره عن مذهب مالك فيه , وهو قول زفر فيه , وقد مال إليه محمد بن الحسن في بعض مسائله التي تدخل في هذا الباب , ونحن نعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يدفع إلى أولئك القوم ما لا يحل لهم أخذه , وأنه لا يدفع إلى أحد إلا ما يكون طيبا له , لأن من شريعته في مثل هذا تحريم أكل الربا وتحريم إطعامه , وفي إباحته إياهم ذلك دليل على طيبه لهم , وأن ذلك قد صار إليهم هبة منه لهم , كما قال ذلك من قاله ممن ذكرناه عنه , ورسول الله صلى الله عليه وسلم هو الحجة على الناس جميعا , وبالله التوفيق .
87 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ قَوْلِهِ : مَنْ كُسِرَ أَوْ عَرِجَ فَقَدْ حَلَّ وَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أُخْرَى . 681 - حدثنا ابْنُ مَرْزُوقٍ ، حدثنا أَبُو عَاصِمٍ النَّبِيلُ ، عَنْ الْحَجَّاجِ الصَّوَّافِ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ الْحَجَّاجِ بْنِ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيِّ قَالَ : سَمِعْت النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَقُولُ : مَنْ عَرِجَ أَوْ كُسِرَ فَقَدْ حَلَّ وَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أُخْرَى . 682 - وَحدثنا ابْنُ خُزَيْمَةَ ، حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ ، أَخْبَرَني الصَّوَّافُ ، أَخْبَرَني يَحْيَى ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ الْحَجَّاجِ قَالَ : سَمِعْت النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَقُولُ : فَذَكَرَ مِثْلَهُ وَزَادَ ، قَالَ : فَحَدَّثت بِذَلِكَ أَبَا هُرَيْرَةَ وَابْنَ عَبَّاسٍ ، فَقَالَا : صَدَقَ . 683 - وَحدثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُد ، حدثنا يَحْيَى الْوُحَاظِيُّ ، حدثنا مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامٍ ، عَنْ يَحْيَى ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَافِعٍ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ : أَنَا سَأَلْت الْحَجَّاجَ بْنَ عَمْرٍو ، عَنْ مَنْ حُبِسَ وَهُوَ مُحْرِمٌ ؟ فَقَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ عَرِجَ أَوْ كُسِرَ فَقَدْ حَلَّ وَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أُخْرَى قَالَ : فَحَدَّثت بِذَلِكَ ابْنَ عَبَّاسٍ وَأَبَا هُرَيْرَةَ فَقَالَا : صَدَقَ . فَقَالَ قَائِلٌ : كَيْفَ تَقْبَلُونَ هَذَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَمَنْ كُسِرَ أَوْ عَرِجَ لَا يَخْلُو مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ : أَنْ يَكُونَ مُحْصَرًا بِذَلِكَ ، أَوْ غَيْرَ مُحْصَرٍ بِهِ ، فَإِنْ كَانَ مُحْصَرًا بِهِ فَحُكْمُ الْمُحْصَرِ هُوَ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ إلَى قَوْلِهِ : أَوْ نُسُكٍ ، وَإِنْ كَانَ بِذَلِكَ غَيْرَ مُحْصَرٍ بَقِيَ عَلَى حَرَمِهِ وَلَمْ يَحِلَّ مِنْ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ، فَهَذَا الْحَدِيثُ أَهْلُ الْعِلْمِ جَمِيعًا عَلَى خِلَافِهِ . فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَيْسَ أَهْلُ الْعِلْمِ جَمِيعًا عَلَى خِلَافِهِ كَمَا ذُكِرَ ، إذْ كَانَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْإِحْصَارِ الَّذِي لَهُ حُكْمُ الْإِحْصَارِ الْمَذْكُورِ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى مَذْهَبَيْنِ : وَأَحَدُهُمَا : أَنَّ ذَلِكَ الْإِحْصَارَ هُوَ بِكُلِّ حَابِسٍ يَحْبِسُ عَلَى النُّفُوذِ إلَى الْبَيْتِ ، وَمِمَّنْ كَانَ يَذْهَبُ إلَى ذَلِكَ مِنْهُمْ : ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ الزُّبَيْرِ 684 - كَمَا حدثنا ابْنُ مَرْزُوقٍ ، حدثنا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ الزَّهْرَانِيُّ ، حدثنا شُعْبَةُ ، عَنْ الْحَكَمِ ، عَنْ إبْرَاهِيمَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ : أَهَلَّ رَجُلٌ مِنْ النَّخْعِ بِعُمْرَةٍ يُقَالُ لَهُ : عُمَيْرُ بْنُ سَعِيدٍ ، فَلُدِغَ ، فَبَيْنَا هُوَ صَرِيعٌ فِي الطَّرِيقِ ، إذْ طَلَعَ عَلَيْهِمْ رَكْبٌ فِيهِمْ ابْنُ مَسْعُودٍ فَسَأَلُوهُ فَقَالَ : ابْعَثُوا بِالْهَدْيِ وَاجْعَلُوا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ يَوْمَ أَمَارَةٍ ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَلْيُحلْ ، قَالَ الْحَكَمُ : وَقَالَ عُمَارَةُ بْنُ عُمَيْرٍ : ZZ وَكَانَ حَسْبُك بِهِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَالَ : وَعَلَيْهِ الْعُمْرَةُ مِنْ قَابِلٍ ، قَالَ شُعْبَةُ : وَسَمِعْت سُلَيْمَانَ يَعْنِي الْأَعْمَشَ ، حَدَّث بِهِ مِثْلَ مَا حَدَّث بِهِ الْحَكَمُ سَوَاءٌ . 685 - وَكَمَا حدثنا بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ يَحْيَى أَبُو شُرَيْحٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ قَالَا : حدثنا الْفِرْيَابِيُّ ، حدثنا سُفْيَانُ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ إبْرَاهِيمَ ، عَنْ عَلْقَمَةَ ، فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ ، قَالَ : مَنْ حُبِسَ أَوْ مَرِضَ ، قَالَ إبْرَاهِيمُ : فَحَدَّثتْ بِهِ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ ، فَقَالَ : هَكَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ . 686 - وَكَمَا حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَجَّاجِ الْحَضْرَمِيُّ وَنَصْرُ بْنُ مَرْزُوقٍ قَالَا : حدثنا الْخَصِيبُ بْنُ نَاصِحٍ ، حدثنا وُهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ سُوَيْد قَالَ : سَمِعْت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ ، وَهُوَ يَخْطُبُ يَقُولُ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَلَا إنَّهُ وَاَللَّهِ مَا التَّمَتُّعُ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ كَمَا تَصْنَعُونَ ، وَلَكِنَّ التَّمَتُّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ أَنْ يَخْرُجَ الرَّجُلُ حَاجًّا فَيَحْبِسَهُ عَدُوٌّ أَوْ مَرَضٌ أَوْ أَمْرٌ يُعْذَرُ بِهِ حَتَّى تَذْهَبَ أَيَّامُ الْحَجِّ ، أَوْ قَالَ : تَمْضِي أَيَّامُ الْحَجِّ ، إِسْحَاقُ شَكَّ ، فَيَأْتِي الْبَيْتَ فَيَطُوفَ بِهِ وَيَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَيَتَمَتَّعَ بِحِلِّهِ إلَى الْعَامِ الْمُقْبِلِ فَيَحُجَّ وَيَهْدِيَ ، فَهَذَا أَحَدُ الْمَذْهَبَيْنِ . وَالْمَذْهَبُ الْآخَرُ أَنَّ ذَلِكَ الْإِحْصَارَ لَا يَكُونُ إلَّا بِالْعَدُوِّ خَاصَّةً ، ثُمَّ أَهْلُ الْعِلْمِ مِنْ بَعْدُ ، فَطَائِفَةٌ مِنْهُمْ عَلَى الْمَذْهَبِ الْأَوَّلِ ، مِنْهُمْ : أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَسَائِرُ فُقَهَاءِ الْكُوفَةِ ، وَطَائِفَةٌ عَلَى الْمَذْهَبِ الثَّانِي : مِنْهُمْ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَسَائِرُ فُقَهَاءِ الْحِجَازِ . فَكَانَ فِيمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْحَدِيثَ الَّذِي رَوَيْنَاهُ فِي أَوَّلِ هَذَا الْبَابِ لَيْسَ كَمَا ذَكَرَ هَذَا الْقَائِلُ مِنْ خِلَافِ الْعُلَمَاءِ جَمِيعًا إيَّاهُ . فَقَالَ هَذَا الْقَائِلُ : فَمَا مَعْنَى الْكَلَامِ الَّذِي فِيهِ فَقَدْ حَلَّ ، وَهُمْ جَمِيعًا لَا يَقُولُونَ يَحِلُّ إلَّا لِمَعْنًى بِاللُّغَةِ بَعْدَ ذَلِكَ ، مِمَّا قَدْ ذَكَرْتُهُ فِي هَذَا الْبَابِ . فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ : أَنَّ ذَلِكَ الْكَلَامَ كَلَامٌ عَرَبِيٌّ صَحِيحٌ ، وَإِنَّمَا الْمَعْنَى فِيهِ عِنْدَنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ، أَيْ : فَقَدْ حَلَّ لَهُ أَنْ يَحِلَّ بِمَا يَحِلُّ بِهِ مِمَّا هُوَ فِيهِ مِنْ الْإِحْرَامِ كَمَا يُقَالُ لِلْمَرْأَةِ إذَا طَلُقَتْ بَعْدَ دُخُولِ مُطَلِّقِهَا بِهَا فَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا : قَدْ حَلَّتْ لِلْأَزْوَاجِ لَيْسَ عَلَى مَعْنَى أَنَّهَا قَدْ حَلَّتْ لَهُمْ كَحِلِّ نِسَائِهِمْ اللَّاتِي فِي عُقُودِ نِكَاحِهِمْ لَهُمْ ، وَلَكِنْ قَدْ حَلَّتْ لَهُمْ بِتَزْوِيجٍ بِالْعَقْدِيَّةِ عَلَيْهَا حَتَّى تَعُودَ بَعْدَهُ حَلَالًا لَهُمْ كَحِلِّ نِسَائِهِمْ اللَّاتِي فِي عُقُودِ نِكَاحِهِمْ لَهُمْ حَتَّى تَعَالَى ذَلِكَ إلَى قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَهُوَ قَوْلُهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ لَيْسَ أَنَّهَا إذَا نَكَحَتْ زَوْجًا غَيْرَهُ تَعُودُ حَلَالًا لَهُ ، وَلَكِنَّهَا تَعُودُ إلَى حَالٍ يَحِلُّ لَهُ فِيهَا اسْتِئْنَافُ عَقْدِ النِّكَاحِ عَلَيْهَا حَتَّى تَكُونَ حَلَالًا لَهُ ، فَمِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : مَنْ كُسِرَ أَوْ عَرِجَ فَقَدْ حَلَّ لَيْسَ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ قَدْ حَلَّ حِلًّا خَرَجَ بِهِ مِنْ حَرَمِهِ ، وَلَكِنَّهُ سَبَبُ حِلٍّ لَهُ بِهِ أَنْ يَفْعَلَ فِعْلًا يَخْرُجُ بِهِ مِنْ حَرَمِهِ فَقَدْ عَادَ بِمَا قَدْ ذَكَرْنَا مَا قَدْ رَوَيْنَاهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا وَجْدَنَا إلَى أَنْ لَا اسْتِحَالَةَ فِيهِ وَلَا خُرُوجَ عَنْ أَقْوَالِ أَهْلِ الْعِلْمِ جَمِيعًا عَنْهُ .
796- باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في رده حكم العائد في صدقته إلى العائد في قيئه ، من هو ؟ قد روينا في الباب الذي قبل هذا الباب منع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من العود في الصدقة بما منع من العود فيها به ، فاحتمل أن يكون ذلك على أنه لا يحل للمتصدق بها ملكها ، واحتمل أن يكون ملكها يحل له مع الكراهة التي فيه ، فاحتجنا إلى الوقوف على الحقيقة في ذلك ، ما هي ؟ . 5950 - فوجدنا المزني قد حدثنا ، قال : حدثنا الشافعي ، قال : حدثنا مالك ، عن زيد بن أسلم ، عن أبيه ، قال : سمعت عمر بن الخطاب يقول : حملت على فرس في سبيل الله ، فأضاعه الذي كان عنده ، فأردت أن أبتاعه منه ، وظننت أنه بائعه برخص ، فقال : لا تبتعه ، وإن أعطاكه بدرهم واحد ، ولا تعد في صدقتك ، فإن العائد في صدقته ، كالكلب يعود في قيئه . 5951 - ووجدنا يزيد بن سنان قد حدثنا ، قال : حدثنا سعيد بن أبي مريم ، قال : حدثنا محمد بن جعفر - يعني ابن أبي كثير الأنصاري - قال : حدثني زيد بن أسلم ، قال : حدثني أبي ، عن عمر بن الخطاب ، ثم ذكر مثله . فكان في هذا الباب رد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حكم العائد في صدقته إلى الكلب يعود في قيئه ، والكلب فغير متعبد بتحريم ولا تحليل كبني آدم المتعبدين بالتحريم والتحليل ، ومما تعبدوا به تحريم قيئهم عليهم ، وكان الكلب ليس كهم في ذلك ؛ لأن عوده في قيئه ، إنما هو كعوده في قذر لا عود في محرم عليه ، وفي ذلك ما قد دل أن عود المتصدق في صدقته إنما هو عود في قذر ، لا عود في حرام ، ولا أنه لا يقع ملكه على ما تصدق به من ذلك بعوده فيه ، كما لا يقع ملكه على الأشياء المحرمات عليه بأعيانها . وقد روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من غير هذا الوجه أيضا . 5952 - كما حدثنا بكار بن قتيبة ، قال : حدثنا روح بن عبادة ، قال : حدثنا عوف ، عن خلاس بن عمرو ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : مثل الذي يعود في عطائه ، كمثل الكلب أكل حتى إذا شبع قاء ، ثم عاد في قيئه ، فأكله . فبان بحمد الله بما وصفنا مراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بما نهى عنه عمر ، ومن ذكرناه معه في الباب الذي قبل هذا الباب ، عن ما نهاهم عنه ، والله - عز وجل - نسأله التوفيق .
88 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنَهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ نَهْيِهِ عَنْ كَسْبِ الْإِمَاءِ . 687 - حدثنا بَكَّارَ ، حدثنا أَبُو عَاصِمٍ ، حدثنا شُعْبَةُ ، وَحدثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُونُسَ ، حدثنا مُسْلِمُ بْنُ إبْرَاهِيمَ ، حدثنا شُعْبَةُ . وَحدثنا ابْنُ مَرْزُوقٍ ، حدثنا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ ، حدثنا شُعْبَةُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُحَادَةَ ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : نَهَى النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَنْ كَسْبِ الْإِمَاءِ . 688 - وَحدثنا ابْنُ خُزَيْمَةَ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُد وَحُسَيْنُ بْنُ نَصْرٍ قَالُوا : حدثنا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ ، حَدَّثنِي شُعْبَةُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُحَادَةَ ثُمَّ ذَكَرُوا بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ . فَقَالَ قَائِلٌ : وَكَيْفَ يَجُوزُ لَكُمْ قَبُولُ هَذَا عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَكِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى وَسُنَّةُ رَسُوله يَدْفَعَانِهِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَلَا اخْتِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ جَمِيعًا أَنَّ الْمُلْتَمَسَ مِنْ الْمُكَاتَبِينَ بِالْكِتَابَاتِ اللَّاتِي يُعْقَدُ عَلَيْهِمْ هُوَ كَسْبُهُمْ ، وَأَنَّ الْإِمَاءَ مِنْهُمْ كَالذُّكُورِ ، وَكُوتِبَتْ بَرِيرَةُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمَالِ الَّذِي كُوتِبَتْ عَلَيْهِ ، وَوَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ فَلَمْ يُنْكِرْهُ . وَفِي ذَلِكَ دَفْعٌ لِمَا ادَّعَيْتُمْ مِنْ الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَيْتُمْ . فَكَانَ مِنْ حُجَّتِنَا عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ : أَنَّ الَّذِي نَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَيْنَا هُوَ خِلَافُ الَّذِي أَبَاحَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سُنَّتِهِ مِنْ مُكَاتَبَاتِ الْإِمَاءِ ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا أَبَاحَ مُكَاتَبَةَ مَنْ عَلِمَ مُكَاتِبُهُ فِيهِ خَيْرًا بِقَوْلِهِ : إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا فَقَالَ قَوْمٌ : الْخَيْرُ هُوَ اكْتِسَابُ الْمَالِ ، وَقَالَ قَوْمٌ : هُوَ الصَّلَاحُ ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ التَّأْوِيلَيْنِ يُصَدِّقُ الْآخَرَ ، فَدَلَّ ذَلِكَ أَنَّهُ إنَّمَا أَبَاحَ مُكَاتَبَةَ مَنْ يُحْمَدُ كَسْبُهُ لَا مَنْ يُذَمُّ كَسْبُهُ ، وَاَلَّذِي نَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَيْنَا قَدْ عَقَلْنَا بِنَهْيِهِ إيَّانَا عَنْهُ أَنَّهُ مِنْ الْأَشْيَاءِ الْمُنْكَرَاتِ ؛ لِأَنَّ صِفَتَهُ الَّتِي وَصَفَهُ اللَّهُ بِهَا الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ ، عَنْ الْمُنْكَرِ وَمِنْ ذَلِكَ قَوْل الله تَعَالَى : الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ إلَى قَوْلِهِ : وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ . فَعَقَلْنَا بِذَلِكَ بِنَهْيِهِ عَنْ كَسْبِ مَنْ نُهِيَ عَنْ كَسْبِهِ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَيْنَا أَنَّهُ الْكَسْبُ الْمَذْمُومُ لَا الْكَسْبُ الْمَحْمُودُ . فَقَالَ : وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يُضَافَ النَّهْيُ إلَى كُلِّ الْأَكْسَابِ ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِهِ خَاصُّهَا مِنْهُ ؟ فَكَانَ جَوَابُنَا فِي ذَلِكَ : أَنَّ الْأَشْيَاءَ إذَا كَثُرَتْ وَاتَّسَعَتْ أَعْدَادُهَا جَازَ أَنْ يُضَافَ إلَى كُلِّهَا مَا يُرَادُ بِهِ بَعْضُهَا دُونَ بَقِيَّتِهَا ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ لِنَبِيِّهِ فِي كِتَابِهِ : وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَلَمْ يُرِدْ بِهِ كُلَّ قَوْمِهِ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ مِنْهُمْ الْمُكَذِّبِينَ لَهُ فِي ذَلِكَ لَا الْمُصَدِّقِينَ لَهُ فِيهِ ، وَقَوْلُهُ لَهُ : وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ فَلَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ قَوْمَهُ الْمُكَذِّبِينَ لَهُ عَلَى ذَلِكَ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ قَوْمَهُ الْمُصَدِّقِينَ لَهُ عَلَيْهِ . وَمِثْلُ ذَلِكَ مَا كَانَ مِنْهُ فِي قُنُوتِهِ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ قَوْلِهِ فِيهِ : وَاشْدُدْ اللَّهُمَّ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ وَاجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ . 689 - حدثناهُ الْمُزَنِيّ ، أخبرنَا الشَّافِعِيُّ ، حدثنا ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . 690 - وَحدثنا يُونُسَ ، أَخْبَرَنا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَني يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدٍ وَأَبِي سَلَمَةَ أَنَّهُمَا سَمِعَا أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ ذَلِكَ أَيْضًا . فَلَمْ يُرِدْ بِقَوْلِهِ : وَاشْدُدْ اللَّهُمَّ وَطْأَتَك عَلَى مُضَرَ ، كُلَّ مُضَرَ وَكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ وَهُوَ مِنْ مُضَرَ ، وَخِيَارُ مَنْ خَلْفَهُ فِي صَلَاتِهِ تِلْكَ مِنْ مُضَرَ الَّذِينَ لَا أَمْثَالَ لَهُمْ ، وَلَكِنْ كَانَ قَوْلُهُ عَلَى مُضَرَ يُرِيدُ بِهِ مُضَرَ الْمُخَالِفَةَ عَلَيْهِ الَّتِي مِنْ أَجْلِ خِلَافِهَا عَلَيْهِ كَانَ قُنُوتُهُ ذَلِكَ دُونَ مَنْ سِوَاهَا مِنْ مُضَرَ . وَمِثْلُ ذَلِكَ نَهْيُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَنْ كَسْبِ الْإِمَاءِ ، هُنَّ الْإِمَاءُ الْمَذْمُومُ أَكْسَابُهُنَّ ، لَا الْإِمَاءُ الْمَحْمُودَةُ أَكْسَابُهُنَّ . وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ فِي حَدِيثٍ رَوَاهُ عَنْهُ أَبُو هُرَيْرَةَ . 691 - كَمَا حدثنا يُونُسُ ، حدثنا ابْنُ وَهْبٍ ، حَدَّثنِي مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ ، عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ كَسْبِ الْأَمَةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهَا عَمَلٌ وَاصِبٌ أَوْ كَسْبٌ يُعْرَفُ . فَدَلَّ ذَلِكَ أَنَّ الْكَسْبَ الَّذِي دَخَلَ فِي نَهْيِهِ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ هُوَ النَّهْيُ الَّذِي نَهَى عَنْهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ . وَكَذَلِكَ كَانَ مِنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ فِي خُطْبَتِهِ عَلَى النَّاسِ 692 - كَمَا حدثنا يُونُسُ أخبرنا ابْنُ وَهْبٍ أَنَّ مَالِكًا ، حَدَّثهُ . وَحدثنا ابْنُ مَرْزُوقٍ ، حدثنا أَبُو عَامِرٍ ، حدثنا مَالِكٌ ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ عُثْمَانَ يَخْطُبُ وَهُوَ يَقُولُ : لَا تُكَلِّفُوا الْأَمَةَ غَيْرَ ذَاتِ الصَّنْعَةِ الْكَسْبَ ؛ فَإِنَّكُمْ مَتَى كَلَّفْتُمُوهَا ذَلِكَ كَسَبَتْ بِفَرْجِهَا ، وَلَا تُكَلِّفُوا الصَّغِيرَ الْكَسْبَ ؛ فَإِنَّهُ إنْ لَمْ يَجِدْ يَسْرِقْ ، وَعِفُّوا إذْ أَعَفَّكُمْ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ، وَعَلَيْكُمْ مِنْ الْمَطَاعِمِ بِمَا طَابَ . 693 - وَكَمَا حدثنا يُوسُفُ بْنُ يَزِيدَ ، حدثنا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، حدثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيُّ ، عَنْ أَبِي سُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : سَمِعْت عُثْمَانَ يَخْطُبُ ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ . وَكَانَتْ خُطْبَتُهُ هَذِهِ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِينَ قَدْ سَمِعُوا مِنْهُ نَهْيَهُ ، عَنْ كَسْبِ الْإِمَاءِ فَلَمْ يَرُدُّوا ذَلِكَ عَلَيْهِ وَلَمْ يُخَالِفُوهُ فِيهِ ؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى مُتَابَعَتِهِمْ إيَّاهُ عَلَيْهِ ، وَعَلَى أَنَّ مَا سَمِعُوا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَهْيِهِ عَنْ كَسْبِ الْإِمَاءِ إنَّمَا هُوَ الْمَذْمُومُ مِنْهَا لَا الْمَحْمُودُ مِنْهَا .
708 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الزيادات في أثمان الأشياء المبيعات : هل تلحق بالأثمان التي عقدت تلك البياعات عليها أم لا ؟ قال أبو جعفر : قد ذكرنا فيما تقدم منا في كتابنا هذا حديث جابر بن عبد الله في بيعه جمله رسول الله صلى الله عليه وسلم في إقباله إلى المدينة ، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالا لما قدم المدينة أن يدفع إليه ثمنه ، وأن يزيده قيراطا ، فقلت : لا تفارقني زيادة رسول الله صلى الله عليه وسلم أبدا ، فكان في كيسي حتى أخذه أهل الشام يوم الحرة ، وكان إسناده الذي ذكرناه به . 5293 - أن يزيد بن سنان حدثناه قال : حدثنا الحسن بن عمر بن شقيق ، حدثنا جرير بن عبد الحميد ، عن الأعمش ، عن سالم بن أبي الجعد ، عن جابر بن عبد الله ، وأعدنا ذكر إسناده هاهنا ، لأنا بعد أن ذكرنا أنا قد كنا جئنا به فيما تقدم منا في كتابنا هذا ظننا أنا لم نكن جئنا به ، فأعدنا إسناده احتياطا ، ففي حديث جابر الذي ذكرناه زيادة رسول الله صلى الله عليه وسلم إياه بعد البيع الذي كان بينهما في ثمن البعير الذي كان ابتاعه منه به ، وفي ذلك دليل على أن الزيادة قد لحقت بذلك الثمن ، فصارت منه ، وصارت كمن عقد البيع به مع ما سواه مما عقد البيع به ، وكان محالا أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم ملك جابرا ما ملكه إياه بمعنى ، ولا يملكه بذلك المعنى ، ويملكه بغيره ، كما يقول من يقول : إن الزيادة في الثمن هبة من الذي يزيدها للذي يزيدها إياه ، وممن كان يقول ذلك مالك وزفر ، لأن الأشياء إنما تملك من حيث ملكت لا مما سواها ، وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الزيادة في غير البياعات . 5294 - ما حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ، أخبرنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك ، عن ابن أبي ذئب ، عن إياس بن سلمة بن الأكوع ، عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أيما رجل شارط امرأة ، فعشرتهما ثلاث ليال ، فإن أحبا أن يتناقضا تناقضا ، وإن أحبا أن يزيدا في الأجل زادا . قال سلمة : لا أدري ، أكانت لنا خاصة ؟ أم للناس عامة ؟ 5295 - وما قد حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، حدثنا أبو عاصم ، عن ابن أبي ذئب ، عن إياس بن سلمة ، عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أيما رجل وامرأة تمتعا ، فعشرتهما بينهما ثلاث ليال ، فإن أحبا أن يزدادا ازدادا . وكان في هذا الحديث في الوقت الذي كانت المتعة طلقا ، وكانت حلالا أنها إذا عقدت على وقت بعينه ، فانعقدت عليه ، ثم أحب متعاقداها أن يزيدا في ذلك الوقت مدة أحباها ، وذكرا مقدارها أن تلك الزيادة لاحقة بالمدة الأولى ، وأن حكم المدة الثانية في ذلك حكم المدة الأولى ، فمثل ذلك أيضا البيع إذا وقع على شيء بعينه بثمن بعينه ، ثم أراد واحد من متعاقديه زيادة صاحبه فيما ملكه إياه فيه شيئا ، فزاده إياه ، وقبله منه أن تلك الزيادة لاحقة به ، وداخلة في حكمه ، وقد روينا حديث جابر الذي قد رويناه في هذا الباب في تثبيت هذا المعنى . 5296 - وقد حدثنا أبو أمية في مثله قال : حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين ، حدثنا عبد السلام بن حرب ، عن الأعمش ، عن سالم بن أبي الجعد ، عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى منه بعيرا بأوقية من ذهب ، فأمر بلالا فوزن له ، وزاده قيراطا . 5297 - وقد روي عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في استعمالهم في الزيادات في البياعات بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يوافق هذا المعنى ، فمن ذلك ما قد حدثنا عبيد بن رجال ، حدثنا أحمد بن صالح ، حدثنا عبد الرزاق ، أنبأنا معمر ، عن الزهري ، عن ابن المسيب قال : قال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، ورضي عنهم : وددنا لو أن عثمان وعبد الرحمن تبايعا حتى ننظر أيهما أعظم جدا في التجارة ، فاشترى عبد الرحمن من عثمان فرسا بأرض له أخرى بأربعين ألف درهم ، أو نحو ذلك - شك عبد الرزاق في العدد - إن أدركتها الصفقة وهي سالمة ، ثم أجاز قليلا ، فرجع ، فقال : أزيدك ستة آلاف إن وجدها رسولي سالمة ، قال : نعم ، فوجدها رسول عبد الرحمن قد ماتت ، قال : فخرج منها بالشرط الآخر ، فقال رجل للزهري : فإن لم يشترط ؟ قال : فهي من مال البائع . فكان في هذا الحديث ما قد دل عليه مما قاله الزهري في آخره : أن البيع لو مضى على العقد الأول كان موت الفرس من مال مبتاعها وهو عبد الرحمن ، ثم زاد عبد الرحمن عثمان في ثمنها زيادة زاده بها عثمان شرطا أوجب له إن ماتت قبل وصول رسوله إليها ماتت من مال عثمان وهو بائعها ، ففي ذلك ما قد دل على إلحاق الزيادات في العقود ، وقد كان ذلك من عثمان وعبد الرحمن بحضرة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين كانوا يتمنون أن يتبايعا ليقفوا على أيهما أعظم جدا في التجارة ، فلم ينكروا ما كان منهما عليهما ، ولم يخالفوهما في ذلك ، فدل ذلك على متابعتهم إياهما عليه ، 5298 - ومن ذلك ما قد حدثنا يزيد بن سنان ، حدثنا يزيد بن هارون ، أخبرنا الأجلح الكندي ، عن عبد الله بن أبي الهذيل قال : رأيت عمار بن ياسر خرج من القصر ، فاشترى قتا بدرهم ، فاستزاد صاحب القت حبلا ، فنازعه حتى أخذ هذا قطعة منه ، وهذا قطعة منه ، ثم احتمله على عاتقه حتى دخل القصر . قال أبو جعفر : وهذا كان من عمار وهو أمير ، لأنه لم يسكن القصر الذي كان الأمراء يسكنونه إلا وهو أمير ، وقد حقق ذلك . 5299 - ما قد حدثنا يحيى بن عثمان ، حدثنا نعيم بن حماد ، حدثنا ابن المبارك ، أخبرنا سفيان ، عن أبي سنان والأجلح ، عن ابن أبي الهذيل قال : رأيت عمار بن ياسر خرج وهو أمير ، فاشترى قتا ، فاستزاده حبلا ، فجعل هذا يمد ، وهذا يمد ، فقال أبو سنان : فلا أدري أيهما غلب ؟ وقال الأجلح : فاقتسماه نصفين . ففي هذا الحديث أن عمارا - وهو أمير لا تصلح له الهدية ، ولا يصلح له قبول هبة من أحد - استزاد بائعه ذلك القت ، وذلك لا يكون منه إلا لأنه يلحق البيع ، فيكون منه بحصته من ثمنه ، كهو لو وقع البيع عليه مع ما وقع عليه سواه ، وفي ذلك ما قد دل على القول الذي أخبرناه فيما تقدم منا في هذا الباب فيما قيل فيه ، وهذه الزيادات عندنا إنما تلحق بما زيدت فيه بعد أن يكون الذي زيدت فيه في الحال الذي استؤنف البيع فيه عليها جاز ، فأما إن كان قد دخله ما يمنع من ذلك كموت المبيع ، أو كعتاق مبتاعه إياه ، أو كخروجه من ملكه إلى ملك من سواه ، فإن تلك الزيادات إن كانت ، كانت بخلاف هذا المعنى ، ولم تلحق بذلك العقد الذي قد زيدت فيه . وهو الموفق ، وهو المستعان .
89 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي صُفُوفِ النَّاسِ وَرَاءَهُ لِلصَّلَاةِ ، وَفِي قِيَامِهِ مِنْهُمْ مَقَامَ الْمُصَلِّي بِهِمْ ، وَذِكْرِهِ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ جُنُبًا وَإِشَارَتِهِ إلَيْهِمْ أَيْ كَمَا أَنْتُمْ حَتَّى أَتَاهُمْ قَدْ اغْتَسَلَ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ مَاءً ، هَلْ كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ بَعْدَ أَنْ كَانَ كَبَّرَ لِلصَّلَاةِ أَوْ قَبْلَ تَكْبِيرِهِ كَانَ لَهَا ؟ . 694 - حدثنا بَكَّارَ ، حدثنا حِبَّانُ بْنُ هِلَالٍ وَأَبُو عُمَرَ الضَّرِيرُ ، قَالَا : حدثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ - وَاللَّفْظُ لِأَبِي عُمَرَ - عَنْ زِيَادٍ الْأَعْلَمِ ، عَنْ الْحَسَنِ ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ : أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ دَخَلَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ ، فَأَوْمَأَ إلَيْهِمْ أَيْ مَكَانَكُمْ ، ثُمَّ جَاءَ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ مَاءً فَصَلَّى بِهِمْ . 695 - حدثنا ابْنُ أَبِي دَاوُد ، حدثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ ، حدثنا أَبِي ، عَنْ سَعِيدٍ - يَعْنِي : ابْنَ أَبِي عَرُوبَةَ - عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : دَخَلَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي صَلَاةٍ فَكَبَّرَ وَكَبَّرْنَا مَعَهُ ، ثُمَّ أَشَارَ إلَى الْقَوْمِ : أَنْ كَمَا أَنْتُمْ ، فَلَمْ نَزَلْ قِيَامًا حَتَّى أَتَانَا وَقَدْ اغْتَسَلَ ، وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ مَاءً . فَقَالَ قَائِلٌ : هَذَا حَدِيثٌ خَارِجٌ عَنْ أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ جَمِيعًا ؛ لِأَنَّهُ لَا اخْتِلَافَ بَيْنَهُمْ فِيمَنْ كَبَّرَ لِلصَّلَاةِ وَهُوَ جُنُبٌ غَيْرَ ذَاكِرٍ لِذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ بِتَكْبِيرِهِ لَهَا دَاخِلًا فِيهَا . فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ : أَنَّ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ قَدْ رُوِيَا كَمَا ذَكَرْنَا ، عَنْ الصَّحَابِيَّيْنِ اللَّذَيْنِ رُوِيَا عَنْهُمَا ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ سِوَاهُمَا مِنْ الصَّحَابَةِ أَنَّ الَّذِي كَانَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أَذَّنَ هُوَ قِيَامُهُ قِيَامَ الْمُصَلِّي ، لَا دُخُولٌ مِنْهُ فِي الصَّلَاةِ بِتَكْبِيرِهِ 696 - كَمَا حدثنا سُلَيْمَانُ بْنُ شُعَيْبٍ ، حدثنا بِشْرُ بْنُ بَكْرٍ ، حَدَّثنِي الْأَوْزَاعِيِّ ، حَدَّثنِي الزُّهْرِيُّ ، حَدَّثنِي أَبُو سَلَمَةَ ، حَدَّثني أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ : أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ وَصَفَّ النَّاسُ صُفُوفَهُمْ ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى قَامَ مَقَامَهُ ، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ لَمْ يَغْتَسِلْ ، فَقَالَ : مَكَانَكُمْ ، فَانْصَرَفَ إلَى مَنْزِلِهِ فَاغْتَسَلَ ، ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى قَامَ مَقَامَهُ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ مَاءً . 697 - وَكَمَا حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ الشَّيْزرِيُّ ، حدثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ نَجْدَةَ الْحَوْطِيُّ ، حدثنا بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ وَأَبُو الْمُغِيرَةِ عَبْدُ الْقُدُّوسِ بْنُ الْحَجَّاجِ ، عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ ، حَدَّثنِي الزُّهْرِيُّ ، حَدَّثنِي أَبُو سَلَمَةَ ، حَدَّثنِي أَبُو هُرَيْرَةَ ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ . 698 - وَكَمَا حدثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ ، حدثنا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ ، حدثنا أَبِي قَالَ : سَمِعْت النُّعْمَانَ بْنَ رَاشِدٍ يُحَدِّثُ عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ وَصَفَّ النَّاسُ ، قَالَ : وَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَمَّا كَانَ فِي مُصَلَّاهُ ذَكَرَ أَنَّهُ لَمْ يَغْتَسِلْ ، فَقَالَ : عَلَى مَكَانِكُمْ ، ثُمَّ رَجَعَ فَاغْتَسَلَ وَخَرَجَ وَرَأْسُهُ يَنْطُفُ . 699 - وَكَمَا حدثنا إبْرَاهِيمُ أَيْضًا ، حدثنا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ بْنِ فَارِسِ بْنِ لَقِيطٍ ، أَخبرنا يُونُسُ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ . فَكَانَ فِي هَذَا مَا قَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ ، أَوْ عَلَى عِلْمِهِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ ؛ لِقَوْلِهِ لَهُمْ : مَكَانَكُمْ ، مَعَ أَنَّ هَذَا - وَإِنْ كَانَ اخْتِلَافًا - فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ حِكَايَاتِ أَصْحَابِهِ عَنْ أَفْعَالِهِ ، وَالِاخْتِلَافُ مِنْ حِكَايَاتِهِمْ لَا مِنْهُ ، وَنَحْنُ نُجِيبُ عَنْهُمْ بِمَا يَسْتَوِي فِيهِ حِكَايَاتُهُمْ ، وَتَعُودُ إلَى مَا يُعْذَرُونَ بِهِ فِيهَا ، وَهِيَ أَنَّا نَقُولُ : إنَّ مَعْنَى قَوْلِ أَنَسٍ وَأَبِي بَكْرَةَ فِي حَدِيثِهِمَا : ثُمَّ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى مَعْنَى : قُرْبِ دُخُولِهِ فِيهَا ، لَا عَلَى حَقِيقَةِ دُخُولِهِ فِيهَا ، فَهَذَا جَائِزٌ فِي اللُّغَةِ ، حَتَّى قَدْ جَاءَ كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى بِمِثْلِ ذَلِكَ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ وَهُنَّ إذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ انْقَطَعَتْ الْأَسْبَابُ بَيْنَهُنَّ وَبَيْنَ مُطَلِّيقِهِنَّ ، فَاسْتَحَالَ أَنْ يُمْسِكُوهُنَّ بَعْدَ ذَلِكَ ، وَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى ، وَهِيَ قَوْلُهُ : وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ فَدَلَّ ذَلِكَ أَنَّهُنَّ بَعْدَ انْقِضَاءِ آجَالِهِنَّ حَلَالٌ لِمَنْ يُرِيدُ تَزْوِيجَهُنَّ ، وَكَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا أَنَّ مُرَادَهُ تَعَالَى فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى بِذِكْرِهِ بُلُوغَ الْأَجَلِ أَنَّهُ قُرْبُ بُلُوغِ الْأَجَلِ لَا حَقِيقَةُ بُلُوغِهِ ، وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا أَنَّ الْمُسْلِمِينَ قَدْ سَمَّوْا ابْنَ إبْرَاهِيمَ الَّذِي أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِذَبْحِهِ إمَّا إسْمَاعِيلُ وَإِمَّا إِسْحَاقُ عَلَيْهِمْ السَّلَامُ ذَبِيحًا ، وَلَمْ يُذْبَحْ ، وَلَكِنَّهُ لِقُرْبِهِ كَانَ مِنْ أَنْ يُذْبَحَ ، فَمِثْلُ ذَلِكَ مَا فِي حَدِيثَيْ أَنَسٍ ، وَأَبِي بَكْرَةَ مِنْ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ هُوَ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى أَيْضًا ، وَهُوَ قُرْبُ الدُّخُولِ فِيهَا لَا حَقِيقَةُ الدُّخُولِ فِيهَا .
797- باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الرجوع في الهبة ، ومن تشبيهه إياه برجوع الكلب في قيئه . 5953 - حدثنا محمد بن خزيمة ، قال : حدثنا معلى بن أسد ، قال : حدثنا وهيب بن خالد ، عن عبد الله بن طاوس ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : العائد في هبته ، كالكلب يقيء ، ثم يعود في قيئه . 5954 - حدثنا فهد ، قال : حدثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني ، قال : حدثنا عبد الله بن المبارك ، عن خالد ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ليس لنا مثل السوء ، الراجع في هبته كالكلب يرجع في قيئه . 5955 - حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، قال : حدثنا أبو عامر العقدي ، قال : حدثنا شعبة وهشام ، عن قتادة ، عن سعيد بن المسيب ، عن ابن عباس : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : العائد في هبته ، كالعائد في قيئه . ففي هذا الحديث تشبيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العائد في هبته كالعائد في قيئه ، بغير ذكر منه ذلك العائد من هو ، من المتعبدين أو من غيرهم ؟ وفي الحديثين اللذين رويناهما قبله في هذا الباب أنه من غير المتعبدين ، وفي ذلك ما قد دل على أن الرجوع في الهبة ليس بحرام ؛ ولكنه قذر وخلق دنيء ليس بمحرم ، ومما قد دل على ذلك ما قد روي عن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ذلك . 5956 - كما قد حدثنا يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، أن مالكا حدثه ، عن داود بن الحصين ، عن أبي غطفان بن طريف المري ، عن مروان بن الحكم أن عمر بن الخطاب ، قال : من وهب هبة لصلة رحم ، أو على وجه صدقة ، فإنه لا يرجع فيها ، ومن وهب هبة يرى أنه إنما يراد بها الثواب ، فهو على هبته يرجع فيها إن لم يرض منها . 5957 - وكما حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، قال : حدثنا مكي بن إبراهيم ، قال : حدثنا حنظلة ، عن سالم ، قال : سمعت ابن عمر يقول : سمعت عمر بن الخطاب يقول : من وهب هبة فهو أحق بها حتى يثاب منها بما يرضاه . قال أبو جعفر : ففي هذا الحديث ذكر عمر أن الواهب أحق بهبته حتى يثاب منها بما يرضى ، وفي الحديث الأول ذكر ذلك الواهب أي الواهبين هو ، وأنه الذي يرى أنه إنما يريد بها الثواب لا من سواه من الواهبين . 5958 - وقد حدثنا صالح بن عبد الرحمن ، قال : حدثنا حجاج بن إبراهيم الأزرق ، قال : حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عمر قال : من وهب هبة لذي رحم جازت ، ومن وهب هبة لغير ذي رحم فهو أحق بها ما لم يثب منها . قال أبو جعفر : ولا نعلمه روي عن عمر في هذا غير ما رويناه عنه فيه ، وقد روي عن علي بن أبي طالب - عليه السلام - في ذلك . 5959 - ما قد حدثنا سليمان بن شعيب الكيساني ، قال : حدثنا عبد الرحمن بن زياد ، قال : حدثنا شعبة عن جابر الجعفي ، قال : سمعت القاسم بن عبد الرحمن يحدث ، عن عبد الرحمن بن أبزى ، عن علي - عليه السلام - قال : الواهب أحق بهبته ما لم يثب منها . 5960 - وما قد حدثنا بكار بن قتيبة ، قال : حدثنا أبو داود الطيالسي ، قال : حدثنا شعبة ، عن جابر ، عن القاسم ، عن عبد الرحمن بن أبزى ، عن علي مثله . قال أبو جعفر : وتصحيح هذا الحديث ، وحديث عمر - رضي الله عنه - الذي رويناه قبله ، أن يكون الواهب الذي أراده علي من وجوب الرجوع في الهبة له ، هو الواهب الذي أراده عمر في وجوب الرجوع في الهبة له ، ولا نعلمه روي عن علي في هذا الباب غير ما قد رويناه عنه فيه . وقد روي عن أبي الدرداء في ذلك 5961 - ما قد حدثنا فهد ، قال : حدثنا عبد الله بن صالح ، قال : حدثني معاوية بن صالح ، عن راشد بن سعد ، عن أبي الدرداء ، قال : المواهب ثلاثة : رجل وهب من غير أن يستوهب ، فهي كسبيل الصدقة ، فليس له أن يرجع في صدقته ، ورجل استوهب فوهب ، فله الثواب ، فإن قبل على موهبته ثوابا ، فليس له إلا ذلك ، وله أن يرجع في هبته ما لم يثب ، ورجل وهب ، واشترط الثواب ، فهو دين على صاحبها في حياته وبعد موته . ولا نعلمه روي عن أبي الدرداء في الهبة غير ما رويناه عنه فيه . وقد روي في ذلك عن فضالة بن عبيد ، 5962 - ما قد حدثنا فهد ، قال : حدثنا عبد الله بن صالح ، قال : حدثني معاوية بن صالح ، عن ربيعة بن يزيد ، عن عبد الله بن عامر أنه قال : كنت عند فضالة بن عبيد إذ جاءه رجلان يختصمان في باز ، فقال أحدهما : وهبت له بازيا ، وأنا أرجو أن يثيبني منه ، وقال الآخر : نعم ، قد وهب لي بازيا ، وما سألته ، وما تعرضت له ، فقال فضالة : اردد إليه هبته ، فإنما يرجع في الهبات النساء وشرار الأقوام . ولا نعلمه روي عن فضالة في هذا الباب غير ما رويناه عنه فيه ، وفيما روينا فيه عن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما قد دل على الواهب الذي أراده رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ذلك من هو ، وفي حكم رجوعه في هبته ما هو ، والله نسأله التوفيق .
90 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ قَوْلِهِ : لَا يَقْضِي الْحَاكِمُ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ . 700 - حدثنا بَكَّارَ ، حدثنا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ ، حدثنا شُعْبَةُ . وَحدثنا ابْنُ مَرْزُوقٍ ، حدثنا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ ، حدثنا شُعْبَةُ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ : كَتَبَ أَبِي إلَى ابْنِهِ وَهُوَ بِسِجِسْتَانَ : أَنْ لَا تَقْضِيَ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَأَنْتَ غَضْبَانُ ، فَإِنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقُولُ : لَا يَحْكُمُ أَحَدُكُمْ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ . 701 - وَحدثنا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ ، حدثنا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ ، حدثنا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَتَبَ إلَى ابْنِهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : لَا يَقْضِ الْحَاكِمُ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ 702 - وَحدثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ زُبَيْدٍ الْمَكِّيُّ ، حدثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَوَّاسُ ، عَنْ عَبْدِ الْمَجِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ سُفْيَانَ أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ عُمَيْرٍ ، حَدَّثهُ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَذَكَرَ مِثْلَهُ . فَقَالَ قَائِلٌ : فَكَيْفَ يَجُوزُ لَكُمْ أَنْ تَرْوُوا هَذَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَأَنْتُمْ تَرْوُونَ عَنْهُ ، فِيمَا كَانَ عَلَيْهِ فِي وَقْتِ حُكْمِهِ بَيْنَ الزُّبَيْرِ وَبَيْنَ خَصْمِهِ مِنْ الْأَنْصَارِ مِنْ الْغَضَبِ ، لَمَّا أَحْفَظَهُ الْأَنْصَارِيُّ بِقَوْلِهِ كَانَ لَهُ يَوْمَئِذٍ قَبْلَ ذَلِكَ : أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِك 703 - وَذَكَرَ مَا قَدْ حدثنا يُونُسُ ، أَخبرنا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَني يُونُسُ وَاللَّيْثُ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، حَدَّثهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ ، حَدَّثهُ عَنْ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ ، أَنَّهُ خَاصَمَ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي شِرَاجٍ مِنْ الْحَرَّةِ قَدْ كَانَا يَسْقِيَانِ كِلَاهُمَا بِهِ النَّخْلَ ، فَقَالَ لِلْأَنْصَارِيِّ : سَرِّحْ الْمَاءَ يَمُرَّ ، فَأَبَى عَلَيْهِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اسْقِ يَا زُبَيْرُ ثُمَّ أَرْسِلْ إلَى جَارِك ، فَغَضِبَ الْأَنْصَارِيُّ وَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِك ؟ فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ : يَا زُبَيْرُ ، اسْقِ ثُمَّ احْبِسْ الْمَاءَ حَتَّى يَبْلُغَ إلَى الْجُدُرِ . قَالَ ابْنُ وَهْبٍ وَهُوَ الْأَصْلُ وَاسْتَوْعَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلزُّبَيْرِ حَقَّهُ ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ ذَلِكَ أَشَارَ عَلَى الزُّبَيْرِ بِرَأْيٍ أَرَادَ فِيهِ السَّعَةَ لَهُ وَلِلْأَنْصَارِيِّ ، فَلَمَّا أَحْفَظَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْأَنْصَارِيُّ اسْتَوْعَى لِلزُّبَيْرِ حَقَّهُ فِي صَرِيحِ الْحُكْمِ ، فَقَالَ لِلزُّبَيْرِ : مَا أَحْسَبُ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ إلَّا فِي ذَلِكَ : فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ الْآيَةَ ، يَزِيدُ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ فِي قِصَّةِ الْحَدِيثِ . 704 - وَكَمَا حدثنا هَارُونُ بْنُ كَامِلٍ ، حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ ، حَدَّثني اللَّيْثُ ، حَدَّثنِي ابْنُ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ أَنَّهُ حَدَّثهُ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، حَدَّثهُ أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ خَاصَمَ الزُّبَيْر َ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شِرَاجِ الْحَرَّةِ الَّتِي يَسْقُونَ بِهَا النَّخْلَ ، فَقَالَ للْأَنْصَارِيُّ : سَرِّحْ الْمَاءَ يَمُرَّ ، فَأَبَى عَلَيْهِ فَاخْتَصَمُوا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اسْقِ يَا زُبَيْرُ ثُمَّ أَرْسِلْ إلَى جَارِك ؛ فَغَضِبَ الْأَنْصَارِيُّ وَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِك ؟ ! فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ : يَا زُبَيْرُ اسْقِ وَاحْبِسْ الْمَاءَ ثُمَّ أَرْجِعْ إلَى الْجُدُرِ ، قَالَ الزُّبَيْرُ : وَاَللَّهِ مَا أَحْسَبُ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ إلَّا فِي ذَلِكَ : فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ . 705 - وَكَمَا حدثنا يَحْيَى بْنُ عُثْمَانَ بْنِ صَالِحٍ ، حدثنا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ ، حدثنا ابْنُ الْمُبَارَكِ ، أَخْبَرَنا مَعْمَرٌ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ثُمَّ ذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ . فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الَّذِي رَوَيْنَاهُ ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الْحُكَّامِ لِلْخَوْفِ عَلَيْهِمْ فِيمَا يَنْقُلُهُمْ إلَيْهِ الْغَضَبُ مِنْ الْعَدْلِ فِي الْحُكْمِ إلَى خِلَافِهِ ، وَاَلَّذِي فِي حَدِيثِ الزُّبَيْرِ فَمُخَالِفٌ لِذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ فِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تَوَلِّي اللَّهِ تَعَالَى إيَّاهُ وَعِصْمَتِهِ لَهُ وَحِفْظِهِ عَلَيْهِ أُمُورَهُ بِخِلَافِ النَّاسِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ ، فَانْطَلَقَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتَعْمَلَهُ وَلَمْ يَنْطَلِقْ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ فَنَهَاهُ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَنْهُ كَمَا حَدَّثهُ أَبُو بَكْرَةَ عَنْهُ .
707 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مما قاله ليزيد أبي معن في صدقته التي أخذها معن من الرجل الذي كان وضعها عنده : لك ما نويت يا يزيد ، ولك يا معن ما أخذت . 5292 - حدثنا محمد بن خزيمة ، حدثنا عبد الله بن رجاء الغداني ، حدثنا إسرائيل بن يونس ، عن أبي الجويرية ، عن معن بن يزيد قال : بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا وأبي وجدي ، وخطب علي ، فأنكحني ، وخاصمت إليه ، وكان أبي خرج بدنانير يتصدق بها ، فوضعها عند رجل ، فأخذتها ، فأتيته بها ، فقال : والله ما إياك أردت بها ، فخاصمته إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : لك ما نويت - لأبي - ولك ما أخذت يا معن . قال أبو جعفر : فتأملنا هذا الحديث ، فوجدنا فيه ذكر معن أن أباه خرج بالدنانير التي كان خرج بها ليتصدق بها ، فوضعها عند الرجل الذي كان وضعها عنده ، فكان ذلك الوضع منه عند ذلك الرجل - والله أعلم - لتلك الدنانير ليضعها في الوجه الذي أخرجها له ، وكان ذلك الرجل له في ذلك وكيلا ، وكان تقدم من يزيد إرادته بتلك الدنانير الصدقة على غير ابنه على ما في الحديث مما قاله لابنه معن بعد أخذه صدقته من ذلك الرجل ، وكانت الوكالات إنما تكون بما يتكلم به الموكلون ويخاطبون به وكلاءهم لا بما ينوونه في ذلك ، ويكتمونه عنهم في قلوبهم ، وكان الثواب إنما يكون فيما يكون من نيات المتصدقين ومن سواهم من أهل الأعمال التي يطلب بها القرب إلى الله تعالى ، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنما الأعمال بالنيات ، وإنما لامرئ ما نوى مما سنذكره فيما بعد من كتابنا هذا إن شاء الله عز وجل . ولما كان الأمر فيما ذكرنا كما وصفنا ، وكان من يزيد أبي معن ما كان منه من النية التي كان نواها فيما كان أخرجه ليتصدق به ، كان له ثواب نيته ، وكان ما أخذه ابنه معن من ذلك قد أخذه ممن وكل فيه جائز الوكالة بما فعله فيه ، فجاز لمعن ما فعله له فيه وكيل أبيه فيما دفعه إليه ، وكان لأبيه ثواب ما نواه من الصدقة به على الغريب الذي كان أراد أن تكون صدقة عليه ، وقد احتج محمد بن الحسن بهذا الحديث لقوله فيمن تصدق بزكاة ماله على رجل يراه أجنبيا منه ، ثم علم بعد ذلك أنه أبوه أو ابنه أنه يجزئه ذلك ، وليس هذا عندنا من قوله بشيء ، ولا في هذا الحديث الذي احتج به حجة له فيه ، والدليل على ذلك - والله أعلم - أن تلك الصدقة لا تحل لقابضها ، لأنها زكاة مال أبيه ، وزكاة مال أبيه أو مال ابنه لا تحل له ، وإذا كانت لا تحل له كانت غير جازية عن أبيه ، أوعن ابنه الذي أعطاه إياها ، ومثل ذلك الرجل يدفع زكاة ماله إلى رجل على أنه فقير ، ثم يعلم بعد ذلك أنه غني ، فلا تجزئه أيضا ، لأنها حرام على الذي أعطيها ، وإذا كانت حراما عليه كانت غير جازية عن معطيه إياها ، وهذا قول أبي يوسف ، وهو أولى ما قيل في هذا الباب عندنا ، والله أعلم ، وإياه نسأله التوفيق .
91 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنَهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِمَّا كَانَ مِنْهُ فِي الْمُسْتَعِيذَةِ مِنْهُ مِنْ نِسَائِهِ لَمَّا أُدْخِلَتْ عَلَيْهِ . 706 - حدثنا أَبُو زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيُّ ، حدثنا دُحَيْمُ بْنُ الْيَتِيمِ ، حدثنا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ قَالَ : سَأَلْتُ الزُّهْرِيَّ عَنْ الْمَرْأَةِ الَّتِي اسْتَعَاذَتْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : حَدَّثنِي عُرْوَةُ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ ابْنَةَ الْجَوْنِ لَمَّا أُدْخِلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْك ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَقَدْ عُذْت بِمَعَاذٍ ، الْحَقِي بِأَهْلِك . قَالَ الْأَوْزَاعِيِّ : نَرَى أَنَّ قَوْلَ الرَّجُلِ لِأَهْلِهِ الْحَقِي بِأَهْلِك تَطْلِيقَةٌ . 707 - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ دَاوُد الْبَغْدَادِيُّ ، حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَسَدٍ الْخَشِيُّ ، حدثنا الْوَلِيدُ ، حدثنا الْأَوْزَاعِيِّ قَالَ : سَأَلْتُ الزُّهْرِيَّ : أَيُّ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَعَاذَتْ مِنْهُ ؟ قَالَ : أَخْبَرَني عُرْوَةُ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ ابْنَةَ الْجَوْنِ الْكِلَابِيَّةَ لَمَّا أُدْخِلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَنَا مِنْهَا قَالَتْ : أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْك ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَقَدْ عُذْت بِمَعَاذٍ ، الْحَقِي بِأَهْلِك . 708 - حدثنا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْهَاشِمِيُّ ثُمَّ النَّوْفَلِيُّ ، حدثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ ، حدثنا عُمَرُ الْمَوْصِلِيُّ ، حدثنا زَكَرِيَّا بْنُ عِيسَى ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْكِلَابِيَّةَ فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ دَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهَا فَقَالَتْ : إنِّي أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْك ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَقَدْ عُذْت بِمَعَاذٍ ، الْحَقِي بِأَهْلِك . قَالَ الزُّهْرِيُّ : وَهِيَ فَاطِمَةُ بِنْتُ الضَّحَّاكِ بْنِ سُفْيَانَ . فَفِيمَا رَوَيْنَا قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْمُسْتَعِيذَةِ مِنْهُ لَمَّا كَرِهَتْ مَكَانَهُ وَطَلَبَتْ فِرَاقَهُ : الْحَقِي بِأَهْلِك ، فَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا قَدْ وَقَعَ مَوْقِعَ الطَّلَاقِ لِإِرَادَتِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، كَانَ بِهِ الطَّلَاقُ . وَقَدْ رُوِيَ فِي حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ الَّذِي ذَكَرَ تَوْبَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَمَّا جَاءَهُ رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْأَيَّامِ الَّتِي خلَفَ النَّاسُ فِيهَا عَنْ كَلَامِهِمْ بِأَمْرِهِ بِاعْتِزَالِ امْرَأَتِهِ ، وَأَنَّهُ قَالَ لَهُ : أَأُطَلِّقُهَا ؟ قَالَ : لَا ، وَلَكِنْ اعْتَزِلْهَا قَالَ : فَقُلْت لَهَا : الْحَقِي بِأَهْلِك 709 - حدثناهُ يُونُسُ ، أخبرنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَني يُونُسُ قَالَ : قَالَ ابْنُ شِهَابٍ ، وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ كَعْبٍ قَالَ : سَمِعْت كَعْبًا يُحَدِّثُ حَدِيثَ تَوْبَتِهِ فَذَكَرَ فِيهِ هَذَا الْكَلَامَ . 710 - وَحدثناهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ رَجَاءٍ ، حدثنا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ، حدثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، أَخبرنا مَعْمَرٌ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِيهِ ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ . 711 - وَحدثناهُ فَهْدٌ ، حدثنا يُوسُفُ بْنُ بُهْلُولٍ الْكُوفِيُّ ، حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إدْرِيسَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ كَعْبٍ فَذَكَرَ مِثْلَهُ . فَدَلَّ ذَلِكَ أَنَّ قَوْلَ الرَّجُلِ لِزَوْجَتِهِ : الْحَقِي بِأَهْلِك ، يَكُونُ طَلَاقًا إذَا أَرَادَ بِهِ الطَّلَاقَ ، وَلَا يَكُونُ طَلَاقًا إذَا لَمْ يُرِدْ بِهِ الطَّلَاقَ . وَقَدْ رَوَي مَا كَانَ مِنْ هَذِهِ الْمَرْأَةِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا كَانَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَيْهَا عِنْدَ ذَلِكَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ بِزِيَادَةٍ عَلَى مَا رَوَيْنَا فِي ذَلِكَ فِي هَذَا الْبَابِ 712 - كَمَا حدثنا فَهْدٌ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَمْرٍو الدِّمَشْقِيُّ ، قَالَا : حدثنا أَبُو نُعَيْمٍ ، حدثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ الْغَسِيلِ ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ أَبِي أُسَيْدَ ، عَنْ أَبِي أُسَيْدَ قَالَ : خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى انْتَهَيْنَا إلَى حَائِطٍ بَيْنَ حَائِطَيْنِ فَجَلَسْنَا بَيْنَهُمَا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اجْلِسُوا هَاهُنَا ، فَدَخَلَ هُوَ وَقَدْ أُتِيَ بِالْجُونِيَّةِ ، فَأُنْزِلَتْ فِي بَيْتٍ فِي النَّخْلِ أُمَيْمَةُ ابْنَةُ النُّعْمَانِ بْنِ شَرَاحِيلَ وَمَعَهَا صَاحِبَةٌ لَهَا ، فَلَمَّا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : هَبِي نَفْسَك لِي ، قَالَتْ : وَهَلْ تَهَبُ الْمَرْأَةُ الْمَلِكَةُ نَفْسَهَا لِلسُّوقَةِ !! فَأَهْوَى بِيَدِهِ يَضَعُ يَدَهُ عَلَيْهَا ، فَقَالَتْ : أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْك فَقَالَ : لَقَدْ عُذْتِ بِمَعَاذٍ ، ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا ، فَقَالَ : أَبَا أُسَيْدٍ اُكْسُهَا رَازِقِيَّتَيْنِ وَأَلْحِقْهَا بِأَهْلِهَا . 713 - وَكَمَا حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ ، حدثنا أَسَدُ بْنُ مُوسَى ، حدثنا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّاءَ بْنِ أَبِي زَائِدَةَ ، حَدَّثنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ سُلَيْمَانَ ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ أَبِي أُسَيْدَ ، عَنْ أَبِيهِ 714 - وَعَنْ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَا : دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَخْلًا لِبَنِي سَاعِدَةَ وَفِيهِ امْرَأَةٌ مِنْ كِنْدَةَ يُقَالُ لَهَا : أُمَيْمَةَ ابْنَةَ النُّعْمَانِ بْنِ شَرَاحِيلَ فِي بَيْتٍ ، فَقَالَ : هَبِي لِي نَفْسَكِ ، فَقَالَتْ : وَهَلْ تَهَبُ الْمَلِكَةُ نَفْسَهَا لِلسُّوقَةِ ؟ ! فَضَرَبَ بِيَدِهِ نَحْرَهَا لِيَسْكُنَ ، فَقَالَتْ : إنِّي أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْكَ ، فَقَالَ : لَقَدْ عُذْتِ بِمَعَاذٍ ، وَأَمْسَكَ يَدَهُ ، ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا فَقَالَ : يَا أَبَا أُسَيْدَ جَهِّزْهَا وَأَلْحِقْهَا وَاكْسُهَا رَازِقِيَّتَيْنِ . 715 - وَكَمَا حدثنا ابْنُ مَرْزُوقٍ ، حدثنا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ ، حَدَّثنِي عُمَرُ بْنُ الْحَكَمِ قَالَ : سَمِعْت أَبَا أُسَيْدَ يَقُولُ : تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ امْرَأَةً مِنْ بَلْجُونَ فَأَنْزَلَهَا بِالشَّوْطِ مِنْ وَرَاءِ ذُبَابٍ فِي أَجَمٍ ، ثُمَّ أَتَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْت : قَدْ جِئْت بِهَا ، فَخَرَجَ يَمْشِي حَتَّى انْتَهَى إلَيْهَا ، فَأَقْعَى وَأَهْوَى لِيُقَبِّلَهَا ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا تَزَوَّجَ أَقْعَى وَقَبَّلَ ، فَقَالَتْ : أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْك ، فَقَالَ لَهَا : لَقَدْ عُذْت بِمَعَاذٍ ، وَأَمَرَنِي أَنْ أَرُدَّهَا إلَى أَهْلِهَا . وَفِيمَا رَوَيْنَا فِي هَذَا الْبَابِ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَا أُسَيْدَ بِإِلْحَاقِ هَذِهِ الْمَرْأَةِ بِأَهْلِهَا فِي مَعْنَى أَمْرِهِ إيَّاهُ بِطَلَاقِهَا ، وَفِيهِ أَيْضًا مَا يَحْتَاجُ إلَى الْوَقْفِ عَلَيْهِ وَهُوَ رَدُّ حِمْلِ هَذِهِ الْمَرْأَةِ إلَيْهِ مِنْ عِنْدِ أَهْلِهَا ، وَرَدُّهَا إلَى أَهْلِهَا مِنْ عِنْدِهِ مَعَ أَبِي أُسَيْدَ ، وَلَيْسَ مِنْ ذَوِي مَحَارِمِهَا مِنْ النَّسَبِ ، وَلَا عَلِمْنَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا رَضَاعًا يَكُونُ بِهِ مِنْهَا كَذِي الرَّحِمِ الْمُحَرَّمَةِ مِنْهَا ، وَكَانَ الَّذِي أَطْلَقَ لَهُ ذَلِكَ عِنْدَنَا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ، فِيهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا تَزَوَّجَهَا صَارَتْ بِذَلِكَ لِلْمُسْلِمِينَ أُمًّا وَصَارَتْ بِذَلِكَ عَلَيْهِمْ حَرَامًا ، فَحَلَّ لِأَبِي أُسَيْدَ ذَلِكَ فِيهَا إذْ كَانَ قَدْ عَادَ بِمَا ذَكَرْنَا مَحْرَمًا بِهَا . وَفِيهِ أَيْضًا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إيَّاهُ أَنْ يُجَهِّزَهَا أَوْ أَنْ يَكْسُوَهَا مَا أَمَرَهُ أَنْ يَكْسُوَهَا إيَّاهُ أَوْ يُجَهِّزَهَا بِهِ وَذَلِكَ عِنْدَنَا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ، مُحْتَمِلٌ أَنْ يَكُونَ تَمْتِيعٌ مِنْهُ لَهَا ، فَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ قَدْ كَانَ يَرَى لِلْمُطَلَّقَةِ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا سُمِّيَ لَهَا صَدَاقٌ أَوْ لَمْ يُسَمَّ لَهَا صَدَاقُ مُتْعَةٍ يُؤْمَرُ بِهَا مُطَلِّقُهَا ، أَوْ يُؤْخَذُ بِذَلِكَ لَهَا ، وَمِمَّنْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْهُ : عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى خِلَافِهِ فِي الْمُطَلَّقَةِ قَبْلَ الدُّخُولِ وَقَدْ سُمِّيَ لَهَا صَدَاقٌ . 716 - كَمَا حدثنا يُونُسُ ، أَخبرنا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَني يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَمُوسَى بْنُ أَيُّوبَ ، عَنْ إيَاسِ بْنِ عَامِرٍ ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ : لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ مُتْعَةٌ . وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَا أَمَرَ بِهِ لَهَا مِنْ ذَلِكَ تَفَضُّلًا مِنْهُ عَلَيْهَا لَا عَنْ تَمْتِيعٍ مِنْهُ لَهَا ، كَمَا تُمَتَّعُ الْمُطَلَّقَةُ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا أَرَادَ مِنْ ذَلِكَ وَبِه التَّوْفِيقُ .
798- باب بيان مشكل ما روي عن عمر بن الخطاب وسهل بن حنيف - رضي الله عنهما - في أمرهما باتهام الرأي بما يروى عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ذلك . 5963 - حدثنا صالح بن حكيم البصري ، قال : حدثنا يونس بن عبيد الله - يعني العميري - قال : حدثنا مبارك بن فضالة ، عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن عمر ، قال : اتهموا الرأي على الدين . 5964 - وحدثنا أبو أمية ، قال : حدثنا محمد بن سابق ، قال : حدثنا مالك بن مغول ، قال : سمعت أبا حصين ، قال : قال أبو وائل : لما قدم سهل بن حنيف - رضي الله عنه - من صفين ، أتيناه نستخبره ، فقال : اتهموا الرأي ، فلقد رأيتني يوم أبي جندل ، ولو أستطيع أن أرد على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمره لرددت . 5965 - حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن يونس ، قال : حدثنا هارون بن عبد الله - يعني الحمال - قال : حدثنا أبو عامر العقدي ، قال : حدثنا شعبة ، عن الأعمش ، عن أبي وائل ، قال : سمعت سهل بن حنيف يوم الجمل ويوم صفين ، يقول : اتهموا رأيكم فلقد ، رأيتني يوم أبي جندل ، ولو استطعت أن أرد أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لرددته . 5966 - حدثنا إسحاق ، قال : حدثنا هارون ، قال : حدثنا يعلى بن عبيد ، قال : حدثنا عبد العزيز - يعني ابن سياه - عن حبيب بن أبي ثابت ، قال : أتيت أبا وائل فسمعته يقول : قال سهل بن حنيف : أيها الناس ، اتهموا أنفسكم ، لقد رأيتنا يوم الحديبية - يعني الصلح الذي كان بيننا وبين المشركين - ولو نرى قتالا لقاتلنا . فكان ما في حديثي عمر وسهل هذين ، على أن الرأي قد يصاب به حقيقة الصواب ، وقد يقصر فيه عن ذلك ، وإن كان استعمال الرأي في الحوادث التي لا توجد الأحكام فيها في الكتاب ، ولا في السنة ، ولا في إجماع الأمة منصوصا ، وإن كان قد أبيح اجتهاد الرأي في ذلك ، وأطلق لنا الحكم به ، قد يكون فيه إصابة الصواب في تلك الحوادث ، وقد يكون التقصير عن ذلك ، وإن كنا محمودين في اجتهادنا في ذلك ، إذ لا نستطيع غير ما قد فعلناه فيه ، وفي ذلك ما قد رويناه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما تقدم منا في كتابنا هذا في الحكام ذوي الخلاف ، إذا حكموا فأصابوا ، فإن لهم أجرين ، وإذا حكموا فأخطؤوا فإن لهم أجرا واحدا ، إذ كانوا قد اجتهدوا بالآلات التي يجتهد بمثلها ، فأصابوا حقيقة الواجب فيما اجتهدوا فيه ، أو قصروا عنه ، وهذا قول أهل السلامة ممن ينتحل الفقه ، فأما من سواهم ممن قد دخل في الغلو في ذلك حتى قال : إنه إذا حكم بالاجتهاد ومعه الآلة التي لأهلها اجتهاد ، أنه قد حكم بالحق الذي لو نزل القرآن ، ما نزل إلا به ، ونعوذ بالله من هذا القول ومن أهله ، وإن كان بحمد الله قولا منكسرا ، وأهله محجوجون بما لا يستطيعون دفعه ، ولا الخروج منه ، فممن كان غلا في ذلك إبراهيم بن إسماعيل ابن علية . فحدثني أبو جعفر محمد بن العباس ، قال : لما بلغني هذا القول عنه أعظمته ، فأتيته في يومي الذي بلغني ذلك القول عنه فيه ، فذكرت ذلك له لأحقق عليه أنه قد قاله ، فقال لي : قد قلته ، قال : فقلت له : هل استعملت في مسألة من الفقه رأيك ، واجتهدت فيها حتى بلغت عند نفسك غاية الاجتهاد الذي عليك فيها ، ثم تبين لك بعد ذلك أن الصواب في غير الذي كان أداك إليه اجتهادك فيها ؟ فقال لي : نعم ، نحن في هذا أكثر نهارنا ، قال : فقلت له : فأي القولين الذي لو نزل القرآن نزل به في تلك الحادثة ، هل هو القول الأول الذي قلته فيها ، أو هو القول الثاني الذي قلته فيها ، وقد بلغت في كل واحد من القولين الذي عليك أن تبلغه فيه من الاجتهاد ؟ قال : فانقطع والله في يدي أقبح انقطاع ، وما رد علي حرفا. قال أبو جعفر : وقد أجاد أبو جعفر - رضي الله عنه - في ذلك وأقام لله - عز وجل - في حجة من حججه على من خرج عنها ، وغلا الغلو الذي كان فيه مذموما ، والله نسأله التوفيق .
92 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْه عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي الْمَرْأَةِ الَّتِي تَزَوَّجَهَا فَلَمَّا أُدْخِلَتْ عَلَيْهِ رَأَى بِكَشْحِهَا بَيَاضًا ، وَمَا كَانَ مِنْهُ فِي أَمْرِهَا بَعْدَ ذَلِكَ . 717 - حدثنا هَارُونُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَسْقَلَانِيُّ أَبُو يَزِيدَ ، حدثنا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ ، حدثنا إسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّا ، حدثنا جَمِيلُ بْنُ زَيْدٍ الطَّائِيُّ قَالَ : سَمِعْت ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ : تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ امْرَأَةً مِنْ غِفَارٍ فَرَأَى فِي كَشْحِهَا بَيَاضًا فَخَلَّى سَبِيلَهَا . فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ رِوَايَةُ جَمِيلِ بْنِ زَيْدٍ إيَّاهُ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَقَدْ خُولِفَ إسْمَاعِيلُ عَنْهُ فِي ذَلِكَ فَرَوَوْهُ عَنْهُ ، عَنْ غَيْرِ ابْنِ عُمَرَ ، وَلَمْ نَعْلَمْ أَحَدًا وَافَقَ إسْمَاعِيلَ بْنَ زَكَرِيَّا عَنْهُ فِي ذَلِكَ غَيْرَ الْقَاسِمِ بْنِ غُصْنٍ ، فَإِنَّ مُحَمَّدَ بْنَ إسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيَّ ذَكَرَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْوَاسِطِيِّ ، عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ غُصْنٍ سَمِعَ جَمِيلَ بْنَ زَيْدٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ سَوَاءً 718 - وَفِيهِ مَا حدثنا أَبُو عِمْرَانَ مُوسَى بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَرْوَزِيِّ الْمَعْرُوفُ بِالسَّقَلِّيِّ ، حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرَ الْوَرَكَانِيُّ ، حدثنا الْقَاسِمُ بْنُ غُصْنٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ جَمِيلٍ ، كَذَا قَالَ : عَنْ ابْنِ عُمَرَ : أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ تَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنْ بَنِي غِفَارٍ ، فَلَمَّا دَخَلَ بِهَا رَأَى بِكَشْحِهَا بَيَاضًا ، فَانْمَازَ عَنْهَا ، وَقَالَ : أَرْخِي عَلَيْك ثِيَابَك ، فَخَلَّى سَبِيلَهَا . وَأَمَّا مَنْ خَالَفَهُمَا فِي ذَلِكَ عَنْ جَمِيلِ بْنِ زَيْدٍ فَإِنَّ مِنْهُمْ : عَبَّادَ بْنَ الْعَوَامّ ، ذَكَرَهُ عَنْ جَمِيلٍ قَالَ : سَمِعْت كَعْبَ بْنَ زَيْدٍ الْأَنْصَارِيَّ 719 - كَمَا حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ دَاوُد وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُد قَالَا : حدثنا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْوَاسِطِيُّ ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ الْعَوَّامِ ، حدثنا جَمِيلُ بْنُ زَيْدٍ الطَّائِيُّ قَالَ : سَمِعْت كَعْبَ بْنِ زَيْدٍ الْأَنْصَارِيَّ يُحَدِّثُ أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ تَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنْ غِفَارٍ فَرَأَى بِكَشْحِهَا لَطْخًا فَقَالَ : ضَعِي عَلَيْكِ ثِيَابَك وَالْحَقِي بِأَهْلِك . وَمِنْهُمْ أَبُو مُعَاوِيَةَ الضَّرِيرُ رَوَاهُ ، عَنْ جَمِيلِ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ 720 - كَمَا حدثنا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ أَبُو بِشْرٍ الرَّقِّيُّ ، حدثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنْ جَمِيلِ بْنِ زَيْدٍ الطَّائِيُّ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ قَالَ : تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ امْرَأَةً مِنْ بَنِي غِفَارٍ فَلَمَّا أُدْخِلَتْ عَلَيْهِ رَأَى بِكَشْحِهَا بَيَاضًا ، فَقَالَ : الْبِسِي ثِيَابَك ، وَالْحَقِي بِأَهْلِك نَحْوَهُ . قَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنْ رَجُلٍ ، عَنْ جَمِيلٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ لَهَا بِالصَّدَاقِ . وَمِنْهُمْ حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ فَرَوَاهُ عَنْ جَمِيلٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ كَعْبٍ 721 - كَمَا حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الْقَزْوِينِيُّ أَبُو الْقَاسِمِ ، حَدَّثنِي أَبُو أُسَامَةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُسَامَةَ الْكَلْبِيُّ الْكُوفِيُّ ، حدثنا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَمِيلٍ الطَّائِيِّ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ كَعْبٍ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذُكِرَتْ لَهُ امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي غِفَارٍ وَوُصِفَتْ ، فَتَزَوَّجَهَا ، فَلَمَّا أُدْخِلَتْ عَلَيْهِ رَأَى مَا بِهَا ، وَكَانَ فِي كَشْحِهَا بَيَاضٌ ، وَكَرِهَهَا وَمَتَّعَهَا ، وَقَالَ : الْحَقِي بِأَهْلِك ، فَأُلْحِقَتْ بِأَهْلِهَا . وَمِنْهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَفْصٍ فَرَوَاهُ ، عَنْ جَمِيلٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ 722 - كَمَا أَجَازَ لِي أَبُو يَزِيدَ هَارُونُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَسْقَلَانِيُّ ، عَنْ الْمُفَضَّلِ بْنِ غَسَّانَ لْغَلَّابِيِّ أَنَّهُ حَدَّثهُ قَالَ : حدثنا ابْنُ الْحِمَّانِيِّ ، حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَفْصٍ ، حدثنا جَمِيلُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنْ غِفَارٍ فَدَخَلَ بِهَا فَوَجَدَ بِكَشْحِهَا بَيَاضًا ، فَقَالَ : الْبَسِي ثَوْبَك ، وَأَعْطَاهَا الصَّدَاقَ وَقَالَ : الْحَقِي بِأَهْلِك . فَفِي هَذَا الْبَابِ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْمَرْأَةِ الْمَذْكُورَةِ فِيهِ : الْحَقِي بِأَهْلِك ، فَالْكَلَامُ فِي ذَلِكَ كَالْكَلَامِ فِي قَوْلِهِ لِلْمَرْأَةِ الْمُسْتَعِيذَةِ مِنْهُ الْمَذْكُورَةِ قَبْلَ هَذَا الْبَابِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ : الْحَقِي بِأَهْلِك . وَفِي هَذَا الْبَابِ إعْطَاءُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْمَرْأَةِ الْمَذْكُورَةِ فِيهِ الصَّدَاقَ ، فَقَالَ قَائِلٌ : فَفِي حَدِيثِ ابْنِ أَبِي حَفْصٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَتَّعَهَا . قِيلَ لَهُ : لَيْسَ هَذَا عِنْدَنَا بِمُخَالِفٍ لِمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ أَبِي حَفْصٍ هَذَا ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَعَلَهَا كَالْمَدْخُولِ بِهَا لِخَلْوَتِهِ وَإِمْكَانِهَا إيَّاهُ نَفْسَهَا ؛ وَلِأَنَّ تَرْكَهُ كَانَ لِمَسِيسِهَا بِاخْتِيَارِهِ ذَلِكَ لَا لِمَا سِوَاهُ ، فَقَامَ ذَلِكَ مِنْهُ مَقَامَ الْمُمَاسَّةِ مِنْهُ لَهَا ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَمَسَّهَا فِي الْحَقِيقَةِ . ثُمَّ طَلَبْنَا الْوُقُوفَ عَلَى أَحْوَالِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَفْصٍ هَذَا ، هَلْ هِيَ أَحْوَالٌ تُوجِبُ لَهُ قَبُولَ الزِّيَادَةِ فِي رِوَايَتِهِ لِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى مَنْ سِوَاهُ مِمَّنْ رَوَاهُ فَقَصْرَ عَنْ ذِكْرِ أَمْرِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِتِلْكَ الْمَرْأَةِ بِالصَّدَاقِ ، فَوَجَدْنَا الْبُخَارِيَّ قَدْ ذَكَرَ فِي تَارِيخِهِ : مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي حَفْصٍ هَذَا ، فَقَالَ : هُوَ كُوفِيٌّ سَمِعَ مِنْهُ أَبُو نُعَيْمٍ 723 - وَحدثنا عَنْهُ أَبُو غَسَّانَ . وَذَكَرَ لِي مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الْحَضْرَمِيُّ أَنَّ أَبَا حَفْصٍ عُمَرَ بْنَ حَفْصِ بْنِ أَسْلَمَ بْنِ رَاشِدٍ السَّكُونِيَّ قَالَ : وَهُوَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرَ بْنِ الْإِمَامِ الَّذِي كَانَ عِنْدَنَا هَاهُنَا ، قَالَ : وَكَانَ عَمُّهُ هَذَا أَحَدَ الثِّقَاتِ بِبَغْدَادَ أَنَّهُ حَدَّثهُ قَالَ : حدثنا عَبْدُ اللَّهِ - يَعْنِي ابْنَ صَالِحٍ الْعِجْلِيّ - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْعَطَّارُ ، عَنْ جَمِيلِ بْنِ زَيْدٍ الطَّائِيِّ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ زَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنْ غِفَارٍ فَدَخَلَ بِهَا ، فَأَمَرَهَا أَنْ تَنْزِعَ ثِيَابَهَا ، فَأَبْصَرَ بَيَاضًا مِنْ بَرَصٍ عِنْدَ ثَدْيِهَا ، فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ : خُذِي ثِيَابَك وَالْحَقِي بِأَهْلِكِ ، وَأَكْمَلَ لَهَا الصَّدَاقَ . فَوَقَفْنَا بِمَا ذَكَرْنَا عَلَى جَلَالَةِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَفْصٍ فِي الرِّوَايَةِ بِرِوَايَةِ الْوُجُوهِ عَنْهُ مِنْ أَبِي نُعَيْمٍ وَمِنْ أَبِي غَسَّانَ وَمِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَالِحٍ الْعِجْلِيّ وَمِنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْحِمَّانِيِّ . ثُمَّ طَلَبْنَا الْوُقُوفَ عَلَى كَعْبِ بْنِ زَيْدٍ أَوْ زَيْدِ بْنِ كَعْبٍ أَوْ سَعْدِ بْنِ زَيْدٍ ، هَلْ لَهُ صُحْبَةٌ أَمْ لَا ؟ فَوَجَدْنَا الْبُخَارِيَّ فِي تَارِيخِهِ لَمَّا ذَكَرَ الْمُسَمَّيْنَ بِكَعْبٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَذَكَرَ مِنْهُمْ : كَعْبَ بْنَ عَمْرٍو أَبَا الْيُسْرِ ، وَذَكَرَ كَعْبَ بْنَ عُجْرَةَ ، وَذَكَرَ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ ، وَذَكَرَ كَعْبًا الْأَشْعَرِيَّ ، وَذَكَرَ كَعْبَ بْنَ عِيَاضٍ ، ثُمَّ ذَكَرَ كَعْبًا الَّذِي قُطِعَتْ يَدُهُ يَوْمَ الْيَمَامَةِ ، ثُمَّ قَالَ : وَكُلُّ هَؤُلَاءِ لَهُمْ صُحْبَةٌ ، ثُمَّ ذَكَرَ بِعَقِبِ ذَلِكَ كَعْبَ بْنَ زَيْدٍ ، فَقَالَ وَيُقَالُ : زَيْدُ بْنُ كَعْبٍ ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ كَعْبَ بْنَ مَاتِعٍ الَّذِي يُقَالُ لَهُ الْأَحْبَارُ ، وَكَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى إدْخَالِهِ إيَّاهُ فِي الصَّحَابَةِ أَوْ عَلَى قُرْبِهِ مِنْهُمْ كَانَ عِنْدَهُ ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ لَمْ يَبْعُدْ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْحَدِيثُ حُجَّةً لِمَنْ يَقُولُ بِوُجُوبِ الصَّدَاقِ لِمَنْ أَمْكَنَ مَسِيسُهُ فَطَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَاسَّ لَا سِيَّمَا وَقَدْ ذَهَبَ إلَى ذَلِكَ الْقَوْلِ جَمَاعَةٌ مِنْ وُجُوهِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَمِنْ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ مِنْهُمْ : عُمَرُ وَعَلِيٌّ . 724 - وَكَمَا حدثنا يَحْيَى بْنُ عُثْمَانَ ، حدثنا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ ، حدثنا ابْنُ الْمُبَارَكِ ، حدثنا سَعِيدٌ يَعْنِي ابْنَ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ الْحَسَنِ ، عَنْ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ ، عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ قَالَا : إذَا أَغَلَقَ بَابًا أَوْ أَرْخَى سِتْرًا فَلَهَا الصَّدَاقُ كَامِلًا وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ . 725 - وَبِهِ حَدَّثنِي ابْنُ الْمُبَارَكِ وَأخبرنا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ الْحَسَنِ ، عَنْ الْأَحْنَفِ قَالَ : قَالَ عُمَرُ وَعَلِيٌّ : إذَا أُرْخِيَتْ السُّتُورُ وَغُلِّقَتْ الْأَبْوَابُ فَقَدْ وَجَبَ الصَّدَاقُ . 726 - وَكَمَا حدثنا يُونُسُ ، حدثنا ابْنُ وَهْبٍ أَنَّ مَالِكًا أَخْبَرَهُ ، عَنْ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ عُمَرَ قَضَى فِي الْمَرْأَةِ يَتَزَوَّجُهَا الرَّجُلُ أَنَّهُ إذَا أَرْخَى السِّتْرَ فَقَدْ وَجَبَ لَهَا الصَّدَاقُ . 727 - وَكَمَا حدثنا فَهْدٌ ، حدثنا ابْنُ مَعْبَدٍ ، حدثنا جَرِيرٌ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ مِنْهَالٍ ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : قَالَ عَلِيٌّ : إذَا أُرْخِيَ السِّتْرُ وَأُغْلِقَ الْبَابُ فَقَدْ وَجَبَ الصَّدَاقُ . 728 - وَكَمَا حدثنا بَكَّارَ ، حدثنا مُؤَمَّلُ بْنُ إسْمَاعِيلَ ، حدثنا سُفْيَانُ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ الْمِنْهَالِ ، عَنْ حَيَّانَ بْنِ مَرْثَدٍ قَالَ : قَالَ عَلِيٌّ : إذَا أُغْلِقَ الْبَابُ وَأُرْخِيَ السِّتْرُ فَقَدْ وَجَبَ الصَّدَاقُ . 729 - وَكَمَا حدثنا ابْنُ مَرْزُوقٍ ، حدثنا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ ، أَخبرنا عَوْفٌ يَعْنِي الْأَعْرَابِيَّ قَالَ : سَمِعْت زُرَارَةَ بْنَ أَوْفَى فِي مَسْجِدِ الْبَصْرَةِ يَقُولُ : قَضَى الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ الْمَهْدِيُّونَ أَنَّ مَنْ أَغْلَقَ بَابًا أَوْ أَرْخَى سِتْرًا فَقَدْ وَجَبَ الْمَهْرُ وَوَجَبَتْ الْعِدَّةُ . فَفِي هَذَا زِيَادَةٌ عَلَى مَا قَبْلَهُ مِمَّا رَوَيْنَاهُ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ ، وَإِدْخَالُ بَقِيَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ فِي الْقَوْلِ بِهَذَا الْقَوْلِ أَيْضًا . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَذْهَبُ هَذَا الْمَذْهَبَ أَيْضًا 730 - كَمَا حدثنا يُونُسُ ، أَخبرنا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَني عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَخْبَرَني سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ : أَنَّ الْحَارِثَ بْنَ الْحَكَمِ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَدَخَلَ عَلَيْهَا ، فَإِذَا هِيَ خَضْرَاءُ ، فَكَرِهَهَا ، فَلَمْ يَكْشِفْهَا كَمَا يَقُولُ ، وَاسْتَحْيَى أَنْ يَخْرُجَ مَكَانَهُ ، فَقَالَ عِنْدَهَا مُخَلِّيًا بِهَا ، ثُمَّ خَرَجَ فَطَلَّقَهَا ، وَقَالَ لَهَا : نِصْفُ الصَّدَاقِ وَلَمْ أَكْشِفْهَا وَهِيَ تَرُدُّ ذَلِكَ عَلَيْهِ ، فَرَفَعَ ذَلِكَ إلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ فَأَرْسَلَ إلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ فَقَالَ : يَا أَبَا سَعِيدٍ رَجُلٌ صَالِحٌ كَانَ مِنْ شَأْنِهِ كَذَا وَكَذَا وَهُوَ عَدْلٌ ، هَلْ عَلَيْهِ إلَّا نِصْفُ الصَّدَاقِ ؟ فَقَالَ لَهُ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ : أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ الْمَرْأَةَ الْآنَ حَمَلَتْ ، فَقَالَتْ : هُوَ مِنْهُ ، أَكُنْت مُقِيمًا عَلَيْهَا الْحَدَّ ؟ فَقَالَ مَرْوَانُ : لَا ، فَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ : بَلْ لَهَا صَدَاقُهَا كَامِلًا . 731 - وَكَمَا حدثنا يُوسُفُ بْنُ يَزِيدَ أَبُو يَزِيدَ ، حدثنا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، أَخْبَرَني ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ فِي الرَّجُلِ يَخْلُو بِالْمَرْأَةِ فَيَقُولُ : لَمْ أَقْرَبْهَا ، وَتَقُولُ : قَدْ قَرِبَنِي ، قَالَ : الْقَوْلُ قَوْلُهَا . فَهَذَا زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ قَدْ كَانَ مَذْهَبُهُ فِي ذَلِكَ كَمَذْهَبِ مَنْ ذَكَرْنَاهُ قَبْلَهُ فِيهِ فِي هَذَا الْبَابِ . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : إنَّمَا ذَلِكَ كَانَ لِدَعْوَى الْمَرْأَةِ فِي ذَلِكَ مَعَ الْخَلْوَةِ مَا ادَّعَتْ مِنْ قُرْبِ زَوْجِهَا إيَّاهَا ، قِيلَ لَهُ : لَوْ كَانَ مَا ذَكَرَتْ كَمَا وَصَفْتَ لَمَا كَانَتْ دَعْوَاهَا مَقْبُولَةً لِمَا يُوجِبُ لَهَا مَعْنًى لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا قَبْلَ ذَلِكَ ، مَعَ نَفْيِ مَنْ يَدَّعِيهِ عَلَيْهِ إيَّاهُ عَنْ نَفْسِهِ إلَّا بِحُجَّةٍ تُوجِبُ لَهَا ذَلِكَ عَلَيْهِ ، وَلَمَّا لَمْ تَكُنْ مَسْئُولَةً عَنْ ذَلِكَ حُجَّةً كَانَ إرْخَاءُ السُّتُورِ وَإِغْلَاقُ الْأَبْوَابِ وَإِمْكَانُهَا زَوْجَهَا مِنْ نَفْسِهَا بِحَيْثُ لَا مَانِعَ لَهُ مِنْهَا يُوجِبُ لَهَا الصَّدَاقَ عَلَيْهِ ، وَيَكُونُ بِهِ فِي حُكْمِ الْمُمَاسِّ لَهَا ، وَإِنْ لَمْ يَمَسَّهَا ، فَقَدْ تَوَاتَرَتْ أَقْوَالُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ ، وَاتَّفَقَتْ عَلَى أَنَّ الْإِمْكَانَ الَّذِي ذَكَرْنَا يَكُونُ بِهِ الَّذِي مَكَّنَ مِنْهُ كَالْمُمَاسِّ لِلْمَرْأَةِ الَّتِي أَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا ، وَلَا نَعْلَمُ مُخَالِفًا لَهُمْ سِوَاهُمْ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : بَلَى قَدْ خَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ . 732 - فَذَكَرَ مَا حدثنا يُونُسُ ، حدثنا ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرٍو ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : إذَا نَكَحَ الرَّجُلُ فَفَوَّضَ إلَيْهِ ثُمَّ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ فَلَيْسَ لَهَا إلَّا الْمَتَاعُ . قِيلَ لَهُ : لَيْسَ هَذَا مُخَالِفًا عِنْدَنَا لِمَا قَدْ رَوَيْنَاهُ قَبْلَهُ فِي الْخَلْوَةِ وَالْمَكَانِ ، عَنْ مَنْ رَوَيْنَاهُمَا عَنْهُ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَالتَّفْوِيضُ عِنْدَنَا الْمَذْكُورُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ هُوَ التَّفْوِيضُ إلَى الزَّوْجِ فِي تَسْمِيَةِ الصَّدَاقِ لِمَنْ يُزَوِّجُهُ عَلَى غَيْرِ صَدَاقٍ ، فَلَا يَفْعَلُ ذَلِكَ ، ثُمَّ يُطَلِّقُ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا الْمُتْعَةُ ، وَلَيْسَ هُوَ عِنْدَنَا عَلَى تَفْوِيضٍ مَعَهُ خَلْوَةٌ وَلَا إمْكَانَ لَهُ مِنْ الْجِمَاعِ ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ مُحْتَمِلًا لِمَا قَدْ ذَكَرْنَا لَمْ يَكُنْ مُخَالِفًا عِنْدَنَا لِمَا ذَكَرْنَاهُ قَبْلَهُ عَمَّنْ ذَكَرْنَاهُ فِي هَذَا الْبَابِ . فَإِنْ قَالَ : فَإِنَّ ظَاهِرَ الْقُرْآنِ يَدُلُّ عَلَى مَا تَأَوَّلْنَا عَلَيْهِ مِمَّا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ فِي كِتَابِهِ : وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَكَانَ مَعْقُولًا بِذَلِكَ أَنَّ مَنْ طَلَّقَ وَلَمْ يُمَاسَّ أَنَّ الَّذِي يَلْزَمُهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ هُوَ نِصْفُ الصَّدَاقِ لَا كُلُّهُ . قِيلَ لَهُ : إنَّ الَّذِينَ قَالُوا فِي هَذَا بِوُجُوبِ الصَّدَاقِ وَوُجُوبِ الْعِدَّةِ هُمْ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ الْمَهْدِيُّونَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ ، وَلَحِقَ بِهِمْ فِي ذَلِكَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَهُوَ كَاتِبُ الْوَحْيِ وَالْمُؤْتَمَنُ عَلَيْهِ ، وَالْقُرْآنُ نَزَلَ بِلُغَتِهِمْ وَهُمْ يَعْرِفُونَ تَأْوِيلَهُ ، وَكَانَ بِمَا أَشْكَلَ عَلَيْهِمْ مِنْهُ يَسْتَعْلِمُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيُعْلِمُهُمْ بِمُرَادِ اللَّهِ تَعَالَى بِهِ ، وَفِي خِلَافِهِمْ تَجْهِيلٌ لَهُمْ وَالْخُرُوجُ عَنْ مَذَاهِبِهِمْ إلَى مَا سِوَاهَا ، مِمَّا نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْهُ ، مَعَ أَنَّا قَدْ وَجَدْنَا فِي اللُّغَةِ مَا قَدْ أَبَيحَ لَنَا أَنْ نُسَمِّيَ مَنْ أَمْكَنَهُ الْمَسِيسُ وَلَمْ يُمَاسَّ بِاسْمِ الْمَسِيسِ ، كَمَا سُمِّيَ ابْنُ إبْرَاهِيمَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ إمَّا إسْمَاعِيلُ وَإِمَّا إِسْحَاقُ ذَبِيحًا ، لَا لِأَنَّهُ ذُبِحَ وَلَكِنْ لَمَّا أَمْكَنَ مِنْ نَفْسِهِ وَأَمْكَنَ أَبُوهُ ذَلِكَ مِنْهُ بِأَنْ تَلَّهُ لِلْجَبِينِ سُمِّيَ بِذَلِكَ ذَبِيحًا وَإِنْ لَمْ يُذْبَحْ . فَمِثْلُ ذَلِكَ مَا قَدْ ذَكَرْنَاهُ مِنْ إمْكَانِ هَذِهِ الْمَرْأَةِ نَفْسَهَا زَوْجَهَا مِنْ جِمَاعِهِ حَتَّى لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ذَلِكَ حَائِلٌ وَلَا لَهُ مِنْهُ مَانِعٌ يَجُوزُ أَنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ اسْمُ مُمَاسٍّ لَهَا ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُمَاسًّا لَهَا فِي الْحَقِيقَةِ ، وَتَدْخُلُ بِذَلِكَ فِي مَعْنَى الْمُطَلِّقِ بَعْدَ الْمَسِيسِ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْمُطَلِّقِ قَبْلَهُ ، وَقَدْ وَجَدْنَا مَا قَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَخْلُفُوا فِي مَنْ بَاعَ شَيْئًا لَهُ بِثَمَنِ حَبْسِهِ حَتَّى يَقْبِضَ ذَلِكَ الثَّمَنَ فَمَكَّنَ مِنْ قَبْضِهِ وَخُلِّيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ فَلَمْ يَضَعْ يَدَهُ عَلَيْهِ وَلَمْ يَقْبِضْهُ وَلَحِقَهُ هَلَاكٌ أَنَّهُ يَكُونَ هَالِكًا مِنْ مَالِهِ لَا مِنْ مَالِ بَائِعِهِ . وَفِي ذَلِكَ عَلَى مَا وَصَفْنَاهُ دَلِيلٌ مَعَ تَعَلُّقِ أَكْثَرِ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ بِهَذَا مِنْهُمْ : أَبُو حَنِيفَةَ فِي مُتَّبِعِيهِ ، وَمَالِكٌ فِي مُتَّبِعِينَ مِنْ مُتَّبِعِيهِ ، وَاللَّيْثُ فِي مُتَّبِعِيهِ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ فِي مُتَّبِعِيهِ ، وَالثَّوْرِيُّ فِي مُتَّبِعِيهِ أَيْضًا ، وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
706 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغرة التي قضى بها في الجنين , وما مقدارها من الدية . 5285 - حدثنا إبراهيم بن أحمد بن مروان الواسطي ، حدثنا محمد بن خالد بن عبد الله الواسطي ، حدثنا أبي ، عن سعيد يعني ابن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن أبي المليح ، عن حمل بن مالك بن النابغة قال : كانت له امرأتان مليكة وأم عفيف , فرجمت إحداهما الأخرى بحجر , فأصابت قبلها وهي حامل , فألقت جنينا وماتت , فرفع ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم , فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدية على عاقلة القاتلة , وقضى في الجنين غرة عبد أو أمة أو مائة من الشاء , أو عشر من الإبل , فقام أبوها أو رجل من عصبتها , فقال : يا رسول الله ، ما شرب ولا أكل , ولا صاح ولا استهل , ومثل ذلك دمه يطل ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لسنا من أساجيع الجاهلية في شيء . فتأملنا هذا الحديث بعد وقوفنا على إجماع أهل العلم في مقدار الغرة الواجبة في الجنين من الدية أنه نصف عشرها , فوجدنا فيه ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الغرة أنها عبد أو أمة , فكان في ذلك إعلام الناس بالغرة ما هي , ثم أتبع ذلك بقوله : أو مئة من الشاء , فلم يكن ذلك من الغرة في شيء , ولكنه الجزء الذي هو مقدار الغرة من الدية من الشاء ما هو , لأن الدية من الشاء في قول من يجعل الشاء صنفا من أصناف الديات ألفا شاة , فالمئة منها نصف عشرها , وممن كان يجعل الدية من الشاء هذا المقدار أبو يوسف ومحمد بن الحسن , فأما أبو حنيفة , فلم يكن يجعل الدية إلا في الإبل , وفي الدراهم وفي الدنانير خاصة , وأما مالك , فكان يجعلها في الإبل , وفي الدنانير وفي الدراهم , وأما الشافعي , فكان يجعلها في الإبل خاصة , دون ما سواها . وكان ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك أولى , ولم يكن ما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم في قصده بالدية لقتيل الأنصار إلى مئة من الإبل , ولا بقوله في قتيل خطأ العمد فيه مئة من الإبل , فدافع أن تكون الدية أصنافا غير الإبل , ثم قال في هذا الحديث : أو عشر من الإبل , فكان هذا عندنا وهما في النقل لخروجه عن أقوال العلماء جميعا , ولتلقيهم إياه بالخلاف له , وكان هذا الحديث إنما دار على أبي المليح , فممن رواه عنه قتادة كما ذكرنا , وقد رواه عنه أيوب السختياني . 5286 - كما حدثنا الربيع بن سليمان المرادي قال : حدثنا أسد بن موسى قال : حدثنا سفيان بن عيينة ، عن أيوب السختياني قال : سمعت أبا المليح الهذلي ابن أسامة , وكان قد صحب النبي صلى الله عليه وسلم - هكذا حدثناه الربيع في مسند أسد في نوع ترجم بمسند أسامة الهذلي , فعقلنا بذلك أن مكان ابن أسامة : عن أسامة , لا سيما وقد قال فيه : وقد كان صحب النبي صلى الله عليه وسلم , وأبو المليح فلم يصحب النبي صلى الله عليه وسلم , ولا علمناه رآه , والذي صحب النبي صلى الله عليه وسلم هو أبوه , وهو أسامة بن عمير - قال : كان فينا امرأتان , فضربت إحداهما الأخرى بعمود , فقتلتها , وقتلت ما في بطنها , فقضى النبي صلى الله عليه وسلم في الجنين بغرة , عبد أو أمة , أو بفرس , أو عشر من الإبل , أو كذا وكذا من الغنم , فقال رجل من رهط القاتلة : كيف نعقل يا رسول الله من لا أكل ولا شرب , ولا صاح ولا استهل , فمثل ذلك يطل ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أسجاعة أنت ؟ فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ميراث المقتولة لزوجها ولولدها , وأن العقل على عصبة القاتلة . فكان في هذا الحديث زيادة من أيوب على قتادة ذكر الفرس , وكان فيه : أو عشر من الإبل , كما في حديث قتادة , وكان ذلك عندنا من حديث أيوب , كما هو من حديث قتادة في الوهم في العدد الذي ذكر فيهما من الإبل , لأنه لا اختلاف بين أهل العلم في مقدار الدية من الإبل أنه مئة من الإبل , ونصف العشر منها إنما هو خمس من الإبل لا عشر من الإبل , وممن رواه عنه أيضا سلمة بن تمام وهو أبو عبد الله الشقري . 5287 - كما حدثنا فهد , حدثنا عثمان بن سعيد بن مرة القرشي , حدثنا المنهال بن خليفة ، عن سلمة بن تمام ، عن أبي المليح ، عن أبيه قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يخاصم امرأة , فقال : إني تزوجت هذه المرأة , وإن ضرتها ضربت بطنها , فألقت جنينا ميتا , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : دوه , وكان معها أخ لها يقال له : عمران بن عويمر , فقال : يا رسول الله ، أندي من لا أكل ولا شرب , ولا صاح ولا استهل , ومثله يطل ؟ فقال عليه السلام : دعني من أراجيز البادية أو أراجيز الأعراب , فيه غرة , عبد أو أمة , أو خمس مئة درهم , أو فرس , أو عشرون ومئة شاة , قال : يا رسول الله ، والذي بعثك بالحق ما أصبحت أملك دينارا ولا درهما ولا شيئا . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأخيها - وكان يومئذ على صدقات هذيل - : اقبض من تحت يدك عشرين ومئة شاة , ففعل . وكان في هذا الحديث في الغرة أنها عبد أو أمة , أو فرس , وكان فيه أيضا : أو خمس مئة درهم . ففي ذلك ما قد دل على أن الدراهم جنس من أجناس الدية , وأن مقدارها منها عشرة آلاف درهم كما يقول الكوفيون في ذلك بخلاف ما يقول الحجازيون فيه , لأن الكوفيين يجعلون مقدار الدية من الدراهم عشرة آلاف , والحجازيون يجعلونها منها اثني عشر ألف درهم , ولهم في ذلك مما قد روي موافقا لما قالوه فيه . 5288 - ما قد حدثنا محمد بن خزيمة ، حدثنا محمد بن سنان العوقي ، حدثنا محمد بن مسلم الطائفي ، عن عمرو بن دينار ، عن عكرمة ، عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالدية اثني عشر ألفا , وفي ذلك نزلت : وَمَا نَقَمُوا إِلا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ ([ التوبة : 74 ] بأخذهم الدية . فطعن طاعن في هذا الحديث , فقال : قد رواه عن عمرو من هو أحفظ من محمد بن مسلم , وهو سفيان بن عيينة , فلم يذكر فيه ابن عباس . 5289 - وذكر ما قد حدثناه بحر بن نصر ، حدثنا يحيى بن حسان ، حدثنا سفيان ، عن عمرو , عن عكرمة بهذا الحديث , ولم يذكر ابن عباس في هذا الحديث . فكان من حجتنا لهم عليهم في ذلك أن ابن عيينة قد كان ربما رفع هذا الحديث وذكر فيه ابن عباس , وربما لم يذكر ابن عباس فيه , فممن رواه عنه بإثباته ابن عباس فيه محمد بن ميمون المكي الذي يقال له : الخياط . 5290 - كما حدثنا أحمد بن شعيب قال : أخبرنا محمد بن ميمون ، أخبرنا سفيان ، عن عمرو , عن عكرمة , سمعناه مرة يقول : عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى باثني عشر ألفا , يعني في الدية . فعاد هذا الحديث من حديث سفيان ومحمد بن مسلم إلى ابن عباس رضي الله عنه , وكان في هذا الحديث من مقدار الدية من الدراهم ما فيه , وهو اثنا عشر ألف درهم . وفي حديث أبي مليح ما قد دل على أنها عشرة آلاف , وهذا مما لا يدرك بالاستنباط ولا بالاستخراج , وإنما يقال فيه بالتوقف , والعشرة آلاف قد تيقنا وجوبها ولم نتيقن وجوب ما جاوزها . فكان أولى الأشياء بنا أن لا نقضي في الدية من الدراهم إلا بعشرة آلاف , وفي هذا الحديث : أو مئة وعشرين من الشاء , وهذا مما لا نعلم أحدا من العلماء ذهب إليه , وفي إجماعهم على خلافه ما قد دل على فساده , وعلى أن الأولى في ذلك ما في حديث قتادة مما تعود به الدية من الشاء إلى ألفي شاة , غير أن بعض الناس طعن في حديث سلمة بن تمام هذا , وذكر أن عبد الله بن المبارك جعله عن عبد الرحمن بن أبي مليح ، عن أبيه وذكر في ذلك . 5291 - ما قد حدثنا يحيى بن عثمان ، حدثنا نعيم بن حماد ، حدثنا ابن المبارك ، أخبرنا المنهال بن خليفة ، حدثني سلمة بن تمام ، عن عبد الرحمن بن أبي مليح الهذلي ، عن أبيه ، ولم يذكر بعد أبيه أحدا ، أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بامرأتين كانتا عند رجل من هذيل يقال له : حمل بن مالك ، فضربت إحداهما بطن صاحبتها بعمود فسطاط ، فألقت جنينا ميتا ، فانطلق بهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعها أخ لها يقال له : عمران ، فقص على النبي صلى الله عليه وسلم ، فقضى فيه بغرة ، فقال : أندي من لا شرب ولا أكل ، ولا صاح ولا استهل ، فمثله يطل ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : دعني من أراجيز أهل البادية ، أو من أراجيز الأعراب ، فيه غرة ، عبد أو أمة ، أو خمس مئة درهم - ولم يذكر ما هي ؟ - أو فرس ، أو عشرون ومئة شاة ، فقال : يا رسول الله ، إن لها بنين هم سادة الحي أحق بعقلها مني ، فقال : أنت أحق بالعقل عن أختك من ولدها ، فقال : ما لنا شيء نعقل ولا ندي ، فقال لحمل بن مالك وهو زوج المرأتين وهو على صدقات هذيل : اقبض من تحت يدك من صدقات هذيل عشرين ومئة شاة . فعاد هذا الحديث عن سلمة بن تمام ، عن عبد الرحمن بن أبي المليح ، عن أبيه ، فعاد بذلك منقطعا غير أنه قد يحتمل أن يكون سلمة بن تمام أخذه عن ابن أبي مليح كذلك ، وحدث به أبو مليح ، عن أبيه كما في حديث عثمان بن سعيد بن مرة ، وذلك أولى ما حمل عليه لجلالة عثمان بن سعيد وإتقانه وحفظه ، لا سيما وقد وافقه أيوب في روايته هذا الحديث عن ابن أبي مليح ، عن أبيه ، والله أعلم بحقيقة الأمر في ذلك ، وإياه نسأله التوفيق .
93 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ قَوْلِهِ : فَإِنْ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا . 733 - حدثنا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ ، حدثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ ، حدثنا هِشَامٌ ، أَخْبَرَني أَبِي ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا امْرَأَةٌ فَقَالَ : مَنْ هَذِهِ ؟ فَقَالَتْ : فُلَانَةُ لَا تَنَامُ ، فَذُكِرَ مِنْ صَلَاتِهَا فَقَالَ : مَهْ ، عَلَيْكُمْ مَا تُطِيقُونَ ، فَوَاَللَّهِ لَا يَمَلُّ اللَّهُ تَعَالَى حَتَّى تَمَلُّوا ، وَكَانَ أَحَبُّ الدِّينِ إلَى اللَّهِ مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ . 734 - حدثنا ابْنُ أَبِي دَاوُد ، حدثنا الْمُقَدَّمِيُّ ، حدثنا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ يَحْتَجِرُ حَصِيرًا بِاللَّيْلِ فَيُصَلِّي ، وَيَبْسُطُهُ بِالنَّهَارِ فَيَجْلِسُ عَلَيْهِ ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَثُوبُونَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ حَتَّى كَثُرُوا ، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ : أَيُّهَا النَّاسُ خُذُوا مِنْ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا ، وَإِنَّ أَحَبَّ الْأَعْمَالِ إلَى اللَّهِ مَا دَامَ مِنْهَا وَإِنْ قَلَّ . 735 - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ دَاوُد ، حدثنا حَاجِبُ بْنُ الْوَلِيدِ ، حدثنا هِقْلُ بْنُ زِيَادٍ السَّكْسَكِيُّ ، حدثنا الْأَوْزَاعِيِّ ، حَدَّثنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : خُذُوا مِنْ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا قَالَت : وَكَانَ أَحَبُّ الصَّلَاةِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا دَاوَمَ عَلَيْهَا وَإِنْ قَلَّتْ ، وَكَانَ إذَا صَلَّى صَلَاةً دَاوَمَ عَلَيْهَا . قَالَ : وَيَقُولُ أَبُو سَلَمَةَ : إنَّ اللَّهَ يَقُولُ : الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ . فَقَالَ قَائِلٌ : وَكَيْفَ يَجُوزُ لَكُمْ أَنْ تَقْبَلُوا هَذَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِيهِ إضَافَةُ الْمَلَلِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي حَالٍ مَا ، وَذَلِكَ مُنْتَفٍ عَنْ اللَّهِ وَلَيْسَ مِنْ صِفَاتِهِ . فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ : أَنَّ الْمَلَلَ مُنْتَفٍ عَنْ اللَّهِ كَمَا ذَكَرَ ، وَلَيْسَ مِا تَوَهَّمَهُ مِمَّا حَمَلَ عَلَيْهِ تَأْوِيلَ هَذَا الْحَدِيثِ كَمَا تَوَهَّمَ ، وَإِنَّمَا هُوَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي اللُّغَةِ عَلَى قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَمَلُّ اللَّهُ إذَا مَلِلْتُمْ ، إذْ كَانَ الْمَلَلُ مَوْهُومًا مِنْكُمْ ، وَغَيْرُ مَوْهُومٍ مِنْهُ عَزَّ وَجَلَّ ، وَكَانَ مِثْلُ ذَلِكَ الْكَلَامِ الْجَارِي عَلَى أَلْسُنِ النَّاسِ عِنْدَ وَصْفِهِمْ مَنْ يَصِفُونَهُ بِالْقُوَّةِ عَلَى الْكَلَامِ وَالْبَلَاغَةِ مِنْهُ وَالْبَرَاعَةِ بِهِ : لَا يَنْقَطِعُ فُلَانٌ عَنْ خُصُومَةِ خَصْمِهِ حَتَّى يَنْقَطِعَ خَصْمُهُ ، لَيْسَ يُرِيدُونَ بِذَلِكَ أَنَّهُ يَنْقَطِعُ بَعْدَ انْقِطَاعِ خَصْمِهِ لِأَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا يُرِيدُونَ ذَلِكَ لَمْ يُثْبِتُوا لِلَّذِي وَصَفُوهُ فَضِيلَةً إذْ كَانَ يَنْقَطِعُ بِعَقِبِ انْقِطَاعِ خَصْمِهِ كَمَا انْقَطَعَ خَصْمُهُ ، وَلَكِنَّهُمْ يُرِيدُونَ أَنَّهُ لَا يَنْقَطِعُ بَعْدَ انْقِطَاعِ خَصْمِهِ كَمَا انْقَطَعَ خَصْمُهُ عَنْهُ ، وَأَنَّهُ يَكُونَ مِنْ الْقُوَّةِ وَالِاضْطِلَاعِ بِخُصُومَتِهِ بَعْدَ انْقِطَاعِ خَصْمِهِ عَنْهَا كَمِثْلِ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْهَا قَبْلَ انْقِطَاعِ خَصْمِهِ عَنْهَا ، فَمِثْلُ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَمَلُّ اللَّهُ حَتَّى تَمَلُّوا ، وَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا ، أَيْ إنَّكُمْ قَدْ تَمَلُّونَ فَتَنْقَطِعُونَ وَاَللَّهُ بَعْدَ مَلَلِكُمْ وَانْقِطَاعِكُمْ عَلَى الْحَالِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا قَبْلَ ذَلِكَ مِنْ انْتِفَاءِ الْمَلَلِ وَالِانْقِطَاعِ عَنْهُ ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ .
799- باب بيان مشكل ما روي عن البراء من قوله : كان ركوع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقيامه ، وإذا رفع رأسه من الركوع ، وسجوده ما بين السجدتين قريبا من السواء سمعت بكار بن قتيبة ، يقول : لما حملت من البصرة لما حملت له ، فقدمت الحضرة ، وكان القاضي بها يومئذ جعفر بن عبد الواحد الهاشمي ، فصلى بنا صلاة العصر ، فقام فلم يكد يركع ، ثم ركع ، فلم يكد يرفع ، ثم رفع ، فلم يكد يسجد ، ثم سجد ، فلم يكد يرفع ، ثم رفع ، فلم يكد يسجد ، ثم سجد ، ففعل في سجدته الثانية كما فعل في سجدته الأولى ، ثم جلس ، فلم يكد يسلم ، وامتثل ذلك في بقية صلاته ، حتى خفت أن يخرج وقت العصر ، فلما فرغ من صلاته أتيته ، فسألني عن أحوالي ، فأخبرته ولم أصبر ، فقلت له : أيها القاضي ، لقد خفت غروب الشمس قبل أن تقضي صلاتك ، فعن من أخذ القاضي هذه الصلاة ؟ فقال لي : يا أبا بكرة ، سبحان الله ، أو يذهب هذا عنك ؟ أخذتها من صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت له : ومن روى لك أن صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانت هكذا ؟ . 5967 - قال لنا بكار : فذكر ما قد حدثناه أبو داود ، قال : حدثنا المسعودي ، عن الحكم ، قال : قلت لعبد الرحمن بن أبي ليلى : ما رأيت أحدا أطول قياما من أبي عبيدة في الصلاة ، فقال : سمعت البراء بن عازب ، يقول : كان ركوع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورفعه رأسه من الركوع ، وسجوده ، ورفعه رأسه من السجود ، سواء . فقلت له : وأي حجة لك في هذا ؟ وقد يحتمل أن يكون هذا القول من البراء على إرادته به أن ركوع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورفعه رأسه من الركوع ، وسجوده ، ورفعه رأسه من السجود سواء ، على أن ما بعد الركوع من الأشياء التي ذكرها في حديثه بجملتها ، تفي بالقيام والركوع ، ويدل على أن هذا الاحتمال أولى مما حملته أنت عليه ، أمره - صلى الله عليه وسلم - بالتخفيف في الصلاة لمن أم الناس . 5968 - وذكرت له ما قد حدثنا أبو داود ، قال : حدثنا المسعودي ، قال : حدثني ابن موهب ، عن موسى بن طلحة ، عن عثمان بن أبي العاص - وما رأيت ثقفيا أفضل منه - : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : من أم الناس ، فليخفف بهم الصلاة ، فإن فيهم الكبير والضعيف وذا الحاجة . وقد أجاد أبو بكرة - رضي الله عنه - فيما حاج به جعفرا من هذا ، وفي هذا الباب آثار كثيرة غنينا عن ذكرها في هذا الباب بما قد ذكرناه منها فيه عن بكار . قال أبو جعفر : وقد روى حديث البراء عن الحكم ، من هو أثبت من المسعودي ، وهو شعبة بن الحجاج. 5969 - كما قد حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، قال : حدثنا وهب بن جرير : ، قال : حدثنا شعبة ، عن الحكم ، قال : لما ظهر مطر بن ناجية على الكوفة ، أمر أبا عبيدة أن يصلي بالناس ، فكان أبو عبيدة يطيل الركوع ، وإذا رفع أطال القيام قدر ما يقول هذا الكلام ، اللهم ربنا لك الحمد ملء السماوات وملء الأرض ، وملء ما شئت من شيء بعد . فذكرت ذلك لابن أبي ليلى ، فحدثني عن البراء بن عازب : أن ركوع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقيامه ، وإذا رفع رأسه من الركوع ، وسجوده وما بين السجدتين كان قريبا من السواء . فعقلنا بذلك أن إطالة أبي عبيدة التي روى البراء لابن أبي ليلى فيها ما رواه له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث ، إنما كان مقدارها اللهم ربنا لك الحمد ملء السماوات وملء الأرض ، وملء ما شئت من شيء بعد ، وكان ما سوى ذلك في صلاته من الركوع ومن السجود ومن الجلوس بين السجدتين مقدار كل جنس منها هذا المقدار ، سوى اللازم في الجلوس من التشهد الذي قد علمه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الناس ، وفي ذلك ما قد دل على ضد ما ظنه جعفر ، وتأول هذا الحديث عليه ، وبما قد ذكرنا من التخفيف من الإمام في الصلوات التي أم فيها الناس ، كان عليه أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من بعده - رضوان الله عليهم - اقتداء به وتمسكا بسنته . 5970 - كما حدثنا سليمان بن شعيب ، قال : حدثنا الخصيب بن ناصح ، وكما حدثنا محمد بن خزيمة ، قال : حدثنا حجاج بن المنهال ، قالا : حدثنا أبو الأشهب ، عن أبي رجاء العطاردي ، قال : قلت للزبير بن العوام - رضي الله عنه - : ما لي أراكم يا أصحاب محمد من أخف الناس صلاة ؟ فقال : نبادر الوسواس . قال أبو جعفر : يعني بذلك الذي يوسوسه لهم الشيطان ، فأمروا بالتخفيف في الصلاة للمبادرة لذلك الوسواس حتى لا يدركهم فيها ، والله - عز وجل - نسأله التوفيق .
94 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي قَتِيلَةِ ابْنَةِ قَيْسٍ الَّتِي لَمْ يَدْخُلْ بِهَا بَعْدَ تَزْوِيجِهِ إيَّاهَا حَتَّى تُوُفِّيَ عَنْهَا . 736 - حدثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُد ، حدثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْمُبَارَكِ ، حدثنا عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، حدثنا دَاوُد ابْنُ أَبِي هِنْدٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ تَزَوَّجَ قُتَيْلَةَ بِنْتَ الْأَشْعَثِ ، هَكَذَا قَالَ ابْنُ أَبِي دَاوُد فِي حَدِيثِهِ ، وَإِنَّمَا هِيَ أُخْتُ الْأَشْعَثِ فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يَحْجُبَهَا ، فَبَرَّأَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهَا . وَقَدْ رُوِيَ فِي أَمْرِهَا الَّذِي بِهِ بَرَّأَ اللَّهُ رَسُولَهُ مِنْهَا زِيَادَةٌ عَلَى هَذَا . 737 - كَمَا قَدْ أَجَازَ لَنَا هَارُونُ الْعَسْقَلَانِيُّ مِمَّا ذَكَرَ لَنَا أَنَّ الْمُفَضَّلَ الْغَلَّابِيَّ حَدَّثهُ بِهِ ، قَالَ : حدثنا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْوَاسِطِيُّ ، عَنْ عَبَّادٍ وَهُوَ ابْنُ الْعَوَّامِ ، عَنْ دَاوُد بْنِ أَبِي هِنْدٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَزَوَّجَ قُتَيْلَةَ فَارْتَدَّتْ مَعَ قَوْمِهَا ، وَلَمْ يُخَيِّرْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَحْجُبْهَا فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِنْهَا . قَالَ عَبَّادٌ : يَعْنِي لَمْ يَحْجُبْهَا ، لَمْ يَكُنْ ضَرَبَ عَلَيْهَا الْحِجَابَ وَلَمْ يُخَيِّرْهَا كَمَا خَيَّرَ نِسَاءَهُ . فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ زِيَادَةٌ عَلَى مَا فِي الْأَوَّلِ وَفِيهِ ارْتِدَادُ قُتَيْلَةَ هَذِهِ مَعَ قَوْمِهَا عَنْ الْإِسْلَامِ ، وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ خَيَّرَهَا ، يَعْنِي بَيْنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، كَمَا خَيَّرَ سَائِرَ نِسَائِهِ سِوَاهَا فَتَخْتَارُ الدُّنْيَا فَيُفَارِقُهَا أَوْ الْآخِرَةَ فَيُمْسِكُهَا ، وَتَكُونُ بِذَلِكَ مِنْ أَزْوَاجِهِ فِيهَا ، وَأَنَّ الْبَرَاءَةَ الَّتِي كَانَتْ لَحِقَتْهَا بِارْتِدَادِهَا وَبِتَقْصِيرِ الْحِجَابِ وَالتَّخَيُّرِ عَنْهَا ، وَقَدْ رُوِيَ فِي أَمْرِهَا أَيْضًا عَنْ الشَّعْبِيِّ 738 - م - مَا قَدْ حدثنا ابْنُ خُزَيْمَةَ ، حدثنا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ ، حدثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ دَاوُد ، عَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَزَوَّجَ قُتَيْلَةَ بِنْتَ قَيْسٍ وَمَاتَ عَنْهَا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ فَأَرَادَ أَبُو بَكْرٍ أَنْ يَقْتُلَهُ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَحْجُبَهَا وَلَمْ يَقْسِمْ لَهَا وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا وَارْتَدَّتْ مَعَ أَخِيهَا عَنْ الْإِسْلَامِ وَبَرِئَتْ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَمِنْ رَسُولِهِ ، فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى تَرَكَهُ . فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَرَادَ أَنْ يَقْتُلَ عِكْرِمَةَ لَمَّا تَزَوَّجَ هَذِهِ الْمَرْأَةَ ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ عِنْدَهُ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّاتِي كُنَّ حُرِّمْنَ عَلَى النَّاسِ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ الْآيَةَ ، وَأَنَّ عُمَرَ أَخْرَجَهَا مِنْ أَزْوَاجِ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرِدَّتِهَا الَّتِي كَانَتْ مِنْهَا إذْ كَانَ لَا يَصْلُحُ لَهَا مَعَهَا أَنْ تَكُونَ لِلْمُسْلِمِينَ أُمًّا ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ فِي السَّبَبِ الَّذِي بِهِ حُرِّمَ عَلَى أَزْوَاجِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَتَزَوَّجْنَ بَعْدَهُ . 739 - مَا قَدْ حدثنا بَكَّارَ ، حدثنا أَبُو دَاوُد صَاحِبُ الطَّيَالِسَةِ ، حدثنا عِيسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، حدثنا أَبُو إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ ، عَنْ صِلَةَ بْنِ زُفَرَ قَالَ : قَالَ حُذَيْفَةُ لِامْرَأَتِهِ : إنْ أَرَدْتِ أَنْ تَكُونِي زَوْجَتِي فِي الْجَنَّةِ فَلَا تَزَوَّجِي بَعْدِي ، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ لِآخِرِ أَزْوَاجِهَا ، وَلِذَلِكَ حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى أَزْوَاجِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَتَزَوَّجْنَ بَعْدَهُ . 740 - وَمَا حدثنا ابْنُ مَرْزُوقٍ ، حدثنا عَفَّانَ ، حدثنا عِيسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، حدثنا أَبُو إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ ، عَنْ صِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى : كَمَا 741 - حدثنا فَهْدٌ ، حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ ، حدثنا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي الزَّاهِرِيَّةِ ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ ، عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ أَنَّهَا قَالَتْ لِأَبِي الدَّرْدَاءِ عِنْدَ الْمَوْتِ : إنَّك خَطَبْتَنِي إلَى أَبَوَيَّ فِي الدُّنْيَا فَأَنْكَحَاكَ ، وَإِنِّي أَخْطُبُك إلَى نَفْسِكَ فِي الْآخِرَةِ ، قَالَ : فَلَا تَنْكِحِي بَعْدِي ، فَخَطَبَهَا مُعَاوِيَةُ ، فَأَخْبَرَتْهُ بِاَلَّذِي كَانَ ، فَقَالَ : عَلَيْك بِالصِّيَامِ . مَعَ أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ مَنَعَ قُتَيْلَةَ هَذِهِ مِنْ التَّزْوِيجِ ، وَإِنْ كَانَ قَدْ أَخْرَجَهَا مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِمَا أَخْرَجَهَا بِهِ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ عَنْهُ ، كَمَا قَدْ ذَكَرَهُ عَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ زَنْجُوَيْهِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ تَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنْ كِنْدَةَ فَلَمْ يَجْمَعْهَا ، فَتَزَوَّجَتْ بَعْدَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَفَرَّقَ عُمَرُ بَيْنَهُمَا ، وَضَرَبَ زَوْجَهَا فَقَالَتْ : اتَّقِ اللَّهَ فِي يَا عُمَرُ ، إنْ كُنْتُ مِنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ فَاضْرِبْ عَلَيَّ الْحِجَابَ وَأَعْطِنِي مِثْلَ مَا تُعْطِيهِنَّ ، قَالَ : أَمَّا هُنَاكَ فَلَا ، قَالَتْ : فَدَعْنِي أَنْكِحُ ، قَالَ : لَا وَلَا نِعْمَةَ وَلَا أُطْمِعُ فِي ذَلِكَ أَحَدًا . فَكَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ عُمَرَ وَإِنْ كَانَ قَدْ أَخْرَجَهَا مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَدْ مَنَعَهَا مِنْ تَزْوِيجِ غَيْرِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ أَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي كَانَ أَخْرَجَهَا بِهِ مِنْ أَزْوَاجِ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ ارْتِدَادُهَا عَنْ الْإِسْلَامِ لَا مَا سِوَاهُ مِنْ الدُّخُولِ بِهَا وَالتَّخَيُّرِ لَهَا ؛ لِأَنَّ ارْتِدَادَهَا كَانَ عَنْ الْإِسْلَامِ مِنْ فِعْلِهَا ، وَالتَّخَيُّرُ لَهَا وَالدُّخُولُ بِهَا لَمْ يَكُونَا مِنْ فِعْلِهَا ، وَأَنَّهُ إنَّمَا أَخْرَجَهَا بِفِعْلِهَا لَا بِمَا سِوَاهُ ، وَفِي ذَلِكَ مَا قَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ خَالَفَ أَبَا بَكْرٍ فِي أَمْرِ عِكْرِمَةَ إلَّا فِي الْقَتْلِ خَاصَّةً لَا فِيمَا سِوَاهُ ؛ لِأَنَّهُ عَدَّ ذَلِكَ شُبْهَةً دَخَلَتْ عَلَيْهِ فَعَذَرَهُ بِهَا ، وَدَفَعَ عَنْهُ الْقَتْلَ مِنْ أَجْلِهَا ، لَا أَنَّهُ رَأَى أَنْ يُقِرَّ تِلْكَ الْمَرْأَةَ عِنْدَهُ وَتَكُونَ زَوْجَةً لَهُ ، وَلِذَلِكَ وَجْهٌ مِنْ الْعِلْمِ جَلِيلٌ ، وَهُوَ أَنَّ تِلْكَ الْمَرْأَةَ قَدْ كَانَتْ قَبْلَ ارْتِدَادِهَا عَنْ الْإِسْلَامِ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ مُسْتَحِقَّةً لِلْأَسْبَابِ الَّتِي يَسْتَحِقُّهَا أَزْوَاجُهُ فِي حَيَاتِهِ وَبَعْدَ وَفَاتِهِ ، حَتَّى أَخْرَجَتْ نَفْسَهَا مِنْ ذَلِكَ بِرِدَّتِهَا عَنْ الْإِسْلَامِ إلَى مَا سِوَاهُ فَبَطَلَتْ بِذَلِكَ حُقُوقُهَا فِيمَا حَاجَّتْ بِهِ عُمَرَ ، وَلَمْ تَبْطُلُ عَنْهَا الْحُقُوقُ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهَا مِنْ تَرْكِ التَّزْوِيجِ لِغَيْرِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ بَعْدَهُ ، كَالْمَرْأَةِ الَّتِي تَنْشُزُ مِنْ زَوْجِهَا فَتَبْطُلُ حُقُوقُهَا مِنْ النَّفَقَةِ عَلَيْهَا بِالتَّزْوِيجِ الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا ، وَكَذَلِكَ تِلْكَ الْمَرْأَةُ قَدْ كَانَ لَهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَزْوِيجِهِ إيَّاهَا حُقُوقٌ ، وَكَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهَا بِهِ حُقُوقٌ ، فَلَمَّا كَانَتْ مِنْهَا الرِّدَّةُ بَطَلَتْ عَنْهُ بِهَا حُقُوقُهَا عَلَيْهِ الَّتِي كَانَتْ تَكُونُ لَهَا عَلَيْهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ لَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْ حَجْبِهَا عَنْ النَّاسِ وَالْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا ، وَبَقِيَتْ حُقُوقُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهَا بَعْدَ ذَلِكَ ، كَمَا كَانَتْ قَبْلَهُ ، وَمِنْهَا أَنَّهَا حَرَامٌ عَلَى النَّاسِ سِوَاهُ . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : فَإِنَّا قَدْ رَأَيْنَا النَّاشِزَ إذَا رَجَعَتْ عَنْ نُشُوزِهَا إلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ قَبْلَهُ رَجَعَتْ إلَى حُقُوقِهَا قِبَلَ زَوْجِهَا الَّتِي كَانَتْ لَهَا عَلَيْهِ ، وَالْكِنْدِيَّةُ الَّتِي قَدْ ذُكِرَتْ قَدْ رَجَعَتْ إلَى الْإِسْلَامِ لِأَنَّ عِكْرِمَةَ قَدْ كَانَ مُسْلِمًا وَلَوْ كَانَتْ لَمْ تَرْجِعْ إلَى الْإِسْلَامِ لَمَا طَلَبَ تَزَوُّجَهَا لِأَنَّ الْمُرْتَدَّةَ لَا تَحِلُّ لِلْمُسْلِمِ ، فَلِمَ لَا رَجَعَتْ إلَى اسْتِحْقَاقِهَا بَعْدَ ذَلِكَ مَا يَسْتَحِقُّهُ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ حَجْبِهِنَّ وَالْإِنْفَاقِ عَلَيْهِنَّ ؟ فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ وَعَوْنِهِ : أَنَّ النَّاشِزَ إذَا عَادَتْ غَيْرَ نَاشِزٍ اسْتَحَقَّتْ عَلَى زَوْجِهَا مَا ذَكَرَتْ ، وَلَمْ تَكُنْ الْكِنْدِيَّةُ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ مِنْهَا الِارْتِدَادُ عَنْ الْإِسْلَامِ كَانَتْ فِي حَالِهَا تِلْكَ مِمَّنْ قَدْ مَنَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى دُخُولَ الْجَنَّةِ ، وَلَمْ يَصْلُحْ لَهَا مَعَ ذَلِكَ أَنْ تَكُونَ لِلْمُسْلِمِينَ أُمًّا ، وَحُقُوقُ الْأُمُومَةِ لَا تَرْجِعُ بَعْدَ زَوَالِهَا ، وَإِذَا لَمْ تَرْجِعْ بَعْدَ زَوَالِهَا لَمْ تَرْجِعْ الْكِنْدِيَّةُ الَّتِي ذُكِرَتْ إلَى أَنْ تَكُونَ لِلْمُسْلِمِينَ أُمًّا ، وَإِذَا لَمْ تَرْجِعْ أَنْ تَكُونَ لِلْمُسْلِمِينَ أُمًّا لَمْ تَسْتَحِقَّ فِي أَمْوَالِهِمْ نَفَقَةً كَمَا يَسْتَحِقُّ مِثْلَهَا سَائِرُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأُمُومَتِهِنَّ إيَّاهُمْ ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ .
705 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأسارى , هل جائز أن يقتلوا أم لا ؟ . 5272 - قال أبو جعفر : قد كان عطاء بن أبي رباح يكره قتل الأسير صبرا كما قد حدثنا إبراهيم بن مرزوق قال : حدثنا أبو عاصم ، عن ابن جريج ، عن عطاء أنه كان يكره قتل الأسير صبرا ، ويتلو هذه الآية : فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً ( . 5273 - وكما حدثنا محمد بن خزيمة ، حدثنا يوسف بن عدي الكوفي ، حدثنا عبد الله بن المبارك ، عن ابن جريج ، عن عطاء أنه كان يكره قتل المشرك صبرا ، ويتلو علينا : فَشُدُّوا الْوَثَاقَ (إلى آخر الآية ، قال ابن جريج : فنسخها قوله : فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ( . قال أبو جعفر : فتأملنا ما قال عطاء مما ذكرناه عنه ، فوجدنا الله قد ذكر هذا المعنى في موضعين من كتابه ، أحدهما : الموضع المذكور في حديثه , والآخر : المذكور في سورة الأنفال [ 67 ] , وهو قوله عز وجل : مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (إلى قوله : عَذَابٌ عَظِيمٌ (, فكان في هذه الآية إعلام الله رسوله والمؤمنين أنه لا ينبغي لنبي أن تكون له أسرى من المشركين حتى يثخن القتل فيهم , ومعقول أن القتل فيهم بما في هذه الآية أولى من الأسر لهم , وفي ذلك ما قد دل على إطلاقه لهم قتلهم , واستعمال الذي هو أولى بهم من الأسر الذي هم فيه , وهذا فقد دل على إباحة قتل الأسرى لا على المنع من قتلهم , وكانت الآية التي تلاها عطاء في حديثه كان نزولها بعد إحلال الله لهم الغنائم التي قد كانت قبل ذلك حراما عليهم , ألا تراه عز وجل يقول : تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا (أي : منافعها بالأسر الذي فعلتموه حتى تأخذوا الفداء ممن أسرتموه وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (, ثم أتبع ذلك بالوعيد الذي أتبعه به من قوله : لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (, وقد ذكرنا ذلك وما قد روي فيه وما قد تأول عليه فيما تقدم منا في كتابنا هذا , وكان الأخذ المراد في ذلك - والله أعلم - هو الأسر الذي يكون سببا لذلك , ولم نكن بينا ذلك هذا البيان في ذلك الموضع من كتابنا هذا في كتابنا هذا , فذكرناه هاهنا لنقف عليه . وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتل الأسرى . 5274 - ما قد حدثنا أبو أمية قال : حدثنا عبد الله بن جعفر الرقي , حدثنا عبيد الله بن عمروعن زيد بن أبي أنيسة ، عن عمرو بن مرة ، عن إبراهيم قال : أراد الضحاك بن قيس أن يستعمل مسروقا , فقال له عمارة بن عقبة بن أبي معيط : أتستعمل رجلا من بقايا قتلة عثمان ؟ ! فقال له مسروق : حدثنا عبد الله بن مسعود - وكان في أنفسنا غير كذوب - أن أباك لما أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتله , فقال : من للصبية يا محمد ؟ قال : النار , فقد رضيت لك بما رضي لك رسول الله صلى الله عليه وسلم . 5275 - وما قد حدثنا الربيع بن سليمان المرادي ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم جميعا , قال الربيع : حدثنا شعيب بن الليث بن سعد , وقال محمد : أخبرنا شعيب بن الليث قالا : حدثنا الليث بن سعد ، عن سعيد بن أبي سعيد أنه سمع أبا هريرة يقول : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خيلا قبل نجد , فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له : ثمامة بن أثال , سيد أهل اليمامة , فربطوه بسارية من سواري المسجد , فخرج إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم , فقال : ما عندك يا ثمامة ؟ قال : عندي يا رسول الله خير , إن تقتل تقتل ذا دم , وإن تنعم تنعم على شاكر , وإن ترد المال , فسل تعط منه ما شئت , فتركه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كان الغد , فقال : ما عندك يا ثمامة ؟ قال : عندي ما قلت لك , ثم أعد مثل كلامه الأول , فتركه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كان بعد الغد , قال : ما عندك يا ثمامة ؟ قال : عندي ما قلت لك , ثم أعاد مثل كلامه الأول , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أطلقوا ثمامة , فانطلق إلى نخل قريب من المسجد , فاغتسل , ثم دخل المسجد , فقال : أشهد أن لا إله إلا الله , وأن محمدا رسول الله , يا محمد , ما كان على الأرض وجه أبغض إلي من وجهك , فقد أصبح وجهك أحب الوجوه كلها إلي , والله ما كان دين أبغض إلي من دينك , فأصبح دينك أحب الدين إلي , والله ما كان بلد أبغض إلي من بلدك , فأصبح بلدك أحب البلاد إلي , وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة , فماذا ترى ؟ فبشره رسول الله صلى الله عليه وسلم , وأمره أن يعتمر , فلما قدم مكة , قال له قائل : أصبوت يا ثمامة ؟ قال : لا , ولكن أسلمت مع محمد رسول الله , ووالله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم . 5276 - وما قد حدثنا يزيد بن سنان ، حدثنا أبو بكر الحنفي ، حدثنا عبد الحميد بن جعفر ، حدثنا سعيد المقبري أنه سمع أبا هريرة يقول : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خيلا له ثم ذكر مثله . 5277 - وما قد حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن يونس ، حدثنا أبو بكر بن زنجويه وهو محمد بن عبد الملك ، حدثنا عبد الرزاق ، أخبرنا عبد الله وعبيد الله ابنا عمر ، عن سعيد يعني المقبري ، عن أبي هريرة أن ثمامة الحنفي أسر , فكان النبي صلى الله عليه وسلم يغدو إليه فيقول : ما عندك يا ثمامة ؟ فيقول : إن تقتل تقتل ذا دم , وإن تمن تمن على شاكر , وإن ترد المال تعط منه ما شئت . فكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبون الفداء , ويقولون : ما نصنع بقتل هذا ؟ فمن عليه النبي صلى الله عليه وسلم يوما فأسلم يوما , فحله وبعث معه النبي صلى الله عليه وسلم إلى حائط أبي طلحة , وأمره أن يغتسل , فاغتسل وصلى ركعتين , فقال النبي صلى الله عليه وسلم : حسن إسلام أخيكم . أولا ترى إلى وقوف رسول الله صلى الله عليه وسلم على قول ثمامة له وهو أسير : إن تقتل تقتل ذا دم ؟ ولم يدفعه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك , ويقول له إن من أسر أمن , يعني : أن لا أقتل الأسير , وأنت أسير . 5278 - وما قد حدثنا إسحاق أيضا قال : حدثنا محمد بن أبي عمر ، حدثنا سفيان ، عن ابن عجلان ، عن زيد بن أسلم ، عن المقبري ، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أسر ثمامة بن أثال , فكان يمر به , فيقول : يا ثمامة , ما عندك ؟ فيقول : إن تقتل تقتل ذا دم , وإن تمن تمن على شاكر , ثم ذكر الحديث . ففي ذلك ما قد دل أنه كان جائزا له قتله . 5279 - وما قد حدثنا يونس ، أخبرنا ابن وهب أن مالكا أخبره ، عن ابن شهاب ، عن أنس بن مالك . 5280 - وما قد حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، حدثنا أبو الوليد ، حدثنا مالك في حديثيهما جميعا ، عن ابن شهاب ، عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة عام الفتح وعلى رأسه المغفر , فلما نزعه , جاءه رجل , فقال : يا رسول الله , هذا ابن خطل متعلق بأستار الكعبة , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اقتلوه . قال أبو جعفر : وابن خطل يومئذ في حكم الأسير . 5281 - وما قد حدثنا أبو أمية , حدثنا أحمد بن المفضل الحفري , حدثنا أسباط بن نصر قال : زعم السدي عن مصعب بن سعد ، عن أبيه قال : لما كان يوم فتح مكة , أمن رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس إلا أربعة نفر وامرأتين , وقال : اقتلوهم , وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة ؛ عكرمة بن أبي جهل , وعبد الله بن خطل , ومقيس بن صبابة , وعبد الله بن سعد بن أبي سرح , فأما عبد الله بن خطل , فأتي وهو متعلق بأستار الكعبة , فاستبق إليه سعيد بن حريث وعمار بن ياسر , فسبق سعيد عمارا , وكان أشد الرجلين فقتله , وأما مقيس بن صبابة , فأدركه الناس بالسوق فقتلوه , وأما عكرمة بن أبي جهل , فركب البحر , فأصابهم ريح عاصف , فقال أصحاب السفينة لأهل السفينة : أخلصوا , فإن آلهتكم لا تغني عنكم هاهنا شيئا , فقال عكرمة : والله لئن لم ينجني في البحر إلا الإخلاص لا ينجيني في البر غيره , اللهم إن لك علي عهدا إن أنت أنجيتني مما أنا فيه أن آتي محمدا صلى الله عليه وسلم , ثم أضع يدي في يده , فلأجدنه عفوا كريما , فنجا فأسلم , وأما عبد الله بن سعد بن أبي سرح , فإنه اختبأ عند عثمان , فلما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس للبيعة , جاء به حتى أوقفه على النبي صلى الله عليه وسلم , فقال : يا رسول الله ، بايع عبد الله , فرفع رأسه , فنظر إليه ثلاثا , كل ذلك يأبى , فبايعه بعد ثلاث , ثم أقبل على أصحابه , فقال : أما كان فيكم رجل يقوم إلى هذا حين رآني كففت عن بيعته فيقتله ؟ قالوا : ما درينا يا رسول الله ما في نفسك , فهلا أومأت إلينا بعينك ! فقال : إنه لا ينبغي للنبي أن يكون له خائنة عين . 5282 - وما قد حدثنا فهد ، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا أحمد بن المفضل , ثم ذكر بإسناده مثله . أفلا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال في هذا الحديث لأصحابه ما 5283 - وما قد حدثنا يزيد بن سنان ، حدثنا أحمد بن أيوب الشعيري وشيبان بن فروخ . وما قد حدثنا محمد بن علي بن زيد المكي ، حدثنا حفص بن عمر الجدي , قالوا : حدثنا عبد الوارث بن سعيد , حدثنا نافع أبو غالب قال : رأيت جنازة كثيرة الأهل , فيها أنس بن مالك , فقال أنس : غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم , فكان رجل من الكفار أشد الناس على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم , فقال رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : لئن أمكنه الله منه ليضربن عنقه , فأظفر الله تعالى المسلمين بهم , وكانوا يجيئون بهم أسارى , فيبايعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم , حتى جيء بذلك الرجل , فكف النبي صلى الله عليه وسلم عن بيعته ليفي الرجل بنذره , وكره الرجل أن يقوم فيضرب عنقه قدام النبي صلى الله عليه وسلم , فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم لا يصنع شيئا بايعه النبي صلى الله عليه وسلم , فجاء الرجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم , فقال : كيف أصنع يا رسول الله بنذري ؟ فقال : قد كففت عنه لتفي بنذرك , فلم تصنع شيئا , فقال : يا رسول الله ، لولا أومضت إلي , فقال : ما كان لنبي أن يومض . وفي حديث يزيد خاصة , وكان ذلك في غزوة حنين . ففي هذا الحديث أيضا مثل ما في الحديث الذي قبله . 5284 - وما قد حدثنا سليمان بن شعيب الكيساني , حدثنا علي بن معبد - وما قد حدثنا فهد بن سليمان ، حدثنا أبو غسان , قالا : حدثنا أبو بكر بن عياش ، حدثني عاصم بن بهدلة ، حدثني أبو وائل ، حدثني ابن معيز السعدي ، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا , فجاءه ابن النواحة ورجل معه يقال له : ابن وثال , قدم معه وافدين من عند مسيلمة , فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم : أتشهدان أني رسول الله ؟ فقالا : أتشهد أنت أن مسيلمة رسول الله ؟ قال : آمنت بالله وبرسله , لو كنت قاتلا وافدا لقتلتكما . قال أبو جعفر : وهما حينئذ كالأسيرين , وفيما ذكرنا من هذه الآثار ما قد دل على إباحة قتل الأسرى , والله نسأله التوفيق .
95 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : لَا عَتَاقَ وَلَا طَلَاقَ فِي إغْلَاقٍ . 742 - حدثنا إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ يُونُسَ الْبَغْدَادِيُّ أَبُو يَعْقُوبَ ، حدثنا الْوَلِيدُ بْنُ شُجَاعٍ أَبُو هَمَّامٍ ، حدثنا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ ، حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدٍ قَالَ : بَعَثَنِي عَدِيُّ بْنُ عَدِيٍّ الْكِنْدِيُّ إلَى صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ أَسْأَلُهَا عَنْ أَشْيَاءَ كَانَتْ تَرْوِيهَا عَنْ عَائِشَةَ فَقَالَتْ : حَدَّثتْنِي عَائِشَةُ أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : لَا عَتَاقَ وَلَا طَلَاقَ فِي إغْلَاقٍ . وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ الْكَلَاعِيِّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ الْمَكِّيِّ ، ثُمَّ ذَكَرَ بَقِيَّةَ الْحَدِيثِ . أَرَدْنَا بِذَلِكَ الزِّيَادَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فِي نَسَبِ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدٍ وَأَنَّهُ ابْنُ أَبِي صَالِحٍ وَأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ ، وَإِنْ كُنَّا لَمْ نَسْمَعْ لَهُ ذِكْرًا فِي غَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ . ثُمَّ تَأَمَّلْنَا هَذَا الْحَدِيثَ لِنَقِفَ عَلَى الْمُرَادِ بِهِ مَا هُوَ ؟ فَكَانَ أَحْسَنَ مَا حَضَرْنَا فِيهِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ، أَنَّ الْإِغْلَاقَ هُوَ الْإِطْبَاقُ عَلَى الشَّيْءِ ، فَاحْتَمَلَ بِذَلِكَ عِنْدَنَا أَنْ يَكُونَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أُرِيدَ بِهِ الْإِجْبَارُ الَّذِي يُغْلَقَ عَلَى الْمُعْتِقِ وَعَلَى الْمُطَلِّقِ حَتَّى يَكُونَ مِنْهُ الْعَتَاقُ وَالطَّلَاقُ عَلَى غَيْرِ اخْتِيَارٍ مِنْهُ لَهُمَا ، وَلَا يَكُونُ فِي الْعَتَاقِ مُثَابًا كَمَا يُثَابُ سَائِرُ الْمُعْتِقِينَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ بِعَتَاقِهِمْ اللَّهَ عَلَى عَتَاقِهِمْ ، وَلا كَالْمُطَلَّقِينَ الَّذِينَ تَلْحَقُهُمْ الذُّنُوبُ فِي طَلَاقِهِمْ الَّذِينَ يَضَعُونَهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ وَاَلَّذِينَ يُوقِعُونَ مِنْ عَدَدِهِ أَكْثَرَ مِمَّا أُبِيحَ لَهُمْ أَنْ يُوقِعُوهُ مِنْهُ ، وَمَوْضِعُهُ الَّذِي أُمِرُوا أَنْ يَضَعُوهُ فِيهِ هُوَ الطُّهْرُ قَبْلَ الْمَسِيسِ وَالْعَدَدُ الَّذِي أُمِرُوا بِهِ هُوَ الْوَاحِدَةُ لَا مَا فَوْقَهَا . فَقَالَ قَائِلٌ : فَإِلَى قَوْلِ مَنْ ذَهَبْتُمْ فِي إلْزَامِ طَلَاقِ الْمُكْرَهِ وَإِلَى أَيِّ حَدِيثٍ قَصَدْتُمْ ؟ فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ : أَنْ ذَهَبْنَا إلَى حَدِيثٍ هُوَ أَحْسَنُ فِي الْإِسْنَادِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ وَأَعْرَفُ رِجَالًا وَأَكْشَفُ مَعْنًى 743 - وهو مَا حدثنا فَهْدٌ ، حدثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حدثنا أَبُو أُسَامَةَ ، عَنْ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَمِيعٍ ، حدثنا أَبُو الطُّفَيْلِ ، حدثنا حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ قَالَ : مَا مَنَعَنِي أَنْ أَشْهَدَ بَدْرًا إلَّا أَنِّي خَرَجْتُ أَنَا وَأَبِي فَأَخَذَنَا كُفَّارُ قُرَيْشٍ فَقَالُوا : إنَّكُمْ تُرِيدُونَ مُحَمَّدًا ، فَقُلْنَا : مَا نُرِيدُ إلَّا الْمَدِينَةَ فَأَخَذُوا مِنَّا عَهْدَ اللَّهِ وَمِيثَاقَهُ لَنَنْصَرِفَنَّ إلَى الْمَدِينَةِ وَلَا نُقَاتِلُ مَعَهُ ، فَأَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرْنَاهُ فَقَالَ : انْصَرِفَا نَفِي لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ وَنَسْتَعِينُ اللَّهَ عَلَيْهِمْ . 744 - وَمَا حدثنا أَحْمَدُ بْنُ دَاوُد ، حدثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ صَالِحٍ الْأَزْدِيُّ ، حدثنا يُونُسُ بْنُ بُكَيْر ، عَنْ الْوَلِيدِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ : خَرَجْتُ أَنَا وَأَبِي حُسَيْلٌ وَنَحْنُ نُرِيدُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ ذَكَرَهُ نَحْوَهُ . فَكَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا قَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْإِكْرَاهِ تَلْزَمُ كَمَا تَلْزَمُ عَلَى الطَّوَاعِيَةِ .
800- باب بيان مشكل ما روي عن عمر - رضي الله عنه - من نهيه أن يغالى في صدقات النساء ، ومن احتجاجه في ذلك بأصدقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نساءه ، ومن أصدقة أزواج بناته بناته . 5971 - حدثنا أبو القاسم هشام بن محمد بن قرة بن أبي خليفة ، قال : حدثنا أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي ، قال : حدثنا فهد بن سليمان ، قال : حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين ، قال : حدثنا العمري ، عن ، نافع ، عن ابن عمر ، عن عمر ، قال : ما ساق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أحد من أزواجه ولا بناته أكثر من اثنتي عشرة أوقية . 5972 - حدثنا فهد ، قال : حدثنا أبو نعيم مرة أخرى ، قال : حدثنا العمري ، عن ، نافع ، عن ابن عمر بمثل ذلك ، ولم يذكر عمر فيه . 5973 - حدثنا أبو زرعة الدمشقي ، قال : حدثنا أبو نعيم ، قال : حدثنا العمري ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : أظنه عن عمر ثم ذكر مثله . قال لنا أبو زرعة : ليس الشك مني ، ولكنه في الحديث ، فاختلف فهد وأبو زرعة على أبي نعيم في هذا الحديث كما ذكرنا . 5974 - حدثنا روح بن الفرج ، قال : حدثنا يوسف بن عدي ، قال : حدثنا القاسم بن مالك المزني ، عن أشعث ، عن الشعبي ، عن شريح ، عن عمر : أنه خطب ، فقال : لا تغلوا صدقات النساء ، فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا والآخرة ، كان أحقكم بها وأولاكم محمد - صلى الله عليه وسلم - وأهل بيته ، ما تزوج ثيبا من نسائه ، ولا زوج ثيبا من بناته بأكثر من ثنتي عشرة أوقية . قال أبو جعفر : سمعت هذا الحديث من روح وحفظته وكتبته ، ثم وجدت بعضه قد ذهب من كتابي بانقلاع أسحاة منه ، فكتبته من أصله بعد وفاته هكذا . 5975 - حدثنا يزيد بن سنان ، قال : حدثنا أزهر بن سعد السمان ، عن ابن عون ، عن محمد عن أبي العجفاء ، عن عمر - رضي الله عنه - قال : لا تغلوا في صداق النساء ، فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا ، أو تقوى عند الله - عز وجل - كان أولاكم بها النبي - صلى الله عليه وسلم - ما زوج ثيبا من بناته ، ولا تزوج امرأة من نسائه بأفضل من ثنتي عشرة أوقية . 5976 - وحدثنا أحمد بن شعيب ، قال : حدثنا علي بن حجر ، قال : حدثنا إسماعيل بن إبراهيم ، عن أيوب وابن عون وسلمة بن علقمة وهشام بن حسان - دخل حديث بعضهم في حديث بعض - عن محمد بن سيرين ، قال : سلمة ، عن ابن سيرين ، نبئت عن أبي العجفاء ، وقال الآخرون : عن محمد بن سيرين ، عن أبي العجفاء ، قال : قال عمر : ألا لا تغلوا صدقات النساء ، فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا ، أو تقوى عند الله - عز وجل - كان أولاكم بها النبي - صلى الله عليه وسلم ما أصدق امرأة من نسائه ، ولا أصدق امرأة من بناته ، أكثر من ثنتي عشرة أوقية ، ألا وإن أحدكم ليغلي بصداق امرأته حتى يبقى لها عداوة في نفسه ، فيقول : لقد كلفت إليك علق القربة ، أو قال : عرق القربة . 5977 - وحدثنا أبو أمية ، قال : حدثنا سريج بن النعمان ، قال : حدثنا هشيم وحدثنا صالح بن عبد الرحمن ، قال : حدثنا سعيد بن منصور ، قال : حدثنا هشيم ، ثم اجتمعا ، فقالا : قال : أخبرنا منصور - يعني ابن زاذان - عن ابن سيرين ، قال : حدثنا أبو العجفاء السلمي ، قال : سمعت عمر بن الخطاب وهو يخطب الناس ، فحمد الله - عز وجل - وأثنى عليه ثم قال : ألا لا تغالوا في صداق النساء فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا ، أو تقوى عند الله - عز وجل - كان أولاكم بها النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم ذكر بقية حديث أحمد بن شعيب . 5978 - حدثنا يزيد ، قال : حدثنا عبد الله بن حمران ، قال : حدثنا ابن عون ، عن محمد ، عن أبي العجفاء ، أو عن ابن أبي العجفاء ، قال : قال عمر ، ثم ذكر مثله . قال أبو جعفر : ففي هذه الآثار عن عمر - رضي الله عنه - نهيه الناس أن يتجاوزوا في الأصدقة أصدقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - التي كان أصدقها نساءه ، والأصدقة التي كان أزواج بناته أصدقوها بناته ، وكان ذلك منه عندنا - والله أعلم - إرادة منه أن تكون الأصدقة المرجوع إليها فيمن يستحق من النساء صداق مثله من نسائه على من يستحقه عليه من الأزواج ، أن يكون وسطا ، وأن لا يكون شططا ، ومثل هذا ما قد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنكره في زمنه . 5979 - كما حدثنا بكار بن قتيبة ، قال : حدثنا مؤمل بن إسماعيل ، قال : حدثنا سفيان ، عن يحيى بن سعيد ، عن محمد بن إبراهيم التيمي ، عن أبي حدرد ، قال : أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسأله في صداق ، فقال : كم أصدقت ؟ قلت : مائتي درهم ، قال : لو كنتم تغرفون من بطحان ، لما زاد . قال أبو جعفر : هكذا حدثناه بكار . 5980 - 5052 - وقد حدثناه يوسف بن يزيد ، قال : حدثنا سعيد بن منصور ، قال : حدثنا هشيم ، قال : أخبرنا يحيى بن سعيد ، عن محمد بن إبراهيم التيمي : أن أبا حدرد تزوج امرأة ، فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - يستعينه في صداقها ، ثم ذكره . وكانت الأصدقة التي كان - صلى الله عليه وسلم - يصدقها نساءه ما قد ذكرناه في هذا الباب ، وكانت أصدقة من لم ينكر عليه ما أصدقه منها . 5981 - ما قد حدثنا علي بن معبد ، قال : حدثنا إسماعيل بن عمر ، قال : حدثنا داود بن قيس ، عن موسى بن يسار ، عن أبي هريرة ، قال : كان صداقنا إذ كان فينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عشر أواق ، وطبق بيديه ، وذلك أربعمائة . 5982 - وما قد حدثنا صالح ، قال : حدثنا سعيد ، قال : حدثنا هشيم ، قال : حدثنا حميد ، عن أنس : أن عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه - تزوج امرأة من الأنصار على وزن نواة من ذهب ، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم – : أولم ولو بشاة . وقد روي عن عائشة فيما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصدقه نساءه . 5983 - ما قد حدثنا فهد ، قال : حدثنا النفيلي ، قال : حدثنا الدراوردي ، قال : أخبرني ابن الهاد ، عن محمد بن إبراهيم ، عن أبي سلمة ، قال : سألت عائشة عن صداق النبي - صلى الله عليه وسلم - نساءه ، فقالت : اثنتي عشرة أوقية ونشا ، قلت لها: ما النش ؟ قالت : نصف أوقية . 5984 - وما قد حدثنا ابن أبي مريم ، قال : حدثنا جدي ، قال : حدثني يحيى بن أيوب ، قال : حدثني ابن الهاد ، ثم ذكر بإسناده مثله ، وزاد فيه : هكذا كان صداق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نساءه وبناته . وقد روي عن غيرها في ذلك . 5985 - ما قد حدثنا أحمد بن داود ، قال : حدثنا هدبة بن خالد ، قال : حدثنا أبو هلال ، قال : حدثنا حميد بن هلال ، قال : خطب عمرو بن حريث إلى عدي بن حاتم ابنته ، فقال : ما أنا بمزوجك إلا بحكمي ، فأقبل عليه بعض أصحابه ، فقال : والله ، لامرأة من قريش ، أحب إلينا من امرأة من طيئ على حكم أبيها ، فقال : إن ذاك لكذلك ، ثم أبت نفسه أن تدعه إلا أن يخطب إليه ، فقال : ما أنا بمزوجك إلا على حكمي ، قال : قد حكمتك ، قال : اذهب ، فقد أنكحتكها ، فانطلق عمرو ، فبات ولم ينم ، مخافة أن يحكم عليه بما لا يطيق ، فلما أصبح أرسل إليه ، بين لي ما حكمت علي حتى أبعث به إليك ، قال : أحكم عليك بأربعمائة وثمانين درهما سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - فأرسل إليه بها ، وأرسل إليه بعشرة آلاف ، أو عشرين ألفا - شك هدبة - فقال : جهزها بهذا . وقد روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مما يوافق حديث أبي حدرد . 5986 - وحدثنا أبو أمية ، قال : حدثنا أبو نعيم ، عن ابن عيينة ، عن أبي إسماعيل ، عن أبي حازم ، عن أبي هريرة ، قال : قال رجل : يا رسول الله تزوجت امرأة - أو خطبت امرأة ، أو ذكر امرأة - قال : انظر إليها ، فإن في عيون الأنصار شيئا ، قال : كم أصدقتها ؟ قال : ثمان أواق . قال : لو كان أحدكم ينحت من الجبل ، ما زاد . قال أبو جعفر : فكان عمر - رضي الله عنه - على ما كان عليه مما قد ذكرناه عنه حتى احتج عليه من كتاب الله بما قامت به الحجة عليه في إباحة أعلى الأصدقة . 5987 - حدثنا يوسف بن يزيد ، قال : حدثنا سعيد بن منصور ، قال : حدثنا هشيم ، قال : أخبرنا مجالد ، عن الشعبي ، قال : خطب عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في الناس ، فحمد الله ، وأثنى عليه ، ثم قال : لا تغالوا في صدق النساء ، فإنه لا يبلغني عن أحد ساق أكثر من شيء ساقه النبي - صلى الله عليه وسلم - أو سيق إليه ، إلا جعلت فضل ذلك في بيت المال . ثم نزل ، فعرضت له امرأة من قريش ، فقالت : يا أمير المؤمنين ، كتاب الله أحق أن يتبع ، أو قولك ؟ قال : بل كتاب الله ، بم ذاك ؟ فقالت : إنك نهيت الناس آنفا أن يغالوا في صدق النساء ، والله - عز وجل - يقول في كتابه : وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا ، فقال عمر : كل أحد أفقه من عمر ، مرتين أو ثلاثا ، ثم رجع إلى المنبر ، فقال للناس : إني كنت نهيتكم أن تغالوا في صدق النساء ، فليفعل رجل في ماله ما شاء . قال أبو جعفر : وكان هذا من عمر بعد قيام الحجة عليه هو الواجب عليه ، وكان ما كان منه قبل ذلك من النظر للناس هو الواجب عليه لما أداه إليه اجتهاده فيه ، فلما قامت عليه الحجة من الله - عز وجل - في خلاف ذلك رجع إليه ، وأمر بما قد ذكرناه عنه - فرضوان الله عليه - وهذا مما يدل على صحة ما ذهبنا إليه في اجتهاد الرأي مما قد تقدم ذكرنا له في كتابنا هذا ، ثم قد كان منه - رضي الله عنه - في نفسه . 5988 - ما قد حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، قال : حدثنا أبو عامر العقدي ، عن عبد الله بن زيد بن أسلم ، عن أبيه ، عن جده : أن عمر أصدق أم كلثوم ابنة علي أربعين ألفا . وقد تقدمه في ذلك ما أصدق عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مما يتجاوز المقدار الذي كان وقف عليه عمر مما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصدقه نساءه مما قد ذكرنا في هذا الباب . 5989 - كما قد حدثنا محمد بن سليمان الباغندي ، قال : حدثنا موسى بن إسماعيل الجبلي - وهذا رجل محمود الرواية - قال : حدثنا ابن المبارك ، عن معمر ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة ، قالت : ما أصدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحدا من نسائه ولا بناته فوق ثنتي عشرة أوقية ، إلا أم حبيبة ، فإن النجاشي زوجه إياها ، وأصدقها أربعة آلاف ، ونقد عنه ولم يعطها النبي - صلى الله عليه وسلم - شيئا . هكذا حدثنا الباغندي هذا الحديث عن الجبلي ، عن ابن المبارك ، وقد خالفه فيه نعيم بن حماد . 5990 - كما حدثنا فهد ويحيى بن عثمان ، قالا : حدثنا نعيم ، قال : حدثنا ابن المبارك ، قال : أخبرنا معمر ، عن الزهري ، عن عروة بن الزبير ، عن أم حبيبة : أنها كانت تحت عبيد الله بن جحش ، وكان رحل إلى النجاشي ، فمات ، وإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تزوج أم حبيبة ، وإنها لبأرض الحبشة ، زوجها إياه النجاشي ، وأمهرها أربعة آلاف من عنده ، وبعث بها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع شرحبيل ابن حسنة ، وجهازها كله من عند النجاشي ، ولم يرسل إليها النبي - صلى الله عليه وسلم - بشيء ، وكان مهور أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - أربعمائة درهم . قال أبو جعفر : وفي ترك النبي - صلى الله عليه وسلم - الإنكار على النجاشي ، ما قد دل على إباحة قليل الأصدقة وكثيرها ، والله - عز وجل - نسأله التوفيق .
96 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ قَوْلِهِ : لَا طَلَاقَ إلَّا مِنْ بَعْدِ نِكَاحٍ ، وَلَا عَتَاقَ إلَّا مِنْ بَعْدِ مِلْكٍ . 745 - حدثنا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ أَيُّوبَ بْنِ مِقْلَاصٍ الْخُزَاعِيُّ أَبُو حَفْصٍ ، حدثنا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ، حَدَّثنِي يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَدَنِيُّ الْمَعْرُوفُ بِالْجَارِيِّ ، حَدَّثنَي أَبُو شَاكِرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَالِدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رُقَيْشٍ قَالَ : سَمِعْت مِنْ عُمُومَةٍ لِي مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ وَمِنْ خَالِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَحْمَدَ بْنِ جَحْشٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ : حَفِظْتُ لَكُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِتًّا : لَا طَلَاقَ إلَّا مِنْ بَعْدِ نِكَاحٍ ، وَلَا عَتَاقَ إلَّا مِنْ بَعْدِ مِلْكٍ ، وَلَا يُتْمَ بَعْدَ احْتِلَامٍ ، وَلَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةٍ ، وَلَا صَمْتَ يَوْمٍ إلَى اللَّيْلِ ، وَلَا وِصَالَ فِي الصِّيَامِ . 746 - حدثنا ابْنُ خُزَيْمَةَ ، حدثنا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ ، حدثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ عَامِرٍ الْأَحْوَلِ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا طَلَاقَ لِامْرِئٍ فِيمَا لَا يَمْلِكُ ، وَلَا عَتَاقَ لِامْرِئٍ فِيمَا لَا يَمْلِكُ . 747 - حدثنا ابْنُ خُزَيْمَةَ ، حدثنا مُسْلِمُ بْنُ إبْرَاهِيمَ ، حدثنا هِشَامُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ مَطَرٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : لَا طَلَاقَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ ، وَلَا عَتَاقَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ ، وَلَا بَيْعَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ . فَتَأَمَّلْنَا قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : لَا طَلَاقَ إلَّا مِنْ بَعْدِ نِكَاحٍ ، وَلَا عَتَاقَ إلَّا مِنْ بَعْدِ مِلْكٍ وَقَوْلَهُ : لَا طَلَاقَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ ، وَلَا عَتَاقَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ ، لِنَقِفَ عَلَى مَعْنَاهُ . 748 - فَوَجَدْنَا أَبَا قُرَّةَ مُحَمَّدَ بْنَ حُمَيْدِ بْنِ هِشَامٍ الرُّعَيْنِيَّ قَدْ حدثنا قَالَ : حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ ، حدثنا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّهُ قَالَ لِابْنِ شِهَابٍ وَهُوَ يُذَاكِرُهُ هَذَا النَّحْوَ مِنْ طَلَاقِ مَنْ لَمْ يَنْكِحْ وَعِتْقِ مَنْ لَمْ يَمْلِكْ أَلَمْ يَبْلُغْكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : لَا طَلَاقَ قَبْلَ نِكَاحٍ ، وَلَا عِتْقَ قَبْلَ مِلْكٍ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : بَلَى ، قَدْ قَالَهُ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَلَكِنْ أَنْزَلْتُمُوهُ عَلَى خِلَافِ مَا أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، إنَّمَا هُوَ أَنْ يَذْكُرَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ الْمَرْأَةَ فَيُقَالُ لَهُ تَزَوَّجْهَا فَيَقُولُ : هِيَ طَالِقٌ الْبَتَّةَ ، فَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنْ تَزَوَّجْتُ فُلَانَةَ فَهِيَ طَالِقٌ الْبَتَّةَ فَإِنَّمَا طَلَّقَهَا حِينَ تَزَوَّجَهَا ، أَوْ قَالَ : هِيَ حُرَّةٌ إنْ اشْتَرَيْتُهَا فَإِنَّمَا أَعْتَقَهَا حِينَ اشْتَرَاهَا . 749 - وَوَجَدْنَا ابْنَ أَبِي دَاوُد قَدْ حدثنا قَالَ : حدثنا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ ، حدثنا حَمَّادُ بْنُ خَالِدٍ الْخَيَّاطُ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : لَا طَلَاقَ إلَّا بَعْدَ نِكَاحٍ . قَالَ الزُّهْرِيُّ : وَإِنَّمَا تَعْنِي بِذَلِكَ : الرَّجُلَ يُقَالُ لَهُ : نُزَوِّجُك فُلَانَةَ ، فَيَقُولُ : هِيَ طَالِقٌ ، فَأَمَّا إذَا قَالَ : إنْ تَزَوَّجْتُ فُلَانَةَ فَهِيَ طَالِقٌ ، لَزِمَهُ الطَّلَاقُ . فَكَانَ مَا حَكَاهُ الزُّهْرِيُّ مِنْ ذَلِكَ هُوَ عَلَى قَوْلِ الرَّجُلِ لِامْرَأَةٍ لَا نِكَاحَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا أَنْتِ طَالِقٌ ، لَا عَلَى قَوْلِهِ لَهَا إذَا تَزَوَّجْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ ، عَلَى مَا يَخْتَلِفُ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ ، فَيُلْزِمُهُ بَعْضُهُمْ فِيهِ الطَّلَاقَ إنْ تَزَوَّجَهَا ، مِنْهُمْ : أَبُو حَنِيفَةَ وَالْقَائِلُونَ بِقَوْلِهِ ، وَمِنْهُمْ : مَالِكٌ وَالْقَائِلُونَ بِقَوْلِهِ ، وَلَا يُلْزِمُ بَعْضُهُمْ فِي ذَلِكَ طَلَاقًا ، مِنْهُمْ : الشَّافِعِيُّ وَيَجْعَلُهُ فِي حُكْمِ طَلَاقِهِ كَمَنْ لَمْ يَتَزَوَّجْ . ثُمَّ تَأَمَّلْنَا مَا يُرْوَى عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي ذَلِكَ . 750 - فَوَجَدْنَا يُونُسَ قَدْ حدثنا قَالَ : حدثنا ابْنُ وَهْبٍ أَنَّ مَالِكًا أَخْبَرَهُ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيِّ ، عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ : أَنَّ رَجُلًا قَالَ : يَوْمَ أَنْكِحُ فُلَانَةَ ، أَوْ : إنْ نَكَحْتُ فُلَانَةَ فَهِيَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : إنْ نَكَحْتَهَا فَلَا تَقْرَبْهَا حَتَّى تُكَفِّرَهُ . فَكَانَ هَذَا الْحَدِيثُ مُنْقَطِعَ الْإِسْنَادِ غَيْرَ مُتَّصِلٍ بِعُمَرَ فَطَلَبْنَاهُ هَلْ نَجِدُهُ عَنْهُ مَوْصُولًا ؟ 751 - فَوَجَدْنَا رَوْحَ بْنَ الْفَرَجِ قَدْ حدثنا قَالَ : حدثنا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْر ، حَدَّثنِي اللَّيْثُ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ بْنَ حَفْصِ بْنِ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، حَدَّثهُ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ أَنَّ رَجُلًا قَالَ : يَوْمَ أَنْكِحُ فُلَانَةَ ثُمَّ ذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْ مَالِكٍ سَوَاءً . ثُمَّ طَلَبْنَا مَا يَدُلُّنَا عَلَى لِقَاءِ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ . 752 - فَوَجَدْنَا يُونُسَ قَدْ حدثنا قَالَ : حدثنا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَني اللَّيْثُ ، حدثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ مُرَّةَ الزُّرَقِيِّ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيِّ أَنَّهُ رَأَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ بِالْهَاجِرَةِ يُرِيدُ أَرْضًا لَهُ بِالْجُرْفِ ، قَالَ : فَاتَّبَعْتُهُ حَتَّى لَحِقْتُهُ ، قَالَ : فَتَمَاشَيْنَا فَلَقِيَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ يَحْمِلُ عِيدَانًا مِنْ عِنَبٍ ، فَقَالَ عُمَرُ لِعَلِيٍّ : مَا بَقِيَ مِنْ شَدِّكَ ، فَأَلْقَى الَّذِي كَانَ يَحْمِلُ ثُمَّ اشْتَدَّ ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : إنِّي لَأَرَاهُ قَدْ بَقِيَ مِنْ شَدِّكَ ، ثُمَّ انْطَلَقَ وَمَضَيْنَا فَلَقِينَا حِمَارًا لِعُمَرَ يَحْمِلُ بَقْلًا يَسُوقُهُ غُلَامٌ لَهُ ، فَقَالَ لِغُلَامِهِ : أَعَجِلَ عَلَيَّ بِالْحِمَارِ ، فَجَاءَه بِهِ لَا رَسَنَ عَلَيْهِ وَلَا حِلْسَ فَأَرَادَ أَنْ يَرْكَبَ فَأَرَدْتُ أَنْ أَجْعَلَ رِدَائِي تَحْتَهُ ، قَالَ : نَحِّ عَنِّي رِدَاءَكَ ، فَرَكِبَهُ بِغَيْرِ رَسَنٍ وَلَا حِلْسٍ . فَعَقَلْنَا بِذَلِكَ أَنَّ عَمْرَو بْنَ سُلَيْمٍ مِمَّنْ قَدْ صَحِبَ عُمَرَ ثُمَّ طَلَبْنَا مَا رُوِيَ فِي ذَلِكَ عَنْ غَيْرِ عُمَرَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُوَافِقًا لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ فِيهِ 753 - فَوَجَدْنَا أَبَا أُمَيَّةَ قَدْ حدثنا ، قَالَ : حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ، حدثنا سُفْيَانُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ يَعْنِي الْأَسَدَيَّ ، عَنْ إبْرَاهِيمَ ، عَنْ الْأَسْوَدِ أَنَّهُ ابْتَلَي بِذَلِكَ فَقَالَ : إنْ تَزَوَّجْتُ فُلَانَةَ فَهِيَ طَالِقٌ ، يَعْنِي فَتَزَوَّجَهَا ، فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : قَدْ بَانَتْ مِنْكَ امْرَأَتُكَ ، فَأخْطُبْهَا إلَى نَفْسِهَا . 754 - وَوَجَدْنَا مُحَمَّدَ بْنَ الْعَبَّاسِ بْنِ الرَّبِيعِ اللُّؤْلُئِيَّ قَدْ حدثنا قَالَ : حدثنا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ الْجُعْفِيُّ ، حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إدْرِيسَ ، حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ قَيْسٍ الْأَسَدِيُّ ، عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ ، عَنْ الْأَسْوَدِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بِمِثْلِ مَعْنَاهُ . فَكَانَ مَا رَوَيْنَا فِي ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ مَا قَدْ وَافَقَ قَوْلَ الَّذِينَ ذَهَبُوا فِي ذَلِكَ إلَى إلْزَامِ هَذَا الْقَوْلِ قَائِلَهُ . ثُمَّ نَظَرْنَا هَلْ رُوِيَ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خِلَافَهُمَا فِي ذَلِكَ 755 - فَوَجَدْنَا عَلِيَّ بْنَ شَيْبَةَ قَدْ حدثنا قَالَ : حدثنا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ قَالَ : سَمِعْت الثَّوْرِيَّ وَسُئِلَ عَنْ رَجُلٍ قَالَ : إنْ تَزَوَّجْتُ فُلَانَةَ فَهِيَ طَالِقٌ ، فَذَكَرَ عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ لَمْ يَرَهُ شَيْئًا . 756 - وَوَجَدْنَا أَحْمَدَ بْنَ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ الْمَرْوَزِيِّ قَدْ حدثنا قَالَ : حدثنا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ ، حدثنا أَبُو حَمْزَةَ ، عَنْ يَزِيدَ النَّحْوِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ : ذُكِرَ لِابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ : إنْ تَزَوَّجْتُ فُلَانَةَ فَهِيَ طَالِقٌ ، أَنَّهُ إنْ تَزَوَّجَهَا طَلُقَتْ ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : مَا أَظُنُّ أَنَّهُ قَالَ هَذَا ، وَلَئِنْ كَانَ قَالَهَا فَرُبَّ زَلَّةٍ مِنْ عَالِمٍ ، إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ : يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ . وَأَمَّا التَّابِعُونَ فَمُخْتَلِفُونَ فِي ذَلِكَ كَاخْتِلَافِ مَنْ تَقَدَّمَهُمْ وَاخْتِلَافِ مَنْ تَأَخَّرَ عَنْهُمْ . ثُمَّ تَأَمَّلْنَا مَا تُوجِبُهُ شَوَاهِدُ الْأُصُولِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا فِي ذَلِكَ . فَوَجَدْنَا الرَّجُلَ يَقُولُ : كُلُّ وَلَدٍ تَلِدُهُ مَمْلُوكَتِي هَذِهِ فَهُوَ حُرٌّ ، فَتَحْمِلُ بَعْدَ ذَلِكَ بِأَوْلَادٍ ثُمَّ تَلِدُهُمْ أَنَّهُمْ يُعْتَقُونَ عَلَيْهِ ، وَقَدْ كَانَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي قَالَ فِيهِ الْقَوْلَ الَّذِي عَتَقُوا بِهِ عَلَيْهِ غَيْرَ مَالِكٍ لَهُمْ ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا خُلِقُوا يَوْمَئِذٍ ، فَلَمْ يُرَاعُوا فِي ذَلِكَ وَقْتَ الْقَوْلِ الَّذِي كَانَ مِنْهُ ، وَرَاعَوْا وَقْتَ وُقُوعِهِ ، فَجَعَلُوهُ مُكْفِيًا ، وَكَانَ مِنْهُ حِينَئِذٍ فَكَانَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْقِيَاسِ ، أَلَا يُرَاعَى الْوَقْتُ الَّذِي قَالَ فِيهِ الرَّجُلُ الَّذِي ذَكَرْنَا : فُلَانَةُ طَالِقٌ إنْ تَزَوَّجْتُهَا أَوْ فُلَانَةُ حُرَّةٌ إنْ مَلَكْتُهَا ، وَيُرَاعَى وَقْتُ وُقُوعِ طَلَاقِهِ وَوَقْتُ وُقُوعِ عَتَاقِهِ . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : إنَّمَا اخْتَلَفَ هَذَا وَمَا قَبْلَهُ لِمِلْكِ قَائِلِ هَذَا الْقَوْلِ الْأَمَةَ الَّتِي قَالَهُ لَهَا فِي وَقْتِ قَوْلِهِ إيَّاهُ لَهَا ، قِيلَ لَهُ : لَمْ يُخْتَلَفْ فِي مِلْكِهِ كَانَ لَهَا يَوْمَئِذٍ وَلَا فِي انْتِفَاءِ مِلْكِهِ عَمَّا أَوْقَعَ عَتَاقَهُ عَلَيْهِ يَوْمَئِذٍ ، وَفِيمَا ذَكَرْنَا دَلِيلٌ عَلَى مَا وَصَفْنَا . وَوَجَدْنَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي جَوَابِهِ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ لَمَّا قَالَ لَهُ إنِّي مَلَكْتُ مِائَةَ سَهْمٍ مِنْ خَيْبَرَ وَقَدْ أَرَدْتُ أَنْ أَتَقَرَّبَ بِهَا إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى مَا قَدْ . 757 - حدثنا الْمُزَنِيّ ، حدثنا الشَّافِعِيُّ ، عَنْ سُفْيَانَ ، حَدَّثنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ مَلَكَ مِائَةَ سَهْمٍ مِنْ خَيْبَرَ فَاسْتَجْمَعَهَا فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنِّي أَصَبْتُ مَا لَمْ أُصِبْ مِثْلَهُ قَطُّ ، وَقَدْ أَرَدْتُ أَنْ أَتَقَرَّبَ بِهِ إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، فَقَالَ لَهُ : احْبِسْ الْأَصْلَ وَسَبِّلْ الثَّمَرَةَ . 758 - وَوَجَدْنَا أَحْمَدَ بْنَ شُعَيْبِ بْنِ عَلِيٍّ النَّسَائِيّ قَدْ حدثنا قَالَ : حدثنا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، حدثنا سُفْيَانُ ، عَنْ عَبْيدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ سَوَاءً . فَكَانَ فِي أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُمَرَ جَوَابٌ لِمَسْأَلَتِهِ إيَّاهُ بِتَحْبِيسِ أَصْلِ سِهَامِهِ هَذِهِ وَتَسْبِيلِ ثَمَرَتِهَا الْحَادِثَةِ فِيهَا مَا قَدْ دَلَّ عَلَى جَوَازِ الْعُقُودِ فِي الْأَشْيَاءِ الْحَوَادِثِ عَنْهَا مِمَّا لَمْ يَكُنْ عَاقَدُوهَا فِي وَقْتِ عَقْدِهِمْ مَا عَقَدُوا فِيهَا مَالِكِينَ لَهَا . فَمِثْلُ ذَلِكَ أَيْضًا مَا يَعْقِدُهُ الرَّجُلُ عَلَى مَا يَمْلِكُهُ فِي الْمُسْتَأْنَفِ مِنْ مَمَالِيكَ مِنْ عَتَاقٍ وَعَلَى مَا يَتَزَوَّجُهُ مِنْ النِّسَاءِ مِنْ طَلَاقٍ حُكْمُهُ كَحُكْمِ مَا يَحْدُثُ عَنْ الْأَشْيَاءِ الْمُسَبَّلَةِ فَيَجْرِي ذَلِكَ الْعَتَاقُ وَذَلِكَ الطَّلَاقُ فِيمَا عَقَدَا عَلَيْهِ كَمَا جَرَتْ الْوُجُوهُ الَّتِي عُقِدَتْ عَلَى الثَّمَرَةِ الْحَادِثَةِ بَعْدَ التَّسْبِيلِ فِي الْأَشْيَاءِ الْمُسَبَّلَةِ . وَمِثْلُ ذَلِكَ أَيْضًا مَا قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى إجَازَتِهِ فِي الْوَكَالَاتِ فِيمَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ رَقَبَةٌ فِي ظِهَارٍ أَوْ كَفَّارَةِ يَمِينٍ فَيُوَكِّلُ رَجُلًا بِابْتِيَاعِهَا وَعَتَاقِهَا عَنْهُ عَنْ ذَلِكَ ، فَفَعَلَ الْوَكِيلُ مَا أَمَرَهُ بِهِ مِنْ ذَلِكَ : أَنَّ ذَلِكَ جَازَ عَنْهُ مِنْ الرَّقَبَةِ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِ وَقَدْ كَانَتْ الْوَكَالَةُ مِنْهُ فِيهَا قَبْلَ أَنْ يَمْلِكَهَا فَلَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ وَرُوعِيَ وَقْتُ وُقُوعِ عَتَاقِهِ عَلَيْهَا وَلَمْ يُرَاعَ تَوْكِيلُهُ بِذَلِكَ قَبْلَ مِلْكِهِ إيَّاهَا . وَمِنْ ذَلِكَ مَا قَدْ أَجْمَعُوا عَلَيْهِ فِي الْوَصَايَا فَجَوَّزُوا لِلرَّجُلِ أَنْ يُوَصِّيَ بِثُلُثِ مَالِهِ فِيمَا يُوَصِّيَ بِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ عَامِلًا فِيمَا كَانَ مَالِكًا لَهُ يَوْمَ أَوْصَى مِمَّا يَبْقَى فِي مِلْكِهِ إلَى أَنْ يَمُوتَ وَفِيمَا يُفِيدُهُ بَعْدَ ذَلِكَ إلَى أَنْ يَمُوتَ مِمَّا يَبْقَى فِي مِلْكِهِ إلَى أَنْ يَمُوتَ وَلَمْ يُرَاعَ فِي ذَلِكَ مِلْكُهُ يَوْمَ أَوْصَى ، فَيُجَوِّزَ فِيهِ وَصَايَاهُ وَلَا عَدَمُهُ فَيَبْطُلَ بِهِ وَصَايَاهُ ، وَرُوعِيَ بَقَاءُ مِلْكِهِ حِينَ يَمُوتُ عَلَى الْأَشْيَاءِ الَّتِي يَمُوتُ عَنْهَا وَهُوَ مَالِكٌ لَهَا فَأُعْلِمَتْ وَصَايَاهُ فِيهَا حِينَئِذٍ لِوُقُوعِهَا فِيمَا كَانَ مِلْكًا لَهُ يَوْمَ وَجَبَتْ . فَمِثْلُ ذَلِكَ عُقُودُ الْأَيْمَانِ الَّتِي ذَكَرْنَا مِنْ الْعَتَاقِ وَمِنْ الطَّلَاقِ ، لَا يُرَاعَى مِلْكُ عَاقِدِيهَا لَهَا يَوْمَ عَقَدُوا تِلْكَ الْأَيْمَانَ عَلَيْهَا وَيُرَاعَى مِلْكُهُمْ لَهَا عِنْدَ وُقُوعِهَا عَلَيْهَا . ثُمَّ تَأَمَّلْنَا هَذَا الْبَابَ أَيْضًا فَوَجَدْنَا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَدْ قَالَ : لَا نَذْرَ لِابْنِ آدَمَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ ، وَسَنَذْكُرُ ذَلِكَ فِيمَا بَعْدُ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ ، كَمَا قَالَ : لَا طَلَاقَ إلَّا بَعْدَ نِكَاحٍ . ثُمَّ وَجَدْنَا اللَّهَ تَعَالَى قَدْ قَالَ فِي كِتَابِهِ : وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ إلَى قَوْلِهِ : وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ . فَكَانَ مَا كَانَ مِنْهُمْ بِقَوْلِهِمْ : لئن أتانا الله من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين ، مِمَّا قَدْ أَوْجَبَهُ عَلَيْهِمْ إذَا آتَاهُمْ مَا وَعَدُوهُ أَنْ يَفْعَلُوهُ فِيهِ إذَا آتَاهُمْ إيَّاهُ ، وَكَانَ ذَلِكَ بِخِلَافِ قَوْلِهِمْ فِيمَا لَا يَمْلِكُونَ . فَمِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُ الرَّجُلِ : إنْ تَزَوَّجْتُ فُلَانَةَ فَهِيَ طَالِقٌ يَكُونُ خِلَافَ حُكْمِهِ إذَا قَالَ : هِيَ طَالِقٌ ، وَلَمْ يَقُلْ إذَا تَزَوَّجْتُهَا ، فَيَلْزَمُهُ مَا قَالَ فِيهَا إذَا قَالَ إذَا تَزَوَّجْتُهَا فَهِيَ طَالِقٌ ، وَلَا يَلْزَمُهُ قَوْلُهُ لَهَا هِيَ طَالِقٌ وَلَمْ يَقُلْ إذَا تَزَوَّجْتُهَا ، وَباَللَّهَ جلا وعلا التَّوْفِيقَ .
704 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما كان منه من الرجوع إلى أقوال عرفاء المسلمين فيما ذكروه له مما كان من القوم الذين هم عرفاؤهم في السبايا اللائي أراد إطلاقهم لقومهم . قال أبو جعفر : قد ذكرنا في الباب الذي قبل هذا الباب من حديث ابن أبي داود الذي بدأنا بذكره فيه رجوع رسول الله صلى الله عليه وسلم في السبايا إلى ما ذكر له العرفاء أنه قد كان فيهم من القوم الذين هم عرفاء عليهم , وقد روي في ذلك أيضا . 5271 - ما قد حدثنا أحمد بن شعيب ، أنبأنا هارون بن موسى الفروي ، حدثني محمد بن فليح ، عن موسى بن عقبة قال : قال ابن شهاب : حدثني عروة بن الزبير أن مروان والمسور بن مخرمة أخبراه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أذن له المسلمون في عتق سبي هوازن قال : إني لا أدري من أذن منكم ممن لم يأذن , فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم , فرجع الناس , فكلمهم عرفاؤهم , فرجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم , فأخبروه . فاستدل بما في هذا الحديث غير واحد من أهل العلم على قبول الحكام من الوكلاء ما يقرون به على موكليهم فيما وكلوهم به عندهم , لأن العرفاء فيما ذكرنا قد أقامهم الذين هم عرفاء عليهم في أمورهم أكثر من مقام الوكلاء فيما وكلوهم به عند الحكام الذين وكلوهم بما وكلوهم به عندهم , وممن كان يذهب إلى ذلك منهم أبو حنيفة ومحمد بن الحسن , وقالوا : ألا ترون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يحتج بعد ما نقل إليه العرفاء عن القوم الذين هم عرفاء عليهم ما نقلوه إليه عنهم أن يرجع إلى الوقوف على ذلك منهم , وأنه أطلق بذلك السبايا لقومهم الذين كلموهم فيهم , وكان في ذلك تحريم فروجهن على من كانت حلت له قبل ذلك ممن وقع ملكه عليهن ؟ وهذه حجة صحيحة , وإن كان لقائلها من أهل العلم مخالفون في ذلك المعنى , ويقولون : لا يقبل إقرار الوكلاء على موكليهم بما يقرون به عليهم , ولكنهم مخرجون مما وكلوا منه بذلك الإقرار , وممن كان ذهب إلى ذلك زفر وأبو يوسف وأكثر أهل العلم سواهما وسوى أبي حنيفة رحمه الله تعالى , والله نسأله التوفيق .
97 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنه عَلَيْهِ السَّلَامُ فِيمَنْ اسْتَلْجَجَ بِيَمِينٍ عَلَى أَهْلِهِ . 759 - حدثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُد ، حدثنا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ الْوُحَاظِيُّ ، حدثنا مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَامٍ ، حدثنا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : مَنْ اسْتَلْجَجَ بِيَمِينٍ عَلَى أَهْلِهِ فَهُوَ أَعْظَمُ إثْمًا . يَعْنِي الْكَفَّارَةَ . فَتَأَمَّلْنَا الْمُرَادَ بِمَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا هُوَ ؟ فَوَجَدْنَا مَنْ حَلَفَ عَلَى زَوْجَتِهِ أَلَّا يَقْرَبَهَا مَانِعًا لَهَا مِنْ حَقٍّ لَهَا عَلَيْهِ وَكَانَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ بَعْدَ حَلِفِهِ بِذَلِكَ عَلَيْهَا الْفَيْءَ إلَيْهَا ، وَالرُّجُوعَ عَنْ يَمِينِهِ عَلَيْهَا بِمَنْعِهَا حَقَّهَا عَلَيْهِ . وَمِنْ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ إلَى قَوْلِهِ : سَمِيعٌ عَلِيمٌ فَذَكَرَ فِي الْفَيْءِ الرَّحْمَةَ وَالْغُفْرَانَ لِرُجُوعِ الْفَائِيِّ عَنْ مَنْعِ الْحَقِّ الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ بِيَمِينِهِ الَّتِي كَانَتْ مِنْهُ ، وَلَمْ يَذْكُرْ مِثْلَ ذَلِكَ فِي عَزْمِهِ عَلَى الطَّلَاقِ ؛ لِأَنَّهُ فِي عَزْمِهِ عَلَى الطَّلَاقِ مُتَمَادٍ فِي اسْتِلْجَاجِهِ فِي مَنْعِ الْحَقِّ الَّذِي عَلَيْهِ . وَمِمَّا يَدْخُلُ فِي هَذَا الْمَعْنَى مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : فِيمَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فِي قَطِيعَةِ رَحِمٍ أَوْ فِي مَعْصِيَةٍ سِوَى ذَلِكَ 760 - كَمَا حدثنا بَكَّارَ ، حدثنا أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ الْأَسَدِيُّ الْكُوفِيُّ ، حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ شَرِيكٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَحْوَلِ ، عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَفَعَهُ قَالَ : مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ قَطِيعَةٍ أَوْ مَعْصِيَةٍ فَحَنِثَ فَذَلِكَ كَفَّارَةٌ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : أَيْ لِأَنَّ حِنْثَهُ فِيهَا رُجُوعٌ عَمَّا كَانَ حَلَفَ بِهَا عَلَيْهِ فَرُجُوعُهُ عَنْ ذَلِكَ كَفَّارَةٌ لَهُ . فَمِثْلُ ذَلِكَ أَيْضًا مَا رَوَيْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ هُوَ أَيْضًا مِنْ هَذَا الْجِنْسِ ؛ لِأَنَّ الْحَالِفَ عَلَى أَهْلِهِ يَمْنَعُهَا حَقَّهَا الَّذِي لَهَا عَلَيْهِ عَاصٍ لِرَبِّهِ تَعَالَى وَكَفَّارَتُهُ مِنْ تِلْكَ الْمَعْصِيَةِ رُجُوعُهُ عَنْهَا . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : فَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ رُجُوعُهُ وَلَا فَيْئُهُ . فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ : أَنَّ ذَلِكَ الْخِطَابَ الَّذِي كَانَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلنَّاسِ خِطَابٌ عَرَبِيٌّ خَاطَبَ بِهِ قَوْمًا عُرْبًا ، فَكَانَ فِيمَا خَاطَبَهُمْ بِهِ مِنْ ذَلِكَ مَا قَدْ فَهِمُوا بِهِ عَنْهُ مُرَادَهُ ، وَهُوَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فَأَغْنَاهُ ذَلِكَ عَنْ كَشْفِهِ إيَّاهُ لَهُمْ بِلِسَانِهِ ، كَمِثْلِ مَا قَدْ جَاءَ الْقُرْآنُ بِقَوْلِهِ فِي سُورَةِ النُّورِ : وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ وَاكْتَفَى بِذَلِكَ عَمَّا كَانَ يَكُونُ لَوْلَا فَضْلُهُ عَلَيْهمْ وَرَحْمَتُهُ إيَّاهُمْ . وَكَمِثْلِ قَوْلِهِ فِي سُورَةِ الرَّعْدِ : وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الأَمْرُ جَمِيعًا مِنْ غَيْرِ ذِكْرِهِ لِمَا كَانَ يَكُونُ لَوْ كَانَ مِنْ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ لِفَهْمِ الْمُخَاطَبِينَ بِذَلِكَ ، لِمَا قَدْ أَرَادَ أَنْ يَفْهَمُوهُ عَنْهُ بِذَلِكَ الْخِطَابِ الَّذِي خَاطَبَهُمْ بِهِ . فَمِثْلُ ذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ : مَنْ اسْتَلْجَجَ بِيَمِينٍ عَلَى أَهْلِهِ فَهُوَ أَعْظَمُ إثْمًا . أَيْ مِمَّنْ سِوَاهُ مِنْ الْحَالِفِينَ بِغَيْرِ تِلْكَ الْيَمِينِ ، فَاكْتَفَى عَلَيْهِ السَّلَامُ بِعِلْمِهِ أَنَّهُمْ قَدْ فَهِمُوا ذَلِكَ عَنْهُ بِزِيَادَةِ أَلْفَاظٍ فِيهَا كَشْفُ مَا أَرَادَهُ مِنْهُمْ مِمَّا خَاطَبَهُمْ مِنْ أَجْلِهِ بِمَا فِي ذَلِكَ الْحَدِيثِ .
801- باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من قوله : لا يحل للواهب أن يرجع في هبته ، إلا الوالد لولده . 5991 - حدثنا أحمد بن الحسن الكوفي ، قال : حدثنا أسباط بن محمد ، قال : حدثنا حسين المعلم ، عن عمرو بن شعيب ، عن طاوس ، عن ابن عمر وابن عباس : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : لا يحل لرجل أن يرجع في هبته إلا الوالد لولده . 5992 - حدثنا يزيد بن سنان ، قال : حدثنا أبو كامل فضيل بن الحسين الجحدري ، قال : حدثنا يزيد بن زريع ، قال : حدثنا حسين المعلم ، قال : حدثنا عمرو بن شعيب ، عن طاوس ، عن ابن عمر وابن عباس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : لا يحل لرجل يعطي عطية ، أو يهب هبة فيرتجع ، إلا الوالد فيما يعطي ولده . قال : ومثل الذي يعطي عطية ، ثم يرجع فيها ، كمثل الكلب أكل حتى إذا شبع ، قاء ، وعاد في قيئه . 5993 - حدثنا أحمد بن أبي عمران ، قال : حدثنا عبيد الله بن عمر القواريري ، قال : حدثنا يزيد بن زريع ، عن حسين المعلم ، عن عمرو بن شعيب ، عن طاوس ، عن ابن عمر وابن عباس ، قالا : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم – : لا يحل لواهب أن يرجع في هبته ، إلا الوالد لولده . 5994 - حدثنا الحسن بن غليب بن سعيد الأزدي ، قال : حدثنا يوسف بن عدي ، قال : حدثنا إسحاق - وهو الأزرق - عن حسين المعلم ، عن عمرو بن شعيب ، عن طاوس ، عن ابن عباس وابن عمر ، قالا : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا يحل لرجل أن يعطي عطية ، فيرجع فيها ، إلا الوالد فيما يعطي ولده ، ومثل الذي يعطي العطية ، فيرجع فيها ، كمثل الكلب أكل حتى إذا شبع قاء ، ثم عاد في قيئه . 5995 - 5066 - أخبرنا أحمد بن شعيب ، قال : أخبرنا محمد بن المثنى ، قال : حدثنا ابن أبي عدي ، عن حسين ، عن عمرو بن شعيب ، قال : حدثني طاوس ، عن ابن عمر وابن عباس يرفعان الحديث إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : لا يحل لرجل يعطي عطية - يعني ، ثم ذكر بقية الحديث . قال أبو جعفر : فنظرنا في هذا الحديث ، هل رواه عن حسين المعلم غير من ذكر بخلاف ما رواه عليه عنه من ذكرنا ؟ . 5996 - فوجدنا أحمد بن شعيب قد حدثنا ، قال : أخبرنا إسماعيل بن مسعود ، قال : حدثنا خالد - يعني ابن الحارث - عن حسين ، عن عمرو بن شعيب ، عن طاوس ، عن ابن عمر وابن عباس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أحسبه قال: لا يحل - يشك حسين من الحديث في يحل - أن يعطي عطية ، ثم يرجع فيها ، إلا الوالد فيما يعطي ولده ، ومثل الذي يعطي عطية ، ثم يرجع فيها ، كمثل الكلب أكل حتى إذا شبع قاء ، ثم عاد في قيئه . قال أبو جعفر : وكان فيما رواه خالد ، عن حسين ، شك حسين في الذي في حديثه هذا مما أضيف إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - من لا يحل لأحد أن يعطي عطية من غير شك منه ، فيما بقي من الحديث ، فعاد حديثه هذا إلى أن الذي لا يشك فيه منه أنه : لا يرجع أحد في عطيته ، إلا الوالد فيما يعطي ولده . وكذلك وجدناه من رواية غيره ، عن عمرو بن شعيب ، وإن كان قد خالفه في إسناده . 5997 - كما حدثنا أحمد بن شعيب ، قال : أخبرنا أحمد بن حفص بن عبد الله ، قال : حدثني أبي ، قال : حدثني إبراهيم - وهو ابن طهمان - عن سعيد بن أبي عروبة ، عن عامر الأحول ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا يرجع أحد في هبة ، إلا والد من ولده ، والعائد في هبته كالعائد في قيئه . ثم نظرنا : هل رواه عن طاوس غير من ذكرنا ؟ . 5998 - فوجدنا أحمد بن شعيب قد حدثنا ، قال : أخبرنا محمد بن حاتم بن نعيم ، قال : حدثنا حبان ، قال : حدثنا عبد الله - يعني ابن المبارك - عن إبراهيم بن نافع - يعني المخزومي - عن الحسن بن مسلم ، عن طاوس ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا يحل لأحد أن يهب هبة ، ثم يرجع فيها ، إلا والد من ولده . قال طاوس : كنت أسمع وأنا صغير عائد في قيئه ، فلم أكن أظن أنه ضرب له مثلا ، قال : فمن فعل ذلك ، فمثله كمثل الكلب ، يأكل ، ثم يقيء ، ثم يعود في قيئه . قال أبو جعفر : فعاد هذا الحديث من رواية الحسن بن مسلم ، عن طاوس موقوفا عليه بذكره إياه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - منقطعا ، والحسن بن مسلم ، فغير مجهول المقدار في صحة الرواية . ثم نظرنا في متن هذا الحديث ، فوجدنا معنى : لا يحل لو كان ثابتا في الحديث غير مشكوك فيه ، لا يوجب منعا للواهب ولا للمعطي من الرجوع في هبته ، ولا في عطيته لغير ولده ، إذ كان قد يحتمل أن يكون ذلك على معنى : لا يحل لرجل أن يقذر نفسه بأن يجعلها برجوعه في هبته ، وفي عطيته ، كالكلب يقيء ، ثم يأكل فيه ، كما نهى - صلى الله عليه وسلم - عن كسب الحجام ، وأخبر أنه من السحت ، على النهي منه لأحد من أمته أن يدني نفسه ، لا على أن ذلك حرام ، وقد ذكرنا ذلك بأسانيده فيما تقدم منا في كتابنا هذا ، فمثل ذلك ما كان منه - صلى الله عليه وسلم - من قوله: لا يحل لأحد أن يرجع في هبته أو في عطيته ، إلا الوالد لولده على هذا المعنى ، وكان استثناؤه الوالد في ذلك فيما وهب وفيما أعطى ولده ، على أنه في مال ولده بخلافه في مال غيره ، إذ كان قد قال لمن ذكر له أن أباه يريد أن يحتاج ماله ، أنت ومالك لأبيك . وقد ذكرنا ذلك بأسانيده فيما تقدم منا في كتابنا هذا ، فجعل دخوله في مال ولده ، وإن كان من هذه الجهة ، بخلاف دخوله بها في مال غيره ، وقد يحتمل أن يكون ما أباحه من ذلك من مال ولده على الأحوال التي يجب له بها الدخول في مال ولده ، فلا يكون لولده أن يمنعه من ذلك ومن بسط يده فيه عندها ، مع أنا قد تأملنا هذا الحديث ، فوجدناه مضافا إلى ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد روينا عن ابن عمر ، عن عمر - رضي الله عنه - فيما تقدم منا في كتابنا هذا مما حدث به عنه سماعا له منه ، أنه قال فيمن وهب هبة : أنه أحق بها حتى يثاب منها بما يرضى . فاستحال أن يكون ابن عمر مع علمه وجلالة مقداره سمع من عمر شيئا قد سمع من النبي - صلى الله عليه وسلم - خلافه ، فيترك أن يقول له : إني قد سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول في هذا خلاف الذي قلته فيه ، واستحال أيضا أن يكون بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - يذكر شيئا عن عمر - رضي الله عنه - يقول منه فيه ليستعمله الناس ، وعنده عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيه ما يخالف ذلك الحكم ، فعاد معنى حديث طاوس هذا ، إلى ما رواه الحسن بن مسلم عليه مما ذكرنا بانتفائه عن ابن عمر ، إلى الانقطاع الذي لا يحتج بمثله معه ، والله - عز وجل - نسأله التوفيق .
98 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي تَعْبِيرِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِأَمْرِهِ الرُّؤْيَا الَّتِي عَبَّرَهَا ، وَمِنْ قَوْلِهِ لَهُ فِي عِبَارَتِهِ إيَّاهَا : أَصَبْتَ بَعْضًا وَأَخْطَأْتَ بَعْضًا . 761 - حدثنا بَحْرُ بْنُ نَصْرٍ ، حدثنا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَني يُونُسُ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ رَجُلًا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أَرَى اللَّيْلَةَ فِي مَنَامِي ظُلَّةً تَنْطِفُ السَّمْنَ وَالْعَسَلَ ، فَأَرَى النَّاسَ يَتَكَفَّفُونَ مِنْهَا بِأَيْدِيهِمْ فَالْمُسْتَكْثِرُ وَالْمُسْتَقِلُّ ، وَأَرَى سَبَبًا وَاصِلًا مِنْ السَّمَاءِ إلَى الْأَرْضِ فَأَرَاك أَخَذْتَ بِهِ فَعَلَوْتَ ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ مِنْ بَعْدِك فَعَلَا ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَعَلَا ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَانْقَطَعَ ، ثُمَّ إنَّهُ وُصِلَ لَهُ فَعَلَا ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ لَتَدَعَنِّي فَلَأَعْبُرَنَّهُ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اُعْبُرْ ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَمَّا الظُّلَّةُ فَظُلَّةُ الْإِسْلَامِ ، وَأَمَّا الَّذِي يَنْطِفُ مِنْ السَّمْنِ وَالْعَسَلِ فَحَلَاوَتُهُ وَلِينُهُ ، وَأَمَّا مَا يَتَكَفَّفُ النَّاسُ مِنْ ذَلِكَ فَالْمُسْتَكْثِرُ مِنْ الْقُرْآنِ وَالْمُسْتَقِلُّ ، وَأَمَّا السَّبَبُ الْوَاصِلُ مِنْ السَّمَاءِ إلَى الْأَرْضِ فَالْحَقُّ الَّذِي أَنْتَ عَلَيْهِ ، فَأَخَذْتَ بِهِ فَيُعْلِيكَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ، ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ رَجُلٌ مِنْ بَعْدِكَ فَيَعْلُو بِهِ ثُمَّ يَأْخُذُهُ رَجُلٌ آخَرُ فَيَعْلُو بِهِ ثُمَّ يَأْخُذُهُ رَجُلٌ آخَرُ فَيَنْقَطِعُ بِهِ ثُمَّ يُوصَلُ لَهُ فَيَعْلُو بِهِ ، فَأَخْبِرْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي ، أَصَبْتُ أَوْ أَخْطَأْتُ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَصَبْتَ بَعْضًا وَأَخْطَأْتَ بَعْضًا ، قَالَ : فَوَاَللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَتُخْبِرَنِّي بِاَلَّذِي أَخْطَأْتُ ، قَالَ : لَا تُقْسِمْ . 762 - حدثنا إِسْحَاقُ بْنُ الْحَسَنِ الطَّحَّانُ الْمَوْقِفِيُّ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ ، حدثنا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ، حدثنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ ثُمَّ ذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ . 763 - حدثنا أَبُو أُمَيَّةَ ، حدثنا خَالِدُ بْنُ خَلِيٍّ الْكَلَاعِيُّ ، حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ الْأَبْرَشُ ، حدثنا الزُّبَيْدِيُّ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَأَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ رَجُلًا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ ظُلَّةً تَنْطِفُ السَّمْنَ وَالْعَسَلَ ثُمَّ ذَكَرَ الْحَدِيثَ . 764 - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَزِيزٍ الْأَيْلِيُّ ، حدثنا سَلَامَةُ بْنُ رَوْحٍ ، عَنْ عُقَيْلٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ : أَمَّا الَّذِي يَنْطِفُ السَّمْنَ وَالْعَسَلَ فَالْقُرْآنُ وَحَلَاوَتُهُ وَلِينُهُ . 765 - حدثنا مُصْعَبُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ حَمْزَةَ الزُّبَيْرِيُّ الْمَدَنِيُّ ، حدثنا أَبِي ، حدثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ ، حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمٍ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَمِّهِ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ . 766 - حدثنا أَحْمَدُ بْنُ دَاوُد بْنِ مُوسَى ، حدثنا عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ النَّرْسِيُّ ، حدثنا ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ أَبُو بَكْرٍ فِي شَيْءٍ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَقْسَمْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَصَبْتُ أَوْ أَخْطَأْتُ ؟ قَالَ : أَصَبْتَ ، وَلَمْ يَذْكُرْ سِوَى ذَلِكَ ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تُقْسِمْ . 767 - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ الْكُوفِيُّ ، حدثنا سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ ، حدثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، أَخبرنا مَعْمَرٌ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ بَحْرٍ سَوَاءً ، إلَّا أَنَّهُ قَالَ : وَأَمَّا مَا يَنْطِفُ مِنْ السَّمْنِ وَالْعَسَلِ فَهُوَ الْقُرْآنُ حَلَاوَتُهُ وَلِينُهُ . فَتَأَمَّلْنَا مَا فِي هَذِهِ الْعِبَارَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ الْخَطَأ الَّذِي أَخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَا بَكْرٍ أَنَّهُ كَانَ مِنْهُ فِيهَا . فَوَجَدْنَا فِيهَا أَنَّهُ جَعَلَ السَّمْنَ وَالْعَسَلَ الْمَذْكُورَيْنِ فِيهَا شَيْئًا وَاحِدًا وَهُوَ الْقُرْآنُ ثُمَّ وَصَفَهُ بِالْحَلَاوَةِ وَاللِّينِ ، وَوَجَدْنَا أَهْلَ الْعِلْمِ بِالْعِبَارَةِ يَذْهَبُونَ إلَى أَنَّهُمَا شَيْئَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا غَيْرُ صَاحِبِهِ مِنْ أَصْلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رَدَّهُمَا إلَى أَصْلٍ وَاحِدٍ وَهُوَ الْقُرْآنُ ، وَإِنْ كَانَ قَدْ جَعَلَ مِنْ صِفَتِهِمَا اللِّينَ وَالْحَلَاوَةَ ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَا صِفَةً لِشَيْءٍ وَاحِدٍ ، وَكَانَ مِنْ الْحُجَّةِ لَهُمْ عَلَى مَا ذَهَبُوا إلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ . 768 - مَا حدثنا الرَّبِيعُ الْأَزْدِيُّ الْجِيزِيُّ ، حدثنا أَبُو الْأَسْوَدِ النَّضْرُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ الْمُرَادِيُّ ، أَخبرنا ابْنُ لَهِيعَةَ ، عَنْ وَاهِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَعَافِرِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ رَأَى فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ فِي إحْدَى أُصْبُعَيْهِ عَسَلًا وَفِي الْأُخْرَى سَمْنًا ، وَكَأَنَّهُ يَلْعَقُهُمَا ، فَأَصْبَحَ ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : تَقْرَأُ الْكِتَابَيْنِ التَّوْرَاةَ وَالْفُرْقَانَ ، قَالَ : فَكَانَ يَقْرَؤُهُمَا . فَكَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ عِبَارَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رُؤْيَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو الْمَذْكُورَةَ فِيهِ فِي السَّمْنِ وَالْعَسَلِ أَنَّهُمَا لِشَيْئَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ مِنْ أَصْلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ ، وَكَانَتْ عِبَارَةُ أَبِي بَكْرٍ فِي حَدِيثِ الظُّلَّةِ أَنَّهُمَا شَيْءٌ وَاحِدٌ مِنْ أَصْلٍ وَاحِدٍ ، فَكَانَ الْخَطَأُ الَّذِي فِي ذِكْرِ الْعِبَارَةِ عِنْدَهُمْ هُوَ هَذَا ، وَكَانَ الصَّوَابُ فِيهِ مَا كَانَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عِبَارَتِهِ رُؤْيَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو الْمَذْكُورَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
703 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مما كان منه في سبايا هوازن لما سألوه أن يمن عليهم وأنه لم يفعل ذلك إلا بعد رضا المسلمين به . 5267 - حدثنا إبراهيم بن أبي داود ، حدثنا عبد الله بن صالح ، حدثني الليث بن سعد ، حدثني عقيل بن خالد ، عن ابن شهاب قال : وزعم عروة أن مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة أخبراه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جاءه وفد هوازن مسلمين , فسألوه أن يرد إليهم أموالهم وسبيهم , فقال النبي صلى الله عليه وسلم : معي من ترون , وأحب القول إلي أصدقه , واختاروا إحدى الطائفتين ؛ إما السبي , وأما المال , وقد كنت استأنيت بهم , وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم قد انتظرهم بضع عشرة ليلة حين قفل من الطائف , فلما تبين لهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير راد إليهم إلا إحدى الطائفتين , قالوا : نختار سبينا , فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسلمين , فأثنى على الله بما هو أهله , ثم قال : أما بعد : فإن إخوانكم هؤلاء قد جاؤوا تائبين , وإني رأيت أن أرد إليهم سبيهم , فمن أحب منكم أن يطيب ذلك فليفعل , ومن أحب منكم أن يكون على حقه حتى نعطيه إياه من أول ما يفيء الله علينا فليفعل , فقال الناس : قد طيبنا لك يا رسول الله ولهم , فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : إني لا أدري من أذن منكم في ذلك ممن لم يأذن , فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم , فرجع الناس , فكلمهم عرفاؤهم , ثم رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه أنهم قد طيبوا وأذنوا فقال قائل في هذا الحديث : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يطلق من أطلق من سبايا هوازن حتى أطلق المسلمون ذلك فيهم , وقد رويت لنا في الباب الذي قبل هذا الباب من كتابك هذا أن رسول الله قال لجبير بن مطعم لما كلمه في أسرى بدر : شيخ لو جاءني - يعني أباه - فكلمني فيهم , لأطلقتهم له . ففي هذا إخباره جبيرا أن أباه لو كان كلمه في الأسرى الذين كلمه فيهم جبير , لأطلقهم له بغير ذكر منه حاجته إلى إطلاق المسلمين ذلك له فيهم , وهذا اختلاف شديد . فكان جوابنا له في ذلك أن الذي كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم مما خاطب به جبيرا في أسرى بدر , كان ذلك منه في أسرى سبيلهم القتل لهم , أو المن عليهم , أو أخذ الفداء منهم وإطلاقهم , ولم يكن في ذلك وقوع ملك للمسلمين على أحد منهم إنما كانت السبيل فيهم هذه الوجوه التي ذكرنا لا غيرها , فكان إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن يمضي فيهم ما رآه منها لا حاجة به إلى إطلاق المسلمين له ذلك فيهم , وسبي هوازن كان في نساء قد وقعت الأملاك عليهن , لأنهن في ذلك بخلاف الرجال ؛ إذ كن لا يقتلن والرجال يقتلون , وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد قسمهن بين المسلمين , فملكوهن , فلم يصلح له صلى الله عليه وسلم إخراجهن عن أملاكهم إلا بطيب أنفسهم بذلك , ورضاهم به . ومما روي مما قد دل على قسمته كانت إياهن بين المسلمين قبل أن يسأل فيهن ما يسأل مما قد ذكرناه . 5268 - ما قد حدثنا ابن أبي داود ، حدثني عبد الله بن صالح ، حدثني الليث ، حدثني عقيل ، عن ابن شهاب ، حدثني سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رد ستة آلاف من سبي هوازن من النساء والرجال والصبيان إلى هوازن حين أسلموا , وخير نساء كن عند رجال من قريش , منهم : عبد الرحمن , وصفوان بن أمية , قد كانا استسرا المرأتين اللتين كانتا عندهما من هوازن , فخيرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم , فاختارتا قومهما . فقال هذا القائل : هذا حديث منقطع , فهل عندك في المعنى الذي ذكرت حديث متصل ؟ فكان جوابنا له في ذلك أنه قد روي في ذلك من الحديث المتصل . 5269 - ما قد حدثنا يونس بن عبد الأعلى ، حدثنا ابن وهب ، أخبرني جرير بن حازم أن أيوب حدثه أن نافعا حدثه أن عبد الله بن عمر حدثه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالجعرانة بعد أن رجع من الطائف فقال : يا رسول الله ، إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف يوما في المسجد الحرام , فكيف ترى ؟ قال : اذهب فاعتكف يوما , قال : وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أعطاه جارية من الخمس , فلما أعتق رسول الله صلى الله عليه وسلم سبايا أوطاس سمع عمر بن الخطاب أصواتهم يقولون : أعتقنا رسول الله صلى الله عليه وسلم , فقال : ما هذا ؟ قالوا : أعتق رسول الله صلى الله عليه وسلم سبايا أوطاس , فقال عمر : يا عبد الله , اذهب إلى تلك الجارية , فخل سبيلها . قال أبو جعفر : وهذا الحديث , ففي سبي هوازن وإن ذلك لم يذكر في هذا الحديث , لأن ذلك إنما كان بالجعرانة , وكانت الجعرانة في سنة ثمان من الهجرة , وفيها كانت غزوة هوازن , وقد دل على ما ذكرنا من هذا المعنى . 5270 - ما قد حدثنا يزيد بن سنان ، حدثنا عبد الملك بن هشام ، حدثنا زياد بن عبد الله البكائي قال : قال ابن إسحاق : أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب رضي الله عنه جارية من سبي هوازن , فوهبها لعبد الله بن عمر ابنه . قال ابن إسحاق : فحدثني نافع مولى ابن عمر ، عن عبد الله بن عمر قال : بعثت بها إلى أخوالي من بني جمح ليصلحوا لي منها حتى أطوف بالبيت , ثم آتيهم , وأنا أريد أن أصيبها إذا رجعت إليها , فخرجت من المسجد حين فرغت , فإذا الناس يشتدون , فقلت : ما شأنكم ؟ قالوا : رد علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءنا وأبناءنا , قلت : تلكم صاحبتكم في بني جمح , فاذهبوا فخذوها , فذهبوا فأخذوها . فكشف هذا الحديث ما قد ذكرنا , وبان بحمد الله تعالى أنه لا تضاد في شيء مما قد رويناه في هذا الباب وفي الباب الذي قبله مما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبايا أهل بدر , وما كان منه في سبايا هوازن , وأن الذي كان منه في سبايا بدر كان في سبايا لم يقع عليهم أملاك المسلمين , فلم يكن به حاجة إلى إطلاق المسلمين له فيهم ما يريد أن يفعله فيهم من من ومن غيره , وأن الذي كان منه في سبايا هوازن من طلبه من المسلمين بطيب ذلك له إنما كان منه لوقوع أملاكهم عليهم قبل ذلك , فلم يصلح رفع أملاكهم عنهم إلا بطيب أنفسهم بذلك , وإطلاقهم إياه , وإذنهم فيه , وبالله التوفيق .
99 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي حَدِيثِ الظُّلَّةِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا الْبَابِ مِنْ قَوْلِهِ لِأَبِي بَكْرٍ فِيهِ : لَا تُقْسِمْ ، هَلْ هُوَ لِكَرَاهِيَةِ الْقَسَمِ أَمْ لِمَا سِوَى ذَلِكَ ؟ قَدْ رَوَيْنَا فِي هَذَا الْبَابِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا الْبَابِ قَوْلَ أَبِي بَكْرٍ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا عَبَّرَ الرُّؤْيَا الَّتِي عَبَّرَهَا فِيهِ : أَصَبْتُ أَوْ أَخْطَأْتُ ؟ وَقَوْلُ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَهُ : أَصَبْتَ بَعْضًا وَأَخْطَأْتَ بَعْضًا وَقَوْلُهُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ ذَلِكَ : أَقْسَمْتُ عَلَيْكِ لَمَا أَخْبَرْتَنِي مَا أَصَبْتُ مِمَّا أَخْطَأْتُ ، وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ : لَا تُقْسِمْ ، فَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِكَرَاهِيَتِهِ لِلْقَسَمِ أَوْ لِمَا سِوَى ذَلِكَ ، فَطَلَبْنَا الْحَقِيقَةَ فِي ذَلِكَ . فَوَجَدْنَا اللَّهَ تَعَالَى قَدْ ذَكَرَ الْقَسَمَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ ، فَمِنْ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ فِي مَعْنَى أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ وَأُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ ، وَكَانَتْ لَا فِيهِمَا صِلَةً . وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ : فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ فِي مَعْنَى أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ ، وَكَانَتْ لَا فِي ذَلِكَ صِلَةٌ . وَمِنْ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ وَلا يَسْتَثْنُونَ فَكَانَ ذَلِكَ عَلَى قَسَمِهِمْ أَنْ يَصْرِمُوهَا مُصْبِحِينَ ، وَكَانَ الَّذِي يَنْبَغِي لَهُمْ فِي ذَلِكَ أَنْ يَصِلُوهُ بِالرَّدِّ إلَى مَشِيئَةِ اللَّهِ تعالى فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ قَسَمَهُمْ وَأَنْكَرَ تَرْكَهُمْ تَعْلِيقَ ذَلِكَ إلَى مَشِيئَةِ اللَّهِ فِيهِ . ثُمَّ نَظَرْنَا فِيمَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى الْحَقِيقَةِ كَانَتْ فِي ذَلِكَ 769 - فَوَجَدْنَا مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ دَاوُد قَدْ حدثنا قَالَ : حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاهِبِ ، حدثنا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقُمِّيُّ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : عَادَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ فَلَمَّا دَنَا مِنْ مَنْزِلِهِ سَمِعَهُ يَتَكَلَّمُ فِي الدَّاخِلِ ، فَلَمَّا اسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ فَدَخَلَ فَلَمْ يَرَ أَحَدًا ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : سَمِعْتُ تَكَلُّمًا عِنْدَكَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ دَخَلْتُ الدَّاخِلَ اغْتِمَامًا بِكَلَامِ النَّاسِ مِمَّا بِي مِنْ الْحُمَّى فَدَخَلَ عَلَيَّ دَاخِلٌ مَا رَأَيْتُ رَجُلًا بَعْدَكَ أَكْرَمَ مَجْلِسًا وَلَا أَحْسَنَ حَدِيثًا ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَإِنَّ مِنْكُمْ رِجَالًا لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ يُقْسِمُ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ . 770 - وَقَدْ وَجَدْنَا ابْنَ أَبِي دَاوُد ، حدثنا قَالَ : حدثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ الزُّبَيْرِيُّ ، حدثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْطَبٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : رُبَّ أَشْعَثَ ذِي طِمْرَيْنِ تَنْبُو عَنْهُ أَعْيُنُ النَّاسِ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ . 771 - وَوَجَدْنَا بَكَّارًا وَابْنَ مَرْزُوقٍ قَدْ حَدَّثانَا قَالَا : حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَكْرٍ السَّهْمِيُّ ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ . 772 - وَوَجَدْنَا مُحَمَّدَ بْنَ عَزِيزٍ قَدْ حدثنا قَالَ : حدثنا سَلَامَةُ ، عَنْ عُقَيْلٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : كَمْ ضَعِيفٍ مُتَضَعِّفٍ ذِي طِمْرَيْنِ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّ قَسَمَهُ ، مِنْهُمْ الْبَرَاءُ بْنُ مَالِكٍ . 773 - وَوَجَدْنَا عَبْدَ الْغَنِيِّ بْنَ أَبِي عُقَيْلٍ اللَّخْمِيَّ قَدْ حدثنا قَالَ : حدثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادٍ ، حدثنا شُعْبَةُ ، عَنْ أَشْعَثَ بْنِ سُلَيْمٍ ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ سُوَيْد بْنِ مُقْرِنٍ ، عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ : أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِبْرَارِ الْمُقْسِمِ . 774 - وَوَجَدْنَا إبْرَاهِيمَ بْنَ مَرْزُوقٍ قَدْ حدثنا قَالَ : حدثنا أَبُو دَاوُد وَوَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ قَالَا : حدثنا شُعْبَةُ ثُمَّ ذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ : بِإِبْرَارِ الْقَسَمِ . 775 - وَوَجَدْنَا بَكَّارًا قَدْ حدثنا قَالَ : حدثنا مُؤَمَّلٌ وَحدثنا فَهْدٌ ، حدثنا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَا : حدثنا سُفْيَانُ ، عَنْ مَعْبَدِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ حَارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ الْخُزَاعِيُّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَهْلِ الْجَنَّةِ : كُلُّ ضَعِيفٍ مُتَضَعِّفٍ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ ، أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَهْلِ النَّارِ : كُلُّ عُتُلٍّ جَوَّاظٍ مُسْتَكْبِرٍ . 776 - وَوَجَدْنَا أَحْمَدَ بْنَ دَاوُد قَدْ حدثنا قَالَ : حدثنا عَلِيُّ بْنُ بَحْرِ بْنِ بَرِّيٍّ ، حدثنا عِيسَى بْنُ يُونُسَ ، حدثنا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ قَالَ : سَمِعْت أَنَسًا يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : رُبَّ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ مُصْفَحٍ عَلَى أَبْوَابِ النَّاسِ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَأَبَرَّهُ . فَعَقَلْنَا بِمَا تَلَوْنَا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَبِمَا رَوَيْنَا مِنْ آثَارِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إبَاحَةَ الْقَسَمِ ؛ لِأَنَّ الْقَسَمَ لَوْ كَانَ مَكْرُوهًا لَكَانَ مُسْتَعْمِلُهُ عَاصِيًا وَلَمَا أَبَرَّ اللَّهُ قَسَمَهُ . فَقَالَ قَائِلٌ : فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ لِأَبِي بَكْرٍ حِينَ أَقْسَمَ عَلَيْهِ : لَا تُقْسِمْ . قِيلَ لَهُ : إنَّ قَسَمَ أَبِي بَكْرٍ كَانَ عَلَيْهِ لِيُخْبِرَهُ بِحَقِيقَةِ الْخَطَأ مِنْ حَقِيقَةِ الصَّوَابِ ، وَكَانَ ذَلِكَ غَيْرَ مَوْصُولٍ إلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْمَعْنَى ؛ لِأَنَّ الْعِبَارَةَ إنَّمَا هِيَ بِالظَّنِّ وَالتَّحَرِّي لَا بِمَا سِوَاهُمَا ،وَقَدْ رُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ فِيهَا . كَمَا 777 - حدثنا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ ، حدثنا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ ، حدثنا أَبُو قُتَيْبَةَ ، عَنْ مَهْدِيِّ بْنِ مَيْمُونٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ : التَّفْسِيرُ يَعْنِي الرُّؤْيَا إنَّمَا هُوَ ظَنٌّ أَظُنُّهُ وَلَيْسَ بِحَلَالٍ وَلَا حَرَامٍ ، ثُمَّ قَرَأَ : وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا . قَالَ أَحْمَدُ : يَعْنِي أَنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا ، فَكَانَ تَعْبِيرُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمِثْلِهَا مِنْ هَذَا الْجِنْسِ أَيْضًا ، وَكَانَ نَهْيُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي بَكْرٍ عَنْ الْقَسَمِ عَلَيْهِ لَيُخْبِرَنَّهُ إيَّاهُ لِهَذَا الْمَعْنَى لَا لِمَا سِوَاهُ ، وَمِمَّا قَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَدْ أَقْسَمَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ . كَمَا 778 - حدثنا ابْنُ أَبِي دَاوُد ، حدثنا مُسَدَّدٌ ، حدثنا أُمَيَّةُ بْنُ خَالِدٍ ، حدثنا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : كَانَ أَبُو بَكْرٍ قَدْ اسْتَعْمَلَ عُمَرَ عَلَى الشَّامِ فَلَقِيَهُ وَأَنَا أَشُدُّ الْإِبِلَ بِأَقْتابِهَا ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَرْتَحِلَ قَالَ لَهُ النَّاسُ : أَتَدَعُ عُمَرَ يَنْطَلِقُ إلَى الشَّامِ وَهُوَ هَاهُنَا يَكْفِيكَ الشَّامَ ، فَقَالَ : أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ لَمَّا أَقَمْتَ . فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مَوْضِعَ نَهْيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي بَكْرٍ كَانَ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ لِمَا قَدْ ذَكَرْنَا لَا لِمَا سِوَاهُ مِنْ كَرَاهِيَةِ الْقَسَمِ ، وَقَدْ أَقْسَمَ ابْنُ عَبَّاسٍ بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ أَيْضًا . كَمَا 779 - حدثنا بَكَّارَ ، حدثنا يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ ، حدثنا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ سُلَيْمَانَ يَعْنِي الْأَعْمَشَ ، عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ رَجَاءٍ ، عَنْ عُمَيْرٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : لَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ جَاءَ الْعَبَّاسُ وَعَلِيٌّ إلَى أَبِي بَكْرٍ فِي أَشْيَاءَ تَرَكَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : شَيْءٌ تَرَكَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُحَرِّكْهُ لَا أُحَرِّكُهُ ، فَلَمَّا اُسْتُخْلِفَ عُمَرُ اخْتَصَمَا إلَيْهِ فَقَالَ عُمَرُ : شَيْءٌ تَرَكَهُ أَبُو بَكْرٍ إنِّي لَأَكْرَهُ أَنْ أُحَرِّكَهُ ، فَلَمَّا وُلِّيَ عُثْمَانُ اخْتَصَمَا إلَيْهِ ، قَالَ : فَأسَكَتَ عُثْمَانُ وَنَكَّسَ رَأْسَهُ ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : فَضَرَبْتُ بِيَدِي عَلَى كَتِفَيْ الْعَبَّاسِ وَقُلْتُ : يَا أَبَتَاهُ أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ لَمَا سَلَّمْتَهُ لِعَلِيٍّ ، قَالَ : فَسَلَّمَهُ لِعَلِيٍّ . فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مَعْنَى مَا كَانَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ الْحَدِيثِ مِنْ قَوْلِهِ لِأَبِي بَكْرٍ : لَا تُقْسِمُ ، لَمْ يَكُنْ مَعْنَاهُ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا عَلَى كَرَاهِيَةِ الْقَسَمِ ، وَلَكِنْ لِلْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَا ، وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
802- باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من ما ذكره النعمان بن بشير عنه من نحله أبيه إياه شيئا ، ومن قول النبي - صلى الله عليه وسلم - له لما أشهده على ذلك : أكل ولدك نحلت مثل هذا ؟ ، قال : لا . قال : فارجعه . 5999 - حدثنا يونس بن عبد الأعلى ، قال : حدثنا سفيان بن عيينة ، قال : حدثنا الزهري ، عن محمد بن النعمان وحميد بن عبد الرحمن ، أخبراه : أنهما سمعا النعمان بن بشير ، يقول : نحلني أبي غلاما ، فأمرتني أمي أن أذهب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأشهده على ذلك ، فقال : أكل ولدك أعطيته ؟ فقال : لا . فقال : اردده . 6000 - حدثنا يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، أن مالكا حدثه ، عن ابن شهاب ، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف ، وعن محمد بن النعمان بن بشير ، يحدثانه ، عن النعمان بن بشير ، قال : إن أباه أتى به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : إني نحلت ابني هذا غلاما كان لي . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أكل ولدك نحلته مثل هذا ؟ فقال : لا . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : فارجعه . قال أبو جعفر : ففي هذا الحديث أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بشيرا بأن يرد ما أعطى النعمان لما أعلمه أنه لم يعط من سواه من ولده مثل ما أعطاه إياه من ذلك ، والنعمان يومئذ فكان صغيرا لا اختلاف بين أهل العلم في ذلك ، فكان أبوه قابضا له من نفسه ما نحله إياه ، وفي ذلك وجوب خروجه من ملكه إلى ملك النعمان ابنه . فتأملنا هذا الحديث هل رواه عن النعمان غير حميد بن عبد الرحمن وغير ابنه محمد بن النعمان ، بخلاف ما روياه عليه عنه ، أم لا ؟ 6001 - فوجدنا نصر بن مرزوق قد حدثنا ، قال : حدثنا الخصيب بن ناصح الحارثي ، قال : حدثنا وهيب بن خالد ، عن داود بن أبي هند ، عن عامر الشعبي ، عن النعمان بن بشير ، قال : انطلق أبي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ونحلني نحلا ليشهده على ذلك ، قال : أكل ولدك نحلته مثل هذا ؟ فقال : لا . قال : أيسرك أن يكونوا إليك في البر كلهم سواء ؟ قال : بلى . قال : فأشهد على هذا غيري . قال أبو جعفر : فكان ذلك عندنا - والله أعلم - على الوعيد الذي ظاهره ظاهر الأمر ، وباطنه الزجر ، كقول الله - عز وجل - في كتابه : اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ ، وقد روي هذا أيضا عن الشعبي بمعنى زائد على هذا المعنى رواه عليه عنه داود . 6002 - كما حدثنا إبراهيم بن أبي داود ، قال : حدثنا آدم بن أبي إياس ، قال : حدثنا ورقاء ، عن المغيرة ، عن الشعبي ، قال : سمعت النعمان على منبرنا هذا يقول : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : سووا بين أولادكم في العطية كما تحبون أن يسووا بينكم في البر . 6003 - وكما حدثنا فهد بن سليمان ، قال : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، قال : حدثنا عباد بن العوام ، عن حصين بن عبد الرحمن ، عن الشعبي ، قال : سمعت النعمان بن بشير ، يقول : أعطاني أبي عطية ، فقالت أمي عمرة ابنة رواحة ، لا أرضى حتى تشهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأتى رسول الله ، فقال : إني قد أعطيت ابني من عمرة عطية ، وإني أشهدك ، قال أكل ولدك أعطيت مثل هذا ؟ قال : لا . قال : فاتقوا الله ، واعدلوا بين أولادكم . 6004 - وكما حدثنا ابن أبي داود ، قال : حدثنا أبو عمر الحوضي ، قال : حدثنا مرجى بن رجاء ، قال : حدثنا داود - يعني ابن أبي هند - عن الشعبي ، عن النعمان بن بشير ، قال : انطلق بي أبي يحملني إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال يا رسول الله : اشهد أني قد نحلت النعمان من مالي كذا وكذا . فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أكل ولدك نحلت ؟ قال : لا . قال : أما يسرك أن يكونوا لك في البر سواء ؟ قال: بلى . قال : فلا إذا . قال أبو جعفر : فكان فيما روينا كراهة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من بشير ما كان منه في اختصاصه ابنه النعمان بما اختصه به من ماله دون سائر ولده ، وأمره إياه مع ذلك بالعدل بين أولاده ، وليس في شيء من ذلك ذكر لرد ما نحله إياه ، فقد خالف هذا ما رويناه قبله في الفصل الأول من هذا الباب . ثم نظرنا هل روى هذا الحديث عن النعمان غير من ذكرنا ؟ 6005 - فوجدنا فهد بن سليمان قد حدثنا ، قال : حدثنا أبو نعيم ووجدنا محمد بن خزيمة قد حدثنا ، قال : حدثنا مسدد ، قال : حدثنا يحيى بن سعيد ، ثم اجتمعا جميعا ، فقالا : عن فطر بن خليفة ، قال : حدثنا أبو الضحى ، قال : سمعت النعمان بن بشير ، يقول : ذهب بي أبي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأشهده على شيء أعطانيه ، فقال: ألك ولد غيره ؟ قال : نعم . فقال : بيده ألا سويت بينهم ؟ . فكان ما في هذا الحديث أيضا مخالفا لما رواه عليه حميد ومحمد بن النعمان عن النعمان ، فعقلنا بذلك أن معنى ما في حديث نصر بن مرزوق : أشهد على هذا غيري ، إنما كان على الوعيد الذي فيه التحذير له من السبب الذي يخالف بين أولاده في البر به في الانحراف عنه ؛ لتفضيله غيره منهم عليه فيما أعطاه إياه ، مع تساويهم في مواضعهم منه . غير أنه قد روى هذا الحديث ، عن الشعبي ، عن النعمان ، غير من ذكرنا ، بزيادة على ما رواه عليه عنه ، عن النعمان من ذكرنا . 6006 - كما حدثنا يونس بن عبد الأعلى ، قال : حدثنا سفيان بن عيينة ، قال : حدثنا مجالد وآخر ، قال : سمعت الشعبي يقول : سمعت النعمان بن بشير - وكان أميرا على الكوفة - يقول : نحلني أبي غلاما ، فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - ليشهده ، فقال : أكل ولدك أعطيته ؟ قال : لا . قال : لا أشهد إلا على حق . فكان معنى هذا الحديث أيضا قد دل على ما ذكرنا ؛ لأن ما دعا من الأولاد أو من بعضهم إلى التقصير في بر أبيهم ضد للحق الذي ينبغي أن تجري الأمور عليه . 6007 - وقد حدثنا أحمد بن شعيب ، قال : أخبرنا موسى بن عبد الرحمن المسروقي ، قال : حدثنا أبو أسامة ، قال : حدثنا أبو حيان ، عن الشعبي ، قال : حدثني النعمان بن بشير الأنصاري : أن أمه ابنة رواحة سألت أباه بعض الموهبة من ماله لابنها ، فالتوى بها سنة ، ثم بدا له فوهبها له ، فقالت : لا أرضى حتى تشهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ما وهبت لابني ، فأخذ أبي بيدي ، وأنا غلام يومئذ ، فأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا رسول الله ، إن أم هذا ابنة رواحة قاتلتني منذ سنة على بعض الموهبة من مالي لابني هذا ، وقد بدا لي ، فوهبتها له ، وقد أعجبها أن تشهدك على الذي وهبت له . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : يا بشير لك ، ولد سوى هذا ؟ . قال : نعم .فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أفكلهم وهبت لهم مثل الذي وهبت لابنك هذا ؟ قال : لا . قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : فلا تشهدني إذا ، فإني لا أشهد على جور . فعقلنا بذلك أن معنى قوله فيما قد رويناه في غير هذا الحديث في هذا الباب : أشهد على هذا غيري إنما كان على الوعيد ، لا على إطلاقه له أن يشهد عليه غيره شهادة يجوز له بها ما أعطاه . ثم نظرنا : هل روى هذا الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غير النعمان ؟ فوجدنا جابر بن عبد الله قد رواه عنه - صلى الله عليه وسلم - بخلاف ما رواه النعمان عليه عنه . 6008 - كما حدثنا يزيد بن سنان ، قال : حدثنا عمرو بن خالد (ح ) ، وكما حدثنا فهد بن سليمان ، قال : حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي ، ثم اجتمعا ، فقال كل واحد منهما ، قال : حدثنا زهير بن معاوية الجعفي ، قال : حدثنا أبو الزبير ، عن جابر ، قال : قالت امرأة بشير لبشير : انحل ابني غلامك ، وأشهد لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم قال : فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا رسول الله ، إن ابنة فلان سألتني أن أنحل ابنها غلامي ، وقالت : أشهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم قال : أله إخوة قال : نعم . قال : أفكلهم أعطيته ؟ قال : لا . قال : فإن هذا لا يصلح ، وإني لا أشهد إلا على حق . فكان الذي في هذا الحديث إخبار بشير النبي - صلى الله عليه وسلم - سؤال امرأته إياه ما سألته أن ينحله ابنها ، وإشهاده على ذلك ، وأن الذي كان من جواب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنما كان له في استرشاد أرشده ، لا في عطية كانت تقدمت منه قبل ذلك ، وكان هذا من جابر أولى بما في هذه الآثار لموضع جابر من السن والعلم وجلالة مقداره فيه ؛ ولأن النعمان كان يومئذ صغيرا ، ليس معه من الضبط لما سمعه مثل ما مع جابر في ذلك ، مع أنه قد روى شعيب بن أبي حمزة ، عن الزهري ، عن حميد بن عبد الرحمن ومحمد بن النعمان ، عن النعمان هذا الحديث بمعنى يدل على ما رواه عليه جابر . 6009 - كما قد حدثنا فهد بن سليمان ، قال : حدثنا أبو اليمان ، قال : حدثنا شعيب بن أبي حمزة ، عن الزهري ، قال : سمعت حميد بن عبد الرحمن ومحمد بن النعمان أنهما سمعا النعمان بن بشير ، يقول : نحلني أبي غلاما ثم مشى بي حتى أدخلني على النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا رسول الله ، إني نحلت ابني غلاما ، فإن أذنت لي أن أجيزه له أجزته ، ثم ذكر بقية الحديث على ما ذكرناه من حديث مالك وسفيان في أول هذا الباب . فدل ذلك أن نحله إياه لم يكن نحلا باتا ، وأنه كان نحلا منتظرا فيه ما يقوله رسول الله فيه من إمضاء له أو من ما سوى ذلك . فقال قائل : وكيف يجوز أن يطلق في هذا ذكر نحل لا حقيقة معه ؟ فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله - عز وجل - وعونه : أن ذلك كان لسعة لغة العرب ؛ ولأنهم قد يجيزون بكون الأشياء لقرب كونها ، وإن لم تكن في الحقيقة قد كانت ، ومن ذلك قول الله - عز وجل – : فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ، بمعنى : وإذا أردت أن تقرأ القرآن ، فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم ، ومن ذلك تسميتهم المأمور بذبحه من ابني إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - ذبيحا ، ليس لأنه ذبح ؛ ولكن لقربه من الذبح ، ومثل هذا في كلامهم كثير ، فقد بان بحمد الله ونعمته : أن لا اختلاف فيما روى جابر ، ولا فيما روى النعمان عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الباب . وبعد هذا فقد اختلف أهل العلم في التعديل بين الأولاد في مثل هذا ، فقال : بعضهم : هو على التسوية بين ذكورهم وإناثهم في ذلك ، وممن ذهب إلى ذلك منهم : أبو يوسف . وذهب بعضهم إلى أنه إجراؤهم على سبيل المواريث التي ورثهم الله - عز وجل - بها أموال آبائهم ، وممن ذهب إلى ذلك محمد بن الحسن . وكان القول عندنا في ذلك ، ما ذهب إليه أبو يوسف فيه ؛ لأن ذلك قد رد في هذه الآثار إلى معنى البر من الأولاد لآبائهم ، والذي يراد من إناثهم في ذلك ، كالذي يراد من ذكرانهم ، ولم يبن لنا في شيء من هذه الآثار أن للوالد إذا وهب لولده هبة تمت منه له ، وإن كان قد خالف فيها ما أمر به في أولاده أن له أن يرجع فيها ، ولا أن يبطلها ، والله نسأله التوفيق .
100 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْه عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ قَوْلِهِ : الرُّؤْيَا عَلَى رِجْلِ طَائِرٍ مَا لَمْ تُعَبَّرْ ، فَإِذَا عُبِّرَتْ سَقَطَتْ . 780 - حدثنا بَكَّارَ ، حدثنا أَبُو دَاوُد ، حدثنا شُعْبَةُ ، عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ قَالَ : سَمِعْت وَكِيعَ بْنَ حُدُسٍ يُحَدِّثُ ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي رَزِينٍ الْعُقَيْلِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الرُّؤْيَا عَلَى رِجْلِ طَائِرٍ مَا لَمْ تُعَبَّرْ ، فَإِذَا عُبِّرَتْ سَقَطَتْ ، وَلَا يَقُصُّهَا إلَّا عَلَى حَبِيبٍ أَوْ لَبِيبٍ أَوْ ذِي مَوَدَّةٍ . هَكَذَا حِفْظِي إيَّاهُ عَنْهُ ، وَفِي كِتَابِي الَّذِي سَمِعْتُهُ مِنْهُ فِيهِ : عَلَى رِجْلِ طَائِرٍ مَا لَمْ يُحَدِّثْ بِهَا ، فَإِذَا حَدَّث بِهَا وَقَعَتْ ، قَالَ : وَأَحْسَبُهُ قَالَ : لَا يُحَدِّثُ بِهَا إلَّا حِبًّا أَوْ لَبِيبًا . فَسَأَلَ سَائِلٌ عَنْ مَعْنَى قَوْلِهِ : الرُّؤْيَا عَلَى رِجْلِ طَائِرٍ مَا لَمْ تُعَبَّرْ ، مَا هُوَ ؟ فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الرُّؤْيَا قَبْلَ أَنْ تُعَبَّرَ مُعَلَّقَةً فِي الْهَوَاءِ غَيْرَ سَاقِطَةٍ وَغَيْرَ عَامِلَةٍ شَيْئًا حَتَّى تُعَبَّرَ ، فَإِذَا عُبِّرَتْ عَمِلَتْ حِينَئِذٍ ، وَذَكَرَهَا بِأَنَّهَا عَلَى رِجْلِ طَائِرٍ أَيْ أَنَّهَا غَيْرُ مُسْتَقِرَّةٍ . وَمِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُ الرَّجُلِ : أَنَا عَلَى جَنَاحِ طَيْرٍ ، إذَا كَانَ فِي سَفَرٍ أَيْ أنَّنِي غَيْرُ مُسْتَقِرٌّ حَتَّى أَخْرُجَ مِنْ سَفَرِي فَأَسْتَقِرُّ فِي مُقَامِي . فَقَالَ هَذَا الْقَائِلُ : فَقَدْ عَبَّرَ أَبُو بَكْرٍ فِي حَدِيثِ الظُّلَّةِ تِلْكَ الرُّؤْيَا الْمَذْكُورَةَ فِيهَا فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ : أَصَبْتَ بَعْضًا وَأَخْطَأْتَ بَعْضًا . فَكَانَ مَعْقُولًا أَنَّ مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ خَطَأٌ غَيْرَ عَامِلٍ فِيمَا عَبَّرَ مِنْ تِلْكَ الرُّؤْيَا مَا عَبَّرَهُ مِنْهَا عَلَيْهِ . فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ : أَنَّ الْعِبَارَةَ إنَّمَا يَكُونُ عِملُهَا فِي الرُّؤْيَا إذَا عُبِّرَتْ بِهَا إنَّمَا تَكُونُ تَعْمَلُ إذَا كَانَتْ الْعِبَارَةُ صَوَابًا أَوْ كَانَتْ الرُّؤْيَا تَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ اثْنَيْنِ وَاحِدٌ مِنْهُمَا أَوْلَى بِهَا مِنْ الْآخَرِ ، فَتَكُونُ مُعَلَّقَةً عَلَى الْعِبَارَةِ الَّتِي تَرُدُّهَا إلَى أَحَدِهِمَا حَتَّى تُعَبَّرَ عَلَيْهِ وَتُرَدَّ إلَيْهِ فَتَسْقُطُ بِذَلِكَ وَتَكُونُ تِلْكَ الْعِبَارَةُ هِيَ عِبَارَتَهَا وَيَنْتَفِي عَنْهَا الْوَجْهُ الْآخَرَ الَّذِي قَدْ كَانَ مُحْتَمَلًا لَهَا ، وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
702 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله : لو كان مطعم بن عدي حيا وكلمني في هؤلاء النتنى - يعني أسرى بدر - لأطلقتهم له . 5266 - حدثنا عبد الغني بن أبي عقيل ، حدثنا سفيان بن عيينة ، عن الزهري ، عن محمد بن جبير بن مطعم ، عن أبيه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : لو كان مطعم بن عدي حيا , فكلمني في هؤلاء النتنى , لأطلقتهم له , يعني أسرى بدر , وكانت له عند النبي يد . فسأل سائل عن معنى هذا الحديث , وقال : كيف يجوز أن يطلق له من قد صار في أسره من الكفار الذين حكمهم حكم القتل أو الفداء الذي يرجع إليه وإلى أصحابه كما قال عز وجل : فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً ([ محمد : 4 ] . فكان جوابنا له في ذلك أن في هذه الآية التي تلاها علينا ما يدل على المعنى الذي سألناعنه , لأن الله تعالى جعل لنبيه فيها بعد شد الوثاق المن أو الفداء . فكان قد جعل إليه أن يمن , فيطلق من من عليه , أو يأخذ منه الفداء الذي يفتدي به من القتل الواجب عليه , وكان المن هو الذي قال : إنه كان يفعله للمطعم بن عدي لو كان سأله فيهم , فكان ذلك موافقا لحديث جبير الذي ذكرنا , وقد من رسول الله صلى الله عليه وسلم في غير أسرى بدر , وهم سبي هوازن لما كلموه فيهم , فأجابهم بأن قال : أحب القول إلي أصدقه , ثم خيرهم بين إحدى الطائفتين ؛ إما السبي , وإما المال , فاختاروا السبي , فأطلقهم لهم , وسنذكر ذلك في موضعه فيما بعد من كتابنا هذا إن شاء الله عز وجل , والله نسأله التوفيق .
101 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي الْأَشْيَاءِ الَّتِي هِيَ الْفِطْرَةُ فِي الْأَبْدَانِ ، أَوْ مِنْ الْفِطْرَةِ . 781 - حدثنا يُونُسُ ، أخبرنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَني حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : الْفِطْرَةُ : قَصُّ الْأَظْفَارِ ، وَأَخْذُ الشَّارِبِ ، وَحَلْقُ الْعَانَةِ . 782 - حدثنا يُونُسُ ، أَخبرنا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَني يُونُسُ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْفِطْرَةُ خَمْسٌ الِاخْتِتَانُ وَالِاسْتِحْدَادُ وَقَصُّ الشَّارِبِ وَتَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ وَنَتْفُ الْآبَاطِ . 783 - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ الحَجَّاجِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْحَضْرَمِيُّ ، حدثنا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخُرَاسَانِيُّ ، حدثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارٍ ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مِنْ الْفِطْرَةِ : الْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ وَالسِّوَاكُ وَقَصُّ الشَّارِبِ وَتَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ وَغَسْلُ الْبَرَاجِمِ وَنَتْفُ الْآبَاطِ وَالِاسْتِحْدَادُ وَالِانْتِضَاحُ وَالْخِتَانُ . 784 - حدثنا فَهْدٌ ، حدثنا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ ، حدثنا وَكِيعٌ ، عَنْ زَكَرِيَّا يَعْنِي ابْنَ أَبِي زَائِدَةَ ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ شَيْبَةَ ، عَنْ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : عَشْرٌ مِنْ الْفِطْرَةِ : قَصُّ الشَّارِبِ وَإِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ وَالسِّوَاكُ وَالِاسْتِنْشَاقُ بِالْمَاءِ وَقَصُّ الْأَظْفَارِ وَغَسْلُ الْبَرَاجِمِ وَنَتْفُ الْآبَاطِ وَحَلْقُ الْعَانَةِ وَانْتِقَاصُ الْمَاءِ . قَالَ زَكَرِيَّا : قَالَ مُصْعَبٌ : وَنَسِيتُ الْعَاشِرَةَ إلَّا أَنْ تَكُونَ الْمَضْمَضَةَ . فَقَالَ قَائِلٌ : هَذَا تَضَادٌّ شَدِيدٌ ؛ لِأَنَّ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي رَوَيْتُمُوهَا فِي هَذَا الْكِتَابِ : أَنَّ الْفِطْرَةَ هِيَ الثَّلَاثَةُ الْأَشْيَاءِ الْمَذْكُورَةِ فِيهِ ، وَفِي الثَّانِي مِنْهَا أَنَّ الْفِطْرَةَ هِيَ الْأَشْيَاءُ الْخَمْسَةُ الْمَذْكُورَةُ فِيهِ ، وَفِي الثَّالِثِ وَالرَّابِعِ مِنْهَا أَنَّ الْفِطْرَةَ الْعَشَرَةُ الْأَشْيَاءِ الْمَذْكُورَةِ فيهَا . فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ : أَنَّهُ لَا تَضَادَّ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْفِطْرَةُ كَانَتْ أَوَّلًا الثَّلَاثَةَ أَشْيَاءِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْأَوَّلِ ، ثُمَّ زَادَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهَا الشَّيْئَيْنِ الْآخَرَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ فِي الثَّانِي مِنْهَا ، ثُمَّ زَادَ اللَّهُ فِيهَا الْأَشْيَاءَ الْمَذْكُورَةَ فِي الثَّالِثِ وَالرَّابِعِ مِنْهَا الَّتِي لَيْسَتْ فِي الْأَوَّلَيْنِ ، فَجَعَلَهَا اللَّهُ عِبَادَةً لَهُ عَلَى خَلْقِهِ فِي أَبْدَانِهِمْ ، فَانْتَفَى بِمَا ذَكَرْنَا أَنْ يَكُونَ فِي شَيْءٍ مِمَّا وَصَفْنَاهُ تَضَادٌّ ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ .
803- باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الضرير في بصره ، هل عليه حضور الجماعات كما على من سواه ممن لا ضرر ببصره ، أم لا ؟ . 6010 - حدثنا إسماعيل بن يحيى المزني ، قال : حدثنا محمد بن إدريس الشافعي ، قال : حدثنا سفيان بن عيينة ، قال : سمعت الزهري ، يحدث عن محمود بن ربيع ، عن عتبان بن مالك ، قال : قلت : يا رسول الله ، إني رجل محجوب البصر ، وإن السيول تحول بيني وبين المسجد ، فهل لي من عذر ؟ فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : هل تسمع النداء ؟ فقال : نعم . فقال : ما أجد لك عذرا إذا سمعت النداء . قال سفيان : وفيه قصة لم أحفظها . قال أبو جعفر : سمعت المزني يقول : قال الشافعي : ولم أره استجلس الناس في حديث قط إلا هذا ، وحديثه: يا بقايا العرب ، وكان سفيان يتوقاه ويعرف أنه لا يضبطه . 6011 - قال أبو جعفر : سمعت المزني يقول : قال الشافعي : وقد أوهم فيه فيما نرى ، والدلالة على ذلك - والله أعلم - أن مالكا أخبرنا ، عن ابن شهاب ، عن محمود بن الربيع ، أن عتبان بن مالك كان يؤم قومه ، وهو أعمى ، وأنه قال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إنها تكون الظلمة والمطر والسيل ، وأنا رجل ضرير البصر ، فصل يا رسول الله في بيتي في مكان أتخذه مصلى . فجاءه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : أين تحب أن أصلي ؟ . فأشار له إلى مكان من البيت ، فصلى فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم قال أبو جعفر : فكان في هذا الحديث مما أضيف إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لعتبان لما أعلمه أنه سمع النداء : ما أجد لك عذرا ، يعني في ترك حضور الصلوات في الجماعات ، غير أن هذا المعنى لم نجده في غير هذا الحديث من رواية عن سفيان غير الشافعي . 6012 - وقد حدثناه يونس ، قال : حدثنا سفيان ، عن الزهري ، قال : عن محمود ، إن شاء الله : أن عتبان بن مالك الأنصاري كان رجلا محجوب البصر ، وأنه ذكر للنبي - صلى الله عليه وسلم - الخلف عن الصلاة ، فقال : هل تسمع النداء ؟ قال : نعم . فلم يرخص له . وقد وجدنا هذا الحديث أيضا من رواية عقيل ، عن الزهري موافقا لما رواه مالك ، عن الزهري ، ومخالفا لما رواه سفيان ، عن الزهري . 6013 - كما حدثنا ابن أبي داود ، قال : حدثنا عبد الله بن صالح ، قال : حدثني الليث ، قال : حدثني عقيل بن خالد ، عن ابن شهاب ، قال : أخبرني محمود بن الربيع الأنصاري : أن عتبان بن مالك - وهو من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن شهد بدرا من الأنصار - : أنه أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا رسول الله ، قد أنكرت بصري ، وإني أصلي لقومي ، فإذا كانت الأمطار ، سال الوادي الذي بيني وبينهم ، لم أستطع أن آتي مسجدهم ، فأصلي لهم ، فوددت يا رسول الله أنك تأتي فتصلي في بيتي ، فأتخذه مصلى . فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : سأفعل إن شاء الله . قال عتبان : فغدا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر حين ارتفع النهار ، فاستأذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأذنت له ، فلم يجلس حتى دخل البيت ، ثم قال : أين تحب أن أصلي ؟ فأشرت إلى ناحية من البيت ، فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقمنا ، فصففنا ، فصلى ركعتين ، ثم سلم . فعاد هذا الحديث منقطعا ، فلم يكن مما يحتج في هذا الباب بمثله . ثم نظرنا : هل روي في هذا الباب غير هذا الحديث ؟ . 6014 - فوجدنا يوسف بن يزيد قد حدثنا ، قال : حدثنا يعقوب بن إسحاق بن أبي عباد ، قال : حدثنا إبراهيم بن طهمان ، عن عاصم ، عن زر بن حبيش ، عن عمرو بن أم مكتوم ، قال : أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقلت : يا رسول الله ، إني شيخ ضرير البصر ، شاسع الدار ، ولي قائد لا يلائمني ، وبيني وبين المسجد شجر وأنهار ، فهل لي من عذر أن أصلي في بيتي ؟ فقال : هل تسمع النداء ؟ قلت : نعم . قال : فأتها . قال أبو جعفر : فكان هذا الحديث من أحسن ما وجدناه في هذا الباب ؛ لأن زر بن حبيش قد سمع من عمر بن الخطاب ، ومن أبي بن كعب ، فليس بمستنكر منه سماع هذا الحديث من ابن أم مكتوم ؛ لأنه قد بقي بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - وحضر فتح القادسية ، وكان حامل الراية يومئذ لأهلها . ووجدنا في هذا الباب أيضا . 6015 - ما قد حدثنا ابن أبي داود ، قال : حدثنا أبو عمر الحوضي ، قال : أخبرنا عبد العزيز بن مسلم القسملي ، قال : حدثنا حصين بن عبد الرحمن ، عن عبد الله بن شداد ، عن عبد الله بن أم مكتوم ، قال : خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من المسجد ، فرأى في الناس رقة ، فقال : إني لأهم أن أجعل للناس إماما ، ثم أخرج ، فلا أقدر على رجل تخلف في بيته عن الصلاة ، إلا أحرقت عليه . فقلت: يا رسول الله ، إن بيني وبين المسجد نخلا وشجرا ، وليس كل حين أقدر على قائد ، أفأصلي في بيتي ؟ قال : تسمع الإقامة ؟ قلت : نعم . قال : فأتها . قال : فطعن طاعن في إسناد هذا الحديث ، ونفى أن يكون سماعا لعبد الله بن شداد من ابن أم مكتوم ، فتأملنا ذلك ، فوجدنا عبد الله بن شداد قد سمع من عمر بن الخطاب ، ومن سمع من عمر كان غير مستنكر منه سماعه من ابن أم مكتوم . وذكر بعض الطاعنين في إسناد هذا الحديث : أن شعبة قد رواه عن حصين ، فخالف عبد العزيز فيه ، وذكر . 6016 - ما قد حدثنا عبد الغني بن أبي عقيل ، قال: حدثنا عبد الرحمن بن زياد الرصاصي ، قال : حدثنا شعبة ، عن حصين بن عبد الرحمن ، عن عبد الله بن شداد بن الهاد : أن ابن أم مكتوم قال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن بيني وبين المسجد أشياء ، وربما وجدت قائدا ، وربما لم أجد قائدا . قال : ألست تسمع النداء ؟ فإذا سمعت النداء فامش إليها . ثم سأله رجل آخر عن مثل ذلك ، فقال : إذا سمعت النداء فآذن . وما رخص له ، ثم قال : لقد هممت أن آمر رجلا يصلي بالناس ، ثم آتي أقواما لا يشهدون الصلاة ، فأحرق عليهم . قال هذا الطاعن : فهذا شعبة إنما روى هذا الحديث عن حصين ، فقال فيه : إن ابن أم مكتوم ، ولم يقل فيه كما قال عبد العزيز : عن ابن أم مكتوم . فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله - عز وجل وعونه - : أنه قد يحتمل أن يكون ذلك من اختلاف شعبة وعبد العزيز على حصين ؛ لأن حصينا حدث به مرة هكذا ، ومرة هكذا ، وكل واحد من شعبة ومن عبد العزيز إمام حافظ حجة ، ممن إذا تفرد بشيء كان مقبولا منه ، ومن كان كذلك وجب أن يكون ما روى مما قد خولف فيه بمثل ما قد ذكرنا ، لا يحمل على الوهم منه ، فيما روى ما لم تقم الحجة بذلك . 6017 - وقد وجدنا في هذا الباب أيضا ما قد حدثنا أبو أمية ، قال : حدثنا سعيد بن سليمان - يعني الواسطي - قال : حدثنا إسحاق بن سليمان- يعني الرازي - قال : حدثنا أبو سنان - يعني سعيد بن سنان الشيباني المعروف بالقزويني - عن عمرو بن مرة ، قال : حدثني أبو رزين ، عن أبي هريرة ، قال : جاء ابن أم مكتوم إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : إني رجل ضرير ، شاسع الدار ، وليس لي قائد يلائمني ، أفلي رخصة أن لا آتي المسجد ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا . فطعن طاعن في إسناد هذا الحديث أيضا بأن قال : قد رواه شعبة عن عمرو بن مرة ، عن ابن أبي ليلى ، ولم يتجاوزه به . 6018 - وذكر ما قد حدثنا بكار بن قتيبة ، قال : حدثنا أبو داود ، قال : حدثنا شعبة ، عن عمرو بن مرة ، قال : سمعت ابن أبي ليلى ، يقول : كان رجل منا ضرير البصر ، فقال : يا رسول الله ، إن بيني وبين المسجد نخلا . فقال رسول الله : أتسمع النداء ؟ فقال : نعم . قال : فإذا سمعت النداء فآذنه . قال : فدل ذلك أن أصل هذا الحديث إنما هو عن عمرو بن مرة ، عن ابن أبي ليلى منقطعا ، لا عن عمرو ، عن أبي رزين ، عن أبي هريرة . فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله - جل وعز وعونه - : أنه قد ذهب عليه في هذين الحديثين ما لم يكن ينبغي له مع ذلك أن يعجل بما عجل به فيهما ؛ لأن حديث شعبة ، عن عمرو ، عن ابن أبي ليلى فيه : قال : كان رجل منا ضرير البصر ، فكان ذلك إخبارا منه عن رجل منهم ، يريد الأنصار ؛ لأنه منهم ، والحديث الأول رواه أبو سنان ، عن عمرو ، عن أبي رزين ، عن أبي هريرة ، هو في ابن أم مكتوم ، وهو رجل من قريش ، لا من الأنصار . فعقلنا بذلك : أنهما حديثان في رجلين مختلفين ، مع وقوفنا على ثبت أبي سنان هذا في روايته واستقامته فيها ، وقبول الأئمة إياها منه ، ثم نظرنا في محمود بن الربيع : هل يتهيأ من مثله لقاء عتبان بن مالك ، أم لا ؟ . 6019 - فوجدنا أبا أمية قد حدثنا ، قال : حدثنا الحسين بن محمد المروذي ، قال : حدثنا جرير بن حازم ، عن علي بن زيد بن جدعان ، قال : حدثني أبو بكر بن أنس بن مالك ، قال : قدم أبي من الشام وافدا وأنا معه ، فلقينا محمود بن الربيع ، فحدث أبي ، عن عتبان بن مالك ، فقال أبي : احفظ هذا الحديث ، فإنه من كنوز الحديث . فلما قفلنا انصرفنا إلى المدينة ، فسألت عنه ، فإذا هو حي ، وإذا شيخ أعمى كأنه يعني عتبان بن مالك ، فسألته عن الحديث ، فقال : نعم ، ذهب بصري على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت : يا رسول الله ، ذهب بصري ، ولا أستطيع الصلاة خلفك ، فلو بوأت لي في داري مسجدا صليت فيه فأتخذه مصلى . قال : نعم ، فإني غاد إليك غدا . فلما صلى من الغد التفت إليه ، وقام حتى أتى ، فقال : يا عتبان أين تحب أن أبوئ لك ؟ قال : فوصفت له مكانا ، فبوأ له وصلى فيه . فإن ثقل هذا الحديث على بعض الناس لمكان علي بن زيد . 6020 - فإنه قد حدثناه حسين بن نصر ، قال : حدثنا نعيم بن حماد ، قال : حدثنا ابن المبارك ، قال : أخبرنا سليمان التيمي ، عن ثابت ، عن أنس ، قال : حدثنا محمود بن الربيع ، عن عتبان بن مالك ، قال أنس : فلقيت عتبان ، فحدثني به ، فأعجبني ، فقلت لابني : اكتبه فكتبه . فكان في هذا عود هذا الحديث إلى موافقة سليمان التيمي علي بن زيد عليه ، وكانت رواية محمود إياه عن عتبان غير مستنكرة وكان في ذلك وجوب العذر لابن عيينة فيما رواه عن الزهري ، عن محمود عليه ، ولما قام بهذه الآثار ، أو بما قام منها ، ما قد ذكرنا من وجوب حضور الجماعات على الضرير في بصره كما يجب على الصحيح في بصره وكان هذا الباب مما قد اختلف فيه أهل العلم فقالت طائفة منهم بوجوب حضور الجماعات على الضرير كوجوبها على الصحيح ، وجعلوه كمن لا يعرف الطريق ، فلم يعذر بجهله إياه عن التخلف عن حضور الجماعة لذلك ، وقد عذره آخرون في ترك حضور الجماعة ، وقد روي القولان جميعا عن أبي حنيفة ، غير أن الصحيح عندنا عنه هو وجوب حضورها عليه ، وإلى ذلك كان يذهب محمد بن الحسن ، ولا يحكي فيه خلافا بينه وبين أحد من أصحابه ، وقد خاطب ابن أم مكتوم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين تلا على الناس : (لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله ) قبل إنزال الله - عز وجل - عليه في الآية : (غير أولي الضرر ) بأن قال له : لو أستطيع الجهاد لجاهدت ، فلم ينكر ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يقل له : إنك أعمى ولا فرض في ذلك على الأعمى . وفيما ذكرنا من ذلك دليل على أن ما يستطيعه الأعمى من العمى ، يكون فيه كالصحيح الذي لا عمى به وإذا كان الأعمى في حضور الجماعات كما ذكرنا كان في وجوب الحج عليه إذا وجد إليه سبيلا ، ووجد ما يبلغه به من نفقة ومن موصل له إليه كغير الأعمى والله نسأله التوفيق .
102 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ قَوْلِهِ : إنَّ الْإِسْلَامَ بَدَأَ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ . 785 - حدثنا فَهْدٌ ، حدثنا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ ، حدثنا أَبِي ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : قَالَ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنَّ الْإِسْلَامَ بَدَأَ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ ، فَقِيلَ : مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : النُّزَّاعُ مِنْ الْقَبَائِلِ . 786 - حدثنا فَهْدٌ ، حدثنا يُوسُفُ بْنُ مَنَازِلَ الْكُوفِيُّ ، حدثنا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ ثُمَّ ذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ . 787 - حدثنا يَحْيَى بْنُ عُثْمَانَ ، حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْوَاسِطِيُّ ، حدثنا سُلَيْمَانُ بْنُ حَيَّانَ ، حدثنا الْأَعْمَشُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي حَفْصٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إنَّ الْإِسْلَامَ بَدَأَ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا ، قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَمَنْ الْغُرَبَاءُ ؟ قَالَ : نَوَازِعُ النَّاسِ . 788 - حدثنا فَهْدٌ ، حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ ، حَدَّثنِي اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : هَذِهِ الْأَحَادِيثُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ : كَتَبَ إلَيَّ خَالِدُ بْنُ أَبِي عِمْرَانَ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ قَالَ : حَدَّثنِي أَبُو عَيَّاشَ قَالَ : سَمِعْت جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنَّ الْإِسْلَامَ بَدَأَ غَرِيبًا وَإِنَّهُ سَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ ، قَالُوا : وَمَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : الَّذِينَ يُصْلِحُونَ حِينَ يُفْسِدُ النَّاسُ . 789 - حدثنا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ ، حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ ، حدثنا اللَّيْثُ ، حَدَّثنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ سِنَانٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ . 790 - حدثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُد ، حدثنا أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامٍ ، حدثنا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ، حدثنا رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ ، عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إنَّ الدِّينَ بَدَأَ غَرِيبًا وَإِنَّ الدِّينَ سَيَعُودُ غَرِيبًا فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ . فَتَأَمَّلْنَا هَذِهِ الْآثَارَ فَوَجَدْنَا الْإِسْلَامَ دَخَلَ عَلَى أَشْيَاءَ لَيْسَتْ مِنْ أَشْكَالِهِ فَكَانَ بِذَلِكَ مَعَهَا غَرِيبًا لَا يُعْرَفُ كَمَا يُقَالُ لِمَنْ نَزَلَ عَلَى قَوْمٍ لَا يَعْرِفُونَهُ إنَّهُ غَرِيبٌ بَيْنَهُمْ ، ثُمَّ أَخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ يَعُودُ كَذَلِكَ ، فَيَكُونُ مَنْ نَزَعَ عَن مَّا عَلَيْهِ الْخَلَّةَ الْمَذْمُومَةَ إلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ الْخَلَّةَ الْمَحْمُودَةَ غَرِيبًا بَيْنَهُمْ . وَمِنْ ذَلِكَ مَا قَدْ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ كَمَا 791 - حدثنا سُلَيْمَانُ الْكَيْسَانِيُّ ، حدثنا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْخُرَاسَانِيُّ ، حدثنا الثَّوْرِيُّ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ خَيْثَمَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ : لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَجْتَمِعُونَ فِي الْمَسَاجِدِ وَلَيْسَ فِيهِمْ مُؤْمِنٌ ، قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ ذَلِكَ الزَّمَانِ .
701 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في المقدار الذي ورثه الجد من ابن ابنه . 5264 - حدثنا علي بن شيبة ، حدثنا يزيد بن هارون ، أخبرنا همام بن يحيى ، عن قتادة ، عن الحسن ، عن عمران بن حصين قال : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إن ابن ابني مات , فما لي من ميراثه ؟ قال : لك السدس , فلما ولى دعاه , قال : لك سدس آخر , فلما ولى دعاه , فقال : إن السدس الآخر طعمة . فكان في هذا الحديث ما يحتاج إلى الوقوف على المعنى المراد به , وذلك أن فيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للجد الذي سأله ما له من ميراث ابن ابنه , فقال : لك السدس . وقد علمنا أنه لم يقتصر به على السدس إلا ولبقية الميراث مستحق سواه , إذ كان لا اختلاف بين أهل العلم في الجد أبي الأب إذا لم يكن غيره أنه يستحق جميع ميراث ابن ابنه , ثم قال له : لك سدس آخر , ثم أعلمه أن ذلك السدس طعمة , فعقلنا أنه لم يطعمه إلا مما لا مستحق له بمورثه له عن ذلك المتوفى , وكان هذا عندنا قبل أن ينزل الله تعالى على نبيه في ميراث الجد أبي الأب من ابن ابنه إلا السدس الذي أعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم أولا الجد الذي سأله , وكان ما بقي من ميراثه أنه مما أطعم النبي صلى الله عليه وسلم منه ذلك الجد السدس الآخر مما لم ينزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم فيه شيئا . فكان حكم ذلك في حكم مال تركه تارك لا مستحق له بميراثه عنه , فأعطى النبي صلى الله عليه وسلم الجد منه ما أعطاه منه طعمة له , وأرجأ ما بقي منه ليرى فيه رأيه . وقد كانت المواريث في أول الإسلام إنما تجري على سبيل الوصايا بها , ومنه قول الله تبارك وتعالى : كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ (, فدل ذلك أن الوالدين لم يكونا مستحقين من ميراث ولدهما إلا ما أوصى به لهما منه , وإذا كان ذلك كذلك , كان حكم ذلك الميراث إذا لم يكن منه فيه وصية لهما في حكم مال لا مستحق له مما يرجع حكمه إلى النبي صلى الله عليه وسلم يضعه فيما يرى وضعه فيه , ثم نسخ الله تعالى ذلك بالمواريث التي فرضها في تركات المتوفين , ولم ينزلها جملة , وإنما أنزل بعضها بعد بعض , فاحتمل أن يكون الذي كان أنزله منها حينئذ السدس من مال المتوفى لجده , فدفع النبي صلى الله عليه وسلم ذلك السدس إلى الجد الذي سأله ماله من ميراث ابن ابنه , وأطعمه بعد ذلك من بقيته ما أطعمه منه , وبقي ما سوى ذلك من ذلك الميراث لا فرض لله عز وجل فيه , وكان حكمه حكم المواريث التي ليست لوارث بعينه , فهذا أحسن ما وجدناه في تأويل هذا الحديث , والله أعلم بحقيقة الأمر فيه . وقد روي في هذا الباب أيضا حديث آخر وهو . 5265 - ما قد حدثنا أبو أمية ، حدثنا عبد الله بن محمد بن أبي شيبة , حدثنا شبابة بن سوار ، عن يونس يعني ابن أبي إسحاق ، عن أبي إسحاق ، عن عمرو بن ميمون ، عن معقل بن يسار قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بفريضة فيها جد , فأعطاه سدسا أو ثلثا . وكان هذا الحديث عندنا غير مخالف للحديث الأول , لأن الذي في هذا الحديث مما أعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم جد ذلك المتوفى هو الثلث أو السدس , وكان الأولى بنا أن نجعله السدس الذي حفظه عمران عنه , فيكون الذي أعطاه ذلك السدس بمورثه إياه عن ذلك المتوفى , ولم يحفظ معقل ما كان منه في بقية ذلك الميراث , وحفظه عمران , فكان من حفظ شيئا أولى به ممن قصرعنه , وبالله التوفيق .
103 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي الشَّيْءِ الَّذِي يُذْهِبُ الْمَذَمَّةَ فِي الرَّضَاعِ عَنْ الْمُرْضِعِ لِمَنْ أَرْضَعَهُ . 792 - حدثنا يُونُسُ ، حدثنا ابْنُ وَهْبٍ ، حدثنا اللَّيْثُ وَعَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجُمَحِيُّ أَنَّ هِشَامَ بْنَ عُرْوَةَ أَخْبَرَهُمْ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ حَجَّاجِ بْنِ حَجَّاجٍ الْأَسْلَمِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا يُذْهِبُ عَنِّي مَذَمَّةَ الرَّضَاعِ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْغُرَّةُ الْعَبْدُ أَوْ الْأَمَةُ . 793 - حدثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، حدثنا يَعْقُوبُ بْنُ إبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ ، حدثنا يَحْيَى يَعْنِي الْقَطَّانَ ، عَنْ هِشَامٍ يَعْنِي ابْنَ عُرْوَةَ ، حَدَّثنِي أَبِي ، عَنْ الْحَجَّاجِ بْنِ الْحَجَّاجِ ، عَنْ أَبِيهِ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ : مَا يُذْهِبُ عَنِّي مَذَمَّةَ الرَّضَاعِ ؟ قَالَ : غُرَّةٌ عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ . 794 - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ دَاوُد ، حدثنا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُد الْهَاشِمِيُّ ، حدثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ وَهِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ الْحَجَّاجِ بْنِ الْحَجَّاجِ بْنِ مَالِكٍ الْأَسْلَمِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ مِثْلَهُ . فَسَأَلَ سَائِلٌ عَنْ الْمُرَادِ بِمَا هُوَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا هُوَ ؟ فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْمُرْضِعَةَ يَجِبُ مِنْ حَقِّهَا عَلَى مَنْ أَرْضَعَتْهُ مَا لَا خَفَاءَ بِهِ ، وَأَنَّهَا تَصِيرُ بِذَلِكَ لَهُ أُمًّا فِي وُجُوبِ حَقِّهَا عَلَيْهِ ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِيمَنْ حَقُّهُ دُونَ حَقِّ الْأُمِّ . 795 - مَا قَدْ حدثنا يُونُسُ ، حدثنا سُفْيَانُ ، عَنْ سُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا يَجْزِي وَلَدٌ وَالِدَهُ إلَّا أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ . فَكَانَ ذَلِكَ إخْبَارًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ هَذَا الْفِعْلَ مِنْ الْوَلَدِ بِوَالِدِهِ جَزَاءٌ لَهُ عَمَّا كَانَ مِنْهُ فِيهِ بِحَقِّ أُبُوَّتِهِ ، وَكَانَ حَقُّ الْمُرْضِعَةِ الَّتِي ذَكَرْنَا قَدْ وَجَبَ عَلَى الْمُرْضَعِ بِرَضَاعِهَا إيَّاهُ حَتَّى صَارَتْ لَهُ بِذَلِكَ أُمًّا وَحَتَّى صَارَ مَا كَانَ مِنْهَا إلَيْهِ سَبَبًا لِحَيَاتِهِ ، وَحُقُوقُ الْوَالِدَاتِ عَلَى أَوْلَادِهِنَّ فَوْقَ حُقُوقِ آبَائِهِمْ عَلَيْهِمْ ، وَسَنَذْكُرُ ذَلِكَ وَمَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِيهِ فِيمَا بَعْدُ مِنْ كِتَابِنَا إنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ وَلَمْ يَقْدِرْ الْمُرْضَعُ عَلَى فِكَاكِ مَنْ أَرْضَعَهُ مِنْ الرِّقِّ إذَا كَانَ غَيْرَ رَقِيقٍ أَمَرَ أَنْ يُعَوِّضَهَا مِنْ ذَلِكَ مَا تقْدِرُ أَنْ تَفْعَلَ فِيهِ الْعَتَاقَ الَّذِي يَكُونُ بِهِ فِدَاءٌ لَهَا مِنْ النَّارِ كَمَا قَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِيمَنْ أَعْتَقَ نَسَمَةً مُؤْمِنَةً مِمَّا نَحْنُ ذَاكِرُوهُ فِيمَا بَعْدُ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ . وَلَمْ تُجْعَلْ تِلْكَ النَّسَمَةُ كَغَيْرِهَا مِنْ النَّسَمِ وَجُعِلَتْ مِنْ غُرَرِهَا ، وَغُرَرُهَا أَرْفَعُهَا . 796 - كَمَا حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْأَنْصَارِيُّ الدُّولَابِيُّ أَبُو بِشْرٍ ، حدثنا أَبُو يَعْلَى السَّاجِيُّ ، حدثنا الْأَصْمَعِيُّ قَالَ : قَالَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ : لَا يُقْبَلُ فِي الدِّيَةِ عَبْدٌ أَسْوَدُ وَلَا أَمَةٌ سَوْدَاءُ ، وَهُوَ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فِي الْجَنِينِ غُرَّةٌ عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ . فَلَوْلَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرَادَ بِذَلِكَ الْبَيْضَاءَ لَقَالَ : فِي الْجَنِينِ عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ ، قَالَ : كُلُّ هَذَا فِي حَدِيثِ أَبِي بِشْرٍ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَكَذَلِكَ مَا قَالَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا يُذْهِبُ مَذَمَّةَ الرَّضَاعِ لَوْلَا أَنَّهُ أَرَادَ الرَّفِيعَ مِنْ الْمَمَالِيكِ لَقَالَ فِيهِ : إنَّهُ عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ وَلَمْ يَقُلْ : إنَّهُ غُرَّةٌ . وَفِيمَا ذَكَرْنَا مَا قَدْ دَلَّ أَنَّ الْمُرْضَعَ إنْ قَدَرَ عَلَى عَتَاقِ مَنْ أَرْضَعَهُ مِنْ الرِّقِّ لِأَنَّهُ كَذَلِكَ فَأَعْتَقَهُ كَانَ بِذَلِكَ جَازِيًا لَهُ كَمَا كَانَ الْوَلَدُ بِمِثْلِهِ جَازِيًا لِأَبِيهِ ، وَاَللَّه نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
804 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من قوله : إذا استيقظ أحدكم من نومه ، فلا يدخل يده في الإناء حتى يغسلها فإنه لا يدري أين باتت يده ، أو فيما باتت يده . 6021 - حدثنا سليمان بن شعيب الكيساني ، قال : حدثنا بشر بن بكر البجلي - وحدثنا حسين بن نصر ، قال : حدثنا الفريابي ، ثم اجتمعا ، فقالا : حدثنا الأوزاعي ، قال : حدثني ابن شهاب ، قال : حدثني سعيد بن المسيب : أن أبا هريرة كان يقول : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إذا قام أحدكم من الليل فلا يدخل يده في الإناء حتى يفرغ عليهما مرتين أو ثلاثا فإنه لا يدري أحدكم فيم باتت يده . 6022 - حدثنا إبراهيم بن أبي داود وفهد بن سليمان ، قالا : حدثنا عبد الله بن صالح ، قال : حدثني الليث بن سعد ، قال : حدثني عبد الرحمن بن خالد بن مسافر ، قال : حدثني ابن شهاب ، عن سعيد وأبي سلمة ، عن أبي هريرة ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مثله . 6023 - وحدثنا يونس بن عبد الأعلى ، قال : أخبرنا عبد الله بن وهب ، أن مالكا حدثه ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يده قبل أن يدخلها في وضوئه ، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده . 6024 - حدثنا محمد بن خزيمة ، قال : حدثنا عبد الله بن رجاء ، قال : حدثنا زائدة بن قدامة ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مثله . 6025 - وحدثنا إبراهيم بن أبي داود ، قال : حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس ، قال : حدثنا أبو شهاب الحناط ، عن الأعمش ، عن أبي صالح وأبي رزين ، عن أبي هريرة ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مثله ، غير أنه قال : فليغسل يده مرتين أو ثلاثا . 6026 - وحدثنا محمد بن خزيمة ، قال : حدثنا حجاج بن المنهال ، قال : حدثنا حماد بن سلمة ، عن عمار بن أبي عمار ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا فإنه لا يدري علام باتت يده . قال أبو جعفر : فتأملنا هذا الحديث لنقف على المراد به إن شاء الله فوجدنا المخاطبين بما فيه قد كانوا يبولون ، ولا يستنجون بالماء ، ويكتفون بالمسح بما كانوا يتمسحون به ، ويتغوطون ، فلا يستنجون بالماء ، ويكتفون بالاستجمار بالحجارة ، وكان غير مأمون منهم أن يعرقوا في نومهم ، فتقع أيديهم على موضع البول منهم ، وعلى موضع الغائط منهم ، فتنجس أيديهم بذلك ، فأمروا بغسلها قبل أن يدخلوها الآنية التي فيها الماء الذي يحاولون التطهير به لصلواتهم ، ليدخلوها فيها على علم منهم بطهارتها ، وإن كانت في العبادة التي تعبدوا بها على الطهارة التي قد يتيقنونها حتى يعلموا يقينا بخروجها من ذلك إلى ضده ، فمن ذلك ما قد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الذي يخيل إليه وهو في الصلاة أنه يجد شيئا من قوله : له لا تنصرف حتى تجد ريحا أو تسمع صوتا . 6027 - كما حدثنا يونس ، قال : حدثنا سفيان ، عن الزهري ، عن سعيد ، وعن عباد بن تميم ، عن عمه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة ، قال : لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا . فكان مثل ذلك من نام على طهارة من يده متيقنة أن لا يخرج عنها إلى ضدها ، إلا بما يعلم خروجه إلى ذلك خروجا متيقنا ، فاحتمل أن يكون الذي أمر به - صلى الله عليه وسلم - في هذه الآثار على الاختيار ، لا على الوجوب . فقال قائل : فقد عورض أبو هريرة في ذلك بما استعاذ من شر معارضه به إذا لم يكن فيه معه حجة ، فإنه يدفع ما عارضه به فيه . 6028 - كما حدثنا محمد بن خزيمة ، قال : حدثنا حجاج بن المنهال ، قال : حدثنا حماد ، عن محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا فإنه لا يدري على ما باتت يده . فقال له قين الأشجعي : إذا أتينا مهراسكم هذا بالليل كيف نصنع ؟ فقال أبو هريرة : أعوذ بالله من شرك يا قين هكذا سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول . قال أبو جعفر : وكان هذا المعارض لأبي هريرة بما عارضه به في هذا الحديث قد ذهب عنه معنى ما حدث به أبو هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو المعنى الذي ذكرناه في هذا الباب وكان ما أمره به على الاختيار لا على الوجوب ، إذ لم يكن ضرورة تدعوه إلى خلاف ذلك ، فكان الذي أمره به هو الأولى به ؛ لأنه اليقين ، وكان ما سواه فيه الشك ، وكان إذا دفع إلى التوضؤ من المهراس الذي لا يمكنه معه الاختيار الذي أمر به في الحديث الأول ، كان معذورا في تركه الاختيار ، وكان على يقينه الأول من طهارة يده ، كما هو على يقين من طهارة الماء الذي يدخلها فيه حتى يعلم يقينا ما قد أخرج يده عن تلك الطهارة التي كانت عليها وما يوجب نجاسة الماء الذي يدخلها فيه وكان لا شيء أولى بهذه الآثار مما حملناها عليه ، إذ كان ذلك يوجب نفي التضاد عنها ، والذي يطلب المخالف لذلك هو حملها على ما يوجب تنافيها وتضادها ، ونعوذ بالله - عز وجل - من هذا المذهب ، ومن قائليه ، وإياه نسأل التوفيق .
104 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ فِي انْشِقَاقِ الْقَمَرِ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ تَصْدِيقًا لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ . 797 - حدثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيُّ الْكُوفِيُّ ، حدثنا لُوَيْنُ ، حدثنا حُدَيْجُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْجُعْفِيُّ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي حُذَيْفَةَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ وَهُوَ سَلَمَةُ بْنُ صُهَيْبٍ الْأَرْحَبِيُّ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : انْشَقَّ الْقَمَرُ وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ . 798 - وَحدثنا أَحْمَدُ بْنُ دَاوُد ، حدثنا سَهْلُ بْنُ بَكَّارٍ ، حدثنا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ مُغِيرَةَ ، عَنْ أَبِي الضُّحَى ، عَنْ مَسْرُوقٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : انْشَقَّ الْقَمَرُ بِمَكَّةَ ، فَقَالَتْ قُرَيْشٌ : هَذَا سِحْرٌ سَحَرَكُمْ بِهِ ابْنُ أَبِي كَبْشَةَ . 799 - وَحدثنا أَحْمَدُ بْنُ دَاوُد ، حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبِي عُمَرَ ، حدثنا سُفْيَانُ ، عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ ، عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : انْشَقَّ الْقَمَرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ : اشْهَدُوا . 800 - وَحدثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْوَاسِطِيُّ الْجَوَارِبِيُّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ، حدثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ ، حدثنا أَبِي ، حدثنا شُعْبَةُ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ إبْرَاهِيمَ ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : انْشَقَّ الْقَمَرُ عَلَى عَهْدِ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِلْقَتَيْنِ فَسَتَرَ الْجَبَلُ فِلْقَةً وَكَانَتْ فِلْقَةٌ فَوْقَ الْجَبَلِ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اللَّهُمَّ اشْهَدْ . 801 - وَحدثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ ، حدثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ ، حدثنا أَبِي ، حدثنا شُعْبَةُ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِثْلَ ذَلِكَ . 802 - حدثنا فَهْدٌ ، حدثنا مُخَوَّلُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ مُخَوَّلِ بْنِ رَاشِدٍ الْكُوفِيُّ ، حدثنا إسْرَائِيلُ بْنُ يُونُسَ . وَحدثنا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ ، حدثنا الْفِرْيَابِيُّ ، حدثنا إسْرَائِيلُ ، ثُمَّ اجْتَمَعَا فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي حَدِيثِهِ : حدثنا سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ ، عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ ، عَنْ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : انْشَقَّ الْقَمَرُ فَأَبْصَرْتُ الْجَبَلَ بَيْنَ فُرْجَتَيْ الْقَمَرِ . 803 - وَحدثنا عَلِيُّ بْنُ شَيْبَةَ ، حدثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى الْعَبْسِيُّ ، أخبرنا سُفْيَانُ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ إبْرَاهِيمَ ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : انْشَقَّ الْقَمَرُ ، فَانْفَلَقَتْ فِرْقَةٌ مِنْهُ خَلْفَ الْجَبَلِ ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : اشْهَدُوا . 804 - حدثنا يُوسُفُ بْنُ يَزِيدَ ، حدثنا يُوسُفُ بْنُ عَدِيٍّ ، حدثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ إبْرَاهِيمَ ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِنًى ، فَانْشَقَّ الْقَمَرُ ، فَذَهَبَتْ فِلْقَةٌ مِنْهُ خَلْفَ الْجَبَلِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اشْهَدُوا . 805 - حدثنا أَبُو قُرَّةَ مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ الرُّعَيْنِيُّ ، وَفَهْدٌ قَالَا : حدثنا يَحْيَى بْنُ بُكَيْر ، عَنْ بَكْرِ بْنِ مُضَرَ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ ، عَنْ عِرَاكَ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : انْشَقَّ الْقَمَرُ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 806 - وَحدثنا ابْنُ أَبِي دَاوُد ، حدثنا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ، حدثنا بَكْرٌ وَابْنُ لَهِيعَةَ ثُمَّ ذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ . 807 - وَحدثنا أَحْمَدُ بْنُ دَاوُد ، حدثنا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ ، حدثنا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ قَالَ : انْطَلَقْتُ مَعَ أَبِي إلَى الْجُمُعَةِ بِالْمَدَائنِ ، وَبَيْنَنَا وَبَيْنَهَا فَرْسَخٌ ، وَحُذَيْفَةُ عَلَى الْمَدَائِنِ ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ : اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ أَلَا وَإِنَّ السَّاعَةَ قَدْ اقْتَرَبَتْ ، أَلَا وَإِنَّ الْقَمَرَ قَدْ انْشَقَّ . 808 - حدثنا فَهْدٌ ، حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْأَصْبَهَانِيِّ ، حدثنا شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّخَعِيُّ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ حُذَيْفَةَ مِثْلَهُ . 809 - حدثنا أَحْمَدُ بْنُ دَاوُد ، حدثنا مُسَدَّدٌ ، حدثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ : اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ قَالَ : قَدْ انْشَقَّ . فَكَانَ فِيمَا ذَكَرْنَا ، عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَحُذَيْفَةَ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَنَسٍ تَحْقِيقُهُمْ انْشِقَاقَ الْقَمَرِ ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ ، وَمَعْنَاهُ فِي ذَلِكَ كَمَعْنَاهُمْ فِيهِ ، وَلَا نَعْلَمْ رُوِيَ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي ذَلِكَ غَيْرُ الَّذِي رُوِيَ عَنْهُمْ فِيهِ ، وَهُمْ الْقُدْوَةُ وَالْحُجَّةُ الَّذِينَ لَا يَخْرُجُ عَنْهُمْ إلَّا جَاهِلٌ ، وَلَا يَرْغَبُ عَمَّا كَانُوا عَلَيْهِ إلَّا خَاسِرٌ . وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ مَنْ يَدَّعِي التَّأْوِيلَ ، وَيَسْتَعْمِلُ رَأْيَهُ فِيهِ ، وَيَقْتَصِرُ عَلَى ذَلِكَ ، وَيَتْرُكُ ذِكْرَ مَا كَانَ عَلَيْهِ مَنْ قَبْلَهُ فِيهِ مِنْ صَحَابَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَمِنْ تَابِعِيهِمْ أَنَّهُ لَمْ يَنْشَقَّ ، وَأَنَّهُ إنَّمَا يَنْشَقُّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَأَنَّ مَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : وَانْشَقَّ الْقَمَرُ إنَّمَا هُوَ عَلَى صِلَةٍ قَدْ ذُكِرَتْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي السُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ ذَلِكَ فِيهَا ، وَهِيَ قَوْله تَعَالَى : يَوْمَ يَدْعُو الدَّاعِي إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ أَيْ : فَيَنْشَقُّ الْقَمَرُ حِينَئِذٍ ، وَجَعَلَ ذَلِكَ مِنْ الْأَشْيَاءِ الَّتِي تَكُونُ فِي الْقِيَامَةِ ، وَذَكَرَ بِجَهْلِهِ أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَرْوِ أَنَّهُ قَدْ كَانَ إلَّا ابْنُ مَسْعُودٍ ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ مِمَّا قَدْ مَضَى كَمَا رُوِيَ عَنْهُ لَتَسَاوَى فِيهِ النَّاسُ ، وَلَمْ يَحْتَجْ إلَى إضَافَتِهِ إلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ دُونَ مَنْ سِوَاهُ ، فَكَفَى بِذَلِكَ جَهْلًا إذْ كَانَ مَا أَضَافَهُ إلَى انْفِرَادِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِهِ قَدْ شَرِكَهُ فِيهِ خَمْسَةٌ سِوَاهُ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ ذَكَرْنَاهُمْ فِي الْآثَارِ الَّتِي رَوَيْنَاهَا فِي أَوَّلِ هَذَا الْبَابِ . وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ قَوْلَ اللَّهِ تعالى : وَانْشَقَّ الْقَمَرُ إنَّمَا يَرْجِعُ إلَى مَا ذَكَرَ أَنَّهُ صِلَةٌ لَهُ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ عَنْهُ مِنْ السُّورَةِ الْمَذْكُورِ ذَلِكَ فِيهَا ، فَإِنَّ فِي قَوْلِ اللَّهِ تعالى : وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ دَلِيلًا عَلَى خِلَافِ مَا قَالَهُ فِيهَا ، وَدَلِيلًا عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَعْنِ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ؛ لِأَنَّ الْآيَاتِ إنَّمَا تَكُونُ فِي الدُّنْيَا قَبْلَ الْقِيَامَةِ ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلا تَخْوِيفًا وَفِي قَوْله تَعَالَى : فَتَوَلَّ عَنْهُمْ أَيْ : فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى : فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ ، وَكَمَا قَالَ : فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ دَلِيلٌ عَلَى تَمَامِ مَا ذَكَرَهُ قَبْلَ ذَلِكَ ، وَاسْتِقْبَالِ غَيْرِهِ ، وَهُوَ قَوْلُهُ : يَوْمَ يَدْعُو الدَّاعِي إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ مَا هُوَ ظَرْفٌ لِمَا ذَكَرَهُ بَعْدَهُ مِنْ خُرُوجِهِمْ مِنْ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ ، وَانْتَفَى أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ صِلَةً لِمَا قَدْ انْقَطَعَ مِنْ الْكَلَامِ الَّذِي قَدْ تَقَدَّمَهُ . ثُمَّ قَالَ هَذَا الشَّاذُّ : وَقَدْ يُحْتَمَلُ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ - يَعْنِي الَّذِي حَكَاهُ هَذَا الشَّاذُّ عَنْهُ ، وَهُوَ أَنَّهُ ذَكَرَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : وَقَدْ يُحْتَمَلُ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ : كَأَنِّي أَنْظُرُ إلَيْهِ فِلْقَتَيْنِ ، وَحِرَاءُ بَيْنَهُمَا ، أَيْ : كَأَنِّي أَرَاهُ إذَا انْشَقَّ كَذَلِكَ ، فَكَانَ كَلَامُهُ هَذَا فَاسِدًا ؛ لِأَنَّهُ قَدْ نَفَى انْشِقَاقَهُ فِي زَمَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَذَكَرَ أَنَّ انْشِقَاقَهُ يَكُونُ بَعْدَ ذَلِكَ ، فَإِنْ كَانَ كَمَا قَالَ فَقَدْ يَجُوزُ أَن لَّا يَرَاهُ ابْنُ مَسْعُودٍ حِينَئِذٍ ، قَالَ : وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَرَاهُ حَيْثُ قَالَ : وَيَجُوزُ أَنْ يَرَاهُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْمَكَانِ ، وَقَدْ زَعَمَ هَذَا الشَّاذُّ أَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْقِيَامَةِ ، لَا فِي الدُّنْيَا ، وَحِرَاءُ يَوْمَئِذٍ : جَبَلٌ مِنْ الْجِبَالِ الَّتِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى خْبِرًا عَمَّا يَكُونُ مِنْهُ فِيهَا يَوْمَئِذٍ : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا فَيَذَرُهَا الْآيَةَ ، وَقَالَ : وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً وَقَالَ : وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ فَكَيْفَ يَكُونُ حِرَاءُ يَوْمَئِذٍ بَيْنَ فِلْقَتَيْ الْقَمَرِ ، وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ خِلَافِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَالْخُرُوجِ عَنْ مَذَاهِبِهِمْ فَإِنَّ ذَلِكَ كَالِاسْتِكْبَارِ عَنْ كِتَابِ اللَّهِ ، وَمَنْ اسْتَكْبَرَ عَنْ كِتَابِ اللَّهِ وَعَنْ مَذَاهِبِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَابِعِيهِمْ فِيهِ ، كَانَ حَرِيًّا أَنْ يَمْنَعَهُ اللَّهُ فَهْمَهُ . 810 - كَمَا حدثنا ابْنُ أَبِي عِمْرَانَ ، حدثنا إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي إسْرَائِيلَ قَالَ : سَمِعْت سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ يَقُولُ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ قَالَ : أَمْنَعُهُمْ فَهْمَ كِتَابِي . وَسَأَلَ سَائِلٌ عَنْ مَعْنَى قَوْلِ قُرَيْشٍ عِنْدَ انْشِقَاقِ الْقَمَرِ : هَذَا سِحْرٌ سَحَرَكُمْ بِهِ ابْنُ أَبِي كَبْشَةَ ، يُرِيدُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا كَانَ مُرَادُهُمْ بِذَلِكَ ، وَمَنْ أَبُو كَبْشَةَ الَّذِي نَسَبُوهُ إلَيْهِ ؟ فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ : أَنَّ أَحْسَنَ مَا وَجَدْنَاهُ مِمَّا قِيلَ فِي ذَلِكَ مَا قَدْ دَخَلَ فِيمَا أَجَازَهُ لَنَا هَارُونُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَسْقَلَانِيُّ ، عَنْ الْمُفَضَّلِ بْنِ غَسَّانِ الْغَلَّابِيِّ ، قَالَ : وَهْبٌ جَدُّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبُو أُمِّهِ قَيْلَةَ ابْنَةَ أَبِي قَيْلَةَ ، وَاسْمُ أَبِي قَيْلَةَ : وَجْزُ بْنُ غَالِبٍ ، وَهُوَ مِنْ خُزَاعَةَ ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ عَبَدَ الشِّعْرَى الْعَبُورَ ، وَكَانَ يَقُولُ : إنَّ الشِّعْرَى تَقْطَعُ السَّمَاءَ عَرْضًا ، وَلَا أَرَى فِي السَّمَاءِ شَمْسًا وَلَا قَمَرًا وَلَا نَجْمًا يَقْطَعُ السَّمَاءَ عَرْضًا غَيْرَهَا ، وَوَجْزٌ هَذَا : هُوَ أَبُو كَبْشَةَ الَّتِي كَانَتْ قُرَيْشٌ تَنْسُبُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَيْهِ ، وَكَانَتْ الْعَرَبُ تَظُنُّ أَنَّ أَحَدًا لَا يَعْلَمُ شَيْئًا إلَّا بِعِرْقٍ يَنْزِعُهُ شَبَهُهُ ، فَلَمَّا خَالَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دِينَ قُرَيْشٍ ، قَالَتْ قُرَيْشٌ : نَزَعَهُ أَبُو كَبْشَةَ ؛ لِأَنَّ أَبَا كَبْشَةَ خَالَفَ النَّاسَ فِي عِبَادَةِ الشِّعْرَى ، فَكَانُوا يَنْسِبُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَيْهِ لذَلِكَ ، وَكَانَ أَبُو كَبْشَةَ سَيِّدًا فِي خُزَاعَةَ لَمْ يُعَيِّرُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِ مِنْ تَقْصِيرٍ كَانَ فِيهِ ، وَلَكِنْ أَرَادُوا أَنْ يُشَبِّهُوهُ بِهِ فِي الْخِلَافِ لِمَا كَانَ النَّاسُ عَلَيْهِ .
700 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما اختلف ألوانه من الحنطة ومن الشعير ومن التمر ومن الملح أنه لا بأس به مثلين بمثل . 5262 - حدثنا أبو أمية , حدثنا المعلى بن منصور ، أخبرنا محمد بن فضيل ، حدثنا أبي ، عن أبي زرعة ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : التمر بالتمر , والحنطة بالحنطة , والشعير بالشعير , والملح بالملح , مثلا بمثل , فمن زاد أو استزاد فهو ربا إلا ما اختلفت ألوانه . فتأملنا هذا الحديث , فوجدنا الألوان المذكورة فيه هي الأنواع من الأجناس المختلفات من هذه الأشياء التي يدخلها الربا لا ما سواها , لأنا لم نجد بين أهل العلم اختلافا أن الأسود من التمر وغير الأسود منه جنس واحد لا يباع باللون الآخر إلا مثلا بمثل , ووجدنا ذلك مرويا عن عبد الله بن عمر , 5263 - كما قد حدثنا يحيى بن عثمان , حدثنا نعيم بن حماد ، حدثنا ابن المبارك ، أخبرنا معمر ، عن ابن شهاب ، عن سالم ، عن ابن عمر قال : ما اختلفت ألوانه من الطعام فلا بأس به يدا بيد , التمر بالبر , والزبيب بالشعير , وكرهه نسيئة . ووجدنا كلام الناس يجري على هذا , لأنا وجدناهم يقولون : جاءنا فلان بألوان من الطعام , يريدون أنواعا من الطعام , ويقولون : كلمنا فلان بألوان من الكلام , وكان هذا أولى ما حمل عليه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قد ذكرناه , لما قد صدقه ما رويناه فيه عن ابن عمر , ولما وجدناه مستعملا في كلام الناس مما يدل عليه , والله نسأله التوفيق .
105 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْه عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ نَهْيِهِ عَنْ قَفِيزِ الطَّحَّانِ . 811 - حدثنا سُلَيْمَانُ بْنُ شُعَيْبٍ الْكَيْسَانِيُّ ، حدثنا أَبِي ، حدثنا أَبُو يُوسُفَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ ، عَنْ ابْنِ أَبِي نُعْمٍ ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ نَهَى عَنْ عَسْبِ التَّيْسِ وَكَسْبِ الْحَجَّامِ وَقَفِيزِ الطَّحَّانِ . 812 - حدثنا الْحَجَّاجُ بْنُ عِمْرَانَ بْنِ الْفَضْلِ الْمَازِنِيُّ الْبَصْرِيُّ ، حدثنا هِلَالُ بْنُ يَحْيَى بْنِ مُسْلِمٍ ، حدثنا أَبُو يُوسُفَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ ابْنَ أَبِي نُعْمٍ . 813 - حدثنا ابْنُ أَبِي عِمْرَانَ ، حدثنا الْحَسَنُ بْنُ عِيسَى بْنِ مَاسَرْجِسَ مَوْلَى ابْنِ الْمُبَارَكِ . وَحدثنا يَحْيَى بْنُ عُثْمَانَ بْنِ صَالِحٍ ، حدثنا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ قَالَا : حدثنا ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ سُفْيَانَ يَعْنِي الثَّوْرِيَّ ، عَنْ هِشَامِ أَبِي كُلَيْبٍ ، عَنْ ابْنِ أَبِي نُعْمٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : نهي عَنْ عَسْبِ الْفَحْلِ وَعَنْ قَفِيزِ الطَّحَّانِ . فَتَأَمَّلْنَا ذَلِكَ فَوَجَدْنَا أَهْلَ الْعِلْمِ لَا يَخْتَلِفُونَ أَنَّ مَعْنَاهُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، وَمَا يَفْعَلُهُ أَهْلُ الْجَهْلِ إلَى يَوْمِنَا هَذَا مِنْ دَفْعِ الْقَمْحِ إلَى الطَّحَّانِ عَلَى أَنْ يَطْحَنَهُ لَهُمْ بِقَفِيزٍ مِنْ دَقِيقِهِ الَّذِي يَطْحَنُهُ مِنْهُ ، فَكَانَ ذَلِكَ اسْتِئْجَارًا مِنْ الْمُسْتَأْجِرِ بِمَا لَيْسَ عِنْدَهُ إذَا كَانَ دَقِيقُ قَمْحِهِ لَيْسَ عِنْدَهُ فِي الْوَقْتِ الَّذِي اسْتَأْجَرَ ، وَكَانَ فِي ذَلِكَ مَا قَدْ دَلَّ أَنَّ الِاسْتِئْجَارَ لَا يَكُونُ بِمَا لَيْسَ عِنْدَ الْمُسْتَأْجِرِ يَوْمَ يَسْتَأْجِرُ ، كَمَا لَا يَكُونُ الِابْتِيَاعُ بِمَا لَيْسَ عِنْدَ الْمُبْتَاعِ يَوْمَ يَبِيعُ ، وَبِمَا لَيْسَ عِنْدَ الْمُبْتَاعِ يَوْمَ يَبْتَاعُ مِنْ الْأَشْيَاءِ الَّتِي لَيْسَتْ عِنْدَهُ مِمَّا لَيْسَ مَعْنَاهَا مَعْنَى الْأَثْمَانِ كَالدَّرَاهِمِ وَكَالدَّنَانِيرِ وَكَمَا سِوَاهَا مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ الَّتِي قَدْ تَكُونُ دَيْنًا فِي الذِّمَمِ ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ .
805 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الشهداء من هم ؟ . 6029 - حدثنا يزيد بن سنان ، قال : حدثنا عبد الله بن حمران ، قال : حدثنا ابن عون ، عن محمد ، عن أبي العجفاء ، أو عن ابن أبي العجفاء ، قال : قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - : وأخرى تقولونها في مغازيكم هذه لمن قتل أو جرح : قتل فلان شهيدا ، وعسى أن يكون قد أوقر دف راحلته ، أو عجز راحلته ، ذهبا أو فضة يبتغي الدنيا ، ولا تقولوا ذلك ، ولكن قولوا كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من مات في سبيل الله ، أو قتل ، فهو في الجنة . 6030 - حدثنا يزيد ، قال : حدثنا أبو داود الطيالسي ، قال : حدثنا أبو حمزة وسعيد بن عبد الرحمن ، عن محمد بن سيرين ، عن أبي العجفاء السلمي ، قال : خطب عمر - رضي الله عنه - ثم ذكر مثله . فكان في هذا الحديث إخبار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الناس : أن من قتل أو مات في سبيل الله ، فهو الشهيد الذي يستحق ما يستحقه الشهيد ، لا من سواه ممن يقتل في المغازي ممن مراده غير سبيل الله . فقال قائل : فقد رويتم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أن الغريق شهيد ، وأن الحريق شهيد ، في أشياء من هذا الجنس ، فقصد بالشهادة إليهم للذي حل بهم من ذلك ، لا لما سواه . 6031 - وذكر ما قد حدثنا يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، أن مالكا أخبره ، عن عبد الله بن عبد الله بن جابر بن عتيك ، عن عتيك بن الحارث بن عتيك - وهو جد عبد الله بن عبد الله أبو أمه - أخبره : أن جابر بن عتيك ، أخبره : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جاء يعود عبد الله بن ثابت ، فوجده قد غلب ، فقالت ابنته : والله إن كنت لأرجو أن تكون شهيدا ، فإنك قد كنت قضيت جهازك . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن الله - عز وجل - قد أوقع أجره على قدر نيته ، وما تعدون الشهادة ؟ قالوا : القتل في سبيل الله . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : الشهادة سبع سوى القتل في سبيل الله - عز وجل - : المطعون شهيد ، والغرق شهيد ، وصاحب ذات الجنب شهيد ، والمبطون شهيد ، والحريق شهيد ، والذي يموت تحت الردم شهيد ، والمرأة تموت بجمع شهيد . فكان في هذا الحديث ما قد دل على أن أهل الشهادة هم المذكورون فيه بالمعاني التي ذكروا بها فيه . فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله - جل وعز وعونه - : أن هؤلاء المذكورين في هذا الحديث هم الذين معهم من نياتهم ما يستحقون به الشهادة دون من سواهم من أشكالهم ممن لا نية معه محمودة يستحق بها الشهادة ، ومما يدل على ذلك ما في هذا الخطاب من خطاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لابنة عبد الله بن ثابت لما قالت له ما قالت له مما ذكر في هذا الحديث : إن الله - عز وجل - قد أوقع أجره على قدر نيته ، فدل ذلك : أن أجره الذي يستحقه ، إنما هو على قدر نيته ، ولما كان ذلك كذلك في عبد الله بن ثابت ، كان فيمن سواه ممن ذكر في هذا الحديث معه كذلك ، وقد ذكر ذلك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيهم في غير هذا الحديث . 6032 - كما حدثنا يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : حدثني عبد الرحمن بن شريح ، عن عبد الله بن ثعلبة الحضرمي : أنه سمع ابن حجيرة يخبر ، عن عقبة بن عامر : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : خمس من قبض في شيء منهن فهو شهيد : المقتول في سبيل الله شهيد ، والغريق في سبيل الله شهيد ، والمبطون في سبيل الله شهيد ، والمطعون في سبيل الله شهيد ، والنفساء في سبيل الله شهيد . فدل ما في هذا الحديث : أن المذكورين في الحديث الذي قد ذكرناه قبله بالشهادة من أهل هذه الأشياء ، هم الذين في سبيل الله ، وسبل الله - عز وجل - طاعاته ، فمن كان في شيء منها ، فأصابه شيء مما في هذه الآثار ، كان من أهل الشهادة الذين وعدهم الله - عز وجل - عليها ما وعدهم ، ومن كان بخلاف ذلك ، لم يكن منهم ، وقد وكد ذلك وكشف معناه ، ما قد روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من غير هذه الأحاديث 6033 - كما حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، قال : حدثنا وهب بن جرير ، عن شعبة ، عن عمرو بن مرة ، عن أبي وائل ، عن الأشعري ، قال : قال رجل لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - : الرجل يقاتل للغنيمة أو للمغنم ، والرجل يقاتل للذكر ، والرجل يقاتل ليرى مكانه ، فمن في سبيل الله - عز وجل - ؟ قال : من قاتل لتكون كلمة الله - عز وجل - هي أعلى ، فهو في سبيل الله - عز وجل فأخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أن المقاتل لا يستحق الشهادة بقتاله حتى يكون معه من نيته أن تكون كلمة الله أعلى ، كما ذكر في هذا الحديث ، وقد شد ذلك أيضا حديثه الآخر ، وهو قوله : إنما الأعمال بالنية ، وإنما لامرئ ما نوى . 6034 - كما حدثنا يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : حدثنا مالك ، عن يحيى بن سعيد ، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي ، عن علقمة بن وقاص الليثي ، أنه سمع عمر بن الخطاب على المنبر ، يقول : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إنما الأعمال بالنية ، وإنما لامرئ ما نوى ، فمن كانت هجرته إلى الله وإلى رسوله ، فهجرته إلى الله وإلى رسوله ، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها ، أو امرأة يتزوجها ، فهجرته إلى ما هاجر إليه . 6035 - وكما حدثنا يزيد بن سنان ، قال : حدثنا القعنبي ، قال : حدثنا مالك ، عن يحيى بن سعيد ، عن محمد بن إبراهيم ، عن علقمة بن وقاص ، عن عمر ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مثله . 6036 - وكما حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ، قال : أخبرنا أشهب بن عبد العزيز ، عن مالك ، ثم ذكر بإسناده مثله . 6037 - وكما حدثنا يزيد ، قال : حدثنا محمد بن كثير العبدي ، قال : حدثنا سفيان الثوري ، قال : حدثنا يحيى بن سعيد ، عن محمد بن إبراهيم ، عن علقمة بن وقاص ، قال : سمعت عمر رضي الله عنه يقول : سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : ثم ذكر مثله . 6038 - وكما حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، قال : حدثنا سليمان بن حرب ، قال : حدثنا حماد بن زيد ، عن يحيى بن سعيد ، عن محمد بن إبراهيم ، عن علقمة بن وقاص ، قال : سمعت عمر رضي الله عنه يقول : سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول ، ثم ذكر مثله. 6039 - وكما حدثنا المطلب بن شعيب ، قال : حدثنا عبد الله بن صالح ، قال : حدثني الليث ، قال : حدثني يحيى بن سعيد ، عن محمد بن إبراهيم ، عن علقمة بن وقاص ، عن عمر ، قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول ، ثم ذكر مثله. 6040 - وكما حدثنا ابن أبي مريم ، قال : حدثنا الفريابي ، قال : حدثنا ابن عيينة ، عن يحيى بن سعيد ، عن محمد بن إبراهيم ، عن علقمة بن وقاص ، قال : سمعت عمر يخطب الناس ، وهو يقول : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم ذكر مثله . 6041 - وكما حدثنا الربيع بن سليمان المرادي ، قال : حدثنا أسد بن موسى ، قال : حدثنا عبد الله بن المبارك ، عن يحيى بن سعيد ، عن محمد بن إبراهيم ، عن علقمة بن وقاص ، عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم ذكر مثله . فأخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أن الأعمال إنما تكون بالنية ، وأنه إنما يكون لامرئ ما نوى ، ثم أخبر في الهجرة بما أخبر به فيها ، وهي الهجرة إليه ، فأخبر أنه لا يستحق بها ما يطلب بها إلا بالنية لذلك ، لأنها نفسها ، فمثل ذلك ما سواها من هذه الأشياء المذكورة في هذه الآثار ، لا تستحق بالأشياء المذكورة فيها حتى تكون معها النية التي أخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنها تستحق بها . وقد روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مما يدخل في هذا المعنى أيضا . 6042 - ما قد حدثنا يونس ، قال : حدثنا ابن وهب ، قال : حدثني عبد الرحمن بن شريح ، أن سهل بن أبي أمامة بن سهل بن حنيف ، حدثه ، عن أبيه ، عن جده : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : من سأل الله الشهادة بصدق ، بلغه الله منازل الشهداء ، وإن مات على فراشه . فأخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أن من كانت معه النية في تمنيه الشهادة ، كان بذلك من أهلها ، وإن لم يصبه القتل بها ، ولا ما سواه من الأشياء المذكورة في هذه الآثار ، وفي ذلك دليل على ما ذكرنا مما حملنا عليه الآثار التي ذكرناها في هذا الباب ، والله - عز وجل - نسأله التوفيق .
106 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا كَانَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِيمَا بَيْنَ سَجْدَتَيْهِ فِي صَلَاتِهِ هَلْ هُوَ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ سُكُوتٌ بِلَا ذِكْرٍ ؟ . 814 - حدثنا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ بْنِ سَالِمٍ الصَّائِغُ ، حدثنا يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْر قَاضِي كَرْمَانَ ، حدثنا شُعْبَةُ قَالَ : عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ أنبأني قَالَ : سَمِعْت أَبَا حَمْزَةَ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ يُحَدِّثُ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي عَبْسٍ ، عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّهُ انْتَهَى إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُصَلِّي بِاللَّيْلِ تَطَوُّعًا فَقَالَ : اللَّهُ أَكْبَرُ ذُو الْمَلَكُوتِ وَالْجَبَرُوتِ وَالْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ ، ثُمَّ قَرَأَ الْبَقَرَةَ ، ثُمَّ رَكَعَ فَكَانَ رُكُوعُهُ نَحْوًا مِنْ قِيَامِهِ ، وَكَانَ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ : سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَامَ قَدْرَ مَا رَكَعَ فَكَانَ يَقُولُ : لِرَبِّي الْحَمْدُ ، لِرَبِّي الْحَمْدُ ، ثُمَّ سَجَدَ فَكَانَ نَحْوًا مِنْ قِيَامِهِ يَقُولُ : سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى ، وَبَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ نَحْوٌ مِنْ سُجُودِهِ يَقُولُ : رَبِّ اغْفِرْ لِي ، رَبِّ اغْفِرْ لِي ، فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ قَرَأَ فِيهِنَّ الْبَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ وَالنِّسَاءَ وَالْمَائِدَةَ وَالْأَنْعَامَ . 815 - وَبِهِ ، حدثنا شُعْبَةُ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ ، عَنْ الْمُسْتَوْرِدِ بْنِ الْأَحْنَفِ ، عَنْ صِلَةَ بْنِ زُفَرَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ مِثْلَهُ ، وَقَالَ : مَا مَرَّ بِآيَةِ رَحْمَةٍ إلَّا وَقَفَ وَسَأَلَ ربه عَزَّ وَجَلَّ ، وَمَا مَرَّ بِآيَةِ عَذَابٍ إلَّا وَقَفَ وَتَعَوَّذَ . 816 - حدثنا سُلَيْمَانُ بْنُ شُعَيْبٍ ، حدثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادٍ ، حدثنا شُعْبَةُ ثُمَّ ذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ . فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ فِيمَا بَيْنَ سَجْدَتَيْهِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مِنْ رَكَعَاتِ صَلَاتِهِ تِلْكَ : رَبِّ اغْفِرْ لِي ، رَبِّ اغْفِرْ لِي . وَلَا نَعْلَمُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي صَلَاتِهِ غَيْرَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، فَإِنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِيهَا . 817 - حدثنا الْكَيْسَانِيُّ ، حدثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادٍ ، حدثنا زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ الْحَارِثِ ، عَنْ عَلِيٍّ بِذَلِكَ . وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِوَاهُ وَلَا مِنْ تَابِعِيهِمْ ، وَلَا مِمَّنْ بَعْدَ تَابِعِيهِمْ إلَى يَوْمِنَا هَذَا ، ذَهَبَ إلَى ذَلِكَ غَيْرَ بَعْضِ مَنْ كَانَ يَنْتَحِلُ الْحَدِيثَ فَإِنَّهُ ذَهَبَ إلَى ذَلِكَ وَقَالَ بِهِ ، وَهَذَا عِنْدَنَا مِنْ قَوْلِهِ حَسَنٌ وَاسْتِعْمَالُهُ إحْيَاءٌ لِسُنَّةٍ مِنْ سُنَنِ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَإِلَيْهِ نَذْهَبُ وَإِيَّاهُ نَسْتَعْمِلُ ، وَقَدْ وَجَدْنَا الْقِيَاسَ يَشُدُّهُ ، وَذَلِكَ أَنَّا رَأَيْنَا الصَّلَاةَ مَبْنِيَّةً عَلَى أَقْسَامٍ مِنْهَا التَّكْبِيرُ الَّذِي يَدْخُلُ بِهِ فِيهَا ، وَمِنْهَا الْقِيَامُ الَّذِي يَتْلُوهُ مِنْهَا ، وَفِيهِ ذِكْرٌ وَهُوَ الِاسْتِفْتَاحُ وَمَا يُقْرَأُ بَعْدَهُ مِنْ الْقُرْآنِ فِيهِ ، ثُمَّ يَتْلُو ذَلِكَ الرُّكُوعُ وَفِيهِ ذِكْرٌ وَهُوَ التَّسْبِيحُ ثُمَّ يَتْلُوهُ رَفْعٌ مِنْ الرُّكُوعِ وَفِي ذَلِكَ الرَّفْعِ ذِكْرٌ وَهُوَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ وَمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا يَقُولُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ الْأَئِمَّةِ مِنْ رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ وَلَا يَقُولُهُ بَقِيَّتُهُمْ ، ثُمَّ يَتْلُوهُ سُجُودٌ فِيهِ ذِكْرٌ وَهُوَ التَّسْبِيحُ ، ثُمَّ يَتْلُوهُ قَعْدَةٌ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَهُوَ الَّتِي فِيهَا الَّذِي رَوَيْنَاهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا كَانَ يَقُولُهُ فِيهَا مِنْ سُؤَالِهِ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْغُفْرَانَ لَهُ مَرَّتَيْنِ ، ثُمَّ يَتْلُوهُ جُلُوسٌ فِيهِ ذِكْرٌ وَهُوَ التَّشَهُّدُ وَمَا يَكُونُ بَعْدَهُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَمِنْ الدُّعَاءِ الَّذِي يُدْعَى بِهِ هُنَاكَ ، فَكَانَتْ أَقْسَامُ الصَّلَاةِ كُلُّهَا مُسْتَعْمَل فِيهَا ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى غَيْرَ خَالِيَةٍ مِنْ ذَلِكَ غَيْرَ الْقَعْدَةِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ الَّتِي ذَكَرْنَا ، فَكَانَ الْقِيَاسُ عَلَى مَا وَصَفْنَا أَنْ يَكُونَ حُكْمُ ذَلِكَ الْقِسْمِ أَيْضًا مِنْ الصَّلَاةِ كَحُكْمِ غَيْرِهِ مِنْ أَقْسَامِهَا ، وَأَنْ يَكُونَ فِيهِ ذِكْرٌ لِلَّهِ تعالى كَمَا كَانَ فِي غَيْرِهِ مِنْ أَقْسَامِهَا ، وَباَللَّهُ الْتُوَفّيِقُ .
699 - باب بيان مشكل ما اختلف أهل العلم فيه من القنوت في الوتر , وهل هو قبل الركوع أو بعده ؟ وما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يقضي بينهم في ذلك . قال أبو جعفر : قد روي عن غير واحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في قنوته في الوتر أنه كان قبل الركوع , فممن روي عنه في ذلك عبد الله بن مسعود , وإن كان إنما دار على أبان بن أبي عياش فإنه قد احتمله غير واحد من أهل الأسانيد , وأدخلوه في هذا الباب إذا كان عن غير أنس بن مالك , فأدخلناه نحن أيضا فيه لذلك . 5250 - وهو ما قد حدثنا يزيد بن سنان ، حدثنا يزيد بن هارون ، أخبرنا أبان بن أبي عياش ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن عبد الله قال : بت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنظر كيف يقنت في وتره قبل الركوع أو بعده , فقنت قبل الركوع , ثم بعثت أم عبد , فقلت : بيتي مع نسائه فانظري كيف يقنت , فأتتني , فأخبرتني أنه قنت قبل الركوع . وقد كان عبد الله بن مسعود على ذلك بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم . 5251 - كما حدثنا فهد , حدثنا أبو نعيم , حدثنا المسعودي ، عن عبد الرحمن بن الأسود ، عن أبيه قال : كان عبد الله لا يقنت في شيء من الصلوات إلا في الوتر قبل الركوع . 5252 - وكما حدثنا أحمد بن الحسن الكوفي ، حدثنا يزيد بن هارون ، أخبرنا هشام . وكما أخبرنا هارون قال : أخبرنا نعيم ، حدثنا ابن المبارك قال : أخبرنا هشام ، عن حماد ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن عبد الله أنه كان يقنت قبل الركوع وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم , يعني في الوتر . وقد روي هذا المعنى أيضا ، عن أبي بن كعب . 5253 - كما قد حدثنا محمد بن الحسن بن علي البخاري الأحول وغيره قالوا : حدثنا محمد بن إدريس الحنظلي الرازي أبو حاتم , حدثنا عمر بن حفص بن غياث ، حدثنا أبي ، عن مسعر ، عن زبيد ، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى ، عن أبيه ، عن أبي بن كعب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوتر بثلاث ركعات لا يسلم فيهن حتى ينصرف , أول ركعة بـ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى ( والثانية بـ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (, والثالثة بـ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ( وأنه قنت قبل الركوع , فلما انصرف من صلاته قال : سبحان الملك القدوس مرتين يرفع صوته , ويجهر بالثالثة . ومنهم : عبد الله بن عباس . 5254 - كما حدثنا أبو أمية , حدثنا معلى بن منصور الرازي ، أخبرنا عطاء بن مسلم ، حدثنا العلاء بن المسيب ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن ابن عباس قال : بت عند خالتي ميمونة , فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى ثمان ركعات , ثم أوتر , فقرأ في الركعة الأولى بفاتحة الكتاب و سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى (, وقرأ في الثانية بفاتحة الكتاب و قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (, وفي الثالثة بفاتحة الكتاب و قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (, ثم قنت ودعا , ثم ركع . 5255 - فقال قائل : فهل يثبت سماع حبيب بن أبي ثابت من ابن عباس ؟ فكان جوابنا له في ذلك أن سماعه منه ومن عبد الله بن عمر ثابت , وقد روي فيما سمعه منه ما قد حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، حدثنا أبو داود ، أخبرنا شعبة ، عن حبيب بن أبي ثابت أنه سمع ابن عباس , وسأله رجل , فقال : إني رجل من أهل السواد أتقبل بالقرية لا أريد أن أظلم , إنما أريد أن أدرأ عن نفسي الظلم , ثم قرأ هذه الآية : قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ (إلى قوله : وَهُمْ صَاغِرُونَ (, ثم قال : ينزع الصغار من أعناقهم , ويضعه في عنقك . قال أبو جعفر : ثم عدنا إلى حديث أبي , وهل نجده من غير حديث مسعر كما رواه حفص عن مسعر ؟ . 5256 - فوجدنا علي بن سعيد بن بشير الرازي قد حدثنا قال : حدثنا محمد بن موسى الحراني الأصم وإسحاق بن زريق برأس العين قال : أخبرنا مخلد بن يزيد الحراني ، حدثنا سفيان الثوري ، عن زبيد اليامي ، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى ، عن أبيه ، عن أبي بن كعب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوتر بثلاث ركعات , يقرأ في الركعة الأولى بـ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى (, وفي الثانية بـ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (, وفي الثالثة بـ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (, ويقنت قبل الركوع , فإذا سلم وفرغ , قال عند فراغه : سبحان الملك القدوس ثلاث مرات , يطيل في آخرهن . 5257 - ووجدنا علي بن سعيد قد حدثنا قال : حدثنا سليمان بن عمر بن خالد الرقي المعروف بابن الأقطع ، حدثنا عيسى بن يونس ، عن سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى ، عن أبيه ، عن أبي بن كعب قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوتر بـ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى (, و قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (, و قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (, وكان يقنت قبل الركوع . وكانت هذه الآثار كلها على القنوت قبل الركوع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم , وعن من ذكرنا القنوت عنه من أصحابه في الوتر , وكان القياس يشهد لهذا القول أيضا , لأنا رأينا القنوت زائدا في هذه الصلاة على غيرها من الصلوات , فرأينا الزيادات في الصلوات على غيرها من الصلوات المتفق عليها هي التكبير في العيدين , فوجدناهم لا يختلفون أنه قبل الركوع لا بعد الركوع , فكان القياس على ذلك أن يكون القنوت الزائد في الوتر على غيره من الصلوات قبل الركوع فيه لا بعد الركوع . فقال قائل ممن ينكر القنوت قبل الركوع : قد وجدت هؤلاء الذين يوترون قبل الركوع يزيدون في هذه الصلاة تكبيرة لم نجد لها أصلا , ولا يجوز أن يزاد في الصلوات ما لا يوجد له أصل . فكان جوابنا له في ذلك أن الذين زادوا هذه التكبيرة قد وجدوا لها أصلا عن رجلين جليلين من المهاجرين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم , وهما علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود . 5258 - كما قد حدثنا علي بن شيبة ، حدثنا يحيى بن يحيى النيسابوري ، أخبرنا وكيع ، عن سفيان ، عن عبد الأعلى يعني الثعلبي ، عن أبي عبد الرحمن السلمي أن عليا كبر في القنوت حين فرغ من القراءة , وحين ركع . 5259 - وكما قد حدثنا علي قال : حدثنا يحيى ، أخبرنا حديج بن معاوية ، عن أبي إسحاق ، عن مسروق والأسود وأصحاب عبد الله قالوا : كان عبد الله لا يقنت إلا في الوتر , وكان يقنت قبل الركوع , يكبر إذا فرغ من قراءته حين يقنت . فكان هذا مما يعلم أن عليا وعبد الله لم يقولاه استنباطا , ولا استخراجا ؛ إذ كان مثله لا يقال بالاستنباط ولا بالاستخراج , وإنما يقال بالتوقيف الذي وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس عليه , فكان ذلك عندنا مما لا يجب تركه , ومما يجب أن يحمد عليه قائلوه . 5260 - ثم قد وجدنا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ما قد شد هذا المعنى أيضا في قنوته في صلاة الصبح قبل الركوع فيها كما قد حدثنا بكار بن قتيبة , حدثنا مؤمل بن إسماعيل ، حدثنا سفيان وكما قد حدثنا فهد قال : حدثنا أبو نعيم , حدثنا إسرائيل , ثم اجتمعا فقالا : عن مخارق ، عن طارق بن شهاب قال : صليت خلف عمر صلاة الصبح , فلما فرغ من القراءة في الركعة الثانية كبر , ثم قنت , ثم كبر وركع . 5261 - وكما حدثنا بكار ، حدثنا وهب بن جرير ، حدثنا شعبة ، عن مخارق ، عن طارق بن شهاب , ثم ذكر مثله . قال أبو جعفر : فهذا عمر أيضا قد كبر للقنوت قبل الركوع , فشد ذلك ما قد رويناه قبله عن علي وعبد الله , وكان هذا مما يجب أن يحمد عليه قائلوه . فقال قائل : فقد روى الحسن بن علي في حديث ابن أبي فديك الذي رواه عن إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة ، عن عمه ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : علمني الحسن بن علي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا فرغ من القراءة في الركعة الثالثة من الوتر , ولم يبق إلا الركوع قال قبل أن يركع : اللهم اهدني فيمن هديت . فذكر تمام الحديث . قال : ففي ذلك ما قد دل على أنه لم يكن يفصل بين القراءة وبين القنوت بتكبير ولا بغيره . فكان جوابنا له في ذلك أن الذي قد ذكرناه عن علي وعبد الله وشده ما رويناه بعده عن عمر , لما كان لم يقل استنباطا ولا استخراجا , قد صار في حكم المحكي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم , ومن حكى شيئا حفظه كان أولى ممن قصرعنه , والله نسأله التوفيق .
107 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي ثَوَابِ مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً وَفِي مَنْ قَصَدَ إلَيْهِ بِذَلِكَ مِنْ الرِّقَابِ مِنْ الذُّكْرَانِ وَمِنْ الْإِنَاثِ . 818 - حدثنا أَبُو أُمَيَّةَ وَفَهْدٌ وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْكُوفِيُّ أَبُو إِسْحَاقَ قَالُوا : حدثنا أَبُو نُعَيْمٍ ، حدثنا الْحَكَمُ بْنُ أَبِي نُعْمٍ الْبَجَلِيُّ ، حَدَّثتْنِي فَاطِمَةُ ابْنَةُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَتْ : قَالَ أَبِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُسْلِمَةً أَوْ مُؤْمِنَةً وَقَى اللَّهُ تَعَالَى بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهَا عُضْوًا مِنْهُ مِنْ النَّارِ . 819 - حدثنا أَبُو أُمَيَّةَ ، حدثنا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ الْقَاسِمِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً أَعْتَقَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْه عُضْوًا مِنْهُ . 820 - حدثنا فَهْدٌ ، حدثنا عَلِيُّ بْنُ عَيَّاشٍ الْحِمْصِيُّ ، حدثنا حَرِيزُ بْنُ عُثْمَانَ ، حَدَّثنِي سُلَيْمُ بْنُ عَامِرٍ أَنَّ شُرَحْبِيلَ بْنَ السِّمْطِ قَالَ لِعَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ ، حدثنا حَدِيثًا لَيْسَ فِيهِ تَزَيُّدٌ وَلَا نِسْيَانٌ ، فَقَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُسْلِمَةً كَانَتْ فِكَاكَهُ مِنْ النَّارِ عُضْوًا بِعُضْوٍ . 821 - حدثنا الْمُزَنِيّ ، حدثنا الشَّافِعِيُّ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ شُعْبَةَ الْكُوفِيِّ قَالَ : كُنْت مَعَ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ فَدَعَا بَنِيهِ فَقَالَ : يَا بَنِيَّ إنِّي سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً أَعْتَقَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهَا عُضْوًا مِنْهُ مِنْ النَّارِ . 822 - حدثنا ابْنُ مَرْزُوقٍ وَأَبُو أُمَيَّةَ قَالَا : حدثنا مَكِّيُّ بْنُ إبْرَاهِيمَ ، حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ ، عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَرْجَانَةَ قَالَ : سَمِعْت أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً أَعْتَقَ اللَّهُ بِكُلِّ إرْبٍ مِنْهَا إرْبًا مِنْهُ مِنْ النَّارِ ، حَتَّى إنَّهُ لَيُعْتِقُ بِالْيَدِ الْيَدَ ، وَبِالرِّجْلِ الرِّجْلَ ، وَبِالْفَرْجِ الْفَرْجَ . وَقَالَ أَبُو أُمَيَّةَ فِي حَدِيثِهِ ، عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ مَوْلَى آلِ الزُّبَيْرِ . 823 - حدثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُد ، حدثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ ، حَدَّثنِي عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَرْجَانَةَ قَالَ : قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيُّمَا امْرِئٍ أَعْتَقَ امْرَأ مُسْلِمًا اسْتَنْقَذَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْهُ مِنْ النَّارِ . 824 - حدثنا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُد ، حدثنا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ، حدثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَابْنُ لَهِيعَةَ ، عَنْ ابْنِ الْهَادِ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ قَالَ : سَمِعْت سَعِيدَ بْنَ مَرْجَانَةَ يُحَدِّثُ أَبِي يَقُولُ : سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً أَعْتَقَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهَا عُضْوًا مِنْهُ مِنْ النَّارِ حَتَّى فَرْجَهُ بِفَرْجِهَا . 825 - حدثنا ابْنُ خُزَيْمَةَ وَفَهْدٌ قَالَا : حدثنا ابْنُ صَالِحٍ ، حَدَّثنِي اللَّيْثُ ، حَدَّثنِي ابْنُ الْهَادِ ثُمَّ ذَكَرَا بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ . 826 - حدثنا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُد ، حدثنا أَبُو الْأَسْوَدِ النَّضْرُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، حدثنا نَافِعُ بْنُ يَزِيدَ ، عَنْ ابْنِ الْهَادِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، حَدَّثهُ ، ثُمَّ ذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ . 827 - حدثنا يُونُسُ ، حدثنا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَني عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ ، عَنْ صَالِحِ بْنِ عُبَيْدٍ ، حَدَّثهُ ، عَنْ نَابِلٍ صَاحِبِ الْعَبَاءِ ، حَدَّثهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً سَتَرَهُ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهَا عُضْوًا مِنْهُ مِنْ النَّارِ . فَكَانَ مَا رَوَيْنَاهُ مِنْ هَذِهِ الْآثَارِ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى عَتَاقِ رَقَبَةٍ مَوْصُوفَةٍ فِي بَعْضِهَا بِالْإِيمَانِ أَوْ بِالْإِسْلَامِ ، وَفِي بَعْضِهَا : مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً ، بِغَيْرِ ذِكْرٍ لَهَا بِإِيمَانٍ وَلَا بِإِسْلَامٍ ، فَنَظَرْنَا هَلْ رُوِيَ عَنْهُ فِي هَذَا الْبَابِ تَفْرِيقٌ بَيْنَ ذُكْرَانِ الرِّقَابِ وَبَيْنَ إنَاثِهَا ؟ وَهَلْ رُوِيَ عَنْهُ تَفْرِيقٌ بَيْنَ الْمُعْتِقِينَ مِنْ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ ؟ 828 - فَوَجَدْنَا أَحْمَدَ بْنَ شُعَيْبٍ قَدْ حدثنا قَالَ : حدثنا أَبُو كُرَيْبٍ ، حدثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، حدثنا الْأَعْمَشُ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ ، عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ السِّمْطِ قَالَ : قُلْنَا لِكَعْبِ بْنِ مُرَّةَ : يَا كَعْبَ بْنَ مُرَّةَ ، حدثنا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاحْذَرْ ، قَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَقُولُ : مَنْ أَعْتَقَ امْرَأ مُسْلِمًا كَانَ فِكَاكَهُ مِنْ النَّارِ ، يُجْزَى كُلُّ عَظْمٍ مَكَانَ كُلِّ عَظْمٍ مِنْهُ ، وَمَنْ أَعْتَقَ امْرَأَتَيْنِ مُسْلِمَتَيْنِ كَانَتَا فِكَاكَهُ مِنْ النَّارِ يُجْزَى مَكَانَ كُلِّ عَظْمين مِنْهُمَا عَظْم مِنْهُ . 829 - وَوَجَدْنَا ابْنَ مَرْزُوقٍ قَدْ حدثنا قَالَ : حدثنا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ ، حدثنا شُعْبَةُ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ شُرَحْبِيلَ قَالَ : قُلْنَا لِكَعْبِ بْنِ مُرَّةَ أَوْ مُرَّةَ بْنِ كَعْبٍ : حدثنا حَدِيثًا سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، لِلَّهِ أَبُوكَ وَاحْذَرْ ، قَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : أَيُّمَا رَجُلٍ مُسْلِمٍ أَعْتَقَ رَجُلًا مُسْلِمًا كَانَ فِكَاكَهُ مِنْ النَّارِ يُجْزَى بِكُلِّ عَظْمٍ مِنْ عِظَامِهِ ، وَأَيُّمَا رَجُلٍ مُسْلِمٍ أَعْتَقَ امْرَأَتَيْنِ مُسْلِمَتَيْنِ كَانَتَا فِكَاكَهُ مِنْ النَّارِ يُجْزَى بِكُلِّ عَظْمَين مِنْهُمَا عَظْمًا مِنْ عِظَامِهِ ، وَأَيُّمَا امْرَأَةٍ مُسْلِمَةٍ أَعْتَقَتْ امْرَأَةً مُسْلِمَةً كَانَتْ فِكَاكَهَا مِنْ النَّارِ يُجْزَى بِكُلِّ عَظْمٍ مِنْهَا عَظْمًا مِنْ عِظَامِهَا . 830 - وَوَجَدْنَا أَحْمَدَ بْنَ شُعَيْبٍ قَدْ حدثنا قَالَ : حدثنا إسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ ، عَنْ خَالِدٍ ، حدثنا هِشَامٌ ، حدثنا قَتَادَةَ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ ، عَنْ مَعْدَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنْ أَبِي نَجِيحٍ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ وَهُوَ عَمْرُو بْنُ عَبَسَةَ قَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقُولُ : أَيُّمَا رَجُلٍ مُسْلِمٍ أَعْتَقَ رَجُلًا مُسْلِمًا فَإِنَّ اللَّهَ يَجْعَلُ وِقَاءَ كُلِّ عَظْمٍ مِنْ عِظَامِهِ عَظْمًا مِنْ عِظَامِ مُحَرَّرِهِ مِنْ النَّارِ ، وَأَيُّمَا امْرَأَةٍ مُسْلِمَةٍ أَعْتَقَتْ امْرَأَةً مُسْلِمَةً فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ جَاعِلٌ وِقَاءَ كُلِّ عَظْمٍ مِنْ عِظَامِهَا عَظْمًا مِنْ عِظَامِ مُحَرَّرِهَا مِنْ النَّارِ . 831 - وَوَجَدْنَا مُحَمَّدَ بْنَ بَحْرِ بْنِ مَطَرٍ قَدْ حدثنا قَالَ : حدثنا شُجَاعُ بْنُ الْوَلِيدِ ، حدثنا زَائِدَةُ قَالَ : سَمِعْت مَنْصُورًا يُحَدِّثُ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ قَالَ : حُدِّثْتُ عَنْ كَعْبِ بْنِ مُرَّةَ الْبَهْزِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ . 832 - وَوَجَدْنَا أَحْمَدَ بْنَ شُعَيْبٍ قَدْ حدثنا قَالَ : حدثنا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الرَّهَاوِيُّ ، حدثنا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ ، عَنْ زَائِدَةَ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ سَالِمٍ قَالَ : حُدِّثْتُ ، عَنْ كَعْبِ بْنِ مُرَّةَ الْبَهْزِيِّ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ . 833 - وَوَجَدَنَا أَحْمَدَ بْنَ شُعَيْبٍ قَدْ حدثنا قَالَ : حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ ، حدثنا يَحْيَى بْنُ آدَمَ ، حَدَّثنِي مُفَضَّلُ بْنُ مُهَلْهَلٍ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ ، عَنْ كَعْبِ بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ . 834 - وَوَجَدْنَا أَحْمَدَ بْنَ شُعَيْبٍ قَدْ حدثنا قَالَ : حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورِ ، أَخْبَرَنا سُفْيَانُ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ كَعْبِ بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ . 835 - وَوَجَدْنَا مُحَمَّدَ بْنَ خُزَيْمَةَ قَدْ حدثنا قَالَ : حدثنا حَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ ، حدثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ أَنَّ شُرَحْبِيلَ بْنَ حَسَنَةَ قَالَ : مَنْ رَجُلٌ يُحدثنا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَقَالَ عَمْرُو بْنُ عَبَسَةَ : أَنَا ، فَقَالَ : إيهٍ لِلَّهِ أَبُوكَ وَاحْذَرْ قَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُسْلِمَةً فَهِيَ فِدَاؤُهُ مِنْ النَّارِ عَظْمًا مِنْ عِظَامِهِ بِعَظْمٍ مِنْ عِظَامِهَا ، وَمَنْ أَعْتَقَ رَقَبَتَيْنِ مُسْلِمَتَيْنِ فَهُمَا فِدَاؤُهُ مِنْ النَّارِ عَظَمًا مِنْ عِظَامِ مُحَرَّرِهِ بِعَظْمٍ مِنْ عِظَامِهِ ) قَالَ أَيُّوبُ : فَحَسِبْتُهُ يَعْنِي امْرَأَتَيْنِ . فَعَقَلْنَا بِذَلِكَ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِمَا ذَكَرَهُ فِي الْآثَارِ الْأُوَلِ أَرَادَ مِنْ الْمُعْتِقِينَ وَمِنْ الْمُعْتَقِينَ التَّكَافُؤَ فِي ذَلِكَ وَأَنْ يَكُونَ الْمُعْتِقُ إنْ كَانَ ذَكَرًا يَكُونُ الَّذِي يَفُكُّ بِهِ نَفْسَهُ مِنْ النَّارِ ذَكَرًا مُسْلِمًا أَوْ أُنْثَيَيْنِ مُسْلِمَتَيْنِ ، وَأَنَّ الْمُعْتِقَ إنْ كَانَ أُنْثَى كَانَ الَّذِي تَفُكُّ بِهِ نَفْسَهَا مِنْ النَّارِ أُنْثَى مُسْلِمَةً ، وَأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ لَمْ يُجْعَلْ إلَّا فِي الرِّقَابِ الْمُؤْمِنَاتِ دُونَ مَنْ سِوَاهُنَّ مِنْ الرِّقَابِ الْكَافِرَاتِ ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ .
806 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من قوله : خياركم من تعلم القرآن وعلمه . 6043 - حدثنا يزيد بن سنان وإبراهيم بن مرزوق ، قالا : حدثنا وهب بن جرير ، قال : حدثنا شعبة ، عن علقمة بن مرثد ، عن سعد بن عبيدة ، عن أبي عبد الرحمن السلمي ، عن عثمان بن عفان -رضي الله عنه- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : خيركم من علم القرآن وتعلمه . قال أبو عبد الرحمن : وذلك أقعدني هذا المقعد. قال : وكان يعلم القرآن 6044 - وحدثنا إبراهيم بن مرزوق ، قال : حدثنا أبو عامر العقدي ، وأبو الوليد الطيالسي ، قالا : حدثنا شعبة ، ثم ذكر بإسناده مثله . قال : وكان أبو عبد الرحمن يعلم في حياة عثمان إلى زمن الحجاج ، ويقول : ذلك أقعدني مقعدي هذا . واللفظ لأبي الوليد. 6045 - حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، قال : حدثناه أبو عاصم وبشر بن عمر ، قالا : حدثنا شعبة ، ثم ذكر بإسناده مثله. 6046 - وحدثنا يزيد ، وصالح بن عبد الرحمن ، وعلي بن شيبة ، وموسى بن النعمان ، قالوا : حدثنا عبد الله بن يزيد المقرئ ، قال : حدثنا شعبة ، عن علقمة بن مرثد ، عن سعد بن عبيدة ، عن أبي عبد الرحمن السلمي ، عن عثمان بن عفان - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : خيركم من تعلم القرآن وعلمه . 6047 - وحدثنا الحسين بن نصر وسليمان بن شعيب ، قالا : حدثنا عبد الرحمن بن زياد ، قال : حدثنا شعبة ، قال : أخبرني علقمة بن مرثد ، قال : سمعت سعد بن عبيدة ، عن أبي عبد الرحمن السلمي ، عن عثمان بن عفان -رضي الله عنه - قال شعبة : قلت أنا له : عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ؟ قال عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إن خيركم من علم القرآن وتعلمه . قال أبو جعفر : هكذا حدث شعبة بهذا الحديث ، وقد خالفه فيه الثوري ، فنقص من إسناده سعد بن عبيدة ، فلم يذكر فيه . 6048 - كما حدثنا يونس بن عبد الأعلى ، قال : حدثنا ابن وهب ، قال : سمعت سفيان الثوري ، يحدث عن علقمة بن مرثد ، عن أبي عبد الرحمن السلمي ، عن عثمان بن عفان -رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : أفضلكم من تعلم القرآن وعلمه . 6049 - وكما حدثنا حسين بن نصر ، قال : حدثنا أبو نعيم ، قال : حدثنا سفيان ، عن علقمة ، ثم ذكر بإسناده مثله. 6050 - وكما حدثنا بكار بن قتيبة ، قال : حدثنا مؤمل بن إسماعيل ، قال : حدثنا سفيان ، عن علقمة ، عن أبي عبد الرحمن ، قال : سمعت عثمان -رضي الله عنه- يقول : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم ذكر مثله . 6051 - وكما حدثنا أبو شريح محمد بن زكريا وابن أبي مريم ، قالا : حدثنا الفريابي ، قال : حدثنا الثوري ، عن علقمة ، عن أبي عبد الرحمن ، عن عثمان ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : أفضلكم من تعلم القرآن وعلمه - أو علم القرآن – فعلموا . قال أبو جعفر : هكذا يحدث الناس جميعا ممن يحدث ، عن الثوري ، بهذا الحديث ، لا يذكرون في إسناده سعد بن عبيدة ، غير يحيى بن سعيد ، فإنه حدث به عن سفيان ، فذكر سعد بن عبيدة . 6052 - كما حدثنا أحمد بن شعيب ، قال : أخبرنا عمرو بن علي ، قال : حدثنا يحيى - يعني ابن سعيد - قال : حدثنا شعبة وسفيان ، قالا : حدثنا علقمة بن مرثد ، عن سعد بن عبيدة ، عن أبي عبد الرحمن ، عن عثمان ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : خياركم من علم القرآن ، أو تعلمه . قلت ليحيى : إنهم لا يقولون : عن سفيان ، عن سعد بن عبيدة ، قال : سمعته من سفيان ، ثم حدثنا به سفيان ، فلم أنكره . 6053 - حدثنا علي بن معبد ، قال : حدثنا أحمد بن إسحاق الحضرمي ويحيى بن إسحاق السيلحيني ، قالا : حدثنا عبد الواحد بن زياد ، قال : حدثنا عبد الرحمن بن إسحاق ، عن النعمان بن سعد ، قال : سمعت عليا - عليه السلام - يقول : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : خياركم من تعلم القرآن وعلمه . 6054 - وكما حدثنا بكار بن قتيبة ، قال : حدثنا عفان بن مسلم ، قال : حدثنا عبد الواحد بن زياد ، ثم ذكر بإسناده . 6055 - وكما حدثنا يوسف بن يزيد ، قال : حدثنا عبد الرحمن بن شيبة الجدي ، قال : حدثنا شريك ، عن عاصم بن أبي النجود ، عن أبي عبد الرحمن ، عن عبد الله ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : خياركم من قرأ القرآن وأقرأه . فتأملنا معنى هذا الحديث لنقف به على المعنى الذي استحق به من تعلم القرآن وعلمه الخيار على من سواه من أمثاله ، فوجدنا أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - خير الأمم ، ووجدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد فضل القرن الذي بعث فيه منها على بقيتها ، ثم فضل القرن الذي يليه على بقيتها بعده بقوله : خير أمتي القرن الذي بعثت فيهم ، ثم الذين يلونهم . وقد ذكرنا ذلك بأسانيده فيما تقدم منا في كتابنا هذا . وكان في هذا الحديث إعلام رسول الله الناس ما يكونون به خيار القرن الذين هم منه ، وأنهم الذين تعلموا القرآن وعلموه ، ولما كانوا بذلك خيارا قد فضلوا من سواهم من أهل القرن الذين هم منه ، وكانوا في أنفسهم قد يجوز أن يكونوا متفاضلين ، فيكون بعضهم أفضل من بعض بمعنى زائد على المعنى المذكور في هذا الحديث من العلم بأحكام الله - عز وجل - التي في كتابه ، والتي أجراها على لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم - ممن ليس بقيتهم فيها كذلك ، فيكون من ذلك فيه أفضل ممن سواه ممن هو من أهل قرنه الذي هو منه ، ثم يكونون كذلك كلما تعالوا بمعنى من هذه المعاني ، وبما سواها من الأشياء التي يحمدون عليها ، حتى يكون من كان كذلك ، يفضل من سواه ممن هو في طبقته ، فيكون من كان كذلك خيار تلك الطبقة ، ويكونون كذلك طبقة بعد طبقة ، حتى يتناهى ذلك إلى من هو أعلاهم في تلك المعاني كلها فيكون هو خيرهم ، ويكون ما قد ذكرنا في القرن الأول من أمة نبينا - صلى الله عليه وسلم - في القرن الثاني منها كذلك ، وفيمن سواه من القرون في أمته قرنا فقرنا كذلك أيضا ، والله نسأله التوفيق .
108 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِيمَا كَانَ أَمَرَ بِهِ الَّذِينَ ذَكَرُوا لَهُ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ أَنَّ صَاحِبًا لَهُمْ أَوْجَبَ فِي الْعَتَاقِ لِذَلِكَ . 836 - حدثنا ابْنُ مَرْزُوقٍ ، حدثنا أَبُو النُّعْمَانِ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ السَّدُوسِيُّ وَلَقَبُهُ عَارِمٌ ، عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ ، عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي عَبْلَةَ ، عَنْ الْغَرِيفِ بْنِ عَيَّاشٍ ، عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ قَالَ : ( أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَفَرٌ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ فَقَالُوا : إنَّ صَاحِبًا لَنَا أَوْجَبَ قَالَ : فَلْيُعْتِقْ رَقَبَةً يَفْدِي اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْهُ مِنْ النَّارِ ) . 837 - حدثنا يُوسُفُ بْنُ يَزِيدَ ، حدثنا الْمُعَلَّى بْنُ الْوَلِيدِ الْقَعْقَاعِيُّ ، حدثنا هَانِئُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، حَدَّثنِي عَمِّي إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي عَبْلَةَ الْعُقَيْلِيُّ قَالَ : أَدْرَكْتُ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ رَأَيْتُ مِنْهُمْ رَجُلَيْنِ كَلَّمْتُ أَحَدَهُمَا ، وَلَمْ أُكَلِّمْ الْآخَرَ ، أَخْبَرَنا أَبُو أُبَيٍّ ابْنُ أُمِّ حَرَامٍ الْأَنْصَارِيُّ وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقِبْلَتَيْنِ وَرَأَيْتُ عَلَيْهِ كِسَاءَ خَزٍّ أَغْبَرَ ، وَرَأَيْتُ وَاثِلَةَ بْنَ الْأَسْقَعِ ، وَلَمْ أُكَلِّمْهُ ، فَقَامَ إلَيْهِ الْغَرِيفُ ابْنُ الدَّيْلَمِيِّ حَتَّى جَلَسَ إلَيْهِ فَلَمَّا قَامَ مِنْ عِنْدِهِ لَقِيتُهُ فَقُلْتُ : مَا حَدَّثكَ ؟ فَقَالَ : حَدَّثنِي ( أَنَّ نَفَرًا مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ أَتَوْا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ صَاحِبًا لَنَا قَدْ أَوْجَبَ يَعْنِي النَّارَ ، فَقَالَ : مُرُوهُ فَلْيُعْتِقْ رَقَبَةً يُكَفِّرْ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْهُ مِنْ النَّارِ ) . 838 - حدثنا فَهْدٌ ، حدثنا أَبُو مُسْهِرٍ ، حَدَّثنِي يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ ، حَدَّثنِي إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي عَبْلَةَ ، حَدَّثنِي الْغَرِيفُ بْنُ عَيَّاشِ بْنِ فَيْرُوزَ الدَّيْلَمِيِّ : ( أَنَّ وَاثِلَةَ بْنَ الْأَسْقَعِ ، حَدَّثهُ قَالَ : خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ فَجَاءَ نَاسٌ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ صَاحِبًا لَنَا قَدْ أَوْجَبَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لِيُعْتِقْ رَقَبَةً يَفُكَّ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهَا بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهَا عُضْوًا مِنْهُ مِنْ النَّارِ ) . 839 - حدثنا اللَّيْثُ بْنُ عَبْدَةَ بْنِ مُحَمَّدٍ ، حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَسَدٍ الْخُشَنِيُّ ، حدثنا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، حَدَّثنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَسَّانَ الْفِلَسْطِينِيُّ الْكِنَانِيُّ عَمَّنْ سَمِعَ وَاثِلَةَ ، وَسَأَلُوهُ أَنْ يُحَدِّثَهُمْ بِحَدِيثٍ لَا وَهْمَ فِيهِ وَلَا نُقْصَانَ ، فَغَضِبَ وَاثِلَةُ وَقَالَ : الْمَصَاحِفُ تُجَدِّدُونَ النَّظَرَ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا ، وَإِنَّكُمْ تَهِمُونَ وَتَزِيدُونَ وَتَنْقُصُونَ ثُمَّ قَالَ : ( جَاءَ نَاسٌ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ صَاحِبَنَا هَذَا أَوْجَبَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مُرُوهُ فَلْيُعْتِقْ رَقَبَةً فَإِنَّ اللَّهَ يُعْتِقُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْ الْمُعْتِقِ عُضْوًا مِنْهُ ) . 840 - قَالَ الْوَلِيدُ وَأَقُولُ : حدثنا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَغَيْرُهُ ، عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي عَبْلَةَ أَنَّهُ حَدَّثهُمْ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الدَّيْلَمِيِّ ، عَنْ وَاثِلَةَ بِنَحْوٍ مِنْهُ ، فَفِي هَذِهِ الْآثَارِ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِينَ سَأَلُوهُ عَمَّا سَأَلُوهُ عَنْهُ فِيهَا أَمَرَهُمْ أَنْ يَأْمُرُوا صَاحِبَهُمْ بِاَلَّذِي ذَكَرُوهُ لَهُ فِيهَا أَنْ يُعْتِقَ عَنْ نَفْسِهِ رَقَبَةً لِتَكُونَ فِكَاكَهُ مِنْ النَّارِ . وَقَدْ رُوِيَتْ هَذِهِ الْآثَارُ بِغَيْرِ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ . 841 - كَمَا حدثنا الرَّبِيعُ الْمُرَادِيُّ ، حدثنا أَسَدُ بْنُ مُوسَى ، حدثنا ضَمْرَةُ ، عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي عَبْلَةَ قَالَ : سَمِعْتهُ يَذْكُرُ ( عَنْ الْغَرِيفِ بْنِ الدَّيْلَمِيِّ قَالَ : أَتَيْنَا وَاثِلَةَ فَقُلْنَا لَهُ : حدثنا بِحَدِيثٍ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ فِيهِ زِيَادَةٌ وَلَا نُقْصَانٌ ، فَغَضِبَ وَقَالَ : إنَّ أَحَدَكُمْ لَيَقْرَأُ وَمُصْحَفُهُ مُعَلَّقٌ فِي بَيْتِهِ فَيَزِيدُ وَيَنْقُصُ ، قُلْنَا : إنَّمَا أَرَدْنَا حَدِيثًا سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ أَحَدٌ : قَالَ : أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَاحِبٍ لَنَا قَدْ أَوْجَبَ يَعْنِي النَّارَ بِالْقَتْلِ ، فَقَالَ : أَعْتِقُوا عَنْهُ رَقَبَةً يَعْتِقْ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْهُ مِنْ النَّارِ ) . 842 - حدثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ الدِّمَشْقِيُّ ، حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَالِمٍ ، حَدَّثنِي إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي عَبْلَةَ قَالَ : كُنْتُ جَالِسًا بِأَرِيحَا ، فَمَرَّ بِي وَاثِلَةُ مُتَوَكِّئًا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الدَّيْلَمِيِّ فَأَجْلَسَهُ ثُمَّ جَاءَ إلَيَّ فَقَالَ : عَجَبٌ مَا حَدَّثنِي الشَّيْخُ يَعْنِي وَاثِلَةَ قُلْنَا : مَا حَدَّثك ؟ قَالَ : ( كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ فَأَتَاهُ نَفَرٌ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ ، فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ صَاحِبًا لَنَا قَدْ أَوْجَبَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَعْتِقُوا عَنْهُ رَقَبَةً يَعْتِقْ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهَا عُضْوًا مِنْهُ مِنْ النَّارِ ) . فَكَانَ فِي هَذَيْنِ الْأَثَرَيْنِ غَيْرُ مَا فِي الْآثَارِ الْأُوَلِ ؛ لِأَنَّ الَّذِي فِيهِمَا أَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِينَ سَأَلُوهُ أَنْ يَعْتِقُوا عَنْ صَاحِبِهِمْ رَقَبَةً فَفِي ظَاهِرِ ذَلِكَ مُرَادُهُ عَتَاقُهُمْ إيَّاهَا عَنْهُ ، وَإِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ فِكَاكًا لَهُ مِنْ النَّارِ ، وَلَمْ يُذْكَرْ فِيهَا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْهُمْ عَنْهُ بِأَمْرِهِ فَظَاهِرُهُمَا أَنَّ عَتَاقَهُمْ إيَّاهَا عَنْهُ بِلَا أَمْرِهِ يَكُونُ فِكَاكًا لَهُ مِنْ النَّارِ ، كَمَا يَكُونُ عَتَاقُهُمْ إيَّاهَا عَنْ نَفْسِهِ فِكَاكًا لَهُ مِنْ النَّارِ . وَوَجَدْنَا كِتَابَ اللَّهِ تَعَالَى قَدْ دَفَعَ مِثْلَ هَذَا الْمَعْنَى عَنْ ذَوِي الذُّنُوبِ ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى فِي الْجَزَاءِ عَنْ كَفَّارَةِ الصَّيْدِ الْمَقْتُولِ فِي الْإِحْرَامِ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِيهَا ، ثُمَّ أَعْقَبَهُ بِقَوْلِهِ : لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ فَأَخْبَرَ أَنَّهُ جَعَلَ الْكَفَّارَةَ فِي قَتْلِ الصَّيْدِ فِي الْإِحْرَامِ عَلَى قَاتِلِهِ لِيَذُوقَ وَبَالَ قَتْلِهِ ، فَمِثْلُ ذَلِكَ فِي كُلِّ كَفَّارَةٍ عَنْ ذَنْبٍ إنَّمَا يُرَادُ بِهَا ذَوْقُ الْمُذْنِبِ وَبَالَهَا ، وَفِي ذَلِكَ مَا يَمْنَعُ تَكْفِيرَ غَيْرِهِ عَنْهُ فِي ذَلِكَ بِعَتَاقٍ عَنْهُ أَوْ بِغَيْرِهِ . ثُمَّ الْتَمَسْنَا مَا فِي هَذَيْنِ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى : هَلْ نَقْدِرُ عَلَى تَصْحِيحِ مَعْنَاهُ عَلَى مَعَانِي الْآثَارِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ . فَوَجَدْنَا جَمِيعَ الْآثَارِ الَّتِي رَوَيْنَاهَا فِي هَذَا الْبَابِ يَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ أَحَدُهُمَا : ( مُرُوهُ فَلْيُعْتِقْ رَقَبَةً ) وَكَانَ رُوَاتُهَا كَذَلِكَ ، عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي عَبْلَةَ صَاحِبِ هَذَا الْحَدِيثَ أَرْبَعَةَ رِجَالٍ وَهُمْ : مَالِكٌ وَابْنُ الْمُبَارَكِ وَيَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ وَهَانِئُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَالْقِسْمُ الْآخَرُ : ( أَعْتِقُوا عَنْهُ رَقَبَةً ) وَكَانَ مَنْ رَوَى ذَلِكَ عَنْ إبْرَاهِيمَ رَجُلَانِ وَهُمَا : عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَالِمٍ وَضَمْرَةُ بْنُ رَبِيعَةَ ، وَكَانَ أَرْبَعَةٌ أَوْلَى بِالْحِفْظِ مِنْ اثْنَيْنِ لَا سِيَّمَا وَفِي الْأَرْبَعَةِ : مَالِكٌ وَابْنُ الْمُبَارَكِ وَهُمَا فِي الثَّبَتِ وَفِي الْحِفْظِ عَلَى مَا هُمَا عَلَيْهِ أَوْلَى مِنْ ابْنِ سَالِمٍ وَمِنْ ضَمْرَةَ ، فَإِنْ وَجَبَ حَمْلُ هَذَا الْبَابِ عَلَى مَا رَوَاهُ ذُو الْأَكْثَرِ فِي الْعَدَدِ وَالضَّبْطِ فِي الرِّوَايَةِ كَانَ مَا رَوَاهُ أَصْحَابُ الْفَصْلِ الْأَوَّلِ وَهُوَ : مُرُوهُ فَلْيَعْتِقْ رَقَبَةً أَوْلَى مِمَّا رَوَاهُ اللَّذَانِ رَوَيَا فِي الْفَصْلِ الثَّانِي مِمَّا يُخَالِفُهُ وَهُوَ : أَعْتِقُوا عَنْهُ ، وَإِنْ وَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى مَا يَسْتَقِيمُ فِي اللُّغَةِ ، فَإِنَّ اللُّغَةَ الْعَرَبِيَّةَ تُطْلِقُ فِي مَنْ أَعْتَقَهُ وَاحِدٌ مِنْ قَبِيلَةٍ أَنْ يُقَالَ : إنَّ تِلْكَ الْقَبِيلَةَ أَعْتَقَتْهُ فَيَقُولُونَ : أَعْتَقَتْهُ خُزَاعَةُ لِعَتَاقِ رَجُلٍ مِنْ خُزَاعَةَ إيَّاهُ ، وَيَقُولُونَ : أَعْتَقَتْهُ سُلَيْمٌ لِعَتَاقِ رَجُلٍ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ إيَّاهُ ، فَكَانَ مُنْطَلِقٌ لِرُوَاةِ هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا أَنْ يَقُولُوا حِكَايَةً عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَمَّا كَانَ فِيهِ : مُرُوهُ فَلْيُعْتِقْ رَقَبَةً ، وَأَنْ يَقُولُوا حِكَايَةً عَنْهُ : أَعْتِقُوا عَنْهُ رَقَبَةً بِأَمْرِكُمْ إيَّاهُ وَحَثِّكُمْ لَهُ عَلَى عَتَاقِ رَقَبَةٍ ، عَنْ نَفْسِهِ يُضَافُ عَتَاقُهَا إلَيْكُمْ وَإِلَيْهِ جَمِيعًا ، فَتَعُودُ بِذَلِكَ مَعَانِي مَا فِي هَذَيْنِ الْفَصْلَيْنِ إلَى مَعْنًى وَاحِدٍ ، وَهُوَ عَتَاقُ الرَّجُلِ الَّذِي كَانَ مِنْهُ ذَلِكَ الذَّنْبُ عَنْ نَفْسِهِ الرَّقَبَةَ الَّتِي تَكُونُ كَفَّارَةً لِذَنْبِهِ ، وَفِكَاكًا لَهُ مِنْ النَّارِ منه ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ .
698 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الوتر , هل له وقت معلوم لا يصلى إلا فيه وإن لم يصل فيه لم يصل بعده ؟ أو هل الدهر له وقت ؟ . 5236 - حدثنا علي بن شيبة ، حدثنا أبو عبد الرحمن المقرئ ، حدثنا عبد الله بن لهيعة ، حدثنا أبو هبيرة أن أبا تميم عبد الله بن مالك الجيشاني أخبره أنه سمع عمرو بن العاص يقول : أخبرني رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن الله تعالى قد زادكم صلاة , فصلوها ما بين العشاء إلى صلاة الصبح , الوتر الوتر , ألا إنه أبو بصرة الغفاري . قال أبو تميم : فكنت أنا وأبو ذر قاعدين , فأخذ أبو ذر بيدي , فانطلقنا إلى أبي بصرة , فوجدناه عند الباب الذي يلي دار عمرو بن العاص , فقال أبو ذر : يا أبا بصرة , أنت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن الله زادكم صلاة , فصلوها فيما بين العشاء إلى طلوع الفجر , الوتر الوتر ؟ فقال أبو بصرة : نعم , قال : أنت سمعته ؟ قال : نعم , قال : أنت سمعته , قال : نعم . فتأملنا هذا الحديث , فوجدنا فيه مما حكاه عمرو بن العاص عن الرجل الذي حكاه عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن الله عز وجل قد زادكم صلاة , فصلوها ما بين العشاء إلى صلاة الصبح , الوتر الوتر , فاحتمل قوله : إلى صلاة الصبح أن يكون أراد بذلك نفس الصلاة , وبين الصلاة وبين طلوع الفجر مدة من الزمان , واحتمل أن يكون ذلك إلى وقت صلاة الصبح الذي هو بعقب صلاة العشاء , ثم كان ما خاطب به أبو ذر أبا بصرة : أنت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن الله قد زادكم صلاة , فصلوها فيما بين العشاء إلى طلوع الفجر , الوتر الوتر ؟ وكان في ذلك ما قد كشف المعنى الذي احتمل كل واحد من الوجهين الأولين , وأنه على طلوع الفجر , لا على نفس صلاة الصبح . ثم نظرنا , هل نجد هذا الحديث عن عبد الله بن هبيرة من غير هذا الوجه الذي جئنا به منه ؟ . 5237 - فوجدنا هارون بن كامل قد حدثنا قال : حدثنا نعيم بن حماد قال : حدثنا عبد الله بن المبارك ، حدثنا سعيد بن يزيد يعني أبا شجاع الحميري ، حدثني ابن هبيرة ، عن أبي تميم الجيشاني أن عمرو بن العاص خطب الناس يوم الجمعة فقال : إن أبا بصرة حدثني أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن الله تعالى زادكم صلاة وهي الوتر , فصلوها فيما بين صلاة العشاء إلى صلاة الفجر , قال أبو تميم : فأخذ بيدي أبو ذر , فسار في المسجد إلى أبي بصرة , فقال : أنت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ما قال عمرو ؟ قال أبو بصرة : نعم , أنا سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال أبو جعفر : فكان الذي في هذا من قوله فيما بين صلاة العشاء إلى صلاة الفجر قد يحتمل أن يكون أراد به نفس الصلاة , أو يكون أراد به وقت الصلاة , فنظرنا في ذلك , هل نجد شيئا من ذلك في غير هذا الحديث ؟ . 5238 - فوجدنا يونس قد حدثنا قال : أخبرنا ابن وهب ، حدثني ابن لهيعة والليث ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن عبد الله بن راشد الزوفي ، عن عبد الله بن أبي مرة ، عن خارجة بن حذافة العدوي أنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن الله تعالى قد أمركم بصلاة خير لكم من حمر النعم , ما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر , الوتر الوتر . 5239 - ووجدنا إبراهيم بن مرزوق قد حدثنا قال : حدثنا أبو الوليد الطيالسي ، [ عن ] الليث بن سعد , ثم ذكر بإسناده مثله . وكان في هذا الحديث ما قد وقفنا به على ما قطع الإشكال عنا فيما احتمله الحديثان الأولان اللذان ذكرنا . ثم نظرنا , هل روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الباب غير هذه الآثار ؟ . 5240 - فوجدنا إبراهيم بن أبي داود قد حدثنا قال : حدثنا يحيى بن صالح الوحاظي , حدثنا معاوية بن سلام ، حدثنا يحيى يعني ابن أبي كثير ، عن أبي نضرة العوقي قال : إن أبا سعيد الخدري قال : إنهم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوتر , فقال : أوتروا قبل الصبح . 5241 - ووجدنا محمد بن علي بن داود قد حدثنا قال : حدثنا أحمد بن حنبل ، حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة ، عن عبيد الله عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : بادروا الصبح بالوتر . 5242 - ووجدنا محمد بن علي قد حدثنا قال : حدثنا أحمد بن حنبل ، حدثنا يحيى بن زكريا ، عن عاصم ، عن عبد الله بن شقيق ، عن ابن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله . 5243 - ووجدنا إسحاق بن إبراهيم بن يونس قد حدثنا قال : حدثنا محمود بن غيلان ، حدثنا عبد الرزاق ، أخبرنا ابن جريج , أخبرني سليمان بن موسى ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا طلع الفجر فقد ذهب كل صلاة الليل والوتر , فأوتروا قبل الفجر . وكان حديث ابن عمر هذا أكشف ما وجدناه في هذا الباب لوقت الوتر الذي أمر أن يصلى فيه . 5244 - ووجدنا أبا أمية قد حدثنا قال : حدثنا يحيى بن إسحاق السيلحيني , حدثنا حماد بن سلمة ، عن ثابت البناني ، عن عبد الله بن رباح ، عن أبي قتادة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر : متى توتر ؟ قال : من أول الليل . وقال لعمر : متى توتر ؟ قال : من آخر الليل , فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر : أخذت بالحزم , وقال لعمر : أخذت بالقوة . ثم نظرنا فيما روي عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك . 5245 - فوجدنا فهد بن سليمان قد حدثنا قال : حدثنا عمر بن حفص بن غياث ، حدثني أبي ، عن الأعمش ، حدثني أبو إسحاق ، عن عاصم بن ضمرة أن عليا رضي الله عنه قال له رجل : إني سألت أبا موسى عن الوتر , فقال : إذا أذن المؤذن فلا وتر , فقال علي : أغرق النزع , وأفرط في الفتيا ؛ الوتر فيما بين الصلاتين . فأما قول أبي موسى : إذا أذن المؤذن فلا وتر . فقد يحتمل أن يكون ذلك على أذان كانوا يؤذنونه في الليل قبل طلوع الفجر , ويحتمل أن يكون على أذان كانوا يؤذنونه بعد طلوع الفجر , وأما [ قول ] علي : الوتر فيما بين الصلاتين . ففي ذلك إثباته الوتر بعد طلوع الفجر ونفيه أن يكون بعد صلاة الفجر , وقد يحتمل أن يكون أراد بالوتر الوتر الذي له فضل الوتر , ويحتمل أن يكون على الوتر الذي لا يصلى إلا في ذلك الوقت ولا يصلى بعده . 5246 - ووجدنا هارون بن كامل قد حدثنا قال : حدثنا نعيم ، حدثنا ابن المبارك ، أخبرنا فضيل بن مرزوق ، عن أبي إسحاق ، عن الأسود بن هلال ، عن ابن مسعود قال : الوتر ما بين صلاة العشاء إلى الفجر . 5247 - ووجدنا فهدا قد حدثنا قال : حدثنا - فذكر أحد الرجلين ؛ إما أبا غسان , وإما أحمد بن يونس , قال أبو جعفر : أنا أشك - قال : حدثنا زهير ، عن أبي إسحاق ، عن الأسود بن هلال ، عن عبد الله مثله . 5248 - ووجدنا هارون قد حدثنا قال : حدثنا نعيم ، حدثنا ابن المبارك ، أخبرنا مالك بن مغول ، عن أبي حصين ، عن الأسود ، عن عبد الله مثله . 5249 - ووجدنا إبراهيم بن مرزوق قد حدثنا قال : حدثنا وهب بن جرير , حدثنا شعبة ، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر ، عن أبيه قال : أقيمت الصلاة , فانتظرنا عمرو بن شرحبيل , وكان إمامهم , فقال : إني كنت أوتر , ثم قال : سئل عبد الله : هل بعد الأذان وتر ؟ قال : نعم , وبعد الإقامة . ففي هذا ما قد دل على أن الوتر كان عند عبد الله بن مسعود جائزا بعد الإقامة , وفي ذلك ما قد دل على أنه مطلق في الزمان كله . ثم رجعنا إلى ما يقوله أهل العلم الذين تدور عليهم الفتيا في الأمصار , فوجدناهم على قولين ؛ منهم من يقول : إنه يقضيه في سائر الدهر كما يقضي ما سواه من الصلوات الفائتة , ومن القائلين بذلك أبو حنيفة وأصحابه . وقائلين منهم يقولون : إنه يصليه فيما بينه وبين صلاة الفجر , ولا يصليه بعد ذلك , ومن القائلين بذلك : مالك والشافعي . ولما اختلفوا في ذلك هذا الاختلاف , نظرنا فيما اختلفوا فيه , فوجدنا الصلوات التي تقضى إذا فاتت على ضربين ؛ فضرب منها الدهر له وقت , وهو الصلوات الخمس , تصلى في أوقاتها , وتقضى بعد أوقاتها في سائر الدهر غير الأوقات التي لا يصلى أمثالها فيه , وضرب منها صلاة الجمعة , تصلى في وقت خاص من يومها , ومن فاتته أن يصليها في ذلك الوقت من يومها لم يصلها بعد ذلك في بقية يومها ولا فيما بعده من الزمان , وكان الوتر لا يخلو من أحد وجهين ؛ أن يكون كالصلوات الخمس يقضى في سائر الدهر كما تقضى , أو يكون كالجمعة لا تصلى إلا في الوقت الذي جعل وقتا لها لا تصلى فيما بعده من قريب الزمان ولا من بعيده , ولما وجدناه يصلى بعد خروج الليل الذي جعل وقتا له فيما قرب منه , عقلنا بذلك أنه في حكم الصلوات الخمس في الوقت الذي يقضى فيه , وأن الدهر كله له وقت , فإنه يصلى في بعيده كما يصلى في قريبه , والله نسأله التوفيق .
109 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ قَوْلِهِ : ( لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ لَا أُصَلِّيَ عَلَيْهِ ) يَعْنِي الْمُعْتِقَ لِعَبِيدِهِ السِّتَّةِ الَّذِينَ هُمْ جَمِيعُ مَالِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ ، وَمِنْ غَضَبِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ ذَلِكَ . 843 - حدثنا يُوسُفُ بْنُ يَزِيدَ ، وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْكِنْدِيُّ أَبُو عَلِيٍّ ، قَالَا : حدثنا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، حدثنا هُشَيْمٌ أَخبرنا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ ، حدثنا أَبُو قِلَابَةَ ، عَنْ أَبِي زَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ ( أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ أَعْتَقَ سِتَّةً مَمْلُوكِينَ لَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ لَيْسَ لَهُ مَالٌ غَيْرَهُمْ ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَغَضِبَ مِنْ ذَلِكَ ، وَقَالَ : لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ لَا أُصَلِّيَ عَلَيْهِ ، ثُمَّ دَعَا مَمَالِيكَهُ فَجَزَّأَهُمْ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ ، فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً ) . 844 - حدثنا يُوسُفُ ، حدثنا سَعِيدٌ ، حدثنا هُشَيْمٌ ، حدثنا مَنْصُورٌ ، وَهُوَ ابْنُ زَاذَانَ ، عَنْ الْحَسَنِ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِثْلَهُ . 845 - حدثنا عَلِيُّ بْنُ دَاوُد ، حدثنا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْوَاسِطِيُّ ، حدثنا هُشَيْمٌ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ الْحَسَنِ ، عَنْ عِمْرَانَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ . 846 - حدثنا ابْنُ أَبِي دَاوُد ، حدثنا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ، حدثنا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ أَبِي الْمُهَلَّبِ ، عَنْ عِمْرَانَ ( أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ سِتَّةَ أَعْبُدٍ لَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ لَيْسَ لَهُ مَالٌ غَيْرَهُمْ فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ فِيهِ قَوْلًا شَدِيدًا ، فَدَعَاهُمْ فَجَزَّأَهُمْ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً ) . فَفِيمَا رَوَيْنَا عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ إنْكَارُهُ عَلَى الْمُعْتِقِ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ جَمِيعَ عَبِيدِهِ وَغَضَبِهِ مِنْ ذَلِكَ وَهَمُّهُ مِنْ أَجْلِهِ أَنْ لَا يُصَلِّيَ عَلَيْهِ . فَسَأَلَ سَائِلٌ عَنْ الْمَعْنَى الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ كَانَ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : وَقَدْ كَانَ ذَلِكَ الْمَرِيضُ مَالِكًا لِمَمَالِيكِهِ حِينَ كَانَ مِنْهُ فِيهِمْ مَا كَانَ مِنْ الْعِتْقِ لَهُمْ . فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ أَنَّ أَفْعَالَ الْمَرْضَى فِي أَمْرَاضِهِمْ الَّتِي يُتَوَفَّوْنَ مِنْهَا مُقَصَّرٌ بِهِمْ فِيهَا عَنْ نُفُوذِهَا مِنْ جَمِيعِ أَمْوَالِهِمْ وَمَرْدُودُهُ إلَى أَثْلَاثِ أَمْوَالِهِمْ غَيْرَ مُتَجَاوِزَةٍ إلَى مَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْهَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ، وَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَنْ حَلَّ بِهِ مَرَضٌ قَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ يَمُوتُ فِيهِ وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ أَن لَّا يَتَبَسَّطَ فِي أَمْوَالِهِ تَبَسُّطَ الْأَصِحَّاءِ فِي أَمْوَالِهِمْ لِأَنَّهُ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَرَضٍ يَمْنَعُهُ مِنْ ذَلِكَ وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَرَضٍ لَا يَمْنَعُهُ مِنْ ذَلِكَ إلَّا أَنَّ الْأَوْلَى بِهِ الِاحْتِيَاطُ لِنَفْسِهِ وَلِمَنْ حَبَسَ بَقِيَّةَ مَالِهِ بَعْدَ ثُلُثِهِ عَلَيْهِ مِمَّنْ يَرِثُهُ ، فَإِذَا خَرَجَ عَنْ ذَلِكَ وَتَبَسَّطَ فِي جَمِيعِهِ كَمَا يَتَبَسَّطُ الْأَصِحَّاءُ فِي مِثْلِهِ كَانَ بِذَلِكَ مَذْمُومًا ، وَمِنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرْكُهُ لِلصَّلَاةِ عَلَى الْمَذْمُومِينَ ، فَهَذَا عِنْدَنَا وَجْهُ هَمِّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرْكَهُ الصَّلَاةِ عَلَى ذَلِكَ الْمُتَوَفَّى قَدْ لَحِقَهُ هَذَا الذَّمُّ وَغَضَبُهُ مِنْ فِعْلِهِ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ حَلَّ ذَلِكَ الْمَحَلَّ عِنْدَهُ . وَسَأَلَ سَائِلٌ آخَرُ عَنْ الْقُرْعَةِ فِي مِثْلِ هَذَا هَلْ هِيَ مُسْتَعْمَلَةٌ الْآنَ أَمْ لَا ؟ فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ وَعَوْنِهِ : أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ مُخْتَلِفُونَ فِي ذَلِكَ فَطَائِفَةٌ مِنْهُمْ تَقُولُ : هِيَ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي ذَلِكَ مِنْهُمْ : كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ وَالشَّافِعِيُّ، وَطَائِفَةٌ مِنْهُمْ تَقُولُ : إنَّهَا مَنْسُوخَةٌ وَإِنَّ الْوَاجِبَ مَكَانَهَا عَلَى الْعَبِيدِ الْمُعْتَقِينَ السِّعَايَةُ فِي ثُلُثَيْ قِيمَتِهِمْ لِوَرَثَةِ مُعْتِقِهِمْ ، وَمِمَّنْ كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ مِنْهُمْ : أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَكَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ سِوَاهُمْ ، وَيَسْتَدِلُّونَ عَلَى نَسْخِهَا بِأَنَّهُمْ وَمُخَالِفُوهُمْ جَمِيعًا قَدْ جَعَلُوا الْحَدِيثَ الَّذِي رَوَيْنَاهُ فِي عَتَاقِ الْمَرِيضِ الَّذِي ذَكَرْنَا أَنَّهُ دَلِيلٌ لَهُمْ وَحُجَّةٌ عَلَى مُخَالِفِهِمْ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّ عَتَاقَ الْمَرِيضِ وَهِبَاتِهِ مِنْ جَمِيعِ مَالِهِ كَعَتَاقِ الصَّحِيحِ وَهِبَاتِهِ وَيَحْتَجُّ فِي ذَلِكَ بِأَنَّ مَالَهُ لَمْ يُمْلَكْ عَلَيْهِ حَتَّى وَقَعَتْ أَفْعَالُهُ تِلْكَ فِيهِ ، وَإِذَا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ كَذَلِكَ وَجَبَ أَنْ يُرَدَّ إلَيْهِ أَشْكَالُهُ وَأَنْ يَعْطِفَ عَلَيْهِ أَمْثَالُهُ مِمَّا يَفْعَلُهُ الْمَرِيضُ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ لِأَنَّهُ أَصْلٌ لَهُ وَأَنْ يَكُونَ الْوَاجِبُ فِي الْمَرَضِ إذَا كَانَ لَهُ سِتُ مِائَةِ دِرْهَمٍ هِيَ جَمِيعُ مَالِهِ ، فَوَهَبَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ كُلَّ مِائَةٍ مِنْهَا لِرَجُلٍ وَأَقْبَضَهُ إيَّاهَا ، ثُمَّ مَاتَ ، أَنْ يُقْرِعَ بَيْنَهُمْ فِيهَا كَمَا أَقْرَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْعَبِيدِ الْمُعْتَقِينَ الَّذِينَ ذَكَرْنَا فَيُسَلِّمُ مِنْهَا لِمَنْ قُرِعَ هِبَتَهُ وَيَرْجِعُ مَا بَقِيَ مِنْهَا مِيرَاثًا كَمِثْلِ مَا كَانَ مِنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي الْعَبِيدِ الْمُعْتَقِينَ وَفِي تَرْكِهِمْ لِذَلِكَ وَخُرُوجِهِمْ عَنْهُ إلَى الْمُحَاصَّةِ بَيْنَ أَهْلِ الْهِبَاتِ فِيهَا ، وَتَرْكِهِمْ الْقُرْعَةَ عَلَيْهَا قَدْ كَانَتْ مُسْتَعْمَلَةً فِي غَيْرِ الْعَتَاقِ الَّذِي ذَكَرْنَا ، ثُمَّ تُرِكَتْ وَاسْتُعْمِلَ مَكَانَهَا خِلَافُهَا فَمِنْهَا ادِّعَاءُ الْأَنْسَابِ إذَا تَكَافَأَتْ مِنْ الْمُدَّعِينَ لَهَا . 847 - كَمَا حدثنا إسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْكُوفِيُّ ، حدثنا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ الْعُمَرِيُّ أَوْ يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ - قَالَ الشَّيْخُ : أَنَا أَشُكُّ فِي الَّذِي حَدَّثنِي بِهِ عَنْهُ مِنْهُمَا - عَنْ الْأَجْلَحِ ، عَنْ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْخَلِيلِ الْأَسْلَمِيِّ ، عَنْ ( زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ : بَيْنَا أَنَا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذْ أَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ وَعَلِيٌّ يَوْمَئِذٍ بِهَا فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَى عَلِيًّا ثَلَاثَةُ نَفَرٍ يَخْتَصِمُونَ فِي وَلَدٍ وَقَعُوا عَلَى أُمِّهِ فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ ، فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ فَقُرِعَ أَحَدُهُمْ فَدُفِعَ إلَيْهِ الْوَلَدُ ، قَالَ : فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ ، أَوْ قَالَ : أَضْرَاسُهُ ) . 848 - وَحدثنا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ أَبُو عُبَيْدٍ ، حدثنا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الرَّبِيعِ الْجُرْجَانِيِّ ، أَخبرنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، حدثنا سُفْيَانُ ، عَنْ صَالِحٍ ، عَنْ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ الْحَضْرَمِيِّ ، عَنْ ( زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ : كَانَ عَلِيٌّ بِالْيَمَنِ فَأُتِيَ بِامْرَأَةٍ وَطِئَهَا ثَلَاثَةُ نَفَرٍ فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ فَسَأَلَ اثْنَيْنِ أَنْ يُقِرَّا لِهَذَا بِالْوَلَدِ فَلَمْ يُقِرَّا ، ثُمَّ سَأَلَ اثْنَيْنِ أَنْ يُقِرَّا لِهَذَا بِالْوَلَدِ فَلَمْ يُقِرَّا ، ثُمَّ سَأَلَ اثْنَيْنِ حَتَّى فَرَغَ يَسْأَلُ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ غَيْرَ وَاحِدٍ فَلَمْ يُقِرُّوا فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ وَأَلْزَمَ الْوَلَدَ الَّذِي خَرَجَتْ عَلَيْهِ الْقُرْعَةُ وَجَعَلَ عَلَيْهِ ثُلُثَيْ الدِّيَةِ ، فَرُفِعَ ذَلِكَ إلَى النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ ) . وَفِي تَرْكِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنْكَارَ ذَلِكَ عَن عَلِيٍّ رِضَاهُ بِهِ مِنَّه ، وَأَنَّ الْحُكْمَ كَانَ فِيهِ عِنْدَهُ يَوْمَئِذٍ كَذَلِكَ . ثُمَّ وَجَدْنَا عَلِيًّا بَعْدَ هَذَا أَوْ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أُتِيَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْقِصَّةِ فَحَكَمَ فِيهَا بِخِلَافِ هَذَا الْحُكْمِ . 849 - كَمَا حدثنا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ ، حدثنا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الرَّبِيعِ الْجُرْجَانِيِّ ، حدثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخبرنا سُفْيَانُ ، عَنْ قَابُوسٍ ، عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ : أَتَاهُ رَجُلَانِ وَقَعَا عَلَى امْرَأَةٍ فِي طُهْرٍ فَقَالَ : الْوَلَدُ بَيْنَكُمَا ، وَهُوَ لِلْبَاقِي مِنْكُمَا . فَاسْتَحَالَ عِنْدَنَا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ، أَنْ يَكُونَ عَلِيٌّ يَقْضِي بِخِلَافِ مَا كَانَ قَضَى بِهِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا لَمْ يُنْكِرْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَرُدَّ الْحُكْمَ فِيهِ إلَى خِلَافِ مَا كَانَ قَضَى بِهِ فِيهِ بِخِلَافِ ذَلِكَ إلَّا وَقَدْ نُسِخَ مَا كَانَ قَضَى بِهِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي ذَلِكَ إلَى الَّذِي كَانَ قَضَى بِهِ هُوَ فِي زَمَنِهِ ، وَلَوْلَا أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ لَكَانَ فِيهِ سُقُوطُ عَدْلِهِ وَحَاشَ لِلَّهِ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ ، وَلَكِنَّهُ رَجَعَ عَنْ مَنْسُوخٍ قَدْ كَانَ عَلَيْهِ إلَى نَاسِخٍ لَهُ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : فَكَيْفَ تَكُونُ الْقُرْعَةُ مَنْسُوخَةً وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُهَا بَيْنَ نِسَائِهِ عِنْ إرَادَتِهِ السَّفَرَ بِإِحْدَاهُنَّ . 850 - كَمَا حدثنا يُونُسُ ، حدثنا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ ، حدثنا عُبَيْدِ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاشِدٍ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ وَسَعِيدٍ وَعُبَيْدِ اللَّهِ وَعَلْقَمَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : ( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا مَعَهُ ) . 851 - وَكَمَا حدثنا فَهْدٌ ، حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ ، حَدَّثنِي اللَّيْثُ ، حَدَّثنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، ثُمَّ ذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ . 852 - وَكَمَا حدثنا أَبُو قُرَّةَ مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدِ بْنِ هِشَامٍ ، حدثنا سَعِيدُ بْنُ عِيسَى بْنِ تَلِيدٍ ، حَدَّثنِي الْمُفَضَّلُ بْنُ فَضَالَةَ الْقِتْبَانِيُّ ، عَنْ أَبِي الطَّاهِرِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو بْنِ حَزْمٍ ، عَنْ عَمِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ قَالَ : حَدَّثتْنِي خَالَتِي عَمْرَةُ ابْنَةُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَذَكَرَ مِثْلَهُ . قَالَ : فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَعْمِلُ مَا قَدْ نُسِخَ قَبْلَ ذَلِكَ . قَالَ : وَمِنْ ذَلِكَ مَا قَدْ عَمِلَ الْمُسْلِمُونَ بِهِ فِي أَقْسَامِهِمْ وَجَرَتْ عَلَيْهِ فِيهِ أُمُورُهُمْ إلَى الْآنِ اسْتِعْمَالُ الْقُرْعَةِ فِيهَا . فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الَّذِي ذَكَرْنَا مِنْ الْقُرْعَةِ الْمَنْسُوخَةِ هِيَ الْقُرْعَةُ الْمُسْتَعْمَلَةُ كَانَتْ فِي الْأَحْكَامِ بِهَا حَتَّى يَلْزَمَ لُزُومُ مَا يَحْكُمُ فِيهِ بِمَا سِوَاهَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَغَيْرِهَا ، وَأَمَّا هَذَا الَّذِي ذَكَرْتَ فَلَمْ يُسْتَعْمَلْ عَلَى سَبِيلِ الْحُكْمِ بِهِ وَإِنَّمَا اُسْتُعْمِلَ عَلَى تَطْيِيبِ النَّفْسِ وَنَفْيِ الظُّنُونِ لَا لِمَا سِوَى ذَلِكَ ، إلَّا أَنْ يَرَى أَنَّهُ كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُسَافِرَ بِغَيْرِ أَحَدٍ مِنْ نِسَائِهِ وَأَنَّهُ لَمَّا كَانَ لَهُ أَنْ يُسَافِرَ دُونَهُنَّ أَنَّهُ قَدْ كَانَ لَهُ أَنْ يُسَافِرَ دُونَ بَعْضِهِنَّ ، وَفِي ذَلِكَ مَا قَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّ إقْرَاعَهُ كَانَ بَيْنَهُنَّ لَمَّا كَانَ يُقْرِعُ بَيْنَهُنَّ مِنْ أَجْلِهِ لَمْ يَكُنْ عَلَى حُكْمٍ بَيْنَهُنَّ وَلَا عَلَيْهِنَّ وَلَا لَهُنَّ وَأَنَّهُ إنَّمَا كَانَ لِتَطْيِيبِ أَنْفُسِهِنَّ ، وَأَنْ لَا يَقَعَ فِي قُلُوبِ بَعْضِهِنَّ مَيْلٌ مِنْهُ إلَى مَنْ يُسَافِرُ بِهَا مِنْهُنَّ دُونَ بَقِيَّتِهِنَّ ، وَذَلِكَ الْأَقْسَامُ لَوْ عُدِّلَتْ الْأَجْزَاءُ ، ثُمَّ أُعْطِيَ كُلُّ ذِي جُزْءٍ مِنْ أَجْزَائِهَا جُزْءًا مِنْ تِلْكَ الْأَجْزَاءِ بِغَيْرِ قُرْعَةٍ عَلَى ذَلِكَ كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا مُسْتَقِيمًا فَدَلَّ ذَلِكَ أَنَّ الْقُرْعَةَ إنَّمَا اُسْتُعْمِلَتْ فِي ذَلِكَ لِإِنْفَاءِ الظُّنُونِ بِهَا عَنْ مَنْ يَتَوَلَّى الْقِسْمَةَ بَيْنَ أَهْلِهَا بِمَيْلٍ إلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ أَوْ بِمَا سِوَى ذَلِكَ ، وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَا مِنْ السَّفَرِ بِالنِّسَاءِ وَمِنْ الْأَقْسَامِ الْمُسْتَعْمَلَةِ الْقُرْعَةُ فِيهَا لَمَّا اُسْتُعْمِلَتْ فِيهَا قَضَاءٌ بِقُرْعَةٍ ، فَكَذَلِكَ نَقُولُ مَا كَانَ مِنْ أَمْثَالِ هَذَيْنِ الْجِنْسَيْنِ مِمَّا لَا يَقَعُ فِيهِ بِالْقُرْعَةِ حُكْمٌ إنَّمَا يَقَعُ فِيهِ تَطْيِيبُ الْأَنْفُسِ وَإِنْفَاءُ الظُّنُونِ ، فَلَا بَأْسَ بِاسْتِعْمَالِ الْقُرْعَةِ فِيهِ وَمَا كَانَ مِنْ سِوَى ذَلِكَ مِمَّا يَقَعُ فِيهِ الْقَضَاءُ وَالْأَحْكَامُ فَلَا وَجْهَ لِاسْتِعْمَالِهَا فِيهِ لِمَا قَدْ حَكَيْنَاهُ فِي مِثْلِهَا عَنْ عَلِيٍّ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَفِي تَرْكِهِ بَعْدَهُ لِذَلِكَ وَاسْتِعْمَالِهِ خِلَافَهُ ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ الْجِنْسَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْنَا عَلَى مَا قَدْ رُوِيَ فِيهِ مِمَّا قَدْ وَصَفْنَا لَا يَدْخُلُ فِيهِ الْجِنْسُ الْآخَرُ مِنْهُمَا وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى مَا يُوجِبُهُ فِيهِ مَا وَصَفْنَاهُ فِيهِ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
807 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من قوله : الولد للفراش ، وللعاهر الحجر هل يوجد ذلك مضاده ما روي عنه - صلى الله عليه وسلم - في نفي الولد باللعان ؟ . 6056 - حدثنا المزني ، قال : حدثنا الشافعي ، قال : حدثنا سفيان ، عن عبيد الله بن أبي يزيد ، عن أبيه ، عن عمر بن الخطاب ، قال : قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أن الولد للفراش ، وللعاهر الحجر . 6057 - حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، قال : حدثنا حبان بن هلال . وحدثنا الربيع المرادي ، قال : حدثنا أسد ، قالا : حدثنا مهدي بن ميمون ، عن محمد بن عبد الله بن أبي يعقوب ، عن الحسن بن سعد - قال الربيع في حديثه : مولى الحسن بن علي - عن رباح ، قال : أتيت عثمان بن عفان - رضي الله عنه - فقال : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى أن الولد للفراش . 6058 - حدثنا يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : حدثني مالك ، عن ابن شهاب الزهري ، عن عروة ، عن عائشة : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : الولد للفراش ، وللعاهر الحجر . 6059 - حدثنا محمد بن خزيمة ، قال : حدثنا علي بن الجعد ، قال : حدثنا شعبة ، عن محمد بن زياد ، قال : سمعت أبا هريرة يحدث ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكر مثله . 6060 - وحدثنا الربيع المرادي ، قال : حدثنا أسد ، قال : حدثنا إسماعيل بن عياش ، عن شرحبيل بن مسلم الخولاني ، عن أبي أمامة الباهلي ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكر مثله . قال : فذهبت طائفة من أهل العلم إلى أن الولد المولود على فراش الرجل ، إذا نفاه ، أنه لا ينتفي منه بلعان به ، ولا بما سواه ؛ لأنه قد ولد على فراشه ، وممن روي ذلك عنه من قد ذكر ممن قد كان خالف الشعبي في ذلك في حديث قد روي عن الشعبي . 6061 - كما حدثنا فهد ، قال : حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس ، قال : حدثنا أبو شهاب ، عن ابن عون ، عن الشعبي ، قال : خالفني إبراهيم وابن معقل وموسى في ولد الملاعنة فقالوا : نلحقه به ، فقلت : أو ألحقه به بعد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين ، ثم حين بالخامسة : أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين ؟ فكتبوا فيه إلى المدينة ، فكتبوا أن يلحق بأمه . وكان ما احتج به من ذهب إلى ما ذكرنا من الآثار التي روينا ، لا حجة لهم فيه عندنا ؛ لأنه قد يجوز أن يكون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أراد بهذا القول المذكور عنه في هذه الآثار المدعيين لأولاد إماء غيرهم ، كما كانوا يدعونهم في الجاهلية حتى دخل الإسلام عليهم وهم على ذلك ، فكان من عتبة بن أبي وقاص في ابن أمة زمعة ما كان مما ذكره لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخوه سعد عليه ، حتى قال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما ذكر عنه في هذه الآثار ، وقد ذكرنا ذلك بأسانيده فيما تقدم منا في كتابنا هذا . فأما نفي أولاد الزوجات ، فليس من ذلك في شيء ؛ لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد قضى في ذلك بالملاعنة ، ورد الولد الملاعن به إلى أمه دون المولود على فراشه . 6062 - كما حدثنا يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، أن مالكا أخبره ، عن نافع ، عن ابن عمر : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لاعن بين رجل وامرأته ، وفرق بينهما ، وألحق الولد بالمرأة . 6063 - وكما حدثنا يزيد بن سنان ، قال : حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير وسعيد بن منصور ، قالا : حدثنا مالك بن أنس ، ثم ذكر بإسناده مثله . فقال قائل : وهل وافق مالكا على هذا الحديث عن نافع أحد ، وقد رواه غيره من أصحاب نافع ، فلم يذكروا فيه هذا الحرف ، والجماعة أولى من الواحد ؟ فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله وعونه : أن مالكا إمام حافظ ثبت في روايته ، ممن لو روى حديثا فانفرد به ، كان مقبولا منه ، وإذا كان كذلك كان إذا زاد زيادة في حديث مقبولة منه ، مع أنا قد وجدنا هذا المعنى في الولد الملاعن به عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من غير حديث ابن عمر . 6064 - وكما حدثنا أحمد بن شعيب ، قال : أخبرنا إسحاق بن إبراهيم ، قال : حدثنا بقية بن الوليد ، قال : حدثني أبو سلمة الحمصي ، عن عمر بن روبة ، عن عبد الواحد بن عبد الله النصري ، عن واثلة بن الأسقع ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : تحرز المرأة ثلاث مواريث : عتيقها ، ولقيطها ، والولد الذي لاعنت عليه . 6065 - وكما حدثنا أحمد ، قال : حدثنا إسحاق بن إبراهيم ، قال : أخبرنا محمد بن حرب ، قال : حدثنا عمر بن روبة ، قال : دخلت مع أبي سلمة الحمصي عليه ، فحدثنا عن عبد الواحد النصري ، عن واثلة بن الأسقع ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم ذكر هذا الحديث كما حدث به بقية سواء . فكان في هذا الحديث إحراز المرأة ميراث ولدها الذي تلاعن عليه ، وفي ذلك ما قد دل على انتفاء نسبه ممن لاعنته به إليها ، وفيه أيضا باب من الفقه ، وهو توريثها إياه بعود نسبه إليها ، وانتفائه من الذي لاعنته به ، فوق ما كانت ترث منه لولد تلاعن به . ففي ذلك ما يدل على التوريث بالأرحام إذا لم يكن للمتوفى عصبة ، وكانت أمه ذات سهم ، فورثت ما بقي من ميراثه بذلك ، والله نسأله التوفيق .
110 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلُ مَا رُوِيَ عَنْهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ قَوْلِهِ ( الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَ ذَلِكَ أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ ) . 853 - حدثنا ابْنُ مَرْزُوقٍ ، حدثنا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ ، حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَوْنٍ وَحدثنا أَبُو أُمَيَّةَ ، حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُمْرَانَ ، عَنْ ابْنِ عَوْنٍ ، عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ : سَمِعْت النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : ( إنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ وَالْحَرَامَ بَيِّنٌ وَإِنَّ بَيْنَ ذَلِكَ أُمُورًا مُشْتَبِهَاتٍ ) وَرُبَّمَا قَالَ : ( مُشْتَبِهَةً وَسَأَضْرِبُ لَكُمْ مَثَلًا : إنَّ لِلَّهِ حِمًى وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَا حَرَّمَ وَإِنَّهُ مَنْ يَرْعَ حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ ) . 854 - حدثنا فَهْدٌ ، حدثنا أَبُو نُعَيْمٍ ، حدثنا زَكَرِيَّا بْنُ أَبِي زَائِدَةَ ، عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ : سَمِعْت النُّعْمَانَ يَقُولُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ ، مَنْ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِعِرْضِهِ وَدِينِهِ ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى فَيُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى ، أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ ) . 855 - حدثنا أَبُو أُمَيَّةَ ، حدثنا الْمُعَلَّى بْنُ مَنْصُورٍ الرَّازِيّ ، حدثنا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ ، عَنْ مُغِيرَةَ ، عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ : شَهِدْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ عَلَى مِنْبَرِنَا هَذَا يَقُولُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَقُولُ : ( إنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ وَإِنَّ بَيْنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مُشْتَبِهَاتٍ فَمَنْ تَرَكَهَا اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ ، وَمَنْ رَتَعَ فِيهَا يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِي الْحَرَامِ كَمَنْ رَعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى وَإِنَّ الْحَرَامَ حِمَى اللَّهِ الَّذِي حَرَّمَ عَلَى عِبَادِهِ ) . 856 - حدثنا بَحْرُ بْنُ نَصْرٍ ، حدثنا أَسَدُ بْنُ مُوسَى ، حدثنا شَيْبَانُ أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ بَهْدَلَةَ ، عَنْ خَيْثَمَةَ ، وَالشَّعْبِيُّ ، عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( حَلَالٌ بَيِّنٌ وَحَرَامٌ بَيِّنٌ وَشُبُهَاتٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَمَنْ تَرَكَ الشُّبُهَاتِ فَهُوَ لِلْحَرَامِ أَتْرَكُ ، وَمَحَارِمُ اللَّهِ حِمًى فَمَنْ رَتَعَ حَوْلَ الْحِمَى كَادَ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ ) . فَسَأَلَ سَائِلٌ عَنْ الْمَعْنَى الْمَقْصُودِ إلَيْهِ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَا هُوَ ؟ فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ : أَنَّ لِلَّهِ شَرَائِعَ قَدْ شَرَعَهَا وَتَعَبَّدَ عِبَادَهُ بِهَا ، فَمِنْهَا مَا ذَكَرَهُ فِي كِتَابِهِ مُحْكَمًا كَشَفَ لَهُمْ مَعْنَاهُ ، وَمِنْهَا مَا ذَكَرَهُ فِي كِتَابِهِ مُتَشَابِهًا فَمِنْ ذَلِكَ قَوْله فِي كِتَابِهِ : هُوَ الَّذِي أَنْـزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ وَكَانَ الْمُحْكَمُ مِنْهُ الَّذِي كَشَفَ لَهُمْ مَعْنَاهُ قَوْله تَعَالَى : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ إلَى قَوْلِهِ : وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَكَانَ الْمُتَشَابِهُ مِنْهُ الَّذِي لَمْ يَكْشِفْ لَهُمْ مُرَادَهُ فِيهِ مِنْهُ قَوْله : وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا وَمِنْهُ قَوْلُهُ فِي الصِّيَامِ : وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ فِي الْآيَةِ الَّتِي ذَكَرَ فِيهَا مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ : وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَمِنْهُ قَوْله : وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلا مَا قَدْ سَلَفَ . فَكَانَ الْمُحْكَمُ وَالْمُتَشَابِهُ اللَّذَانِ ذَكَرَهُمَا فِي كِتَابِهِ هُمَا الْجِنْسَانِ اللَّذَانِ ذَكَرْنَا . وَمِنْهَا مَا أَجْرَاهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى وَأَجْرَى بَعْضَهُ عَلَى لِسَانِهِ مُحْكَمًا مَكْشُوفَ الْمَعْنَى كَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ ، وَكَمَا يَقْصُرُهُ الْمُسَافِرُ مِنْهَا فِي سَفَرِهِ ، وَكَمَا لَا يَقْصُرُهُ مِنْهَا فِيهِ وَيَكُونُ فِيهِ فِي سَفَرِهِ كَمِثْلِ مَا كَانَ فِيهِ فِي حَضَرِهِ . وَمِنْهَا مَا تَعْتَدُّ بِهِ النِّسَاءُ فِي أَيَّامِ حَيْضِهِنَّ مِنْ تَرْكِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَمِنْ قَضَاءِ الصِّيَامِ بَعْدَ ذَلِكَ فِي أَيَّامِ طُهْرِهَا وَتَرْكِ قَضَاءِ الصَّلَاةِ بَعْدَ ذَلِكَ وَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا أَجْرَاهُ عَلَى لِسَانِهِ مُحْكَمًا . وَمِمَّا أَجْرَاهُ عَلَى لِسَانِهِ مُتَشَابِهًا مِنْهُ قَوْلُهُ : ( الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَفْتَرِقَا ) . وَمِنْهُ قَوْلُهُ : ( أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ ) فِي أَشْيَاءَ مِنْ أَشْكَالِ ذَلِكَ فَاحْتَاجُوا إلَى طَلَبِ حَقَائِقِهَا وَمَا عَلَيْهِمْ فِيهَا ، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ جِنْسِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي كِتَابِهِ مُتَشَابِهًا ، وَكَانَ الْمَعْنَى الْأَوَّلُ مِنْ جِنْسِ مَا أَنْزَلَهُ عَلَيْهِ فِي كِتَابِهِ مُحْكَمًا . فَكَانَ مَعْنَى قَوْلِهِ : ( الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ ) هُوَ مَا كَانَ مِنْ الْحَلَالِ الْمُحْكَمِ وَمِنْ الْحَرَامِ الْمُحْكَمِ . وَكَانَ مَعْنَى قَوْلِهِ : ( وَبَيْنَ ذَلِكَ أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ ) هُوَ مَا قَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْحَلَالِ الْبَيِّنِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْحَرَامِ الْبَيِّنِ ، كَمِثْلِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ مَا قَدْ رَدَّهُ بَعْضُهُمْ إلَى التَّحْلِيلِ وَرَدَّهُ بَعْضُهُمْ إلَى التَّحْرِيمِ ، وَأَمْثَالُ لذَلِكَ يَكُونُ الدَّلِيلُ يَقُومُ فِي قُلُوبِ بَعْضِهِمْ بِتَحْلِيلِ ذَلِكَ وَفِي قُلُوبِ بَعْضِهِمْ بِتَحْرِيمِهِ ، وَعِنْدَ ذَلِكَ مَا يَتَبَايَنُ أَهْلُ الْوَرَعِ مِمَّنْ سِوَاهُمْ ، فَيَقِفُ أَهْلُ الْوَرَعِ عِنْدَ الشُّبَهِ وَيَتَّهِمُونَ فِيهَا آرَاءَهُمْ وَيُقْدِمُ عَلَيْهَا مَنْ سِوَاهُمْ . فَقَالَ قَائِلٌ : أَفَيَكُونُ هَذَا الَّذِي ذَكَرْتَهُ مَانِعًا لِلْحُكَّامِ مِنْ الْحُكْمِ فِيمَا يَدْخُلُ عَلَيْهِمْ فِيهِ مَا وَصَفْتَهُ . فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْمُفْتَرَضَ عَلَى الْحُكَّامِ فِي ذَلِكَ بَعْدَ اجْتِهَادِ رَأْيِهِمْ فِيهِ إمْضَاءُ مَا يُؤَدِّيهِمْ فِيهِ آرَاؤُهُمْ إلَيْهِ كَمَا أَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ . 857 - كَمَا حدثنا صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ وَبَكْرُ بْنُ إدْرِيسَ بْنِ الْحَجَّاجِ قَالَا : حدثنا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِئُ ، حدثنا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ ، عَنْ ابْنِ الْهَادِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي قَيْسٍ مَوْلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، عَنْ عَمْرٍو أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( إذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ ) . قَالَ : فَحَدَّثتُ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَبَا بَكْرِ بْنَ حَزْمٍ فَقَالَ : هَكَذَا حَدَّثنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَفِي ذَلِكَ مَا قَدْ دَلَّ أَنَّ الْمَفْرُوضَ عَلَى الْحُكَّامِ اسْتِعْمَالُ الِاجْتِهَادِ فِيمَا يَحْكُمُونَ بِهِ ، وَأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ مَعَهُ الصَّوَابُ وَقَدْ يَكُونُ فيهُ الْخَطَأُ ، وَأَنَّهُمْ لَمْ يُكَلَّفُوا فِي ذَلِكَ إصَابَةَ الصَّوَابِ ، وَإِنَّمَا كُلِّفُوا فِيهِ الِاجْتِهَادَ ، وَأَنَّهُ وَاسِعٌ لَهُمْ فِي ذَلِكَ إمْضَاءُ الْحُكُومَاتِ عَلَيْهِ ، ثُمَّ يَرْجِعُ الْمَحْكُومُ لَهُمْ فِي ذَلِكَ إلَى الْمَعْنَى الَّذِي كَانُوا عَلَيْهِ قَبْلَ تِلْكَ الْحُكُومَاتِ لَهُمْ مِنْ الْوَرَعِ عَنْ الدُّخُولِ فِيهَا وَمِنْ الْإِقْدَامِ عَلَيْهَا . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : فَهَلْ يَتَهَيَّأُ لَكَ كَشْفُ ذَلِكَ لَنَا فِي مَسْأَلَةٍ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ حَتَّى نَقِفَ عَلَيْهِ ؟ قُلْنَا لَهُ : نَعَمْ ، قَدْ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي رَجُلٍ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ ، فَقَالَ قَائِلُونَ مِنْهُمْ : قَدْ طَلُقَتْ عَلَيْهِ ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ لَا تَحِلُّ لَهُ بَعْدَهُنَّ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ، وَقَالَ قَائِلُونَ مِنْهُمْ : إنَّهَا يَمِينٌ يَكُونُ بِهَا مُؤلِيًا ، وَقَالَ قَائِلُونَ مِنْهُمْ : إنَّهَا ظِهَارٌ يُكَفِّرُهَا مَا يُكَفِّرُ الظِّهَارَ ، وَقَالَ قَائِلُونَ مِنْهُمْ : إنَّهَا تَطْلِيقَةٌ تَبِينُ بِهَا مِنْهُ إلَّا أَنْ يَعْنِيَ مِنْ الطَّلَاقِ ثَلَاثًا فَيَلْزَمَهُ ذَلِكَ . وَقَالَ قَائِلُونَ مِنْهُمْ : إنَّهَا تَطْلِيقَةٌ يَمْلِكُ فِيهَا رَجَعَتْهَا إلَّا أَنْ يَنْوِيَ مِنْ الطَّلَاقِ أَكْثَرَ مِنْهَا فَيَلْزَمَهُ ذَلِكَ فَكَانَ مَنْ يَلِي مِمَّنْ يَرَى حُرْمَتَهَا عَلَيْهِ بِقَوْلٍ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ ، ثُمَّ خُوصِمَ إلَى حَاكِمٍ لَا يَرَى حُرْمَتَهَا عَلَيْهِ بِهِ وَيَرَى أَنَّهَا بَاقِيَةٌ عَلَى نِكَاحِهِ عَلَى مَا قَدْ قَالَهُ فِي ذَلِكَ مَنْ قَالَهُ مِمَّنْ قَدْ ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِيهِ فَقَضَى لَهُ بِذَلِكَ وَقَعَ فِي اخْتِلَافٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ . فَطَائِفَةٌ مِنْهُمْ تَقُولُ : لَهُ اسْتِعْمَالُ ذَلِكَ وَتَرْكُ رَأْيِهِ فِيهِ الَّذِي يُخَالِفُهُ ، وَمِمَّنْ كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ : مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ . وَطَائِفَةٌ مِنْهُمْ تَقُولُ : بَلْ يَسْتَعْمِلُ فِي ذَلِكَ مَا يَرَاهُ ، وَيَتْرُكُ ذَلِكَ الْحُكْمَ إذْ كَانَ إنَّمَا هُوَ حُكْمٌ لَهُ لَا حُكْمٌ عَلَيْهِ ، وَمِمَّنْ كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ : أَبُو يُوسُفَ ، وَهُوَ أَوْلَى الْقَوْلَيْنِ عِنْدَنَا بِالْحَقِّ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
697 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله في الصعيد المذكور في كتاب الله للمتيمم به عند إعواز الماء ما هو ؟ . 5231 - حدثنا يونس بن عبد الأعلى ، أخبرنا أنس بن عياض الليثي ، عن محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : نصرت بالرعب ، وأوتيت جوامع الكلم ، وجعلت لي الأرض طهورا ومساجد ، وأتيت بمفاتيح خزائن الأرض فتلت في يدي . 5232 - حدثنا المزني ، حدثنا الشافعي ، حدثنا سفيان ، عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي ؛ جعلت لي الأرض كلها مسجدا وطهورا ، ونصرت بالرعب ، وأحلت لي الغنائم ، وأرسلت إلى الأحمر والأبيض ، وأعطيت الشفاعة . قال أبو جعفر : سمعت المزني يقول : قال الشافعي : ثم جلست إلى سفيان ، فذكر هذا الحديث ، قال الزهري : عن أبي سلمة أو سعيد ، عن أبي هريرة ، ثم ذكره . 5233 - وحدثنا صالح بن عبد الرحمن الأنصاري قال : قال عبد الله بن يزيد المقرئ : حدثنا يحيى بن عبد الله بن سالم ، عن حازم بن خزيمة من تيم الرباب ، عن مجاهد المكي ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أعطيت خمسا لم يعطها نبي قبلي ؛ بعثت إلى الناس كافة أحمرهم وأسودهم ، وكان النبي قبلي يبعث إلى أهل بيته أو إلى أهل قريته ، ونصرت على عدوي بالرعب مسيرة شهر أمامي وشهر خلفي ، وأحلت لي الغنائم والأخماس ولم تحل لنبي قبلي ، كانت الأخماس تؤخذ فتوضع ، فينزل عليها نار من السماء فتحرقها ، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ، أصلي فيها حيث أدركتني الصلاة . 5234 - وحدثنا محمد بن خزيمة وفهد قالا : حدثنا عبد الله بن صالح ، حدثني الليث ، حدثني ابن الهاد ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عام غزوة تبوك قام من الليل يصلي ، فاجتمع وراءه رجال من أصحابه يحرسونه ، حتى إذا صلى وانصرف إليهم ، قال : لقد أعطيت الليلة خمسا ما أعطيهن أحد كان قبلي ؛ أرسلت إلى الناس عامة ، وكان من قبلي إنما يرسل النبي إلى قومه ، ونصرت على العدو بالرعب ، ولو كانت بيني وبينه مسيرة شهر ملئ مني رعبا ، وأحلت لي الغنائم ، وكان من قبلي يعظمون أكلها ، كانوا يحرقونها ، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ، أينما أدركتني الصلاة تمسحت وصليت ، وكان من قبلي يعظمون ذلك ، إنما كانوا يصلون في كنائسهم وبيعهم ، والخامسة هي ما هي ! قيل لي : سل ، فإن من قبلك سأل ، فأخرت مسألتي إلى يوم القيامة ، فهي لكم ، ولمن شهد أن لا إله إلا الله . فكان هذا الحديث قد استدل به بعض الناس على أن ما كان من الأرض مسجدا كان منها طهورا ، وممن كان ذهب إلى ذلك أبو حنيفة ، وقد خولف في ذلك ، فقيل : قوله صلى الله عليه وسلم : جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا على الانقسام ، وعلى أن المراد به أن بعضها مسجد وأن بعضها طهور ، وأن الطهور منها خلاف المسجد ، وأنه التراب خاصة دون ما سواه منها مما ليس بتراب ، وممن خالفه في ذلك أبو يوسف ، ورووا في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم . 5235 - ما قد حدثنا فهد ، حدثنا محمد بن سعيد ابن الأصبهاني ، حدثنا محمد بن فضيل ، عن أبي مالك الأشجعي (ح ) ، وما قد حدثنا أحمد بن الحسن ، حدثنا يعقوب بن إسحاق الحضرمي ، حدثنا أبو عوانة ، عن أبي مالك الأشجعي ، ثم اجتمعا جميعا ، فقالا : عن ربيع بن حراش ، عن حذيفة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فضلنا على الناس بثلاث ؛ جعلت لنا الأرض مسجدا ، وجعلت تربتها لنا طهورا ، وجعلت صفوفنا كصفوف الملائكة ، وأعطيت الآيات من آخر سورة البقرة من تحت العرش ، لم يعط منه أحد قبلي ، ولا يعطى منه أحد بعدي . فدل ما في هذا الحديث على أن معنى قوله فيما قد ذكرناه قبله : جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا أن ذلك على الانقسام الذي يوجب بعضها مسجدا وبعضها طهورا ، لا على الجملة التي توجب كلها مسجدا وكلها طهورا كما قال أبو يوسف ، والله نسأله التوفيق .
111 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِيمَا سَكَتَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ . 858 - حدثنا ابْنُ أَبِي دَاوُد ، حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ ، حدثنا عَرْعَرَةُ بْنُ الْبِرِنْدِ ، حدثنا زِيَادُ بْنُ جَصَّاصٍ ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ ، عَنْ ( أُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُمْ سَأَلُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا : أَعَارِيبُ يَأْتُونَنَا بِلُحْمَانٍ مُشَرَّحَةٍ وَالْجُبْنِ وَالسَّمْنِ وَالْفِرَاءِ ، مَا نَدْرِي مَا كُنْهُ إسْلَامِهِمْ ، قَالَ : اُنْظُرُوا مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ فَأَمْسِكُوا عَنْهُ ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَإِنَّهُ عَفَا لَكُمْ عَنْهُ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ) . وَالْأَشْيَاءُ الْمُرَادَةُ فِي هَذَا عِنْدَنَا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ، هِيَ الْأَشْيَاءُ الَّتِي مِنْ جِنْسِ مَا ذُكِرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ تَوْسِعَةً مِنْ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الطَّعَامِ الَّذِي يَأْكُلُونَهُ مِنْ الذَّبَائِحِ الَّتِي أَبَاحَهَا اللَّهُ لَهُمْ مِنْ أَيْدِي مَنْ أَحَلَّ لَهُمْ ذَبَائِحَهُمْ وَحَرَّمَ عَلَيْهِمْ ذَبَائِحَ أَضْدَادِهِمْ مِنْ الْمَجُوسِ وَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ وَجَعَلَ لَهُمْ اسْتِعْمَالَ ظَاهِرِهَا ، وَعَلَى أَنَّهَا مِمَّا أَحَلَّ حَتَّى يَعْلَمُوا مَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا حَرُمَ عَلَيْهِمْ ، وَلَوْ شَاءَ عَزَّ وَجَلَّ لَضَيَّقَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَلَمْ يُبِحْهُمْ أَكْلَ شَيْءٍ مِنْ اللُّحْمَانِ حَتَّى يَعْلَمُوا مَنْ ذَابِحُوهَا ، وَهَلْ هُمْ مِمَّنْ يَحِلُّ ذَبَائِحُهُمْ أَمْ مِمَّنْ سِوَى ذَلِكَ ؟ وَكَانَ فِي ذَلِكَ إعْنَاتُ اللَّهِ تَعَالَى لَهُمْ كَمَا قَالَ : وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ وَلَكِنَّهُ خَفَّفَ ذَلِكَ وَرَفَعَهُ عَنْهُمْ رَحْمَةً مِنْهُ لَهُمْ وَتَفَضُّلًا مِنْهُ عَلَيْهِمْ ، وَخَالَفَ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ الشَّرَائِعِ الَّتِي شَرَعَهَا لَهُمْ فِي دِينِهِ وَتَعَبَّدَهُمْ بِهَا فِيهِ ، وَأَمَرَهُمْ بِطَلَبِ مُشْكِلِهَا مِنْ مُحْكَمِهَا وَمِمَّا يُطْلَبُ مِنْ مِثْلِهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا الْبَابِ ، وَمِثْلُ هَذَا الْحَدِيثِ مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ 859 - مِمَّا قَدْ حدثنا أَبُو أُمَيَّةَ ، حدثنا أَبُو نُعَيْمٍ ، حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ شَرِيكٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَأْكُلُونَ أَشْيَاءَ وَيَتْرُكُونَ أَشْيَاءَ تَقَذُّرًا ، فَبَعَثَ اللَّهُ نَبِيَّهُ وَأَنْزَلَ كِتَابَهُ وَأَحَلَّ حَلَالَهُ وَحَرَّمَ حَرَامَهُ ، فَمَا أَحَلَّ فَهُوَ حَلَالٌ وَمَا حَرَّمَ فَهُوَ حَرَامٌ ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ عَفْوٌ ، ثُمَّ تَلَا : قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا الْآيَةَ 860 - وَمِمَا حدثنا فَهْدٌ ، حدثنا أَبُو نُعَيْمٍ ، حدثنا مُحَمَّدٌ ، عَنْ عَمْرٍو ثُمَّ ذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ . فَالْمُرَادُ بِمَا فِي الْحَدِيثِ عِنْدَنَا هُوَ الْمُرَادُ بِمَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ قَبْلَهُ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَإِيَّاهُ نَسْأَلُ التَّوْفِيقَ .
808 - باب بيان مشكل ما روي عن عبد الله بن مسعود ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من قوله بعد ملاعنته بين الزوجين اللذين لاعن بينهما : لعلها أن تجيء به أسود جعدا وأنها جاءت به كذلك . 6066 - حدثنا يزيد بن سنان ، قال : حدثنا حكيم بن سيف ، قال : حدثنا عيسى بن يونس ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، قال : قال ابن مسعود : قام رجل في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة الجمعة ، فقال : أرأيتم إن وجد رجل مع امرأته رجلا ، فإن هو قتله ، قتلتموه ، وإن هو تكلم جلدتموه ، وإن سكت ، سكت على غيظ شديد ، اللهم احكم . فأنزلت آية اللعان . قال عبد الله : فابتلي به ، وكان رجلا من الأنصار ، جاء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلاعن امرأته ، فلما أخذت امرأته لتلتعن ، قال لها رسول الله : مه فلما أدبرت ، قال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لعلها أن تجيء به أسود جعدا فجاءت به أسود جعدا . 6067 - حدثنا يزيد ، قال : حدثنا الحسن بن عمر بن شقيق ، قال : حدثنا جرير بن عبد الحميد ، عن الأعمش ، ثم ذكر بإسناده مثله حرفا حرفا . قال أبو جعفر : وكان أهل العلم يختلفون في الرجل ينفي حمل امرأته ، فكان بعضهم يقول : يلاعن بينه وبينها عليه ، كما يلاعن بينه وبينها عليه لو كان مولودا قبل ذلك فنفاه ، وهو قوله مالك والشافعي ، وقد كان أبو يوسف ، قال به مرة ، وليس بالمشهور عنه . وكان آخرون يقولون : لا يلاعن بينهما عليه ، لأنه قد يجوز أن يكون ليس بحمل في الحقيقة ، ويستوي عندهم أن يولد بعد ذلك ، فيعلم به أنه كان محمولا به حينئذ ، أو يولد لما لا يجوز أن يكون محمولا به حينئذ ، وممن كان يذهب إلى ذلك أبو حنيفة . وكان آخرون يقولون : لا يلاعن بينهما عليه في حال الحمل به حتى تضعه أمه لوقت يعلم أنه كان محمولا به حين كان النفي من الذي كان محمولا به على فراشه ، وممن كان يقول ذلك منهم محمد بن الحسن ، وهو المشهور عن أبي يوسف ، وقد كان الذين يذهبون إلى الملاعنة بالحمل يحتجون لما قالوه من ذلك بحديث يرويه عبدة بن سليمان ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن عبد الله : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لاعن بالحمل . وكان ذلك الحديث إنما أصله حديثا عيسى وجرير اللذان رويناهما عن الأعمش في هذا الباب ، وليس فيهما ذكر ملاعنة بحمل ، وإنما فيهما ذكر الملاعنة لا ما سواها ، وقد يجوز أن يكون كانت ملاعنة بالقذف ، لا بالحمل . فقال قائل : ففي هذا الحديث من قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لعلها أن تجيء به أسود جعدا ، ففي ذلك ما قد دل على أن الملاعن به هو ذلك الولد الذي قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لعلها أن تجيء به كذلك . فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله - عز وجل - وعونه : أن اللعان لو كان بذلك الولد ، لما اختلف الحكم فيه ، جاءت به أمه أسود جعدا ، أو جاءت به بخلاف ذلك ، إذ كان اللعان قد نفاه عن الملاعن به ، وليس بعد الشبه من الولد الملاعن به بالذي لاعن به محققا أنه ليس منه ، ولا قرب الشبه به يحقق أنه منه ، والله نسأله التوفيق .
112 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْهِ في أَمْرِ الرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ كَانَا اخْتَصَمَا إلَيْهِ فِي أَشْيَاءَ قَدْ كَانَ تَقَادَمَ أَمْرُهَا وَذَهَبَ مَنْ يَعْرِفُهَا أَنْ يَقْسِمَاهَا بَيْنَهُمَا وَأَنْ يُحْلِلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَعْدَ ذَلِكَ صَاحِبَهُ . 861 - حدثنا أَبُو أُمَيَّةَ ، حدثنا قَبِيصَةُ ، حدثنا سُفْيَانُ ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ : ( اخْتَصَمَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ رَجُلَانِ فِي أَرْضٍ قَدْ هَلَكَ أَهْلُهَا وَذَهَبَ مَنْ يَعْلَمُهَا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ ، وَلَمْ يَنْزِلْ عَلَيَّ فِيهِ شَيْءٌ ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَمَنْ أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ مَالِ أَخِيهِ ظُلْمًا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إسْطَامٌ مِنْ نَارٍ فِي وَجْهِهِ ، فَبَكَى الرَّجُلَانِ وَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ حَقِّي لَهُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : تَوَخَّيَا ، ثُمَّ اسْتَهِمَا ثُمَّ لِيُحْلِلْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا صَاحِبَهُ ) . 862 - حدثنا يُونُسُ ، أخبرنَا ابْنُ وَهْبٍ ، حَدَّثنِي أُسَامَةُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَافِعٍ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ أَخْبَرَهُ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ( أَنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ الْأَنْصَارِ أَسْتَأْذَنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَذِنَ لَهُمَا فَاخْتَصَمَا إلَيْهِ فِي أَرْضٍ قَدْ تَقَدَّمَ شَأْنُهَا وَهَلَكَ مَنْ يَعْرِفُ أَمْرَهَا ، فَقَالَ لَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنَّمَا أَقْضِي بَيْنَكُمَا بِجَهْدِ رَأْيِي فِيمَا لَمْ يَنْزِلْ عَلَيَّ ، وَأَنَا أَقْضِي بَيْنَكُمَا عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ مِنْكُمَا وَأَيُّكُمَا كَانَ لَهُ فِي الْكَلَامِ فَضْلٌ عَلَى صَاحِبِهِ فَقَضَيْتُ لَهُ وَأَنَا أَرَى أَنَّهُ حَقُّهُ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ فَإِنَّمَا أَقْضِي لَهُ بِقِطْعَةٍ مِنْ النَّارِ يُطَوَّقُهَا مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ يَأْتِي بِهَا إسْطَامًا فِي عُنُقِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَلَمَّا سَمِعَا ذَلِكَ بَكَيَا جَمِيعًا ، وَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ حَظي لَهُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اذْهَبَا فَاجْتَهِدَا فِي قَسْمِ الْأَرْضِ شَطْرَيْنِ ، ثُمَّ اسْتَهِمَا ، فَإِذَا أَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا نَصِيبَهُ فَلْيُحْلِلْ أَخَاهُ ) . 863 - حدثنا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ ، حدثنا صَفْوَانُ بْنُ عِيسَى ، حدثنا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ ( عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ كُنْت جَالِسَةً عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذْ جَاءَهُ رَجُلَانِ يَخْتَصِمَانِ فِي مَوَارِيثَ وَأَشْيَاءَ قَدْ دَرَسَتْ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنَّمَا أَقْضِي بَيْنَكُمَا بِرَأْيِي مِمَّا لَمْ يَنْزِلْ عَلَيَّ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِقَضِيَّةٍ أَرَاهَا يَقْطَعُ بِهَا قِطْعَةً ظُلْمًا فَإِنَّمَا يَقْطَعُ بِهَا قِطْعَةً مِنْ نَارٍ إسْطَامًا يَأْتِي بِهَا فِي عُنُقِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَبَكَى الرَّجُلَانِ وَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ حَقِّي هَذَا الَّذِي أَطْلُبُ لِصَاحِبِي ، قَالَ : لَا وَلَكِنْ اذْهَبَا تَوَخَّيَا ، ثُمَّ اسْتَهِمَا ثُمَّ يُحْلِلْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا صَاحِبَهُ ) . 864 - حدثنا يُونُسُ ، حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ الْمَدَنِيِّ الصَّائِغِ ، حَدَّثنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ سَمِعَهُ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ : ( جَاءَ رَجُلَانِ مِنْ الْأَنْصَارِ يَخْتَصِمَانِ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَوَارِيثَ بَيْنَهُمَا قَدْ دَرَسَتْ لَيْسَتْ لَهُمَا بَيِّنَةٌ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإِنَّهُ يَأْتِينِي الْخَصْمُ وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَبْلَغَ مِنْ بَعْضٍ فَأَقْضِيَ لَهُ بِذَلِكَ وَأَحْسَبُ أَنَّهُ صَادِقٌ ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ مُسْلِمٍ فَإِنَّمَا هِيَ قِطْعَةٌ مِنْ نَارٍ فَلْيَأْخُذْهَا أَوْ فَلْيَدَعْهَا ، فَبَكَى الرَّجُلَانِ وَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا : حَقِّي لِأَخِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَمَا إذْ قَدْ فَعَلْتُمَا هَذَا فَاذْهَبَا فَاقْتَسِمَا وَتَوَخَّيَا الْحَقَّ ثُمَّ اسْتَهِمَا ، ثُمَّ لِيُحْلِلْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا صَاحِبَهُ ) . 865 - حدثنا ابْنُ مَرْزُوقٍ ، حدثنا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ بْنُ فَارِسَ ، حدثنا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ ثُمَّ ذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ . 866 - حدثنا الرَّبِيعُ الْمُرَادِيُّ ، حدثنا أَسَدُ بْنُ مُوسَى ، حدثنا وَكِيعٌ ، حدثنا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ ثُمَّ ذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ . فَقَالَ قَائِلٌ مِمَّنْ لَا عِلْمَ لَهُ بِوُجُوهِ أَحَادِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِمَّا أُضِيفَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَمْرِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الرَّجُلَيْنِ الْمَذْكُورِينَ فِيهِ بَعْدَ تَقَاسُمِهِمَا مَا اخْتَصَمَا إلَيْهِ فِيهِ بِتَحْلِيلِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ مِنْ حَقٍّ إنْ كَانَ لَهُ فِيمَا أَخَذَهُ صَاحِبُهُ بِحَقِّ الْقِسْمَةِ مُحَالٌ ؛ لِأَنَّ التَّحْلِيلَ إنَّمَا يَعْمَلُ فِيمَا كَانَ فِي ذِمَمِ الْمُحَلِّلِينَ لَا فِيمَا كَانَ فِي أَيْدِيهِمْ مِمَّا هُوَ عَرَضٌ أَوْ حِصَّةٌ فِي عَرَضٍ إلَّا أَنَّ رَجُلًا لَوْ قَالَ لِرَجُلٍ قَدْ حَلَلْتُكَ مِنْ دَارِي الَّتِي لِي فِي يَدِك أَوْ مِنْ عَبْدِي الَّذِي لِي فِي يَدِك أَنَّ ذَلِكَ التَّحْلِيلَ لَا يَمْلِكُ بِهِ الْمُحَلَّلُ شَيْئًا مِنْ رَقَبَةِ تِلْكَ الدَّارِ وَلَا مِنْ رَقَبَةِ ذَلِكَ الْعَبْدِ ، وَهَذَا مِمَّا لَا اخْتِلَافَ فِيهِ وَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ تَقْبَلُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا قَدْ رَوَيْتُمُوهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ أَمْرِهِ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْخَصْمَيْنِ اللَّذَيْنِ اخْتَصَمَا إلَيْهِ بَعْدَ مُقَاسَمَتِهِ صَاحِبَهُ بِتَحْلِيلِهِ مِنْ حَقٍّ إنْ كَانَ لَهُ فِي يَدِهِ . فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ : أَنَّ التَّحْلِيلَ الَّذِي فِي هَذَا الْحَدِيثِ لَمْ يُرِدْ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا تَوَهَّمَهُ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ أَنَّ الشَّيْءَ الَّذِي يَقْتَسِمَانِهِ قَدْ يَكُونُ فِيمَا أَخَذَهُ أَحَدُهُمَا حَقٌّ لِصَاحِبِهِ فَيَكُونُ حَرَامًا عَلَيْهِ أَخْذُهُ ، وَحَرَامًا عَلَيْهِ الِانْتِفَاعُ بِهِ ، وَإِذَا حَلَّلَهُ مِنْهُ حَلَّ لَهُ الِانْتِفَاعُ بِهِ وَكَانَ ذَلِكَ حَرَامًا عَلَيْهِ لَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ التَّحْلِيلُ ، وَكَانَ مَا هُمَا فِيهِ لَا يَقْدِرُ فِيهِ عَلَى تَخْلِيصٍ لَهُمَا مِنْ شَيْءٍ مِنْ أَسْبَابِهِ خِلَافَ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَقْدِرَانِ عَلَى عَقْدِ بَيْعٍ فِيهِ إذْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَا يَدْرِي مَا يُحَاوِلُ بَيْعَهُ مِنْ ذَلِكَ ، وَأَنَّ ذَلِكَ إذَا كَانَ فِي الْبَيْعِ غَيْرَ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ كَانَ فِي الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ كَذَلِكَ أَيْضًا ، وَكَانَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مِنْ الْعَمَلِ فِي ذَلِكَ أَبْعَدَ مِنْ عَمَلِ الْبَيْعِ فِيهِ وَكَانَ الْمَقْدُورُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ التَّحْلِيلَ مِنْ كَوْنِهِ فِي يَدِ الَّذِي لَيْسَ لَهُ الِانْتِفَاعُ بِهِ فَأَمَرَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَقْدُورِ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ وَنَقَلَهُمَا بِهِ مِنْ حَالِ حُرْمَةٍ قَدْ كَانَتْ قَبْلَهُ إلَى حَالِ حِلٍّ خَلْفَهَا ، وَكَانَ مَا كَانَ مِنَّةً مِنْ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي حُكْمِهِ ، وَباَللَّهَ التَّوْفِيقَ .
696 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمن أكل برجل مسلم ، أو اكتسى به ، أو قام به مقام سمعة . 5230 - حدثنا علي بن معبد ، حدثنا روح بن عبادة ، حدثنا ابن جريج قال : قال سليمان يعني ابن موسى : حدثنا وقاص بن ربيعة أن المستورد حدثهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من أكل برجل مسلم أكلة فإن الله عز وجل يطعمه مثلها من جهنم ، ومن اكتسى برجل مسلم ثوبا فإن الله تعالى يكسوه من جهنم مثله ، ومن قام برجل مسلم مقام سمعة فإن الله يقوم به مقام سمعة يوم القيامة . فتأملنا هذا الحديث ، فكان أحسن ما حضرنا فيه من قوله : من أكل برجل أكلة فإن الله تعالى يطعمه من جهنم مثلها أن ذلك على الرجل الذي يأكل بالرجل أموال الناس كالرجل يأخذ أموالهم ليسد بها فقره ، فيأخذها لنفسه ، فهو بذلك من أهل الوعيد المذكور في هذا الحديث ، وهو مثل معنى ما يقال : فلان يأكل بدينه ، وفلان يأكل بعلمه ، وكان معنى : من اكتسى برجل مسلم مثل هذا المعنى أيضا ، وكان معنى : من قام برجل مسلم مقام سمعة ، أي : من قام من أجله مقام سمعة ، لا لمعنى استحق به ذلك ، ولكن ليفضحه ، ويسمع به فيه ، كان من أهل الوعيد المذكور في هذا الحديث ، والله نسأله التوفيق
113 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي الْمُرَادِ بِقَوْلِ الله تَعَالَى : إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا مَنْ هُمْ ؟ . 867 - حدثنا الرَّبِيعُ الْمُرَادِيُّ ، حدثنا أَسَدُ بْنُ مُوسَى ، حدثنا حَاتِمُ بْنُ إسْمَاعِيلَ ، حدثنا بُكَيْر بْنُ مِسْمَارٍ ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : ( لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِيًّا وَفَاطِمَةَ وَحَسَنًا وَحُسَيْنًا عَلَيْهِمْ السَّلَامُ ، فَقَالَ : اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلِي ) . فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْمُرَادِينَ بِمَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ هُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلِيٌّ وَفَاطِمَةُ وَحَسَنٌ وَحُسَيْنٌ 868 - حدثنا فَهْدٌ ، حدثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حدثنا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْبَجَلِيِّ ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلِيٍّ وَفَاطِمَةَ وَحَسَنٍ وَحُسَيْنٍ عَلَيْهِمْ السَّلَامُ : إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) . فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِثْلُ الَّذِي فِي الْأَوَّلِ 869 - حدثنا أَبُو أُمَيَّةَ ، حدثنا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ الْقَطَوَانِيُّ ، حدثنا مُوسَى بْنُ يَعْقُوبَ الزَّمْعِيُّ ، حدثنا ابْنُ هَاشِمِ بْنُ عُتْبَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَعَ فَاطِمَةَ وَالْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ ، ثُمَّ أَدْخَلَهُمْ تَحْتَ ثَوْبِهِ ثُمَّ جَأَرَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى : رَبِّ هَؤُلَاءِ أَهْلِي ، قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ : فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ فَتُدْخِلُنِي مَعَهُمْ ، قَالَ : أَنْتِ مِنْ أَهْلِي ) . فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأُمِّ سَلَمَةَ جَوَابًا مِنْهُ لَهَا عِنْدَ قَوْلِهَا لَهُ : تُدْخِلُنِي مَعَهُمْ ، أَنْتِ مِنْ أَهْلِي ، فَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِهِ أَنَّهَا مِنْ أَهْلِهِ لِأَنَّهَا مِنْ أَزْوَاجِهِ وَأَزْوَاجُهُ أَهْلُهُ ، كَمَا قَالَ فِي حَدِيثِ الْإِفْكِ الَّذِي قَدْ : . 870 - حدثنا يُونُسُ ، حدثنا ابْنُ مَعْبَدٍ ، حدثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاشِدٍ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ وَسَعِيدٍ وَعَلْقَمَةَ وَعُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي حَدِيثِ الْإِفْكِ قَامَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَاسْتَعْذَرَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ فَقَالَ : يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ مَنْ يَعْذِرُنِي مِنْ رَجُلٍ قَدْ بَلَغَ أَذَاهُ فِي أَهْلِي ، وَاَللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي إلَّا خَيْرًا ، وَلَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلًا مَا عَلِمْتُ مِنْهُ إلَّا خَيْرًا ، وَمَا كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِي إلَّا مَعِي ) فَكَانَ قَوْلُهُ : ( مَنْ يَعْذِرُنِي مِنْ رَجُلٍ قَدْ بَلَغَنِي أَذَاهُ فِي أَهْلِي ) يَعْنِي فِي زَوْجَتِهِ الَّتِي كَانَ أَذَاهُ فِيهَا ، فَكَانَ فِي ذَلِكَ مَا قَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّ الزَّوْجَةَ تُسَمَّى بِهَذَا الِاسْمِ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ( قَوْلُهُ لِأُمِّ سَلَمَةَ أَنْتِ مِنْ أَهْلِي ) مِنْ هَذَا الْمَعْنَى أَيْضًا أَنَّهَا مِنْ أَهْلِ الْآيَةِ الْمَتْلُوَّةِ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا قَدْ : . 871 - حدثنا الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَكَمِ الْحِبَرِيُّ الْكُوفِيُّ ، حدثنا مُخَوَّلُ بْنُ مُخَوَّلِ بْنِ رَاشِدٍ الْحَنَّاطُ ، حدثنا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ عَبَّاسٍ الشِّبَامِيُّ ، عَنْ عَمَّارٍ الدُّهْنِيُّ ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ أَفْعَى ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي بَيْتِي : إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا يَعْنِي فِي سَبْعَةٍ : جَبْرِيلُ وَمِيكَائِيلَ وَرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلِيٍّ وَفَاطِمَةَ وَالْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ عَلَيْهِمْ السَّلَامُ ، وَأَنَا عَلَى بَابِ الْبَيْتِ فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَسْتُ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ ؟ قَالَ : إنَّكِ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَمَا قَالَ إنَّكِ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ . 872 - وَمَا قَدْ حدثنا الْحُسَيْنُ أَيْضًا ، حدثنا أَبُو غَسَّانَ مَالِكُ بْنُ إسْمَاعِيلَ ، حدثنا جَعْفَرٌ الْأَحْمَرُ ، عَنْ الْأَجْلَحِ ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ وَعَبْدِ الْمَلِكِ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ : ( جَاءَتْ فَاطِمَةُ بِطَعَامٍ لَهَا إلَى أَبِيهَا وَهُوَ عَلَى مَنَازِلِهِ فَقَالَ : أَيْ بُنَيَّةُ ائْتِينِي بِأَوْلَادِي وَابْنِي وَابْنِ عَمِّك ، قَالَتْ : ثُمَّ جَلَّلَهُمْ أَوْ قَالَتْ : حَوَى عَلَيْهِمْ الْكِسَاءَ فَقَالَ : هَؤُلَاءِ أَهْلُ بَيْتِي وَحَامَّتِي ، فَأَذْهِبْ عَنْهُمْ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا ، قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَنَا مَعَهُمْ ، قَالَ : أَنْتِ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَأَنْتِ عَلَى خَيْرٍ أَوْ إلَى خَيْرٍ ) . 873 - وَمَا قَدْ حدثنا أَبُو أُمَيَّةَ ، حدثنا بَكْرُ بْنُ يَحْيَى بْنِ زَبَّانٍ ، حدثنا مَنْدَلٌ ، عَنْ أَبِي الْجَحَّافِ ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ ، عَنْ ( أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِي فَجَاءَتْهُ فَاطِمَةُ عَلَيْهَا السَّلَامُ بِخَزِيرَةٍ فَقَالَ : ادْعِي لِي بَعْلَكِ فَدَعَتْهُ وَابْنَيْهَا ، فَجَاءَ بِكِسَاءٍ فَحَفَّهُمْ بِهِ ، ثُمَّ أَخَذَ طَرَفَهُ بِيَدِهِ ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ : اللَّهُمَّ إنَّ هَؤُلَاءِ ذُرِّيَّتِي وَأَهْلُ بَيْتِي فَأَذْهِبْ الرِّجْسَ عَنْهُمْ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا ، قَالَتْ : فَرَفَعْتُ الْكِسَاءَ وَأَدْخَلْتُ رَأْسِي فِيهِ فَقُلْتُ : أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ : إنَّكِ عَلَى خَيْرٍ ) . 874 - حدثنا فَهْدٌ ، حدثنا أَبُو غَسَّانَ ، حدثنا فُضَيْلُ بْنُ مَرْزُوقٍ ، عَنْ عَطِيَّةَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، عَنْ ( أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي بَيْتِي إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا فَقُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَسْتُ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ ؟ فَقَالَ : أَنْتِ عَلَى خَيْرٍ إنَّكِ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَفِي الْبَيْتِ عَلِيٌّ وَفَاطِمَةُ وَالْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ ) . 875 - وَمَا قَدْ حدثنا ابْنُ مَرْزُوقٍ ، حدثنا رَوْحُ بْنُ أَسْلَمَ ، حدثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِفَاطِمَةَ : ائْتِينِي بِزَوْجِكِ وَابْنَيْكِ فَجَاءَتْ بِهِمْ فَأَلْقَى عَلَيْهِمْ كِسَاءً فَدَكِيًّا ، ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِمْ ، ثُمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ إنَّ هَؤُلَاءِ آلُ مُحَمَّدٍ فَاجْعَلْ صَلَوَاتِكَ وَبَرَكَاتِكَ عَلَى آلِ مُحَمَّدٍ إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ ، قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ : فَرَفَعْتُ الْكِسَاءَ لِأَدْخُلَ مَعَهُمْ فَجَبَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ : إنَّك عَلَى خَيْرٍ ) . 876 - وَمَا قَدْ حدثنا سُلَيْمَانُ الْكَيْسَانِيُّ ، حدثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادٍ ( ح ) وَمَا قَدْ حدثنا الرَّبِيعُ الْمُرَادِيُّ ، حدثنا أَسَدُ بْنُ مُوسَى قَالَا : حدثنا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ بَهْرَامُ ، حدثنا شَهْرٌ قَالَ : سَمِعْت ( أُمَّ سَلَمَةَ حِينَ جَاءَ نَعْيُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ فَقَالَتْ : قَتَلُوهُ قَتَلَهُمْ اللَّهُ وَعَرُّوهُ وَذَلُّوهُ لَعَنَهُمْ اللَّهُ ، فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَاءَتْهُ فَاطِمَةُ غَدِيَّةً بِبُرْمَةٍ لَهَا قَدْ صَنَعَتْ منهَا عَصِيدَةً تَحْمِلُهَا فِي طَبَقٍ لَهَا حَتَّى وَضَعَتْهَا بَيْنَ يَدَيْهِ ، فَقَالَ لَهَا : أَيْنَ ابْنُ عَمِّكِ ؟ فَقَالَتْ : هُوَ فِي الْبَيْتِ قَالَ : اذْهَبِي فَادْعِيهِ وَائْتِينِي بِابْنَيْكِ قَالَتْ : فَجَاءَتْ تَقُودُ ابْنَيْهَا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، وَعَلِيٌّ فِي أَثَرِهِمْ يَمْشِي حَتَّى دَخَلُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَجْلَسَهُمَا فِي حِجْرِهِ وَجَلَسَ عَلِيٌّ عَلَى يَمِينِهِ وَجَلَسَتْ فَاطِمَةُ عَلَى يَسَارِهِ ، قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ : فَاجْتَبَذَ مِنْ تَحْتِي كِسَاءً حبَيرِا كَانَ بِسَاطًا لَنَا عَلَى الْمَنَامَةِ بِالْمَدِينَةِ فَلَفَّهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا ، فَأَخَذَ بِشِمَالِهِ طَرَفَيْ الْكِسَاءِ وَأَلْوَى بِيَدِهِ الْيُمْنَى إلَى رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، فَقَالَ : اللَّهُمَّ أَذْهِبْ عَنْهُمْ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا ، ثَلَاثَ مِرَارٍ ، قَالَتْ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَسْتُ مِنْ أَهْلِكَ ، قَالَ : بَلَى ، قَالَ : فَادْخُلِي فِي الْكِسَاءِ ، قَالَتْ : فَدَخَلْتُ بَعْدَمَا قَضَى دُعَاءَهُ لِابْنِ عَمِّهِ عَلِيٍّ وَابْنَيْهِ وَابْنَتِهِ فَاطِمَةَ عَلَيْهِمْ السَّلَامُ ) . 877 - وَمَا قَدْ حدثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مَرْوَانَ الْوَاسِطِيُّ أَبُو إِسْحَاقَ ، حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبَانَ الْوَاسِطِيُّ ، حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ الْأَصْبَهَانِيِّ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عُبَيْدٍ الْمَكِّيِّ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ ، عَنْ ( عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ : إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا قَالَتْ : فَدَعَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ وَفَاطِمَةَ فَأَجْلَسَهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ وَدَعَا عَلِيًّا فَأَجْلَسَهُ خَلْفَ ظَهْرِهِ ، ثُمَّ جَلَّلَهُمْ جَمِيعًا بِالْكِسَاءِ ثُمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلُ بَيْتِي فَأَذْهِبْ عَنْهُمْ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا ، قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ : اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْهُمْ قَالَ : أَنْتِ مَكَانَكِ وَأَنْتِ عَلَى خَيْرٍ ) . 878 - وَمَا قَدْ حدثنا فَهْدٌ ، حدثنا سَعِيدُ بْنُ كَثِيرِ بْنِ عُفَيْرٍ ، حدثنا ابْنُ لَهِيعَةَ ، عَنْ أَبِي صَخْرٍ ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ الْبَجَلِيِّ ، عَنْ ( عَمْرَةَ الْهَمْدَانِيَّةِ قَالَتْ : أَتَيْتُ أُمَّ سَلَمَةَ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهَا فَقَالَتْ : مَنْ أَنْتِ فَقُلْتُ : عَمْرَةُ الْهَمْدَانِيَّةُ فَقَالَتْ عَمْرَةُ : يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَخْبِرِينِي عَنْ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي قُتِلَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا ، فَمُحِبٌّ وَمُبْغِضٌ تُرِيدُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ، قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ : أَتُحِبِّينَهُ أَمْ تُبْغِضِينَهُ ؟ قَالَتْ : مَا أُحِبُّهُ وَلَا أُبْغِضُهُ ، فَقَالَتْ : أَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ إلَى آخِرِهَا ، وَمَا فِي الْبَيْتِ إلَّا جِبْرِيلُ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلِيُّ وَفَاطِمَةُ وَحَسَنٌ وَحُسَيْنٌ عَلَيْهِمْ السَّلَامُ ، فَقُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ ؟ فَقَالَ : إنَّ لَك عِنْدَ اللَّهِ خَيْرًا ، فَوَدِدْتُ أَنَّهُ قَالَ نَعَمْ فَكَانَ أَحَبَّ إلَيَّ مِمَّا تَطْلُعُ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَتَغْرُبُ ) . فَدَلَّ مَا رَوَيْنَا فِي هَذِهِ الْآثَارِ مِمَّا كَانَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى أُمِّ سَلَمَةَ مِمَّا ذَكَرَ فِيهَا لَمْ يُرِدْ بِهِ أَنَّهَا كَانَتْ مِمَّنْ أُرِيدَ بِهِ مِمَّا فِي الْآيَةِ الْمَتْلُوَّةِ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَأَنَّ الْمُرَادِينَ بِمَا فِيهَا هُمْ : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلِيٌّ وَفَاطِمَةُ وَحَسَنٌ وَحُسَيْنٌ عَلَيْهِمْ السَّلَامُ ، دُونَ مَنْ سِوَاهُمْ . وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى مُرَادِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ لِأُمِّ سَلَمَةَ فِيمَا رُوِيَ فِي هَذِهِ الْآثَارِ مِنْ قَوْلِهِ لَهَا : ( أَنْتِ مِنْ أَهْلِي ) 879 - مَا قَدْ حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَجَّاجِ الْحَضْرَمِيُّ وَسُلَيْمَانُ الْكَيْسَانِيُّ قَالَا : حدثنا بِشْرُ بْنُ بَكْرٍ الْبَجَلِيُّ ، عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ ، أَخْبَرَني أَبُو عَمَّارٍ ، حَدَّثنِي ( وَاثِلَةُ قَالَ : أَتَيْتُ عَلِيًّا فَلَمْ أَجِدْهُ فَقَالَتْ فَاطِمَةُ : انْطَلَقَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُوهُ ، قَالَ : فَجَاءَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَخَلَا وَدَخَلْتُ مَعَهُمَا ، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ ، فَأَقْعَدَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى فَخِذِهِ وَأَدْنَى فَاطِمَةَ مِنْ حِجْرِهِ وَزَوْجَهَا ، ثُمَّ لَفَّ عَلَيْهِمْ ثَوْبًا وَأَنَا مُنْتَبِذٌ ، ثُمَّ قَالَ : إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ الْآيَةَ ، ثُمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلِي إنَّهُمْ أَهْلُ حَقٍّ ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَنَا مِنْ أَهْلِكَ ؟ قَالَ : وَأَنْتِ مِنْ أَهْلِي ) قَالَ وَاثِلَةُ : فَإِنَّهَا مِنْ أَرْجَى مَا أَرْجُو وَوَاثِلَةُ أَبْعَدُ مِنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ أُمِّ سَلَمَةَ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا هُوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي لَيْثٍ لَيْسَ مِنْ قُرَيْشٍ ، وَأُمُّ سَلَمَةَ مَوْضِعُهَا مِنْ قُرَيْشٍ مَوْضِعُهَا الَّذِي هِيَ بِهِ مِنْهُ ، فَكَانَ قَوْلُهُ لِوَاثِلَةَ : ( أَنْتَ مِنْ أَهْلِي ) عَلَى مَعْنَى لِاتِّبَاعِك إيَّايَ وَإِيمَانِكَ بِي فَدَخَلْتَ بِذَلِكَ فِي جُمْلَتِي . وَقَدْ وَجَدْنَا اللَّهَ قَدْ ذَكَرَ فِي كِتَابِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى بِقَوْلِهِ : وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي فَأَجَابَهُ فِي ذَلِكَ بِأَنْ قَالَ لَهُ : إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَكَمَا جَازَ أَنْ يُخْرِجَهُ مِنْ أَهْلِهِ وَإِنْ كَانَ ابْنَهُ لِخِلَافِهِ إيَّاهُ فِي دِينِهِ جَازَ أَنْ يَدْخُلَ فِي أَهْلِهِ مَنْ يُوَافِقُهُ عَلَى دِينِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ ذَوِي نَسَبِهِ . فَمِثْلُ ذَلِكَ أَيْضًا مَا كَانَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَوَابًا لِأُمِّ سَلَمَةَ : أَنْتِ مِنْ أَهْلِي ، يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى أَيْضًا ، وَأَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ لَهَا ذَلِكَ كَقَوْلِهِ مِثْلَهُ لِوَاثِلَةَ ، وَحَدِيثُ سَعْدٍ وَمَا قَدْ ذَكَرْنَاهُ مَعَهُ مِنْ الْأَحَادِيثِ فِي أَوَّلِ هَذَا الْبَابِ مَعْقُولٌ بِهَا مِنْ أَهْلِ الْآيَةِ الْمَتْلُوَّةِ فِيهَا لِأَنَّا قَدْ أَحَطْنَا عِلْمًا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا دَعَا مَنْ دَعَا مِنْ أَهْلِهِ عِنْدَ نُزُولِهَا لَمْ يَبْقَ مِنْ أَهْلِهَا الْمُرَادِينَ فِيهَا أَحَدًا سِوَاهُمْ ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ اسْتَحَالَ أَنْ يَدْخُلَ مَعَهُمْ فِيمَا أُرِيدَتْ بِهِ سِوَاهُمْ ، وَفِيمَا ذَكَرْنَا مِنْ ذَلِكَ بَيَانُ مَا وَصَفْنَا . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : فَإِنَّ كِتَابَ اللَّهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُمْ الْمَقْصُودُونَ بِتِلْكَ الْآيَةِ لِأَنَّهُ قَالَ قَبْلَهَا فِي السُّورَةِ الَّتِي هِيَ فِيهَا : يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ إلَى قَوْلِهِ : يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ إلَى قَوْلِهِ : الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى فَكَانَ ذَلِكَ كُلُّهُ يُرَدْنَ بِهِ لِأَنَّهُ عَلَى خِطَابِ النِّسَاءِ لَا عَلَى خِطَابِ الرِّجَالِ ، ثُمَّ قَالَ : إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ الْآيَةَ . فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ أَنَّ الَّذِي تَلَاهُ إلَى آخِرِ مَا قَبْلَ قَوْلِهِ : إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ الْآيَةَ خِطَابٌ لِأَزْوَاجِهِ ، ثُمَّ أَعْقَبَ ذَلِكَ بِخِطَابِهِ لِأَهْلِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ الْآيَةَ ، فَجَاءَ عَلَى خِطَابِ الرِّجَالِ لِأَنَّهُ قَالَ فِيهِ : لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ وَهَكَذَا خِطَابُ الرِّجَالِ وَمَا قَبْلَهُ ، فَجَاءَ بِهِ بِالنُّونِ ، وَكَذَلِكَ خِطَابُ النِّسَاءِ ، فَعَقَلْنَا أَنَّ قَوْلَهُ : إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ الْآيَةَ خِطَابٌ لِمَنْ أَرَادَهُ مِنْ الرِّجَالِ بِذَلِكَ لِيُعْلِمَهُمْ تَشْرِيفَهُ لَهُمْ وَرِفْعَتَهُ لِمِقْدَارِهِمْ أَنْ جَعَلَ نِسَاءَهُمْ مَنْ قَدْ وَصَفَهُ لِمَا وَصَفَهُ بِهِ مِمَّا فِي الْآيَاتِ الْمَتْلُوَّاتِ قَبْلَ الَّذِي خَاطَبَهُمْ بِهِ تَعَالَى ، وَممَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا : 880 - مَا قَدْ حدثنا ابْنُ مَرْزُوقٍ ، حدثنا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ ، حدثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إذَا خَرَجَ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ يَقُولُ : الصَّلَاةَ يَا أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ الْآيَةَ . 881 - وَمَا قَدْ حدثنا ابْنُ مَرْزُوقٍ ، حدثنا أَبُو عَاصِمٍ النَّبِيلُ ، عَنْ عُبَادَةَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ ، وَهُوَ ابْنُ مُسْلِمٍ الْفَزَارِيّ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ قَدْ رَوَى عَنْهُ أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ : حَدَّثنِي أَبُو دَاوُد قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ ، وَهُوَ نُفَيْعٌ الْهَمْدَانِيُّ الْأَعْمَى مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ أَيْضًا قَالَ : حَدَّثنِي ( أَبُو الْحَمْرَاءِ قَالَ : صَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ ، كَانَ إذَا أَصْبَحَ أَتَى بَابَ فَاطِمَةَ عَلَيْهَا السَّلَامُ فَقَالَ : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ الْآيَةَ . وَفِي هَذَا أَيْضًا دَلِيلٌ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ مَنْ هُمْ ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ .
809 - باب بيان مشكل ما روي عن عبد الله بن عباس ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذا المعنى . 6068 - حدثنا بكار بن قتيبة ، قال : حدثنا أبو عاصم ، قال : حدثنا ابن جريج ، قال : حدثني يحيى بن سعيد ، عن القاسم بن محمد ، عن ابن عباس : أن رجلا جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : ما لي عهد بأهلي منذ عفرنا النخل ، فوجدت مع امرأتي رجلا ، وزوجها مصفر حمش ، سبط الشعر ، والذي رميت به إلى السواد جعد قطط . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : اللهم بين . ثم لاعن بينهما ، فجاءت به يشبه الذي رميت به . فكان ما في هذا الحديث كالذي في حديث ابن مسعود الذي ذكرناه في الباب الذي قبل هذا الباب ، ولا دليل فيه على أن اللعان كان بذلك الولد ، أو بالقذف دونه . 6069 - وحدثنا الربيع بن سليمان المرادي ، قال : حدثنا عبد الله بن وهب ، قال : أخبرني عبد الرحمن بن أبي الزناد ، عن أبيه ، قال : حدثني القاسم بن محمد ، عن عبد الله بن عباس : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لاعن بين العجلاني وامرأته ، وكانت حبلى ، فقال زوجها : والله ما قربتها منذ عفرنا النخل - والعفر : أن يسقى النخل بعد أن يترك من السقي بعد الإبار بشهرين فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : اللهم بين . فزعموا أن زوج المرأة كان حمش الذراعين والساقين أصهب الشعرة ، وكان الذي رميت به ابن السحماء ، فجاءت بغلام أسود أجلى ، جعدا قططا ، عبل الذراعين ، خدل الساقين . قال القاسم : قال ابن شداد بن الهاد ، يا أبا عباس : هل هي المرأة التي قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لو كنت راجما أحدا بغير بينة لرجمتها ؟ فقال ابن عباس : لا ، ولكن تلك المرأة كانت قد أعلنت في الإسلام . 6070 - حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، قال : حدثنا أبو عامر العقدي ، قال : حدثنا المغيرة بن عبد الرحمن ، عن أبي الزناد ، عن القاسم ، عن ابن عباس ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمعناه . قال أبو جعفر : فكان هذا الحديث أيضا ليس فيه ذكر ملاعنة بحمل ولا لغيره ، فهو كما ذكرناه قبله . 6071 - حدثنا يوسف بن يزيد ، قال : حدثنا عبد الله بن صالح ، قال : حدثني الليث بن سعد ، قال : حدثني يحيى بن سعيد ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن القاسم بن محمد ، عن ابن عباس ، قال : ذكر التلاعن عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال عاصم بن عدي في ذلك قولا ، ثم انصرف ، فأتاه رجل من قومه يشكو إليه أنه وجد مع امرأته رجلا ، فقال عاصم : ما ابتليت بهذا إلا بقولي . فذهب به إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبره بالذي وجد عليه امرأته ، وكان ذلك الرجل مصفرا قليل اللحم ، سبط الشعر ، وكان الذي ادعى عليه أنه وجده عند أهله آدم ، كثير اللحم خدلا ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : اللهم بين . فوضعت شبيها بالرجل الذي ذكر زوجها أنه وجده عندها ، فلاعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم – بينهما . فقال رجل لابن عباس في المجلس : هي التي قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لو رجمت أحدا بغير بينة رجمت هذه . فقال ابن عباس : لا ، تلك امرأة كانت تظهر في الإسلام السوء . 6072 - وحدثنا أبو عبد الرحمن الكثيري المديني - وهو محمد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن كثير بن الصلت الكندي - قال : حدثنا إسماعيل بن أبي أويس ، قال : حدثني سليمان بن بلال ، عن يحيى بن سعيد ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه القاسم ، عن ابن عباس ، أنه قال : ذكر المتلاعنان عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم ذكر بقية حديث يوسف حرفا بحرف . 6073 - وحدثنا أحمد بن شعيب ، قال : أخبرنا يحيى بن محمد بن السكن ، قال : حدثنا محمد بن جهضم ، قال : حدثنا إسماعيل بن جعفر ، عن يحيى ، قال : سمعت عبد الرحمن بن القاسم يحدث ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، قال : ذكر التلاعن عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم ذكر مثل الحديثين اللذين قبله . فكان في إسناد هذا الحديث إدخال عبد الرحمن بن القاسم بين يحيى بن سعيد وبين القاسم بن محمد وكان في متنه ملاعنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين ذينك الزوجين بعد وضع ذلك الحمل ، فانتفى بذلك أن يكون في هذا الحديث حجة لمن يوجب اللعان بالحمل ، وكان القول في الحمل إذا نفي : أن لا لعان به حتى يوضع ، لما يعلم أنه محمول به حين نفي ، ثم يكون اللعان به بعد ذلك كما قال أبو يوسف ومحمد ، وبالله التوفيق .
114 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنَهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي إثْبَاتِ الشُّؤْمِ وَمَا رُوِيَ عَنْهُ فِي نَفْيِهِ . 882 - حدثنا يُونُسُ ، أَخبرنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَني مَالِكٌ وَيُونُسُ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ حَمْزَةَ وَسَالِمٍ ابْنَيْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : ( إنَّمَا الشُّؤْمُ فِي ثَلَاثَةٍ : فِي الْمَرْأَةِ وَالْفَرَسِ وَالدَّارِ ) . 883 - حدثنا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ ، حدثنا الْقَعْنَبِيُّ ، حَدَّثنِي مَالِكٌ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ فَذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ . 884 - حدثنا ابْنُ مَرْزُوقٍ ، حدثنا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ فَذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ حَمْزَةَ . فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ إثْبَاتُ الشُّؤْمِ فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ الْأَشْيَاءِ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي ذَلِكَ مَا مَعْنَاهُ خِلَافُ هَذَا الْمَعْنَى 885 - كَمَا حدثنا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ ، حدثنا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ أَخبرنا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ ، حَدَّثنِي عُتْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( إنْ كَانَ الشُّؤْمُ فِي شَيْءٍ فَفِي ثَلَاثَةٍ : فِي الْفَرَسِ وَالْمَسْكَنِ وَالْمَرْأَةِ ) . فَكَانَ مَا فِي هَذَا عَلَى أَنَّ الشُّؤْمَ إنْ كَانَ ، كَانَ فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ الْأَشْيَاءِ لَا يَتَحَقَّقُ كَوْنُهُ فِيهَا ، وَقَدْ وَافَقَ مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا قَدْ رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ وَسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْمَعْنَى 886 - كَمَا قَدْ حدثنا يُونُسُ ، حدثنا ابْنُ وَهْبٍ أَنَّ مَالِكًا ، حَدَّثهُ ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ سَهْلٍ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( إنْ كَانَ الشُّؤْمُ فِي شَيْءٍ فَفِي ثَلَاثَةٍ : فِي الْمَرْأَةِ وَالْفَرَسِ وَالدَّارِ ) . 887 - كَمَا قَدْ حدثنا الْكَيْسَانِيُّ ، حدثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادٍ ، حدثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ أَنَّهُ سَمِعَ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ يُحَدِّثُ ، عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ . 888 - وَمَا قَدْ حدثنا ابْنُ مَرْزُوقٍ ، حدثنا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ سَمِعَ جَابِرًا يُحَدِّثُ ، عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ سَوَاءً . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ إنْكَارُهَا لِذَلِكَ وَإِخْبَارُهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ إخْبَارًا مِنْهُ عَنْ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَهُ غَيْرَ أَنَّهَا ذَكَرَتْهُ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِالطِّيَرَةِ لَا بِالشُّؤْمِ وَالْمَعْنَى فِيهِمَا وَاحِدٌ ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ كَانَ مَا رُوِيَ عَنْهَا مِمَّا حَفِظَتْهُ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ إضَافَتِهِ ذَلِكَ الْكَلَامَ إلَى أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ أَوْلَى مِمَّا رُوِيَ عَنْ غَيْرِهَا فِيهِ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِحِفْظِهَا عَنْهُ فِي ذَلِكَ مَا قَصَّرَ غَيْرُهَا عَنْ حِفْظِهِ عَنْهُ فِيهِ ، فَكَانَتْ بِذَلِكَ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهَا لَا سِيَّمَا وَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نَفْيِ الطِّيَرَةِ وَالشُّؤْمِ 889 - كَمَا قَدْ حدثنا أَبُو أُمَيَّةَ ، حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ سَابِقٍ ، حدثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا غُولَ وَلَا طِيَرَةَ وَلَا شُؤْمَ ) . 890 - حدثنا ابْنُ مَرْزُوقٍ ، حدثنا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ : سَمِعْت النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَقُولُ : ( لَا عَدْوَى وَلَا صَفَرَ وَلَا غُولَ ) . فَكَانَ فِي ذَلِكَ مَا قَدْ دَلَّ عَلَى انْتِفَاءِ ذَلِكَ الْقَوْلِ الْمُضَافِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي إثْبَاتِهِ الشُّؤْمَ فِي الثَّلَاثَةِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي رَوَيْنَا عَنْهُ أَنَّ الشُّؤْمَ فِيهَا ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي نَفْيِ الشُّؤْمِ أَيْضًا ، وَأَنَّ ضِدَّهُ مِنْ الْيُمْنِ قَدْ يَكُونُ فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ الْأَشْيَاءِ 891 - مَا حدثنا ابْنُ أَبِي دَاوُد ، حدثنا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ ، حدثنا إسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ ، حدثنا سُلَيْمَانُ بْنُ سُلَيْمٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ جَابِرٍ الطَّائِيِّ ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَكِيمٍ ، عَنْ عَمِّهِ مِخْمَرِ بْنِ مُعَاوِيَةَ قَالَ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَقُولُ : ( لَا شُؤْمَ ، وَقَدْ يَكُونُ الْيُمْنُ فِي الْمَرْأَةِ وَالْفَرَسِ وَالدَّابَّةِ ) . هَكَذَا قَالَ ، وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَكَانَ الدَّابَّةِ الدَّارُ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَفِي ذَلِكَ تَحْقِيقُ مَا قَدْ ذَكَرْنَا مِنْ انْتِفَاءِ إثْبَاتِ الشُّؤْمِ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ . فَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ الَّذِي قَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي هَذَا الْبَابِ 892 - فَمَا حدثنا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدِ بْنِ نُوحٍ الْبَغْدَادِيُّ ، حدثنا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، حدثنا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَبِي حَسَّانَ قَالَ : ( دَخَلَ رَجُلَانِ مِنْ بَنِي عَامِرٍ عَلَى عَائِشَةَ فَأَخْبَرَاهَا أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ : إنَّ الطِّيَرَةَ فِي الْمَرْأَةِ وَالدَّارِ وَالْفَرَسِ ، فَغَضِبَتْ وَطَارَتْ شِقَّةٌ مِنْهَا فِي السَّمَاءِ وَشِقَّةٌ فِي الْأَرْضِ ، فَقَالَتْ : وَاَلَّذِي نَزَّلَ الْقُرْآنَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا قَالَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَطُّ ، إنَّمَا قَالَ إنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يَتَطَيَّرُونَ مِنْ ذَلِكَ ) ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
695 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في اختلاف المتبايعين في الثمن قال أبو جعفر : هذا باب يزعم أهل العلم بالأسانيد أن الذي يجدونه فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم هو . 5226 - ما قد حدثناه يزيد بن سنان ، حدثنا المؤمل بن إسماعيل ، حدثنا سفيان الثوري حدثنا معن بن عبد الرحمن ، عن القاسم قال : قال : عبد الله : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : البيعان إذا اختلفا وليس بينهما شاهد ، فالقول ما قال البائع ، أو يترادان . 5227 - وما حدثنا ابن أبي داود ، حدثنا سليمان بن حرب ومسدد قالا : حدثنا حماد بن زيد ، عن أبان بن تغلب ، عن القاسم بن عبد الرحمن أن الأشعث بن قيس اشترى من عبد الله رقيقا من رقيق الإمارة ، فأتاه يتقاضاه ، فاختلفا في الثمن ، فقال له عبد الله : ترضى أن أقضي بيني وبينك بما قضى به النبي صلى الله عليه وسلم ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا اختلف البيعان ، فالقول ما قال البائع ، أو يترادان ، أو يتتاركان . 5228 - وما قد حدثنا بكار بن قتيبة ، حدثنا الحسين بن حفص ، حدثنا سفيان ، حدثنا معن بن عبد الرحمن ، عن القاسم بن عبد الرحمن ، ثم ذكر مثل حديث يزيد عن مؤمل سواء . قال أبو جعفر : فذكرت هذا الباب لأحمد بن شعيب ، وقلت له : هل عندك شيء يتصل برسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال لي : نعم . 5229 - أخبرنا أحمد بن شعيب قال : أخبرنا محمد بن إدريس يعني أبا حاتم ، حدثنا عمر بن حفص بن غياث ، حدثنا أبي ، عن أبي عميس ، حدثني عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث ، عن أبيه ، عن جده قال : قال عبد الله : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إذا اختلف البيعان وليس بينهما بينة ، فهو ما يقول رب السلعة ، أو يتتاركان . قال : فكان هذا الحديث هو الذي وجدناه موصولا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الباب ، وإن كان بعض الناس يذكر أنه يبعد في قلبه لقاء أبي عميس عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث ، لأن عبد الرحمن هذا ممن كان الحجاج قتله ، وذلك مما عسى أن يكون بعد التسعين إلى مئة ، فإن ذلك من قوله عندنا ليس بشيء ، لأن أبا عميس كبير السن ، ولأنه يقول في هذا الحديث : حدثني عبد الرحمن ابن الأشعث وأبو عميس ، فقد روى عن أمثال عبد الرحمن بن محمد من عطاء بن أبي رباح ، ومن الشعبي ، ومن القاسم بن عبد الرحمن . وقد كنت أنا ذكرت هذا الباب قبل هذا لأحمد بن أبي عمران ، وقلت له : عندك شيء متصل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال لي : أما أن أجده منصوصا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا ، ولكن الحجة قد قامت به من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : اليمين على المدعى عليه ، وكان المتبايعان لما اختلفا في ثمن المبيع قد ادعى كل واحد منهما بيعا بثمن غير البيع الذي ادعاه صاحبه بالثمن الذي ادعاه ، فكانا بذلك متداعيين بيعين مختلفين ، وقد عقلنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن اليمين على المدعى عليه ، فعقلنا بذلك أنهما من أجل ذلك يتحالفان ، وتنتفي دعوى كل واحد منهما عن صاحبه ، ويكون العبد بحاله في يد المدعى عليه بغير حجة قامت له على الذي ادعى عليه البيع الذي ادعاه عليه فيه ، وبغير حجة قامت لمدعي البيع عليه بالبيع الذي ادعاه عليه فيه . فإن قال قائل : إن هذين المتداعيين قد أجمعا جميعا على أن المبتاع للعبد قد ثبت البيع فيه ، وإنما اختلفا في الثمن ، فالواجب أن يعودا إلى حكم رجلين ادعى أحدهما على الآخر مالا ، فصدقه في بعضه ، وأنكر بقيته ، فيلزمه ما أقر له به ، ويحلف له إن طلب يمينه على ما بقي مما ادعى عليه منه ، ويكون العبد سالما للمطلوب لاتفاقه وبائعه على ملكه . فكان جوابي له في ذلك أن الأمر ليس في ذلك ، كما ذكروا أن الاختلاف في الثمنين اختلاف في العقدين ، وذلك أني رأيت الرجل إذا ادعى على رجل ألف درهم وخمس مئة ، وأنكر ذلك المدعى عليه ، وأقام عليه المدعي شاهدا بألف وشاهدا بالألف والخمس مئة التي ادعاها أنه يقضى له بالذي اتفق شاهداه عليه ، ورأيت ذلك لو كان منه في دعوى البيع بألف وخمس مئة ، وأقام شاهدين فشهد له أحدهما على ما ادعى ، وشهد له الآخر أن البيع كان بألف أن الشهادة باطلة ، وأنه لا يجب له فيها شيء ، فعقلت : بذلك أن الاختلاف في الثمنين اللذين ذكرنا يوجب دعوى بيعين من المتداعيين ، وأن الاختلاف في مقدار الثمن المدعى به ولا إضافة له إلى ثمن بيع يوجب مالا واحدا مختلفا في مقداره . وإذا كان البيعان مختلفين فيما ذكرنا ، وحلف على ذلك متداعياهما ، وجب فسخ ما ادعاه كل واحد منهما على صاحبه ، ووجب سلامة العبد لمن هو في يده ، إذ لم تقم عليه حجة بما ادعي عليه فيه ، فغنيت بهذا عن طلب الإسناد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حكم المتداعيين في الثمن المختلفين فيه . قال : وقد كان أبو حنيفة وأبو يوسف جميعا يذهبان إلى ما قال هذا القائل الذي حاججته بهذه الحجة ، والذي عندي في ذلك ما قد ذكرته مما قد احتججت به في هذا الباب ، وهو مذهب محمد بن الحسن فيه . ولما قد ذكرت عن أبي حنيفة وأبي يوسف كانا يقولان : إذا اختلفا في ثمن المبيع تحالفا وترادا إذا كان المبيع قائما ، وإذا اختلفا فيه وهو فائت ، كان القول فيه قول المشتري ، قال أبو حنيفة : لأن الذي يوجبه القياس عندي في ذلك كله أن يكون القول قول المشتري ، ولكنه لما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه ما ذكرت ، قلت به ، ورددت الجواب بعده إلى ما يوجبه القياس . قال ابن أبي عمران : ولكني أقول لو لم يكن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا شيء ، لكان القياس يوجب ما قد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه ، وإذا كان ذلك كذلك وجب استعماله في الحي وفي الميت ، لأن ما وجب رده إذا كان حيا وجب رد قيمته إذا كان فائتا . قال أبو جعفر : وهذا معنى لطيف حسن ، وبالله التوفيق .
115 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي الْغُولِ مِنْ إثْبَاتِهِ وَمِنْ نَفْيِهِ . 893 - حدثنا بَكَّارَ ، حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ الْأَسَدِيُّ وَحدثنا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ ، حدثنا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ ، حدثنا سُفْيَانُ ، عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ أَخِيهِ عِيسَى ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ( عَنْ أَبِي أَيُّوبَ أَنَّهُ كَانَ فِي سَهْوَةٍ لَهُ فَكَانَتْ الْغُولُ تَجِيءُ فَتَأْخُذُ ، فَشَكَا ذَلِكَ إلَى النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ لَهُ : إذَا رَأَيْتَهَا فَقُلْ : بِسْمِ اللَّهِ أَجِيبِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخَذَهَا فَحَلَفَتْ أَنْ لَا تَعُودَ ، فَجَاءَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ : مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ قَالَ : حَلَفَتْ أَنْ لَا تَعُودَ ، فَقَالَ : كَذَبَتْ وَهِيَ عَائِدَةٌ ، فَفَعَلَ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ، كُلَّمَا أَخَذَهَا حَلَفَتْ أَنْ لَا تَعُودَ وَيَجِيءُ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَقُولُ : مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ ؟ فَيَقُولُ : حَلَفَتْ أَنْ لَا تَعُودَ ، فَيَقُولُ : كَذَبَتْ وَهِيَ عَائِدَةٌ ، فَأَخَذَهَا فَقَالَتْ لَهُ : إنِّي أُعَلِّمُكَ شَيْئًا إذَا قُلْتَهُ لَمْ يَقْرَبْكَ شَيْءٌ آيَةَ الْكُرْسِيِّ تَقْرَؤُهَا فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ ؟ فَقَالَ : قَالَتْ آيَةُ الْكُرْسِيِّ فَاقْرَأْهَا فَإِنَّهُ لَا يَقْرَبُك شَيْءٌ ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ : صَدَقَتْ وَهِيَ كَذُوبٌ ) . فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ إثْبَاتُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْغُولَ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا الْبَابِ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : لَا غُولَ ، فَفِي ذَلِكَ نَفْيُهُ لِلْغُولِ . فَقَالَ قَائِلٌ : أن قَدْ يَكُونُ هَذَا عَلَى التَّضَادِّ . فقِيلَ لَهُ : لَيْسَ ذَلِكَ بِحَمْدِ اللَّهِ عَلَى التَّضَادِّ إذْ كَانَ قَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْغُولُ قَدْ كَانَ مَا فِي حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ ، ثُمَّ رَفَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ عِبَادِهِ عَلَى مَا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ وَذَلِكَ أَوْلَى مَا حُمِلَتْ عَلَيْهِ الْآثَارُ الْمَرْوِيَّةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا وَفِيمَا أَشْبَهَهُ ومَا وُجِدَ السَّبِيلُ إلَى ذَلِكَ .
810 - باب بيان مشكل ما روي عن عبد الله بن عمرو ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذا المعنى . 6074 - حدثنا أحمد بن شعيب ، قال : حدثنا أحمد بن إبراهيم ابن محمد - وقد زعموا أنه البسري - قال : حدثنا ابن عائذ ، قال : حدثنا الهيثم بن حميد ، قال : أخبرني ثور بن يزيد ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده : أن رجلا من الأنصار من بني زريق قذف امرأته ، فأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرد ذلك أربع مرات على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأنزل الله آية الملاعنة ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أين السائل ؟ إنه قد نزل من الله أمر عظيم ، فأبى الرجل إلا يلاعنها ، وأبت إلا أن تدرأ عن نفسها العذاب ، فتلاعنا ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إما هي تجيء به أصيفر أخينس منسول العظام ، فهو للملاعن ، وإما تجيء به أسود كالجمل الأورق ، فهو لغيره فجاءت به أسود كالجمل الأورق ، فدعا به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجعله لعصبة أمه ، : فقال لو ما الأيمان التي مضت ، لكان لي فيه كذا وكذا . قال أبو جعفر : فكان هذا الحديث كما رويناه قبله مما ليس فيه بيان أن الملاعن به كان هو الحمل والقذف ، غير أن فيه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جعل المولود لعصبة أمه ، ففي ذلك ما يوجب أن اللعان كان به ، وإذا ثبت أن اللعان كان به ، فوقع الاختلاف فيه بين عبد الله بن عباس وبين عبد الله بن عمرو ، فقال أحدهما : كان قبل وضع أمه إياه ، وقال الآخر : كان بعد وضعها إياه ، كان من أثبت منهما تقدم وضع أمه إياه اللعان به ، أولى ممن نفاه ، وبالله التوفيق .
116 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ قَوْلِهِ : ( أَقِرُّوا الطَّيْرَ عَلَى مَكِنَاتِهَا ) . 894 - حدثنا الْمُزَنِيّ ، حدثنا الشَّافِعِيُّ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ سِبَاعِ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنْ أُمِّ كُرْزٍ ( قَالَتْ : أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحُدَيْبِيَةِ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ : أَقِرُّوا الطَّيْرَ عَلَى مَكنَاتِهَا ) . فَسَمِعْتُ الْمُزَنِيّ يَقُولُ : قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي قَوْلِهِ : ( أَقِرُّوا الطَّيْرَ عَلَى مَكِنَاتِهَا ) كَانَ أَحَدُهُمْ إذَا غَدَا مِنْ مَنْزِلِهِ يُرِيدُ أَمْرًا يُطَيِّرُ أَوَّلَ طَائِرٍ يَرَاهُ ، فَإِنْ سَنَحَ عَنْ يَسَارِهِ فَاجْتَالَ عَنْ يَمِينِهِ قَالَ : هَذِهِ طَيْرُ الْأَيَامِنِ ، فَمَضَى فِي حَاجَتِهِ وَرَأَى أَنَّهُ سَيَسْتَنْجِحُهَا ، وَإِنْ سَنَحَ عَنْ يَمِينِهِ فَمَرَّ عَنْ يَسَارِهِ قَالَ : هَذِهِ طَيْرُ الْأَشَائِمِ فَرَجَعَ وَقَالَ : هَذِهِ حَاجَةٌ مَشْؤُومَةٌ ، وَإِذَا لَمْ يَرَ طَائِرًا سَانِحًا وَرَأَى طَائِرًا فِي وَكْرِهِ حَرَّكَهُ مِنْ وَكْرِهِ لِيَطِيرَ ، فَيَنْظُرَ مَا يَسْلُكُ لَهُ مِنْ طَرِيقِ الْأَشَائِمِ أَوْ مِنْ طَرِيقِ الْأَيَامِنِ فَيُشْبِهُ قَوْلَهُ : ( أَقِرُّوا الطَّيْرَ فِي مَكِنَاتِهَا ) أَيْ لَا تُحَرِّكُوهَا ، فَإِنَّ تَحْرِيكَهَا وَمَا تَعْمَلُونَ لَهُ مِنْ الطِّيَرَةِ لَا يَصْنَعُ شَيْئًا ، وَإِنَّمَا يَصْنَعُ فِيمَا تَتَوَجَّهُونَ لَهُ قَضَاءُ اللَّهِ تَعَالَى 895 - حدثنا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي عِمْرَانَ قَالَ : سَمِعْت الْحَارِثَ بْنَ سُرَيْجٍ النَّقَّالَ يَقُولُ : كُنَّا عِنْدَ ابْنِ عُيَيْنَةَ وَمَعَنَا الشَّافِعِيُّ فَحدثنا سُفْيَانُ يَوْمَئِذٍ بِحَدِيثِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ هَذَا ثُمَّ الْتَفَتَ إلَى الشَّافِعِيِّ فَسَأَلَهُ عَنْ مَعْنَاهُ ، فَأَجَابَهُ الشَّافِعِيُّ بِهَذَا الْجَوَابِ بِعَيْنِهِ فَلَمْ يُنْكِرْهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَلَيْهِ وَأَمْسَكَ . وَسَمِعْتُ يُونُسَ وَالرَّبِيعَ الْمُرَادِيَّ جَمِيعًا يُحَدِّثَانِ عَنْ الشَّافِعِيِّ فِي تَفْسِيرِ هَذَا الْحَدِيثِ بِهَذَا الْمَعْنَى بِعَيْنِهِ ، غَيْرَ أَنَّهُمَا لَمْ يَذْكُرَا فِيهَا إلَّا سَنُوحَهُ عَنْ يَمِينِهِ وَسَنُوحَهُ عَنْ يَسَارِهِ ، وَلَمْ يَذْكُرَا الِاجْتِيَالَ . فَهَذَا جَوَابٌ حَسَنٌ يُغْنِينَا عَنْ الْكَلَامِ فِي هَذَا الْبَابِ بِغَيْرِ مَا ذَكَرْنَا فِيهِ عَنْ الشَّافِعِيِّ ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ .
694 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه ، هل يقومان عنه من طريق الإسناد أم لا ؟ قال أبو جعفر : الذي وجدناه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مما لا يتدافع صحته أهل الأسانيد . 5217 - ما قد حدثنا ابن أبي مريم ، حدثنا الفريابي ، حدثنا نافع بن عمر الجمحي ، عن ابن أبي مليكة ، عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : اليمين على المدعى عليه . 5218 - وحدثنا يونس ، أخبرنا ابن وهب ، أخبرنا ابن جريج ، عن ابن أبي مليكة ، عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء قوم وأموالهم ، ولكن اليمين على المدعى عليه . فنظرنا في هذا الحديث ، فوجدنا ابن أبي مليكة لم يأخذه عن ابن عباس سماعا ، وإنما أخذه عنه بكتابه به إليه . 5219 - كما قد حدثنا نصر بن مرزوق ، حدثنا خالد بن نزار الأيلي ، أخبرنا نافع بن عمر ، عن ابن أبي مليكة قال : كنت عاملا لابن الزبير على الطائف ، فكتبت إلى ابن عباس : إن امرأتين كانتا في بيت تخرزان حصيرا لهما ، فأصابت إحداهما يد صاحبتها بالإشفى ، فخرجت وهي تدمي ، وفي الحجرة حداث ، فقالت : أصابتني ، فأنكرت ذلك الأخرى ، فكتب إلي ابن عباس : إن النبي صلى الله عليه وسلم قضى أن اليمين على المدعى عليه ، ولو أن الناس أعطوا بدعواهم لادعى أناس من الناس دماء ناس وأموالهم ، فادعها فاقرأ عليها هذه الآية : إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا ([ آل عمران : 77 ] ، فقرأت عليها الآية ، فاعترفت . قال نافع : وحسبت أنه قال : فبلغ ذلك ابن عباس فسره . فوقفنا بذلك على أن هذا الحديث إنما حدث به ابن أبي مليكة عن كتاب ابن عباس به إليه ، لا عن سماعه إياه منه . ثم نظرنا ، هل روي ذلك عن ابن عباس بمعنى أقوى من معنى المكاتبة ؟ . 5220 - فوجدنا إبراهيم بن مرزوق قد حدثنا قال : حدثنا حبان بن هلال ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن عطاء بن السائب ، عن أبي يحيى ، عن عبد الله بن عباس أن رجلين اختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم الطالب البينة على ما ادعى عنده ، فلم يكن له بينة ، فاستحلف المطلوب بالله الذي لا إله إلا هو ، [ فحلف بالله الذي لا إله إلا هو ] ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنك قد فعلت ، ولكن الله قد غفر لك بقولك : لا إله إلا الله . فوقفنا بهذا الحديث على سؤال رسول الله صلى الله عليه وسلم الطالب البينة على ما ادعاه عنده ، وأنه لما لم يكن له بينة استحلف له المطلوب على ما استحلفه له عليه . فكان هذا عن ابن عباس أقوى من الحديث الأول ، وكان فيه ما يدل على أن ما في الحديث الأول مأثور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفيه أيضا سؤال رسول الله صلى الله عليه وسلم الطالب البينة ، فدل ذلك على أن البينة مطلوبة من الطالب كاليمين مطلوبة من المطلوب ، وقد روي هذا المعنى أيضا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير طريق ابن عباس . 5221 - كما حدثنا فهد وهارون بن كامل قالا : حدثنا علي بن معبد ، حدثنا عبيد الله بن عمرو ، عن زيد بن أبي أنيسة ، عن الأعمش ، عن شقيق بن سلمة ، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من حلف على يمين صبر ليقتطع بها مالا هو فيها فاجر ، لقي الله وهو عليه غضبان ، وقد نزل تصديق ذلك في كتاب الله عز وجل : إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا ([ آل عمران : 77 ] الآية كلها ، فمر عليه الأشعث بن قيس ، فقال : بم يحدثكم ابن مسعود ؟ قالوا : حدثنا بكذا وكذا ، قال : صدق والله ، إن نزلت هذه الآية في وفي صاحب لي كان بيني وبينه بئر في أرض ، فقال : هي لي ، فأتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاختصمنا إليه ، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : هل لك من شهود ؟ فقلت : لا ، فقال لصاحبي : احلف ، فحلف ، فعند ذلك نزلت هذه الآية . 5222 - وكما قد حدثنا محمد بن سنان الشيزري ، حدثنا هشام بن عمار ، حدثنا صدقة بن خالد ، حدثنا المسعودي ، عن عاصم بن أبي النجود ، عن شقيق ، عن عبد الله ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من حلف على يمين ليقتطع بها مال مسلم لقي الله تعالى يوم يلقاه وهو عليه غضبان ، ثم قرأ عبد الله : إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا (إلى آخر الآية ، فقال الأشعث بن قيس : نزلت هذه الآية في ، كان بيني وبين رجل مماراة على أرض ، فأتينا النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : بينتك ، فقلت : ليس لي بينة ، قال : فيحلف ، قلت : إذا يذهب مالي ، فنزلت هذه الآية : إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا ( . 5223 - وكما حدثنا بحر بن نصر ، حدثنا عبد الله بن وهب ، حدثني سليمان بن بلال أن يحيى بن سعيد حدثه أن أبا الزبير أخبره ، عن عدي بن عدي ، عن أبيه أنه قال : أتى رجلان يختصمان إلى النبي صلى الله عليه وسلم في أرض ، فقال أحدهما : هي لي ، وقال الآخر : هي لي ، حزتها وقبضتها ، فقال : فيها اليمين للذي بيده الأرض ، فلما تفوه ليحلف قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : أما إنه من حلف على مال امرئ مسلم لقي الله تعالى وهو عليه غضبان ، قال : فمن تركها ؟ قال : كان له الجنة . 5224 - وكما حدثنا فهد ، حدثنا أبو نعيم ، حدثنا الحارث بن سليمان الكندي ، حدثني كردوس الثعلبي ، عن أشعث بن قيس الكندي أن رجلا من كندة ورجلا من حضر موت اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أرض باليمن ، فقال الحضرمي : يا رسول الله ، أرضي ، اغتصبنيها أبو هذا ، فقال للكندي : ما تقول ؟ قال : أقول إنها أرضي وفي يدي ، ورثتها من أبي ، فقال للحضرمي : هل لك بينة ؟ قال : لا ، ولكن يحلف يا رسول الله بالله الذي لا إله إلا هو : ما يعلم أنها أرضي اغتصبها أبوه . قال : فتهيأ الكندي لليمين ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنه لا يقطع رجل مالا بيمينه إلا لقي الله يوم يلقاه وهو أجذم ، فردها الكندي 5225 - وكما حدثنا ابن أبي مريم ، حدثنا الفريابي ، حدثنا الحارث بن سليمان ، ثم ذكر هذا الحديث بإسناده . وقد كنا ذكرنا فيما تقدم منا في كتابنا هذا حديث وائل بن حجر في خصومة امرئ القيس بن عابس مع ربيعة بن عيدان إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وقوله للطالب منهما : بينتك ، وقوله للطالب أيضا لما قال في يمينه : أيطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها له منه أن يذهب بها ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك : ليس لك إلا ذلك . وفيما ذكرناه في هذا الباب قيام الحجة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بوجوب البينة على المدعي ، وبوجوب اليمين على المدعى عليه ، والله عز وجل نسأله التوفيق .
117 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْهِ فِي أَمْرِهِ عَلَيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فِي حَجِّهِ بِالْقِيَامِ عَلَى بُدْنِهِ وَبِمَا أَمَرَهُ بِهِ فِي ذَلِكَ وَخَاطَبَهُ بِهِ فِيهِ . 896 - حدثنا يُونُسُ ، حدثنا سُفْيَانُ ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ ( عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : أَمَرَنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ أُقِيمَ عَلَى بُدْنِهِ وَأَنْ أَقْسِمَ جُلُودَهَا وَجِلَالَهَا وَأَمَرَنِي أَنْ لَا أُعْطِيَ الْجَازِرَ مِنْهَا شَيْئًا ، وَقَالَ : نَحْنُ نُعْطِيهِ مِنْ عِنْدِنَا ) . فَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ عَبْدُ الْكَرِيمِ الَّذِي رُوِى هَذَا الْحَدِيثُ عَنْهُ هُوَ عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ مَالِكٍ الْجَزَرِيُّ ، وَهُوَ حُجَّةٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ فِي الْحَدِيثِ . وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ هُوَ عَبْدُ الْكَرِيمِ أَبُو أُمَيَّةَ وَلَيْسَ عِنْدَهُمْ بِحُجَّةٍ فِي الْحَدِيثِ ، فَكَشَفْنَا عَنْ ذَلِكَ لِنَقِفَ عَلَى حَقِيقَتِهِ 897 - حدثنا يُونُسُ بْنُ مَعْبَدٍ ، حدثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ ( عَلِيٍّ قَالَ : بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى الْجَزَّارِ الَّذِي يَجْزُرُ بُدْنَهُ فَأَمَرَنِي أَنْ أَتَصَدَّقَ بِأَجِلَّتِهِنَّ وَلُحُومِهِنَّ وَجُلُودِهِنَّ وَلَا أُعْطِيه مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ، وَقَالَ : أَنَا أُعْطِيهِ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ ) . 898 - حدثنا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ ، حدثنا أَبُو عَاصِمٍ ، حدثنا سَيْفُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ ، حدثنا مُجَاهِدٌ ، حَدَّثني ابْنُ أَبِي لَيْلَى ، حدثنا ( عَلِيٌّ قَالَ : أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبُدْنِهِ بِلُحُومِهَا فَقَسَمْتُهُ وَأَمَرَنِي بِجِلَالِهَا فَقَسَمْتُهَا وَأَمَرَنِي بِجُلُودِهَا فَقَسَمْتُهَا ) . 899 - حدثنا يَزِيدُ ، حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ، حدثنا سُفْيَانُ ، حدثنا ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ ( عَلِيٍّ قَالَ : بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْبُدْنِ ) ، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَهُ . 900 - حدثنا الرَّبِيعُ الْمُرَادِيُّ ، حدثنا أَسَدٌ ، حدثنا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ ، أَخْبَرَني حَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ أَنَّ مُجَاهِدًا أَخْبَرَهُ أَنَّ ابْنَ أَبِي لَيْلَى ( أَخْبَرَهُ أَنَّ عَلِيًّا أَخْبَرَهُ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ أَمَرَهُ أَنْ يَقُومَ عَلَى بُدْنِهِ وَأَمَرَهُ أَنْ يَقْسِمَ بُدْنَهُ كُلَّهَا بِلُحُومِهَا وَجِلَالِهَا وَجُلُودِهَا فِي الْمَسَاكِينِ ، وَلَا يُعْطِي فِي جِزَارَتِهَا مِنْهَا شَيْئًا ) قُلْت لِلْحَسَنِ : هَلْ سَمَّى فِيمَنْ يَقْسِمُ بَيْنَهُمْ ذَلِكَ ؟ قَالَ : لَا . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ بَيَانُ مَنْعِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِيًّا مِنْ إعْطَاءِ الْجَزَّارِ مِنْهَا شَيْئًا أَنَّهُ كَانَ فِي جِزَارَتِهِ إيَّاهَا الَّتِي يَسْتَحِقُّهَا ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يُرِدْ بِهِ أَن لَّا يُعْطِيَهُ إنْ كَانَ مِسْكِينًا مِنْهَا كَمَا يُعْطِي مَنْ سِوَاهُ مِنْ الْمَسَاكِينِ مِنْهَا 901 - وَحدثنا الْحَسَنُ بْنُ بَكْرٍ الْمَرْوَزِيِّ ، حدثنا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ ، أَخبرنا إسْرَائِيلُ أَخبرنا عَبْدُ الْكَرِيمِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ : ( أَهْدَى رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِائَةَ بَدَنَةٍ فِيهَا جَمَلُ أَبِي جَهْلٍ مَزْمُومٌ بِبُرَّةِ فِضَّةٍ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِتِّينَ مِنْهَا يَعْنِي نَحَرَهَا بِيَدِهِ وَأَعْطَى عَلِيًّا أَرْبَعِينَ ، وَقَالَ : تَصَدَّقْ بِجِلَالِهَا وَلَا تُعْطِ الْجَزَّارَ مِنْهَا شَيْئًا ) . فَسَأَلَ سَائِلٌ عَن مَّا فِي هَذِهِ الْآثَارِ مِنْ الْفَوَائِدِ مِنْ وُجُوهِ الْفِقْهِ . فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ : أَنَّ فِيهَا ثَمَانِيَ فَوَائِدَ مِنْ ذَلِكَ الْجِنْسِ فَمِنْهَا : أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَدْ كَانَ مِنْ حُكْمِهِ فِي بُدْنِهِ أَنْ يُوَلِّيَ غَيْرَهُ نَحْرَهَا عَنْهُ فَيَكُونَ ذَلِكَ النَّحْرُ الَّذِي يَتَوَلَّاهُ مَأْمُورُهُ بِذَلِكَ نَحْرًا مُخَالِطًا لِنِيَّتِهِ بِغَيْرِ نِيَّةٍ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مُخَالِطَةٍ لَهُ ، وَقَدْ كَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَوْ تَوَلَّى نَحْرَهَا بِنَفْسِهِ احْتَاجَ أَنْ تَكُونَ نِيَّتُهُ لِمَا يُرِيدُهَا لَهُ مُخَالِطَةً لِنَحْرِهِ إيَّاهَا ، وَغَنِيٌّ عَنْ ذَلِكَ يَعُودُ هَذَا الْمَعْنَى بِمِثْلِهِ مِنْ مَأْمُورِهِ ، وَهَذَا بَابٌ جَلِيلُ الْمِقْدَارِ مِنْ الْفِقْهِ . وَفِيهِ أَيْضًا أَمْرُهُ عَلِيًّا بِالصَّدَقَةِ بِأَجِلَّةِ بُدْنِهِ وَخُطُمِهَا وَفِي ذَلِكَ مَا قَدْ دَلَّ أَنَّ مَا أُرِيدَ لِلْبُدْنِ مِنْ جِلَالٍ وَخِطَامٍ يَرْجِعُ إلَى حُكْمِهَا وَيُمْتَثَلُ فِيهِ مَا يُمْتَثَلُ فِيهَا مِنْ هَذَا الْمَعْنَى . وَفِيهِ أَيْضًا إجَازَتُهُ لِعَلِيٍّ اسْتِئْجَارَ مَنْ يَنْحَرُهَا بِأُجْرَةٍ تَكُونُ إمَّا فِي ذِمَّتِهِ ، وَإِمَّا فِي ذِمَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَتْ بِعَيْنِهَا ، وَأَنَّهُ جَائِزٌ لَهُ فِي ذَلِكَ مِلْكُ عَمَلٍ بِغَيْرِ عَيْنِهِ عَلَى الْجَزَّارِ بِأُجْرَةٍ بِغَيْرِ عَيْنِهَا يَمْلِكَهَا الْجَزَّازُ عَلَى جِزَارَتِهِ ، وَمُخَالَفَتُهُ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ الْعُقُودِ فِي الْبِيَاعَاتِ عَلَى الْأَشْيَاءِ الَّتِي لَيْسَتْ بِأَعْيَانٍ بِأَبْدَالِ الَّتِي لَيْسَتْ بِأَعْيَانٍ ، وَرَدِّهِ ذَلِكَ فِي الْعُقُودِ فِي الْبِيَاعَاتِ إلَى الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ الَّذِي نَهَى عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ 902 - كَمَا حدثنا بَكَّارَ وَابْنُ مَرْزُوقٍ قَالَا : حدثنا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ الرَّبَذِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ . وَهُوَ الدَّيْنُ بِالدَّيْنِ ، وَاحْتَمَلَ أَهْلُ الْحَدِيثِ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ وَإِنْ كَانَ فِيهَا مَا فِيهَا ، وَهَذَا بَابٌ جَلِيلٌ أَيْضًا مِنْ الْفِقْهِ . وَفِيهِ أَيْضًا ( أَنَّ الْبُدْنَ قَدْ كَانَ لَهُ فِيمَا نَحَرَ عَنْهُ مِنْهَا وَلِعَلِيٍّ فِيمَا نَحَرَ مِنْهَا عَنْهُ أَنْ يَأْكُلَا مِنْ لُحُومِهَا وَقَدْ فَعَلَا ذَلِكَ فَأَكَلَا مِنْ لُحُومِهَا ) 903 - كَمَا قَدْ حدثنا الرَّبِيعُ الْمُرَادِيُّ ، حدثنا أَسَدٌ ، حدثنا حَاتِمٌ ، حدثنا جَعْفَرٌ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : دَخَلْنَا عَلَى جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فَحدثنا ( أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ فِي يَوْمِ النَّحْرِ انْصَرَفَ إلَى الْمَنْحَرِ فَنَحَرَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بِيَدِهِ ، وَأَعْطَى عَلِيًّا فَنَحَرَ مَا غَبَرَ وَأَشْرَكَهُ فِي هَدْيِهِ ، ثُمَّ أَمَرَ مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ بِبَضْعَةٍ فَجُعِلَتْ فِي قِدْرٍ فَطُبِخَتْ فَأَكَلَا مِنْ لَحْمِهَا وَشَرِبَا مِنْ مَرَقِهَا ) . وَفِيهِ أَيْضًا إجَازَتُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ الشَّرِكَةَ فِي الْهَدَايَا ، وَفِيهِ أَيْضًا إبَاحَتُهُ الْأَكْلَ مِنْهَا . وَفِيهِ مَا قَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْأُجْرَةَ فِيمَا يَسْتَأْجِرُهُ الرَّجُلُ لِغَيْرِهِ تَجِبُ عَلَى الْوَكِيلِ الَّذِي تَوَلَّى الْإِجَارَةَ لَا عَلَى الْمُوَكِّلِ الَّذِي تُوُلِّيَتْ لَهُ الْإِجَارَةُ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ خَاطَبَ عَلِيًّا أَنْ لَا يُعْطِيَهُ عَنْ أُجْرَتِهِ مِنْ لُحُومِ الْبُدْنِ شَيْئًا وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ لَيْسَ عَلَى عَلِيٍّ لَغَنَي عَنْ نَهْيِهِ إيَّاهُ ، عَنْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَطْلُوبٍ بِهِ ؛ وَلِأَنَّ الْأُجْرَةَ لَيْسَتْ عَلَيْهِ ، وَإِنَّمَا هِيَ عَلَى مُوَكِّلِهِ بِمَا تَوَلَّاهُ مِمَّا يُسْتَحَقُّ فِيهِ الْأُجْرَةُ ، وَفِيهِ أَيْضًا إجَازَتُهُ اسْتِعْمَالَ الْفِضَّةِ فِي الْبُرَّةِ لِلْهَدَايَا وَأَنَّ ذَلِكَ بِخِلَافِ اسْتِعْمَالِهَا فِي الْأَكْلِ فِيهَا وَفِي الشُّرْبِ فِيهَا ، وَاَللَّهَ نَسْأَلُ التَّوْفِيقَ .
811 - باب بيان مشكل ما روي عن أنس بن مالك ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذا المعنى . 6075 - حدثنا بكار بن قتيبة ، قال : حدثنا وهب بن جرير ، قال : حدثنا هشام ، عن محمد ، عن أنس بن مالك : أن هلال بن أمية قذف امرأته بشريك ابن سحماء ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : انظروها ، فإن جاءت به أبيض سبطا ، قضيء العينين ، فهو لهلال بن أمية ، وإن جاءت به أكحل جعدا ، حمش الساقين ، فهو لشريك بن سحماء ، فجاءت به أكحل جعدا ، حمش الساقين . 6076 - حدثنا فهد بن سليمان ، قال : حدثنا محمد بن كثير ، عن مخلد بن حسين ، عن هشام ، عن ابن سيرين ، عن أنس بن مالك : أن هلال بن أمية قذف شريك بن سحماء بامرأته ، فرفع ذلك إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : ائت بأربعة شهداء ، وإلا فحد في ظهرك . قال : والله يا رسول الله ، إن الله يعلم أني صادق . فجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول له : أربعة وإلا فحد في ظهرك . فقال : والله يا رسول الله ، إن الله يعلم أني لصادق يقول ذلك مرارا ، ولينزلن الله عليك ما يبرئ به ظهري من الجلد . فنزلت آية اللعان : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ فدعا هلالا ، فشهد أربع شهادات بالله : إنه لمن الصادقين ، والخامسة : أن لعنة الله عليه ، إن كان من الكاذبين ، ثم دعيت المرأة ، فشهدت أربع شهادات بالله : إنه لمن الكاذبين ، فلما كان عند الخامسة ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : فإنها موجبة ، فتكأكأت حتى ما شككنا أنها ستقر ، ثم قالت : لا أفضح قومي سائر اليوم . فمضت على اليمين ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : انظروا ، فإن جاءت به أبيض سبطا ، قضيء العينين ، فهو لهلال بن أمية ، وإن جاءت به جعدا حمش الساقين ، فهو لشريك بن سحماء . فجاءت به آدم جعدا حمش الساقين ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لولا ما سبق من كتاب الله - عز وجل - كان لي ولها شأن . قال : القضيء العينين : طويل شق العينين ، ليس بمفتوح العينين . 6077 - حدثنا أحمد بن شعيب ، قال : أخبرنا عمران بن يزيد ، قال : حدثنا مخلد بن حسين الأزدي ، قال : حدثنا هشام بن حسان ، عن محمد بن سيرين ، عن أنس بن مالك ، ثم ذكر مثله . غير أنه زاد في آخره : ليس بمفتوح العينين جاحظهما . وكان ما ذكرناه فيما تقدم من هذه الأبواب ، يغنينا عن إعادته في هذا الباب ، إذ كان ما فيه ، من شكل ما فيها ، والله نسأله التوفيق .
118 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ قَوْلِهِ : ( أَتَاكُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ هُمْ أَلْيَنُ قُلُوبًا وَأَرَقُّ أَفْئِدَةً ، الْإِيمَانُ يَمَانٍ وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَّةٌ ) وَمَنْ أَهْلُ الْيَمَنِ الَّذِينَ عَنَاهُمْ بِذَلِكَ ؟ . 904 - حدثنا الْمُزَنِيّ ، حدثنا الشَّافِعِيُّ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : ( أَتَاكُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ أَلْيَنُ قُلُوبًا وَأَرَقُّ أَفْئِدَةً ، الْإِيمَانُ يَمَانٍ وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَّةٌ ) . 905 - حدثنا ابْنُ مَرْزُوقٍ ، حدثنا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ ، حدثنا هِشَامُ بْنُ حِسَانٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ : ( جَاءَ أَهْلُ الْيَمَنِ هُمْ أَرَقُّ النَّاسِ أَفْئِدَةً ، الْإِيمَانُ يَمَانٍ وَالْفِقْهُ يَمَانٍ وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَّةٌ ) . 906 - حدثنا فَهْدٌ ، حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ ، حدثنا اللَّيْثُ ، حَدَّثنَي جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ ، عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ ، عَنْ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ : حدثنا أَبُو هُرَيْرَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ . 907 - حدثنا يُوسُفُ بْنُ يَزِيدَ ، حدثنا حَجَّاجُ بْنُ إبْرَاهِيمَ ، حدثنا إسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ ، عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : ( الْإِيمَانُ يَمَانٍ ، وَالْكُفْرُ قِبَلَ الْمَشْرِقِ ، وَالسَّكِينَةُ فِي أَهْلِ الْغَنَمِ ، وَالْفَخْرُ وَالرِّيَاءُ فِي الْفَدَّادِينَ أَهْلِ الْخَيْلِ وَالْوَبَرِ ) . 908 - حدثنا رَوْحُ بْنُ الْفَرَجِ ، حدثنا يُوسُفُ بْنُ عَدِيٍّ ، حدثنا عُبَيْدَةُ بْنُ حُمَيْدٍ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْإِيمَانُ يَمَانٍ ، وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَّةٌ ، أَتَاكُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ هُمْ أَلْيَنُ أَفْئِدَةً وَأَرَقُّ قُلُوبًا . 909 - حدثنا أَبُو أُمَيَّةَ ، حدثنا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ، حدثنا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ : جَاءَ أَهْلُ الْيَمَنِ هُمْ أَرَقُّ أَفْئِدَةً ، الْإِيمَانُ يَمَانٍ وَالْفِقْهُ يَمَانٍ وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَّةٌ . 910 - حدثنا أَبُو أُمَيَّةَ ، حدثنا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ، حدثنا سُلَيْمُ بْنُ أَخْضَرَ ، عَنْ ابْنِ عَوْنٍ أَنَّ مُحَمَّدًا كَانَ يَرْفَعُ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَيَقُولُهُ عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ . فَفِيمَا رَوَيْنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ ذِكْرُهُ أَهْلَ الْيَمَنِ بِمَا ذَكَرَهُمْ بِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، فَذَهَبَ قَوْمٌ إلَى أَنَّهُ إنَّمَا عَنَى بِهِ أَهْلَ تِهَامَةَ ، مِنْهُمْ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، كَمَا حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ النُّعْمَانِ السَّقَطِيُّ ، حدثنا الْحُمَيْدِيُّ قَالَ : قَالَ سُفْيَانُ : إنَّمَا يَعْنِي بِقَوْلِهِ : أَتَاكُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ ، أَهْلُ تِهَامَةَ ، لِأَنَّ مَكَّةَ يَمَنٌ وَهِيَ تِهَامِيَّةٌ . فَنَظَرْنَا فِيمَا قَالُوا مِنْ ذَلِكَ هَلْ هُوَ كَمَا قَالُوهُ أَمْ لَا ؟ . 911 - فَوَجَدْنَا عَلِيَّ بْنَ مَعْبَدٍ قَدْ حدثنا قَالَ : حدثنا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ أَخبرنا إسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ : أَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ نَحْوَ الْيَمَنِ فَقَالَ : الْإِيمَانُ هَاهُنَا ، أَلَا وَإِنَّ الْقَسْوَةَ وَغِلَظَ الْقُلُوبِ فِي الْفَدَّادِينَ أَصْحَابِ الْإِبِلِ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ فِي رَبِيعَةَ وَمُضَرَ . فَأَضَافَ الْقَسْوَةَ وَغِلَظَ الْقُلُوبِ إلَى الْفَدَّادِينَ مِنْ رَبِيعَةَ وَمُضَرَ فَكَانَ فِي ذَلِكَ مَا قَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُضَافَ إلَيْهِمْ مِنْ الْإِيمَانِ وَالْحِكْمَةِ وَالْفِقْهِ هُمْ أَضْدَادُهُمْ الَّذِينَ لَيْسُوا مِنْ رَبِيعَةَ وَلَا مُضَرَ . وَفِي ذَلِكَ مَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِمَا فِي الْآثَارِ الَّتِي فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ أَهْلَ تِهَامَةَ ؛ لِأَنَّ أُولَئِكَ أَوْ أَكْثَرَهُمْ مِنْ مُضَرَ . ثُمَّ وَجَدْنَا عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي هَذَا الْمَعْنَى مَا هُوَ أَكَشَفُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ 912 - وَهُوَ مَا حدثنا أَبُو قُرَّةَ مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ الرُّعَيْنِيُّ ، حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ الْكَلَاعِيُّ الدِّمَشْقِيُّ ، حدثنا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الْعَنْسِيُّ مِنْ أَهْلِ حِمْصٍ ، قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهُوَ عِيسَى بْنُ سُلَيْمٍ الرُّسْتَنِيُّ قَدْ حَدَّث عَنْهُ عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ وَعِيسَى بْنُ يُونُسَ وَغَيْرُهُمَا أَنَّهُ حَدَّثهُ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ الْحَضْرَمِيِّ وَرَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ الْمُقْرِئِيِّ ، وَشُبَيْبٍ الْكَلَاعِيِّ ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ قَالَ : عُرِضَتْ الْخَيْلُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَعِنْدَهُ عُيَيْنَةَ بْنُ بَدْرٍ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعُيَيْنَةَ : أَنَا أَفَرَسُ بِالْخَيْلِ مِنْك ، فَقَالَ عُيَيْنَةَ : إنْ تَكُنْ أَفَرَسَ بِالْخَيْلِ مِنِّي فَأَنَا أَفَرَسُ بِالرِّجَالِ مِنْك ، قَالَ : وَكَيْفَ ؟ قَالَ : إنَّ خَيْرَ رِجَالٍ لَبِسُوا الْبُرُدَ وَوَضَعُوا سُيُوفَهُمْ عَلَى عَوَاتِقِهِمْ وَعَرَضُوا الرِّمَاحَ عَلَى مَنَاسِجِ خُيُولِهِمْ رِجَالُ نَجْدٍ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كَذَبْتَ ، بَلْ هُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ ، وَالْإِيمَانُ يَمَانٍ إلَى لَخْمٍ وَجُذَامٍ وَعَامِلَةَ ، وَمَأْكُولُ حِمْيَرَ خَيْرٌ مِنْ أُكُلِهَا ، وَحَضْرَمَوْتُ خَيْرٌ مِنْ بَنِي الْحَارِثِ ، وَسَمَّى الْأَقْيَالَ الْأَنْكَالَ . فَفِيمَا رَوَيْنَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ تِبْيَانُهُ أَهْلَ الْيَمَنِ الَّذِينَ أَرَادَهُمْ بِمَا فِي الْآثَارِ الْأُوَلِ ، وَأَنَّهُمْ أَهْلُ هَذِهِ الْقَبَائِلِ الْيَمَانِيَّةِ ، لَا مَنْ سِوَاهُمْ . 913 - وَوَجَدْنَا يُونُسَ قَدْ حدثنا قَالَ : أخبرنا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَني هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ : خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ ، فَذَكَرَ حَدِيثًا طَوِيلًا فِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَيَأْتِيَنَّ أَقْوَامٌ تَحْقِرُونَ أَعْمَالَكُمْ مَعَ أَعْمَالِهِمْ ، قُلْنَا : مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَقُرَيْشٌ ؟ قَالَ : لَا ، أَهْلُ الْيَمَنِ هُمْ أَرَقُّ أَفْئِدَةً وَأَلْيَنُ قُلُوبًا ، فَقُلْنَا : هُمْ خَيْرٌ مِنَّا يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَقَالَ : لَوْ كَانَ لِأَحَدِهِمْ جَبَلٌ مِنْ ذَهَبٍ فَأَنْفَقَهُ مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِكُمْ وَلَا نَصِيفَهُ ، إنَّ فَضلَ مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ النَّاسِ هَذِهِ الْآيَةُ لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ الْآيَةَ . فَكَانَ فِي هَذَا مَا قَدْ دَلَّ عَلَى حَقِيقَةِ أَهْلِ الْيَمَنِ الَّذِينَ أَرَادَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ مَنْ هُمْ ، وَأَنَّهُمْ خِلَافُ أَهْلِ تِهَامَةَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ 914 - ثُمَّ وَجَدْنَا إِسْحَاقَ بْنَ إبْرَاهِيمَ بْنَ يُونُسَ قَدْ حدثنا قَالَ : حدثنا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ ، حدثنا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، أَخبرنا حُمَيْدٌ ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : يَقْدَمُ قَوْمٌ هُمْ أَرَقُّ مِنْكُمْ أَفْئِدَةً ، فَقَدِمَ الْأَشْعَرِيُّونَ فِيهِمْ أَبُو مُوسَى ، فَجَعَلُوا يَرْتَجِزُونَ وَيَقُولُونَ : غَدًا نَلْقَى الْأَحِبَّهْ مُحَمَّدًا وَحِزْبَهْ فَفِي ذَلِكَ مَا قَدْ دَلَّ أَيْضًا عَلَى أَنَّ أَهْلَ الْيَمَنِ الْمُرَادِينَ كَمَا فِي الْآثَارِ الْأُوَلِ هُمْ الْأَشْعَرِيُّونَ وَأَمْثَالُهُمْ مِنْ الْقَادِمِينَ مِنْ حَقِيقَةِ الْيَمَنِ دُونَ مَنْ سِوَاهُمْ 915 - وَوَجَدْنَا ابْنَ خُزَيْمَةَ قَدْ حدثنا قَالَ : حدثنا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ ، حدثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : لَمَّا قَدِمَ أَهْلُ الْيَمَنِ قَالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ : قَدْ أَقْبَلَ أَهْلُ الْيَمَنِ هُمْ أَلْيَنُ قُلُوبًا مِنْكُمْ ، وَهُمْ أَوَّلُ مَنْ جَاءَ بِالْمُصَافَحَةِ . وَمَا فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ الْآثَارِ فَكَثِيرٌ اكْتَفَيْنَا مِنْهَا بِمَا جِئْنَا بِهِ مِنْهَا فِي هَذَا الْبَابِ مِمَّا قَدْ وَضَحَ بِهِ مَا قَدْ ذَكَرْنَاهُ مِنْ حَقِيقَةِ أَهْلِ الْيَمَنِ الْمُرَادِينَ بِمَا فِيهَا ، وَأَنَّهُمْ لَيْسُوا أَهْلَ تِهَامَةَ كَمَا قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
693 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحباء والعدة والصداق قبل عصمة النكاح وفي ذلك بعد عصمته . 5216 - حدثنا أبو بشر الرقي عبد الملك بن مروان ، حدثنا حجاج بن محمد ، عن ابن جريج ، حدثني عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أيما امرأة نكحت على صداق أو حباء أو عدة قبل عصمة النكاح فهو لها ، وما كان بعد عصمة النكاح فهو لمن أعصمه ، وأحق ما أكرم عليه الرجل ابنته وأخته . قال أبو جعفر : فأما قول النبي صلى الله عليه وسلم ما قاله : قبل عصمة النكاح فإن عصمة النكاح هاهنا هي : العقدة ، ومنها قول الله عز وجل : وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ ([ الممتحنة : 10 ] ، أي : لا تحبسوهن زوجات لكم ، وأطلقوهن . وأما قوله صلى الله عليه وسلم : وما كان بعد عصمة النكاح فمعناه : أي ما كان بعد عقدته ، فهو لمن أعصمه أي : لمن جعل له ، لأنه يقال : أعصمت فلانا ، إذا جعلت له شيئا يعتصم به ، أي يلجأ إليه ، ويغنى به عن طلب مثله . ثم تأملنا هذا الحديث ، فكان أحسن ما حضرنا فيه أن المرأة المخطوبة إلى وليها قد يحبى وليها ، أو يوعد بشيء ليكون عونا للخاطب على ما يحاوله من التزويج الذي يلتمس ، فلا يطيب لوليها ما حبي ولا ما وعد به في ذلك ، إذ كان إنما قصد إليه بذلك التزويج الملتمس منه ، فكان أولى بذلك منه المرأة المطلوب تزويجها ، لأن الذي يملك بتلك الخطبة هو بضعها لا ما سواه ، والعوض من ذلك البضع ، والأسباب التي يلتمس بها الوصول إليه في حكمه بملكه من يملك ذلك البضع وهو المرأة دون ما سواها ، وكان مثل ذلك ما قد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مما قال لابن اللتبية لما رجع من الولاية على الصدقة فحاسبه ، فقال : هذا لكم ، وهذا أهدي إلي ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم منكرا ذلك عليه : أفلا جلس في بيت أبيه أو بيت أمه فينظر ، هل تأتيه هديته ؟ فرد رسول الله صلى الله عليه وسلم حكم الهدية إليه لولايته التي أهدي إليه من أجلها إلى ولايته التي يتولاها ، فمثل ذلك ما في هذا الحديث من رد الحباء والعدة إلى السبب الذي كانا من أجله وهو البضع الملتمس تزويجه ، فجعلا للمرأة ، ولم يجعلا للمخطوب إليه ، إذ كان الذي يلتمس منه لغيره لا له ، فأما ما كان من ذلك بعد عصمة النكاح فهو لمن أعصمه ، لأنه قد صار له سبب يجب أن يكون عليه كما قيل في هذا الحديث : وأحق ما أكرم عليه ابنته وأخته ، فلما استحق الإكرام كان ما أكرم به لذلك طيبا له ، ولما لم يكن له قبل النكاح سبب يستحق به الإكرام من الذي حباه ووعده لم يطب له ما أكرم به من ذلك ، ولم يسعه احتباسه لنفسه ، وكان أولى به منه من أكرم به من أجله ليوصل بذلك إلى ما يلتمس منه ، والله عز وجل نسأله التوفيق
119 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي قَوْلِهِ : أَقْرَؤُهُمْ - يَعْنِي أُمَّتَهُ - لِكِتَابِ اللَّهِ أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ وَأَفْرَضُهُمْ زَيْدٌ وَأَعْلَمُهُمْ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ . 916 - حدثنا ابْنُ مَرْزُوقٍ ، حدثنا عَفَّانَ ، حدثنا وُهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ ، حدثنا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ أَنَسٍ ، عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : أَرْحَمُ أُمَّتِي بِأُمَّتِي أَبُو بَكْرٍ ، وَأَشَدُّهُمْ فِي أَمْرِ اللَّهِ عُمَرُ ، وَأَصْدَقُهُمْ حَيَاءً عُثْمَانُ ، وَأَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ ، وَأَفْرَضُهُمْ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ، وَأَعْلَمُهُمْ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينًا ، أَلَا وَإِنَّ أَمِينَ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ . 917 - حدثنا أَبُو أُمَيَّةَ ، حدثنا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ ، حدثنا سُفْيَانُ ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ ، وَعَاصِمٍ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ مِثْلَهُ غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِي حَدِيثِهِ : وَأَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ . 918 - حدثنا أَبُو أُمَيَّةَ ، حدثنا خَلَفُ بْنُ الْوَلِيدِ الْعَتَكِيُّ ، حدثنا الْأَشْجَعِيُّ ، حدثنا سُفْيَانُ ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ أَنَسٍ ، عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِثْلَهُ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ : وَأَفْرَضُهَا زَيْدٌ وَأَعْلَمُهَا بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مُعَاذٌ . فَسَأَلَ سَائِلٌ عَنْ الْمُرَادِ بِمَا ذُكِرَ بِهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ أُبَيٍّ وَزَيْدٍ وَمُعَاذٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَهَلْ يُوجِبُ ذَلِكَ لَهُ أَنْ يَكُونَ فِي مَعْنَاهُ الَّذِي ذُكِرَ بِهِ فَوْقَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ ، وَمَنْ سِوَاهُمْ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْمَعِينَ ؟ فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ : أَنَّ مَنْ جَلَّتْ رُتْبَتُهُ فِي مَعْنًى مِنْ الْمَعَانِي جَازَ أَنْ يُقَالَ : إنَّهُ أَفْضَلُ النَّاسِ فِي ذَلِكَ الْمَعْنَى ، وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ هُوَ مِثْلُهُ أَوْ مَنْ هُوَ فَوْقَهُ . وَمِنْ ذَلِكَ مَا قَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا قَالَهُ لِعَلِيٍّ : إنَّهُ يَقْتُلُهُ أَشْقَاهَا ، يُرِيدُ الْبَرِيَّةَ 919 - كَمَا حدثنا أَحْمَدُ بْنُ دَاوُد بْنُ مُوسَى ، حدثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ صَالِحٍ الْأَزْدِيُّ ، حدثنا يُونُسُ بْنُ بُكَيْر ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ . وَكَمَا حدثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، أَخْبَرَني مُحَمَّدُ بْنُ وَهْبٍ ، حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ ، حدثنا ابْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خُثَيْمٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خُثَيْمٍ ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ قَالَ : كُنْت أَنَا وَعَلِيٌّ رَفِيقَيْنِ فِي غَزْوَةٍ - ذَكَرَهَا أَحْمَدُ بْنُ دَاوُد فِي حَدِيثِهِ وَلَمْ يَذْكُرْهَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ - فَلَمَّا نَزَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَقَامَ بِهَا ، رَأَيْنَا نَاسًا مِنْ بَنِي مُدْلِجٍ يَعْمَلُونَ فِي عَيْنٍ لَهُمْ أَوْ فِي نَخْلٍ ، فَقَالَ لِي عَلِيٌّ : يَا أَبَا الْيَقْظَانِ هَلْ لَك أَنْ نَأْتِيَ هَؤُلَاءِ فَنَنْظُرَ كَيْفَ يَعْمَلُونَ ؟ قَالَ : قُلْت : إنْ شِئْت ، فَجِئْنَاهُمْ فَنَظَرْنَا إلَى عَمَلِهِمْ سَاعَةً ، ثُمَّ غَشِيَنَا النَّوْمُ ، فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَعَلِيٌّ حَتَّى اضْطَجَعْنَا فِي ظِلِّ صُورٍ مِنْ النَّخْلِ وَفِي دَقْعَاءَ مِنْ التُّرَابِ فَنِمْنَا ، فَوَاَللَّهِ مَا نَبَّهَنَا إلَّا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَرِّكُنَا بِرِجْلِهِ وَقَدْ تَتَرَّبْنَا مِنْ تِلْكَ الدَّقْعَاءِ الَّتِي نِمْنَا فِيهَا ، فَيَوْمَئِذٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَلِيٍّ : مَا لَك يَا أَبَا تُرَابٍ ، لِمَا يَرَى عَلَيْهِ مِنْ التُّرَابِ ، ثُمَّ قَالَ : أَلَا أُحَدِّثُكُمَا بِأَشْقَى النَّاسِ ؟ قُلْنَا : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : أُحَيْمِرُ ثَمُودَ الَّذِي عَقَرَ النَّاقَةَ ، وَاَلَّذِي يَضْرِبُك يَا عَلِيُّ عَلَى هَذِهِ - وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى قَرْنِهِ - حَتَّى يَبُلَّ مِنْهَا هَذِهِ ، وَأَخَذَ بِلِحْيَتِهِ . ثُمَّ مِنْ ذَلِكَ أَيْضًا مَا قَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ مِمَّا لَمْ يُضِفْهُ إلَى النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ غَيْرَ أَنَّا نَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْهُ رَأْيًا وَلَا اسْتِخْرَاجًا وَلَا اسْتِنْبَاطًا ، إذْ كَانَ مِثْلُهُ لَا يُقَالُ بِالرَّأْيِ وَلَا بِالِاسْتِخْرَاجِ وَلَا بِالِاسْتِنْبَاطِ ، وَنُحِيطُ عِلْمًا أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ لِأَخْذِهِ إيَّاهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 920 - كَمَا حدثنا فَهْدٌ ، حدثنا أَبُو نُعَيْمٍ ، حدثنا فِطْرُ بْنُ خَلِيفَةَ ، حدثنا أَبُو الطُّفَيْلِ قَالَ : دَعَا عَلِيٌّ النَّاسَ إلَى الْبَيْعَةِ ، فَجَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُلْجَمٍ فَرَدَّهُ مَرَّتَيْنِ ، ثُمَّ قَالَ : مَا يَحْبِسُ أَشْقَاهَا ، لَيَخْضِبَنَّ أَوْ لَيَضَعَنَّ هَذَا مِنْ هَذِهِ ، لِلِحْيَتِهِ مِنْ رَأْسِهِ ، ثُمَّ تَمَثَّلَ بِهَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ : اُشْدُدْ حَيَازِيمَكَ لِلْمَوْتِ فَإِنَّ الْمَوْتَ آتِيكَا وَلَا تَجْزَعْ مِنْ الْقَتْلِ إذَا حَلَّ بِوَادِيكَا وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ ابْنَ مُلْجَمٍ قَدْ كَانَ مِنْ أَهْلِ التَّوْحِيدِ ، وَإِنَّمَا الَّذِي كَانَ مِنْهُ حَتَّى عَادَ بِهِ مُطْلَقًا عَلَيْهِ أَنَّهُ أَشْقَى النَّاسِ عَظِيمُ مَا كَانَ مِنْهُ ، وَجَلَالَةُ جُرْمِهِ وَفَتْقُهُ فِي الْإِسْلَامِ مَا فَتَقَهُ ، وَنَحْنُ نَعْلَمُ مَعَ ذَلِكَ أَنَّ أَشْقَى مِنْهُ مَنْ لَمْ يُوَحِّدْ اللَّهَ سَاعَةً قَطُّ ، وَجَعَلَ لِلَّهِ وَلَدًا ، وَلَقِيَ اللَّهَ عَلَى ذَلِكَ ، وَهُوَ فِي الشِّقْوَةِ فَوْقَ ابْنِ مُلْجَمٍ . وَمِنْ ذَلِكَ مَا قَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْخَوَارِجِ الَّذِينَ مِنْهُمْ ابْنُ مُلْجَمٍ 921 - كَمَا حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ الشَّيْزرِيُّ ، حدثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ نَجْدَةَ الْحَوْطِيُّ ، حدثنا أَبُو الْمُغِيرَةِ عَبْدُ الْقُدُّوسِ بْنُ الْحَجَّاجِ الْخَوْلَانِيُّ ، عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ ( عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي وَصْفِهِ الْخَوَارِجَ بِالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ - ثُمَّ قَالَ : يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ ، شِرَارُ الْخَلْقِ وَالْخَلِيقَةِ ) . 922 - وَكَمَا حدثنا الرَّبِيعُ الْمُرَادِيُّ ، حدثنا بِشْرُ بْنُ بَكْرٍ ، عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ ثُمَّ ذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ . وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ مَنْ نَحَلَ لِلَّهِ وَلَدًا أَوْ أَشْرَكَ بِهِ وَقَتَلَ أَنْبِيَاءَهُ وَكَذَّبَ رُسُلَهُ شَرٌّ مِنْ هَؤُلَاءِ ، لَمَّا عَظُمَ مَا كَانَ مِنْهُمْ وَجَلَّ ، جَازَ بِذَلِكَ أَنْ يُقَالَ هُمْ شَرُّ الْخَلْقِ وَالْخَلِيقَةِ وَجَازَ لِمَنْ تَفَرَّدَ مِنْهُمْ بِمَا تَفَرَّدَ بِهِ فِي عَلِيٍّ أَنْ يُقَالَ : هُوَ أَشْقَى الْبَرِيَّةِ ، وَإِنْ كَانَ فِيهَا مَنْ هُوَ فِي الشِّقْوَةِ مِثْلَهُ ، أَوْ مَنْ هُوَ فِي الشِّقْوَةِ فَوْقَهُ . فَمِثْلُ ذَلِكَ مَا ذَكَرْنَاهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أُبَيٍّ وَمِنْ زَيْدٍ وَمِنْ مُعَاذٍ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَيْنَاهُ فِي صَدْرِ هَذَا الْبَابِ ، جَازَ إطْلَاقُ ذَلِكَ لَهُ عَلَى مَا فِي الْحَدِيثِ لِجَلَالَةِ مِقْدَارِهِ فِي الْمَعْنَى الَّذِي أُضِيفَ إلَيْهِ فِيهِ ، وَلِعُلُوِّ رُتْبَتِهِ فِيهِ ، وَإِنْ كَانَ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ هُوَ فِي ذَلِكَ الْمَعْنَى مِثْلُهُ وَمَنْ هُوَ فَوْقَهُ فِي ذَلِكَ الْمَعْنَى ، وَهَذَا لِسَعَةِ اللُّغَةِ وَلِعِلْمِ الْمُخَاطَبِينَ بِذَلِكَ مُرَادَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا خَاطَبَهُمْ بِهِ فِيهِ ، وَلَوْلَا أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ مَا جَازَ أَنْ يُقَالَ لِمَنْ عَظُمَتْ رُتْبَتُهُ فِي الْعِلْمِ وَجَلَّ مِقْدَارُهُ فِيهِ إنَّهُ أَعْلَمُ النَّاسِ إذْ كَانَ الَّذِي يَقُولُ ذَلِكَ لَهُ لَا يَعْرِفُ النَّاسَ جَمِيعًا وَلَا يَقِفُ عَلَى مَقَادِيرِ عُلُومِهِمْ ، وَإِذَا جَازَ لَهُ ذَلِكَ مَعَ تَقْصِيرِهِ عَنْ مَعْرِفَةِ النَّاسِ جَمِيعًا وَعَنْ مَعْرِفَةِ مِقْدَارِ عُلُومِهِمْ إذْ كَانَ لَا يَعْرِفُ مِنْهُمْ مِثْلَ الَّذِي وَصَفَهُ مِمَّا وَصَفَهُ بِهِ كَانَ ذَلِكَ مِمَّا قَدْ عَقَلْنَا بِهِ أَنَّ الْمُرَادَ بِمِثْلِهِ مَنْ يَعْرِفُهُ قَائِلُ ذَلِكَ الْقَوْلِ ، وَأَنَّهُ جَازَ لَهُ جَمْعُ النَّاسِ جَمِيعًا فِي قَوْلِهِ وَأَنَّ ذَلِكَ عَلَى الْمَجَازِ لَا عَلَى الْحَقِيقَةِ .
812 - باب بيان مشكل ما روي عن سهل بن سعد الساعدي ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذا المعنى . 6078 - حدثنا الربيع بن سليمان المرادي ، قال : حدثنا خالد بن عبد الرحمن الخراساني ، قال : حدثنا ابن أبي ذئب ، عن الزهري ، عن سهل بن سعد الساعدي : أن عويمرا جاء إلى عاصم بن عدي ، فقال : أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا ، فقتله ، أتقتلونه به ؟ سل يا عاصم رسول الله - صلى الله عليه وسلم فجاء عاصم ، وكره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المسألة وعابها . فقال عويمر : والله لآتين النبي - صلى الله عليه وسلم - فجاء وقد أنزل الله - عز وجل - خلاف قول عاصم ، فسأل النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : وقد أنزل الله - عز وجل - فيكم قرآنا ، فدعاهما ، فتقدما ، فتلاعنا ، ثم قال : كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها . ففارقها ، وما أمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بفراقها ، فجرت سنة في المتلاعنين . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : انظروها ، فإن جاءت به أحمر قصيرا مثل وحرة ، فلا أراه إلا وقد كذب عليها ، وإن جاءت به أسحم أعين ذا أليتين ، فلا أحسبه إلا قد صدق عليها . فجاءت به على الأمر المكروه . 6079 - وحدثنا الربيع بن سليمان الجيزي وسليمان بن شعيب الكيساني ، قالا : حدثنا أسد بن موسى ، قال : حدثنا ابن أبي ذئب ، ثم ذكر بإسناده مثله سواء . فكان في هذا الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن جاءت به كذا ، ولا أراه إلا وقد صدق عليها ، وإن جاءت به كذا ، ولا أراه إلا وقد كذب عليها ، فكان في ذلك ما قد دل أنه لم يكن منه - صلى الله عليه وسلم - تحقيق لإثبات نسب بسنة ، ولا لنفيه بضده من السنة ، وأن ذلك إنما كان على ما يقع في القلوب في مثل هذا المعنى . ودل ذلك أن ما تقدم مما قد ذكرناه في الأبواب التي قد ذكرناها فيما تقدم قبل هذا الباب ، مما ذكره رواتها عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن جاءت به كذا ، فهو لفلان ، وإن جاءت به كذا ، فهو لفلان ، أن ذلك مما قد عورضوا فيه بما قد رويناه عن سهل فيه ، وكان ما رويناه عن سهل فيه أولى مما رويناه عنهم فيه ، للزيادة التي حفظها سهل ، وقصروا عنها ، وفي ذلك ما قد دل أنه لم يكن في ذلك إثبات نسب ، ولا نفي نسب ، والله نسأله التوفيق .
120 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ نَهْيِهِ عَنْ الْحَلِفِ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَمِمَّا رُوِيَ عَنْهُ مِنْ حَلِفِهِ بِغَيْرِهِ تَعَالَى وَمَا نُسِخَ مِنْ ضِدِّهِ مِنْهُ . 923 - حدثنا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ وَابْنُ مَرْزُوقٍ ، حدثنا يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ الْمُقْرِئُ ، حدثنا زَائِدَةُ بْنُ قُدَامَةَ ، عَنْ سِمَاكٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ ( عُمَرَ قَالَ : كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَسِيرٍ لَهُ أَوْ قَالَ : فِي سَفَرٍ فَقُلْتُ : لَا وَأَبِي ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ خَلْفِي : لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ ، فَالْتَفَتُّ فَإِذَا هُوَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) . 924 - حدثنا الرَّبِيعُ الْمُرَادِيُّ ، حدثنا أَسَدُ بْنُ مُوسَى ، حدثنا إسْرَائِيلُ ، عَنْ سِمَاكٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ عُمَرَ ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ . 925 - حدثنا عِيسَى بْنُ إبْرَاهِيمَ الْغَافِقِيُّ ، حدثنا ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ ( سَمِعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُمَرَ يَقُولُ : وَأَبِي وَأَبِي ، فَقَالَ : إنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ ، قَالَ عُمَرُ : فَوَاَللَّهِ مَا حَلَفْتُ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ ذَاكِرًا وَلَا آثِرًا ) 926 - حدثنا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُد جَمِيعًا ، حدثنا ابْنُ صَالِحٍ ، حَدَّثنِي اللَّيْثُ ، حَدَّثنِي عُقَيْلٌ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، أَخْبَرَني سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ أَخْبَرَهُ : أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( إنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ ، قَالَ عُمَرُ : فَوَاَللَّهِ مَا حَلَفْتُ بِهَا مُنْذُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَى عَنْهَا وَلَا تَكَلَّمْتُ بِهَا ) . 927 - حدثنا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ الرَّقِّيُّ ، حدثنا شُجَاعُ بْنُ الْوَلِيدِ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ( أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَدْرَكَ عُمَرَ وَهُوَ فِي رَكْبٍ فَحَلَفَ بِأَبِيهِ فَقَالَ : إنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ ، فَلْيَحْلِفْ حَالِفٌ بِاَللَّهِ أَوْ لِيَسْكُتْ ) . 928 - حدثنا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ ، حدثنا شُجَاعُ بْنُ الْوَلِيدِ ، حدثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، حَدَّثنِي نَافِعٌ ( عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَدْرَكَهُ وَهُوَ فِي رَكْبٍ وَهُوَ يَحْلِفُ بِأَبِيهِ ثُمَّ ذَكَرَ بَقِيَّةَ الْحَدِيثِ ) . 929 - حدثنا يَزِيدُ ، حدثنا الْقَعْنَبِيُّ ، حدثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ الْقَسْمَلِيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ ، مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، قَالَ : وَكَانَتْ قُرَيْشٌ تَحْلِفُ بِآبَائِهَا ، فَقَالَ : لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ ) . فَفِي هَذِهِ الْآثَارِ الَّتِي رَوَيْنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهْيُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنْ يُحْلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ ، وَقَدْ رُوِيَتْ عَنْهُ آثَارٌ أُخَرُ فِيهَا حَلِفُهُ بِغَيْرِ اللَّهِ تعالى ، مِنْهَا : . 930 - مَا حدثنا بِهِ يُوسُفُ بْنُ يَزِيدَ ، حدثنا حَجَّاجُ بْنُ إبْرَاهِيمَ ، حدثنا إسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِي سُهَيْلٍ نَافِعِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ طَلْحَةَ ( أَنَّ أَعْرَابِيًّا جَاءَ إلَى النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ ثَائِرَ الرَّأْسِ ، فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّهِ أَخْبِرْنِي بِمَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ الصَّلَاةِ ، فَقَالَ : الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ إلَّا أَنْ تَطَوَّعَ شَيْئًا ، قَالَ : فَأَخْبِرْنِي مَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ الصِّيَامِ ، قَالَ : صِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ إلَّا أَنْ تَطَوَّعَ شَيْئًا ، قَالَ : فَأَخْبِرْنِي بِمَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ الزَّكَاةِ ، قَالَ : فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ ، فَقَالَ : وَاَلَّذِي أَكْرَمَكَ بِالْحَقِّ لَا أَتَطَوَّعُ وَلَا أَنْقُصُ مِمَّا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ شَيْئًا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَفْلَحَ وَأَبِيهِ إنْ صَدَقَ ، دَخَلَ الْجَنَّةَ وَأَبِيهِ إنْ صَدَقَ ) . وَمِنْهَا : 931 - مَا حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ الْكُوفِيُّ ، حدثنا أَحْمَدُ بْنُ عِمْرَانَ الْأَخْنَسِيُّ ، حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ ، حدثنا عُمَارَةُ وَهُوَ ابْنُ الْقَعْقَاعِ ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ وَهُوَ ابْنُ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ قَالَ : سَمِعْت أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ : ( عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : أَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ ، قَالَ : أَمَا وَأَبِيكَ لَتُنَبَّأَنَّهُ أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ تَخْشَى الْفَقْرَ وَتَأْمُلُ الْغِنَى وَلَا تُمْهِلْ حَتَّى إذَا بَلَغَتْ الْحُلْقُومَ قُلْتَ لِفُلَانٍ كَذَا وَلِفُلَانٍ كَذَا وَهُوَ لِفُلَانٍ ) . وَمِنْهَا : . 932 - مَا حدثنا أَبُو أُمَيَّةَ ، حدثنا أَبُو نُعَيْمٍ ، حدثنا عُقْبَةُ بْنُ وَهْبِ بْنِ عُقْبَةَ الْعَامِرِيُّ قَالَ : سَمِعْت أَبِي يُحَدِّثُ عَنْ ( الْفُجَيْعِ أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ لَهُ : مَا يَحِلُّ لَنَا مِنْ الْمَيْتَةِ ؟ فَقَالَ : مَا طَعَامُك قَالَ : نَصْطَبِحُ وَنَغْتَبِقُ ) فَسَّرَهُ لِي عُقْبَةُ قَدَحٌ غُدْوَةً وَقَدَحٌ عَشِيَّةً قَالَ : ذَلِكَ وَأَبِي الْجُوعُ فَأَحَلَّ لَهُمْ الْمَيْتَةَ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ . فَكَانَ فِي هَذِهِ الْآثَارِ الثَّابِتَةِ إبَاحَةُ مَا قَدْ جَاءَ النَّهْيُ عَنْهُ فِي الْأُوَلِ . فَقَالَ قَائِلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَهْلِ بِوُجُوهِ آثَارِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَذَا تَضَادٌّ شَدِيدٌ . فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ : أَنَّ ذَلِكَ لَا تَضَادَّ فِيهِ ، وَلَكِنْ فِيهِ مَعْنَيَانِ مُخْتَلِفَانِ كَانَ أَحَدُهُمَا فِي وَقْتٍ وَكَانَ الْآخَرُ فِي وَقْتٍ آخَرَ ، وَكَانَ الْآخِرُ مِنْهُمَا نَاسِخًا لِلْأَوَّلِ مِنْهُمَا وَذَلِكَ غَيْرُ مُنْكَرٍ إذْ كَانَ كِتَابُ اللَّهِ فِيهِ مَا قَدْ نَسَخَ غَيْرَهُ مِمَّا فِيهِ . ثُمَّ طَلَبْنَا النَّاسِخَ مِنْهُمَا لِلْآخَرِ مَا هُوَ ؟ 933 - فَوَجَدْنَا صَالِحَ بْنَ شُعَيْبِ بْنِ أَبَانَ الْبَصْرِيَّ ، أخبرنَا قَالَ : حدثنا مُسَدَّدٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ الْمَسْعُودِيِّ ، حَدَّثنِي مَعْبَدُ بْنُ خَالِدٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ قُتَيْلَةَ بِنْتِ صَيْفِيِّ الْجُهَنِيَّةِ قَالَتْ : ( أَتَى حَبْرٌ مِنْ الْأَحْبَارِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، نِعْمَ الْقَوْمُ أَنْتُمْ لَوْلَا أَنَّكُمْ تُشْرِكُونَ فَقَالَ : سُبْحَانَ اللَّهِ ، قَالَ : إنَّكُمْ تَقُولُونَ إذَا حَلَفْتُمْ وَالْكَعْبَةِ ، قَالَ : فَأَمْهَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا ثُمَّ قَالَ : إنَّهُ قَدْ قَالَ لِمَنْ حَلَفَ فَلْيَحْلِفْ بِرَبِّ الْكَعْبَةِ ) . فَكَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ذِكْرُ سَبَبِ النَّهْيِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، عَنْ الْحَلِفِ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَكَانَ فِي ذَلِكَ مَا قَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُتَأَخِّرَ مِنْ الْمَعْنَيَيْنِ الْمُخْتَلِفِينَ اللَّذَيْنِ ذَكَرْنَاهُمَا فِي هَذَا الْبَابِ هُوَ النَّهْيُ عَنْ الْحَلِفِ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى لَا الْإِبَاحَةُ لَهُ ، فَبَانَ بِحَمْدِ اللَّهِ بِمَا ذَكَرْنَا خِلَافُ مَا تَوَهَّمَ هَذَا الْجَاهِلُ ، وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
692 - باب بيان مشكل ما روي عن عبد الله بن عباس في السبب الذي أنزلت فيه : فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ (إلى قوله : وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ ( . 5204 - حدثنا فهد ، حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي ، حدثنا محمد بن سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن داود بن الحصين ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : لما نزلت هذه الآية : فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ([ المائدة : 42 ] قال : كان إذا قتل بنو النضير من بني قريظة قتيلا أدوا نصف الدية ، وإذا قتل بنو قريظة من بني النضير قتيلا أدوا الدية إليهم ، قال : فسوى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم في الدية . 5205 - وحدثنا أحمد بن داود بن موسى ، حدثنا عبد الرحمن بن صالح الأسدي ، حدثنا يونس بن بكير ، عن محمد بن إسحاق ، عن داود بن الحصين ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : إن الآيات في المائدة : وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (إنما نزلت في الدية بين بني قريظة وبني النضير ، وذلك أن قتلى بني النضير - وكان لهم شرف - يودون الدية كاملة ، وإن قريظة كانوا يودون نصف الدية ، فتحاكموا في ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله عز وجل ذلك فيهم ، فحملهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحق ، فجعل الدية سواء ، والله أعلم أي في ذلك كان . قال أبو جعفر : يعني رده من كان يأخذ الدية كاملة من الفريقين إلى نصف الدية التي كان يأخذها الفريق الآخر ، أو من رده من كان يأخذ نصف الدية إلى جميع الدية التي كان يأخذها الفريق الآخر . فقال قائل : فقد رويتم عن ابن عباس من غير هذا الوجه أن نزول هذا المعنى في خلاف ما ذكر نزوله فيه في هذا الحديث . 5206 - وذكر ما قد حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن يونس ، حدثنا يوسف القطان ، حدثنا عبيد الله يعني ابن موسى ، عن علي بن صالح ، عن سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : كانت قريظة والنضير ، وكانت النضير أشرف من بني قريظة ، وكان إذا قتل الرجل من بني قريظة رجلا من بني النضير قتل به ، وإذا قتل رجل من بني النضير رجلا من بني قريظة أدوا مئة وسق تمر ، فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم قتل رجل من بني قريظة رجلا من بني النضير ، فقالوا : ادفعوه إلينا نقتله ، فقالوا : بيننا وبينكم النبي صلى الله عليه وسلم ، فأتوه ، فنزلت : وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ (، والقسط : النفس بالنفس ، ثم نزلت : أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ (. 5207 - وما قد حدثنا أحمد بن شعيب ، أخبرنا القاسم بن زكريا ، حدثنا عبيد الله بن موسى ، أخبرنا علي بن صالح ، ثم ذكر هذا الحديث بإسناده ومتنه . قال : ففي هذا الحديث أن نزول هذا المعنى كان في القصاص لا في الدية ، وهذا اختلاف شديد . فكان جوابنا له في ذلك أنه قد يحتمل أن يكون القوم اختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذين المعنيين جميعا من ديات قتلاهم المقتولين القتل الذي لا يوجب القود ، ومن القصاص بقتلاهم القتل الذي يوجب القود ، فأنزل الله هذه الآية في السبين جميعا ، فسوى بينهم في الديات ، وسوى بينهم في تكافؤ الأنفس ووجوب القصاص فيها . وقد قال قائل : إن ديات المعاهدين أربعة آلاف درهم ، واحتج لذلك بما قد 5208 - حدثنا يونس ، حدثنا سفيان بن عيينة ، عن صدقة ، عن سعيد بن المسيب قال : قضى عثمان في دية المعاهد بأربعة آلاف درهم . قال أبو جعفر : وصدقه هذا هو صدقة بن يسار ، ويقال : إن أصله من خراسان ، فسكن المدينة وقطنها ، وأخذ الناس عنه . فممن أخذ عنه مالك بن أنس وغيره . فكان من الحجة على هذا القائل في هذا المعنى لمخالفته فيه ما قد روي عن عثمان في ديات المعاهدين مما يخالف مالك ، 5209 - كما حدثنا أحمد بن داود بن موسى ، حدثنا يوسف بن إبراهيم العثري ويعقوب بن حميد قالا : حدثنا عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري ، عن سالم ، عن أبيه أن مسلما قتل كافرا من أهل العهد ، فقضى عليه عثمان بن عفان بدية المسلم . وقد دل على أن ما في هذا الحديث عن عثمان أولى مما في الحديث الأول عنه ، إذ ما في الحديث الأول إنما هوعن سعيد ، عن عثمان ، وقد روي عن سعيد من قوله في هذا المعنى 5210 - ما قد حدثنا أحمد بن داود ، حدثنا إسماعيل بن هود الواسطي ، حدثنا محمد بن يزيد ، عن سفيان بن الحسين ، عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب قال : دية كل معاهد في عهده ألف دينار . ثم قد وافق سعيد بن المسيب على هذا القول غير واحد من التابعين ، 5211 - كما قد حدثنا أحمد بن داود ، حدثنا محمد بن إسماعيل بن أبي سمينة ، حدثنا أبو أسامة ، عن أبي عميس ، عن حماد ، عن إبراهيم ، عن علقمة قال : دية اليهودي والنصراني مثل دية المسلم . 5212 - وكما حدثنا أحمد ، حدثنا أبو الربيع الزهراني ، حدثنا منصور بن أبي الأسود ، عن مطرف ، عن الشعبي قال : دية اليهودي والنصراني سواء ، هكذا في كتابي . 5213 - وكما حدثنا أحمد قال : حدثنا محمد بن إسماعيل قال : حدثنا إسماعيل ابن علية ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد وعطاء قالا : دية المسلم والنصراني سواء . وكان في حديث ابن عباس الذي بدأنا بروايتنا إياه في هذا الباب ما قد دل على نفي حديث سعيد عن عثمان في دية المعاهد أنها أربعة آلاف ، لأن في ذلك الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حملهم على الحق ، فجعل الدية سواء ، فدل على أنه قد رد الدية لهم جميعا إلى الدية كاملة ، أو رد الدية كاملة إلى نصف الدية ، ففي ذلك نفي الأربعة آلاف أن تكون دية للمعاهد . ثم رجعنا إلى كشف المعنى في هذا الاختلاف ، فوجدنا الله تعالى قد قال : في كتابه : وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلا أَنْ يَصَّدَّقُوا ([ النساء : 92 ] ، ثم أتبع ذلك بقوله : وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ (، فكان الله جل جلاله فيما تلونا من قتل المؤمن خطأ الدية التي ذكرها في هذه الآية ، وتحرير الرقبة التي ذكرها فيها ، ثم جعل فيمن كان بيننا وبينهم ميثاق الدية والكفارة أيضا ، فسوى بينهما في الكفارة الواجبة فيهما ، فكان معقولا بذلك أن يستويا جميعا في الدية إذ كان الخطاب بالواجب في المسلم المقتول خطأ ، وفي ذي الميثاق المقتول خطأ سواء ، ولم نجد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الباب شيئا أحسن من حديث روي عن عمرو بن شعيب فيه ، عن أبيه ، عن عبد الله بن عمرو . 5214 - كما حدثنا ابن أبي داود ، حدثنا أبو عمر الحوضي ، حدثنا محمد بن راشد ، عن سليمان بن موسى ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : عقل أهل الكتاب على النصف من عقل المسلمين ، وهم اليهود والنصارى . فإن كان هذا الحديث ثابتا ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المبين عن الله تعالى الدية التي ذكرها في ذي الميثاق ما هي ، وإن كان بخلاف ذلك ، كان ظاهر القرآن يدل على تساوي المسلمين وذوي العهود في الديات ، ومن القائلين بالتساوي في ذلك أبو حنيفة وأصحابه ، ومن القائلين بأن الواجب فيهم نصف الدية مالك وأصحابه ، ومن القائلين في دياتهم أنها أربعة آلاف الشافعي ، 5215 - غير أنه قد روي عن الزهري في ذلك ما قد حدثنا محمد بن النعمان السقطي ، حدثنا الأويسي ، حدثنا إبراهيم بن سعد ، عن ابن شهاب قال : كان أبو بكر وعمر وعثمان يجعلون دية اليهود والنصارى إذا كانوا معاهدين مثل دية المسلم . ففي هذا أيضا ما قد وكد ما ذهب إليه الذين سووا بين الديات في المسلمين والمعاهدين ، وبالله التوفيق .
121 - (بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ ) مَا رُوِيَ عَنْهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِيمَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى مَا حُكْمُهُ فِي ذَلِكَ ؟ . 934 - حدثنا بَكَّارَ ، حدثنا يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ ، حدثنا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ ( سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ قَالَ : كُنْت جَالِسًا مَعَ ابْنِ عُمَرَ فَسَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ : كَلًّا وَأَبِي ، فَقَالَ : كَانَ عُمَرُ يَحْلِفُ بِهَا ، فَقَالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ : إنَّهَا شِرْكٌ فَلَا تَحْلِفْ بِهَا ) . 935 - حدثنا أَبُو أُمَيَّةَ ، حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ ، حدثنا إسْرَائِيلُ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ عُمَرَ قَالَ : لَا وَأَبِي ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( مَنْ حَلَفَ بِشَيْءٍ دُونَ اللَّهِ فَقَدْ أَشْرَكَ ) . فَكَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّ مَنْ حَلَفَ بِشَيْءٍ دُونَ اللَّهِ فَقَدْ أَشْرَكَ . فَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَنَا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ، لَمْ يُرِدْ بِهِ الشِّرْكَ الَّذِي يَخْرُجُ بِهِ مِنْ الْإِسْلَامِ حَتَّى يَكُونَ بِهِ صَاحِبُهُ خَارِجًا مِنْ الْإِسْلَامِ ، وَلَكِنَّهُ أُرِيدَ أَنْ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُحْلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَكَانَ مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فقَدْ جَعَلَ مَا حَلَفَ بِهِ كَمَا اللَّهَ تَعَالَى مَحْلُوفًا بِهِ ، وَكَانَ بِذَلِكَ قَدْ جَعَلَ مَنْ حَلَفَ بِهِ أَوْ مَا حَلَفَ بِهِ شَرِيكًا فِيمَا يَحْلِفُ بِهِ وَذَلِكَ عَظِيمٌ ، فَجُعِلَ مُشْرِكًا بِذَلِكَ شِرْكًا غَيْرَ الشِّرْكِ الَّذِي يَكُونُ بِهِ كَافِرًا بِاَللَّهِ تَعَالَى ، خَارِجًا مِنْ الْإِسْلَامِ . وَمِثْلُ ذَلِكَ مَا قَدْ رُوِيَ عَنْهُ فِي الطِّيَرَةِ . 936 - كَمَا حدثنا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ ، حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ الْعَبْدِيُّ ، حدثنا سُفْيَانُ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ عِيسَى بْنِ عَاصِمٍ الْأَسَدِيِّ ، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الطِّيَرَةُ شِرْكٌ ، وَمَا مِنَّا ، وَلَكِنَّ اللَّهَ يُذْهِبُهُ بِالتَّوَكُّلِ ) . 937 - وَكَمَا حدثنا يَزِيدُ ، حدثنا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ الزَّهْرَانِيُّ ، حدثنا شُعْبَةُ ، عَنْ سَلَمَةَ ، عَنْ عِيسَى رَجُلٌ مِنْ بَنِي أَسَدٍ ، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ . 938 - وَكَمَا حدثنا ابْنُ مَرْزُوقٍ ، حدثنا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ وَرَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ قَالَا : حدثنا شُعْبَةُ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ثُمَّ ذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ : ( وَمَا مِنَّا إلًّا وَلَكِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُذْهِبُهُ بِالتَّوَكُّلِ ) . فَلَمْ يَكُنْ الْمُرَادُ بِذَلِكَ الشِّرْكِ : الْكُفْرَ بِاَللَّهِ تَعَالَى ، وَلَكِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ أَنَّ شَيْئًا تَوَلَّى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِعْلَهُ ، قِيلَ فِيهِ : إنْ شِئْتَ فَعَلَهُ كَانَ كَذَا مِمَّا يُتَطَيَّرُ بِهِ . فَمِثْلُ ذَلِكَ الشِّرْكُ الْمَذْكُورُ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ هُوَ مِنْ جِنْسِ هَذَا الشِّرْكِ لَا مِنْ الشِّرْكِ بِاَللَّهِ تَعَالَى الَّذِي يُوجِبُ الْكُفْرَ بِهِ . ثُمَّ تَأَمَّلْنَا حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ الَّذِي قَدْ رَوَيْنَاهُ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ حَدِيثَيْ الْأَعْمَشِ وَسَعِيدِ بْنِ مَرْزُوقٍ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ فَوَجَدْنَاهُ فَاسِدَ الْإِسْنَادِ وَذَلِكَ : . 939 - لِأَنَّ ابْنَ مَرْزُوقٍ قَالَ : حدثنا وَهْبٌ ، حدثنا شُعْبَةُ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ ( سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ قَالَ : كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عُمَرَ فَقُمْتُ وَتَرَكْتُ عِنْدَهُ رَجُلًا مِنْ كِنْدَةَ فَأَتَيْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ فَجَاءَ فَزِعًا فَقَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إلَى ابْنِ عُمَرَ فَقَالَ : لَهُ : أَحْلِفُ بِالْكَعْبَةِ ؟ فَقَالَ : لَا وَلَكِنْ احْلِفْ بِرَبِّ الْكَعْبَةِ ، فَإِنَّ عُمَرَ كَانَ يَحْلِفُ بِأَبِيهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ فَمَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ أَشْرَكَ ) . 940 - وَأَنَّ يَزِيدَ بْنَ سِنَانٍ ، حدثنا قَالَ : حدثنا الْحَسَنُ بْنُ عُمَرَ بْنِ شَقِيقٍ ، حدثنا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ ( سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ قَالَ : كُنْتُ أَنَا وَصَاحِبٌ لِي مِنْ كِنْدَةَ جُلُوسًا عِنْدَ ابْنِ عُمَرَ ، فَقُمْتُ فَجَلَسْتُ إلَى ابْنِ الْمُسَيِّبِ فَأَتَانِي صَاحِبِي فَقَالَ : قُمْ إلَيَّ ، وَقَدْ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ وَاصْفَرَّ وَجْهُهُ ، فَقُلْتُ لَهُ : لَيْسَ إنَّمَا فَارَقْتُكَ قُبَيْلُ ، قَالَ سَعِيدٌ : قُمْ إلَى صَاحِبِك ، فَقُمْتُ إلَيْهِ فَقَالَ : أَلَمْ تَرَ إلَى مَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ ؟ فَقُلْتُ : وَمَا قَالَ ؟ قَالَ : أَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ : أَحْلِفُ بِالْكَعْبَةِ ؟ قَالَ : لَا وَلِمَ تَحْلِفُ بِالْكَعْبَةِ ؟ احْلِفْ بِرَبِّ الْكَعْبَةِ فَإِنَّ عُمَرَ حَلَفَ بِأَبِيهِ عِنْدَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ لَهُ : لَا تَحْلِفْ بِأَبِيكَ فَإِنَّهُ مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ أَشْرَكَ ) . فَوَقَفْنَا عَلَى أَنَّ مَنْصُورَ بْنَ الْمُعْتَمِرِ قَدْ زَادَ فِي إسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى الْأَعْمَشِ وَعَلَى سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ رَجُلًا مَجْهُولًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ ابْنِ عُمَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، فَفَسَدَ بِذَلِكَ إسْنَادُهُ غَيْرَ أَنَّا قَدْ ذَكَرْنَا فِي تَأْوِيلِهِ مَا إنْ صَحَّ كَانَ تَأْوِيلُهُ الَّذِي تَأَوَّلْنَاهُ عَلَيْهِ مَا ذَكَرْنَاهُ فِيهِ ، وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
813 - باب بيان مشكل ما قد تنازعه أهل العلم بعد ذلك في وجوب اللعان بالحمل المنفي ، وفي سقوط اللعان به قال أبو جعفر : قد كان بعض من يذهب إلى إثبات اللعان بنفي الحمل قبل وضع أمه إياه ، يحتج لما يذهب إليه في ذلك على مخالفيه فيه ، بقول الله في المطلقات : وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ . فيقول : قد جعل الله للمحمول به ، المطلقة أمه ، على المحمول به منه قبل وضع أمه إياه ، الإنفاق عليه ، وهو الغذاء الذي تغذاه أمه حتى يوصل إليه منه ما يكون به حياته ، وكان المحمول به منه مأخوذا بذلك ، محكوما به عليه ، كما يؤخذ به لو كان المحمول به موضوعا قبل ذلك . قال : وإذا كان ذلك كذلك ، فاستحقاق ما ذكرنا استحقاقه إياه على مطلق أمه كان كذلك : أنه يستحق به قبل وضعها إياه ملاعنته إذا نفاه عنها . فكان من حجتنا على هذا المحتج بذلك لمخالفته فيه بتوفيق الله - عز وجل - وعونه : أن الأمر في ذلك ليس كما ذكره فيه ، ولا النفقة التي جعلها الله - عز وجل - في ذلك على المطلق للمطلقة الحامل بسبب ولدها ، ليكون ذلك عدا له ، ولكنها نفقة للمطلقة نفسها ، لأنها في عدة من مطلقها ، لا لأنها حامل منه . ومما يدل على ذلك : أن رأينا المحمول به لو كان له مال قد ورثه عن أخ له لأمه توفي وأمه حامل به ، أن ذلك لا يرفع النفقة عن أبيه على أمه ، وأن النفقة على أبيه كما كانت لو كان لا مال له . فدل ذلك أن النفقة المحكوم بها على أبيه التي ذكرناها هي لأمه ، لا له ؛ لأنها لو كانت له لم يستحقها على أبيه إلا بفقره إلى ذلك ، وحاجته إليه منه ، كما لو كان موضوعا قبل ذلك لم يستحق النفقة عليه إلا بذلك . وفي وجوب النفقة على أبيه في حال يساره وفي حال إعساره ، على أمه ما قد دل أن تلك النفقة لغيره لا له . وحجة أخرى : أن النفقة لو كان يراد بها اتصال الغذاء إليه ، لوجب أن يكون بعضها مرفوعا عن أبيه ؛ لأنها تكون غذاء لأمه فيما يكون به حياتها ، ويقوم به بدنها ، ويوصل به الغذاء إليه ، فكان ما يكون من ذلك غذاء للمطلقة مرفوعا عنه ، وما يكون من ذلك يوصل الغذاء إلى ابنه ثابتا عليه . وفيما ذكرنا ما قد دل على أن معنى قول الله - عز وجل - : وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ، إنما المراد بذلك نهاية الإنفاق ، لا ما سوى ذلك ، ويدل على ذلك أيضا قوله - عز وجل - : فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ ، ولم يقل : على من هن حوامل به . وفي ذلك ما قد دل : أن الإنفاق من المطلق في حال حمل المطلقة عليها ، إنما هو عليها ؛ لاعتدادها منه حاملا كانت أو غير حامل ، كما يقول من يوجب النفقة للمطلقة الطلاق البائن في عدتها ، حاملا كانت منه أو غير حامل . وفي ثبوت ما ذكرنا ما ينفي أن يكون فيما احتج به هذا القائل باللعان بالحمل لقوله ذلك ، لما قد ذكرنا من احتجاجه به له ، والله - عز وجل - نسأله التوفيق . وقال هذا المحتج أيضا : ومما يدل على ما ذهبنا إليه في إثبات اللعان بالحمل ، السنة الثابتة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قضائه في دية شبه العمد بالأربعين الخلفة من الإبل التي في بطونها أولادها ، وذكر في ذلك . 6080 - ما قد حدثنا علي بن شيبة ، قال : حدثنا يحيى بن يحيى النيسابوري ، قال : أخبرنا هشيم ، عن خالد الحذاء ، عن القاسم بن ربيعة بن جوشن ، عن عقبة بن أوس السدوسي ، عن رجل من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطب يوم فتح مكة ، فقال في خطبته : ألا إن قتيل خطأ العمد بالسوط والعصا والحجر ، فيه دية مغلظة ، مائة من الإبل ، منها أربعون خلفة في بطونها أولادها . 6081 - وما قد حدثنا إسماعيل بن حمدويه البيكندي ، قال : حدثنا عارم أبو النعمان ومسدد بن مسرهد ويحيى بن عبد الحميد الحماني ، قالوا : حدثنا حماد بن زيد ، عن خالد الحذاء ، عن القاسم بن ربيعة بن جوشن ، عن عقبة أو يعقوب السدوسي ، عن عبد الله ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم ذكر مثله . غير أن مسددا والحماني لم يشكا ، وقالا في حديثيهما : عن القاسم بن ربيعة ، عن عقبة بن أوس ، عن عبد الله بن عمرو ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم قال هذا القائل : فهذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد قضى بالخلفات في الدية ، وهي الحوامل ، ولو كان الحمل غير معروف ، وغير مدروك ، لما قضى به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا كلفه أحدا . وفي ذلك ما قد دل على أن الحمل مدروك ، وعلى أن الحكم مستعمل فيه قبل وضع أمه إياه كما يستعمل فيه بعد وضعها إياه . فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله - جل وعز - وعونه : أنه لا حجة له فيما احتج به من ذلك لما احتج له به ؛ لأن الذي جعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من هذه الإبل ، جعله بظاهر ما تلك الإبل عليه ، وبما يقع في القلوب بما يشاهد منها أنها كذلك ، لا بتحقيق لذلك منها ، والدليل على ذلك : أنه غير مستنكر أن تكون الناقة عند الناس حاملا بما يرونه منها مما جرت العادة برؤيتهم إياه في أمثالها ، ثم يتبين أنها غير حامل ، وكذلك بنات آدم قد يرين كذلك ، ثم يتبين أن الذي كان يرى منهن غير حمل . ولما كان ذلك كذلك ، وجب أن لا يلاعن إلا بما يوقف على حقيقته ، لا فيما يستعمل فيه الظن الذي لا حقيقة معه ، ومما يدل على ذلك أن رجلا لو قال لعبده : إن كانت أمتي حاملا ، فأنت حر ، وظاهر أمرها أنها حامل ، ثم مات أبو العبد قبل أن تضع ، فجاء يطالب بميراثه ، أنه لا يحكم له بذلك في قول جميعهم ، إذ كان ما ظهر من تلك الأمة قد لا يكون حملا ، ولا يكون بالقول الذي كان من مولاه عتيقا عتاقا يستحق به ميراث أبيه . وإذا كان ذلك كذلك في المواريث ، كان في نفي الأحمال كذلك ، وكان الذي قضى به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الخلفات ، هو من ذلك المعنى أيضا . أن يحقق بوضعهن لما يعلم أنهن كن حوامل به يوم دفعهن من كن عليه إلى من وجبن له ، كان قد استوفى ما وجب له ، وإن بان أنهن كن حينئذ بخلاف ذلك ردهن ، وطالب بحوامل . وفيما ذكرنا ما قد نفى أن يكون لهذا المحتج حجة فيما احتج به مما ذكرنا لما وصفنا ، مع أنه قد ظلم مخالفة في جميع ما احتج به عليه مما ذكرنا ، لأن مخالفه يزعم أن النفقة في اعتداد المطلقات البوائن على مطلقيهن للعدة اللائي هن فيها ، لا لأحمال إن كانت بهن ، وأن الدية في شبه العمد لا خلفات فيها ، وإنما هي عندهم مائة من الإبل ، منها : خمسة وعشرون حقة ، وخمسة وعشرون جذعة ، وخمسة وعشرون بنات لبون ، وخمسة وعشرون بنات مخاض ، غير محمد بن الحسن ، فإنه قد كان يقول بالخلفات . وفيما احتججنا به في ذلك ما يدفع أن يكون عليه حجة فيما احتج به هذا المخالف عليه مما قد ذكرنا ، وفيما قد ذكرنا في هذه الأبواب ما قد دل على أن القول الصحيح في نفي الحمل ، هو ما قد ذكرناه فيه عن محمد بن الحسن بما وافقه أبو يوسف عليه ، والله نسأله التوفيق .
122 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِمَّا أَمَرَ بِهِ مَنْ حَلَفَ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى أَنْ يَقُولَ . 941 - حدثنا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ ، حدثنا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ بْنِ فَارِسَ ، وَحدثنا ابْنُ خُزَيْمَةَ ، حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ قَالَا : حدثنا إسْرَائِيلُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ ( مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ سَعْدٍ قَالَ : حَلَفْتُ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى وَكَانَ الْعَهْدُ حَدِيثًا فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقُلْتُ : إنِّي حَلَفْتُ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى وَكَانَ الْعَهْدُ حَدِيثًا فَقَالَ : قُلْتَ هَجْرًا ، اُتْفُلْ عَنْ يَسَارِكَ ثَلَاثًا ، وَقُلْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ وَاسْتَغْفِرْ اللَّهَ تَعَالَى وَلَا تَعُدْ ) . فَتَأَمَّلْنَا هَذَا الْحَدِيثَ فَوَجَدْنَا فِيهِ مَا قَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّ سَعْدًا كَانَ مِنْهُ مَا كَانَ مِمَّا ذُكِرَ عَنْهُ فِيهِ لِقُرْبِ الْعَهْدِ ، أَيْ بِعَادَتِهِمْ كَانَ مَا حَلَفَ بِهِ فَكَانَ حَلِفُهُ عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ عَادَتُهُ حَتَّى قَالَ مَا قَالَ مِمَّا حَلَفَ بِهِ عَلَى مَا قَدْ غَلَبَ عَلَى قَلْبِهِ مِمَّا دَخَلَهُ مَعَهُ السَّهْوُ عَنْ تَحْرِيمِ اللَّهِ تَعَالَى ذَلِكَ عَلَيْهِ بِإِسْلَامِهِ الَّذِي هُوَ فِيهِ ، وَكَانَ الْأَصْلُ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا حَلَفَ عَلَى مَا يَرَى أَنَّهُ عَلَى مَا حَلَفَ عَلَيْهِ فَكَانَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ لِرَجُلٍ يَرَاهُ مُقْبِلًا : هَذَا وَاَللَّهِ زَيْدٌ وَهُوَ يَرَاهُ كَذَلِكَ فَيَكُونُ عَمْرًا ، فَيَمِينُهُ تِلْكَ لَغْوٌ لَا إثْمَ عَلَيْهِ فِيهَا ؛ لِأَنَّهَا دَاخِلَةٌ فِي اللَّغْوِ الَّذِي لَا يُؤَاخِذُ اللَّهُ بِهِ ، وَإِذَا كَانَ اللَّغْوُ فِي نَفْسِ الْيَمِينِ هَذَا حُكْمُهُ كَانَ اللَّغْوُ فِي الشَّيْءِ الَّذِي يَرَى الْحَالِفُ أَنَّهُ مَحْلُوفٌ بِهِ فَلَا يَكُونُ كَذَلِكَ أَحْرَى أَنْ يَكُونَ لَغْوًا وَأَنْ لَا يَكُونَ بِهِ مَأْخُوذًا . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَمَرَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ سَعْدًا أَنْ لَا يَعُودَ إلَى مَا كَانَ مِنْهُ . قِيلَ لَهُ : مَعْنَى ذَلِكَ عِنْدَنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ : أَنْ يَتَحَفَّظَ مِنْ نَفْسِهِ حَتَّى لَا يَكُونَ مِنْهُ مِثْلُ ذَلِكَ مِنْ السَّهْوِ الَّذِي يَغْلِبُ عَلَيْهِ حَتَّى يَكُونَ ذَلِكَ مِنْهُ . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا يَدْخُلُ فِي هَذَا الْمَعْنَى . 942 - حدثنا يُونُسُ أَخبرنا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَني يُونُسُ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ حَلَفَ مِنْكُمْ فَقَالَ فِي حَلِفِهِ بِاللَّاتِ ، فَلْيَقُلْ : لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ : تَعَالَ أُقَامِرُك فَلْيَتَصَدَّقْ ) . 943 - وَمَا حدثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، حدثنا كَثِيرُ بْنُ عُبَيْدٍ ، حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ ، عَنْ الزُّبَيْدِيِّ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ . فَكَانَ مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَقْصُودًا بِهِ إلَى خَوَاصَّ مِنْ النَّاسِ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ : مَنْ حَلَفَ مِنْكُمْ ، أَيْ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى فَكَانَ مِنْهُ هَذَا عَلَى مَا كَانَتْ جَرَتْ عَلَيْهِ عَادَتُهُ قَبْلَ إسْلَامِهِ فَسَهَا فِي إسْلَامِهِ حَتَّى كَانَ هَذَا مِنْهُ أَنْ يُتْبِعَ ذَلِكَ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إلَهَ سِوَاهُ ، وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
691 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يدل على لزوم الكفالات بالأنفس . 5199 - حدثنا محمد بن خزيمة ، حدثنا يوسف بن عدي الكوفي ، حدثنا عبد الله بن المبارك ، عن معمر ، عن أيوب ، عن أبي قلابة ، عن أبي المهلب ، عن عمران بن الحصين قال : أسرت ثقيف رجلين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم , وأسر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا من بني عامر بن صعصعة , فمر به على النبي صلى الله عليه وسلم وهو موثق , فأقبل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم , فقال : على ما أحبس ؟ فقال : لجريرة حلفائك , قال : ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم , فناداه , فأقبل إليه , فقال له الأسير : إني مسلم , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لو قلتها وأنت تملك أمرك لأفلحت كل الفلاح , ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم , فناداه أيضا , فأقبل , فقال : إني جائع فأطعمني , فقال النبي صلى الله عليه وسلم : هذه حاجتك , ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم فداه بالرجلين اللذين كانت ثقيف أسرتهما . 5200 - وحدثنا فهد ، حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين , حدثنا حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن أبي قلابة ، عن أبي المهلب ، عن عمران بن حصين قال : كانت العضباء لرجل من عقيل أسر , فأخذت العضباء منه , فأتى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم , فقال : يا محمد , على ما تأخذونني , وتأخذون سابقة الحاج وقد أسلمت ؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : لو قلتها وأنت تملك أمرك لأفلحت كل الفلاح , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : آخذك بجريرة حلفائك , وكانت ثقيف قد أسرت رجلين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم , ورسول الله صلى الله عليه وسلم على حمار عليه قطيفة , فقال : يا محمد , إني جائع فأطعمني , وظمآن فاسقني , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هذه حاجتك , ثم إن الرجل فدي بالرجلين وحبس رسول الله صلى الله عليه وسلم العضباء لرحله . فتأملنا هذا الحديث فوجدنا فيه ما قد دلنا على أن القوم الذين كان منهم ذلك الأسير لم يكن بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم أمان ولا موادعة لاحتباسه الراحلة , ولا يجوز أن يحبسها إلا لأنه لا أمان ولا موادعة كانتا فيما بينه وبين أهلها . وكان في هذا الحديث وقوف رسول الله صلى الله عليه وسلم على إسلام ذلك الأسير , وتركه رفع الأسرعنه بإسلامه , لأن الإسلام في هذا لا يرفع واجبا قبله , ألا ترى أن الأسير لو كان كتابيا وكان يسترق لو لم يسلم أنه يسترق وإن أسلم ؟ وأن الإسلام لا يرفع عنه إلا القتل خاصة ؟ فكذلك ذلك الأسير لم يرفع عنه إسلامه الذي كان منه الحبس الذي كان عليه بجريرة حلفائه وهم غيره , وأنه لا يرد إليهم وإن كان قد أسلم حتى يردوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجلين اللذين أسروهما من أصحابه , وكان ما وجب عليه من ذلك لما بينه وبين حلفائه على ما كانوا عليه من الحرب لرسول الله صلى الله عليه وسلم , ولما كان مأخوذا بذلك , وإن كان لم يوجبه على نفسه إنما أوجبته عليه الشريعة , كان لو أوجب على نفسه مثل ذلك من تخليص من أسر من المسلمين عليه أوجب , وفي الحكم له ألزم . وإن كان ذلك كذلك كانت مثله الكفالات بالأنفس إذا أوجبها بعض الناس على نفسه تجب كذلك كما كان الكوفيون والمدنيون جميعا يذهبون إليه في ذلك , وكما كان الشافعي يذهب إليه فيه , غير أنه ضعفها مرة ولم يبطلها , فجئنا بما جئنا به مما ذكرنا لنعلم قوتها , وأنه لا يجب ضعفها من جهة , وكيف يضعف ما قد دل عليه ما قد ذكرنا . ومثل ذلك أيضا تولية رسول الله صلى الله عليه وسلم النقباء على الأنصار وهم الأمناء عليهم الذين يدفعون إليه ما يكون منهم ما يستحقون به الحمد عليه , ومما يستحقون به الذم عليه , وكانوا مأخوذين بذلك , فهم كالكفلاء به , وقد ذكر محمد بن إسحاق في مغازيه . 5201 - ما قد حدثنا فهد ، حدثنا يوسف بن بهلول ، حدثنا عبد الله بن إدريس ، عن محمد بن إسحاق ، عن عبد الله بن أبي بكر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للأنصار : إني أولي عليكم نقباء يكونون عليكم كنقباء بني إسرائيل , كفلاء . وفي ذلك ما قد حقق الكفالة بالأنفس , لا سيما عند من يحتج بالمغازي ويجعلها حجة على مخالفه . وقد وجدنا عن جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يوجب ثبوتها , ومن ذلك ما قد 5202 - حدثنا ابن أبي داود ، حدثنا ابن أبي مريم ، أخبرنا ابن أبي الزناد ، حدثني أبي ، عن محمد بن حمزة بن عمرو الأسلمي ، عن أبيه أن عمر بعثه مصدقا على سعد هذيم , فأتي حمزة بمال ليصدقه , فإذا رجل يقول لامرأته : أدي صدقة مال مولاك , وإذا المرأة تقول له : بل أنت فأد صدقة مال أبيك , فسأل حمزة عن أمرهما وقولهما , فأخبر أن ذلك الرجل زوج تلك المرأة , وأنه وقع على جارية لها , فولدت ولدا , فأعتقته امرأته , قالوا : فهذا المال لأبيه من جاريتها , فقال حمزة : لأرجمنك بأحجارك , فقيل له : أصلحك الله , إن أمره قد رفع إلى عمر بن الخطاب , فجلده عمر مئة ولم ير عليه الرجم , فأخذ حمزة بالرجل كفيلا حتى قدم على عمر فسأله عما ذكر من جلد عمر إياه ولم ير عليه الرجم , فصدقهم عمر بذلك , وقال : إنما درأ عنه الرجم , لأنه عذره بالجهالة . ومن ذلك ما قد 5203 - حدثنا القاسم بن عبد الرحمن الجزري الميافارقيني ، حدثنا أحمد بن سليمان أبو الحسين الرهاوي ، حدثنا يحيى بن آدم , حدثنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن حارثة بن مضرب قال : صليت الغداة مع عبد الله بن مسعود في المسجد , فلما سلم قام رجل , فحمد الله وأثنى عليه , ثم قال : أما بعد , فوالله لقد بت هذه الليلة وما في نفسي على أحد من الناس حنة , وإني كنت استطرقت رجلا من بني حنيفة لفرسي , فأمرني أن آتيه بغلس , وإني أتيته , فلما انتهيت إلى مسجد بني حنيفة مسجد عبد الله بن النواحة سمعت مؤذنهم وهو يشهد أن لا إله إلا الله وأن مسيلمة رسول الله , فاتهمت سمعي , وكففت الفرس حتى سمعت أهل المسجد اتفقوا على ذلك , فما كذبه عبد الله , وقال : من هاهنا ؟ فقام رجال , فقال : علي بعبد الله بن النواحة وأصحابه . قال حارثة : فجيء بهم وأنا جالس , فقال عبد الله لابن النواحة : ويلك ! أين ما كنت تقرأ من القرآن ؟ قال : كنت أتقيكم به , قال له : تب , فأبى , فأمر به عبد الله قرظة بن كعب الأنصاري , فأخرجه إلى السوق فجلد رأسه . قال حارثة : فسمعت عبد الله يقول : من سره أن ينظر إلى عبد الله بن النواحة قتيلا بالسوق فليخرج , فلينظر إليه . قال حارثة : فكنت فيمن خرج ينظر إليه , ثم إن عبد الله استشار أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في بقية النفر , فقام عدي بن حاتم الطائي , فحمد الله وأثنى عليه , ثم قال : أما بعد , فثؤلول من الكفر أطلع رأسه , فاحسمه , فلا يكون بعده شيء , وقام الأشعث بن قيس وجرير بن عبد الله , فقالا : بل استتبهم , وكفلهم عشائرهم , فاستتابهم فتابوا , وكفلهم عشائرهم , ونفاهم إلى الشام . ففي هذين الحديثين استعمال عبد الله الكفالة بالأنفس بمشورة من أشار عليه بها , وبحضور من حضرها , فلم ينكر عليه ذلك , ولم يخالفه فيه , فدل ذلك على متابعتهم إياه عليه , وما جاء هذا المجيء كان بالقوة أولى , وبنفي الضعف عنه أحرى , والله أعلم .
123 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِيمَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ سِوَى مِلَّةِ الْإِسْلَامِ كَاذِبًا . 944 - حدثنا يُونُسُ ، حدثنا بِشْرُ بْنُ بَكْرٍ ، حدثنا الْأَوْزَاعِيِّ ، حدثنا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ ، حَدَّثنِي أَبُو قِلَابَةَ الْجَرْمِيُّ ، حَدَّثنِي ثَابِتُ بْنُ الضَّحَّاكِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : ( مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ سِوَى مِلَّةِ الْإِسْلَامِ كَاذِبًا فَهُوَ كَمَا قَالَ ) . 945 - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَيْمُونٍ الْبَغْدَادِيُّ أَبُو بَكْرٍ ، حدثنا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ ، عَنْ يَحْيَى قَالَ : حَدَّثنِي أَبُو قِلَابَةَ ، حَدَّثنِي ثَابِتُ بْنُ الضَّحَّاكِ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ مِثْلَهُ . فَتَأَمَّلْنَا هَذَا الْحَدِيثَ فَوَجَدْنَا فِيهِ مَعْنًى حَسَنًا مِنْ الْفِقْهِ وَهُوَ أَنَّ مَنْ حَلَفَ فَقَالَ هُوَ يَهُودِيٌّ إنْ كَانَ كَذَا وَكَذَا لِمَا يَعْلَمُ أَنَّهُ قَدْ كَانَ ، كَانَ مَا عَلَّقَهُ لَا مَعْنَى لَهُ لِأَنَّ تَعْلِيقَ الْأَيْمَانِ عَلَى الْأَشْيَاءِ الْمَاضِيَةِ كَذَلِكَ كَالرَّجُلِ يَقُولُ : امْرَأَتِي طَالِقٌ إنْ كَانَ كَذَا ؛ لِمَا هُوَ عَالِمٌ أَنَّهُ قَدْ كَانَ كَانَتْ امْرَأَتُهُ طَالِقًا ، وَكَانَ بِذَلِكَ كَمَنْ قَالَ امْرَأَتِي طَالِقٌ وَلَمْ يُعَلِّقْ ذَلِكَ عَلَى شَيْءٍ . فَمِثْلُ ذَلِكَ مَنْ قَالَ هُوَ يَهُودِيٌّ إنْ كَانَ كَذَا وَكَذَا لِمَا قَدْ كَانَ ، كَانَ بِذَلِكَ كَمَنْ لَوْ قَالَ هُوَ يَهُودِيٌّ فَكَانَ بِذَلِكَ مُرْتَدًّا وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي الْحُكْمِ فِي الْأَشْيَاءِ الْمُسْتَقْبَلَةِ كَهَذَا الْمَعْنَى ؛ لِأَنَّ رَجُلًا لَوْ قَالَ هُوَ يَهُودِيٌّ إنْ كَانَ كَذَا لَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ كَافِرًا لِأَنَّهُ فِي يَمِينِهِ لَمْ يُوجِبْ التَّهَوُّدَ لِنَفْسِهِ ، إنَّمَا أَوْجَبَهُ إذَا مَا حَلَفَ بِهِ عَلَيْهِ كَمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ إذَا كَانَ كَذَا فَأَنْتِ طَالِقٌ فَهُوَ غَيْرُ مُطَلِّقٍ لَهَا الْآنَ ، وَبَانَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْحَلِفَ بِمِلَّةٍ سِوَى مِلَّةِ الْإِسْلَامِ مِمَّا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَيْنَاهُ إنَّمَا هُوَ فِي الْحَلِفِ بِهَا عَلَى الْأَشْيَاءِ الْمُسْتَدْبَرَةِ لَا عَلَى الْأَشْيَاءِ الْمُسْتَقْبَلَةِ ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ .
814 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من قوله : من سلم على أخيه ثم لقيه بعد ذلك ، وقد حالت بينهما شجرة أو حائط ، فليسلم عليه . 6082 - حدثنا بحر بن نصر ، قال : حدثنا عبد الله بن وهب ، قال : قال معاوية بن صالح : وحدثني عبد الوهاب بن بخت ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من لقي أخاه فليسلم عليه ، وإن حالت بينهما شجرة أو حائط أو حجر ، ثم لقيه ، فليسلم عليه . 6083 - وحدثنا فهد وهارون بن كامل ، قالا : حدثنا عبد الله بن صالح ، قال : حدثني معاوية بن صالح ، ثم ذكر بإسناده مثله . قال أبو جعفر : فكان في هذا الحديث أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بتجديد السلام من الناس بعضهم على بعض إذا غاب بعضهم عن بعض مما ذكر في هذا الحديث ، وذلك أحسن ما يكون من الآداب ، وأوصل لما يكون بين الناس ، وكذلك كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفعلون بعده . 6084 - كما حدثنا عبد العزيز بن محمد بن الحسن بن زبالة المديني ، قال : حدثني عبد الأعلى بن حماد النرسي ، قال : حدثنا حماد بن سلمة ، عن ثابت وحميد ، عن أنس ، قال : كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتماشون ، فإذا لقيتهم شجرة أو أكمة ، تفرقوا يمينا أو شمالا ، فإذا التقوا مرورا بها ، سلم بعضهم على بعض . قال : وفي ذلك ما قد دل على تمسكهم بآداب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأموره رضوان الله عليهم ، والله نسأله التوفيق .
124 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي النَّذْرِ أَنَّهُ لَا يُؤَخِّرُ شَيْئًا . 946 - حدثنا يُونُسُ أَخبرنا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : سَمِعْت سُفْيَانَ يُحَدِّثُ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ : ( نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَنْ النَّذْرِ وَقَالَ : إنَّهُ لَا يُؤَخِّرُ شَيْئًا وَلَكِنْ يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنْ الْبَخِيلِ ) . 947 - حدثنا ابْنُ مَعْبَدٍ ، حدثنا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ ، حدثنا سُفْيَانُ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ إلَّا أَنَّهُ قَالَ : ( يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنْ الشَّحِيحِ ) . 948 - حدثنا الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَنْصُورٍ الْبَالِسِيُّ ، حدثنا الْهَيْثَمُ بْنُ جَمِيلٍ ، حدثنا شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : ( نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ النَّذْرِ ، وَأَمَرَ بِالْوَفَاءِ بِهِ ) . فَفِيمَا رَوَيْنَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ نَهْيُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ النَّذْرِ فَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ نَهْيُهُ عَنْهُ إذَا كَانَ لَا يُؤَخِّرُ شَيْئًا وَلَمْ يَكُنْ نَهْيُهُ عَنْهُ لِأَنَّهُ مَعْصِيَةٌ ، وَلَكِنْ أَنَّهُ يُرَادُ بِهِ مَا لَا يَعْمَلُ فِيهِ شَيْئًا ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَمْرُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِالْوَفَاءِ بِهِ عَلَى مَا فِي حَدِيثِ شَرِيكٍ ، وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ سُفْيَانَ : وَلَكِنْ يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنْ الْبَخِيلِ ، أَوْ مِنْ الشَّحِيحِ ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ : يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا أَيْ إنْ لَمْ يَفُوا بِهِ عُقُوبَةٌ لَهُمْ عَلَى تَرْكِ ذَلِكَ . 949 - حدثنا يُونُسُ أَيْضًا ، حدثنا ابْنُ وَهْبٍ ، حَدَّثني أَبُو يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ الْخُزَاعِيُّ ، قَالَ يُونُسُ - يَعْنِي فُلَيْحًا - : أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْحَارِثِ ، حَدَّثهُ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ وَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي كَعْبٍ يُقَالُ لَهُ مَسْعُودُ بْنُ عَمْرٍو فَقَالَ لَهُ : يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إنَّ ابْنِي كَانَ بِأَرْضِ فَارِسَ فِيمَنْ كَانَ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ التَّيْمِيِّ وَإِنَّهُ وَقَعَ بِالْبَصْرَةِ طَاعُونٌ شَدِيدٌ ، فَلَمَّا بَلَغَنِي ذَلِكَ نَذَرْتُ إنْ اللَّهُ جَاءَ بِابْنِي أَنْ يَمْشِيَ إلَى الْكَعْبَةِ ، فَقَدِمَ مَرِيضًا فَمَاتَ فَمَا تَرَى ؟ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : أَوَلَمْ تُنْهَوْا عَنْ النَّذْرِ ؟! إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( إنَّ النَّذْرَ لَا يُقَدِّمُ شَيْئًا وَلَا يُؤَخِّرُهُ وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِالنَّذْرِ مِنْ الْبَخِيلِ ، أَوْفِ بِنَذْرِكَ ) قَالَ : إنَّمَا نَذَرْتُ أَنْ يَمْشِيَ ابْنِي ! قَالَ : أَوْفِ بِنَذْرِكَ ، فَقُلْتُ لِلْخُزَاعِيِّ : ائْتِ ابْنَ الْمُسَيِّبِ ثُمَّ أَخْبِرْنِي بِمَا يَقُولُ : فَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ قَالَ لَهُ امْشِ عَنْ ابْنِكَ ، فَقُلْتُ لَهُ : تَرَى ذَلِكَ مُجْزِيًا عَنْهُ ، قَالَ : نَعَمْ ، أَرَأَيْتَ لَوْ تَرَكَ ابْنُكَ دَيْنًا فَقَضَيْتَهُ عَنْهُ أَتَرَى ذَلِكَ مُجْزِيًا عَنْهُ ؟ قَالَ : قُلْتُ : نَعَمْ . 950 - حدثنا ابْنُ مَرْزُوقٍ ، حدثنا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ ، حدثنا فُلَيْحٌ ثُمَّ ذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي هَذَا الْبَابِ 951 - مَا حدثنا يُونُسُ ، حدثنا سُفْيَانُ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ( عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : لَا يَأْتِي النَّذْرُ عَلَى ابْنِ آدَمَ بِشَيْءٍ لَمْ أُقَدِّرْهُ عَلَيْهِ وَلَكِنَّهُ شَيْءٌ أَسْتَخْرِجُ بِهِ مِنْ الْبَخِيلِ يُؤْتِينِي عَلَيْهِ مَا لَا يُؤْتِينِي عَلَى الْبُخْلِ ) . 952 - وَمَا حدثنا فَهْدٌ ، حدثنا الْقَعْنَبِيُّ أَخبرنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ عَمْرٍو ، عَنْ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( إنَّ النَّذْرَ لَا يُقَرِّبُ لِابْنِ آدَمَ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ قُدِّرَ ، وَلَكِنْ النَّذْرُ يُوَافِقُ الْقَدَرَ فَيُخْرِجُ بِذَلِكَ مِنْ الْبَخِيلِ مَا لَمْ يَكُنْ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَهُ ) . وَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا فِي النَّذْرِ أَنَّهُ لَا يُقَدِّمُ شَيْئًا كَمِثْلِ مَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى . وَفِيمَا رَوَيْنَاهُ عَنْهُمَا ( عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ إخْبَارُهُ النَّاسَ أَنَّ مَا يَنْذُرُونَ لَا يُقَرِّبُ شَيْئًا مِمَّا لَمْ يُقَدَّرْ )، وَدَلِيلٌ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ الْمَذْكُورَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ إنَّمَا أُرِيدَ بِهِ إعْلَامُهُمْ أَنْ لَا يَنْذُرُوا لِهَذَا الْمَعْنَى الَّذِي يَلْتَمِسُونَ بِهِ تَقْرِيبَ مَا يُحِبُّونَ ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ نَفْسَ النَّذْرِ الَّذِي يَطْلُبُونَ بِهِ الْقُرْبَةَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى مِمَّا قَدْ نُهُوا عَنْهُ ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ .
690 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في العارية مما يحتج به من يوجب ضمانها ومما سوى ذلك , مما روي عنه فيها . 5185 - حدثنا الحسن بن مخلد بن حازم الكوفي الخزاز ، حدثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني , حدثنا شريك بن عبد الله , عن عبد العزيز وهو ابن رفيع ، عن ابن أبي مليكة ، عن أمية بن صفوان بن أمية ، عن أبيه قال : استعار النبي صلى الله عليه وسلم من صفوان بن أمية أدراعا من حديد يوم حنين , فقال له : يا محمد , مضمونة ؟ فقال : مضمونة , فضاع بعضها , فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : إن شئت غرمناها لك , قال : لا , أنا أرغب في الإسلام من ذلك يا رسول الله . قال : ففي هذا الحديث اشتراط رسول الله صلى الله عليه وسلم لصفوان فيما كان أعاره إياه من تلك الأدراع الضمان . فتأملنا هذا الحديث في إسناده كيف هو ؟ . 5186 - فوجدنا أحمد بن شعيب قد حدثنا قال : أخبرنا عبد الرحمن بن محمد بن سلام ، حدثنا يزيد بن هارون ، أخبرنا شريك بن عبد الله , عن عبد العزيز بن رفيع ، عن أمية بن صفوان بن أمية ، عن أبيه , ثم ذكر مثله , ولم يذكر في إسناده ابن أبي مليكة . فاختلف يزيد والحماني على شريك في إسناد هذا الحديث كما ذكرناه , ثم التمسناه من رواية غير شريك إياه ، عن عبد العزيز . 5187 - فوجدنا فهدا قد حدثنا قال : حدثنا أبو غسان ، عن إسرائيل بن يونس ، عن عبد العزيز بن رفيع ، عن ابن أبي مليكة ، عن ابن صفوان بن أمية , ولم يتجاوزه في إسناده إلى أبيه ولا إلى غيره , قال : استعار رسول الله صلى الله عليه وسلم من صفوان بن أمية أدراعا , فضاع بعضها , فقال : إن شئت غرمناها لك , قال : لا يا رسول الله . فقوي في قلوبنا دخول ابن أبي مليكة في إسناد هذا الحديث , والقضاء في ذلك للحماني على يزيد . ثم وجدنا شريكا وإسرائيل قد اختلفا فيمن بعد ابن أبي مليكة في إسناد هذا الحديث , فكان في إسناد شريك أنه عن أمية بن صفوان عن أبيه , وفي حديث إسرائيل عن ابن صفوان وهو أمية , وليس فيه ذكره إياه : عن أبيه . ثم نظرنا في هذا الحديث أيضا هل نجده في غير روايتي شريك وإسرائيل , فنقف على حقيقته كيف هو في ذلك ؟ . 5188 - فوجدنا أحمد بن داود قد حدثنا قال : حدثنا مسدد بن مسرهد ، حدثنا أبو الأحوص ، حدثنا عبد العزيز بن رفيع ، عن عطاء بن أبي رباح , عن ناس من آل صفوان بن أمية قالوا : استعار رسول الله صلى الله عليه وسلم من صفوان بن أمية سلاحا , فقال له صفوان : أعارية أم غصب ؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : بل عارية , فأعاره ما بين ثلاثين إلى أربعين درعا , فغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم حنينا , فلما هزم المشركون قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اجمعوا أدرع صفوان , ففقدوا من دروعه دروعا , فقال النبي صلى الله عليه وسلم لصفوان : إن شئت غرمناها لك , فقال صفوان : يا رسول الله ، إن في قلبي من الإيمان ما لم يكن يومئذ . 5189 - وحدثنا أحمد بن داود قال : وحدثناه مسدد مرة أخرى قال : حدثنا أبو الأحوص ، عن عبد العزيز بن رفيع ، عن عطاء بن أبي رباح ، عن صفوان بن أمية أن النبي صلى الله عليه وسلم استعار منه أدراعا , ثم ذكر هذا الحديث قال أبو جعفر : فوجدنا أبا الأحوص قد اضطرب في إسناد هذا الحديث هذا الاضطراب , فجعله مرة عن ناس من آل صفوان , ومرة عن صفوان نفسه , وكانت روايتاه إياه جميعا عن عطاء بن أبي رباح [ لا ] عن ابن أبي مليكة وكان هذا مما قد خالف فيه شريكا وإسرائيل في إسناد هذا الحديث , وليس في روايتيه جميعا ذكر ضمان اشترطه على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما كان أعاره إياه من تلك الأدراع . ثم نظرنا هل رواه عن عبد العزيز غير شريك وإسرائيل وأبي الأحوص أم لا ؟ . 5190 - فوجدنا الربيع المرادي قد حدثنا قال : حدثنا أسد بن موسى ، حدثنا جرير بن عبد الحميد ، عن عبد العزيز بن رفيع ، عن أناس من آل عبد الله بن صفوان قالوا : أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يغزو حنينا , فقال لصفوان : ما عندك سلاح تعيرنا ؟ , فقال : أعارية أم غصب ؟ قال : بل عارية , فأعاره ما بين الثلاثين إلى الأربعين درعا , فأراد أن يغزو مع النبي صلى الله عليه وسلم , فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنك من أشراف مكة وساداتهم , وإني أكره أن أغزي مكة , فأقم , فأقام , وغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم , فلما فرغوا من غزاتهم أمر بدروع صفوان أن تجمع , فجمعت , فافتقدوا منها دروعا , فقال النبي صلى الله عليه وسلم لصفوان : إن شئت غرمناها لك , فقال صفوان : لا , إن في قلبي من الإيمان ما لم يكن يومئذ . فكان في هذا الحديث أن الذي أخذه عبد العزيزعنه إنما هو من أخذه عنه من آل عبد الله بن صفوان , فخالف كل من ذكرناه قبله في هذا الباب من رواة هذا الحديث عن عبد العزيز , وعاد بروايته إياه منقطعا غير موصول الإسناد , وليس في روايته ولا في رواية أبي الأحوص إياه عن عبد العزيز بن رفيع ذكر ضمان للعارية , فوقفنا بذلك على اضطراب هذا الحديث هذا الاضطراب الشديد , وما كانت هذه سبيله , لم يكن مثله تقوم به حجة لأحد على مخالف له فيه , وبالله التوفيق . وكان معقولا أن العارية لو كانت مضمونة لغني رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذكر ضمانها لصفوان , ولقال له : وهل تكون العارية إلا مضمونة ؟ ففي تركه ذلك دليل على أن إحداثه له بقوله : إنها مضمونة ضمانا أوجبه ذلك القول لا نفس العارية , وقد كان صفوان يومئذ حديث عهد بالجاهلية , لأن حنينا إنما غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد فتح مكة , وكان صفوان قبل ذلك قد عهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم اشتراطات للحربيين ما لا توجبه الشريعة من المسلمين بعضهم لبعض , من ذلك اشتراطه صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية أن من جاءه من المشركين راغبا في دينه تاركا لما عليه المشركون رده إليه , وأن من جاء إلى المشركين من أصحابه لم يردوه إليه , وأن من جاءه من نساء المشركين داخلا في دينه رد إليه ما كان ساق إلى زوجته من الصداق للتزويج الذي كان بينه وبينها , وكان صفوان يوقفه على مثل هذه الأشياء التي قد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشترطها للمشركين مما لا يجوز أمثالها بين المسلمين , فيجوز ذلك للمشركين , ويلزم لهم المسلمين , سأل مثل ذلك ليلزم له رسول الله صلى الله عليه وسلم , لا أن من شريعته وجوب الضمان في العارية , وهذه علة صحيحة ذكرها لي محمد بن العباس عن محمد بن الحسن بغير ذكر منه من أخذها منه عنه , وذلك شبيه بما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم , ثم ما كانت عليه العرب في لغته ولغاتها ؛ لأن الذين كانوا عليه في ذلك هو الإيجاز لا ما سواه , وكانت العارية لو كانت شريعته توجب ضمانها لغني بذكرها عن ذكر ضمانها , ولكن الذي كان منه بعد ذلك مما سأله صفوان إياه أحدث حكما لم يكن قبله , وهو وجوب ضمانها بالاشتراط الذي اشترط له فيها , ومما قد دل على ذلك ما قد روي عنه صلى الله عليه وسلم في العارية في غير هذا الحديث . 5191 - كما قد حدثنا يحيى بن عثمان , حدثنا نعيم بن حماد ، حدثنا ابن المبارك ، أخبرنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر ، حدثني سعيد بن أبي سعيد , عمن سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ألا إن العارية مؤداة , والمنحة مردودة , والدين مقضي , والزعيم غارم . 5192 - وكما حدثنا الربيع المرادي ، حدثنا أسد بن موسى ، حدثنا إسماعيل بن عياش ، عن شرحبيل بن مسلم الخولاني ، عن أبي أمامة الباهلي ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مثله . فكان في هذين الحديثين إعلام رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس أن العارية مؤداة , وفي ذلك ما يوجب أنها أمانة , كما قال الله عز وجل : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا ([ النساء : 58 ] , فكشف ذلك ما قد ذكرناه مما حملنا حديث صفوان عليه , مع أن حديث صفوان قد رواه قتادة عن عطاء بن أبي رباح , وليس بدون عبد العزيز بن رفيع , ولم يتجاوزه به بهذا اللفظ أيضا . 5193 - كما حدثنا أحمد بن الحسن بن القاسم الكوفي ، حدثنا عبد الوهاب بن عطاء ، عن سعيد ، عن قتادة ، عن عطاء أن النبي صلى الله عليه وسلم استعار من صفوان بن أمية دروعا يوم حنين , فقال له : أمؤداة يا رسول الله العارية ؟ قال : نعم . فلم يكن ما روى عبد العزيز عليه حديث صفوان بأولى به مما رواه عليه قتادة مع تكافئهما في انقطاعه في أكثر الروايات عن عبد العزيز . فقال قائل : فقد روينا عن عبد الله بن عباس وعن أبي هريرة ما يوجب غرم العارية إذا ضاعت في يد مستعيرها لمعيره إياها . 5194 - وذكر ما قد حدثنا يونس ، حدثنا سفيان ، عن عمرو بن دينار ، عن عبد الرحمن بن السائب ، عن أبي هريرة وعن عمرو , عن ابن أبي مليكة ، عن ابن عباس رضي الله عنهما قالا : العارية تضمن إن اتبعها صاحبها . 5195 - وما قد حدثنا يحيى بن عثمان , حدثنا نعيم ، حدثنا جرير يعني ابن عبد الحميد ، عن عبد العزيز بن رفيع ، عن ابن أبي مليكة ، عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كتب إليه في العارية : أن اضمنها لصاحبها . فكان جوابنا له في ذلك أنا لم ندفع أن يكون في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من يرى ضمان العارية , ولكنه - وإن كان من ذكر في هذين الحديثين قد ضمنها - فإن منهم من لم يضمنها وجعلها أمانة , وهم عمر بن الخطاب , وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما . 5196 - كما قد حدثنا أحمد بن داود , حدثنا عمار بن عمر الحلبي قاضي أهل مكة ، حدثنا حفص بن غياث ، عن الحجاج بن أرطاة ، عن هلال بن عبد الرحمن يعني الوزان ، عن ابن عكيم يعني عبد الله بن عكيم الجهني ، عن ابن عمر ، عن عمر أنه كان لا يضمن العارية . 5197 - وكما حدثنا أحمد بن داود ، حدثنا يوسف بن إبراهيم المزني ، حدثنا عبد الرزاق ، عن إسرائيل بن يونس ، عن عبد الأعلى ، عن محمد ابن الحنفية ، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه كان لا يضمن العارية , ويقول : هي معروف . قال أبو جعفر : ولما اختلف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في حكمها هذا الاختلاف رجعنا إلى ما يوجبه النظر فيما اختلفوا فيه من ذلك , فوجدنا العارية مقبوضة من ربها بطيب نفسه بذلك , لا بعوض يعوضه على ما أباح منها , وقد وجدنا الأشياء المستأجرات مقبوضة من أربابها بأعواض يجب على مستأجريها إياها منهم لهم , وكانت ملك الأشياء المستعملة على ذلك غير مضمونة , وإذا كانت مع وجوب الأعواض في استعمالها غير مضمونة كانت في استعمالها على غير وجوب الأعواض في ذلك أحرى أن لا تكون مضمونة , وهكذا كان الكوفيون أبو حنيفة والثوري وأصحابهما وكثير منهم سواهم يذهبون إليه في ذلك . فأما المدنيون فيجعلون ما ضاع من ذلك مما يظهر ضياعه يضيع على الأمانة , وما كان من ذلك مما يخفى ضياعه يضيع على الضمان , ولا فرق في القياس في ذلك بين ما يظهر ضياعه وبين ما يخفى ضياعه , كما لا فرق بين ذلك في الغصوب المضمونات وفي الودائع الأمانات , وفي رفعهم الضمان فيما يظهر هلاكه ما يجب به عليهم رفع الضمان فيما يخفى هلاكه . 5198 - وقد حدثنا روح بن الفرج ، حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير ، حدثني الليث بن سعد ، حدثني طلحة بن أبي سعيد ، حدثني خالد بن أبي عمران قال : سألت سليمان بن يسار عن رجل استعار دابة من رجل , وأخبره بما يريد بها , فأعاره إياها على ذلك , فأصيبت في تلك العارية , هل عليه غرامة ؟ قال : لا , إلا أن يكون قتلها متعمدا . قال الليث : على هذا أدركنا شيوخنا في أنه ليس في العارية ضمان إلا أن يتعدى ما استعارها له , فيضمن . وقد قال ابن شهاب : على هذا أدركنا الناس حتى اتهم الولاة الناس فضمنوهم . وفيما ذكرنا أن الجماعة من متقدمي أهل المدينة ومن متقدمي أهل مصر على ترك تضمين العارية ما لم يتعد فيها , وتأملنا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث صفوان فيما ضاع من دروعه , فوجدنا فيه أنه قال له : إن شئت غرمناها لك , فعقلنا بذلك أن غرمها لم يكن في الحقيقة واجبا لولا ما أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم من القول الذي كان أعطاه فيها , ولو كانت مضمونة لما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم غرمها له , ولا رد ذلك إلى مشيئته إياه , ولحقق وجوب غرمها له عليه كما يقول أهل العلم في الدين الذي لبعض الناس على بعض : إنه واجب لمن هو عليه مطالبة من هو له عليه يأخذه منه حتى تبرأ ذمته , ورسول الله صلى الله عليه وسلم أولى الناس بذلك وأشدهم تمسكا به . وفي جواب صفوان لرسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : إن في قلبي اليوم من الإيمان ما لم يكن يومئذ . دليل على أن الذي كان اشترطه عليه من الضمان لما أعاره إياه كان على حكم غير الإيمان , كما قال محمد بن الحسن مما ذكرناه من رواية محمد بن العباس . وفي ذلك ما قد دل على أن حكم العارية بين أهل الإيمان بخلاف ذلك من انتفاء الضمان عنها , وبالله التوفيق .
125 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ قَوْلِهِ : ( سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ ) . 953 - حدثنا ابْنُ مَعْبَدٍ ، حدثنا مُعَلَّى بْنُ مَنْصُورٍ ، حدثنا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ ) . 954 - حدثنا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ أَبُو عُبَيْدٍ ، حدثنا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الرَّبِيعِ أَخبرنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، حدثنا مَعْمَرٌ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعْدٍ قَالَ : ، حدثنا سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ ، فَاخْتَلَفَ زَكَرِيَّا بْنُ أَبِي زَائِدَةَ وَمَعْمَرُ بْنُ رَاشِدٍ عَلَى أَبِي إِسْحَاقَ فِي ابْنِ سَعْدٍ الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَعْدٍ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ ، فَذَكَرَ زَكَرِيَّا أَنَّهُ مُحَمَّدٌ وَذَكَرَ مَعْمَرٌ أَنَّهُ عُمَرُ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ ذَلِكَ مِنْهُمَا مَنْ هُوَ . 955 - حدثنا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ ، حدثنا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ، حدثنا شُعْبَةُ ، عَنْ مَنْصُورٍ قَالَ : سَمِعْت أَبَا وَائِلٍ وَشُعْبَةُ ، عَنْ الْأَعْمَشِ قَالَ : سَمِعْت أَبَا وَائِلٍ وَشُعْبَةُ ، عَنْ زُبَيْدٍ قَالَ : سَمِعْت أَبَا وَائِلٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : ( سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ ) . 956 - حدثنا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ ، حدثنا مُؤَمَّلُ بْنُ إسْمَاعِيلَ ، حدثنا سُفْيَانُ ، حدثنا زُبَيْدٌ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ . 957 - حدثنا عَلِيُّ بْنُ شَيْبَةَ ، حدثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى الْعَبْسِيُّ ، حدثنا سُفْيَانُ ، عَنْ زُبَيْدٍ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ قَالَ : قُلْت لِأَبِي وَائِلٍ : أَسَمِعْتَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ . 958 - حدثنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفِرْيَابِيُّ ، حَدَّثنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ هُرَيْمُ بْنُ مِسْعَرٍ الْأَزْدِيُّ التِّرْمِذِيُّ ، أخبرنَا الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ وَمَنْصُورٌ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ يَقُولُ ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ . 959 - وَحدثنا ابْنُ مَرْزُوقٍ ، حدثنا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ ، حدثنا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ . فَتَأَمَّلْنَا هَذَا الْحَدِيثَ فَوَجَدْنَا قَوْلَهُ : سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ مَكْشُوفَ الْمَعْنَى ، وَالْفُسُوقُ الْمُرَادُ فِيهِ هُوَ الْخُرُوجُ عَنْ الْأَمْرِ الْمَحْمُودِ إلَى الْأَمْرِ الْمَذْمُومِ ، وَمِثْلُهُ قَوْل الله تَعَالَى فِي إبْلِيسَ : فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَيْ فَخَرَجَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ، وَمِنْهُ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْفَأْرَةِ وَفِيمَا ذَكَرَهُ مَعَهَا مِمَّا أَبَاحَ قَتْلَهُ فِي الْحَرَمِ وَالْإِحْرَامِ : ( خَمْسٌ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِي الْحَرَمِ وَالْإِحْرَامِ ) فَكَانَ ذَلِكَ الْفُسُوقُ الَّذِي كَانَ مِنْهُنَّ هُوَ خُرُوجُهُنَّ إلَى الْأَذَى الَّذِي يُؤْذِينَ بِهِ النَّاسَ ، وَكَانَ قَوْلُهُ : وَقِتَالُهُ كُفْرٌ لَيْسَ عَلَى الْكُفْرِ بِاَللَّهِ تعالى حَتَّى يَكُونَ بِهِ مُرْتَدًّا ، وَلَكِنَّهُ عَلَى تَغْطِيَتِهِ بِهِ إيَّاهُ وَاسْتِهْلَاكٍ بِهِ إيَّاهُ لِأَنَّ الْكَفْرَ هُوَ التَّغْطِيَةُ لِلشَّيْءِ ، التَّغْطِيَةُ الَّتِي تَسْتَهْلِكُهُ ، وَمِنْهُ قَوْل الله تَعَالَى : كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ وَلَا اخْتِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالتَّأْوِيلِ أَنَّ الْكُفَّارَ الَّذِينَ أُرِيدُوا هَاهُنَا هُمْ الزُّرَّاعُ لِأَنَّهُمْ يُغَطُّونَ مَا يَزْرَعُونَ فِي الْأَرْضِ التَّغْطِيَةَ الَّتِي يَسْتَهْلِكُونَهُ بِهِ . وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الْكُفْرَ الْمَذْكُورَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لَمْ يُرِدْ بِهِ الْكُفْرَ بِاَللَّهِ تَعَالَى بَلْ قَدْ وَجَدْنَاهُ يَقْتُلُ أَخَاهُ فَلَا يَكُونُ بِقَتْلِهِ إيَّاهُ كَافِرًا بِاَللَّهِ ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ بِقَتْلِهِ إيَّاهُ كَافِرًا بِاَللَّهِ كَانَ بِقِتَالِهِ إيَّاهُ أَحْرَى أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ كَافِرًا . وَمِثْلُ ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ الْكُسُوفِ . 960 - حدثنا يُونُسُ ، أخبرنَا ابْنُ وَهْبٍ أَنَّ مَالِكًا ، حَدَّثهُ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي حَدِيثِهِ مِنْ كُسُوفِ الشَّمْسِ ، عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : ( وَرَأَيْتُ النَّارَ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ ، قِيلَ : لِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : بِكُفْرِهِنَّ ، قِيلَ : يَكْفُرْنَ بِاَللَّهِ تَعَالَى ؟ قَالَ : يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ ، وَيَكْفُرْنَ الْإِحْسَانَ ، لَوْ أَحْسَنْتَ إلَى إحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا قَالَتْ مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ ) . فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِعْلَهُنَّ هَذَا كُفْرًا لِتَغْطِيَتِهِنَّ بِهِ الْإِحْسَانَ الَّذِي قَدْ تَقَدَّمَ إلَيْهِنَّ ، وَمِثْلُهُ أَيْضًا مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ . 961 - كَمَا حدثنا أَبُو أُمَيَّةَ ، حدثنا أَبُو نُعَيْمٍ ، حدثنا قَيْسٌ ، عَنْ الْأَغَرِّ بْنِ الصَّبَّاحِ ، عَنْ خَلِيفَةَ بْنِ حُصَيْنٍ ، عَنْ أَبِي نَصْرٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَ بَيْنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ شَيْءٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَتَذَاكَرُوا مَا كَانَ بَيْنَهُمْ فَثَارَ بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ بِالسُّيُوفِ ، فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَذُكِرَ ذَلِكَ لَهُ فَذَهَبَ إلَيْهِمْ ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا فَلَمْ يَكُنْ بِمَا كَانَ مِنْهُمْ مِنْ الْقِتَالِ مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عِنْدَهُ هَذِهِ الْآيَةَ الَّتِي ذَكَرَ فِيهَا مَا كَانَ مِنْهُمْ بِالْكُفْرِ عَلَى الْكُفْرِ بِاَللَّهِ تَعَالَى ، وَلَكِنْ كَانَ عَلَى تَغْطِيَتِهِمْ مَا كَانُوا عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ مِنْ الْأُلْفَةِ وَالْأُخُوَّةِ حَتَّى إذَا كَانَ مِنْهُمْ مَا كَانَ مِنْهُمْ مِنْ ذَلِكَ فَسُمِّيَ كُفْرًا لَا يُرَادُ بِهِ الْكُفْرُ بِاَللَّهِ عز وجل وَلَكِنَّ الْكُفْرَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ سِوَاهُ . وَمِثْلُ ذَلِكَ مَا قَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي تَأْوِيلِهِ قَوْل الله تَعَالَى : وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ عَلَى مَا تَأَوَّلَهُ عَلَيْهِ 962 - كَمَا حدثنا ابْنُ مَرْزُوقٍ ، حدثنا أَبُو حُذَيْفَةَ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ ابْنِ طَاووُسٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ : وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ قَالَ : هِيَ كُفْرُهُ وَلَيْسَ كَمَنْ كَفَرَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ . 963 - وَحدثنا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ ، حدثنا الْفِرْيَابِيُّ ، حدثنا سُفْيَانُ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ ابْنِ طَاووُسٍ ، عَنْ طَاووُسٍ قَالَ : قُلْت لِابْنِ عَبَّاسٍ : مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَهُوَ كَافِرٌ ، قَالَ : هُوَ بِهِ كُفْرُهُ ، وَلَيْسَ كَمَنْ كَفَرَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ ، وَمِثْلُ ذَلِكَ أَيْضًا مَا قَدْ رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 964 - كَمَا حدثنا بَكْرُ بْنُ إدْرِيسَ ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِئِ ، حدثنا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ ، أَخْبَرَني جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ الْقُرَشِيُّ أَنَّ عِرَاكَ بْنَ مَالِكٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( لَا تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ أَبِيهِ فَهُوَ كُفْرٌ ) . فَذَلِكَ عِنْدَنَا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ، عَلَى مِثْلِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ مِثْلِهِ مِنْ هَذَا الْبَابِ . وَمِثْلُ ذَلِكَ أَيْضًا مَا قَدْ رَوَاهُ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 965 - كَمَا حدثنا الرَّبِيعُ الْمُرَادِيُّ وَبَحْرُ بْنُ نَصْرٍ قَالَا : حدثنا بِشْرُ بْنُ بَكْرٍ ، عَنْ ابْنِ جَابِرٍ ، حَدَّثنِي أَبُو سَلَّامٍ ، حَدَّثنِي خَالِدُ بْنُ زَيْدٍ قَالَ : قَالَ لِي عُقْبَةُ : قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ تَرَكَ الرَّمْيَ بَعْدَمَا عَلِمَهُ رَغْبَةً عَنْهُ فَإِنَّهَا نِعْمَةٌ كَفَرَهَا ) . فَمِثْلُ ذَلِكَ الْكُفْرُ الَّذِي ذَكَرَ بِهِ الْمُسْلِمَ مِنْ قِتَالِهِ هُوَ هَذَا الْكُفْرُ لَا الْكُفْرُ بِاَللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
815 - باب بيان مشكل ما روى أنس مما كانوا يظنونه برسول الله في إطالته القيام بعد رفعه رأسه من الركوع ، وفي إطالته القعود بين السجدتين أنه قد أوهم . 6085 - حدثنا أحمد بن داود ، قال : حدثنا أبو الوليد الطيالسي ، قال : حدثنا شعبة ، قال : حدثنا ثابت ، قال : كان أنس ينعت لنا صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا رفع رأسه من الركوع ، قام حتى نقول : قد نسي . 6086 - وحدثنا ابن أبي داود ، قال : حدثنا علي بن الجعد ، قال : حدثنا شعبة ، ثم ذكر بإسناده مثله . 6087 - وحدثنا إبراهيم بن مرزوق ، قال : حدثنا حبان بن هلال ، قال : حدثنا حماد بن سلمة ، عن ثابت ، عن أنس بمثله ، وزاد : قال : وكان يقعد بين السجدتين ، حتى نقول : قد أوهم . فتأملنا ما في هذا الحديث من إطالة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - القيام بعد رفعه رأسه من الركوع حتى يروه قد أوهم ، فوجدناه - صلى الله عليه وسلم - قد روي عنه أنه كان يقول بعد رفعه رأسه من الركوع 6088 - ما قد حدثنا الربيع المرادي ، قال : حدثنا ابن وهب ، قال : حدثني ابن أبي الزناد ، عن موسى بن عقبة ، عن عبد الله بن الفضل ، عن عبد الرحمن الأعرج ، عن عبيد الله بن أبي رافع ، عن علي بن أبي طالب ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان إذا رفع رأسه من الركوع ، قال : اللهم ربنا لك الحمد ، ملء السماوات وملء الأرض ، وملء ما شئت من شيء بعد . 6089 - وما قد حدثنا محمد بن خزيمة ، قال : حدثنا عبد الله بن رجاء ، قال : أخبرنا عبد العزيز ابن الماجشون ، عن الماجشون وعبد الله بن الفضل ، عن الأعرج ، عن عبيد الله بن أبي رافع ، عن علي ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مثله . 6090 - وما قد حدثنا ابن أبي داود ، قال : حدثنا الوهبي وعبد الله بن صالح ، قالا : حدثنا الماجشون ، عن عبد الله بن الفضل وعن عمه الماجشون ، عن الأعرج ، ثم ذكر بإسناده مثله. 6091 - وما قد حدثنا يزيد بن سنان ، قال : حدثنا أبو داود الطيالسي وما قد حدثنا محمد بن خزيمة ، قال : حدثنا حجاج بن منهال ، قالا : حدثنا عبد العزيز بن عبد الله ، قال : أخبرنا عمي الماجشون ، ثم ذكر بإسناده مثله ، ولم يذكر عبد الله بن الفضل . 6092 - وما قد حدثنا الحجاج بن عمران ، قال : حدثنا هلال بن يحيى ، قال : حدثنا يوسف بن الماجشون ، قال : أخبرنا أبي ، عن عبد الرحمن الأعرج ، ثم ذكر بإسناده مثله . 6093 - وما قد حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، قال : حدثنا عثمان بن عمر ، قال : أخبرنا هشام بن حسان ، عن قيس بن سعد ، عن عطاء ، عن ابن عباس ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مثله . 6094 - وما قد حدثنا بكار ، قال : حدثنا أبو الوليد ، قال : حدثنا شعبة ، قال : حدثني عبيد أبو الحسن ، قال : سمعت ابن أبي أوفى يحدث ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مثله . فكانت هذه الأشياء هي التي كان يقولها في ذلك حتى يرونه قد أوهم ، والله أعلم . فقال قائل : فذلك لا يكون إلا وقد كانت العادة قبله جرت على خلافه . فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله - عز وجل - وعونه : أنه قد يحتمل أن يكون كان يقول ذلك مرة ، ويتركه مرة . وقد يحتمل أن يكون كان يستعمل في ذلك مد صوته به ، كما كان يستعمله فيما يقوله بعد سلامه من وتره : سبحان الملك القدوس ، يطول صوته بالثالثة من ذلك ؛ لأنه كان يقوله ثلاث مرات ، وإذا كان ذلك كذلك ، اختلف ما كان يمكنه فيه من الزمان ، فيظن أصحابه في ذلك ما كانوا يظنونه فيه . وقد روي عنه أيضا أنه كان يزيد على ذلك . 6095 - ما قد حدثنا مالك بن عبد الله بن سيف التجيبي ، قال : حدثنا عبد الله بن يوسف ، قال : حدثنا سعيد بن عبد العزيز التنوخي ، عن عطية بن قيس الكلابي ، عن قزعة بن يحيى ، عن أبي سعيد الخدري ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مثل ما في حديث علي ، وابن عباس ، وابن أبي أوفى ، وزاد : أهل الثناء والمجد ، أحق ما قال العبد ، وكلنا لك عبد : لا نازع لما أعطيت ، ولا ينفع ذا الجد منك الجد . قال أبو جعفر : فيكون يقول هذا مرة ، ويتركه مرات ، فيظن به ما كان أصحابه يظنونه به فيه ، وأما ما ذكرناه مما كان يفعله بين السجدتين ، فيحتمل أيضا يكون كان يفعل كذلك لما كان يقوله فيه مما قد ذكرناه عنه مما قد تقدم منا في كتابنا هذا من قوله في ذلك : رب اغفر لي ، رب اغفر لي . فيكون يطيله في بعضها ، فيتجاوز ما جرت عليه عادته فيه ، حتى يظن به أنه قد أوهم . وقد روي عنه في ذلك أيضا . 6096 - ما قد حدثنا ابن أبي داود ، قال : حدثنا سعيد بن سليمان الواسطي ، عن شريك ، عن أبي عمر ، عن أبي جحيفة ، قال : ذكرت الجدود عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال بعض القوم : جد فلان في الإبل ، وقال بعضهم : في الخيل ، فسكت النبي - صلى الله عليه وسلم - فلما قام يصلي ، فرفع رأسه من الركوع ، قال : اللهم ربنا لك الحمد ملء السماء وملء الأرض ، وملء ما شئت ، لا مانع لما أعطيت ، ولا معطي لما منعت ، ولا ينفع ذا الجد منك الجد ، والله نسأله التوفيق .
126 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِيمَنْ قَالَ لِأَخِيهِ يَا كَافِرُ . 966 - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ ، أَخبرنا أَبُو زُرْعَةَ وَهْبُ اللَّهِ بْنُ رَاشِدٍ الْحَجْرِيُّ أَخبرنا حَيْوَةُ أَخبرنا أَبُو الْأَسْوَدِ ، عَنْ بُكَيْر بْنِ الْأَشَجِّ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : ( إذَا قَالَ الرَّجُلُ لِآخَرَ يَا كَافِرُ وَجَبَ الْكُفْرُ عَلَى أَحَدِهِمَا ) . 967 - حدثنا يُونُسُ أَخبرنا ابْنُ وَهْبٍ أَنَّ مَالِكًا أَخْبَرَهُ وَحدثنا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ ، حدثنا الْقَعْنَبِيُّ قَالَ : قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ . هَكَذَا ، حدثناهُ يُونُسُ فِي مُوَطَّأِ مَالِكٍ . 968 - حدثنا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبَانَ ، حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ وَمِسْكِينُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَا : حدثنا اللَّيْثُ ، حَدَّثنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ ، عَنْ بُكَيْر ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِثْلَهُ . 969 - وَحدثنا إمْلَاءً أَخبرنا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَني مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ مِثْلَهُ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ : ( إذَا قَالَ الرَّجُلُ لِآخَرَ يَا كَافِرُ فَقَدْ كَفَرَ أَحَدُهُمَا ، فَإِنْ كَانَ الَّذِي قِيلَ لَهُ كَافِرٌ كَذَلِكَ فَهُوَ كَمَا قَالَ ، وَإِلَّا فَقَدْ بَاءَ الْآخَرُ بِالْكُفْرِ ) . 970 - حدثنا عِيسَى بْنُ إبْرَاهِيمَ الْغَافِقِيُّ ، حدثنا ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ . 971 - وَحدثنا أَبُو أُمَيَّةَ ، حدثنا عَفَّانَ ، حدثنا صَخْرُ بْنُ جُوَيْرِيَةَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ . 972 - حدثنا أَبُو أُمَيَّةَ ، حدثنا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ ، حدثنا فُضَيْلُ بْنُ غَزْوَانَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَيُّمَا رَجُلٍ أَكْفَرَ رَجُلًا فَإِنْ كَانَ كَمَا قَالَ وَإِلَّا فَقَدْ بَاءَ بِالْكُفْرِ ) . 973 - حدثنا ابْنُ مَرْزُوقٍ ، حدثنا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ ، عَنْ ابْنِ بُرَيْدَةَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ الدِّيلِيِّ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ : سَمِعْت النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ يَقُولُ : ( لَا يَرْمِي رَجُلٌ رَجُلًا بِالْفِسْقِ أَوْ الْكُفْرِ إلَّا ارْتَدَّتْ عَلَيْهِ إنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبُهُ كَذَلِكَ ) . 974 - حدثنا ابْنُ أَبِي دَاوُد ، حدثنا أَبُو مَعْمَرٍ ، حدثنا عَبْدُ الْوَارِثِ ثُمَّ ذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ . 975 - حدثنا أَبُو أُمَيَّةَ ، حدثنا إسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَانَ الْوَرَّاقُ ، حدثنا مَنْدَلُ بْنُ عَلِيٍّ ، عَنْ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيَدٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : قَالَ النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ : ( مَا شَهِدَ رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ بِالْكُفْرِ إلَّا بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا إنْ كَانَ كَافِرًا فَهُوَ كَمَا قَالَ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَافِرًا فَقَدْ كَفَرَ بِتَكْفِيرِهِ إيَّاهُ ) . 976 - حدثنا أَبُو أُمَيَّةَ ، حدثنا عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ ، حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ الْبُرْسَانِيُّ ، حدثنا الصَّلْتُ بْنُ مِهْرَانَ ، حدثنا الْحَسَنُ ، حدثنا جُنْدُبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيُّ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ أَنَّ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ ، حَدَّثهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إنَّ مِمَّا أَتَخَوَّفُ عَلَيْكُمْ لَرَجُلًا قَرَأَ الْقُرْآنَ حَتَّى إذَا رُئِيَتْ عَلَيْهِ بَهْجَتُهُ وَكَانَ رِدْءًا لِلْإِسْلَامِ أَعْثَرَهُ إلَى مَا شَاءَ اللَّهُ وَانْسَلَخَ مِنْهُ وَنَبَذَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ وَخَرَجَ عَلَى جَارِهِ بِالسَّيْفِ وَرَمَاهُ بِالشِّرْكِ ، قَالَ : قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّهُمَا أَوْلَى بِالشِّرْكِ الْمَرْمِيِّ أَوْ الرَّامِي ؟ قَالَ : لَا بَلْ الرَّامِي ) . فَتَأَمَّلْنَا مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ طَلَبًا مِنَّا لِلْمُرَادِ بِهِ مَا هُوَ ؟ فَوَجَدْنَا مَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ يَا كَافِرُ مَعْنَاهُ أَنَّهُ كَافِرٌ لِأَنَّ الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ الْكُفْرُ ، فَإِذَا كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ لَيْسَ بِكُفْرٍ وَكَانَ إيمَانًا كَانَ جَاعِلُهُ كَافِرًا جَاعِلَ الْإِيمَانِ كُفْرًا ، وَكَانَ بِذَلِكَ كَافِرًا بِاَللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّ مَنْ كَفَرَ بِإِيمَانِ اللَّهِ تَعَالَى فَقَدْ كَفَرَ بِاَللَّهِ ، وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ : وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ فَهَذَا أَحْسَنُ مَا وُفِّقْنَا عَلَيْهِ مِنْ تَأْوِيلِ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
689 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإدام : ما هي ؟ . 5175 - حدثنا أبو أمية , حدثنا الأسود بن عامر ، عن هشيم ، حدثني أبو بشر ، عن أبي سفيان ، عن جابر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : نعم الإدام الخل . 5176 - وحدثنا سليمان بن شعيب ، حدثنا يحيى بن حسان ، حدثنا هشيم , ثم ذكر بإسناده مثله . 5177 - وحدثنا فهد بن سليمان قال : حدثنا مسلم بن إبراهيم الأزدي , حدثنا المثنى بن سعيد , حدثنا طلحة بن نافع - قال أبو جعفر : وهو أبو سفيان عن جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنهما قال : أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بيدي , وأتى بي بعض بيوته , فقال : هل من غداء ؟ , قالوا : لا , إلا فلق , قال : هاتوه , قال : فهل من أدم ؟ , قالوا : لا , إلا خل , قال : فهاتوه , فنعم الإدام الخل . قال جابر : الخل يعجبني منذ سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول فيه ما يقول , قال : وقال طلحة :2 الخل يعجبني منذ سمعت جابرا يقول فيه ما يقول . 5178 - وحدثنا يحيى بن عثمان بن صالح , حدثنا نعيم بن حماد ، حدثنا ابن المبارك ، أنبأنا المثنى بن سعيد ، عن طلحة بن نافع أبي سفيان ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مثله . 5179 - وحدثنا عبيد بن رجال ، حدثنا أبو حمة محمد بن يوسف ، حدثنا أبو قرة ، عن زمعة بن صالح ، عن زياد وهو ابن سعد ، عن زيد بن أسلم قال : سمعت أبي يقول : قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ائتدموا بالزيت وادهنوا منه ؛ فإنه أخذ من شجرة مباركة . قال أبو جعفر : وإنما منعنا أن نجعل هذا الحديث صدر هذا الباب وإن كان لم يروعن أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في هذا المعنى شيء أجل من هذا الحديث أنا وجدناه مختلفا في متنه , فيرويه زياد بن سعد عن زيد كما رويناه , ويرويه معمر عن زيد بخلاف ذلك . 5180 - كما حدثنا يحيى بن عثمان ، حدثنا محمد بن أبي السري وكما حدثنا أحمد بن شعيب ، أخبرنا يحيى بن موسى يعني ابن خت , قالا جميعا : حدثنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر ، عن زيد بن أسلم عن أبيه ، عن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : كلوا الزيت وادهنوا به ؛ فإنه من شجرة مباركة . قال أبو جعفر : فكان الذي في هذا الحديث غير ما في الحديث الذي قبله , لأن الذي في هذا الحديث : كلوا وفي الحديث الذي قبله : وائتدموا به , 5181 - فكان أبو حنيفة وأبو يوسف يقولان : الإدام هي الأشياء التي يصطبغ بها من الخل والزيت ومما أشبههما , وكانا يقولان : الشواء ليس بأدم , واللحم ليس بأدم كذلك . حدثنا محمد بن العباس ، عن علي بن معبد ، عن محمد بن الحسن ، عن يعقوب عن أبي حنيفة بغير خلاف فيه بين أبي حنيفة وأبي يوسف , وقال في هذه الرواية : وقال محمد : هذه الأشياء كلها إدام , وكل ما الغالب عليه أنه يؤكل به الخبز فهو أدم . 5182 - وقد حدثنا يونس ، أخبرنا ابن وهب أن مالكا حدثه عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن ، عن القاسم بن محمد ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم والبرمة تفور بلحم وأدم من أدم البيت , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألم أر برمة فيها لحم ؟ قالوا : بلى يا رسول الله ، ولكن ذاك لحم تصدق به على بريرة , وأنت لا تأكل الصدقة , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هو عليها صدقة , وهو لنا هدية . فكان في هذا الحديث أن تلك البرمة المذكورة فيه كانت تفور بلحم وأدم من أدم البيت , فكان الذي يقع في القلوب أن ذلك الأدم مما يرى في البرمة كما يرى اللحم الذي فيها , وذلك غير الزيت وما أشبهه مما لا يبقى في مثلها كبقاء اللحم فيها . 5183 - وقد حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ، حدثنا أبي , حدثنا الليث بن سعد ، عن خالد بن يزيد ، عن سعيد بن أبي هلال ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي سعيد الخدري ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة يكفؤها الجبار بيده , كما يكفأ أحدكم خبزته في السفر , نزلا لأهل الجنة , فأتى رجل من اليهود , فقال : بارك الرحمن عليك يا أبا القاسم , ألا أخبرك بنزل أهل الجنة يوم القيامة ؟ [ قال : بلى ] قال : تكون الأرض خبزة واحدة , كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم , قال : فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلينا , ثم ضحك حتى بدت نواجذه ثم قال : ألا أخبرك بإدامها ؟ قال : بلى , قال : إدامها لام ونون , قال : وما هذا؟ قال : ثور ونون , يأكل من زائدة أكبادهما سبعون ألفا . قال أبو جعفر : فكان في هذا الحديث أن الثور والنون المذكورين فيه إدام لأهل الجنة يأكلون به ما يأكلون من الخبزة المذكورة في هذا الحديث . 5184 - وقد حدثنا فهد , حدثنا عمر بن حفص بن غياث النخعي ، حدثنا أبي ، عن محمد بن أبي يحيى الأسلمي ، عن يزيد الأعور - هكذا في كتابي , والصحيح في ذلك عن يزيد بن أبي أمية الأعور - وهو ابن أخي عثمان بن العاص ، عن يوسف بن عبد الله بن سلام قال : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم أخذ كسرة من خبز شعير , فوضع عليها تمرة , فقال : هذه إدام هذه , فأكلها . ففي حديثي محمد بن عبد الله بن عبد الحكم وفهد بن سليمان هذين ما قد دل أن ما يؤكل به الخبز وإن لم يصطبغ به فيه أدم كما الخل أدم , وكما الزيت أدم , وهذا القول هو أولى القولين اللذين ذكرناهما في هذا الباب , وكلام العرب يدل عليه , لأنهم يقولون : آدم الله بينهما , يعنون الزوجين , أي : جعل بينهما المحبة والاتفاق حتى تعالى ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله للمغيرة بن شعبة لما أخبره أنه خطب امرأة , فقال له : هل نظرت إليها ؟ فقال : لا , فقال النبي صلى الله عليه وسلم : انظر إليها ؛ فإنه أحرى أن يؤدم بينكما . ولما كان ذلك كذلك في بني آدم , كان مثله ما يطيب به الطعام ليؤكل ليكون بذلك أدما له , كما قال محمد بن الحسن , وبالله التوفيق .
127 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ نَهْيِهِ عَنْ قَتْلِ النَّمْلَةِ وَالنَّحْلَةِ وَالْهُدْهُدِ وَالصُّرَدِ . 977 - حدثنا الرَّبِيعُ الْمُرَادِيُّ ، حدثنا أَسَدُ بْنُ مُوسَى ، حدثنا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ قَالَ الرَّبِيعُ : أَظُنُّهُ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : ( أَرْبَعٌ مِنْ الدَّوَابِّ لَا يُقْتَلْنَ : النَّمْلَةُ وَالنَّحْلَةُ وَالْهُدْهُدُ وَالصُّرَدُ ) . 978 - حدثنا يُونُسُ ، حدثنا ابْنُ وَهْبٍ سَمِعْتُ ابْنَ جُرَيْجٍ يُحَدِّثُ عَنْ رَجُلٍ حَدَّثهُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ . 979 - وَحدثنا بَحْرٌ ، أَخْبَرَنا ابْنُ وَهْبٍ ثُمَّ ذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ . 980 - حدثنا الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَهْدِيٍّ أَبُو طَاهِرٍ ، حدثنا أَبُو مُصْعَبٍ ، حَدَّثنِي عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : ( نَهَى رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، عَنْ قَتْلِ أَرْبَعٍ : الْهُدْهُدِ وَالصُّرَدِ وَالنَّمْلَةِ وَالنَّحْلَةِ ) . فَاحْتَجْنَا بِطَلَبِ الرَّجُلِ الَّذِي بَيْنَ ابْنِ جُرَيْجٍ وَبَيْنَ ابْنِ شِهَابٍ مَنْ هُوَ لِيَقُومَ لَنَا إسْنَادُهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجٍ كَمَا قَامَ لَنَا مِنْ حَدِيثِ مَعْمَرٍ . 981 - فَوَجَدْنَا مُحَمَّدَ بْنَ أَحْمَدَ بْنِ حَمَّادٍ الدُّولَابِيَّ قَدْ حدثنا عَنْ صَالِحِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ قَالَ : سَمِعْت يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ يَقُولُ : حدثنا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ : أُخْبِرْتُ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ثُمَّ ذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ . قَالَ يَحْيَى : وَكَانَ عِنْدِي ضَعِيفًا فَمَحَيْتُهُ ثُمَّ قَالَ : رَأَيْته فِي كِتَابِ سُفْيَانَ بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ ابْنِ أَبِي لَبِيَدٍ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَوَجَدْنَا هَارُونَ بْنَ مُحَمَّدٍ الْعَسْقَلَانِيَّ قَدْ أَجَازَ لَنَا عَنْ الْغَلَّابِيِّ قَالَ : رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ ابْنِ أَبِي لَبِيدٍ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ الْغَلَّابِيُّ : سَمِعْتُ هَذَا مِنْ أَبِي دَاوُد . فَوَقَفْنَا بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ الْمَسْكُوتَ عَنْ اسْمِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي هَذَا الْبَابِ هُوَ ابْنُ أَبِي لَبِيدٍ . فَعَقَلْنَا أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ قَدْ صَحَّ لَنَا مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ كَصِحَّتِهِ لَنَا مِنْ رِوَايَةِ مَعْمَرٍ . وَقَدْ وَجَدْنَا أَبَا مُعَاوِيَةَ قَدْ حَدَّث بِهِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ فَخَالَفَ ابْنَ وَهْبٍ فِي إسْنَادِهِ . 982 - كَمَا حدثنا إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ يُونُسَ الْبَغْدَادِيُّ ، حدثنا مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى ، حدثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : ( نَهَى رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَنْ قَتْلِ أَرْبَعٍ ، عَنْ قَتْلِ الْهُدْهُدِ وَالصُّرَدِ وَالنَّمْلَةِ وَالنَّحْلَةِ ) . فَتَأَمَّلْنَا مَا فِي هَذَا الْحَدِيثَ طَلَبًا مِنَّا لِاسْتِخْرَاجِ مَا أُرِيدَ بِهِ . فَوَجَدْنَا الْهُدْهُدَ مَا لَا يُنْتَفَعُ بِلَحْمِهِ ، وَوَجَدْنَا النَّاسَ يَسْتَقْذِرُونَهُ وَوَجَدْنَاهُ لَا مَضَرَّةَ عَلَى النَّاسِ مِنْهُ فَكَانَ قَتْلُهُ لِلْعَبَثِ لَا لِمَا سِوَاهُ . وَذَلِكَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ كَمَا قَدْ رُوِيَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا قُتِلَ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ بِغَيْرِ حَقِّهِ . 983 - كَمَا حدثنا الْمُزَنِيّ ، حدثنا الشَّافِعِيُّ أَخبرنا سُفْيَانُ ، أَخْبَرَنا عَمْرٌو أَخبرنا صُهَيْبٌ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عامَرَ قَالَ : سَمِعْت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ قَتَلَ عُصْفُورَةً فَمَا فَوْقَهَا بِغَيْرِ حَقِّهَا سَأَلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ قَتْلِهَا ، قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا حَقُّهَا ، قَالَ : يَذْبَحُهَا فَيَأْكُلُهَا وَلَا يَقْطَعُ رَأْسَهَا فَيَرْمِي بِهَا ) . 984 - وَكَمَا قَدْ حدثنا أَبُو أُمَيَّةَ ، حدثنا خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ الْكَاهِلِيُّ ، حدثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ ، عَنْ أَبَانِ بْنِ صَالِحٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( عُصْفُورٌ قَطُّ ) . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : كَأَنَّهُ يَعْنِي مَا قُتِلَ عُصْفُورٌ قَطُّ عَبَثًا ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ : فَمَا فَوْقَهُ أَوْ فَمَا دُونَهُ إلَّا عَجَّ إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ : يَا رَبِّ فُلَانٌ قَتَلَنِي ، فَلَا هُوَ انْتَفَعَ بِي وَلَا هُوَ تَرَكَنِي أَعِيشُ فِي خُشَارَاتِهَا . فَكَانَ قَاتِلُ الْهُدْهُدِ دَاخِلًا فِي هَذَا الْمَعْنَى ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ، وَكَذَلِكَ قَاتِلُ الصُّرَدِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَجْمَعَ مِنْ أَشْكَالِهِ مَا يَتَهَيَّأُ لَهُ التَّبَسُّطُ فِي أَكْلِ لُحُومِهَا ، فَقَتْلُ مَا هَذِهِ سَبِيلُهُ أَيْضًا يَرْجِعُ إلَى الْعَبَثِ لَا إلَى مَا سِوَاهُ ، وَيَلْحَقُ قَاتِلَهُ الْوَعِيدُ الَّذِي هُوَ فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ اللَّذَيْنِ رَوَيْنَا . وَأَمَّا النَّحْلَةُ فَلَيْسَتْ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ فِي شَيْءٍ وَلَكِنَّهَا مِمَّا يُنْتَفَعُ بِهَا ، وَمِمَّا لَا مَنْفَعَةَ لِقَاتِلِهَا فِي قَتْلِهَا ، فَقَتْلُهُ إيَّاهَا يَجْمَعُ أَمْرَيْنِ ، أَحَدُهُمَا : قَطْعٌ لِمَنَافِعِهَا ، وَالْآخَرُ : عَدَمُ الِانْتِفَاعِ بِهَا ، فَزَادَ جُرْمُ قَاتِلِهَا عَلَى جُرْمِ قَاتِلِ الْهُدْهُدِ وَالصُّرَدِ . وَأَمَّا قَتْلُ النَّمْلَةِ فَإِنَّهُ لَا مَنْفَعَةَ مَعَهُ وَلَا قَطْعَ أَذًى بِهِ ، وَهِيَ مَوْصُوفَةٌ بِمَعْنًى مَحْمُودٍ قَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ . 985 - كَمَا حدثنا يُونُسُ أَخبرنا ابْنُ وَهْبٍ . وَكَمَا حدثنا بَحْرُ بْنُ نَصْرٍ أَخبرنا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَني يُونُسُ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ( عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّ نَمْلَةً قَرَصَتْ نَبِيًّا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ فَأَمَرَ بِقَرْيَةِ النَّمْلِ فَأُحْرِقَتْ ، فَأَوْحَى اللَّهُ إلَيْهِ أَفِي أَنْ قَرَصَتْكَ نَمْلَةٌ حَرَقْتَ أُمَّةً مِنْ الْأُمَمِ تُسَبِّحُ ؟ ) . 986 - وَكَمَا حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَزِيزٍ ، حدثنا سَلَامَةُ بْنُ رَوْحٍ ، عَنْ عُقَيْلٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، أَخْبَرَني أَبُو سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( خَرَجَ نَبِيٌّ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ بِالنَّاسِ يَسْتَسْقُونَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فَإِذَا هُمْ بِنَمْلَةٍ رَافِعَةٍ بَعْضَ قَوَائِمِهَا ، فَقَالَ النَّبِيُّ : ارْجِعُوا فَقَدْ اُسْتُجِيبَ لَكُمْ مِنْ أَجْلِ هَذِهِ النَّمْلَةِ ) . وَمَا كَانَتْ هَذِهِ سَبِيلَهُ كَانَ قَتْلُهُ قَاطِعًا لِمِثْلِ هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ ، وَكَانَ الْقَاتِلُ لَهُ عَلَى ذَلِكَ دَاخِلًا فِي حَدِيثَيْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَالشَّرِيدِ اللَّذَيْنِ رَوَيْنَاهُمَا فِي هَذَا الْبَابِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ . وَقَدْ رُوِيَ ( عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النَّمْلَةِ إذَا كَانَ مِنْهَا الْأَذَى إبَاحَةُ قَتْلِهَا ) . 987 - كَمَا حدثنا الرَّبِيعُ الْمُرَادِيُّ ، حدثنا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَني عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( نَزَلَ نَبِيٌّ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ تَحْتَ شَجَرَةٍ فَلَدَغَتْهُ نَمْلَةٌ ، فَأَمَرَ بِجِهَازِهِ فَأُخْرِجَ مِنْ تَحْتِهَا ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَأُحْرِقَتْ بِالنَّارِ ، فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إلَيْهِ فَهَلَّا أَخَذْتَ نَمْلَةً وَاحِدَةً ) . كَأَنَّهُ كَانَ أَحْرَقَ قَرْيَةَ النَّمْلِ عَلَى مَا فِي حَدِيثِ يُونُسَ وَبَحْرٍ الَّذِي رَوَيْنَاهُ فِي هَذَا الْبَابِ الرَّاجِعِ إلَى سَعِيدٍ وَأَبِي سَلَمَةَ ، وَفِي ذَلِكَ مَا قَدْ دَلَّ عَلَى إبَاحَةِ قَتْلِ مَا آذَى مِنْ النَّمْلِ وَفِيمَا قَبْلَهُ النَّهْيُ عَنْ قَتْلِ مَا لَمْ يُؤْذِ مِنْهَا . وَفِي حَدِيثِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ مَعْنًى يَخْتَلِفُ هُوَ وَحَدِيثُ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي مُصْعَبٍ اللَّذَيْنِ رَوَيْنَاهُمَا فِي هَذَا الْبَابِ ، وَهُوَ أَنَّ فِي حَدِيثِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( أَرْبَعٌ مِنْ الدَّوَابِّ لَا يُقْتَلْنَ ) ثُمَّ ذَكَرَهُنَّ فَكَانَ مِنْ ذَلِكَ مَا قَدْ دَلَّ أَنَّ غَيْرَهُنَّ لَيْسَ مِنْ مَعْنَاهُنَّ ؛ لِأَنَّ مَا حُصِرَ بِعَدَدٍ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ الْعَدَدِ . وَفِي حَدِيثِ الْقَاسِمِ ، عَنْ أَبِي مُصْعَبٍ ( نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، عَنْ قَتْلِ أَرْبَعٍ ) فَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ قَتْلِ هَذِهِ الْأَرْبَعِ لَا بِحَصْرٍ مِنْهُ إيَّاهُ بِعَدَدٍ يَمْنَعُ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ غَيْرُهُنَّ ، وَلَكِنْ قَصَدَ بِالنَّهْيِ إلَى قَتْلِهِنَّ . فَقَطْ وَكَانَ مِثْلُهُنَّ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يُعْطَفَ عَلَى مَا فِي الْحَدِيثِ مِنْهُنَّ وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ لَا يُعْطَفَ عَلَيْهِ . وَفِي حَدِيثِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ حَصْرُ مَا نَهَى عَنْ قَتْلِهِ بِالْعَدَدِ الَّذِي ذَكَرَهُ فِيهِ ، فَكَانَ ذَلِكَ النَّهْيُ الْمَذْكُورُ فِيهِ مَقْصُودًا بِهِ إلَى ذَلِكَ الْعَدَدِ لَا مَا سِوَاهُ مِنْ أَجْنَاسِهِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ ذَلِكَ كَيْفَ كَانَتْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
816 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من قوله في جيش الأمراء : الأمير زيد ، فإن قتل زيد ، فالأمير جعفر ، فإن قتل جعفر ، فالأمير عبد الله بن رواحة ، واستخراج ما فيه من الفقه . 6097 - حدثنا إبراهيم بن أبي داود ، قال : حدثنا عبد الله بن أبي بكر بن الفضل العتكي ، قال : حدثنا جرير بن حازم ، عن محمد بن أبي يعقوب ، عن الحسن بن سعد ، عن عبد الله بن جعفر ، قال : بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جيشا ، وأمر عليهم زيد بن حارثة ، فقال : إن أصيب زيد قبل ذلك أو استشهد ، فأميركم جعفر ، فإن قتل أو استشهد ، فأميركم عبد الله بن رواحة ، فأخذ الراية زيد ، فقاتل حتى قتل - رضي الله عنه - ثم أخذ الراية جعفر ، فقاتل حتى قتل - رضي الله عنه - ثم أخذ الراية عبد الله بن رواحة ، فقاتل - ولم يذكر أنه قتل ، وأرى ذلك سقط من ابن أبي داود ، وممن سواه من رواة هذا الحديث - ثم أخذ الراية خالد بن الوليد ، ففتح الله - عز وجل - عليه ، فأتى خبرهم إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فخرج إلى الناس ، فحمد الله ، وأثنى عليه ، ثم قال : إن إخوانكم قد لقوا العدو ، وإن زيدا أخذ الراية ، فقاتل حتى قتل ، أو استشهد ، ثم أخذ الراية بعده جعفر بن أبي طالب ، فقاتل حتى قتل ، أو استشهد ، ثم أخذ الراية عبد الله بن رواحة ، فقاتل حتى قتل ، أو استشهد ، ثم أخذ الراية من بعده سيف من سيوف الله - عز وجل - خالد بن الوليد ، ففتح الله عليه . ثم أمهل آل جعفر لم يأتهم ، ثم أتاهم ، فقال : لا تبكوا على أخي بعد اليوم ، ادع لي بني أخي . فجيء بنا كأنا أفرخ ، فقال : ادعوا لي الحلاق ، فجيء بالحلاق ، فحلق رؤوسنا ، ثم قال : أما محمد ، فيشبه عمي أبا طالب ، وأما عون فيشبه خلقي وخلقي . ثم قال : اللهم اخلف جعفرا في أهله ، وبارك لعبد الله في صفقة يمينه ، ثلاث مرات ، فجاءت أمنا ، فذكرت يتمنا ، فقال : العيلة تخافين عليهم ؟ فأنا وليهم في الدنيا والآخرة . 6098 - وحدثنا فهد ، قال : حدثنا أبو نعيم ، قال : حدثنا الأسود بن شيبان ، قال : حدثني خالد بن سمير ، قال : حدثني عبد الله بن رباح ، قال : حدثني أبو قتادة ، قال : بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جيش الأمراء ، فقال : عليكم زيد بن حارثة ، فإن أصيب ، فجعفر ، فإن أصيب جعفر ، فعبد الله بن رواحة . فوثب جعفر ، فقال : يا رسول الله ، ما كنت أذهب أن تقدم زيدا علي ! فقال : امض ، فإنك لا تدري أي ذلك خير ، فانطلقوا ، فلبثوا ما شاء الله ، ثم إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صعد المنبر ، فنادى : الصلاة جامعة ، فثار الناس إلى رسول الله ، فقال : أخبركم عن جيشكم هذا الغازي : إنهم انطلقوا حتى لقوا العدو ، فأخذ اللواء زيد بن حارثة ، فقاتل حتى قتل شهيدا - فاستغفر له - ثم أخذ اللواء جعفر ، فشد على القوم ، فقاتل حتى قتل شهيدا رحمه الله فشهد له بالشهادة واستغفر له ، ثم أخذ اللواء عبد الله بن رواحة ، فأثبت قدميه حتى قتل شهيدا - فاستغفر له - ثم أخذ اللواء خالد بن الوليد ، ولم يكن من الأمراء هو أمر نفسه . ثم مد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يديه ، فقال : إنه سيف من سيوفك ، فأنت تنصره فمنذ يومئذ سمي خالد سيف الله ، ثم قال رسول الله : انفروا فمدوا إخوانكم ، ولا يتخلفن منكم أحد . فنفروا في حر شديد مشاة وركبانا ، فبينا نحن نسير ليلة على الطريق ، إذ نعس النبي - صلى الله عليه وسلم ووقف على هذا من الحديث ، ففي هذا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جعل بعض الأمراء واليا بعد قتل غيره ممن ذكره منهم ، فكان من كان منهم كذلك واليا بمخاطرة ولي عليها ، وفي ذلك ما قد دل أنه يجوز للإمام أن يقول : إذا كان كذا وكذا ، فقد وليت فلانا كذا ، وإذا كان ذلك جائزا في الولاية ، كان مثله جائزا في الوكالة ، كما يقول أبو حنيفة وأصحابه في الرجل ، يقول : إذا كان كذا ، ففلان وكيلي في ذلك ، وإن كان لهم فيه من أهل الفقه مخالفون . وفي هذا الحديث أيضا ما كان من خالد رضي الله عنه بلا تولية لما رأى من الحاجة إلى ذلك ، ففي هذا ما قد دل على أن ما حدث من أمور المسلمين مما شغل إمامهم عن التولية عليه ، أنه جائز لمن يتولى على القيام بذلك القيام به ، بل عليه القيام به ، وعلى الناس السمع والطاعة فيه ، وقد امتثل ذلك علي بن أبي طالب عليه السلام في صلاة العيد لما حصر عثمان رضي الله عنه عنها ومنعها ، فصلى هو بالناس . 6099 - كما حدثنا المزني ، قال : حدثنا الشافعي ، قال : أخبرنا مالك ، عن ابن شهاب ، عن أبي عبيد - مولى ابن أزهر - قال : شهدت العيد مع علي بن أبي طالب عليه السلام ، وعثمان محصور ، فجاء فصلى ، ثم انصرف ، فخطب . قال أبو جعفر : وكان ذلك من علي عليه السلام لما خاف أن لا يكون للناس يومئذ صلاة عيد ، وقد كان محمد بن الحسن - ومن أصله : أن الجمعة لا تقوم إلا بسلطان - قد قال في السلطان يشغله عنها أمر مما يخاف فوته من أمور المسلمين ، ولا يحضر أحد من قبله ممن يكون له القيام بها : أن من قدر على القيام بها من الناس ، قام بها ، فيكون في قيامه بها كقيامه لو قام بها بأمر السلطان الذي إليه القيام بها ، وعلى الناس سواه اتباعه في ذلك . وكان أبو حنيفة وأبو يوسف يخالفان محمدا فيما قال من هذا ، والقول عندنا في ذلك كما قال ، لا كما قالا . وقد روي في هذا الباب مما يدخل فيما كان من خالد مما ذكر فيه . 6100 - ما قد حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن يونس ، قال : حدثنا داود بن رشيد ، قال : حدثنا ابن علية ، قال : حدثنا أيوب ، عن حميد بن هلال ، عن أنس بن مالك ، قال : خطب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : أخذ الراية زيد ، فأصيب ، ثم أخذها جعفر ، فأصيب ، ثم أخذها عبد الله بن رواحة ، فأصيب ، ثم أخذها خالد بن الوليد عن غير إمرة ، ففتح الله عليه . قال : وإن عينيه تذرفان . قال : وما سرني أنهم عندنا ، أو قال : ما يسرهم أنهم عندنا شك أيوب . والله - عز وجل - نسأله التوفيق .
128 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ قَوْلِهِ : يُسْتَجَابُ لِأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ ، فَيَقُولُ دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي . 988 - حدثنا يُونُسُ ، أخبرنَا ابْنُ وَهْبٍ ، حَدَّثنِي مَالِكٌ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : ( يُسْتَجَابُ لِأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ فَيَقُولُ : دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي ) . 989 - وَحدثنا يُونُسُ ، أخبرنَا ابْنُ وَهْبٍ ، حَدَّثنِي يُونُسُ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِثْلَهُ وَلَمْ يَرْفَعْهُ . 990 - وَحدثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ ، حدثنا حَجَّاجُ بْنُ رِشْدِينَ ، أَخْبَرَني حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ ، عَنْ ابْنِ عَجْلَانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( يُسْتَجَابُ لِلْعَبْدِ مَا لَمْ يَعْجَلْ ، قِيلَ : وَمَا عَجَلَتُهُ ؟ قَالَ : يَقُولُ : قَدْ دَعَوْتُ اللَّهَ فَمَا اسْتَجَابَ وَدَعَوْتُ اللَّهَ فَمَا اسْتَجَابَ ) . 991 - حدثنا الرَّبِيعُ الْجِيزِيُّ ، حدثنا أَبُو زُرْعَةَ وَهْبُ اللَّهِ بْنُ رَاشِدٍ ، حدثنا حَيْوَةُ قَالَ : سَمِعْت ابْنَ عَجْلَانَ يُحَدِّثُ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ . فَقَالَ قَائِلٌ : وَجَدْنَا الرَّجُلَ يَدْعُو فَلَا يُسْتَجَابُ لَهُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ الَّذِي ذُكِرَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ يُمْنَعُ بِهِ مِنْ الِاسْتِجَابَةِ لَهُ . فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ : أَنَّ الَّذِي رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَهُوَ كَمَا رُوِيَ عَنْهُ لَا خُلْفَ لِقَوْلِهِ ؛ وَلَكِنْ الِاسْتِجَابَةُ فِي ذَلِكَ لَمْ تُبَيَّنْ لَنَا مَا هِيَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَثَبَتَتْ لَنَا فِي غَيْرِهِ وَذُكِرَ لَنَا فِيهِ مَا هِيَ . 992 - حدثنا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ ، حدثنا الْفِرْيَابِيُّ ، عَنْ ابْنِ ثَوْبَانَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ، حَدَّثهُمْ ( أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : مَا عَلَى الْأَرْضِ مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ يَدْعُو اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ بِدَعْوَةٍ إلَّا آتَاهُ اللَّهُ إيَّاهَا أَوْ صَرَفَ عَنْهُ مِنْ السُّوءِ مِثْلَهَا مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ : إذًا نُكْثِرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَقَالَ : اللَّهُ أَكْثَرُ ) . 993 - وَكَمَا حدثنا فَهْدٌ ، حدثنا الْحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ ، حدثنا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( دَعْوَةُ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ لَا تُرَدُّ إلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ ، وَإِمَّا أَنْ يُصْرَفَ عَنْهُ مِنْ السُّوءِ بِقَدْرِ مَا دَعَا ) . فَبَيَّنَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ الِاسْتِجَابَةَ مِنْ اللَّهِ تعالى لِمَنْ يَدْعُوهُ مَا هِيَ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ مَا يَدْعُوهُ بِهِ لَيْسَ بِإِثْمٍ وَلَا بِقَطِيعَةِ رَحِمٍ ، وَأَنَّهَا أَنْ يُعْطِيَ مَنْ دَعَاهُ مَا دَعَا فَيَعْلَمَ ذَلِكَ أَوْ يَصْرِفَ عَنْهُ مِنْ السُّوءِ مَا هُوَ خَيْرٌ لَهُ مِمَّا دَعَا فَلَا يَعْلَمُ ذَلِكَ . فَبَانَ بِمَا ذَكَرْنَا مَعْنَى مَا فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ وَأَنَّ الِاسْتِجَابَةَ مِنْ اللَّهِ لِمَنْ يَدْعُوهُ مِنْ عِبَادِهِ بِمَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَدْعُوَهُ بِهِ يُعْطَاهَا لَا مَحَالَةَ غَيْرَ أَنَّهَا مِمَّا قَدْ نَعْلَمُهُ بِالْمُوَافَقَةِ الْعَطِيَّةُ الْمَدْعُوَّةُ فَيَعْلَمُ أَنَّهُ قَدْ اُسْتُجِيبَ لَهُ أَوْ يُعْطِيهِ مَا سِوَى مَا دَعَا بِهِ مِنْ صَرْفِ مَا يَصْرِفُهُ عَنْهُ فَتَكُونُ الِاسْتِجَابَةُ قَدْ كَانَتْ مِنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَإِنَّمَا لَمْ يَعْلَمْهَا . فَخَرَجَ بِمَا ذَكَرْنَا بَيَانُ وَجْهِ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْهُ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَيْنَاهُ فِي صَدْرِ هَذَا الْبَابِ .
688 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله لعبد الله بن مسعود لما مر به هو وأبو بكر وهو يرعى الغنم التي كان يرعاها لعقبة بن أبي معيط : أمعك لبن ؟ قال : إني مؤتمن , ومما في هذا الحديث سوى ذلك . 5173 - حدثنا إبراهيم بن أبي داود ، حدثنا أبو الوليد الطيالسي ، حدثنا أبو عوانة ، عن عاصم ، عن زر ، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : كنت أرعى غنما لعقبة بن أبي معيط , فمر بي رسول الله صلى الله عليه وسلم , فقال لي : يا غلام , هل من لبن ؟ قلت : نعم , ولكني مؤتمن , فقال : هل من شاة لم ينز عليها الفحل ؟ فأتيته بشاة فمسح ضرعها , فنزل لبن , فحلبته في إناء فشرب وسقا أبا بكر , ثم قال للضرع : اقلص فقلص , ثم أتيته بعد هذا , فقلت : يا رسول الله ، علمني من هذا القول , فمسح رأسي , ثم قال : يرحمك الله , إنك غلام معلم , قال : فأخذت منه سبعين سورة ما نازعنيها بشر . 5174 - وحدثنا سليمان بن شعيب الكيساني , حدثنا علي بن معبد . وحدثنا يوسف بن يزيد ، حدثنا حجاج بن إبراهيم ، حدثنا أبو بكر بن عياش ، حدثني عاصم بن بهدلة ، عن زر بن حبيش ، عن ابن مسعود ثم ذكرا مثله غير أنهما لم يذكرا في حديثيهما : فأخذت عنه سبعين سورة ما نازعنيها بشر . قال أبو جعفر : فقال قائل : فكيف تقبلون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سأل من ليس بمالك لتلك الغنم التي كان يرعاها : أمعك من لبن ؟ أي : ليسقيهما منه , وهو لا يملك تلك الغنم ؟ فكان جوابنا له في ذلك أنه قد يحتمل أن يكون كان ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن تلك الغنم كانت عنده لابن مسعود بظاهر أمرها وبيده عليها , فقال له ما قال مما ذكر في هذا الحديث من أجل ذلك , وكان قوله ذلك له محتملا أن يكون أراد ابتياع لبن إن كان معه , لا ما سوى ذلك . وأما قول ابن مسعود له : إني مؤتمن , وتثبيته الأمانة لنفسه على ما يرعاه , فذلك الذي وقف به رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه غير مالك لها , وكان من كان يرعى غنما لغيره باستئجار منه إياه على رعيتها لا يرعى معها غنما لغيره أجيرا خاصا , والأجير الخاص عند أهل العلم جميعا مؤتمن على ما استؤجر عليه , وإنما يختلفون في الأجير المشترك , فيجعله بعضهم كذلك , ويجعله بعضهم بخلاف ذلك . ثم قال هذا القائل : فما معنى سؤال رسول الله صلى الله عليه وسلم لابن مسعود : شاة لم يصبها فحل من غنم قد علم أنها لغير ابن مسعود . فكان جوابنا له في ذلك أن ذلك كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم ليريه آية معجزة تقوم بها الحجة له عليه وعلى غيره في وجوب تصديقه والإيمان به , وكان الذي كان منه في الشاة فيه منفعة لصاحبها من تليين ضرعها , وكان اللبن الذي أحدثه الله تعالى في ضرعها ليس هو من ثديها , إنما هو لبن جعله الله تعالى في ضرعها لما جعله له من غير ملك , ووقع عليه لمالك تلك الشاة . وأما قول ابن مسعود له بعد ذلك : فتعلمت منه سبعين سورة ما نازعنيها بشر , فذلك عندنا - والله أعلم - على أنه ما شاركه فيها بشر ؛ لأن المنازعة قد تكون على المشاركة , ومن ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لما علم أن ناسا قرؤوا خلفه في الصلاة : ما لي أنازع في القرآن ! أي : أشارك في القرآن الذي أقرأه في صلاتي , وقد ذكرنا ذلك بإسناده فيما تقدم منا في كتابنا هذا . فقال هذا القائل : فكيف تقبلون هذا وأنتم تروون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره بأخذ القرآن عمن أمر أن يؤخذ عنه من أصحابه وتقديمه فيهم بابن مسعود على من سواه ممن أمر بأخذه عنه ؟ وسنذكر ذلك بأسانيده فيما بعد من كتابنا هذا فيما هو أولى به من هذا الموضع إن شاء الله . فكان جوابنا له في ذلك أن تلك السبعين سورة المذكورة في هذا الحديث لم يكن شركه في أخذه إياها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بشر , وشركه في أخذ بقية القرآن ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من شركه فيه ممن أخذه عنه من أصحابه , فبان بحمد الله جميع ما في هذا الحديث مما أشكل على هذا السائل من ذلك , ومما سواه مما هو مذكور فيه مشروحا , وبالله التوفيق .
129 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي تَأْخرِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَنْهُ فِي الْوَقْتِ الَّذِي كَانَ وَعَدَهُ أَنْ يَأْتِيَهُ فِيهِ فِي مَنْزِلِهِ بِسَبَبِ الْجَرْوِ الَّذِي كَانَ فِي بَيْتِهِ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ . 994 - حدثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّيْرَفِيُّ الْبَصْرِيُّ أَبُو بَكْرٍ ، حدثنا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ ، حدثنا سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ السَّبَّاقِ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ مَيْمُونَةَ قَالَتْ : ( خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاتِرًا فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لِي أَرَاك فَاتِرًا فَقَالَ : إنَّ جِبْرِيلَ وَعَدَنِي فَمَا أَخْلَفَنِي قَطُّ ، فَظَلَّ يَوْمَهُ وَلَيْلَتَهُ وَفِي الْبَيْتِ جِرْوُ كَلْبٍ تَحْتَ سَرِيرٍ لَهُمْ فَأَخْرَجَهُ ثُمَّ أَخَذَ مَاءً بِيَدِهِ فَنَضَحَ مَكَانَهُ ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ : مَا مَنَعَك ؟ فَقَالَ : إنَّا لَا نَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةٌ ، فَأَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ فَإِنْ كَانَ لَيُكَلَّمُ فِي الْكَلْبِ الصَّغِيرِ فَمَا يَأْذَنُ فِيهِ ) . 995 - حدثنا نَصْرُ بْنُ مَرْزُوقٍ ، حدثنا الْخَصِيبُ بْنُ نَاصِحٍ ، حدثنا وُهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ ( جِبْرِيلَ احْتَبَسَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ أَتَاهُ فَقَالَ لَهُ مَا حَبَسَكَ ؟ قَالَ : جِرْوٌ فِي بَيْتِكَ ، فَنَظَرُوا فَإِذَا جِرْوٌ تَحْتَ السَّرِيرِ ، فَأَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَأُخْرِجَ ) . 996 - حدثنا فَهْدٌ ، حدثنا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ ، حدثنا إسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ ( جِبْرِيلَ وَعَدَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَاعَةٍ يَأْتِيهِ فِيهَا ، فَذَهَبَتْ السَّاعَةُ وَلَمْ يَأْتِهِ ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى الْبَابِ ، فَقَالَ : مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَدْخُلَ الْبَيْتَ ؟ قَالَ : إنَّ فِي الْبَيْتِ كَلْبًا وَإِنَّا لَا نَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةٌ ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْكَلْبِ فَأُخْرِجَ ثُمَّ أَمَرَ الْكِلَابِ أَنْ تُقْتَلَ ) . 997 - حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ ، حدثنا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ ، حدثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : ( وَعَدَ جِبْرِيلُ النَّبِيَّ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ فِي سَاعَةٍ يَأْتِيهِ فِيهَا ، فَجَاءَتْ السَّاعَةُ وَلَمْ يَأْتِهِ وَفِي يَدِهِ عُصَيَّةٌ فَأَلْقَاهَا مِنْ يَدِهِ وَقَالَ : مَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَا رُسُلُهُ ، ثُمَّ الْتَفَتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا جِرْوُ كَلْبٍ تَحْتَ السَّرِيرِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مِنْ أَيْنَ هَذَا الْكَلْبُ ؟ قَالَتْ : وَاَللَّهِ مَا دَرَيْتُ بِهِ ، فَأَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ وَجَاءَهُ جِبْرِيلُ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَعَدْتَنِي فِي سَاعَةٍ وَجَلَسْتُ لَك فَلَمْ تَأْتِنِي ، فَقَالَ : مَنَعَنِي الْكَلْبُ الَّذِي كَانَ فِي بَيْتِكَ ، إنَّا لَا نَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةٌ ) . 998 - حدثنا ابْنُ أَبِي دَاوُد ، حدثنا أَبُو ثَابِتٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْمَدِينِيُّ ، حدثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنْ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ كُرَيْبٍ ، عَنْ ( أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ : دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَعَلَيْهِ الْكَآبَةُ فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : وَعَدَنِي جِبْرِيلُ يَأْتِينِي وَكَانَ إذَا وَعَدَنِي لَمْ يُخْلِفْنِي ) وَذَكَرَهُ . فَفِيمَا رَوَيْنَا أَنَّ جِبْرِيلَ وَعَدَ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ أَنْ يَأْتِيَهُ إلَى مَنْزِلِهِ فِي سَاعَةٍ بِعَيْنِهَا بِلَا اسْتِثْنَاءٍ كَانَ فِي وَعْدِهِ إيَّاهُ بِذَلِكَ ثُمَّ تَأَخَّرَ عَنْ إتْيَانِهِ إيَّاهُ فِيهَا إلَى مَنْزِلِهِ إذْ كَانَ فِيهِ مَا يَمْنَعُ مِنْ دُخُولِهِ إيَّاهُ وَهُوَ الْكَلْبُ الَّذِي كَانَ فِيهِ ؛ لِأَنَّ فِي الشَّرِيعَةِ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةٌ ، وَكَانَ ذَلِكَ بِالشَّرِيعَةِ مُسْتَثْنًى مِنْ وَعْدِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ اسْتِثْنَاؤُهُ مِنْهُ بِلِسَانِهِ . فَمِثْلُ ذَلِكَ الرَّجُلُ يَعِدُ الرَّجُلَ بِالْجُلُوسِ عِنْدَهُ فِي مَنْزِلِهِ لَمَّا يَسْأَلُهُ الْجُلُوسَ عِنْدَهُ فِيهِ فِي وَقْتٍ يَذْكُرُهُ فَيَكُونُ فِي مَنْزِلِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ مَا تَمْنَعُهُ الشَّرِيعَةُ مِنْ دُخُولِ ذَلِكَ الْمَنْزِلِ وَهُوَ فِيهِ مِنْ خَمْرٍ يُشْرَبُ فِيهِ أَوْ مِمَّا سِوَاهَا مِنْ الْمَعَاصِي الَّتِي تَمْنَعُهُ الشَّرِيعَةُ مِنْ حُضُورِهَا فَيَتَخَلَّفُ مِنْ دُخُولِ مَنْزِلِهِ لِذَلِكَ فَلَا يَدْخُلُ بِتَخَلُّفِهِ ذَلِكَ فِي حُكْمِ مَنْ وَعَدَ وَعْدًا فَأَخْلَفَهُ . وَمِثْلُ ذَلِكَ أَيْضًا أَنْ يَعِدَ زَوْجَتَهُ بِوَطْئِهِ إيَّاهَا فِي وَقْتٍ يَذْكُرُهُ لَهَا فَيُدْرِكُهَا الْحَيْضُ فِي وَقْتِهَا ذَلِكَ فَلَا يَكُونُ بِتَرْكِهِ وَطْأَهَا فِي حُكْمِ مَنْ وَعَدَ وَعْدًا ثُمَّ أَخْلَفَهُ . وَمِثْلُ ذَلِكَ الرَّجُلُ يَجْعَلُ عَلَى نَفْسِهِ صَوْمَ غَدِ اللَّيْلَةِ الَّتِي يَقْدَمُ فِيهَا فُلَانٌ فَيَقْدَمُ فُلَانٌ فِي لَيْلَةٍ يَكُونُ غَدِهَا النَّحْرَ فَيَتْرُكُ صَوْمَهُ لِحُرْمَةِ صَوْمِهِ ، فَلَيْسَ بِتَرْكِهِ ذَلِكَ مَذْمُومًا بَلْ هُوَ مَحْمُودٌ فِيهِ ، وَغَيْرُ دَاخِلٍ فِي مَنْ وَعَدَ وَعْدًا فَأَخْلَفَهُ إذَا كَانَ الَّذِي مَنَعَهُ مِنْ الْوَفَاءِ لِمَا قَالَ الشَّرِيعَةُ . وَمِثْلُ ذَلِكَ الرَّجُلُ يَعِدُ الرَّجُلَ أَنْ يَجْلِسَ لَهُ فِي مَكَانِهِ مُنْتَظِرًا لَهُ حَتَّى يَأْتِيَهُ فَتَحْضُرَ الصَّلَاةُ فَيَقُومَ لَهَا وَيَدَعَ انْتِظَارَهُ فَلَيْسَ هُوَ بِذَلِكَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ إذْ كَانَ قِيَامُهُ إلَيْهَا قِيَامًا إلَى مَا دَعَاهُ اللَّهُ إلَيْهِ قَبْلَ وَعْدِهِ الرَّجُلَ الَّذِي وَعَدَهُ بِانْتِظَارِهِ إيَّاهُ فِي مَكَانِهِ ذَلِكَ ، وَكَانَ ذَلِكَ مُسْتَثْنًى بِالشَّرِيعَةِ وَإِنْ لَمْ يَسْتَثْنِهِ مِنْ وَعْدِهِ بِلِسَانِهِ . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ مِثْلُ ذَلِكَ أَيْضًا . 999 - كَمَا حدثنا بَكَّارَ ، حدثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي الْوَزِيرِ ، حدثنا إسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّا الْخَلْقَانِيُّ ، عَنْ الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ : قُلْتُ لِإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ : الرَّجُلُ أَعِدُهُ أَنْ أَنْتَظِرَهُ فَيُبْطِئُ عَلَيَّ إلَى مَتَى أَنْتَظِرُهُ ؟ فَقَالَ : إلَى أَنْ يَحْضُرَ وَقْتُ صَلَاةٍ . فَكَانَ مَا رَوَيْنَا عَنْ إبْرَاهِيمَ مُوَافِقًا لِمَا ذَكَرْنَا وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
817 - باب بيان مشكل تأويل قول الله - عز وجل - : فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ الآية ، بما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ذلك حدثنا أبو القاسم هشام بن محمد بن قرة بن أبي خليفة الرعيني ، قال : حدثنا أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي قال : . 6101 - حدثنا أبو أمية محمد بن إبراهيم ، قال : حدثنا شبابة بن سوار ، قال : حدثنا شعبة ، عن عدي بن ثابت ، عن عبد الله بن يزيد ، عن زيد بن ثابت ، قال : ذكر المنافقون عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال فريق : نقتلهم ، وفريق : لا نقتلهم ، فأنزل الله - عز وجل - : فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ الآية . فكان هذا الحديث عندنا مما لم يضبطه شبابة ، عن شعبة ؛ لأن الذي فيه : أن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانوا في المنافقين فئتين ، فئة تقول : نقتلهم ، وفئة تقول : لا نقتلهم ، وإن الله أنزل هذه الآية في ذلك ، وقد كان المنافقون في مقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة غير متعرضين من قبل رسول الله بقتل ولا بما سواه . وكان - صلى الله عليه وسلم - يحملهم على علانيتهم ، وعلى ما كانوا يظهرون له من أمورهم ، وإن كان قد وقف من باطنهم على خلاف ذلك مما أعلمه الله - عز وجل - منهم ، وما دله عليه بقوله فيما أنزل عليه : لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلا قَلِيلا ، ولم يغره - عز وجل - بهم ، ولا كان منه - صلى الله عليه وسلم - فيهم بعد علمه بما كان الله - عز وجل - أعلمه عنهم مما كانوا عليه من الكفر الذي كانوا يسرونه بقوله : إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ ثم أتبع ذلك بقوله : هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ . وبما أنزل الله - عز وجل - عليه - صلى الله عليه وسلم - فيهم من قوله - عز وجل - : وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ الآية . ومن إخباره بمصيرهم الذي يصيرون إليه في الآخرة ، بقول الله - عز وجل - : إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ الآية . وفيما ذكرنا دليل على بعد هذا الحديث عن المعنى الذي حدث به زيد بن ثابت فيهم . ثم نظرنا في رواية غير شبابة إياه عن شعبة : كيف هي ؟ . 6102 - فوجدنا إبراهيم بن مرزوق قد حدثنا ، قال : حدثنا بشر بن عمر الزهراني ، قال : حدثنا شعبة ، عن عدي بن ثابت ، عن عبد الله بن يزيد ، عن زيد بن ثابت : أن قوما خرجوا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أحد ، فرجعوا ، فاختلفوا فيهم ، فقالت فرقة : نقتلهم ، وقالت فرقة : لا نقتلهم ، فنزلت : فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا . 6103 - ووجدنا أحمد بن داود بن موسى قد حدثنا ، قال : حدثنا مسدد بن مسرهد ، قال : حدثنا أمية بن خالد ، قال : حدثنا شعبة ، عن عدي بن ثابت ، عن عبد الله بن يزيد ، عن زيد بن ثابت ، قال : لما غزا النبي - صلى الله عليه وسلم - أحدا ، رجع أناس من أصحابه ، فكان الناس فرقتين ، منهم من يقول : نقتلهم ، ومنهم من يقول : لا نفعل ، فأنزل الله - عز وجل - فيهم : وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا . فكان في هذا الحديث ما قد دلنا على المعنى الذي من أجله كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيهم فئتين : فئة تقول : نقتلهم ، وفئة : لا نقتلهم ، وأن ذلك كان لتركهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد خروجهم معه إلى قتال أعدائه بأحد ، ورجوعهم إلى ما سواها ، فحل بذلك قتلهم ، وصاروا به حربا لله ولرسوله وللمؤمنين . ثم طلبنا أن نعلم الموضع الذي كانوا رجعوا إليه أي المواضع هو ؟ . 6104 - فوجدنا أحمد بن داود قد حدثنا ، قال : حدثنا سليمان بن حرب ، قال : حدثنا شعبة ، عن عدي بن ثابت ، عن عبد الله بن يزيد ، عن زيد بن ثابت ، قال : رجع عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ناس يوم أحد ، فقال بعض الناس : نقتلهم ، وقال بعضهم : لا نقتلهم ، فأنزل الله : فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ . قال زيد بن ثابت : وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : إنها لتنفي الرجل كما تنفي النار الفضة . وكان قوله - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث : إنها تنفي الرجل كما تنفي النار الفضة : يعني المدينة ، فعقلنا بذلك أن رجوعهم كان إلى غيرها لا إليها ، ووجدنا القرآن قد دل على ذلك بقول الله - عز وجل - بعقب هذه الآية : فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ والمهاجر فإنما كان إلى المدينة ، لا من المدينة إلى ما سواها . ثم نظرنا هل روي شيء يدل على الموضع الذي كانوا رجعوا إليه ؟ فلم نجد في ذلك غير : . 6105 - ما قد حدثناه ابن أبي مريم ، قال : حدثنا الفريابي ، قال : حدثنا ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، ولم يتجاوزه به - وقد كان أبو شريح محمد بن زكريا حدثنا ، قال : قال لنا الفريابي : كل ما حدثتكم به عن ورقاء ، فهو عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد - : فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ ، قوم خرجوا من مكة حتى جاؤوا المدينة يزعمون أنهم مهاجرون ، ثم ارتدوا بعد ذلك ، فاستأذنوا النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى مكة ليأخذوا بضائع لهم يتجرون فيها ، فاختلف فيهم المؤمنون ، فقائل يقول : هم منافقون ، وقائل يقول : هم مؤمنون ، فبين الله - عز وجل - نفاقهم ، وأمر بقتالهم . فهذا الذي وقفنا عليه من تأويل هذه الآية ، والله نسأله التوفيق .
130 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي الْكَبَائِرِ الَّتِي وَعَدَ اللَّهُ تَعَالَى مُجْتَنِبِيهَا مِنْ عِبَادِهِ بِتَكْفِيرِ سَيِّئَاتِهِمْ سِوَاهَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلا كَرِيمًا . فَكَانَ مَا كَانَ مِنْهُ تَعَالَى نِهَايَةَ الْكَرَمِ ؛ لِأَنَّهُ كَفَّرَ عَنْ مُجْتَنِبِي هَذِهِ الْكَبَائِرِ سَيِّئَاتِهِمْ سِوَاهَا ، وَوَعَدَهُمْ بِذَلِكَ أَنْ يُدْخِلَهُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا بِلَا عَمَلٍ كَانَ مِنْهُمْ يُوجِبُ ذَلِكَ لَهُمْ ، وَلَكِنْ لِحَق عَلَيْهِمْ وَكَرَامَتِهِ لَهُمْ جَلَّ وَتَعَالَى . ثُمَّ رَجَعْنَا إلَى طَلَبِ هَذِهِ الْكَبَائِرِ مَا هِيَ ؟ . 1000 - فَوَجَدْنَا يَزِيدَ بْنَ سِنَانٍ وَابْنَ مَرْزُوقٍ قَدْ حَدَّثانَا قَالَا : حدثنا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ ، حدثنا سُفْيَانُ ، عَنْ مَنْصُورٍ وَالْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : ( : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَيُّ الذَّنْبِ أَكْبَرُ ؟ قَالَ : أَنْ تَجْعَلَ لِخَالِقِكَ نِدًّا وَقَدْ خَلَقَكَ ، قُلْتُ : ثُمَّ أَيٌّ ؟ قَالَ : أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أَنْ يَأْكُلَ مَعَكَ ، قُلْتُ : ثُمَّ أَيٌّ ؟ قَالَ : أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ ، قَالَ : ثُمَّ نَزَلَ الْقُرْآنُ بِتَصْدِيقِ قَوْلِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ : وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إلَى آخِرَ الْآيَةِ ) . 1001 - وَوَجَدْنَا يَزِيدَ بْنِ سِنَانٍ قَدْ حدثنا قَالَ : حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ الْعَبْدِيُّ ، حدثنا سُفْيَانُ ، عَنْ الْأَعْمَشِ وَمَنْصُورٍ وَوَاصِلٍ الْأَحْدَبِ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ مِثْلَهُ . 1002 - وَوَجَدْنَا يَزِيدَ قَدْ حدثنا قَالَ : حدثنا الْحَسَنُ بْنُ عُمَرَ بْنِ شَقِيقٍ ، حدثنا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ قَالَ : قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : ( قَالَ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَيُّ الذَّنْبِ عِنْدَ اللَّهِ أَكْبَرُ ) ؟ ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَهُ . فَبَانَ لَنَا عَلَى لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ هَذِهِ الثَّلَاثَةَ الْأَشْيَاءِ الْمَذْكُورَةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ الْكَبَائِرِ وَأَنَّ أَكْبَرَهَا أَنْ يَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا ، ثُمَّ الَّذِي يَتْلُوهُ مِنْهَا : قَتْلُ الرَّجُلِ وَلَدَهُ خَشْيَةَ أَنْ يَأْكُلَ مَعَهُ ، ثُمَّ الَّذِي يَتْلُوهُ مِنْهَا مُزَانَاتُهُ حَلِيلَةَ جَارِهِ ، وَلَمْ يَكُنْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْهَا سِوَى هَذِهِ الثَّلَاثَةِ الْأَشْيَاءِ ، وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْهَا ، وَفِيهِ أَنَّ بَعْضَهَا أَكْبَرُ مِنْ بَعْضٍ ، وَلَمْ يَكُنْ فِي سُؤَالِ عَبْدِ اللَّهِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يُوجِبُ لَهُ جَوَابًا أَكْبَرَ مِمَّا أَجَابَهُ بِهِ عَن مَّا سَأَلَهُ عَنْهُ مِمَّا ذَكَرَ فِيهِ سُؤَالَهُ إيَّاهُ عَنْهُ . 1003 - وَوَجَدْنَا أَبَا أُمَيَّةَ قَدْ حدثنا قَالَ : حدثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ، حدثنا شَيْبَانُ ، عَنْ فِرَاسٍ ، عَنْ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ : ( جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إلَى النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا الْكَبَائِرُ ؟ قَالَ : الْإِشْرَاكُ بِاَللَّهِ ، قَالَ : ثُمَّ مَاذَا ؟ قَالَ : ثُمَّ عُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ ، قَالَ : ثُمَّ مَاذَا ؟ قَالَ : ثُمَّ الْيَمِينُ الْغَمُوسُ ) . قَالَ لَنَا أَبُو أُمَيَّةَ فِي كِتَابِي فِي مَوْضِعٍ : شَيْبَانُ ، وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ : سُفْيَانُ فِي إسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ . فَكَانَ جَوَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَائِلَهُ فِي هَذَا عَنْ الْكَبَائِرِ مَا هِيَ أَنَّهَا الْإِشْرَاكُ بِاَللَّهِ ، كَجَوَابِهِ لِابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ الشِّرْكَ أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ ، وَأَنَّ الَّذِي يَتْلُوهُ مِنْهَا عُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ ، وَأَنَّ الَّذِي يَتْلُوهُ مِنْهَا الْيَمِينُ الْغَمُوسُ . فَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ قَتْلَ الْوَلَدِ وَعُقُوقَ الْوَالِدَيْنِ مِنْهَا فِي دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ ، وَيَمِينَ الْغَمُوسِ مِنْهَا وَمُزَانَاةَ الرَّجُلِ حَلِيلَةَ جَارِهِ فِي دَرَجَةٍ تَتْلُوهَا حَتَّى لَا يُخَالِفَ وَاحِدٌ مِنْ حَدِيثَيْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو الْحَدِيثَ الْآخَرَ ، وَيَكُونَ جَوَابُهُ الْأَوَّلُ مِنْ مُسَاءَلَةِ الْمَذْكُورِينَ فِيهِمَا كَمَا أَجَابَهُ بِهِ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ سُؤَالُهُ إيَّاهُ عَمَّا سَأَلَهُ عَنْهُ ، غَيْرَ أَنَّا تَأَمَّلْنَا بَعْدَ ذَلِكَ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ فَوَجَدْنَا فِي تَأْوِيلِهِمَا مَا هُوَ أَوْلَى بِهِمَا مِنْ هَذَا التَّأْوِيلِ الَّذِي ذَكَرْنَا ، وَوَجَدْنَا جَائِزًا أَنْ يَكُونَ قَتْلُ الرَّجُلِ وَلَدَهُ خَشْيَةَ أَنْ يَأْكُلَ مَعَهُ وَعُقُوقُهُ لِوَالِدَيْهِ فِي دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ تَالِيَةٍ لِلشِّرْكِ بِاَللَّهِ تعالى ، فَأَجَابَ ابْنُ مَسْعُودٍ بِأَحَدِهِمَا ، وَأَجَابَ سَائِلَهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَمْرٍو بِالْآخَرِ مِنْهُمَا . وَمِثْلُ هَذَا مِنْ الْكَلَامِ الصَّحِيحِ أَنْ يُقَالَ لِلرَّجُلِ : مَنْ أَشْجَعُ النَّاسِ ؟ فَيَقُولُ : فُلَانٌ ، ثُمَّ يُقَالُ لَهُ : ثُمَّ مَنْ ؟ فَيَقُولُ : ثُمَّ فُلَانٌ لِرَجُلٍ آخَرَ هُوَ كَذَلِكَ ، وَهُنَاكَ آخَرُ مِثْلُهُ قَدْ سَكَتَ عَنْ اسْمِهِ فَلَمْ يَذْكُرْهُ فَيَكُونُ ذَلِكَ كَلَامًا صَحِيحًا . فَمِثْلُ ذَلِكَ جَوَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِابْنِ مَسْعُودٍ وَجَوَابُهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَمْرٍو وَفِي ذَلِكَ مَا قَدْ دَلَّ أَنْ لَا تَضَادَّ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِلْآخَرِ ، ثُمَّ كَانَ مَنْ فِي الْمَنْزِلَةِ الثَّالِثَةِ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَمْرٍو كَمَنْ هُوَ فِي الْمَنْزِلَةِ الثَّانِيَةِ فِي حَدِيثِهِمَا جَمِيعًا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِيهِمَا . 1004 - وَقَدْ حدثنا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ ، حدثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ ، حدثنا الْجَرِيرِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ : ( أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ ؟ قَالُوا : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ : الْإِشْرَاكُ بِاَللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ ، قَالَ : وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ فَقَالَ : أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ ، أَوْ وَشَهَادَةُ الزُّورِ ) - شَكَّ الْجَرِيرِيُّ - فَمَا زَالَ يَقُولُهَا حَتَّى قُلْنَا : لَيْتَهُ سَكَتَ . فَكَانَ الَّذِي فِي هَذَا الْحَدِيثِ فِي الدَّرَجَةِ الْأُولَى مِنْ الْكَبَائِرِ كَاَلَّذِي فِيهَا فِي الْحَدِيثَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ ، وَكَانَ مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ ، أَوْ قَوْلُ الزُّورِ ، أَوْ وَشَهَادَةُ الزُّورِ ، مِمَّا قَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الْأَشْيَاءُ الثَّلَاثَةُ جُمِعَتْ بِالْوَاوِ ، وَالْمُرَادُ فِيهَا كَالْمُرَادِ فِي ثُمَّ فِي الْحَدِيثَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ . وَمِثْلُ ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ لِلرَّجُلِ : مَنْ أَشْجَعُ النَّاسِ ؟ فَيَقُولَ : فُلَانٌ وَفُلَانٌ ، وَأَحَدُهُمَا فِي الشُّجَاعَةِ فَوْقَ الْآخَرِ مِنْهُمَا . 1005 - وَقَدْ حدثنا أَبُو أُمَيَّةَ ، حدثنا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُؤَدِّبُ ، حدثنا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ مُهَاجِرِ بْنِ قُنْفُذٍ التَّيْمِيِّ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْأَنْصَارِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ - وَهُوَ ابْنُ أُنَيْسٍ - عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : ( إنَّ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ الشِّرْكَ بِاَللَّهِ وَعُقُوقَ الْوَالِدَيْنِ وَالْيَمِينَ الْغَمُوسِ وَمَا حَلَفَ حَالِفٌ بِاَللَّهِ يَمِينَ صَبْرٍ فَأَدْخَلَ فِيهَا مِثْلَ جَنَاحِ بَعُوضَةٍ إلَّا كَانَتْ نُكْتَةً فِي قَلْبِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) . فَالْكَلَامُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ كَالْكَلَامِ فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ الَّذِي رَوَيْنَاهُ قَبْلَهُ . 1006 - وَحدثنا الرَّبِيعُ الْمُرَادِيُّ ، حدثنا ابْنُ وَهْبٍ ، حدثنا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ أَبِي الْغَيْثِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ ، قِيلَ : وَمَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : الشِّرْكُ بِاَللَّهِ وَالسِّحْرُ وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلَّا بِالْحَقِّ وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ ) . وَلَمْ يَذْكُرْ لَنَا الرَّبِيعُ فِي حَدِيثِهِ مِنْ السَّبْعَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا فِيهِ غَيْرَ هَذِهِ السِّتَّةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا عَنْهُ ، فَاعْتَبَرْنَا هَذَا الْحَدِيثَ بِرِوَايَةِ غَيْرِهِ إيَّاهُ هَلْ نَجِدُ فِيهِ الشَّيْءَ السَّابِعَ تَتِمَّةَ هَذِهِ السَّبْعَةِ . 1007 - فَوَجَدْنَا رَوْحَ بْنَ الْفَرَجِ قَدْ حدثنا قَالَ : حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَهْمِيُّ الْمَعْرُوفُ بِالْبَيْطَرِيِّ ، حدثنا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ الرَّبِيعِ بِبَقِيَّةِ إسْنَادِهِ وَبِمَتْنِهِ وَبِنُقْصَانِ الْوَاحِدِ مِنْ عَدَدِ السَّبْعَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا فِيهِ . فَوَقَفْنَا بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ نَقْصَ السَّابِعِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ لَمْ يَكُنْ سُقُوطُهُ كَانَ عَنْ الرَّبِيعِ وَلَا عَنْ مَنْ حَدَّث بِهِ الرَّبِيعُ عَنْهُ ؛ وَلَكِنَّهُ كَانَ فِي نَفْسِ الْحَدِيثِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَلَيْسَ فِي هَذِهِ السَّبْعَةِ الْأَشْيَاءِ الْمَذْكُورَةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ذِكْرُ تَغْلِيظِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ فَانْتَفَى بِذَلِكَ أَنْ يَكُونَ فِيهِ خِلَافٌ لِشَيْءٍ مِنْ الْأَحَادِيثِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا قَبْلَهُ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَلَكِنَّهَا كَبَائِرُ كُلُّهَا فَمَوْضِعُ الشِّرْكِ مِنْهَا كَمَوْضِعِهِ الَّذِي فِي حَدِيثَيْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَمْرٍو وَالْأَشْيَاءُ الْأُخَرُ مِنْهَا لَهَا دَرَجٌ ، اللَّهُ أَعْلَمُ أَيُّ الدَّرَجِ هِيَ ، وَهَلْ تَسْتَوِي أَوْ تَخْتَلِفُ ؟ . 1008 - حدثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، حدثنا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدٍ ، حدثنا بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ ، عَنْ بَحِيرٍ وَهُوَ ابْنُ سَعْدٍ ، عَنْ خَالِدٍ وَهُوَ ابْنُ مَعْدَانَ ، حَدَّثنِي أَبُو رُهْمٍ السَّمْعِيُّ أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيَّ ، حَدَّثهُ أَنَّ رَسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( مَنْ مَاتَ يَعْبُدُ اللَّهَ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا وَيُقِيمُ الصَّلَاةَ وَيُؤْتِي الزَّكَاةَ وَيَصُومُ شَهْرَ رَمَضَانَ وَيَجْتَنِبُ الْكَبَائِرَ فَلَهُ الْجَنَّةُ ، فَسَأَلَهُ رَجُلٌ : مَا الْكَبَائِرُ ؟ قَالَ : الْإِشْرَاكُ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ وَفِرَارٌ يَوْمَ الزَّحْفِ ) . فَالْكَلَامُ فِي هَذَا كَالْكَلَامِ فِي أَحَادِيثِ أَبِي بَكْرَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي أَيُّوبَ سَوَاءً . 1009 - حدثنا ابْنُ مَرْزُوقٍ ، حدثنا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ ، حدثنا شُعْبَةُ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ، عَنْ أَنَسٍ ، عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : ( أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ الْإِشْرَاكُ بِاَللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ وَقَتْلُ النَّفْسِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ أَوْ وَقَوْلُ الزُّورِ ) . فَالْكَلَامُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ كَالْكَلَامِ فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ أَيْضًا . 1010 - وَحدثنا ابْنُ مَرْزُوقٍ ، حدثنا مُعَاذُ بْنُ هَانِئٍ ، حدثنا حَرْبُ بْنُ شَدَّادٍ ، حدثنا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ سِنَانٍ ( عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرِ بْنِ قَتَادَةَ اللَّيْثِيِّ أَنَّهُ ، حَدَّثهُ أَبُوهُ وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ : أَلَا إنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ الْمُصَلُّونَ وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ يُقِيمُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ اللَّاتِي كُتِبْنَ عَلَيْهِ وَصِيَامَ شَهْرِ رَمَضَانَ وَيَحْتَسِبُ صَوْمَهُ وَيَرَى أَنَّهُ عَلَيْهِ حَقٌّ ، وَمَنْ أَعْطَى زَكَاتَهُ وَهُوَ يَحْتَسِبُهَا وَاجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ الَّتِي نَهَى اللَّهُ عَنْهَا ، ثُمَّ إنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْكَبَائِرُ ؟ قَالَ : تِسْعٌ ، أَعْظَمُهُنَّ الْإِشْرَاكُ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَقَتْلُ الْمُؤْمِنِ بِغَيْرِ حَقٍّ وَفِرَارٌ يَوْمَ الزَّحْفِ وَالسِّحْرُ وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ وَأَكْلُ الرِّبَا وَقَذْفُ الْمُحْصَنَةِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ الْمُسْلِمَيْنِ وَاسْتِحْلَالُ الْبَيْتِ الْحَرَامِ قِبْلَتِكُمْ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا ، ثُمَّ قَالَ : لَا يَمُوتُ رَجُلٌ لَمْ يَعْمَلْ هَذِهِ الْكَبَائِرَ وَيُقِيمُ الصَّلَاةَ وَيُؤْتِي الزَّكَاةَ إلَّا رَافَقَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي دَارٍ مَحْبُوبَةٍ مَصَارِيعُهَا مِنْ ذَهَبٍ ) . فَكَانَ مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ لَيْسَ فِيهِ تَقْدِيمُ بَعْضِ التِّسْعَةِ الْأَشْيَاءِ الْمَذْكُورَةِ فِيهِ عَلَى بَعْضٍ غَيْرَ أَنَّ فِيهِ أَشْيَاءَ مِمَّا فِي حَدِيثَيْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَمْرٍو فَمَوْضِعُهَا مِنْ الْكَبَائِرِ مَوْضِعُهَا مِنْهَا فِي ذَيْنِكَ الْحَدِيثَيْنِ . 1011 - حدثنا يُونُسُ ، حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ وَحدثنا ابْنُ خُزَيْمَةَ وَفَهْدٌ قَالَا : حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ ثُمَّ قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ يُونُسَ وَابْنِ خُزَيْمَةَ وَفَهْدٍ فِي حَدِيثِهِ : حَدَّثنِي اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، حَدَّثنِي ابْنُ الْهَادِ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَقُولُ : ( مِنْ الْكَبَائِرِ شَتْمُ الرَّجُلِ وَالِدَيْهِ ، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ وَهَلْ يَشْتُمُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ وَيَسُبُّ أُمَّ الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أُمَّهُ ) . مَوْضِعُ هَذَا الْحَدِيثِ هُوَ مَوْضِعُ الْعُقُوقِ مِنْ حَدِيثَيْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَمْرٍو اللَّذَيْنِ ذَكَرْنَا فِي هَذَا الْبَابِ فَهَذَا وَجْهُ مَا وَجَدْنَاهُ فِي هَذَا الْبَابِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عَدَدِ الْكَبَائِرِ . وَقَدْ وَجَدْنَا عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ فِيهَا مِمَّا نَعْلَمُ أَنَّهُمَا لَمْ يَقُولَاهُ رَأْيًا وَلَا اسْتِنْبَاطًا وَلَا اسْتِخْرَاجًا لِأَنَّ مِثْلَهُ لَا يُقَالُ بِذَلِكَ ، وَأَنَّهُمَا لَمْ يَقُولَاهُ إلَّا تَوْقِيفًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : . 1012 - مَا حدثنا أَحْمَدُ بْنُ دَاوُد ، حدثنا مُسَدَّدٌ ، حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُد ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ مُسْلِمٍ ، عَنْ مَسْرُوقٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : الْكَبَائِرُ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ النِّسَاءِ إلَى : إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ فَقُلْت لِمُسْلِمٍ : إنَّ إبْرَاهِيمَ حَدَّثنِي ! قَالَ : أَنَا حَدَّثت إبْرَاهِيمَ فَقُلْت لِإِبْرَاهِيمَ فَقَالَ : حَدَّثنِي عَلْقَمَةُ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ . 1013 - وَمَا حدثنا أَحْمَدُ بْنُ دَاوُد ، حدثنا مُسَدَّدٌ ، حدثنا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ : إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ ، قَالَ : مِنْ أَوَّلِ السُّورَةِ إلَى هَذَا الْكَلَامِ . فَهَذَا أَيْضًا مِمَّا نَعْلَمُ أَنَّهُ قَدْ وَقَفَا عَلَيْهِ مِمَّا قَدْ زَادَ فِي عَدَدِ الْكَبَائِرِ الَّتِي قَدْ ذَكَرْنَاهَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْبَابِ مِمَّا فِي سُورَةِ النِّسَاءِ إلَى : إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ وَأَنَّ جَمِيعَ مَا فِي هَذِهِ السُّورَةِ مِنْ الْكَبَائِرِ وَمَا فِي الْأَحَادِيثِ الَّتِي رَوَيْنَاهَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْبَابِ قَدْ لَحِقَ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ ، وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لَا كَبَائِرَ سِوَاهَا ، وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ كَبَائِرُ سِوَاهَا لَمْ يُطْلِعْ اللَّهُ عِبَادَهُ عَلَيْهَا لِيَكُونُوا عَلَى حَذَرٍ مِنْ الْوُقُوعِ فِيهَا ، وَلِيَكُونَ ذَلِكَ زَاجِرًا لَهُمْ عَنْ السَّيِّئَاتِ كُلِّهَا خَوْفًا أَنْ يَكُونَ مَا يَقَعُونَ فِيهِ مِنْهَا مِنْ تِلْكَ الْكَبَائِرِ . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : وَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُمْنَعُوا مِنْ شَيْءٍ لَا يَتَبَيَّنُ لَهُمْ مَا هُوَ حَتَّى يَجْتَنِبُوهُ ، فَلَا يَقَعُونَ فِيهِ ؟ قِيلَ لَهُ : هَذَا عِنْدَنَا - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - كَمِثْلِ مَا قَدْ رَوَيْنَاهُ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنَّا فِي كِتَابِنَا هَذَا مِنْ قَوْلِهِ : ( الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ ، وَبَيْنَ ذَلِكَ أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ ، الْوَاقِعُ فِيهَا كَالرَّاتِعِ إلَى جَانِبِ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ ) ، فَلَمْ يُبَيِّنْهَا اللَّهُ لَهُمْ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ، وَلَوْ شَاءَ لَأَبَانَهَا لَهُمْ وَلَكِنَّهُ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تَرَكَ ذَلِكَ لِيَجْتَنِبُوا الشُّبُهَاتِ كُلَّهَا . وَمِثْلُ ذَلِكَ مَا قَدْ رُوِيَ عَنْهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ أَنَّهَا فِي رَمَضَانَ ، ثُمَّ سَأَلُوا فِي أَيُّهَا مِنْهُ ، فَأَعْلَمَهُمْ أَنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْهُ ، وَلَمْ يُخْبِرْهُمْ أَيَّ لَيْلَةٍ هِيَ مِنْ لَيَالِيِهِ ، وَقَالَ لَهُمْ فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ عَنْهُ فِي ذَلِكَ : لَوْ شَاءَ أَنْ يُطْلِعَكُمْ عَلَيْهَا لَأَطْلَعَكُمْ عَلَيْهَا ، وَسَنَذْكُرُ ذَلِكَ فِي بَابِهِ فِيمَا بَعْدُ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَكَانَ تَرْكُ إعْلَامِهِمْ أَيَّ لَيْلَةٍ هِيَ مِنْ لَيَالِيِ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ لِيَعْمَلُوا فِيهَا كُلِّهَا عَمَلَ طَالِبِيهَا رَجَاءَ مُوَافَقَتِهَا ، فَمِثْلُ ذَلِكَ إنْ كَانَتْ كَبَائِرُ مِنْ السَّيِّئَاتِ سِوَى مَا ذَكَرْنَا فِي هَذَا الْبَابِ فِي الْآثَارِ قَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ تَرَكَ تِبْيَانِهَا ، لِيَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا لِتَرْكِهِمْ السَّيِّئَاتِ كُلِّهَا ، لِأَنَّهَا مِنْهَا ، وَباَللَّهَ التَّوْفِيقَ .
687 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من تركه عقوبة حاطب بن أبي بلتعة على ما كان منه في كتابه إلى أهل مكة من كفار قريش يخبرهم ببعض أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم . 5167 - حدثنا يزيد بن سنان وإبراهيم بن مرزوق قالا : حدثنا عمر بن يونس ، حدثنا عكرمة بن عمار ، حدثنا أبو زميل ، حدثني عبد الله بن عباس ، حدثني عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : كتب حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة ، فأطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم ، فبعث عليا والزبير في أثر الكتاب ، فأدركا امرأة ، فأخرجاه من قرن من قرونها ، فأتيا به النبي صلى الله عليه وسلم ، فقرئ عليه ، فأرسل إلى حاطب ، فقال : يا حاطب ، أنت كتبت هذا الكتاب ؟ قال : نعم يا رسول الله ، قال : فما حملك على ذلك ؟ قال : يا رسول الله ، أما والله إني لناصح لله ولرسوله ، ولكني كنت غريبا في أهل مكة ، وكان أهلي بين ظهرانيهم ، فخشيت عليهم ، فكتبت كتابا لا يضر الله ورسوله شيئا ، وعسى أن يكون فيه منفعة لأهلي . قال عمر : فاخترطت سيفي ، ثم قلت : يا رسول الله ، أمكني من حاطب ، فإنه قد كفر ، لأضرب عنقه ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : يا ابن الخطاب ، وما يدريك ؟ لعل الله اطلع على هذه العصابة من أهل بدر ، فقال : اعملوا ما شئتم ، فقد غفرت لكم . 5168 - وحدثنا عيسى بن إبراهيم الغافقي ، حدثنا سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار قال : أخبرني الحسن بن محمد بن علي أنه سمع عبيد الله بن أبي رافع يقول : سمعت عليا يقول : بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا والزبير والمقداد ، فقال : انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ ، فإن بها ظعينة معها كتاب ، فخذوه منها ، فانطلقنا ، تتعادى بنا خيلنا ، حتى أتينا الروضة ، فإذا نحن بالظعينة ، فقلنا : أخرجي الكتاب ، فقالت : ما معي كتاب ، فقلنا : لتخرجن الكتاب أو لنقلبن الثياب ، فأخرجته من عقاصها ، فأتينا به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإذا فيه : من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس مكة ، يخبرهم ببعض أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا حاطب ، ما هذا ؟ فقال : يا رسول الله ، لا تعجل علي ، فإني كنت امرءا ملصقا - يقول : كنت حليفا - ولم أكن من أنفسها ، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون أهليهم ، فأحببت إذ فاتني ذلك أن أتسبب إليهم ، وأتخذ عندهم يدا يحمون بها قرابتي ، ولم أفعله ارتدادا عن ديني ولا رضا بالكفر بعد الإسلام ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أما إنه قد صدقكم ، فقال عمر : دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق ، فقال : أما إنه قد شهد بدرا ، وما يدريك ؟ لعل الله جل جلاله قد اطلع على من شهد بدرا ، فقال : اعملوا ما شئتم ، فقد غفرت لكم . 5169 - وحدثنا أحمد بن داود ، أنبأنا سهل بن بكار ، حدثنا أبو عوانة ، عن الحصين ، عن سعد بن عبيدة ، عن أبي عبد الرحمن قال : سمعت عليا رضي الله عنه يقول : بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم والزبير بن العوام وأبا مرثد - وكلنا فارس - قال : انطلقوا حتى تبلغوا رضوة كذا وكذا ، فإن ثم امرأة معها صحيفة من حاطب بن أبي بلتعة إلى المشركين ، فأتوني بها ، فانطلقنا على أفراسنا ، فأدركناها حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، تسير على بعير لها ، وكتب معها إلى أهل مكة في مسير رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم ، قلنا : أين الكتاب الذي معك ؟ قالت : ما معي كتاب ، فأنخنا بها بعيرها ، وابتغينا في رحلها ، فلم نجد شيئا ، فقال صاحباي : ما نرى معها شيئا ، قال : قلت : لقد علمنا ما كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : بالذي أحلف به لتخرجن الكتاب أو لأجردنك ، فأهوت إلى حجزتها وهي محتجزة بكساء ، فأخرجت الكتاب ، فأتينا به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال عمر : يا رسول الله ، إنه قد خان الله ورسوله والمؤمنين ، دعني أضرب عنقه . فقال : ما حملك على ما صنعت ؟ فقال : ما بي أن لا أكون مؤمنا بالله ورسوله ، غير أني أردت أن تكون لي يد عند القوم يدفع الله بها عن أهلي ومالي ، وليس من أصحابك أحد إلا له من قومه من يدفع الله به عن أهله وماله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : صدق ، لا تقولوا له إلا خيرا ، فقال عمر رضي الله عنه : يا رسول الله ، إنه قد خان الله ورسوله والمؤمنين ، دعني أضرب عنقه ، فقال : وما يدريك ؟ لعل الله تعالى نظر إلى أهل بدر نظرة ، فقال : اعملوا ما شئتم ، فقد وجبت لكم الجنة ، فاغرورقت عيناه ، وقال : الله ورسوله أعلم . 5170 - وحدثنا فهد قال : حدثنا يوسف بن بهلول ، ثنا عبد الله بن إدريس ، حدثني الحصين بن عبد الرحمن ، عن سعد بن عبيدة ، عن أبي عبد الرحمن السلمي ، عن علي ، ثم ذكر هذا الحديث . 5171 - وحدثنا الربيع المرادي ، حدثنا شعيب بن الليث . وحدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ، أخبرني أبي وشعيب بن الليث ، ثم اجتمعا ، فقالا : حدثنا الليث ، عن أبي الزبير ، عن جابر أنه أخبره أن حاطب بن أبي بلتعة كتب إلى أهل مكة كتابا يذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد غزوهم ، فدل رسول الله صلى الله عليه وسلم على المرأة التي معها الكتاب ، فأرسل إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأخذ كتابها من رأسها ، فقال : يا حاطب ، أفعلت ؟ قال : نعم ، أما إني لم أفعله غشا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نفاقا ، قد علمت أن الله تعالى مظهر رسوله ، ومتمم له أمره ، غير أني كنت غريبا بين ظهرانيهم وكانت والدتي معهم ، فأردت أن أتخذ عندهم يدا ، فقال عمر رضي الله عنه : ألا أضرب رأس هذا ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : أتقتل رجلا من أهل بدر ؟ وما يدريك ؟ لعل الله قد اطلع على أهل بدر ، فقال : اعملوا ما شئتم . فقال قائل : كيف تقبلون هذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تركه العقوبة على حاطب عليه وعلى المؤمنين فيما كان منه ؟ فإن قلتم : لأنه قد كان من أهل بدر ، وقد سبق لهم من الله ما سبق ، قيل لكم : قد سبق لهم من الله ما سبق ، وليس ذلك بدافع عنهم العقوبات على ذنوبهم التي يذنبونها أن تقام عليهم ، وذكر في ذلك . 5172 - ما قد حدثنا فهد ، حدثنا سعيد بن كثير بن عفير ، حدثني يحيى بن فليح بن سليمان ، عن ثور يعني ابن زيد ، عن عكرمة ، عن ابن عباس أن الشراب كانوا يضربون في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأيدي والنعال والعصي حتى توفي النبي صلى الله عليه وسلم ، فكانوا في خلافة أبي بكر أكثر منهم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال أبو بكر : لو فرضنا لهم حدا ، فتوخى نحوا مما كانوا يضربون في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكان أبو بكر رضي الله عنه يجلدهم أربعين حتى توفي ، ثم كان عمر من بعده يجلدهم كذلك ، حتى أتى رجل من المهاجرين الأولين وقد شرب ، فأمر به أن يجلد ، فقال : لم تجلدني ؟ بيني وبينك كتاب الله عز وجل ، فقال عمر : وأين في كتاب الله تجد أن لا أجلدك ؟ فقال : إن الله تعالى يقول في كتابه : لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا ([ المائدة : 93 ] ، شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بدرا وأحدا والخندق والمشاهد ، فقال عمر : ألا تردون عليه ما قال ؟ فقال ابن عباس : إن هؤلاء الآيات أنزلت عذرا للماضين وحجة على الباقين ، فعذر الماضون بأنهم لقوا الله قبل أن يحرم عليهم الخمر ، وحجة على الباقين لأن الله تعالى يقول : يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ (الآية [ المائدة : 90 ] ، ثم قرأ الآية كلها ، فإن كان من الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، ثم اتقوا وآمنوا ، ثم اتقوا وأحسنوا - فإن الله نهى أن يشرب الخمر ، فقال عمر رضي الله عنه : صدقت ، ثم قال عمر : فماذا ترون ؟ قال علي رضي الله عنه : نرى أنه إذا شرب سكر ، وإذا سكر هذى ، وإذا هذى افترى ، وعلى المفتري ثمانون جلدة ، فأمر عمر ، فجلد ثمانين . قال : فقدامة قد كان له من بدر في شهوده إياها كما كان لحاطب في مثل ذلك ، ولم ير عمر ولا علي ولا من كان بحضرتهما دفع العقوبة عنه لذلك على جرمه الذي كان منه . فكان جوابنا له في ذلك أن من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره بإقالة ذوي الهيئات عثراتهم إلا في حد من حدود الله تعالى ، وكان حاطب لشهوده بدرا ، ولما كان عليه من الأمور المحمودة من ذوي الهيئة ، ولم يكن الذي أتى مما يوجب حدا ، إنما يوجب عقوبة ليست بحد ، فرفعها عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم لما كان معه من الهيئة ، وكان الذي كان من قدامة فيه حد لله فلم يرفعه عمر ولا علي ، ولا من سواهما لهيئته ، لأن الهيئة إنما ترفع العقوبات التي ليست حدودا ، ولا ترفع العقوبات التي هي حدود ، ولذلك روينا فيما تقدم منا في كتابنا هذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم ، إلا في حد من حدود الله ، فبان بحمد الله ونعمته أن هذه الروايات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم عن أصحابه يوافق بعضها بعضا ولا يخالف بعضها بعضا ، ويشد بعضها بعضا ، لا يخالفه ولا يدفعه ، والله عز وجل نسأله التوفيق
131 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ قَوْلِهِ لِابْنِ عُمَرَ وَلِأَصْحَابِهِ لَمَّا رَجَعُوا إلَيْهِ بَعْدَ فِرَارِهِمْ مِنْ الزَّحْفِ ، وَقَوْلِهِمْ لَهُ : نَحْنُ الْفَرَّارُونَ ، قَالَ : بَلْ أَنْتُمْ الْعَكَّارُونَ . 1014 - حدثنا أَبُو أُمَيَّةَ ، حدثنا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى الْأَشْيَبُ ، حدثنا زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، حدثنا يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ ( ابْنِ عُمَرَ قَالَ : كُنْت فِي سَرِيَّةٍ مِنْ سَرَايَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَجَاضَ النَّاسُ جَيْضَةً ، وَكُنْت فِيمَنْ جَاضَ ، فَقُلْنَا : كَيْفَ نَصْنَعُ وَقَدْ فَرَرْنَا مِنْ الزَّحْفِ وَبُؤْنَا بِالْغَضَبِ ، فَقُلْنَا : لَوْ دَخَلْنَا الْمَدِينَةَ فَبِتْنَا بِهَا فَقُلْنَا : لَوْ عَرَضْنَا أَنْفُسَنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَإِنْ كَانَتْ لَنَا تَوْبَةٌ وَإِلَّا ذَهَبْنَا فَأَتَيْنَاهُ قَبْلَ صَلَاةِ الْغَدَاةِ ، فَخَرَجَ فَقَالَ : مَنْ الْقَوْمُ ؟ قُلْنَا : نَحْنُ الْفَرَّارُونَ ، قَالَ : بَلْ أَنْتُمْ الْعَكَّارُونَ ، أَنَا فِئَتُكُمْ ، أَوْ أَنَا فِئَةُ الْمُسْلِمِينَ ، فَأَتَيْنَاهُ حَتَّى قَبَّلْنَا يَدَهُ ) . 1015 - حدثنا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ ، حدثنا الْحَسَنُ بْنُ عُمَرَ بْنِ شَقِيقٍ ، حدثنا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ ، عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ : قَالَ ابْنُ عُمَرَ ثُمَّ ذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ إلَّا أَنَّهُ قَالَ فِيهِ : ( فَحَاصَ النَّاسُ حَيْصَةً ) مَكَانَ مَا فِي حَدِيثِ أَبِي أُمَيَّةَ ، فَجَاضَ النَّاسُ جَيْضَةً ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ : فَأَتَيْنَاهُ فَقَبَّلْنَا يَدَهُ . 1016 - حدثنا رَوْحُ بْنُ الْفَرَجِ ، حدثنا يُوسُفُ بْنُ عَدِيٍّ ، حدثنا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ : حَدَّثنِي ( عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ فِي سَرِيَّةٍ مِنْ سَرَايَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَاصَ النَّاسُ حَيْصَةً ) ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ أَبِي أُمَيَّةَ سَوَاءً . فَقَالَ قَائِلٌ : الْعَكَّارُونَ عِنْدَ الْعَرَبِ هُمْ الْكَرَّارُونَ ، فَكَيْفَ جَازَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنْ يُقَالَ هَذَا الْقَوْلُ لِلْفَرَّارَيْنِ ؟ فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ : أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ أَنَّهُمْ لَمَّا كَرُّوا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِئَتُهُمْ لِيَرْجِعُوا إلَى مَا يَأْمُرُهُمْ بِهِ وَلِيَنْصَرِفُوا فِيمَا يَصْرِفُهُمْ فِيهِ ، كَانَ ذَلِكَ كَرًّا مِنْهُمْ إلَيْهِ وَعَوْدًا مِنْهُمْ إلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ بَذْلِ أَنْفُسِهِمْ لِقِتَالِ عَدُوِّهِمْ ، فَاسْتَحَقُّوا بِذَلِكَ أَنْ يَكُونُوا عَكَّارِينَ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ ذَلِكَ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِمَّا يَجِبُ أَنْ يُوقَفَ عَلَيْهِ مِمَّا يُلْحَقُ بِالْكَبَائِرِ ، وَهُوَ أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَدْ ذَهَبَ إلَى أَنَّ قَوْله تَعَالَى : وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إنَّمَا ذَلِكَ فِي أَهْلِ بَدْرٍ خَاصَّةً دُونَ مَنْ سِوَاهُمْ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِلْمُسْلِمِينَ فِئَةٌ يَوْمَئِذٍ إلَّا وَهِيَ حَاضِرَةٌ بِبَدْرٍ 1017 - كَمَا حدثنا عُبَيْدُ بْنُ رِجَالٍ ، حدثنا بَكْرُ بْنُ خَلَفٍ ، حدثنا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ ، عَنْ دَاوُد بْنِ أَبِي هِنْدٍ ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ : نَزَلَتْ يَوْمَ بَدْرٍ : وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ . 1018 - وَكَمَا حدثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، حدثنا أَبُو دَاوُد يَعْنِي الْحَرَّانِيَّ ، حدثنا أَبُو زَيْدٍ الْهَرَوِيُّ ، حدثنا شُعْبَةُ ، عَنْ دَاوُد بْنِ أَبِي هِنْدٍ ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ قَالَ : نَزَلَتْ فِي أَهْلِ بَدْرٍ . وَلَيْسَ فِيمَا رَوَيْنَا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ يَوْمَ بَدْرٍ أَوْ فِي أَهْلِ بَدْرٍ عَلَى أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ الَّذِي فِيهَا فِي غَيْرِ أَهْلِ بَدْرٍ كَهُوَ فِي أَهْلِ بَدْرٍ ، وَعَلَى أَنَّهُ بَعْدَ بَدْرٍ كَهُوَ يَوْمَ كَانَ فِي بَدْرٍ ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ دُخُولَ ابْنِ عُمَرَ فِي الْمُقَاتِلَةِ بِإِدْخَالِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إيَّاهُ فِيهِمْ إنَّمَا كَانَ عَامَ الْخَنْدَقِ وَبَعْدَ رَدِّهِ إيَّاهُ قَبْلَ ذَلِكَ وَتَرْكِهِ إدْخَالَهُ فِيهِمْ ، وَهَذَا بَعْدَ بَدْرٍ . فَدَلَّ ذَلِكَ أَنَّ حُكْمَ الْفِرَارِ مِنْ الزَّحْفِ بِغَيْرِ تَحَرُّفٍ إلَى قِتَالٍ أَوْ تَحَيُّزٍ إلَى فِئَةٍ بَاقٍ حُكْمُهُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَدَاخِلٌ فِي الْكَبَائِرِ ، وَاَللَّه نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
818 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في تأويل قول الله - عز وجل - : أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ . 6106 - حدثنا ابن أبي مريم ، قال : حدثنا الفريابي ، قال : حدثنا قيس بن الربيع ، عن الحجاج بن أرطاة ، عن المنهال بن عمرو ، عن زر بن حبيش ، عن علي عليه السلام ، قال : كنا نشك في عذاب القبر حتى نزلت : أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ قال أبو جعفر : سمعت محمد بن عبد الرحمن الهروي ، يقول : قال أحمد بن حنبل : ما حدث الفريابي بحديث أحسن من هذا الحديث ، يعني حديث قيس هذا . قال أبو جعفر : فكان هذا الحديث فيه إثبات عذاب القبر ، وقد رويت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - آثارا باستعاذته منه متواترة ، منها : . 6107 - ما قد حدثنا أبو أمية ، قال : حدثنا روح بن عبادة ، عن شعبة ، عن عبد الملك بن عمير ، قال : سمعت مصعب بن سعد يحدث ، عن أبيه - رضي الله عنه - قال : كان يأمرنا بهذا الدعاء ، ويحدث به عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : اللهم إني أعوذ بك من البخل ، وأعوذ بك من الجبن ، وأعوذ بك أن أرد إلى أرذل العمر ، وأعوذ بك من فتنة الدنيا ، وأعوذ بك من عذاب القبر . 6108 - وما قد حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، قال : حدثنا وهب بن جرير ، قال : حدثنا شعبة ، عن عبد الملك بن عمير ، عن مصعب بن سعد ، قال : كان سعد - رضي الله عنه - يعلمنا هؤلاء الكلمات ، ويذكرهن عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم ذكر ما في هذا الحديث . وقد روي حديث آخر ذكره بعض الناس ، عن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقصر بعضهم به عنه ، ولذلك لم نجعله في أول هذا الباب . 6109 - وهو ما قد حدثنا أبو أمية ، قال : حدثنا عبيد الله بن موسى وما قد حدثنا فهد ، قال : حدثنا أبو غسان ، قالا : أخبرنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن عمرو بن ميمون ، عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتعوذ من خمس : من الجبن ، والبخل ، وسوء العمر ، وفتنة الصدر ، وعذاب القبر . 6110 - وما قد حدثنا أبو أمية ، قال : حدثنا علي بن قادم ، قال : حدثنا يونس بن أبي إسحاق ، عن أبيه ، عن عمرو بن ميمون ، قال : سمعت عمر بن الخطاب ، يقول : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يتعوذ من خمس ، ثم ذكر مثله . قال أبو جعفر : فهكذا روى يونس بن أبي إسحاق وابنه إسرائيل هذا الحديث عن أبي إسحاق ، وأما شعبة : فرواه عن أبي إسحاق فخالفهما فيه . 6111 - كما حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، قال : حدثنا وهب ، عن شعبة ، عن أبي إسحاق ، عن عمرو بن ميمون ، ولم يذكر عمر - رضي الله عنه - قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يدعو بهذا الدعاء ، ثم ذكر مثله . 6112 - وحدثنا نصر بن مرزوق ، قال : حدثنا الخصيب بن ناصح ، قال : حدثنا وهيب بن خالد ، عن موسى بن عقبة ، قال : حدثتني أم خالد ابنة خالد بن سعيد بن العاص : أنها سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يتعوذ من عذاب القبر . 6113 - وحدثنا علي بن معبد ، قال : حدثنا روح بن عبادة ، قال : حدثنا عثمان الشحام ، قال : حدثني مسلم بن أبي بكرة : أنه مر بوالده وهو يدعو ، يقول : اللهم إني أعوذ بك من الكفر ، والفقر ، وعذاب القبر ، فأخذتهن عنه ، فكنت أدعو بهن في دبر الصلاة ، فمر بي ، وأنا أدعو بهن ، فقال لي : يا بني ، أني علقت بهؤلاء الكلمات ؟ قلت : يا أبتاه ، سمعتك تدعو بهن في دبر الصلاة ، فأخذتهن عنك . قال فالزمهن يا بني ، فإن نبي - صلى الله عليه وسلم - كان يدعو بهن في دبر الصلاة . 6114 - حدثنا يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال مالك : أخبرني أبو الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يدعو ، يقول : اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم ، وأعوذ بك من عذاب القبر ، وأعوذ بك من شر المسيح الدجال ، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات . 6115 - وكما حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، قال : حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث ، عن شعبة ، قال : حدثنا بديل ، عن عبد الله بن شقيق ، عن أبي هريرة : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يتعوذ من عذاب القبر ، وعذاب جهنم ، وفتنة الدجال . 6116 - وحدثنا أبو أمية ، قال : حدثنا وهب بن جرير وروح بن عبادة ، قالا : حدثنا شعبة ، عن حبيب بن الزبير ، عن عبد الله بن أبي الهذيل ، عن عبد الرحمن بن أبزى ، عن عبد الله بن خباب ، عن أبي بن كعب ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال في الدجال : عينه خضراء كالزجاجة ، فتعوذوا بالله - عز وجل - من عذاب القبر . 6117 - وكما حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، قال : حدثنا وهب ، قال : حدثنا شعبة ، ثم ذكر بإسناده مثله ، والله نسأله التوفيق .
132 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْهِ مِنْ قَوْلِهِ : إذَا رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ الْعَبْدِ أَثْنَى عَلَيْهِ سَبْعَةَ أَضْعَافٍ مِنْ الْخَيْرِ لَمْ يَعْمَلْهَا ، وَمَا رُوِيَ عَنْهُ فِي السَّخَطِ مِثْلُ ذَلِكَ . 1019 - حدثنا يُونُسُ ، حدثنا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَني حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ غَيْلَانَ ، عَنْ دَرَّاجٍ ، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : ( إذَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْعَبْدِ أَثْنَى عَلَيْهِ سَبْعَةَ أَضْعَافٍ مِنْ الْخَيْرِ لَمْ يَعْمَلْهَا ، وَقَالَ فِي السَّخَطِ مِثْلَهُ ) . 1020 - حدثنا بَكَّارَ وَابْنُ مَرْزُوقٍ قَالَا : حدثنا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ حَيْوَةَ ثُمَّ ذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ . 1021 - حدثنا صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَنْصَارِيُّ ، حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ ، حدثنا حَيْوَةُ ، أَخْبَرَني سَالِمُ بْنُ غَيْلَانَ أَنَّهُ سَمِعَ دَرَّاجًا يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِثْلَهُ . فَتَأَمَّلْنَا مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ فَوَجَدْنَا مَا فِيهِ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ ثَنَاءَ اللَّهِ عَلَى عَبْدِهِ إذَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سَبْعَةَ أَضْعَافٍ مِنْ الْخَيْرِ لَمْ يَعْمَلْهَا قَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ إذَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِأَعْمَالِهِ الصَّالِحَةِ يُثْنِي عَلَيْهِ سَبْعَةَ أَضْعَافٍ مِنْ الْخَيْرِ لَمْ يَعْمَلْهَا مِمَّا قَدْ عَلِمَ تَعَالَى أَنَّهُ سَيَعْمَلُهَا فِي الْمُسْتَأْنَفِ ، وَإِنْ كَانَ قَدْ يَعْمَلُ فِي الْمُسْتَأْنَفِ مِنْ الْخَيْرِ أَضْعَافَهَا مِمَّا لَا يُثْنِي بِهِ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَوْجِبُ ذَلِكَ إذْ كَانَ لَمْ يَعْمَلْهُ ، وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى بِفَضْلِهِ عَلَيْهِ وَمَحَبَّتِهِ إيَّاهُ لِلْخَيْرِ الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ أَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا شَاءَ أَنْ يُثْنِيَ بِهِ عَلَيْهِ مِمَّا هُوَ عَامِلُهُ فِي الْمُسْتَأْنَفِ ، وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ لَا يُثْنِيَ عَلَيْهِ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ إذْ كَانَ لَمْ يَعْمَلْهُ لَمَا أَثْنَى عَلَيْهِ شَيْئًا مِنْهُ ، وَإِذَا كَانَ لَهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ لَا يُثْنِيَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَا كَانَ لَهُ أَنْ يُثْنِيَ عَلَيْهِ بِمَا شَاءَ مِنْهُ وَيَتْرُكَ الثَّنَاءَ عَلَيْهِ بِنَفْسِهِ ، هَذَا فِيمَنْ رَضِيَ عَنْهُ ، وَأَمَّا مَنْ سَخِطَ عَلَيْهِ فَقَدْ يَجُوزُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ يُثْنِي عَلَيْهِ بِسَبْعَةِ أَضْعَافٍ مِنْ الشَّرِّ لَمْ يَعْمَلْهَا مِمَّا هُوَ عَامِلُهَا فِي الْمُسْتَأْنَفِ ، وَلَعَلَّهُ أَنْ يَعْمَلَ فِي الْمُسْتَأْنَفِ مِنْ الشَّرِّ أَضْعَافَهَا ، وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ لَا يُثْنِيَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ لَفَعَلَ إذْ كَانَ لَمْ يَعْمَلْهُ إلَى ذَلِكَ الْوَقْتِ فَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا شَاءَ مِمَّا سَيَعْمَلُهُ ، وَتَرَكَ أَنْ لَا يُثْنِيَ عَلَيْهِ بِمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا هُوَ كَمِثْلِ مَا أَثْنَى عَلَيْهِ بِهِ جَلَّ وعز ، وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
686 - باب بيان مشكل ما روي من خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم . 5164 - حدثنا أبو أمية ، حدثنا روح بن عبادة ، عن شعبة ، حدثنا أبو إسحاق قال : سمعت أبا عبد الله الجدلي يقول : سألت أم المؤمنين عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالت : لم يكن فاحشا ولا متفحشا ولا سخابا في الأسواق ، ولكن كان يعفو ويغفر . قال أبو جعفر : وهذه أحسن الصفات من الأخلاق التي هي السجية التي يكون عليها من تحمد سجيته . 5165 - وحدثنا محمد بن علي بن داود ، حدثنا سليمان بن عبد الرحمن ابن ابنة شرحبيل ، حدثني الحسن بن يحيى الخشني ، حدثنا زيد بن واقد ، عن بسر بن عبيد الله الحضرمي ، عن أبي إدريس الخولاني ، عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال : سألت عائشة رضي الله عنها عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالت : كان خلقه القرآن ؛ يرضى لرضاه ، ويسخط لسخطه . وهذا أيضا أحسن ما يكون الناس عليه ، لأنه لا شيء أحسن من آداب القرآن ومن ما دعا الله الناس فيه إليه ، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك غير خارج عنه إلى ما سواه . 5166 - وحدثنا الربيع بن سليمان المرادي ، حدثنا أسد بن موسى ، حدثنا المبارك بن فضالة ، عن الحسن ، عن سعد بن هشام قال : أتيت عائشة ، فقلت : يا أم المؤمنين ، أخبريني بخلق رسول الله صلى الله عليه وسلم ! فقالت : كان خلقه القرآن ، أما تقرأ قول الله عز وجل : (وإنك لعلى خلق عظيم(؟ [ القلم : 4 ] قلت : فإني أريد أن أتبتل ، قالت : فلا تفعل ، أما تقرأ : (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة(؟ [ الأحزاب : 21 ] قد تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم وولد له . وكان قول عائشة : كان خلقه القرآن ، أي : اتباع ما يأمره به القرآن ، وترك ما ينهاه عنه ، وفي ذلك ما قد شد ما تقدم منا فيما تأولنا عليه جواب رسول الله صلى الله عليه وسلم للأعراب حين سألوه : ما خير ما أعطي العبد ؟ بقوله : خلق حسن ، والله نسأله التوفيق .
133 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ قَوْلِهِ : لَوْ جُعِلَ الْقُرْآنُ فِي إهَابٍ ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ لَمَا احْتَرَقَ . 1022 - حدثنا صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَنْصَارِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَبَكْرُ بْنُ إدْرِيسَ قَالُوا : حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ ، حدثنا ابْنُ لَهِيعَةَ ، عَنْ مِشْرَحِ بْنِ عَاهَانَ ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَوْ جُعِلَ الْقُرْآنُ فِي إهَابٍ ، ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ لَمَا احْتَرَقَ ) . فَتَأَمَّلْنَا هَذَا الْحَدِيثَ فَوَجَدْنَا مَنْ تَقَدَّمَنَا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِهَذَا الْمَعْنَى قَدْ قَالُوا فِيهِ قَوْلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ : أَمَّا أَحَدُهُمَا : فَإِخْبَارُ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ أُمَّتَهُ بِقَوْلِهِ هَذَا أَنَّ مَنْ كَانَ مَعَهُ الْقُرْآنُ مَنَعَهُ أَنْ تَعْمَلَ فِيهِ النَّارُ وَلَوْ أُلْقِيَ فِيهَا ، وَكَانَ مُرَادُهُ بِالْإِهَابِ الْإِنْسَانَ الَّذِي يَكُونُ مَعَهُ الْقُرْآنُ ، وَأَنَّهُ تَعَالَى يَقِيهِ بِهِ مِنْ النَّارِ كَمِثْلِ مَا وَقَى إبْرَاهِيمَ خَلِيلَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِمَكَانِهِ مِنْهُ مِنْ عَمَلِ النَّارِ فِيهِ ، وَمِنْ قَوْلِهِ لَهَا : كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ . وَالْقَوْلُ الْآخَرُ مِنْهُمَا : أَنَّ الْإِهَابَ الْمَذْكُورَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ هُوَ الْإِهَابُ الَّذِي يُكْتَبُ فِيهِ الْقُرْآنُ ، فَيَكُونُ اللَّهُ تَعَالَى لِتَنْزِيهِهِ الْقُرْآنَ عَنْ النَّارِ يَمْنَعُهَا مِنْهُ فَيَنْزِعُهُ مِنْ الْإِهَابِ حَتَّى يَكُونَ ذَلِكَ الْإِهَابُ خَالِيًا مِنْ الْقُرْآنِ ، ثُمَّ تُحْرِقُ النَّارُ الْإِهَابَ وَلَا قُرْآنَ فِيهِ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ حَسَنٌ ، مُحْتَمِلٌ هَذَا الْحَدِيثُ لَهُ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِمُرَادِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ الْمُتَأَوَّلِ عَلَى هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ ، وَهَلْ هُوَ وَاحِدٌ مِنْ هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ ، أَوْ مَعْنًى سِوَاهُمَا مِمَّا لَمْ يُطْلِعْنَا عَلَيْهِ وَلَمْ يَبْلُغْهُ عِلْمُنَا ، وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
819 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما يعذب به الناس في قبورهم . 6118 - أخبرنا أحمد بن شعيب ، قال : أخبرنا هناد بن السري ، عن وكيع ، عن الأعمش ، قال : سمعت مجاهدا يحدث ، عن طاوس ، عن ابن عباس ، قال : مر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على قبرين ، فقال : إنهما يعذبان ، وما يعذبان في كبير ، أما هذا : فكان لا يستبرئ من بوله ، وأما هذا : فكان يمشي بالنميمة . ثم دعا بعسيب رطب ، فشقه باثنين ، فغرس على هذا واحدا ، وعلى هذا واحدا ، ثم قال : لعله أن يخفف عنهما ما لم ييبسا . فقال قائل : وكيف قصد في هذا إلى البول دون ما سواه من النجاسات ؟ فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله - عز وجل - وعونه : أن البول لا يظهر على الأبدان ولا على الثياب منه ، ما يظهر من سائر النجاسات سواه من الغائط والدم والقيح ، وما أشبه ذلك ؛ لأن هذه الأشياء يتحاماها الناس لتقذرهم إياها ، والبول فليس كذلك ؛ لأنه لا لون له يتحامى من أجله ، فيحتمل أن يكون قصد إليه لاستخفاف الناس به ، وتهاونهم بالتنظيف منه ما لا يتهاونون به من التنظيف مما سواه مما يتريبون به الناس حتى لا يتحاموا مجالسهم ولا قربهم ، فقصد إلى البول بذلك دون ما سواه . وأما قوله - صلى الله عليه وسلم - : وأما أحدهما فكان لا يستتر من بوله ، فوجه ذلك عندنا - والله أعلم - : أن الاستتار هو التوقي ، ومنه دعاء بعضهم لبعض : سترك الله من النار ، أي : وقاك الله من النار . ومنه قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : اتقوا النار ولو بشق التمرة ، أي : استتروا من النار ، ولو بشق التمرة . فمثل ذلك : كان لا يستتر من بوله ، أي : لا يتوقى من بوله . 6119 - وقد حدثنا بكار بن قتيبة ، قال : حدثنا أبو داود ، قال : حدثنا الأسود بن شيبان ، قال : حدثنا بحر بن مرار ، قال : حدث أبو بكرة ، قال : كنت أمشي مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنا ورجل آخر إذ مر بقبرين ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن صاحبي هذين القبرين ليعذبان ، ومن يأتيني بجريدة من هذا النخل . فاستبقت أنا والرجل فسبقته ، فكسرت منها جريدة ، فأتيت بها النبي - صلى الله عليه وسلم - فشقها من أعلاها بنصفين ، فوضع على كل واحد من القبرين نصفها ، وقال : إنه يهون عليهما ما دام فيهما من رطوبتهما شيء ، إنهما ليعذبان في الغيبة والبول . والله - عز وجل - أعلم بمراد رسوله - صلى الله عليه وسلم - كان في ذلك ، وإياه نسأل التوفيق .
134 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ : ( وَلَدُ الزِّنَى شَرُّ الثَّلَاثَةِ ) . 1023 - حدثنا ابْنُ مَرْزُوقٍ ، حدثنا أَبُو حُذَيْفَةَ ، حدثنا الثَّوْرِيُّ ، عَنْ سُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَلَدُ الزِّنَى شَرُّ الثَّلَاثَةِ ) . 1024 - حدثنا ابْنُ أَبِي دَاوُد ، حدثنا أَبُو عُمَرَ الْحَوْضِيُّ ، حدثنا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ سُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ . 1025 - حدثنا الرَّبِيعُ الْجِيزِيُّ ، حدثنا حَسَّانُ بْنُ غَالِبٍ ، حدثنا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( فَرْخُ الزِّنَى شَرُّ الثَّلَاثَةِ ) . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَتَأَمَّلْنَا هَذَا فَوَجَدْنَاهُ مُطْلَقًا عَلَى جَمِيعِ أَوْلَادِ الزِّنَى مُوجِبًا أَنَّ كُلَّ أَوْلَادِ الزِّنَى شَرٌّ مِنْ أُمَّهَاتِهِمْ ، وَمِمَّنْ حَمَلْنَ بِهِمْ مِنْهُ مِنْ الزَّانِينَ بِهِنَّ ، وَقَدْ كَانَ الزِّنَى مِنْ أُمَّهَاتِهِمْ وَمِنْ الزَّانِينَ بِهِنَّ اخْتِيَارًا مِنْهُمْ لَهُ ، وَكَانَ أَوْلَادُهُمْ بُرَآءَ مِنْ ذَلِكَ . فَسَأَلَ سَائِلٌ : فَقَالَ : كَيْفَ يَكُونَ أَوْلَادُ الزِّنَى الَّذِينَ لَا أَفْعَالَ لَهُمْ فِي الزَّانِينَ مِمَّنْ هُمْ مِنْهُ مِمَّنْ كَانَ مِنْهُ الزِّنَى ، وَأَعْظَمَ ذَلِكَ . فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ نُقِلَ عَنْهُ هَذَا الْحَدِيثُ لِمَا ذَكَرْنَا ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ إنْكَارُهَا ذَلِكَ عَلَيْهِ ، وَإِخْبَارُهَا أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ إنَّمَا كَانَ قَصَدَ بِذَلِكَ الْقَوْلِ إلَى إنْسَانٍ بِعَيْنِهِ لِمَعْنًى كَانَ فِيهِ يَبِينُ بِهِ عَنْ سَائِرِ أَوْلَادِ الزُّنَاةِ . 1026 - كَمَا حدثنا صَالِحُ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ أَبَانَ الْبَصْرِيُّ ، حدثنا الْحَسَنُ بْنُ عُمَرَ بْنُ شَقِيقٍ ، حدثنا سَلَمَةُ بْنُ الْفَضْلِ ، عَنْ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ قَالَ : بَلَغَ عَائِشَةَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَلَدُ الزِّنَى شَرُّ الثَّلَاثَةِ ، فَقَالَتْ : يَرْحَمُ اللَّهُ أَبَا هُرَيْرَةَ أَسَاءَ سَمْعًا فَأَسَاءَ إجَابَةً ، هَكَذَا فِي الْحَدِيثِ ، وَأَمَّا أَهْلُ اللُّغَةِ فَيَقُولُونَ : إنَّهُ أَسَاءَ سَمْعًا فَأَسَاءَ جَابَةً بِلَا أَلِفٍ ، ثُمَّ رَجَعْنَا إلَى حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ( عَنْ عَائِشَةَ لَمْ يَكُنْ الْحَدِيثُ عَلَى هَذَا إنَّمَا كَانَ رَجُلٌ يُؤْذِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَمَا إنَّهُ مَعَ مَا بِهِ وَلَدُ زِنى ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هُوَ شَرُّ الثَّلَاثَةِ ) . فَكَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَفْعٌ لِمَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي رَوَيْنَاهُ قَبْلَهُ ، وَكَانَ الَّذِي فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَشْبَهَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ قَالَ فِي كِتَابِهِ : وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَقَالَ : وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأَوْفَى فَكَانَ وَلَدُ الزِّنَى لَيْسَ مِمَّنْ كَانَ لَهُ فِي زِنَا أُمِّهِ وَلَا فِي زِنَا الزَّانِي بِهَا حَتَّى حَمَلَتْ بِهِ مِنْهُ سَعْيٌ ، وَبَانَ لَنَا بِحَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي ذَكَرَهُ عَنْهُ أَبُو هُرَيْرَةَ : ( وَلَدُ الزِّنَى شَرُّ الثَّلَاثَةِ ) إنَّمَا كَانَ لِإِنْسَانٍ بِعَيْنِهِ كَانَ مِنْهُ مِنْ الْأَذَى لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا كَانَ مِنْهُ مِمَّا صَارَ بِهِ كَافِرًا شَرًّا مِنْ أُمِّهِ وَمِنْ الزَّانِي بِهَا الَّذِي كَانَ حَمْلُهَا بِهِ مِنْهُ .
685 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله : إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق . 5163 - حدثنا يوسف بن يزيد ، حدثنا سعيد بن منصور ، حدثنا عبد العزيز الدراوردي ، أخبرني ابن العجلان ، عن القعقاع بن حكيم ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق . فكان معنى ذلك عندنا - والله أعلم - أن الله عز وجل إنما بعثه ليكمل للناس دينهم ، وأنزل عليه مما يدخل في هذا المعنى ، وهو قوله عز وجل : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ (، فكانت بعثته إياه عز وجل ليكمل للناس أديانهم التي قد كان تعبد من تقدمه من أنبيائه بما تعبده به منها ، ثم كملها عز وجل له بقوله : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ (. والإكمال : هو الإتمام ، فهو معنى قوله صلى الله عليه وسلم : بعثت لأتمم صالح الأخلاق ، أي : صالح الأديان ، وهو الإسلام ، وبالله التوفيق .
135 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ : لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ وَلَدُ زِنْيَةٍ . 1027 - حدثنا ابْنُ أَبِي دَاوُد ، حدثنا الْمُقَدَّمِيُّ ، حدثنا فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ النُّمَيْرِيُّ ، حدثنا الْحَسَنُ بْنُ عَمْرٍو ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : نَزَلْتُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدٍ فَاحْتَبَسَ ذَاتَ لَيْلَةٍ ثُمَّ جَاءَ ، فَقَالَ : أَعَشَّيْتُمْ ضَيْفَكُمْ قَالُوا : انْتَظَرْنَاك قَالَ : شَغَلَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ ، ثَكِلَتْ مَنْبُوذًا أُمُّهُ ، إنْ كَانَ مَا يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ حَقًّا قُلْتُ : وَمَا حَدَّثك قَالَ : حَدَّثنِي ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ وَلَدُ زِنْيَةٍ ) . 1028 - وَحدثنا إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ يُونُسَ ، حدثنا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى الْقَطَّانُ ، حدثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَغْرَاءَ ، حدثنا الْحَسَنُ بْنُ عَمْرٍو ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : ثَكِلَتْ مَنْبُوذًا أُمُّهُ إنْ كَانَ مَا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ حَقًّا ، قُلْت لَهُ : مَاذَا قَالَ ؟ قَالَ : قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ وَلَدُ زِنْيَةٍ ) . 1029 - حدثنا يَحْيَى بْنُ عُثْمَانَ بْنِ صَالِحٍ ، حدثنا يُوسُفُ بْنُ عَدِيٍّ ، حدثنا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيّ ، عَنْ الْحَسَنِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ عَبْدُ اللَّهِ بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي ذُبَابٍ قَالَ : قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ وَلَدُ زِنًى ) . فَتَأَمَّلْنَا مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ إذْ كَانَ مَا فِيهِ مُضَافًا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَإِذْ كَانَ مِمَّا قَدْ سَأَلَ عَنْهُ مَنْ سَأَلَ عَمَّا فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا الْبَابِ . فَكَانَ مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَنَا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ، أُرِيدَ بِهِ مَنْ تَحَقَّقَ بِالزِّنَى حَتَّى صَارَ غَالِبًا عَلَيْهِ فَاسْتَحَقَّ بِذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مَنْسُوبًا إلَيْهِ فَيُقَالُ هُوَ ابْنٌ لَهُ ، كَمَا يُنْسَبُ الْمُتَحَقِّقُونَ بِالدُّنْيَا إلَيْهَا ، فَيُقَالُ لَهُمْ : بَنُو الدُّنْيَا لِعَمَلِهِمْ لَهَا وَتَحَقُّقِهِمْ بِهَا وَتَرْكِهِمْ مَا سِوَاهَا ، وَكَمَا قَدْ قِيلَ لِلْمُتَحَقِّقِ بِالْحَذَرِ ابْنُ أَحْذَارٍ وَلِلْمُتَحَقِّقِ بِالْكَلَامِ ابْنُ أَقْوَالِ وَكَمَا قِيلَ لِلْمُسَافِرِ ابْنُ سَبِيلٍ وَكَمَا قِيلَ لِلْمَقْطُوعِينَ عَنْ أَمْوَالِهِمْ لِبُعْدِ الْمَسَافَةِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهَا أَبْنَاءُ السَّبِيلِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي أَصْنَافِ أَهْلِ الزَّكَاةِ : إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ حَتَّى ذَكَرَ فِيهِمْ ابْنَ السَّبِيلِ ، وَكَمَا قَالَ بَدْرُ بْنُ حَزَازٍ لِلنَّابِغَةِ : أَبْلِغْ زِيَادًا وَخَيْرُ الْقَوْلِ أَصْدَقُهُ فَلَوْ تَكَيَّسَ أَوْ كَانَ ابْنَ أَحْذَارِ أَيْ لَوْ كَانَ حَذِرًا وَذَا كَيْسٍ، وَكَمَا يُقَالُ فُلَانٌ ابْنُ مَدِينَةٍ لِلْمَدِينَةِ الَّتِي هُوَ مُتَحَقِّقٌ بِهَا ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْأَخْطَلِ : رَبَتْ وَرَبَا فِي حِجْرِهَا ابْنُ مَدِينَةٍ يَظَلُّ عَلَى مِسْحَاتِهِ يَتَرَكَّلُ فَمِثْلُ ذَلِكَ ابْنُ زِنْيَةٍ ، قِيلَ لِمَنْ قَدْ تَحَقَّقَ بِالزِّنَى حَتَّى صَارَ بِتَحَقُّقِهِ بِهِ مَنْسُوبًا إلَيْهِ وَصَارَ الزِّنَى غَالِبًا عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِهَذِهِ الْمَكَانِ الَّتِي فِيهِ ، وَلَمْ يُرِدْ بِهِ مَنْ كَانَ لَيْسَ مِنْ ذَوِي الزِّنَى الَّذِي هُوَ مَوْلُودٌ مِنْ الزِّنَى وَهَذَا أَشْبَهُ بِمَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ لِلْمَعَانِي الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي مِثْلِهِ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا الْبَابِ . وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ بِغَيْرِ هَذَا اللَّفْظِ فَمَرَّ فِيهِ مَكَانَ ابْنِ زِنْيَةٍ وَلَدُ زِنْيَةٍ . 1030 - كَمَا حدثنا أَبُو أُمَيَّةَ ، حدثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ، حدثنا شَيْبَانُ يَعْنِي النَّحْوِيَّ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ ، عَنْ جَابَانَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو يَرْفَعُ الْحَدِيثَ إلَى النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : ( لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ وَلَدُ زِنْيَةٍ ) . 1031 - وَكَمَا حدثنا أَبُو أُمَيَّةَ ، حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ سَابِقٍ ، حدثنا أَبُو إسْرَائِيلَ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ أَبِي الْحَجَّاجِ ، عَنْ مَوْلًى لِأَبِي قَتَادَةَ ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَاقٌّ لِوَالِدَيْهِ وَلَا مَنَّانٌ وَلَا وَلَدُ زِنْيَةٍ وَلَا مُدْمِنُ خَمْرٍ ) . فَفِيمَا رَوَيْنَا فِي هَذَا الْفَصْلِ مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ مَا دَلَّ أَنَّهُ قَدْ يُقَالُ وَلَدُ زِنْيَةٍ لِلْمُتَحَقِّقِ بِالزِّنَى كَمَا يُقَالُ ابْنُ زِنْيَةٍ لِلْمُتَحَقِّقِ بِالزِّنَى ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ كَانَ مَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي رَوَيْنَاهُ فِي هَذَا الْبَابِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا الْبَابِ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَلَدُ الزِّنَى شَرُّ الثَّلَاثَةِ ، يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى مَنْ يَغْلِبُ الزِّنَى عَلَيْهِ فَيَكُونَ بِذَلِكَ شَرًّا مِمَّنْ سِوَاهُ مِمَّنْ لَيْسَ كَذَلِكَ .
820- باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قوله: أكثر عذاب القبر بالبول . 6120 - حدثنا بكار بن قتيبة ، قال : حدثنا يحيى بن حماد ، قال : حدثنا أبو عوانة ، عن سليمان ، قال : أحسبه عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : أكثر عذاب القبر بالبول . 6121 - حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن يونس ، قال : حدثنا هارون ، قال : حدثنا عفان ، قال : حدثنا أبو عوانة ، عن سليمان ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بمثله ، ولم يشك في شيء من إسناده . فذهب ذاهب إلى أن المراد : أن الناس يعذبون في قبورهم بالبول كما يعذبون به في الدنيا ؛ لأن ذلك من غليظ عذاب الدنيا ، وقد يحتمل أن يكون المراد في ذلك المعنى الذي ذكرناه فيما تقدم ذكرنا له من هذه المعاني ، فيكون العذاب الذي هو أكثر عذاب القبر من أجل البول ما شاء الله أن يعذب به من أصناف عذابه والله أعلم 6122 - وقد حدثنا أبو أمية ، قال : حدثنا أبو غسان مالك بن إسماعيل ، قال : حدثنا إسرائيل بن يونس ، عن أبي يحيى ، عن مجاهد ، عن ابن عباس - رفع الحديث - قال : إن عامة عذاب القبر من البول ، فتنزهوا من البول . ففي هذا الحديث : أن ذلك العذاب في القبر من أجل البول ، فتصحيح هذا الحديث ، والحديث الأول : أن يكون ذلك العذاب من أجل البول بما شاء الله أن يكون ذلك العذاب به ، لا بالبول ، والله أعلم بمراد رسوله - صلى الله عليه وسلم - بذلك وإياه نسأله التوفيق
136 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ ظُهُورِ أَوْلَادِ الْحِنْثِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ . 1032 - حدثنا يُونُسُ ، أَخبرنا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَني يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ ، عَنْ زَبَّانِ بْنِ فَائِدٍ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذٍ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( لَا تَزَالُ هَذِهِ الْأُمَّةُ عَلَى شَرِيعَةٍ مَا لَمْ يَظْهَرْ فِيهِمْ ثَلَاثٌ : مَا لَمْ يُقْبَضْ مِنْهُمْ الْعِلْمُ ، وَيَكْثُرْ فِيهِمْ وَلَدُ الْحِنْثِ ، وَيَظْهَرْ فِيهِمْ السَّقَّارُونَ ، قَالُوا : وَمَا السَّقَّارُونَ ؟ قَالَ : نَشْءٌ يَكُونُونَ آخِرَ الزَّمَانِ تَحِيَّتُهُمْ بَيْنَهُمْ إذَا تَلَاقَوْا التَّلَاعُنُ ) . وَكَانَ مَعْنَى مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَيَظْهَرْ فِيهِمْ السَّقَّارُونَ ، الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ بِمَا ذَكَرَهُمْ بِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ الْقَوْلِ الْقَبِيحِ وَمِنْ نِسْبَتِهِ إيَّاهُمْ إلَى السَّقْرِ لِنَتْنِ فَمِ السَّقْرِ ، فَنِسْبَتُهُمْ إلَيْهِ كَنَتْنِ مَا يَكُونُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ مِنْ الْقَوْلِ الْقَبِيحِ إلَى السَّقْرِ الْمُنْتِنِ الْفَمِ ، وَفِيهِ ذِكْرُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إيَّاهُمْ وَلَدَ الْحِنْثِ فَمُرَادُهُ فِيهِ عِنْدَنَا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ، نِسْبَتُهُ إيَّاهُمْ إلَى الْحِنْثِ وَأَنَّهُمْ أَوْلَادٌ لَهُ لِلْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا مِنْ جَوَازِ الْقَوْلِ لِلْمُتَحَقِّقِ بِالشَّيْءِ الَّذِي يَغْلِبُ عَلَيْهِ أَنَّهُ وَلَدٌ لِذَلِكَ الشَّيْءِ ، كَمَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ : هُوَ ابْنٌ لَهُ .
684 - باب بيان مشكل ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله : أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا . 5161 - أخبرنا ابن يونس ، حدثنا أنس بن عياض الليثي ، عن محمد بن عجلان ، عن القعقاع بن حكيم ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا . 5162 - وحدثنا علي بن معبد ، حدثنا عبد الوهاب بن عطاء ، أنبأنا محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا ، وخياركم خياركم لنسائهم . قال أبو جعفر : وكان الخلق الذي في هذا الحديث عندنا - والله أعلم - هو السجية التي تكون مع بعض المؤمنين ، ولا تكون مع بعضهم ، فتكون فضيلة لمن هي معه على من ليست منهم معه ، والله الموفق .
137 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ قَوْلِهِ فِي عَتَاقِ وَلَدِ الزِّنَى : إنَّهُ لَا خَيْرَ فِيهِ . 1033 - حدثنا فَهْدٌ ، حدثنا أَبُو نُعَيْمٍ ، حدثنا إسْرَائِيلُ بْنُ يُونُسَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ أَبِي يَزِيدَ الضَّنِّيِّ ، عَنْ مَيْمُونَةَ ابْنَةِ سَعْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ عِتْقِ وَلَدِ الزِّنَى فَقَالَ : لَا خَيْرَ فِيهِ ، نَعْلَانِ يُعَانُ بِهِمَا أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ عِتْقِ وَلَدِ الزِّنَى ) . فَكَانَ مَعْنَى مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ هُوَ عِنْدَنَا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ، عَلَى عِتْقِ الْمُتَحَقِّقِ بِالزِّنَى حَتَّى صَارَ بِذَلِكَ مَنْسُوبًا إلَيْهِ ، وَمَجْعُولًا وَلَدًا لَهُ ، وَفِي ذَلِكَ مِمَّا يَدْخُلُ فِيمَا قَدْ ذَكَرْنَاهُ قَبْلَهُ فِيمَا مَضَى مِنْ هَذِهِ الْأَبْوَابِ ، وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ : وَلَدُ زِنى لِمَنْ هَذِهِ سَبِيلُهُ ، كَمَا يُقَالُ لَهُ ابْنُ زِنى ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ : 1034 - مَا قَدْ حدثنا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُد ، حدثنا حَسَّانُ بْنُ غَالِبٍ ، حدثنا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ سُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَقُولُ : لَأَنْ أَحْمِلَ بِسَوْطٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أُعْتِقَ فَرْخَ زِنى . 1035 - وَمَا قَدْ حدثنا فَهْدٌ ، حدثنا أَبُو نُعَيْمٍ ، حدثنا أَبُو جَعْفَرٍ يَعْنِي الرَّازِيَّ ، عَنْ يَحْيَى الْبَكَّاءِ قَالَ : قِيلَ لِابْنِ عُمَرَ يَقُولُونَ فِي وَلَدِ الزِّنَى شَرُّ الثَّلَاثَةِ ، فَقَالَ : بَلْ هُوَ خَيْرُ الثَّلَاثَةِ قَدْ أَعْتَقَ عُمَرُ عَبِيدًا لَهُ مِنْ أَوْلَادِ الزِّنَى وَلَوْ كَانَ خَبِيثًا مَا فَعَلَ . فَأَمَّا مَا رَوَيْنَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي هَذَا فَعَلَى مِثْلِ مَا رَوَاهُ عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ قَوْلِهِ : ( فَرْخُ الزِّنَى شَرُّ الثَّلَاثَةِ ) وَمَا رَوَيْنَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ فِيهِ عَلَى مِثْلِ مَا رَوَيْنَا عَنْ عَائِشَةَ فِيهِ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنَّا فِي هَذَا الْكِتَابِ [ باب 134 ] وَمَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ عُمَرَ حُجَّةٌ لِمَا حَمَلْنَا تَأْوِيلَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَيْهِ ، إذْ كَانَ مَا كَانَ مِنْ عُمَرَ بِحَضْرَةِ مَنْ سِوَاهُ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يُنْكِرُوا ذَلِكَ عَلَيْهِ وَلَمْ يُخَالِفُوهُ فِيهِ ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى مُتَابَعَتِهِمْ إيَّاهُ عَلَيْهِ وَباَللَّهُ التوَفِّيقُ .
821- باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في دفعه : أن الناس يعذبون في قبورهم ، لما سئل عن ذلك بعد قول اليهودية لعائشة : أعاذك الله من عذاب القبر . 6123 - حدثنا يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب : أن مالكا حدثه - وحدثنا المزني ، قال : حدثنا الشافعي ، قال : أخبرنا مالك ، ثم اجتمعا جميعا ، فقالا : عن يحيى بن سعيد ، عن عمرة ابنة عبد الرحمن ، عن عائشة : أن يهودية جاءت تسألها ، فقالت أعاذك الله من عذاب القبر ، فسألت عائشة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أيعذب الناس في قبورهم ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عائذا بالله من ذلك . ثم ركب رسول الله ذات غداة مركبا ، فخسفت الشمس ، فرجع ضحى ، فمر بين ظهراني الحجر ، فقام يصلي فذكرت صلاة الكسوف وكيف صلاها ، قالت : ثم انصرف ، فقال : ما شاء الله أن يقول ، ثم أمرهم أن يتعوذوا من عذاب القبر . ففي هذا الحديث بدءا دفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يكون الناس يعذبون في قبورهم ، وأمره الناس بعد ذلك أن يتعوذوا من عذاب القبر . فكان دفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لذلك بدءا عندنا - والله أعلم - قبل أن يوحى إليه أن الناس يعذبون في قبورهم ، ثم أوحي إليه بعد ذلك : أنهم يعذبون في قبورهم ، فأمرهم أن يتعوذوا بالله من ذلك . فقال قائل : وكيف تقبلون هذا ؟ وقد رويتم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكر . 6124 - ما قد حدثنا محمد بن عزيز الأيلي ، قال : حدثنا سلامة بن روح ، عن عقيل بن خالد ، قال : قال ابن شهاب : وحدثني ابن أبي نملة : أن أبا نملة الأنصاري ، أخبره : أنه بينما هو جالس عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ جاءه رجل من اليهود ، فقال : يا محمد هل تتكلم هذه الجنازة ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : الله أعلم . فقال اليهودي : أنا أشهد أنها تتكلم ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ما حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ، ولا تكذبوهم ، وقولوا : آمنا بالله ، وكتبه ، ورسله ، فإن كان حقا ، لم تكذبوهم ، وإن كان باطلا ، لم تصدقوهم . 6125 - وما قد حدثنا إبراهيم بن أبي داود ، قال : حدثنا عبد الله بن صالح ، قال : حدثني الليث ، حدثني عقيل ، عن ابن شهاب ، قال : أخبرني ابن أبي نملة : أن أبا نملة الأنصاري أخبره ، ثم ذكر مثله . قال : ففي هذا الحديث أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن لا يكذبوا أهل الكتاب بما حدثوهم به ، ولا يصدقوهم ، إذ كانوا قد قرؤوا من كتب الله ما لم يقرأه المحدثون بذلك من أمته ، وفي الحديث الأول دفع ما حدثته به عائشة عن اليهودية وهذا تضاد شديد ! فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله - عز وجل وعونه - : أنه قد يحتمل أن يكون الذي كان من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الأول ، كان قبل أن يؤمر بالالتفات إلى ما حدثه به أهل الكتاب ، ثم أمر بعد ذلك بالوقوف عنده ، وترك التصديق به ، والتكذيب له ، فكان ما حدثوه به ، له دفعه ، كما للرجل دفع ما لم يعلمه ، وإن كان في الحقيقة حقا ، ألا ترى أن رجلا لو ادعى على رجل مالا ، أنه له عليه ، والمدعى عليه لا يعلم بذلك ، أنه في سعة من إنكاره إياه ، ومن حلفه له عليه ، وإن كان قد يجوز أن يكون له عليه ، فذهبت عنه معرفته ، أو كان منه بانقلابه في نومه على مال له ، فأتلفه عليه ، فوجبت له عليه قيمته ، وهي المال الذي ادعاه عليه . وكان مثل ذلك ما كان منه - صلى الله عليه وسلم - لما سئل عن ما لا يعلم ، كان في سعة من نفيه ، وإن كان قد يحتمل أن يكون في الحقيقة بخلاف ما هو عليه عنده ، ثم أمر - صلى الله عليه وسلم - أن يقابل مثل ذلك إذا قيل له بمثل ما في الحديث الثاني ، وإن كان ما في الحديث الأول واسعا له ، مع أنا قد تأملنا حديث عمرة الذي بدأنا بذكره في هذا الباب عن عائشة ، فوجدنا غير واحد من الرواة عن عائشة قد خالفوها عنها ، فمنهم مسروق بن الأجدع : . 6126 - كما حدثنا أبو أمية ، قال : حدثنا محمد بن سابق ، قال : حدثنا إبراهيم بن طهمان ، عن منصور ، عن أبي الضحى ، عن مسروق ، عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت : أتتني عجوز يهودية ، فقالت : يعذب أهل القبور ، فسألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك ، فقال : صدقت ، يعذب أهل القبور عذابا تسمعه البهائم . 6127 - وكما حدثنا الحسن بن عبد الله بن منصور البالسي ، قال : حدثنا الهيثم بن جميل ، قال : حدثنا جرير بن عبد الحميد ، عن منصور ، عن أبي وائل ، عن مسروق ، عن عائشة ، قالت : دخل علي عجوزان من عجائز يهود المدينة قالتا لي : إن أهل القبور يعذبون في قبورهم ، فكذبتهما ، ولم أصدقهما ، فخرجتا ، ودخل علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت : يا رسول الله إن عجوزين دخلتا علي ، فزعمتا أن أهل القبور يعذبون ، فقال : صدقتا ، إنهم ليعذبون عذابا تسمعه البهائم كلها . فقالت عائشة : فما رأيته بعد ذلك في صلاة ، إلا يتعوذ من عذاب القبر . ومنهم ذكوان : 6128 - حدثنا نصر بن مرزوق ، قال : حدثنا آدم بن أبي إياس وأسد ، قالا : حدثنا ابن أبي ذئب ، عن محمد بن عمرو بن عطاء ، عن ذكوان ، عن عائشة ، قالت : استطعمت يهودية ، فقالت : أطعموني ، أعاذكم الله من فتنة الدجال ، ومن فتنة عذاب القبر ، فقلت : يا رسول الله ، ما تقول هذه اليهودية ؟ قال : وما قالت؟ قلت : فإنها قالت : أعاذكم الله من فتنة الدجال ، وفتنة عذاب القبر ، فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرفع يديه ، فبدأ يستعيذ بالله من فتنة الدجال وعذاب القبر . وقد روى عروة بن الزبير ، عن عائشة في ذلك : . 6129 - ما قد حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، قال : حدثنا عثمان بن عمر بن فارس ، قال : حدثنا يونس بن يزيد ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة : أن يهودية دخلت عليها وعندها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت : أشعرت أنكم تفتنون في القبور ؟ فارتاع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال : إنما تفتن يهود . قالت عائشة : فلبثنا ليالي ، ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أما شعرت أنه أوحي إلي أنكم تفتنون في القبور ؟ قالت : ثم سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يستعيذ من عذاب القبر . قال أبو جعفر : فكان في هذا الحديث ما قد دل أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان دفع ذلك في البدء قبل أن يوحى إليه أنهم يفتنون في قبورهم ، ثم أوحي إليه أنهم يفتنون في قبورهم ، فرجع إلى التصديق بذلك ، والاستعاذة منه. وفي هذا ما قد دل على موافقة عروة عمرة على ما روت من ذلك عن عائشة ، وكان هذا عندنا - والله أعلم - أولى بما روي عن عائشة مما رواه مسروق وذكوان عنها ؛ لأن في هذا تقدم دفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذلك ثم إثباته إياه بعد ذلك . فكان الذي كان عند مسروق وذكوان في ذلك ، هو الأمر الثاني ، وكان الذي كان عند عروة وعمرة ، الأمر الأول ، والأمر الثاني ، فكانا بذلك أولى ، وكانا بما حفظا من ذلك قد حفظا ما قصر مسروق وذكوان عن حفظه ، والله نسأله التوفيق .
138 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى مِمَّا ذَكَرَ الرَّحْمَةَ بِالرِّيحِ وَبِالرِّيَاحِ مِمَّا قَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى الْأُولَى فِي ذَلِكَ مِنْ تَيْنِكَ الْقِرَاءَتَيْنِ . 1036 حدثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، حدثنا أَبُو عُبَيْدٍ قَالَ : الْقِرَاءَةُ الَّتِي نَتَّبِعُهَا فِي الرِّيحِ وَالرِّيَاحِ أَنَّ مَا كَانَ مِنْهَا مِنْ الرَّحْمَةِ فَإِنَّهُ جَمَاعٌ ، وَمَا كَانَ مِنْهَا مِنْ الْعَذَابِ فَإِنَّهُ عَلَى وَاحِدَةٍ ، قَالَ : وَالْأَصْلُ الَّذِي اعْتَبَرْنَا بِهِ هَذِهِ الْقِرَاءَةَ حَدِيثُ ( النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ إذَا هَاجَتْ الرِّيحُ قَالَ : اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا رِيَاحًا وَلَا تَجْعَلْهَا رِيحًا ) فَكَانَ مَا حَكَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ مِنْ هَذَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا لَا أَصْلَ لَهُ ، وَقَدْ كَانَ الْأَوْلَى بِهِ لِجَلَالَةِ قَدْرِهِ وَلِصِدْقِهِ فِي رِوَايَتِهِ غَيْرَ هَذَا الْحَدِيثِ أَنْ لَا يُضِيفَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا لَا يَعْرِفُهُ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ عَنْهُ ، ثُمَّ اعْتَبَرْنَا مَا فِي كِتَابِ اللَّهِ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى الْوَجْهِ فِي هَذَا الْمَعْنَى فَوَجَدْنَا اللَّهَ قَدْ قَالَ فِي كِتَابِهِ : هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَكَانَتْ الرِّيحُ الطَّيِّبَةُ مِنْ اللَّهِ رحمة ، وَالرِّيحُ الْعَاصِفُ مِنْهُ عَزَّ وَجَلَّ عَذَابًا ، فَفِي ذَلِكَ مَا قَدْ دَلَّ عَلَى انْتِفَاءِ مَا رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ عَنْهُ ، وَاَللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ . ثُمَّ اعْتَبَرْنَا مَا يُرْوَى عَنْ النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ مِمَّا يَدْخُلُ فِي هَذَا الْمَعْنَى . 1037 - فَوَجَدْنَا أَبَا أُمَيَّةَ قَدْ حدثنا قَالَ : حدثنا عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ . وَوَجَدْنَا أَحْمَدَ بْنَ شُعَيْبٍ قَدْ حدثنا قَالَ : حدثنا إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ ، قَالَا : حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ ، حدثنا الْأَعْمَشُ ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ ذَرٍّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا تَسُبُّوا الرِّيحَ إذَا رَأَيْتُمْ مِنْهَا مَا تَكْرَهُونَ ، قُولُوا : اللَّهُمَّ إنَّا نَسْأَلُك مِنْ خَيْرِ هَذِهِ الرِّيحِ وَخَيْرِ مَا فِيهَا وَخَيْرِ مَا أُمِرَتْ بِهِ ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ هَذِهِ الرِّيحِ وَشَرِّ مَا فِيهَا وَشَرِّ مَا أُمِرَتْ بِهِ ) . 1038 - وَوَجَدْنَا أَحْمَدَ بْنَ شُعَيْبٍ قَدْ حدثنا قَالَ : حدثنا إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ ، حدثنا جَرِيرٌ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ثُمَّ ذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ ، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَرْفَعْهُ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَوَقَفَهُ عَلَى أُبَيٍّ . 1039 - وَوَجَدْنَا أَحْمَدَ قَدْ حدثنا قَالَ : حدثنا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ ، أَخبرنا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ أَخبرنا شُعْبَةُ ، عَنْ حَبِيبٍ قَالَ : سَمِعْت ذَرًّا ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ الرِّيحَ هَاجَتْ عَلَى عَهْدِ أُبَيٍّ ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ ، وَلَمْ يَرْفَعْهُ . 1040 - قَالَ أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ : وَهُوَ الصَّوَابُ . وَوَجَدْنَا أَحْمَدَ قَدْ حدثنا قَالَ : حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، حدثنا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ أَخبرنا شُعْبَةُ ، عَنْ حَبِيبٍ ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ بِإِسْنَادِهِ ، وَلَمْ يَرْفَعْهُ ، فَهَذَا مَا وَجَدْنَا فِيهِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ . وَقَدْ وَجَدْنَا فِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا : . 1041 - مَا قَدْ حدثنا بِهِ يُونُسُ ، حدثنا بِشْرُ بْنُ بَكْرٍ أَخبرنا الْأَوْزَاعِيِّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ ، أَخْبَرَني ثَابِتٌ الزُّرَقِيُّ أَنَّ ( أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ : أَخَذَتْ النَّاسَ رِيحٌ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ حَاجٌّ ، فَاشْتَدَّتْ عَلَيْهِمْ فَقَالَ عُمَرُ لِمَنْ حَوْلَهُ : مَا الرِّيحُ ، فَلَمْ يَرْجِعُوا لَهُ شَيْئًا ، وَبَلَغَنِي الَّذِي سَأَلَ عَنْهُ عُمَرُ مِنْ ذَلِكَ فَاسْتَحْثَثْتُ رَاحِلَتِي حَتَّى أَدْرَكْتَهُ ، فَقُلْت لَهُ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، أُخْبِرْتُ أَنَّك سَأَلْتَ عَنْ الرِّيحِ ، وَإِنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : الرِّيحُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ تَأْتِي بِالرَّحْمَةِ وَتَأْتِي بِالْعَذَابِ ، فَلَا تَسُبُّوهَا ، وَاسْأَلُوا اللَّهَ خَيْرَهَا وَاسْتَعِيذُوا بِهِ مِنْ شَرِّهَا ) . 1042 - وَمَا حدثنا بِهِ بَكَّارَ ، حدثنا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ سَوَاءً . 1043 - وَمَا حدثنا عَلِيُّ بْنُ شَيْبَةَ ، حدثنا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ ، حدثنا ابْنُ جُرَيْجٍ ، حَدَّثنِي زِيَادٌ أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ أَخْبَرَهُ ، أَخْبَرَني ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ . 1044 - وَمَا قَدْ حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَزِيزٍ الْأَيْلِيُّ ، حدثنا سَلَامَةُ بْنُ رَوْحٍ ، عَنْ عُقَيْلٍ ، حَدَّثنِي ابْنُ شِهَابٍ ثُمَّ ذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ . 1045 - وَمَا قَدْ حدثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، حدثنا كَثِيرُ بْنُ عُبَيْدٍ حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ ، عَنْ الزُّبَيْدِيِّ ، أَخْبَرَني الزُّهْرِيُّ ، عَنْ ثَابِتٍ الزُّرَقِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ . 1046 - وَمَا قَدْ حدثنا هَارُونُ بْنُ كَامِلٍ قَالَ : حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ ، حَدَّثنِي اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، حدثَني يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ثُمَّ ذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ : وَعُوذُوا بِاَللَّهِ مِنْ شَرِّهَا . فَهَذَا مَا وَجَدْنَا فِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مُوَافِقًا لِمَا وَجَدْنَاهُ فِيهِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ . وَقَدْ وَجَدْنَا فِيهِ عَنْ عَائِشَةَ : . 1047 - مَا قَدْ حدثنا يُونُسُ ، عَنْ ابْنِ وَهْبٍ قَالَ : سَمِعْت ابْنَ جُرَيْجٍ يُحَدِّثُ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : ( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا عَصَفَتْ الرِّيحُ قَالَ : اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك خَيْرَهَا وَخَيْرَ مَا فِيهَا وَخَيْرَ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ ، وَأَعُوذُ بِك مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ مَا فِيهَا وَشَرِّ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ ، وَإِذَا تَخَيَّلَتْ السَّمَاءُ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ وَدَخَلَ وَخَرَجَ وَأَقْبَلَ وَأَدْبَرَ ، فَإِذَا مَطَرَتْ سُرِّيَ عَنْهُ ، فَسَأَلَتْهُ عَائِشَةُ فَقَالَ : لَعَلَّهُ كَمَا قَالَ قَوْمُ عَادٍ : فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا ) . فَهَذَا مَا وَجَدْنَا عَنْ عَائِشَةَ فِي هَذَا الْمَعْنَى . وَقَدْ حدثنا عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ فِيهِ أَيْضًا : . 1048 - مَا حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ دَاوُد ، حدثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَرْعَرَةَ ، حدثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، عَنْ الْمُثَنَّى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ ، عَنْ ( النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ كَانَ إذَا هَاجَتْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ قَالَ : اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك مِنْ خَيْرِ مَا أُمِرَتْ بِهِ ، وَأَعُوذُ بِك مِنْ شَرِّ مَا أُمِرَتْ بِهِ ) . فَهَذَا مَا وَجَدْنَا فِيهِ عَنْ أَنَسٍ ، وَفِي جَمِيعِ مَا رَوَيْنَا أَنَّ الرِّيحَ قَدْ تَأْتِي بِالرَّحْمَةِ وَقَدْ تَأْتِي بِالْعَذَابِ ، وَأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا إلَّا فِي الرَّحْمَةِ وَالْعَذَابِ وَأَنَّهَا رِيحٌ وَاحِدَةٌ لَا رِيَاحٌ . وَقَدْ وَجَدْنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيْضًا مِمَّا يَدْخُلُ فِي هَذَا الْمَعْنَى : . 1049 - مَا حدثنا ابْنُ مَرْزُوقٍ ، حدثنا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ وَعُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ بْنِ فَارِسٍ قَالَا : حدثنا شُعْبَةُ ، عَنْ الْحَكَمِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : ( نُصِرْت بِالصَّبَا ، وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ ) . 1050 - وَمَا حدثنا أَبُو أُمَيَّةَ ، حدثنا الْخَضِرُ بْنُ شُجَاعٍ ، حدثنا مِسْكِينُ بْنُ بُكَيْر ، حدثنا شُعْبَةُ ، عَنْ الْحَكَمِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِثْلَهُ . فَاخْتَلَفَ أَبُو عَامِرٍ وَعُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ وَمِسْكِينُ بْنُ بُكَيْر فِي الرَّجُلِ الَّذِي بَيْنَ الْحَكَمِ وَابْنِ عَبَّاسٍ ، فَقَالَ أَبُو عَامِرٍ وَعُثْمَانُ : إنَّهُ مُجَاهِدٌ ، وَقَالَ مِسْكِينٌ : إنَّهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ . وَقَدْ وَجَدْنَاهُ مِنْ غَيْرِ حَدِيثِ شُعْبَةَ وَمِنْ غَيْرِ حَدِيثِ الْحَكَمِ : . 1051 - كَمَا قَدْ حدثنا أَبُو أُمَيَّةَ ، حدثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ، حدثنا شَيْبَانُ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِثْلَهُ . فَكَانَ فِيمَا رَوَيْنَاهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ ( نُصِرَ بِالصَّبَا - وَهِيَ رِيحٌ وَاحِدَةٌ - وَأَنَّ عَادًا أُهْلِكَتْ بِالدَّبُورِ - وَهِيَ رِيحٌ وَاحِدَةٌ - ) وَفِي ذَلِكَ مَا قَدْ دَلَّ عَلَى مَا ذَكَرْنَا 1052 - حدثنا ابْنُ أَبِي عِمْرَانَ ، حدثنا إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي إسْرَائِيلَ ، حدثنا يَحْيَى بْنُ آدَمَ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ قَالَ : قَرَأَ رَجُلٌ عَلَى عَاصِمٍ : وَأَرْسَلْنَا الرِّيحَ لَوَاقِحَ ، فَقَالَ عَاصِمٌ : وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ لَوْ كَانَتْ الرِّيحُ لَكَانَتْ مُلَقِّحَةً قَالَ : فَذَكَرْت ذَلِكَ لِلْأَعْمَشِ فَقَالَ لِي : إنَّهُ لَا يُلَقِّحُ مِنْ الرِّيَاحِ إلَّا الْجَنُوبِ فَإِذَا تَفَرَّقَتْ صَارَتْ رِيَاحًا . وَفِيمَا قَدْ رَوَيْنَاهُ فِي هَذَا الْبَابِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا قَدْ دَلَّ أَنَّ الِاخْتِيَارَ فِيمَا اخْتَلَفَ فِيهِ الْقُرَّاءُ الَّذِينَ ذَكَرْنَا مِنْ الرِّيَاحِ وَمِنْ الرِّيحِ هُوَ الرِّيحُ لَا الرِّيَاحُ .
683 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من جوابه الأعراب حين سألوه : ما خير ما أعطي العبد ؟ بقوله لهم : خلق حسن . 5153 - حدثنا يونس ، ثنا سفيان ، عن زياد بن علاقة ، عن أسامة بن شريك قال : شهدت النبي صلى الله عليه وسلم والأعراب يسألونه : ما خير ما أعطي العبد ؟ قال : خلق حسن . 5154 - وحدثنا إبراهيم بن أبي داود ، حدثنا سليمان بن حرب ، حدثنا شعبة ، عن زياد بن علاقة ، فذكر بإسناده مثله ، غير أنه قال : قيل : يا رسول الله ، ولم يذكر سؤال الأعراب إياه . فقال قائل منكرا لهذا الحديث : فقد وجدنا العبد يعطى الإيمان ، أفيجوز أن يكون حسن الخلق خيرا منه ؟ ! فكان جوابنا له أن حسن الخلق قد يقع على أشياء مختلفة ، منها لين العريكة ، ومنها السجية التي يحمدها بعض الناس من بعض ، ومنها الدين ، ومنها قوله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم : (وإنك لعلى خلق عظيم([ القلم : 4 ] ، أي : على دين عظيم . 5155 - كما حدثنا ابن أبي مريم ، حدثنا الفريابي ، حدثنا ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن إبراهيم بن أبي بكر ، عن مجاهد ( وإنك لعلى خلق عظيم(، أي : على الدين وأهل العربية يميلون إلى هذا التأويل ، منهم الفراء ، فكان معنى الخلق الذي جعله رسول الله صلى الله عليه وسلم خير ما أعطي العبد هو الدين الحسن . وقد روي عنه صلى الله عليه وسلم مما يدخل في هذا الباب . 5156 - ما قد حدثنا محمد أبو أمية ، ثنا محمد بن سعيد ابن الأصبهاني ، حدثنا حفص بن غياث ، عن عاصم ، عن عوسجة ، [ عن عبد الله بن أبي الهذيل ] ، عن عبد الله بن مسعود قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : اللهم أحسنت خلقي ، فأحسن خلقي ، ومعناه عندنا - والله أعلم - : فأحسن ديني . وروي عنه صلى الله عليه وسلم مما يدخل فيه . 5157 - ما قد حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، حدثنا أبو الوليد الطيالسي ، حدثنا شريك . وما قد حدثنا الحسن بن عبد الله البالسي ، حدثنا الهيثم بن جميل ، حدثنا شريك ، ثم اجتمعا ، فقالا : عن خلف بن حوشب ، عن ميمون بن مهران قال : قلت لأم الدرداء : هل تحفظين عن النبي صلى الله عليه وسلم ؟ قالت : نعم ، سمعته يقول : أثقل ما يوضع في الميزان الخلق الحسن ، فكان ذلك عندنا - والله أعلم - على الدين الحسن . وروي عنه أيضا مما يدخل فيه . 5158 - ما قد حدثنا يونس ، حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير ، حدثني الليث بن سعد ، عن ابن الهاد ، عن عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب ، عن المطلب بن عبد الله ، عن عائشة قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجات قائم الليل وصائم النهار فكان ذلك عندنا - والله أعلم - أنه يدرك بحسن دينه وإن لم يكن معه فيه قيام الليل ، ولا صيام النهار ، ما يدركه قائم الليل وصائم النهار بقيام الليل وصيام النهار . وروي عنه أيضا مما يدخل في هذا المعنى . 5159 - ما قد حدثنا عبد الله بن محمد بن خشيش البصري ، حدثنا أبو الوليد الطيالسي ، حدثنا شعبة ، حدثنا القاسم بن أبي بزة قال : سمعت عطاء الكيخاراني يحدث عن أم الدرداء ، عن أبي الدرداء ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ليس شيء أثقل في الميزان من حسن الخلق ، فذلك عندنا - والله أعلم - على حسن الدين . وروي عنه مما يدخل في هذا المعنى أيضا . 5160 - ما قد حدثنا ابن أبي داود ، حدثنا يوسف الصفار ، حدثنا عبد الله بن إدريس ، عن أبيه وعمه ، عن أبيهما ، عن أبي هريرة قال : سئل النبي صلى الله عليه وسلم : بأي شيء أكثر ما يدخل الناس الجنة ؟ قال : بحسن الخلق ، وبتقوى الله ، قال : وسئل : بأي شيء أكثر ما يدخل الناس النار ؟ قال : بالأجوفين ؛ الفرج ، والفم . فكان ذلك أيضا عندنا - والله أعلم - على حسن الأديان ، وهي التي دعا الله تعالى خلقه إليه ، وهي الإسلام ، والله عز وجل نسأله التوفيق .
139 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ( أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ قَالَ لَهُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إنْ وَجَدْتُ مَعَ امْرَأَتِي ، رَجُلًا أُمْهِلُهُ حَتَّى آتِيَ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ ، قَالَ : نَعَمْ ) . 1053 - حدثنا يُونُسُ ، حدثنا ابْنُ وَهْبٍ ، حَدَّثنِي مَالِكٌ ، عَنْ سُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ( أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : أَرَأَيْت إنْ وَجَدْت مَعَ امْرَأَتِي رَجُلًا أَأُمْهِلُهُ حَتَّى آتِيَ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ) . 1054 - وَحدثنا الْمُزَنِيّ ، حدثنا الشَّافِعِيُّ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ سُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِثْلَهُ . فَتَأَمَّلْنَا هَذَا الْحَدِيثَ لِنَسْتَخْرِجَ مَا فِيهِ مِنْ الْفِقْهِ ، وَوَجَدْنَا الْوَاجِبَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ تَغْيِيرَ الْمُنْكَرَاتِ وَزَجْرَ أَهْلِهَا عَنْهَا ، وَكَانَ فِي تَرْكِ سَعْدٍ الرَّجُلَ الَّذِي وَجَدَهُ مَعَ امْرَأَتِهِ عَلَى مَا وَجَدَهُمَا عَلَيْهِ تَرْكٌ لَهُمَا عَلَى التَّمَادِي فِيمَا هُمَا فِيهِ مِنْ الْمَعْصِيَةِ ، وَقَدْ أَطْلَقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ ذَلِكَ . فَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَنَا - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - لِتَقُومَ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمَا بِمَا هُمَا فِيهِ حَتَّى تُقَامَ عَلَيْهِمَا عُقُوبَتُهُ ، وَفِي ذَلِكَ مَا قَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّ مِثْلَ هَذَا حَتَّى تُقَامَ عُقُوبَتُهُ مُطْلَقٌ ، وَفِيهِ الْحُجَّةُ لِمَنْ يَقُولُ فِي أَرْبَعَةٍ شَهِدُوا عَلَى رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ بِالزِّنَى فَقَالُوا : تَعَمَّدْنَا النَّظَرَ أَنَّهُمْ فِي ذَلِكَ مَحْمُودُونَ ، وَأَنَّ شَهَادَتَهُمْ عَلَيْهِ مَقْبُولَةٌ إذْ كَانُوا إنَّمَا فَعَلُوا ذَلِكَ لِيُقَامَ حَدُّ اللَّهِ فِيهِ عَلَى مَنْ يَسْتَحِقُّهُ ، وَهَكَذَا كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ يَقُولُونَهُ فِي هَذَا : . 1055 - كَمَا حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ الرَّبِيعِ ، حدثنا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ ، حدثنا مُحَمَّدٌ ، أَخبرنا يَعْقُوبُ ، عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ بِذَلِكَ كَمَا ذَكَرْنَاهُ ، وَلَمْ يَحْكِ فِي شَيْءٍ مِنْهُ خِلَافًا . وَقَدْ أَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ مُنْكِرٌ ، وَأَبْطَلَ شَهَادَةَ الشُّهُودِ فِيهِ لِتَعَمُّدِهِمْ مَا تَعَمَّدُوا النَّظَرَ إلَيْهِ مِمَّا شَهِدُوا بِهِ ، وَالْقَوْلُ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا هُوَ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا إطْلَاقُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِسَعْدٍ تَرْكَهُ زَجْرَ ذَلِكَ الرَّجُلِ وَامْرَأَتِهِ عَن مَّا هُمَا عَلَيْهِ مِنْ تِلْكَ الْمَعْصِيَةِ حَتَّى يَأْتِيَ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ سِوَاهُ يَشْهَدُونَ عَلَيْهِمَا بِذَلِكَ . فَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ فِي ذَلِكَ إذْ كَانَ زَوْجُ الْمَرْأَةِ الَّذِي يَشْهَدُ عَلَيْهَا بِهِ ، كَمَا يَقُولُ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَسَائِرُ الْمَدَنِيِّينَ فِي ذَلِكَ 1056 - وَكَمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ : مِمَّا قَدْ حدثنا صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، حدثنا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، حدثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي أَرْبَعَةٍ شَهِدُوا عَلَى امْرَأَةٍ بِالزِّنَى أَحَدُهُمْ زَوْجٌ ، قَالَ : يُلَاعِنُ الزَّوْجُ وَيُجْلَدُ الثَّلَاثَةُ ، قَالَ أَبُو الزِّنَادِ : وَذَلِكَ رَأْيُ أَهْلِ بَلَدِنَا . 1057 - وَكَمَا حدثنا إسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ سَهْلٍ ، حدثنا أَبُو نُعَيْمٍ ، حدثنا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ حَرْبٍ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : يُلَاعِنُ الزَّوْجُ وَيُجْلَدُ الثَّلَاثَةُ ؛ لِأَنَّ وُجُودَ ثَلَاثَةٍ مَعَهُ يَشْهَدُونَ عَلَى ذَلِكَ أَيْسَرُ عَلَيْهِ مِنْ وُجُودِ أَرْبَعَةٍ سِوَاهُ يَشْهَدُونَ عَلَى ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا وَسِعَهُ التَّرْكُ الَّذِي رَأَى مِنْهَما مَا رَأَى مِنْ الْمَعْصِيَةِ لِتَقُومَ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمَا بِمَنْ يَأْتِي بِهِ مِنْ الشُّهَدَاءِ حَتَّى يَشْهَدُوا عَلَيْهِمَا بِهِ ، وَإِذَا كَانَ الْمَطْلُوبُونَ بِذَلِكَ أَرْبَعَةً سِوَاهُ لَا ثَلَاثَةً يَكُونُونَ وَهُمْ شُهَدَاءُ عَلَى ذَلِكَ دَلَّ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ لَهُ فِيهِ شَهَادَةٌ ، وَلَوْلَا أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ لَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ جَوَابًا لِسُؤَالِهِ إيَّاهُ : وَمَا حَاجَتُك إلَى أَرْبَعَةٍ يَشْهَدُونَ عَلَى ذَلِكَ اُطْلُبْ ثَلَاثَةً سِوَاكَ حَتَّى تَكُونَ أَنْتَ وَهُمْ شُهَدَاءَ عَلَى ذَلِكَ إذْ كَانَ أَيْسَرَ عَلَيْهِ وَأَقْصَرَ مُدَّةً مِنْ طَلَبِ أَرْبَعَةٍ سِوَاهُ يَشْهَدُونَ عَلَى ذَلِكَ ، وَاَللَّه نسأله التوفيق .
822- باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في عذاب القبر ، هل يسمعه أحد أم لا ؟ . 6130 - حدثنا أبو غسان مالك بن يحيى ، قال : حدثنا عبد الوهاب بن عطاء ، قال : أخبرنا الجريري ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد الخدري ، عن زيد بن ثابت ، قال : دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حائطا لبني النجار وهو على بغلة له ، فنفرت به البغلة على أقبر خمس أو ست ، فحادت به البغلة فقال : أيكم يعرف أصحاب هذه الأقبر ؟ فقال رجل : أنا يا رسول الله . فقال : ما هم ؟ فقال : ماتوا في الإشراك . فقال - صلى الله عليه وسلم - : إن هذه الأمة تفتن في قبورها ، ولولا أن لا تدافنوا ، لدعوت الله - عز وجل - أن يسمعكم عذاب القبر الذي فيه . ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : تعوذوا بالله - عز وجل - من عذاب القبر ، فقلنا : نعوذ بالله من عذاب القبر . ثم قال : تعوذوا بالله من عذاب النار - أو : تعوذوا بالله - عز وجل - من النار ، شك الجريري فقلنا : نعوذ بالله - عز وجل - من عذاب النار ، فقال : تعوذوا بالله - عز وجل - من الفتن ما ظهر منها وما بطن قلنا : نعوذ بالله - عز وجل - من الفتن ما ظهر منها وما بطن ، ثم قال : تعوذوا بالله - عز وجل - من فتنة الدجال . 6131 - حدثنا نصر بن مرزوق ، قال : حدثنا آدم ، قال : حدثنا حماد بن سلمة ، قال : حدثنا ثابت البناني وحميد الطويل ، عن أنس بن مالك ، قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على بغلة شهباء فمر على حائط لبني النجار ، فإذا قبر يعذب صاحبه ، فحاصت ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لولا أن لا تدافنوا ، لدعوت الله [أن] يسمعكم عذاب القبر . فقال قائل : ففي حديث أنس هذا ما قد دل أن بني آدم لا يسمعون عذاب القبر ، وأن من سواهم مما ذكر من البهائم في هذين الحديثين يسمعه ، وقد رويتم ما يخالف ذلك فذكر : . 6132 - ما قد حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، قال : حدثنا عثمان بن عمر ، قال : حدثنا شعبة ، عن عون بن أبي جحيفة ، عن أبيه ، عن البراء بن عازب ، عن أبي أيوب : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج حين غابت الشمس فقال : هذه أصوات يهود تعذب في قبورها . قال : ففي هذا الحديث أن بني آدم قد كانوا يسمعون أصوات اليهود الذين كانوا يعذبون في قبورهم ، وهذا خلاف ما رويتموه قبله في هذا الباب . فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله - عز وجل وعونه - أنه قد يحتمل أن تكون تلك الأصوات التي سمعوها كان بعد دعاء كان من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يسمعهم إياها ، بعد أن قال لهم ما قال لهم في الحديث الآخر ، وقد يحتمل أن يكون ما أسمعوه من ذلك هو أصوات اليهود ، ولم يسمعوا أصوات المسلمين المعذبين في قبورهم على ما في الحديث الأول ، ونعوذ بالله من ذلك ، والله نسأله التوفيق .
140 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِيمَنْ اطَّلَعَ عَلَى رَجُلٍ فِي مَنْزِلِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ هَلْ لَهُ فَقْءُ عَيْنِهِ لِذَلِكَ أَمْ لَا ؟ . 1058 - حدثنا بَكَّارَ ، حدثنا أَبُو عَاصِمٍ ، حدثنا ابْنُ عَجْلَانِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَوْ اطَّلَعَ عَلَيْكَ رَجُلٌ فَخَذَفْتَهُ فَفَقَأْت عَيْنَهُ مَا كَانَ عَلَيْكَ جُنَاحٌ ) . فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَفْيُ الْجُنَاحِ عَنْ مَنْ خَذَفَ رَجُلًا قَدْ اطَّلَعَ عَلَيْهِ فِي مَنْزِلِهِ فَفَقَأَ بِذَلِكَ عَيْنَيْهِ إذْ كَانَ مِنْ حَقِّهِ قَطْعُهُ الِاطِّلَاعَ عَلَى مَنْزِلِهِ وَالنَّظَرَ إلَى مَا فِيهِ مِمَّا لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ النَّظَرُ إلَيْهِ 1059 - حدثنا يُونُسُ ، حدثنا ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ سَمِعَهُ يَقُولُ : ( اطَّلَعَ رَجُلٌ مِنْ جُحْرٍ فِي حُجْرَةِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَمَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِدْرَى يَحُكُّ بِهِ رَأْسَهُ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَوْ أَعْلَمُ أَنَّك تَنْظُرُنِي لَطَعَنْتُ بِهِ فِي عَيْنِك ، إنَّمَا جُعِلَ الِاسْتِئْذَانُ مِنْ أَجْلِ النَّظَرِ ) . 1060 - حدثنا يُونُسُ ، حدثنا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَني يُونُسَ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ أَخْبَرَهُ ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ . 1061 - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْهَرَوِيُّ ، حدثنا آدَم بْنُ أَبِي إيَاسٍ ، عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ( أَنَّ رَجُلًا اطَّلَعَ فِي جُحْرٍ فِي بَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحُكُّ رَأْسَهُ بِالْمِدْرَى فَقَالَ : لَوْ أَعْلَمُ أَنَّك تَنْظُرُ لَطَعَنْتُ فِي عَيْنِك ، إنَّمَا جُعِلَ الْإِذْنُ مِنْ أَجْلِ الْإِبْصَارِ ) . فَفِي هَذَا إطْلَاقُ مَا فِي الْأَوَّلِ لِلْمُطَّلَعِ عَلَيْهِ مِنْ الْمُطَّلِعِ عَلَيْهِ . 1062 - حدثنا ابْنُ خُزَيْمَةَ ، حدثنا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ ، حدثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُخْتَارِ ، عَنْ سُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ اطَّلَعَ فِي بَيْتِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ فَقَدْ حَلَّ لَهُمْ أَنْ يَفْقَؤُوا عَيْنَهُ ) . 1063 - حدثنا فَهْدٌ ، حدثنا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ الْمُنْقِرِيُّ ، حدثنا أَبَانُ بْنُ يَزِيدَ ، حدثنا يَحْيَى وَهُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ : أَنَّ إِسْحَاقَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، حَدَّثهُ عَنْ أَنَسٍ ( أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَلْقَمَ عَيْنَيْهِ خَصَاصَةَ الْبَابِ فَبَصُرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَخَذَ سَهْمًا أَوْ عُودًا مُحَدَّدًا وَجَاءَ بِهِ لِيَفْقَأَ عَيْنَ الْأَعْرَابِيِّ ، فَانْقَمَعَ الْأَعْرَابِيُّ وَذَهَبَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَمَا إنَّك لَوْ ثَبَتَّ لَفَقَأْت عَيْنَك ) . 1064 - حدثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُد ، حدثنا مُسَدَّدٌ ، حدثنا حَمَّادٌ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ، عَنْ أَنَسٍ ( أَنَّ رَجُلًا اطَّلَعَ فِي بَعْضِ حُجَرِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَقَامَ إلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِشْقَصٍ ، أَوْ قَالَ بِمَشَاقِصَ ، قَالَ أَنَسٌ : وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْتِلُهُ لِيَطْعَنَهُ ) . وَفِيمَا رَوَيْنَا مِنْ هَذِهِ الْآثَارِ مَا قَدْ دَلَّ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ من صَاحِبِ الْمَنْزِلِ تَرْكُ الِاطِّلَاعِ إلَى مَنْزِلِهِ كَانَ لَهُ قَطْعُ ذَلِكَ عَنْ مَنْزِلِهِ ، وَإِنْ كَانَ فِي قَطْعِهِ إيَّاهُ عَنْهُ تَلَفُ عَيْنِ الْمُطَّلِعِ عَلَيْهِ ، وَكَانَ مَنْ كَانَ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ شَيْئًا فَفَعَلَهُ مَعْقُولًا أَنْ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيهِ . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ نَفْيِهِ وُجُوبَ ضَمَانٍ فِي ذَلِكَ عَلَى مَنْ فَعَلَهُ لِمَنْ فَعَلَهُ بِهِ مِنْ قِصَاصٍ وَمِنْ دِيَةٍ . 1065 - كَمَا حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ يَحْيَى بْنِ جَنَّادٍ الْبَغْدَادِيُّ ، حدثنا عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ ، حدثنا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : ( مَنْ اطَّلَعَ فِي دَارِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ فَفَقَؤُوا عَيْنَهُ فَلَا دِيَةَ وَلَا قِصَاصَ ) . 1066 - وَكَمَا حدثنا أَبُو أُمَيَّةَ ، حدثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ ، حدثنا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ ثُمَّ ذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ . وَهَذِهِ الرِّوَايَاتُ قَدْ جَاءَتْ بِمَا فِيهَا مِمَّا ذَكَرْنَاهُ مَجِيئًا مُتَوَاتِرًا يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا ، وَلَمْ نَجِدْ اسْتِعْمَالَ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ لَهَا كَذَلِكَ ، وَكَانَ قَطْعُ نَظَرِ الْمُطَّلِعِ إلَى بَيْتِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ ، عَنْ نَظَرِهِ إلَى مَا فِي بَيْتِهِ مِمَّا قَدْ يَقْدِرُ عَلَيْهِ بِالزَّجْرِ بِاللِّسَانِ وَالْوَعِيدِ بِالْأَقْوَالِ فَاحْتُمِلَ أَنْ يَكُونَ تَارِكُ ذَلِكَ وَمُتَجَاوِزُهُ إلَى فَقْءِ عَيْنِ النَّاظِرِ يُوجِبُ الضَّمَانَ عَلَيْهِ فِي فَقْئِهِ إيَّاهَا . فَنَظَرْنَا فِي ذَلِكَ فَوَجَدْنَا جِهَادَ الْعَدُوِّ وَاجِبًا عَلَيْنَا ، فَكُنَّا إذَا فَعَلْنَاهُ بِدُعَاءٍ مِنَّا الْعَدُوَّ إلَى مَا نُقَاتِلُهُمْ عَلَيْهِ مُتَقَدِّمًا لِقِتَالِنَا إيَّاهُمْ كَانَ حَسَنًا ، وَلَوْ قَاتَلْنَاهُمْ بِغَيْرِ دُعَاءٍ مِنَّا إلَيْهِمْ إلَى ذَلِكَ لَعَلِمْنَا أَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا مَا نَدْعُوهُمْ إلَيْهِ وَمَا نُقَاتِلُهُمْ عَلَيْهِ كُنَّا غَيْرَ مَلُومِينَ فِي ذَلِكَ وَغَيْرَ ضَامِنِينَ لِمَا نُصِيبُهُ مِنْهُمْ فِيهِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِنْ أَمْوَالِهِمْ وَمِنْ أَوْلَادِهِمْ ، فَكَانَ مِثْلَ ذَلِكَ عِنْدَنَا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ، أَمْرُ هَذَا الْمُطَّلِعِ فِي بَيْتِ مَنْ اطَّلَعَ فِي بَيْتِهِ إنْ دَعَوْنَاهُ إلَى مَا يُحَاوِلُهُ مِنْهُ وَأَعْلَمْنَاهُ أَنَّهُ إنْ لَمْ يَنْزَجِرْ عَن مَّا هُوَ عَلَيْهِ أَنَّا فَاعِلُوهُ بِهِ كَانَ حَسَنًا وَإِنْ لَمْ نَفْعَلْ ذَلِكَ بِهِ وَاسْتَعْمَلْنَا فِيهِ مَا فِي هَذِهِ الْآثَارِ الَّتِي رَوَيْنَاهَا لَعِلْمِنَا أَنَّهُ يَعْلَمُ مَا نُرِيدُهُ مِنْهُ مِنْ انْزِجَارِهِ عَن مَّا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ الِاطِّلَاعِ إلَى مَا يَطَّلِعُ إلَيْهِ مِمَّا هُوَ حَرَامٌ عَلَيْهِ كَانَ جَائِزًا لَنَا . وَمِثْلُ ذَلِكَ الْمُرْتَدُّ عَنْ الْإِسْلَامِ إلَى الْكُفْرِ إنْ اسْتَتَبْنَاهُ قَبْلَ أَنْ نَقْتُلَهُ كَانَ حَسَنًا ، وَإِنْ قَتَلْنَاهُ بِلَا اسْتِتَابَةٍ مِنَّا إيَّاهُ لِعِلْمِنَا أَنَّهُ يَعْلَمُ مَا نُرِيدُهُ بِاسْتِتَابَتِنَا إيَّاهُ مِنْهُ كَانَ جَائِزًا . وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي هَذِهِ الْآثَارِ مِنْ نَفْي قِصَاصٍ وَمِنْ نَفْيِ الدِّيَةِ عَنْ الْفَاقِئِ لِعَيْنِ الْمُطَّلِعِ الَّذِي ذَكَرْنَا مِن مَّا لَا يَسْعُ خِلَافُهُ وَلَا الْقَوْلُ بِغَيْرِهِ لِمَا قَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ ، ثُمَّ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنْ الْمَعْقُولِ وَمِنْ النَّظَرِ الصَّحِيحِ . 1067 - وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْقَوْلُ الَّذِي اجْتَبَيْنَا ، عَنْ عُمَرَ : كَمَا حدثنا يُوسُفُ بْنُ يَزِيدَ ، حدثنا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، حدثنا هُشَيْمٌ ، حدثنا أَشْعَثُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ، عَنْ الْحَسَنِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : مَنْ اطَّلَعَ عَلَى قَوْمٍ فَأَصَابُوهُ بِجِرَاحَةٍ فَلَا دِيَةَ لَهُ .
682 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما كان منه في الجمل الذي ابتاعه من جابر بن عبد الله في إطلاقه له ركوبه إلى المدينة : هل كان ذلك بشرط وقع البيع بينه وبينه عليه ؟ أم بخلاف ذلك ؟ . 5138 - حدثنا علي بن شيبة ، حدثنا يزيد بن هارون ، أخبرنا زكريا بن أبي زائدة ، عن الشعبي ، عن جابر بن عبد الله أنه كان يسير على جمل له ، فأعيى ، فأدركه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : ما شأنك يا جابر ؟ فقال : أعيى ناضحي يا رسول الله ، قال : أمعك شيء ؟ فأعطاه عودا أو قضيبا ، فنخسه به - أو قال : ضربه به - فسار سيرة لم يكن يسير مثلها ، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : تبيعنيه بأوقية ؟ فقلت : يا رسول الله ، هو ناضحك ، قال : فبعته بأوقية ، واستثنيت حملانه حتى أقدم المدينة ، فلما قدمت أتيته بالبعير ، فقلت : هذا بعيرك يا رسول الله ، قال : لعلك ترى أني إنما ماكستك لأذهب ببعيرك ! يا بلال ، أعطه من الغنيمة أوقية ، وقال : انطلق ببعيرك ، فهو لك . 5139 - وحدثنا إسماعيل بن إسحاق الكوفي وفهد بن سليمان جميعا ، قالا : حدثنا أبو نعيم ، أخبرنا زكريا بن أبي زائدة ، ثم ذكر بإسناده مثله ، وبمتنه . 5140 - وحدثنا إبراهيم بن أبي داود ، حدثنا عمرو بن عون الواسطي ، حدثنا هشيم ، عن سيار ، حدثنا يحيى بن عباد الأنصاري ، عن جابر قال : كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر ، فتعجلت على بعير لي ، فلحقني النبي صلى الله عليه وسلم ، فنخس بعيري ، ثم ساومني ، فبعته إياه بسبع أواق ، أو تسع أواق ، ولي ظهره حتى أقدم . فلما قدمت ، أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبعير ، فدفعته إليه ، فنقدني ، فلما خرجت إذا رسوله قد دعاني من خلفي ، فقلت في نفسي : أراد أن أقيله ، فلما دخلت عليه قال : أظننت أني أستقيلك ؟ ثم قال : لك البعير ، انطلق به ، فلما خرجت من عنده ، استقبلني رجل من اليهود ، فأخبرته ، فقال : وزن لك السبع أواق ورد عليك البعير ! فعجب . 5141 - وحدثنا جعفر بن محمد بن الحسن الفريابي ، حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي ، حدثنا حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن أبي الزبير ، عن جابر قال : أتى علي نبي الله صلى الله عليه وسلم وأنا على بعير أعجف ، فأخذ بخطامه ، وبيده عود ، فنخسه ودعا أو قال : فدعا ونخسه - وقال : اركبه ، فركبته ، فكنت أحبسه على رسول الله صلى الله عليه وسلم لأسمع حديثه ، فأتى علي ، فقال : أتبيعني جملك يا جابر ؟ قلت : نعم يا رسول الله ، ولي ظهره ، فقال : ولك ظهره . فاشتراه منه بخمس أواق ، فلما قدمت المدينة ، أتيت عليه ، فأعطاني الأواق ، وزادني . 5142 - وحدثنا أحمد بن محمد بن مسلم المكي الخلال ، حدثنا ابن أبي عمر ، حدثنا هشام ، عن ابن جريج ، أخبرني عطاء وغيره ، يزيد بعضهم على بعض لم يبلغه كله رجل واحد منهم ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال : كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر ، وكنت على جمل ثفال ، يقول : إنما هو في آخر القوم ، فمر بي النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : من هذا ؟ قال : جابر . فقال : ما لك ؟ قلت : إني على جمل ثفال ، قال : معك قضيب ؟ قلت : نعم يا رسول الله ، قال : أعطنيه ، فأعطيته ، وضربه ونخسه وزجره ، وكان من ذلك المكان في أول القوم ، قال : أتبيعنيه ؟ قلت : هو لك يا رسول الله ، قال : بل بعنيه ، قد أخذته بأربعة دنانير ، ولك ظهره حتى آتي المدينة . 5143 - وحدثنا فهد ، حدثنا عاصم بن علي بن عاصم ، حدثنا شريك بن عبد الله ، عن المغيرة ، عن عامر ، عن جابر وابن أبي ليلى ، عن أبي الزبير ، عن جابر قال : اشترى النبي صلى الله عليه وسلم مني بعيرا - قال أبو جعفر : سقط من كتابي مني - على أن لي ظهره سفره أو سفري ذلك ، ثم حملني عليه . فقال قائل : ففي هذا الحديث اشتراط رسول الله صلى الله عليه وسلم لجابر ركوب ذلك البعير الذي ابتاعه منه إلى أهله ، وعقد البيع بينه وبينه على ذلك ، فأجاز بذلك ، وفرع البيع على مثل هذا الشرط ، واحتج فيه بهذه الآثار . فتأملنا هذا الحديث لنقف على إيجابه ذلك كما قال أم لا ؟ . 5144 - فوجدنا فهدا قد حدثنا قال : حدثنا معلى بن أسد ، حدثنا عبد الواحد بن زياد ، حدثنا الجريري ، عن أبي نضرة ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال : كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر ، فتخلف ناضحي ، فجعلت أركبه ، لا يكاد يتحرك ، فلحقني رسول الله صلى الله عليه وسلم من خلفي ، وقال : من هذا المتخلف عن الناس ؟ فقلت : جابر . قال : ما خلفك ؟ قلت : ناضحي هذا ، أركبه لا يكاد يتحرك . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أمعك شيء ؟ قلت : نعم ، فناولته عودا كان معي ، فنخسه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم قال : اركب فسم الله ، فركبته ، فوالذي بعثه بالحق لقد رأيتني أكفه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم قال : يا جابر ، أتبيعني ناضحك هذا إذا قدمنا المدينة بدينار والله يغفر لك ؟ قلت : يا رسول الله ، إذا قدمنا المدينة فهو ناضحك ، قال : فبعنيه بدينارين والله يغفر لك ، فما زال يزيدني ويقول مع كل دينار : يغفر الله لك ، حتى بلغ عشرين دينارا ، فلما قدمنا المدينة ، جئت بالناضح أقوده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقلت : هذا ناضحك يا رسول الله ، فقال : يا بلال ، أعطه عشرين دينارا . 5145 - ووجدنا يزيد بن سنان حدثنا قال : حدثنا الحسن بن عمر بن شقيق ، حدثنا جرير بن عبد الحميد ، عن الأعمش ، عن سالم بن أبي الجعد ، عن جابر بن عبد الله قال : أقبلنا من مكة إلى المدينة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأعيى جملي ، فتخلفت عليه أسوقه ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم تخلف لحاجة له ، فلحقني ، فقال : ما لك متخلفا ؟ قلت : لا يا رسول الله ، إلا أن جملي ظلع علي ، فأردت أن ألحقه بالقوم ، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بذنبه ، فضربه ، ثم زجره ، وقال : اركب ، قال : فلقد رأيتني يعدو بي ، قال : ثم قال لي : بعني جملك ، قلت : لا ، بل هو لك ، قال : لا ، بل بعنيه ، قلت : لا ، بل هو لك ، قال : لا ، بل بعنيه ، قلت : فإن لرجل علي أوقية من ذهب ، فهو لك بها ، قال : قد أخذته ، قال : فتبلغ عليه إلى المدينة ، فلما قدمت المدينة ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لبلال : أعطه أوقية من ذهب ، وزده ، فأعطاني أوقية من ذهب ، وأعطاني قيراطين ، قلت : لا تفارقني زيادة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : فكان في كيس لي ، فأخذه أهل الشام يوم الحرة . قال أبو جعفر : ففي هذين الحديثين غير ما في الأحاديث الأول ، وفي الأول منهما من قول النبي صلى الله عليه وسلم لجابر : أتبيعني ناضحك هذا إذا قدمنا المدينة ؟ وفي الثاني ابتياعه إياه منه بلا شرط كان بينهما في ذلك الابتياع . وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك لجابر : تبلغ عليه إلى المدينة تفضلا منه عليه ، وهذان المعنيان خلاف المعاني الأول التي في الأحاديث التي ذكرناها في هذا الباب ، وليس رواة هذين الحديثين بدون رواة الأحاديث الأول في المقدار في العلم ، ولا في الضبط ، ولا في المقادير عند أهله ، فإذا تكافأت الروايات في ذلك ارتفعت ، ولم يكن بعضها أولى أن يحمل عليه ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها بما روي عنه في غيرها ، فخرج بحمد الله أن يكون في هذا الحديث ما يوجب جواز البيع بهذا الشرط ، ووافق ما قد رويناه عن عمر ، وعبد الله بن مسعود ، وعبد الله بن عمر ، وزينب زوجة عبد الله بن مسعود في النهي عن البيع بالشرط فيه ما ليس منه . وقد وافق ذلك أيضا ما قد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من نهيه عن بيع وسلف . 5146 - كما حدثنا نصر بن مرزوق ، حدثنا الخصيب ، أخبرنا حماد بن سلمة ، عن داود بن أبي هند ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع وسلف ، وعن شرطين في بيعة . 5147 - وكما حدثنا إبراهيم بن أبي داود ، حدثنا مسدد قال : حدثنا حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا يحل سلف وبيع ، ولا شرطان في بيع . 5148 - وكما حدثنا ابن أبي داود قال : حدثنا سليمان بن حرب ، حدثنا حماد بن زيد ، ثم ذكر بإسناده مثله . 5149 - وكما حدثنا أبو أمية ، حدثنا محمد بن الفضل السدوسي ، حدثنا حماد بن زيد ، ثم ذكر بإسناده مثله . 5150 - وكما حدثنا الحسن بن عبد الله بن منصور ، حدثنا الهيثم بن جميل ، حدثنا هشيم ، عن عبد الملك بن أبي سليمان ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله . 5151 - وكما حدثنا محمد بن خزيمة قال : حدثنا عبد الله بن رجاء قال : أخبرنا همام بن يحيى ، عن عامر الأحول ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله . 5152 - وكما حدثنا يونس ، أخبرني عبد الله بن نافع المديني ، عن داود بن قيس ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع وسلف . قال أبو جعفر : فدل ذلك على أن هذه الأشياء التي ليست من البياعات إذا كانت فيها أفسدتها ، والله الموفق .
141 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي جَوَابِهِ الْمِقْدَادَ لَمَّا سَأَلَهُ عَنْ الْكَافِرِ الَّذِي قَطَعَ يَدَهُ ثُمَّ لَاذَ بِشَجَرَةٍ فَقَالَ : أَسْلَمْتُ لِلَّهِ جَلَّ وعز أَأَقْتُلُهُ ؟ . 1068 - حدثنا يُونُسُ ، حدثنا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْر ، حَدَّثنِي اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ . وَحدثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، أَخْبَرَنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، حدثنا اللَّيْثُ ثُمَّ اجْتَمَعَا فَقَالَا : عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ ( عَنْ الْمِقْدَادِ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إنْ لَقِيتُ رَجُلًا مِنْ الْكُفَّارِ فَقَاتَلَنِي فَضَرَبَ إحْدَى يَدَيَّ بِالسَّيْفِ فَقَطَعَهَا ثُمَّ لَاذَ مِنِّي بِشَجَرَةٍ فَقَالَ : أَسْلَمْتُ لِلَّهِ ، أَأَقْتُلُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ بَعْدَ أَنْ قَالَهَا ؟ قَالَ : لَا تَقْتُلْهُ ، فَإِنْ تَقْتُلْهُ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَتِك قَبْلَ أَنْ تَقْتُلَهُ وَأَنْتَ بِمَنْزِلَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ كَلِمَتَهُ الَّتِي قَالَ ) . فَكَانَ مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِمَّا يَجِبُ كَشْفُهُ وَتَأَمُّلُهُ وَطَلَبُ الْمَعْنَى الْمُرَادِ فِيهِ ، فَكَانَ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَوَابًا لِلْمِقْدَادِ لَمَّا سَأَلَهُ بَعْدَ قَطْعِ الْكَافِرِ يَدَهُ أَنْ لَا يَقْتُلَهُ ، وَأَعْلَمَهُ أَنَّهُ إنْ قَتَلَهُ كَانَ بِمَنْزِلَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَقْتُلَهُ أَيْ : إنَّهُ يَعُودُ بِإِسْلَامِهِ إلَى أَنْ يَكُونَ بِهِ مُسْلِمًا كَمَا كُنْتَ أَنْتَ مُسْلِمًا وَأَنْ تَكُونَ أَنْتَ بِمَنْزِلَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ كَلِمَتَهُ الَّتِي قَالَ ، يَعْنِي بِذَلِكَ كَلِمَتَهُ الَّتِي صَارَ بِهَا مُسْلِمًا ، أَيْ : إنَّك تَعُودُ قَاتِلًا لِمَنْ قَدْ صَارَ مُسْلِمًا ، فَتَكُونُ بِذَلِكَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ كَمَا كَانَ هُوَ قَبْلَ الْكَلِمَةِ الَّتِي قَالَهَا كَافِرًا مِنْ أَهْلِ النَّارِ ، وَباَللَّهَ التَّوْفِيقَ .
823- باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الذي نهى من نهاه من بني إسرائيل عن قطع ما قطع من بدنه بالمقراض من البول الذي كان أصابه ، فعذب بذلك في قبره . 6133 - حدثنا بكار بن قتيبة ، قال : حدثنا يحيى بن حماد ، قال : حدثنا أبو عوانة ، عن سليمان بن مهران ، قال : حدثنا زيد بن وهب ، عن عبد الرحمن بن حسنة ، قال : انطلقت أنا وعمرو بن العاص ، فجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومعه درقة أو شبه الدرقة فجلس فاستتر فبال وهو جالس ، فقلت أنا وصاحبي : انظروا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يبول كما تبول المرأة وهو جالس ، فأتانا ، فقال : أو ما علمتم ما لقي صاحب بني إسرائيل ؟ كان إذا أصاب أحدهم شيء من البول قرضه بالمقراض ، فنهاهم عن ذلك ، فعذب في قبره . 6134 - حدثنا إسماعيل بن إسحاق بن سهل الكوفي ، قال : حدثنا عبيد الله بن موسى العبسي ، قال : أخبرنا الأعمش ، عن زيد بن وهب ، عن عبد الرحمن بن حسنة ، ثم ذكر مثله . فقال قائل : وما وجه ما عذب عليه هذا الذي نهى من نهاه من بني إسرائيل عن قطع جلده بالمقراض حتى عذب من أجل ذلك في قبره ، وقطع جلود بني آدم بالمقاريض معصية ؟ . فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله - عز وجل وعونه - : أنه قد يحتمل أن يكون كان من شريعة بني إسرائيل في الأبوال إذا أصابت أبدانهم ، أن يقطعوها بالمقاريض ، فنهاهم ذلك الرجل عن ذلك ، فكان بنهيه إياهم عنه آمرا لهم بترك شريعتهم ، فكان ذلك من أعظم المعاصي ، فعوقب على ذلك في قبره والله نسأله التوفيق .
142 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ النِّسْعَةِ لِأَخِي الْمَقْتُولِ الْمَذْكُورِ فِيهِ : أَمَا إنَّك إنْ قَتَلْتَهُ يَعْنِي : قَاتِلَ أَخِيهِ ، كُنْتَ مِثْلَهُ . 1069 - حدثنا إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ يُونُسَ الْبَغْدَادِيُّ ، حدثنا أَبُو عُمَيْرِ بْنُ النَّحَّاسِ ، حدثنا ضَمْرَةُ بْنُ رَبِيعَةَ ، عَنْ ابْنِ شَوْذَبٍ ، عَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : ( جَاءَ رَجُلٌ بِقَاتِلِ وَلِيِّهِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ لَهُ : اُعْفُ ، فَأَبَى ، قَالَ : خُذْ أَرْشًا فَأَبَى قَالَ : أَتَقْتُلُهُ فَإِنَّك مِثْلُهُ ، قَالَ : فَخَلَّى سَبِيلَهُ فَرُئِيَ يَجُرُّ نِسْعَتَهُ ذَاهِبًا إلَى أَهْلِهِ ) . 1070 - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ يَحْيَى بْنِ جَنَّادٍ ، حدثنا أَبُو عُمَرَ الْحَوْضِيُّ ، حدثنا جَامِعُ بْنُ مَطَرٍ ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : ( كُنَّا قُعُودًا عِنْدَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَجَاءَ رَجُلٌ فِي عُنُقِهِ نِسْعَةٌ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ هَذَا وَأَخِي كَانَا فِي جُبٍّ يَحْفِرَانِهَا ، فَرَفَعَ الْمِنْقَارَ فَضَرَبَ بِهِ رَأْسَ صَاحِبِهِ ، فَقَتَلَهُ ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ : اُعْفُ عَنْهُ ، فَأَبَى ثُمَّ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا وَأَخِي كَانَا فِي جُبٍّ يَحْفِرَانِهَا فَرَفَعَ الْمِنْقَارَ فَضَرَبَ بِهِ رَأْسَ صَاحِبِهِ ، فَقَتَلَهُ ، فَقَالَ له النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ : اُعْفُ عَنْهُ فَأَبَى ، ثُمَّ قَامَ الثَّالِثَةَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ هَذَا وَأَخِي كَانَا فِي جُبٍّ يَحْفِرَانِهَا فَرَفَعَ الْمِنْقَارَ فَضَرَبَ بِهِ رَأْسَ صَاحِبِهِ فَقَتَلَهُ ، فَقَالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ : اُعْفُ عَنْهُ فَأَبَى ، قَالَ اذْهَبْ بِهِ إنْ قَتَلْته كُنْت مِثْلَهُ ، فَخَرَجَ بِهِ حَتَّى جَاوَزَ فَنَادَيْنَاهُ أَلَا تَسْمَعُ مَا يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَرَجَعَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إنْ قَتَلْته كُنْت مِثْلَهُ ، قَالَ : نَعَمْ ، فَعَفَا عَنْهُ فَخَرَجَ يَجُرُّ نِسْعَتَهُ حَتَّى خَفِيَ عَلَيْنَا ) . فَتَأَمَّلْنَا مَا فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ فَوَجَدْنَا فِيهِمَا مَا قَدْ حَمَلَ أَنَّ قَتْلَ صَاحِبِ النِّسْعَةِ صَاحِبَهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ قَتْلُهُ إيَّاهُ قَدْ كَانَ ثَبَتَ عِنْدَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِبَيِّنَةٍ قَبِلَهَا عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَزَجَرَ خَصْمَهُ عَنْ النِّسْعَةِ الَّتِي أَسَرَهُ بِهَا حَتَّى جَاءَ بِهِ كَذَلِكَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَلَمَا قَالَ لِصَاحِبِهِ : اُعْفُ عَنْهُ ، وَلَمَا قَالَ لَهُ : خُذْ أَرْشًا لَمَّا أَبَى أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُ ، وَفِي ذَلِكَ مَا حَقَّقَ مَا قُلْنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَفِي قَوْلِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ لِلْخَصْمِ : اُعْفُ عَنْهُ ، فَلَمَّا أَبَى قَالَ لَهُ : خُذْ أَرْشًا ، مَا قَدْ دَلَّ أَنَّ الْعَفْوَ مِنْ وَلِيِّ الْمَقْتُولِ لَا يُوجِبُ لَهُ عَلَى قَاتِلِهِ أَرْشًا كَمَا يَقُولُهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَزُفَرُ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ فِيهِ ، وَعَلَى خِلَافِ مَا يَقُولُهُ الْأَوْزَاعِيِّ وَالشَّافِعِيُّ فِيهِ مِنْ وُجُوبِ الدِّيَةِ لَهُ عَلَى الْقَاتِلِ . ثُمَّ تَأَمَّلْنَا مَعْنَى قَوْلِهِ إنَّك إنْ قَتَلْته كُنْت مِثْلَهُ 1071 - فَوَجَدْنَا أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ قَدْ حدثنا قَالَ : حدثنا أَبُو كُرَيْبٍ وَأَحْمَدُ بْنُ حَرْبٍ قَالَا : حدثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : ( قَتَلَ رَجُلٌ رَجُلًا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَفَعَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى وَلِيِّ الْمَقْتُولِ ، فَقَالَ الْقَاتِلُ : لَا وَاَللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَرَدْتُ قَتْلَهُ ، فَقَالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ : أَمَا إنَّهُ إنْ كَانَ صَادِقًا ثُمَّ قَتَلْته دَخَلْت النَّارَ ، قَالَ : فَخَلَّى سَبِيلَهُ وَكَانَ مَكْتُوفًا بِنِسْعَةٍ فَخَرَجَ يَجُرُّ نِسْعَتَهُ فَسُمِّيَ ذَا النِّسْعَةِ ) . فَكَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَوْلُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْقَتْلُ : لَا وَاَللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَرَدْتُ قَتْلَهُ . فَكَانَ مَعْنَى ذَلِكَ عِنْدَنَا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ، أَنَّ الْبَيِّنَةَ الَّتِي كَانَتْ شَهِدْت عَلَيْهِ بِقَتْلِهِ أَخَا خَصْمِهِ شَهِدَتْ بِظَاهِرِ فِعْلِهِ الَّذِي كَانَ عِنْدَهَا أَنَّهُ عَمْدٌ لَهُ لَا شَكَّ عِنْدَهَا فِيهِ وَكَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَعْلَمَ بِنَفْسِهِ وَبِمَا كَانَ مِنْهُ فِي ذَلِكَ فَادَّعَى بَاطِنًا كَانَ مِنْهُ فِي ذَلِكَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ مَعَهُ فِيمَا كَانَ مِنْهُ فِيهِ قَوَدٌ ، فَقَالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِلْوَلِيِّ عِنْدَ ذَلِكَ : أَمَا إنَّهُ إنْ كَانَ صَادِقًا ثُمَّ قَتَلْته دَخَلْت النَّارَ . فَعَقَلْنَا بِذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ : أَمَا إنَّك إنْ قَتَلْته كُنْت مِثْلَهُ ، أَيْ إنَّهُ فِي الظَّاهِرِ عِنْدَنَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ لِثُبُوتِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ بِقَتْلِهِ مَنْ قَتَلَ ، وَإِنْ قَتَلْتَهُ وَهُوَ فِيمَا قَالَ إنَّهُ صَادِقٌ كُنْت أَنْتَ أَيْضًا مِنْ أَهْلِ النَّارِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَوَجَدْنَا حَدِيثَ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ مِنْ غَيْرِ الْجِهَةِ الَّتِي رَوَيْنَاهُ مِنْهَا قَدْ جَاءَ بِمَعْنًى يُخَالِفُ مَعْنَى حَدِيثِهِ الَّذِي حدثنا بِهِ فِي صَدْرِ هَذَا الْبَابِ . 1072 - كَمَا حدثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَخبرنا مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ بْنِ إبْرَاهِيمَ يَعْنِي ابْنَ عُلَيَّةَ ، حدثنا إِسْحَاقُ يَعْنِي ابْنَ يُوسُفَ ، عَنْ عَوْفٍ الْأَعْرَابِيِّ ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ الْحَضْرَمِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : ( جِيءَ بِالْقَاتِلِ الَّذِي قَتَلَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، جَاءَ بِهِ وَلِيُّ الْمَقْتُولِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَتَعْفُو ؟ قَالَ : لَا ، قَالَ : أَتَأْخُذُ الدِّيَةَ ؟ قَالَ : لَا ، قَالَ : أَتَقْتُلُ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : فَاذْهَبْ ، فَلَمَّا ذَهَبَ دَعَاهُ فَقَالَ : أَتَعْفُو ؟ قَالَ : لَا ، قَالَ : أَتَأْخُذُ الدِّيَةَ ؟ قَالَ : لَا ، قَالَ : أَتَقْتُلُ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : اذْهَبْ ، فَلَمَّا ذَهَبَ قَالَ : أَمَا إنَّك إنْ عَفَوْت عَنْهُ فَإِنَّهُ يَبُوءُ بِإِثْمِك وَإِثْمِ صَاحِبِك ، فَعَفَا عَنْهُ ، فَأَرْسَلَهُ ، قَالَ : فَرَأَيْته يَجُرُّ نِسْعَتَهُ ) . 1073 - وَكَمَا قَدْ حدثنا أَحْمَدُ ، حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، حدثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ عَوْفِ بْنِ أَبِي جَمِيلَةَ ، حَدَّثنِي حَمْزَةُ أَبُو عُمَرَ الْعَائِذِيُّ ، حدثنا عَلْقَمَةُ بْنُ وَائِلٍ ، عَنْ وَائِلٍ قَالَ : شَهِدْت رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ حِينَ جِيءَ بِالْقَاتِلِ يَقُودُهُ وَلِيُّ الْمَقْتُولِ فِي نِسْعَةٍ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِوَلِيِّ الْمَقْتُولِ : أَتَعْفُو ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ سَوَاءً . فَزَادَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَلَى إِسْحَاقَ بْنِ يُوسُفَ فِي إسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَيَاهُ جَمِيعًا ، عَنْ عَوْفِ حَمْزَةَ الْعَائِذِيَّ ، قَالَ لَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ : وَحَمْزَةُ هَذَا رَجُلٌ مَشْهُورٌ قَدْ رَوَى عَنْهُ شُعْبَةُ . 1074 - حدثنا أَحْمَدُ ، حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، حدثنا يَحْيَى ، حدثنا جَامِعُ بْنُ مَطَرٍ الْحَبَطِيُّ ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِمِثْلِهِ . قَالَ يَحْيَى : وَهُوَ أَحْسَنُ مِنْهُ . فَكَانَ مَا فِي حَدِيثِ وَائِلٍ هَذَا مَكَانَ مَا قَدْ رَوَيْنَاهُ عَنْ وَائِلٍ وَعَنْ أَنَسٍ ( إنَّك إنْ قَتَلَتْهُ كُنْت مِثْلَهُ ، أَمَا إنَّك إنْ عَفَوْت عَنْهُ فَإِنَّهُ يَبُوءُ بِإِثْمِك وَإِثْمِ صَاحِبِهِ ) فَمَعْنَى ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ، إنْ كَانَ هُوَ الصَّحِيحَ فِي حَدِيثِ وَائِلٍ أَنَّك إنْ عَفَوْت عَنْهُ بَاءَ بِإِثْمِ صَاحِبِك الَّذِي لَمْ تُقِمْ عَلَيْهِ عُقُوبَتَهُ وَبَاءَ بِإِثْمِك فِيمَا أَدْخَلَ عَلَى قَلْبِك فِي قَتْلِهِ صَاحِبَكَ مِمَّا لَمْ تُقِمْ عَلَيْهِ عُقُوبَتُهُ .
681 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مما استدل به غير واحد من أهل العلم على جواز بيع الرجل عبده من رجل على أن يعتقه . قال أبو جعفر : قد روينا فيما تقدم منا في أبواب مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمور بريرة قوله لعائشة رضي الله عنها : اشتريها فأعتقيها ، فاستدل بعض الناس بذلك على أن ابتياع عائشة كان إياها من أهلها بأمر النبي صلى الله عليه وسلم إياها بذلك على أن تعتقها ، فجعل هذا أصلا ، وأجاز به ابتياع المماليك بهذا الشرط ، وأخرجه عن أحكام البياعات بالشروط سواه ، مثل أن يشتري على أن يبيعه ، أو على أن لا يبيعه ، أو ما أشبه ذلك ، فجعل البيع إذا وقع كذلك فاسدا . فتأملنا ما ذكر أنه استدل به على ما ذهب إليه مما ذكرناه عنه ، فلم نجده يدل على ذلك ، لأن ما ذكره عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله لعائشة : اشتريها فأعتقيها ليس فيه دليل على اشتراط أهلها الذين باعوها ذلك عليها في بيعهم إياها منها ، وإنما هو مشورة منه عليها بذلك على أن تفعله ابتداء ، وقد ذكرنا في تلك الأبواب أن عائشة رضي الله عنها إنما كانت قالت لبريرة لما سألتها أن تعينها بعد إعلامها إياها ما كانت فيه من المكاتبة التي كان أهلها كاتبوها عليها من حديث الزهري عن عروة عنها ، ومن حديثي عمرو بن الحارث والليث بن سعد عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة رضي الله عنها : إن أراد أهلك أن أصبها لهم - أي : أأديها لهم - عنك صبة واحدة على أن يكون ولاؤك لي فعلت . وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعائشة بعد إباء موالي بريرة ذلك : ابتاعي وأعتقي ، فإنما الولاء لمن أعتق . قال أبو جعفر : فكان في هذا الحديث أن الأمر بالابتياع والعتاق كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم ابتداء ، وليس في ذلك اشتراط من أهل بريرة ولاءها . وقد ذكرنا في حديث مالك وجرير عن هشام ، عن عروة ، عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : اشترطي الولاء لهم ، ووافق هشاما على هذا يزيد بن رومان ، فرواه عن عروة كذلك ، وقد تأول الناس ذلك على ما تأولوه عليه مما قد ذكرناه فيما تقدم منا في هذه الأبواب . ورواه الشافعي عن مالك ، عن هشام ، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لعائشة : فأشرطي ، ومعناه خلاف معنى : واشترطي ، وقد ذكرناه هناك ، وليس في هذا أيضا اشتراط من أهل بريرة في بيعهم إياها من عائشة عليها أن تعتقها في بيعهم إياها ، إنما فيه اشتراطهم ولاءها عليها في عتاق عائشة إياها بعد ابتياعها إياها ، ومعقول أنها إذا كانت تعتقها عن نفسها لا بواجب عليها أن ذلك العتاق لم يكن باشتراط من بائع بريرة عليها إياه في بيعها إياها منه . وفي هذا الحديث دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم موالي بريرة عن ذلك ، وتركه إطلاقه لهم . وإذا كان الذي كان منهم مما قد أنكره رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأعلمهم في وعيده إياهم أنه خارج من شريعته ، بقوله : كل شرط ليس في كتاب الله عز وجل فهو باطل ، وإن كان مئة شرط ، وكتاب الله تعالى هو شريعته . ولو كان الذي كان منهم من اشتراط عتاقها على عائشة جائزا باقيا حكمه بعده إذا لما أنكره عليهم ، ولا توعدهم عليه ، ولكان إلى حمده إياهم على ذلك أقرب منه إلى ذمه إياهم عليه . وفيما ذكرنا من ذلك ما قد دل على أن الذي كان من أهل بريرة في ذلك هو اشتراط ولائها في عتاق عائشة ، لا اشتراط منهم عليها أن تعتقها عن نفسها عتاقا واجبا عليها بشرطهم إياه عليها في بيعهم إياها منها . وقد روينا عن عبد الله بن عمر وقوفه على ما كان من عائشة في بريرة ، وما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يخالف ما طلب أهلها من عائشة أن يجري ما كان منها فيها عليه فيما تقدم منا في كتابنا في تلك الأبواب ، وروينا عنه فيها قوله بعد النبي صلى الله عليه وسلم : إنه لا يحل فرج إلا فرج إن شاء صاحبه وهبه ، وإن شاء أمسكه ، ولا شرط عليه فيه . والمبيعة على أن يعتقها مشتريها ليست كذلك ، لأن البيع إذا كان على أن يعتقها لزمه عتاقها ولم يكن له إمساكها ، وكذلك نفي ما ظنه هؤلاء المتأولون ذلك المعنى في حديث بريرة على ما تأولوه عليه . وقد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ما يوافق ذلك أيضا . 5137 - كما قد حدثنا مبشر بن الحسن بن مبشر البصري ، حدثنا أبو عامر العقدي ، حدثنا شعبة ، عن خالد بن سلمة قال : سمعت محمد بن عمرو بن الحارث يحدث عن زينب امرأة عبد الله بن مسعود أنها باعت عبد الله جارية واشترطت خدمتها ، فذكر ذلك لعمر ، فقال : لا تشتريها ولأحد فيها مثنوية . قال أبو جعفر : وكان ما في هذا الحديث من عمر وعبد الله موافقته عبد الله بن عمر على ما قد ذكرنا عنه في هذا المعنى ، وفيه أيضا قبول زينب امرأة عبد الله ذلك منهما ، وهي من المهاجرات ، وتركها خلافهما فيه . وفيما ذكرناه دليل على دفع ما تأول المعنى الذي قد ذكرناه من حديث بريرة على ما تأوله عليه مما خالفه فيه ، ومما لم نجده منصوصا في شيء من أحاديثها ، وبالله التوفيق .
143 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا فِي جَوَابِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَبِي بَكْرٍ وَمِنْ عُمَرَ وَمِنْ سُهَيْلِ بْنِ بَيْضَاءَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ سُؤَالِهِ إيَّاهُ مَا يَفْعَلُ بِرَجُلٍ لَوْ وَجَدَهُ مَعَ امْرَأَتِهِ . 1075 - حدثنا يَحْيَى بْنُ عُثْمَانَ بْنِ صَالِحٍ ، حدثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَبَّوَيْهِ ، حدثنا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ ، عَنْ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ يُثَيْعٍ ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ : ( قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي بَكْرٍ : أَرَأَيْتَ لَوْ وَجَدْتَ مَعَ أُمِّ رُومَانَ رَجُلًا مَا كُنْتَ صَانِعًا بِهِ ؟ قَالَ : كُنْتُ صَانِعًا بِهِ شَرًّا ، قَالَ : فَأَنْتَ يَا عُمَرُ ، قَالَ : كُنْتُ قَاتِلَهُ ، قَالَ : فَأَنْتَ يَا سُهَيْلُ بْنُ بَيْضَاءَ ، قَالَ : كُنْتُ أَقُولُ أَوْ قَائِلًا لَعَنَ اللَّهُ الْأَبْعَدَ وَلَعَنَ اللَّهُ الْبَعْدَاءَ وَلَعَنَ أَوَّلَ الثَّلَاثَةِ ، أَخْبَرَ بِهَذَا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : تَأَوَّلْتَ الْقُرْآنَ يَا ابْنَ بَيْضَاءَ ) : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ الْآيَةَ . فَتَأَمَّلْنَا هَذَا الْحَدِيثَ فَوَجَدْنَا مَا فِيهِ مِنْ جَوَابِ أَبِي بَكْرٍ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ سُؤَالِهِ إيَّاهُ الْمَذْكُورِ فِيهِ مَكْشُوفَ الْمَعْنَى . وَوَجَدْنَا مَا فِيهِ مِنْ جَوَابِ عُمَرَ إيَّاهُ عَمَّا سَأَلَهُ عَنْهُ فِيهِ مِمَّا يَحْتَاجُ إلَى تَأَمُّلِهِ وَالْوُقُوفِ عَلَى الْمَعْنَى فِيهِ فَتَأَمَّلْنَاهُ فَوَجَدْنَا فِيهِ إخْبَارَ عُمَرَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ قَاتِلًا مَنْ وَجَدَهُ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ ، وَتَرْكَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْإِنْكَارَ بِذَلِكَ عَلَيْهِ وَالزَّجْرَ لَهُ عَنْهُ وَالْمَنْعَ لَهُ مِنْهُ ، فَكَانَ فِي ذَلِكَ مَا قَدْ دَلَّ عَلَى إطْلَاقِهِ إيَّاهُ لَهُ عَلَى أَنَّ الشَّرِيعَةَ لَا تَمْنَعُهُ مِنْ ذَلِكَ وَلَمْ نَعْلَمْ أَحَدًا مِن مَّنْ دَارَتْ عَلَيْهِ الْفُتْيَا عَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ ، وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَهُ قَائِلُونَ مِنْهُمْ لَمْ نَقِفْ عَلَى قَوْلِهِمْ بِهِ ؛ لِأَنَّ مِمَّا قَدْ يَجُوزُ أَنْ نَقِفَ عَلَيْهِ فِي الْمُسْتَأْنَفِ أَوْ مِمَّا قَدْ يَجُوزُ أَنْ لَا نَقِفَ عَلَيْهِ . فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِمَّا لَا قَائِلَ لَهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ كَانَ تَرْكُهُمْ الْقَوْلَ بِهِ أَوْ الْعُدُولُ عَنْهُ إلَى ضِدِّهِ دَلِيلًا عَلَى نَسْخِهِ لِأَنَّا إنَّمَا نَقُولُ كَمَا يَقُولُ بِهِ لِأَخْذِنَا إيَّاهُ عَنْهُ وَامْتِثَالِ مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِيهِ أَوْ فِي مِثْلِهِ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنْ يَجِبَ الْقَوْلُ بِهِ فِيهِ ، وَلَمَّا كَانُوا مَأْمُونِينَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا حُجَّةً فِيهِ كَانُوا كَذَلِكَ فِي تَرْكِهِمْ مِثْلَهُ وَالْعَمَلِ بِضِدِّهِ . وَمِثْلُ ذَلِكَ مَا قَدْ قَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ فِي الْمُتْعَةِ فِي الْحَجِّ : . 1076 - كَمَا حدثنا يُونُسُ أَخبرنا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَني جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ ، عَنْ أَيُّوبَ قَالَ : قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ : نَهَى عَنْهَا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ يَعْنِي مُتْعَةَ الْحَجِّ ، وَهُمْ شَهَدُوهَا وَهُمْ نَهَوْا عَنْهَا ، فَلَيْسَ فِي رَأْيِهِمْ مَا يُرَدُّ وَلَا فِي نَصِيحَتِهِمْ مَا يُتَّهَمُ ، وَإِنْ كَانَ لَهُ قَائِلُونَ بِهِ كَانَ مِن مَّا لَا يَجِبُ تَرْكُهُ وَلَا يَمْتَنِعُ الْقَوْلُ بِغَيْرِهِ . وَوَجَدْنَا مَا فِيهِ مِنْ جَوَابِ سُهَيْلٍ إيَّاهُ عَنْ مَا سَأَلَهُ عَنْهُ فِيهِ مَوْضِعَانِ مِنْ الْفِقْهِ : أَحَدُهُمَا : إبَاحَةُ لَعْنِ أَهْلِ تِلْكَ الْمَعْصِيَةِ وَأَنَّ ذَلِكَ خَارِجٌ مِنْ نَهْيِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ أُمَّتَهُ أَنْ يَكُونُوا لَعَّانِينَ وَدَلِيلٌ أَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ فِيمَا رُوِيَ عَنْهُ النَّهْيُ فِيهِ غَيْرُ الْمُطْلَقِ مِنْهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ . وَسَنَذْكُرُ مَا وَرَدَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي اللَّعْنِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ فِيمَا بَعْدُ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا فِي مَوْضِعٍ هُوَ أَوْلَى بِهِ مِنْ هَذَا الْمَوْضِعِ إنْ شَاءَ اللَّهُ . وَالْمَوْضِعُ الْآخَرُ : سُكُوتُهُ عَن مَّا رَأَى مِنْ زَوْجَتِهِ وَعَنْ ذِكْرِهِ لِإِمَامِهِ حَتَّى يَجْرِيَ بَيْنَهُمَا اللَّعْنُ الَّذِي حَكَمَ اللَّهُ بِهِ فِي أَمْثَالِهِمَا بِقَوْلِهِ : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلا أَنْفُسُهُمْ الْآيَةَ ، إذْ كَانَ إظْهَارُهُ ذَلِكَ وَكَشْفُهُ إيَّاهُ وَإِخْبَارُهُ بِهِ يَكُونُ بِهِ قَاذِفًا لِمُحْصَنَةٍ وَيَلْحَقُهُ بِهِ فِي الظَّاهِرِ عِنْدَ النَّاسِ الْوَعِيدُ فِي قَذْفِ الْمُحْصَنَةِ ، وَإِنْ كَانَ فِي الْحَقِيقَةِ بِخِلَافِ ذَلِكَ ، وَلَكِنَّ اللَّهَ تَوَلَّى السَّرَائِرَ وَرَدَّ أَحْكَامَ النَّاسِ فِي الدُّنْيَا إلَى الظَّاهِرِ الَّذِي يُدْرِكُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ ، فَكَانَ فِي سُكُوتِهِ عَنْ ذَلِكَ مَحْمُودًا ، وَكَانَ اللِّعَانُ الَّذِي يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ زَوْجَتِهِ لَوْ أَظْهَرَ ذَلِكَ وَطَالَبَتْهُ زَوْجَتُهُ بِالْوَاجِبِ لَهَا عَلَيْهِ فِيهِ لَا يُوصِلُهُ إلَّا إلَى فُرْقَتَهَا ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى فُرْقَتِهَا بِطَلَاقِهِ لَهَا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ يَلْحَقُهُ مِنْ ذَلِكَ فَحَمِدَهُ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَأَعْلَمَهُ بِالْمَوْضِعِ الَّذِي أَخَذَ ذَلِكَ مِنْهُ ، وَأَنَّهُ الْآيَةُ الَّتِي تَلَاهَا عَلَيْهِ ، وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
824- باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في خير الناس : أنه من طال عمره ، وحسن عمله . 6135 - حدثنا علي بن معبد ، قال : حدثنا يزيد بن هارون ، قال : أخبرنا حماد بن سلمة ، عن علي بن زيد ، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة ، عن أبيه ، قال : سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - : أي الناس أفضل ؟ أو قال : خير ؟ قال : من طال عمره ، وحسن عمله . قيل : فأي الناس شر ؟ قال : من طال عمره ، وساء عمله 6136 - حدثنا علي ، قال : حدثنا الأسود بن عامر ، قال : حدثنا زهير بن معاوية عن علي بن زيد عن عبد الرحمن بن أبي بكرة ، عن أبيه . 6137 - وحدثنا علي ، قال : حدثنا روح بن عبادة ، قال : حدثنا حماد عن يونس عن الحسن عن أبي بكرة 6138 - وحدثنا محمد بن خزيمة ، قال : حدثنا حجاج بن منهال ، قال : حدثنا حماد عن يونس ، عن الحسن ، عن أبي بكرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذه الآثار كلها مثله . قال أبو جعفر : فتأملنا هذا الحديث ، فوجدنا من كانت صفته الصفة المذكورة فيه أنه لا يكون بذلك خيرا من الأنبياء ، ولا خيرا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذين فضلهم الله على من سواهم منهم بقوله : لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا . فعقلنا بذلك أن ما في هذا الحديث مما عم به الناس بظاهره ، لم يرد به ما يدل عليه ظاهره ، وإنما أريد به : من خير الناس ؟ فعم بذلك ما المراد بعضه ، والعرب تفعل هذا كثيرا ، وقد جاء كتاب الله - عز وجل - بمثل لك ، قال الله - عز وجل - في قصة صاحبة سليمان : وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ولم تؤت مما أوتي سليمان - صلى الله عليه وسلم - شيئا ، وقوله - عز وجل - في الريح : تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا . وإنما كان ذلك على خاص من الأشياء ، لا على كل الأشياء ، فمثل ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث ما قاله هو على بعض من ذكره لا على كلهم ، فيكون قوله : خير الناس ، أو أفضل الناس ، بمعنى : من خير الناس ، أو من أفضل الناس . وقد روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذا الباب أيضا . 6139 - ما قد حدثنا علي بن معبد ، قال : حدثنا الأسود بن عامر ، قال : حدثنا شريك عن سماك ، عن عبد الله بن عميرة ، عن درة ، قالت : كنت عند عائشة ، فدخل النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : ائتوني بوضوء . فابتدرت أنا الكوز ، فتوضأ ، ثم رفع طرفه أو عينه إلي ، فقال : أنت مني ، وأنا منك . فأتى رجل ، فقال : ما أنا فعلته ، ولكن قيل لي . قالت : وكان سأله على المنبر : من خير الناس ؟ فقال : أفقههم في دين الله - عز وجل قال أبو جعفر : ومعنى هذا عندنا - والله أعلم - كمعنى الحديث الأول الذي ذكرناه . قال أبو جعفر : وفي هذا الحديث أنه كان لدرة ابنة أبي لهب من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الموضع المذكور لها فيه ، وهو أجل موضع ، وقد روي عنه - صلى الله عليه وسلم - مما كان منه في أمرها لما آذاها من آذاها من نسوة الأنصار بأبيها لما قدمت المدينة مهاجرة . 6140 - ما قد حدثنا أبو أمية ، قال : حدثنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي ، قال : حدثنا عبد الرحمن بن بشير ، عن ابن إسحاق ، قال : حدثني نافع مولى ابن عمر وزيد بن أسلم ، عن ابن عمر ، قال : لما قدمت درة ابنة أبي لهب المدينة مهاجرة ، نزلت دار رافع بن المعلى الزرقي ، فقال لها نسوة جلسن إليها من بني زريق : أنت ابنة أبي لهب الذي يقول الله - عز وجل - : تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ فما يغني عنك مهاجرك ! فأتت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجثت إليه وذكرت ما قلن لها ، فسكتها ، وقال : اجلسي ثم صلى بالناس الظهر ، ثم جلس على المنبر ساعة ، ثم قال : أيها الناس ، مالي أوذى في أهلي ، فوالله إن شفاعتي لتنال بقرابتي ، حتى أن حكما وحا وصداء وسلهب لتنالها يوم القيامة بقرابتي . وسلهب في نسب اليمن من دوس . قال أبو جعفر : ففي هذا الحديث رد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر درة ابنة أبي لهب إلى نفسها لا إلى أبيها ؛ لأن الله - عز وجل - قد منع أن تزر وازرة وزر أخرى ؛ ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد قال لأبي أبي رمثة في ابنه أبي رمثة : إنه لا يجني عليك ، ولا تجني عليه ، فكان الذي كان من أبي لهب لا يتعداه إلى ولد ، ولا إلى غيره ، وكان الذي كسبته ابنته درة ، وعملته من الخير ، لا يتعداها إلى من سواها من أب ولا من غيره والله - عز وجل - نسأله التوفيق .
144 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ قَوْلِهِ : ( لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ ) . 1077 - حدثنا ابْنُ مَرْزُوقٍ ، حدثنا أَبُو عَاصِمٍ ، حدثنا وَبْرُ بْنُ أَبِي دُلَيْلَةَ ، حَدَّثنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَيْمُونَ ، حَدَّثنِي عَمْرُو بْنُ الشَّرِيدِ سَمِعَ أَبَاهُ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : ( لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ ) . 1078 - حدثنا أَبُو أُمَيَّةَ ، حدثنا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ وَبْرِ بْنِ أَبِي دُلَيْلَةَ أَوْ دُلَيْلَةَ ، حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ مَيْمُونَ بْنِ مُسَيْكَةَ ، حَدَّثنِي عَمْرُو بْنُ الشَّرِيدِ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : ( لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ ) . فَسَأَلَ سَائِلٌ عَنْ الْمُرَادِ بِهَذَا الْحَدِيثِ . فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ أَنَّ اللَّيَّ الْمُرَادَ فِيهِ : هُوَ الْمَطْلُ ، وَمِنْهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ : تُطِيلِينَ لَيَّانِي وَأَنْتِ مَلِيَّةٌ وَأُحْسِنُ يَا ذَاتَ الْوِشَاحِ التَّقَاضِيَا وَهُوَ مَصْدَرٌ لَوَيْتُهُ لِأَنَّك تَقُولُ : لَوَيْتُهُ لَيًّا ، كَمَا تَقُولُ : طَوَيْته طَيًّا ، وَكَمَا تَقُولُ : شَوَيْته شَيًّا ، وَكَمَا تَقُولُ : غَوَيْته غَيًّا . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَطْلِ الْوَاجِدِ : 1079 - مَا قَدْ حدثنا أَبُو أُمَيَّةَ ، حدثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ، أَخبرنا سُفْيَانُ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ ) . 1080 - وَمَا قَدْ حدثنا أَبُو أُمَيَّةَ ، حدثنا مُعَلَّى بْنُ مَنْصُورٍ الرَّازِيّ ، حدثنا سُفْيَانُ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِثْلَهُ . 1081 - وَمَا قَدْ حدثنا أَبُو أُمَيَّةَ ، حدثنا مُعَلَّى بْنُ مَنْصُورٍ ، حدثنا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ دَاوُد بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَوْدِيِّ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ . 1082 - وَمَا قَدْ حدثنا أَبُو أُمَيَّةَ ، حدثنا مُعَلَّى بْنُ مَنْصُورٍ ، حدثنا هُشَيْمٌ ، حدثنا يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ . وَإِذَا اسْتَحَقَّ بِلَيِّهِ ذَلِكَ إنْ كَانَ ظَالِمًا اسْتَحَقَّ أَنْ يُخَاطَبَ بِذَلِكَ وَأَنْ يُوَبَّخَ بِهِ ، يَقُولُ لَهُ يَا ظَالِمُ ، وَيُقَالُ لَهُ : أَنْتَ ظَالِمٌ ، فَهَذَا الَّذِي يَحِلُّ مِنْ عِرْضِهِ بِلَيِّهِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . غَيْرَ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ فِيمَا أَجَازَهُ لَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْهُ قَالَ : هُوَ التَّقَاضِي ، وَالْقَوْلُ عِنْدَنَا فِي ذَلِكَ هُوَ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ؛ لِأَنَّ التَّقَاضِيَ مِنْ حَقِّ مَنْ لَهُ الدَّيْنُ عَلَى مَنْ هُوَ لَهُ عَلَيْهِ قَبْلَ لَيِّهِ إيَّاهُ بِهِ ، وَإِذَا لَوَاهُ بِهِ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِ مَعْنًى سِوَاهُ لَمْ يَكُنْ مُسْتَحَقًّا لَهُ عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ ، وَهُوَ غَيْرُ التَّقَاضِي . وَأَمَّا الْعُقُوبَةُ الْمُسْتَحَقَّةُ عَلَيْهِ فَقَدْ قَالَ قَوْمٌ : إنَّهَا الْحَبْسُ فِي ذَلِكَ الدَّيْنِ . وَقَالَ مُحَمَّدٌ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا : إنَّهَا الْمُلَازَمَةُ لَهُ ، وَالْمُلَازَمَةُ هِيَ حَبْسٌ لِلْمَلْزُومِ عَنْ تَصَرُّفِهِ فِي أُمُورِهِ ، فَهِيَ تَقْرُبُ مِنْ الْحَبْسِ الْمَعْقُولِ غَيْرَ أَنَّ الْأَوْلَى فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ، أَنْ تَكُونَ هِيَ حَبْسُ الْحَاكِمِ لَلْمُسْتَحِقِّ لَهَا فِيهَا ؛ لِأَنَّ فِي مُلَازَمَةِ ذِي الدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ تَشَاغُلَهُ بِهِ عَنْ أَسْبَابِ نَفْسِهِ ، وَلَا اخْتِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ إذَا سَأَلَ الْحَاكِمَ حَبْسَهُ لَهُ فِي دَيْنِهِ أَنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ لَهُ عَلَيْهِ ، فَكَانَتْ عُقُوبَتُهُ بِالْحَبْسِ أَوْلَى مِنْهَا بِالْمُلَازَمَةِ .
680 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما كان منه في بريرة لما سأل أهلها عائشة أن يكون ولاؤها لهم بأدائها مكاتبتها إليهم , أو بابتياعها إياها , أو إعتاقها بعد ذلك . قال أبو جعفر : وقد ذكرنا فيما تقدم منا في كتابنا هذا حديث مالك بن أنس ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لعائشة لما أبى أهل بريرة أن يبيعوها إلا أن يكون ولاؤها لهم : خذيها واشترطي لهم الولاء , فإنما الولاء لمن أعتق . فتأملنا هذا الحديث , فوجدنا فيه من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لعائشة في بريرة : خذيها واشترطي لهم الولاء , يعني لأهلها , فإنما الولاء لمن أعتق . فقال قائل : فكيف تقبلون على رسول الله صلى الله عليه وسلم إطلاقه لعائشة اشتراطا في ولاء بريرة إياها لأهلها , وذلك مما لا يصح لهم ؛ إذ كانت شريعته تمنع من ذلك , وترد ولاء من أعتق إلى من أعتقه , وهو عليه السلام لا يقول إلا حقا , ولا يأمر أحدا باشتراط ما لا يجب للمشترط له ؟ فكان جوابنا له في ذلك أن الذي نفاه من ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد سبقناه إليه , فنفيناه عنه في غير هذا الموضع , وكان هذا المعنى في حديث عائشة هذا لم نجده إلا في حديث هشام هذا , ولم نجده في حديث هشام إلا من رواية مالك عنه , فأما من سواه وهو عمرو بن الحارث والليث بن سعد فقد رويا ، عن هشام بن عروة , فخالفا مالكا فيه , وهو أنهما روياه على أن السؤال لولاء بريرة إنما كان من عائشة لأهلها بأدائها عنها مكاتبتها إليهم , فكان من رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك قوله لعائشة : لا يمنعك ذلك منها , ابتاعي وأعتقي , فإنما الولاء لمن أعتق , فكان ذلك دلالة من رسول الله صلى الله عليه وسلم إياها على الموضع الذي يكون به ولاء بريرة لها وهو ابتياعها إياها وإعتاقها لها بعد ذلك , وهذا خلاف ما في حديث مالك عن هشام بن عروة الذي ذكرناه , وإن كان حديث مالك عن هشام بن عروة الذي ذكرنا قد روي عنها بخلاف اللفظ الذي ذكرناه . 5120 - وهو ما قد حدثنا المزني , حدثنا الشافعي ، عن مالك بن أنس ، عن هشام بن عروة , ثم ذكر مثل حديث ابن وهب عن مالك ، عن هشام بن عروة الذي ذكرناه في باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يدل على مراد الله عز وجل بقوله في آية المكاتبين : وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ([ النور : 33 ] فيما تقدم منا في كتابنا هذا , غير أنه قال : خذيها وأشرطي , فإنما الولاء لمن أعتق , فكان ذلك خلاف ما في حديث ابن وهب عن مالك ، عن هشام : خذيها واشترطي , الولاء لهم , لأن معنى : وأشرطي قد يحتمل أن يكون أراد به : وأظهري , لأن الإشراط في كلام العرب هو الإظهار , وأنشد قول أوس بن حجر : فأشرط فيها نفسه وهو معصم وألقى بأسباب له وتوكلا أي : أظهر نفسه , وكان منه بعد ذلك ما كان . فمثل ذلك مما قد يحتمل أن يكون صلى الله عليه وسلم أراد بقوله : وأشرطي أي : أشرطي لهم الولاء الذي يوجبه عتاقك أنه يكون على ما توجبه الشريعة فيه لمن يكون ذلك العتاق منه دون من سواه . وقد كان بعض الناس يذهب إلى معنى قوله : واشترطي لهم الولاء على ما في حديث ابن وهب عن مالك ، عن هشام إنما هو : واشترطي عليهم الولاء , فممن قال ذلك : عبد الملك بن هشام النحوي , كما حدثني محمد بن العباس قال : سألت عبد الملك بن هشام عن قول النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة في بريرة : واشترطي الولاء لهم ؟ قال : معناه : واشترطي الولاء عليهم , قال : فقلت له : فهل من دليل على ذلك ؟ قال : نعم , قول الله عز وجل : إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ([ الإسراء : 7 ] , بمعنى : فعليها . فذكرت ذلك لأحمد بن أبي عمران , فقال لي : قد كان محمد بن شجاع يحمل ذلك على معنى آخر , وهو الوعيد الذي ظاهره الأمر وباطنه النهي , ومنه قول الله عز وجل : وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ ([ الإسراء : 64 ] , وقوله عز وجل : اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ ([ فصلت : 40 ] ليس ذلك على إطلاقه ذلك لهم , ولكن على وعيده إياهم إن عملوا ذلك ما أوعد أمثالهم على خلافهم أمره , وقال : ألا تراه صلى الله عليه وسلم قد أتبع ذلك صعوده المنبر وخطبته على الناس بقوله لهم : ما بال رجال يشترطون شروطا ليست في كتاب الله تعالى - وكتاب الله تعالى أحكامه - كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل , وإن كان مئة شرط , ثم أتبع ذلك بقوله : فإنما الولاء لمن أعتق . قال أبو جعفر : وإذا كان مالك قد روى هذا الحديث عن هشام بن عروة كما ذكرناه عنه , وخالفه فيه عن هشام عمرو والليث , كان اثنان أولى بالحفظ من واحد . وقد روي حديث عائشة هذا من غير هذا الوجه , فممن رواه على خلاف ذلك عبد الله بن عمر , فبعضهم يجعله عن ابن عمر ، عن عائشة , وبعضهم يجعله عن ابن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قصة عائشة . 5121 - كما قد حدثنا يونس ، أنبأنا ابن وهب أن مالكا أخبره عن نافع ، عن ابن عمر أن عائشة رضي الله عنها أرادت أن تشتري بريرة فتعتقها , فقال أهلها : نبيعكها على أن الولاء لنا . فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم , فقال : لا يمنعك ذلك , فإنما الولاء لمن أعتق . 5122 - وكما حدثنا المزني , حدثنا الشافعي ، عن مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن عائشة , ثم ذكر هذا الحديث . فاختلف ابن وهب والشافعي على مالك في إسناد هذا الحديث على ما ذكرناه من اختلافهما عنه فيه ، فنظرنا ، هل نجده من رواية غير مالك عن نافع , فيقوى في قلوبنا على أنه كما رواه الذي يوافق ذلك من ابن وهب , ومن الشافعي عن مالك ؟ . 5123 - فوجدنا يزيد بن سنان قد حدثنا قال : حدثنا محمد بن كثير العبدي ، أنبأنا همام بن يحيى ، عن نافع ، عن ابن عمر أن عائشة رضي الله عنها ساومت ببريرة , فلما رجع النبي صلى الله عليه وسلم قالت : إنهم أبوا أن يبيعوني إلا أن يشترطوا الولاء , فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إنما الولاء لمن أعتق . فقوي في قلوبنا أن يكون حديث مالك كما رواه عنه ابن وهب , لا كما رواه الشافعي , وقد روى حديث عائشة هذا عنها الأسود بن يزيد , فرواه أربعة عن إبراهيم عنه , فاختلفوا عليه فيه منهم : الحكم بن عتيبة . 5124 - كما حدثنا إبراهيم بن مرزوق , حدثنا بشر بن عمر الزهراني ، حدثنا شعبة ، عن الحكم بن عتيبة ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة أنها أرادت أن تشتري بريرة فتعتقها , واشترط مواليها ولاءها , فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم , فقال : اشتري , فأعتقيها , فإنما الولاء لمن أعتق , وخيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم على زوجها , وأتي النبي صلى الله عليه وسلم بلحم , فقيل له : هذا لحم تصدق به على بريرة , فقال : هو لها صدقة , ولنا هدية . ومنهم : منصور بن المعتمر . 5125 - كما حدثنا الربيع المرادي ، حدثنا أسد بن موسى ، حدثنا أبو عوانة ، عن منصور ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة أنها اشترت بريرة لتعتقها , فاشترط أهلها ولاءها , فدخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم , فقالت : إني اشتريت , أو أردت أن أشتري بريرة لأعتقها , واشترط أهلها ولاءها , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أعتقيها , فإنما الولاء لمن أعطى الورق , أو قال : لمن ولي النعمة , فاشترتها فأعتقتها , فخيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم , فقالت : لو أعطيت كذا وكذا ما كنت معه - تعني زوجها - قال : وقال الأسود : كان زوجها حرا . 5126 - وكما حدثنا أبو أمية , حدثنا قبيصة ، حدثنا سفيان ، عن منصور ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : اشتريت جارية يقال لها : بريرة , واشترط مواليها أن الولاء لهم , فسألت النبي صلى الله عليه وسلم , فقال : اشتريها , فإنما الولاء لمن ولي النعمة , من أعطى الثمن . وقد ذكرنا فيما تقدم منا في هذه الأبواب هذا الحديث أيضا من حديث أبي المحياة عن منصور . ومنهم : الأعمش . 5127 - كما حدثنا عبد الملك بن مروان الرقي ، حدثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : وأراد أهلها - يعني بريرة - أن يبيعوها , ويشترطوا لهم الولاء , قالت عائشة : فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم , فقال : اشتريها وأعتقيها فإنما الولاء لمن أعتق . ومنهم : حماد بن أبي سليمان . 5128 - حدثنا أبو أمية ، حدثنا أحمد بن إسحاق الحضرمي , حدثنا حماد بن سلمة ، عن حماد ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة أنها اشترت بريرة فأعتقتها , واشترطت لأهلها أن الولاء لهم , فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم , فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إنما الولاء لمن أعتق , وقال لها : يا بريرة , اختاري , فالأمر إليك ؛ إن شئت عند زوجك , وإن شئت فارقتيه , فقالت : الأمر إلى الله , قال لها : اتق الله , فإنه أبو ولدك , فاختارت نفسها , وتصدق عليها بصدقة , فأهدتها للنبي صلى الله عليه وسلم , فقيل له : إنها صدقة تصدق بها عليها . قال : هي لها صدقة , ولنا هدية , قال إبراهيم : وكان زوجها حرا . فكان حديث الأسود هذا مختلفا في حديث الحكم أنها أرادت أن تشتري بريرة فتعتقها , واشترط مواليها ولاءها , وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لعائشة بعد ذلك : اشتريها فأعتقيها , فإنما الولاء لمن أعتق . وفي حديث منصور أنها اشترت بريرة لتعتقها , فاشترط أهلها ولاءها , فدخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم , فقالت : إني اشتريت أو أردت أن أشتري بريرة لأعتقها , واشترط أهلها ولاءها , وكان من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان بعد ذلك , وفي حديث الأعمش أن أهل بريرة أرادوا أن يبيعوها ويشترطوا الولاء , وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعائشة بعد ذلك : اشتريها وأعتقيها , فإنما الولاء لمن أعتق . وفي حديث حماد أنها اشترت بريرة وأعتقتها , واشترطت لأهلها الولاء , وأن الذي كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله : إن الولاء لمن أعتق كان بعد ذلك كله . وهذا اختلاف شديد , غير أنه لا شيء فيه من إطلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل بريرة ما كان منهم من اشتراط الولاء ولا إطلاقه لعائشة ذلك لهم . وممن رواه عنها أيضا : القاسم بن محمد . 5129 - كما حدثنا أبو أمية ، حدثنا محمد بن سابق , حدثنا زائدة ، عن سماك ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه ، عن عائشة أنها اشترت بريرة من ناس من الأنصار , واشترطوا الولاء , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الولاء لمن ولي النعمة , وخيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم , وكان زوجها عبدا , وأهدت إلى عائشة لحما , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لو صنعتم لنا من هذا اللحم شيئا , فقالت عائشة : تصدق به على بريرة , قال : هو عليها صدقة , وهو لنا هدية . ففي هذا الحديث تقدم شراء عائشة بريرة واشتراط أهلها ولاءها , وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : الولاء لمن ولي النعمة . ومنهم : عمرة بنت عبد الرحمن , فروته عن عائشة رضي الله عنها . 5130 - كما حدثنا يونس ، أنبأنا ابن وهب أن مالكا أخبره عن يحيى بن سعيد ، عن عمرة بنت عبد الرحمن أن بريرة جاءت تستعين عائشة أم المؤمنين , فقالت لها عائشة : إن أحب أهلك أن أصب لهم ثمنك صبة واحدة وأعتقك فعلت , فذكرت بريرة ذلك لأهلها , فقالوا : إلا أن يكون ولاؤك لنا , قال مالك : قال يحيى : فزعمت عمرة أن عائشة ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم , فقال : اشتريها فأعتقيها , فإنما الولاء لمن أعتق . ففي هذا الحديث أيضا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة بشراء بريرة لا يشترط في شرائها إياها في ولائها . ومنهم أيضا : أيمن أبو عبد الواحد بن أيمن . 5131 - كما حدثنا فهد ، حدثنا أبو نعيم ، حدثنا عبد الواحد بن أيمن ، حدثني أبي قال : دخلت على عائشة , فقالت : دخلت علي بريرة وهي مكاتبة , فقالت : اشتريني فأعتقيني , فقلت : نعم , فقالت : إن أهلي لا يبيعوني حتى يشترطوا ولائي , فقلت لها : لا حاجة لنا بذلك , فسمع بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم , أو بلغه , فذكر ذلك لعائشة , فذكرت عائشة ما قالت لها , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اشتريها فأعتقيها , ودعيهم فليشترطوا ما شاؤوا , فاشترتها عائشة فأعتقتها , واشترط أهلها الولاء , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الولاء لمن أعتق , وإن اشترطوا مئة شرط . فكان الذي في حديث أيمن هذا خلاف ما حكاه فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله : دعيهم فليشترطوا ما شاؤوا على الوعيد , وهو خلاف ما في أحاديث من سواه من رواة هذا الحديث الذين قد ذكرناهم في هذا الباب , وما رواه الجماعة في ذلك مما يخالف أيمن فيه أولى بعائشة مما رواه أيمن عنها فيه . وقد وجدنا هذا الحديث أيضا من حديث إسماعيل بن جعفر عن ربيعة ، عن القاسم بما معناه معنى الوعيد أيضا . 5132 - كما حدثنا يوسف بن يزيد ، حدثنا سعيد بن منصور ، أنبأنا إسماعيل بن جعفر ، عن ربيعة أنه سمع القاسم يقول : كان في بريرة ثلاث سنن ؛ أرادت عائشة أن تشتريها وتعتقها , فقال أهلها : ولنا الولاء , فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم , فقال : لو شئت شرطتيه لهم , فإنما الولاء لمن أعتق , ثم قام بعد الظهر أو قبلها , فقال : ما بال رجال يشترطون شروطا ليست في كتاب الله , من اشترط شرطا ليس في كتاب الله تعالى فهو باطل , الولاء لمن أعتق , وأعتقت بريرة , فخيرت أن تقيم تحت زوجها أو تفارقه , ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما بيت عائشة وعلى النار برمة تفور , فدعا بغداء فأتي بخبز , وأدم من أدم البيت , فقال : ألم أر في البيت لحما ؟ قالوا : بلى , ولكنه لحم تصدق به على بريرة , فأهدته لنا , قال : هو صدقة عليها , ولنا هدية . وكان قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لعائشة في هذا الحديث : اشترطيه لهم يعني الولاء الذي سألوه على الوعيد , لا على إطلاقه ذلك لها أن تشترطه لهم . وفي جملة ما ذكرنا سوى حديث مالك عن هشام بن عروة ليس فيه إطلاق من رسول الله صلى الله عليه وسلم لعائشة في شرائها بريرة اشتراط ولائها بعد إعتاقها إياها لأهلها . فبان بحمد الله تعالى انتفاء ما قد نفيناه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما روي عنه من إطلاقه لعائشة اشتراط ولاء بريرة في عتاقها إياها لأهلها مع ما احتمله حديث مالك ذلك ، عن هشام في التأويلين اللذين ذكرناهما فيه . ومما يدل أيضا على أن الأمر في ذلك على ما قد ذكرناه من انتفائه به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ابن عمر قد وقف على ما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم لعائشة , وعلى ما كان قد جرى أمر بريرة عليه في ذلك , ثم قال بعد النبي صلى الله عليه وسلم 5133 - ما قد حدثنا فهد ، حدثنا أبو غسان , حدثنا زهير بن معاوية ، عن عبيد الله بن عمر ، حدثني نافع ، عن ابن عمر قال : لا يحل فرج إلا فرج إن شاء صاحبه باعه , وإن شاء وهبه , لا شرط فيه . 5134 - وما قد حدثنا محمد بن النعمان السقطي ، حدثنا سعيد بن منصور ، حدثنا هشيم ، أنبأنا يونس بن عبيد ، عن نافع ، عن ابن عمر أنه كان يكره أن يشتري الرجل الأمة على أن لا يبيع ولا يهب . ففي حديثي ابن عمر هذين كراهة الشراء على الشرط المشروط فيه , وفي ذلك ما قد دل على أن أمر بريرة لم يجر على خلاف ذلك , وأن عقد البيع كان فيها بين عائشة وبين أهلها مما قال لها فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال لم يكن بإيجاب شرط لأهلها عليها في ابتياعها لها منهم من ولاء , ولا مما سواه . قال أبو جعفر : وقد ذكرنا في هذا الباب في حديث هشام بن عروة عن أبيه ، عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها : اشترطي الولاء لهم يعني أهلها , وذكرنا أنا لم نجد هذا المعنى في حديث هشام هذا إلا في حديث مالك إياه به عنه , ثم وجدنا بعد ذلك جرير بن عبد الحميد قد وافق مالكا على ذلك , فذكر هذا المعنى في حديث هشام بن عروة هذا , كما ذكره مالك في حديثه عنه . 5135 - كما حدثنا أحمد بن شعيب ، أنبأنا إسحاق بن إبراهيم ، عن جرير بن عبد الحميد ، عن هشام بن عروة عن أبيه , عن عائشة قالت : كاتبت بريرة على نفسها بتسع أواق ؛ في كل عام أوقية , ثم ذكر الحديث بمعنى ما ذكره مالك في حديثه عن هشام , وقال فيه : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ابتاعيها , واشترطي لهم الولاء , فإن الولاء لمن أعتق , ثم ذكر بعد ذلك بقية ما في حديث مالك عن هشام . قال أبو جعفر : والكلام بعد ذلك في رواية جرير عن هشام إياه كذلك , كالكلام الذي ذكرناه في رواية مالك إياه عن هشام فيما تقدم منا في هذا الباب , ووجدناه أيضا في رواية يزيد بن رومان عن عروة كذلك , إلا أنه لم يذكره عن عائشة , ولكنه ذكره عن بريرة . 5136 - كما حدثنا أحمد بن شعيب ، أنبأنا عمرو بن علي ، عن الثقفي , حدثنا عبيد الله بن عمر مذ ستين سنة ، عن يزيد بن رومان ، عن عروة ، عن بريرة أنها قالت : كان في ثلاث من السنة ؛ تصدق علي بلحم فأهديته لعائشة رضي الله عنها , فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم , فقال : ما هذا اللحم ؟ فقالت : لحم تصدق به على بريرة , فأهدته لنا , فقال : هو على بريرة صدقة , وهو لنا هدية , وكاتبت على تسع أواق , فقالت عائشة : إن شاء مواليك عددت ثمنك عدة واحدة , فقالت : إنهم يقولون : إلا أن تشترطي لهم الولاء , فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم , فقال : اشتريها , واشترطي لهم , فإنما الولاء لمن أعتق , قالت : وأعتقتني , فكان لي الخيار . قال أبو جعفر : فالكلام في هذا كالكلام فيما ذكرنا في حديث هشام في ذلك المعنى في هذا الباب . وبالله التوفيق .
145 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنَهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي النَّهْيِ عَنْ اتِّخَاذِ الْغُرَفِ وَمَا رُوِيَ عَنْهُ فِي إبَاحَةِ ذَلِكَ . 1083 - حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ ، حدثنا أَسَدُ بْنُ مُوسَى ، حدثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ شُعَيْبِ بْنِ الْحَبْحَابِ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ ( عَنْ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَنَّهُ بَنَى غُرْفَةً ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ : أَلْقِهَا ، فَقَالَ : أَنَا أُنْفِقُ مِثْلَ ثَمَنِهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، فَرَدَّ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، وَرَدَّ الْعَبَّاسُ عَلَى النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ لَهُ : أَلْقِهَا ، وَيَقُولُ الْعَبَّاسُ : أُنْفِقُ مِثْلَ ثَمَنِهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) . فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَبَّاسَ بِإِلْقَاءِ الْغُرْفَةِ الَّتِي ابْتَنَاهَا فَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْهُ كَرَاهِيَةً مِنْهُ لِاِتِّخَاذِ الْغُرَفِ الَّتِي يُسْتَعْلَى مِنْهَا عَلَى مَنَازِلِ النَّاسِ لِقِصَرِ مَنَازِلِهِمْ ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِكَرَاهَةِ الْبُنْيَانِ الَّذِي لَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ عُلْوًا كَانَ أَوْ سُفْلًا . فَتَأَمَّلْنَا مَا قَدْ رُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي هَذَا الْمَعْنَى . 1084 - فَوَجَدْنَا فَهْدًا قَدْ حدثنا قَالَ : حدثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ ، حدثنا زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، حدثنا عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ ، حَدَّثنِي إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَاطِبٍ الْقُرَشِيُّ ، عَنْ أَبِي طَلْحَةَ الْأَسَدِيِّ . عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ خَرَجَ ، فَرَأَى قُبَّةً مُشْرِفَةً فَقَالَ : مَا هَذِهِ ؟ فَقَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ : هَذِهِ لِرَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ فَسَكَتَ ، وَحَمَلَهَا فِي نَفْسِهِ حَتَّى إذَا جَاءَ صَاحِبُهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النَّاسِ أَعْرَضَ عَنْهُ ، صَنَعَ ذَلِكَ بِهِ مِرَارًا حَتَّى عَرَفَ الْغَضَبَ وَالْإِعْرَاضَ عَنْهُ شَكَا ذَلِكَ إلَى أَصْحَابِهِ ، فَقَالَ : وَاَللَّهِ إنِّي لَأُنْكِرُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا أَدْرِي مَا حَدَثَ لِي وَمَا صَنَعْتُ ؟ قَالُوا : خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَأَى قُبَّتَك ، فَسَأَلَ : لِمَنْ هِيَ ؟ فَأَخْبَرْنَاهُ ، فَرَجَعَ الرَّجُلُ إلَى قُبَّتِهِ فَهَدَمَهَا حَتَّى سَوَّاهَا بِالْأَرْضِ ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ فَلَمْ يَرَهَا ، فَقَالَ : مَا فَعَلَتْ الْقُبَّةُ الَّتِي كَانَتْ هَاهُنَا ، قَالُوا : شَكَا إلَيْنَا صَاحِبُك إعْرَاضَك عَنْهُ ، فَأَخْبَرْنَاهُ فَهَدَمَهَا ، فَقَالَ : أَمَا إنَّ كُلَّ بِنَاءٍ وَبَالٌ عَلَى صَاحِبِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إلَّا مَالَا إلَّا مَالَا ) . فَدَلَّ مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الْكَرَاهَةَ الْمَرْوِيَّةَ فِيهِ إنَّمَا هِيَ فِي نَفْسِ الْبُنْيَانِ لَا لِلْمَعْنَيَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْنَا احْتِمَالَ الْحَدِيثَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ لَهُمَا وَكَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : ( إلَّا مَالَا إلَّا مَالَا ) فَدَلَّ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِمَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ الثَّانِي كُلَّ الْبِنَاءِ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ خَاصًّا مِنْهُ . فَتَأَمَّلْنَا مَا رُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ سِوَى ذَلِكَ فِي هَذَا الْمَعْنَى 1085 - فَوَجَدْنَا يُونُسَ قَدْ حدثنا قَالَ : حدثنا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَني يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ ، عَنْ زَبَّانَ بْنِ فَائِدٍ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذٍ الْجُهَنِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : ( مَنْ بَنَى بُنْيَانًا فِي غَيْرِ ظُلْمٍ وَلَا اعْتِدَاءٍ أَوْ غَرَسَ غَرْسًا فِي غَيْرِ ظُلْمٍ وَلَا اعْتِدَاءٍ كَانَ أَجْرُهُ جَارِيًا مَا انْتَفَعَ بِهِ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ الرَّحْمَنِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ) . فَدَلَّ مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى إبَاحَةِ ابْتِنَاءِ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ الرَّحْمَنِ فِي غَيْرِ ظُلْمٍ وَلَا اعْتِدَاءٍ وَكَانَ هُوَ الْمُسْتَثْنَى مِمَّا فِي الْحَدِيثِ الثَّانِي ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَتَأَمَّلْنَا مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي اتِّخَاذِ الْغُرَفِ مَعَ الْبِنَاءِ الْحَامِلِ لَهَا 1086 - فَوَجَدْنَا بَكَّارَ بْنَ قُتَيْبَةَ وَيَزِيدَ بْنَ سِنَانٍ قَدْ حَدَّثانَا قَالَا : حدثنا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ بْنِ الْقَاسِمِ الْيَمَامِيُّ ، حدثنا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ الْعِجْلِيّ ، عَنْ أَبِي زُمَيْلٍ قَالَ : حَدَّثنِي ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ : حَدَّثنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَالَ : ( لَمَّا اعْتَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِسَاءَهُ دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَإِذَا النَّاسُ يَنْكُتُونَ بِالْحَصَى وَيَقُولُونَ : طَلَّقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِسَاءَهُ فَأَتَيْتُ حَفْصَةَ فَقُلْت لَهَا : أَيْنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَتْ : هُوَ فِي خِزَانَتِهِ فِي الْمَشْرُبَةِ ، فَدَخَلْتُ فَإِذَا أَنَا بِرَبَاحٍ غُلَامِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَاعِدًا عَلَى أُسْكُفَّةِ الْمَشْرُبَةِ مُدَلٍّ رِجْلَيْهِ عَلَى نَقِيرٍ مِنْ خَشَبٍ وَهُوَ جِذْعٌ يَرْقَى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَنْحَدِرُ عَلَيْهِ ، فَنَادَيْتُ يَا رَبَاحُ يَا رَبَاحُ اسْتَأْذِنْ لِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَنَظَرَ رَبَاحٌ إلَى الْغُرْفَةِ ثُمَّ نَظَرَ إلَيَّ فَلَمْ يَقُلْ لِي شَيْئًا ، فَقُلْت : يَا رَبَاحُ اسْتَأْذِنْ لِي عَنْدَك عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا ، فَرَفَعْتُ صَوْتِي فَقُلْت : يَا رَبَاحُ اسْتَأْذِنْ لِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنِّي أَظُنُّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ظَنَّ أَنِّي جِئْتُ مِنْ أَجْلِ حَفْصَةَ ، وَاَللَّهِ لَئِنْ أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِضَرْبِ عُنُقِهَا لَأَضْرِبَنَّ عُنُقَهَا ، وَرَفَعْتُ صَوْتِي ، فَأَوْمَأَ إلَيَّ بِيَدِهِ أَنْ ادْفَعْهُ ، فَدَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُضْطَجِعٌ عَلَى حَصِيرٍ فَذَكَرَ قِصَّةَ الظِّهَارِ ، قَالَ : ثُمَّ نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَزَلْت أَتَشَبَّثُ بِالْجِذْعِ وَنَزَلَ كَأَنَّمَا يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ ) . 1087 - وَوَجَدْنَا مُحَمَّدَ بْنَ إسْمَاعِيلَ بْنِ سَالِمٍ الصَّائِغَ وَفَهْدًا قَدْ حَدَّثانَا قَالَا : حدثنا مُسْلِمُ بْنُ إبْرَاهِيمَ الْأَزْدِيُّ ، حدثنا شُعْبَةُ ، عَنْ الْفُرَاتِ الْقَزَّازِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ ، عَنْ أَبِي سَرِيحَةَ قَالَ : ( أَشْرَفَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غُرْفَةٍ فَقَالَ : مَا تَذْكُرُونَ وَمَا تَقُولُونَ ، قَالَ : قُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ السَّاعَةُ ، قَالَ : إنَّهَا لَنْ تَقُومَ حَتَّى تَرَوْا عَشْرَ آيَاتٍ : خَسْفٌ بِالْمَشْرِقِ وَخَسْفٌ بِالْمَغْرِبِ وَخَسْفٌ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَيَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَالدَّابَّةُ وَالدُّخَانُ وَالدَّجَّالُ وَنُزُولُ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَطُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا وَنَارٌ تَخْرُجُ مِنْ قَعْرِ عَدَنَ تَقِيلُ مَعَهُمْ إذَا قَالُوا وَتَرُوحُ مَعَهُمْ إذَا رَاحُوا ) . 1088 - وَوَجَدْنَا الْحَسَنَ بْنَ نَصْرٍ قَدْ حدثنا قَالَ : حدثنا الْفِرْيَابِيُّ ، حدثنا سُفْيَانُ ، عَنْ فُرَاتِ الْقَزَّازِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ قَالَ : ( أَشْرَفَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ : لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَرَوْا عَشْرَ آيَاتٍ ) ثُمَّ حَكَى الْآيَاتِ الَّتِي فِي الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ فِيهِ تَقِيلُ مَعَهُمْ إذَا قَالُوا إلَى آخِرِ الْحَدِيثِ . 1089 - وَوَجَدْنَا أَبَا أُمَيَّةَ قَدْ حدثنا قَالَ : حدثنا عُبَيْدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْعَطَّارُ الْكُوفِيُّ ، حدثنا زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، عَنْ فُرَاتِ الْقَزَّازِ ، حَدَّثنِي أَبُو الطُّفَيْلِ عَامِرُ بْنُ وَاثِلَةَ ( عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ أَبِي سَرِيحَةَ ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ ، قَالَ : كُنَّا فِي ظِلِّ حَائِطٍ فِي مَشْرُبَةٍ لِعَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ وَنَحْنُ نَذْكُرُ السَّاعَةَ ) ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ سَوَاءً ، وَقَالَ فِيهِ : تَسُوقُ النَّاسَ تَرُوحُهُمْ فَإِذَا اسْتَرَاحُوا سَاقَتْهُمْ إلَى أَرْضٍ بَيْضَاءَ لَمْ يُعْمَلْ عَلَيْهَا خَطِيئَةٌ . 1090 - وَوَجَدْنَا الْحَسَنَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَنْصُورٍ الْبَالِسِيَّ قَدْ حدثنا قَالَ : حدثنا الْهَيْثَمُ بْنُ جَمِيلٍ قَالَ : حدثنا شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ فُرَاتٍ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ ، عَنْ حُذَيْفَةَ ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ : ( حَتَّى يَكُونَ عَشْرُ آيَاتٍ أَوَّلُهَا طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا ) ثُمَّ ذَكَرَ بَقِيَّةَ الْآيَاتِ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ : ( وَنَارٌ تَخْرُجُ مِنْ الْيَمَنِ مِنْ قَعْرِ عَدَنَ تَسُوقُ إلَى الْمَحْشَرِ ) وَلَمْ يَذْكُرْ مِنْهُ مَا بَعْدَ ذَلِكَ . قَالَ أَبُو جَعْفَرَ : وَالْمَشْرُبَةُ هِيَ الْغُرْفَةُ ، فَدَلَّ مَا ذَكَرْنَا أَنْ لَا تَضَادَّ فِي شَيْءٍ مِن مَّا رَوَيْنَاهُ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ أَحَادِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّتِي رَوَيْنَاهَا عَنْهُ فِيهِ ، وَأَنَّ اتِّخَاذِ الْغُرَفِ وَمَا سِوَاهَا مِنْ الْأَسَافِلِ فِي غَيْرِ ظُلْمٍ وَلَا اعْتِدَاءٍ مِنْ مَا يُنْتَفَعُ بِهِ مُبَاحٌ غَيْرُ مَحْظُورٍ ، وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
825- باب بيان مشكل ما يروى عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس مما يرفعه بعضهم عن علي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - في المراد بقول الله - عز وجل - : وتجعلون شكركم مكان ما نقرأه نحن رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ . 6141 - حدثنا يزيد بن سنان ، قال : حدثنا محمد بن كثير العبدي ، قال : حدثنا إسرائيل بن يونس وحدثنا فهد ، قال : حدثنا أبو غسان ، قال : حدثنا إسرائيل ، ثم اجتمعا ، فقالا : عن عبد الأعلى ، عن أبي عبد الرحمن ، عن علي - عليه السلام - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في قوله - عز وجل - : وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ، قال : شكركم ، تقولون : مطرنا بنوء كذا وكذا ، ونجم كذا وكذا . 6142 - وحدثنا ابن أبي مريم ، قال : حدثنا الفريابي ، قال : حدثنا سفيان ، عن عبد الأعلى ، عن أبي عبد الرحمن السلمي ، عن علي - عليه السلام - مثله ، ولم يرفعه . 6143 - وحدثنا أبو أمية ، قال : حدثنا سريج بن النعمان الجوهري ، قال : حدثنا هشيم - وحدثنا إبراهيم بن مرزوق ، قال : حدثنا عفان بن مسلم ، قال : حدثنا هشيم ، ثم اجتمعا ، فقال : كل واحد منهما ، عن أبي بشر جعفر بن إياس ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : أنه كان يقرأ وتجعلون شكركم أنكم تكذبون .قال : نزلت بالأنواء ، كانوا إذا مطروا من الليل ، فإذا أصبحوا ، قالوا : مطرنا بنوء كذا وكذا ، وكان قولهم ذلك كفرا ، فأنزل الله - عز وجل - : وتجعلون شكركم على ما أنزلت عليكم من الرزق والغيث أنكم تكذبون ، تقولون : مطرنا بنوء كذا وكذا . وقد روي عن عبد الله بن عباس أيضا أنه قرأ مكان : وتجعلون شكركم وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ 6144 - كما قد حدثنا يونس ، قال : حدثنا سفيان بن عيينة ، عن عمرو ، عن ابن عباس في قوله - عز وجل – وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ قال : هو الاستسقاء بالأنواء . فتأملنا ما في هذه الآثار ، فوجدنا في بعضها : وتجعلون شكركم ، مكان ما يقرأ : وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ فكان ذلك مفتوح المعنى ، وكان ذلك كما تقول العرب : زرتك لتكرمني ، فجعلت زيارتي أنك استخففت بي ، فيكون المعنى : جعلت ثواب زيارتي الاستخفاف بي ، فمثل ذلك جعلتم الشكر لما كان مني إليكم التكذيب ، كذلك قال الفراء . ووجدنا في بعضها ما يقرؤونه وهو وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ فكان معنى ذلك يرجع إلى المعنى الآخر ، من العرب من يسمي الشكر الرزق ، منهم أزد شنوءة ، ذكر ذلك قطرب والفراء جميعا ، فرجع معنى ذلك إلى معنى ما قد ذكرناه في المراد بقوله : وتجعلون شكركم . وقد روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما كانوا يقولونه عند المطر كانوا يعانون به ، ويجب عليهم الشكر عنده 6145 - ما قد حدثنا يونس ، قال : أخبرنا سفيان ، عن عمرو بن دينار ، عن عتاب بن حنين ، عن أبي سعيد الخدري : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : لو حبس الله القطر عن الناس تسع سنين ، ثم أرسله لأصبح قوم كافرين يقولون : مطرنا بنوء المجدح . 6146 - وما قد حدثنا يونس ، قال : أخبرنا سفيان ، عن محمد بن إسحاق ، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : إن الله ليصبح القوم بالنعمة أو يمسيهم بها ، ثم يصبح قوم بها كافرين ، يقولون : بنوء كذا وكذا . قال محمد : فذكرت هذا الحديث لسعيد بن المسيب ، فقال : ونحن قد سمعنا هذا من أبي هريرة . قال أبو جعفر : فهذا الذي كانوا يقولونه ، فيصبحون بقولهم إياه كافرين ، أي : كافرين لنعمة الله عليهم ، لا كافرين بما سوى ذلك ، وهذا مثل ما يروى عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مما قد ذكرناه فيما تقدم منا في كتابنا هذا من قوله : واطلعت في النار ، فرأيت أكثر أهلها النساء فقيل لم يا رسول الله ؟ فقال : بكفرهن ، فقيل : يكفرن بالله ؟ فقال : لا ، يكفرن الإحسان ، ويكفرن العشير ، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ، ثم رأت منك شيئا ، قالت : ما رأيت منك خيرا قط والله نسأله التوفيق .
146 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْل الله عَزَّ وَجَلَّ : ( يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ ) . 1091 - حدثنا فَهْدٌ ، حدثنا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ ، حدثنا أَبِي ، عَنْ الْأَعْمَشِ قَالَ : حدثنا مُسْلِمٌ وَهُوَ أَبُو الضُّحَى ( عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ : حَدَّثنِي رَجُلٌ فِي الْمَسْجِدِ فَذَكَرَ ( يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ فَقَالَ : إذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أَصَابَ النَّاسَ دُخَانٌ يَأْخُذُ بِأَسْمَاعِ الْمُنَافِقِينَ وَأَبْصَارِهِمْ وَيَأْخُذُ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ كَهَيْئَةِ الزُّكَامِ ، فَدَخَلْت عَلَى عَبْدِ اللَّهِ فَذَكَرْت ذَلِكَ لَهُ وَهُوَ مُتَّكِئٌ فَجَلَسَ غَضْبَانًا ثُمَّ قَالَ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ عَلِمَ مِنْكُمْ شَيْئًا فَلْيَقُلْ بِهِ وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلْيَقُلْ اللَّهُ أَعْلَمُ ، فَإِنَّ مِنْ الْعِلْمِ إذَا سُئِلَ الرَّجُلُ عَن مَّا لَا يَعْلَمُ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَعْلَمُ ، وَقَدْ قَالَ عَزَّ وَجَلَّ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ وَسَأُحَدِّثُكُمْ عَنْ ذَلِكَ : إنَّ قُرَيْشًا اسْتَعْصَتْ وَنَفَرَتْ فَدَعَا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقِيلَ لَهُ ارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ ، فَأَخَذَتْهُمْ سَنَةٌ عَضَّتْ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى أَكَلُوا الْمَيْتَةَ وَالْعِظَامَ وَحَتَّى كَانَ الرَّجُلُ يَرَى مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّمَاءِ كَهَيْئَةِ الدُّخَانِ مِنْ الْجَهْدِ فَقَالُوا : رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ ثُمَّ قَرَأَ إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ فَكُشِفَ عَنْهُمْ فَعَادُوا فِي كُفْرِهِمْ يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ فَعَادُوا فِي كُفْرِهِمْ فَأَخَذَهُمْ اللَّهُ فِي يَوْمِ بَدْرٍ وَلَوْ كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ لَمْ يُكْشَفْ عَنْهُمْ ) . 1092 - حدثنا أَحْمَدُ بْنُ دَاوُد بْنِ مُوسَى ، حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ الْعَبْدِيُّ ، حدثنا سُفْيَانُ ، حدثنا الْأَعْمَشُ وَمَنْصُورٌ ، عَنْ أَبِي الضُّحَى ، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ يُحَدِّثُ فِي كِنْدَةَ ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ فِيهِ : ( فَدَخَلَ عَلَيْهِمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَيْهِمْ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ ) . فَكَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الدُّخَانَ الْمَذْكُورَ فِي الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ فِيهِ وَفِي الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ مِنْ الْآيَاتِ الَّتِي قَدْ مَضَتْ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ مِنْ قَوْلِهِ فِي غَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ : 1093 - كَمَا حدثنا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ ، حدثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدِ الْقَطَّانُ ، حدثنا فِطْرُ بْنُ خَلِيفَةَ ، حَدَّثنِي مُسْلِمُ بْنُ صُبَيْحٍ قَالَ : سَمِعْت مَسْرُوقًا يَقُولُ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ : خَمْسٌ قَدْ مَضَيْنَ : الدُّخَانُ وَالْقَمَرُ وَالرُّومُ وَالْبَطْشَةُ الْكُبْرَى وَاللِّزَامُ . 1094 - وَكَمَا حدثنا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ ، حدثنا الْفِرْيَابِيُّ ، حدثنا فِطْرُ بْنُ خَلِيفَةَ ثُمَّ ذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ . 1095 - وَكَمَا حدثنا فَهْدٌ ، حدثنا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ ، حدثنا أَبِي ، حدثنا الْأَعْمَشُ ، حدثنا مُسْلِمٌ ، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ ، وَزَادَ : ( فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا ) . فَقَالَ قَائِلٌ : فَكَيْفَ تَقْبَلُونَ هَذَا وَقَدْ رَوَيْتُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا قَدْ ذَكَرْتُمُوهُ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا الْبَابِ فِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ مِمَّا يُوجِبُ أَنَّ الدُّخَانَ لَمْ يَكُنْ بَعْدُ وَأَنَّهُ كَائِنٌ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ . وَمَا قَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِن مَّا يُحَقِّقُ ذَلِكَ . 1096 - حدثنا الْحَسَنُ بْنُ غُلَيْبٍ ، حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَعْرُوفُ بِالْبَيْطَرِيِّ ، حدثنا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ ، حدثنا الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سِتًّا طُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا أَوْ الدُّخَانَ أَوْ الدَّجَّالَ أَوْ الدَّابَّةَ أَوْ الْقِيَامَةَ ) وَلَمْ يَذْكُرْ لَنَا فِي الْحَدِيثِ غَيْرَ هَذَا . فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ وَعَوْنِهِ أَنَّ الدُّخَانَ الْمَذْكُورَ فِي أَحَادِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ غَيْرُ الدُّخَانِ الْمَذْكُورِ فِي حَدِيثَيْ حُذَيْفَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ قَالَ فِي كِتَابِهِ فِي سُورَةِ الدُّخَانِ : بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ ثُمَّ أَتْبَعَ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ أَيْ : عُقُوبَةٍ لَهُمْ لِمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ الشَّكِّ وَاللَّعِبِ ، وَمُحَالٌ أَنْ تَكُونَ هَاتَانِ الْعُقُوبَتَانِ لِغَيْرِهِمْ ، أَوْ يُؤْتَى بِهِمَا بَعْدَ خُرُوجِهِمْ مِنْ الدُّنْيَا وَسَلَامَتِهِمْ مِنْ ذَلِكَ الدُّخَانِ . فَقَالَ هَذَا الْقَائِلُ : قَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي هَذِهِ السُّورَةِ : فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ فِي حَدِيثِهِ لَيْسَ هُوَ دُخَانًا حَقِيقِيًّا ، وَإِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ كَانَتْ قُرَيْشٌ تَتَوَهَّمُهُ أَنَّهُ دُخَانٌ وَلَيْسَ بِدُخَانٍ ، وَفِيهَا أَنَّ إتْيَانَهُ يَكُونُ مِنْ السَّمَاءِ وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا الَّذِي فِيهِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَرَوْنَ مِنْ الْجُوعِ الَّذِي حَلَّ بِهِمْ وَأَصَابَهُمْ فِي الْأَرْضِ أَنَّ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ السَّمَاءِ دُخَانًا . فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ وَعَوْنِهِ أَنَّ الْمَذْكُورَ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ سُمِّيَ دُخَانًا عَلَى الْمَجَازِ ، لِتَوَهُّمِ قُرَيْشٍ أَنَّهُ دُخَانٌ فِي الْحَقِيقَةِ مِنْ الْجَهْدِ الَّذِي بِهَا ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْحَقِيقَةِ كَذَلِكَ ، كَمِثْلِ مَا رُوِيَ ( عَنْ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قِصَّةِ الدَّجَّالِ : أَنَّهُ يَأْمُرُ السَّمَاءَ فَتُمْطِرُ وَيَأْمُرُ الْأَرْضَ فَتُنْبِتُ ) فِي حَدِيثِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ مُطْلَقًا هَكَذَا ، وَفِي حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ( عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَذَلِكَ ، وَفِيهِ : وَمَعَهُ نَهْرَانِ أَنَا أَعْلَمُ بِهِمَا مِنْهُ ) ، وَفِيهِ : ( وَيَأْمُرُ السَّمَاءَ فَتُمْطِرُ فِيمَا يَرَى النَّاسُ ) . فَدَلَّ ذَلِكَ أَنَّ الْمَذْكُورَ فِي حَدِيثِ النَّوَّاسِ إنَّمَا هُوَ مِنْ سِحْرِ الدَّجَّالِ لَا مِنْ حَقِيقَةٍ لَهُ . وَسَنَذْكُرُ هَذَا فِي مَا بَعْدُ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا فِي مَا رُوِيَ فِي الدَّجَّالِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنْ شَاءَ اللَّهُ ، فَيَحْتَمِلُ ذَلِكَ مَا كَانَتْ قُرَيْشٌ تَرَاهُ مِمَّا تَرَاهُ دُخَانًا جَازَ أَنْ يُقَالَ : إنَّهُ دُخَانٌ عَلَى الْمَجَازِ وَإِنْ كَانَ فِي الْحَقِيقَةِ بِخِلَافِ ذَلِكَ . وَأَمَّا قَوْلُ اللَّهِ جل وعَزَّ : يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ فَهُوَ مَا رُوِيَ فِيهِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ مِن مَّا قَدْ ذُكِرَ فِي أَحَادِيثِهِ الَّتِي رَوَيْنَاهَا عَنْهُ ، وَوُجِّهَ بِأَنَّ من الْإِضَافَةَ إلَى السَّمَاءِ إنَّمَا كَانَتْ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ؛ لِأَنَّ الْأَشْيَاءَ الَّتِي تَحِلُّ بِالنَّاسِ مِنْ رَبِّهِمْ عَزَّ وَجَلَّ تُضَافُ إلَى السَّمَاءِ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ َتَعَالَى : يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ فَأَخْبَرَ جل وعَزَّ أَنَّ الْأُمُورَ الَّتِي تَكُونُ فِي الْأَرْضِ مُدَبَّرَةٌ مِنْ السَّمَاءِ إلَيْهَا ، فَمِثْلُ ذَلِكَ مَا كَانَ مِنْ تَدْبِيرِهِ جل وعَزَّ فِي السَّبَبِ الَّذِي عَاقَبَ بِهِ قُرَيْشًا لِكُفْرِهَا وَعُتُوِّهَا عَاقَبَهَا بِهِ حَتَّى رَأَتْ مِنْ تِلْكَ الْعُقُوبَةِ دُخَانًا ، وَلَيْسَ فِي الْحَقِيقَةِ كَذَلِكَ ، فَأَمَّا مَا فِي حَدِيثَيْ حُذَيْفَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ ذِكْرِ الدُّخَانِ فَهُوَ عَلَى دُخَانٍ حَقِيقِيٍّ مِن مَّا يَكُونُ بِقُرْبِ الْقِيَامَةِ ، وَنَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى خَيْرَ عَوَاقِبِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، وإياه نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
679 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله فيما تصدق به على بريرة فأهدته إلى عائشة : هو عليها صدقة , ولنا هدية . 5114 - حدثنا يونس ، أنبأنا ابن وهب قال : وأخبرني مالك ، عن ربيعة ، عن القاسم بن محمد ، عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم رضي الله عنها أنها قالت : كان في بريرة ثلاث سنن , فكانت إحدى السنن الثلاث أنها أعتقت , فخيرت في زوجها , وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الولاء لمن أعتق , ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم والبرمة تفور بلحم , فقرب إليه خبز وأدم من أدم البيت , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألم أر برمة فيها لحم ؟ قالوا : بلى يا رسول الله ، ولكن ذلك لحم تصدق به على بريرة , وأنت لا تأكل الصدقة , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هو عليها صدقة , وهو لنا منها هدية . 5115 - وحدثنا محمد بن أحمد الجواربي , حدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري ، حدثنا أبي ، حدثنا شعبة ، عن قتادة , سمع أنس بن مالك رضي الله عنه يقول : أهدت بريرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم لحما تصدق به عليها , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هو لنا هدية , وعليها صدقة . قال أبو جعفر : وفي هذا الباب أحاديث سوى هذه , قد أتينا ببعضها فيما تقدم منا في هذه الأبواب , ومما سنأتي بها في بقية هذه الأبواب . وهذا عندنا - والله أعلم - لأن تلك الصدقة خرجت من ملك من تصدق بها على بريرة إلى ملك بريرة إياها , وخرجت بعد ذلك من ملكها إياها إلى ملك من أهدتها إليه ممن تحرم عليه الصدقة إما لنسبه , وإما لما سوى ذلك من يساره , وكانت له حلالا ؛ إذ كان إنما ملكها بالهدية لا بالصدقة . وقد استدل قوم بهذا على إباحة الهاشمي العمل على الصدقة والاجتعال منها , وإن كانت الصدقة عليه حراما ؛ لأنه يأخذ ما يأخذ بعمله عليها لا بصدقة أهلها به عليه , وممن قال ذلك منهم : أبو يوسف , وكره ذلك آخرون ؛ لأن الصدقة إنما تخرج من ملك ربها إلى مستحقيها , وفيهم العاملون عليها , فإذا كانت لا تحل لهم لم يحل لهم أن يأخذوها جعلا على عملهم عليها , لأنهم يأخذون ما هو حرام عليهم . فقال قائل : فقد رأينا الغني جائزا له أن يعمل عليها , وأن يأخذ عمالته منها , ولم تحرم عليه بخروجها من ملك المتصدق بها إلى ملكه , قال : فمثل ذلك ذو النسب الذي تحرم عليه الصدقة بنسبه في عمله على الصدقة , وفي أخذه ما يأخذه منها بعمالته عليها , كذلك أيضا لا تحرم عليه وإن كان إنما يخرج من ملك المتصدق بها إلى ملكه . فكان جوابنا له في ذلك أنا لو خلينا والقياس لكان هو ما قد ذكر , ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان منه في ذلك ما قد دل على خلاف هذا المعنى . 5116 - كما قد حدثنا أبو أمية , حدثنا قبيصة بن عقبة ، حدثنا سفيان الثوري ، عن موسى بن أبي عائشة ، عن عبد الله بن أبي رزين ، عن أبيه ، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : قلت للعباس : سل النبي صلى الله عليه وسلم أن يستعملك على الصدقات , فسأله , فقال : ما كنت لأستعملك على غسالة ذنوب الناس . فعقلنا بذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما كره للعباس استعماله على الصدقة لرفعته إياه أن يكون عاملا على غسالة ذنوب الناس , لا لما سوى ذلك من حلها له لو عمل عليها . ومثل ذلك ما قد روي عنه في أبي رافع للولاء الذي له في بني هاشم . 5117 - كما قد حدثنا بكار بن قتيبة وإبراهيم بن مرزوق قالا : حدثنا وهب بن جرير ، حدثنا شعبة ، عن الحكم ، عن ابن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث رجلا من بني مخزوم على الصدقة فقال لأبي رافع : اصحبني كيما تصيب منها , فقال : حتى آتي النبي صلى الله عليه وسلم فأسأله , فأتاه فسأله , فقال : إن آل محمد لا تحل لهم الصدقة , وإن مولى القوم من أنفسهم . 5118 - وكما حدثنا الربيع المرادي ، حدثنا أسد بن موسى , حدثنا ورقاء بن عمر ، عن عطاء بن السائب قال : دخلت على أم كلثوم ابنة علي , فقالت : إن مولى لنا يقال له : هرمز أو كيسان ، أخبرني أنه مر على رسول الله صلى الله عليه وسلم , قال : فدعاني فجئت , فقال : يا فلان , إنا أهل بيت لا نأكل الصدقة , وإن مولى القوم من أنفسهم , فلا تأكل الصدقة . 5119 - وكما حدثنا يحيى بن عثمان , حدثنا نعيم ، حدثنا ابن المبارك ، أنبأنا سفيان ، عن عطاء بن السائب ، عن أم كلثوم ، عن مولى للنبي صلى الله عليه وسلم يقال له : ميمون أو مهران أنه قال : يا ميمون - أو مهران - إنا أهل بيت نهينا عن الصدقة , وإن موالينا من أنفسنا , فلا تأكل الصدقة . وقد عقلنا في حديث أبي رافع الذي قد رويناه في هذا الباب أنه لم يرد به في اتباع المخزومي الوالي على الصدقة أن يصيب منها إلا ما يكون عمالة , له لا لما سوى ذلك منها , فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك ما قال له فيه , وكان ذلك عندنا - والله أعلم - كما قال مثله للعباس لما سأله أن يستعمله على الصدقة التي هي غسالة ذنوب الناس , لا على أنهم لو عملوا عليها لم يحرم عليهم ما يأخذونه منها بعمالتهم عليها , كما لا يحرم ذلك على الغني إذا عمل عليها بالغنى الذي يحرم به عليه مثلها , فهذا وجه هذه الآثار , والله أعلم بمراد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها , والله نسأله التوفيق .
147 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ اسْتِغْفَارِهِ فِي صَلَاتِهِ عَلَى الْمَيِّتِ الصَّغِيرِ . 1097 - حدثنا ابْنُ مَرْزُوقٍ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُد قَالَا : حدثنا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ ، حدثنا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ ( شَهِدَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى عَلَى الْمَيِّتِ قَالَ : سَمِعْته يَقُولُ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا وَشَاهِدِنَا وَغَائِبِنَا وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا وَذَكَرِنَا وَأُنْثَانَا ) . قَالَ يَحْيَى : وَحَدَّثنِي أَبُو سَلَمَةَ بِهَؤُلَاءِ وَزَادَ فِيهِ : ( مَنْ أَحْيَيْته مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الْإِيمَانِ ، وَمَنْ تَوَفَّيْته مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَى الْإِسْلَامِ ) . 1098 - حدثنا سُلَيْمَانُ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ نَاصِحٍ ، حدثنا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى ثُمَّ ذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ . 1099 - حدثنا ابْنُ خُزَيْمَةَ ، حدثنا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ ، حدثنا هَمَّامٌ ثُمَّ ذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ . 1100 - حدثنا يُونُسُ ، حدثنا بِشْرُ بْنُ بَكْرٍ ، حدثنا الْأَوْزَاعِيِّ . وَحَدَّثنِي سُلَيْمَانُ بْنُ شُعَيْبٍ ، حدثنا بِشْرُ بْنُ بَكْرٍ ، حدثنا الْأَوْزَاعِيُّ ، ثُمَّ اجْتَمَعَا فَقَالَا : قَالَ : حَدَّثنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ ، حَدَّثنِي أَبُو إبْرَاهِيمَ الْأَنْصَارِيُّ رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ ، حَدَّثنِي أَبِي أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ . 1101 - وَحدثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، حدثنا إسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ ، حدثنا يَزِيدُ وَهُوَ ابْنُ زُرَيْعٍ ، حدثنا هِشَامٌ وَهُوَ ابْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ أَبِي إبْرَاهِيمَ الْأَنْصَارِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَقُولُ فَذَكَرَ مِثْلَهُ ، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ مِن مَّا ذَكَرْنَاهُ فِي مَا قَبْلَهُ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ . 1102 - حدثنا فَهْدٌ ، حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ، عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ ، عَنْ يَحْيَى ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ ثُمَّ ذَكَرَ الْأَحَادِيثَ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا قَبْلَهُ . 1103 - حدثنا بَكَّارَ وَيَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ قَالُوا : حدثنا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ ، حدثنا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ ، حدثنا يَحْيَى ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ : سَأَلْت عَائِشَةَ : كَيْفَ كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمَيِّتِ فَذَكَرَ مِثْلَ مَا فِي الْأَحَادِيثِ الْأُوَلِ سَوَاءً . 1104 - حدثنا فَهْدٌ ، حدثنا يُوسُفُ بْنُ بُهْلُولٍ ، حدثنا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ ثُمَّ ذَكَرَ مَا فِي الْأَحَادِيثِ الْأُوَلِ سَوَاءً . 1105 - حدثنا ابْنُ أَبِي دَاوُد ، حدثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ ، حدثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ ، عَنْ ثَابِتٍ الثُّمَالِيِّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ ثُمَّ ذَكَرَ مَا فِي الْأَحَادِيثِ الْأُوَلِ سَوَاءً . فَتَأَمَّلْنَا مَا فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ مِنْ اسْتِغْفَارِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلصِّغَارِ الَّذِينَ لَا ذُنُوبَ لَهُمْ كَاسْتِغْفَارِهِ لِلْكِبَارِ ذَوِي الذُّنُوبِ إذْ كَانَ بَعْضُ النَّاسِ قَدْ سَأَلَ عَنْ كَشْفِ ذَلِكَ ، فَوَجَدْنَا لَهُ مَعْنًى صَحِيحًا وَهُوَ سُؤَالُه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَبَّهُمْ أَنْ يَغْفِرَ لَهُمْ الذُّنُوبَ الَّتِي يُصِيبُونَهَا بَعْدَ خُرُوجِهِمْ عَنْ الصِّغَرِ إلَى الْكِبَرِ ، فَتَكُونُ مَغْفُورَةً لَهُمْ مَغْفِرَةً قَدْ قَدَّمْتُهَا وَتَكُونُ غَيْرَ مَكْتُوبَةٍ عَلَيْهِمْ وَيَكُونُونَ غَيْرَ مَأْخُوذِينَ بِهَا . وَمِثْلُ قَوْلِ اللَّهِ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ فَكَانَ ذَلِكَ غُفْرَانًا مِنْهُ لَهُ مَا لَمْ يَعْمَلْهُ حَتَّى يَكُونَ فِي عَمَلِهِ إيَّاهُ مَغْفُورًا لَهُ مَعْفُوًّا عَنْهُ مَا عَمِلَهُ غَيْرَ مَكْتُوبٍ عَلَيْهِ . وَمِثْلُ ذَلِكَ ( قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعُمَرَ فِي قِصَّةِ حَاطِبٍ : مَا يُدْرِيك لَعَلَّ اللَّهَ قَدْ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ ) ، وَسَنَذْكُرُ ذَلِكَ وَمَا رُوِيَ فِيهِ فِي مَا بَعْدُ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ . فَمِثْلُ ذَلِكَ سُؤَالُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْغُفْرَانَ لِلصِّغَارِ هُوَ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى وَعَلَى الْغُفْرَانِ لَهُمْ مَا يُصِيبُونَهُ بَعْدَ بُلُوغِهِمْ مِنْ الذُّنُوبِ الَّتِي لَوْ لَمْ يَكُنْ هَذَا الدُّعَاءُ مِنْهُ لَهُمْ كَانُوا مَأْخُوذِينَ بِهَا مُعَاقَبِينَ عَلَيْهَا فَعَادُوا بِدُعَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذَا الدُّعَاءِ غَيْرَ مَأْخُوذِينَ بِهَا وَغَيْرَ مُعَاقَبِينَ عَلَيْهَا ، وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
826- باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ضحك المطر ومنطقه . 6147 - حدثنا محمد بن إسماعيل بن سالم الصائغ ، قال : حدثنا عمر بن عبد الوهاب الرياحي ، قال : حدثنا إبراهيم بن سعد ، عن أبيه ، قال : إني لجالس مع عمي حميد بن عبد الرحمن في مسجد الرسول - صلى الله عليه وسلم - إذ عرض في ناحية المسجد شيخ جليل ، في بصره بعض الضعف من بني غفار ، فأرسل إليه حميد فدعاه ، فلما أقبل ، قال : ابن أخي ، إن هذا قد صحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بعض أسفاره ، أوسع له فيما بيني وبينك ، فأوسعت له ، فقال له حميد : الحديث الذي ذكرت أنك سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقوله في السحاب ؟ قال : نعم ، سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : إن الله ينشئ السحاب ، فينطق أحسن المنطق ، ويضحك أحسن الضحك . فتأملنا هذا الحديث ، فوجدنا ما فيه موجودا في كلام العرب ، فمنه ما ذكره الفراء ، قال : تقول العرب : يوم ضاحك مصح ، وسحاب ناطق هاطل ، تذهب بنطقه إلى رجوعه ومطره ، لأنواء يعرفونه [بها] . قال الفراء : وسمعت أبا ثروان يقول : شتونا بأرض سهل عبورها ، كثير حبورها ، ناطق سحابها ، ضاحك جناتها . فأخبر عن هذه الأشياء بأفعال الآدميين لثبوت المعرفة على ما قصد له بوصف السحاب بالنطق ، يريد غزارة مائه ، ووصف الجنات بالضحك ، لخروج زهره ، وكبير مرعاه . قال : وفي أمثالهم : نطق الشيب في رأسه ، وضحك الشيب كذلك أيضا : إذا ظهر ، وكذلك : مال الجدار ، واحترق الثوب ، كل هذا معقول في المعنى ، فخاطب النبي - صلى الله عليه وسلم وقومه من العربية ذروتها وسنامها - الذين خاطبهم بذلك -وهم عرب - بما يفهمونه عنه ، ويعقلونه من مراده ؛ لأن الله إنما أرسله إليهم بلسانهم ليبين لهم كما قال - عز وجل - : وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فخاطبهم بلسانهم لعلمه بفهمهم عنه ما خاطبهم به ، والله نسأله التوفيق .
148 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ مَخْلُوطًا بِالدُّعَاءِ لَهُ : وَلَا نَعْلَمُ إلَّا خَيْرًا . 1106 - حدثنا أَبُو أُمَيَّةَ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُد قَالَا : حدثنا أَبُو عُمَرُ الْحَوْضِيُّ ، حدثنا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى ، حدثنا لَيْثٌ ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ أَبِيهِ ( أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي الصَّلَاةِ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَحْيَائِنَا وَأَمْوَاتِنَا وَأَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِنَا وَأَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِنَا ، اللَّهُمَّ هَذَا عَبْدُك فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ وَلَا نَعْلَمُ إلَّا خَيْرًا وَأَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ فَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ ، فَقُلْت أَنَا وَكُنْت أَصْغَرَ الْقَوْمِ : فَإِنْ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ خَيْرًا قَالَ : فَلَا يَقُولُ إلَّا مَا يَعْلَمُ ) . فَكَانَ مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ قَوْلِهِ : وَلَا نَعْلَمُ إلَّا خَيْرًا ، مِن مَّا يُحْتَاجُ إلَى كَشْفِهِ لِيُوقَفَ عَلَى مَعْنَاهُ ، فَكَشَفْنَا حَتَّى وَقَفْنَا عَلَى ذَلِكَ لِسُؤَالِ الْحَارِثِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَن مَّا سَأَلَهُ فِيهِ ، وَلِجَوَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إيَّاهُ عَنْهُ بِمَا أَجَابَهُ عَنْهُ فِيهِ . وَالْحَارِثُ هَذَا عِنْدَنَا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ، هُوَ أَبُو قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيُّ وَهُوَ الْحَارِثُ بْنُ رِبْعِيٍّ ، وَابْنُهُ الْمَذْكُورُ فِيهِ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيُّ الَّذِي رَوَى عَنْهُ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ الْأَحَادِيثَ الْأُوَلَ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا الْبَابِ ، وَنَحْنُ نَعْلَمُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ سُؤَالِ الْحَارِثِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَن مَّا سَأَلَهُ عَنْهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَمِنْ جَوَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إيَّاهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَقُلْ فِيهِ : وَلَا نَعْلَمُ إلَّا خَيْرًا ، أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَالَ ذَلِكَ وَهُوَ يَعْلَمُ مِنْهُ غَيْرَ الْخَيْرِ . وَقَدْ كَانَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ فِي صَلَاتِهِ عَلَى مَنْ يَعْلَمُ مِنْهُ غَيْرَ الْخَيْرِ يَقُولُ فِيهَا مَا 1107 - حدثنا فَهْدٌ ، حدثنا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ الْوُحَاظِيُّ ، حدثنا أَبُو الْمَلِيحِ ، عَنْ الْحَسَنِ بْنِ عَمْرٍو الرَّقِّيِّ ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ قَالَ : إذَا صَلَّيْت عَلَى مَنْ يُتَّهَمُ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ فَتَكْتَفِي أَنْ تَقُولَ : رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ إلَى آخِرِ الْآيَةِ . وَإِذَا صَلَّيْتَ عَلَى مَنْ تُحِبُّ فَاجْتَهِدْ فِي الدُّعَاءِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَهْلُ الْأَهْوَاءِ هَؤُلَاءِ هُمْ الَّذِينَ لَا يَخْرُجُونَ بِهَا مِنْ الْإِسْلَامِ وَلَا يَمْنَعُهُمْ وَإِنْ كَانُوا مَذْمُومِينَ بِهَا مِنْ الصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ كَمَا يُصَلَّى عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ مِنْ الْمَذْمُومِينَ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ كَمَا قَدْ صُلِّيَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِأَمْرِهِ عَلَى مَنْ غَلَّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ فِيمَا تَقَدَّمَ فِي كِتَابِنَا هَذَا ، فَأَمَّا مَنْ كَانَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ الْأَهْوَاءِ مِن مَّا يُخْرِجُ مِنْ الْإِسْلَامِ فَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْأَدْيَانِ الَّتِي يُصَلَّى عَلَى أَهْلِهَا ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ .
678 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخيار الذي جعله لبريرة لما أعتقت هل هو كخيارها لو خيرها زوجها ؟ أو بخلاف ذلك ؟ . 5105 - حدثنا أحمد بن شعيب ، حدثنا أحمد بن عبد الواحد بن عبود , حدثنا مروان يعني الطاطري , حدثنا الليث وذكر أخر قبله يعني ابن لهيعة , قال : حدثنا عبيد الله بن أبي جعفر ، عن الحسن بن عمرو بن أمية الضمري أنه حدثه أن رجالا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثوه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أيما أمة كانت تحت عبد فعتقت , فهي بالخيار , ما لم يطأها زوجها . هكذا روى مروان هذا الحديث عن ابن لهيعة والليث , واللفظ واحد , وقد رواه ابن وهب عنهما بألفاظ مختلفة . 5106 - كما حدثنا يونس ، أنبأنا ابن وهب قال : وأخبرني ابن لهيعة ، عن عبيد الله بن أبي جعفر ، عن الفضل بن حسن الضمري قال : سمعت رجالا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحدثون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : إذا عتقت الأمة وهي تحت عبد فأمرها بيدها , فإن هي أقرت حتى يطأها فهي امرأته لا تستطيع فراقه . 5107 - وحدثنا يونس ، أنبأنا ابن وهب , وأخبرنيه الليث بن سعد ، عن [ ابن ] أبي جعفر ، عن الضمري ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مثله . فعقلنا بذلك أن مروان جاء بهذا الحديث بروايته إياه عن ابن لهيعة والليث كما رواه عنهما , وكان في الحقيقة هذا اللفظ الذي رواه به إنما هو لفظ ابن لهيعة , وأن حديث الليث يخالفه على ما ذكرناه عن كل واحد منهما من رواية ابن وهب عنهما . 5108 - وحدثنا يونس ، حدثنا ابن وهب ، أخبرني ابن لهيعة ، عن محمد بن عبد الرحمن ، عن القاسم بن محمد أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم رضي الله عنها أخبرته أن بريرة كانت تحت عبد مملوك , فلما عتقت قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنت أملك بنفسك ؛ إن شئت أقمت مع زوجك , وإن شئت فارقتيه ما لم يمسك . 5109 - وحدثنا إبراهيم بن أحمد بن مروان الواسطي ، حدثنا محمد بن إبراهيم بن العلاء الكلاعي أبو عبد الله الشامي ، حدثنا شعيب بن إسحاق الدمشقي ، عن هشام بن عروة عن أبيه , عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبريرة في حديث عتاقها وتخييره صلى الله عليه وسلم إياها : إنه إن وطئك فلا خيار لك . 5110 - حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن يونس , حدثنا موسى بن عبد الرحمن الأنطاكي وهو المعروف بالقلاء ، حدثنا محمد بن سلمة ، عن ابن اسحاق ، عن أبي جعفر وأبان بن صالح ، عن مجاهد وهشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة رضي الله عنها أن بريرة أعتقت , فخيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لها : إن قربك فلا خيار لك . قال أبو جعفر : فكان فيما رويناه أنه يقطعها عن اختيارها نفسها من زوجها قربه إياها , وذلك مما لا يكون منه إليها في المجلس الذي أعلمها رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فيه , فدل ذلك أن الخيار يكون لها بعد قيامها من مجلسها الذي علمت فيه بوجوب الخيار لها حتى يكون منها ما يقطعها عن ذلك من تخلية منها بين زوجها وبينها أن يفعله بها مما لا يصلح له أن يفعله بها إلا وتزويجه إياها قائم بينه وبينها كما يقوله أهل المدينة في ذلك , لا كما يقوله الكوفيون فيه من أن الخيار إنما يجب لها في مجلسها الذي تعلم بذلك فيه ما لم تقم منه , أو تأخذ في عمل آخر , أو في كلام آخر , وإذا كان ذلك كذلك في قربه لها باختيارها كان كذلك تمكينها إياه من تقبيله إياها ومما سوى ذلك مما لا يحل له منها إلا والتزويج الذي بينهما قائم كما هو , وذلك منها كهي لو قالت بلسانها : قد اخترت زوجي . وهذا يدل على أن من كان إليه إيقاع طلاق على واحدة من زوجتيه بقوله لهما : إحداكما طالق , أنه يقطعه عن ذلك قربه إحداهما , وأنه يكون بذلك مختارا لها بقربه إياها . ومثل ذلك في قوله لأمتيه : إحداكم حرة , فيكون له الخيار في إيقاع ذلك العتاق على أيتهما شاء , فلا يوقعه حتى يجامع إحداهما , وهو بذلك الجماع مختار لها , كقوله بلسانه : قد اخترتها . ومثل ذلك : الأمة يبتاعها فيصيب بها عيبا يوجب له به ردها على بائعها إياه , فلا يفعل ذلك حتى يكون منه إليها ما لا يحل له منها إلا بملكه لها , فيكون ذلك قاطعا له عن ردها بذلك العيب على بائعها إياه , ويكون ذلك منه كقوله بلسانه : قد رضيتها بعيبها ومما يؤكد هذا القول أيضا ما قد رويناه فيما تقدم منا في هذه الأبواب فيما كان في بريرة عن ابن عباس أنها لما خيرت كان يرى زوجها يتبعها في سكك المدينة ودموعه تسيل على لحيته , فدل ذلك على أنها قد كانت هي أيضا تتصرف في أسباب نفسها , ولا يقطعها ذلك عن استعمال الخيار الذي لها في نفسها لو استعملته . ومما يؤكد ذلك أيضا كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم إياها بعد أن أعلمها وجوب الخيار لها في زوجها , وقوله له : زوجك , وأبو ولدك , فقالت له جوابا عن ذلك ما قالت , واختارت نفسها , ولم ير رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان منها قبل ذلك قاطعا لها من تتبع زوجها إياها , وهي في ذلك متنقلة من مكان إلى مكان , مع وقوف النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك منها , وإمضائه بعد ذلك خيارها لنفسها . وقد جاء عن من بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك ما يؤكد هذا المعنى . 5111 - كما قد حدثنا يونس ، أنبأنا ابن وهب أن مالكا حدثه عن ابن شهاب ، عن عروة بن الزبير أن مولاة لبني عدي يقال لها : زبراء أخبرته أنها كانت تحت عبد وهي أمة يومئذ , فأعتقت , قالت : فأرسلت إلي حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم فدعتني , فقالت : إني مخبرتك خبرا , ولا أحب أن تصنعي شيئا , إن أمرك بيدك ما لم يمسك زوجك , قالت : ففارقته ثلاثا . 5112 - وحدثنا يحيى بن عثمان , حدثنا نعيم بن حماد ، أنبأنا ابن المبارك قال : وأنبأنا موسى بن عقبة ، عن نافع ، عن عبد الله يعني ابن عمر أنه كان يقول : إذا كانت الأمة تحت عبد , فأصابتها عتاقة , فإنها تخير ما لم يمسها ؛ إن شاءت كانت امرأته , وإن شاءت فارقته , فإن قرب حتى يجامعها لم تستطع أن تنتزع منه . 5113 - وكما حدثنا يحيى , حدثنا نعيم ، حدثنا ابن المبارك قال : أنبأنا ابن جريج ، عن عطاء قال : إن أصابها العبد قبل أن تعلم أن لها الخيار فلها الخيار عليه , وإن أصابها مبادرة قال : بئسما صنع . قال أبو جعفر : وفي قوله : إن أصابها قبل أن تعلم أن لها الخيار ما قد دل على أنه لو أصابها وهي تعلم لم يكن لها خيار . والله أعلم .
149 - باب بَيَانُ مُشْكِلِ حَدِيثِ النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي تَرْكِهِ أَخْذَ مِيرَاثِ مَوْلَاهُ الَّذِي سَقَطَ مِنْ نَخْلَةٍ فَمَاتَ فَأَمَرَهُ بِدَفْعِ مِيرَاثِهِ إلَى أَهْلِ قَرْيَتِهِ . 1108 - حدثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ ، حدثنا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ الزَّهْرَانِيُّ ، حدثنا شُعْبَةٌ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَصْبَهَانِيِّ ، عَنْ مُجَاهِدِ بْنِ وَرْدَانَ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ مَوْلًى لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تُوُفِّيَ فَقَالَ : هَاهُنَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ قَرْيَتِهِ ؟ فَأَعْطَاهُ إيَّاهُ . 1109 - حدثنا عَلِيُّ بْنُ شَيْبَةَ ، حدثنا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، أَخبرنا سُفْيَانُ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَصْبَهَانِيِّ عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ مَوْلًى لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَعَ مِنْ نَخْلَةٍ ، فَمَاتَ فَقَالَ النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : اُنْظُرُوا هَلْ لَهُ وَارِثٌ ؟ قَالُوا : لَا . قَالَ : أَعْطُوهُ بَعْضَ الْقَرَابَةِ . 1110 - حدثنا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمُؤَذِّنُ ، حدثنا أَسَدُ بْنُ مُوسَى ، حدثنا قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَصْبَهَانِيِّ ، عَنْ مُجَاهِدِ بْنِ وَرْدَانَ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : وَقَعَ مَوْلًى لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ عِذْقِ نَخْلَةٍ ، فَمَاتَ وَتَرَكَ شَيْئًا ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : هَلْ تَرَكَ مِنْ وَلَدٍ أَوْ حَمِيمٍ ؟ قَالُوا : لَا . قَالَ : اُنْظُرُوا أَهْلَ قَرْيَتِهِ فَادْفَعُوهُ إلَيْهِمْ . 1111 - حدثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ تَمِيمٍ ، حدثنا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ : حَدَّثَنِي شُعْبَةُ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَصْبَهَانِيِّ ، عَنْ مُجَاهِدِ بْنِ وَرْدَانَ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَأَثْنَى عَلَيْهِ خَيْرًا ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ - مِثْلَهُ . وَقَدْ رَوَى عَنْ مُجَاهِدٍ هَذَا سِوَى ابْنِ الْأَصْبَهَانِيِّ رَبِيعَةُ بْنُ سَيْفٍ الْمَعَافِرِيُّ . 1112 - كَمَا حدثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ ، حدثنا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِئُ ، حدثنا سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ ، حدثنا رَبِيعَةُ بْنُ سَيْفٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ - أَنَّهَا كَانَتْ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ حِين حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ فَتَمَثَّلَتْ بِهَذِهِ الْأَبْيَاتِ : مَنْ لَا يَزَالُ دَمْعُهُ مُقَنَّعًا يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ مَرَّةً مُدَفَّقًا هَكَذَا أَخْبَرَنَاهُ إبْرَاهِيمُ مُدَفَّقًا ، وَأَهْلُ الْعِلْمِ بِالشَّعْرِ يَقُولُونَ : إنَّهُ مُدَفَّعًا. فَقَالَ : لَا تَقُولِي هَذَا يَا بُنَيَّةُ ، وَلَكِنْ قُولِي : وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ . ثُمَّ قَالَ : يَا بُنَيَّةُ ، فِي كَمْ كُفِّنَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؟ قَالَتْ : فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ . قَالَ : كَفِّنُونِي فِي ثَوْبَيَّ هَذَيْنِ ، وَاشْتَرُوا إلَيْهِمَا ثَوْبًا ؛ فَإِنَّ الْحَيَّ أَحْوَجُ إلَى الْجَدِيدِ مِنْ الْمَيِّتِ ، إنَّمَا هُمَا لِلْمُهْلَةِ يَعْنِي الصَّدِيدَ . هَكَذَا يَقُولُ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ ، وَغَيْرُهُمْ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ يَقُولُونَ : لِلْمُهْلَةِ - بِكَسْرِ الْمِيمِ . وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ أَنَّ مُجَاهِدًا هَذَا مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، وَأَنَّ مِمَّا رَوَى عَنْهُ جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ . وَقَدْ ذَكَرَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ أَنَّ خَارِجَةَ بْنَ زَيْدٍ وَمُجَاهِدًا كَانَا يَقْسِمَانِ لِلنَّاسِ بِالْمَدِينَةِ بِغَيْرِ أَجْرٍ ، فَلَمْ يُدْرَ مَنْ مُجَاهِدٌ الَّذِي أَرَادَهُ مَالِكٌ الَّذِي وَقَفْنَا عَلَى مَا ذَكَرْنَا ، فَعَلِمْنَا أَنَّهُ مُجَاهِدٌ . وَأَرَدْنَا بِمَا ذَكَرْنَا أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهُ خِلَافُ مُجَاهِدِ بْنِ جَبْرٍ ؛ إذْ كَانَ مُجَاهِدُ بْنُ جَبْرٍ إنَّمَا كَانَ يَكُونُ مَرَّةً بِمَكَّةَ وَمَرَّةً بِالْكُوفَةِ ، وَلَا ذِكْرَ لَهُ فِي أَهْلِ الْمَدِينَةِ . فَقَالَ قَائِلٌ : مَا كَانَ مَعْنَى تَرْكِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِيرَاثَ هَذَا الْمُتَوَفَّى ، وَهُوَ مَوْلَاهُ الَّذِي مِنْ سَبَبِهِ وُجُوبُ مِيرَاثِ مَوْلَى النِّعْمَةِ ، وَدَفْعُهُ إلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ الَّذِينَ لَيْسُوا مِنْ مِيرَاثِهِ فِي شَيْءٍ ؟ فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ ، بِتَوْفِيقٍ اللَّهِ وَعَوْنِهِ - أَنَّ اللَّهَ شَرَّفَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَفَعَ مَنْزِلَتِهِ وَجَعَلَهُ فِي أَعْلَى مَرَاتِبِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، وَأَخْرَجَهُ مِنْ أَخْلَاقِ مَنْ سِوَاهُ مِنْ أَهْلِ الرَّغْبَةِ فِي الدُّنْيَا ، وَكَانَ فِيمَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَلا بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ وَلا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلا لَمًّا وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا فَوَصَفَهُمْ بِذَلِكَ بِأَخْلَاقٍ لَا يَحْمَدُهَا ، وَجَعَلَهُمْ بِذَلِكَ فِي مَنْزِلَةٍ سُفْلَى . وَأَخْرَجَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ ذَلِكَ إلَى أَرْفَعِ الْمَنَازِلِ ، وَجَعَلَ حُكْمَهُ مِمَّا أَخْرَجَهُ إلَيْهِ أَعْلَى الْأَحْكَامِ ، فَلَمْ يَجْعَلْهُ مِمَّنْ يَرِثُ مِنْ سِوَاهُ مِنْ ذِي نَسَبٍ وَلَا ذِي وَلَاءٍ وَلَا مِنْ ذَوَاتِ تَزْوِيجٍ . وَخَالَفَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَائِرِ أُمَّتِهِ فِي ذَلِكَ زِيَادَةً فِي فَضْلِهِ وَفِي تَشْرِيفِهِ إيَّاهُ وَفِي رِفْعَةِ مَنْزِلَتِهِ فِيهِ ، فَأَمَرَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِذَلِكَ فِي مِيرَاثِ مَوْلَاهُ الَّذِي ذُكِرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لَمَّا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَلَا حَمِيمٌ يَسْتَحِقُّ مِيرَاثَهُ - أَنْ يُدْفَعَ مِيرَاثُهُ إلَى أَهْلِ قَرْيَتِهِ كَمَا يَكُونُ لِلْأَئِمَّةِ فِي الْأَمْوَالِ الَّتِي لَا مَالِكَ لَهَا أَنْ تُدْفَعَ إلَى مَنْ يَرَوْنَ دَفْعَهَا إلَيْهِ مِنْ النَّاسِ . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : فَقَدْ كَانَ مِنْ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ يَرِثُونَ وَيُورَثُونَ ، مِنْ ذَلِكَ مَا حَكَى جَلَّ وَعَزَّ فِي كِتَابِهِ عَنْ نَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَكَرِيَّا مِنْ سُؤَالِهِ إيَّاهُ أَنْ يَهَبَ لَهُ مِنْ لَدُنْهُ وَلِيًّا يَرِثُهُ وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنْ يَجْعَلَهُ نَبِيًّا وَمِنْ أَهْلِ إجَابَتِهِ عَزَّ وَجَلَّ إيَّاهُ إلَى ذَلِكَ وَهِبَتِهِ لَهُ يَحْيَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِصْلَاحِهِ لَهُ زَوْجَهُ . فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ وَعَوْنِهِ أَنَّ مَا كَانَ مِنْ زَكَرِيَّا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ذَلِكَ مِمَّا سَأَلَهُ رَبُّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَهَبَ لَهُ مَنْ يَرِثُهُ ، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِمَالٍ يَرِثُهُ عَنْهُ وَأَيُّ مَالٍ كَانَ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِنَّمَا كَانَ زَاهِدًا نَجَّارًا يَعْمَلُ بِيَدِهِ ! . 1113 - كَمَا حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ دَاوُد الْبَغْدَادِيُّ ، حدثنا عَفَّانَ بْنُ مُسْلِمٍ ، حدثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ ، قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : كَانَ زَكَرِيَّا عَلَيْهِ السَّلَامُ نَجَّارًا . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَلَمَّا كَانَ نَجَّارًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيْسَ مِنْ ذَوِي الْأَمْوَالِ عَقَلْنَا بِذَلِكَ أَنَّ الَّذِي سَأَلَ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَرِثَهُ عَنْهُ مَنْ يَهَبُ لَهُ غَيْرَ الْأَمْوَالِ وَهِيَ النُّبُوَّةُ ، كَمَثَلِ الَّذِي سَأَلَهُ أَنْ يَرِثَهُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَذَلِكَ سَائِرُ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فَلَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا وَإِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ . 1114 - حدثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ ، حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُد الْخُرَيْبِيُّ ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ ، عَنْ دَاوُد بْنِ جَمِيلٍ ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ : كُنْت جَالِسًا مَعَ أَبِي الدَّرْدَاءِ فِي مَسْجِدِ دِمَشْقَ ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ ، فَقَالَ : يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ ، جِئْتُك مِنْ الْمَدِينَةِ مَدِينَةِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِحَدِيثٍ بَلَغَنِي أَنَّك تُحَدِّثُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : وَلَا جِئْتَ لِحَاجَةٍ ؟ قَالَ : لَا . قَالَ : وَلَا جِئْتَ لِتِجَارَةٍ ؟ قَالَ : لَا . قَالَ : وَلَا جِئْتَ إلَّا لِهَذَا الْحَدِيثِ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : فَإِنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ عِلْمًا سَلَكَ اللَّهُ بِهِ طَرِيقًا مِنْ طُرُقِ الْجَنَّةِ ، وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ ، وَإِنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ ، وَإِنَّ الْعَالِمَ يَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَكُلُّ شَيْءٍ حَتَّى الْحِيتَانُ فِي جَوْفِ الْمَاءِ . إنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ ، إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا ، وَوَرَّثُوا الْعِلْمَ ؛ فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَزَكَرِيَّا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهُمْ ، فَلَمْ يُوَرِّثْ شَيْئًا مِنْ الْمَالِ . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : فَقَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ فَإِنَّ ذَلِكَ عِنْدَنَا - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - هُوَ مَا كَانَتْ الْأَنْبِيَاءُ تُوَرِّثُهُ مِمَّا هُوَ سِوَى الْأَمْوَالِ . فَإِنْ قَالَ : فَقَدْ كَانَ سُلَيْمَانُ فِي حَيَاةِ دَاوُد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا نَبِيًّا ؛ فَمَا الَّذِي وَرِثَهُ عَنْهُ ؟ قِيلَ لَهُ : وَرِثَ عَنْهُ حِكْمَتَهُ ، وَمَا يُورَثُ عَنْ مِثْلِهِ . وَكَانَ ذَلِكَ مُضَافًا إلَى نُبُوَّتِهِ الَّتِي كَانَتْ مَعَهُ قَبْلَ ذَلِكَ . فَإِنْ قَالَ : فَقَدْ وَرِثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبَوَيْهِ ، فَوَرِثَ عَنْ أَبِيهِ مَنْزِلَهُ وَمَمْلُوكَتَهُ أُمَّ أَيْمَنَ وَشُقْرَانَ اللَّذَيْنِ أَعْتَقَهُمَا مَوْلَيَيْنِ لَهُ ؟ قِيلَ لَهُ : إنَّمَا كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ النُّبُوَّةَ ، فَلَمَّا آتَاهُ إيَّاهَا أَعَادَ أَحْكَامَهُ إلَى الْأَحْكَامِ الَّتِي تَوَفَّاهُ عَلَيْهَا مِنْ مَنْعِهِ الْمِيرَاثَ عَنْ غَيْرِهِ ، وَمِنْ مَنْعِ غَيْرِهِ الْمِيرَاثِ عَنْهُ . وَإِنَّمَا يَرِثُ النَّاسُ مِنْ حَيْثُ يُرَثُونَ ، فَإِذَا كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَيْرَ مَوْرُوثٍ كَانَ غَيْرَ وَارِثٍ ، وَفِيمَا ذَكَرْنَا بَيَانٌ لِمَا وَصَفْنَا ، وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
827- باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من قوله لسعد لما عاده في مرضه الذي كان عاده فيه لما قال له سعد : أميت أنا من مرضي هذا في الدار التي هاجرت منها ؟ فقال له : إني أرجو ليرفعنك الله حتى ينفع بك قوم ، ويضر بك آخرون . 6148 - حدثنا يونس بن عبد الأعلى ، قال : حدثنا سفيان بن عيينة ، عن الزهري ، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص ، عن أبيه - رضي الله عنه - قال : مرضت عام الفتح مرضا أشرفت منه على الموت ، فأتاني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعودني ، فقلت : يا رسول الله ، إن لي مالا كثيرا ، أفأتصدق بمالي كله ؟ قال : لا ، قلت : فبالشطر ، قال : لا ، قلت : فالثلث ، قال : الثلث ، والثلث كثير ، إنك أن تترك ورثتك أغنياء ، خير من أن تتركهم عالة يتكففون الناس ، إنك لن تنفق نفقة إلا أجرت عليها ، حتى اللقمة ترفعها إلى في امرأتك ، قلت : يا رسول الله ، أخلف عن هجرتي ؟ قال : إنك لن تخلف بعدي ، فتعمل عملا تريد به وجه الله ، إلا ازددت به رفعة ودرجة ، ولعلك أن تخلف بعدي حتى ينتفع بك أقوام ، ويضر بك آخرون ، اللهم أمض لأصحابي هجرتهم ، ولا تردهم على أعقابهم ، لكن البائس سعد بن خولة يرثي له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن مات بمكة . 6149 - حدثنا يونس ، قال : أخبرنا عبد الله بن وهب ، أن مالكا حدثه ، عن ابن شهاب ، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص ، عن أبيه سعد بن أبي وقاص ، أنه قال : أتاني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعودني عام حجة الوداع من وجع اشتد بي ، فقلت : يا رسول الله ، قد بلغ بي الوجع ما ترى ، وأنا ذو مال ، ولا يرثني إلا ابنة لي ، ثم ذكر الحديث ، إلا أنه قال : الثلث والثلث كثير أو كبير . قال أبو جعفر : فاختلف سفيان ومالك في هذا الحديث في السفرة التي كان مرض سعد فيها ، فقال سفيان : هي عام الفتح ، وقال مالك : هي حجة الوداع . فأردنا أن ننظر إلى حقيقتها ، أي السفرتين كانت . 6150 - فوجدنا محمد بن علي بن داود البغدادي قد حدثنا ، قال : حدثنا عفان بن مسلم ، قال : حدثنا وهيب بن خالد ، قال : حدثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم ، عن عمرو القاري ، عن أبيه ، عن جده عمرو القاري : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قدم مكة فخلف سعدا مريضا حين خرج إلى حنين ، فلما قدم من الجعرانة معتمرا دخل عليه وهو وجع مغلوب ، فقال سعد : يا رسول الله ، إن لي مالا ، وإني أورث كلالة ، أفأوصي بمالي كله ، أو أتصدق به ، قال : لا . قال : فأوصي بثلثيه ، قال : لا . قال : فأوصي بثلثه ، قال نعم وذلك كبير . قال : أي يا رسول الله ، أفميت أنا بالدار التي خرجت منها مهاجرا ؟ قال : إني أرجو أن يرفعك الله فينكأ بك أقوام ، وينفع بك آخرون ، يا عمرو بن القاري : إن مات سعد بعدي ، فادفنه هاهنا يعني : نحو طريق المدينة ، وأشار بيده هكذا . ففي هذا الحديث ما يوجب القضاء لابن عيينة على مالك في اختلافهما في السفرة التي كان فيها مرض سعد الذي قال له فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما قال له في هذا الحديث ، وأنها عام الفتح لا حجة الوداع . ثم طلبنا معنى قوله - صلى الله عليه وسلم - : ولعلك أن تخلف حتى ينتفع بك أقوام ، ويضر بك آخرون ما هو ؟ . 6151 - فوجدنا يحيى بن عثمان بن صالح قد حدثنا ، قال : حدثنا حرملة بن يحيى بن عبد الله بن حرملة بن عمران التجيبي ، قال : أخبرنا عبد الله بن وهب ، عن عمرو بن الحارث ، عن بكير بن الأشج ، قال : سألت عامر بن سعد عن قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لسعد - رضي الله عنه - وعسى أن تبقى حتى ينفع بك أقوام ، ويضر بك آخرون . قال عامر : أمر سعد على العراق ، فقتل أقواما على الردة ، فأضرهم ، واستتاب قوما كانوا يسجعون سجع مسيلمة الكذاب ، فتابوا فانتفعوا به . وكان مثل هذا مما لم يقله عامر رأيا ولا استنباطا ؛ لأن مثله لا يقال بالرأي ، ولا بالاستنباط ، ولكنه قاله توقيفا ؛ لأن مثله لا يقال إلا بالتوقيف ، وعسى أن يكون سمعه من أبيه ، أو ممن سواه ممن يصلح أخذ مثله عنه ، ولا يجوز أن يكون الذي أخذه عنه أخذه إلا من الجهة التي يؤخذ مثله من مثلها ، إما سماعا من رسول الله ، وإما سماعا ممن سمعه منه ، فبان بذلك معنى ما ذكرناه في الحديث الأول الذي لم يتبين فيه معناه ، والله نسأله التوفيق .
150 - باب بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ قَوْلِهِ : مَا تَرَكْتُ بَعْدَ نَفَقَةِ أَهْلِي وَنَفَقَةِ عَامِلِي فَهُوَ صَدَقَةٌ . 1115 - حدثنا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ أَنَّ مَالِكًا حَدَّثَهُ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو الزِّنَادِ ، عَنْ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا تَقْسِمُ وَرَثَتِي دِينَارًا ، مَا تَرَكْتُ بَعْدَ نَفَقَةِ أَهْلِي وَمُؤْنَةِ عَامِلِي فَهُوَ صَدَقَةٌ . 1116 - حدثنا الْمُزَنِيّ ، حدثنا الشَّافِعِيُّ ، حدثنا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا تَقْسِمُ وَرَثَتِي دِينَارًا ، مَا تَرَكْتُ بَعْدَ نَفَقَةِ أَهْلِي وَمُؤْنَةِ عَامِلِي فَهُوَ صَدَقَةٌ ، لَا تَقْسِمْ وَرَثَتِي دِينَارًا . فَسَأَلَ سَائِلٌ عَنْ مَعْنَى قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَا تَرَكْتُ بَعْدَ نَفَقَةِ أَهْلِي وَمُؤْنَةِ عَامِلِي فَهُوَ صَدَقَةٌ قَالَ : وَأَهْلُهُ الْمُرَادِونَ هَا هُنَا هُنَّ أَزْوَاجُهُ ، وَالتَّزْوِيجُ الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَهُنَّ يَنْقَطِعُ عَنْهُنَّ بِوَفَاتِهِ ؛ فَمَا مَعْنَى النَّفَقَةِ عَلَيْهِنَّ ؟ فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ عَنْ ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ وَعَوْنِهِ أَنَّ أَزْوَاجَهُ بَعْدَ وَفَاتِهِ مَحْبُوسَاتٌ عَلَيْهِ مُحَرَّمَاتٌ عَلَى غَيْرِهِ لِيَكُنَّ أَزْوَاجَهُ فِي الْجَنَّةِ ، وَلَمَّا كُنَّ كَذَلِكَ كَانَ جَمِيعُ الْوَاجِبِ لَهُنَّ كَانَ عَلَيْهِ فِي حَيَاتِهِ بِحَقِّ التَّزْوِيجِ الَّذِي كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُنَّ وَاجِبًا لَهُنَّ عَلَيْهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ كَوُجُوبِهِ كَانَ لَهُنَّ عَلَيْهِ فِي حَيَاتِهِ . فَإِنْ قَالَ : فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا تَقْسِمُ وَرَثَتِي دِينَارًا ، وَفِي ذَلِكَ إثْبَاتٌه أَنَّ لَهُ وَرَثَةً ، وَهُوَ لَا يُورَثُ ، وَمَنْ كَانَ لَا يُورَثُ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَرَثَةٌ ؟ قِيلَ : ذَلِكَ عِنْدَنَا - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - عَلَى الِاسْتِعَارَةِ ، بِمَعْنَى لَا يَقْسِمُ مَنْ كَانَ يَرِثُنِي لَوْ كُنْتُ مُوَرِّوثًا دِينَارًا ، مَا تَرَكْتُ فَهُوَ صَدَقَةٌ ؛ لِأَنِّي لَا أُورَثُ . وَباَللَّهُ الْتوَفِّيقُ !
677 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من تخييره بريرة بين فراق زوجها وبين المقام معه : هل كان ذلك للعتاق الذي وقع عليها على كل أحوال زوجها من حرية أم من عبودية خاصة دون الحرية . 5091 - حدثنا علي بن شيبة ، أنبأنا يزيد بن هارون ، أنبأنا شعبة ، عن الحكم ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة رضي الله عنها أن زوج بريرة كان حرا . 5092 - حدثنا أبو أمية , حدثنا قبيصة بن عقبة ، حدثنا سفيان ، عن منصور ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : كان زوج بريرة حرا , وأنها خيرت فاختارت نفسها . 5093 - وحدثنا عبد الملك بن مروان الرقي قال : حدثنا أبو معاوية الضرير ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة قالت : كان زوج بريرة حرا , فلما عتقت , خيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم , فاختارت نفسها . 5094 - حدثنا أبو أمية ، حدثنا يحيى بن عبد الله بن الضحاك البابلتي ، حدثنا أبو جعفر الرازي ، عن سليمان ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة رضي الله عنها أن زوج بريرة كان حرا مولى لآل أبي أحمد . قال أبو جعفر : وفي هذه الآثار ، عن عائشة رضي الله عنها أن زوج بريرة كان حرا يوم خيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقد روي عن عائشة رضي الله عنها أنه كان عبدا 5095 - كما حدثنا أبو أمية , حدثنا معلى بن منصور ، حدثنا حاتم بن إسماعيل ، حدثني هشام بن عروة ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه ، عن عائشة رضي الله عنها أن بريرة أعتقت حين أعتقتها عائشة , وإن زوجها كان عبدا 5096 - وكما حدثنا أحمد بن داود ، حدثنا إسماعيل بن سالم ، حدثنا جرير بن عبد الحميد (ح ) , وكما حدثنا ابن أبي عمران , حدثنا زهير بن حرب ، حدثنا جرير بن عبد الحميد ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : كان زوج بريرة عبدا . 5097 - وكما حدثنا يحيى بن عثمان , حدثنا نعيم بن حماد ، حدثنا عبد العزيز يعني الدراوردي , حدثنا هشام بن عروة ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه ، عن عائشة رضي الله عنها أن زوج بريرة كان عبدا . فأدخل الدراوردي بين هشام بن عروة وبين الذي بعده في إسناد هذا الحديث عبد الرحمن بن القاسم , فعاد إلى القاسم عن عائشة , ووافق الدراوردي حاتم بن إسماعيل في ذلك وخالفه جرير فيه . ففي هذه الآثار خلاف ما في الآثار الأول في زوج بريرة . فقال بعض الناس : فقد روي عن عائشة في غير هذه الآثار ما يدل على صحة ما في هذه الآثار , فذكر في ذلك . 5098 - ما قد حدثنا يزيد بن سنان , وثبتني فيه القاسم بن جعفر عنه , قال : حدثنا أبو علي الحنفي , حدثنا عبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب قال : سمعت القاسم بن محمد يحدث عن عائشة رضي الله عنها أنه كان لها غلام وجارية زوج , فقالت : يا رسول الله ، إني أريد أن أعتقهما , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فابدئي بالرجل قبل المرأة . قال : ففي ذلك ما قد دل على أن زوج بريرة كان عبدا , وعلى أن الأمة لا خيار لها إذا أعتقت وكان زوجها حرا . فكان جوابنا له في ذلك أن هذا معقول فيه أن الذكر من هذين المملوكين هو غير زوج بريرة , وأن الأنثى التي فيه كانت غير بريرة , لأن عائشة إنما اشترتها فأعتقتها , ولم تكن في ملكها قبل ذلك . وتأملنا هذا الحديث , فوجدناه مما يبعد قبوله من القلوب , لأنه محال أن يأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمر فيه حياطة لواحد من اثنين وغير حياطة الآخر منهما , وأن يأمر بعتاق يبطل حق الزوجة التي من شريعته وجوب ذلك الحق لها إذا أعتقت , ويحوط الزوج بأن لا يجب عليها ذلك الاختيار لزوجته , ولكنه عندنا - والله أعلم - أراده منه من عائشة رضي الله عنها أن يكون منها في مملوكيها صرفهما إلى صلة رحمها بهما , وأن ذلك أولى بها من العتاق لهما , كما قد روي عنه مما قد كان قاله لزوجته ميمونة لما أعتقت جارية لها . 5099 - كما حدثنا الربيع بن سليمان المرادي ، حدثنا أسد ، حدثنا ابن لهيعة حدثنا بكير بن الأشج ، عن كريب مولى ابن عباس قال : سمعت ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم تقول : أعتقت وليدة لي على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم , فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم , فقال : لو أعطيتيها أخوالك كان أعظم لأجرك . 5100 - وكما حدثنا الربيع المرادي ، حدثنا أسد ، حدثنا محمد بن خازم ، عن محمد بن إسحاق ، عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله , عن ميمونة مثله . واحتمل أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم لما حضرت عائشة من النية في العتاق ما حضرها , أمرها أن تعتق من مملوكيها أعظمهما ثوابا في العتق , لأن عتاق الذكر أفضل من عتاق الإناث على ما في حديث مرة بن كعب الذي قد ذكرناه فيما تقدم منا في كتابنا هذا , وأرجأ أمر الجارية لترتئي فيها بين حبسها وبين الصلة بها من عساه أن يصله بها من ذوي أرحامها . ثم نظرنا , هل روي في زوج بريرة عن غير عائشة شيء أم لا ؟ . 5101 - فوجدنا علي بن عبد الرحمن قد حدثنا قال : حدثنا عفان بن مسلم , حدثنا همام بن يحيى , حدثنا قتادة ، عن عكرمة ، عن ابن عباس رضي الله عنهما أن زوج بريرة كان عبدا أسود يسمى مغيثا , فقضى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع قضايا : أن مواليها اشترطوا الولاء , فقضى النبي صلى الله عليه وسلم أن الولاء لمن أعطى الثمن , وخيرها , وأمرها أن تعتد , وتصدق عليها بصدقة فأهدت منها إلى عائشة , فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال : هو لنا هدية , ولها صدقة . 5102 - ووجدنا صالح بن عبد الرحمن قد حدثنا قال : حدثنا سعيد بن منصور ، حدثنا هشيم , حدثنا خالد , عن عكرمة ، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : لما خيرت بريرة رأيت زوجها يتبعها في سكك المدينة ودموعه تسيل على لحيته , فكلم له العباس النبي صلى الله عليه وسلم أن يطلب إليها , فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : زوجك وأبو ولدك ! فقالت : أتأمرني به يا رسول الله ؟ فقال : إنما أنا شافع , فقالت : إن كنت شافعا فلا حاجة لي فيه , واختارت نفسها , وكان يقال له : مغيث , وكان عبدا لآل المغيرة من بني محزوم . قال أبو جعفر : ففي هذا عن ابن عباس بلا اختلاف عنه أنه كان عبدا , ولما وقع هذا الاختلاف في هذا المعنى وجب تصحيح ما روي فيه , إذ كنا نجد السبيل إلى ذلك , فوجب أن يكون قد كان عبدا في حال وكان حرا في حال آخر , فكانت حال العبودية قد تكون بعدها الحرية , وحال الحرية لا يكون بعدها العبودية , فجعلناه قد كان عبدا في البدء ثم صار حرا بعد ذلك في الحال التي خيرت زوجته بين المقام عنده وبين فراقه , ثم رجعنا إلى ما يوجبه النظر في ذلك فوجدنا الأمة لمولاها أن يزوجها في حال ملكه لها ممن رأى من الأحرار ومن المماليك , ووجدناه إذا أعتقها ولها زوج مملوك قد كان زوجها إياه أن لها الخيار في فراقه وفي المقام عنده , واختلفوا إذا كان حرا ؛ فقال بعضهم : هو كذلك أيضا , وممن قال ذلك منهم : أبو حنيفة , والثوري , وأصحابهما جميعا , وقال بعضهم : لا خيار لها في فراقه , وممن قال ذلك منهم : مالك , وعامة أهل الحجاز . واعتل لهم معتل , فقال : إنما جعل لها الخيار إذا كان زوجها عبدا , لأنه لا يستطيع تزويج بناتها ولا تحصينها كما يحصنها الحر , فجعل لها الخيار لذلك بين فراقه وبين المقام معه , فكان لمخالفيهم عليهم في ذلك من رد الأمر الذي له خيرت في ذلك أنه إنما هو لملكها نفسها , فجعل لها إمضاء ما قد عقده مولاها عليها ورفعه عن نفسها , وخولف في ذلك بينها وبين الصبية إذا زوجها أبوها قبل بلوغها ثم بلغت , فلم يجعل لها خيار في فراق من كان أبوها زوجها إياه , حرا كان أو عبدا . ولما استوى الحكم فيمن كان أبوها زوجها إياه , حرا كان أو عبدا , في حال ولايته عليها من الأحرار ومن المماليك في أن لا خيار لها في فراقه , كان كذلك الأمة إذا أعتقت , فرجع أمرها إليها يستوي حكمها فيما كان مولاها عقده عليها في حال ملكه لها من الأحرار ومن المماليك , فكما كان لها الخيار في المماليك منهم فكذلك يكون لها الخيار في الأحرار منهم . قال : فقال قائل : ففي حديث هشام بن عروة . 5103 - فذكر ما قد حدثنا أحمد بن داود ، حدثنا إسماعيل بن سالم ، حدثنا جرير ، عن هشام عن أبيه ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : كان زوج بريرة عبدا , ولو كان حرا لم يخيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم . فكان جوابنا له في ذلك أنا لا ندري من صاحب هذا الكلام من رواة هذا الحديث , هل هوعن عائشة ؟ أو من دونها منهم ؟ ولما لم نعلم أنه من عائشة فنجعله قول صحابي لا مخالف له فيه , واحتمل أن يكون من قول تابعي وهو رأيه عنها , أو من قول من هو دونه من رواة هذا الحديث . ثم نظرنا , هل روي عن أحد من التابعين شيء يوجب الخيار لهذه المعتقة أم لا ؟ . 5104 - فوجدنا يونس قد حدثنا قال : حدثنا سفيان ، عن ابن طاووس ، عن أبيه قال : للأمة الخيار إذا أعتقت , وإن كان زوجها رجلا من قريش . فإن كان عروة هو الذي قال : ما في الحديث الذي رويناه قوبل قوله في ذلك بقول طاووس الذي يخالفه . وبالله بالتوفيق .
151 - باب بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمُرَادِ بِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ الْآيَةَ . 1117 - حدثنا أَبُو أُمَيَّةَ ، حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّلْتِ ، حدثنا أَبُو كُدَيْنَةَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ الْآيَةَ - قَالَ الْمُشْرِكُونَ : فَإِنَّ عِيسَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُعْبَدُ ، وَعُزَيْرٌ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ . فَأَنْزَلَ اللَّهُ: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عِيسَى وَعُزَيْرٌ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا . 1118 - حدثنا عُبَيْدُ بْنُ رِجَالٍ ، حدثنا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ ، حدثنا يَحْيَى بْنُ آدَمَ ، حدثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ ، عَنْ عَاصِمٍ ، عَنْ أَبِي رَزِينٍ ، عَنْ أَبِي يَحْيَى ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : آيَةٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ لَا يَسْأَلُنِي النَّاسُ عَنْهَا ، وَلَا أَدْرِي أَعَرَفُوهَا فَلَا يَسْأَلُونِي عَنْهَا ؟ أَمْ جَهِلُوهَا فَلَا يَسْأَلُونِي عَنْهَا ؟ قِيلَ : وَمَا هِيَ ؟ قَالَ : آيَةٌ لَمَّا نَزَلَتْ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ شَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ ، وَقَالُوا : شَتَمَ مُحَمَّدٌ آلِهَتَنَا ! فَقَامَ ابْنُ الزِّبَعْرَى فَقَالَ : مَا شَأْنُكُمْ ؟ قَالُوا : شَتَمَ مُحَمَّدٌ آلِهَتَنَا ! قَالَ : وَمَا قَالَ ؟ قَالُوا : قَالَ : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ . قَالَ : اُدْعُوهُ لِي . فَدُعِيَ مُحَمَّدٌ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ ابْنُ الزِّبَعْرَى : يَا مُحَمَّدُ ، هَذَا شَيْءٌ لِآلِهَتِنَا خَاصَّةً ؟ أَمْ لِكُلِّ مَنْ عُبِدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ؟ قَالَ : بَلْ لِكُلِّ مَنْ عُبِدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ . قَالَ : فَقَالَ : خَصَمْنَاهُ وَرَبِّ هَذِهِ الْبَنِيَّةِ ! يَا مُحَمَّدُ ، أَلَسْتَ تَزْعُمُ أَنَّ عِيسَى عَبْدٌ صَالِحٌ وَعُزَيْرًا عَبْدٌ صَالِحٌ وَالْمَلَائِكَةَ عِبَادٌ صَالِحُونَ ؟ قَالَ : بَلَى . قَالَ : فَهَذِهِ النَّصَارَى يَعْبُدُونَ عِيسَى ، وَهَذِهِ الْيَهُودُ تَعْبُدُ عُزَيْرًا ، وَهَذِهِ بَنُو مَلِيحٍ تَعْبُدُ الْمَلَائِكَةَ ! قَالَ : فَضَجَّ أَهْلُ مَكَّةَ ، فَنَزَلَتْ إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى عِيسَى وَعُزَيْرٌ وَالْمَلَائِكَةُ أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ . قَالَ : وَنَزَلَتْ وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ وَهُوَ الصَّحِيحُ . 1119 - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ الشِّيزِرَيُّ ، حدثنا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ ، حدثنا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، حدثنا شَيْبَانُ ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ ، عَنْ أَبِي رَزِينٍ ، عَنْ أَبِي يَحْيَى مَوْلَى ابْنِ عَفْرَاءٍ الْأَنْصَارِيِّ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِقُرَيْشٍ : يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ ، لَا خَيْرَ مَعَ أَحَدٍ يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ! قَالَتْ : أَلَسْتَ تَزْعُمُ أَنَّ عِيسَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ نَبِيًّا وَكَانَ عَبْدًا صَالِحًا ؟ فَإِنْ كُنْت صَادِقًا فَإِنَّهُ كَآلِهَتِهِمْ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ يَعْنِي يَضِجُّونَ وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ . [ قَالَ : هُوَ ] خُرُوجُ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ . هَكَذَا قَالَ : لَعَلَمٌ بِالْفَتْحِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَبُو يَحْيَى هَذَا رَوَى عَنْهُ الْمَكِّيُّونَ وَالْكُوفِيُّونَ جَمِيعًا . 1120 - حدثنا أَحْمَدُ بْنُ دَاوُد ، حدثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَرْعَرَةَ ، حدثنا يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَكِيمٍ ، حدثنا الْحَكَمُ بْنُ أَبَانَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : جَاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرَى إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، تَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ عَلَيْك هَذِهِ الْآيَةَ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ فَقَدْ عُبِدَتْ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالْمَلَائِكَةُ وَعُزَيْرٌ وَعِيسَى صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ، أَوَكُلُّ هَؤُلَاءِ فِي النَّارِ مَعَ آلِهَتِنَا ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ وَنَزَلَتْ وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَقَالَ قَائِلٌ : فَفِي هَذِهِ الْآثَارِ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ عِنْدَ نُزُولِ الْآيَةِ الْأُولَى مِنْ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ اللَّتَيْنِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ضَجُّوا مِنْ ذَلِكَ ، وَقَالُوا لِلْمُسْلِمِينَ مُحْتَجِّينَ عَلَيْهِمْ : فَإِنَّ عِيسَى يُعْبَدُ وَعُزَيْرٌ يُعْبَدُ ، وَمَنْ ذَكَرُوا مَعَهُمَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَهُمْ مَعَ شِرْكِهِمْ أَهْلُ فَصَاحَةٍ ، لَيْسَ مِمَّنْ يَجْرِي عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ اللَّحْنُ فِي كَلَامِهِمْ . وَ (مَا ) فَإِنَّمَا تُقَالُ لِغَيْرِ بَنِي آدَمَ ، وَيُقَالُ مَكَانَهَا لِبَنِي آدَمَ : (مَنْ ) ، كَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ ، وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا فِي أَمْثَالِ ذَلِكَ مِمَّا يُرِيدُ بِهِ بَنِي آدَمَ . وَقَالَ فِي سِوَى بَنِي آدَمَ : وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ لِغَيْرِ بَنِي آدَمَ . وَفِيمَا رَوَيْتُمُوهُ وَأَضَفْتُمُوهُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا قَدْ ذَكَرْتُمُوهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ ، وَفِي إحْدَى الْآيَتَيْنِ اللَّتَيْنِ تَلَوْتُمُوهَا فِيهِ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ أُرِيدَ بِهِ بَنُو آدَمَ . فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعَوْنِهِ أَنَّ (مَنْ ) وَ(مَا ) فِي الْأَكْثَرِ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ يَخْرُجَانِ عَلَى مَا ذُكِرَ ، وَقَدْ تَسْتَعْمِلُ الْعَرَبُ أَيْضًا فِي كَلَامِهَا فِي بَنِي آدَمَ (مَا ) كَمَا تَسْتَعْمِلُ (مَنْ ) ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِمَّا لَا تَسْتَعْمِلُهُ فِيهِمْ كَثِيرًا كَمَا تَسْتَعْمِلُ فِيهِمْ (مَنْ ) وَمِنْ ذَلِكَ قَوْل الله عز وجل : وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مَكَانَ إلَّا مَنْ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ . وقَوْله عز وجل : سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَ يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ . وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ يَعْنِي آدَمَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَا وَلَدَ . وَفِيمَا ذَكَرْنَا مِنْ هَذَا دَلِيلٌ عَلَى مَا وَصَفْنَا ، وَفِيمَا رَوَيْنَاهُ فِي هَذِهِ الْآثَارِ مَا قَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْقَوْلَ فِي الْقِرَاءَةِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا مِنْ قَوْلِ الله عَزَّ وَجَلَّ : إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ بِالْكَسْرِ ، وَيَصُدُّونَ بِالضَّمِّ ، هُوَ كَمَا قَرَأَ مَنْ قَرَأَهَا بِالْكَسْرِ ؛ لِأَنَّ مَنْ قَرَأَهَا بِالضَّمِّ أَرَادَ الصُّدُودَ ، وَمَنْ قَرَأَهَا بِالْكَسْرِ أَرَادَ الضَّجِيجَ . وَإِنَّمَا كَانَ نُزُولُهَا عِنْدَ ضَجِيجِ الْمُشْرِكِينَ كَمَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ الْأُولَى مِنْ الْآيَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ . وَهَذِهِ الْقِرَاءَةُ فِي الْمَعْنَى أَصَحُّ أَيْضًا عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ ؛ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ عَلَى الصُّدُودِ لَكَانَتْ إذَا قَوْمُك عَنْهُ يَصُدُّونَ كَمِثْلِ مَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ . وَكَمَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ : الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ . وَكَمَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ : وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ . وَكَمَا قَالَ : وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ . 1121 - وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ إنْكَارُهُ فِي قِرَاءَةِ إذَا قَوْمُك مِنْهُ يَصُدُّونَ بِالضَّمِّ . كَمَا حدثنا يُوسُفُ بْنُ زِيدَ ، حدثنا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ ، حدثنا وَكِيعٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَبِيبٍ ، عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي بَزَّةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَعْبَدٍ ، قَالَ : قَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ : عَمُّك عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ ، كَيْفَ يَلْحَنُ فِي هَذَا ؟ يَقْرَأُ إذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصُدُّونَ وَإِنَّمَا هِيَ يَصِدُّونَ يَضِجُّونَ ؟ فَأَخْبَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِحَقِيقَةِ الْقِرَاءَةِ لِهَذَا الْحَرْفِ كَيْفَ هِيَ ، وَكَذَلِكَ قَرَأَهَا أَكْثَرُ الْكُوفِيِّينَ . فَقَالَ قَائِلٌ : فَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّ نُزُولَ إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ فِي خِلَافِ الْمَعْنَى الَّذِي رَوَيْتُمْ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ نُزُولَهَا كَانَ فِيهِ . 1122 - وَذَكَرَ مَا حدثنا بَكَّارَ بْنُ قُتَيْبَةَ وَيَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَا : حدثنا أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيُّ ، حدثنا شُعْبَةُ ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَاطِبٍ قَالَ : سَمِعْت عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَخْطُبُ ، وَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى الْآيَةَ . قَالَ : نَزَلَتْ فِي عُثْمَانَ وَأَصْحَابِهِ ، أَوْ قَالَ : عُثْمَانُ مِنْهُمْ . فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ وَعَوْنِهِ أَنْ قَدْ يُحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ عَلِيٌّ أَرَادَ بِمَا رُوِيَ عَنْهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِمَّنْ سَبَقَتْ لَهُ الْحُسْنَى الْمَذْكُورِينَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ؛ لِأَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي مَنْ سَبَقَتْ لَهُ الْحُسْنَى مِنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، فَمِنْهُمْ عِيسَى وَمِنْهُمْ عُزَيْرٌ وَمِنْهُمْ الْمَلَائِكَةُ ، وَمِنْهُمْ مَنْ سِوَاهُمْ مِمَّنْ سَبَقَتْ لَهُمْ الْحُسْنَى مِنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، مِنْهُمْ عُثْمَانُ وَأَصْحَابُهُ . فَبَانَ بِحَمْدِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَنِعْمَتِهِ أَنَّ جَمِيعَ مَا رَوَيْنَاهُ فِي هَذَا الْبَابِ لَا يُضَادُّ شَيْءٌ مِنْهُ شَيْئًا .
828- باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المراد بالكلالة ، من هو ؟ . 6152 - حدثنا يزيد بن سنان ، قال : حدثنا موسى بن إسماعيل . وحدثنا محمد بن خزيمة ، قال : حدثنا حجاج بن منهال ، قالا : حدثنا حماد بن سلمة ، عن يحيى بن سعيد أبي حيان التيمي ، عن الشعبي ، عن ابن عمر ، عن عمر ، قال : لوددت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يمت حتى يبين للناس أبوابا من الربا والكلالة والجد . 6153 - وحدثنا ابن أبي داود ، قال : حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير ، قال : سمعت ابن إدريس ، قال : سمعت أبا حيان ، عن الشعبي ، عن ابن عمر ، قال : سمعت عمر على منبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : ثلاث أيها الناس وددت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عهد إلينا فيهن عهدا ننتهي إليه : الجد ، والكلالة ، وأبواب من أبواب الربا . 6154 - وحدثنا إبراهيم بن مرزوق ، قال : حدثنا وهب بن جرير ، قال : حدثنا شعبة ، عن عمرو بن مرة ، عن مرة بن شراحيل ، عن عمر ، قال : ثلاثة لأن يكون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بينهن لنا قبل أن يموت ، أحب إلي مما على الأرض : الخلافة ، والربا ، والكلالة . فقلت : الكلالة لا شك فيه هو ما دون الولد والأب ، فقال : الأب يشكون فيه . 6155 - وحدثنا يزيد بن سنان ، قال : حدثنا وهب وأبو داود ، قالا : حدثنا شعبة ، ثم ذكر بإسناده مثله . 6156 - وحدثنا أبو أمية ، قال : حدثنا أبو نعيم ، قال : حدثنا سفيان ، قال : حدثنا عمرو بن مرة ، عن مرة ، عن عمر - رضي الله عنه - قال : ثلاث لأن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - بينهن لنا ، أحب إلي من الدنيا وما فيها : الخلافة ، والكلالة ، والربا . ففي حديث شعبة عن عمرو : أن الكلالة ما دون الولد ، وأنهم كانوا يشكون في الأب ، أهو في ذلك كالولد أم لا ؟ . 6157 - وحدثنا علي بن معبد ، قال : حدثنا عبد الوهاب بن عطاء ، قال : أخبرنا سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن سالم بن أبي الجعد الغطفاني ، عن معدان بن أبي طلحة اليعمري ، قال : قام عمر بن الخطاب خطيبا ، فحمد الله ، وأثنى عليه ، ثم قال : إني والله ما أدع شيئا هو أهم إلي من أمر الكلالة ، وقد سألت نبي الله - صلى الله عليه وسلم - عنها ، فما أغلظ لي في شيء قط ما أغلظ لي فيها حتى طعن بأصبعه في صدري أو في جنبي ، وقال : يا عمر أما يكفيك آية أنزلت في آخر سورة النساء وإني إن أعش أقض فيها بقضية لا يختلف فيها أحد يقرأ القرآن أو لا يقرأ القرآن . 6158 - وحدثنا أحمد بن داود بن موسى ، قال : حدثنا سهل بن بكار ، قال : حدثنا أبو عوانة ، عن جابر ، عن الحسن ، عن مسروق ، عن أبيه ، قال : سألت عمر بن الخطاب عن قرابة لي ورث كلالة ، فقال : الكلالة ، الكلالة ، الكلالة ، ثلاثا ، ثم أخذ بلحيته ، فقال : والله لأن أعلمها ، أحب إلي مما على الأرض من شيء ، سألت عنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : ألم تكن تسمع إلى الآية التي أنزلت في الصيف ؟ مرتين . 6159 - وحدثنا روح بن الفرج ، قال : حدثنا يوسف بن عدي ، قال : حدثنا معمر بن سليمان ، عن حجاج ، عن أبي إسحاق ، عن البراء بن عازب ، قال : سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الكلالة ، فقال : يكفيك آية الصيف . فكان جميع ما في هذه الآثار ، ترك المسؤول عنها الجواب عنها ، ما هي ؟ تورعا عن القول في كتاب الله - عز وجل - بما لم يوقف على حقيقته من عند الله ، حتى مات عمر على ذلك . 6160 - كما حدثنا عيسى بن إبراهيم الغافقي ، قال : حدثنا سفيان بن عيينة ، عن سليمان الأحول ، عن طاوس ، قال : سمعت ابن عباس ، يقول : كنت آخر الناس عهدا بعمر ، فسمعته يقول : القول ما قلت . قلت : وما قلت ؟ قال : الكلالة : من لا ولد له . وكان الذي في ذلك من عمر -يعني الولد - أن يكون كلالة ، والوقوف عن الوالد ، هل هو كلالة ، أم لا ؟ وقد روي عنه - رضي الله عنه - في ذلك خلاف ما في هذا الحديث . 6161 - كما حدثنا عيسى بن إبراهيم أيضا ، قال : حدثنا سفيان ، عن يحيى بن سعيد ، عن سعيد بن المسيب ، قال : كان عمر كتب كتابا في الكلالة ، فلما حضرته الوفاة دعا بالكتاب ، فمحاه ، وقال : ترون فيه رأيكم . 6162 - وكما حدثنا عبيد بن رجال ، قال : حدثنا عبد الغفار بن داود الحراني ، قال : حدثنا أبو عوانة ، عن داود بن عبد الله الأودي ، عن حميد بن عبد الرحمن الحميري ، قال : حدثنا ابن عباس بالبصرة ، قال : قال عمر لما طعن : أما أنا فلم أقض في الكلالة قضاء . ثم نظرنا فيما روي في الكلالة سوى ذلك ؟ . 6163 - فوجدنا فهدا قد حدثنا ، قال : حدثنا أبو نعيم ، قال : حدثنا حبان بن علي ، عن مجالد ، عن الشعبي ، قال : أمر المغيرة بن شعبة صعصعة بن صوحان أن يخطب الناس ، فتكلم ، فحمد الله ، وأثنى عليه ، ثم قال : إن الله - عز وجل - بعث محمدا حين درست الآثار وتهدمت المنار فبلغ ما أرسل به ، ثم توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واستخلف أبو بكر ، فأقام المصحف ، وورث الكلالة ، وكان قويا في أمر الله - عز وجل - ثم قبض أبو بكر ، واستخلف عمر ، فمصر الأمصار ، وفرض العطاء ، وكان قويا في أمر الله - عز وجل - ثم قبض عمر ، واجتمع الناس على عثمان ، فكانت خلافته قدرا ، وقتله قدرا ، فقال المغيرة : انظروا ما يقول حين انتهى إلى عثمان . فقال : أمرتني أن أخطب ، فخطبت ، ثم أمرتني أن أجلس ، فجلست . قال أبو جعفر : ففي هذا الحديث أن أبا بكر - رضي الله عنه - قد كان ورث الكلالة ، ولم نجد فيه ذكر ما كانت الكلالة عنده ، فنظرنا في ذلك . 6164 - فوجدنا يونس قد حدثنا ، قال : أخبرنا سفيان ، عن عاصم الأحول ، عن الشعبي : أن أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - وعمر ، قالا : الكلالة : من لا ولد له ولا والد . ففي هذا الحديث مع انقطاعه : أن أبا بكر وعمر ، قالا : الكلالة : من لا ولد له ولا والد . ثم نظرنا فيما روي في ذلك من غير هذه الوجوه التي ذكرناها ؟ 6165 - فوجدنا فهدا قد حدثنا ، قال : حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس ، قال : حدثنا أبو شهاب الحناط ، عن ابن عون ، عن عمرو بن سعيد ، عن حميد بن عبد الرحمن ، قال : حدثني ثلاثة من بني سعد : أن سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - مرض بمكة ، فأتاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا رسول الله ، إن لي مالا كثيرا ، وليس لي وارث ، إلا كلالة ، أفأوصي بمالي كله ؟ قال : لا قال : أفأوصي بنصفه ؟ قال : لا قال : أفأوصي بثلثه ؟ قال : الثلث ، والثلث كثير . 6166 - ووجدنا يوسف بن يزيد قد حدثنا ، قال : حدثنا سعيد بن منصور ، قال : حدثنا هشيم ، قال : أخبرنا ابن عون ، عن عمرو بن سعيد ، قال : حدثني حميد بن عبد الرحمن الحميري ، قال : حدثني ثلاثة نفر من ولد سعد هذا أحدهم - يعني عامر بن سعد - : أن سعد بن أبي وقاص مرض بمكة ، فأتاه النبي - صلى الله عليه وسلم - يعوده ، فقال له سعد : يا رسول الله ، إني لأدع مالا ، وليس لي وارث إلا الكلالة ، أفأوصي بمالي كله ؟ قال : لا . قال : فبنصفه ؟ قال : لا . قال : فبثلثه ؟ قال : الثلث ، والثلث كثير ، إنك أن تدع أهلك بعيش - أو قال : بخير - خير لك من أن تدعهم يتكففون الناس . فكان في هذا الحديث قول سعد لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ليس لي وارث إلا الكلالة ، وكانت له ابنة قد ذكرها الزهري ، عن عامر بن سعد فيما رويناه في الباب الذي قبل هذا الباب ، فعقلنا بتصحيح أحاديثه : أن معنى قوله : وليس لي وارث إلا الكلالة أي : ليس لي وارث مع ابنتي إلا الكلالة ؛ لأن الابنة ليست بكلالة عند أهل العلم جميعا . ثم نظرنا هل روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الكلالة غير ما ذكرنا ، أم لا ؟ . 6167 - فوجدنا أحمد بن الحسن الكوفي قد حدثنا ، قال : سمعت سفيان ، يقول : سمع ابن المنكدر جابر بن عبد الله ، يقول : مرضت فأتاني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعودني ، فوجدني قد أغمي علي ، ومعه أبو بكر يمشيان ، فتوضأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فصب وضوءه علي ، فأفقت ، فقلت : يا رسول الله ، كيف أقضي في مالي ، كيف أصنع في مالي ؟ فلم يجبني ، حتى نزلت آية الميراث . قال : فكان له سبع أخوات ، ولم يكن له والد ولا ولد . فقالوا : أيها هذه الآية ؟ فقال يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إلى آخر الآية . وقال محمد بن المنكدر : قال جابر : في نزلت هذه الآية . 6168 - ووجدنا يزيد بن سنان قد حدثنا ، قال : حدثنا وهب بن جرير وبشر بن عمر ، قالا : حدثنا شعبة ، عن محمد بن المنكدر ، عن جابر بن عبد الله ، قال : أتاني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعودني وأنا مريض لا أعقل ، فتوضأ ، فصب الوضوء علي ، فعقلت ، فقلت : كيف الميراث ، فإنما ترثني كلالة ؟ فنزلت آية الفرائض . ففي هذا الحديث : أن جابرا قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - : إنما ترثني كلالة ولم ينكر ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من قوله ، فدل ذلك أن الكلالة هي الوارث لا الموروث . 6169 - ووجدنا يزيد قد حدثنا ، قال : حدثنا وهب ، قال : حدثنا هشام ، عن أبي الزبير ، عن جابر بن عبد الله ، قال : اشتكيت وعندي سبع أخوات لي ، فدخل علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنفخ في وجهي ماء ، فأفقت ، فقلت : يا رسول الله ، أوصي لأخواتي بالثلثين ؟ قال : أحسن . قلت : الشطر ؟ قال : أحسن . ثم خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتركني ، ثم رجع فقال : يا جابر ، إن الله قد أنزل ، فبين الذي لأخواتك ، فجعل لهن الثلثين فكان جابر يقول : في نزلت هؤلاء الآيات يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ . ففي هذا الحديث أن الأخوات اللاتي ذكر جابر للنبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كلالة مما لم ينكره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان الولد ، وقد تكون بحجب الأخوات إذا كان ذكرا ، ولا يحجبهن إذا كان أنثى ، ليس بكلالة ، كان الوالد الذي لا يحجبهن في الأحوال كلها ، أحرى أن لا يكون كلالة . وفيما قد ذكرنا ما قد دل أن الكلالة من يرث لا من يورث ، وفي ذلك ما قد دل على صحة قراءة من قرأ : وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً - والله أعلم وقد حدثنا ولاد النحوي ، قال : حدثنا أبو جعفر المصادري ، قال : حدثنا أبو عبيدة معمر بن المثنى ، قال : الكلالة : كل من أورث غير أب أو ابن أو أخ ، فهو عند العرب كلالة : يورث كلالة : وهي مصدر من تكلله النسب . الكلالة : ما يكلل به النسب من الأعمام ، وبني العم ، والعصبة . قال : وقال بعضهم : الإخوة من الكلالة . قال أبو جعفر : والقول عندنا في ذلك ما رويناه في حديثي جابر وسعد : أن الكلالة هم الوارثون ، لا الموروث ، وقد روي أن آية الكلالة هي آخر آية أنزلت . 6170 - كما قد حدثنا فهد ، قال : حدثنا أبو الوليد الطيالسي ، قال : حدثنا شعبة ، قال : حدثنا أبو إسحاق ، قال : سمعت البراء يقول : آخر آية أنزلت يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ وآخر سورة نزلت براءة . وقد روي عن ابن عباس في الكلالة أيضا . 6171 - كما قد حدثنا عيسى بن إبراهيم ، قال : حدثنا سفيان بن عيينة ، عن عمرو ، قال : أخبرنا الحسن بن محمد ، قال : سألت ابن عباس عن الكلالة ، قال : هو من لا ولد له ولا والد . قلت : فإن الله يقول : إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ فغضب علي وانتهرني . وقد يحتمل أن يكون الذكر للولد في هذه الآية ، وترك الذكر للوالد ؛ لأن المخاطبين في ذلك يعلمون أن الوالد في هذا المعنى أوكد من الولد ، فيكون الذكر للولد يغني عن ذكر الوالد ، كما قال - جل وعز - : وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وسكت عما سوى هؤلاء مما تحرمه الرضاعة من العمات والخالات وما أشبههن ، لعلم المخاطبين بما خاطبهم به بمراده - عز وجل - فيما سكت عنه ، وهكذا كلام العرب : تخاطب بالشيء حتى إذا علمت فهم المخاطبين بما أريد منهم ، أمسكوا عن بقيته ؛ لأنهم قد علموا عنه . والقرآن قد جاء بهذا ، قال الله : وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى ، ثم قال : بَلْ لِلَّهِ الأَمْرُ جَمِيعًا . فلم يخبر بغير ذلك مما قد اختلف أهل العلم باللغة في مراده - عز وجل - بذلك ، فقال بعضهم : هو : لكان هذا القرآن ، وقال بعضهم : هو : لكفروا به والله أعلم بمراده في ذلك وقال - عز وجل - : وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ولم يذكر ما كان يكون له ، ووصل ذلك بقوله وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ . وهذا كثير في كلام العرب ، وكان معقولا أن الكلالة ما يكلل على الموروث والميراث الذي تركه من يستحقه بالسبب الذي يتكلل به عليه ، وكان الولد غير متكلل عليه ؛ لأنه منه ، فكان مثل ذلك الوالد غير متكلل عليه ؛ لأنه منه ، فثبت بذلك : أن الكلالة ما عدا الوالد والولد جميعا ، والله نسأله التوفيق .
152 - باب بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ قَوْلِهِ : لَا تَدَعُ مُضَرُ عَبْدًا لِلَّهِ إلَّا فَتَنُوهُ أَوْ قَتَلُوهُ . 1123 - حدثنا أَبُو أُمَيَّةَ ، حدثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَرْوَانَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ حَنْظَلَةَ قَالَ : قَالَ حُذَيْفَةُ : لَا تَدَعُ مُضَرُ عَبْدًا لِلَّهِ مُؤْمِنًا إلَّا فَتَنُوهُ أَوْ قَتَلُوهُ ، أَوْ يَضْرِبُهُمْ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَالْمَلَائِكَةُ وَالْمُؤْمِنُونَ حَتَّى لَا يَمْنَعُوا ذَنَبَ تَلْعَةٍ . فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ : يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ، تَقُولُ هَذَا وَأَنْتَ رَجُلٌ مِنْ مُضَرَ ؟ فَقَالَ : أَلَا أَقُولُ مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ 1124 - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ دَاوُد ، حدثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ زِيَادٍ سَبَلَانُ ، حدثنا عَبَّادُ بْنُ عَبَّادٍ الْمُهَلَّبِيُّ ، حدثنا مُجَالِدٌ ، عَنْ أَبِي الْوَدَّاكِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَتَضْرِبَنَّ مُضَرُ عِبَادَ اللَّهِ حَتَّى لَا يُعْبَدَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ، أَوْ لَيَضْرِبَنَّهُمْ الْمُؤْمِنُونَ حَتَّى لَا يَمْنَعُوا ذَنَبَ تَلْعَةٍ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ ذِكْرُ مُضَرَ بِمَا ذُكِرَتْ بِهِ فِيهِ ، وَالْمُرَادُ مِنْهَا بِذَلِكَ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - الْمَذْمُومُ مِنْهُمْ دُونَ مَنْ سِوَاهُمْ مِمَّنْ لَا يَفْعَلُ كَفِعْلِهِمْ ذَلِكَ الَّذِي ذُكِرَ عَنْهُمْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ . وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ بِالْقَصْدِ بِمَا ذُكِرَ فِيهِ إلَى الظُّلْمَةِ مِنْ مُضَرَ دُونَ مَنْ سِوَاهُمْ مِنْ مُضَرَ 1125 - كَمَا حدثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ ، حدثنا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ ، حدثنا أَبِي قَالَ : سَمِعْت الْأَعْمَشَ يُحَدِّثُ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَرْوَانَ ، عَنْ هُزَيْلِ بْنِ شُرَحْبِيلَ قَالَ : أَتَيْنَا حُذَيْفَةَ حِينَ قُتِلَ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، فَغَلَبَنَا عَلَى حُجْرَتِهِ وَبَيْتِهِ مِنْ رَبِيعَةَ وَمُضَرَ وَيَمَنٍ . فَقَالَ : لَا تَبْرَحُ ظَلَمَةُ مُضَرَ بِكُلِّ عَبْدٍ مُؤْمِنٍ تَفْتِنُهُ وَتَقْتُلُهُ أَوْ يَضْرِبُهُمْ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَالْمُؤْمِنُونَ حَتَّى لَا يَمْنَعُوا ذَنَبَ تَلْعَةٍ . فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ : أَتَقُولُ هَذَا وَأَنْتَ مِنْ مُضَرَ ؟ فَالْتَفَتَ إلَيْهِ فَقَالَ : أَلَا أَقُولُ مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَسَأَلَ سَائِلٌ عَنْ وَجْهِ عُمُومِ مُضَرَ مِمَّا عَمَّتْ بِهِ فِيمَا رَوَيْنَاهُ مِنْ هَذِهِ الْآثَارِ . فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعَوْنِهِ أَنَّ ذَلِكَ الْكَلَامَ ، وَإِنْ كَانَ مُطْلَقًا فِي مُضَرَ - لَمْ يُرِدْ مِنْهَا إلَّا مَنْ كَانَ مِنْهُ السَّبَبُ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ قِيلَ ذَلِكَ الْقَوْلُ دُونَ مَنْ سِوَاهُ مِنْهَا . وَالْعَرَبُ تَفْعَلُ ذَلِكَ فِي الْأَشْيَاءِ الْوَاسِعَةِ ، تَقْصِدُ ذِكْرَ مَا كَانَ مِنْ بَعْضِ أَهْلِهَا إلَى جُمْلَةِ أَهْلِهَا . وَإِنَّمَا تُرِيدُ مَنْ كَانَ مِنْهُ ذَلِكَ الشَّيْءُ مِنْ أَهْلِهَا دُونَ مَنْ سِوَاهُ مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ الشَّيْءُ ، وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لِنَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ لَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ إلَّا مَنْ كَذَّبَ بِهِ مِنْ قَوْمِهِ دُونَ مَنْ سِوَاهُ مِنْهُمْ . وَمِنْ ذَلِكَ مَا كَانَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي قُنُوتِهِ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ : وَاشْدُدْ اللَّهُمَّ وَطْأَتَك عَلَى مُضَرَ ، وَاجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ! وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ بِأَسَانِيدَ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا ، وَلَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ كُلَّ مُضَرَ . وَكَيْفَ يَكُونُ يُرِيدُ بِذَلِكَ كُلَّ مُضَرَ وَهُوَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ مُضَرَ ؟ وَمَنْ خَلْفَهُ فِي صَلَاتِهِ تِلْكَ خِيَارُهُمْ مِنْ مُضَرَ ؟ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِذَلِكَ مِنْ مُضَرَ مَنْ هُوَ عَلَى خِلَافِ مَا هُوَ عَلَيْهِ وَعَلَى خِلَافِ مَنْ هُوَ فِي صَلَاتِهِ تِلْكَ مِنْهُمْ عَلَيْهِ . فَمِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا تَدَعُ مُضَرُ عَبْدًا لِلَّهِ مُؤْمِنًا إلَّا فَتَنُوهُ ، هُوَ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى وَالْمُرَادُ بِهِ مِنْهَا مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ الْفِعْلَ مِنْهَا لَا مَنْ سِوَاهُ مِنْهَا ، وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
676 - باب بيان مشكل ما روي مما قد اختلف فيه أهل العلم في بيع الأمة ذات الزوج , فيقول بعضهم : إنه طلاق لها , ويقول بعضهم : إنه غير طلاق لها بما قد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان منه في بريرة . 5079 - حدثنا يحيى بن عثمان ، حدثنا يوسف بن عدي ، حدثنا يحيى بن يعلى أبو محياة ، عن منصور بن المعتمر ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة رضي الله عنها أنها اشترت بريرة , واشترطت للذين باعوها الولاء , فقال النبي صلى الله عليه وسلم : الولاء لمن اشترى , فأعتقتها , وخيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم , وكان زوجها حرا , فاختارت نفسها , ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما . وفي هذا الباب آثار كثيرة أخرناها إلى مواضع هي أولى بها مما سنأتي به بعد هذا الباب في أسباب بريرة من كتابنا هذا إن شاء الله تعالى . وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد اختلفوا في بيع الأمة ذات الزوج , فقال بعضهم : هو طلاق لها , وقال بعضهم : ليس هو بطلاق لها . فممن روي عنه منهم أن ذلك ليس بطلاق لها : عمر بن الخطاب 5080 - كما قد حدثنا فهد ، حدثنا محمد بن سعيد ابن الأصبهاني ، أنبأنا شريك ، عن عبيد الله , عن يسار بن نمير قال : أمرني عمر أن أشتري له جارية , فاشتريت له جارية لها زوج , فأمرني أن أشتري له بضعها من زوجها , فاشتريت له بضعها من زوجها . ومنهم : علي بن أبي طالب رضي الله عنه , 5081 - كما حدثنا أحمد بن خالد بن يزيد الفارسي ، حدثنا داود بن عمرو الضبي , حدثنا منصور بن أبي الأسود ، عن يزيد بن أبي زياد ، عن إسحاق بن كعب أخي محمد بن كعب القرظي أن أباه كعبا اشترى لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه جارية , فسألها : ألك زوج ؟ قالت : نعم , قال : فأرسل بها إلى أبي , أن ردها , فردها , فاشترى بضعها من زوجها , فردت إليه , فقبلها . 5082 - وكما حدثنا أبو شريح محمد بن زكريا وابن أبي مريم قالا : حدثنا الفريابي ، عن سفيان ، عن حماد ، عن إبراهيم , عن علي وابن مسعود رضي الله عنهما في قوله عز وجل : وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ([ النساء : 24 ] , قال علي رضي الله عنه : المشركات إذا سبين , وقال ابن مسعود رضي الله عنه : المشركات والمسلمات . 5083 - حدثنا صالح بن عبد الرحمن الأنصاري , حدثنا سعيد بن منصور , حدثنا هشيم ، أنبأنا داود وعبيدة ، عن الشعبي أن مرة بن شراحيل صاحب السالحين بعث إلى علي رضي الله عنه بجارية , فسألها : هل لك من زوج ؟ فقالت : نعم , فردها , وكتب إلى مرة : إني وجدت هديتك مشغولة , فاشترى مرة بضعها من زوجها بخمس مئة درهم , وبعث بها إليه , فقبلها . ومنهم : عثمان بن عفان رضي الله عنه , 5084 - كما حدثنا يونس ، أنبأنا ابن وهب أن مالكا أخبره ، عن ابن شهاب أن عبد الله بن عامر أهدى لعثمان بن عفان رضي الله عنه جارية لها زوج ابتاعها له بالبصرة , فقال عثمان : لا أقربها حتى يفارقها زوجها , فأرضى ابن عامر زوجها , ففارقها . ومنهم : عبد الرحمن بن عوف , 5085 - كما قد حدثنا يونس ، حدثنا شعيب بن الليث , حدثنا الليث ، حدثني ابن شهاب ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أن عبد الرحمن بن عوف كان ابتاع وليدة من عاصم بن عدي , فوجدها ذات زوج , فردها . 5086 - حدثنا يونس ، حدثنا شعيب بن الليث , حدثنا الليث ، حدثنا ابن شهاب ، عن أبي سلمة ، عن عاصم بن عدي أن عبد الرحمن بن عوف كان ابتاع منه جارية لها زوج ولم يعلم بذلك , فلما علم بذلك ردها إليه . ومنهم : عبد الله بن عمر , 5087 - كما قد حدثنا علي بن شيبة , حدثنا يزيد بن هارون ، أنبأنا محمد بن إسحاق ، عن نافع ، عن ابن عمر أنه قال في عبد له امرأة مملوكة , فبيعت , قال : هو أحق بها حيث لقيها . وقال بعضهم : هو طلاق لها , وممن قال ذلك عبد الله بن عباس . 5088 - كما حدثنا صالح بن عبد الرحمن قال : حدثنا سعيد بن منصور قال : حدثنا هشيم قال : حدثنا خالد ، عن عكرمة ، عن ابن عباس أنه كان يقول في بيع الأمة : هو طلاقها . ومنهم : أبي بن كعب , 5089 - كما قد حدثنا يوسف بن يزيد ، حدثنا سعيد بن منصور ، حدثنا هشيم ، عن يونس ، عن الحسن ، عن أبي بن كعب أنه قال : بيع الأمة طلاقها . ومنهم : جابر بن عبد الله وأنس بن مالك , 5090 - كما حدثنا علي بن شيبة ، حدثنا يزيد بن هارون ، أنبأنا سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن أنس بن مالك رضي الله عنه وجابر بن عبد الله رضي الله عنهما قالا : بيع الأمة طلاقها . قال أبو جعفر : وكان اختلافهم في ذلك إنما هو لما اختلفوا فيه مما تأولوا عليه قول الله عز وجل : وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ([ النساء : 24 ] , فذهب بعضهم إلى أنهن المسبيات ذوات الأزواج اللاتي خلفوهن في دار الحرب . وذهب مخالفوهم في ذلك إلى أنها كل مبيعة ذات زوج , وكان ما ذهب إليه في ذلك أهل القول الأول من هذين القولين عندنا هو الأولى بتأويل هذه الآية , لما قد رويناه فيما تقدم منا في كتابنا هذا من حديث أبي الخليل ، عن أبي علقمة ، عن أبي سعيد في نزول هذه الآية في ذلك , والذي قد رويناه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من إقراره بريرة على نكاحها الذي كانت عليه قبل ابتياع عائشة إياها , وتخييره إياها بعد عتاقها لها , ما قد دل على أن ابتياعها لم يكن طلاقا من زوجها لها . فقال قائل : فقد رويتم عن ابن عباس أنه كان يقول : بيع الأمة طلاقها , وتروون عنه , عن النبي صلى الله عليه وسلم تخييره بريرة بعد عتاقها بين المقام مع زوجها وبين فراقها إياه , وهذا تضاد شديد . فكان جوابنا له في ذلك أن الذي ذكره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من تخييره بريرة بعد عتاقها بين المقام مع زوجها وبين فراقها إياه , قد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم , كما قد ذكر , وسنأتي به فيما بعد من هذه الأحاديث المرويات في بريرة إن شاء الله تعالى . وقد كان قوم يقولون : إنما كان ذلك من قول ابن عباس بعد النبي صلى الله عليه وسلم أن بيع الأمة هو طلاقها , ولم يكن ذلك عنده مخالفا لما رواه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من تخييره بريرة بعد عتاقها بين المقام مع زوجها وبين فراقه , إنما كان ذلك لأن بريرة إنما ابتاعتها عائشة وهي ممن لا تحل لها الفروج , فبقي تزويج بريرة بعد ذلك كما كان قبله , وكان ابتياع الرجال الذين تحل لهم الفروج مثلها يوجب حل الفرج لهم , وفي حلها لهم حل التزويجات اللاتي عليها لمن كانت له عليها . قال أبو جعفر : وهذا قد يحتمل أن يكون هو الذي ذهب إليه ابن عباس في ذلك , فاعتبرنا نحن بعد ذلك السبب الذي به تقع الفرقة بين المسبيات ذوات الأزواج الذين في دار الحرب وبين أزواجهن هناك , فوجدناهن يبن من أزواجهن بوقوع الرق عليهن بالسباء , وهن في تلك الحال لم يحللن لرجال بأعيانهم لما فيهن من حقوق الله الذي جعله في أخماسهن لمن جعلها له , ولشركة بين من سباهن في بقيتهن , ولما كان ذلك كذلك عقلنا أن الذي يوجب الفرقة بين الأزواج المسبيات وبين أزواجهن الحربيين الذين لم يسبوا معهن هو وقوع الرق عليهن لأجل فروجهن لم يحل لهن بملكهن , ولما كان ذلك كذلك وكانت بريرة عند ابن عباس لم تحرم على زوجها بابتياع عائشة إياها , دل ذلك على صحة مخالفته لهذه الآية , وعلى أن المرادات فيها من ذوات الأزواج هن المسبيات دون المبيعات , والله الموفق .
153 - باب بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي اسْمِ الصَّلَاةِ التَّالِيَةِ لِصَلَاةِ الْمَغْرِبِ مِنْ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ . 1126 - حدثنا بَكَّارَ بْنُ قُتَيْبَةَ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ قَالَا : حدثنا أَبُو عَامِرٍ قَالَ : حدثنا سُفْيَانُ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي لَبِيدٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا تَغْلِبَنَّكُمْ الْأَعْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلَاتِكُمْ ، إنَّمَا هِيَ الْعِشَاءُ ، وَلَكِنَّهُمْ يُعْتِمُونَ عَنْ إبِلِهِمْ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ إخْبَارُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ اسْمَ تِلْكَ الصَّلَاةِ الْعِشَاءُ لَا الْعَتَمَةُ ، وَأَنَّ الَّذِينَ يُسَمُّونَهَا الْعَتَمَةَ هُمْ الْأَعْرَابُ . ثُمَّ وَجَدْنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَسْمِيَتَهُ إيَّاهَا الْعَتَمَةَ . 1127 - كَمَا حدثنا فَهْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ : حدثنا عَلِيُّ بْنُ عَيَّاشٍ الْحِمْصِيُّ قَالَ : حدثنا حَرِيزُ بْنُ عُثْمَانَ قَالَ : حَدَّثَنِي رَاشِدُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ عَاصم بْنِ حُمَيْدٍ السَّكُونِيِّ صَاحِبِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ : بَقَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي صَلَاةِ الْعَتَمَةِ لَيْلَةً ، فَتَأَخَّرَ بِهَا حَتَّى ظَنَّ الظَّانُّ أَنَّهُ قَدْ صَلَّى أَوْ لَيْسَ بِخَارِجٍ ، ثُمَّ إنَّهُ خَرَجَ فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ : لَقَدْ ظَنَنَّا أَنَّكَ صَلَّيْتَ ، أَوْ لَسْتَ بِخَارِجٍ . فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَعْتِمُوا بِهَذِهِ الصَّلَاةِ ؛ فَإِنَّكُمْ قَدْ فُضِّلْتُمْ بِهَا عَلَى سَائِرِ الْأُمَمِ ، لَمْ تُصَلِّهَا أُمَّةٌ قَبْلَكُمْ . فَقَالَ قَائِلٌ : فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ تَسْمِيَةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إيَّاهَا الْعَتَمَةَ . فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ وَعَوْنِهِ أَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ تَسْمِيَةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إيَّاهَا الْعَتَمَةَ ، وَإِنَّمَا الَّذِي فِيهِ أَمْرُهُ إيَّاهُمْ بِالْعِتَامِ بِهَا أَيْ بِالتَّأَخُّرِ بِهَا ، وَإِنْ كَانَ اسْمُهَا هُوَ الْعِشَاءَ لَا الْعَتَمَةَ . كَمَا تَقُولُ : أَمْسَيْت بِصَلَاةِ الْعَصْرِ ، لَا لِأَنَّ الْمَسَاءَ اسْمٌ لَهَا ، وَلَكِنْ إخْبَارٌ مِنْك أَنَّك أَمْسَيْت بِهَا ، وَاسْمُهَا غَيْرُ مُشْتَقٍّ مِنْ الْمَسَاءِ بِهَا . وَقَالَ قَائِلٌ أَيْضًا : قَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَيْرُ هَذَا الْحَدِيثِ مِمَّا حَقَّقَ فِيهِ اسْمَهَا أَنَّهُ الْعَتَمَةُ . 1128 - كَمَا حدثنا يُونُسُ قَالَ : حدثنا ابْنُ وَهْبٍ أَنَّ مَالِكًا حَدَّثَهُ عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لَاسْتَبَقُوا إلَيْهِ ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا . فَكَانَ جَوَابُنَا أَيْضًا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ وَعَوْنِهِ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ قَدْ رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا قَدْ ذَكَرَ ، وَقَدْ رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِخِلَافِ ذَلِكَ . 1129 - كَمَا حدثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْكُوفِيُّ قَالَ : حدثنا سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو الْأَشْعَثِيُّ قَالَ : حدثنا عَبْثَرُ بْنُ الْقَاسِمِ أَبُو زُبَيْدٍ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَا صَلَاةٌ أَثْقَلَ عَلَى الْمُنَافِقِينَ مِنْ صَلَاةِ الْعِشَاءِ وَصَلَاةِ الْفَجْرِ ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا مِنْ الْفَضْلِ لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا . فَهَذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ قَدْ نَقَلَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي اسْمِ هَذِهِ الصَّلَاةِ أَنَّهُ الْعِشَاءُ مَكَانَ مَا نَقَلَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْهُ فِي اسْمِهَا أَنَّهُ الْعَتَمَةُ . وَتَصْحِيحُ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ أَنَّ الْأَمْرَ الَّذِي كَانَتْ الْعَرَبُ تَعْرِفُهُ فِي اسْمِ هَذِهِ الصَّلَاةِ أَنَّهَ الْعَتَمَةُ لَا الْعِشَاءُ ، وَكَانَ السَّبَبُ فِي تَسْمِيَتِهَا إيَّاهَا ذَلِكَ الِاسْمَ مَا قَدْ ذُكِرَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي أَوَّلِ هَذَا الْبَابِ ، حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى رَسُولِهِ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ . فَصَارُوا إلَى اسْمِهَا الَّذِي سَمَّاهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ . وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا قَالَهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الَّذِي رَوَيْنَاهُ . وَعَقَلْنَا بِذَلِكَ أَنَّ الَّذِي حَكَاهُ ابْنُ مَسْعُودٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي اسْمِهَا الَّذِي ذَكَرَهَا بِهِ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ الْعَتَمَةُ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . فَقَالَ قَائِلٌ : فَمَا مَعْنَى هَذَا الِاسْمِ ؟ يَعْنِي الْعِشَاءَ . فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ ذَلِكَ أُخِذَ مِنْ الظُّلْمَةِ الَّتِي تُعْشِي الْأَبْصَارَ ، وَرُدَّ اسْمُ هَذِهِ الصَّلَاةِ إلَى مِثْلِ أَسْمَاءِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ سِوَاهَا ؛ لِأَنَّ الصُّبْحَ سُمِّيَتْ بِالصُّبْحِ ؛ لِأَنَّهَا تُصَلَّى عِنْدَ الْإِصْبَاحِ ، وَسُمِّيَتْ صَلَاةُ الْفَجْرِ صَلَاةَ الْفَجْرِ ؛ لِأَنَّهَا تُصَلَّى بِقُرْبِ الْفَجْرِ ، وَسُمِّيَتْ صَلَاةُ الظُّهْرِ صَلَاةَ الظُّهْرِ ؛ لِأَنَّهَا تُصَلَّى عِنْدَ الظَّهِيرَةِ ، وَسُمِّيَتْ صَلَاةُ الْعَصْرِ صَلَاةَ الْعَصْرِ ؛ لِأَنَّهَا تُصَلَّى بَعْدَ الْإِعْصَارِ وَهُوَ التَّأَخُّرُ . وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ 1130 - كَمَا حدثنا صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَنْصَارِيُّ قَالَ : حدثنا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ : حدثنا هُشَيْمٌ قَالَ : أخبرنا خَالِدٌ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ : إنَّمَا سُمِّيَتْ الْعَصْرَ لِتُعْصَرَ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَمِنْهُ قَوْلُ الْعَرَبِ : عَصَرَنِي فُلَانٌ حَقِّي - إذَا أَخَّرَهُ عَنْ وَقْتِ أَدَائِهِ إلَيْهِ ، وَمِنْهُ قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِفَضَالَةَ اللَّيْثِيِّ . 1131 - كَمَا حدثنا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَ : حدثنا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ يَعْنِي الْوَاسِطِيَّ قَالَ : حدثنا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ . وَكَمَا حدثنا فَهْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ : حدثنا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ الْوَاسِطِيُّ قَالَ : حدثنا خَالِدٌ . ثُمَّ اجْتَمَعَا فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا : عَنْ دَاوُد بْنِ أَبِي هِنْدٍ ، عَنْ أَبِي حَرْبِ بْنِ أَبِي الْأَسْوَدِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ فَضَالَةَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، عَلِّمْنِي شَيْئًا مِمَّا يَنْفَعُنِي اللَّهُ بِهِ ! قَالَ : حَافِظْ عَلَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ . قَالَ : قُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّ هَذِهِ سَاعَاتٌ لِي فِيهِنَّ شُغْلٌ ، فَمُرْنِي بِأَمْرٍ جَامِعٍ إذَا أَنَا فَعَلْته أَجْزَأَ عَنِّي ! قَالَ : فَحَافِظْ عَلَى الْعَصْرَيْنِ . قُلْت : وَمَا الْعَصْرَانِ ؟ وَمَا كَانَتْ مِنْ لُغَتِنَا . قَالَ : صَلَاةٌ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ ، وَصَلَاةٌ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ . 1132 - كَمَا حدثنا صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ : حدثنا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ : حدثنا هُشَيْمٌ ، عَنْ دَاوُد بْنِ أَبِي هِنْدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو حَرْبِ بْنُ أَبِي الْأَسْوَدِ ، عَنْ فَضَالَةَ اللَّيْثِيِّ . هَكَذَا قَالَ ، ثُمَّ ذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ قَوْلَهُ : وَمَا كَانَتْ مِنْ لُغَتِنَا . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَمِنْهُ قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رُوِيَ عَنْهُ فِي هَذَا الْمَعْنَى أَيْضًا . 1133 - وَهُوَ مَا حدثنا ابْنُ أَبِي دَاوُد قَالَ : حدثنا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ : وحدثنا هَمَّامٌ قَالَ : حَدَّثَنِا أَبُو جَمْرَةَ الضُّبَعِيُّ ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَنْ صَلَّى الْعَصْرَيْنِ دَخَلَ الْجَنَّةَ . وَسُمِّيَتْ صَلَاةُ الْمَغْرِبِ صَلَاةَ الْمَغْرِبِ ؛ لِأَنَّهَا تُصَلَّى بِعَقِبِ غُرُوبِ الشَّمْسِ ، فَمِثْلُ ذَلِكَ أَيْضًا الصَّلَاةُ الَّتِي تَتْلُوهَا سُمِّيَتْ صَلَاةَ الْعِشَاءِ ؛ لِأَنَّهَا تُصَلَّى بَعْدَ أَنْ تَعْشَى الْأَبْصَارُ بِالظَّلَامِ الطَّارِئِ عَلَيْهَا . فَائْتُلِفَتْ أَسْمَاءُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ أَنَّهَا لِأَوْقَاتِهَا الَّتِي تُصَلَّى فِيهَا ، وَبَانَ بِحَمْدِ اللَّهِ وَنِعْمَتِهِ أَلَّا تَضَادَّ فِي شَيْءٍ مِمَّا رَوَيْنَاهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي شَيْءٍ مِنْ أَسْمَائِهَا ، وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
829- باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في صلاة القاعد متربعا ، هل هي مكروهة أم لا ؟ . 6172 - حدثنا إبراهيم بن أبي داود ، قال : حدثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني ، قال : حدثنا شريك ، عن إبراهيم بن مهاجر ، عن مجاهد ، عن مولى للسائب ، عن السائب ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم غير متربع . ففي هذا الحديث ما يدل على نقص صلاة القاعد متربعا عن صلاة غيره قاعدا غير متربع ، فكان هذا الحديث عندنا ممن لا يحتج بمثله ؛ لأن مولى السائب المذكور في إسناده لا يدرى من هو ، ولأن إبراهيم بن المهاجر ليس بالقوي في روايته . فقال قائل : فقد روي عن ابن مسعود في كراهة التربع في الصلاة . 6173 - فذكر ما قد حدثنا سليمان بن شعيب الكيساني ، قال : حدثنا الخصيب بن ناصح ، قال : أخبرنا عبد العزيز بن مسلم القسملي ، عن حصين ، عن الهيثم بن شهاب ، قال : قال عبد الله : لأن أجلس على رضفتين ، أحب إلي من أن أتربع في الصلاة . فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله - عز وجل وعونه - : أنه لا حجة له في هذا ؛ لأنه قد يحتمل أن يكون ذلك على التربع الذي لم يبح للمصلي في صلاته ، وهو التربع في القعود للتشهد . ثم نظرنا هل روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الصلاة متربعا غير الحديث الذي بدأنا بذكره في هذا الباب ؟ . 6174 - فوجدنا إسحاق بن إبراهيم بن يونس قد حدثنا ، قال : حدثنا هارون بن عبد الله ووجدنا أحمد بن شعيب قد حدثنا ، قال : أخبرني هارون بن عبد الله ، ثم اجتمعا فقالا : قال : حدثنا أبو داود الحفري ، عن حفص - قال إسحاق : وهو ابن غياث - عن حميد - قال إسحاق وهو الطويل - عن عبد الله بن شقيق ، عن عائشة ، قالت : رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى متربعا . قال أبو جعفر : فكان هذا الحديث صحيح الإسناد غير مطعون في أحد من رواته ، فهو أولى من حديث مولى السائب الذي لا يدرى من هو ؟ . 6175 - (م ) وقد وجدنا عن أم سلمة وأم الدرداء في ذلك مما قد حدثنا ابن أبي داود ، قال : حدثنا يوسف بن عدي ، قال : حدثنا عباد بن عباد المهلبي ، عن عاصم وهشام بن حسان ، عن الحسن ، عن أمه : أنها رأت أم سلمة تصلي متربعة من رمد كان بها . 6176 - (م1 ) وما قد حدثنا فهد ، قال : حدثنا إسماعيل بن الوليد القعقاعي ، قال : حدثنا هانئ بن عبد الرحمن ، قال : حدثني إبراهيم بن أبي عبلة ، قال : رأيت أم الدرداء تصلي متربعة . وكان هذا المذهب في هذا الباب بالقياس أولى ؛ لأنا قد رأينا الإيماء في الصلاة قد خولف فيه بين الإيماء للركوع وبين الإيماء للسجود ، ويجعل أحدهما أخفض من الآخر ؛ لأن كل واحد منهما بدل لشيء غير ما الآخر بدل منه . وكان مثل ذلك القعود البدل من القيام في الصلاة ، يكون خلاف القعود الذي هو من الصلاة خلاف ذلك ، وهو القعود للتشهد . وفيما ذكرنا من هذا يتثبت ما كان أبو حنيفة ، وأبو يوسف ، ومحمد ، يقولونه في ذلك من أمرهم من عجز عن القيام في الصلاة الذي يبيح له عجزه أن يصلي قاعدا ، أنه يصلي متربعا بدلا من القيام الذي يقومه إذا كان عليه قادرا ، وخلاف ما يقول زفر في ذلك : إن قعوده الذي يكون منه فيها بدلا من قيامه الذي قد عجز عنه كقعوده فيها لتشهده فيها والله - عز وجل - نسأله التوفيق .
154 - باب بَيَانُ مُشْكِلِ حَدِيثِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاتَّخَذْت أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا وَإِنَّ صَاحِبَكُمْ خَلِيلُ اللَّهِ . 1134 - حدثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ قَالَ : حدثنا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ قَالَ : حدثنا شُعْبَةُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاِتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا . 1135 - حدثنا فَهْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ : حدثنا مُسْلِمُ بْنُ إبْرَاهِيمَ الْأَزْدِيُّ ، قَالَ : حدثنا شُعْبَةُ ، عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ رَجَاءٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْهُذَيْلِ ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؛ مِثْلَهُ ، وَزَادَ : وَلَكِنْ أَخِي وَصَاحِبِي . 1136 - حدثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ قَالَ : حدثنا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ قَالَ : حدثنا أَبِي قَالَ : سَمِعْت يَعْلَى بْنَ حَكِيمٍ يُحَدِّثُ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ عَاصِبًا رَأْسَهُ بِخِرْقَةٍ ، فَجَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَحَمِدَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ : إنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ النَّاسِ أَمَنَّ عَلَيَّ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ مِنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي قُحَافَةَ ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ النَّاسِ خَلِيلًا لَاِتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا ، وَلَكِنْ خُلَّةُ الْإِسْلَامِ أَفْضَلُ . سُدُّوا كُلَّ خَوْخَةٍ فِي الْمَسْجِدِ غَيْرَ خَوْخَةِ أَبِي بَكْرٍ . 1137 - حدثنا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ قَالَ : يُونُسُ أَحْسَبُهُ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاتَّخَذْت أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا . 1138 - حدثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَهْبٍ قَالَ : حدثني عَمِّي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؛ مِثْلَهُ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَفِيمَا رَوَيْنَا مِنْ هَذَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إعْلَامُهُ النَّاسَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاتَّخَذَ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا ، وَفِي ذَلِكَ مَا يَدْفَعُ أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ مِنْ النَّاسِ سِوَاهُ لَهُ خَلِيلًا ، وَقَدْ كَانَ قَوْمٌ يُنْكِرُونَ عَلَى مَنْ يَرْوِي عَنْهُ مِنْ أَصْحَابِهِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ قَوْلَهُمْ : سَمِعْت خَلِيلِي ، وَقَالَ خَلِيلِي ، فَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ إنْكَارُهُ ذَلِكَ عَلَى مَنْ كَانَ يَقُولُ مِنْهُمْ عَامِرٌ الشَّعْبِيُّ 1139 - كَمَا حدثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى الْبَغْدَادِيُّ الْمَعْرُوفُ بِجُحَيْشٍ قَالَ : حدثنا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْوَاسِطِيُّ قَالَ : حدثنا إسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّا قَالَ : حدثنا عَاصِمٌ قَالَ : قُلْت لِلشَّعْبِيِّ : إنَّ حَفْصَةَ كَانَتْ تُحَدِّثُنَا عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ فَتَقُولُ : حَدَّثَنِي خَلِيلِي يَعْنِي النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ الشَّعْبِيُّ : هَذَا مِنْ عُقُولِ النِّسَاءِ . أَوَلَمْ يَقُلْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَبْلَ مَوْتِهِ : مَنْ كَانَتْ بَيْنِي وَبَيْنَهُ خُلَّةٌ فَقَدْ رَدَدْتُهَا عَلَيْهِ ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ لَاِتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا ؟ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : ثُمَّ كَشَفْنَا عَنْ الْخَلِيلِ فِي هَذَا مَا هُوَ إذْ كَانَ الْخَلِيلُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ قَدْ يَكُونُ مِنْ الْخُلَّةِ الَّتِي هِيَ الصَّدَاقَةُ ، وَقَدْ يَكُونُ مِنْ اخْتِلَالِ الْأَحْوَالِ . 1140 - فَوَجَدْنَا إبْرَاهِيمَ بْنَ أَبِي دَاوُد قَدْ حدثنا قَالَ : حدثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ قَالَ : حدثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَبْرَأُ إلَى كُلِّ خَلِيلٍ مِنْ خُلَّتِهِ ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاِتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ 1141 - وَوَجَدْنَا بَكَّارَ بْنَ قُتَيْبَةَ قَدْ حدثنا قَالَ : حدثنا يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ قَالَ : حدثنا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ سُلَيْمَانَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ قَالَ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَبْرَأُ إلَى كُلِّ خَلِيلٍ مِنْ خُلَّتِهِ ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاِتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا ، وَإِنَّ صَاحِبَكُمْ خَلِيلُ اللَّهِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَكَانَ فِيمَا رَوَيْنَا مِنْ هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْخَلِيلَ الْمَذْكُورَ فِي هَذِهِ الْآثَارِ هُوَ الصَّدِيقُ لَا الْفَقِيرُ ، وَأَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي سُمِّيَ بِهِ خَلِيلًا فِيهَا هُوَ الصَّدَاقَةُ وَالْمَوَدَّةُ لَا مَا سِوَاهُمَا ، وَقَدْ وَجَدْنَا هَذَا مَكْشُوفًا 1142 - كَمَا حدثنا ابْنُ أَبِي دَاوُد قَالَ : حدثنا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ قَالَ : حدثنا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنْ ابْنِ أَبِي الْمُعَلَّى ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاِتَّخَذْتُ ابْنَ أَبِي قُحَافَةَ ، وَلَكِنْ وُدُّ إيمَانٍ مَرَّتَيْنِ ، وَلَكِنَّ صَاحِبَكُمْ خَلِيلُ اللَّهِ . 1143 - وَوَجَدْنَا يُونُسَ قَدْ حدثنا قَالَ : حدثنا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرَ ، عَنْ بَعْضِ بَنِي أَبِي الْمُعَلَّى وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ ، عَنْ أَبِيهِ وَكَانَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَوْ كُنْت مُتَّخِذًا مِنْكُمْ خَلِيلًا لَاتَّخَذْت أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا ، وَلَكِنْ وُدٌّ وَإِخَاءُ إيمَانٍ ، وَإِنَّ صَاحِبَكُمْ خَلِيلُ اللَّهِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَكَانَ مَا فِي هَذِهِ الْآثَارِ دَلِيلًا عَلَى مَا ذَكَرْنَا ، وَقَدْ رُوِيَتْ هَذِهِ الْآثَارُ بِمَعْنًى زَائِدٍ عَلَى الْمَعَانِي الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِيهَا فِي هَذَا الْبَابِ . 1144 - كَمَا قَدْ حدثنا أَبُو أُمَيَّةَ قَالَ : حدثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى قَالَ : حدثنا سُفْيَانُ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاتَّخَذْت أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا ، وَلَكِنَّ صَاحِبَكُمْ خَلِيلُ اللَّهِ 1145 - وَكَمَا حدثنا بَكَّارَ بْنُ قُتَيْبَةَ قَالَ : حدثنا أَبُو دَاوُد قَالَ : حدثنا الْمَسْعُودِيُّ ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ بَهْدَلَةَ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلا : أَلَا وَإِنَّ صَاحِبَكُمْ خَلِيلُ اللَّهِ ، يَعْنِي النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِنَّ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَكْرَمُ الْخَلَائِقِ عَلَى اللَّهِ ، وَتَلَا عَبْدُ اللَّهِ : عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَاحْتَجْنَا إلَى الْوُقُوفِ عَلَى مَعْنَى مَا أُضِيفَ مِنْ ذَلِكَ إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، فَوَجَدْنَا قَائِلًا قَدْ قَالَ : الْمُرَادُ بِخَلِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي هَذَا فَقِيرُ اللَّهِ الَّذِي لَمْ يَجْعَلْ فَقْرَهُ وَفَاقَتَهُ إلَّا إلَيْهِ لَا إلَى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ . وَوَجَدْنَا غَيْرَهُ قَدْ قَالَ فِي ذَلِكَ : إنَّهُ الْمُحِبُّ الَّذِي لَا خَلَلَ فِي مَحَبَّتِهِ . وَوَجَدْنَا غَيْرَهُ قَدْ قَالَ : هُوَ الْمُخْتَصُّ بِالْمَحَبَّةِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ النَّاسِ . وَكُلُّ هَذِهِ التَّأْوِيلَاتِ مُحْتَمَلَاتٌ لِمَا تُؤُوِّلَتْ عَلَيْهِ . وَقَالَ غَيْرُهُمْ : إنَّهَا الْمُوَالَاةُ . كَأَنَّهُمْ يَذْهَبُونَ إلَى أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ جَعَلَهُ لَهُ وَلِيًّا وِلَايَةً لَا وِلَايَةَ فَوْقَهَا وَلَا وِلَايَةَ مِثْلَهَا ، فَاسْتَحَقَّ بِذَلِكَ إطْلَاقَ اسْمِ الْخَلِيلِ مِنْ الْخُلَّةِ لَهُ . وَاسْتَدَلُّوا عَلَى مَا قَالُوا فِي ذَلِكَ 1146 - كَمَا حدثنا بَكَّارَ بْنُ قُتَيْبَةَ قَالَ : حدثنا أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ : حدثنا سُفْيَانُ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الضُّحَى ، عَنْ مَسْرُوقٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ وُلَاةً مِنْ النَّبِيِّينَ ، وَإِنَّ وَلِيِّي مِنْهُمْ أَبِي خَلِيلُ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ . ثُمَّ قَرَأَ إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا الْآيَةَ . وَقَالُوا : فَلَمَّا كَانَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ خَلِيلًا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ إلَّا مِنْ الْخُلَّةِ الَّتِي هِيَ نِهَايَةُ الْمَحَبَّةِ ، وَإِذَا كَانَ الْمَعْنَى فِي أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ خَلِيلٌ هُوَ هَذَا الْمَعْنَى كَانَ الْمَعْنَى الَّذِي كَانَ بِهِ خَلِيلًا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ هُوَ ذَلِكَ الْمَعْنَى أَيْضًا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِمُرَادِهِ فِي ذَلِكَ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَمِمَّا اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى اسْتِوَاءِ الْوِلَايَةِ مِنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ خَلْقِهِ ، وَمَعْنَى مَنْ يَتَوَلَّى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ خَلْقِهِ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ : إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الْآيَةَ . وَقَالَ : إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَـزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ . وَقَالَ : أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ . وَقَالَ : أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ فِي أَشْبَاهٍ لِذَلِكَ قَدْ ذَكَرَهَا عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ ، وَكَانَتْ الْوِلَايَةُ فِيهَا مِنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لِمَنْ يَتَوَلَّاهُ مِنْ عِبَادِهِ كَالْوِلَايَةِ الَّتِي يَتَوَلَّى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مَنْ يَتَوَلَّاهُ لَا غَيْرَ ذَلِكَ . وَإِذَا كَانَتْ الْوِلَايَةُ فِيمَا ذَكَرْنَا كَذَلِكَ كَانَتْ الْخُلَّةُ فِيمَا وَصَفْنَا أَنَّهَا كَذَلِكَ ، وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ . وَسَأَلَ سَائِلٌ عَنْ الْمَعْنَى الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ لَمْ يَتَّخِذْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا . فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ وَعَوْنِهِ ، وَهُوَ مَا بَيَّنَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ يَعْلَى بْنِ حَكِيمٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِي رَوَيْنَاهُ فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْهُ وَهُوَ خُلَّةُ الْإِسْلَامِ . وَلِمَا أَخْبَرَ بِهِ فِي حَدِيثِ أَبِي الْمُعَلَّى مِنْ وُدِّ الْإِيمَانِ ، وَكَانَتْ الْخُلَّةُ إنَّمَا تَتَّخِذُ نَسَبَهَا بِالْمَوَدَّةِ الَّتِي قَدْ تَكُونُ وَلَا إسْلَامَ مَعَهَا ، وَكَانَ مَا لَا يَكُونُ إلَّا بِالْإِسْلَامِ أَوْ بِالْإِيمَانِ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ ، فَرَدَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَكَانَ أَبِي بَكْرٍ مِنْهُ إلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى ، وَجَعَلَهُ فَوْقَ الْخَلِيلِ . وَاَللَّهِ نسأله التَّوْفِيقُ .
675 - باب بيان مشكل ما روي في حديث عائشة رضي الله عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمره إياها بابتياع بريرة وهي مكاتبة قبل خروجها منها . قال أبو جعفر : في حديث عائشة الذي رويناه في الباب الذي قبل هذا الباب قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لها في بريرة بعد علمه أنها مكاتبة لأهلها : ابتاعي ، وأعتقي . فقال قائل : وكيف يجوز أن تقبلوا مثل هذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد أجمع أهل العلم أنه لا يجوز بيع المكاتب ، ولا يجوز أن تخالفوا ما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فكان جوابنا له في ذلك أن بريرة قد كانت سألت عائشة في حديثها هذا ما سألتها ، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة بابتياعها من أهلها ، وحق المكاتبة الذي يمنع من بيع المكاتبين إنما هو للمكاتبين والمكاتبين لا من سواهم ، فإذا كان ذلك كذلك ، فاجتمع من له المكاتبة على البيع ممن هي له لمن هي عليه - كان في ذلك تعجيز لمن هي عليه نفسه ، وقبول لمن هي له عليه ذلك منه ، فجاز البيع بذلك لخروج المبيع من المكاتبة به . فقال هذا القائل : وهل خرجت بريرة من المكاتبة قبل الابتياع الذي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة بابتياعها وهي فيها ؟ فكان جوابنا له في ذلك أن البيع وقع من موالي بريرة وهي مكاتبة ، وكان في ذلك إبطال منهم ومن بريرة لتلك المكاتبة ، فعاد ذلك إلى عقد بيع ، وفي رقبته ما يمنع من بيعه كرهن كان فيه ، وكدين كان عليه ، وكإجارة كان فيها ، فكان لأهل تلك الحقوق المنع من بيعه لها ، فأطلقوا بيعه وتركوا المنع منه لحقوقهم فيه ، فلا اختلاف في ذلك بين أهل العلم أن البيع قد جاز فيه . وقد كان أبو يوسف ومحمد بن الحسن اختلفا في هذه المسألة ، وهي بيع مولى المكاتب بإذنه قبل عجزه عن المكاتبة ، فأجاز أبو يوسف ذلك البيع ولم يجزه محمد ، لأن البيع إنما وقع في مكاتب تمنع مكاتبته بيعه ، وكان ما قال أبو يوسف في ذلك عندنا أولى مما قاله محمد بن الحسن فيه ، لما قد كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم في بريرة ، ثم لما قد ذكرناه من النظر الذي يجب به ما قال مخالفوه فيه . وبالله التوفيق .
155 - باب بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ قَوْلِهِ : لَا تُخَيِّرُونِي عَلَى مُوسَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلسَّبَبِ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رُوِيَ ذَلِكَ عَنْهُ فِيهِ . 1147 - حدثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ قَالَ : حدثنا وَهْبُ بْنُ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ قَالَ : حدثنا أَبِي قَالَ : سَمِعْت النُّعْمَانَ بْنَ رَاشِدٍ يُحَدِّثُ عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا تُخَيِّرُونِي عَلَى مُوسَى ؛ فَإِنَّ النَّاسَ يَصْعَقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ ، فَإِذَا مُوسَى بَاطِشٌ بِجَانِبِ الْعَرْشِ فَلَا أَدْرِي أَصَعِقَ فِيمَنْ كَانَ صَعِقَ فَأَفَاقَ قَبْلِي أَوْ كَانَ فِيمَنْ اسْتَثْنَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ اسْتَثْنَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِقَوْلِهِ : فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ . قَالَ : فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ تَفْضِيلِهِ عَلَى مُوسَى لِلْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرَهُ فِيهِ ، فَاحْتُمِلَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ كَانَ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَبْلَ الْأَشْيَاءِ الَّتِي آتَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إيَّاهَا ، وَفَضَّلَهُ بِهَا عَلَى سَائِرِ النَّاسِ سِوَاهُ مِمَّا سَنَذْكُرُهُ فِيمَا بَعْدَ هَذَا الْبَابِ فِي مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا هُوَ أَوْلَى بِهِ مِنْ هَذَا الْبَابِ إنْ شَاءَ اللَّهُ . وَاحْتُمِلَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ غَيْرَ دَاخِلٍ فِيهَا ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا أَفَاقَ مِنْ صَعْقَتِهِ وَجَدَ مُوسَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْحَالِ الَّتِي وَجَدَهُ عَلَيْهَا ، فَاحْتُمِلَ بِذَلِكَ عِنْدَهُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ اسْتَثْنَاهُ فِيمَنْ اسْتَثْنَى فِي الْآيَةِ الَّتِي تَلَوْنَا ، وَيُفَضِّلُهُ بِذَلِكَ عَلَى غَيْرِهِ . وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ فِيمَنْ صَعِقَ ، فَلَمْ يَدْخُلْ فِي الِاسْتِثْنَاءِ الْمَذْكُورِ فِيهَا ، فَلَمْ يَفْضُلْ بِذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْوُقُوفِ عِنْدَ ذَلِكَ الْإِشْكَالِ عَنْ تَفْضِيلِ وَاحِدٍ مِنْهُ وَمِنْ مُوسَى عَلَى الْآخَرِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ ذَلِكَ مَا هِيَ ، وَإياه نَسْأَلُ التَّوْفِيقَ .
830- باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مما يدل على حكم من دعي إلى وليمة قد أمر بالإجابة إليها إذا علم أن هناك لهوا لا يصلح حضوره في غيرها ، هل فرض الإجابة عليه كما لو لم يكن ذلك أو قد سقط عنه ؟ . 6177 - حدثنا نصر بن مرزوق ، قال : حدثنا الخصيب بن ناصح ، قال : حدثنا وهيب بن خالد ، عن أبي حازم ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن عائشة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - : أن جبريل احتبس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم أتاه ، فقال : ما حبسك قال : جرو في بيتك . فنظروا ، فإذا جرو تحت السرير ، فأمر به النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخرج . وقد ذكرنا في غير هذا الباب من هذه الآثار فيما تقدم منا في كتابنا هذا غير هذا الحديث مما فيه تقدم وعد جبريل النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يأتيه في ساعة ، فأبطأ عليه فيها ، ثم كان منه الكلام المذكور في هذا الحديث . وكان وعد جبريل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعدا مطلقا لا ثنيا فيه ، فرفع عنه الوفاء به منع الشريعة إياه من دخول بيت فيه ما كان في بيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فيها . ومثل ذلك من الفقه ما قد اختلف أهل العلم فيه في الرجل يدعى إلى الوليمة التي أمر بإتيانها والجلوس لها ، فيأتيها ، فيجد عندها لهوا لو وجده في غيرها : فقال بعضهم لا يضره الجلوس فيها ؛ لأنه جلوس لما قد أمر به ، وإن كان يعلم حين دعي إليها أن ذلك فيها : أنه لا يمتنع من حضورها ، إذ كانت ما قد أمر به أمرا لم يقع فيه ثنيا ، وممن قال ذلك : أبو حنيفة ، وأبو يوسف ، 6178 - كما حدثنا محمد بن العباس ، قال : حدثنا علي بن معبد ، عن محمد بن الحسن ، عن يعقوب ، عن أبي حنيفة بذلك . ولم يحك بين محمد وبينهما خلافا . وقد روي عن محمد خلاف ذلك ، وأنه لا يسع الذي دعي إلى ذلك الإجابة إليه ، ولا القعود عنده . وكان هذا القول أولى القولين عندنا ؛ لأن الذي أمر به فيه إنما هو لاتباع السنة ، والسنة تنهى عن مثل هذا ، فالنهي الذي فيها مستثنى من الأمر الذي أمر به فيها ، وإن لم يستثن باللسان وقد احتج غيرنا في ذلك بحجة زادها علينا في هذا الباب وهي . 6179 - ما قد حدثنا أبو أمية ، قال : حدثنا عبد الله بن جعفر الرقي وعمرو بن عثمان الرقي بنحوه ، قال : حدثنا أبو المليح - هكذا قال عبد الله في حديثه ، وفي حديث عمرو : عن أبي المليح ، عن ميمون بن مهران ، عن نافع ، قال : كنت مع ابن عمر ، فسمع صوت زمارة راع ، فقال هكذا ، ووضع أصبعيه في أذنيه ، وعدل عن الطريق ، ثم قال : هل تسمع شيئا ؟ فقلت : ما أسمع شيئا . ثم قال : رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعل هذا . فقال هذا القائل : هذا الحديث يدخل في هذا المعنى ؛ لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد امتنع من أن يدخل في أذنه شيء من ذلك الصوت المكروه ، وإن كان في طريق لهم الاجتياز بها والسلوك فيها ، فكان في مثل ذلك القعود لما قد دعي له الرجل الذي قد ذكرنا قعودا مباحا طرأ عليه أمر مكروه ، فلا يسعه القعود المباح عند سماعه ما قد نهي عن سماعه في غير ذلك الموطن ، ولم يكن هذا عندنا بداخل في هذا الباب ، ولا من شكله ؛ لأن الذي في هذا الباب هو المرور في طريق ليس المرور فيها بفرض ، وإنما يمر فيه من يمر على الاختيار ، لا على غير ذلك ، فكان ما يفعله اختيارا لا يصلح له أن يخالطه فيه ما قد نهي عنه . وفي المعنى الآخر كان حضوره لفروض عليه ، فكان ما طرأ عليه قد يحتمل أن يكون رفع فرضه عنه ، ويحتمل أن لا يجوز برفع فرضه عنه ، وكان الذي دل على رفع فرضه عنه هو ما في الحديث الأول الذي ذكرناه ، لا ما في هذا الحديث ، والله - عز وجل - نسأله التوفيق .
156 - باب بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ نَهْيِهِ أَنْ يُقَالَ : هُوَ خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى . 1148 - حدثنا بَكَّارَ بْنُ قُتَيْبَةَ قَالَ : حدثنا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ قَالَ : حدثنا شُعْبَةُ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ : أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى . 1149 - حدثنا سُلَيْمَانُ بْنُ شُعَيْبٍ الْكَيْسَانِيُّ قَالَ : حدثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادٍ قَالَ : حدثنا شُعْبَةُ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ قَالَ : سَمِعْتُ حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يُحَدِّثُ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : لَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ لِي أَنْ يَقُولَ : أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَاحْتَجْنَا أَنْ نَقِفَ عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ قِيلَ مَا قِيلَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، فَطَلَبْنَا ذَلِكَ . 1150 - فَوَجَدْنَا الْكَيْسَانِيَّ قَدْ حدثنا قَالَ : حدثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادٍ قَالَ : حدثنا شُعْبَةُ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ قَالَ : سَمِعْت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَمَةَ يُحَدِّثُ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَأَنَّهُ عَنْ اللَّهِ فَذَكَرَ مِثْلَهُ . وَزَادَ : قَدْ سَبَّحَ ا4للَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فِي الظُّلُمَاتِ . فَكَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْمَعْنَى الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ تَفَرَّدَ يُونُسُ بِالْمَعْنَى الَّذِي قِيلَ مِنْ أَمْرِهِ مِنْ أَجْلِهِ مَا قِيلَ مِمَّا قَدْ رَوَيْنَاهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هَذَا الْبَابِ ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْقَوْلُ كَانَ مِنْ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَبْلَ تَفْضِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إيَّاهُ عَلَى جَمِيعِ خَلْقِهِ مِمَّا سَنَذْكُرُ مِمَّا رُوِيَ فِيهِ فِيمَا بَعْدُ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
674 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يدل على مراد الله عز وجل بقوله في آية المكاتبين : وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ( [ النور : 33 ] . 5066 - حدثنا يونس بن عبد الأعلى ، حدثنا عبد الله بن وهب قال : أخبرني رجال من أهل العلم ، منهم يونس بن يزيد والليث بن سعد ، عن ابن شهاب ، عن عروة بن الزبير ، عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم رضي الله عنها قالت : جاءت بريرة إلي ، فقالت : يا عائشة ، إني قد كاتبت أهلي على تسع أواق ؛ في كل عام أوقية ، فأعينيني ، ولم تكن قضت من كتابتها شيئا ، فقالت لها عائشة : ارجعي إلى أهلك ، فإن أحبوا أن أعطيهم ذلك جميعا ويكون ولاؤك لي فعلت ، فذهبت إلى أهلها ، فعرضت ذلك عليهم ، فأبوا ، وقالوا : إن شاءت أن تحتسب عليك فلتفعل ، ويكون ولاؤك لنا ، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : لا يمنعك ذلك منها ، ابتاعي فأعتقي ، فإنما الولاء لمن أعتق ، وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس فحمد الله وأثنى عليه ، قال : أما بعد ، فما بال أناس يشترطون شروطا ليست في كتاب الله ، من شرط شرطا ليس في كتاب الله عز وجل فهو باطل ، وإن كان مئة شرط ، قضاء الله أحق ، وشرط الله أوثق ، وإنما الولاء لمن أعتق . 5067 - حدثنا يونس ، أنبأنا ابن وهب قال : أخبرني عمرو بن الحارث والليث بن سعد ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم بذلك . 5068 - وحدثنا يونس قال : أخبرنا ابن وهب أن مالكا أخبره عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : جاءت بريرة إلى عائشة رضي الله عنها ، فقالت : إني كاتبت أهلي على تسع أواق ؛ في كل عام أوقية ، فقالت عائشة : إن أحب أهلك أن أعدها لهم ويكون ولاؤك لي فعلت ، فذهبت بريرة إلى أهلها ، فقالت لهم ذلك ، فأبوا ذلك عليها ، فجاءت من عند أهلها ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس ، فقالت : إني قد عرضت ذلك عليهم فأبوا إلا أن يكون الولاء لهم ، فسمع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسألها ، فأخبرته عائشة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : خذيها ، واشترطي الولاء لهم ، فإن الولاء لمن أعتق . ففعلت عائشة ، ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس ، ثم ذكر بقية الحديث قال أبو جعفر : ففي هذين الحديثين ما قد دل على أنه لا يجب على من كاتب عبده وضع شيء من كتابته عنه ، وأن قول الله تعالى : (وآتوهم من مال الله الذي آتاكم([ النور : 33 ] على الحث والحض على الخير من معونة المكاتبين ممن كاتبهم وممن سواهم من أموالهم حتى يعتقوا بخروجهم من مكاتباتهم ، كما قال هذا القول من قاله من أهل العلم ، منهم أبو حنيفة ، ومالك ، والثوري ، وزفر ، وأبو يوسف ، ومحمد ، وخلاف ما قاله من سواهم من أهل العلم ، منهم الشافعي ، وذهبوا إلى أن تأويل قوله عز وجل : (وآتوهم من مال الله الذي آتاكم(على الوجوب والحتم ، لا على الندب والحض ، وعلى أن ذلك من المكاتبة التي يكاتبونهم عليها . وفي الحديثين اللذين روينا وقوف رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن بريرة لم تكن قضت من كتابتها شيئا ، وعلى قول عائشة لها : ارجعي إلى أهلك ، فإن أحبوا أن أعطيهم ذلك جميعا ، أو أعدها لهم جميعا ، ويكون ولاؤك لي ، فعلت ، وترك رسول الله صلى الله عليه وسلم إنكار ذلك عليها ، فدل ذلك على وجوب المكاتبة كلها للمكاتبين على المكاتبين ، لأنه لو كان الوضع واجبا عليهم منها لمن يكاتبوه لقال لعائشة : ولم تدفعين إليهم عنها ما لا يجب لهم عليها ، وما قد أوجب الله عز وجل لها عليهم إسقاطه عنها ؟ ومثل ذلك أيضا ما قد روي عنه صلى الله عليه وسلم فيما كان منه في جويرية ابنة الحارث بن أبي ضرار . 5069 - كما قد حدثنا الربيع بن سليمان المرادي ، حدثنا أسد بن موسى ، حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة ، حدثنا محمد بن إسحاق ، حدثني محمد بن جعفر بن الزبير ، عن عروة ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : لما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سبايا بني المصطلق وقعت جويرية ابنة الحارث في سهم لثابت بن قيس بن شماس ، أو لابن عم له ، فكاتبت على نفسها ، قالت : وكانت امرأة ملاحة حلوة ، لا يكاد يراها أحد إلا أخذت بنفسه ، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم تستعينه في مكاتبتها ، فوالله ما هو إلا أن رأيتها على باب الحجرة فكرهتها ، وعرفت أنه سيرى منها مثل الذي رأيت ، فقالت : يا رسول الله ، أنا جويرية ابنة الحارث بن أبي ضرار سيد قومه ، وقد أصابني من الأمر ما لم يخف ، فوقعت في سهم لثابت بن قيس بن شماس ، أو لابن عم له ، فكاتبته ، فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم أستعينه على كتابتي ، قال : فهل لك في خير من ذلك ؟ قالت : وما هو يا رسول الله ؟ قال : أقضي عنك كتابتك وأتزوجك ، قالت : نعم ، قال : قد فعلت . وخرج الخبر إلى الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج جويرية ابنة الحارث ، فقالوا : صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأرسلوا ما في أيديهم ، قالت : فلقد أعتق بتزويجه إياها مئة أهل بيت من بني المصطلق ، فلا نعلم امرأة كانت أعظم بركة على قومها منها . قال أبو جعفر : ففي هذا الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بذل لجويرية أداء جميع مكاتبتها عنها إلى الذي كاتبها ، فدل ذلك على أن جميع مكاتبتها قد كانت عليها للذي كاتبها لا حطيطة لها عليه منه ، ومثل ذلك ما قد روي عنه أيضا في سلمان الفارسي . 5070 - كما حدثنا علي بن معبد ، أنبأنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد الزهري قال : حدثني أبي ، عن محمد بن إسحاق (ح ) ، وكما حدثنا فهد بن سليمان ، حدثنا يوسف بن بهلول ، حدثنا عبد الله بن إدريس الأودي ، حدثنا محمد بن إسحاق ، ثم اجتمعا فقالا : عن عاصم بن عمر بن قتادة ، عن محمود بن لبيد ، عن ابن عباس ، حدثنا سلمان الفارسي حديثه من فيه قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : كاتب ، فسألت صاحبي ذلك ، فلم أزل به حتى كاتبني على أن أحيي له ثلاث مئة نخلة وبأربعين أوقية من ورق ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أعينوا صاحبكم بالنخل ، فأعانني كل رجل منهم بقدره بالثلاثين والعشرين والخمسة عشر والعشرة ، ثم قال لي : يا سلمان ، اذهب ففقر لها ، فإذا أردت أن تضعها فلا تضعها حتى تأتيني تؤذنني ، فأكون أنا الذي أضعها بيدي ، فقمت في تفقيري ، وأعانني أصحابي ، حتى فقرنا شربها ثلاث مئة ودية ، وجاء كل رجل بما أعانني من النخل ، ثم جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يضعها بيده ، وجعل يسوي عليها ترابها حتى فرغ منها جميعا ، قال : والذي نفسي بيده ما ماتت منها واحدة ، وبقيت الدراهم علي ، فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه إذ جاءه رجل من أصحابه بمثل البيضة من ذهب ، أصابها في بعض المعادن ، يتصدق بها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما فعل الفارسي المسكين المكاتب ؟ ادعوه لي ، فدعيت فجئت ، فقال : اذهب فأدها عنك فيما عليك من المال ، قلت : وأين تقع هذه مما علي يا رسول الله ؟ قال : إن الله تعالى سيؤديها . واللفظ لفهد . قال أبو جعفر : ففي هذا الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يأخذ مولى سلمان بحط عنه من مكاتبته ، ولا بوضع عنه منها ، ففي ذلك أيضا دليل على ما ذكرنا . ثم قد وجدنا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد اختلفوا في تأويل هذه الآية كاختلاف من بعدهم في تأويلها ، فروي في تأويلها عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ما قد يجاوزه بعضهم به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم 5071 - كما حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، حدثنا أبو حذيفة موسى بن مسعود ، عن سفيان الثوري ، عن عبد الأعلى الثعلبي قال : شهدت أبا عبد الرحمن السلمي وكاتب غلاما له على أربعة آلاف درهم ، وشرط عليه إن عجز رد في الرق ، وما أخذت منك فهو لي ، فوضع عنه ألف درهم من الأربعة آلاف ، ثم قال : سمعت خليلك عليا رضي الله عنه يقول : وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ (هو الربع . هكذا روى الثوري عن عبد الأعلى على ما ذكرنا ، لم يتجاوز به عليا رضي الله عنه . 5072 - وكما حدثنا أحمد بن شعيب ، أنبأنا إسحاق بن إبراهيم ، حدثنا جرير بن عبد الحميد ، عن عطاء بن السائب ، عن أبي عبد الرحمن ، عن علي رضي الله عنه وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ (، قال : ربع المكاتبة 5073 - وكما أنبأنا أحمد بن شعيب قال : حدثنا أحمد بن سليمان الرهاوي ، حدثنا يزيد يعني ابن هارون ، أنبأنا عبد الملك وهو ابن أبي سليمان ، عن عبد الملك بن أعين ، عن أبي عبد الرحمن السلمي أنه كاتب غلاما له على أربعة آلاف درهم ، ثم وضع عنه ألفا ، ثم قال : لولا أني رأيت عليا رضي الله عنه كاتب غلاما له ثم وضع عنه الربع ما فعلت . قال أبو جعفر : وهكذا روى أيضا جرير عن عطاء بن السائب هذا الحديث ، فلم يتجاوز به عليا ، وهكذا رواه أيضا عبد الملك بن أعين ، فلم يتجاوز به عليا ، وقد رواه ابن جريج عن عطاء بن السائب ، فتجاوز به عليا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم . 5074 - كما حدثنا محمد بن علي بن زيد المكي ، حدثنا أحمد بن محمد القواس ، حدثنا عبد المجيد بن أبي رواد (ح ) ، وكما حدثنا أحمد بن شعيب ، أنبأنا إسحاق بن إبراهيم ، أنبأنا عبد الرزاق ، ثم اجتمعا ، فقالا : أنبأنا ابن جريج ، حدثنا عطاء بن السائب أن عبد الله بن حبيب أخبره عن علي ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ (، قال : ربع المكاتبة . 5075 - م - وكما حدثنا أحمد ، أنبأنا يوسف بن سعيد ، حدثنا حجاج يعني ابن محمد ، أنبأنا ابن جريج ، أخبرني عطاء بن السائب ، عن عبد الله بن حبيب ، عن علي ، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله . قال ابن جريج : وأخبرني غير واحد عن عطاء أنه كان يحدث بهذا الحديث ، لا يذكر النبي صلى الله عليه وسلم . قال أبو جعفر : فكان الذي رفع هذا الحديث عن علي إلى النبي صلى الله عليه وسلم هو ابن جريج ، عن عطاء ، وعطاء فقد كان خلط بأخرة ، وحديثه الذي لا يختلط فيه عنه هو ما يحدث عنه أربعة دون من سواهم ؛ وهم الثوري ، وشعبة ، وحماد بن سلمة ، وحماد بن زيد ، فحديث ابن جريج عنه هو ما أخذ عنه في حال الاختلاط ، فلم يكن ذلك مما يوجب رفع هذا الحديث . قال أبو جعفر : ولم يكن هذا الحديث عندنا أيضا حجة في وجوب وضع بعض المكاتبة عن المكاتب على مولاه ، إذ كان ذلك يحتمل أن يكون كان من علي على طلب الخير ، لا على وجوب ذلك كان عليه . ثم نظرنا ، هل روي في ذلك شيء عن أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ . 5076 - فوجدنا أحمد بن داود بن موسى قد حدثنا قال : حدثنا سليمان بن حرب الواشحي ، حدثنا مبارك بن فضالة ، حدثني عبيد الله ، عن أبي قال : وقال ميمون : عن عمي ، قال : وحدثتني أمي وأهلي أن جدي قال لعمر بن الخطاب رضي الله عنه : كاتبني ، قال : اعرض ، قلت : بمئة أوقية ، قال : فما استزادني ، فأراد شيئا يعطينيه ، فلم يجد ، فأرسل إلى حفصة ، فقال : إني قد كاتبت غلامي ، وأنا أريد أن أعطيه شيئا ، فابعثي إلي بدراهم ، فأرسلت إليه بمئتي درهم ، فقال : خذها بارك الله لك فيها ، فبارك الله عز وجل لي فيها قد أعتقت غير واحد منها ، فاستأذنته ، فقلت : يا أمير المؤمنين ، إني أريد أن تأذن لي أن آتي العراق ، قال : أما إذ كاتبتك فاذهب حيث شئت ، فأراد موال لبني غفار أن يصحبوني ، فقالوا : كلم أمير المؤمنين أن يكتب لنا كتابا نكرم به ، قال : وقد علمت أنه سيكره ذلك ، فكلمته ، فانتهرني ، وما انتهرني قبلها ، فقال : أتريد أن تظلم الناس ، أنت أسوة المسلمين ، فخرجت ، فلما قدمنا جئت معي بنمط وطنفسة ، فقلت : يا أمير المؤمنين ، هذان هدية لك ، فنظر إليهما ، فأعجباه ، ثم ردهما علي ، وقال : إنه قد بقيت بقية من مكاتبتك ، فاستعن بهما في مكاتبتك . قال أبو جعفر : فكان في هذا الحديث عن عمر ما قد دل على أنه لم يضع عنه من مكاتبته شيئا . 5077 - ووجدنا إبراهيم بن مرزوق قد حدثنا قال : حدثنا سعيد بن عامر الضبعي ، عن جويرية بن أسماء ، عن مسلم بن أبي مريم ، عن عبد لعثمان رضي الله عنه قال : بعثني عثمان أمير المؤمنين في تجارة ، فقدمت عليه ، فأحمد ولايتي ، فقمت إليه ذات يوم ، فقلت : إني أريد الكتابة ، فقطب ، ثم قال : نعم ، ولولا آية في كتاب الله عز وجل ما فعلت ، أكاتبك على مئة ألف درهم على أن تعدها لي في عدتين ، والله لا أغضك منهما درهما ، فخرجت من عنده ، فتلقاني الزبير بن العوام رضي الله عنه ، فقال : ما الذي أرى بك ؟ قلت : كان أمير المؤمنين بعثني في تجارة ، فقدمت عليه ، فأحمد ولايتي ، فقمت إليه ، فقلت : يا أمير المؤمنين ، أسألك الكتابة ، فقطب ، ثم قال : لولا آية في كتاب الله عز وجل ما فعلت ، أكاتبك على مئة ألف درهم على أن تعدها لي في عدتين ، والله لا أغضك منها درهما ، قال : ارجع ، فدخل عليه ، فقام قائما ، فقال : يا أمير المؤمنين ، فلان كاتبه ، فقطب ، ثم قال : نعم ، ولولا آية في كتاب الله عز وجل ما فعلت ، أكاتبه على مئة ألف على أن يعدها لي في عدتين ، والله لا أغضه منهما درهما ، فغضب الزبير ، وقال : والله لأمثلن بين يديك ، فإنما أطلب إليك حاجة تحول دونها بيمين ، وقال بيده هكذا كاتبه ، فكاتبته ، فانطلق بي الزبير إلى أهله ، فأعطاني مئة ألف ، وقال : انطلق ، فاطلب فيها من فضل الله ، فإن غلبك أمر فأد إلى عثمان ما له منها ، فانطلقت ، فطلبت فيها من فضل الله ، فأديت إلى الزبير ماله وإلى عثمان ماله ، وفضلت في يدي ثمانون ألفا . قال أبو جعفر : ففي هذا الحديث حلف عثمان أن لا يغض عن مكاتبه هذا مما كاتبه عليه درهما ، ووقوف الزبير على ذلك منه ، وتركه خلافه فيه ، ففي ذلك ما قد دل على أن قول الله عز وجل في هذه الآية : وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ (لم يكن عندهما على وضع شيء من المكاتبة عن مكاتبه . 5078 - ووجدنا أحمد بن عبد المؤمن المروزي قد حدثنا قال : حدثنا علي بن الحسن بن شقيق ، عن الحسين بن واقد ، عن عبد الله بن بريدة قال : سمعت أبي يقول في قول الله عز وجل : وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ (، قال : حث الناس على ذلك . قال أبو جعفر : وفي ذلك ما قد دل على ما ذكرناه في هذا الباب أن ذلك على الحض ، لا على الوجوب ، لأنه لما كان الناس غير المتكاتبين قد أريد ذلك منهم ، لا على أنه واجب عليهم ، كان كذلك المكاتبون أريد ذلك منهم ، لا على الوجوب عليهم ، ولما اختلف في ذلك على ما ذكرنا ، كان الأولى مما قد قيل فيه ما قد وافق ما قد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم عمن قد ذكرنا من أصحابه ، والله نسأله التوفيق .
157 - باب بَيَانُ مُشْكِلِ جَوَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلَّذِي قَالَ لَهُ : يَا خَيْرَ الْبَرِّيَّةِ ! بِقَوْلِهِ : ذَاكَ إبْرَاهِيمُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 1151 - حدثنا بَكَّارَ بْنُ قُتَيْبَةَ قَالَ : حدثنا أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ الْأَسَدِيُّ الْكُوفِيُّ قَالَ : حدثنا سُفْيَانُ ، عَنْ الْمُخْتَارِ بْنِ فُلْفُلٍ قَالَ : سَمِعْت أَنَسًا يَقُولُ : جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : يَا خَيْرَ الْبَرِّيَّةِ ! فَقَالَ : ذَاكَ أَبِي إبْرَاهِيمُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 1152 - حدثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُونُسَ الْبَصْرِيَّانِ جَمِيعًا ، حدثنا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حدثنا سُفْيَانُ ثُمَّ ذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ . 1153 - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ خُزَيْمَةَ قَالَ : حدثنا مُسَدَّدُ بْنُ مُسَرْهَدٍ قَالَ : حدثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ سُفْيَانَ ثُمَّ ذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ . 1154 - حدثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ قَالَ : حدثنا عَفَّانَ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ : حدثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ ، عَنْ الْمُخْتَارِ بْنِ فُلْفُلٍ ، عَنْ أَنَسٍ ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؛ مِثْلَهُ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَكَانَ مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ مُحْتَمِلًا عِنْدَنَا - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ يَكُونَ كَانَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَذَا الْقَوْلُ قَبْلَ أَنْ يَتَّخِذَهُ اللَّهُ خَلِيلًا ، وَلَمْ يَكُنْ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ خَلِيلًا حِينَئِذٍ غَيْرَ إبْرَاهِيمَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَانَ إبْرَاهِيمُ يَفْضُلُهُ حِينَئِذٍ بِالْخُلَّةِ ، وَكَانَتْ الْخُلَّةُ الْمَحَبَّةَ الَّتِي لَا مَحَبَّةَ فَوْقَهَا . فَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ الرَّجُلُ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : يَا خَيْرَ الْبَرِّيَّةِ ! وَاسْتَحَالَ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَخْتَصُّ لِمَحَبَّتِهِ مَنْ فِي عِبَادِهِ مَنْ هُوَ فَوْقَهُ قَالَ لَهُ : ذَاكَ أَبِي إبْرَاهِيمُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا جَعَلَهُ اللَّهُ لَهُ خَلِيلًا عَادَ بِالْخُلَّةِ مِنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إلَى الْمَعْنَى [ الَّذِي ] كَانَ إبْرَاهِيمُ اسْتَحَقَّ بِهِ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَيْنَا مَا ذُكِرَ اسْتِحْقَاقُهُ فِيهِ . ثُمَّ صَارَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ خَلِيلًا كَمَا كَانَ إبْرَاهِيمُ خَلِيلًا لَهُ ، فَصَارَا جَمِيعًا مُتَسَاوِيَيْنِ فِي الْخُلَّةِ مِنْهُ . وَاخْتَصَّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ نَبِيَّهُ دُونَ إبْرَاهِيمَ بِذِكْرِهِ فِيمَا لَا يُذْكَرُ إبْرَاهِيمُ فِيهِ فِي التَّأْذِينِ فِي الصَّلَاةِ وَالْإِقَامَاتِ بِهَا بِأَنْ جَعَلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَذْكُورًا فِيهَا بِعَقِبِ ذِكْرِهِ عَزَّ وَجَلَّ فِيهَا ، فَكَانَتْ هَذِهِ مَنْزِلَةً فُضِّلَ بِهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى سَائِرِ النَّبِيِّينَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ فِي الدُّنْيَا ، وَأَعْطَاهُ فِي الْآخِرَةِ الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ الَّذِي لَمْ يُعْطِهِ غَيْرَهُ 1155 - كَمَا حدثنا فَهْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ : حدثنا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ رَبِّهِ الْجُرْجُسِيُّ قَالَ : حدثنا بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ قَالَ : حدثنا الزُّبَيْدِيُّ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَكُونُ أَنَا وَأُمَّتِي عَلَى قَلٍّ ، فَيَكْسُونِي رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ حُلَّةً خَضْرَاءَ . ثُمَّ يُؤْذَنُ لِي فَأَقُولُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ أَقُولَ ، فَذَلِكَ الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ 1156 - وَكَمَا حدثنا صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَنْصَارِيُّ قَالَ : حدثنا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُصَفَّى الْحِمْصِيَّانِ قَالَا : حدثنا بَقِيَّةُ ، ثُمَّ ذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ . 1157 - وَكَمَا حدثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ قَالَ : حدثنا مَكِّيُّ بْنُ إبْرَاهِيمَ ، عَنْ دَاوُد بْنِ يَزِيدَ الْأَوْدِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا . قَالَ : هُوَ الْمَقَامُ الَّذِي أَشْفَعُ فِيهِ لِأُمَّتِي 1158 - وَكَمَا حدثنا ابْنُ أَبِي دَاوُد قَالَ : حدثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ قَالَ : حدثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ ، عَنْ عَاصِمٍ ، عَنْ زِرٍّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ اتَّخَذَ إبْرَاهِيمَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَلِيلًا ، وَإِنَّ صَاحِبَكُمْ خَلِيلُ اللَّهِ . ثُمَّ قَرَأَ : عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَكَانَ ذَلِكَ الْمَقَامُ الْمَحْمُودَ مِمَّا اخْتَصَّهُ اللَّهُ بِهِ فِي الْآخِرَةِ ، فَلَمْ يُؤْتِهِ أَحَدًا سِوَاهُ مِنْ أَنْبِيَائِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ حَتَّى غَبَطَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهِ الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ 1159 - كَمَا حدثنا هَارُونُ بْنُ كَامِلٍ قَالَ : حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ قَالَ : سَمِعْت حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ : سَمِعْت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَسْأَلُ النَّاسَ حَتَّى يَأْتِيَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ . وَقَالَ : إنَّ الشَّمْسَ تَدْنُو حَتَّى يَبْلُغَ الْعَرَقُ نِصْفَ الْأُذُنِ . فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ اسْتَغَاثُوا بِآدَمَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيَقُولُ : لَسْت صَاحِبَ ذَاكَ ، ثُمَّ بِمُوسَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيَقُولُ ذَلِكَ ، ثُمَّ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ ، فَيَشْفَعُ لِيُقْضَى بَيْنَ الْخَلْقِ . فَيَمْشِي حَتَّى يَأْخُذَ بِحَلْقَةِ الْجَنَّةِ ، فَيَوْمَئِذٍ يَبْعَثُهُ اللَّهُ مَقَامًا مَحْمُودًا ، يَحْمَدُهُ أَهْلُ الْجَمْعِ كُلُّهُمْ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَكَانَ مِمَّا اخْتَصَّهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ سِوَى ذَلِكَ 1160 - كَمَا حدثنا الْمُزَنِيّ قَالَ : حدثنا الشَّافِعِيُّ قَالَ : حدثنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي : جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا ، وَنُصِرْت بِالرُّعْبِ ، وَأُحِلَّتْ لِي الْغَنَائِمُ ، وَأُرْسِلْتُ إلَى الْأَحْمَرِ وَالْأَبْيَضِ ، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ . قَالَ لَنَا الْمُزَنِيّ : قَالَ الشَّافِعِيُّ : ثُمَّ جَلَسْت إلَى سُفْيَانَ ، فَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ فَقَالَ : الزُّهْرِيّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ وَسَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، ثُمَّ ذَكَرَهُ . 1161 - وَكَمَا حدثنا فَهْدٌ قَالَ : حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْأَصْبَهَانِيُّ قَالَ : حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلِ بْنِ غَزْوَانَ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : فُضِّلْنَا عَلَى النَّاسِ بِثَلَاثٍ : جُعِلَتْ صُفُوفُنَا كَصُفُوفِ الْمَلَائِكَةِ ، وَجُعِلَتْ لَنَا الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدًا ، وَجُعِلَ تُرَابُهَا لَنَا طَهُورًا إذَا لَمْ نَجِدْ الْمَاءَ . وَأُوتِيتُ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ مِنْ كَنْزٍ تَحْتَ الْعَرْشِ خَوَاتِيمُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ ، لَمْ يُعْطَهَا أَحَدٌ قَبْلِي وَلَا يُعْطَاهَا أَحَدٌ بَعْدِي . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَفِيمَا ذَكَرْنَا مِنْ هَذَا تَصْدِيقُ مَا قَدْ رَوَيْنَاهُ فِي بَابِ بَيَانِ مُشْكِلِ لَوْ كُنْت مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاتَّخَذْت أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا . وَفِيمَا قَدْ رَوَيْنَاهُ فِيهِ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ مِمَّا لَمْ يَقُلْهُ إلَّا تَوْقِيفًا ؛ لِأَنَّ مِثْلَهُ لَا يُقَالُ إلَّا بِالتَّوْقِيفِ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَكْرَمُ الْخَلَائِقِ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ . وَفِيمَا ذَكَرْنَا مِنْ هَذَا الْبَابِ مَا قَدْ دَلَّ أَنَّ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَوَابًا لِلَّذِي قَالَ لَهُ : يَا خَيْرَ الْبَرِّيَّةِ : ذَاكَ أَبِي إبْرَاهِيمُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا قَدْ رَوَيْنَاهُ فِي الْبَابِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ بَعْدَهُ مِنْ قَوْلِهِ : لَا تُخَيِّرُونِي عَلَى مُوسَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمِمَّا ذَكَرْنَاهُ فِي الْبَابِ الْآخَرِ مِنْ قَوْلِهِ : لَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ : أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى . إنَّمَا كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ إعْطَاءِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إيَّاهُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ إعْطَائِهِ إيَّاهُ فِي هَذَا الْبَابِ الْعَطَايَا الَّتِي فَضَّلَهُ بِهَا عَلَى جَمِيعِ خَلْقِهِ حَتَّى صَارَ بِذَلِكَ فَاضِلًا لِأَوَّلِهِمْ وَلِآخِرِهِمْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ 1162 - وَقَدْ حدثنا يُوسُفُ بْنُ يَزِيدَ قَالَ : حدثنا الْحَجَّاجُ بْنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ : حدثنا إسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ ، عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : فُضِّلْت عَلَى الْأَنْبِيَاءِ بِسِتٍّ : أُعْطِيتُ جَوَامِعَ الْكَلَامِ ، وَنُصِرْت بِالرُّعْبِ ، وَأُحِلَّتْ لِي الْغَنَائِمُ ، وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ طَهُورًا وَمَسْجِدًا ، وَأُرْسِلْت إلَى الْخَلْقِ كَافَّةً ، وَخُتِمَ بِي النَّبِيُّونَ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَفِي هَذَا ذِكْرُ تَفْضِيلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى النَّبِيِّينَ وَفِيهِمْ إبْرَاهِيمُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ . 161
831- باب بيان ما روي مما يدل على إمكان ما قال من قال من أهل الأخبار : إن ممن بايع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم بايع الناس بمكة ، ابن صغير لعبد الله بن أبي بكر ، أو لعبد الرحمن بن أبي بكر الصديق . 6180 - حدثنا الربيع بن سليمان المرادي ، قال : حدثنا أسد بن موسى ، قال : حدثنا المبارك بن فضالة ، عن أبي عمران الجوني ، عن يزيد بن بابنوس ، قال : أتيت عائشة ، فسألتها عن أشياء ، فسمعتها تقول : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مرضه الذي قبض الله فيه روحه ، مر به ابن لعبد الله ، أو لعبد الرحمن بن أبي بكر ومعه أراكة خضراء ، فلحظ إليه ، فدعوته فأخذتها منه ، فناولتها إياه ، فوضعها على فيه ، وكان رأسه بين سحري ونحري ، فبينا نحن كذلك إذ رفع رأسه ، فظننت أنه بعض ما يريد من أهله ، وكانت ريح باردة ، فقبض الله - عز وجل - روحه وما أشعر . فعلمنا بهذا الحديث أنه قد كان لعبد الله أو لعبد الرحمن حينئذ ابن ، ومحال أن يكون كان حينئذ في حال من يسعى إلا وسنه متقدمة لفتح مكة ، وقد كان الناس بمكة جاؤوا بأبنائهم الذين لم يبلغوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى بايعوه مع آبائهم ، كما قد بايعه قبل ذلك ممن لم يكن بلغ : علي ، والزبير - رضي الله عنهما وكان ابن عبد الله أو عبد الرحمن بن أبي بكر في ذلك المعنى كذلك والله أعلم - وقد كان الناس يومئذ يأتون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأبنائهم فيمسح على رؤوسهم ويدعو لهم . 6181 - كما حدثنا محمد بن علي بن داود ، قال : حدثنا أحمد بن حنبل ، قال : حدثنا فياض بن محمد الرقي ، عن جعفر بن برقان ، عن ثابت بن الحجاج الكناني ، عن عبد الله الهمداني ، عن الوليد بن عقبة ، قال : لما فتح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكة ، كان الناس يأتون بصبيانهم فيمسح على رؤوسهم ويدعو لهم ، قال : فأتي بي نبي الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا متطيب بخلوق ، فلم يدع لي ، ولم يمسح برأسي ، قال : ولم يمنعه من ذلك إلا أن أمي خلقتني ، أو كلام يشبهه . فكان ابن عبد الله أو عبد الرحمن من أولئك الصبيان ، وقد يحتمل أن يكون كان قد عقل البيعة حينئذ كيف هي ؟ فبايعه ، فيكون ذلك كما قد قيل فيه ، ويكون أبو بكر - رضي الله عنه - قد تفرد بالبيعة من نفسه يومئذ ، وبالبيعة من أبيه ، وبالبيعة من ابنه ، وبالبيعة من ابن ابنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ما بايعوه عليه يومئذ ، ولا نعلم ذلك اجتمع لأحد من الناس سواه - رضوان الله عليه - والله نسأله التوفيق .
158 - باب بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ قَوْلِهِ : لَا تُخَيِّرُوا بَيْنَ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَصَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ . 1163 - حدثنا حُسَيْنُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حدثنا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ : حدثنا سُفْيَانُ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا تُخَيِّرُوا بَيْنَ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ . 1164 - حدثنا فَهْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ : حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْأَصْبَهَانِيِّ قَالَ : أخبرنا وَكِيعٌ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؛ مِثْلَهُ . 1165 - حدثنا يُونُسُ قَالَ : حدثنا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ قَالَ : حدثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؛ مِثْلَهُ . 1166 - حدثنا ابْنُ أَبِي دَاوُد قَالَ : حدثنا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ الْوَهْبِيُّ قَالَ : حدثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ الْمَاجِشُونِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ قَالَ : حَدَّثَنِي الْأَعْرَجُ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ فِيهِ : لَا تُفَضِّلُوا بَيْنَ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَكَانَ هَذَا عَنَدْنَا - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - عَلَى التَّفْضِيلِ بَيْنَهُمْ وَعَلَى التَّخْيِيرِ بَيْنَهُمْ بِآرَائِنَا وَبِمَا لَمْ يُوقِفْنَا عَلَيْهِ وَلَمْ يُبَيِّنْهُ لَنَا ، فَأَمَّا مَا بَيَّنَهُ لَنَا وَأَعْلَمَنَا فَقَدْ أَطْلَقَهُ لَنَا ، وَعَادَ مَا نَهَى عَنْهُ فِي هَذَا الْبَابِ إلَى مَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا لَمْ يُبَيِّنْهُ لَنَا وَلَمْ يُطْلِقْ لَنَا الْقَوْلَ فِيهِ بِمَا قَدْ تَوَلَّاهُ عَزَّ وَجَلَّ وَمَنَعَنَا مِنْهُ ، وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
673 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في جوابه من سأله عن ذوي المكارم في الجاهلية ممن لم يدرك الإسلام . 5056 - حدثنا أبو أمية ، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا حفص بن غياث ، عن داود وهو ابن أبي هند ، عن الشعبي ، عن مسروق ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : قلت : يا رسول الله ، إن ابن جدعان في الجاهلية كان يصل الرحم ويطعم المسكين ، فهل ذلك نافعه ؟ قال : لا يا عائشة ، إنه لم يقل : رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين . 5057 - وحدثنا محمد بن علي بن داود ، حدثنا عفان بن مسلم ، حدثنا عبد الواحد بن زياد ، عن الأعمش ، عن أبي سفيان ، عن عبيد بن عمير ، عن عائشة مثله ، غير أنه لم يقل فيه : يا عائشة ، وقال فيه زيادة على ما في حديث أبي أمية : ويفك العاني . 5058 - م- وحدثنا ابن أبي داود ، حدثنا عيسى بن إبراهيم ، حدثنا عبد الواحد ، ثم ذكر بإسناده مثله . 5059 - وحدثنا ابن أبي داود ، حدثنا محمد بن المنهال ، حدثنا يزيد بن زريع ، حدثنا عمارة بن أبي حفصة ، عن عكرمة ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : قلت : يا رسول الله ، أخبرني عن ابن عمتي ابن جدعان ، قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما كان ؟ قلت : كان ينحر الكوماء ، وكان يجلب على الماء ، وكان يكرم الجار ، وكان يقري الضيف ، وكان يصدق الحديث ، وكان يصل الرحم ، ويوفي بالذمة ، ويفك العاني ، ويطعم الطعام ، ويؤدي الأمانة ، قال : هل قال يوما واحدا : اللهم إني أعوذ بك من نار جهنم ؟ قلت : ما كان يدري ما نار جهنم ، قال : فلا إذا . قال أبو جعفر : ففي هذا الحديث من جواب رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة في ابن جدعان لما سألته عنه ، ووصفت له من أحواله التي كان عليها في الجاهلية ما وصفته له ، ومن جوابه لها في ذلك أن ذلك غير نافعه ، ولم يزدها على ذلك شيئا . 5060 - وحدثنا إبراهيم بن مرزوق ، حدثنا وهب بن جرير ، أنبأنا شعبة ، عن سماك بن حرب ، عن مري بن قطري رجل من بني ثعل ، عن عدي بن حاتم قال : قلت : يا رسول الله ، إن أبي كان يفعل كذا وكذا ، ويصل الرحم ، قال : إن أباك أراد أمرا فأدركه . 5061 - وحدثنا إبراهيم ، حدثنا أبو حذيفة ، حدثنا سفيان ، عن سماك ، عن مري ، عن عدي بن حاتم قال : قلت للنبي صلى الله عليه وسلم : إن أبي كان يطعم المساكين ، ويعتق الرقاب ، فهل له في ذلك من أجر ؟ قال : فإن أباك كان يلتمس أمرا ، فأصابه . قال أبو جعفر : ففي هذا الحديث من جواب رسول الله صلى الله عليه وسلم عديا لما سأله عن أبيه ، ووصفه له ما وصفه له من الأحوال التي كان عليها ، ومن جواب رسول الله صلى الله عليه وسلم له عند ذلك بما ذكر من جوابه إياه له في هذا الحديث وأن الذي كان من أبيه إنما كان لمعنى قد بلغه ، ولم يتجاوز به رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك . 5062 - وحدثنا إبراهيم بن مرزوق ، حدثنا أبو عاصم ، عن أبي نعامة ، عن عبد العزيز رجل من بني ضبة ، عن سلمان بن عامر أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إن أبي كان يقري الضيف ، ويفعل ويفعل ، وإنه مات قبل الإسلام ، قال : لن ينفعه ذلك ، فلما ولى قال : علي بالشيخ ، فلما جاء قال : إن ذلك لن ينفعه ، ولكن في عقبه أنهم لن يفتقروا ، ولن يذلوا ، ولن يخزوا . وذكر البخاري أن عبد العزيز هذا المذكور في هذا الحديث هو عبد العزيز بن بشير ، وأنه رجل من بني ضبة ، وقال غيره من أهل الحديث : إنه من ولد سلمان بن عامر . فكان جواب رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث بما لم يخرج عما أجاب به عائشة وعديا في الحديثين الأولين غير ما فيه مما قاله له بعد أن أمر برده إليه مما ذكر في حديثه هذا ، وكان ذلك محتملا عندنا - والله أعلم - أن يكون رد رسول الله صلى الله عليه وسلم إياه بشيء قاله له الملك في أمر أبي سلمان : إنه كان يفعل ما كان يفعل من تلك الأشياء ليلحق عقبه منها ما قد أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم سلمان ؛ أنهم لن يفتقروا ، ولن يذلوا ، ولن يخزوا ، كما رد الرجل الذي كان سأله في حديث أبي قتادة : أرأيت إن قتلت في سبيل الله صابرا محتسبا ، مقبلا غير مدبر ، أيكفر الله تعالى عني خطاياي ؟ قال : نعم ، فلما ولى دعاه ، فقال له : إلا أن يكون عليه دين ، كذلك قال لي جبريل عليه السلام . 5063 - وحدثنا الحسين بن نصر ، حدثنا الفريابي ، حدثنا سفيان ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه قال : قال حكيم بن حزام : يا رسول الله ، كنت أدع شيئا تبرعا في الجاهلية . قال : لك ما أسلمت على ما أسلفت من خير . 5064 - حدثنا مصعب بن إبراهيم بن حمزة الزبيري ، حدثنا أبي ، حدثنا عبد العزيز الدراوردي ، حدثنا محمد بن عبد الله بن مسلم بن شهاب الزهري ، عن عمه ، عن عروة أن حكيم بن حزام أخبره أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : أرأيت أمورا كنت أتحنث بها في الجاهلية من صدقة وعتاقة وصلة رحم ، هل لي فيها من أجر ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أسلمت على ما أسلفت من خير . فكان في هذا الحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم جوابا لحكيم عن ما سأله عنه قوله له : أسلمت على ما أسلفت من خير ، فذلك محتمل أن يكون ذلك الخير هو الخير الذي يحمد عليه مثله على ما كان منه ، وإن كان لا أجر له فيه ، فلم يخرج ذلك عما في الآثار الأول التي قد رويناها في هذا الباب . 5065 - وحدثنا ابن أبي داود قال : حدثنا أبو كريب ، أنبأنا معاوية بن هشام ، عن شيبان ، عن جابر ، عن عامر ، عن علقمة ، عن سلمة بن يزيد قال : قلنا : يا رسول الله ، إن أمنا كانت تقري الضيف وتصل الرحم ، وإنها كانت وأدت في الجاهلية ، وماتت قبل الإسلام ، فهل ينفعها عمل إن عملناه عنها ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا ينفع الإسلام إلا من أدرك أمكم ، وما وأدت في النار . ففي هذا الحديث أن الإسلام لا ينفع إلا من أدركه ؛ أي : فأسلم ، ودخل فيه ، وكانت المنفعة المذكورة في هذا الحديث محتملة أن تكون هي المنفعة بالإسلام لا بما سواه مما قد تقدمه في الجاهلية من الأمور المحمودة ، ومحتملة أن تكون نافعة لأهلها في غير الإسلام ، كما ينفعهم لو عملوها في الإسلام ، غير أن جملة ما رويناه في هذا الباب يرجع إلى مراد عاملي الأشياء بإعمالهم إياها ما عملوها له ، كما قال صلى الله عليه وسلم : إنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امريء ما نوى ، فمن كانت هجرته إلى الله عز وجل وإلى رسوله فهجرته إلى الله ورسوله ، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه . وسنذكر ذلك بأسانيده فيما بعد من كتابنا هذا إن شاء الله تعالى . وإذا كانت الأعمال في الإسلام لا تنفع عامليها إلا بنيتهم بها الله عز وجل ، فيكونون بها مريدين له وقاصدين إليه ، فيثيبهم عليها ما يثيبهم عليها ، وإذا عملوها لما سوى ذلك من أمور دنياهم لم يكونوا كذلك ، ولم يكن لهم في ذلك من شيء - كان ما عملوه في الجاهلية من الخير الذي ليس معهم من الإسلام ولا النيات التي يريدون بأعمالهم فيها الله عز وجل أحرى أن لا يثابوا عليها ، وأن لا يؤتوا بها إلا ما قصدوا بها إليه في دنياهم من أسباب دنياهم ، فقد ائتلفت هذه الآثار التي رويناها في هذا الباب ، وصدق معاني بعضها بعضا ، ولم يخرج شيء فيها ، عن شيء إلى ما يضادها ، وبالله التوفيق .
159 - باب بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -فِي تَسْمِيَةِ الْمَوْلُودِ يَوْمَ سَابِعِهِ وَفِي تَسْمِيَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْضَ الْمَوْلُودِينَ قَبْلَ ذَلِكَ . 1167 - حدثنا بَكَّارَ بْنُ قُتَيْبَةَ قَالَ : حدثنا قُرَيْشُ بْنُ أَنَسٍ قَالَ : حدثنا أَشْعَثُ ، عَنْ الْحَسَنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : الْغُلَامُ مُرْتَهَنٌ بِعَقِيقَتِهِ ، أَوْ قَالَ : بِعَقِيقَةٍ تُذْبَحُ يَوْمَ السَّابِعِ ، وَيُحْلَقُ رَأْسُهُ ، وَيُسَمَّى . قَالَ قُرَيْشٌ : وَأخبرنا حَبِيبُ بْنُ الشَّهِيدِ أَنَّ ابْنَ سِيرِينَ أَمَرَهُ أَنْ يَسْأَلَ الْحَسَنَ مِمَّنْ سَمِعَ حَدِيثَهُ فِي الْعَقِيقَةِ ، قَالَ : فَسَأَلْتُهُ ، فَقَالَ : سَمِعْته مِنْ سَمُرَةَ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَذَهَبَ قَوْمٌ إلَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ قَدْ عَادَ كُلُّهُ إلَى سَمُرَةَ ، فَتَأَمَّلْنَا ذَلِكَ ، فَوَجَدْنَاهُ مُحْتَمِلًا لِغَيْرِ مَا قَالُوا ؛ لِأَنَّ ابْنَ سِيرِينَ إنَّمَا أَمَرَ حَبِيبًا أَنْ يَسْأَلَ الْحَسَنَ مِمَّنْ سَمِعَ حَدِيثَهُ فِي الْعَقِيقَةِ ، فَكَانَ ذَلِكَ قَصْدًا مِنْهُ إلَى الْعَقِيقَةِ لَا إلَى مَا سِوَاهَا مِمَّا فِي حَدِيثِ قُرَيْشٍ هَذَا . فَطَلَبْنَا ذَلِكَ فِي غَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ لِنَقِفَ عَلَى مَأْخَذِهِ عَنْ سَمُرَةَ هَلْ فِيهِ تَسْمِيَةُ الْمَوْلُودِ يَوْمَ سَابِعِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ تَوْقِيفًا مِنْهُ لِلنَّاسِ عَلَى ذَلِكَ أَمْ لَا ؟ . 1168 - فَحدثنا مُحَمَّدُ بْنُ خُزَيْمَةَ قَالَ : حدثنا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ قَالَ : حدثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ قَالَ : حدثنا قَتَادَةَ ، عَنْ الْحَسَنِ ، عَنْ سَمُرَةُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : [ كُلُّ ] غُلَامٍ رَهِينَةٌ بِعَقِيقَةٍ تُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ سَابِعِهِ ، وَيُحْلَقُ رَأْسُهُ ، وَيُسَمَّى . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَلَمْ يَكُنْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لِوَقْتِ تَسْمِيَةِ الْمَوْلُودِ ذِكْرٌ ، ثُمَّ تَأَمَّلْنَا ذَلِكَ هَلْ نَجِدُهُ فِي غَيْرِهِ مِمَّا قَدْ رُوِيَ عَنْ سَمُرَةَ ؟ 1169 - فَوَجَدْنَا إبْرَاهِيمَ بْنَ مَرْزُوقٍ حدثنا قَالَ : حدثنا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ قَالَ : حدثنا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ الْحَسَنِ ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : كُلُّ غُلَامٍ رَهِينٌ بِعَقِيقَتِهِ فَتُذْبَحُ عَنْهُ ، وَيُسَمَّى ، وَيُحْلَقُ رَأْسُهُ فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَكَانَ فِي هَذَا تَسْمِيَتُهُ فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ غَيْرَ أَنَّهُ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ فِي قُلُوبِنَا ؛ لِأَنَّ الَّذِي رَوَاهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ إنَّمَا هُوَ رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ ، وَسَمَاعُ رَوْحٍ مِنْ سَعِيدٍ إنَّمَا كَانَ بَعْدَ اخْتِلَاطِهِ ، فَطَلَبْنَاهُ مِنْ رِوَايَةِ مَنْ سِوَاهُ مِمَّنْ سَمَاعُهُ مِنْهُ كَانَ قَبْلَ اخْتِلَاطِهِ . 1170 - فَوَجَدْنَا أَحْمَدَ بْنَ شُعَيْبٍ حدثنا قَالَ : حدثنا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَا : حدثنا يَزِيدُ - قَالَ أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ : وَهُوَ ابْنُ زُرَيْعٍ - عَنْ سَعِيدٍ قَالَ : أخبرنا قَتَادَةَ ، عَنْ الْحَسَنِ ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : كُلُّ غُلَامٍ رَهِينٌ بِعَقِيقَتِهِ تُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ سَابِعِهِ ، وَيُحْلَقُ رَأْسُهُ ، وَيُسَمَّى . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَعَقَلْنَا بِذَلِكَ أَنَّ جَمِيعَ مَا فِي حَدِيثِ بَكَّارَ ، عَنْ قُرَيْشٍ ، عَنْ أَشْعَثَ ، عَنْ الْحَسَنِ - قَدْ عَادَ كُلُّهُ إلَى سَمُرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ رِوَايَةِ مَنْ لَا طَعْنَ فِي رِوَايَتِهِ بِسَمَاعٍ فِي حَالِ اخْتِلَاطٍ وَلَا بِمَا سِوَى ذَلِكَ ، ثُمَّ نَظَرْنَا هَلْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ . 1171 - فَوَجَدْنَا إبْرَاهِيمَ بْنَ مَرْزُوقٍ قَدْ حدثنا قَالَ : حدثنا عَفَّانَ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ : حدثنا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : وُلِدَ اللَّيْلَةَ لِي غُلَامٌ فَسَمَّيْته بِأَبِي إبْرَاهِيمَ . 1172 - وَوَجَدْنَا فَهْدَ بْنَ سُلَيْمَانَ قَدْ حدثنا قَالَ : حدثنا أَبُو سَلَمَةَ مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ : حدثنا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةَ ، عَنْ ثَابِتٍ قَالَ : قَالَ أَنَسٌ : لَمَّا وَلَدَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي طَلْحَةَ قَالَ لِي أَبُو طَلْحَةَ : يَا أَنَسُ ، لَا يَطْعَمُ شَيْئًا حَتَّى تَغْدُوَ بِهِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَاتَ يَبْكِي . فَلَمَّا أَصْبَحْت غَدَوْت بِهِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : أُمُّ سُلَيْمٍ وَلَدَتْ ؟ فَقُلْت : أَجَلْ . فَقَعَدَ ، وَجِئْت حَتَّى وَضَعْته فِي حِجْرِهِ ، فَدَعَا بِعَجْوَةٍ مِنْ عَجْوَةِ الْمَدِينَةِ ، فَلَاكَهَا فِي فِيهِ ، فَلَاكَهَا حَتَّى ذَابَتْ ، ثُمَّ لَفْظَهَا فِي فَمِهِ . وَجَعَلَ الصَّبِيُّ يَتَلَمَّظُ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : اُنْظُرُوا إلَى حُبِّ الْأَنْصَارِ التَّمْرَ ! وَمَسَحَ وَجْهَهُ وَسَمَّاهُ عَبْدَ اللَّهِ . 1173 - وَوَجَدْنَا مُحَمَّدَ بْنَ خُزَيْمَةَ قَدْ حدثنا قَالَ : حدثنا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ قَالَ : حدثنا حَمَّادٌ ، عَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : ذَهَبْت بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ وُلِدَ ، وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي عَبَاءَةٍ يَهْنَأُ بَعِيرًا لَهُ ، فَقَالَ : أَمَعَك تَمَرَاتٌ ؟ فَقُلْت : نَعَمْ . [ فَلَاكَهُنَّ ] ثُمَّ أَوْجَرَهُنَّ إيَّاهُ ، فَتَلَمَّظَ الصَّبِيُّ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : حُبُّ الْأَنْصَارِ التَّمْرَ ! وَسَمَّاهُ عَبْدَ اللَّهِ . 1174 - حدثنا بَكَّارَ قَالَ : حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَكْرٍ السَّهْمِيُّ قَالَ : حدثنا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ وَلَدَتْ ابْنَهَا عَبْدَ اللَّهِ لَيْلًا ، فَكَرِهْت أَنْ أُحَنِّكَهُ حَتَّى يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُحَنِّكُهُ ، فَغَدَوْت وَمَعِي تَمَرَاتُ عَجْوَةٍ . فَأَتَيْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَهْنَأُ أَبَاعِرَ لَهُ أَوْ يَسِمُهَا ، فَقُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَلَدَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ ، فَكَرِهْت أَنْ أُحَنِّكَهُ حَتَّى تَكُونَ أَنْتَ تُحَنِّكُهُ . فَقَالَ : أَمَعَك شَيْءٌ ؟ قُلْت : تَمَرَاتُ عَجْوَةٍ . فَأَخَذَ مِنْ بَعْضِ ذَلِكَ التَّمْرِ ، فَمَضَغَهُ فَجَمَعَهُ بِرِيقِهِ ، فَأَوْجَرَهُ إيَّاهُ ، فَتَلَمَّظَ الصَّبِيُّ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : حُبُّ الْأَنْصَارِ لِلتَّمْرِ . قُلْت : سَمِّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ ! قَالَ : هُوَ عَبْدُ اللَّهِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَفِيمَا رَوَيْنَا تَسْمِيَةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ابْنَهُ إبْرَاهِيمَ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي طَلْحَةَ بِاسْمَيْهِمَا هَذَيْنِ قَبْلَ يَوْمِ سَابِعِهِمَا ، فَنَظَرْنَا فِي ذَلِكَ لِنَعْلَمَ مَا الْأُولَى مِنْ الرِّوَايَتَيْنِ اللَّتَيْنِ ذَكَرْنَاهُمَا فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ تَسْمِيَةِ الْمَوْلُودِ يَوْمَ سَابِعِهِ ، وَمِنْ تَقْدِيمِ ذَلِكَ قَبْلَ سَابِعِهِ . 1175 - فَوَجَدْنَا أَحْمَدَ بْنَ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ الْمَرْوَزِيِّ قَدْ حدثنا قَالَ : حدثنا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ قَالَ : أخبرنا الْحُسَيْنُ بْنُ وَاقِدٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : كُنَّا فِي الْجَاهِلِيَّةِ إذَا وُلِدَ لَنَا غُلَامٌ ذَبَحْنَا عَنْهُ شَاةً ، وَلَطَّخْنَا رَأْسَهُ بِدَمِهَا ، ثُمَّ كُنَّا فِي الْإِسْلَامِ إذَا وُلِدَ لَنَا غُلَامٌ ذَبَحْنَا عَنْهُ شَاةً ، وَلَطَّخْنَا رَأْسَهُ بِالزَّعْفَرَانِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَعَقَلْنَا بِذَلِكَ أَنَّ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَهُ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ فِي يَوْمِ سَابِعِ الْمَوْلُودِ هُوَ عَلَى مِثْلِ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَهُ فِيهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، وَأَنَّ الَّذِي كَانَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ابْنِهِ إبْرَاهِيمَ وَفِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ مِنْ تَسْمِيَتِهِ إيَّاهُمَا قَبْلَ يَوْمِ سَابِعِهِمَا وَقَبْلَ ذَبْحِ عَقِيقَةٍ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْهُ ، بِأَنَّهَا لَمْ يُنْسَخْ أَنْ يَكُونَ يَوْمَ سَابِعِهِ كَانَ طَارِئًا عَلَى ذَلِكَ وَنَاسِخًا لَهُ ، فَكَانَ أَوْلَى مِمَّا كَانَ قَبْلَهُ مِمَّا يُخَالِفُهُ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ فِي هَذَا الْبَابِ . وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
832- باب بيان مشكل ما رواه نافع ، عن ابن عمر ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المتبايعين أنهما بالخيار حتى يتفرقا ، إلا بيع الخيار . 6182 - حدثنا أحمد بن شعيب ، قال : أخبرنا عمرو بن علي ، قال : حدثنا عبد الوهاب -يعني الثقفي - قال : سمعت يحيى بن سعيد ، يقول : سمعت نافعا ، يحدث عن ابن عمر ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن المتبايعين بالخيار في بيعهما ما لم يتفرقا ، إلا أن يكون البيع خيارا . قال نافع : فكان عبد الله إذا اشترى شيئا يعجبه ، فارق صاحبه . 6183 - وحدثنا أحمد بن شعيب ، قال : أخبرنا علي بن حجر ، قال : حدثنا هشيم ، عن يحيى بن سعيد ، قال : حدثنا نافع ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : المتبايعان لا بيع بينهما حتى يفترقا ، إلا بيع الخيار . قال أبو جعفر : فتأملنا هذا الحديث ، فوجدنا في حديث الثقفي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جعل المتبايعين بالخيار ما لم يتفرقا ، فاحتمل ذلك التفرق أن يكون هو ما ذكره في حديثه هذا عن ابن عمر أنه كان إذا اشترى شيئا يعجبه ، فارق صاحبه ، فيكون ذلك التفرق المذكور في حديثه هذا ، هو التفرق بالأبدان ، ويحتمل أن يكون ذلك التفرق الذي كان ابن عمر يستعمله ، ليس هو التفرق الذي نراه ينقطع به الخيار المذكور في حديثه هذا ، ويكون كان يفعل ذلك ؛ لأن الحديث يحتمله ، وإن كان الذي يراه هو فيه غير ذلك ، فكان يفعل ما يفعل مما ذكره نافع عنه في ذلك احتياطا من قول غيره ، حتى لا يلحقه فيه من قول غيره خلاف ما يريده في بيعه ذلك ، كمثل الذي لحقه في البيع الذي باعه بالبراءة من عيوبه ، على أنه يرى أن الحكم في ذلك هو الذي يراه فيه ، فخوصم فيه إلى عثمان بن عفان - رضي الله عنه - فحكم عليه فيه بخلاف ما كان يراه فيه مما رواه عثمان - رضي الله عنه - الواجب فيه ، ورأى عليه اليمين في ذلك : بالله - عز وجل - ما بعته ذا [ولا] علمته ولا كتمته ، فأبى أن يحلف على ذلك ، وارتجع العبد . فاحتمل أن يكون ما ذكره عنه نافع مما كان يفعله في الحديث الذي ذكرناه عنه لمثل ذلك المعنى أيضا . وقد وجدنا عنه مما قد دلنا على أن مذهبه كان في ذلك المعنى : أن البيع يتم في المبيع قبل افتراق متبايعيه بعد تعاقدهما البيع بأبدانهما . 6184 - كما حدثنا يونس بن عبد الأعلى ، قال : أخبرنا عبد الله بن وهب ، قال : أخبرني يونس بن يزيد ، عن ابن شهاب ، عن حمزة بن عبد الله : أن عبد الله بن عمر ، قال : ما أدركت الصفقة حيا ، فهو من مال المبتاع . 6185 - وكما حدثنا سليمان بن شعيب الكيساني ، قال : حدثنا بشر بن بكر ، قال : حدثني الأوزاعي ، قال : حدثني الزهري ، عن حمزة بن عبد الله : أن عبد الله بن عمر قال ، ثم ذكر مثله. فكان ما في هذا الحديث قد دلنا أن مذهب ابن عمر كان فيما أدركته الصفقة حيا ، أنه يكون من مال مبتاعه ، ولا يكون ذلك كذلك إلا وقد وقع ملكه عليه بالصفقة ، وإن لم يفارق بائعه ببدنه . وكان حديث هشيم عن يحيى الذي ذكرناه من قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المتبايعان لا بيع بينهما حتى يتفرقا ، إلا بيع الخيار ، غير مخالف عندنا لحديثه الآخر الذي ذكرنا ، ويكون معنى : لا بيع بينهما حتى يفترقا ، أي : لا بيع بينهما لا خيار فيه حتى يفترقا ، فإذا تفرقا قطع ذلك التفرق خيارهما فيه إلا بيع الخيار ، بمعنى : فإن الخيار يبقى لصاحبه بعد ذلك إلى المدة المشروط له الخيار فيها . وكان ذلك التفرق المذكور في هذا الحديث مما قد تنازع أهل العلم في تأويله ما هو ؟ فقالت طائفة منهم : هو بين قول البائع للمبتاع : قد بعتك ، وقول المبتاع : قد قبلت ذلك منك ، يكون للبائع الرجوع عن ما قال قبل قول المبتاع له : قد قبلت ذلك منك ، ويكون للمبتاع قبول ذلك القول ما لم يفارق البائع ببدنه ، فإن فارقه ببدنه لم يكن له بعد ذلك أن يقبل منه القول الذي قاله له . وقال قائلو هذا القول : ولولا أن ذلك كذلك ، لكان له قبول ذلك القول بعد المدة الطويلة ، وبعد مفارقته قائله له ببدنه ، وممن كان يقول هذا القول ، ويذهب بمعنى هذا الحديث إلى ذلك التأويل أبو يوسف . 6186 - كما حدثنا جعفر بن أحمد بن الوليد ، عن بشر بن الوليد ، عن أبي يوسف ، وذكرناه بعد ذلك لأحمد بن أبي عمران ، فوافقه على ذلك في روايته إياه عن بشر بن الوليد ، ووافق أبا يوسف على هذا التأويل أيضا عيسى بن أبان . وقال آخرون من أهل العلم : إن قول البائع للمبتاع : قد بعتك ، وقول المبتاع له : قد قبلت منك ، يكونان به مفترقين ، ويكون ذلك كمعنى قول الله - عز وجل - في الطلاق : وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلا مِنْ سَعَتِهِ ، فكأن الزوج إذا قال لامرأته : قد طلقتك على كذا ، فقالت هي له : قد قبلت ذلك منك ، صارا مفترقين الفرقة التي قال الله - عز وجل - وإن لم يتفرقا بأبدانهما . فكان مثل ذلك قول صاحب السلعة لصاحبه الذي ساومه بها : قد بعتك سلعتي بكذا ، فقال له الآخر : قد قبلت ذلك منك ، يكونان به مفترقين الفرقة التي قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإن لم يتفرقا بأبدانهما ، وممن قال هذا القول ، وفسره هذا التفسير محمد بن الحسن. وقال آخرون : الفرقة التي عناها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث ، هي الفرقة بالأبدان بعد التبايع ؛ لأن المساوم والمساوم قبل تعاقدهما البيع متساومان ، وليسا بمتبايعين ، وإنما يكونان متبايعين بعد ما يتعاقدان البيع ، وهناك يجب لهما الخيار لا قبله . وممن كان يذهب إلى ذلك الشافعي ، ويحتج فيه بما قد ذكرنا ، وكان الذي احتج به قد وجدنا في اللغة ما يجوز خلافه ؛ لأنا قد وجدنا فيها إطلاق اسم من قرب من شيء بمعنى : من قد بلغ ذلك الشيء ، وكان من أهله ، وإن لم يكن كذلك في الحقيقة ، ومنه قول الله - عز وجل - : وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ، ليس على معنى أنهن إذا استوفين آجالهن أمسكن بمعروف ، وإنما ذلك على قربهن بلوغ آجالهن ، ويدل على ذلك قول الله - عز وجل - في الآية الأخرى : وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ . ومن ذلك ما قد أطلقه المسلمون جميعا في ابن إبراهيم الذي أمر بذبحه ، إما إسماعيل وإما إسحاق - صلى الله عليهما - أن سموه ذبيحا لقربه من الذبح ، وإن لم يكن ذبح ، ومن ذلك ما يطلقونه مما قد حكاه لنا المزني ، عن الشافعي في تأويل الآية التي ذكرنا أن العرب تقول : قد دخل فلان مدينة كذا ؛ لقربه منها ، وبقصده إلى دخولها ، وإن لم يكن في الحقيقة دخلها ، وإذا كان ذلك كذلك فيما ذكرنا ، كان محتملا في الحديث الذي روينا مثله ، والله أعلم بمراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ذلك بما أراده فيه . ثم نظرنا في هذا الحديث من رواية غير يحيى ، عن نافع كيف هي ؟ . 6187 - فوجدنا عبد الملك بن مروان الرقي قد حدثنا ، قال : حدثنا شجاع بن الوليد السكوني ، عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : كل بيعين بالخيار ما لم يتفرقا ، أو يكون بيع خيار . 6188 - ووجدنا إسحاق بن إبراهيم بن يونس قد حدثنا ، قال : حدثنا بندار ، قال : حدثنا يحيى - يعني ابن سعيد - عن عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : كل بيعين لا بيع بينهما حتى يتفرقا ، أو يكون خيار . 6189 - ووجدنا أحمد بن شعيب قد حدثنا ، قال : أخبرنا عمرو بن علي ، قال : حدثنا يحيى ، عن عبيد الله ، قال : حدثني نافع ، عن ابن عمر ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم ذكر مثله . فكان ما رويناه من حديث عبيد الله هذا يرجع معناه إلى معنى ما رويناه عن يحيى بن سعيد الأنصاري ، عن نافع قبله في هذا المعنى . ثم نظرنا كيف رواه عن نافع غير من ذكرنا ؟ 6190 - فوجدنا أحمد بن شعيب قد حدثنا ، قال : أخبرنا محمد بن علي بن حرب ، قال : حدثنا محرز بن الوضاح ، عن إسماعيل - يعني ابن أمية - الأموي ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا ، إلا أن يكون البيع كان عن خيار ، فإن كان البيع عن خيار ، فقد وجب البيع . فكان ما في هذا الحديث كمثل ما في حديث يحيى وعبيد الله اللذين ذكرناهما قبله . ثم نظرنا كيف رواه عن نافع غير من ذكرنا ؟ . 6191 - فوجدنا إبراهيم بن مرزوق قد حدثنا ، قال : حدثنا عارم أبو النعمان - يعني محمد بن الفضل السدوسي - قال : حدثنا حماد بن زيد ، قال : حدثنا أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : البيعان بالخيار ما لم يتفرقا ، أو يقول أحدهما لصاحبه : اختر ؛ وربما قال : أو يكون بيع خيار . 6192 - ووجدنا أحمد بن شعيب قد حدثنا ، قال : أخبرنا زياد بن أيوب ، قال : حدثنا ابن علية ، قال : حدثنا أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : البيعان بالخيار حتى يتفرقا أو يكون بيع خيار ، وربما قال : بايع ، أو يقول أحدهما للآخر : اختر . 6193 - ووجدنا أحمد بن شعيب قد حدثنا ، قال : أخبرنا عمرو بن علي ، قال : حدثنا عبد الأعلى -يعني ابن عبد الأعلى السامي - قال : حدثنا سعيد -يعني ابن أبي عروبة - عن أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : البيعان بالخيار ما لم يتفرقا ، أو يقول : اختر . فكان ما رواه أيوب ، عن نافع في ذلك كمثل ما رواه عليه من ذكرناه قبله عن نافع إلا أن فيه : أو يقول أحدهما لصاحبه : اختر ، فاحتمل أن يكون ذلك على قول يقوله بعد البيع ، فيكون قد أوجب له خيارا لمن لم يكن له خيار قبله ، واحتمل أن يكون على خيار يتعاقدان البيع عليه ، ويشترطه أحدهما لصاحبه في البيع ، وهو أولى التأويلين به ؛ لأنه يرجع إلى إيجاب ما لم يكن للمقول له قبل ذلك . ثم نظرنا هل روى هذا الحديث عن نافع غير من ذكرنا ؟ . 6194 - فوجدنا المزني قد حدثنا ، قال : حدثنا الشافعي ، عن سفيان ، قال : حدثنا ابن جريج ، قال : أملى علينا نافع : أن عبد الله بن عمر أخبره ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إذا تبايع المتبايعان بالبيع ، فكل واحد منهما بالخيار من بيعه ما لم يتفرقا ، أو يكون بيعهما عن خيار ، فإذا كان عن خيار فقد وجب . 6195 - ووجدنا أحمد بن شعيب قد حدثنا ، قال : أخبرنا علي بن ميمون ، قال : حدثنا سفيان ، ثم ذكر بإسناده مثله ، غير أنه قال : فقد وجب البيع . قال أبو جعفر : فكان معنى هذا قد دخل في معنى ما قد ذكرناه قبله . ثم نظرنا هل رواه عن نافع غير من ذكرنا ؟ . 6196 - فوجدنا يونس قد حدثنا ، قال : حدثنا ابن وهب أن مالكا أخبره ووجدنا المزني قد حدثنا ، قال : أخبرنا الشافعي ، عن مالك ، ثم اجتمعا جميعا ، فقالا : عن نافع ، عن عبد الله بن عمر : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : المتبايعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يتفرقا ، إلا بيع الخيار . قال : فكان معنى هذا الحديث كمعنى ما وافقه في ألفاظه مما قد ذكرناه قبله . ثم نظرنا : هل رواه عن نافع غير من ذكرنا ؟ . 6197 - فوجدنا الربيع المرادي قد حدثنا ، قال : حدثنا شعيب بن الليث ، قال : أخبرنا الليث ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : إذا تبايع الرجلان ، فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا وكانا جميعا ، أو يخير أحدهما الآخر ، فإن خير أحدهما الآخر ، فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع ، وإن تفرقا بعد أن تبايعا ، ولم يترك واحد منهما البيع ، فقد وجب البيع . قال أبو جعفر : كتب هذا الحديث عني أبو عبد الرحمن - يعني النسائي - فكان في هذا الحديث ما قد دل على أن معنى : أو يخير أحدهما الآخر ، فيما قد ذكرناه قبله ، إنما هو على تخير يتعاقد المتبايعان البيع عليه على ما في هذا الحديث ، لا على ما سوى ذلك مما قد حمله بعض الناس عليه ، وكيف يجوز أن يخير من له خيار بعقد البيع ! هذا يبعد قبوله في القلوب ، وإنما يكون التخير لإيجاب ما لم يكن واجبا قبله ، وذلك يوجب أن يكون على ما قد رواه الليث عن نافع ، فيكون الخيار الذي يخيره أحد المتبايعين صاحبه ، هو على الخيار الذي يتراوضان عليه حتى يعقدان البيع عليه ، لا على خيار يستأنفانه بعد البيع . وفي ذلك ما قد دل أن البيع يجب بالتعاقد ، وأنه لا خيار فيه لواحد من متبايعيه بعد تعاقدهما إياه ، إلا أن يكون البيع وقع على أن لأحدهما خيارا إلى مدة ، فيكون له الخيار إلى انقضاء تلك المدة . وقد وجدنا الذي يذهب في الخيار إلى أنه التفرق بالأبدان بعد عقد البيع ، يقول : إذا خير أحدهما صاحبه بعد البيع ، فالخيار الذي يجب له بذلك التخير ، هو الخيار الذي كان واجبا له قبله ، والذي قاله النبي - صلى الله عليه وسلم - من ذلك ، فإنما قاله ليفيد أمته معنى ، وإذا كان على ما قال من تأوله على ما ذكرنا ، لم يكن فيه فائدة ، وحاش لله أن يكون كذلك ، ولكنه عندنا - والله أعلم - على ما قد بينه الليث في حديثه مما يقع عقد البيع عليه ، وإذا كان الخيار إذا وقع البيع عليه ، لم يمنع الذي له الخيار أن يكون مالكا لما ابتاع قبل انقطاع خياره بعد أن يفترق هو وصاحبه عن موطن البيع ، كانا قبل أن يتفرقا عن موطن البيع كذلك أيضا . وكان وجوب الخيار المذكور في الحديث على خلاف ذلك ، وهو الخيار بين العقد وبين القبول على ما ذكرناه عن قائليه في هذا الباب. ثم رجعنا إلى ما يوجبه النظر في ذلك ، فوجدنا التمليكات قد تكون في أموال ، وقد تكون في منافع وهي الإجارات ، وقد تكون في أبضاع ، وهي ما توجبه التزويجات ، وما يوجبه الخلع ، فكانت التمليكات في الأبضاع تتم قبل تفرق متعاقديها ، وكذلك الإيجارت تتم قبل تفرق متعاقديها ، فكان مثل ذلك في القياس تمليكات الأموال ، وهي البياعات ، تتم قبل تفرق متعاقديها بعد تعاقدهما بأبدانهما ، والله نسأله التوفيق .
160 - باب بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَا يُذْبَحُ عَنْ الْمَوْلُودِ الذَّكَرِ يَوْمَ سَابِعِهِ هَلْ هُوَ شَاةٌ أَوْ شَاتَانِ ؟ . 1176 - حدثنا يُونُسَ قَالَ : أخبرنا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : أخبرنا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ أَنَّ قَتَادَةَ حَدَّثَهُ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : عَقَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ حَسَنٍ وَحُسَيْنٍ بِكَبْشَيْنِ . 1177 - حدثنا أَحْمَدُ بْنُ دَاوُد بْنِ مُوسَى قَالَ : حدثنا أَبُو مَعْمَرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ أَبِي الْحَجَّاجِ الْمُنْقِرِيُّ قَالَ : حدثنا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَقَّ عَنْ الْحَسَنِ كَبْشًا وَعَنْ الْحُسَيْنِ كَبْشًا . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَفِيمَا رَوَيْنَا مَا قَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّ الَّذِي يُذْبَحُ عَنْ الْمَوْلُودِ الذَّكَرِ يَوْمَ سَابِعِهِ شَاةٌ وَاحِدَةٌ كَمَا يُذْبَحُ عَنْ الْأُنْثَى ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ وَأَنَّهُ يُذْبَحُ عَنْ الذَّكَرِ شَاتَانِ وَعَنْ الْجَارِيَةِ شَاةٌ . 1178 - كَمَا حدثنا يُونُسُ قَالَ : حدثنا سُفْيَانُ قَالَ : حدثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي يَزِيدَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ سِبَاعِ بْنِ ثَابِتٍ سَمِعَهُ مِنْ أُمِّ كُرْزٍ الْكَعْبِيَّةِ الَّتِي تُحَدِّثُ ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : عَنْ الْغُلَامِ شَاتَانِ ، وَعَنْ الْجَارِيَةِ شَاةٌ . لَا يَضُرُّكُمْ ذُكْرَانًا كُنَّ أَوْ إنَاثًا . 1179 - وَكَمَا حدثنا يُونُسُ وَعَبْدُ الْغَنِيِّ بْنُ أَبِي عَقِيلٍ قَالَا : حدثنا سُفْيَانُ ، عَنْ عَمْرٍو ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ حَبِيبَةَ بِنْتِ مَيْسَرَةَ ، عَنْ أُمِّ كُرْزٍ الْخُزَاعِيَّةِ ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : عَنْ الْغُلَامِ شَاتَانِ ، وَعَنْ الْجَارِيَةِ شَاةٌ . 1180 - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَجَّاجِ الْحَضْرَمِيُّ قَالَ : حدثنا أَسَدُ بْنُ مُوسَى قَالَ : حدثنا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ وَرْدٍ الْمَكِّيُّ قَالَ : سَمِعْت ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ يَقُولُ : نُفِسَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ غُلَامٌ فَقِيلَ لِعَائِشَةَ : يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ ، عُقِّي عَنْهُ جَزُورًا ! فَقَالَتْ : مَعَاذَ اللَّهِ ! وَلَكِنْ مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : شَاتَانِ مُكَافَأَتَانِ . 1181 - وَكَمَا حدثنا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمَرَادِيُّ قَالَ : حدثنا أَسَدُ بْنُ مُوسَى قَالَ : حدثنا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ ، عَنْ سِبَاعِ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنْ أُمِّ كُرْزٍ أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ فِي الْعَقِيقَةِ : فِي الْغُلَامِ شَاتَانِ ، وَفِي الْجَارِيَةِ شَاةٌ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ أَبَا عُبَيْدِ اللَّهِ بْنَ أَبِي يَزِيدَ . 1182 - وَكَمَا قَدْ حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ خُزَيْمَةَ قَالَ : حدثنا الْحَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ قَالَ : حدثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ ، عَنْ حَفْصَةَ ابْنَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ : أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُعَقَّ عَنْ الْغُلَامِ شَاتَانِ ، وَعَنْ الْجَارِيَةِ شَاةٌ . 1183 - وَكَمَا حدثنا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ : حدثنا أَسَدُ بْنُ مُوسَى قَالَ : حدثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ عَطَاءٍ وَطَاوُسٍ وَمُجَاهِدٍ ، عَنْ أُمِّ كُرْزٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : فِي الْغُلَامِ شَاتَانِ مُكَافَأَتَانِ ، وَفِي الْجَارِيَةِ شَاةٌ . 1184 - وَكَمَا حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ خُشَيْشٍ الْبَصْرِيُّ قَالَ : حدثنا عَارِمٌ أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ : حدثنا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ قَالَ : حدثنا قَيْسٌ قَالَ : حَدَّثَنِي عَطَاءٌ ، عَنْ أُمِّ عُثْمَانَ ابْنَةِ خُثَيْمٍ ، عَنْ أُمِّ كُرْزٍ أَنَّهَا سَمِعَتْ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْأَلَ عَنْ الْعَقِيقَةِ فَقَالَ : فِي الْغُلَامِ شَاتَانِ مُكَافَأَتَانِ ، وَفِي الْجَارِيَةِ شَاةٌ . 1185 - وَكَمَا حدثنا أَبُو أُمِّيَّةَ قَالَ : حدثنا خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ الْكَاهِلِيُّ الْمُقْرِئُ قَالَ : حدثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لِلْغُلَامِ عَقِيقَتَانِ ، وَلِلْجَارِيَةِ عَقِيقَةٌ . فَفِيمَا رَوَيْنَا فِي هَذَا الْفَصْلِ الثَّانِي الْمُخَالَفَةُ بَيْنَ مَا يُذْبَحُ عَنْ الذَّكَرِ يَوْمَ سَابِعِهِ وَبَيْنَ مَا يُذْبَحُ عَنْ الْأُنْثَى يَوْمَ سَابِعِهَا ، وَأَنَّهُ يُذْبَحُ عَنْ الذَّكَرِ شَاتَانِ وَعَنْ الْأُنْثَى شَاةٌ وَاحِدَةٌ . وَلَوْ خُلِّينَا وَآرَاءَنَا فِي ذَلِكَ لَكَانَ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَا يُذْبَحُ عَنْ الْغُلَامِ وَبَيْنَ مَا يُذْبَحُ عَنْ الْجَارِيَةِ فِي ذَلِكَ ، كَمَا لَا فَرْقَ بَيْنَ مَا يُذْبَحُ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي الْأَضَاحِيِّ ، وَكَمَا لَا فَرْقَ بَيْنَ مَا يُذْبَحُ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي الْمُتَعِ وَفِي الْقِرَانِ ، وَفِيمَا يَلْزَمُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِيمَا يُصِيبُهُ فِي إحْرَامِهِ مِنْ الدِّمَاءِ ، وَلَكِنَّا لَمْ يُخَلَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ ذَلِكَ ، وَرُدِدْنَا إلَى مَا وَقَفْنَا عَلَيْهِ مِن مَّا قَدْ رَوَيْنَاهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَانَ هُوَ الْأَوْلَى بِنَا ، وَكَانَ مَا رَوَيْنَاهُ فِي الْفَصْلِ الثَّانِي مِنْ هَذَا الْبَابِ أَوْلَى الْأَشْيَاءِ أَنْ نَسْتَعْمِلَهُ ؛ لِأَنَّ فِيهِ الزِّيَادَةَ عَلَى مَا رَوَيْنَاهُ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ مِنْهُ ، فَيَكُونُ مَا أُمِرْنَا بِهِ مِنْ الزِّيَادَةِ عَلَى مَا أُمِرْنَا بِهِ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ مُسْتَعْمَلًا ، وَيَكُونُ أَبَدًا عَلَى مَا أُمِرْنَا بِهِ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ ، وَأَنْ لَا نَجْعَلَ مَا فِي الْفَصْلِ الثَّانِي مِنْ الزِّيَادَةِ مَنْسُوخًا بِمَا فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ حَتَّى نَقِفَ عَلَى أَنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ كَذَلِكَ . وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
672 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله في الأعمى : اذهبوا بنا نعود ذلك البصير . 5055 - حدثنا محمد بن خزيمة ، حدثنا إبراهيم بن بشار الرمادي ، حدثنا سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن محمد بن جبير بن مطعم ، عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : اذهبوا بنا إلى بني واقف ؛ نعود ذلك البصير ، وكان محجوب البصر . فتأملنا هذا الحديث لنقف على المعنى الذي من أجله ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك الرجل بالبصير وهو محجوب البصر ، وقد ذكر الله عز وجل من هو مثله في كتابه بالعمى ، فمن ذلك قوله تعالى : لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ ([ النور : 61 ] ، وقوله : عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى ([ عبس : 1 ] ، وقوله : وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ ([ النمل : 81 ] ، وقوله : أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لا يُبْصِرُونَ ([ يونس : 43 ] ، فوجدنا الله تعالى قد ذكر من به العمى بغير ذلك ، فقال : فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ([ الحج : 46 ] ، فكان في ذلك ما قد دل على أن الأعمى قد يقال له : بصير لبصره بقلبه ما يبصره به ، وإن كان محجوب البصر ، فدل ذلك أنه جائز أن يوصف بالعمى الذي يبصر ، وجائز أن يوصف بالبصر الذي في قلبه ، فذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك الرجل بأحسن أمريه وإن كان له أن يذكره بالآخر منهما . والله نسأله التوفيق .
161 - باب بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ قَوْلِهِ : وَأَمِيطُوا عَنْهُ الْأَذَى يَعْنِي مَا يُفْعَلُ بِالْمَوْلُودِ فِي يَوْم سَابِعِهِ . 1186 - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ خُزَيْمَةَ قَالَ : حدثنا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ قَالَ : حدثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ قَالَ : أخبرنا قَتَادَةَ وَأَيُّوبُ وَيُونُسُ وَهِشَامٌ وَحَبِيبٌ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، عَنْ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ الضَّبِّيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : فِي الْغُلَامِ عَقِيقَةٌ ، فَأَهْرِيقُوا عَنْهُ دَمًا ، وَأَمِيطُوا عَنْهُ الْأَذَى . 1187 - حدثنا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : أخبرنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ : حدثنا سَلْمَانُ بْنُ عَامِرٍ الضَّبِّيُّ قَالَ : سَمِعْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : مَعَ الْغُلَامِ عَقِيقَةٌ ، فَأَهْرِيقُوا عَنْهُ دَمًا ، وَأَمِيطُوا عَنْهُ الْأَذَى . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَكَانَ فِيمَا رَوَيْنَا أَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُمَاطَ عَنْ الْمَوْلُودِ الْأَذَى ، وَذَلِكَ مِمَّا قَدْ أَشْكَلَ عَلَى مَنْ قَبْلَنَا مِنْهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ مَا هُوَ ؟ حَتَّى لَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ فِي ذَلِكَ . 1188 - مَا قَدْ حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ خُزَيْمَةَ قَالَ : حدثنا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ قَالَ : حدثنا يَزِيدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ : حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ ، عَنْ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : فِي الْغُلَامِ عَقِيقَةٌ ، فَأَهْرِيقُوا عَنْهُ دَمًا ، وَأَمِيطُوا عَنْهُ الْأَذَى . قَالَ مُحَمَّدٌ : فَحَرَصْت أَنْ أَعْلَمَ مَا أَمِيطُوا عَنْهُ ، فَلَمْ أَجِدْ أَحَدًا يُخْبِرْنِي . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : ثُمَّ تَأَمَّلْنَا نَحْنُ ذَلِكَ الْأَذَى الَّذِي أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهِ فِي الْمَوْلُودِ لِنَعْلَمَ مَا هُوَ ؟ فَوَجَدْنَا فِي حَدِيثٍ قَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ فِي هَذَا الْمَعْنَى . 1189 - وَهُوَ مَا حدثنا بِهِ يُونُسُ قَالَ : حدثنا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو الْيَافِعِيُّ ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : عَقَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ حَسَنٍ وَحُسَيْنٍ يَوْمَ السَّابِعِ ، وَسَمَّاهُمَا وَأَمَرَ أَنْ يُمَاطَ ، عَنْ رَأْسِهِ الْأَذَى ، يَعْنِي عَنْ رُؤوسِهِمَا . أَنَا أَقُولُ ذَلِكَ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَعَقَلْنَا بِذَلِكَ أَنَّ الْإِمَاطَةَ الَّتِي أَرَادَهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هِيَ الْإِمَاطَةُ عَنْ رَأْسِ الصَّبِيِّ الْمَذْبُوحِ عَنْهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ مَا يُذْبَحُ عَنْهُ فِيهِ . وَقَدْ وَجَدْنَا فِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ الْمَرْوِيِّ عَنْهُ مَا قَدْ زَادَ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الْإِمَاطَةِ الْمُرَادَةِ فِي ذَلِكَ مَا هِيَ ؟ كَمَا 1190 - حدثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ الْمَرْوَزِيِّ قَالَ : حدثنا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ قَالَ : حدثنا الْحُسَيْنُ بْنُ وَاقِدٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : كُنَّا فِي الْجَاهِلِيَّةِ إذَا وُلِدَ لَنَا غُلَامٌ ذَبَحْنَا عَنْهُ شَاةً وَلَطَّخْنَا رَأْسَهُ بِدَمِهَا ، ثُمَّ كُنَّا فِي الْإِسْلَامِ إذَا وُلِدَ لَنَا غُلَامٌ ذَبَحْنَا عَنْهُ شَاةً ، وَلَطَّخْنَا رَأْسَهُ بِالزَّعْفَرَانِ . فَعَقَلْنَا بِذَلِكَ أَنَّ الْأَذَى الَّذِي أُمِرَ بِإِمَاطَتِهِ عَنْ رَأْسِ الْمَوْلُودِ هُوَ الدَّمُ الَّذِي كَانَ يُلَطَّخُ بِهِ رَأْسُهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ 1191 - وَكَمَا حدثنا يُونُسُ قَالَ : حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدٍ الْمُزَنِيّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : يُعَقَّ عَنْ الْغُلَامِ ، وَلَا يُمَسُّ رَأْسُهُ بِدَمٍ . فَكَانَ مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ زِيَادَةً فِي الْكَشْفِ عَنْ الَّذِي يُمَاطُ عَنْ رَأْسِ الْمَوْلُودِ فِي يَوْمِ سَابِعِهِ مَا هُوَ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْأَذَى الَّذِي يُمَاطُ عَنْ رَأْسِهِ هُوَ حَلْقُ الشَّعْرِ الَّذِي عَلَيْهِ كَمِثْلِ الْمُرَادِ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ . يُرِيدُ بِذَلِكَ الْمَحْصُورِينَ عَنْ الْبَيْتِ فِي الْعُمْرَةِ الَّتِي تَوَجَّهُوا لَهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِمُرَادِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَا ذَكَرْنَا . وَإِيَّاهُ نَسْأَلُ التَّوْفِيقَ .
833- باب بيان مشكل ما رواه عبد الله بن دينار عن ابن عمر ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذا المعنى . 6198 - حدثنا بكار بن قتيبة ، قال : حدثنا مؤمل بن إسماعيل ، قال : حدثنا سفيان ، عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : كل بيعين فلا بيع بينهما حتى يتفرقا ، أو يكون بيع خيار . 6199 - وحدثنا إبراهيم بن مرزوق ، قال : حدثنا وهب بن جرير ، قال : حدثنا شعبة ، عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكر مثله . 6200 - وحدثنا نصر بن مرزوق ، قال : حدثنا علي بن معبد ، قال : حدثنا إسماعيل بن جعفر ، عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم ذكر مثله . 6201 - وحدثنا يزيد بن سنان ، قال : حدثنا القعنبي وشيبان بن فروخ ، قالا : حدثنا عبد العزيز القسملي ، قال : حدثنا عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مثله . هكذا روى من ذكرنا هذا الحديث عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر ، وقد رواه سفيان بن عيينة ، عن عبد الله بن دينار ، عن عبد الله بن عمر ، فخالف ذلك . 6202 - كما حدثنا المزني ، قال : حدثنا الشافعي ، قال : حدثنا سفيان ، عن عبد الله بن دينار : أنه سمع عبد الله بن عمر ، يقول : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : يقول البيعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يتفرقا ، أو يكون بيعهما عن خيار ، فإذا كان البيع عن خيار ، فقد وجب . فعاد معنى ما قد روي عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر في هذا المعنى مما قد اختلف عنه فيه ، إلى ما يوافقه مما قد رويناه قبله ، وكلامنا فيه ككلامنا في مثله مما قد تقدم مما روي عن نافع ، عن ابن عمر والله نسأله التوفيق .
162 - باب بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْعَقِيقَةِ ، وَهَلْ هُوَ عَلَى الْوُجُوبِ ؟ أَوْ عَلَى الِاخْتِيَارِ ؟ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : قَدْ رَوَيْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ مِنَّا فِي هَذِهِ الْأَبْوَابِ فِي الذَّبَائِحِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : الْمَوْلُودُ مُرْتَهَنٌ بِعَقِيقَتِهِ . وَفِي ذَلِكَ مَا قَدْ دَلَّ عَلَى وُجُوبِ ذَبْحِهَا . وَقَدْ رُوِيَ فِيمَا يُؤَكِّدُ ذَلِكَ . 1192 - مَا حدثنا الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَنْصُورٍ الْبَالِسِيُّ قَالَ : حدثنا الْهَيْثَمُ بْنُ جَمِيلٍ قَالَ : حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُثَنَّى بْنِ أَنَسٍ ، عَنْ ثُمَامَةَ بْنِ أَنَسٍ ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَقَّ عَنْ نَفْسِهِ بَعْدَمَا جَاءَتْهُ النُّبُوَّةُ . 1193 - وَمَا حدثنا الْحُسَيْنُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حدثنا الْهَيْثَمُ بْنُ جَمِيلٍ قَالَ : حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُثَنَّى بْنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ آلِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَكَانَ فِيمَا رَوَيْنَا مِنْ هَذَا تَوْكِيدُ وُجُوبِهَا . ثُمَّ نَظَرْنَا هَلْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ أَمْ لَا . 1194 - فَوَجَدْنَا أَحْمَدَ بْنَ شُعَيْبٍ قَدْ حدثنا قَالَ : حدثنا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ يَعْنِي الرَّهَاوِيَّ قَالَ : حدثنا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ : حدثنا دَاوُد بْنُ قَيْسٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ : سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الْعَقِيقَةِ فَقَالَ : لَا أُحِبُّ الْعُقُوقَ ! وَكَأَنَّهُ كَرِهَ الِاسْمَ . قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّمَا نَسْأَلُك عَنْ أَحَدِنَا يُولَدُ لَهُ ! قَالَ : مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْسُكَ عَنْ وَلَدِهِ فَلْيَنْسُكْ عَنْهُ ، عَنْ الْغُلَامِ شَاتَانِ مُكَافَأَتَانِ ، وَعَنْ الْجَارِيَةِ شَاةٌ . قَالَ دَاوُد : فَسَأَلْت زَيْدَ بْنَ أَسْلَمَ عَنْ الْمُكَافَأَتَيْنِ ، قَالَ : الشَّاتَانِ الْمُشْبِهَتَانِ يُذْبَحَانِ جَمِيعًا . 1195 - وحدثنا فَهْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ : حدثنا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ : حدثنا سُفْيَانُ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي ضَمْرَةَ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ قَوْمِهِ سَأَلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ : مَا تَرَى فِي الْعَقِيقَةِ ؟ فَقَالَ : لَا أُحِبُّ الْعُقُوقَ ! وَمَنْ وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ فَأَحَبَّ أَنْ يَنْسُكَ عَنْهُ فَلْيَفْعَلْ . 1196 - وَوَجَدْنَا عَبْدَ الْغَنِيِّ بْنَ أَبِي عَقِيلٍ قَدْ حدثنا قَالَ : حدثنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي ضَمْرَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ أَوْ عَنْ عَمِّهِ : سُئِلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الْعَقِيقَةِ فَقَالَ : لَا أُحِبُّ الْعُقُوقَ ! وَلَكِنْ مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْسُكَ عَنْ وَلَدِهِ فَلْيَفْعَلْ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَكَانَ مَا فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ قَدْ دَلَّ أَنَّ أَمْرَهَا قَدْ رُدَّ إلَى الِاخْتِيَارِ ؛ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ وُلِدَ لَهُ مَوْلُودٌ فَأَرَادَ أَوْ أَحَبَّ أَنْ يَنْسُكَ عَنْهُ فَلْيَفْعَلْ . وَكَانَ مَا قَدْ رَوَيْنَاهُ قَبْلَ ذَلِكَ فِي تَوْكِيدِ أَمْرِهَا هُوَ عَلَى حَسَبِ مَا كَانَتْ عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، ثُمَّ جَاءَ الْإِسْلَامُ فَأُقِرَّتْ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ . فَعَقَلْنَا بِذَلِكَ أَنَّ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِمَّا قَدْ خَالَفَ ذَلِكَ كَانَ طَارِئًا عَلَيْهِ وَنَاسِخًا لَهُ . وَاَللَّهُ نسأل الْتوَفّيِقُ !
671 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبوله الهدايا من ملوك الأعاجم واستئثاره بها ، وما روي مما يدل على أنه صلى الله عليه وسلم في ذلك بخلاف من تولى أمور المسلمين بعده . 5040 - حدثنا فهد بن سليمان ، حدثنا إسرائيل ، عن ثوير يعني ابن أبي فاختة ، عن أبيه وهو أبو فاختة سعيد بن علاقة ، عن علي رضي الله عنه قال : أهدى كسرى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبل منه ، وأهدت إليه الملوك فقبل منهم . 5041 - حدثنا علي بن عبد الرحمن ، حدثنا يحيى بن معين ، حدثنا زيد بن الحباب ، حدثنا مندل بن علي ، عن محمد بن إسحاق ، عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله ، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : أهدى المقوقس صاحب مصر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قدحا من زجاج ، وكان يشرب فيه . 5042 - وحدثنا فهد ، حدثنا معلى بن راشد ، حدثنا عمارة بن زاذان الصيدلاني ، عن ثابت ، عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن ملك ذي يزن أهدى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حلة بثلاثين قلوصا ، أو ثلاثين بعيرا ، قال عمارة : فحدثني رجل عن ثابت ، عن أنس أنه قد لبسها . 5043 - وحدثنا فهد ، حدثنا أبو غسان ، حدثنا عمارة بن زاذان ، عن ثابت البناني ، عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن ملك ذي يزن أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم حلة قد أخذت بثلاثة وثلاثين بعيرا ، أو ثلاثة وثلاثين جملا . 5044 - وحدثنا فهد ، حدثنا محمد بن كثير الصنعاني قال : سمعت معمرا ، عن الزهري قال : أخبرني كثير بن العباس بن عبد المطلب ، عن العباس بن عبد المطلب قال : شهدت حنينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلة بيضاء أهداها إليه فروة بن نفاثة الجذامي . 5045 - وحدثنا فهد ، حدثنا أبو نعيم ، حدثنا دلهم يعني ابن صالح ، حدثني حجير أو فلان بن حجير ، عن عبد الله بن بريدة ، عن أبيه أن صاحب الحبشة أهدى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خفين ساذجين ، فلبسهما ، ومسح عليهما . 5046 - وحدثنا يونس ، حدثنا علي بن معبد ، عن عبيد الله بن عمرو ، عن عبد الله بن محمد بن عقيل ، عن ابن عمر رضي الله عنه قال : كساني رسول الله صلى الله عليه وسلم حلة من حلل السيراء مما أهدى إليه فيروز ، فلبست الإزار ، فأغرقني طولا وعرضا ، فسحبته ، ولبست الرداء ، فتقنعت به ، فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم : يا عبد الله بن عمر ، ارفع الإزار ؛ فإن ما مس التراب إلى أسفل الرجل من الكعبين من الإزار في النار ، قال عبد الله بن محمد : فلم أر أحدا قط أشد تشميرا لإزاره من عبد الله بن عمر . 5047 - وحدثنا يونس بن عبد الأعلى ، أنبأنا عبد الله بن وهب قال : أخبرني يونس بن يزيد ، عن ابن شهاب قال : حدثني عبد الرحمن بن عبد القاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس صاحب الإسكندرية , يعني بكتابه معه إليه , فقبل كتابه وأكرم حاطبا , وأحسن نزله , ثم سرحه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم , وأهدى له مع حاطب كسوة وبغلة شهباء بسرجها , وجاريتين , إحداهما أم إبراهيم , وأما الأخرى فوهبها لجهم بن قيس العبدري , وهي أم زكريا بن جهم , الذي كان خليفة عمرو بن العاص على مصر وسمعت يونس يقول : قال لي هارون بن عبد الله القاضي : يا أبا موسى , لقد سمعنا عندكم هاهنا شيئا ما سمعناه قبل قدومنا عليكم , فقلت له : وما هو ؟ قال : حديث عن ابن وهب ، عن يونس ، عن ابن شهاب قال : أخبرني عبد الرحمن بن عبد القاري , وإنما الذي كنا نعرفه من حديث ابن شهاب ، عن عبد الرحمن بن عبد هو ما كان يحدثه عن عروة عنه , أو عمن سواه عنه , منهم حميد بن عبد الرحمن , فقلت له : هو كما سمعت ، أخبرناه عبد الله بن وهب , ثم حدثته هذا الحديث , قال أبو جعفر : وداره دار العيزار التي عند الشرط . قال أبو جعفر : وقد زعم غير واحد من أهل العلم بالتاريخ أن عبد الرحمن بن عبد قد كان حج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم , فأدخلنا حديثه في المسند لذلك . 5048 - وحدثنا موسى بن الحسن المعروف بالسقلي ، حدثنا محمد بن عباد المكي ، حدثنا حاتم بن إسماعيل ، عن بشير بن المهاجر ، عن عبد الله بن بريدة ، عن أبيه قال : أهدى أمير القبط لرسول الله صلى الله عليه وسلم جاريتين أختين قبطيتين وبغلة , فأما البغلة فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يركبها , وأما إحدى الجاريتين فتسراها فولدت له إبراهيم , وأما الأخرى فأعطاها حسان بن ثابت الأنصاري . قال أبو جعفر : فكان في هذه الآثار قبول رسول الله صلى الله عليه وسلم هدايا من ذكرت هداياه إليه في هذه الآثار , واستئثاره بها وتركه ردها إلى أموال المسلمين . فسأل سائل عن المعنى في ذلك , وفي مخالفته بين نفسه وبين من سواه من أمته في هذا المعنى , على ما قد ذكرناه في الباب الذي قبل هذا الباب . فكان جوابنا له في ذلك : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كان الله عز وجل اختصه في أموال أهل الحرب بخاصة تخالف بينه وبين غيره من أمته , فقال عز وجل فيما أنزل من كتابه عليه : وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ ([ الحشر : 6 ] وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مخصوصا بذلك , وبهذا المعنى كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه حاج العباس وعليا بما حاجهما به فيما كانا خاصما إليه فيه . 5049 - كما ، حدثنا يزيد بن سنان وأبو أمية قالا : حدثنا بشر بن عمر الزهراني ، حدثنا مالك بن أنس ، عن ابن شهاب ، عن مالك بن أوس بن الحدثان قال : سمعت عمر بن الخطاب يقول لعلي والعباس : هل تعلمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا نورث , ما تركنا صدقة ؟ فقالا : نعم , قال : فإن الله عز وجل خص رسوله صلى الله عليه وسلم بخاصة لم يخص بها أحدا من الناس , فقال : وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ([ الحشر : 6 ] , فكان الله عز وجل أفاء على رسوله بني النضير , فوالله ما استأثر بها عليكم , ولا أخذها دونكم , فكان صلى الله عليه وسلم يأخذ منها نفقة بيته , أو نفقته ونفقة أهله سنة , ويجعل ما بقي أسوة المال , ثم أقبل على أولئك الرهط - يعني عثمان , وعبد الرحمن بن عوف , والزبير بن العوام , وسعد بن أبي وقاص رضي الله عنهم - فقال : أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض , هل تعلمون ذلك ؟ قالوا : نعم . 5050 - وكما حدثنا المزني , حدثنا الشافعي ، عن سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن ابن شهاب , سمع مالك بن أوس بن الحدثان يقول : سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول : إن أموال بني النضير كانت مما أفاء الله عز وجل على رسوله مما لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب , فكانت أموالهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم خالصا , فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفق على أهله منها نفقة سنة , وما بقي جعله في الخيل والكراع عدة في سبيل الله عز وجل . قال أبو جعفر : فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد خصه الله بما خصه به من أموال المشركين مما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب , فكان من ذلك ما جاء من هدايا المشركين مما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب , فاستأثر به رسول الله صلى الله عليه وسلم لذلك , فكان من سواه من أمته في مثله بخلاف ذلك , فكان منه صلى الله عليه وسلم فيمن استأثر بشيء منه ما قد ذكرناه في الآثار التي ذكرناها في الباب الذي قبل هذا الباب . فقال قائل : فقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم رده لهدايا المشركين وقوله : إنا لا نقبل زبد المشركين , يعني رفدهم , وذكر في ذلك . 5051 - ما قد حدثنا أبو أيوب الأردني المعروف بابن خلف , حدثنا خلف بن هشام البزار , حدثنا حماد بن زيد ، عن أبي التياح ، عن الحسن ، عن عياض بن حمار قال : وكان حرمي رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجاهلية , فأهدى له هدية فردها , وقال : إنا لا نقبل زبد المشركين . 5052 - وما قد حدثنا أبو أيوب , حدثنا خلف , حدثنا حماد بن زيد ، عن ابن عون قال : سألت الحسن : ما زبد المشركين ؟ قال : رفدهم . 5053 - وما قد حدثنا فهد وابن أبي داود قالا : حدثنا عمرو بن مرزوق , حدثنا عمران وهو القطان ، عن قتادة ، عن يزيد بن عبد الله بن الشخير ، عن عياض بن حمار قال : أهديت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ناقة أو قال : هدية , فقال لي : أسلمت ؟ , فقلت : لا , قال : إني قد نهيت عن زبد المشركين . 5054 - وما قد حدثنا ابن أبي داود ، حدثنا أبو معمر عبد الله بن عمروحدثنا عبد الوارث بن سعيد ، حدثنا أبو التياح ، عن الحسن أن عياض بن حمار وكان حرمي رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجاهلية , فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم أتاه بناقة , فلما رآها قال : يا عياض , ما هذه ؟ , قال : أهديتها لك , قال : قدها , فقادها , فقال : ردها , فردها , قال : يا عياض , هل أسلمت بعد ؟ , قال : لا , فلم يقبلها , وقال : إن الله تعالى حرم علينا زبد المشركين , قال : والعرب تسمي الهدية الزبد . وقال أبو عبيدة : الحرمي يكون من أهل الحرم , ويكون الصديق , يقال له : حرمي . قال هذا القائل : ففي هذه الآثار قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في هدايا المشركين ما قاله فيها , وإعلامه عياضا أن الله تعالى قد نهاه عن قبولها , وهذا خلاف ما رويتموه في هذا الباب من قبول رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قبله منها . فكان جوابنا له في ذلك : أنه قد يحتمل أن يكون الله تعالى نهاه عن قبول زبد المشركين في حال وإباحة ذلك في حال أخرى , وكان منعه إياه من ذلك قبل إنزاله عز وجل عليه : وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ ([ الحشر : 6 ] الآية التي تلونا في هذا الباب , ثم أنزل عليه هذه الآية , فجعل لهم من أموالهم ما صار بغير إيجاف منه عليه بخيل ولا ركاب , فكان ما صار إليه من هداياهم كما قدر عليهم من أموالهم سوى ذلك بغير إيجاف عليه بخيل ولا ركاب , فقبلها لذلك . والله أعلم بما كان ذلك عليه في الحقيقة , وإياه نسأله التوفيق .
163 - باب بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْعَتِيرَةِ وَهَلْ هِيَ الرَّجَبِيَّةُ ؟ أَمْ لَا ؟ . 1197 - حدثنا سُلَيْمَانُ بْنُ شُعَيْبٍ الْكَيْسَانِيُّ قَالَ : حدثنا أَبِي ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ فِي إمْلَائِهِ عَلَيْهِمْ قَالَ : وَذَبْحٌ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يَذْبَحُونَ فِي رَجَبٍ شَاةً وَهِيَ الرَّجَبِيَّةُ ، كَانَ أَهْلُ الْبَيْتِ يَذْبَحُونَهَا فَيَأْكُلُونَ وَيَطْبُخُونَ وَيُطْعِمُونَ . وَالْعَتِيرَةُ كَانَ الرَّجُلُ إذَا وُلِدَتْ لَهُ النَّاقَةُ أَوْ الشَّاةُ ذَبَحَ أَوَّلَ وَلَدٍ تَلِدُهُ لَهُ ، فَأَكَلَ وَأَطْعَمَ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَسُئِلَ عَنْ الْعَتِيرَةِ فَقَالَ : أَنْ يَدَعَهُ حَتَّى يَكُونَ شُغْزُبًّا خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَنْحَرَهُ يَلْصَقُ لَحْمُهُ بِوَبَرِهِ ، وَتَكْفَأُ إنَاءَك وَتُولِهُ نَاقَتَك . وَسَمِعْت الْمُزَنِيّ يَقُولُ : قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَالْعَتِيرَةُ هِيَ الرَّجَبِيَّةُ ، وَهِيَ ذَبِيحَةٌ كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَتَبَرَّرُونَ بِهَا ، يَذْبَحُونَهَا فِي رَجَبٍ . فَكَانَ فِيمَا رَوَيْنَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ أَنَّ الْعَتِيرَةَ خِلَافُ الرَّجَبِيَّةِ ، وَكَانَ فِيمَا رَوَيْنَا عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْعَتِيرَةَ هِيَ الرَّجَبِيَّةُ . وَلَمَّا اخْتَلَفَا فِي ذَلِكَ طَلَبْنَا حَقِيقَتَهَا فِي الْآثَارِ الْمَرْوِيَّةِ فِيهَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؛ لِنَقِفَ بِذَلِكَ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ اللَّذَيْنِ قِيلَا فِيهَا 1198 - فَوَجَدْنَا عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ قَدْ حدثنا قَالَ : حدثنا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو رَمْلَةَ ، عَنْ مِخْنَفِ بْنِ سُلَيْمٍ قَالَ : وَنَحْنُ وُقُوفٌ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِعَرَفَةَ فَقَالَ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، إنَّ عَلَى أَهْلِ كُلِّ بَيْتٍ فِي كُلِّ عَامٍ أَضْحَاةً وَعَتِيرَةً . هَلْ تَدْرُونَ مَا الْعَتِيرَةُ ؟ قَالَ : فَلَا أَدْرِي مَا كَانَ مِنْ رَدِّهِمْ عَلَيْهِ . قَالَ : هِيَ الَّتِي يَقُولُ النَّاسُ : الرَّجَبِيَّةُ . 1199 - وَوَجَدْنَا صَالِحَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَنْصَارِيَّ قَدْ حدثنا قَالَ : حدثنا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ : حدثنا هُشَيْمُ قَالَ : حدثنا ابْنُ عَوْنٍ ، عَنْ أَبِي رَمْلَةَ الْكِنْدِيِّ ، عَنْ مِخْنَفِ بْنِ سُلَيْمٍ قَالَ : سَمِعْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَتَيْنَاهُ فِي وَفْدِ غَامِدٍ ، فَقَالَ : إنَّ عَلَى كُلِّ أَهْلِ بَيْتٍ فِي كُلِّ عَامٍ أَضْحَاةً وَعَتِيرَةً . قَالَ : فَقُلْنَا : مَا الْعَتِيرَةُ ؟ قَالَ : الرَّجَبِيَّةُ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَعَقَلْنَا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْعَتِيرَةَ هِيَ الرَّجَبِيَّةُ ، وَوَجَدْنَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى إيجَابِهَا كَإِيجَابِ الْأُضْحِيَّةِ ، فَاحْتَجْنَا إلَى الْوُقُوفِ عَلَى مَا رُوِيَ فِي غَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَعَلَى اسْتِعْمَالِ أَحَدٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ إيَّاهُ . 1200 - فَوَجَدْنَا فَهْدَ بْنَ سُلَيْمَانَ قَدْ حدثنا قَالَ : حدثنا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْحِمَّانِيُّ قَالَ : حدثنا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ ، عَنْ وَكِيعِ بْنِ عُدُسٍ ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي رَزِينٍ وَهُوَ لَقِيطُ بْنُ عَامِرٍ أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : إنَّا كُنَّا نَذْبَحُ ذَبَائِحَ فِي رَجَبٍ فَنُطْعِمُ مَنْ جَاءَنَا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا بَأْسَ . قَالَ وَكِيعٌ : لَا أَتْرُكُهَا أَبَدًا . 1201 - وَوَجَدْنَا عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ قَدْ حدثنا قَالَ : حدثنا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ ، عَنْ ابْنِ عَوْنٍ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ كَانَ يَعْتِرُ . قَالَ مُعَاذٌ : وَكَانَ ابْنُ عَوْنٍ يَعْتِرُ ، قَالَ مُعَاذٌ : الْعَتِيرَةُ شَاةٌ تُذْبَحُ فِي رَجَبٍ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : ثُمَّ نَظَرْنَا هَلْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا يَنْسَخُ ذَلِكَ أَمْ لَا . 1202 - فَوَجَدْنَا يُوسُفَ بْنَ يَزِيدَ قَدْ حدثنا قَالَ : حدثنا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ : حدثنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا فَرَعَةَ ، وَلَا عَتِيرَةَ . قَالَ سُفْيَانُ : يَقُولُ : فِي الْإِسْلَامِ . ثُمَّ قَالَ لَنَا الزُّهْرِيُّ : ZZ الْفَرَعَةُ أَوَّلُ النَّتَاجِ ، وَالْعَتِيرَةُ شَاةٌ كَانُوا يَذْبَحُونَهَا فِي رَجَبٍ . 1203 - وَوَجَدْنَا يُوسُفَ قَدْ حدثنا قَالَ : حدثنا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ : حدثنا هُشَيْمٌ قَالَ : حَدَّثَنِي سُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ قَالَ : حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا عَتِيرَةَ فِي الْإِسْلَامِ ، وَلَا فَرَعَ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ نَفْيُ الْعَتِيرَةِ ، وَقَدْ يَحْتَمِلُ نَفْيُهَا الْمَذْكُورُ فِيهِ نَفْيَ الْوُجُوبِ ، وَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ أَنْ يَفْعَلَ فِعْلًا لَا مَعْصِيَةَ فِيهِ . وَلَا خِلَافَ لِمَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَقَدْ يُحْتَمَلُ خِلَافُ ذَلِكَ ، فَنَظَرْنَا فِي ذَلِكَ . 1204 - فَوَجَدْنَا الْمُزَنِيّ قَدْ حدثنا قَالَ : حدثنا الشَّافِعِيُّ قَالَ : سَمِعْت عَبْدَ الْوَهَّابِ بْنَ عَبْدِ الْمَجِيدِ يُحَدِّثُ ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ ، عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ ، عَنْ نُبَيْشَةَ قَالَ : سَأَلَ رَجُلٌ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّا كُنَّا نَعْتِرُ عَتِيرَةً فِي رَجَبٍ فَمَا تَأْمُرُنَا ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : اذْبَحُوا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي أَيِّ شَهْرٍ مَا كَانَ ، وَبَرُّوا اللَّهَ وَأَطْعِمُوا . سَمِعْت الْمُزَنِيّ يَقُولُ : وَبَرُّوا اللَّهَ أَوْ أَوْثِرُوا اللَّهَ ، الشَّكُّ مِنْ الْمُزَنِيّ . 1205 - وَوَجَدْنَا يُوسُفَ بْنَ يَزِيدَ قَدْ حدثنا قَالَ : حدثنا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ : حدثنا هُشَيْمٌ قَالَ : حدثنا خَالِدٌ ، عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ الْهُذَلِيِّ ، عَنْ نُبَيْشَةَ الْهُذَلِيِّ قَالَ : سَأَلْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّا كُنَّا نَعْتِرُ عَتِيرَةً لَنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، فَمَا تَأْمُرُنَا ؟ قَالَ : اذْبَحُوا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي أَيِّ شَهْرٍ مَا كَانَ ، وَبَرُّوا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَأَطْعِمُوا . قَالَ : وَقُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّا كُنَّا نُفَرِّعُ فَرَعًا لَنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَمَا تَأْمُرُنَا ؟ قَالَ : فِي كُلِّ سَائِمَةٍ فَرَعٌ تَغْذُوهُ مَاشِيَتُك ، فَإِذَا اسْتَكْمَلَ ذَبَحْته ، فَتَصَدَّقْت بِلَحْمِهِ . قَالَ : أَحْسَبُهُ قَالَ : عَلَى ابْنِ السَّبِيلِ ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا قَدْ عَقَلْنَا بِهِ أَنَّ أَمْرَ الْعَتِيرَةِ رُدَّ إلَى الِاخْتِيَارِ وَنَفْيِ الْوُجُوبِ ، وَأَنَّهُ بَرَّ مَنْ أَخَذَ بِهِ فَقَدْ أَحْسَنَ ، وَمَنْ نَكِرَهُ لَمْ يَحْرَجْ . 1206 - وَوَجَدْنَا إبْرَاهِيمَ بْنَ أَبِي دَاوُد قَدْ حدثنا قَالَ : حدثنا أَبُو مَعْمَرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ أَبِي الْحَجَّاجِ قَالَ : حدثنا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : حدثنا عُتْبَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ السَّهْمِيُّ قَالَ : حَدَّثَنِي زُرَارَةُ بْنُ كَرِيمِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَمْرٍو السَّهْمِيُّ ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ : أَتَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ بِمِنًى وَعَرَفَاتٍ ، وَقَدْ أَطَافَ بِهِ النَّاسُ ، فَسَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ الْعَتِيرَةِ ، فَقَالَ : مَنْ شَاءَ أَعْتَرَ وَمَنْ شَاءَ لَمْ يَعْتِرْ ، وَمَنْ شَاءَ فَرَّعَ وَمَنْ شَاءَ لَمْ يُفَرِّعْ . وَقَالَ : فِي الْغَنَمِ أُضْحِيَّتُهَا . وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ ، وَعَطَفَ طَرَفَهَا شَيْئًا . 1207 - وَوَجَدْنَا عَلِيَّ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ قَدْ حدثنا قَالَ : حدثنا عَفَّانَ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ : حدثنا يَحْيَى بْنُ زُرَارَةَ بْنِ كَرِيمِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَمْرٍو السَّهْمِيُّ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ جَدِّهِ الْحَارِثِ أَنَّهُ لَقِيَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ قَالَ : فَقُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، الْفَرَائِعُ وَالْعَتَائِرُ ؟ قَالَ : مَنْ شَاءَ أَفْرَعَ وَمَنْ شَاءَ لَمْ يُفْرِعْ ، وَمَنْ شَاءَ عَتَرَ وَمَنْ شَاءَ لَمْ يَعْتِرْ . فِي الْغَنَمِ أُضْحِيَّتُهَا . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَكَشَفَ لَنَا هَذَا الْحَدِيثُ عَن مَّا الْتَمَسْنَاهُ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنَّا فِي هَذَا الْبَابِ . وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
834- باب بيان مشكل ما روى عبد الله بن عمرو بن العاص ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا المعنى . 6203 - حدثنا أبو العوام محمد بن عبد الله بن عبد الجبار ، قال : حدثني المفضل بن فضالة ، عن ابن عجلان ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا ، إلا أن تكون صفقة خيار ، فلا يحل له أن يفارق صاحبه خشية أن يستقيله . 6204 - وحدثنا أحمد بن شعيب ، قال : أخبرنا قتيبة بن سعيد ، قال : حدثنا الليث ، عن ابن عجلان ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مثله . فتأملنا هذا الحديث ، فكان فيه من ذكر المتبايعين أنهما بالخيار ما لم يتفرقا ، كمثل ما في حديث نافع عن ابن عمر مما يوافقه ، ومما يعود معناه إليه مما قد ذكرناه فيما قد تقدم منا في كتابنا هذا ، وكان معنى قوله : أو تكون صفقة خيار ، على ما في حديث ابن عمر : إلا بيع الخيار ، وكان ما فيه من قوله : فلا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله لم نجد له معنى أولى به من أن يكون : لا يحل للذي عليه الخيار من المتبايعين في بيع الخيار أن يفارق صاحبه الذي له عليه فيه الخيار خشية أن يستقيله بمعنى : يستقيله في بيعه برده إياه عليه ، وحله فيما بينه وبينه ، ويكون ذلك التفرق خلاف التفرق الأول المختلف في تأويله على ما قد ذكرنا ، ويكون غير منقطع عنه إن طلبه حتى يرده عليه ، وحتى يبرأ إليه من ضمانه إياه ؛ لأن اللغة تطلق ذلك حتى يقول الرجل : ما فارقت فلانا منذ كذا وكذا من السنين ، لا يريد بذلك أنه لم يفارقه من وقوع عينيه عليه ، ومن قرب بدنه من بدنه ، ولكن لم يفارقه بالملازمة المعقولة من مثله ، وهذا يشد ما قد كان أبو حنيفة ومحمد بن الحسن يذهبان إليه فيمن له الخيار من المتبايعين : أنه لا يكون له نقض البيع بخياره فيه ، إلا بمحضر من صاحبه والله أعلم بمراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ذلك ، وإياه نسأله التوفيق .
164 - باب بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْفَرَعَةِ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : قَدْ رَوَيْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ مِنَّا فِي هَذِهِ الْأَبْوَابِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْفَرَعِ مَا قَدْ رَوَيْنَاهُ عَنْهُ فِيهَا ، فَأَرَدْنَا أَنْ نَعْلَمَ مَا ذَلِكَ الْفَرَعُ ؟ 1208 - فَوَجَدْنَا الْمُزَنِيّ قَدْ حدثنا قَالَ : قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ، يَعْنِي الشَّافِعِيَّ فِي تَفْسِيرِ الْفَرَعَةِ : هُوَ شَيْءٌ كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَطْلُبُونَ بِهِ الْبَرَكَةَ فِي أَمْوَالِهِمْ ، فَكَانَ أَحَدُهُمْ يَذْبَحُ بِكْرَ نَاقَتِهِ أَوْ شَاتِهِ ، وَلَا يَغْذُوهُ رَجَاءَ الْبَرَكَةِ فِيمَا يَأْتِي بَعْدَهُ . فَسَأَلُوا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : فَرِّعُوا إنْ شِئْتُمْ أَيْ اذْبَحُوا إنْ شِئْتُمْ . وَكَانُوا يَسْأَلُونَهُ عَمَّا كَانُوا يَصْنَعُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خَوْفَ أَنْ يُكْرَهَ فِي الْإِسْلَامِ ، فَأَعْلَمَهُمْ أَنَّهُ لَا مَكْرُوهَ عَلَيْهِمْ فِيهِ ، وَأَمَرَهُمْ اخْتِيَارًا أَنْ يَغْذُوهُ ثُمَّ يَحْمِلُوا عَلَيْهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ .
670 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهدايا إلى ولاة الأمور . 5030 - حدثنا يونس بن عبد الأعلى ، أنبأنا أنس بن عياض الليثي ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه أن أبا حميد صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أخا بني ساعدة حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل ابن اللتبية أحد الأزديين على صدقات بني سليم , وأنه جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم , فلما حاسبه , قال : هذا لكم وهذا أهدي إلي , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألا جلست في بيت أبيك أو أمك حتى تأتيك هديتك إن كنت صادقا ثم قام خطيبا , فحمد الله , وأثنى عليه , ثم قال : أما بعد , فإني أستعمل الرجل منكم على العمل مما ولاني الله تعالى , فيأتيني , فيقول : هذا لكم وهذا أهدي إلي , أفلا جلس في بيت أبيه أو أمه حتى تأتيه هديته , والذي نفسي بيده لا يأخذ منكم أحد شيئا بغير حقه إلا لقي الله يحمله يوم القيامة , فلا أعرفن أحدا منكم ما لقي الله يحمل بعيرا له رغاء , أو بقرة لها خوار , أو شاة تيعر , ثم رفع يديه حتى إني لأنظر إلى بياض ما تحت منكبيه , ثم قال : هل بلغت ؟ قال : أبو حميد بصرت عيناي , وسمعت أذناي 5031 - وحدثنا فهد , حدثنا حجاج بن منهال , حدثنا حماد بن سلمة ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه قال : سمعت أبا حميد الساعدي يقول : استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا يقال له ابن اللتبية الأزدي على الصدقة , فلما جاء حاسبه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ذكر بقية الحديث . 5032 - وحدثني الحسين بن محمد بن داود العبسي أبو القاسم مأمون حدثنا عيسى بن حماد زغبة , حدثنا الليث بن سعد ، عن هشام ، عن عروة أن أبا حميد صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل ابن اللتبية الأزدي على بني سليم , وأنه جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم , فلما حاسبه ثم ذكر بقية الحديث . 5033 - حدثنا محمد بن علي بن داود , حدثنا سليمان بن داود الهاشمي ، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد ، عن أبي الزناد ، عن عروة قال : أخبرني أبو حميد الساعدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل ابن اللتبية أحد الأزد , فلما حاسبه حين قدم ثم ذكر بقية الحديث . ففي هذا الحديث محاسبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن اللتبية على ما جرى على يده مما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمله عليه , وقول ابن اللتبية بعد ذلك ما قال مما هو مذكور في هذا الحديث , وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال له جوابا عن ذلك مما هو مذكور في هذا الحديث أيضا . 5034 - وحدثنا رجاء بن زكريا بن كامل الخولاني أبو محمد , حدثنا نصر بن حريش الصامت ، حدثني المشمعل وهو ابن ملحان ، عن يحيى بن سعيد الأنصاري ، عن هشام ، عن عروة ، عن أبي حميد الساعدي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل رجلا على بعض الأعمال , فكان في عمله ما شاء الله أن يكون , ثم رجع من عمله ذلك وجاء معه بأموال , فجعل يقول : هذا لكم وهذه هدية أهديت إلي . فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك فقال : أفلا جلس في بيت أبيه أو في بيت أمه حتى تأتيه هديته , ثم خرج فصعد المنبر , فحمد الله تعالى وأثنى عليه , ثم قال : ما بال رجال نستعملهم على بعض الأعمال , فإذا فرغ من عمله جاء ثم قال : هذا لكم , وهذه هدية أهديت إلي , أفلا جلس في بيت أمه أو في بيت أبيه حتى تأتيه هديته , والذي نفسي بيده ما من أحد يأخذ من هذا المال شيئا بغير حقه , أو من هذا الفيء شيئا بغير حقه , إلا جاء يوم القيامة يحمله على عنقه , ألا لا أعرفن رجلا جاء يوم القيامة وقد حمل على عنقه بعيرا له رغاء , أو بقرة لها خوار , وقد حمل على عنقه شاة لها ثغاء , ألا هل بلغت ؟ قالوا : نعم , قال : فاللهم اشهد أني بلغت . 5035 - وحدثنا أحمد بن الحسن الكوفي , حدثنا أسباط بن محمد ، حدثنا أبو إسحاق الشيباني ، عن عبد الله بن ذكوان ، عن عروة بن الزبير ، عن أبي حميد قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم مصدقا إلى اليمن , فجاء بسواد كثير , فلما قدم , بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم من يتوفاه منه , فجعل يقول : هذا لكم وهذا لي , فقيل له : من أين لك هذا ؟ قال : أهدي إلي . فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك , فأقبل يمشي حتى صعد المنبر , فقال : ما لي أبعث أقواما على الصدقة , فيجيء بالسواد الكثير , فإذا بعثنا إليه من يقبضه قال : هذا لكم وهذا إلي , فإن كان صادقا فهلا أهدي له وهو في بيت أمه أو بيت أبيه , ثم قال : من بعثناه على عمل فغل شيئا فإنه يأتي به يوم القيامة يحمله على عنقه , فاتقوا الله أن يأتي أحدكم يوم القيامة على عنقه بعير له رغاء , أو بقرة لها خوار , أو شاة تثغو . 5036 - حدثنا عبد الغني بن أبي عقيل ، حدثنا سفيان بن عيينة ، عن الزهري ، عن عروة ، عن أبي حميد الساعدي رضي الله عنه قال : استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا من الأزد يقال له ابن الأتبية على صدقة , فلما قدم قال : هذا لكم وهذا أهدي إلي . فقام النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر , فحمد الله عز وجل وأثنى عليه , ثم قال : ما بال العامل نبعثه فيجيء فيقول : هذا لكم وهذا أهدي إلي , فهلا جلس في بيت أمه أو بيت أبيه فينظر من يهدي إليه , والذي نفس محمد بيده لا يأخذ أحد منه شيئا إلا جاء به على رقبته يحمله يوم القيامة , بعيرا له رغاء , أو بقرة لها خوار , أو شاة تيعر , ثم رفع يديه حتى رأينا عقدة إبطيه , فقال : اللهم هل بلغت , اللهم هل بلغت , اللهم هل بلغت . 5037 - وحدثنا عبد الغني ، حدثنا سفيان , حدثنا هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن أبي حميد الساعدي رضي الله عنه قال : سمعت أذناي وأبصرت عيناي , سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم , وسمعه معي زيد بن ثابت . قال أبو جعفر : فكان في هذه الآثار ما قد دل على أن الكسب بالولاية من الهدايا ومما أشبهها واجب على الوالي عليها أن يرده إلى المال الذي ولي عليه , فأهدي له ما أهدي لولايته عليه . وقد كان أبو يوسف ومحمد بن الحسن رحمهما الله اختلفا في هذا , فكان أبو يوسف يقول : ما أهدى أهل الحرب إلى إمام المسلمين كان له خاصة غير واجب عليه رده إلى أموال المسلمين , وقال محمد في ذلك : إنه يرده إلى فيء المسلمين , فيضع خمسه في موضع الخمس , ويرد بقيته إلى أموال المسلمين للمعنى الذي أهدي إليه ما أهدي من أجله من ذلك , وهذا أجود القولين عندنا وأولاهما بما قد رويناه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الباب . وقد روي عن علي رضي الله عنه أنه كان يفعل مثل ذلك فيما أهدي إليه , وهو يتولى من أمر المسلمين ما كان يتولى . 5038 - كما حدثنا فهد بن سليمان , حدثنا عمر بن حفص بن غياث , حدثنا أبي , حدثنا الأعمش , حدثنا عمرو بن مرة ، عن أبي صالح وهو - زعموا - الحنفي قال : دخلت على أم كلثوم ابنة علي وبيني وبينها حجاب , فقالت : اجلس حتى أفرغ ؛ فإني أمشط رأسي , فكانت تأمرني بحوائج لها أشتريها لها , فجلست , فجاء الحسن والحسين , فرفعا الحجاب فدخلا عليها , فلما فرغت أمرتني بحاجتها , وقالت : أطعمونا , فقلت : طعام أمير المؤمنين الآن يأتونا بألوان , فأتينا بمرقة فيها حبوب باردة , فقلت : كنت أرى طعامكم الألوان الآن , فقلت : طعام أمير المؤمنين , فقال الحسن أو الحسين : ما أتوك من الأترج بشيء ؟ قال : لا , قالت : فإن عظيما من عظماء أمير المؤمنين بعث إليه بأترج كثير , فبعث إلى رجال , فأتوه فقوموه , ولقد رأيت بعض صبيانه أتاه , فأخذ أترجة , فذهب لينزعها منه , فبكى , فأراد أن يأخذها فأبى , فانتزعها منه وتركه يبكي حتى قومها , ثم أعطاه إياها . قال أبو جعفر : وكان في هذا الحديث تقويم علي ما أهدي له مما ذكر فيه , إذا كان لم يره يسعه الاستئثار به , لأنه إنما أهدي له لولايته ما يتولاه , ولأن الذي أهدى إليه ذلك عظيم من عظمائه كانت هديته إليه لما حاول بها من وصوله بها من قلبه إلى إقراره بالمكان الذي هو به مما عد به عظيما , وليس كذلك , ولأنه من أهدى إلى مثله ممن هو ليس كذلك كأبي بن كعب فيما أهداه إلى عمر بن الخطاب , فقبله منه بعد أن رده عليه قبل ذلك , للدين الذين كان له عليه , ثم قبله منه بعد أن رد الدين إليه . وفي هذا ما قد دل على أن الأشياء من الهدايا ومما أشبهها إذا فعل ذلك , يراد به ما قد ذكرنا مثله في الباب الذي قبل هذا الباب من كراهة قبول الهدايا ممن عليه الدين لمن له عليه ذلك الدين , لأن ذلك إنما يراد به ترك المطالبة من المهدى إليه للمهدي بذلك الدين الذي له عليه . وكان ذلك داخلا في أبواب الربا التي يقع فيها فاعلو ذلك من حيث يعلمون ومن حيث لا يعلمون . وقد روي أيضا عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في مثل هذا المعنى ما قد وافقه عليه أبو مسعود الأنصاري . 5039 - كما حدثنا إسماعيل بن إسحاق الكوفي , حدثنا خالد بن مخلد القطواني , حدثنا إسحاق بن يحيى بن طلحة ، عن خالد بن سعيد مولى أبي مسعود قال : أهدى رأس الجالوت إلى أبي مسعود مئة ألف درهم , فلما جاء أبو مسعود قالت امرأته : يا بردها على الكبد , قال : وما ذاك ؟ قالت : رأس الجالوت أهدى لبناتي , فقال أبو مسعود : يا حرها على الكبد , فذكر ذلك لعلي رضي الله عنه , وأخبره بما قالت امرأته , فقال علي : فما قلت ؟ قال : قلت : واحرها على الكبد , فقال علي : أجل والله , يا حرها على الكبد , متى كان رأس جالوت يهدي لبناتك ! احملها فاجعلها في بيت مال المسلمين . فهذا علي وأبو مسعود قد روي عنهما في هذا الحديث ردهما الهدية ممن أهداها إلى أبي مسعود إلى بيت مال المسلمين لما كان عليه من ولاية أمور المسلمين , ولما كان أبو مسعود عليه له من ولاية شرطته , ففي ذلك ما قد دل على أنه كذلك حكم الهدايا إلى ولاة الأمور ممن يحاول بهداياه إليهم ما يحاوله ممن عليه أيهديهم منهم بها , فإنها ترجع إلى مثل ما ردها علي إليه مما قد ذكرناه عنه في هذا الحديث , ولم يخالفه فيه أبو مسعود . والله نسأله التوفيق .
168 165 - باب بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي مَسْأَلَتِهِ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَرُدَّ الشَّمْسَ عَلَيْهِ بَعْدَ غَيْبُوبَتِهَا وَرَدَّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إيَّاهَا عَلَيْهِ ، وَمَا رُوِيَ عَنْهُ مِمَّا يُوهِمُ مَنْ تَوَهَّمَ مُضَادَّ ذَلِكَ . 1209 - حدثنا أَبُو أُمَيَّةَ قَالَ : حدثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى الْعَبْسِيُّ قَالَ : حدثنا الْفُضَيْلُ بْنُ مَرْزُوقٍ ، عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَسَنِ ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْحُسَيْنِ ، عَنْ أَسْمَاءَ ابْنَةِ عُمَيْسٍ قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُوحَى إلَيْهِ وَرَأْسُهُ فِي حِجْرِ عَلِيٍّ ، فَلَمْ يُصَلِّ الْعَصْرَ حَتَّى غَرَبَتْ الشَّمْسُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : صَلَّيْت يَا عَلِيُّ ؟ قَالَ : لَا . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : اللَّهُمَّ ، إنَّهُ كَانَ فِي طَاعَتِك وَطَاعَةِ رَسُولِك فَارْدُدْ عَلَيْهِ الشَّمْسَ . قَالَتْ : أَسْمَاءُ فَرَأَيْتهَا غَرَبَتْ ، ثُمَّ رَأَيْتهَا طَلَعَتْ بَعْدَمَا غَرَبَتْ . 1210 - حدثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ ، قَالَ : حدثنا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : حدثنا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى ، عَنْ عَوْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أُمِّهِ أُمِّ جَعْفَرٍ ، عَنْ أَسْمَاءَ ابْنَةِ عُمَيْسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى الظُّهْرَ بِالصَّهْبَاءِ ، ثُمَّ أَرْسَلَ عَلِيًّا عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي حَاجَةٍ . فَرَجَعَ ، وَقَدْ صَلَّى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْعَصْرَ ، فَوَضَعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأْسَهُ فِي حِجْرِ عَلِيٍّ فَلَمْ يُحَرِّكْهُ حَتَّى غَابَتْ الشَّمْسُ . فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : اللَّهُمَّ إنَّ عَبْدَك عَلِيًّا احْتَبَسَ بِنَفْسِهِ عَلَى نَبِيِّك ، فَرُدَّ عَلَيْهِ شَرْقَهَا . قَالَتْ أَسْمَاءُ : فَطَلَعَتْ الشَّمْسُ حَتَّى وَقَعَتْ عَلَى الْجِبَالِ وَعَلَى الْأَرْضِ ، ثُمَّ قَامَ عَلِيٌّ فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى الْعَصْرَ ، ثُمَّ غَابَتْ . وَذَلِكَ فِي الصَّهْبَاءِ فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَاحْتَجْنَا أَنْ نَعْلَمَ مَنْ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الْمَذْكُورُ فِي إسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ ، فَإِذَا هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الْمَدَنِيُّ الْمَعْرُوفُ بِالْفِطْرِيِّ ، وَهُوَ مَحْمُودٌ فِي رِوَايَتِهِ . وَاحْتَجْنَا أَنْ نَعْلَمَ مَنْ عَوْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَذْكُورُ فِيهِ ، فَإِذَا هُوَ عَوْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ . وَاحْتَجْنَا أَنْ نَعْلَمَ مَنْ أُمُّهُ الَّتِي رَوَى عَنْهَا هَذَا الْحَدِيثَ ، فَإِذَا هِيَ أُمُّ جَعْفَرٍ ابْنَةُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ . فَقَالَ قَائِلٌ : كَيْفَ تَقْبَلُونَ هَذَا وَأَنْتُمْ تَرْوُونَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا يَدْفَعُهُ ، فَذَكَرَ مَا . 1211 - حدثنا بِهِ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ أَبُو عُبَيْدٍ قَالَ : حدثنا فَضْلُ بْنُ سَهْلٍ الْأَعْرَجُ ، قَالَ : حدثنا شَاذَانُ الْأَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ قَالَ : حدثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ ابْنِ سِيرِينَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَمْ تَحْتَبِسْ الشَّمْسُ عَلَى أَحَدٍ إلَّا لِيُوشَعَ . 1212 - وَمَا حدثنا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ حَيَّوَيْهِ النَّيْسَابُورِيُّ أَبُو زَكَرِيَّا قَالَ : حدثنا فَضْلُ بْنُ سَهْلٍ الْأَعْرَجُ ، قَالَ : حدثنا شَاذَانُ الْأَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ قَالَ : حدثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَمْ تُرَدَّ الشَّمْسُ مُنْذُ رُدَّتْ عَلَى يُوشَعَ بْنِ نُونٍ لَيَالِيَ سَارَ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ . فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ وَعَوْنِهِ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ قَدْ اخْتَلَفَ عَلَيْنَا رَاوِيَاهُ لَنَا فِيهِ عَلَى مَا قَدْ ذَكَرْنَا عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِمَّا قَدْ رَوَاهُ لَنَا عَلَيْهِ . فَأَمَّا مَا رَوَاهُ لَنَا عَلَيْهِ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ فَهُوَ أَنَّ الشَّمْسَ لَمْ تَحْتَبِسْ عَلَى أَحَدٍ إلَّا عَلَى يُوشَعَ ، فَإِنْ كَانَ حَقِيقَةُ الْحَدِيثِ كَذَلِكَ فَلَيْسَ فِيهِ خِلَافٌ لِمَا فِي الْحَدِيثَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ ؛ لِأَنَّ الَّذِي فِيهِ هُوَ حَبْسُ الشَّمْسِ عَنْ الْغَيْبُوبَةِ ، وَاَلَّذِي فِي الْحَدِيثَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ هُوَ رَدُّهَا بَعْدَ الْغَيْبُوبَةِ . وَأَمَّا مَا رَوَاهُ لَنَا عَنْهُ يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا فَهُوَ عَلَى أَنَّهَا لَمْ تُرَدَّ مُنْذُ رُدَّتْ عَلَى يُوشَعَ بْنِ نُونٍ إلَى الْوَقْتِ الَّذِي قَالَ لَهُمْ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَذَا الْقَوْلَ ، فَذَلِكَ غَيْرُ دَافِعٍ أَنْ تَكُونَ لَمْ تُرَدَّ إلَى يَوْمِئِذٍ ، ثُمَّ رُدَّتْ بَعْدَ ذَلِكَ ، وَهَذَا فغَيْرُ مُسْتَنْكَرٍ مِنْ أَفْعَالِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ . وَقَدْ رُوِيَ فِي حَبْسِهَا عَنْ الْغُرُوبِ لِمَعْنًى احْتَاجَ إلَيْهِ بَعْضُ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ تَبْقَى إَلَيْهِ مِنْ أَجْلِهِ . 1213 - كَمَا قَدْ حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ بْنِ سَالِمٍ الصَّائِغُ ، قَالَ : حدثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَيْسَرَةَ يَعْنِي الْقَوَارِيرِيَّ قَالَ : حدثنا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إنَّ نَبِيًّا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ غَزَا بِأَصْحَابِهِ ، فَقَالَ لَهُمْ : لَا يَتْبَعُنِي رَجُلٌ بَنَى دَارًا لَمْ يَسْكُنْهَا ، أَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً لَمْ يَدْخُلْ بِهَا ، أَوْ لَهُ حَاجَةٌ فِي الرُّجُوعِ . فَرَأَى الْعَدُوَّ عِنْدَ غَيْبُوبَةِ الشَّمْسِ فَقَالَ لَهُمْ : إنَّهَا مَأْمُورَةٌ ، وَإِنِّي مَأْمُورٌ حَتَّى يُقْضَى بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ . قَالَ : فَحَبَسَهَا اللَّهُ عَلَيْهِ ، فَفَتَحَ عَلَيْهِ ، فَغَنِمُوا الْغَنَائِمَ ، فَلَمْ تَأْكُلْهَا النَّارُ . وَكَانُوا إذَا غَنِمُوا الْغَنِيمَةَ بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهَا النَّارَ فَأَكَلَتْهَا . فَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ : إنَّكُمْ قَدْ غَلَلْتُمْ ؛ فَلْيَأْتِ مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ رَجُلٌ فَلْيُبَايِعْنِي . قَالَ : فَأَتَوْا ، فَبَايَعُوهُ . فَأُلْزِقَتْ يَدُ رَجُلٍ مِنْهُمْ بِيَدِهِ ، فَقَالَ لَهُ : إنَّ أَصْحَابَك قَدْ غَلُّوا ، فَلْيَأْتُوا فَلْيُبَايِعُونِي . فَأَتَوْهُ فَبَايَعُوهُ ، فَأُلْزِقَتْ أَيْدِي رَجُلَيْنِ مِنْهُمْ بِيَدِهِ ، فَقَالَ لَهُمَا : إنَّكُمَا قَدْ غَلَلْتُمَا . قَالَا : أَجَلْ ، غَلَلْنَا صُورَةَ رَأْسِ بَقَرَةٍ مِنْ ذَهَبٍ . فَأَتَيَا بِهَا فَأَلْقَيَاهَا فِي الْغَنَائِمِ ، فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهَا النَّارَ ، فَأَكَلَتْهَا . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِنْدَ ذَلِكَ : إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَطْعَمَنَا الْغَنَائِمَ رَحْمَةً رُحِمْنَا بِهَا وَتَخْفِيفًا لِمَا عَلِمَ مِنْ ضَعْفِنَا . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَكُلُّ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ مِنْ عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ ، وَقَدْ حَكَى لِي عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمُغِيرَةِ ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ صَالِحٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : لَا يَنْبَغِي لِمَنْ كَانَ سَبِيلُهُ الْعِلْمَ التَّخَلُّفُ عَنْ حِفْظِ حَدِيثِ أَسْمَاءَ الَّذِي رَوَاهُ لَنَا عَنْهُ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَجَلِّ عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ . 169 قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهُوَ كَمَا قَالَ . وَفِيهِ لِمَنْ كَانَ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَزَّ وَجَلَّ لَهُ بِمَا دَعَا لَهُ بِهِ حَتَّى يَكُونَ ذَلِكَ الْمِقْدَارُ الْجَلِيلُ وَالرُّتْبَةُ الرَّفِيعَةُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِيُصَلِّيَ صَلَاتَهُ تِلْكَ الَّتِي احْتَبَسَ نَفْسَهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى غَرَبَتْ الشَّمْسُ فِي وَقْتِهَا عَلَى غَيْرِ فَوْتٍ مِنْهَا إيَّاهُ . وَفِي ذَلِكَ مَا قَدْ دَلَّ عَلَى التَّغْلِيظِ فِي فَوْتِ الْعَصْرِ . وَمِنْ ذَلِكَ مَا قَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 1214 - كَمَا حدثنا عَبْدُ الْغَنِيِّ بْنُ أَبِي عَقِيلٍ قَالَ : حدثنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ فَكَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ 170. قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَوَقَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلِيًّا عَلَيْهِ السَّلَامُ ذَلِكَ ؛ لِطَاعَتِهِ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِمَّا يَجِبُ أَنْ يُوقَفَ عَلَيْهِ ، وَهُوَ إبَاحَةُ النَّوْمِ بَعْدَ الْعَصْرِ ؛ إذْ كَانَ بَعْضُ النَّاسِ ذَلِكَ عِنْدَهُ مَكْرُوهٌ . 1215 - كَمَا حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ فُلَيْحٍ الْخُزَاعِيُّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ : رَأَيْت اللَّيْثَ بْنَ سَعْدٍ وَقَدْ رَاحَ إلَى الْمَسْجِدِ قَرِيبًا مِنْ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ ، فَقَالَ لَهُ بَكْرُ بْنُ مُضَرَ : مَا لِي أَرَاك يَا أَبَا الْحَارِثِ مُهَيَّجَ الْوَجْهِ ؟ فَقَالَ : إنِّي صَلَّيْت صَلَاةَ الْعَصْرِ ، ثُمَّ انْصَرَفْت إلَى مَنْزِلِي فَنِمْت ، ثُمَّ رُحْت هَذِهِ السَّاعَةَ . فَقَالَ لَهُ بَكْرٌ : أَوَمَا قَدْ عَلِمْت مَا قَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي النَّوْمِ بَعْدَ الْعَصْرِ ؟ فَقَالَ اللَّيْثُ : لَا . فَقَالَ بَكْرٌ : حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَنْ نَامَ بَعْدَ الْعَصْرِ فَاخْتُلِسَ عَقْلُهُ فَلَا يَلُومَنَّ إلَّا نَفْسَهُ . فَقَالَ اللَّيْثُ : مَا سَمِعْت بِهَذَا مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَكَانَ هَذَا الْحَدِيثُ مُنْقَطِعًا . وَكَانَ مَا رَوَيْنَاهُ قَبْلَهُ أَوْلَى مِنْهُ ؛ لِاتِّصَالِهِ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 1216 - وَكَمَا حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ جَابِرٍ الرَّشِيدِيُّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى الْبُرُلُّسِيُّ قَالَ : حدثنا حَيْوَةُ وَابْنُ لَهِيعَةَ قَالَا : أخبرنا عَمْرُو بْنُ زِيَادٍ الْحَضْرَمِيُّ أَنَّ أَبَا فِرَاسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ يَقُولُ : النَّوْمُ ثَلَاثَةٌ : فَنَوْمٌ خُرْقٌ ، وَنَوْمٌ خُلُقٌ ، وَنَوْمٌ حُمْقٌ ؛ فَأَمَّا نَوْمَةُ الْخُرْقِ فَنَوْمَةُ الضُّحَى يَقْضِي النَّاسُ حَوَائِجَهُمْ وَهُوَ نَائِمٌ ، وَأَمَّا نَوْمَةُ خُلُقٍ فَنَوْمَةُ الْقَائِلَةِ نِصْفَ النَّهَارِ ، وَأَمَّا نَوْمَةُ حُمْقٍ فَنَوْمَةٌ حِينَ تَحْضُرُ الصَّلَوَاتُ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : غَيْرَ أَنَّ قَوْمًا قَدْ خَرَّجُوا مَا فِي حَدِيثِ أَسْمَاءَ وَمَا فِي حَدِيثِ عُقَيْلٍ وَإِنْ كَانَ مُنْقَطِعًا ؛ إذْ كَانَ مِنْ شَأْنِهِمْ احْتِمَالُ الْمُنْقَطِعِ عَلَى التَّصْحِيحِ لَهُمَا ، وَعَلَى أَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَعْنًى غَيْرَ مَعْنَى الْحَدِيثِ الْآخَرِ ، فَجَعَلُوا حَدِيثَ أَسْمَاءَ عَلَى أَنَّ مَا كَانَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ يَكُنْ بِاخْتِيَارِهِ ، وَإِنَّمَا كَانَ مِمَّا احْتَبَسَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ لِيُوجِبَهُ إلَيْهِ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ النَّوْمِ فِي شَيْءٍ . وَجَعَلُوا حَدِيثَ عُقَيْلٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى نَفْسِ النَّوْمِ ، فَكَرِهُوا بِهِ النَّوْمَ بَعْدَ الْعَصْرِ ، وَشَدَّ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ مَا قَدْ رَوَيْنَاهُ فِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، وَمَا رُوِيَ فِيهِ عَنْ خَوَّاتِ بْنِ جُبَيْرٍ . 1217 - كَمَا حدثنا فَهْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ : حدثنا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ : حدثنا مِسْعَرٌ ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ عُبَيْدٍ ، عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ خَوَّاتِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ : نَوْمُ أَوَّلِ النَّهَارِ خُرْقٌ ، وَوَسَطَهُ خُلُقٌ ، وَآخِرَهُ حُمْقٌ . 1218 - وَمَا حدثنا فَهْدٌ قَالَ : حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ : حدثنا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ قَالَ : حدثنا النُّعْمَانُ بْنُ مُنْذِرٍ قَالَ : كُنْتُ نَائِمًا بَعْدَ الْعَصْرِ بِدَابِقٍ ، فَأَتَانِي مَكْحُولٌ ، فَرَكَسَنِي بِرِجْلِهِ رَكْسَةً ، ثُمَّ قَالَ : قُمْ ، فَقَدْ عُوقِبْت ، قُلْت : وَمَا ذَاكَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ؟ قَالَ : إنَّ هَذِهِ السَّاعَةَ فِيهَا خُرُوجُ الْقَوْمِ ، وَفِيهَا انْتِشَارُهُمْ يَعْنِي الْجِنَّ ، وَفِي هَذِهِ الرَّقْدَةِ تَكُونُ الْخَبَلَةُ . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : فَقَدْ رُوِيَ فِي النَّوْمِ فِي النَّهَارِ شَيْءٌ يُوجِبُ الْكَرَاهَةَ سِوَى مَا ذَكَرْت ، قِيلَ لَهُ : قَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ . 1219 - مَا حدثنا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ قَالَ : حدثنا مُعَلَّى بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ : حدثنا إسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ ، عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ بْنِ مَنَّاحٍ ، عَنْ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ ، عَنْ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إنَّ الصُّبْحَةَ تَمْنَعُ بَعْضَ الرِّزْقِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : غَيْرَ أَنَّ أَهْلَ الْإِسْنَادِ يُضَعِّفُونَ هَذَا الْإِسْنَادَ ؛ لِأَنَّهُ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ ، عَنْ غَيْرِ أَهْلِ بَلَدِهِ ، وَإِنْ كَانُوا لَا يَتَحَامَوْنَ رِوَايَتَهُ . فَإِنْ قَالَ : فَهَلْ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؟ قِيلَ لَهُ : قَدْ رُوِيَ فِي ذَلِكَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ مَا 1220 - حدثنا يُونُسُ قَالَ : حدثنا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ قَالَ : يَا عُبَيْدُ بْنَ عُمَيْرٍ ، أَمَا عَلِمْت أَنَّ الْأَرْضَ عَجَّتْ إلَى رَبِّهَا عَزَّ وَجَلَّ مِنْ نَوْمَةِ الْعُلَمَاءِ بِالضُّحَى مَخَافَةَ الْغَفْلَةِ عَلَيْهِمْ ؟ وَفِيمَا ذَكَرْنَا مَا يُوجِبُ اجْتِنَابَ مَا فِيهِ هَذَا الْحرفُ الَّذِي قَدْ ذَكَرْنَاهُ وَمَا سِوَاهُ فِيمَا قَدْ ذَكَرْنَاهُ فِيهِ ، وَاَللَّهِ نسأله التَّوْفِيقُ .
835- باب بيان مشكل ما رواه حكيم بن حزام عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا المعنى . 6205 - حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، قال : حدثنا وهب ، قال : حدثنا شعبة ، عن قتادة ، عن أبي الخليل ، عن عبد الله بن الحارث ، عن حكيم بن حزام ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : البيعان بالخيار حتى يتفرقا - أو ما لم يتفرقا - فإن صدقا وبينا ، بورك لهما في بيعهما ، وإن كذبا وكتما ، محقت بركة بيعهما . 6206 - وحدثنا بكار بن قتيبة ، قال : حدثنا أبو داود الطيالسي ، قال : حدثنا همام ، عن قتادة ، عن صالح أبي الخليل ، عن عبد الله بن الحارث ، عن حكيم بن حزام : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : البيعان بالخيار حتى يتفرقا - أو مالم يفترقا - فإن صدقا وبينا ، بورك لهما في بيعهما ، وإن كذبا وكتما ، فعسى أن يدور بينهما فضل ، وتمحق بركة بيعهما . قال همام : فسمعت أبا التياح ، يقول : سمعت هذا الحديث من عبد الله بن الحارث ، عن حكيم بن حزام ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بمثل هذا . فتأملنا هذا الحديث ، فوجدنا المتبايعين قد يتبايعان العرض من الحيوان أو غيره بالأثمان التي تكون في الذمم من الدنانير ومن الدراهم ومما سواهما ، فلا يكون في ذلك على المبتاع بذلك تبيان شيء فيه ؛ لأنه في ذمته ، وكان الذي عليه التبيان هو بائع العرض ، من عيب به ، أو من ثمن اشتراه به ، إن كان باعه مرابحة ، أو باعه تولية ، وقد يجوز أن يتبايعا عرضا بعرض ، فيكون على كل واحد منهما فيما يبيعه من صاحبه ، مثل الذي على صاحبه فيما يبيعه إياه ، فكان قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : فإن صدقا وبينا ، بورك لهما في بيعهما ، وإن كذبا وكتما ، يريد به بعض الباعة لا كل الباعة لما يتبين به بعضهم من بعض مما ذكرنا ، والله نسأله التوفيق .
171 166 - باب المستخرج مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ الَّذِي يَرْفَعُهُ بَعْضُ رُوَاتِهِ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُوقِفُهُ بَعْضُهُمْ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْمُرَادِ بِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَأَتْبَعْنَاهُمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ . 1221 - حدثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ قَالَ : حدثنا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ قَالَ : حدثنا شُعْبَةُ قَالَ : حدثنا عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ قَالَ : سَأَلْت سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ وَاَلَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ بِإِيمَانٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : الْمُؤْمِنُ تُرْفَعُ لَهُ ذُرِّيَّتُهُ لِيُقِرَّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَيْنَهُ وَإِنْ كَانُوا دُونَهُ فِي الْعَمَلِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : هَكَذَا يُحَدِّثُ شُعْبَةُ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، لَا يَتَجَاوَزُ بِهِ ابْنَ عَبَّاسٍ . وَأَمَّا الثَّوْرِيُّ فَكَانَ يُحَدِّثُ بِهِ عَنْ شَيْخٍ لَهُ يُقَالُ لَهُ : سِمَاعَةُ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ . فَيَرْوِي مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ الْعَبْدِيُّ عَنْهُ أَنَّهُ رَفَعَهُ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَرْوِي مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الْفِرْيَابِيُّ عَنْهُ أَنَّهُ أَوْقَفَهُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ . 1222 - كَمَا حدثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُد قَالَ : حدثنا أَحْمَدُ بْنُ شُكَيْبٍ الْكُوفِيُّ قَالَ : حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ سِمَاعَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَيَرْفَعُ ذُرِّيَّةَ الْمُؤْمِنِ مَعَهُ فِي دَرَجَتِهِ ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَبْلُغْهَا فِي الْعَمَلِ لِيُقِرَّ بِهِمْ عَيْنَهُ . ثُمَّ قَرَأَ وَاَلَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْْ ذُرِّيَّاتُهُمْ الآية . 1223 - وَكَمَا حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ : حدثنا الْفِرْيَابِيُّ قَالَ : حدثنا سُفْيَانُ قَالَ : حَدَّثَنِي سِمَاعَةُ قَالَ : حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَلَمْ يَرْفَعْهُ قَالَ : إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَيَرْفَعُ ذُرِّيَّةَ الْمُؤْمِنِ فِي دَرَجَاتِهِ لِيُقِرَّ بِهِمْ عَيْنَهُ ، وَإِنْ كَانُوا دُونَهُ فِي الْعَمَلِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ أَيْضًا عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ الْأَسَدِيُّ ، فَلَمْ يَتَجَاوَزْ بِهِ ابْن عَبَّاسٍ ، 1224 - كَمَا حدثنا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ : حدثنا الْفِرْيَابِيُّ قَالَ : حدثنا قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِهِ ، عَنْ الْفِرْيَابِيِّ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ سِمَاعَةَ وَزَادَ ثُمَّ قَرَأَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ الْآيَةَ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذَا الْحَدِيثُ فَنَحْنُ نُحِيطُ عِلْمًا لَوْ لَمْ نَجِدْ أَحَدًا مِنْ رُوَاتِهِ رَفَعَهُ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ لَمْ يَأْخُذْهُ إلَّا عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذْ كَانَ الَّذِي فِيهِ إخْبَارٌ عَنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِمُرَادِهِ فِي الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ فِيهِ ، وَذَلِكَ مِمَّا لَا يُؤْخَذُ مِنْ غَيْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ تَأَمَّلْنَا نَحْنُ مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، فَوَجَدْنَا فِيهِ رَفْعَ اللَّهِ عز وجل ذُرِّيَّةَ الْمُؤْمِنِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ بِإِيمَانٍ بِالْمُؤْمِنِ الَّذِينَ هُمْ ذُرِّيَّتُهُ لِيُقِرَّ بِهِمْ عَيْنَهُ وَإِلْحَاقَهُ إيَّاهُمْ بِهِ . وَوَجَدْنَا غَيْرَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ دَخَلَ فِي ذَلِكَ ، فَعَقَلْنَا بِذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَدْخَل فِي ذَلِكَ مِنْهُمْ ، وَأَنَّهُ فِي إلْحَاقِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ ذُرِّيَّتَهُ الْمُتَّبِعَةَ لَهُ بِالْإِيمَانِ بِهِ لِيُقِرَّ عَيْنَهُ بِذَلِكَ أَوْلَى مِنْ سَائِرِ الْمُؤْمِنِينَ سِوَاهُ ، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ لِسَائِرِ الْمُؤْمِنِينَ سِوَاهُ ؛ لِيُقِرَّ بِهِ أَعْيُنَهُمْ ، كَانَ لَهُ فِي ذُرِّيَّتِهِ الْمُتَّبِعَةِ لَهُ بِالْإِيمَانِ أَوْلَى ، وَكَانُوا بِذَلِكَ مِنْهُ أَحْرَى ، وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
669 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أكل ذي الدين من مال من له عليه ذلك الدين بطيب نفسه ، هل ذلك مباح له أم لا ؟ . 5018 - حدثنا زكريا بن يحيى بن أبان ، حدثنا نعيم بن حماد ، حدثنا الفضل بن موسى السيناني ، عن يزيد بن زياد الأشجعي ، عن جامع بن شداد ، عن طارق المحاربي قال : لما ظهر الإسلام خرجنا في ركب ومعنا ظعينة لنا حتى نزلنا قريبا من المدينة ، فبينا نحن نعود إذ أتانا رجل عليه ثوبان أبيضان ، فسلم ، ثم قال : من أين أقبل القوم ؟ قلنا : من الربذة ومعناه جمل أحمر ، فقال : أتبيعوني الجمل ؟ قلنا : نعم ، قال : بكم ؟ قلنا : بكذا وكذا صاعا من تمر ، فأخذه ولم يستنقصنا شيئا ، قال : قد أخذته ، فأخذ برأس الجمل حتى توارى بحيطان المدينة ، فتلاومنا فيما بيننا ، قلنا : أعطيتم جملكم رجلا لا تعرفونه ! فقالت الظعينة : لا تلاوموا ، لقد رأيت وجه رجل ما كان ليخفركم ، ما رأيت شيئا أشبه بالقمر ليلة البدر من وجهه ، فلما كان العشي أتانا رجل ، فقال : السلام عليكم ، أنا رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم إليكم ، هو يأمركم أن تأكلوا حتى تشبعوا ، وأن تكتالوا حتى تستوفوا ، فأكلنا حتى شبعنا ، واكتلنا حتى استوفينا . 5019 - حدثنا محمد بن أحمد بن جعفر الذهلي الكوفي ، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا عبد الله بن نمير ، حدثنا يزيد بن زياد بن أبي الجعد ، حدثنا أبو صخرة جامع بن شداد ، عن طارق المحاربي ثم ذكر مثله . 5020 - حدثنا فهد ، حدثنا محمد بن الصلت الكوفي ، حدثنا حبان بن علي ، عن سعد - قال أبو جعفر : وقد قيل : إنه ابن سعيد الأنصاري - عن عمران بن طلحة ، عن خولة الأنصارية قالت : كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم صاع لرجل من تمر لرجل من بني غفار ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لرجل من الأنصار : اقضه ، فأعطاه تمرا دون تمره ، فرده ، فقال الأنصاري : أترده على رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ ! قال : نعم ، ومن أحق بالعدل من رسول الله صلى الله عليه وسلم ! فاكتحلت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم دموعا ، وقال : صدق ، ومن أحق بالعدل مني ؟ إنه لا يقدس الله أمة لا يأخذ ضعيفها حقه من قويها وهو لا يتعتع ، ثم قال : يا خولة ، عديه وأذهبيه واقضيه ، فإنه ليس من غريم يخرج من عند غريمه وهو راض إلا صلت عليه دواب الأرض ونينان البحور ، وليس من غريم يلوي غريمه وهو يجد إلا كتب عليه في كل يوم وليلة إثم . 5021 - وحدثنا مالك بن عبد الله بن سيف النحوي ، حدثنا عبد الله بن يوسف ، حدثنا عبد الله بن سالم الحمصي ، حدثنا محمد بن حمزة بن محمد بن يوسف بن عبد الله بن سلام ، عن أبيه ، عن جده أن زيد بن سعنة كان من أحبار اليهود أتى النبي صلى الله عليه وسلم بثمانين دينارا ، ثم قال : أعطيكها على أن تعطيني وسوقا مسماة من حائط مسمى إلى أجل مسمى ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا آخذها منك على وسوق مسماة من حائط مسمى ، ولكن آخذها منك على وسوق مسماة إلى أجل مسمى ، ثم إن زيد بن سعنة أتى النبي صلى الله عليه وسلم يتقاضاه ، فجبذ ثوبه عن منكبه الأيمن ، ثم قال : إنكم يا بني عبد المطلب أصحاب مطل ، وإني بكم لعارف ، فانتهره عمر ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنا وهو كنا إلى غير هذا أحوج منك ؛ أن تأمرني بحسن القضاء ، وتأمره بحسن التقاضي ، انطلق يا عمر إلى حائط بني فلان ، فأوفه حقه ، أما إنه قد بقي من أجله ثلاثة أيام ، وزده ثلاثين صاعا لردك عليه . فقال قائل : أيدخل هذا الحديث في مسند عبد الله بن سلام أو لا يدخل فيه ، فإن كان لا يدخل فيه فقد عاد منقطعا . فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعونه أنه لا يعود بذلك منقطعا ؛ إذ كان قد يجوز أن يكون انتهى به إلى يوسف بن عبد الله ، لأن يوسف ولد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وسماه يوسف . 5022 - كما قد حدثنا محمد بن خزيمة ، حدثنا إبراهيم بن بشار ، حدثنا سفيان ، عن [ يحيى بن ] أبي الهيثم العطار ، عن يوسف بن عبد الله بن سلام قال : سماني رسول الله صلى الله عليه وسلم يوسف . فقال قائل : كيف تقبلون هذه الآثار وقد رويتم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهيه أن يؤكل بأشياء ، منها نهيه أن يؤكل بالقرآن ؟ . 5023 - وذكر ما قد حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، حدثنا أبو عامر العقدي ، حدثنا علي بن المبارك ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن زيد بن سلام ، عن أبي سلام ، [ عن أبي راشد ] الحبراني ، عن عبد الرحمن بن شبل الأنصاري رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : اقرؤوا القرآن ، ولا تغلوا فيه ، ولا تجفواعنه ، ولا تأكلوا به ، ولا تستكثروا به . 5024 - وما قد حدثنا أبو أمية ، حدثنا أبو عاصم ، أنبأنا المغيرة بن زياد قال : أخبرني عبادة بن نسي ، عن الأسود بن ثعلبة ، عن عبادة قال : كنت أعلم ناسا من أهل الصفة القرآن ، فأهدى إلي رجل منهم قوسا على أن أقبلها في سبيل الله عز وجل ، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : إن أردت أن يطوقك الله طوقا من نار فاقبلها . قال أبو جعفر : وإذا كان حراما على الرجل أن يأكل بالقرآن كان معقولا أنه حرام عليه أن يأكل بماله ، وأن يكون إذا فعل ذلك كان داخلا في باب من أبواب الربا . فكان جوابنا له في ذلك أن ما في الآثار الأول هوعندنا - والله أعلم - مما قد يحتمل أن يكون كان قبل تحريم الربا ، ثم حرم الربا فحرمت أسبابه ، والدليل على ذلك ما قد روي عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من بعده مما لم نجد عنهم فيه خلافا ، فمن ذلك 5025 - ما حدثنا يوسف بن يزيد ، حدثنا علي بن معبد ، حدثنا عبيد الله بن عمرو ، عن زيد بن أبي أنيسة ، عن سعيد بن أبي بردة ، عن أبيه قال : بعثني أبي إلى المدينة إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لأتعلم ، فلقيت عبد الله بن سلام ، فقمت إليه ، وسلمت عليه ، فأخذ بيدي ، فقال : من أنت ؟ فقلت : فلان بن فلان ، فقال : مرحبا يا ابن أخي ، فقلت له : إنما مشيت معك لتعلمني شيئا ، فقال : ما أنا بمعلمك حتى تنطلق معي إلى البيت ، فانطلقت معه ، فقرب إلي سويقا وتمرا ، فأكلت ، ثم قال : يا ابن أخي ، إنك في أرض الربا فيها كثير غامض ، فإذا أسلفت رجلا من أهل الذمة ورقا إلى أجل فأتاك بها وأتاك معها بحمل من قت أو علف فلا تمسها ؛ فإن ذلك من أعظم أبواب الربا . قال أبو جعفر : أفلا ترى أن في هذا الحديث نهى عبد الله بن سلام أبا بردة عما نهاه عنه مما يطلق مثله له حديث ابن سعنة ، فدل ذلك على أن حكم ذلك المعنى في الوقت الذي نهاه عنه خلاف حكمه في الوقت الذي أطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه ما أطلق في حديث زيد بن سعنة الذي قد علمه عبد الله بن سلام . 5026 - حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، حدثنا أبو داود ، حدثنا أبو حرة وسعيد ، عن محمد بن سيرين أن أبي بن كعب استسلف من عمر رضي الله عنه عشرة آلاف ، فأهدى له من ثمرة أرضه ، فردها ، فأتاه أبي وقال : أترد علي ثمري وقد علمت أني أطيب أهل المدينة ثمرة ، لا حاجة لنا فيما رددت علينا هديتنا ، فأعطاه العشرة آلاف . إلى هذا انتهى حديث سعيد ، وقال أبو حرة في حديثه : إن عمر رضي الله عنه لما رد عليه أبي المال قبل هديته . 5027 - حدثنا الحسن بن غليب بن سعيد ، حدثنا يوسف بن عدي ، حدثنا أبو الأحوص ، عن الأسود بن قيس ، عن كلثوم بن الأقمر قال : قال زر بن حبيش : قال لي أبي بن كعب : إذا أقرضت قرضا فجاء صاحبك بقرضك يحمله ومعه هدية ، فخذ منه قرضك ، واردد الهدية عليه 5028 - وحدثنا أبو أمية ، حدثنا أبو نعيم ، حدثنا عبد السلام بن حرب ، عن شعبة ، عن يحيى بن سعيد ، عن أنس قال : إذا أقرضت رجلا قرضا فلا تركب دابته ولا تقبل هديته ، إلا أن تكون قد جرت بينك وبينه قبل ذلك مخالطة . قال أبو جعفر : وهذا عندنا - والله أعلم - على أن أنس بن مالك جعل ما كان مما جرت به المخالطة إذا فعل مثله بعد القرض كان على ما قد جرت عليه المخالطة قبل القرض ، ومن هذا عندنا - والله أعلم - رأى أبي بن كعب أن أهدى لعمر بعد استقراضه منه ما استقرض ، لأنه كان يهاديه قبل ذلك . 5029 - وقد حدثنا يونس ، أنبأنا ابن وهب ، أخبرني عمرو بن الحارث أن عبد ربه بن سعيد حدثه أن نافعا حدثه قال : كان لعبد الله بن عمر صديق يسلفه ، فكان عبد الله بن عمر يهدي له . وهذا عندنا - والله أعلم - من ابن عمر على أن ذلك لم يكن من أجل القرض ، وعسى أن يكون قد كان يهاديه قبل ذلك . وفيما ذكرنا في هذا الباب عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ما قد دل على أن الأشياء المأخوذة بأسباب غيرها ترجع إلى ما أخذت بأسبابه في كراهته حتى يكون كالمعقود عليه ، وسنأتي بعد هذا الباب بما يشد هذا المعنى أيضا إن شاء الله تعالى ، والله نسأله التوفيق .
172 167 - باب بَيَانُ مُشْكِلُ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أَخْنَعِ الْأَسْمَاءِ مَا هُوَ مِنْهَا ؟ . 1225 - حدثنا عَبْدُ الْغَنِيِّ بْنُ أَبِي عَقِيلٍ اللَّخْمِيُّ قَالَ : حدثنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : أَخْنَعُ الْأَسْمَاءِ عِنْدَ اللَّهِ رَجُلٌ تَسَمَّى بِاسْمِ مَلِكِ الْأَمْلَاكِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَتَأَمَّلْنَا هَذَا الْحَدِيثَ لِنَقِفَ عَلَى مَا الْمُرَادُ بِهِ مَا هُوَ ؟ فَوَجَدْنَا الْخَنْعَ إنَّمَا يُرَادُ بِهِ الذُّلُّ وَالْخُضُوعُ ، يُقَالُ مِنْهُ : خَنَعَ الرَّجُلُ خُنُوعًا إذَا خَضَعَ فَذَلَّ ، فَكَانَ الْخُضُوعُ وَالذِّلَّةُ إنَّمَا وَقَعَتْ فِي هَذَا عَلَى ذِي الِاسْمِ لَا الِاسْمِ نَفْسِهِ ؛ لِأَنَّ الِاسْمَ لَا يَلْحَقُهُ ذَمٌّ وَلَا مَدْحٌ ، وَكَانَ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى . فِي مَعْنَى سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى بِاسْمِهِ ، فَكَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي قِصَّةِ نَبِيِّهِ لُوطٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ . لَيْسَ يُرِيدُ بِذَلِكَ الْقَرْيَةَ نَفْسَهَا ، وَإِنَّمَا يُرِيدُ أَهْلَهَا الَّذِينَ كَانُوا يَعْمَلُونَ الْخَبَائِثَ . وَكَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ . يُرِيدُ أَهْلَهَا لَا هِيَ نَفْسَهَا . ثُمَّ بَيَّنَ عَزَّ وَجَلَّ مُرَادَهُ ذَلِكَ فِيهَا بِقَوْلِهِ : وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ . وَكَانَ الْمُرَادُ بِمَلِكِ الْأَمْلَاكِ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ ، فَكَانَ الْمُسَمَّى بِاسْمٍ مِنْ أَسْمَائِهِ عَزَّ وَجَلَّ مُتَكَبِّرًا ، فَرَدَّهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِذَلِكَ إلَى الْخُضُوعِ وَالذِّلَّةِ ؛ إذْ كَانَ أَكْبَرُ أَسْمَائِهِ عَزَّ وَجَلَّ إنَّمَا هِيَ صِفَاتُهُ الَّتِي يُبَيِّنُ بِهَا عَزَّ وَجَلَّ عَنْ خَلْقِهِ مِنْ الرَّحْمَةِ وَمِنْ الْعِزَّةِ وَمِنْ الْعَظَمَةِ وَمِنْ الْجَلَالِ ، وَمِن مَّا سِوَى ذَلِكَ عَزَّ وَجَلَّ ، فَكَانَ بِمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ أَسْمَائِهِ عَزَّ وَجَلَّ كَاسْمِهِ الْأَعْظَمِ مِمَّا قَدْ قَالَ عَزَّ وَجَلَّ : هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا . فَقَصَرَ بِالْخَلْقِ عَنْ ذَلِكَ ، وَتَفَرَّدَ بِهِ عَزَّ وَجَلَّ وَأَضَافَ أَسْمَاءَهُ إلَيْهِ فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ : وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا . وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ .
836- باب بيان مشكل ما روى أبو برزة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا المعنى . 6207 - حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، قال : حدثنا سليمان بن حرب ، قال : حدثنا حماد بن زيد ، عن جميل بن مرة ، عن أبي الوضيء ، قال : نزلنا منزلا ، فباع صاحب لنا من رجل فرسا ، فأقمنا في منزلنا يومنا وليلتنا ، فلما كان الغد ، قام الرجل يسرج فرسه ، فقال له صاحبه : إنك قد بعتني ، فاختصما إلى أبي برزة ، فقال : إن شئتما قضيت بينكما بقضاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : البيعان بالخيار ما لم يتفرقا ، وما أراكما تفرقتما . قال أبو جعفر : وقد كان بعض من يذهب إلى الخيار الواجب للمتبايعين بعد عقد البيع يحتج بهذا الحديث ، وبما كان من أبي برزة فيه ، ومن قوله : وما أراكما تفرقتما . وكان ما في هذا الحديث لا حجة له فيه ؛ لأن المتبايعين قد أقاما في منزلهما الذي تبايعا فيه يوما وليلة ، ونحن نعلم أن كل واحد منهما قد كان منه في يومه وليلته مما يكون من مثله من القيام إلى ما يحتاج إليه من غائط ومن بول ، يكون بذلك مفارقا لصاحبه ، ومن قيام إلى صلاة يكون بذلك تاركا لما كان فيه ، ومتشاغلا بغيره . ومثل ذلك لو كان في صرف تعاقداه بينهما ، ثم كان من أحدهما مثل الذي قد كان منهما من القيام إلى ما نعلم أنهما قد قاما إليه من الغائط ومن البول ، ولم يتقابضا ما تصارفا عليه ، كان ذلك فسادا لصرفهما ، وخروجا منهما عنه ، وكان مثل ذلك الخيار لو كان واجبا بعد البيع ، لكانت هذه الأشياء تقطعه . وقد قال أبو برزة لهما : ما أراكما تفرقتما ، فدل ذلك أن التفرق كان عنده ، غير التفرق بالأبدان . 6208 - وحدثنا صالح بن عبد الرحمن الأنصاري ، قال : حدثنا سعيد بن منصور ، قال : حدثنا هشيم ، قال : أخبرنا هشام بن حسان ، عن أبي الوضيء ، عن أبي برزة : أنهم اختصموا إليه في رجل باع جارية ، فنام معها البائع ، فلما أصبح قال : لا أرضاها . فقال أبو برزة : إن النبي - صلى الله عليه وسلم - : قال البيعان بالخيار ما لم يتفرقا ، وكانا في خباء شعر . فكان ما في هذا الحديث غير ما في الحديث الذي ذكرناه قبله ؛ لأن في الحديث الأول : أن المبيع كان فرسا ، وفي الحديث الثاني : أن المبيع كان جارية ، والحديث راجع إلى أبي برزة بالاختلاف الذي في هاتين الروايتين ، وإذا وقع فيه هذا الاختلاف كما ذكرنا ، لم يكن بإحدى الروايتين أولى منه بالأخرى ، ولم يكن لأحد أن يحتج بأحدهما إلا احتج عليه مخالفه بالآخر منهما ، وليس في واحد منهما ما يوجب أن الخيار الواجب بالحديث الذي رويناه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : أن ذلك التفرق بالأبدان ، والله - عز وجل - نسأله التوفيق .
168 - باب بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ قَوْلِهِ : إنَّ الشَّيْطَانَ يَسْتَحِلُّ طَعَامَ الْقَوْمِ إذَا لَمْ يَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ ، مَا الْمُرَادُ بِذَلِكَ الِاسْتِحْلَالِ ؟ . 1226 - حدثنا عَبْدُ الْغَنِيِّ بْنُ أَبِي عَقِيلٍ قَالَ : حدثنا عَبْدُ الْمَجِيدِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ قَالَ : حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ الْأَعْمَشُ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ الْجُهَنِيِّ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ قَالَ : بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذْ أُتِيَ بِجَفْنَةٍ ، فَكَفَّ عَنْهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكُنَّا لَا نَضَعُ أَيْدِيَنَا حَتَّى يَضَعَ يَدَهُ . فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ كَأَنَّهُ يُطْرَدُ حَتَّى يَهْوِي إلَى الْجَفْنَةِ ، فَأَكَلَ مِنْهَا ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِيَدِهِ فَأَجْلَسَهُ . ثُمَّ جَاءَتْ جَارِيَةٌ ، فَأَهْوَتْ بِيَدِهَا تَأْكُلُ ، فَأَخَذَ بِيَدِهَا فَأَجْلَسَهَا . ثُمَّ قَالَ : إنَّ الشَّيْطَانَ يَسْتَحِلُّ طَعَامَ الْقَوْمِ إذَا لَمْ يَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ ، وَإِنَّهُ لَمَّا رَآكُمْ كَفَفْتُمْ جَاءَ بِالْأَعْرَابِيِّ ؛ لِيَسْتَحِلَّ بِهِ ، ثُمَّ جَاءَ بِالْجَارِيَةِ لِيَسْتَحِلَّ بِهَا ؛ فَوَاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ غَيْرُهُ إنَّ يَدَهُ فِي يَدِي مَعَ أَيْدِيهِمَا . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَهْلُ الْعِلْمِ جَمِيعًا بِالْحَدِيثِ يَقُولُونَ : إنَّ مَعْمَرًا غَلِطَ فِي إسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ الْأَعْمَشِ ، وَإِنَّ الصَّحِيحَ فِي إسْنَادِهِ . 1227 - هُوَ مَا حدثنا فَهْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ : حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّلْتِ الْكُوفِيُّ قَالَ : حدثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ خَيْثَمَةَ ، عَنْ أَبِي حُذَيْفَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ : كُنَّا إذَا حَضَرْنَا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الطَّعَامَ لَمْ نَضَعْ أَيْدِيَنَا فِيهِ حَتَّى يَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدَهُ ، وَإِنَّا حَضَرْنَا مَعَهُ طَعَامًا فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ كَأَنَّهُ يُدْفَعُ حَتَّى ذَهَبَ لِيَضْرِبَ يَدَهُ فِي الطَّعَامِ ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِيَدِهِ ، ثُمَّ جَاءَتْ جَارِيَةٌ كَأَنَّهَا تُدْفَعُ فَذَهَبَتْ لِتَضْرِبَ يَدَهَا فِي الطَّعَامِ ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدَهَا ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إنَّ الشَّيْطَانَ يَسْتَحِلُّ الطَّعَامَ لَا يُذْكَرُ عَلَيْهِ اسْمُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَإِنَّهُ جَاءَ بِهَذَا الْأَعْرَابِيِّ وَهَذِهِ الْجَارِيَةِ يَسْتَحِلُّ بِهِمَا طَعَامَكُمْ ، فَوَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّ يَدَهُ مَعَ أَيْدِيهِمَا فِي يَدِي السَّاعَةَ . 1228 - وَمَا حدثنا فَهْدٌ أَيْضًا قَالَ : حدثنا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ النَّخَعِيُّ قَالَ : حدثنا أُبَيٌّ قَالَ : حدثنا الْأَعْمَشُ قَالَ : حَدَّثَنِي خَيْثَمَةَ قَالَ : حدثنا أَبُو حُذَيْفَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ قَالَ : كُنَّا إذَا دُعِينَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى طَعَامٍ كَفَفْنَا أَيْدِينَا حَتَّى يَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدَهُ ، فَدُعِينَا إلَى طَعَامٍ فَكَفَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدَهُ فَكَفَفْنَا أَيْدِيَنَا ، فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ كَأَنَّهُ يُطْرَدُ فَأَهْوَى بِيَدِهِ فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدَهُ فَأَجْلَسَهُ . ثُمَّ جَاءَتْ جَارِيَةٌ كَأَنَّهَا تُطْرَدُ حَتَّى أَهْوَتْ بِيَدِهَا ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِيَدِهَا فَأَجْلَسَهَا . ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَمَّا أَعَيَيْنَاهُ أَنْ لَا يُذْكَرَ اسْمُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ جَاءَ بِهَذَا الْأَعْرَابِيِّ كَأَنَّهُ يَعْنِي شَيْطَانَ ؛ لِيَسْتَحِلَّ بِهِ طَعَامَنَا ، فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ فَأَجْلَسْتُهُ . ثُمَّ جَاءَ بِهَذِهِ الْجَارِيَةِ لِيَسْتَحِلَّ بِهَا طَعَامَنَا ، فَأَخَذْتُ بِيَدِهَا فَأَجْلَسْتُهَا ، وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّ يَدَهُ لَفِي يَدِي مَعَ أَيْدِيهِمَا . ثُمَّ سَمَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَكَلَ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَاحْتَجْنَا إلَى أَنْ نَعْلَمَ مَنْ أَبُو حُذَيْفَةَ هَذَا الْمَرْوِيُّ عَنْهُ هَذَا الْحَدِيثُ ، فَنَظَرْنَا فِي ذَلِكَ . 1229 - فَوَجَدْنَا مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ دَاوُد قَدْ حدثنا قَالَ : حدثنا دَاوُد بْنُ عَمْرٍو الضَّبِّيُّ قَالَ : حدثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْأَقْمَرِ ، عَنْ أَبِي حُذَيْفَةَ وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : قُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّ صَفِيَّةَ امْرَأَةٌ . فَقَالَتْ بِيَدِهَا أَيْ إنَّهَا قَصِيرَةٌ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَقَدْ مَزَجْتِيهَا بِكَلِمَةٍ لَوْ مَزَجْتِ بِهَا الْبَحْرَ لَمَزَجَتْهُ . قَالَتْ : وَحَكَيْت عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلًا فَقَالَ : مَا يَسُرُّنِي أَنِّي حَكَيْت رَجُلًا وَإِنَّ لِي كَذَا وَكَذَا . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَوُقِّْفنَا بِذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ مِنْ أَصْحَابِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، وَكَانَ فِي ذَلِكَ مَا قَدْ دَلَّ عَلَى جَلَالَةِ مِقْدَارِهِ وَعُلُوِّ مَنْزِلَتِهِ ، ثُمَّ طَلَبْنَا الْقَبِيلَةَ الَّتِي هُوَ مِنْهَا فَوَجَدْنَا الْبُخَارِيَّ قَدْ ذَكَرَهُ فِي تَارِيخِهِ قَالَ : وَاسْمُهُ سَلَمَةُ بْنُ صُهَيْبَةَ الْأَرْحَبِيُّ . وَأَرْحَبُ مِنْ هَمْدَانَ . ثُمَّ تَأَمَّلْنَا قَوْلَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إنَّ الشَّيْطَانَ يَسْتَحِلُّ طَعَامَ الْقَوْمِ إذَا لَمْ يَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ ؛ لِنَقِفَ عَلَى ذَلِكَ الِاسْتِحْلَالِ مَا هُوَ ؟ فَوَجَدْنَا الْحَلَالَ هُوَ الشَّيْءُ الْمُطْلَقُ ، وَوَجَدْنَا الْحَرَامَ هُوَ الشَّيْءُ الْمَمْنُوعُ مِنْهُ ، وَوَجَدْنَا مَنْ فَعَلَ شَيْئًا مَمْنُوعًا مِنْهُ كَانَ بِذَلِكَ مُطْلِقًا لِنَفْسِهِ مَا فَعَلَهُ مِنْ ذَلِكَ ، فَكَانَ بِفِعْلِهِ ذَلِكَ مُسْتَحِلًّا لِإِطْلَاقِهِ لِنَفْسِهِ مَا أَطْلَقَهُ لَهَا مِنْ ذَلِكَ حَتَّى فَعَلَتْهُ . وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ فِي الْآيَةِ الَّتِي ذُكِرَ فِيهَا النَّسِيءُ يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ ، أَيْ لِيُطْلِقُوا لِأَنْفُسِهِمْ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِمْ مِنْ ذَلِكَ . وَمِنْهُ قَوْلُ النَّاسِ : اسْتَحَلَّ فُلَانٌ دَمِي ، وَاسْتَحَلَّ فُلَانٌ مَالِي ، عَلَى مَعْنَى أَطْلَقَ لِنَفْسِهِ دَمِي وَأَطْلَقَ لِنَفْسِهِ مَالِي . ثُمَّ تَأَمَّلْنَا بَعْدَ ذَلِكَ مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إنَّ الشَّيْطَانَ يَسْتَحِلُّ طَعَامَ الْقَوْمِ إذَا لَمْ يَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ فَوَجَدْنَاهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَمْرُهُ بِالتَّسْمِيَةِ عَلَى الْأَشْيَاءِ عِنْدَ وَضْعِهَا ؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ مَنْعًا لِلشَّيْطَانِ مِنْهَا . 1230 - كَمَا حدثنا يُونُسُ وَالرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمُرَادِيُّ قَالَا : حدثنا شُعَيْبُ بْنُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ ( ح ) . وَوَجَدْنَا مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ قَدْ أَخْبَرَنَا قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبِي وَشُعَيْبٌ ، ثُمَّ اجْتَمَعُوا جَمِيعًا فَقَالُوا : عَنْ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : غَطُّوا الْإِنَاءَ ، وَأَوْكُوا السِّقَاءَ ، وَأَغْلِقُوا الْبَابَ ، وَأَطْفِئُوا الْمِصْبَاحَ ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَحُلُّ سِقَاءً ، وَلَا يَفْتَحُ بَابًا ، وَلَا يَكْشِفُ إنَاءً ؛ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ إلَّا أَنْ يَعْرُضَ عَلَى إنَائِهِ عُودًا ، فَيَذْكُرَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ فَلْيَفْعَلْ ؛ فَإِنَّ الْفُوَيْسِقَةَ تُضْرِمُ عَلَى أَهْلِ الْبَيْتِ بَيْتَهُمْ . 1231 - وَكَمَا حدثنا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَ : حدثنا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : أخبرنا ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إذَا جَنَحَ اللَّيْلُ فَكُفُّوا صِبْيَانَكُمْ حَتَّى تَذْهَبَ سَاعَةٌ مِنْ اللَّيْلِ ، ثُمَّ خَلُّوا سَبِيلَهُمْ ؛ فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ تَنْتَشِرُ حِينَئِذٍ ، وَأَغْلِقُوا أَبْوَابَكُمْ ، وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَفْتَحُ مُغْلَقًا ، وَأَوْكُوا قِرَبَكُمْ ، وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ . وَخَمِّرُوا آنِيَتَكُمْ ، وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَلَوْ أَنْ تَعْرُضُوا عَلَيْهِ بِعُودٍ . قَالَ : وَأَخْبَرَنِي عَمْرٌو ، عَنْ جَابِرٍ بِنَحْوٍ مِنْ هَذَا ، وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَهُ : فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ . 1232 - وَكَمَا حدثنا يَزِيدُ قَالَ : حدثنا الْقَعْنَبِيُّ قَالَ : قَرَأْت عَلَى مَالِكٍ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : أَغْلِقُوا الْبَابَ ، وَأَوْكُوا السِّقَاءَ ، وَأَكْفِئُوا الْإِنَاءَ أَوْ خَمِّرُوا الْإِنَاءَ ، وَأَطْفِئُوا الْمِصْبَاحَ ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَفْتَحُ غَلَقًا ، وَلَا يَحُلُّ وِكَاءً ، وَلَا يَكْشِفُ إنَاءً . وَإِنَّ الْفُوَيْسِقَةَ تَضْرِمُ عَلَى النَّاسِ بُيُوتَهُمْ أَوْ بَيْتَهُمْ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَاحْتَمَلَ أَنْ تَكُونَ التَّسْمِيَةُ عَلَى الطَّعَامِ عِنْدَ وَضْعِهِ مِنْ وَاضِعِهِ أَوْ عِنْدَ تَغْطِيَتِهِ بِمَا يُغَطَّى بِهِ هِيَ التَّسْمِيَةَ الْمَانِعَةَ لِلشَّيْطَانِ مِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَبَدًا . فَوَجَدْنَاهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ رُوِيَ عَنْهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَيْنَاهُ فِي صَدْرِ هَذَا الْبَابِ قَوْلُهُ : إنَّ الشَّيْطَانَ يَسْتَحِلُّ طَعَامَ الْقَوْمِ إذَا لَمْ يَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ عِنْدَ أَكْلِهِمْ إيَّاهُ ، فَعَقَلْنَا بِذَلِكَ أَنَّ التَّسْمِيَةَ عِنْدَ تَخْمِيرِهِ أَوْ عِنْدَ إيعَائِهِ إنَّمَا تَحْفَظُهُ مَا كَانَ مُوكًى أَوْ مَا كَانَ مُوعًى حَتَّى يُحَاوِلَ أَهْلُهُ أَكْلَهُ ، فَإِذَا حَاوَلُوا ذَلِكَ احْتَاجُوا إلَى تَسْمِيَةِ اللَّهِ . ثُمَّ طَلَبْنَا مَا الَّذِي يَنْبَغِي لَهُمْ إذَا ذَهَبَتْ عَنْهُمْ التَّسْمِيَةُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُمْ عِنْدَ مُحَاوَلَتِهِمْ أَكْلَهُ ؟ مَا الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَفْعَلُوهُ حَتَّى لَا يَنْتَفِعَ الشَّيْطَانُ بِمَا أَكَلَ مِنْهُ قَبْلَ ذَلِكَ ، وَحَتَّى يَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا يَمْنَعُهُ مِنْ بَقِيَّتِهِ ؟ 1233 - فَوَجَدْنَا بَكَّارَ بْنَ قُتَيْبَةَ قَدْ حدثنا قَالَ : حدثنا أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيُّ قَالَ : حدثنا هِشَامُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ بُدَيْلٍ الْعُقَيْلِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنْ أُمِّ كُلْثُومٍ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَأْكُلُ طَعَامًا فِي نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ أَوْ فِي بَيْتِهِ ، فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَأَكَلَهُ بِلُقْمَتَيْنِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَمَا إنَّهُ لَوْ ذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَكَفَاكُمْ ، فَإِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَنَسِيَ أَنْ يَذْكُرَ اسْمَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، ثُمَّ ذَكَرَ فَلْيَقُلْ : بِسْمِ اللَّهِ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَهُ عِنْدَ ذِكْرِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ سَمَّى اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ عِنْدَ أَوَّلِ أَكْلِهِ ، ثُمَّ وَجَدْنَاهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ رُوِيَ عَنْهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ مَا يَكُونُ مِنْ الشَّيْطَانِ عِنْدَ ذَلِكَ . 1234 - كَمَا حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ جَنَّادٍ الْبَغْدَادِيُّ قَالَ : حدثنا مُسَدَّدٌ قَالَ : حدثنا يَحْيَى يَعْنِي ابْنَ سَعِيدٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ صُبْحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْخُزَاعِيُّ قَالَ : . 1235 - وَكَمَا حدثنا ابْنُ أَبِي دَاوُد قَالَ : حدثنا الْمُقَدَّمِيُّ قَالَ : حدثنا أَبُو مَعْشَرٍ الْبَرَاءُ ، قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهُوَ يُوسُفُ بْنُ يَزِيدَ قَالَ : حدثنا جَابِرُ بْنُ صُبْحٍ قَالَ : حدثنا الْمُثَنَّى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْخُزَاعِيُّ وَذَلِكَ حِينَ مَاتَ الْحَجَّاجُ ، عَنْ جَدِّهِ أَبِي أُمِّهِ أُمَيَّةَ بْنِ مَخْشِيٍّ وَاصْطَحَبَنَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ، وَكَانَ إذَا وَضَعَ طَعَامَهُ سَمَّى فَأَكَلْنَا حَتَّى إذَا لَمْ يَبْقَ إلَّا لُقْمَةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ غَدَائِهِ أَوْ مِنْ عَشَائِهِ فَقَالَ : بِسْمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ حَتَّى يَأْكُلَهَا . قُلْت : لِمَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ سَمَّيْت ؟ فَإِذَا بَقِيَتْ آخِرُ لُقْمَةٍ قُلْت : بِسْمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ ؟ قَالَ : أُخْبِرُك . سَمِعْت جَدِّي أُمَيَّةَ بْنَ مَخْشِيٍّ وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَجُلٌ يَأْكُلُ ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ آخِرِ لُقْمَةٍ سَمَّى فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ تَبَسَّمَ فَسَأَلْنَاهُ ، فَقَالَ : سَمَّى اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ ، وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا زَالَ يَأْكُلُ مَعَهُ كَأَنَّهُ يَعْنِي الشَّيْطَانَ حَتَّى إذَا سَمَّى مَا بَقِيَ فِي بَطْنِهِ شَيْءٌ إلَّا أَلْقَاهُ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَوَقَفْنَا بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ الَّذِي يَحِلُّ بِالشَّيْطَانِ بِقَوْلِ الْآكِلِ الَّذِي لَمْ يَكُنْ سَمَّى فِي أَوَّلِ طَعَامِهِ عِنْدَ وُقُوفِهِ عَلَى ذَلِكَ مِنْ نَفْسِهِ بِسْمِ اللَّهِ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ . وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ . صَحِبْته إلَى وَاسِطَ ، فَكَانَ يُسَمِّي فِي أَوَّلِ طَعَامِهِ وَفِي آخِرِ لُقْمَةٍ يَقُولُ : بِسْمِ اللَّهِ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ . فَقَالَ : إنَّك تُسَمِّي فِي أَوَّلِ طَعَامِك ، ثُمَّ تَقُولُ فِي آخِرِ طَعَامِك : بِسْمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ ؟ فَقَالَ : أُخْبِرُكَ ؟ إنَّ جَدِّي أُمَيَّةَ بْنَ مَخْشِيٍّ وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَمِعْته يَقُولُ : إنَّ رَجُلًا كَانَ يَأْكُلُ وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنْظُرُ ، فَلَمْ يُسَمِّ حَتَّى كَانَ آخِرَ لُقْمَةٍ فَقَالَ : بِسْمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَا زَالَ الشَّيْطَانُ يَأْكُلُ مَعَك حَتَّى سَمَّيْت فَمَا بَقِيَ فِي بَطْنِهِ شَيْءٌ إلَّا أَلْقَاهُ .
668 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله : ما تركت بعدي فتنة هي أضر على الرجال من النساء ، ومن قوله : لكل أمة فتنة ، وفتنة أمتي المال . 5013 حدثنا يزيد بن سنان ، حدثنا يوسف بن يعقوب السدوسي صاحب السلعة (ح ) وحدثنا محمد بن بحر بن مطر ، حدثنا عبد الوهاب بن عطاء (ح ) وحدثنا عبد الرحمن بن الجارود البغدادي ، حدثنا هوذة بن خليفة البكراوي قالوا : حدثنا سليمان التيمي ، عن أبي عثمان النهدي ، عن أسامة بن زيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما تركت بعدي فتنة هي أضر على الرجال من النساء . 5014 - حدثنا إبراهيم بن أبي داود ، حدثنا مسدد ، حدثنا المعتمر ، عن أبيه ، عن أبي عثمان ، عن أسامة بن زيد وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، مثله . 5015 - وحدثنا عبد الرحمن بن الجارود ، حدثنا عارم ومسدد قالا : حدثنا المعتمر ، عن أبيه ، ثم ذكر بإسناده مثله . فقال قائل : ففي هذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قد ذكرتموه عنه فيه ، وقد رويتم عنه ما يخالف ذلك . 5016 - فذكر ما قد حدثنا يونس ، أخبرني ابن وهب ، أخبرني معاوية بن صالح ، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير ، عن أبيه ، عن كعب بن عياض ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : لكل أمة فتنة ، وفتنة أمتي المال . قال : ففي هذا الحديث أن فتنة أمته المال ، فكيف يجوز أن تكون فتنة النساء أعظم من ذلك ؟ فكان جوابنا له في ذلك أن قوله صلى الله عليه وسلم : ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من فتنة النساء هو على الفتنة التي تلحق الرجال دون النساء ، وفي ذلك ما قد دل أنه قد ترك صلى الله عليه وسلم في أمته فتنا سوى النساء ، وكان قوله صلى الله عليه وسلم : فتنة أمتي المال على فتنة تعم الرجال والنساء من أمته ، فكانت تلك الفتنة أوسع وأكثر أهلا من الفتنة الأخرى ، وكل واحدة منهما فأهلها الأهل الذين قد دل كل واحد من هذين الحديثين عليهم من هم ، وقد روي عنه صلى الله عليه وسلم من تحذيره من فتنة الدنيا ومن فتنة النساء . 5017 - ما قد حدثنا أبو أمية ، حدثنا عثمان بن عمر بن فارس ، حدثنا شعبة ، عن أبي مسلمة ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن الدنيا حلوة خضرة ، وإن الله عز وجل مستخلفكم فيها ، فينظر كيف تعملون ، فاتقوا فتنة الدنيا وفتنة النساء ؛ فإن أول فتنة بني إسرائيل بالنساء . فكان في هذا الحديث ذكره فتنة النساء التي ذكرها في حديث أبي عثمان النهدي ، وذكر فتنة الدنيا ، وفيها الفتنة بالمال المذكورة في حديث كعب بن عياض والفتن بما سوى ذلك . والله الموفق .
169 - باب بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الصَّلَاةِ الَّتِي سَمَّاهَا خِدَاجًا مَا هِيَ ؟ وَمَا حُكْمُهَا فِي ذَلِكَ ؟ هَلْ هُوَ فَسَادُهَا وَوُجُوبُ إعَادَتِهَا ؟ أَوْ مَا سِوَى ذَلِكَ ؟ . 1236 - حدثنا حُسَيْنُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : سَمِعْت يَزِيدَ بْنَ هَارُونَ قَالَ : حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ : حدثنا يَحْيَى بْنُ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ أَبِيهِ عَبَّادٍ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : كُلُّ صَلَاةٍ لَمْ يُقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ . 1237 - حدثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ قَالَ : حدثنا حِبَّانُ بْنُ هِلَالٍ قَالَ : حدثنا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ قَالَ : أخبرنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ثُمَّ ذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ . 1238 - حدثنا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : حدثنا ابْنُ وَهْبٍ أَنَّ مَالِكًا حَدَّثَهُ عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا السَّائِبِ مَوْلَى هِشَامِ بْنِ زُهْرَةَ يَقُولُ : سَمِعْت أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ فَهِيَ خِدَاجٌ فَهِيَ خِدَاجٌ ، غَيْرُ تَمَامٍ . 1239 - حدثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ قَالَ : حدثنا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ وَسَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ قَالَا : حدثنا شُعْبَةُ ، عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؛ مِثْلَهُ . 1240 - حدثنا ابْنُ أَبِي دَاوُد قَالَ : حدثنا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو غَسَّانَ ، عَنْ الْعَلَاءِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؛ مِثْلَهُ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَأَرَدْنَا أَنْ نَنْظُرَ فِي الْخِدَاجِ مَا هُوَ ؟ فَنَظَرْنَا فِي ذَلِكَ فَوَجَدْنَاهُ النُّقْصَانَ فِي الْخَلْقِ ، وَوَجَدْنَاهُ النُّقْصَانَ فِي مُدَّةِ الْحَمْلِ فَيُقَالُ لِمَنْ كَانَ نَاقِصًا فِي خَلْقِهِ أَوْ نَاقِصًا فِي مُدَّةِ الْحَمْلِ بِهِ : إنَّهُ خِدَاجٌ ، وَيُقَالُ بِذَلِكَ : إنَّهُ مُخْدَجٌ . وَمِنْهُ قِيلَ لِذِي الثُّدَيَّةِ : الْمُخْدَجُ . ثُمَّ وَجَدْنَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ سَمَّى صَلَاةً أُخْرَى خِدَاجًا لِمَعْنًى غَيْرِ الْمَعْنَى الَّذِي سَمَّى بِهِ هَذِهِ الصَّلَاةَ خِدَاجًا . 1241 - كَمَا حدثنا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ الرَّقِّيُّ قَالَ : حدثنا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ شُعْبَةَ قَالَ : سَمِعْت ابْنَ سَعِيدٍ يَعْنِي عَبْدَ رَبِّهِ بْنَ سَعِيدٍ يُحَدِّثُ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ أَبِي أَنَسٍ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَافِعِ بْنِ الْعَمْيَاءِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ الْمُطَّلِبِ ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : الصَّلَاةُ مَثْنَى مَثْنَى ، وَتَشَهُّدٌ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ ، وَتَبَاؤُسٌ وَتَمَسْكُنٌ ، وَتُقْنِعُ بِيَدَيْكَ وَتَقُولَ : اللَّهُمَّ اللَّهُمَّ ! فَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَهِيَ خِدَاجٌ . 1242 - وَكَمَا حدثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ قَالَ : حدثنا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ بْنِ فَارِسٍ قَالَ : حدثنا شُعْبَةُ ، عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ أَبِي أَنَسٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَافِعِ بْنِ الْعَمْيَاءِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَبِي وَدَاعَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلُهُ . 1243 - وَكَمَا حدثنا أَبُو قُرَّةَ مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدِ بْنِ هِشَامٍ الرُّعَيْنِيُّ قَالَ : حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي اللَّيْثُ ، عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ أَبِي أَنَسٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَافِعِ بْنِ الْعَمْيَاءِ ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؛ مِثْلَهُ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ : فَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَهِيَ خِدَاجٌ . 1244 - وَكَمَا حدثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ : أخبرنا سُوَيْد بْنُ نَصْرِ بْنِ سُوَيْد قَالَ : حدثنا عَبْدُ اللَّهِ يَعْنِي ابْنَ الْمُبَارَكِ ، عَنْ لَيْثٍ قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ رَبِّهِ بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ أَبِي أَنَسٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَافِعِ بْنِ الْعَمْيَاءِ ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ الْفَضْلِ بْنِ الْعَبَّاسِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؛ مِثْلَهُ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ : وَتُقْنِعُ بِيَدَيْك . يَقُولُ : تَرْفَعُهَا إلَى رَبِّك عَزَّ وَجَلَّ مُسْتَقْبِلًا بِبُطُونِهِمَا وَجْهَكَ ، وَتَقُولُ : يَا رَبِّ يَا رَبِّ ! فَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ كَذَا وَكَذَا ، يَعْنِي فَهِيَ خِدَاجٌ 1245 - وَكَمَا حدثنا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى وَمَالِكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَيْفٍ التُّجِيبِيِّ قَالَا : حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ الدِّمَشْقِيُّ قَالَ : حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ لَهِيعَةَ قَالَ : حدثنا عَبْدُ رَبِّهِ بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ أَبِي أَنَسٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَافِعِ بْنِ الْعَمْيَاءِ ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ أَبِي قُرَّةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْن صَالِحٍ سَوَاءً . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَلَمَّا وَقَعَ هَذَا الِاخْتِلَافُ فِي إسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ كَمَا ذَكَرْنَا ، وَوَجَدْنَاهُ إنَّمَا يَدُورُ عَلَى عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ ، ثُمَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا عَنْهُ فِيهِ هُمْ شُعْبَةُ وَاللَّيْثُ وَابْنُ لَهِيعَةَ ، فَيَقُولُ شُعْبَةُ فِيهِ : عَنْ أَنَسِ بْنِ أَبِي أَنَسٍ ، وَيَقُولُ اللَّيْثُ وَابْنُ لَهِيعَةَ فِيهِ مَكَانَ ذَلِكَ : عَنْ عِمْرَانَ بْنِ أَبِي أَنَسٍ . فَكَانَ مَعْقولًا فِي ذَلِكَ أَنَّهُ كَمَا قَالَ اللَّيْثُ وَابْنُ لَهِيعَةَ فِيهِ لَا كَمَا قَالَ شُعْبَةُ فِيهِ ؛ لِأَنَّ عِمْرَانَ بْنَ أَبِي أَنَسٍ رَجُلٌ مَعْرُوفٌ ، قَدْ رُوِيَتْ عَنْهُ أَحَادِيثُ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ ، وَلِأَنَّ أَنَسَ بْنَ أَبِي أَنَسٍ لَا يُعْرَفُ لَا سِيَّمَا وَقَدْ رَدَّ بَعْضُ رُوَاةِ هَذَا الْحَدِيثِ ابْنَ أَبِي أَنَسٍ هَذَا إلَى أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ . فَعَقَلْنَا بِذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ مِصْرَ بِنَسَبِهِ أَعْلَمُ بِهِ مِنْ غَيْرِهِمْ . ثُمَّ وَجَدْنَاهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ مُخْتَلِفِينَ فِي الرَّجُلِ الَّذِي يُحَدِّثُ عَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعِ بْنُ الْعَمْيَاءِ فَيَقُولُ شُعْبَةُ : إنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ ، وَإِنَّ الَّذِي يُحَدِّثُهُ عَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ هُوَ الْمُطَّلِبُ . وَيَقُولُ مَكَانَ ذَلِكَ اللَّيْثُ وَابْنُ لَهِيعَةَ : عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ مَكَانَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ فِي حَدِيثِ شُعْبَةَ ، وَعَنْ الْفَضْلِ بْنِ الْعَبَّاسِ مَكَانَ الْمُطَّلِبِ فِي حَدِيثِ شُعْبَةَ . فَتَأَمَّلْنَا ذَلِكَ فَوَجَدْنَا رَبِيعَةَ بْنَ الْحَارِثِ هُوَ رَبِيعَةُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ ، وَيُكَنَّى أَبَا أَرْوَى . وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِالْمَدِينَةِ ، وَكَانَ أَسَنَّ مِنْ عَمِّهِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بِسَنَتَيْنِ ، وَلَهُ ابْنٌ قَدْ رَوَى ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 1246 - مَا قَدْ حدثنا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَ : حدثنا الْحَسَنُ بْنُ عُمَرَ بْنِ شَقِيقٍ قَالَ : حدثنا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ الْمُطَّلِبِ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ : جَاءَ الْعَبَّاسُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَهُوَ مُغْضَبٌ فَقَالَ : مَا شَأْنُك يَا عَمَّ رَسُولِ اللَّهِ ؟ فَقَالَ : مَالَنَا وَلِقُرَيْشٍ؟ قَالَ : مَالَك وَلَهُمْ ؟ خَيْرًا ! قَالَ : يَلْقَى بَعْضُنَا بَعْضًا بِوُجُوهٍ مُشْرِقَةٍ ، فَإِذَا لَقُونَا لَقُونَا بِغَيْرِ ذَلِكَ . قَالَ : فَغَضِبَ حَتَّى اسْتَدَرَّ عِرْقٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ ، فَلَمَّا أَسْفَرَ عَنْهُ قَالَ : وَاَلَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ ، لَا يَدْخُلُ قَلْبَ امْرِئٍ إيمَانٌ حَتَّى يُحِبَّكُمْ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ ، ثُمَّ قَالَ : مَا بَالُ رِجَالٍ يُؤْذُونِي فِي الْعَبَّاسِ ؟ إنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ ! قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالْمُطَّلِبُ بْنُ رَبِيعَةَ هَذَا هُوَ صَاحِبُ حَدِيثِ الصَّدَقَاتِ الَّذِي 1247 - حدثناهُ ابْنُ أَبِي دَاوُد قَالَ : حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ قَالَ : حدثنا جُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ حَدَّثَهُ أَنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ بْنَ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ حَدَّثَهُ قَالَ : اجْتَمَعَ رَبِيعَةُ بْنُ الْحَارِثِ وَالْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَقَالَا : لَوْ بَعَثْنَا هَذَيْنِ الْغُلَامَيْنِ لِي وَلِلْفَضْلِ بْنِ الْعَبَّاسِ عَلَى الصَّدَقَةِ ، فَأَدَّيَا مَا يُؤَدِّي النَّاسُ وَأَصَابَا مَا يُصِيبُ النَّاسُ ، ثُمَّ ذَكَرَ الْحَدِيثَ . وَاحْتَجْنَا إلَى ذِكْرِ هَذَا مِنْهُ ؛ لِنَقِفَ عَلَى الْمُطَّلِبِ بْنِ رَبِيعَةَ مَنْ هُوَ ؟ فَكَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ذِكْرُهُ بِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، وَكَانَ فِي حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ سِنَانٍ ذِكْرُهُ بِالْمُطَّلِبِ ، فَكَأَنَّهُ كَانَ سُمِّيَ بِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، ثُمَّ رُدَّ فِي الْإِسْلَامِ إلَى الْمُطَّلِبِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَعَقَلْنَا بِذَلِكَ أَنَّهُ مُحَالٌ أَنْ يَكُونَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعِ بْنِ الْعَمْيَاءِ لَقِيَ رَبِيعَةَ بْنَ الْحَارِثِ ، وَكَانَ مَوْهُومًا أَنْ يَكُونَ قَدْ لَقِيَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَارِثِ ، وَكَانَ مُحَالًا أَنْ يَكُونَ رَبِيعَةُ بْنُ الْحَارِثِ يَرْوِي عَنْ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ الَّذِي سِنُّهُ فَوْقَ سِنِّ أَبِيهِ فَكَانَ الصَّحِيحُ فِيمَا اخْتَلَفَ فِيهِ شُعْبَةُ وَاللَّيْثُ وَابْنُ لَهِيعَةَ فِي إسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ فِيمَا بَعْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَافِعِ بْنِ الْعَمْيَاءِ كَمَا قَالَ شُعْبَةُ فِيهِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ وَفِي الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي أَوَّلِ هَذَا الْبَابِ وَصْفُ تَيْنِكَ الصَّلَاتَيْنِ أَنَّهُمَا خِدَاجٌ ، فَقَالَ قَوْمٌ : إنَّ مَنْ صَلَّى وَلَمْ يَقْرَأْ فِي صَلَاتِهِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مِنْهَا فَاتِحَةَ الْكِتَابِ لَمْ تُجْزِهِ ، وَجَعَلُوا التَّقْصِيرَ الَّذِي دَخَلَهَا حَتَّى عَادَتْ خِدَاجًا يُبْطِلُهَا . وَقَدْ خَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ قَوْمٌ مِنْهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ ، فَجَعَلُوهَا جَازِيَةً مُخْدِجَةً بِتَرْكِ مُصَلِّيهَا فَاتِحَةَ الْكِتَابِ فِيهَا ، وَذَهَبُوا إلَى أَنَّ الْخِدَاجَ لَا يَذْهَبُ بِهِ الشَّيْءُ الَّذِي يُسَمَّى بِهِ ، إنَّمَا يَنْقُصُ بِهِ فَالصَّلَاةُ الَّتِي ذَكَرْنَا لَمَّا وَجَبَ نُقْصَانُهَا لَمْ تَكُنْ مَعْدُومَةً ، وَلَكِنَّهَا مَوْجُودَةٌ نَاقِصَةٌ ، وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ نَقَصَتْ صَلَاتُهُ بِمَعْنًى تَرَكَهُ مِنْهَا يَجِبُ بِهِ فَسَادُهَا قَدْ رَأَيْنَاهُ بِتَرْكِهِ إتْمَامَ رُكُوعِهَا وَإِتْمَامَ سُجُودِهَا فَيَكُونُ ذَلِكَ نَقْصًا مِنْهَا ، وَلَا تَكُونُ بِهِ فَاسِدَةً يَجِبُ إعَادَتُهَا فَلَا يُنْكَرُ أَنْ يَكُونَ بِتَرْكِ قِرَاءَةِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ فِيهَا نَاقِصَةٌ نُقْصَانًا لَا يَجِبُ مَعَهُ إعَادَتُهَا . وَقَدْ وَجَدْنَا عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا قَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ مَا . 1248 - حدثنا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ الرَّقِّيُّ قَالَ : حدثنا الْفِرْيَابِيُّ ( ح ) . وَمَا حدثنا بَكَّارَ بْنُ قُتَيْبَةَ قَالَ : حدثنا بَكْرُ بْنُ بَكَّارٍ ، وَمَا حدثنا رَبِيعٌ الْمُرَادِيُّ قَالَ : حدثنا أَسَدٌ . قَالُوا جَمِيعًا : حدثنا إسْرَائِيلُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ أَرْقَمَ بْنِ شُرَحْبِيلَ قَالَ : سَافَرْت مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ الْمَدِينَةِ إلَى الشَّامِ ، فَقَالَ : إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا مَرِضَ مَرَضَهُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ كَانَ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ ، فَقَالَ : اُدْعُ لِي عَلِيًّا ! فَقَالَتْ : أَلَا نَدْعُو لَك أَبَا بَكْرٍ ؟ قَالَ : اُدْعُوهُ . فَقَالَتْ حَفْصَةُ : أَلَا نَدْعُو لَك عُمَرَ ؟ قَالَ : اُدْعُوهُ . فَقَالَتْ أُمُّ الْفَضْلِ : أَلَا نَدْعُو لَك الْعَبَّاسَ عَمَّك ؟ قَالَ : اُدْعُوهُ . فَلَمَّا حَضَرُوا رَفَعَ رَأْسَهُ ، ثُمَّ قَالَ : لِيُصَلِّ لِلنَّاسِ أَبُو بَكْرٍ ، فَتَقَدَّمَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ . وَوَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ نَفْسِهِ خِفَّةً ، فَخَرَجَ يُهَادَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ ، فَلَمَّا أَحَسَّهُ أَبُو بَكْرٍ سَبَّحُوا ، فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ يَتَأَخَّرُ ، فَأَشَارَ إلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَكَانَك . فَاسْتَتَمَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ حَيْثُ انْتَهَى أَبُو بَكْرٍ مِنْ الْقِرَاءَةِ ، وَأَبُو بَكْرٍ قَائِمٌ وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَالِسٌ . فَائْتَمَّ أَبُو بَكْرٍ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَائْتَمَّ النَّاسُ بِأَبِي بَكْرٍ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَتَمَّ مِنْ حَيْثُ انْتَهَى أَبُو بَكْرٍ إلَيْهِ مِنْ الْقِرَاءَةِ ، فَلَمْ يَخْلُ ذَلِكَ مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ : أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ فِي الْقِرَاءَةِ وَقَدْ قَرَأَ أَبُو بَكْرٍ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ أَوْ قَدْ قَرَأَ بَعْضَهَا ، فَلَمْ يَقْرَأْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَلَا شَيْئًا مِنْهَا ، وَكَانَتْ صَلَاتُهُ تِلْكَ قَدْ أَجْزَتْهُ بِذَلِكَ ، فَكَانَ فِي ذَلِكَ دَلِيلٌ أَنَّ تَرْكَ قِرَاءَةِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ أَوْ بَعْضِهَا لَا تَفْسُدُ بِهِ الصَّلَاةُ ، كَمَا يَقُولُ الَّذِينَ يَقُولُونَ ذَلِكَ . وَكَانَ تَصْحِيحُ هَذَا الْحَدِيثِ وَالْحَدِيثِ الْأَوَّلِ لَا يَخْتَلِفَانِ أَنَّ قِرَاءَةَ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ فِي الصَّلَاةِ لَا يَنْبَغِي تَرْكُهَا ، وَأَنَّهَا لَا يَفْسُدُ تَرْكُهَا كَمَا قَالَ آخَرُونَ حَتَّى يَتَّفِقَ الْحَدِيثَانِ وَلَا يَخْتَلِفَانِ . ثُمَّ وَجَدْنَا أَهْلَ الْمَقَالَةِ الْأُولَى الَّذِينَ يُفْسِدُونَ الصَّلَاةَ بِتَرْكِ قِرَاءَةِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ يُسَوُّونَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ جَمِيعًا ، وَقَدْ وَجَدْنَاهُمْ جَمِيعًا لَا يَخْتَلِفُونَ فِيمَنْ دَخَلَ فِي صَلَاةِ الْإِمَامِ وَهُوَ رَاكِعٌ فَكَبَّرَ لِدُخُولِهِ فِيهَا ، ثُمَّ كَبَّرَ لِرُكُوعِهِ فَرَكَعَ وَلَمْ يَقْرَأْ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ لِخَوْفِ فَوْتِ الرَّكْعَةِ إيَّاهُ إنْ قَرَأَهَا أَنْ يَعْتَدَّ بِتِلْكَ الرَّكْعَةِ ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ قِرَاءَةَ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ قَدْ تُجْزِئ الصَّلَاةُ دُونَهَا . فَإِنْ قَالُوا : إنَّمَا كَانَ ذَلِكَ لِضَرُورَةٍ إلَى ذَلِكَ فَإِنَّ مُخَالِفَهُمْ فِي ذَلِكَ يَقُولُ لَهُمْ : وَهَلْ تُسْقِطُ الضَّرُورَةُ فَرْضًا ؟ قَدْ وَجَدْنَا هَذَا الدَّاخِلَ فِي هَذِهِ الصَّلَاةِ عِنْدَ هَذِهِ الضَّرُورَةِ لَوْ رَكَعَ ، وَلَمْ يَقُمْ قَبْلَهَا قَوْمَةً - أَنَّ صَلَاتَهُ لَا تُجْزِئُهُ ، وَأَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ قَوْمَةٍ قَبْلَ الرُّكُوعِ لَهَا وَإِنْ قَلَّتْ ، فَلَوْ كَانَتْ قِرَاءَةُ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ لَهُ مِنْ قِرَاءَتِهَا ، وَكَانَتْ الضَّرُورَةُ غَيْرَ دَافِعَةٍ عَنْهُ فَرْضَهَا كَمَا لَمْ تَدْفَعْ عَنْهُ فَرْضَ الْقِيَامِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ . وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى مَا وَصَفْنَاهُ .وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ .
837 - باب بيان مشكل ما رواه أبو هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا المعنى . 6209 - حدثنا محمد بن بحر بن مطر البغدادي ، قال : حدثنا أبو النضر هاشم بن القاسم ، قال : حدثنا أيوب بن عتبة ، عن أبي كثير الغبري ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : قال البيعان بالخيار ما لم يتفرقا ، أو يكون بيع خيار . فكان معنى هذا الحديث ، كمعنى ما ذكرناه مما يوافقه في ألفاظه من أحاديث نافع عن ابن عمر ، والكلام فيه كالكلام فيما تكلمنا به فيه هنالك ، والله نسأله التوفيق .
170 - باب بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ فِي فَضْلِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ عَلَى صَلَاةِ الْفَذِّ . 1249 - حدثنا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : أخبرنا ابْنُ وَهْبٍ أَنَّ مَالِكًا أَخْبَرَهُ عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ عَلَى صَلَاةِ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً . 1250 - وحدثنا الْمُزَنِيّ قَالَ : حدثنا الشَّافِعِيُّ ، عَنْ مَالِكٍ ، وَذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ . 1251 - حدثنا يُونُسُ قَالَ : أخبرنا ابْنُ وَهْبٍ أَنَّ مَالِكًا أَخْبَرَهُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ أَحَدِكُمْ وَحْدَهُ بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : قَالَ قَائِلٌ : هَذَانِ الْحَدِيثَانِ يُضَادُّ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ مِنْهُمَا ؛ لِأَنَّ فِي أَحَدِهِمَا أَنَّ الَّذِي تَفْضُلُ بِهِ صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ صَلَاةَ الْوَاحِدِ سَبْعٌ وَعِشْرُونَ دَرَجَةً ، وَفِي الْآخَرِ أَنَّ الَّذِي تَفْضُلُهَا بِهِ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ جُزْءًا . فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ وَعَوْنِهِ أَنْ لَا تَضَادَّ فِيهِمَا ؛ إذْ كَانَ قَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الَّذِي جَعَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِصَلَاةِ الْجَمَاعَةِ مِنْ الْفَضْلِ أَوَّلًا عَلَى صَلَاةِ الْفَذِّ خَمْسًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً عَلَى مَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْهُمَا ، ثُمَّ زَادَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي فَضْلِهَا عَلَى صَلَاةِ الْوَاحِدِ جُزْأَيْنِ آخَرَيْنِ عَلَى مَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، فَكَانَ ذَلِكَ زِيَادَةً لَا تَضَادًّا . وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ .
667 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله لعلي لما قدم عليه من اليمن في حجته : بماذا أهللت ؟ فقال : قلت : اللهم إني أهل بما أهل به رسولك ومن أمره إياه أن يمكث على إحرامه حتى يحل من حجه ، وما روي عنه في أبي موسى بعد إعلامه إياه أنه أهل كإهلاله أن يطوف ويسعى ويحل . 5011 - حدثنا الربيع المرادي ، حدثنا أسد ، حدثنا حاتم ، حدثنا جعفر ، عن أبيه ، عن جابر ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بإحرامهم معه في حجة الوداع بالتوحيد ، وبأمره إياهم بعد فراغهم من السعي بين الصفا والمروة أن يحلوا ، وأن يجعلوها عمرة إلا من كان معه هدي ، ومن قوله لهم : إني لو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي ، ولجعلتها عمرة ، وإن عليا رضي الله عنه قدم عليه من اليمن ومعه هدي ، فقال له : ماذا قلت حين فرضت الحج ؟ قال : قلت : اللهم إني أهل بما أهل به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : فلا تحل ؛ فإن معي هديا . قال أبو جعفر : فروى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما كان منه إلى علي رضي الله عنه ما في هذا الحديث ، وروي عنه فيما كان لأبي موسى الأشعري . 5012 - ما قد حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، حدثنا أبو داود الطيالسي ، حدثنا شعبة - وما قد حدثنا علي بن معبد ، حدثنا شبابة بن سوار ، حدثنا شعبة (ح ) وما قد حدثنا الحسين بن نصر ، حدثنا عبد الرحمن بن زياد ، حدثنا شعبة ، ثم اجتمعوا جميعا فقالوا : عن قيس بن مسلم ، عن طارق بن شهاب ، عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال : قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو منيخ بالبطحاء ، فقال لي : أهللت ؟ قال : قلت : إهلال كإهلال النبي صلى الله عليه وسلم . قال : قد أحسنت ، طف بالبيت وبين الصفا والمروة ثم أحل . قال أبو جعفر : فسأل سائل عن المعنى الذي به اختلف ما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم مما أمر به كل واحد من علي وأبي موسى ، وقد كان كل واحد منهما أخبره صلى الله عليه وسلم أنه كان أهل كإهلاله . فكان جوابنا له في ذلك أن عليا أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن معه هديا ، ولم يكن مع أبي موسى هدي ، فأمر عليا بما يؤمر به من تمتع ومعه هدي ، وأمر أبا موسى بما يؤمر به من تمتع ولا هدي معه ، وكانا جميعا وإن كان إهلالهما بما أهل به النبي صلى الله عليه وسلم ، فإن الإهلال لا يوجب اللبث بين العمرة والحجة حتى يكون الإهلال منهما معا ، إنما الذي يوجب ذلك الهدي الذي يساق لهما لا ما سواه ، فأمر كل واحد منهما بما يجب عليه من لبث على ما هو فيه بين عمرته وحجته ، ومن خروجه عن ذلك إلى حل بينهما . ثم التمسنا ما في هذين الحديثين مما يدلنا على غير هذا الباب من أبواب الفقه ، فوجدنا كل واحد من علي ومن أبي موسى قد أحرم بمثل إحرام النبي صلى الله عليه وسلم قبل علمه أن النبي صلى الله عليه وسلم قد كان أحرم وقبل علمه ما أحرم به ، وقد جعلهما النبي صلى الله عليه وسلم بذلك محرمين داخلين في مثل إحرامه ، فدل ذلك أن من أحرم كإحرام فلان ، ولم يدر ما هو أنه يكون محرما كإحرام فلان بما أحرم به ، وإن جهله بذلك لا يضره ، وإن من دخل في شيء قبل علمه بدخول وقته أو قبل علمه أن ما دخل فيه له قد كان أنه يرد ذلك إلى حقيقة ذلك الشيء ، فيجعل من دخل فيه على جهله به كمن دخل فيه على علمه به ، من ذلك رجل دخل في صلاة الظهر ولا يعلم أن الشمس قد زالت ، ثم علم أنها قد كانت زالت أن صلاته تجزئه كما يجزئه لو كان دخل فيها بعد علمه بدخول وقتها ، ومثل ذلك رجل دخل في صوم يوم على أنه يصومه من رمضان ولم يعلم أن الهلال قد رئي قبل ذلك أن ذلك الصوم يجزئه من رمضان ، كما كان أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد يقولونه في ذلك ، وبخلاف ما يقوله مخالفهم : إنه لا يجزئه حتى يعلم بوجوب فرضه عليه قبل دخوله فيه ، وبالله التوفيق .
171 - باب بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ قَوْلِهِ : إنَّ الرَّجُلَ لَيُصَلِّي الصَّلَاةَ ، وَمَا يُكْتَبُ لَهُ مِنْهَا إلَّا عُشْرُهَا ، أَوْ مَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا ذَكَرَ مِنْ أَجْزَائِهَا . 1252 - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ قَالَ : حدثنا حَجَّاجُ بْنُ رِشْدِينَ ، عَنْ حَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ ، عَنْ ابْنِ عَجْلَانَ ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْحَكَمِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَنَمَةَ الْمُزَنِيّ ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ أَنَّهُ صَلَّى صَلَاةً فَخَفَّفَ فِيهَا ، فَقَالَ لَهُ : لَقَدْ صَلَّيْت صَلَاةً خَفَّفْت فِيهَا ؟ قَالَ : هَلْ رَأَيْتَنِي انْتَقَصْتُ شَيْئًا مِنْ حُدُودِهَا قُلْتُ : لَا . قَالَ عَمَّارٌ : بَادَرْتُ وَسْوَاسَ الشَّيْطَانِ ؛ إنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : إنَّ الْعَبْدَ لَيَنْصَرِفُ مِنْ صَلَاتِهِ ، وَمَا كُتِبَ لَهُ مِنْهَا إلَّا عُشْرُهَا أَوْ تُسْعُهَا أَوْ ثُمُنُهَا أَوْ سُبُعُهَا أَوْ سُدُسُهَا أَوْ خُمُسُهَا أَوْ رُبُعُهَا أَوْ ثُلُثُهَا أَوْ نِصْفُهَا . 1253 - حدثنا مُحَمَّدٌ أَيْضًا قَالَ : حدثنا إسْمَاعِيلُ بْنُ مَرْزُوقٍ الْكَعْبِيُّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي أَيُّوبَ ، عَنْ ابْنِ الْعَجْلَانِ ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْحَكَمِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَنَمَةَ ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؛ مِثْلَهُ . 1254 - حدثنا هَارُونُ بْنُ كَامِلٍ قَالَ : حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : حدثنا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْعَجْلَانِ ، عَنْ سَعِيدِ بْن أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْحَكَمِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَنَمَةَ الْمُزَنِيّ أَنَّهُ قَالَ : رَأَيْت عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ دَخَلَ الْمَسْجِدَ ، فَصَلَّى صَلَاةً أَخَفَّهَا ، فَأَتَيْته فَقُلْت لَهُ : لَقَدْ أَخَفَفْتَهَا يَا أَبَا الْيَقْظَانِ ؟ فَقَالَ : أَرَأَيْتَنِي انْتَقَصْتُ مِنْ حُدُودِهَا شَيْئًا ؟ فَقُلْت : لَا . فَقَالَ : بَادَرْت بِهَا شَهْوَةَ الشَّيْطَانِ ؛ أَمَا إنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : إنَّ الرَّجُلَ لَيُصَلِّي الصَّلَاةَ ، فَمَا يُكْتَبُ لَهُ إلَّا عُشْرُهَا ، تُسْعُهَا ، ثُمُنُهَا ، سُبُعُهَا ، سُدُسُهَا ، خُمُسُهَا ، رُبُعُهَا ، ثُلُثُهَا ، نِصْفُهَا . 1255 - حدثنا يُوسُفُ بْنُ يَزِيدَ قَالَ : حدثنا حَجَّاجُ بْنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ : حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ ، عَنْ عَمْرٍو وَهُوَ ابْنُ الْحَارِثِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْحَكَمِ الْأَنْصَارِيِّ ، عَنْ أَبِي الْيُسْرِ صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إنَّ مِنْكُمْ مَنْ يُصَلِّي الصَّلَاةَ كَامِلَةً ، وَمِنْكُمْ مَنْ يُصَلِّي النِّصْفَ وَالثُّلُثَ وَالرُّبُعَ وَالْخُمُسَ حَتَّى بَلَغَ الْعُشْرَ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : أَبُو الْيُسْرِ كَعْبُ بْنُ عَمْرٍو . 1256 - حدثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَهْبٍ قَالَ : حدثنا عَمِّي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ عَمْرٌو : قَالَ : سَعِيدُ بْنُ أَبِي هِلَالٍ : حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ الْحَكَمِ الْأَنْصَارِيُّ ، عَنْ أَبِي الْيُسْرِ صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ ، ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَسَأَلَ سَائِلٌ عَنْ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ . فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ وَعَوْنِهِ بَعْدَ تَأَمُّلِنَا إيَّاهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ عِنْدَنَا - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ تَكُونَ الصَّلَاةُ إذَا صَلَّاهَا الرَّجُلُ كَمَا أُمِرَ أَنْ يُصَلِّيَهَا مِنْ إتْمَامِ قِيَامِهَا وَرُكُوعِهَا وَسُجُودِهَا وَقُعُودِهَا وَالْقِرَاءَةِ فِيهَا ، وَذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ الَّذِي يُؤْمَرُ بِهِ فِيهَا وَخُشُوعِهِ فِيهَا وَإِقْبَالِهِ عَلَيْهَا ، وَتَرْكِهِ التَّشَاغُلَ عَنْهَا بِشَيْءٍ سِوَاهَا يَدْعُوهُ إلَى التَّقْصِيرِ ، عَنْ إكْمَالِهَا - يُؤْتِيهِ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى ذَلِكَ مَا شَاءَ أَنْ يُؤْتِيَهُ إيَّاهُ عَلَيْهِ بِجَدِّهِ إيَّاهُ عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ فِيهَا . وَإِذَا قَصَّرَ عَن مَّا ذَكَرْنَاهُ فِيهَا تَقْصِيرًا لَمْ يُخْرِجْهُ مِنْهَا ، وَلَكِنَّهُ كَانَ بِهِ مُنْتَقِصًا مِنْهَا مَا قَدْ كَانَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَلَّا يَنْتَقِصَهُ مِنْهَا مِنْ الذِّكْرِ ، وَمِمَّا سِوَاهُ مِنْ إشْكَالِهِ إيَّاهُ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ مِنْهَا بِمِقْدَارِ ممَا كَانَ يُؤْتِيهِ لَوْ كَانَ جَاءَ بِهَا بِكَمَالِهَا عَلَى مَا يُؤْمَرُ بِهِ فِيهَا مِنْ الْأَجْرِ الَّذِي يُؤْتِيهِ عَلَى ذَلِكَ مِنْ قَلِيلِ أَجْزَائِهِ وَمِنْ كَثِيرِهَا . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِمُرَادِ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ فِي ذَلِكَ ، وَإِيَّاهُ نَسْأَلُ التَّوْفِيقَ .
838- باب بيان مشكل ما رواه سمرة بن جندب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا المعنى . 6210 - حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، قال : حدثنا عفان بن مسلم ، قال : حدثنا همام ، عن قتادة ، عن الحسن ، عن سمرة بن جندب : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : البيعان بالخيار ما لم يتفرقا ، ويأخذ كل واحد منهما ما رضي من البيع . فتأملنا هذا الحديث ، فوجدنا فيه : ويأخذ كل واحد منهما ما رضي من البيع ، ولا اختلاف بين القائلين في هذا الباب بأن الافتراق المذكور في هذا الحديث هو بعد البيع بالأبدان ، أنه ليس للمبتاع أن يأخذ ما رضي من البيع ويترك بقيته ، إنما له عنده أن يأخذه كله ، أو يدعه كله ، وإنما يأخذ بعضه ويترك بعضه قبل عقد البيع ، فيكون البيع ينعقد بينه وبين صاحبه فيما يرضاه منه ، لا فيما سواه مما لا يرضاه منه . وفي ذلك ما قد دل أن الخيار للمتبايعين قبل انعقاد البيع بينهما ، وهو بين قول أحدهما لصاحبه : قد بعتك ، وقول الآخر : قد قبلت منك ، والله نسأله التوفيق .
172 - باب بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي قَطْعِ الْمُسْلِمِينَ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ وَتَحْرِيقِهَا ، وَفِي السَّبَبِ الَّذِي فِيهِ نَزَلَتْ : مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا . 1257 - حدثنا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ قَالَا : حدثنا أَبُو عَاصِمٍ النَّبِيلُ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَطَعَ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ وَحَرَّقَ . 1258 - حدثنا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : أخبرنا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَرَقَ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ وَقَطَعَ ، وَهِيَ الْبُوَيْرَةُ ، وَلَهَا يَقُولُ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ : وَهَانَ عَلَى سَرَاةِ بَنِي لُؤَيٍّ حَرِيقٌ بِالْبُوَيْرَةِ مُسْتَطِيرُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ . 1259 - حدثنا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَ : حدثنا يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ قَالَ : حدثنا جُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَرَّقَ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ ، وَلَهَا يَقُولُ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ : وَهَانَ عَلَى سَرَاةِ بَنِي لُؤَيٍّ حَرِيقٌ بِالْبُوَيْرَةِ مُسْتَطِيرُ فَأَجَابَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ : أَدَامَ اللَّهُ ذَلِكَ مِنْ صَنِيعٍ وَحَرَّقَ فِي نَوَاحِيهَا السَّعِيرُ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَقَالَ قَائِلٌ : فِي حَدِيثِ يُونُسَ الَّذِي رَوَيْته مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ مَا قَدْ دَلَّ أَنَّ نُزُولَ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ ، الْآيَةَ - إنَّمَا كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ كَانَ مِنْهُمْ مِنْ الْقَطْعِ وَالتَّحْرِيقِ مَا كَانَ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مُحَالٌ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَا يُنْزِلُ عَلَى رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَيْئًا إلَّا مَا يُفِيدُ بِهِ أُمَّتَهُ ، يَعْنِي لِيَسْتَعْمِلُوهُ فِي فَرَائِضِهِ عَلَيْهِمْ وَفِي تَعَبُّدِهِ إيَّاهُمْ . فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعَوْنِهِ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَمْ يَسْتَوْعِبْ السَّبَبَ الَّذِي كَانَ فِيهِ نُزُولُ هَذِهِ الْآيَةِ ، وَأَنَّهُ قَدْ كَانَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ قَبْلَ نُزُولِهَا مَا كَانَ مِنْ نُزُولِهَا فِيهِ عَلَيْهِمْ أَكْبَرُ الْفَائِدَةِ ، وَلَمْ نَجِدْهُ إلَّا فِي حَدِيثٍ يُرْوَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ 1260 - كَمَا حدثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ : حدثنا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّعْفَرَانِيُّ ، عَنْ عَفَّانَ قَالَ : حدثنا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ قَالَ : حدثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ : مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا . قَالَ : اللِّينَةُ النَّخْلُ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ قَالَ : اسْتَنْزَلُوهُمْ مِنْ حُصُونِهِمْ ، وَأُمِرُوا بِقَطْعِ النَّخْلِ ، فَحَكَّ فِي صُدُورِهِمْ ، فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ : قَدْ قَطَعْنَا بَعْضًا وَتَرَكْنَا بَعْضًا ، فَلَنَسْأَلَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : هَلْ لَنَا فِيمَا قَطَعْنَا مِنْ أَجْرٍ ؟ وَمَا عَلَيْنَا فِيمَا تَرَكْنَا مِنْ وِزْرٍ ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ : مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا . الْآيَةَ . قَالَ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ : كَانَ عَفَّانَ يُحَدِّثُنَا بِهَذَا الْحَدِيثِ عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ ، عَنْ حَبِيبٍ ثُمَّ رَجَعَ فَحدثنا بِهِ عَنْ حَفْصٍ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَعَقَلْنَا بِذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ أَنْزَلَهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِيَعْلَمَ بِهَا الْمُسْلِمُونَ أَنَّ الَّذِي كَانَ مِنْ قَطْعِهِمْ لَمَّا قَطَعُوا مِنْ نَخْلِ بَنِي النَّضِيرِ وَتَحْرِيقِهَا مُبَاحٌ لَهُمْ لَا إثْمَ عَلَيْهِمْ فِيهِ ، وَأَنَّ الَّذِي تَرَكُوهُ مِنْهَا فَلَمْ يَقْطَعُوهُ وَلَمْ يُحَرِّقُوهُ مُبَاحٌ لَهُمْ لَا إثْمَ عَلَيْهِمْ فِيهِ ، فَبَانَ بِذَلِكَ مَوْضِعُ الْفَائِدَةِ فِي نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ . وَقَالَ قَائِلٌ آخَرُ : قَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِيمَا كَانَ تَقَدَّمَ بِهِ إلَى أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ لَمَّا وَجَّهَهُمْ إلَى الشَّامِ مَا يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ مَا فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ . 1261 - وَذَكَرَ مَا حدثنا يُونُسُ قَالَ : أخبرنا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا بَعَثَ أُمَرَاءَ الْجُنُودِ نَحْوَ الشَّامِ : يَزِيدَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ ، وَعَمْرَو بْنَ الْعَاصِ ، وَشُرَحْبِيلَ بْنَ حَسَنَةَ - قَالَ : أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، اُغْزُوَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاَللَّهِ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ نَاصِرٌ دِينَهُ ، وَلَا تَغْلُوا وَلَا تَغْدِرُوا وَلَا تَجْبُنُوا وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ ، وَلَا تُغْرِقُنَّ نَخْلًا وَلَا تُحَرِّقُنَّهَا ، وَلَا تَعْقِرُوا بَهِيمَةً وَلَا شَجَرَةً تُثْمِرُ وَلَا تَهْدِمُوا بَيْعَةً . قَالَ هَذَا الْقَائِلُ : فَأَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَدْ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ ، وَقَدْ قَرَأَهَا أُمَرَاءُ الْأَجْنَادِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ إلَيْهِمْ بِمَا تَقَدَّمَ إلَيْهِمْ بِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَكَانَ مَا تَقَدَّمَ إلَيْهِمْ بِهِ مِنْ ذَلِكَ بِحَضْرَةِ سِوَاهُمْ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّذِينَ قَرَؤوا هَذِهِ الْآيَةَ أَيْضًا ، وَكَانَ فِي ذَلِكَ مَا قَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ لَمْ تَكُنْ نَزَلَتْ فِي الْمَعْنَى الْمَذْكُورِ فِي حَدِيثَيْ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّ نُزُولَهَا كَانَ فِيهِ . فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ وَعَوْنِهِ أَنَّ الَّذِي فِي ذَيْنِك الْحَدِيثَيْنِ مِنْ السَّبَبِ الَّذِي كَانَ فِيهِ نُزُولُ هَذِهِ الْآيَةِ كَمَا فِيهِمَا ، وَأَنَّ [ مَا ] فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ هَذَا غَيْرُ مُخَالِفٍ لِذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ عَلَى عِلْمٍ مِنْ عَوْدِ الشَّامِ إلَى أَيْدِيهِمْ ، وَمِنْ فَتْحِهِمْ لَهَا ، وَمِنْ غَلَبَتِهِمْ الرُّومَ عَلَيْهَا بِمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْلَمَهُمْ إيَّاهُ مِنْ ذَلِكَ . 1262 - حدثنا يُونُسُ قَالَ : أخبرنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ أَنَّ مَالِكًا حَدَّثَهُ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ أَبِي زُهَيْرٍ قَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : تُفْتَحُ الْيَمَنُ ، فَيَأْتِي قَوْمٌ يَبُسُّونَ فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ، وَتُفْتَحُ الْعِرَاقُ فَيَأْتِي قَوْمٌ يَبُسُّونَ فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ، وَتُفْتَحُ الشَّامُ فَيَأْتِي قَوْمٌ يَبِسُّونَ فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ . 1263 - وَكَمَا حدثنا أَبُو أُمَيَّةَ حدثنا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ : حدثنا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ أَبِي زُهَيْرٍ ثُمَّ ذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ . غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ : ثُمَّ تُفْتَحُ الْعِرَاقُ ، وَزَادَ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ : ثُمَّ بَلَغَنِي أَنَّ سُفْيَانَ بِالْمَوْسِمِ ، فَأَتَيْته فَسَأَلْته عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ ، فَقَالَ : أَشْهَدُ لَسَمِعْت مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ أَعَادَهُ عَنْهُ كَمَا حَدَّثَنِي . 1264 - وَكَمَا حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ الشَّيْزِرَيُّ قَالَ : حدثنا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ قَالَ : حدثنا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ قَالَ : حدثنا نَصْرُ بْنُ عَلْقَمَةَ ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَوَالَةَ قَالَ : كُنَّا عِنْدَ النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَشَكَوْنَا إلَيْهِ الْفَقْرَ وَالْعُرْيَ وَقِلَّةَ الشَّيْءِ ، فَقَالَ : أَبْشِرُوا ! فَوَاَللَّهِ لَأَنَا وَكَثْرَةُ الشَّيْءِ أَخْوَفُ عَلَيْكُمْ مِنْ قِلَّتِهِ ، وَاَللَّهِ لَا يَزَالُ هَذَا الْأَمْرُ فِيكُمْ حَتَّى تُفْتَحَ لَكُمْ أَرْضُ فَارِسَ وَالرُّومِ وَأَرْضُ حِمْيَرَ ، وَحَتَّى تَكُونُوا أَجْنَادًا ثَلَاثَةً : جُنْدٌ بِالشَّامِ ، وَجُنْدٌ بِالْعِرَاقِ ، وَجُنْدٌ بِالْيَمَنِ . وَحَتَّى يُعْطَى الرَّجُلُ الْمِائَةَ الدِّينَارَ فَيَسْخَطَهَا . قَالَ ابْنُ حَوَالَةَ : فَقُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَنْ يَسْتَطِيعُ الشَّامَ وَبِهَا الرُّومُ ذَوَاتُ الْقُرُونِ ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : وَاَللَّهِ لِيَسْتَخْلِفُنَّكُمْ اللَّهُ فِيهَا حَتَّى تَظَلَّ الْعِصَابَةُ مِنْهُمْ الْبِيضُ قُمُصُهُمْ الْمُحَلَّقَةُ أَقْفَاؤُهُمْ قِيَامًا عَلَى الرَّجُلِ الْأَسْوَدِ مِنْكُمْ الْمَحْلُوقِ ، وَإِنَّ بِهَا الْيَوْمَ رِجَالًا لَأَنْتُمْ أَحْقَرُ فِي أَعْيُنِهِمْ مِنْ الْقِرْدَانِ فِي أَعْجَازِ الْإِبِلِ . قَالَ ابْنُ حَوَالَةَ : فَقُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، خِرْ لِي إنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ ! قَالَ : أَخْتَارُ لَك الشَّامَ ؛ فَإِنَّهَا صَفْوَةُ اللَّهِ مِنْ بِلَادِهِ ، وَاَللَّهُ يَجْتَبِي صَفْوَتَهُ مِنْ عِبَادِهِ بِأَهْلِ الْإِسْلَامِ . فَعَلَيْكُمْ بِالشَّامِ ؛ فَإِنَّ صَفْوَةَ اللَّهِ مِنْ الْأَرْضِ الشَّامُ . فَمَنْ أَبَى فَيَسْقِي بِغُدُرِ الْيَمَنَ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ تَكَفَّلَ لِي بِالشَّامِ وَأَهْلِهِ . فَسَمِعْت عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ جُبَيْرٍ يَقُولُ : فَعَرَفَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَعْتَ هَذَا الْحَدِيثِ فِي جُزْءِ بْنِ سُهَيْلٍ السُّلَمِيِّ وَكَانَ وَلِيَّ الْأَعَاجِمِ ، وَكَانَ أُوَيْدِمًا قَصِيرًا ، فَكَانُوا يَمُرُّونَ وَتِلْكَ الْأَعَاجِمُ قِيَامٌ لَا يَأْمُرُهُمْ بِالشَّيْءِ إلَّا فَعَلُوهُ ؛ يَتَعَجَّبُونَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَكَانَ أَمْرُ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أُمَرَاءَ الْأَجْنَادِ بِمَا أَمَرَهُمْ بِهِ فِي حَدِيثِهِ الَّذِي رَوَيْنَاهُ لِهَذَا الْمَعْنَى الَّذِي فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ ، وَلِمَا قَدْ حَضَّهُمْ عَلَيْهِ مِنْ الصَّلَاةِ بِإِيلْيَاءَ ، وَمِنْ شَدِّ الْمَطَايَا إلَيْهَا مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُنَا لَهُ فِي كِتَابِنَا هَذَا ، وَلِمَا قَدْ رُوِيَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ قَوْلِهِ : وَمُنِعَتْ الشَّامُ مُدَّيْهَا وَدِينَارَهَا ، أَيْ أَنَّهَا سَتُمْنَعُ مُدَّيْهَا وَدِينَارَهَا الْوَاجِبَيْنِ فِي أَرْضِهَا وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ افْتِتَاحِهِمْ إيَّاهَا وَغَلَبَتِهِمْ عَلَيْهَا . وَسَنَذْكُرُ هَذَا الْحَدِيثَ فِيمَا بَعْدُ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوفيق .
666 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أمر به أصحابه في الحجة التي حجوها معه لما طافوا بالبيت وبالصفا والمروة أن يحلوا إلا من كان معه الهدي . 4992 - حدثنا الربيع المرادي ، حدثنا أسد بن موسى ، حدثنا حاتم بن إسماعيل المديني ، حدثني جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع , لسنا ننوي إلا الحج , حتى إذا كان آخر طواف على المروة , قال : إني لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي , وجعلتها عمرة , فمن كان من ليس معه هدي فليحلل . 4993 - حدثنا محمد بن خزيمة وفهد بن سليمان قالا : حدثنا عبد الله بن صالح قال : حدثني الليث بن سعد ، عن ابن الهاد ، عن جعفر بن محمد , ثم ذكر بإسناده مثله . 4994 - وحدثنا محمد بن خزيمة , حدثنا حجاج بن منهال , حدثنا حماد بن سلمة ، عن قيس بن سعد ، عن عطاء ، عن جابر رضي الله عنه قال : قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم لأربع خلون من ذي الحجة , فلما طافوا بالبيت وبالصفا والمروة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اجعلوها عمرة . 4995 - وحدثنا محمد بن حميد بن هشام الرعيني , حدثنا علي بن معبد , حدثنا موسى بن أعين ، عن خصيف ، عن عطاء ، عن جابر قال : لما قدمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة في حجة الوداع , سأل الناس : بماذا أحرمتم ؟ فقال أناس : أحرمنا بالحج , وقال آخرون : قدمنا متمتعين , وقال آخرون : أهللنا بإهلالك يا رسول الله ، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : من كان قدم ولم يسق هديا فليحلل , فإني لو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي حتى أكون حلالا . 4996 - وحدثنا بكار ، حدثنا إبراهيم بن بشار ، حدثنا سفيان , حدثنا عمرو بن دينار ، عن عطاء ، عن جابر بن عبد الله قال : قدمنا مع النبي صلى الله عليه وسلم صبيحة رابعة فأمرنا أن نحل , قلنا : أي الحل يا رسول الله ؟ قال : الحل كله , فلو استقبلت من أمري ما استدبرت لصنعت مثل الذي تصنعون . 4997 - حدثنا محمد بن عبد الله بن ميمون البغدادي ، حدثنا الوليد بن مسلم ، عن الأوزاعي ، عن عطاء أنه سمعه يحدث ، عن جابر بن عبد الله قال : أهللنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بذي الحليفة بالحج خالصا لا نخلطه بغيره , فقدمنا مكة , فلما طفنا بالبيت وسعينا بين الصفا والمروة , أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نجعلها عمرة , وأن نحل إلى النساء , فقلنا : ليس بيننا وبين عرفة إلا خمس ليال فنخرج إليها , وذكر أحدنا يقطر منيا , فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إني لأبركم وأصدقكم , ولولا الهدي لحللت . 4998 - حدثنا الحسين بن الحكم الحبري ، حدثنا أبو نعيم , حدثنا معقل بن عبيد الله العبسي ، عن عطاء ، عن جابر رضي الله عنه قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حجاجا لا نريد إلا الحج , ولا ننوي عمرة , فطفنا بالبيت وبين الصفا والمروة , ثم أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم , فأحللنا , وقال : إني لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت هديا , ولولا الهدي لأحللت , ومن لم يكن معه هدي فليحل . 4999 - حدثنا نصر بن مرزوق , حدثنا الخصيب بن ناصح , حدثنا وهيب بن خالد ، عن منصور بن عبد الرحمن ، عن أمه ، عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها قالت : قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه مهلين بالحج , وكان مع الزبير الهدي , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه : من لم يكن معه الهدي فليحلل . قالت : فلم يكن معي عامه هدي , فأحللت . 5000 - وحدثنا محمد بن خزيمة , حدثنا حجاج بن منهال , حدثنا يزيد بن زريع ، حدثنا داود وهو ابن أبي هند ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : خرجنا من المدينة نصرخ بالحج صراخا , فلما قدمنا طفنا , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اجعلوها عمرة , إلا من كان معه الهدي . 5001 - حدثنا إبراهيم بن مرزوق , حدثنا مكي بن إبراهيم , حدثنا عبيد الله بن أبي حميد ، عن أبي مليح ، عن معقل بن يسار قال : حججنا مع النبي صلى الله عليه وسلم , فوجد عائشة تنزع ثيابها , فقال لها : ما لك ؟ قالت : أنبئت أنك قد أحللت وأحللت أهلك , فقال : أحل من ليس معه هدي , فأما نحن فلم نحلل , فإنا معنا هدي حتى نبلغ عرفات . قال أبو جعفر : فسأل سائل عن المعنى الذي به افترق من ساق الهدي ومن لم يسق الهدي في هذا المعنى , فحل من لم يسق الهدي ، ولم يحلل من ساق الهدي , والفريقان جميعا , فقد كانوا أحرموا بحجة , وردت حجتهم إلى عمرة , فمن أين افترق في هذا سياقه الهدي وترك سياقه ؟ فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعونه أن القوم جميعا - وإن كان إحرامهم كان لحجة ، وردوا جميعا إلى عمرة - فإنه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمن تمتع بالعمرة إلى الحج إذا لم يسق الهدي أنه يحل بعد فراغه من عمرته , كما يحل المعتمر الذي لا يريد التمتع , وأنه لو كان ساق هديا لتمتعه لم يحل بين حجته وعمرته حتى يكون إحلاله منهما معا , وروي عنه صلى الله عليه وسلم في ذلك . 5002 - ما قد حدثنا إبراهيم بن أبي داود ، حدثنا مسدد بن مسرهد قال : حدثنا يحيى بن سعيد ، عن عبيد الله بن عمر قال : حدثني نافع ، عن ابن عمر ، عن حفصة قالت : قلت : يا رسول الله ، ما شأن الناس حلوا ولم تحل من عمرتك ؟ قال : إني لبدت رأسي ، وقلدت هديي ، فلا أحل حتى أحل من الحج . 5003 - وما قد حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن يونس ، حدثنا بندار ، حدثنا يحيى ، حدثنا عبيد الله قال : أخبرني نافع ، عن ابن عمر ، عن حفصة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، مثله . 5004 - وما قد حدثنا إسحاق ، حدثنا أبو همام ، حدثنا علي بن مسهر ، عن عبيد الله . وما قد حدثنا جعفر بن محمد الفريابي ، حدثنا المنجاب ، حدثنا علي ، عن عبيد الله ثم ذكر مثله . 5005 - وما قد حدثنا روح بن الفرج قال : حدثنا يوسف بن عدي قال : حدثنا عبد الرحيم بن سليمان الرازي ، عن عبيد الله ثم ذكر بإسناده مثله . 5006 - وما قد حدثنا يونس قال : أخبرنا ابن وهب أن مالكا أخبره ، عن نافع ، ثم ذكر بإسناده مثله . 5007 - وما قد حدثنا جعفر بن محمد الفريابي ، حدثنا سليمان بن عبد الرحمن أبو أيوب ، حدثنا شعيب بن إسحاق ، حدثنا ابن جريج ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : حدثتني حفصة ثم ذكر مثله . 5008 - وما قد حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن يونس ، حدثنا أبو الأشعث العجلي ، حدثنا فضيل بن سليمان ، حدثنا موسى بن عقبة ، أخبرني نافع ثم ذكر بإسناده مثله . فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن سياقه الهدي للمتعة يمنع الإحلال بين العمرة والحج حتى يكون الإحلال منهما معا ، وقد روي عن ابن عباس أيضا ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يدل على هذا المعنى . 5009 - كما حدثنا أحمد بن شعيب ، أنبأنا محمد بن بشار ، حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، عن الحكم ، عن مجاهد ، عن ابن عباس رضي الله عنهما ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : هذه عمرة استمتعنا بها ، فمن لم يكن عنده هدي فليحل الحل كله ، فقد دخلت العمرة في الحج . وقد روي عن عائشة أيضا ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قد دل على هذا المعنى أيضا . 5010 - كما قد حدثنا ابن أبي داود ، حدثنا عبد الله بن صالح ، حدثني الليث ، حدثني عقيل ، عن ابن شهاب ، حدثني عروة بن الزبير أن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ، ولحللت مع الناس حين حلوا من العمرة . قال أبو جعفر : وهكذا كان الكوفيون من أبي حنيفة وأصحابه ومن الثوري يقولون في المتمتع بالعمرة إلى الحج : إنه لا يحل بينهما إذا ساق الهدي حتى يحل منهما معا ، فأما الحجازيون ، فيخالفونهم في ذلك ، ولا يجعلون لسياقه الهدي في هذا معنى ، ويقولون : إن المتمتع بعد فراغه من عمرته يحل منها كان ساق لها هديا أو لم يكن ساقه لها ، وليس لأحد أن يخرج عما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم من قول ومن فعل بغير خصوصية في ذلك لأحد دون أحد ، وبالله التوفيق .
173 - باب بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي قِيَامِ الرِّجَالِ بَعْضِهِمْ إلَى بَعْضٍ . 1265 - حدثنا أَبُو الْقَاسِمِ هِشَامُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ قُرَّةَ بْنِ أَبِي خَلِيفَةَ قَالَ : حدثنا أَبُو جَعْفَرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَامَة بْنِ سَلَمَةَ الْأَزْدِيُّ قَالَ : حدثنا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : أخبرنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ قَالَ : قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ كَعْبٍ قَالَ : سَمِعْت كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ يُحَدِّثُ بِحَدِيثِ تَوْبَتِهِ قَالَ : فَانْطَلَقْت أَتَأَمَّمُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَلَقَّانِي النَّاسُ فَوْجًا فَوْجًا يُهَنِّئُوننِي بِالتَّوْبَةِ ، وَيَقُولُونَ : لِتَهْنِكَ تَوْبَةُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْك حَتَّى دَخَلْت الْمَسْجِدَ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ حَوْلَهُ النَّاسُ ، فَقَامَ إلَيَّ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ يُهَرْوِلُ حَتَّى صَافَحَنِي وَهَنَّأَنِي ، وَاَللَّهِ مَا قَامَ رَجُلٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ غَيْرُهُ . قَالَ : فَكَانَ كَعْبٌ لَا يَنْسَاهَا لِطَلْحَةَ . 1266 - حدثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُد قَالَ : حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : حدثنا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، ثُمَّ ذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ . 1267 - حدثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ قَالَ : حدثنا أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيُّ قَالَ : حدثنا صَالِحُ بْنُ أَبِي الْأَخْضَرِ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ ، وَكَانَ قَائِدَ أَبِيهِ حِينَ عَمِيَ قَالَ : سَأَلْت كَعْبًا عَنْ حَدِيثِهِ حِينَ تَخَلَّفَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ ، ثُمَّ ذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ . 1268 - حدثنا فَهْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ : حدثنا يُوسُفُ بْنُ بُهْلُولٍ الْكُوفِيُّ قَالَ : حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إدْرِيسَ الْأَوْدِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ كَعْبٍ قَالَ : أَتَيْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا نَزَلَتْ تَوْبَتِي ، فَتَلَقَّانِي طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ يُهَرْوِلُ ، ثُمَّ ذَكَرَ بَقِيَّةَ الْحَدِيثِ . 1269 - وحدثنا عُبَيْدُ بْنُ رِجَالٍ قَالَ : حدثنا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : حدثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أخبرنا مَعْمَرٌ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ . 1270 - حدثنا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ : حدثنا أَسَدُ بْنُ مُوسَى قَالَ : حدثنا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ قَالَ : حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ : قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ : لَمَّا طَلَعَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَمَا نَزَلَتْ بَنُو قُرَيْظَةَ عَلَى حُكْمِهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : قُومُوا إلَى سَيِّدِكُمْ أَوْ إلَى خَيْرِكُمْ . 1271 - حدثنا أَبُو أُمَيَّةَ قَالَ : حدثنا يَعْقُوبُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى الزُّهْرِيُّ قَالَ : حدثنا صَالِحُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ [ صَالِحِ بْنِ ] دِينَارٍ التَّمَّارُ وَمَعْنُ بْنُ عِيسَى وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عِمْرَانَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ دَخَلَ الْمَسْجِدَ بَعْد أَنْ حَكَمَ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ بِمَا حَكَمَ بِهِ فِيهِمْ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : قُومُوا إلَى سَيِّدِكُمْ . 1272 - حدثنا يُونُسُ قَالَ : حدثنا مَعْنُ بْنُ عِيسَى الْمَدِينِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ هِلَالٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ بَيْتَهُ قُمْنَا . 1273 - حدثنا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْجِيزِيُّ قَالَ : حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ قَالَ : حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ هِلَالٍ ، ثُمَّ ذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ . 1274 - حدثنا أَبُو أُمَيَّةَ قَالَ : حدثنا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ الْقَطَوَانِيُّ قَالَ : حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ هِلَالٍ عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : كُنَّا نَقْعُدُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْغَدَوَاتِ ، فَإِذَا قَامَ إلَى بَيْتِهِ لَمْ نَزَلْ قِيَامًا حَتَّى يَدْخُلَ بَيْتَهُ . فَقَالَ قَائِلٌ : كَيْفَ تَقْبَلُونَ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ ، وَأَنْتُمْ تَرْوُونَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا يُخَالِفُهَا ؟ 1275 - فَذَكَرَ مَا حدثنا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ قَالَ : حدثنا شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنِي الْمُغِيرَةُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ : حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ قَالَ : سَمِعْت مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَسْتَجِمَّ لَهُ الرِّجَالُ قِيَامًا وَجَبَتْ لَهُ النَّارُ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالْمُغِيرَةُ هَذَا هُوَ الْقَسْمَلِيُّ ، وَيُقَالُ لَهُ : السَّرَّاجُ ، وَهُوَ أَحَدُ الْأَثْبَاتِ . وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ الْقَسْمَلِيُّ هُوَ أَخُوهُ ، وَالْمُغِيرَةُ فَوْقَهُ . فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعَوْنِهِ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ عِنْدَنَا غَيْرُ مُخَالِفٍ لِلْأَحَادِيثِ الْأُوَلِ الَّتِي رَوَيْنَاهَا فِي هَذَا الْبَابِ ؛ لِأَنَّ الْأَحَادِيثَ الْأُوَلَ الَّتِي رَوَيْنَاهَا فِي هَذَا الْبَابِ فِيهَا إطْلَاقُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قِيَامَ الرِّجَالِ بَعْضِهِمْ إلَى بَعْضٍ بِاخْتِيَارِ الْقَائِمِينَ لِذَلِكَ ، لَا بِذِكْرِ مَحَبَّةِ الَّذِينَ قَامُوا لَهُمْ إيَّاهُ مِنْهُمْ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرْته الْمَحَبَّةُ مِنْ الَّذِي يُقَامُ لَهُ لِذَلِكَ مِمَّنْ يَقُومُهُ لَهُ . فَتَصْحِيحُ هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ أَنْ تَكُونَ الْأَحَادِيثُ الْأُوَلُ عَلَى مَا لَا مَحَبَّةَ فِيهِ لِمَنْ يُقَامُ لَهُ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ عَلَى الْمَحَبَّةِ لِمَنْ يُقَامُ لَهُ بِذَلِكَ الْقِيَامِ . فَبَانَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ كُلَّ جِنْسٍ مِنْ هَذَيْنِ الْجِنْسَيْنِ مُحْتَمِلٌ لِمَا حَمَلْنَاهُ عَلَيْهِ مِمَّا ذَكَرْنَا ، فَلَمْ يَبِنْ بِحَمْدِ اللَّهِ وَنِعْمَتِهِ تَضَادٌّ لِجِنْسٍ مِنْ هَذَيْنِ الْجِنْسَيْنِ لِلْجِنْسِ الْآخَرِ مِنْهُمَا . 1276 - وحدثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ قَالَ : حدثنا حِبَّانُ بْنُ هِلَالٍ قَالَ : حدثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : لَمْ يَكُنْ شَخْصٌ أَحَبَّ إلَيْهِمْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَانُوا إذَا رَأَوْهُ لَمْ يَقُومُوا لَهُ ؛ لِمَا يَعْلَمُوا مِنْ كَرَاهَتِهِ لِذَلِكَ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَكَانَ مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَدْ دَلَّ أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّمَا كَانُوا يَتْرُكُونَ الْقِيَامَ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعِلْمِهِمْ بِكَرَاهَتِهِ لِذَلِكَ مِنْهُمْ ، وَفِي ذَلِكَ مَا قَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ لَوْلَا كَرَاهَتُهُ لِذَلِكَ مِنْهُمْ لَقَامُوا لَهُ ، وَقَدْ تَكُونُ كَرَاهَتُهُ لِذَلِكَ مِنْهُمْ عَلَى وَجْهِ التَّوَاضُعِ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِذَلِكَ ؛ لَا لِأَنَّهُ حَرَامٌ عَلَيْهِمْ أَنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ لَهُ ، وَكَيْفَ يُظَنُّ أَنَّ ذَلِكَ حَرَامٌ عَلَيْهِمْ وَقَدْ أَمَرَهُمْ بِالْقِيَامِ إلَى سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ ، وَقَامَ بِمَحْضَرِهِ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ إلَى كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عِنْدَ نُزُولِ تَوْبَتِهِ مُهَنِّئًا لَهُ بِذَلِكَ فَلَمْ يَنْهَهُ عَنْهُ ؟ 1277 - وحدثنا بَكَّارَ بْنُ قُتَيْبَةَ قَالَ : حدثنا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ قَالَ : حدثنا حَبِيبُ بْنُ الشَّهِيدِ ، عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ قَالَ : دَخَلَ مُعَاوِيَةُ بَيْتًا فِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ ، فَقَامَ ابْنُ عَامِرٍ وَثَبَتَ ابْنُ الزُّبَيْرِ ، وَكَانَ أَوْزَنَهُمَا ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ : اجْلِسْ يَا ابْنَ عَامِرٍ ؛ فَإِنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَمْثُلَ لَهُ الرِّجَالُ قِيَامًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ . فَدَلَّ ذَلِكَ أَنَّ الْمَكْرُوهَ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ هُوَ الْمَحَبَّةُ مِنْ بَعْضِ الرِّجَالِ لِذَلِكَ مِنْ بَعْضٍ ، وَقَدْ تَكُونُ تِلْكَ الْمَحَبَّةُ مِنْ الْقِيَامِ إلَيْهِمْ ، وَقَدْ تَكُونُ بِلَا قِيَامٍ إلَيْهِمْ . فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْكَرَاهَةَ فِي ذَلِكَ إنَّمَا هِيَ لِلْمَحَبَّةِ الَّتِي ذَكَرْنَا لِلْقِيَامِ الَّذِي لَا مَحَبَّةَ مَعَهُ . وَقَدْ كَانَ بَعْضُ مَنْ يَنْتَحِلُ اللُّغَةَ يَزْعُمُ أَنَّ حَدِيثَ مُعَاوِيَةَ الَّذِي رَوَاهُ عَنْهُ ابْنُ بُرَيْدَةَ إنَّمَا هُوَ : مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَسْتَخِمَّ لَهُ الرِّجَالَ قِيَامًا ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ عَلَى الْقِيَامِ الَّذِي تَفْعَلُهُ الْأَعَاجِمُ بِعُظَمَائِهِمْ مِنْ قِيَامِهِمْ عَلَى رُؤوسِهِمْ ، وَمِنْ إطَالَتِهِمْ لِذَلِكَ حَتَّى يَسْتَخِمُوا مَعَهُ ، أَيْ حَتَّى تَتَغَيَّرَ لَهُ رَوَائِحُهُمْ لِإِطَالَتِهِمْ لِذَلِكَ الْقِيَامِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذَا عِنْدَنَا مُسْتَحِيلٌ ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ الْمَرْوِيَّ فِي ذَلِكَ إنَّمَا دَارَ عَلَى مُعَاوِيَةَ لَا مَخْرَجَ لَهُ سِوَاهُ وَقَدْ كَانَ فِيهِ مَا خَاطَبَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامِرٍ مَا كَانَ بِغَيْرِ إطَالَةٍ مِنْ ابْنِ عَامِرٍ لَهُ فِي ذَلِكَ قِيَامًا ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى انْتِفَاءِ هَذَا التَّأْوِيلِ ، وَفِي انْتِفَائِهِ ثُبُوتُ التَّأْوِيلِ الْأَوَّلِ . 179
839- باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من قوله في أهل بدر - رضوان الله عليهم - : إنهم أفضل الناس ، ومن قوله : خير أمتي قرني الذين بعثت فيهم : ، وأنه ليس واحد منهما مخالفا للآخر . 6211 - حدثنا إسماعيل بن إسحاق بن سهل الكوفي ، قال : حدثنا علي بن قادم ، قال : حدثنا سفيان ، عن يحيى بن سعيد - يعني أبا حيان التيمي - عن عباية بن رفاعة ، عن رافع بن خديج ، قال : أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - جبريل - صلى الله عليه وسلم - أو قال ملك عظيم ، فقال : كيف أهل بدر فيكم ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : هم عندنا أفضل الناس ، فقال الملك : كذلك من شهد عندنا بدرا من الملائكة . قال قائل : في هذا الحديث ما يجب به الفضل لأهل بدر من الملائكة على الناس جميعا ، وقد رويت فيما تقدم من كتابك هذا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : خير أمتي القرن الذي بعثت فيهم ، ومن ذلك القرن من شهد بدرا ، ومنهم من لم يشهدها ، ففي هذا ما يجب أنهم جميعا قد دخلوا فيما في هذا الحديث ، من شهد منهم بدرا ، ومن لم يشهد ، وفي الحديث الأول : فضل أهل بدر على من سواهم من أهل القرن الذين هم منهم ، وهذا تضاد شديد . فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله وعونه : أن لا تضاد في ذلك ؛ لأن القرن الذي بعث فيهم - صلى الله عليه وسلم - خير القرون جميعا ، وهم في أنفسهم متفاضلون بأسباب يتبين بها الفاضلون على المفضولين منهم ، كما الأنبياء - صلوات الله عليهم - أفضل الناس وهم متفاضلون في أنفسهم بالأسباب التي يفضل بها بعضهم بعضا ، كما قال الله - جل ثناؤه - في كتابه : وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ . فمثل ذلك القرن الذي بعث فيهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هم خير القرون وأفضل القرون ، فهم مع ذلك متفاضلون في أنفسهم بمعانيهم التي يبين بها بعضهم من بعض ، ويفضل بها بعضهم على بعض ، فمثل ذلك أهل بدر يتبينون من أهل القرن الذين هم منهم بالفضل عليهم ، ويتبينون هم وسائر أهل ذلك القرن الذين هم منهم عن سائر القرون من هذه الأمة بالخير والفضل ، فيعود أهل بدر أفضل أهل الفضل الذين هم القرن الذين هم خير القرون بمعانيهم التي فيهم بما ليس في سواهم من أهل القرن الذين هم منهم . فقد بان بحمد الله ونعمته أن لا تضاد في شيء من هذه الآثار ، وأن لكل وجه منها معنى سوى معنى الوجه الآخر منها والله - عز وجل - نسأله التوفيق .
174 - باب بَيَانُ مُشْكِلِ مُرَادِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِلَعْنِهِ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ . 1278 - حدثنا فَهْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ : حدثنا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ : حدثنا سُفْيَانُ ، عَنْ أَبِي قَيْسٍ ، عَنْ الْهُزيْلِ بْنِ شُرَحْبِيلَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْوَاصِلَةَ وَالْمَوْصُولَةَ . 1279 - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَزِيزٍ الْأَيْلِيُّ قَالَ : حدثنا سَلَامَةُ بْنُ رَوْحٍ ، عَنْ عُقَيْلٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبَانُ بْنُ صَالِحٍ أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ مُسْلِمٍ حَدَّثَهُ أَنَّ صَفِيَّةَ ابْنَةَ شَيْبَةَ بْنِ عُثْمَانَ حَدَّثَتْهُ أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ وَصْلِ الْمَرْأَةِ رَأْسَهَا بِالشَّعْرِ ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ : رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَى نِسَاءِ الْمُهَاجِرَات وَالْأَنْصَارِ ! مَا كَانَ أَشَدَّ تَفَقُّهَهُنَّ فِي دِينِهِنَّ ، وَأَحْرَصَهُنَّ عَلَى آخِرَتِهِنَّ . لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ - عَمَدْنَ إلَى أَكْنَفِ مُرُوطِهِنَّ ، فَشَقَقْنَ مِنْهَا خُمُرًا ، ثُمَّ أَبَتْ عَائِشَةُ أَنْ تُحَدِّثَهَا عَمَّا سَأَلَتْهَا عَنْهُ . ثُمَّ قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : أَتَتْ امْرَأَةٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنِّي أَنْكَحْت ابْنَتِي رَجُلًا ، وَإِنَّهَا اشْتَكَتْ ، فَتَمَرَّقَ شَعْرُهَا وَقَدْ أَرَادَ زَوْجُهَا أَنْ يَجْمَعَهَا إلَيْهِ ، أَفَأَضَعُ عَلَى رَأْسِهَا شَيْئًا أُجَمِّلُهَا بِهِ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَعَنَ اللَّهُ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ . 1280 - حدثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ قَالَ : حدثنا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ قَالَ : حدثنا شُعْبَةُ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ فَاطِمَةَ ابْنَةِ الْمُنْذِرِ ، عَنْ أَسْمَاءَ ابْنَةِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَعَنَ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ . 1281 - حدثنا يُونُسُ قَالَ : حدثنا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : حدثنا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَالِمٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ فَاطِمَةَ ابْنَةِ الْمُنْذِرِ ، عَنْ أَسْمَاءَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؛ مِثْلَهُ . 1282 - حدثنا ابْنُ أَبِي دَاوُد قَالَ : حدثنا الْوَهْبِيُّ قَالَ : حدثنا ابْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ ، عَنْ جَدَّتِهَا أَسْمَاءَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؛ مِثْلَهُ . 1283 - حدثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ : حدثنا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ قَالَ : حدثنا حَجَّاجٌ ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا يَقُولُ : زَجَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ تَصِلَ الْمَرْأَةُ بِرَأْسِهَا شَيْئًا . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : ثُمَّ وَجَدْنَا أَهْلَ الْعِلْمِ جَمِيعًا بَعْدَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُبِيحُونَ صِلَةَ الشَّعْرِ بِغَيْرِ الشَّعْرِ مِنْ الصُّوفِ ، وَمِمَّا أَشْبَهَهُ ، وَيَرْوُونَ فِي ذَلِكَ ، عَنْ مَنْ تَقَدَّمَهُمْ مَا 1284 - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ خُزَيْمَةَ قَالَ : حدثنا يُوسُفُ بْنُ عَدِيٍّ الْكُوفِيُّ قَالَ : حدثنا شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّخَعِيُّ ، عَنْ جَابِرٍ وَهُوَ الْجُعْفِيُّ ، عَنْ شُعْبَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : لَا بَأْسَ أَنْ تَصِلَ الْمَرْأَةُ شَعْرَهَا بِالصُّوفِ . 1285 - وَمَا حدثنا هَارُونُ بْنُ كَامِلٍ قَالَ : حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي اللَّيْثُ ، عَنْ بُكَيْر ، عَنْ أُمِّهِ أَنَّهَا دَخَلَتْ عَلَى عَائِشَةَ وَهِيَ عَرُوسٌ ، وَمَعَهَا مَاشِطَتُهَا فَقَالَتْ عَائِشَةُ : أَشَعْرُهَا هَذَا ؟ فَقَالَتْ الْمَاشِطَةُ : شَعْرُهَا وَغَيْرُهُ ، وَصَلْته بِصُوفٍ . قَالَتْ أُمُّ بُكَيْر : فَلَمْ أَسْمَعْهَا تُنْكِرْ ذَلِكَ . قَالَ بُكَيْر : وَإِنَّمَا يُكْرَهُ أَنْ يُوصَلَ بِالشَّعْرِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَعَائِشَةُ أَحَدُ مَنْ رَوَيْنَا عَنْهَا فِي هَذَا الْبَابِ لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ ، فَلَمْ يَكُنْ يَخْرُجُ مِنْ ذَلِكَ إلَّا مَا قَدْ عَلِمْت أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُرِدْهُ بِلَعْنِهِ ذَلِكَ ، أَوْ أَنَّهُ أَرَادَهُ ثُمَّ أَخْرَجَهُ مِنْهُ ، وَلَمْ يَكُنْ أَهْلُ الْعِلْمِ الْمَأْمُونُونَ عَلَى نَقْلِهِ يُخْرِجُونَ مِنْ حَدِيثٍ قَدْ رَوَوْهُ مُحْتَمِلًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَيْئًا يُوجِبُ ظَاهِرُهُ دُخُولَهُ فِيهِ إلَّا بَعْدَ عِلْمِهِمْ بِخُرُوجِهِ مِنْهُ ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَسَقَطَ عَدْلُهُمْ ، وَكَانَ فِي سُقُوطِ عَدْلِهِمْ سُقُوطُ رِوَايَتِهِمْ . وَحَاشَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَكُونُوا كَذَلِكَ ، وَاَللَّهَ نَسْتَوْفِقُ وَنَسْأَلُهُ السَّدَادَ.
665 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله : المستشار مؤتمن . 4983 - حدثنا أبو أمية , حدثنا الأسود بن عامر وطلق بن غنام ، عن شريك ، عن الأعمش ، عن أبي عمرو الشيباني ، عن أبي مسعود رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : المستشار مؤتمن . 4984 - وحدثنا يونس , حدثنا علي بن معبد ، عن عبيد الله بن عمرو , عن عبد الملك بن عمير ، عن أبي سلمة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مثله , هكذا حدثنا يونس , ولم يتجاوز به أبا سلمة إلى من سواه . 4985 - حدثنا محمد بن سنان الشيزري حدثنا عيسى بن سليمان الشيزري , حدثنا عبيد الله بن عمرو , عن عبد الملك بن عمير ، عن أبي سلمة ، [ عن أبي هريرة ] ، عن النبي صلى الله عليه وسلم , ثم ذكر مثله . فاختلف علي بن معبد وعيسى بن سليمان على عبيد الله بن عمرو في إسناد هذا الحديث كما قد ذكرناه من اختلافهما فيه , فنظرنا في ذلك لنقف على من معه الصواب منهما من هو ؟ . 4986 - فوجدنا أبا أمية قد حدثنا قال : حدثنا عبيد الله بن موسى العبسي قال : حدثنا شيبان النحوي - ووجدنا أبا أمية أيضا قد حدثنا قال : حدثنا الحسن بن موسى الأشيب , حدثنا شيبان - يعني النحوي ثم اجتمعا جميعا فقالا : عن عبد الملك بن عمير ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في ساعة لا يخرج فيها ولا يلقاه فيها أحد , فأتاه أبو بكر رضي الله عنه , فقال : ما أخرجك يا أبا بكر ؟ قال : خرجت للقاء رسول الله صلى الله عليه وسلم والنظر إلى وجهه والتسليم عليه , فلم يلبث أن جاء عمر رضي الله عنه , فقال : ما أخرجك يا عمر ؟ قال : الجوع , قال : فأنا قد وجدت بعض الذي تجد , انطلق إلى بيت أبي الهيثم بن التيهان ثم ذكر الحديث بطوله , وقال فيه : المستشار مؤتمن , فعقلنا بذلك أن الصواب في ذلك كان مع عيسى , وأنه حفظ من إسناد هذا الحديث ما لم يحفظه علي . 4987 - حدثنا محمد بن علي بن داود قال : قرئ على سعيد بن سليمان سعدويه وأنا حاضر فقيل له : حدثك حفص بن سليمان ، عن قيس بن مسلم ، عن طارق بن شهاب ، عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : المستشار مؤتمن , فقال : نعم . فتأملنا هذا الحديث لنقف على المراد بما فيه إن شاء الله عز وجل , فوجدنا الرجل في استشارته أخاه ملتمسا فضل رأي أخيه على رأيه ليكون بمضي أمره على الذي استشاره به أخاه فيه على الفضل الذي قدره معه في رأيه على ما معه , فيكون بذلك مقلدا له ما يفعله مما يشاوره فيه , ممثلا ما يشير به عليه , فإذا كان الذي أشار به فيه صوابا ، كان له من الأجر على ذلك ما يكون لمثله في مثل ذلك , وإن أشار عليه في ذلك بخلاف الصواب وهو يعلم أن ذلك كذلك , كان بذلك مدخلا له فيما يفعله مما أشار به عليه . ومثل ذلك أيضا ما قد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يدخل في هذا المعنى . 4988 - مما قد حدثنا يونس ، حدثنا ابن وهب ، حدثني سعيد بن أبي أيوب ، عن بكر بن عمرو , عن عمرو بن أبي نعيمة ، عن أبي عثمان مسلم بن يسار ، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من استشار أخاه فأشار عليه بغير رشد فقد خانه . 4989 - وكما حدثنا مبشر بن الحسن البصري ، حدثنا أبو عبد الرحمن المقرئ قال : حدثنا سعيد بن أبي أيوب ثم ذكر بإسناده مثله . 4990 - وكما حدثنا يونس قال : حدثنا ابن وهب قال : أخبرني يحيى بن أيوب ، عن بكر بن عمرو , عن عمرو بن أبي نعيمة ، عن أبي عثمان الطنبذي رضيع عبد الملك بن مروان قال : سمعت أبا هريرة يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ثم ذكر مثله . 4991 - وكما حدثنا الربيع بن سليمان الأزدي الجيزي , حدثنا سعيد بن أبي مريم ، أنبأنا يحيى بن أيوب ثم ذكر بإسناده مثله . قال أبو جعفر : فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث أن من استشار أخاه فأشار عليه بخلاف الرشد فقد خانه , وتحت هذا الكلام أنه إذا أشار عليه بالرشد كان منه ضد الخيانة وهي المناصحة , وكان من كان فيه الخيانة مستحقا للعقاب عليها , ومن كانت منه الأمانة مستحقا للثواب عليها , فبان بما ذكرنا ما المراد بالأمانة المذكورة في الحديث الذي بدأنا بذكره في هذا الباب . والله المحمود على ذلك , وإياه نسأله التوفيق .
175 - باب بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَطَّتْ السَّمَاءُ وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ ! مَا مِنْهَا مَوْضِعُ قَدَمٍ . فِي أَحَدِ الْحَدِيثَيْنِ الْمَرْوِيَّيْنِ فِي ذَلِكَ ، وَفِي الْآخَرِ مِنْهُمَا : مَا مِنْهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إلَّا وَفِيهِ مَلَكٌ سَاجِدٌ . 1286 - حدثنا أَبُو غَسَّانَ مَالِكُ بْنُ يَحْيَى الْهَمْدَانِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ بَحْرِ بْنِ مَطَرٍ الْبَغْدَادِيُّ قَالَا : حدثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ قَالَ : أخبرنا سَعِيدٌ - وَهُوَ ابْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ قَالَ : بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ أَصْحَابِهِ ؛ إذْ قَالَ لَهُمْ : هَلْ تَسْمَعُونَ مَا أَسْمَعُ ؟ قَالُوا : مَا نَسْمَعُ مِنْ شَيْءٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ ! قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إنِّي لَأَسْمَعُ أَطِيطَ السَّمَاءِ ، وَمَا تُلَامُ أَنْ تَئِطَّ ، وَمَا فِيهَا مَوْضِعُ قَدَمٍ إلَّا وَعَلَيْهِ مَلَكٌ إمَّا سَاجِدٌ وَإِمَّا قَائِمٌ . 1287 - حدثنا أَبُو أُمَيَّةَ قَالَ : حدثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى الْعَبْسِيُّ قَالَ : حدثنا إسْرَائِيلُ بْنُ يُونُسَ ، عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُهَاجِرِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ مُوَرِّقٍ الْعِجْلِيّ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إنَّ السَّمَاءَ أَطَّتْ وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ ! مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إلَّا وَفِيهِ مَلَكٌ سَاجِدٌ ، وَاَللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا ، وَلَخَرَجْتُمْ إلَى الصُّعُدَاتِ تَجْأَرُونَ إلَى اللَّهِ . فَقَالَ قَائِلٌ : وَهَلْ تَعْقِلُونَ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ قَدَمٍ أَوْ فِي مَوْضِعِ أَرْبَعِ أَصَابِعَ مَلَكٌ سَاجِدٌ أَوْ رَاكِعٌ ؟ فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعَوْنِهِ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ كَلَامٌ عَرَبِيٌّ يَفْهَمُهُ الْمُخَاطَبُونَ ، وَيَقِفُونَ عَلَى مَا أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهِ . وَالْعَرَبُ تُطْلِقُ أَنْ يُقَالَ : فُلَانٌ جَالِسٌ عَلَى كَذَا لِمَا نَقَصَ عَنْهُ ، وَفُلَانٌ جَالِسٌ عَلَى كَذَا لِمَا يَفْضُلُ عَنْهُ . وَذَلِكَ مَوْجُودٌ فِي كَلَامِ النَّاسِ يَقُولُونَ : فُلَانٌ جَالِسٌ عَلَى الْحَصِيرِ ، وَهِيَ مُقَصِّرَةٌ عَنْهُ ، وَجُلُوسُهُ فِي الْحَقِيقَةِ عَلَيْهَا وَعَلَى غَيْرِهَا مِنْ الْأَرْضِ وَمِمَّا سِوَاهَا . وَيَقُولُونَ : فُلَانٌ جَالِسٌ عَلَى الْحَصِيرِ الْفَاضِلَةِ عَنْهُ ، وَكَانَتْ حَقِيقَةُ ذَلِكَ أَنَّ جُلُوسَهُ عَلَى بَعْضِهَا لَا عَلَى كُلِّهَا . وَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ كَانَ مِثْلُهُ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ : مَا مِنْهَا مَوْضِعُ قَدَمٍ . أَوْ : مَا مِنْهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إلَّا وَعَلَيْهَا مَلَكٌ إمَّا سَاجِدٌ وَإِمَّا رَاكِعٌ - عَلَى مَعْنًى : إلَّا وَفِيهِ مَلَكٌ سَاجِدٌ ، أَوْ إلَّا وَعَلَيْهِ مَلَكٌ رَاكِعٌ أَوْ سَاجِدٌ - عَلَى أَنَّ كَوْنَهُ عَلَيْهِ فِي الْحَقِيقَةِ كَوْنٌ عَلَيْهِ وَعَلَى غَيْرِهِ كَمَا كَانَ الْجُلُوسُ عَلَى الْحَصِيرِ الْمُقَصِّرَةِ عَلَى الْجَالِسِ عَلَيْهَا جُلُوسًا عَلَيْهَا وَعَلَى مَا سِوَاهَا وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
840- باب بيان مشكل ما روي عن علي بن أبي طالب ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من قوله : لا تصلوا بعد العصر إلا أن تكون الشمس مرتفعة . 6212 - حدثنا بكار بن قتيبة ويزيد بن سنان جميعا ، قالا : حدثنا أبو داود الطيالسي وحدثنا إبراهيم بن مرزوق ، قال : حدثنا بشر بن عمر الزهراني قال كل واحد منهم في حديثه : قال : حدثنا شعبة ، قال : أخبرني منصور ، قال : سمعت هلال بن يساف ، يحدث عن وهب بن الأجدع ، قال : سمعت عليا -عليه السلام - يقول : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا تصلوا بعد العصر إلا أن تكون الشمس مرتفعة . 6213 - وحدثنا أحمد بن شعيب ، قال : أخبرنا قتيبة بن سعيد ، قال : حدثنا عبيدة -يعني ابن حميد - عن منصور - وحدثنا أحمد بن شعيب ، قال : أخبرنا عمرو بن علي ، قال : حدثنا عبد الرحمن -يعني ابن مهدي - قال : حدثنا شعبة وسفيان ، عن منصور ، عن هلال بن يساف ، عن وهب بن الأجدع ، عن علي - عليه السلام - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مثله . 6214 - وحدثنا أحمد بن شعيب ، قال : أخبرنا عبدة بن عبد الله ، عن يحيى -وهو ابن آدم - عن شريك ، عن منصور ، عن سالم -وهو ابن أبي الجعد - عن وهب بن الأجدع ، عن علي -عليه السلام - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا صلاة بعد العصر إلا أن تصلي والشمس مرتفعة . قال أبو جعفر : فتأملنا هذا الحديث فوجدنا فيه إباحة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للناس الصلاة بعد العصر والشمس مرتفعة ، وهي الحال التي تكون فيها بيضاء لم يدخلها صفرة ، ونهيه عن الصلاة بعد العصر في غير تلك الحال ، وهي تدلي الشمس للغروب ، وهي الحال التي يكون معها فيها اصفرارها وتوردها . فقال قائل : فقد رويتم عن عمر - رضي الله عنه - بما كان خاطب به عليا - عليه السلام -ما قد دل أن الأمر كان عند علي - عليه السلام - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - على خلاف ما رويتموه عن علي ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وذكر في ذلك . 6215 - ما قد حدثنا محمد بن عزيز الأيلي ، قال : حدثنا سلامة بن روح ، عن عقيل ، عن ابن شهاب أنه أخبره ، قال : أخبرني حزام بن دراج : أن علي بن أبي طالب -عليه السلام - سبح بعد العصر ركعتين في طريق مكة ، فدعاه عمر -رضي الله عنه - فتغيظ عليه ، ثم قال : والله لقد علمت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان ينهى عنها . 6216 - وما قد حدثنا أبو أمية ، قال : حدثنا عبد الغفار بن عبيد الله القرشي ، قال : حدثنا صالح -يعني ابن أبي الأخضر - عن الزهري ، عن ربيعة بن دراج : أن عليا -عليه السلام - سبح بعد العصر ركعتين فرآه عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فتغيظ ، وقال : لقد علمت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عنهما . قال أبو جعفر : هكذا هذا الحديث فيما حدثناه ابن عزيز وأبو أمية جميعا بالإسنادين اللذين في حديثيهما عن عقيل وصالح ، وقد خالفهما في ذلك يزيد بن أبي حبيب ، فأدخل فيه بين ابن شهاب وبين ربيعة بن دراج ابن محيريز . 6217 - كما حدثنا يوسف بن يزيد ، قال : حدثنا عبد الله بن صالح ، قال : حدثني الليث بن سعد . وكما حدثنا عبيد بن رجال ، قال : حدثنا عبد الملك بن شعيب بن الليث ، قال : حدثني أبي ، قال : حدثني الليث بن سعد ، قال : حدثني يزيد بن أبي حبيب : أن ابن شهاب كتب يذكر أن ابن محيريز ، أخبره عن ربيعة بن دراج ، أخبره : أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه - سافر ، فصلى العصر ركعتين بطريق مكة ، ثم التفت فرأى علي بن أبي طالب -عليه السلام - سبح بعدها ، فتغيظ عليه ، ثم قال : والله لقد علمت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان ينهى عنها . وقد وافقهما فيما رويا هذا الحديث عليه يونس بن يزيد ، وخالف يزيد بن أبي حبيب 6218 - كما حدثنا هارون بن كامل ، قال : حدثنا عبد الله بن صالح ، قال : حدثني الليث ، قال : حدثني يونس ، عن ابن شهاب ، قال : حدثني ابن دراج : أن عليا - عليه السلام - سبح بعد العصر ركعتين في طريق مكة ، فدعاه عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فتغيظ عليه ، ثم قال : أما والله لقد علمت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان ينهى عنها . قال : ففي هذا الحديث ما قد خاطب به عمر عليا مما قد ذكر خطابه به فيه ، ومما فيه : أن عليا قد كان علم نهي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الصلاة بعد العصر وعمر لم يقل له ذلك إلا وقد علم أنه قد علم نهي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك ، لا سيما ولم ينكر عليه علي ما قاله له من ذلك ، فهل في ذلك ما يخالف حديث وهب بن الأجدع عنه أم لا ؟ فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله - عز وجل وعونه - أنه ليس في واحد من حديث وهب ، ومن حديث ابن دراج خلاف للآخر عندنا - والله أعلم - إذ قد كان يحتمل أن يكون علي - عليه السلام - صلى والشمس عنده مرتفعة الارتفاع الذي معه إباحة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصلاة ، وكانت عند عمر - رضي الله عنه - على خلاف ذلك ، فكانا مختلفين في الارتفاع للشمس الذي يبيح الصلاة ، ولم يكن ذلك بموجب اختلافهما فيما علمه علي من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيهما ، إذ الارتفاع قد يراد به معنى يقع في قلوب بعض السامعين من ذلك المعنى خلاف ما يقع في قلوب بعض السامعين إياه . وكان الذي كان من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حديث وهب بن الأجدع فيه النهي عن الصلاة بعد تدلي الشمس ، لا فيما قبل ذلك بعد صلاة العصر ، ثم كان من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد ذلك النهي عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس ، فدخل في ذلك ما في حديث وهب عن علي ، وزاد على حديث وهب النهي عن الصلاة بعد العصر ، وإن كانت الشمس مرتفعة حين تغيب . فوقف على ذلك عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فصار إليه ، وحمل الناس عليه ، ولم يقف عليه علي - عليه السلام - ولم يعلمه ، فكان على ما في حديث وهب الذي رواه عنه والحديث الذي روي عن عمر في ذلك 5277 - هو ما قد حدثنا عبد العزيز بن معاوية العتابي ، قال : حدثنا يحيى بن حماد . 6219 - وما قد حدثنا صالح بن عبد الرحمن الأنصاري ، وفهد بن سليمان ، ويوسف بن يزيد ، قالوا : حدثنا سعيد بن منصور ، ثم قالوا جميعا : قال : حدثنا أبو عوانة ، عن قتادة ، عن أبي العالية ، عن ابن عباس ، قال : حدثني غير واحد من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منهم : عمر بن الخطاب ، وكان عمر من أحبهم إلي : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس ، وعن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس . إلا أن عبد العزيز قال في حديثه : شهد عندي رجال مرضيون منهم : عمر ، وأرضاهم عندي عمر 6220 - وما قد حدثنا أحمد بن شعيب ، قال : أخبرنا إسماعيل بن مسعود ومحمد بن عبد الأعلى ، قال : حدثنا خالد - يعني ابن الحارث - قال : حدثنا شعبة ، عن قتادة ، قال : سمعت أبا العالية يحدث ، عن ابن عباس ، قال : حدثني نفر أعجبهم إلي عمر ، ثم ذكر مثله . 6221 - وما قد حدثنا أحمد بن شعيب ، قال : أخبرنا عمرو بن علي ، قال : حدثنا عبد الأعلى ، قال : حدثنا سعيد - يعني ابن أبي عروبة - عن قتادة ، عن أبي العالية ، عن ابن عباس ، قال : حدثني رجال مرضيون وأرضاهم عندي عمر : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم ذكر مثله . 6222 - وما قد حدثنا أحمد ، قال : أخبرنا إسحاق بن إبراهيم ، قال : حدثنا معاذ بن هشام ، قال : حدثني أبي ، عن قتادة ، عن أبي العالية ، عن عبد الله بن عباس ، قال : شهد عندي رجال مرضيون ، فيهم عمر ، وأرضاهم عندي عمر : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم ذكر مثله . 6223 - وما قد حدثنا محمد بن خزيمة ، قال : حدثنا مسلم بن إبراهيم ، قال : حدثنا أبان - يعني ابن يزيد - عن قتادة ، عن أبي العالية ، عن ابن عباس قال : شهد عندي رجال مرضيون منهم : عمر ، وكان أرضاهم عندي : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم ذكر مثله . فكان ما في هذا الحديث يوجب النهي عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس ، فحمل عمر - رضي الله عنه - الناس عليه ، ودخل فيه ما قد كان علي - عليه السلام - علمه من نهي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ما كان قد نهى عنه مما قد ذكرناه عنه في حديث وهب بن الأجدع ، والله نسأله التوفيق .
176 - باب بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي رَدِّهِ عَلَى الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ لَمَّا سَأَلَهُ عَمَّا يَقُولُهُ إذَا أَوَى إلَى فِرَاشِهِ مِمَّا ذَكَرَهُ أَنَّهُ يَقُولُهُ فِيهِ : وَرَسُولِك الَّذِي أَرْسَلْت بِقَوْلِهِ : وَنَبِيِّك الَّذِي أَرْسَلْت . 1288 - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ يُونُسَ الْمَعْرُوفُ بِالسُّوسِيِّ قَالَ : حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَنْقَزِيُّ ، عَنْ فِطْرِ بْنِ خَلِيفَةَ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ : قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : يَا بَرَاءُ ، مَا تَقُولُ إذَا أَوَيْت إلَى فِرَاشِك ؟ قَالَ : قُلْت : اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ . قَالَ : فَإِذَا أَوَيْت إلَى فِرَاشِك طَاهِرًا فَتَوَسَّدْ يَمِينَك وَقُلْ : اللَّهُمَّ ، أَسْلَمْت وَجْهِي إلَيْك ، وَفَوَّضْت أَمْرِي إلَيْك ، وَأَلْجَأْت ظَهْرِي إلَيْك ؛ رَهْبَةً وَرَغْبَةً إلَيْك ، لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَى مِنْك إلَّا إلَيْك ! آمَنْت بِكِتَابِك الَّذِي أَنْزَلْت ، وَنَبِيِّك الَّذِي أَرْسَلْت . فَقُلْت كَمَا قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَيْرَ أَنِّي قُلْت : وَرَسُولِكَ الَّذِي أَرْسَلْت . قَالَ : فَطَعَنَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأُصْبُعِهِ فِي صَدْرِي ، فَقَالَ لِي: وَنَبِيِّك الَّذِي أَرْسَلْت - فَفَعَلْتُهُ . 1289 - حدثنا أَبُو أُمَيَّةَ قَالَ : حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ سَابِقٍ قَالَ : حدثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ الْحَكَمِ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ ، عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إذَا أَتَيْت مَضْجَعَك فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ ، وَلْيَكُنْ آخِرُ مَا تَقُولُ : اللَّهُمَّ ، أَسْلَمْت وَجْهِي إلَيْك ، وَفَوَّضْت أَمْرِي إلَيْك ، وَأَلْجَأْت ظَهْرِي إلَيْك ؛ رَغْبَةً وَرَهْبَةً إلَيْك ، لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَى مِنْك إلَّا إلَيْك ، آمَنْت بِكِتَابِك الَّذِي أَنْزَلْت ، وَنَبِيِّك الَّذِي أَرْسَلْت . فَإِنْ مِتَّ مِتَّ عَلَى الْفِطْرَةِ . 1290 - حدثنا أَبُو أُمَيَّةَ قَالَ : حدثنا سَعْدُ بْنُ شُعْبَةَ بْنِ الْحَجَّاجِ بْنِ وَرْدٍ الْعَتَكِيِّ قَالَ : سَمِعْت أَبِي يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَسَرَّ إلَى رَجُلٍ ، فَقَالَ : إذَا أَرَدْت أَنْ تَنَامَ فَقُلْ ، ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ . 1291 - حدثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ قَالَ : حدثنا يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ الْحَضْرَمِيُّ قَالَ : حدثنا شُعْبَةُ قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو إِسْحَاقَ عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ إذَا أَوَى إلَى فِرَاشِهِ ، ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَ بَقِيَّةِ حَدِيثِ أَبِي أُمَيَّةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَابِقٍ . 1292 - حدثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ قَالَ : حدثنا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ قَالَ : حدثنا شُعْبَةُ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ ، عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ مِثْلَهُ . فَسَأَلَ سَائِلٌ عَنْ الْمَعْنَى الَّذِي رَدَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ أَجْلِهِ عَلَى الْبَرَاءِ قَوْلَهُ : وَرَسُولِكَ الَّذِي أَرْسَلْت ، وَأَمْرُهُ إيَّاهُ أَنْ يَقُولَ : مَكَانَ ذَلِكَ : وَنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْت - مَا هُوَ ؟ فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ عَزَّ وَجَلَّ وَعَوْنِهِ أَنَّ قَوْلَهُ : وَرَسُولَكَ الَّذِي أَرْسَلْت - لَيْسَ فِيهِ إلَّا الرِّسَالَةُ خَاصَّةً ، وَاَلَّذِي رَدَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَمَرَهُ أَنْ يَقُولَ مَكَانَ ذَلِكَ ، وَهُوَ : وَنَبِيِّك الَّذِي أَرْسَلْت - يَجْمَعُ الرِّسَالَةَ وَالنُّبُوَّةَ جَمِيعًا ؛ فَكَانَ أَوْلَى مِمَّا يَكُونُ عَلَى الرِّسَالَةِ دُونَ النُّبُوَّةِ . وَاَللَّهُ نسأله الْتوَفِّيقُ !
664 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في نهيه ، عن إخافة الأنفس بالدين . 4973 - حدثنا يونس بن عبد الأعلى ، أنبأنا عبد الله بن وهب قال : سمعت حيوة بن شريح يحدث عن بكر بن عمرو , عن شعيب بن زرعة ، عن عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأصحابه : لا تخيفوا أنفسكم , أو قال : الأنفس , فقيل : يا رسول الله ، بم نخيف أنفسنا ؟ قال : الدين . 4974 - وحدثنا إبراهيم بن مرزوق ، حدثنا عبد الله بن يزيد المقريء , حدثنا حيوة , ثم ذكر بإسناده مثله . 4975 - حدثنا الربيع المرادي ، حدثنا أسد بن موسى ، حدثنا عبد الله بن لهيعة , حدثنا بكر بن عمرو , عن شعيب بن زرعة ، عن عقبة بن عامر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تخيفوا أنفسكم بعد أمنها , قالوا : وما ذاك يا رسول الله ؟ قال : الدين . 4976 - وحدثنا فهد , حدثنا سعيد بن أبي مريم ، أنبأنا نافع بن يزيد , حدثنا بكر بن عمرو ، حدثني شعيب بن زرعة أنه سمع عقبة بن عامر يقول : ثم ذكر مثل حديث يونس ، عن ابن وهب ، عن حيوة ، عن بكر الذي ذكرناه في هذا الباب . قال أبو جعفر : فتأملنا هذا الحديث لنقف على المراد به ما هو إن شاء الله ؟ فوجدنا النهي الذي فيه مقصودا به إلى إخافة الأنفس بالديون , وكان معقولا أنه لا يخيف الأنفس إلا ما غلب عليها حتى صارت بذلك خائفة منه , وكان ذلك كمثل ما قد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير هذا الحديث . 4977 - كما قد حدثنا يونس ، أنبأنا ابن وهب ، أخبرني عبد الرحمن بن زياد بن أنعم المعافري ، عن حديج بن صومى الحميري ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الغفلة في ثلاث : الغفلة عن ذكر الله عز وجل , ومن لدن أن يصلي صلاة الصبح حتى تطلع الشمس , وأن يغفل الرجل عن نفسه في الدين حتى يركبه . وكان ما كان من الديون التي لا تركب من هي عليه العمل في خلاصة منها , وبراءته منها إلى أهلها بخلاف الديون التي يغفل من هي عليه ، عن براءته منها , والخروج منها إلى أهلها , فمن كان من أهل هذه المنزلة الثانية كان مذموما , وكان مخيفا لنفسه من الدين الذي عليه سوء العاقبة في الدنيا بسوء المطالبة , وفي الآخرة بما هو أغلظ من ذلك . فأما ما كان من الدين الذي هو عليه على الحال الأولى من هاتين الحالتين , فغير خائف على نفسه ما يخافه على نفسه من كان على الحال الأخرى في الدين الذي عليه , بل من كان على الحال المحمودة من هاتين الحالتين في الدين الذي عليه مرجوا له الثواب فيما هو عليه من ذلك , والعون من الله عز وجل إياه على ما هو عليه فيه , كما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه . 4978 - مما أنبأناه إبراهيم بن مرزوق , حدثنا وهب بن جرير بن حازم , حدثنا أبي ، عن الأعمش ، عن حصين بن عبد الرحمن ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم استدانت , فقيل لها : يا أم المؤمنين , تستدينين وليس عندك وفاء ! قالت : إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من أخذ دينا وهو يريد أن يؤديه أعانه الله عز وجل . 4979 - ومما حدثناه أحمد بن شعيب ، أنبأنا محمد بن قدامة ، أنبأنا جرير بن عبد الحميد ، عن منصور ، عن زياد بن عمرو بن هند ، عن عمران بن حذيفة قال : كانت ميمونة تدان فتكثر , فقال لها أهلها في ذلك ولاموها , ووجدوا عليها , فقالت : لا أترك الدين وقد سمعت خليلي وصفيي رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ما أحد يدان دينا يعلم الله عز وجل أنه يريد قضاءه إلا أداه الله عز وجل عنه في الدنيا . 4980 - وما حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، حدثنا أبو داود , حدثنا القاسم بن الفضل الحداني ، عن محمد بن علي أن عائشة رضي الله عنها كانت تدان , فقيل لها : ما لك وللدين ؟ ! فقالت : إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ما من عبد ينوي قضاء دينه إلا كان له من الله عز وجل عون , فأنا ألتمس ذلك العون . 4981 - وما قد حدثنا محمد بن إبراهيم بن يحيى بن حماد , حدثنا مسلم بن إبراهيم الأزدي , حدثنا طلحة بن سحاج قال : حدثتني ورقاء بنت هراب , قالت : كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا صلى الصبح يمر على أبواب أزواج النبي صلى الله عليه وسلم , فرأى على باب عائشة رجلا جالسا , فقال : ما لي أراك جالسا هاهنا ؟ قال : دين لي أطلب به أم المؤمنين , فبعث إليها عمر : يا أم المؤمنين , أما لك في سبعة آلاف درهم أبعث بها إليك في كل سنة كفاية ؟ فقالت : بلى , ولكن علينا فيها حقوق , وقد سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : من ادان دينا ينوي قضاءه كان معه من الله عز وجل حارس فأنا أحب أن يكون معي من الله عز وجل حارس . قال أبو جعفر : والعون من الله عز وجل والحارس لا يكونان لمن عليه دين إلا وأحواله فيه تلك الأحوال المحمودة في الحالين اللتين ذكرناهما . ومما يبيح أيضا الاستدانة على النية المحمودة ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مما قد ذكرناه مما تقدم منا في كتابنا هذا في باب من مات لا يشرك بالله شيئا , من قوله لأبي ذر : ما أحب أن لي أحدا ذهبا يأتي علي ليلة وعندي منه دينار , إلا دينار أرصده لدين , فكان ذلك ما قد دل على أنه قد كان صلى الله عليه وسلم يدان . ومن ذلك أيضا ما قد روي عنه في رهنه درعه بالدين الذي كان عليه لليهودي الذي كان له عليه ذلك الدين . وسنذكر ذلك وما قد روي فيه فيما بعد من كتابنا هذا إن شاء الله عز وجل . ففي ذلك ما قد دل على إباحة الاستدانة مع النية لقضاء ما يستدان ، أو على ترك الغفلة عن المستدين في ذلك حتى يركبه ذلك الدين فيعيده إلى الأحوال المذمومة في الدنيا ، كما قد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه 4982 - مما قد حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، حدثنا عبد الله بن داود الخريبي ، عن قريش بن حيان ، عن ابن عبد الرحمن ، عن أبيه وهو عمر بن عبد الرحمن بن دلاف ، قال : قال عمر رضي الله عنه : لا تنظروا إلى صلاة امرئ ولا إلى صيامه ، ولكن انظروا إلى صدقه إذا حدث ، وإلى أمانته إذا اؤتمن ، وإلى ورعه إذا أشفى ، ألا إن الأسيفع أسيفع جهينة ، رضي من دينه وأمانته أن يقال : سبق الحاج فادان معرضا ، فأصبح قد رين به ، فمن كان له عليه دين فليحضر بيع ماله أو قسمة ماله ، ألا إن الدين أوله هم وآخره حزن . وذكر لنا علي بن عبد العزيز قال : قال لنا أبو عبيد : قال أبو زيد : فادان معرضا يعني : استدان معرضا , وهو الذي يعترض الناس , فيستدين من كل من يمكنه , قال أبو زيد : وقوله : قد رين به , أي وقع فيما لا يستطيع الخروج منه , وفيما لا قبل له به . قال أبو جعفر : وهذا الدين أيضا الذي ذمه الفاروق رضي الله عنه , هو الدين الذي تستعمل فيه الغفلة عن خوف عواقبه , وترك التحفظ منها حتى يعود من هو عليه إلى الأحوال المذمومة التي نزل مثلها بالأسيفع , والتي عسى أن يكون عواقبها في الآخرة أغلظ من ذلك , نعوذ بالله عز وجل منها , وإياه نسأل التوفيق .
177 - باب بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أَمْرِهِ زَوْجَةَ النَّحَّامِ أَنْ لَا تُكَحِّلَ ابْنَتَهَا فِي عِدَّتِهَا مِنْ وَفَاةِ زَوْجِهَا بَعْدَ أَنْ أَعْلَمَتْهُ خَوْفَهَا عَلَى عَيْنِهَا إنْ لَمْ تَفْعَلْ ذَلِكَ . 1293 - حدثنا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمُرَادِيُّ قَالَ : حدثنا أَسَدُ بْنُ مُوسَى قَالَ : حدثنا شُعْبَةُ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ ، عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ أُمِّ سَلَمَةَ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ امْرَأَةً تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا وَرَمَدَتْ وَخَشَوْا عَلَى عَيْنِهَا ، فَأَتَوْا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاسْتَأْذَنُوهُ فِي الْكُحْلِ ، وَذَكَرُوا أَنَّهُمْ يَخْشَوْنَ عَلَى عَيْنِهَا فَقَالَ : لَا ، قَدْ كَانَتْ إحْدَاكُنَّ تَمْكُثُ فِي شَرِّ بَيْتِهَا فِي أَحْلَاسِهَا أَوْ فِي أَحْلَاسِهَا فِي شَرِّ بَيْتِهَا . فَإِذَا كَانَ حَوْلٌ مَرَّ كَلْبٌ فَرَمَتْهُ بِبَعْرَةٍ ، فَلَا ، أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا . 1294 - حدثنا الْحُسَيْنُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حدثنا الْفِرْيَابِيُّ قَالَ : حدثنا سُفْيَانُ ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ ، عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ ابْنَةَ النَّحَّامِ تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا ، فَأَتَتْ أُمُّهَا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ : إنَّ ابْنَتِي تَشْتَكِي عَيْنَهَا ، فَأُكَحِّلُهَا ؛ فَإِنِّي أَخْشَى أَنْ تَنْفَقِئَ عَيْنُهَا ؟ قَالَ : وَإِنْ انْفَقَأَتْ - أَيْ : فَلَا تَفْعَلِي - قَدْ كَانَتْ إحْدَاكُنَّ تَمْكُثُ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا حَوْلًا ، ثُمَّ تَرْمِي مَنْ خَلْفَهَا بِبَعْرَةٍ . 1295 - حدثنا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : أَخَبْرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ أَنَّ مَالِكًا أَخْبَرَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ ، عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ أَبِي سَلَمَةَ قَالَتْ : سَمِعْت أُمَّ سَلَمَةَ تَقُولُ : جَاءَتْ امْرَأَةٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّ ابْنَتِي تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا ، وَقَدْ شَكَتْ عَيْنَهَا - أَفَنُكَحِّلُهَا ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا ، مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا . كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ : لَا . ثُمَّ قَالَ : إنَّمَا هِيَ أَرْبَعَةٌ وَعَشْرٌ ، وَقَدْ كَانَتْ إحْدَاكُنَّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عِنْدَ رَأْسِ الْحَوْلِ . 1296 - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ خُزَيْمَةَ قَالَ : حدثنا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ قَالَ : حدثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ قَالَ : أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْن سَعِيدٍ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ ، عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ أُمِّ سَلَمَةَ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ وَأُمِّ حَبِيبَةَ أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّ ابْنَتِي تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا ، وَقَدْ خَشِيتُ عَلَى بَصَرِهَا - أَفَأُكَحِّلُهَا ؟ فَقَالَ : قَدْ كَانَتْ إحْدَاكُنَّ تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ ، وَإِنَّمَا هِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ . 1297 - حدثنا يُونُسُ قَالَ : حدثنا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ ثُمَّ ذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ . 1298 - حدثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ : حدثنا يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ بْنِ عَرَبِيٍّ قَالَ : حدثنا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ يَحْيَى يَعْنِي ابْنَ سَعِيدٍ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ ، عَنْ زَيْنَبَ أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْ أُمَّ سَلَمَةَ وَأُمَّ حَبِيبَةَ : أَتَكْتَحِلُ فِي عِدَّتِهَا مِنْ وَفَاةِ زَوْجِهَا ؟ فَقَالَتَا : أَتَتْ امْرَأَةٌ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَأَلَتْهُ عَنْ ذَلِكَ ، ثُمَّ ذَكَرَ بَقِيَّةَ هَذَا الْحَدِيثِ . 1299 - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ خُزَيْمَةَ قَالَ : حدثنا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ قَالَ : حدثنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ ، عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ أُمِّ سَلَمَةَ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ امْرَأَةً أَتَتْ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ ذَكَرَ بَقِيَّةَ هَذَا الْحَدِيثِ . 1300 - حدثنا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمُرَادِيُّ قَالَ : حدثنا شُعَيْبُ بْنُ اللَّيْثِ قَالَ : حدثنا اللَّيْثُ ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى قَالَ : قَالَ حُمَيْدٌ : وَحَدَّثَتْنِي زَيْنَبُ ابْنَةُ أُمِّ سَلَمَةَ ، عَنْ أُمِّهَا أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّهَا قَالَتْ : جَاءَتْ امْرَأَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ بِنْتُ النَّحَّامِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ ذَكَرَ بَقِيَّةَ هَذَا الْحَدِيثِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَفِي هَذِهِ الْآثَارِ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمُعْتَدَّةَ مِنْ وَفَاةِ زَوْجِهَا أَنْ تُكَحِّلَ عَيْنَهَا فِي عِدَّتِهَا مَعَ خَوْفِهَا عَلَى عَيْنِهَا إنْ لَمْ تَفْعَلْ ذَلِكَ بِهِمَا . فَقَالَ قَائِلٌ : كَيْفَ تَقْبَلُونَ هَذَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَهْلُ الْعِلْمِ جَمِيعًا عَلَى خِلَافِهِ وَعَلَى إبَاحَةِ الْكُحْلِ لِمِثْلِهَا لِلضَّرُورَةِ الدَّاعِيَةِ بِهَا إلَى ذَلِكَ ؟ فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ وبِاللَّهِ التَوْفِيقِ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ قَدْ جَاءَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُتَوَاتِرًا مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ الصِّحَاحِ الَّتِي تَقَبَّلَهَا الْعُلَمَاءُ ، وَفِي تَرْكِهَا لِمَا فِيهِ بَعْدَ تَنَاهِيهِ إلَيْهِمْ وَاسْتِعْمَالِهِمْ خِلَافَهُ مَا قَدْ دَلَّ عَلَى نَسْخِهِ ؛ لِأَنَّهُمْ مَأْمُونُونَ عَلَى نَسْخِهِ كَمَا هُمْ مَأْمُونُونَ عَلَى مَا رَوَوْهُ . وَلَمَّا كَانُوا كَذَلِكَ كَانَ تَرْكُهُمْ لِمَا رَوَوْهُ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ الْمَحْمُودَةِ عِنْدَهُمْ عَلَى أَنَّهُمْ تَرَكُوا ذَلِكَ لِمَا يُوجِبُ لَهُمْ تَرْكَهُ ، وَصَارُوا إلَى مَا هُوَ أَوْلَى بِهِمْ مِنْهُ مِمَّا قَدْ نَسَخَهُ ، وَلَوْلَا أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ لَكَانَ قَدْ سَقَطَ عَدْلُهُمْ ، وَفِي سُقُوطِ عَدْلِهِمْ سُقُوطُ رِوَايَاتِهِمْ ، وَحَاشَ لِلَّهِ جَلَّ وَعَزَّ أَنْ تَكُونَ حَقِيقَةُ أُمُورِهِمْ كَذَلِكَ ، وَلَكِنَّهُ كَانَ لِمَا قَدْ رَوَيْنَا عَلَى مَا وَصَفْنَا ثُمَّ الْتَمَسْنَا هَلْ نَجِدُ فِي الْآثَارِ مَا يَدُلُّ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ؟ . 1301 - فَوَجَدْنَا يُونُسَ قَدْ حدثنا قَالَ : حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي مَخْرَمَةُ بْنُ بُكَيْر ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : سَمِعْت الْمُغِيرَةَ بْنَ الضَّحَّاكِ يَقُولُ : أَخْبَرَتْنِي أُمُّ حَكِيمٍ بِنْتُ أَسِيدٍ ، عَنْ أُمِّهَا أَنَّ زَوْجَهَا تُوُفِّيَ فَكَانَتْ تَشْتَكِي ، فَتَكْتَحِلُ بِكُحْلِ الْجَلَاءِ ، فَأَرْسَلَتْ مَوْلَاةً لَهَا إلَى أُمِّ سَلَمَةَ ، فَسَأَلَتْهَا عَنْ كُحْلِ الْجَلَاءِ . فَقَالَتْ : لَا تَكْتَحِلِي إلَّا مِنْ أَمْرٍ لَا بُدَّ مِنْهُ ، يَشْتَدُّ عَلَيْكِ ، فَتَكْتَحِلُ بِاللَّيْلِ وَتَمْسَحُهُ بِالنَّهَارِ . ثُمَّ قَالَتْ عِنْدَ ذَلِكَ أُمُّ سَلَمَةَ : دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ تُوُفِّيَ أَبُو سَلَمَةَ ، وَقَدْ جَعَلْت عَلَى عَيْنِي صَبْرًا ، فَقَالَ : مَا هَذَا يَا أُمَّ سَلَمَةَ ؟ قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّمَا هُوَ صَبْرٌ لَيْسَ فِيهِ طِيبٌ . قَالَ : إنَّهُ يَشِبُّ الْوَجْهَ ، وَلَا تَجْعَلِيهِ إلَّا بِاللَّيْلِ ، وَتَنْزِعِينَهُ بِالنَّهَارِ ، وَلَا تَمْتَشِطِي بِالطِّيبِ وَلَا بِالْحِنَّاءِ فَإِنَّهُ خِضَابٌ . قُلْت : بِأَيِّ شَيْءٍ أَمْتَشِطُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : بِالسِّدْرِ ، تُغَلِّقِينَ بِهِ رَأْسَكِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَكَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ قَوْلِ أُمِّ سَلَمَةَ لِلْمَرْأَةِ الَّتِي سَأَلَتْهَا عَمَّا سَأَلَتْهَا عَنْهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : لَا تَفْعَلِي ذَلِكَ إلَّا لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ ، وَقَدْ سَمِعْت مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا يُخَالِفُ ، فَاسْتَحَالَ أَنْ يَكُونَ كَانَ ذَلِكَ مِنْهَا إلَّا وَقَدْ عَلِمَتْ بِنَسْخِهِ مِنْ قَبْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؛ لِأَنَّهَا رضوان الله عليها مَأْمُونَةٌ عَلَى مَا قَالَتْ ، كَمَا كَانَتْ مَأْمُونَةً عَلَى مَا رَوَتْ . وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
841- باب بيان مشكل ما روي عن عائشة في تأويلها نهي عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - عن الصلاة بعد العصر عليه . 6224 - حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، قال : حدثنا عثمان بن عمر بن فارس ، قال : حدثنا إسرائيل بن يونس ، عن المقدام بن شريح ، عن أبيه ، قال : قلت لعائشة : كيف كان يصنع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ كأنه يعني بعقب صلاته الظهر وبعقب صلاته العصر . قالت : كان يصلي الهجير ، ثم يصلي بعدها ركعتين ، ثم كان يصلي العصر ، ثم يصلي بعدها ركعتين . قال : قلت : فأنا رأيت عمر - رضي الله عنه - يضرب رجلا رآه يصلي بعد العصر ركعتين . فقالت : لقد صلاهما عمر ، ولقد علم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاهما ، ولكن قومك أهل اليمن قوم طغام ، وكانوا إذا صلوا الظهر صلوا بعدها إلى العصر ، وإذا صلوا العصر صلوا بعدها إلى المغرب ، فقد أحسن . ففي هذا الحديث ما قد يحتمل أن يكون ما كان عند عائشة في النهي عن الصلاة بعد العصر مثل ما كان منه عند علي - عليه السلام - مما قد ذكرناه عن وهب بن الأجدع عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الباب الذي قبل هذا الباب ، ولم يكن عندها ما كان عند عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من نهيه عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس ، وكان الذي كان عند عمر في ذلك أولى من الذي كان عند علي وعندها فيه ؛ لأن الذي كان عند عمر قد دخل فيه ما قد كان عندهما منه وزاد عليه ما لم يكن عندهما منه ، فكان أولى من الذي كان عندهما منه ، وكان حديث عائشة هذا الذي ذكرناه قد دلنا على أن صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد العصر الركعتين اللتين كان صلاهما ، كان ذلك قبل نهيه عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس ، وإن نهيه عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس قد قطع ذلك ، والله - عز وجل - نسأله التوفيق .
178 - باب بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أَسْمَائِهِ . 1302 - حدثنا يُونُسُ قَالَ : أخبرنا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي يُونُسُ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إنَّ لِي خَمْسَةَ أَسْمَاءٍ : أَنَا مُحَمَّدٌ ، وَأَنَا أَحْمَدُ ، وَأَنَا الْمَاحِي الَّذِي يَمْحُو اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِي الْكُفْرَ ، وَأَنَا الْحَاشِرُ الَّذِي يَحْشُرُ اللَّهُ النَّاسَ عَلَى قَدَمِي ، وَأَنَا الْعَاقِبُ ، وَالْعَاقِبُ الَّذِي لَيْسَ بَعْدَهُ أَحَدٌ . وَقَدْ سَمَّاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ رَؤوفًا رَحِيمًا . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَكَانَ مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ تَسْمِيَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إيَّاهُ رَؤوفًا رَحِيمًا إمَّا مِنْ كَلَامِ جُبَيْرٍ ، وَإِمَّا مِنْ كَلَامِ مَنْ سِوَاهُ مِنْ رُوَاتِهِ . 1303 - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ قَالَ : حدثنا أَبِي وَشُعَيْبُ بْنُ اللَّيْثِ ، عَنْ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ خَالِدٍ وَهُوَ ابْنُ يَزِيدَ ، عَنْ ابْنِ أَبِي هِلَالٍ وَهُوَ سَعِيدٌ ، عَنْ عُتْبَةَ بْنِ مُسْلِمٍ ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ فَقَالَ لَهُ : أَتُحْصِي أَسْمَاءَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّتِي كَانَ جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ يَعُدُّهَا ؟ قَالَ : نَعَمْ ، هِيَ سِتَّةٌ : مُحَمَّدٌ ، وَأَحْمَدُ ، وَخَاتَمٌ ، وَحَاشِرٌ ، وَعَاقِبٌ ، وَمَاحٍ . فَأَمَّا الْحَاشِرُ فَبُعِثَ مَعَ السَّاعَةِ نَذِيرًا لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ ، وَأَمَّا عَاقِبٌ فَإِنَّهُ أَعْقَبَ الْأَنْبِيَاءَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ، وَأَمَّا مَاحٍ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ مَحَا بِهِ سَيِّئَاتِ مَنْ اتَّبَعَهُ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ زِيَادَةُ اسْمٍ عَلَى الْأَسْمَاءِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرْنَا قَبْلَهُ وَهُوَ خَاتَمٌ . 1304 - حدثنا سُلَيْمَانُ بْنُ شُعَيْبٍ الْكَيْسَانِيُّ قَالَ : حدثنا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْخُرَاسَانِيُّ قَالَ : حدثنا الْمَسْعُودِيُّ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ ، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ : سَمَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَفْسَهُ بِأَسْمَاءٍ ، فَقَالَ : أَنَا مُحَمَّدٌ وَأَحْمَدُ وَالْمُقَفِّي وَالْحَاشِرُ وَنَبِيُّ التَّوْبَةِ وَنَبِيُّ الْمَلْحَمَةِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ أَسْمَائِهِ الْمُقَفِّي ، وَمَعْنَاهُ مَعْنَى الْعَاقِبِ الْمَذْكُورِ فِي الْحَدِيثَيْنِ اللَّذَيْنِ رَوَيْنَاهُمَا قَبْلَهُ . وَفِيهِ مِنْ أَسْمَائِهِ اسْمَانِ آخَرَانِ غَيْرُ الْأَسْمَاءِ الْمَذْكُورَةِ فِيهِمَا ، وَهُمَا : نَبِيُّ التَّوْبَةِ ، وَنَبِيُّ الْمَلْحَمَةِ . وَسَأَلَ سَائِلٌ عَنْ الْمَعْنَى الَّذِي بِهِ زَادَ بَعْضُ مَا فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ عَلَى مَا سِوَاهُ مِنْهَا . فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ وَعَوْنِهِ : أَنَّ الْأَسْمَاءَ إنَّمَا هِيَ أَعْلَامٌ لِأَشْيَاءَ يُرَادُ بِهَا التَّفْرِيقُ بَيْنَهَا وَإِبَانَةُ بَعْضِهَا مِنْ بَعْضٍ ، وَكَانَتْ الْأَسْمَاءُ تَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ : فَقِسْمٌ مِنْهَا تَكُونُ الْأَسْمَاءُ فِيهِ لَا لِعِلَّةٍ كَالْحَجَرِ وَكَالْجَبَلِ ، وَكَمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا لَمْ يُسَمَّ بِمَعْنًى فِيهِ . وَمِنْهَا مَا يُسَمَّى بِهِ لِمَعْنًى فِيهِ مِنْ صِفَاتِهِ كَمُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ الْحَمْدِ ، وَكَأَحْمَدَ مِنْ الْحَمْدِ أَيْضًا . فَكَانَ هَذَانِ الِاسْمَانِ مِنْ أَسْمَائِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُمَا اسْمَانِ قَدْ ذَكَرَهُمَا اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ فِي كِتَابِهِ فَقَالَ : مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ . وَقَالَ فِيمَا كَانَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَاطَبَ بِهِ قَوْمَهُ : إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَكَانَ هَذَانِ الِاسْمَانِ مِنْ صِفَاتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَقَفْنَا بِذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ جَائِزٌ أَنْ يُسَمَّى بِصِفَاتِهِ سِوَى الْحَمْدِ ، كَمَا سُمِّيَ بِالْحَمْدِ الَّذِي هُوَ مِنْ صِفَاتِهِ ؛ فَسُمِّيَ الْمَاحِيَ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَزَّ يَمْحُو بِهِ الْكُفْرَ ، وَسُمِّيَ الْحَاشِرَ ؛ لِأَنَّ النَّاسَ يُحْشَرُونَ عَلَى قَدَمِهِ ، وَسُمِّيَ الْعَاقِبَ ؛ لِأَنَّهُ أَعْقَبَ مَنْ قَبْلَهُ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ، وَسُمِّيَ خَاتَمًا ؛ لِأَنَّهُ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ . وَذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ فَقَالَ : مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ، وَسُمِّيَ الْمُقَفِّيَ ؛ لِأَنَّهُ قَفَّى مَنْ قَبْلَهُ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ ، وَسُمِّيَ نَبِيَّ التَّوْبَةِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ تَابَ بِهِ عَلَى مَنْ تَابَ مِنْ عِبَادِهِ ، وَذَكَرَ ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ مِنْ قَوْلِهِ جَلَّ وَعَزَّ : لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ . وَسُمِّيَ نَبِيَّ الْمَلْحَمَةِ ؛ لِأَنَّهُ سَبَبُ الْقِتَالِ هُوَ الْمَلْحَمَةُ . وَكُلُّ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ فمُشْتَقَّةٌ مِنْ صِفَاتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرٍ : وَقَدْ سَمَّاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ رَؤوفًا رَحِيمًا انْتِزَاعًا بِذَلِكَ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ : لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ . فَدَلَّ ذَلِكَ أَنَّهُ جَائِزٌ أَنْ يُسَمَّى بِصِفَاتِهِ كُلِّهَا ، وَأَنَّ مَا سُمِّيَ بِهِ مِنْ ذَلِكَ لَاحِقٌ بِأَسْمَائِهِ الَّتِي قَدْ سُمِّيَ بِهَا قَبْلَ ذَلِكَ ، كَمَا لَحِقَ بِأَسْمَاءِ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَامُ الِاسْمُ الَّذِي سَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إيَّاهُ لَمَّا تَتَرَّبَ بِالتُّرَابِ بِقَوْلِهِ لَهُ : قُمْ يَا أَبَا تُرَابٍ . قَالَ سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ : فَمَا كَانَ لَهُ اسْمٌ أَحَبَّ إلَيْهِ مِنْهُ . وَسَنَذْكُرُ ذَلِكَ الْحَدِيثَ ، وَمَا يَدْخُلُ فِي مَعْنَاهُ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ . وَكَانَ جَائِزًا أَنْ يُذْكَرَ بِبَعْضِ أَسْمَائِهِ ، وَلَا يَكُونُ الْقَصْدُ إلَى بَعْضِهَا دَلِيلًا أَنْ لَا أَسْمَاءَ لَهُ غَيْرَهَا ، فَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى عِنْدَنَا - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - جَاءَتْ هَذِهِ الْآثَارُ عَلَى مَا جَاءَتْ بِهِ مِمَّا فِيهَا ، وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
663 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله لبني النضير لما أمر بإجلائهم من المدينة عند قولهم له : إن لنا ديونا لم تحل : ضعوا وتعجلوا . 4961 - حدثنا عبد السلام بن أحمد بن سهيل البصري أبو بكر إملاء من أصله , حدثنا هشام بن عمار , حدثنا مسلم بن خالد الزنجي ، حدثنا محمد بن علي بن يزيد بن ركانة ، عن داود بن الحصين ، عن عكرمة ، عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر بإخراج بني النضير جاءه ناس منهم , فقالوا : يا نبي الله , إنك أمرت بإخراجنا ولنا على الناس ديون لم تحل , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ضعوا وتعجلوا . قال أبو جعفر : وبنو النضير هؤلاء هم أشراف اليهود , وكانوا ينزلون المدينة . 4962 - كما حدثنا الربيع بن سليمان المرادي ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم - قال الربيع : حدثنا شعيب بن الليث , وقال محمد : أنبأني أبي وشعيب - عن الليث بن سعد ، عن سعيد بن أبي سعيد ، عن أبيه ، عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال : بينما نحن في المسجد إذ خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : انطلقوا إلى يهود فخرجنا معه حتى جئنا بيت المدراس , فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم , فناداهم : يا معشر يهود , أسلموا تسلموا فقالوا : فقد بلغت يا أبا القاسم , فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : ذلك أريد , أسلموا تسلموا , قالوا : قد بلغت يا أبا القاسم , قال : ذاكم أريد , ثم قالها الثالثة , فقال : اعلموا أن الأرض لله ولرسوله , وإني أريد إخراجكم من هذه الأرض , فمن وجد منكم بماله شيئا فليبعه , وإلا فاعلموا أن الأرض لله ورسوله . قال أبو جعفر : وهم الذين كانت نساء الأنصار في الجاهلية إذا أردن أن يهودن من أولادهن من يردن تهويده منهم هودوه فيهم . 4963 - كما حدثنا إبراهيم بن مرزوق , حدثنا وهب بن جرير ، عن شعبة ، عن أبي بشر ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس في قوله عز وجل : لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ([ البقرة : 256 ] قال : كانت المرأة من الأنصار لا يكاد يعيش لها ولد , فتحلف في الجاهلية : لئن عاش لها ولد لتهودنه , فلما أجليت بنو النضير إذا فيهم ناس من أبناء الأنصار , فقالت الأنصار : يا رسول الله ، أبناؤنا ! فأنزل الله عز وجل : لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ( , قال سعيد : فمن شاء لحق بهم , ومن شاء دخل في الإسلام 4964 - وكما حدثنا محمد بن خزيمة , حدثنا حجاج بن منهال ، حدثنا أبو عوانة ، عن أبي بشر قال : سألت سعيد بن جبير عن قوله عز وجل : لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ( قال : نزلت هذه الآية في الأنصار خاصة , قلت : خاصة ؟ قال : خاصة , قال : كانت المرأة في الجاهلية إذا كانت مقلاتا تنذر إن ولدت ولدا تجعله في اليهود تلتمس بذلك طول بقائه , فجاء الإسلام وفيهم منهم , فلما أجليت بنو النضير قالوا : يا رسول الله ، أبناؤنا وإخواننا منهم , قال : فسكت عنهم , فأنزل الله تعالى : لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ( فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : خيروا أصحابكم , فإن اختاروكم فهم منكم , وإن اختاروهم فهم منهم , قال : فأجلوهم معهم . فاختلف شعبة وأبو عوانة على أبي بشر في إسناد هذا الحديث ؛ فتجاوز به شعبة سعيد بن جبير إلى ابن عباس , وأوقفه أبو عوانة على سعيد بن جبير . قال أبو جعفر : وهم خلاف يهود خيبر الذين كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عاملهم عليها بشطر ما تخرج نخلها وأرضها , وأقاموا فيها على ذلك حتى أجلاهم عمر رضي الله عنه منها على ما ذكرنا في ذلك من المزارعة بشطر ما تخرج الأرض فيما قد تقدم منا في كتابنا هذا . ثم تأملنا الحديث الذي ذكرناه في أول هذا الباب , فوجدنا إطلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم لبني النضير ، عند إجلائه إياهم أن يضعوا بعض ديونهم الآجلة , ويتعجلوا بقيتها , وكان هذا الباب مما قد اختلف أهل العلم فيه , فأجازه بعضهم , منهم عبد الله بن عباس 4965 - كما حدثنا أحمد بن الحسين الكوفي قال : سمعت سفيان بن عيينة يقول : [ عن ] عمرو , عن ابن عباس أنه كان لا يرى بأسا أن يقول : عجل لي , وأضع عنك . وكرهه بعضهم , وهو عبد الله بن عمر وزيد بن ثاب . 4966 - كما قد حدثنا يونس بن عبد الأعلى ، أنبأنا ابن وهب أن مالكا أخبره ، عن عثمان بن حفص بن عمر بن خلدة ، عن ابن شهاب ، عن سالم بن عبد الله أن عبد الله بن عمر سئل عن الرجل يكون له الدين على رجل دين إلى أجل فيضع عنه صاحب الحق , ويعجل له الآخر , فكره ذلك عبد الله بن عمر , ونهى عنه . 4967 - وكما حدثنا يونس قال : أنبأنا ابن وهب أن مالكا أخبره ، عن أبي الزناد ، عن بسر بن سعيد ، عن عبيد أبي صالح مولى السفاح أنه قال : بعت بزا لي من أهل دار نخلة ومن أهل السوق إلى أجل , ثم أردت الخروج إلى الكوفة فعرضوا علي أن أضع عنهم وينقدوني , فسألت عن ذلك زيد بن ثابت , فقال : لا آمرك أن تأكل من ذلك ولا أن توكله . 4968 - وكما حدثنا أحمد بن الحسن أنه سمع سفيان يقول : أبو الزناد ، عن بسر بن سعيد ، عن زيد بن ثابت أنه سئل ، عن ذلك فكرهه , وقال : لا تأكله ولا توكله , ولم يذكر أحمد في حديثه عبيدا أبا صالح . 4969 - وكما حدثنا الربيع بن سليمان المرادي ، حدثنا عبد الله بن وهب , حدثنا سليمان بن بلال , حدثنا جعفر يعني ابن محمد ، عن القاسم بن محمد ، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رجلا سأله فقال : إن لي دينا على رجل إلى أجل , فأردت أن أضع عنه ويعجل الدين لي , فقال عبد الله : لا تفعل . فقال قائل : أفتجعلون حديث ابن عباس الذي ذكرتموه في أول هذا الباب حجة لمن أجاز المعنى المذكور فيه على من كرهه ؟ فكان جوابنا له في ذلك أنه لا حجة فيه عندنا لمن ذهب إلى إطلاق ذلك على من ذهب إلى كراهته ؛ لأنه قد يجوز أن يكون كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان منه من ذلك قبل تحريم الله عز وجل الربا , ثم حرم الربا بعد ذلك فحرمت أسبابه , وهذه مسألة في الفقه جليلة المقدار منه , يجب أن تتأمل حتى يوقف على الوجه فيها إن شاء الله , وهي حطيطة البعض من الدين المؤجل , ليكون سببا لتعجيل بقيته , فكره ذلك من كرهه ممن ذكرنا , وأطلقه من سواه ممن وصفنا . وكان الأصل في ذلك أن الأمر لو جرى في ذلك بين من هو له وبين من هو عليه بالوضع والتعجيل على أن كل واحد منهما مشروط في صاحبه , كان واضحا أن ذلك لا يجوز , وأنه كالربا الذي جاء القرآن بتحريمه وبوعيد الله عز وجل عليه , وهو أن الجاهلية كانوا يدفعون إلى من لهم عليهم الدين العاجل ما يدفعونه إليهم من أموالهم حتى يؤخرواعنهم ذلك الدين العاجل إلى أجل يذكرونه في ذلك التأخير , فيكونون بذلك مشترين أجلا بمال , فحرم الله ذلك , وأوعد عليه الوعيد الذي جاء به القرآن , فكان مثل ذلك وضع بعض الدين المؤجل لتعجيل بقيته في أن لا يجوز ذلك , لأنه ابتياع التعجيل بما يتعجل منه بإسقاط بقية الدين الذي سقط منه , فهذا واضح أنه لا يجوز , وممن كان يذهب إلى ذلك من أهل العلم أبو حنيفة ومالك وأبو يوسف ومحمد . 4970 - كما حدثنا محمد بن العباس , حدثنا علي بن معبد ، أنبأنا محمد بن الحسن حدثنا يعقوب ، عن أبي حنيفة بما ذكرنا ولم يحك بينهم في ذلك خلافا . 4971 - وكما حدثنا يونس ، أنبأنا ابن وهب ، عن مالك بهذا المعنى أيضا . وممن كان يذهب إلى خلاف ذلك زفر بن الهذيل . 4972 - كما حدثنا محمد بن العباس , حدثنا يحيى بن سيلمان الجعفي ، حدثنا الحسن بن زياد قال : قال زفر في رجل له على رجل ألف درهم إلى سنة من ثمن متاع أو ضمان فصالحه منها على خمس مئة نقدا : إن ذلك جائز . وقد كان الشافعي رحمه الله قد أجاز ذلك مرة كما ذكره لنا المزني عنه , قال : ولو عجل المكاتب لمولاه بعض الكتابة على أن يبرئه من الباقي لم يجز , ورد عليه ما أخذ , ولم يعتق ؛ لأنه أبرأه مما لم يبرأ منه , قال المزني : قد قال في هذا الموضع : ضع وتعجل لا يجوز وأجازه في الدين . قال أبو جعفر : وأما إذا كان ذلك الوضع والتعجيل ليس واحد منهما مشروطا في صاحبه , ولكنه على وضع مرجو به التعجيل لبقية الدين , فذلك بخلاف الباب الأول , ولا يجوز في المعقول إبطاله بالحكم , ولكنه مكروه غير محكوم بإبطاله , كما يكره القرض الذي يجر منفعة , ولا يحكم بإبطاله لذلك , فهذا وجه هذا الباب بإيقاع الصلح على اشتراط التعجيل في الوضع , وفي الوضع المرجو به تعجيل بقية الدين بغير اشتراط له في ذلك الوضع . وبالله التوفيق .
179 - باب بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْعِيدَيْنِ يَجْتَمِعَانِ فِي الْيَوْمِ الْوَاحِدِ . 1305 - حدثنا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ قَالَ : حدثنا يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْر الْكَرْمَانِيُّ قَالَ : حدثنا إسْرَائِيلُ بْنُ يُونُسَ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ قَالَ : سَمِعْت إيَاسَ بْنَ أَبِي رَمْلَةَ قَالَ : سَمِعْت مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ ، وَهُوَ يَسْأَلُ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ قَالَ : شَهِدْت مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِيدَيْنِ اجْتَمَعَا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ . فَقَالَ : فَكَيْفَ صَنَعَ ؟ قَالَ : صَلَّى ، ثُمَّ رَخَّصَ فِي الْجُمُعَةِ ؛ فَقَالَ : مَنْ شَاءَ أَنْ يُصَلِّيَ فَلْيُصَلِّ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَعُثْمَانُ هَذَا هُوَ ابْنُ عَمِّ الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ . 1306 - حدثنا بَكَّارَ بْنُ قُتَيْبَةَ قَالَ : حدثنا أَبُو دَاوُد صَاحِبُ الطَّيَالِسَةِ قَالَ : حدثنا إسْرَائِيلُ قَالَ : حدثنا عُثْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ بْنِ أَبِي زُرْعَةَ مِنْ آلِ أَبِي عَقِيلٍ ، عَنْ إيَاسِ بْنِ أَبِي رَمْلَةَ الشَّامِيِّ قَالَ : شَهِدْت مُعَاوِيَةَ سَأَلَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ : أَشَهِدْتَ عِيدَيْنِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اجْتَمَعَا ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : فَمَا صَنَعَ ؟ قَالَ : صَلَّى الْعِيدَ ، وَرَخَّصَ فِي الْجُمُعَةِ ؛ مَنْ شَاءَ أَنْ يَجْلِسَ فَلْيَجْلِسْ . فَسَأَلَ سَائِلٌ عَنْ الْمُرَادِ بِمَا فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ بَعْدَ اسْتِعْظَامِهِ مَا فِيهِمَا مِنْ الرُّخْصَةِ فِي تَرْكِ الْجُمُعَةِ ، وَنَفَى ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ: كَيْفَ يَكُونُ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَخَلَّفَ عَنْ الْجُمُعَةِ مَعَ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ . الْآيَةَ ؟ فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ وَعَوْنِهِ : أَنَّ الْمُرَادِينَ بِالرُّخْصَةِ فِي تَرْكِ الْجُمُعَةِ فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ هُمْ أَهْلُ الْعَوَالِي الَّذِينَ مَنَازِلُهُمْ خَارِجَةٌ عَنْ الْمَدِينَةِ مِمَّنْ لَيْسَتْ الْجُمُعَةُ عَلَيْهِمْ وَاجِبَةً ؛ لِأَنَّهُمْ فِي غَيْرِ مِصْرٍ مِنْ الْأَمْصَارِ ، وَالْجُمُعَةُ فَإِنَّمَا تَجِبُ عَلَى أَهْلِ الْأَمْصَارِ . وَفِي الْأَمْصَارِ دُونَ مَا سِوَى ذَلِكَ ، كَمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي ذَلِكَ مِمَّا نُحِيطُ عِلْمًا أَنَّهُ لَمْ يَقُلْهُ رَأْيًا ؛ إذْ كَانَ مِثْلُهُ لَا يُقَالُ بِالرَّأْيِ ، وَأَنَّهُ لَمْ يَقُلْهُ إلَّا تَوْقِيفًا وَلَا تَوْقِيفَ يُوجَدُ فِي ذَلِكَ إلَّا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 1307 - وَهُوَ مَا قَدْ حدثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ قَالَ : حدثنا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ قَالَ : حدثنا شُعْبَةُ ، عَنْ زُبَيْدٍ الْإِيَامِيِّ قَالَ : سَمِعْت سَعْدَ بْنَ عُبَيْدَةَ ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : لَا جُمُعَةَ وَلَا تَشْرِيقَ إلَّا فِي مِصْرٍ مِنْ الْأَمْصَارِ . وَمَا قَدْ 1308 - حدثنا إبْرَاهِيمُ قَالَ : حدثنا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ قَالَ : حدثنا شُعْبَةُ ، عَنْ زُبَيْدٍ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ : لَا جُمُعَةَ وَلَا تَشْرِيقَ إلَّا فِي مِصْرٍ جَامِعٍ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَكَانَ أَهْلُ الْعَوَالِي الَّذِينَ لَيْسُوا فِي مِصْرٍ مِنْ الْأَمْصَارِ لَهُمْ التَّخَلُّفُ عَنْ الْجُمُعَاتِ ، وَمَنْ كَانَ لَهُ التَّخَلُّفُ عَنْ الْجُمُعَاتِ كَانَ لَهُ التَّخَلُّفُ عَنْ الْجَمَاعَاتِ سِوَاهَا فِي صَلَوَاتِ الْأَعْيَادِ وَمِمَّا سِوَاهَا ، وَكَانُوا إذَا حَضَرُوا الْأَمْصَارَ لِصَلَوَاتِ الْأَعْيَادِ كَانُوا بِذَلِكَ فِي مَوْضِعٍ عَلَى أَهْلِهِ حُضُورُ تِلْكَ الصَّلَاةِ يَعْنِي صَلَاةَ الْجُمُعَةِ وَمَا سِوَاهَا مِنْ صَلَوَاتِ الْأَعْيَادِ ، فَأَعْلَمَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَا فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ أَنَّهُمْ لَيْسَ عَلَيْهِمْ أَنْ يُقِيمُوا بِمَكَانِهِمْ الَّذِي حَضَرُوهُ لِصَلَاةِ الْعِيدِ حَتَّى يَدْخُلَ عَلَيْهِمْ وَقْتُ الْجُمُعَةِ وَهُمْ بِهِ ، فَتَجِبُ عَلَيْهِمْ الْجُمُعَةُ كَمَا تَجِبُ عَلَى أَهْلِ ذَلِكَ الْمَكَانِ ؛ لِأَنَّهُ مِصْرٌ مِنْ الْأَمْصَارِ ، وَجَعَلَ لَهُمْ أَنْ يُقِيمُوا بِهِ اخْتِيَارًا حَتَّى يُصَلُّوا فِيهِ الْجُمُعَةَ أَوْ يَنْصَرِفُوا عَنْهُ إلَى أَمَاكِنِهِمْ ، وَيَتْرُكُونَ الْإِقَامَةَ لِلْجُمُعَةِ ، فَيَكُونُ رُجُوعُهُمْ إلَى أَمَاكِنِهِمْ رُجُوعًا إلَى أَمَاكِنَ لَا جُمُعَةَ عَلَى أَهْلِهَا . فَقَالَ : فَقَدْ رَوَيْتُمْ أَيْضًا عَنْ النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هَذَا الْمَعْنَى حَدِيثًا هُوَ أَعْجَبُ مِنْ هَذَا . 1309 - يَعْنِي مَا حدثنا بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ دَاوُد الْبَغْدَادِيُّ قَالَ : حدثنا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ رَبِّهِ الْجُرْجُسِيُّ قَالَ : حدثنا بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ قَالَ : حدثنا شُعْبَةُ ، عَنْ مُغِيرَةَ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رَفِيعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : اجْتَمَعَ عِيدَانِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي يَوْمٍ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَيُّمَا شِئْتُمْ أَجْزَأَكُمْ . قَالَ : فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ رَدُّهُ الْمَشِيئَةَ إلَيْهِمْ فِي الْإِتْيَانِ إلَى صَلَاةِ الْعِيدِ وَتَرْكِ الْإِتْيَانِ لِمَا سِوَاهَا مِنْ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ ، أَوْ إتْيَانِ الْجُمُعَةِ وَتَرْكِ مَا قَبْلَهَا مِنْ صَلَاةِ الْعِيدِ . فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ وَعَوْنِهِ أَنَّهُ قَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَاطَبَهُمْ بِذَلِكَ قَبْلَ يَوْمِ الْعِيدِ لِيَفْعَلُوهُ فِي يَوْمِ الْعِيدِ ، وَأَعْلَمَ بِذَلِكَ أَهْلَ الْعَوَالِي أَنَّ لَهُمْ أَنْ يَتَخَلَّفُوا ، عَنْ صَلَاةِ الْعِيدِ وَيَحْضُرُوا لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ أَوْ يَحْضُرُوا لِصَلَاةِ الْعِيدِ فَيُصَلُّونَهَا ثُمَّ يَنْصَرِفُونَ إلَى أَمَاكِنِهِمْ ، وَلَا يَحْضُرُونَ الْجُمُعَةَ إذَا كَانَ أَهْلُ تِلْكَ الْأَمَاكِنِ لَا جُمُعَةَ عَلَيْهِمْ ؛ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا بِمِصْرٍ مِنْ الْأَمْصَارِ . وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ بِأَلْفَاظٍ هِيَ أَدَلُّ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الَّذِي ذَكَرْنَا . 1310 - كَمَا حدثنا بَكَّارَ بْنُ قُتَيْبَةَ قَالَ : حدثنا أَبُو دَاوُد وَأَبُو عَامِرٍ قَالَا : حدثنا سُفْيَانُ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ ذَكْوَانَ قَالَ : اجْتَمَعَ عِيدَانِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : إنَّكُمْ قَدْ أَصَبْتُمْ خَيْرًا وَذِكْرًا ، وَإِنَّا مُجَمِّعُونَ ؛ فَمَنْ شَاءَ أَنْ يُجَمِّعَ فَلْيُجَمِّعْ ، وَمَنْ شَاءَ أَنْ يَرْجِعَ فَلْيَرْجِعْ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ كَشْفُ الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَا احْتِمَالَ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ إيَّاهُ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَدْ كَانَ أَمَرَ أَهْلَ الْعَوَالِي بِمِثْلِ ذَلِكَ فِي يَوْمٍ اجْتَمَعَ فِيهِ عِيدَانِ مِنْ أَيَّامِهِ . 1311 - كَمَا حدثنا بَكَّارَ بْنُ قُتَيْبَةَ قَالَ : حدثنا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ قَالَ : حدثنا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ قَالَ : أخبرنا ابْنُ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ مَوْلَى ابْنِ أَزْهَرَ قَالَ : شَهِدْت الْعِيدَ مَعَ عُثْمَانَ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ ، فَجَاءَ فَصَلَّى ثُمَّ انْصَرَفَ فَخَطَبَ ، فَقَالَ : إنَّهُ قَدْ اجْتَمَعَ لَكُمْ عِيدَانِ فِي يَوْمِكُمْ هَذَا ، مَنْ أَحَبَّ مِنْ أَهْلِ الْعَالِيَةِ أَنْ يَنْتَظِرَ الْجُمُعَةَ فَلْيَنْتَظِرْهَا ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَرْجِعَ فَلْيَرْجِعْ فَقَدْ أَذِنْت لَهُ . وَكَمَا 1312 - حدثنا بَكَّارَ قَالَ : حدثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي الْوَزِيرِ قَالَ : حدثنا سُفْيَانُ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ مَوْلَى ابْنِ أَزْهَرَ قَالَ : شَهِدْت الْعِيدَ مَعَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، فَوَافَقَ ذَلِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، فَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ ، ثُمَّ قَالَ : هَذَا يَوْمٌ قَدْ اجْتَمَعَ لَكُمْ فِيهِ عِيدَانِ ، مَنْ كَانَ هَاهُنَا مِنْ أَهْلِ الْعَوَالِي فَقَدْ أَذِنَّا لَهُ ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَمْكُثَ فَلْيَمْكُثْ . وَفِيمَا ذَكَرْنَا بَيَانٌ لِمَا ذَكَرْنَا مِمَّا قَدْ تَقَدَّمَ وَصْفُنَا لَهُ فِي احْتِمَالِ مَا قَدْ رَوَيْنَاهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هَذَا الْبَابِ . وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
842- باب بيان مشكل ما اختلف الناس فيه من أسنان الدية من الإبل الواجبة في القتل الخطأ ، ما هي ؟ بما قد روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ذلك . 6225 - حدثنا أبو القاسم هشام بن محمد بن قرة بن أبي خليفة الرعيني ، قال : حدثنا أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي ، قال : حدثنا عبد الملك بن مروان الرقي ، قال : حدثنا أبو معاوية الضرير ، عن الحجاج -يعني ابن أرطاة - عن زيد بن جبير ، عن خشف بن مالك ، عن عبد الله بن مسعود : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جعل الدية في الخطإ أخماسا . 6226 - وحدثنا يزيد بن سنان ، قال : حدثنا أبو كامل فضيل بن الحسين الجحدري ، قال : حدثنا عبد الواحد بن زياد ، قال : حدثني الحجاج ، عن زيد بن جبير ، عن خشف بن مالك الطائي ، عن عبد الله بن مسعود ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : في دية الخطإ عشرون جذعة ، وعشرون حقة ، وعشرون ابنة لبون ، وعشرون ابنة مخاض ، وعشرون ابن مخاض ذكور . 6227 - وحدثنا إبراهيم بن أبي داود ، قال : حدثنا عيسى بن إبراهيم البركي ، قال : حدثنا عبد الواحد بن زياد ، قال : حدثنا الحجاج ، قال : حدثني زيد بن جبير الجشمي ، عن خشف بن مالك الطائي ، قال : سمعت ابن مسعود ، يقول : قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في دية الخطإ عشرون حقة ، وعشرون جذعة ، وعشرون ابنة لبون ، وعشرون ابنة مخاض ، وعشرون ابن لبون ذكر . قال : وهذا الذي في حديث ابن أبي داود هذا من ابن لبون ذكر مكان ابن مخاض ذكر في حديث يزيد ، فإن الصواب فيه عندنا - والله أعلم - ما في حديث يزيد ؛ لأنه لا اختلاف بين أهل العلم : أن قول ابن مسعود كان في الدية في الخطأ كذلك ، وهذا باب من الفقه أهل العلم مختلفون فيه ، فطائفة منهم تذهب في ذلك إلى القول الذي صححنا عليه حديث ابن مسعود هذا ، وممن كان يذهب إلى ذلك : أبو حنيفة ، وأصحابه . وطائفة منهم كانت تذهب في ذلك إلى أنها أخماس أيضا ، وتجعل مكان بني مخاض بني لبون على ما في حديث ابن أبي داود الذي ذكرنا ، وممن ذهب منهم إلى ذلك : مالك بن أنس ، ورووا ذلك عن سليمان بن يسار ، ولم يتجاوزوه به إلى أحد فوقه من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - كما قد حدثنا يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : أخبرني مخرمة بن بكير ، عن أبيه ، عن سليمان بن يسار كما ذكرناه عنه. وكان ما ذهب إليه أبو حنيفة وأصحابه أولى في ذلك عندنا ؛ لأن بني المخاض دون بني اللبون ، فكان الأولى بنا أن لا نوجب في ذلك شيئا إلا ما قد أحطنا علما بوجوبه ، وقد أحطنا علما بوجوب السن الأدنى ، ولم نحط علما بوجوب السن الأعلى . وقد كنا ذكرنا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما قد تقدم منا في كتابنا هذا في الدية المغلظة الواجبة في شبه العمد : أنها مائة من الإبل ، منها أربعون خلفة في بطونها أولادها ، وكانت السنون الباقية منها في قول كل من يذهب إلى هذا القول ، منها : ثلاثون حقة ، وثلاثون جذعة ، ولما ثبت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيها ما قد ذكرنا ثبوته عنه فيها كان رسول الله هو الحجة ، ولم يسع أحدا خلاف ما قد ثبت عنه في شيء من الأشياء ، وكان شبه العمد أغلظ من الخطإ ؛ لأن فيه العمد إلى القتل ، والخطأ ليس فيه شيء من ذلك ، فوجب بذلك أن يكون الذي يجب من الدية في الخطأ أخف من الذي يجب من الدية في شبه العمد ، فإذا كان الذي يجب في شبه العمد من الإبل الحقاق والجذاع والخلفات منها ، كان الذي يجب في الخطإ أخف منها من ذلك ، وهو ما قد رويناه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيه ، وكان بنو المخاض دون بني اللبون ، فوجب أن يكون الواجب في ذلك ما قد اختلف فيه من بني المخاض ، ومن بني اللبون في الدية في الخطإ هو بنو المخاض لا بنو اللبون ؛ لأنا نعلم أن بني المخاض دون بني اللبون فوجب بذلك أن يكون الواجب من ذلك ، هو المجتمع على وجوب مقداره ، لا المختلف في وجوب مقداره ؛ لأن الأموال محظورة حتى يعلم الوجوبات فيها ، وفيما ذكرنا ما قد دل أن الدية الواجبة في الخطأ عشرون حقة ، وعشرون جذعة ، وعشرون ابنة مخاض ، وعشرون ابن لبون ، وعشرون بنو مخاض ، وأن الدية الواجبة في شبه العمد هي ثلاثون حقة ، وثلاثون جذعة ، وأربعون ما بين ثنية إلى بازل خلافا كلها ، وهكذا كان محمد بن الحسن يذهب إليه في هذين الديتين جميعا ، ويخالف أبا حنيفة وأبا يوسف فيما كانا يذهبان إليه في الدية في شبه العمد أنها أرباع : خمس وعشرون حقة ، وخمس وعشرون جذعة ، وخمس وعشرون ابنة مخاض ، وخمس وعشرون ابنة لبون ، والله نسأله التوفيق .
180 - باب بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي السَّبَبِ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ : مَا كَانَ بَيْنَ إسْلَامِنَا وَبَيْنَ أَنْ عَاتَبَنَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِقَوْلِهِ : أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ . الْآيَةَ . 1313 - حدثنا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : أخبرنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ ، عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ يَعْنِي ابْنَ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَالَ : مَا كَانَ بَيْنَ إسْلَامِنَا وَبَيْنَ أَنْ عَاتَبَنَا اللَّهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ : أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ - إلَّا أَرْبَعَ سِنِينَ . 1314 - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ ، وحدثنا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ أَيْضًا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَالَ : حدثنا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ : أخبرنا مُوسَى بْنُ يَعْقُوبَ الزَّمْعِيُّ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَالَ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ إسْلَامِهِمْ وَبَيْنَ أَنْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ يُعَاتِبُهُمْ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهَا إلَّا أَرْبَع سِنِينَ : وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَطَلَبْنَا السَّبَبَ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ عُوتِبُوا بِمَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ . 1315 - فَوَجَدْنَا جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْفِرْيَابِيَّ قَدْ حدثنا قَالَ : حدثنا إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ قَالَ : حدثنا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ الْقُرَشِيُّ قَالَ : حدثنا خَلَّادٌ الصَّفَّارُ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ الْمُلَائِيِّ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ سَعْدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ : نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ ، الْآيَةَ . قَالَ : أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فَتَلَاهُ عَلَيْهِمْ زَمَانًا ، فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لَوْ قَصَصْتَ عَلَيْنَا ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ : نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ ، الْآيَةَ . قَالَ : فَتَلَاهُ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لَوْ حَدَّثْتَنَا ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ : اللَّهُ نَـزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ . قَالَ : كُلُّ ذَلِكَ يُؤْمَرُونَ بِالْقُرْآنِ . قَالَ خَلَّادٌ : وَزَادَ فِيهِ آخَرُ : قَالَ : قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لَوْ ذَكَّرْتَنَا ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَكَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ سُؤَالُهُمْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْقَصَصَ عَلَيْهِمْ أَيْ لِتَلِينَ بِذَلِكَ قُلُوبُهُمْ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِ : نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ ، فَأَعْلَمَهُمْ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُ لَا حَاجَةَ بِهِمْ إلَى الْقَصَصِ مَعَ الْقُرْآنِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقُصُّ عَلَيْهِمْ أَنْفَعَ لَهُمْ مِنْهُ ، ثُمَّ سَأَلُوا أَنْ يُحَدِّثَهُمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ مَا أَنْزَلَ عَلَيْهِ مِنْ أَجْلِهِ مِمَّا ذُكِرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَكُلُّ ذَلِكَ يَرُدُّهُمْ إلَى الْقُرْآنِ ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ إلَى شَيْءٍ يَجِدُونَ فِيهِ الَّذِي يَجِدُونَ فِي الْقُرْآنِ . وَباَللَّهَ التَّوْفِيقَ .
662 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من تقديمه المحررين في العطاء على غيرهم من الناس ما كان مراده في ذلك . 4958 - حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ، حدثنا عبد الله بن نافع الصائغ ، عن هشام بن سعد ، عن زيد بن أسلم ، عن أبيه أن معاوية رضي الله عنه لما قدم المدينة حاجا جاء عبد الله بن عمر فقال له معاوية : حاجتك يا أبا عبد الرحمن ؟ فقال له عبد الله : حاجتي عطاء المحررين , فإني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جاءه شيء لم يبدأ بأول منهم . 4959 - وحدثنا أبو أمية , [ حدثنا ] خالد بن مخلد القطواني ، حدثنا أسامة بن زيد ، عن أبيه ، عن ابن عمر أنه قال لمعاوية : أمسكت عطاء المحررين , ولم أر رسول الله صلى الله عليه وسلم بدأ بشيء أول منهم حين وجد . 4960 - حدثنا أبو أمية , حدثنا يحيى بن صالح الوحاظي ، أنبأنا عبد العزيز بن محمد ، حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن بن يحنس ، عن نوح بن أبي بلال ، عن أبي عتاب أن معاوية عام حج , قال عبد الله بن عمر : ابدأ بالمحررين ؛ فإني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم قسما فبدأهم , فبدأ معاوية , فأعطى المحررين قبل الناس . قال أبو جعفر : فتأملنا هذا الحديث لنقف على السبب الذي كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم في المحررين وهم الموالي المعتقون ما هو ؟ فوجدنا المحررين قد كانوا أعداء للمؤمنين يقتلونهم , ويأسرونهم , ويأخذون أموالهم , وكان المؤمنون أيضا أعداء لهم يطلبون منهم مثل ذلك غير أنهم في طلبهم ذلك منهم مريدين بهم الخير وإدخالهم في الإسلام , ليكون سببا لهم إلى الجنة , وإلى الفوز في الدنيا والآخرة , وكان ما يريده الكفار من المؤمنين لذلك ضدا , لأنهم يدعونهم إلى النار , وكان المؤمنون قد يأسرون المشركين , فيحسنون إليهم , وكان المشركون إذا أسروا المسلمين أساؤوا إليهم , وعذبوهم , وأجاعوهم , وكان ما يريده المؤمنون بقتالهم المشركين حقا , والذي يريده الكفار بقتالهم إياهم باطلا , فكان الذي يكون من كل فريق من الفريقين هو من جنس ما يدعو إليه الفريق الآخر من القتال , وكان أحد القتالين بحق والآخر بباطل , وكان المؤمنون في قتالهم المشركين يريدون منهم الإيمان بالله عز وجل حتى يكونوا كهم فيما هم عليه في الدنيا , وفيما يصيرون إليه في الآخرة , ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم جوابا للذي سأله عن ضحكه الذي كان منه , فقال : رأيت قوما يجرون إلى الجنة في السلاسل يعني الكفار من العجم الذين كان المؤمنون يجرونهم بقتالهم إلى الإسلام الذي يكون سببا لدخولهم إلى الجنة , وكان المؤمنون قد تقع أيديهم عليهم وهم على كفرهم الذي كانوا عليه , فلا يقطع المؤمنون بذلك فيمن يبقى رقهم عليه من الإحسان إليهم , ومن الفعال بهم أضداد ما كانوا يفعلونه بهم لو وقعت أيديهم عليهم , ثم يعتقونهم فيعيدونهم بذلك أحرارا , وإن كان المراد من المؤمنين ذلك بهم ابتغاء ما عند الله فيهم , وإذا كان ذلك الإحسان منهم إليهم في كل الأحوال التي كانوا عليها حتى لحقهم بذلك العتاق منهم , كان ما فعلوه بهم من العطاء الذي قد صاروا بذلك العتاق من أهله من الإحسان إليهم على مثل ما يكون الإحسان إلى أهله وهو تقديمهم في العطاء على من سواهم من أهله ليضاف ذلك الإحسان بعد تحريرهم إياهم إلى قديم إحسانهم إليهم حتى لا يفارقهم إحسانهم إليهم أبدا ما كانوا في الدنيا , وهذا أحسن ما حضرنا في تأويل هذا الحديث , والله أعلم بمراد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في ذلك . والله الموفق .
181 - باب بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي قَوْلِهِ فِي أَبِي مُوسَى : لَقَدْ أُوتِيَ مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 1316 - حدثنا بَكَّارَ بْنُ قُتَيْبَةَ قَالَ : حدثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي الْوَزِيرِ قَالَ : حدثنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : سَمِعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قِرَاءَةَ أَبِي مُوسَى فَقَالَ : لَقَدْ أُوتِيَ هَذَا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُد . 1317 - حدثنا بَكَّارَ قَالَ : حدثنا حُسَيْنُ بْنُ مَهْدِيٍّ قَالَ : حدثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أخبرنا مَعْمَرٌ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ . 1318 - حدثنا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : أخبرنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَمِعَ قِرَاءَةَ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ فَقَالَ : لَقَدْ أُوتِيَ هَذَا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُد . 1319 - حدثنا أَبُو أُمَيَّةَ قَالَ : حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَصْبَهَانِيُّ قَالَ : حدثنا شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّخَعِيُّ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ ، عَنْ ابْنِ بُرَيْدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ . وَعَنْ أَبِي إِسْحَاقَ رَفَعَهُ إلَى سَلَمَةَ بْنِ قَيْسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرَّ عَلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَهُوَ يَقْرَأُ فَقَالَ : لَقَدْ أُوتِيَ هَذَا مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُد . 1320 - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ دَاوُد قَالَ : حدثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ صَالِحِ الْأَزْدِيُّ قَالَ : حدثنا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ : أخبرنا قَنَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّهْمِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْسَجَةَ ، عَنْ الْبَرَاءِ ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَسَمِعَ أَبَا مُوسَى يَقْرَأُ الْقُرْآنَ فَقَالَ : لَكَأَنَّ أَصْوَاتَ هَذَا مِنْ أَصْوَاتِ آلِ دَاوُد . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَفِيمَا رَوَيْنَا مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ إضَافَةُ مَا أُوتِيَهُ أَبُو مُوسَى مِنْ صَوْتِهِ إلَى مِزْمَارٍ مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُد ، فَأُضِيفَتْ الْمَزَامِيرُ فِي ذَلِكَ إلَى آلِ دَاوُد لَا إلَى دَاوُد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَ سَائِلٌ عَنْ الْمَعْنَى فِي ذَلِكَ . فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ وَعَوْنِهِ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ ذَكَرَ دَاوُد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي كِتَابِهِ فَقَالَ : وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلًا يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ إلَى قَوْلِهِ جَلَّ وَعَزَّ : اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا . فَكَانَ الَّذِي يَقُولُهُ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ - مَا 1321 - حدثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ قَالَ : حدثنا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ عِيسَى بْنِ مَيْمُونٍ ، عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ . 1322 - وَمَا حدثنا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ : حدثنا الْفِرْيَابِيُّ قَالَ : حدثنا وَرْقَاءُ ، عَنْ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْله : يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ - قَالَ : سَبِّحِي . وَأَمَّا أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَذْهَبُ فِي ذَلِكَ بِأَنَّ الْمُرَادَ أُوبِي مَعَهُ ارْجِعِي مَعَهُ مِنْ الْإِيَابِ ، مِنْهُمْ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى كَمَا قَدْ حدثناهُ وَلَّادٌ النَّحْوِيُّ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْمَصَادِرِيِّ عَنْهُ ، وَيَجْعَلُ ذَلِكَ مِنْ الْآيَاتِ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ . وَمِنْهُمْ الْفَرَّاءُ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ فَقَالَ فِي ذَلِكَ : مَعْنَى أَوِّبِي سَبِّحِي ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِيهِ بِمِثْلِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ ، وَكَانَ مَا يَقُولُهُ أَهْلُ الْعِلْمِ مِمَّا يُوَافِقُهُمْ عَلَيْهِمْ مَنْ يُوَافِقُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ أَوْلَى . وَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، وَكَانَ التَّسْبِيحُ سَبَبُهُ دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَكَانَتْ تِلْكَ الْأَشْيَاءُ مَأْمُورَةً بِالتَّسْبِيحِ مَعَهُ - كَانَ كُلُّ مُسَبِّحٍ مَعَهُ آلًا لَهُ كَقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ . فَسَمَّاهُمْ اللَّهُ آلًا لَهُ لِاتِّبَاعِهِمْ إيَّاهُ ، وَلِعَمَلِهِمْ بِعَمَلِهِ حَتَّى اسْتَحَقُّوا بِذَلِكَ مِنْ الْعَذَابِ مِثْلَ مَا يَسْتَحِقُّهُ هُوَ بِكُفْرِهِ . وَمِنْهُ قِيلَ : آلُ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَلَّي عَلَيْهِمْ مَعَهُ بِقَوْلِ : اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْت عَلَى إبْرَاهِيمَ وَآلِ إبْرَاهِيمَ ، أَوْ كَمَا صَلَّيْت عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ عَلَى مَا قَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ذَلِكَ فِيمَا نَحْنُ ذَاكِرُوهُ مِنْ بَعْدُ فِي كِتَابِنَا هَذَا فِي مَوْضِعِهِ مِنْهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ . فَكَانَ مَا ذُكِرَ فِي الْآلِ مِنْ الْمَعْنَى مِنْ هَذِهِ الْمَعَانِي إنَّمَا ذُكِرَ مِنْهُمْ لِمَكَانِهِمْ مِمَّنْ هُمْ آلٌ لَهُ ، وَلَمَّا كَانُوا قَدْ اسْتَحَقُّوا ذَلِكَ بِهِ كَانَ هُوَ بِهِ فِي الِاسْتِحْقَاقِ لِمَا اسْتَحَقُّوهُ بِهِ فَوْقَهُمْ ، فَمِثْلُ ذَلِكَ : لَقَدْ أُوتِيَ أَبُو مُوسَى مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُد ، وَمَزَامِيرُهُمْ تَسْبِيحُهُمْ الَّذِي كَانَ يَكُونُ مِنْهُمْ مِمَّا دَاوُد سَبَبُهُ . فَمَعْقُولٌ أَنَّ دَاوُد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَبَبُهُ فِي ذَلِكَ أَوَكَدُ مِنْ أَسْبَابِهِمْ ، وَأَنَّ مَا أُضِيفَ مِنْ الْمَزَامِيرِ إلَيْهِمْ مُضَافَةٌ إلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَّ مَا رَوَيْنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ قَوْلِهِ : لَقَدْ أُوتِيَ أَبُو مُوسَى مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُد فِي مَعْنَى قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ دَاوُد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
843- باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من قوله للملاعن بعد فراغه وبعد فراغ زوجته من اللعان لا سبيل لك عليها . 6228 - حدثنا يونس وعيسى بن إبراهيم ، قالا : حدثنا سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عمر : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لاعن بين أخوي بني العجلان ، ثم قال : الله يعلم أن أحدكما كاذب ، لا سبيل لك عليها ، فقال : مهري الذي دفعته إليها ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن كنت صادقا عليها ، فهو بما استحللت من فرجها ، وإن كنت كاذبا عليها ، فهو أبعد لك منه . فقال الشافعي فيما حكى لنا المزني عنه : في قول النبي - صلى الله عليه وسلم - للملاعن : لا سبيل لك عليها ما قد دل أنه لا يجوز أن يتزوجها أبدا . وكانت هذه المسألة مما قد اختلف أهل العلم في الواجب فيها ، فكانت طائفة منهم تذهب إلى أنه لا يتزوجها أبدا ، وممن كان يذهب إلى ذلك منهم : مالك ، وأبو يوسف . وكانت طائفة منهم تذهب إلى أنه لا يجوز له أن يتزوجها ما كان مقيما على قوله الذي كان منه لها ، وأنه متى ما رجع عنه ، وأكذب نفسه فحد لذلك ، جاز له أن يتزوجها ، وممن كان ذهب إلى ذلك : أبو حنيفة ، ومحمد بن الحسن . فتأملنا ما قال الشافعي في ذلك ، فوجدناه لا حجة له فيه ، إذ كان قول النبي - صلى الله عليه وسلم - للملاعن : لا سبيل لك عليها ، إنما كان جوابا في طلبه منها المهر الذي كان دفعه إليها ، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - من أجل ذلك القول الذي قاله له ، وكان هذا أولى بالحديث ، إذ كان إنما يدور على سعيد بن جبير ، وإذ كان سعيد مذهبه في المتلاعنين . 6229 - ما قد حدثنا عبيد الله بن محمد بن سليمان المؤذن ، قال : حدثنا علي بن معبد ، قال : حدثنا ابن شجاع ، عن خصيف ، عن سعيد بن جبير : أنه كان يقول : إذا لاعن الرجل امرأته ، وفرق بينهما ، ثم أكذب نفسه ، ردت إليه امرأته ما كانت في العدة . فدل ذلك أن مذهبه كان في قول النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي ذكرنا ، خلاف المذهب الذي ذهب إليه فيه الشافعي ، وقد كان مذهبه أن من روى حديثا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان تأويله إياه على معنى ، دليلا أن المراد به ذلك المعنى ، من ذلك : ما قد قال في حديث ابن عمر في الفرقة بعد البيع أنهما بالأبدان ، واستدل بما كان ابن عمر يفعله في ذلك على مراد النبي - صلى الله عليه وسلم - بما فيه على ما قد ذكرنا في ذلك في الباب الذي قد ذكرناه فيه فيما قد تقدم منا في كتابنا هذا . ومن ذلك ما قد جعل قول عمرو بن دينار في الحديث الذي روى فيه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قضى باليمين مع الشاهد أن ذلك في الأموال ، فجعل ذلك حجة له في قوله : إن القضاء باليمين مع الشاهد في الأموال خاصة دون ما سواها . وقال قائل ممن يذهب في ذلك إلى أنهما لا يجتمعان أبدا - أعني المتلاعنين - : وقد روي عن سهل بن سعد حضوره من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ملاعنته بين الزوجين اللذين كان لاعن بينهما ، فقال الزهري بعقب ذلك : مضت السنة أنهما لا يجتمعان أبدا ، وذكر في ذلك . 6230 - ما قد حدثنا محمد بن عبد الرحيم الهروي ، قال : حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي ، قال : حدثنا يعلى بن عبيد ، عن محمد بن إسحاق ، عن الزهري ، عن سهل بن سعد الساعدي بقصة ملاعنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين الزوجين اللذين لاعن بينهما . قال ابن شهاب : فمضت السنة أنهما إذا تلاعنا فرق بينهما ، ثم لا يجتمعان أبدا قال : فكانت هذه السنة عنده ، هي الواجبة في المتلاعنين . فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله - عز وجل وعونه - : أنه قد يجوز أن يكون كان ذلك في الملاعن عندما كان قائما على القذف الذي به لاعن زوجته . وقد وجدنا عن الزهري من مذهبه في ذلك أيضا كما قد ذكرنا من هذا الاحتمال . 6231 - كما حدثنا يحيى بن عثمان ، قال : حدثنا نعيم بن حماد ، قال : أخبرنا ابن المبارك ، قال : أخبرنا يونس ، عن الزهري في المتلاعنين : لا يتراجعان أبدا ، إلا أن يكذب نفسه فيجلد الحد ، ويظهر براءتها ، فلا جناح عليهما أن يتراجعا . وقد تقدم الزهري في قوله هذا سعيد بن المسيب . 6232 - كما قد حدثنا يحيى بن عثمان ، قال : حدثنا عبد الرحمن بن يعقوب بن إسحاق بن أبي عباد ، قال : حدثنا سفيان ، عن يحيى بن سعيد ، عن رجل ، عن سعيد بن المسيب : أن الملاعن إذا أكذب نفسه ردت إليه امرأته . قال سفيان : فلقينا ابن أبي هند ، فحدثنا به عن سعيد بن المسيب . قال أبو جعفر : وكان قوله : ردت إليه امرأته قد يحتمل أن يكون بتزويج جديد ، وقد روي مثل قول سعيد هذا أيضا عن إبراهيم النخعي . 6233 - كما قد حدثنا سليمان بن شعيب الكيساني ، قال : حدثنا أبي ، عن أبي يوسف ، عن أبي حنيفة ، عن حماد ، عن إبراهيم ، أنه قال : إن ضرب بعد ذلك - يعني الملاعن - فهو خاطب من الخطاب يتزوجها إن شاء وشاءت . قال هذا القائل : وقد روي عن غير واحد من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أنهما لا يجتمعان أبدا 6234 - وذكر ما قد حدثنا سليمان بن شعيب ، عن أبيه ، عن أبي يوسف ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن عمر بن الخطاب ، أنه قال : لا يجتمع المتلاعنان أبدا . 6235 - وما قد حدثنا سليمان ، عن أبيه ، عن أبي يوسف ، عن قيس بن الربيع ، عن عاصم بن أبي النجود ، عن زر ، عن علي مثله . 6236 - وما قد حدثنا سليمان ، عن أبيه ، عن أبي يوسف ، عن قيس ، أراه أخبرنا عن عاصم ، عن أبي وائل ، عن عبد الله بن مسعود مثله . والشك في عاصم خاصة أراه سقط من كتابي . قال : فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله - عز وجل وعونه - : أنه قد يجوز أن يكون يريدون بقولهم : لا يجتمعان ، كانا على الحال التي فرق بينهما عليها ، كما حمل الزهري معنى أبدا على مثل ذلك ، فكان هذا القول أولى بالقياس عندنا ؛ لأنا قد وجدناهما في البدء للمرأة أن تطلب الزوج حتى يلاعن بينها وبينه اللعان الذي يوجب الفرقة بينهما ، ووجدنا الزوج لو أكذب نفسه ، فحد في ذلك ، ثم طلبت المرأة فراقه بقوله الذي كان منه لها ، لم يكن لها ذلك ، فكانت العلة التي لها يلاعن بينهما اللعان الذي يكون عنه الفرقة بينهما ، هي ثبوت الزوج على ما كان منه إلى زوجته ، وإن ذلك يزول بزوال تلك العلة ، وبإقامة الحد عليه فيما يجب إقامته عليه ، ويثبتان بعد ذلك زوجين كما كانا قبل ذلك القول ، فكان مثل ذلك في القياس إذا فرق بينهما بعد اللعان أن يكون ذلك الحكم المانع أن يجتمعا قائما بينهما ما كان مقيما على القول الذي كان يوجب اللعان في البدء حتى تكون به الفرقة ، وأن يكون إذا زال ذلك القول ، ووسعهما أن يقيما على ما كانا عليه قبل ذلك القول في البدء أن يكون بعد الفرقة أيضا كذلك ، وأن يكون المانع من الاجتماع في المستأنف هو الذي كان يوجب اللعان الذي يكون عنه ضد الاجتماع ، وأن يكون ذلك المعنى إذا زال زال ما يمنعهما من الاجتماع والله عز وجل - نسأله التوفيق .
182 - باب بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَا يَنْبَغِي أَنْ يُفْعَلَ بِمَنْ رَأَى مِنْهُ مُنْكَرًا وَبِقَوْلِهِ فِي ذَلِكَ : وَلَتَأْطُرُنَّهُ عَلَى الْحَقِّ أَطْرًا . 1323 - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ يَحْيَى بْنِ جَنَّادٍ الْبَغْدَادِيُّ قَالَ : حدثنا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ الْوَاسِطِيُّ قَالَ : حدثنا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْوَاسِطِيُّ ، عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : كَانَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ إذَا عَمِلَ الْعَامِلُ مِنْهُمْ بِالْخَطِيئَةِ نَهَاهُمْ النَّاهِي تَعْزِيرًا ، فَإِذَا كَانَ مِنْ الْغَدِ جَالَسَهُ وَآكَلَهُ وَشَارَبَهُ كَأَنَّهُ لَمْ يَرَهُ عَلَى خَطِيئَةٍ بِالْأَمْسِ . فَلَمَّا رَأَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ذَلِكَ مِنْهُمْ ضَرَبَ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ ، ثُمَّ لَعَنَهُمْ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِمْ دَاوُد وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا ؛ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ . وَاَلَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلْتَنْهَوُنَّ عَنْ الْمُنْكَرِ ، وَلَتَأْخُذُنَّ عَلَى يَدَيْ السَّفِيهِ ، وَلَتَأْطُرُنَّهُ عَلَى الْحَقِّ أَطْرًا - أَوْ لَيَضْرِبَنَّ اللَّهُ قُلُوبَ بَعْضِكُمْ عَلَى بَعْضٍ ، وَيَلْعَنْكُمْ كَمَا لَعَنَهُمْ . 1324 - حدثنا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَ : حدثنا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ قَالَ : حدثنا مُوسَى بْنُ أَعْيَنَ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ بَذِيمَةَ ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : هَلْ تَدْرُونَ كَيْفَ دَخَلَ بَنِي إسْرَائِيلَ النَّقْصُ ؟ قَالُوا : اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ! قَالَ : إنَّ الرَّجُلَ مِنْهُمْ كَانَ يَعِيبُ عَلَى أَخِيهِ الْأَمْرَ يُنْكِرُهُ ، فَمَا يَمْنَعُهُ مَا يَرَى مِنْهُ أَنْ يَكُونَ أَكِيلَهُ وَشَرِيبَهُ ، فَضَرَبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ وَأَنْزَلَ فِيهِمْ : لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَرْبَعَ آيَاتٍ مُتَوَالِيَاتٍ . قَالَ : وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : فَوَرَبِّ مُحَمَّدٍ ، لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنْ الْمُنْكَرِ ، وَلَتَأْخُذُنَّ عَلَى يَدِي الظَّالِمِ ، وَتَأْطُرُنَّهُ عَلَى الْحَقِّ أَطْرًا - أَوْ لَيَضْرِبَنَّ اللَّهُ قُلُوبَ بَعْضِكُمْ بِبَعْضٍ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَتَأَمَّلْنَا قَوْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هَذَا الْحَدِيثِ : وَلَتَأْطُرُنَّهُ عَلَى الْحَقِّ أَطْرًا - فَوَجَدْنَا أَهْلَ اللُّغَةِ يَحْكُونَ فِي ذَلِكَ عَنْ الْخَلِيلِ بْنِ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ : يُقَالُ : أَطَرْت الشَّيْءَ إذَا ثَنَيْته وَعَطَفْته ، وَأَطْرُ كُلِّ شَيْءٍ عَطْفُهُ كَالْمِحْجَنِ وَالْمِنْجَلِ وَالصَّوْلَجَانِ . وَوَجَدْنَاهُمْ يَحْكُونَ فِي ذَلِكَ عَنْ الْأَصْمَعِيِّ أَنَّهُ قَالَ : يُقَالَ : أَطَرْت الشَّيْءَ وَأَصَرْتُهُ إذَا أَمَلْته إلَيْك وَرَدَدْته إلَى حَاجَتِك ، فَكَانَ مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : وَلَتَأْطُرُنَّهُ عَلَى الْحَقِّ أَطْرًا ، أَيْ تَرُدُّونَهُ إلَيْهِ وَتَعْطِفُونَهُ عَلَيْهِ وَتُمِيلُونَهُ إلَيْهِ حَتَّى يَكُونَ فِيمَا تَفْعَلُونَهُ بِهِ مِنْ ذَلِكَ كَالْمِحْجَنِ وَالْمِنْجَلِ وَكَالصَّوْلَجَانِ الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَخْرُجَ مِمَّا عُطِفَ عَلَيْهِ وَثُنِيَ عَلَيْهِ ، وَرُدَّ إلَيْهِ إلَى خِلَافِ ذَلِكَ أَبَدًا . وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
661 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في إعتاقه من خرج إليه من عبيد الطائف وأن ممن خرج إليه منهم أبا بكرة ، وأنه بذلك مولى لرسول الله صلى الله عليه وسلم . 4953 - حدثنا فهد بن سليمان قال : حدثنا عمر بن حفص بن غياث النخعي قال : حدثنا أبي ، عن حجاج ، عن الحكم ، عن مقسم ، عن ابن عباس قال : كان من خرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الطائف أعتقه ، فكان أبو بكرة منهم ، فهو مولى لرسول الله صلى الله عليه وسلم . 4954 - وحدثنا فهد قال : حدثنا إسماعيل بن الخليل ، أنبأنا علي بن مسهر ، عن الحجاج ، عن الحكم ، عن مقسم ، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : أعتق رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الطائف من خرج إليه من عبيد الطائف ، فكان ممن أعتق يومئذ أبو بكرة وغيره ، فكانوا موالي رسول الله صلى الله عليه وسلم . فتأملنا هذا الحديث ، فوجدنا الأصل المتفق عليه أن من خرج من عبيد أهل الحرب إلى المسلمين مسلما مراغما لمولاه كان بذلك حرا ؛ لأنه بخروجه ذلك غانم لنفسه ، وأنه لا ولاء عليه في ذلك لأحد ، وأن من خرج إلينا من عبيدهم وهو على كفره عاد غنيمة لنا بإحراز دارنا إياه ، كذا كان أبو حنيفة رحمه الله يقول في ذلك ، وأما من سبق إليه منا ، فأخذه ، فيكون له بذلك دون بقية المسلمين إلا الخمس الواجب عليه فيه ، فإنه يرجع إلى مثل ما عليه الأخماس كما كان أبو يوسف ومحمد بن الحسن يقولانه في ذلك ، وإن كانا قد قالا قبل ذلك : إنه لا خمس عليه فيه . ووجدنا أبا بكرة قد كان ممن قد لحقه الرق في الجاهلية لما كان أهل الجاهلية عليه من استرقاق أبناء إمائهم منهم ، كما يسترقون من سواهم من غيرهم ، فكان أبو بكرة منهم ، ثم كان منه في خروجه من الحصن الذي كان فيه إلى عسكر المسلمين ما كان منه في ذلك ، فاحتمل أن يكون كان منه وهو مسلم ، فيكون به غانما لنفسه ، ويكون قد صار حرا بلا ولاء عليه لأحد ، واحتمل أن يكون ذلك كان منه وهو على الكفر ، فلم يكن كذلك ، وكان عبدا يغنم بما يغنم به مثله مما قد ذكرناه في هذا الباب ، فنظرنا في ذلك . 4955 - فوجدنا بكار بن قتيبة قد حدثنا قال : حدثنا روح بن عبادة ، حدثنا شعبة ، عن عاصم ، عن أبي عثمان النهدي قال : سمعت سعد بن مالك وأبا بكرة يقولان : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام . قال : فقلت له : لقد حدثك رجلان ، وأي رجلين ! قال : وما يمنعهما من ذلك ؛ أما أحدهما فأول رجل يرمي بسهم في سبيل الله ، وأما الآخر فأول رجل نزل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من حصن الطائف قال أبو جعفر : فكان في هذا الحديث ما قد دل على أن خروجه كان إلى عسكر المسلمين وهو مسلم , لأنه قد لحقه في ذلك من الحمد ما ذكر في هذا الحديث , ولأنه لو كان خرج وهو على الكفر , لما كان على خروجه محمودا , ولما كان به موصوفا , ولما ثبت له الإسلام الذي كان عليه قبل خروجه إلى عسكر المسلمين ولحوقه بعسكر المسلمين وهو عليه , عقلنا أنه كان بخروجه إلى عسكر المسلمين غانما لنفسه عتيقا عتقا لا ولاء عليه لأحد عليه من الناس فيه , وعقلنا أن قول ابن عباس : مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعتاقه من خرج إليه يوم الطائف إنما هو على معنى أعتقه بخروجه , لا باستئناف عتاق له بعد خروجه , وأن قوله : فهو مولى لرسول الله صلى الله عليه وسلم ليس يريد الولاء الذي يوجبه العتاق , ولكنه مولاه للولاء الذي توجبه الولاية التي منها قوله صلى الله عليه وسلم : من كنت مولاه فعلي مولاه , ثم أتبع ذلك بقوله : اللهم وال من والاه , وعاد من عاداه فأعلمنا بذلك مراده بقوله : من كنت مولاه فعلي مولاه أنه الموالاة على ما هو عليه من الأسباب التي يجب أن يكون أهل الإسلام عليها من الموالاة لبعضهم بعضا عليها . ومثل ذلك ما قد روي عنه صلى الله عليه وسلم . 4956 - مما قد حدثنا الحسين بن نصر قال : سمعت يزيد بن هارون ، أنبأنا أبو مالك الأشجعي ، عن موسى بن طلحة ، عن أبي أيوب الأنصاري ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أسلم وغفار ومزينة وجهينة وأشجع ومن كان من بني كعب موالي دون الناس , والله عز وجل ورسوله مولاهم قال الحسين : فذكرت هذا الحديث لأحمد بن صالح , فقال : موالي دون الناس فكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أخبر في هذا الحديث أن الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم مولى هؤلاء القوم الذين ذكرهم في هذا الحديث إخبارا منه بذلك أنه يتولاهم , ومن يتولاه الله ثم رسوله كان في أعلى المراتب . ومما يدل على ما ذكرنا في أمر أبي بكرة . 4957 - ما قد حدثنا أحمد بن داود بن موسى ، حدثنا عبد الرحمن بن صالح الأزدي , حدثنا يحيى بن آدم , حدثنا المفضل بن مهلهل الضبي ، عن مغيرة ، عن شباك ، عن الشعبي ، عن رجل من ثقيف قال : سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرد إلينا أبا بكرة , فأبى , وقال : هو طليق الله وطليق رسوله , وكان أبو بكرة خرج إلى النبي صلى الله عليه وسلم حين حاصر الطائف . فكان في هذا الحديث ما قد دل على تقدم إسلام أبي بكرة خروجه إلى عسكر المسلمين ؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخبر الذين سألوه رده إليهم أنه طليق الله ورسوله , والطليق هو المطلق من الأسر الذي كان فيه , فدل ذلك أنه كان في أسر في أيدي المشركين حين أطلقه الله ثم رسوله صلى الله عليه وسلم منه بما صار إليه من اللحاق بعسكر المسلمين . وفيما ذكرنا دليل على ما وصفنا والله الموفق .
183 - باب بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمُرَادِ بِقَوْلِ اللَّهِ عز وجل : يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ . 1325 - حدثنا عَلِيُّ بْنُ شَيْبَةَ قَالَ : حدثنا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ قَالَ : حدثنا إسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصديق رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الصِّدِّيقِ قَالَ : إنَّكُمْ لَتَقْرَؤونَ هَذِهِ الْآيَةَ : يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ - وَإِنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : إنَّ النَّاسَ إذَا رَأَوْا الظَّالِمَ ، فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ - يُوشِكُ أَنْ يَعُمَّهُمْ اللَّهُ بِعِقَابٍ . 1326 - حدثنا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمُرَادِيُّ قَالَ : حدثنا أَسَدُ بْنُ مُوسَى قَالَ : حدثنا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيّ قَالَ : حدثنا إسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَامَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، إنَّكُمْ تَقْرَؤونَ هَذِهِ الْآيَةَ ، ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَكَانَ الَّذِي فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ مِمَّا خَاطَبَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ النَّاسَ فِيهِمَا أَنَّهُمْ يَقْرَؤُونَ هَذِهِ الْآيَةَ كَمَا تَلَاهَا عَلَيْهِمْ ، وَأَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ فَذَكَرَ لَهُمْ مَا سَمِعَهُ ، قَالَهُ مِنْ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ . وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَعَ حِكْمَتِهِ وَجَلَالَتِهِ وَعِظَمِ مِقْدَارِهِ لَا يُخَاطِبُ النَّاسَ بِخِطَابٍ فِيهِ نُقْصَانٌ ، وَنَعْلَمُ أَنَّ مَا وَقَعَ مِنْ نُقْصَانٍ فِي ذَلِكَ فَمِنْ بَعْضِ رُوَاةِ هَذَا الْحَدِيثِ لَا مِنْهُ ، ثُمَّ الْتَمَسْنَا مِنْ غَيْرِ هَاتَيْنِ الرِّوَايَتَيْنِ . 1327 - فَوَجَدْنَا بَكَّارَ بْنَ قُتَيْبَةَ قَدْ حدثنا قَالَ : حدثنا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ قَالَ : حدثنا شُعْبَةُ ، عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ قَالَ : سَمِعْت أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ : أَيُّهَا النَّاسُ ، إنَّكُمْ تَقْرَؤُونَ هَذِهِ الْآيَةَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ تَضَعُونَهَا عَلَى غَيْرِ مَا وَضَعَهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ - وَإِنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : إذَا عُمِلَ فِيهِمْ بِالْمَعَاصِي أَوْ بِغَيْرِ الْحَقِّ ، ثُمَّ لَمْ يُغَيِّرُوهُ - يُوشِكُ أَنْ يَعُمَّهُمْ اللَّهُ بِعِقَابٍ مِنْهُ . 1328 - وَوَجَدْنَا يَزِيدَ بْنَ سِنَانٍ قَدْ حدثنا قَالَ : حدثنا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ قَالَ : حدثنا زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ قَالَ : سَمِعْت أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ : أَيُّهَا النَّاسُ ، إنَّكُمْ تَقْرَؤُونَ هَذِهِ الْآيَةَ ، وَتَضَعُونَهَا عَلَى غَيْرِ مَوْضِعِهَا : يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ . ثُمَّ قَالَ : إنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : إنَّ النَّاسَ إذَا رَأَوْا مُنْكَرًا لَا يُغَيِّرُونَهُ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمْ اللَّهُ بِعِقَابِهِ . 1329 - وَوَجَدْنَا أَحْمَدَ بْنَ دَاوُد قَدْ حدثنا قَالَ : حدثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ التَّمِيمِيُّ وَعَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ النَّرْسِيُّ قَالَا : حدثنا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ : سَمِعْت إسْمَاعِيلَ بْنَ أَبِي خَالِدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي قَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ قَالَ : سَمِعْته حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ : أَيُّهَا النَّاسُ ، ثُمَّ ذَكَرَ بَقِيَّةَ هَذَا الْحَدِيثِ . 1330 - وَحدثنا عَلِيُّ بْنُ شَيْبَةَ قَالَ : حدثنا إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ قَالَ : حدثنا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الضَّبِّيُّ ، عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ قَالَ : قَرَأَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ هَذِهِ الْآيَةَ : يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ . ثُمَّ قَالَ : إنَّ النَّاسَ يَضَعُونَ هَذِهِ الْآيَةَ عَلَى غَيْرِ مَوْضِعِهَا ، أَلَا وَإِنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : إنَّ النَّاسَ إذَا رَأَوْا الظَّالِمِ ، فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ ، أَوْ قَالَ : الْمُنْكَرَ فَلَمْ يُغَيِّرُوهُ - عَمَّهُمْ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِعِقَابِهِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَكَانَ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الْأَوْلَى بِالصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ قَالَهُ ، وَهُوَ إخْبَارُهُ إيَّاهُمْ أَنَّ النَّاسَ يَضَعُونَ هَذِهِ الْآيَةَ الَّتِي تَلَاهَا عَلَيْهِمْ عَلَى غَيْرِ مَوْضِعِهَا . فَتَأَمَّلْنَا مَا يُرْوَى عَنْ غَيْرِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ لِنَعْلَمَ بِذَلِكَ مَوْضِعَهَا ، هَلْ هُوَ تَأْوِيلٌ يُوقَفُ عَلَيْهِ أَوْ زَمَانٌ مِنْ الْأَزْمِنَةِ يَكُونُ وَيَكُونُ قَبْلَهُ مَا قَرَأَ عَلَيْهِمْ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ مَا قَدْ سَمِعَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُهُ فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَتَغْيِيرِ الْمُنْكَرِ . 1331 - فَوَجَدْنَا إبْرَاهِيمَ بْنَ أَبِي دَاوُد قَدْ حدثنا قَالَ : حدثنا أَبُو مُسْهِرٍ عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ مُسْهِرٍ الْغَسَّانِيُّ قَالَ : حدثنا صَدَقَةُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ : حدثنا عُتْبَةُ بْنُ أَبِي حَكِيمٍ قَالَ : حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ جَارِيَةَ ، عَنْ أَبِي أُمَيَّةَ قَالَ : سَأَلْت أَبَا ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيَّ قُلْت : كَيْفَ تَصْنَعُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ؟ قَالَ : أَيُّ آيَةٍ ؟ قُلْت : يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ . فَقَالَ لِي : أَمَا وَاَللَّهِ لَقَدْ سَأَلْت عَنْهَا خَبِيرًا ، سَأَلْت عَنْهَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : بَلْ ائْتَمِرُوا بِالْمَعْرُوفِ ، وَتَنَاهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ ، حَتَّى إذَا رَأَيْت شُحًّا مُطَاعًا وَهَوًى مُتَّبَعًا وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ ، وَرَأَيْت أَمْرًا لَا بُدَّ لَكَ مِنْهُ فَعَلَيْك بِنَفْسِك ، وَإِيَّاكَ وَأَمْرَ الْعَوَامّ ؛ فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامَ الصَّبْرِ ، صَبْرٌ فِيهِنَّ مِثْلُ قَبْضٍ عَلَى الْجَمْرِ ، لِلْعَامِلِ مِنْكُمْ يَوْمَئِذٍ كَأَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلًا يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِهِ . 1332 - وَوَجَدْنَا ابْنَ أَبِي مَرْيَمَ قَدْ حدثنا قَالَ : حدثنا الْفِرْيَابِيُّ قَالَ : حدثنا صَدَقَةُ بْنُ يَزِيدَ الْخُرَاسَانِيُّ ، عَنْ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ ، عَنْ أَبِي أُمَيَّةَ الشَّعْبَانِيِّ ، وَلَمْ يَذْكُرْ قَبْلَهُ عَمْرَو بْنُ جَارِيَةَ ، قَالَ : سَأَلْتُ أَبَا ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيَّ ، ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ سَوَاءً . 1333 - وَوَجَدْنَا يَحْيَى بْنَ عُثْمَانَ بْن صَالِحٍ قَدْ حدثنا قَالَ : حدثنا مُوسَى بْنُ هَارُونَ الْبَرْدِيُّ قَالَ : حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ شَابُورَ ، عَنْ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ قَالَ : حدثنا عَمْرُو بْنُ جَارِيَةَ ، عَنْ أَبِي أُمَيَّةَ ، ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ سَوَاءً . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَعَقَلْنَا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : إنَّ النَّاسَ يَضَعُونَ هَذِهِ الْآيَةَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا - يُرِيدُ بِهَا سَيُعْمِلُونَهَا فِي غَيْرِ زَمَنِهَا ، وَأَنَّ زَمَنَهَا الَّذِي يُسْتَعْمَلُ فِيهِ هُوَ الزَّمَنُ الَّذِي وَصَفَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبَةَ بِمَا وَصَفَهُ بِهِ ، وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْهُ ، وَأَنَّ مَا قَبْلَهُ مِنْ الْأَزْمِنَةِ فَإِنَّ فَرْضَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ عَلَى عِبَادِهِ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنْ الْمُنْكَرِ حَتَّى تَعُودَ الْأُمُورُ إلَى مَا أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَكُونَ النَّاسُ عَلَيْهِ مِنْ امْتِثَالِ مَا أَمَرَهُمْ اللَّهُ بِهِ عَزَّ وَجَلَّ وَالِانْتِهَاءِ عَن مَّا نَهَاهُمْ عَنْهُ . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هَذَا الْمَعْنَى مِنْ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَمِنْ النَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ ، وَمِنْ التَّحْذِيرِ مِنْ عَوَاقِبِ تَرْكِ ذَلِكَ سِوَى مَا قَدْ تَقَدَّمَتْ رِوَايَتُنَا لَهُ فِي هَذَا الْبَابِ . 1334 - مَا حدثنا إبْرَاهِيمُ قَالَ : حدثنا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ وَبِشْرُ بْنُ عُمَرَ الزَّهْرَانِيُّ قَالَا : حدثنا شُعْبَةُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ عُبَيْد اللَّهِ بْنِ جَرِيرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : مَا مِنْ قَوْمٍ يُعْمَلُ فِيهِمْ بِالْمَعَاصِي أَعَزُّ وَأَكْثَرُ مِمَّا يَعْمَلُهُ وَهُوَ عِنْدِي - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - مِمَّنْ يَعْمَلُهُ ، لَا يُغَيِّرُونَهُ عَلَيْهِمْ إلَّا عَمَّهُمْ اللَّهُ عز وجل بِعِقَابٍ . 1335 - وَمَا حدثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ قَالَ : حدثنا عَمْرُو بْنُ أَبِي رَزِينٍ قَالَ : حدثنا سَيْفُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ الْمَكِّيُّ ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ عَدِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَا يُهْلِكُ الْعَامَّةَ بِعَمَلِ الْخَاصَّةِ ، وَلَكِنْ إذَا رَأَوْا الْمُنْكَرَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ فَلَمْ يُغَيِّرُوهُ عَذَّبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْعَامَّةَ وَالْخَاصَّةَ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَفِيمَا ذَكَرْنَا تَوْكِيدُ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ حَتَّى يَكُونَ الزَّمَانُ الَّذِي يَنْقَطِعُ ذَلِكَ فِيهِ ، وَهُوَ الزَّمَانُ الَّذِي وَصَفَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبَةَ الَّذِي لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ بِأَمْرٍ بِمَعْرُوفٍ وَلَا بِنَهْيٍ عَنْ المُنْكَرٍ ، وَلَا قُوَّةَ مَعَ مَنْ يُنْكِرُهُ عَلَى الْقِيَامِ بِالْوَاجِبِ فِي ذَلِكَ فَسَقَطَ الْفَرْضُ عَنْهُ فِيهِ ، وَيَرْجِعُ أَمْرُهُ فِيهِ إلَى خَاصَّةِ نَفْسِهِ وَلَا يَضُرُّهُ مَعَ ذَلِكَ مَنْ ضَلَّ . هَكَذَا يَقُولُ أَهْلُ الْآثَارِ فِي هَذَا الْبَابِ عَلَى مَا قَدْ صَحَّحْنَا هَذِهِ الْآثَارَ عَلَيْهِ ، وَأَمَّا مَنْ سِوَاهُمْ مِمَّنْ يَتَعَلَّقُ بِالتَّأْوِيلِ فَيَذْهَبُ إلَى أَنَّ قَوْله عز وجل : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ - لَيْسَ عَلَى سُقُوطِ مَفْرُوضٍ عَلَيْهِمْ مِنْ أَمْرٍ بِمَعْرُوفٍ وَمِنْ نَهْيٍ عَنْ مُنْكَرٍ ، وَأَنَّهُمْ لَا يَكُونُونَ مُهْتَدِينَ إذَا لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ ، وَأَنَّهُمْ إنَّمَا يَدْخُلُونَ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : إذَا اهْتَدَيْتُمْ ، إذَا فَعَلُوا ذَلِكَ لَا إذَا قَصَّرُوا عَنْهُ ، وَيَذْهَبُونَ إلَى أَنَّ مِثْلَهُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَوْلُ اللَّهِ لِنَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ . وَهُوَ مَعَ هَذَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمُفْتَرَضٌ عَلَيْهِ جِهَادُ أَعْدَاءِ اللَّهِ وَقِتَالُهُمْ حَتَّى يَرُدَّهُمْ اللَّهُ إلَى دِينِهِ الَّذِي بَعَثَهُ اللَّهُ بِهِ ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُقَاتِلَ النَّاسَ عَلَيْهِ كَافَّةً ، وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَبْيَنُ مَعْنًى مِنْ هَذَا الْمَعْنَى ، وَإِنْ كَانَ هَذَا الْمَعْنَى صَحِيحًا . وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
844- باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما قرأه لما تعار من الليل مما رواه ابن عباس عنه من سورة (آل عمران ) . 6237 - حدثنا إبراهيم بن أبي داود ، قال : حدثنا يحيى بن صالح الوحاظي ، قال : حدثنا سليمان بن بلال ، قال : حدثنا شريك بن أبي نمر - يعني شريك بن عبد الله بن أبي نمر - : أن كريبا مولى ابن عباس ، أخبره ، أنه سمع ابن عباس ، يقول : بت ليلة عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلما انصرف من العشاء الآخرة انصرفت معه ، فلما دخل البيت ركع ، ركعتين خفيفتين ، ركوعهما مثل سجودهما ، وسجودهما مثل قيامهما ، وذلك في الشتاء ، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الحجرة ، وأنا في البيت ، قال : فقلت : والله لأرمقن الليلة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولأنظرن كيف صلاته ، قال : فاضطجع مكانه في مصلاه حتى سمعت غطيطه ، قال : ثم تعار ، فقام ، فنظر إلى السماء وفكر ، ثم قرأ الخمس الآيات من سورة آل عمران ، ثم أخذ سواكا ، فاستن ثم خرج فقضى حاجته ، ثم رجع إلى شن معلقة ، فصب على يده ثم توضأ ، ولم يوقظ أحدا ، ثم قام فصلى ركعتين ركوعهما مثل سجودهما ، وسجودهما مثل قيامهما ، قال : فأراه صلى مثل ما رقد ، قال : ثم اضطجع مكانه ، فرقد حتى سمعت غطيطه ، ثم صنع ذلك خمس مرار ، فصلى عشر ركعات ، ثم أوتر بواحدة ، وأتاه بلال ، فآذنه بالصبح ، فصلى ركعتي الفجر ، ثم خرج إلى الصبح . قال أبو جعفر : ففي هذا الحديث أن الذي قرأه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من سورة (آل عمران ) خمس آيات منها ، وهي من آخرها ، وإن كان لم يذكر ذلك في هذا الحديث ، فإنه قد ذكره في حديث مالك الذي ذكرناه في الباب الثالث من كتابنا هذا عن مخرمة بن سليمان ، عن كريب ، أن ابن عباس ، أخبره : أنه بات عند ميمونة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - وأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قام حتى إذا انتصف الليل أو بعده بقليل أو قبل بقليل ، استيقظ ثم قرأ العشر الآيات الخواتم من سورة (آل عمران ) . وذكرنا في ذلك الباب أيضا في حديث علي بن عبد الله بن العباس أنه قرأ : إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ حتى ختم السورة . فعقلنا بذلك أن الذي كان قرأه من سورة آل عمران مما ذكر في الحديث الذي ذكرناه في هذا الباب هو : إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إلى تمام الخمس الآيات منها ، وهو قوله - عز وجل - : إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ . فقال قائل : من أين جاء هذا الاختلاف ؟ فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله - عز وجل وعونه -: أن ذلك الاختلاف إنما جاء من قبل رواة هذه الأحاديث ممن دون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان ما في الحديث الأول الذي رويناه في هذا الباب ، هو الذي يقع في القلوب أنه كان الذي قرأه رسول الله ؛ لأنه إنما قرأ ما قرأ التماس الدعاء والتفكر المذكورين في تلك الآيات ، وكان ما بعد الخمس الآيات المذكور ذلك فيها ليس من ذلك المعنى في شيء ، وإنما هو ذكر ما كان من الله - عز وجل - من استجابته للمذكورين في تلك الآيات ، ثم ما سوى ذلك من غير هذا المعنى إلى خاتمة السورة ، والله أعلم بحقيقة ما كان منه - عليه السلام - في ذلك ، وإياه نسأله التوفيق .
184 - باب بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الزَّمَانِ الَّذِي يَجِبُ عَلَى النَّاسِ فِيهِ الْإِقْبَالُ عَلَى خَاصَّتِهِمْ وَتَرْكُ عَامَّتِهِمْ . 1336 - حدثنا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : حدثنا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ : حدثنا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : كَيْفَ بِكُمْ وَبِزَمَانٍ ؟ أَوْ قَالَ : يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ زَمَانٌ يُغَرْبَلُ النَّاسُ فِيهِ غَرْبَلَةً وَتَبْقَى حُثَالَةٌ مِنْ النَّاسِ قَدْ مَرِجَتْ عُهُودُهُمْ وَأَمَانَاتُهُمْ ، وَاخْتَلَفُوا فَصَارُوا هَكَذَا ، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ . قَالُوا : كَيْفَ بِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : تَأْخُذُونَ بِمَا تَعْرِفُونَ ، وَتَذْرُونَ مَا تُنْكِرُونَ ، وَتُقْبِلُونَ عَلَى أَمْرِ خَاصَّتِكُمْ ، وَتَذَرُونَ أَمْرَ عَامَّتِكُمْ . 1337 - حدثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ كَثِيرِ بْنِ عُفَيْرٍ أَبُو الْقَاسِمِ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : وَأَخْبَرَنِي يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، ثُمَّ ذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ سَوَاءً . 1338 - وَحدثنا بَحْرُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : وَأَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : وَأَخْبَرَنِي يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الزُّهْرِيُّ ، ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِي إسْنَادِهِ أَبَا حَازِمٍ ، وَإِنَّمَا قَالَ : قَالَ : وَأَخْبَرَنِي يَعْقُوبُ ، عَنْ عُمَارَةَ . 1339 - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنُ يَزِيدَ الْعَطَّارُ الْمُزَنِيّ قَالَ : حدثنا عِيسَى بْنُ مِينَاءَ قَالَ : حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ حَزْمٍ . هَكَذَا قَالَ : ابْنُ عَامِرٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ ابْنُ عَمْرٍو ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؛ مِثْلَهُ . 1340 - حدثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ وَفَهْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ جَمِيعًا قَالَا : حدثنا الْقَعْنَبِيُّ قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ سَوَاءً . 1341 - حدثنا فَهْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ : حدثنا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ : حدثنا يُونُسُ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ هِلَالِ بْنِ خَبَّابٍ قَالَ : حَدَّثَنِي عِكْرِمَةُ قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ : بَيْنَا نَحْنُ حَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذْ ذُكِرَتْ الْفِتْنَةُ أَوْ ذُكِرَتْ عِنْدَهُ الْفِتْنَةُ ، فَقَالَ : إذَا رَأَيْتُمْ النَّاسَ قَدْ مَرَجَتْ عُهُودُهُمْ ، وَخَفَّتْ أَمَانَتُهُمْ ، وَكَانُوا هَكَذَا وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ . فَقُلْت : فَكَيْفَ نَفْعَلُ عِنْدَ ذَلِكَ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكَ ؟ فَقَالَ لِي : الْزَمْ بَيْتَكَ ، وَامْلِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ ، وَخُذْ مَا تَعْرِفُ وَدَعْ مَا تُنْكِرُ ، وَعَلَيْكَ بِأَمْرِ الْخَاصَّةِ ، وَدَعْ عَنْكَ أَمْرَ الْعَامَّةِ . 1342 - حدثنا بَحْرُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ : حدثنا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ عَمْرٍو مَوْلَى الْمُطَّلِبِ ، عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو : كَيْفَ بِك يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو إذَا بَقِيت فِي حُثَالَةٍ مِنْ النَّاسِ قَدْ مَرِجَتْ أَمَانَاتُهُمْ وَمَرِجَتْ عُهُودُهُمْ ، وَاخْتَلَفُوا ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ : فَكَيْفَ بِي يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : تَعْمَلُ بِمَا تَعْرِفُ ، وَتَدَعُ مَا تُنْكِرُ ، وَتَعْمَلُ بِخَاصَّةِ نَفْسِك ، وَتَدَعُ عَنْك عَوَامَّ النَّاسِ . 1343 - حدثنا يَحْيَى بْنُ عُثْمَانَ قَالَ : حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَهْمِيُّ قَالَ : حدثنا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ ، عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ سواء . 1344 - حدثنا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : حدثنا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْر قَالَ : حَدَّثَنِي اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ عَيَّاشِ بْنِ عَبَّاسٍ الْقِتْبَانِيِّ ، عَنْ بُكَيْر بْنِ الْأَشَجِّ ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا وَاقِدٍ قَالَ : إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ وَنَحْنُ جُلُوسٌ عَلَى بِسَاطٍ : إنَّهَا سَتَكُونُ فِتْنَةٌ . قَالُوا : كَيْفَ نَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : فَرَدَّ يَدَهُ إلَى الْبِسَاطِ ، فَأَمْسَكَ بِهِ ، قَالَ : تَفْعَلُونَ هَكَذَا . وَذَكَرَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمًا أَنَّهَا سَتَكُونُ فِتْنَةٌ ، فَلَمْ يَسْمَعْهُ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ ، فَقَالَ مُعَاذٌ : تَسْمَعُونَ مَا يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالُوا : مَا قَالَ ؟ قَالَ : يَقُولُ : إنَّهَا سَتَكُونُ فِتْنَةٌ . قَالُوا : فَكَيْفَ لَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ أَوْ كَيْفَ نَصْنَعُ ؟ قَالَ : تَرْجِعُونَ إلَى أَمْرِكُمْ الْأَوَّلِ . 1345 - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ خُزَيْمَةَ وَفَهْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَا : حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ الْهَادِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ عِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ وَكَانَ عِرْبَاضٌ رَجُلًا مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ ، قَالَ : خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمًا فَقَامَ ، فَوَعَظَ النَّاسَ وَرَغَّبَهُمْ وَحَذَّرَهُمْ ، وَقَالَ : مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ ، ثُمَّ قَالَ : اُعْبُدُوا اللَّهَ لَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَأَطِيعُوا مَنْ وَلَّاهُ اللَّهُ أَمْرَكُمْ ، وَلَا تُنَازِعُوا الْأَمْرَ أَهْلَهُ ، وَلَوْ كَانَ عَبْدًا أَسْوَدَ ، وَعَلَيْكُمْ بِمَا تَعْرِفُونَ مِنْ سُنَّةِ نَبِيِّكُمْ وَالْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ ، وَعَضُّوا عَلَى نَوَاجِذِكُمْ بِالْحَقِّ . 1346 - حدثنا أَبُو أُمَيَّةَ قَالَ : حدثنا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرٍو السُّلَمِيِّ ، عَنْ عِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي ، وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ . 1347 - حدثنا أَبُو أُمَيَّةَ قَالَ : حدثنا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ الْيَمَامِيُّ قَالَ : حدثنا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ قَالَ : حدثنا عَوْفٌ الْأَعْرَابِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهُوَ ابْنُ عَمْرٍو السُّلَمِيُّ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - قَالَ : دَخَلْت مَسْجِدَ دِمَشْقَ أَوْ حِمْصَ فَإِذَا رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُحَدِّثُهُمْ فَقَالَ : وَعَظَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَوْعِظَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ ، وَاقْشَعَرَّتْ مِنْهَا الْجُلُودُ ، وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ . فَقَالَ قَائِلٌ : كَأَنَّ هَذَا عِنْدَ الْوَدَاعِ مِنْك يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَأَوْصِنَا ! قَالَ : أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ ، وَلُزُومِكُمْ مِنْ بَعْدِي سُنَّتِي وَسُنَّةَ الْخُلَفَاءِ الْهَادِيَةِ الْمَهْدِيَّةِ ، وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ ! قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فِي هَذِهِ الْآثَارِ تَشْدِيدُ مَا فِي الْآثَارِ الَّتِي فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ ، وَكُلُّهَا يُصَدِّقُ بَعْضُهَا بَعْضًا ، وَتُخْبِرُ أَنَّ الْأَزْمِنَةَ تَخْتَلِفُ وَتَتَبَايَنُ ، وَأَنَّ كُلَّ زَمَانٍ مِنْهَا لَهُ حُكْمُهُ الَّذِي قَدْ بَيَّنَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأُمَّتِهِ وَأَعْلَمَهُمْ إيَّاهُ . وَعَلَّمَهُمْ بِمَا يَعْمَلُونَهُ فِيهِ فَعَلَى النَّاسِ التَّمَسُّكُ بِذَلِكَ وَلُزُومُهُ ، وَوَضْعُ كُلِّ أَمْرٍ مَوْضِعَهُ الَّذِي أَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِوَضْعِهِ فِيهِ ، وَأَنْ لَا يَخْرُجُوا عَنْ ذَلِكَ إلَى مَا سِوَاهُ . وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفيق .
660 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله : إن الله تبارك وتعالى وضع عن المسافر شطر صلاته . 4949 - حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، حدثنا روح بن عبادة حدثنا حماد ، عن أيوب ، عن أبي قلابة ، عن رجل من بني عامر أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يطعم ، فقال : هلم فكل فقال : إني صائم . فقال : ادن حتى أخبرك عن الصوم ، إن الله عز وجل وضع شطر الصلاة عن المسافر ، والصوم عن الحبلى والمرضع . 4950 - وحدثنا بكار بن قتيبة وإبراهيم بن مرزوق قالا : حدثنا أبو داود ، عن أبي عوانة ، عن أبي بشر ، عن هانئ بن عبد الله بن الشخير ، عن رجل من بلحريش قال : كنا نسافر ، فأتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يطعم ، فقال : هلم فاطعم ، فقلت : إني صائم فقال : هلم أحدثك عن الصيام ، إن الله وضع عن المسافر الصيام وشطر الصلاة . 4951 - حدثنا محمد بن عبد الله بن ميمون البغدادي ، حدثنا الوليد بن مسلم ، عن الأوزاعي ، عن يحيى بن أبي كثير ، حدثنا أبو قلابة ، حدثني أبو أمية قال : قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم من سفر ، فقال : ألا تنتظر الغداء يا أبا أمية ؟ فقلت : إني صائم . ثم ذكر مثله . 4952 - وحدثنا نصر بن مرزوق قال : حدثنا نعيم بن حماد ، حدثنا ابن المبارك ، أنبأنا ابن عيينة ، عن أيوب قال : حدثني أبو قلابة ، عن شيخ من بني قشير ، عن عمه ، ثم لقيناه يوما فقال له أبو قلابة : حدثه يعني أيوب فقال الشيخ : حدثني عمي أنه ذهب في إبل له ، فانتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يتغدى ، فقال : هلم إلى الغداء ، فقلت : إني صائم ، فقال : إن الله وضع عن المسافر نصف الصلاة والصوم . فقال قائل : قد رويت في الباب الذي قبل هذا الباب أن الصلاة فرضت أول ما فرضت ركعتين ، وأن الزيادة فيها على ذلك في الحضر طارئ على الركعتين ، وفيما رويته في هذا الباب : أن الله تعالى وضع عن المسافر شطر الصلاة ، ولا يضع إلا ما قد كان ثابتا قبل أن يضعه ، فهذا اختلاف شديد . فكان جوابنا له في ذلك أنه لا اختلاف في ذلك كما ذكر ؛ لأن معنى الوضع منه عز وجل تركه فرض ما وضعه عن من وضعه عنه ، وإن لم يكن كان مفروضا عليه قبل ذلك ، ومثل ذلك ما قد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مما قد أجمع المسلمون على تثبيتهم ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مما قد ذكرناه فيما تقدم منا من كتابنا هذا من قوله : رفع القلم عن ثلاثة : عن الصغير حتى يكبر ، وعن النائم حتى يستيقظ ، وعن المجنون حتى يفيق ، ولم يكن ما ذكر رفعه عنهم من ذلك كان مكتوبا عليهم قبل ذلك ، وإنما معنى رفع عنهم : فلم يكتب عليهم ، فمثل ذلك قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي ذكرناه في هذا الباب إن شاء الله تعالى وضع عن المسافر شطر الصلاة ، أي : لم يكتبه عليه ، لا أنه كان مكتوبا عليه قبل وضعه إياه عنه ، ثم وضعه عنه ، فبان بحمد الله تعالى ونعمته أن لا استحالة في شيء مما ذكرناه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الباب . والله نسأله التوفيق .
185 - باب بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ قَوْلِهِ : إذَا اخْتَلَفْتُمْ فِي طَرِيقٍ فَاجْعَلُوهُ سَبْعَةَ أَذْرُعٍ . 1348 - حدثنا فَهْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ : حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَصْبَهَانِيُّ قَالَ : حدثنا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجُعْفِيُّ ، عَنْ زَائِدَةَ ، عَنْ سِمَاكٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إذَا اخْتَلَفْتُمْ فِي طَرِيقٍ فَاجْعَلُوهُ سَبْعَةَ أَذْرُعٍ . 1349 - حدثنا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمُرَادِيُّ قَالَ : حدثنا أَسَدُ بْنُ مُوسَى قَالَ : حدثنا قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إذَا اخْتَلَفْتُمْ فِي سِكَّةٍ فَاجْعَلُوا سَبْعَ أَذْرُعٍ ، ثُمَّ ابْنُوا . 1350 - حدثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ قَالَ : حدثنا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : سَمِعْت الزُّبَيْرَ بْنَ الْخِرِّيتِ يُحَدِّثُ عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي طُرُقِهِمْ أَنَّهَا سَبْعَةُ أَذْرُعٍ . 1351 - حدثنا أَبُو أُمَيَّةَ قَالَ : حدثنا مُسْلِمُ بْنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ : حدثنا الْمُثَنَّى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : حدثنا قَتَادَةَ ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ كَعْبٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إذَا تَدَارَأْتُمْ فِي طَرِيقٍ فَاجْعَلُوهُ سَبْعَ أَذْرُعٍ . 1352 - حدثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُد قَالَ : حدثنا مُسَدَّدٌ قَالَ : حدثنا يَحْيَى ، عَنْ الْمُثَنَّى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ كَعْبٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إذَا اخْتَلَفْتُمْ فِي الطَّرِيقِ فَدَعُوا سَبْعَ أَذْرُعٍ . 1353 - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ خُزَيْمَةَ قَالَ : حدثنا الْمُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ قَالَ : حدثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُخْتَارِ ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إذَا اُخْتُلِفَ فِي الطَّرِيقِ جُعِلَ عَلَى سَبْعِ أَذْرُعٍ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَتَأَمَّلْنَا هَذَا الْحَدِيثَ ، فَلَمْ نَجِدْ لَهُ مَعْنًى أَوْلَى أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ ، وَأَنْ يُصْرَفَ وَجْهُهُ إلَيْهِ مِنْ الطُّرُقِ الْمُبْتَدَأَةِ إذَا اُخْتُلِفَ مُبْتَدَئوهَا فِي الْمِقْدَارِ الَّذِي يُوقِفُونَهُ لَهَا مِنْ الْمَوَاضِعِ الَّتِي يُحَاوِلُونَ اتِّخَاذَهَا فِيهَا كَالْقَوْمِ يَفْتَتِحُونَ الْمَدِينَةَ مِنْ مَدَائِنِ الْعَدُوِّ ، فَيُرِيدُ الْإِمَامُ قَسْمَهَا بَيْنَهُمْ وَيُرِيدُ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يَجْعَلَ فِيهَا طُرُقًا لِمَنْ يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يَسْلُكَهَا مِنْ النَّاسِ إلَى مَا سِوَاهَا مِنْ الْبُلْدَانِ ، وَلَا يَجِدُهَا مِمَّا قَدْ كَانَ الْمُفْتَتَحَةُ عَلَيْهِمْ أَحْكَمُوا ذَلِكَ فِيهَا فَيُجْعَلُ سَعَةَ كُلِّ طَرِيقٍ مِنْهَا سَبْعَ أَذْرُعٍ عَلَى مَا فِي هَذِهِ الْآثَارِ . وَمِثْلُ ذَلِكَ أَيْضًا الْأَرْضُ الْمَوَاتُ يُقْطِعُهَا الْإِمَامُ رَجُلًا ، وَيَجْعَلُ إلَيْهِ إحْيَاءَهَا وَدَفْعَ طَرِيقٍ مِنْهَا لِاجْتِيَازِ النَّاسِ فِيهِ مِنْهَا إلَى مَا سِوَاهَا ، فَيَكُونُ ذَلِكَ الطَّرِيقُ كَذَلِكَ سَعَتُهُ هَذَا الْمِقْدَارُ . وَلَمْ نَجِدْ لِهَذَا الْحَدِيثِ مَعْنًى هُوَ أَوْلَى بِهِ مِنْ هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِمُرَادِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهَا . وَإِيَّاهُ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
845- باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من تخييره الأعرابي بعد ابتياعه منه ما كان ابتاعه منه . 6238 - حدثنا فهد بن سليمان ، قال : حدثنا عبد الله بن صالح ، قال : حدثني الليث بن سعد ، قال : حدثني بعض من أرضى ، عن عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج ، أن أبا الزبير حدثه ، عن جابر بن عبد الله ، أنه قال : اشترى النبي - صلى الله عليه وسلم - من أعرابي - قال : حسبت أن أبا الزبير ، قال : من بني عامر بن صعصعة - حمل قرط أو حمل خبط ، فلما وجب له ، قال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : اختر ، فقال الأعرابي : إن رأيت مثل اليوم قط بيعا خير بائعه ، ممن أنت ؟ قال : من قريش . قال أبو جعفر : وبعض الناس يزعم أن الرجل الذي سكت الليث عن اسمه في هذا الحديث ، هو عبد الله بن وهب ، فكان بعض الناس ممن يذهب إلى أن للمتبايعين الخيار فيما يتبايعانه بعد تعاقدهما البيع حتى يتفرقا بعد البيع ، يحتج لما يقول في ذلك بما في هذا الحديث ؛ لأن في بعض ما روي في ذلك : أو يقول أحدهما لصاحبه : اختر اختر . وقد ذكرنا ذلك وما قد روي فيه ، وما قاله أهل العلم فيه فيما تقدم منا في كتابنا هذا ، وكان فيما ذكرنا من ذلك تحقيقنا أن ذلك التخيير مما يعقد البيع عليه ، وينقطع بتمام العقد ، واحتججنا لذلك بحديث الليث الذي رواه في ذلك ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من قوله : أو يخير أحدهما الآخر ، فإذا خير أحدهما الآخر وتبايعا عن ذلك ، فقد وجب البيع . فحققنا أن ذلك التخيير مما يعقد البيع عليه ليس على تخيير يكون من أحد المتبايعين صاحبه بعد البيع ، فكان ما في هذا الحديث الذي رويناه في هذا الباب ، فلما وجب - يعني المبيع -قال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: يعني الأعرابي - : اختر فكان في ذلك ما قد دل على وجوب البيع بينهما قبل ذلك التخيير . فقال قائل : فما كان معنى تخيير النبي - صلى الله عليه وسلم - المذكور في هذا الحديث للأعرابي الذي خيره فيه ؟ فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله - عز وجل وعونه - : أن ذلك كان منه - صلى الله عليه وسلم - للذي قد رواه أبو هريرة عنه 6239 - مما قد حدثنا محمد بن حرب المدني أبو عبد الله ، قال : حدثنا إسحاق بن محمد الفروي ، قال : حدثنا مالك بن أنس ، عن سمي ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : من أقال نادما بيعته ، أقاله الله - عز وجل - عثرته يوم القيامة . فخير النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك الأعرابي فيما كان ابتاعه منه ؛ ليكون له ثواب مقيل نادم فيما باع المذكور ذلك الثواب في هذا الحديث إن كان نادما فيما باعه إياه ، وقد روي أن ذلك الابتياع الذي كان من النبي - صلى الله عليه وسلم - لبائعه ذلك المبيع ، كان في بيع تبايعاه قبل أن يبعث النبي - صلى الله عليه وسلم - وقبل أن ينبأ 6240 - كما حدثنا يحيى بن عثمان ، قال : حدثنا نعيم بن حماد ، قال : حدثنا ابن المبارك ، قال : أخبرنا معمر ، عن ابن طاوس ، عن أبيه ، قال : ابتاع النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل النبوة من أعرابي بعيرا ، أو غير ذلك ، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد البيع : اختر ، فنظر الأعرابي ، وقال له : لعمرك الله من أنت ؟ فلما كان الإسلام ، جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - الخيار بعد البيع . ففي ذلك ما قد دل أن ما كان من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل أن تكون الأحكام والشرائع ، فقال هذا القائل : فإن في هذا الحديث : فلما كان الإسلام جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - الخيار بعد البيع . فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله - عز وجل وعونه - : أن ذلك الخيار قد يحتمل أن يكون على الاختيار لا على الوجوب ، ويكون الملتمس في ذلك هو الملتمس فيما قد ذكرناه في تأويل الحديث الذي قد ذكرناه في أول هذا الباب ، والله نسأله التوفيق . وقد روي عن ابن عباس ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذا المعنى أيضا . 6241 - ما قد حدثنا أحمد بن داود بن موسى ، قال : حدثنا إبراهيم بن محمد بن عرعرة ، قال : حدثنا أبو داود ، عن سليمان بن معاذ ، قال : حدثني سماك بن حرب ، عن عكرمة ، عن ابن عباس : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بايع رجلا ، فلما تبايعا ، قال له : اختر ، قال : قد اخترت ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : هكذا البيع . فقال الذين يذهبون إلى وجوب الخيار للمتبايعين بعد البيع ، أو يخير أحدهما صاحبه : قد دل هذا الحديث على مذهبنا هذا ، ووكده قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : هكذا البيع ، ولم يكن في هذا الحديث عندنا زيادة على ما ذكرناه من معنى الحديث الأول ، وكان معنى قوله - صلى الله عليه وسلم - : هكذا البيع محتملا أن يكون هكذا البيع الذي يبيع الناس أن يجروا بياعاتهم عليه من تخيير بعضهم بعضا فيها ، حتى يصيبوا بذلك المعنى الذي في حديث أبي هريرة الذي ذكرناه في هذا الباب في إقالة النادم بيعته ، وبالله التوفيق .
186 - باب بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ قَوْلِهِ : وَارْفَعُوا عَنْ بَطْنِ عُرَنَةَ ، يَعْنِي فِي الْوُقُوفِ . 1354 - حدثنا إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ يُونُسَ الْبَغْدَادِيُّ قَالَ : حدثنا أَبُو الْأَشْعَثِ أَحْمَدُ بْنُ الْمِقْدَامِ الْعِجْلِيّ قَالَ : حدثنا ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : عَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ ، وَارْفَعُوا عَنْ بَطْنِ عُرَنَةَ . وَالْمُزْدَلِفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ ، وَارْفَعُوا عَنْ بَطْنِ مُحَسِّرٍ . وَشِعَابُ مِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَلَمْ نَجِدْ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ رِوَايَةِ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ عُيَيْنَةَ فِي إسْنَادِهِ أَتَمَّ مِنْهُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي الْأَشْعَثِ . وَقَدْ حدثنا عِيسَى بْنُ إبْرَاهِيمَ الْغَافِقِيُّ بِهِ نَاقِصًا فِي إسْنَادِهِ وَفِي مَتْنِهِ جَمِيعًا . 1355 - حدثنا عِيسَى بْنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ : حدثنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ وَلَمْ يَذْكُرْ زِيَادًا ، عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : ارْفَعُوا عَنْ مُحَسِّرٍ ، وَعَلَيْكُمْ بِحَصَى الْخَذْفِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَاحْتَجْنَا إلَى الْوُقُوفِ عَلَى قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ارْفَعُوا عَنْ بَطْنِ عُرَنَةَ ؛ مَا الَّذِي يُرِيدُ بِهِ ؟ هَلْ هُوَ لِأَنَّ بَطْنَ عُرَنَةَ لَيْسَ مِنْ عَرَفَةَ الَّتِي يُوقَفُ بِهَا لِلْحَجِّ ؟ أَمْ لِغَيْرِ ذَلِكَ ؟ 1356 - فَوَجَدْنَا بَكَّارَ بْنَ قُتَيْبَةَ قَدْ حدثنا قَالَ : حدثنا أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ الْأَسَدِيُّ الْكُوفِيُّ قَالَ : حدثنا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَيَّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : وَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِعَرَفَةَ فَقَالَ : هَذِهِ عَرَفَةُ وَهَذَا الْمَوْقِفُ وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ ، وَجُمَعُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ . 1357 - وَوَجَدْنَا يُونُسَ بْنَ عَبْدِ الْأَعْلَى قَدْ حدثنا قَالَ : حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ اللَّيْثِيُّ أَنَّ عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : كُلُّ عَرَفَةَ مَوْقِفٌ ، وَكُلُّ الْمُزْدَلِفَةِ مَوْقِفٌ . 1358 - وَوَجَدْنَا مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ تَمَّامٍ الْكَلْبِيَّ أَبَا الْكَرَوَّسِ قَدْ حدثنا قَالَ : حدثنا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْر قَالَ : حَدَّثَنِي مَيْمُونُ بْنُ يَحْيَى بْنِ مُسْلِمِ بْنِ الْأَشَجِّ ، عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ بُكَيْر بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : سَمِعْت أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ يَقُولُ : سَمِعْت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي حُسَيْنٍ يُخْبِرُ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وَعَطَاءٌ جَالِسٌ يَسْمَعُ قَالَ : قَالَ عَطَاءٌ : سَمِعْت جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ السُّلَمِيَّ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : كُلُّ عَرَفَةَ مَوْقِفٌ ، وَكُلُّ الْمُزْدَلِفَةِ مَوْقِفٌ ، وَكُلُّ مِنًى مَنْحَرٌ ، وَكُلُّ فِجَاجِ مَكَّةَ طَرِيقٌ وَمَنْحَرٌ . 1359 - وَوَجَدْنَا أَحْمَدَ بْنَ شُعَيْبٍ قَدْ حدثنا قَالَ : حدثنا يَعْقُوبُ بْنُ إبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ قَالَ : حدثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : حدثنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : أَتَيْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ فَسَأَلْنَاهُ عَنْ حَجَّةِ النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَحدثنا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : عَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَاحْتَجْنَا إلَى أَنْ نَقِفَ عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي بِهِ أُمِرَ بِالرَّفْعِ عَنْ بَطْنِ عُرَنَةَ مَا الْمُرَادُ بِهِ ؟ 1360 - فَوَجَدْنَا أَبَا أُمَيَّةَ قَدْ حدثنا قَالَ : حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادِ بْنِ زَبَّارٍ الْكَلْبِيُّ قَالَ : حدثنا شَرْقِيُّ بْنُ قُطَامِيٍّ ، عَنْ أَبِي طَلْقٍ الْعَائِذِيِّ ، عَنْ شَرَاحِيلَ بْنِ الْقَعْقَاعِ قَالَ : سَمِعْت عَمْرَو بْنَ مَعْدِيِّ يَقُولُ : كُنَّا عَشِيَّةَ عَرَفَةَ بِبَطْنِ عُرَنَةَ نَتَخَوَّفُ أَنْ يَخْطَفَنَا الْجِنُّ ، فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَجِيزُوا إلَيْهِمْ ؛ فَإِنَّهُمْ إنْ أَسْلَمُوا إخْوَانُكُمْ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : هَكَذَا حدثناهُ أَبُو أُمَيَّةَ ؛ فَإِنَّهُمْ إنْ أَسْلَمُوا إخْوَانُكُمْ ، وَهُوَ عِنْدَنَا - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - فَإِنَّهُمْ إذْ أَسْلَمُوا إخْوَانُكُمْ ، أَيْ إذْ صَارُوا مُسْلِمِينَ . فَكَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقِفُونَ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ بِبَطْنِ عُرَنَةَ خَوْفًا مِنْهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنْ يَخْطَفَهُمْ الْجِنُّ ، وَأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَهُمْ أَنْ يُجِيزُوا إلَيْهِمْ أَيْ مَا سِوَى بَطْنِ عُرَنَةَ مِنْ عَرَفَةَ ، وَهِيَ الْمَوَاضِعُ الَّتِي كَانَتْ الْجِنُّ فِيهَا قَبْلَ ذَلِكَ ، وَكَانُوا يَتَخَوَّفُونَ إنْ وَقَفُوا بِهَا مِنْ غَوَائِلِهِمْ مَا كَانُوا يَتَخَوَّفُونَهُ ، فَأَعْلَمَهُمْ النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُمْ إخْوَانُهُمْ ؛ إذْ قَدْ أَسْلَمُوا وَفِي ذَلِكَ مَا قَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّ أَمْرَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - النَّاسَ بِذَلِكَ كَانَ بَعْدَ إسْلَامِ الْجِنِّ . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : أَفَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْجِنُّ كَانُوا قَبْلَ إسْلَامِهِمْ يَحُجُّونَ ؟ قِيلَ لَهُ : وَمَا تُنْكِرُ مِنْ ذَلِكَ ؟ قَدْ كَانَ كُفَّارُ الْآدَمِيِّينَ يَحُجُّونَ كَمَا يَحُجُّ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى نَسَخَ اللَّهُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا . وَكَانَ ذَلِكَ النَّسْخُ مِمَّا كَانَ مِنْ النِّذَارَةِ الَّتِي أُنْذِرُوا بِهَا فِي الْحَجَّةِ الَّتِي حَجَّهَا أَبُو بَكْرٍ وَسَنَذْكُرُ ذَلِكَ ، وَمَا قَدْ رُوِيَ عَنْهُ فِيهِ فِي مَوْضِعِهِ مِمَّا بَعْدُ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ . وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
659 - باب بيان مشكل ما اختلف فيه أهل العلم من إباحة إتمام الصلاة في السفر للمسافر ومن منعه من ذلك بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم فيه . 4941 - حدثنا فهد ، حدثنا أبو نعيم ، حدثنا العلاء بن زهير الأزدي ، حدثنا عبد الرحمن بن الأسود ، عن عائشة رضي الله عنها أنها اعتمرت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة ، حتى إذا قدمت مكة قالت : يا رسول الله ، بأبي أنت وأمي قصرت وأتممت وصمت وأفطرت ! قال : أحسنت يا عائشة ، وما عاب ذلك عليها فكان ظاهر هذا الحديث على أن عائشة كانت قد قصرت الصلاة مرة وأتمتها مرة ، فكان ذلك مما احتج من أباح للمسافر إتمام الصلاة في سفره . 4942 - غير أن ابن أبي مريم حدثنا هذا الحديث ، عن الفريابي فقال فيه : حدثنا الفريابي ، حدثنا العلاء بن زهير ، حدثني عبد الرحمن بن الأسود ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم في عمرة رمضان ، فأفطر رسول الله صلى الله عليه وسلم وصمت ، وقصر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتممت ، فلما قدمنا مكة قلت : يا رسول الله ، أفطرت وصمت ، وقصرت وأتممت . ولم يذكر في حديثه غير هذا . فدل ذلك أن التقصير كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن الإتمام كان من عائشة رضي الله عنها ، واحتجنا إلى أن نقف على سماع عبد الرحمن من عائشة ، إذ كان عامة أحاديثه التي ترجع إلى عائشة إنما هي عن أبيه عنها ، فنظرنا في ذلك ، 4943 - فوجدنا فهدا قد حدثنا قال : حدثنا أبو نعيم ، حدثنا العلاء بن زهير ، حدثني عبد الرحمن بن الأسود قال : كنت أدخل على عائشة بغير إذن ، حتى إذا احتلمت سلمت واستأذنت ، فعرفت صوتي ، فقالت : هي يا عدي نفسه ، فعلتها ؟ ! قلت : نعم يا أماه ، قالت : ادخل يا بني ، فأقبلت ، فسألتني عن أبي وأصحابه ، فأخبرتها ، ثم سألتها عما أرسلوني به إليها . فكان في هذا الحديث تثبيت سماع عبد الرحمن من عائشة . ثم تأملنا ما في حديثه هذا ، فوجدناه بعيدا من القلوب ، إذ كان قد روى عن عائشة من موضعه في صحبتها وفي الأخذ عنها وفي الفقه والجلالة وقبول الرواية فوق ما له من ذلك ، وهما مسروق بن الأجدع وعروة بن الزبير . 4944 - كما حدثنا ابن أبي داود ، حدثنا أبو عمر الحوضي ، حدثنا مرجى بن رجاء ، حدثنا داود وهو ابن أبي هند ، عن الشعبي ، عن مسروق ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : أول ما فرضت الصلاة ركعتين ركعتين ، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة صلى إلى كل صلاة مثلها غير المغرب ؛ فإنها وتر النهار ، وصلاة الصبح لطول قراءتها ، وكان إذا سافر عاد إلى صلاته الأولى . 4945 - وكما حدثنا يونس ، أنبأنا ابن وهب أن مالكا أخبره ، عن صالح بن كيسان ، عن عروة ، عن عائشة قالت : فرضت الصلاة أول ما فرضت ركعتين ، فأقرت صلاة السفر ، وزيد في صلاة الحضر . 4946 - وكما حدثنا صالح بن عبد الرحمن الأنصاري ، حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي ، حدثنا مالك . ثم ذكر بإسناده مثله . 4947 - وكما حدثنا عبد الغني بن أبي عقيل ، حدثنا سفيان بن عيينة ، عن ابن شهاب ، عن عروة ، عن عائشة أن الصلاة أول ما فرضت ركعتان ، فأقرت صلاة السفر ، وأتمت صلاة الحضر ، قال ابن شهاب : فقلت لعروة فما بال عائشة كانت تتم في السفر ؟ قال : إنها تأولت ما تأوله عثمان رضي الله عنهما . فكان فيما روينا عن مسروق وعن عروة ، عن عائشة ما قد حقق أن فرض الصلاة في السفر ركعتان ، كما فرضها في الحضر أربع ركعات ، وكان من صلى الظهر في الحضر ثمانيا غير محسن عند أحد من أهل العلم ؛ لأنه خلط فرضه في صلاته بغيره مما ليس منها ، فكان مثل ذلك من صلى الظهر في سفره أربعا كذلك ؛ لأنه خلط فرضه في صلاته بما ليس منه . ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم في حديث معاوية الذي قد رويناه عنه فيما تقدم منا من كتابنا هذا فيمن صلى صلاة مكتوبة ، ثم أراد أن يصلي بعدها أن لا يفعل حتى يقوم أو يتكلم ، فإذا كان هذا النهي من رسول الله صلى الله عليه وسلم للمصلي وقد سلم من صلاته ، كان نهيه لمن فعل ذلك ولم يسلم من صلاته أوكد ، وكان فاعل ذلك في خلافه إياه فيما أمر به مما ذكرناه أكثر . ولعائشة كانت لعلمها ولمعرفتها ولموضعها من الإسلام بالاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم في فعله على ما يجب أن يكون عليه مثلها ، وكيف وقد وافقها فيما روت عنه صلى الله عليه وسلم في فرض الصلاة في السفر عبد الله بن عباس ؟ . 4948 - كما حدثنا الربيع المرادي ، حدثنا أسد ، حدثنا حاتم بن إسماعيل ، حدثنا أسامة بن زيد قال : سألت طاووسا عن التطوع في السفر ، فقال : وما يمنعك ؟ فقال الحسن بن مسلم : أنا أحدثك ، أنا سألت طاووسا عن هذا ، فقال : قال ابن عباس : فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين . فكما يتطوع هاهنا قبلها ومن بعدها ، فكذلك يصلي في السفر قبلها وبعدها . ففي حديث ابن عباس رضي الله عنهما هذا أن فرض الصلاة في السفر من رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتان ، وكان معقولا أن من زاد على فرضه في صلاته في السفر كمن زاد على فرضه في صلاته في الحضر ، وإذا كان ذلك غير محمود من فاعله في الحضر كان غير محمود أيضا من فاعله في السفر ، فانتفى بذلك حديث عبد الرحمن الذي ذكرنا ، وثبت عن عائشة رضي الله عنها حديثا مسروق وعروة اللذان ذكرنا . والله نسأله التوفيق .
187 - باب بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الدَّلِيلِ عَلَى مُرَادِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِقَوْلِهِ : فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ . الْآيَةَ . 1361 - حدثنا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمُرَادِيُّ قَالَ : حدثنا أَسَدُ بْنُ مُوسَى قَالَ : حدثنا حَاتِمُ بْنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ : حدثنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فِي حَدِيثِهِ عَنْ حَجَّةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا صَلَّى الصُّبْحَ يَوْمَ عَرَفَةَ بِمِنًى مَكَثَ قَلِيلًا حَتَّى طَلَعَتْ الشَّمْسُ ، فَرَكِبَ وَأَمَرَ بِقُبَّةٍ مِنْ شَعْرٍ فَنُصِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ ، فَسَارَ وَلَا تَشُكُّ قُرَيْشٌ إلَّا أَنَّهُ وَاقِفٌ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ كَمَا كَانَتْ قُرَيْشٌ تَصْنَعُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، فَأَجَازَ حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ فَوَجَدَ الْقُبَّةَ قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ ، فَنَزَلَ بِهَا حَتَّى إذَا زَاغَتْ الشَّمْسُ أَمَرَ بِالْقَصْوَاءِ ، فَرَحَلَتْ لَهُ فَرَكِبَ حَتَّى إذَا أَتَى بَطْنَ الْوَادِي ، فَخَطَبَ النَّاسَ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ قُرَيْشًا كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ تَقِفُ يَوْمَ عَرَفَةَ فِي خِلَافِ الْمَوْضِعِ الَّذِي يَقِفُ النَّاسُ بِهِ الْيَوْمَ بِعَرَفَةَ لِحَجِّهِمْ ، وَذَلِكَ عِنْدَنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ؛ لِأَنَّ عَرَفَةَ لَيْسَتْ مِنْ الْحَرَمِ ، وَكَانَتْ قُرَيْشٌ لَا تُجَاوِزُ الْحَرَمَ ، وَلَا تَقِفُ لِحَجِّهَا فِي يَوْمِ عَرَفَةَ إلَّا فِي مَوْضِعٍ مِنْ الْحَرَمِ ، وَكَانَ الْمَوْضِعُ الَّذِي كَانَتْ تَقِفُهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ فِيهِ هُوَ الْمُزْدَلِفَةُ . 1362 - كَمَا حدثنا إسْمَاعِيلُ بْنُ يَحْيَى الْمُزَنِيّ قَالَ : حدثنا الشَّافِعِيُّ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : ذَهَبْت أَطْلُبُ بَعِيرًا لِي يَوْمَ عَرَفَةَ ، فَخَرَجْت فَإِذَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ بَيْنَ النَّاسِ . فَقُلْت : إنَّ هَذَا مِنْ الْحُمْسِ فَمَا لَهُ خَرَجَ مِنْ الْحَرَمِ ؟ يَعْنِي بِالْحُمْسِ قُرَيْشًا ، وَكَانَتْ قُرَيْشٌ تَقِفُ بِالْمُزْدَلِفَةِ وَتَقُولُ : نَحْنُ الْحُمْسُ ، لَا نُجَاوِزُ الْحَرَمَ . 1363 - وَكَمَا حدثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ : حدثنا إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ يَعْنِي ابْنَ رَاهْوَيْهِ قَالَ : حدثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ قَالَ : حدثنا هِشَامٌ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَتْ قُرَيْشٌ تَقِفُ بِالْمُزْدَلِفَةِ وَتَسَمَّوْا الْحُمْسَ ، وَسَائِرُ الْعَرَبِ تَقِفُ بِعَرَفَةَ ، فَأَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ نَبِيَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَقِفَ بِعَرَفَةَ ثُمَّ يَدْفَعَ مِنْهَا ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَدَلَّ هَذَانِ الْحَدِيثَانِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لِتَوْفِيقِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إيَّاهُ وَلِتَوَلِّيهِ لَهُ قَدْ كَانَ يَقِفُ يَوْمَ عَرَفَةَ حَيْثُ يَقِفُ النَّاسُ سِوَى قُرَيْشٍ ، وَكَانَ قَوْلُ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ : فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ - دَلِيلًا عَلَى أَنَّ الْإِفَاضَةَ مِنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ قَدْ كَانَ مِنْهُمْ قَبْلَهَا وُقُوفٌ فِيهِ . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هَذَا الْمَعْنَى . 1364 - مَا حدثنا يُونُسُ قَالَ : حدثنا سُفْيَانُ ، عَنْ عَمْرٍو ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَفْوَانَ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ شَيْبَانَ قَالَ : أَتَانَا ابْنُ مِرْبَعٍ الْأَنْصَارِيُّ بِعَرَفَةَ وَنَحْنُ بِمَكَانٍ مِنْ الْمَوْقِفِ بَعِيدٍ يُبْعِدُهُ عَمْرٌو ، فَقَالَ : أَنَا رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – إلَيْكُمْ يَقُولُ : كُونُوا عَلَى مَشَاعِرِكُمْ هَذِهِ ؛ فَإِنَّكُمْ عَلَى إرْثٍ مِنْ إرْثِ إبْرَاهِيمَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَكَذَا حدثنا يُونُسُ . 1365 - وَقَدْ حدثناهُ الْمُزَنِيّ قَبْلَ ذَلِكَ قَالَ : حدثنا الشَّافِعِيُّ ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَفْوَانَ وَلَمْ يَذْكُرْ عَمْرًا ، عَنْ خَالٍ لَهُ قَالَ : كُنَّا فِي مَوْقِفٍ لَنَا بِعَرَفَةَ ، ثُمَّ ذَكَرَ بَقِيَّةَ هَذَا الْحَدِيثِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَدَلَّ ذَلِكَ أَنَّ عَرَفَةَ قَدْ كَانَتْ مِنْ مَوَاقِفِ إبْرَاهِيمَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْحَجِّ حَيْثُ يَقِفُ النَّاسُ الْيَوْمَ لِحَجِّهِمْ ، وَأَمَّا أَمْرُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِالِارْتِفَاعِ عَنْ مُحَسِّرٍ ، وَمُحَسِّرٌ مِنْ مُزْدَلِفَةَ - فَذَلِكَ لِمَعْنًى سِوَى هَذَا الْمَعْنَى قَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِخُرُوجِهِ عَنْ مَشَاعِرِ إبْرَاهِيمَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَرَ النَّاسَ بِالرَّفْعِ عَنْهُ وَبِالرُّجُوعِ إلَى مَشَاعِرِ إبْرَاهِيمَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِمُرَادِهِ فِي ذَلِكَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَباَللَّهَ التَّوْفِيقَ .
846- باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أمره عمر أو عميرا مولى آل آبي اللحم لما سأله ما سأله من غنائم خيبر أن يتقلد السيف قبل أن يأمر له بشيء منها . 6242 - حدثنا يونس ، قال : حدثنا عبد الله بن وهب ، قال : أخبرني عثمان بن الحكم الجذامي ، عن محمد بن زيد بن مهاجر ، أنه حدثه ، قال : حدثني عمير مولى آل آبي اللحم ، قال : كنت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين افتتح خيبر ، فقمت ، فقلت : يا رسول الله سهمي ، فقال : خذ هذا السيف فتقلده ، قال : فتقلدته ، فخطت نعله ، قال : فأمر لي من الخرثي ، قال عثمان : فقلت له : وكان يومئذ عبدا ؟ قال : لا أدري ، حق ما قيل حق . ففي هذا الحديث أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر هذا الرجل المذكور فيه أن يتقلد السيف ، وأنه لما تقلده خطت نعله في الأرض ، فأمر له من الخرثي ، بما أمر له به منه . فتأملنا هذا الحديث لنقف على المعنى الذي من أجله أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يتقلد السيف ، مع تركه أمر غيره من الناس ممن كان معه حينئذ بذلك ؛ لنقف على المراد به إن شاء الله ، فنظرنا : هل كان في ذلك الرجل معنى يبين به من غيره ممن كان حينئذ حاضرا لذلك الفتح ؟ . 6243 - فوجدنا علي بن معبد قد حدثنا ، قال : حدثنا أبو نوح عبد الرحمن بن غزوان ، قال : حدثنا هشام بن سعد ، عن محمد بن زيد بن مهاجر ، عن عمير -مولى آبي اللحم - قال : جئت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو بخيبر وعنده الغنائم ، وأنا عبد مملوك ، فقلت : يا رسول الله أعطني ، قال : تقلد السيف ، فتقلدته ، فوقع بالأرض ، فأعطاني من خرثي المتاع . فوقفنا بما في هذا الحديث على أن ذلك الرجل كان عبدا ، وكانت سنته - صلى الله عليه وسلم - في العبيد إذا حضروا القتال أن لا يضرب لهم بسهم ، ولكن يجزيهم من الغنائم التي تكون عن ذلك القتال 6244 - كما حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، قال : حدثنا وهب بن جرير ، قال : حدثنا أبي ، قال : سمعت قيسا -يعني قيس بن سعد - يحدث عن يزيد بن هرمز ، قال : كتب نجدة بن عامر إلى ابن عباس يسأله عن المرأة والعبد إذا حضرا البأس ، هل يسهم لهما ؟ فكتب إليه ابن عباس -وأنا شاهد - : لم يكن يسهم لهما إذا حضرا البأس إلا أن يحذيا من غنائم القوم . ولما كانت سنته في العبيد إذا حضروا القتال ما قد ذكرنا ، عقلنا أن ذلك الذي كان يحذيهم به من الغنائم إنما كان على قدر غنائهم في القتال الذي كانت تلك الغنائم عنه ، ولم يكونوا في سنته كمن سواهم من الأحرار في ذلك ؛ لأن الأحرار قد تولى الله - عز وجل - مقادير سهمانهم من الغنائم ، وسوى بين قويهم وضعيفهم فيها ، وكان العبيد فيما ذكرنا بخلاف ذلك مما وصفنا ، فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك الرجل المذكور في هذا الحديث أن يتقلد السيف ليعلم مقدار غنائه كان في ذلك القتال ، فيعطيه من الغنائم التي كانت عنه بحسب ذلك . فقال قائل : وكيف يجوز أن يعطيه من الغنائم ما يستحقه بقتاله منها ؟ وإنما الذي يستحقه لمن يملكه ، وليس فيما رويتم ما يدل على أن من كان يملكه قد أباح للنبي - صلى الله عليه وسلم - إعطاءه ذلك ، وتسليمه إليه . فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله - عز وجل وعونه - : أنه قد روي أن الذين كانوا يملكونه قد سألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذلك ، وأباحوه إياه 6245 - كما حدثنا إبراهيم بن أبي داود ، قال : حدثنا علي بن عثمان اللاحقي ، قال : حدثنا بشر بن المفضل ، عن محمد بن زيد بن المهاجر ، عن عمير -مولى آبي اللحم - قال : شهدت خيبر مع سادتي ، فكلموا في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأخبروه أني مملوك ، فأمرني ، فتقلدت السيف ، فإذا أنا أجره ، فأمر لي بشيء من خرثي المتاع . فعقلنا بذلك : أن دفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى ذلك المملوك ما دفع إليه مما هو لمن يملكه ، كان بسؤال من يملكه إياه ذلك ، فبان بحمد الله ونعمته لما جمعت هذه الآثار أن جميع ما روي فيها غير خارج عن شيء من سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا من أحكامه ، والله نسأله التوفيق .
188 - باب بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي تَأْوِيلِ قَوْلِ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ : وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ . 1366 - حدثنا بَكَّارَ بْنُ قُتَيْبَةَ قَالَ : حدثنا أَبُو دَاوُد قَالَ : حدثنا شُعْبَةُ قَالَ : أَخْبَرَنِي خُبَيْبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ : سَمِعْت حَفْصَ بْنَ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يُحَدِّثُ ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى أَنَّهُ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ قَائِمًا يُصَلِّي فَدَعَاهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمَّا صَلَّى أَتَاهُ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَا مَنَعَك أَنْ تُجِيبَنِي ؟ أَمَا سَمِعْت اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ : يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ ؟ الْآيَةَ ، ثُمَّ قَالَ لِي : أَلَا أُعَلِّمُك سُورَةً أَعْظَمَ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ قَبْلَ أَنْ أَخْرُجَ مِنْ الْمَسْجِدِ ؟ فَمَشَيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى كَادَ أَنْ يَبْلُغَ بَابَ الْمَسْجِدِ ، فَذَكَّرْتُهُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : فَاتِحَةُ الْكِتَابِ هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ . 1367 - حدثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ قَالَ : حدثنا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى الْأَنْصَارِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَعَاهُ وَهُوَ يُصَلِّي فَصَلَّى ، ثُمَّ أَتَاهُ فَقَالَ : مَا مَنَعَك أَنْ تُجِيبَنِي إذْ دَعَوْتُك ؟ قَالَ : إنِّي كُنْت أُصَلِّي ! قَالَ : أَلَمْ يَقُلْ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ ، الْآيَةَ . ثُمَّ قَالَ : أَلَا أُعَلِّمُك أَعْظَمَ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ ؟ فَكَأَنَّهُ نَسِيَهَا أَوْ نُسِّيَ ، قُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، الَّذِي قُلْت ؟ قَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ . 1368 - حدثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ قَالَ : حدثنا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ الْيَمَامِيُّ قَالَ : حدثنا جَهْضَمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِيهِ . عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إنَّ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَسُورَةً مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيَّ مِثْلَهَا ، فَسَأَلَهُ أُبَيٌّ عَنْهَا ، فَقَالَ : إنِّي لَأَرْجُو أَنْ لَا تَخْرُجَ مِنْ الْبَابِ حَتَّى تَعْلَمَهَا ، فَجَعَلْت أَتَبَاطَأُ ، ثُمَّ سَأَلَهُ أُبَيٌّ عَنْهَا ، فَقَالَ : كَيْفَ تَقْرَأُ إذَا قُمْت فِي صَلَاتِك ؟ قُلْت : أُمَّ الْكِتَابِ . قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي التَّوْرَاةِ وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ أَوْ قَالَ : الْفُرْقَانِ مِثْلَهَا ، إنَّهَا السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُعْطِيتُهُ . 1369 - حدثنا يُوسُفُ بْنُ يَزِيدَ ، قَالَ : حدثنا حَجَّاجُ بْنُ إبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حدثنا إسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ ، عَنْ الْعَلَاءِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : - وَقَرَأَ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أُمَّ الْقُرْآنِ - فَقَالَ : وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي التَّوْرَاةِ ، وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ ، وَلَا فِي الزَّبُورِ ، وَلَا فِي الْفُرْقَانِ مِثْلَهَا ؛ إنَّهَا لَسَبْعٌ مِنْ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُعْطِيتُهُ . 1370 - حدثنا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمُرَادِيُّ ، قَالَ : حدثنا أَسَدُ بْنُ مُوسَى ، قَالَ : حدثنا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : الْحَمْدُ لِلَّهِ هِيَ أُمُّ الْقُرْآنِ ، وَالسَّبْعُ الْمَثَانِي ، وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَفِي هَذِهِ الْآثَارِ أَنَّ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ . 1371 - وَقَدْ رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي ذَلِكَ : مَا حدثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ ، قَالَ : حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ الْبُرْسَانِيُّ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، أَنَّ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ، قَالَ : وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنْ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ . قَالَ : وَقَرَأَهَا عَلَيَّ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْآيَةَ السَّابِعَةَ . وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ قَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ : قَدْ أَخْرَجَهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَكُمْ ، وَمَا أَخْرَجَهَا لِأَحَدٍ قَبْلَكُمْ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ . 1372 - حدثنا بَكَّارَ بْنُ قُتَيْبَةَ قَالَ : حدثنا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : أخبرنا ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ : وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنْ الْمَثَانِي . قَالَ : فَاتِحَةُ الْكِتَابِ ، ثُمَّ قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، وَقَالَ : هِيَ الْآيَةُ السَّابِعَةُ . وَقَرَأَ عَلَيَّ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ كَمَا قَرَأَ عَلَيْهِ ابْنُ عَبَّاسٍ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَكَانَ مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ خِلَاف مَا فِي حَدِيثِ ابْنِ مَرْزُوقٍ ، وَذَلِكَ أَنَّ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَرْزُوقٍ أَنَّهَا السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ . وَفِي حَدِيثِ بَكَّارٍ هَذَا أَنَّهَا السَّبْعُ مِنْ الْمَثَانِي ، وَلَمْ يَذْكُرْ غَيْرَ ذَلِكَ . فَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ : وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي : فَاتِحَةَ الْكِتَابِ الْمُرَادَةَ بِأَنَّهَا السَّبْعُ الْمَثَانِي ، وَأَنَّ مَعْنَى : وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ أَيْ وَآتَيْنَاكَ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ جَاءَ بِالنَّصْبِ وَلَمْ يَجِئْ بِالْخَفْضِ مَعَ أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي السَّبْعِ الْمَثَانِي مَا رَوَاهُ مُجَاهِدٌ عَنْهُ أَنَّهَا السَّبْعُ الطِّوَلُ . 1373 - كَمَا حدثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ قَالَ : حدثنا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ : وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي . قَالَ : السَّبْعُ الطِّوَلُ . وَرُوِيَ عَنْهُ مِنْ رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْهُ مَا يُوَافِقُ مَا رَوَاهُ مُجَاهِدٌ عَنْهُ مِمَّا ذَكَرْنَا . وَيُخَالِفُ مَا رَوَاهُ ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْهُ 1374 - كَمَا حدثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ : حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ قَالَ : حدثنا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ مُسْلِمٍ - يَعْنِي الْبَطِينَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : أُوتِيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَبْعًا مِنْ الْمَثَانِي الطِّوَلِ . 1375 - حدثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ : حدثنا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ قَالَ : أخبرنا شَرِيكٌ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ جَلَّ وَعَزَّ : سَبْع مِنْ الْمَثَانِي قَالَ : السَّبْعُ الطِّولُ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَكَانَ الْأَوْلَى بِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي ذَلِكَ لِمَا اُخْتُلِفَ فِيهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْهُ مَا رَوَاهُ مُجَاهِدٌ عَنْهُ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهَا فَاتِحَةُ الْكِتَابِ . كَمَا 1376 - حدثنا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ : حدثنا الْفِرْيَابِيُّ قَالَ : حدثنا سُفْيَانُ ، عَنْ السُّدِّيِّ قَالَ : سَمِعْت عَبْدَ خَيْرٍ الْهَمْدَانِيَّ قَالَ : سَمِعْت عَلِيًّا يَقُولُ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي قَالَ : فَاتِحَةُ الْكِتَابِ . قَالَ : ثُمَّ رَجَعْنَا إلَى طَلَبِ الْمَعْنَى لِمَا فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى ، وَلِمَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي فَاتِحَةِ الْكِتَابِ - أَنَّهَا السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُعْطِيَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَجَدْنَا ذَلِكَ مُحْتَمِلًا أَنْ يَكُونَ أُرِيدَ بِهِ أَنَّهَا الْقُرْآنُ كُلُّهُ أَيْ : فِي الثَّوَابِ بِهَا أَنَّهُ كَالثَّوَابِ بِالْقُرْآنِ كُلِّهِ ، كَمَا قَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ أَنَّ الثَّوَابَ بِهَا كَالثَّوَابِ بِثُلُثِ الْقُرْآنِ . وَأُطْلِقَ فِي بَعْضِ الْآثَارِ أَنَّهَا ثُلُثُ الْقُرْآنِ . 1377 - كَمَا حدثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُد قَالَ : حدثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ بن معاذ الْعَنْبَرِيُّ قَالَ : حدثنا أَبِي قَالَ : حدثنا شُعْبَةُ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُدْرِكٍ ، عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ ، عَنْ الرَّبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَقْرَأَ ثُلُثَ الْقُرْآنِ كُلَّ لَيْلَةٍ ؟ قَالُوا : وَمَنْ يُطِيقُ ذَلِكَ ؟ قَالَ : قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ . 1378 - وَكَمَا حدثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُد قَالَ : حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ قَالَ : حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ قَالَ : حدثنا بَشِيرٌ أَبُو إسْمَاعِيلَ ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : أَقْرَأُ عَلَيْكُمْ ثُلُثَ الْقُرْآنِ ؟ فَقَرَأَ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ، حَتَّى خَتَمَهَا . 1379 - وَكَمَا حدثنا ابْنُ أَبِي دَاوُد ، قَالَ : حدثنا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ الْمُنْقِرِيُّ ، قَالَ : حدثنا أَبُو هِلَالٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : جَزَّأَ اللَّهُ الْقُرْآنَ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ ، فَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ جُزْءٌ مِنْهُ . 1380 - حدثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ قَالَ : حدثنا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ أَبِي قَيْسٍ الْأَوْدِيِّ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَقْرَأَ ثُلُثَ الْقُرْآنِ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ ، فَكَبُرَ ذَلِكَ في أَنْفُسِهِمْ . قَالَ : اللَّهُ الْوَاحِدُ الصَّمَدُ ثُلُثُ الْقُرْآنِ . 1381 - وَكَمَا حدثنا أَبُو أُمَيَّةَ قَالَ : حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ سَابِقٍ ، قَالَ : حدثنا مِسْعَرُ بْنُ كِدَامٍ ، عَنْ أَبِي قَيْسٍ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَرْوَانَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ الْأَوْدِيِّ ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَوْ يُغْلَبَ أَنْ يَقْرَأَ كُلَّ لَيْلَةٍ ثُلُثَ الْقُرْآنِ ؟ فَكَأَنَّهُ ثَقُلَ عَلَيْهِمْ ، فَقَالَ : اللَّهُ الْوَاحِدُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ثُلُثُ الْقُرْآنِ . 1382 - حدثنا فَهْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ : حدثنا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ : حدثنا حُصَيْنٌ ، عَنْ أَبِي قَيْسٍ الْأَوْدِيِّ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَقْرَأَ ثُلُثَ الْقُرْآنِ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ ؟ فَكَبُرَ ذَلِكَ فِي أَنْفُسِهِمْ . قَالَ : اللَّهُ الْوَاحِدُ الصَّمَدُ ثُلُثُ الْقُرْآنِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ أَنَّ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ثُلُثُ الْقُرْآنِ بِمَعْنَى أَنَّهَا ثُلُثُ الْقُرْآنِ بِالثَّوَابِ بِهَا ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهَا تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ . 1383 - كَمَا حدثنا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : أخبرنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ أَنَّ مَالِكًا حَدَّثَهُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَجُلًا سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ يُرَدِّدُهَا . فَلَمَّا أَصْبَحَ جَاءَ إلَى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ ، وَكَأَنَّ الرَّجُلَ يَتَقَلَّلُهَا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إنَّهَا لَتَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ . 1384 - وَكَمَا حدثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمُغِيرَةِ قَالَ : حدثنا أَبُو مَعْمَرٍ إسْمَاعِيلُ بْنُ إبْرَاهِيمَ الْهُذَلِيُّ الْقَطِيعِيُّ قَالَ : حدثنا إسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ : حدثنا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : أَخْبَرَنِي أَخِي قَتَادَةَ بْنُ النُّعْمَانِ أَنَّ رَجُلًا كَانَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْرَأُ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ، يُرَدِّدُهَا لَا يَزِيدُ عَلَيْهَا وَلَا يَنْقُصُ . فَلَمَّا أَصْبَحْنَا أَتَى رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : إنَّ فُلَانًا قَامَ مِنْ اللَّيْلِ فَقَرَأَ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ، يُرَدِّدُهَا لَا يَزِيدُ عَلَيْهَا وَلَا يَنْقُصُ ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّهَا لَتَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ . 1385 - حدثنا نَصْرُ بْنُ مَرْزُوقٍ قَالَ : حدثنا أَسَدُ بْنُ مُوسَى قَالَ : حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ خازِمٍ ، عَنْ مُوسَى الصَّغِيرِ ، عَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ ، عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ قَرَأَ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ فَكَأَنَّمَا قَرَأَ ثُلُثَ الْقُرْآنِ . 1386 - وَكَمَا حدثنا أَبُو أُمَيَّةَ وَالرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْجِيزِيُّ جَمِيعًا قَالَا : حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ قَالَ : حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمٍ ابْنِ أَخِي الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَمِّهِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ عَنْ قِرَاءَةِ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ فَقَالَ : ثُلُثُ الْقُرْآنِ أَوْ تَعْدِلُهُ . 1387 - وَكَمَا حدثنا أَبُو أُمَيَّةَ قَالَ : حدثنا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ الْقَطَوَانِيُّ قَالَ : حدثنا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ قَالَ : حَدَّثَنِي سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ . 1388 - وَكَمَا حدثنا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ قَالَ : حدثنا الْمُعَلَّى بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ : حدثنا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ ، ثُمَّ ذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ . 1389 - وَكَمَا حدثنا ابْنُ أَبِي دَاوُد قَالَ : حدثنا مُسَدَّدٌ قَالَ : حدثنا يَحْيَى ، وَهُوَ ابْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ كَيْسَانَ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : اُحْشُدُوا ؛ فَإِنِّي سَأَقْرَأُ عَلَيْكُمْ ثُلُثَ الْقُرْآنِ . فَحَشَدَ مَنْ حَشَدَ ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَرَأَ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ . ثُمَّ دَخَلَ ، فَقَالَ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ : إنِّي أَرَى هَذَا خَبَرٌ جَاءَهُ مِنْ السَّمَاءِ ، فَذَاكَ الَّذِي أَدْخَلَهُ . ثُمَّ خَرَجَ ، فَقَالَ : إنِّي قُلْت لَكُمْ : إنِّي سَأَقْرَأُ عَلَيْكُمْ ثُلُثَ الْقُرْآنِ ، أَلَا إنَّهَا تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَكَانَ مَعْنَى مَا فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ مِنْ أَنَّ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنَ هُوَ مَعْنَى الْأَحَادِيثِ الَّتِي رَوَيْنَاهَا قَبْلَهَا فِي قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ أَنَّهَا ثُلُثُ الْقُرْآنِ ، وَإِذَا جَازَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ بِمَعْنَى أَنَّهَا فِي الثَّوَابِ كَثُلُثِ الْقُرْآنِ جَازَ فِي فَاتِحَةِ الْكِتَابِ أَيْضًا فِي الْآثَارِ الَّتِي رُوِيَتْ فِيهَا الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُنَا لَهَا فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّهَا الْقُرْآنُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهَا فِي الثَّوَابِ بِهَا كَالثَّوَابِ بِالْقُرْآنِ كُلِّهِ . وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
658 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما كان منه في ابن أمة زمعة الذي ادعاه سعد لأخيه وادعاه عبد بن زمعة لأبيه . 4924 - حدثنا يونس بن عبد الأعلى , أنبأنا ابن وهب أن مالك بن أنس حدثه عن ابن شهاب ، عن عروة بن الزبير ، عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : كان عتبة بن أبي وقاص عهد إلى أخيه سعد بن أبي وقاص أن ابن وليدة زمعة مني ، فاقبضه إليك . قالت : فلما كان عام الفتح أخذه سعد ، فقال : ابن أخي , قد كان عهد إلي فيه ، فقال عبد بن زمعة : أخي وابن وليدة أبي ، ولد على فراشه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الولد للفراش وللعاهر الحجر ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لسودة : احتجبي منه لما رأى منه من شبهه بعتبة قالت : فما رآها حتى لقي الله سبحانه وتعالى 4925 - حدثنا المزني ، حدثنا الشافعي ، حدثنا سفيان بن عيينة ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة أن عبد بن زمعة وسعدا اختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم في ابن وليدة زمعة ، فقال سعد : يا رسول الله ، أوصاني [ أخي ] إذا قدمت مكة أن أنظر إلى ابن أمة زمعة ، فاقبضه ، فإنه ابني . فقال عبد بن زمعة : أخي وابن أمة أبي ، ولد على فراش أبي ، فرأى شبها بينا بعتبة ، فقال : هو لك يا عبد بن زمعة ؛ الولد للفراش ، واحتجبي منه يا سودة . 4926 - وحدثنا يحيى بن عثمان ، حدثنا نعيم بن حماد ، حدثنا ابن المبارك ، أنبأنا معمر ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال : عتبة بن أبي وقاص لأخيه سعد - وكان عتبة كافرا وكان سعد مسلما - إني أعهد إليك أن تقبض ابن جارية زمعة إذا لقيته ، قالت عائشة : فلما كان يوم الفتح لقي سعد ابن جارية زمعة ، فقال ابن أخي ! واحتضنه ، وقال عبد بن زمعة : بل هو أخي ؛ ولد على فراش أبي من جاريته ، واختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه ، فقال سعد : يا رسول الله ، هذا ابن أخي ، انظر إلى شبهه بأخي عتبة ، وقال عبد بن زمعة : بل هو يا رسول الله أخي ، ولد على فراش أبي من جاريته . قالت عائشة رضي الله عنها : فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنظر شبها لم ير الناس شبها أبين منه بعتبة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هو لك يا عبد بن زمعة ؛ الولد للفراش ، واحتجبي عنه يا سودة . فلم يرها حتى ماتت رضي الله عنها . 4927 - وحدثنا الربيع المرادي , حدثنا أسد بن موسى ، حدثنا الليث بن سعد ، حدثني ابن شهاب ، عن عروة ، عن عائشة ، ثم ذكر هذا الحديث . 4928 - وحدثنا فهد ، [ حدثنا ] أبو اليمان ، أنبأنا شعيب بن أبي حمزة ، عن الزهري ، حدثني عروة أن عائشة رضي الله عنها قالت : كان عتبة بن أبي وقاص ثم ذكر الحديث أيضا . 4929 - حدثنا الحسن بن عبد الله بن منصور البالسي ، حدثنا الهيثم بن جميل ، عن حماد بن سلمة ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عبد الله بن زمعة أنه خاصم رجلا إلى النبي صلى الله عليه وسلم في ولد ولد على فراش أبيه ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : الولد للفراش ، واحتجبي منه يا سودة . 4930 - حدثنا طاهر بن عمرو بن الربيع بن طارق الهلالي قال : حدثنا أبي عمرو بن الربيع بن طارق ، أخبرني يحيى بن أيوب ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة أنها قالت : اختصم سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في غلام ، فقال سعد : يا رسول الله ، هو ابن أخي عتبة بن أبي وقاص ، عهد إلي فيه أنه ابنه ، انظر إلى شبهه ، وقال عبد بن زمعة : يا رسول الله ، هذا أخي ، ولد على فراش أبي من وليدته . فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم به شبها بينا بعتبة ، فقال : هو لك يا عبد بن زمعة ؛ الولد للفراش وللعاهر الحجر ، وأما أنت يا سودة ابنة زمعة فاحتجبي منه . قالت عائشة : فلم ير سودة قط . قال أبو جعفر : فاختلف حماد بن سلمة ويحيى بن أيوب فيمن حدث عروة بهذا الحديث عنه ، فقال حماد : هو عبد الله بن زمعة ، وقال يحيى بن أيوب : هي عائشة ، وكان ما قال يحيى بن أيوب من ذلك أولى - والله أعلم - عندنا لموافقته ما قد رواه الجماعة الذين ذكرناهم في هذا الباب عليه ، ولأن عبد الله بن زمعة لا نعلم له حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سوى هذا الحديث . وقال قائل : بل لعبد الله بن زمعة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث سوى هذا الحديث وذكر في ذلك . 4931 - ما قد حدثنا يحيى بن عثمان ، حدثنا عبد الله بن صالح ، حدثني الليث ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عبد الله بن زمعة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطبته يوما ، وذكر الناقة والذي عقرها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : انبعث أشقاها ، انبعث لها رجل عزيز منيع في قومه مثل أبي زمعة وذكر النساء ، وقال : علام يعمد أحدكم فيجلد امرأته جلد العبد ، فلعله يجامعها من آخر يومه . ثم سمعته وعظهم من الضرطة ، فقال : لم يضحك أحدكم مما يفعل ؟ ! . 4932 - وما قد حدثنا محمد بن أحمد بن حماد الأنصاري المعروف بالدولابي أبي بشر ، حدثنا إبراهيم بن سعد الجوهري ، حدثنا أبو أسامة . وما قد حدثنا محمد أيضا ، حدثنا محمد بن هاشم البعلبكي ، حدثنا شعيب بن إسحاق ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عبد الله بن زمعة ، ثم ذكر مثله . فكان جوابنا له في ذلك أن عبد الله بن زمعة المذكور في الحديث الأول هو عبد الله بن زمعة بن قيس أخو سودة من بني عامر بن لؤي ، وعبد الله بن زمعة المذكور في الحديث الثاني هو عبد الله بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى من رهط الزبير ، وقد بين ذلك محمد بن إسحاق في حديث آخر . 4933 - كما قد ، حدثنا أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم البرقي ، حدثنا عبد الملك بن هشام النحوي ، حدثنا زياد بن عبد الله البكائي قال : قال ابن إسحاق : قال ابن شهاب : حدثنا عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، عن أبيه ، عن عبد الله بن زمعة بن الأسود بن المطلب قال : لما ثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة قال : مروا من يصلي بالناس ، فلم أر أحدا فيمن حضر أحق بها من عمر بن الخطاب ، وكان أبو بكر رضي الله عنه غائبا ، فأمرت عمر أن يصلي بالناس ، فلما كبر - وكان رجلا جهير الصوت - سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم صوته ، فقال : أين أبو بكر ؟ يأبى الله عز وجل والمسلمون ذلك . فدعي أبو بكر ، فصلى بالناس ، فقال عمر لابن زمعة : ويحك ، ماذا صنعت ؟ والله لولا أني ظننت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو أمرك أن تأمرني بالصلاة ما صليت بالناس . فقال قائل : فإن الذي حدث به ابن إسحاق من هذا الحديث إنما هوعن غير الزهري ، فهل يوجدناه من حديث الزهري مذكورا فيه أن عبد الله بن زمعة هذا هو ابن الأسود ؟ فكان جوابنا له في ذلك أنا نوجده ذلك من حديث الزهري كما قد ذكرنا . 4934 - كما قد حدثنا محمد بن أحمد بن حماد ، حدثنا أحمد بن عبد الجبار العطاردي ، حدثني يونس بن بكير ، حدثنا محمد بن إسحاق ، حدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس ، عن ابن شهاب ، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، عن عبد الله بن زمعة بن الأسود قال : لما ثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة ، ثم ذكر مثل الحديث الذي ذكرناه قبل هذا الحديث قال أبو جعفر : فتأملنا الحديث الذي ذكرناه في صدر هذا الباب ، فوجدنا بعض الناس قد جعل دعوى سعد رضي الله عنه المذكورة فيه كلا دعوى ؛ لأنه ادعاها لأخيه من أمة لغيره ، لا بتزويج بينه وبينها ، قال : فكانت دعواه لذلك كلا دعوى . قال أبو جعفر : والذي قال من هذا عندنا ليس كما قال ؛ لأن سعدا أعلم من أن يدعي دعوى لا معنى لها ، ولكن وجه دعواه ذلك - والله أعلم - أن أولاد البغايا في الجاهلية قد كانوا يلحقونهم في الإسلام بمن ادعاهم ، ويردونهم إليهم . 4935 - كما حدثنا أحمد بن الحسن الكوفي ، حدثنا إسماعيل ابن علية ، عن ابن عون قال : أنبأنا غاضرة العنبري قال : أتينا عمر بن الخطاب رضي الله عنه في نسوة أو إماء ساعين في الجاهلية ، فأمر بأولادهن أن يقوموا على آبائهم وأن لا يسترقوا . 4936 - وكما حدثنا يونس ، حدثنا ابن وهب أن مالكا حدثه عن يحيى بن سعيد ، عن سليمان بن يسار أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يليط أولاد أهل الجاهلية بمن ادعاهم في الإسلام . 4937 - وكما حدثنا يونس ، أخبرني أنس بن عياض ، عن يحيى ، عن سليمان ، ثم ذكره . قال أبو جعفر : وإذا كانت تلك الدعوى في زمن عمر رضي الله عنه مع بعدها من الجاهلية لها هذا الحكم ، كانت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في قربها من الجاهلية أولى بهذا الحكم . ولما كان ذلك كذلك ، كان سعد قد ادعى لأخيه ما قد كان يحكم به في مثل ذلك ؛ لأنه وإن لم يكن أخوه حضر تلك الدعوى فقد ادعى بوصية من أخيه إياه بها ، وأخوه فقد كان توفي قبل ذلك ، فكأن دعواه لأخيه ادعاه له كدعوى أخيه إياه لنفسه لو كان حيا ، غير أن عبد بن زمعة لما قابله في ذلك بما ادعاه لأبيه قابله بدعوى توجب عتاقا للمدعي ؛ لأن المدعى له كان يملك بعضه حين ادعى فيه ما ادعى ، فعتق منه ما كان مدعيه يملكه لو لم تكن دعواه ، فكان ذلك هو الذي أبطل دعوى سعد ، لا لأنها كانت في أصلها باطلة ، ثم عاد ذلك المدعي إلى ابن وليدة لزمعة كان موروثاعنه ادعى فيه أحد من ورثه - وهو عبد بن زمعة - أنه ولد أبيه ، وكان له شريك فيه وهو أخته سودة ، فلم يكن منها في ذلك فيما نقل إلينا في هذه الآثار تصديق له على ذلك ، فألزمه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أقر به في نفسه ، وخاطبه بالخطاب الذي قد خاطبه به من قوله له : الولد للفراش ولم يجعل ذلك حجة على أخته ؛ إذ لم يعلم كان منها في ذلك تصديقا له في دعواه ، وأمرها بالحجاب منه ؛ إذ لم يجعله أخاها . فإن قال قائل : فما معنى قوله صلى الله عليه وسلم : هو لك يا عبد بن زمعة ؟ كان جوابنا له في ذلك أن ذلك على معنى : هو لك بيدك عليه تمنع بذلك من سواك منه ، كما قال صلى الله عليه وسلم في اللقطة لملتقطها : هي لك أو لأخيك أو للذئب ليس على معنى أنك تملكها بيدك عليها ، ولكن مما لك بيدك عليها من منع غيرك منها ، فمثل ذلك قوله صلى الله عليه وسلم لعبد : هو لك بيدك عليه التي تمنع بها غيرك منه ، وكيف يجوز أن يظن برسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قد جعل ذلك المدعى ابنا لزمعة ، ثم يأمر ابنة زمعة بالحجاب من أخيها وهو ينكر على عائشة حجبها عمها من الرضاعة عنها ؟ هذا عندنا من المحال الذي لا يجوز كونه ، وكيف يجوز أن يحمل معنى هذا الحديث على غير ما حملناه عليه ، ولا اختلاف بين المسلمين في مثله إذا ادعاه أحد ممن ورث المدعى إذا لم يكن له نسب من المدعى له وأنكره بقية الورثة أنه لا يثبت بتلك الدعوى نسب من المدعى له ، وأنه يدخل مع المدعي في ميراثه عند أكثر أهل العلم وإن كان ما يدخل به مختلفا في مقداره ، ولا يدخل في قول آخرين في شيء مما في يده ، منهم الشافعي ، وحكي أنه قول جماعة من المدنيين ، وفيما ذكرنا من هذا دليل على وما وصفنا . ثم قد وجدنا عبد الله بن الزبير قد روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الحديث بزيادة معنى زاده على عائشة فيه . 4938 - كما قد حدثنا محمد بن عبد الله بن مخلد الأصبهاني ، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا الحسين بن علي الجعفي ، عن زائدة بن قدامة ، عن منصور ، عن مجاهد ، عن يوسف بن الزبير أوعن مولى لابن الزبير - شك منصور - عن ابن الزبير قال : كان زمعة يطأ جارية ، وكانت تزن برجل ، فتوفي زمعة ، وولدت شبيها بالذي كانوا يزنونها به ، فقالت سودة : يا رسول الله ، ولدت شبيها بالذي كانوا يزنونها به ، فقال : الميراث له ، واحتجبي منه يا سودة ؛ فإنه ليس لك بأخ . 4939 - وكما حدثنا محمد بن أحمد بن خزيمة ، حدثنا الحسن بن أبي الربيع الجرجاني ، حدثنا عبد الرزاق ، حدثنا سفيان ، عن منصور ، عن مجاهد ، عن ابن الزبير - ولم يذكر بين مجاهد وبينه أحدا - أن زمعة كانت له جارية ، فكان يطؤها ، وكانوا يتهمونها ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لسودة : أما الميراث فله ، وأما أنت فاحتجبي منه يا سودة ؛ فإنه ليس لك بأخ . 4940 - وكما حدثنا علي بن عبد الرحمن بن المغيرة ، حدثنا محمد بن قدامة ، حدثنا جرير بن عبد الحميد ، عن منصور ، عن مجاهد ، عن يوسف بن الزبير ، عن عبد الله بن الزبير قال : كانت لزمعة جارية يطؤها ، وكان يظن برجل يقع عليها ، فمات زمعة وهي حبلى ، فولدت غلاما كان يشبه الرجل الذي كانت تظن به ، فذكرته سودة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : أما الميراث فله ، وأما أنت فاحتجبي منه يا سودة ؛ فإنه ليس لك بأخ . فتأملنا إسناد هذا الحديث ، فوجدنا الثوري قد رواه عن منصور ، عن مجاهد ، عن ابن الزبير . ووجدنا زائدة قد رواه عن منصور ، عن مجاهد ، عن يوسف بن الزبير أوعن مولى لابن الزبير ، عن ابن الزبير ، وكان زائدة وجرير قد اتفقا على إدخالهما في حديثهما بين مجاهد وبين ابن الزبير مولاه هذا ، وإن كان زائدة ذكر أن منصورا شك فيه . ففي هذا الحديث نفي رسول الله صلى الله عليه وسلم لذلك المدعي أن يكون أخا لسودة . فقال قائل : فما معنى قوله صلى الله عليه وسلم فيه أن الميراث له ؟ فكان جوابنا له في ذلك أن ذلك قد يحتمل أن يكون أراد به الميراث الذي وجب له في حصة عبد بإقراره به لا فيما سواه من تركة زمعة . والله نسأله التوفيق .
189 - باب بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أَمْرِهِ لِلنَّاسِ بِالِاقْتِدَاءِ بِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَالِاهْتِدَاءِ بِهَدْيِ عَمَّارٍ وَالتَّمَسُّكِ بِعَهْدِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُم . 1390 - حدثنا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ الرَّقِّيُّ قَالَ : أخبرنا الْفِرْيَابِيُّ قَالَ : حدثنا سُفْيَانُ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنْ مَوْلًى لِرِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ يَعْنِي حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : اقْتَدُوا بِاَللَّذَيْنِ بَعْدِي : أَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ . وَاهْتَدُوا بِهَدْيِ عَمَّارٍ ، وَتَمَسَّكُوا بِعَهْدِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ . 1391 - حدثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ قَالَ : حدثنا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حدثنا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ ، عَنْ حُذَيْفَةَ ، وَلَمْ يَذْكُرْ إبْرَاهِيمُ فِي حَدِيثِهِ : عَنْ مَوْلًى لِرِبْعِيٍّ - ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ . 1392 - حدثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُد قَالَ : حدثنا حَامِدُ بْنُ يَحْيَى الْبَلْخِيُّ ، قَالَ : حدثنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، قَالَ : حدثنا زَائِدَةُ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنْ رِبْعِيٍّ ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ . 1393 - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ النُّعْمَانِ السَّقَطِيُّ ، قَالَ : حدثنا الْحُمَيْدِيُّ قَالَ : حدثنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ قَالَ : حدثنا زَائِدَةُ بْنُ قُدَامَةَ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ ، عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : اقْتَدُوا بِاَللَّذَيْنِ بَعْدِي : أَبُو بَكْرٍ ، وَعُمَرُ . 1394 - حدثنا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : حدثنا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ قَالَ : حدثنا سُفْيَانُ ، ثُمَّ ذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ . 1395 - حدثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ قَالَ : حدثنا حَامِدُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : حدثنا ابْنُ عُيَيْنَةَ غَيْرَ مَرَّةٍ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ ، عَنْ رِبْعِيٍّ . وَحَدَّثَنِيهِ مَرَّةً أُخْرَى فَقَالَ : أَخْبَرَنِي زَائِدَةُ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ . ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ سواء فِي إسْنَادِهِ وَفِي مَتْنِهِ . 1396 - حدثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ : حدثنا مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيُّ قَالَ : حدثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنْ هِلَالٍ مَوْلَى رِبْعِيٍّ ، عَنْ رِبْعِيٍّ ، عَنْ حُذَيْفَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؛ مِثْلَهُ . 1397 - حدثنا ابْنُ أَبِي دَاوُد قَالَ : حدثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأُوَيْسِيُّ قَالَ : حدثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ هِلَالٍ مَوْلَى رِبْعِيٍّ ، عَنْ رِبْعِيٍّ ، عَنْ حُذَيْفَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؛ مِثْلَهُ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : قَالَ لَنَا ابْنُ أَبِي دَاوُد : وَهَكَذَا كَانَ فِي كِتَابِهِ يَعْنِي الْأُوَيْسِيَّ : عَنْ مَنْصُورٍ لَا عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ 1398 - قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : ثُمَّ حَدَّثَنِيهِ ابْنُ أَبِي دَاوُد مَرَّةً أُخْرَى فَقَالَ : حدثنا الْأُوَيْسِيُّ قَالَ : حدثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنْ هِلَالٍ مَوْلَى رِبْعِيٍّ ، عَنْ رِبْعِيٍّ ، عَنْ حُذَيْفَةَ . ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ سواء 1399 - وَحدثنا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى وَالرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ جَمِيعًا قَالَا : حدثنا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ قَالَ : حدثنا إسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّا قَالَ : حدثنا سَالِمٌ أَبُو الْعَلَاءِ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ هَرِمٍ ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : اقْتَدُوا بِاَللَّذَيْنِ بَعْدِي : أَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ . وَعَلَيْكُمْ بِهَدْيِ عَمَّارٍ ، وَعَهْدِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : سَالِمٌ أَبُو الْعَلَاءِ هَذَا هُوَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ يُقَالُ لَهُ : الْأَنْعُمِيُّ ، وَهُوَ ثِقَةٌ مَقْبُولُ الرِّوَايَةِ . وَقَدْ رَوَى عَنْهُ أَبُو نُعَيْمٍ وَقَالَ : هُوَ سَالِمُ بْنُ الْعَلَاءِ أَبُو الْعَلَاءِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَتَأَمَّلْنَا هَذَا الْحَدِيثَ ، فَكَانَ مَا فِيهِ مِمَّا أَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - النَّاسَ بِالِاقْتِدَاءِ بِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا مَعْنَاهُ عِنْدَنَا - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ يَمْتَثِلُوا مَا هُمَا عَلَيْهِ ، وَأَنْ يَحْذُوا حَذْوَهُمَا فِيمَا يَكُونُ مِنْهُمَا فِي أَمْرِ الدِّينِ ، وَأَنْ لَا يَخْرُجُوا عَنْهُ إلَى غَيْرِهِ . ثُمَّ تَأَمَّلْنَا مَا أَمَرَهُمْ بِهِ مِنْ الِاهْتِدَاءِ بِهَدْيِ عَمَّارٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَوَجَدْنَا الِاهْتِدَاءَ هُوَ التَّقَرُّبَ إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ ، وَكَانَ عَمَّارٌ مِنْ أَهْلِهَا ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَهْتَدُوا بِمَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْهَا ، وَأَنْ يَكُونُوا فِيهَا كَهُوَ فِيهَا . وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُخْرِجٍ لِغَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ تِلْكَ الْمَنْزِلَةِ ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ بِمِثْلِ هَذَا إلَى الْوَاحِدِ مِنْ أَهْلِهِ لَا يَنْفِي بَقِيَّةَ أَهْلِهِ أَنْ يَكُونُوا فِيهِ مِثْلَهُ كَمَا يَقُولُ الرَّجُلُ : مَوْضِعُ فُلَانٍ مِنْ الْعِبَادَةِ الْمَوْضِعُ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُتَمَسَّكَ بِهِ ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ مَا يَنْفِي أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ آخَرُونَ فِي الْعِبَادَةِ مِثْلَهُ ، أَوْ فَوْقَهُ مِمَّنْ يَجِبُ أَنْ يَكُونُوا فِي الِاهْتِدَاءِ بِهِمْ فِي ذَلِكَ كَالِاهْتِدَاءِ بِهِ فِيهِ 1400 - وَقَدْ حدثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ قَالَ : حدثنا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ الزَّهْرَانِيُّ قَالَ : حدثنا زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ : حدثنا قَابُوسُ وَهُوَ ابْنُ أَبِي ظَبْيَانَ أَنَّ أَبَا ظَبْيَانَ حَدَّثَهُ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ نَبِيِّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إنَّ الْهَدْيَ وَالسَّمْتَ الصَّالِحَ وَالِاقْتِصَادَ جُزْءٌ مِنْ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَكَانَ ذَلِكَ الْهَدْيُ الْمَذْكُورُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ بِالْمَكَانِ الَّذِي هُوَ بِهِ مِنْ أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ ، وَالْهَدْيُ الْمُرَادُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ هُوَ التَّقَرُّبُ إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ ، وَكَانَ ذَلِكَ مَوْجُودًا فِي عَمَّارٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - النَّاسَ أَنْ يَهْتَدُوا بِهِ فِي ذَلِكَ ، وَأَنْ يَجْعَلُوهُ إمَامَا لَهُمْ فِيهِ ، لَا عَلَى إخْرَاجٍ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سِوَاهُ مِنْ أَصْحَابِهِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَنْ يَكُونُوا فِي ذَلِكَ كَهُوَ . 1401 - حدثنا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ قَالَ : حدثنا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ قَالَ : حدثنا عُيَيْنَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَوْشَنٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ بُرَيْدَةَ الْأَسْلَمِيِّ قَالَ : كُنْت مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَمْشِي جَمِيعًا ، فَإِذَا نَحْنُ بِرَجُلٍ بَيْنَ أَيْدِينَا يُصَلِّي يُكْثِرُ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : عَلَيْكُمْ هَدْيًا قَاصِدًا ، قَالَهَا ثَلَاثًا ؛ فَإِنَّهُ مَنْ يُشَادَّ هَذَا الدِّينَ يَغْلِبْهُ . فَكَانَ الْهَدْيُ الْقَاصِدُ فِي هَذَا هُوَ فِي الْأَشْيَاءِ الْمُرَادِ بِهَا التَّقَرُّبُ إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهَا بِالْقَصْدِ ؛ لِيَدُومَ ذَلِكَ مِنْ أَهْلِهِ ، وَدَلَّ ذَلِكَ إلَى أَنَّ الْهَدْيَ هُوَ الْعَمَلُ الْمُتَقَرَّبُ بِهِ إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ . ثُمَّ تَأَمَّلْنَا قَوْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : وَتَمَسَّكُوا بِعَهْدِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ - مَا الَّذِي أَرَادَهُ بِهِ ؟ فَوَجَدْنَا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ قَالَ فِي كِتَابِهِ : مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا . وَكَانَ ابْنُ أُمِّ عَبْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْهُمْ ، وَكَانَ مَعَ ذَلِكَ مِنْ الْهَدْيِ . كَمَا 1402 - حدثنا يُوسُفُ بْنُ يَزِيدَ قَالَ : حدثنا يُوسُفُ بْنُ عَدِيٍّ الْكُوفِيُّ قَالَ : حدثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ إبْرَاهِيمَ ، عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ : كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ يُشَبَّهُ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَلِّهِ وَهَدْيِهِ وَسَمْتِهِ وَكَانَ عَلْقَمَةُ يُشَبَّهُ بِعَبْدِ اللَّهِ . وَكَمَا 1403 - حدثنا يُوسُفُ قَالَ : حدثنا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ : حدثنا سُفْيَانُ ، عَنْ جَامِعٍ ، عَنْ شَقِيقٍ قَالَ : أَبْصَرَ حُذَيْفَةُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ حِينَ خَرَجَ مِنْ دَارِهِ فَقَالَ : مَا رَأَيْت أَحَدًا أَشْبَهَ دَلًّا بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ لَدُنْ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ دَارِهِ إلَى أَنْ يَدْخُلَ فِيهَا مِنْ صَاحِبِ هَذِهِ الدَّارِ ، وَلَقَدْ عَلِمَ الْمَحْفُوظُونَ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ مِنْ أَقْرَبِهِمْ إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسِيلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ . وَكَمَا 1404 - حدثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمُغِيرَةِ قَالَ : حدثنا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ قَالَ : حدثنا غُنْدَرٌ قَالَ : حدثنا شُعْبَةُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ : لَقَدْ عَلِمَ الْمَحْفُوظُونَ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ ابْنَ أُمِّ عَبْدٍ مِنْ أَقْرَبِهِمْ إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسِيلَةً . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَلَمَّا كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ مِنْ الْهَدْيِ وَمِنْ الدَّلِّ فِي الدُّنْيَا ، وَمِنْ قُرْبِ الْوَسِيلَةِ إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ - كَانَ حَرِيًّا أَنْ يُتَمَسَّكَ بِعَهْدِهِ الَّذِي عَاهَدَ اللَّهَ عَلَيْهِ ، ثُمَّ لَمْ يَزُلْ عَنْهُ إلَى أَنْ يُوَافِيَهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمَانِعٍ أَنْ يَكُونَ فِي صَحَابَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ هَذِهِ مَنْزِلَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَمن تِلْكَ مَنْزِلَتُهُ فِي الْآخِرَةِ ، وَمِمَّنْ يَسْتَحِقُّ مِنْ التَّمَسُّكِ بِعَهْدِهِ مِثْلَ الَّذِي اسْتَحَقَّهُ ابْنُ أُمِّ عَبْدٍ مِنْهُ . وَاَللَّهِ نسأله التَّوْفِيقُ .
847- باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أحب الناس كان إليه . 6246 - حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، قال : حدثنا يحيى بن حماد ، قال : أخبرنا أبو عوانة ، قال : أخبرنا عمر بن أبي سلمة ، عن أبيه ، قال : أخبرني أسامة بن زيد ، قال : مررت فإذا علي والعباس -عليهما السلام - قاعدان ، فقالا : يا أسامة ، استأذن لنا . فقلت : يا رسول الله ، إن عليا والعباس بالباب يستأذنان ، قال : أتدري ما جاء بهما ؟ قلت : لا . قال : لكني أدري ، ائذن لهما . فدخلا ، فقال علي : يا رسول الله ، أي الناس أحب إليك ؟ قال : فاطمة ابنة محمد . قال : إني لست أسأل عن النساء . قال : من أنعم الله عليه ، وأنعمت عليه : أسامة بن زيد ، قال علي : ثم من ؟ قال : ثم أنت 6247 - حدثنا إبراهيم بن أبي داود ، قال : حدثنا أبو همام فهد بن سلام ، قال : حدثنا أبو عوانة ، عن عمر بن أبي سلمة ، عن أبيه ، عن أسامة بن زيد ، قال : أتى علي والعباس - عليهما السلام - وأنا في المسجد ، فقالا : استأذن لنا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فدخلت ، فاستأذنت لهما ، فقال : أتدري فيما جاءا ؟ فقلت : لا والله . فقال : ولكني أدري ، ائذن لهما فدخلا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالا : يا رسول الله ، جئناك نسألك عن أحب أهل بيتك إليك ، قال : فقال : فاطمة . فقالا : لسنا نسألك عن النساء ، إنما نسألك عن الرجال ، قال : فقال : أسامة ، فقال العباس شبه المغضب : ثم من يا رسول الله ؟ قال : ثم علي ، فقال : جعلت عمك آخر القوم ! فقال : يا عباس ، إن عليا سبقك بالهجرة . قال أبو جعفر : فكان في حديث إبراهيم بن مرزوق أن سؤال علي كان لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أحب الناس إليه ، وفي حديث ابن أبي داود سؤاله كان إياه عن أحب أهل بيته إليه ؟ فكان جوابه - عليه السلام - له في ذلك ما ذكر من جوابه له في ذلك إياه في هذين الحديثين ، وفيهما : أن أسامة كان أحب الرجال إليه . فقال قائل : فقد رويتم عنه - صلى الله عليه وسلم - في موضع آخر أن أسامة كان من محبته ما يخالف هذا ، فذكر . 6248 - ما قد حدثنا يزيد بن سنان وفهد بن سليمان ، قالا : حدثنا القعنبي ، قال : قرأت على مالك ، عن عبد الله بن دينار ، قال : قال ابن عمر : بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - أسامة بن زيد فطعن بعض الناس في إمرته ، فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : إن تطعنوا في إمرته فقد كنتم تطعنون في إمرة أبيه من قبل ، وايم الله ، إنه كان خليقا للإمارة ، وإن كان لمن أحب الناس إلي ، وإن هذا لمن أحب الناس إلي بعده . 6249 - وما قد حدثنا نصر بن مرزوق ، قال : حدثنا علي بن معبد وما قد حدثنا يوسف بن يزيد ، قال : حدثنا حجاج بن إبراهيم ، ثم اجتمعا ، فقال كل واحد منهما ، قال : حدثنا إسماعيل بن جعفر ، عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم ذكر هذا الحديث . قال : ففي هذا الحديث من قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أن أسامة من أحب الناس إليه ، وفي الحديث الذي رويته قبله أنه أحب الرجال إليه ، فهذان حديثان متضادان . فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله - عز وجل وعونه - : أنهما ليسا بمتضادين كما ظن ؛ لأن الحديث الأول إنما كان فيه سؤال علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أحب الناس إليه ، وعن أحب أهل بيته إليه ، وإخباره إياه جوابا له أنه فاطمة . وفي الحديث الثاني قوله - صلى الله عليه وسلم - في أسامة : إنه من أحب الناس إليه والناس فيهم فاطمة ، فلما كانت فاطمة - عليها السلام - في محبته - عليه السلام- فوق أسامة من محبته ، كان موضع أسامة من محبته دون ذلك ، فكان من أحب الناس إليه إذا كان في الناس النساء والرجال ، وكان أحب الرجال إليه ، إذ ليست فاطمة من الرجال ، ولكنها من النساء ، وفي ذلك ما قد دل على أن لا تضاد في واحد من هذين الحديثين للآخر منهما . قال : فقد رويتم من جوابه كان لعمرو بن العاص لما سأله عن أحب الناس إليه ، فذكر 6250 - ما قد حدثنا محمد بن إسماعيل بن سالم الصائغ ومحمد بن خزيمة ، قالا : حدثنا معلى بن أسد ، قال : حدثنا عبد العزيز بن المختار ، قال : حدثنا خالد الحذاء ، عن أبي عثمان ، قال : حدثني عمرو بن العاص : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعثه على جيش ذات السلاسل ، قال : فقلت : أي الناس أحب إليك ؟ فقال : عائشة ، فقلت : فمن الرجال ؟ قال : فأبوها ، قلت : ثم من ؟ قال : عمر بن الخطاب ، فعد رجالا . قال : فبهذا الحديث جواب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عمرا بما أجابه به فيه ، وهو خلاف ما أجاب به عليا في حديث أسامة الذي قد ذكرته في هذا الباب . وذكر في ذلك أيضا ِ 6251 - ما قد حدثنا أحمد بن شعيب ، قال : أخبرنا علي بن سعيد بن مسروق ، قال : حدثنا علي بن مسهر ، عن إسماعيل -يعني ابن أبي خالد - عن قيس -يعني ابن أبي حازم - عن عمرو بن العاص ، قال : قلت : يا رسول الله ، أي الناس أحب إليك فأحبه ؟ قال : عائشة . قلت : لست أسألك عن النساء ، إنما أسألك عن الرجال . فقال : أبو بكر ، أو قال : أبوها -رضي الله عنه فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله - عز وجل وعونه - : أنه قد يحتمل أن يكون عمرو علم أن لأهل بيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من محبته إياهم ما ليس لغيرهم ، فكان سؤاله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أحب الناس إليه ، يريد به الناس الذين هم سوى أهل بيته ، وعلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مراده كان في ذلك ، فأجابه بالجواب الذي أجابه به مما ذكر في حديثه ، وكان حديث أسامة فيه ذكر سؤال علي عليه السلام إياه عما سأله عنه ، وعلي من أهل بيته ، فأجابه بما أجابه به مما ذكر جوابه إياه في ذلك الحديث . فقال قائل : فقد ذكر في ذلك أسامة ، وليس من أهل بيته . فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله - عز وجل وعونه - : أنه قد يحتمل أن يكون كان ذلك منه ، وأسامة حينئذ من أهل بيته ؛ لأن أباه قد كان يدعى ابنه ، فيقال زيد بن محمد 6252 - كما حدثنا روح بن الفرج ، قال : حدثنا أبو زيد عبد الرحمن بن أبي الغمر ، قال : حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن الزهري ، عن موسى بن عقبة ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : والله إن كنا لنسمي زيد بن حارثة زيد بن محمد ، حتى أنزل الله - عز وجل - : ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ قال أبو جعفر : فكان أسامة حينئذ لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ابن ابن ، فكان بذلك من أهل بيته ، وبذلك المعنى تقدم في محبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من سواه ممن ذكر في حديثه ذلك من أهل بيته ، ثم نسخ الله - عز وجل - ذلك بما نسخه به مما قد تلونا ، وبقوله - عز وجل - : مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ ، وأعاد زيدا وأسامة وأمثالهما إلى قوله - عز وجل - : ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ . وفي ذلك ما قد دل أن أسامة لما خرج عن البنوة التي كان فيها مما استحق به تقدم غيره من أهل بيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في محبة رسول الله أن محبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد ذلك قد عادت إلى من كان ذكره من محبته بمحبته بعده من أهل بيته . وقال قائل آخر : قد رويتم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذا المعنى ما قد رويتموه عنه فيه مما قد ذكرتموه في هذا الباب ، وأنتم تروون عنه ما يخالف ذلك ، فذكر 6253 - ما قد حدثنا مالك بن يحيى الهمداني أبو غسان ، قال : حدثنا عبد الوهاب بن عطاء ، قال : أخبرني الجريري ، عن عبد الله بن شقيق ، قال : سألت عائشة أي أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان أحب إليه ؟ قالت : أبو بكر ، قلت : ثم من ؟ قالت : ثم عمر ، قلت : ثم من ؟ قالت : ثم أبو عبيدة بن الجراح ، قال : قلت : ثم من ؟ فسكتت . قال : فالذي في هذا الحديث من هذا المعنى ، يخالف ما قد رويتموه قبله في حديث أسامة بن زيد في هذا الباب . فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله - عز وجل - وعونه : أنه لا خلاف في شيء مما قد رويناه في هذا الباب عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؛ لأن الذي رويناه عنه في حديث أسامة على حقائق ما كان عنده - صلى الله عليه وسلم - في ذلك ؛ لأنه كان مسؤولا عنه ومجيبا لسائله عما أجابه به في حديث أسامة ، والذي في حديث عائشة هو جوابها عما سألت عنه عما كان عليه ، وذلك على ما يقع في قلبها مما كان عليه - صلى الله عليه وسلم - وقد يكون على خلاف ذلك . قال : فقد رويتم عنها جوابا منها عن مثل هذا السؤال ما يخالف هذا الجواب ، وذكر . 6254 - ما قد حدثنا أحمد بن شعيب ، قال : أخبرنا محمد بن آدم ، قال : حدثنا ابن أبي غنية ، عن أبيه ، عن أبي إسحاق ، عن جميع - وهو ابن عمير - قال : دخلت مع أبي على عائشة وأنا غلام ، فذكر لها عليا ، فقالت : ما رأيت رجلا كان أحب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منه ، ولا امرأة أحب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من امرأته . 6255 - وما قد حدثنا الحسن بن عبد الله بن منصور البالسي ، قال : حدثنا الهيثم بن جميل ، قال : حدثنا هشيم ، عن العوام بن حوشب ، عن جميع بن عمير ، قال : دخلت مع أمي على عائشة ، فقالت لها أمي : من كان أحب النساء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ قالت : فاطمة . قالت : فمن الرجال ؟ قالت : زوجها . قال : فالذي عنها في هذا الحديث يخالف الذي عنها في الحديث الذي ذكرتموه عنها قبله في هذا الباب . فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله - عز وجل - وعونه : أنه لا خلاف في ذلك كما ظن ، ولكن عائشة سئلت في حديثها الأول عن أحب الناس كان إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان الذي عندها أن أحدا لا يذهب عنه أن أحدا لا يتقدم أهل بيته في محبته ، كما لم يتقدم أحد سواهم إياهم في التبليغ عنه في الموسم سورة براءة ، وفي قوله : إنه لا يبلغ عني إلا رجل من أهل بيتي ، فأجابت بالجواب المذكور فيه عن أحب الناس كان إليه سوى أهل بيته ، وسئلت في حديثها الثاني عن علي ، وهو من أهل بيته ، فأجابت فيه بالجواب الذي أجابت به فيه ، وفي ذلك ما قد حقق ما حملنا عليه معنى حديث أسامة ، وحديث عمرو على ما ذكرنا من معنى كل واحد منهما الذي ذكرناه في هذا الباب . وما حقق ما ذكرنا فيما رويناه عن عائشة من سائر أهل بيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن سواهم من الناس في محبته . 6256 - ما قد حدثنا أبو أمية ، قال : حدثنا أبو نعيم ، قال : حدثنا يونس بن أبي إسحاق ، قال : حدثنا العيزار بن حريث ، قال : قال النعمان بن بشير : استأذن أبو بكر - رضي الله عنه - على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسمع صوت عائشة تقول : والله لقد عرفت أن عليا أحب إليك من أبي ، مرتين أو ثلاثا ، فاستأذن أبو بكر - رضي الله عنه - فدخل ، فأهوى إليها ، وقال : يا بنت فلانة ، ألا أسمعك ترفعين صوتك على رسول الله - صلى الله عليه وسلم فكان في هذا الحديث وقوف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ما قالت عائشة من ذلك ، فلم ينكره عليها ، وخرج جميع معاني كل ما رويناه في هذا الباب خروجا لا تضاد فيه ، ولم يكن ما ذكرناه من تقديم علي عليه السلام في محبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبا بكر فيها ، بمانع أن يكون أبو بكر يتقدمه بالفضل عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولكن كل واحد منهما له موضعه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من محبة ، ومن فضل رضوان الله عليهما ، وعلى سائر أصحابه سواهما ، والله نسأله التوفيق .
190 - باب بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ قَوْلِهِ : لِكُلِّ عَمَلٍ شِرَّةٌ . 1405 - حدثنا أَبُو أُمَيَّةَ قَالَ : حدثنا سُرَيْجُ بْنُ النُّعْمَانِ الْجَوْهَرِيُّ قَالَ : حدثنا هُشَيْمٌ قَالَ : حدثنا حُصَيْنٌ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إنَّ لِكُلِّ عَمَلٍ شِرَّةً ، وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةٌ ؛ فَإِمَّا إلَى سُنَّةٍ ، وَإِمَّا إلَى بِدْعَةٍ ؛ فَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إلَى سُنَّتِي فَقَدْ اهْتَدَى ، وَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَقَدْ هَلَكَ . 1406 - حدثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ قَالَ : حدثنا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ قَالَ : حدثنا شُعْبَةُ ، عَنْ حُصَيْنٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لِكُلِّ عَمَلٍ شِرَّةٌ ، وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةٌ ؛ فَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إلَى سُنَّةٍ فَقَدْ أَفْلَحَ ، وَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَقَدْ هَلَكَ . 1407 - حدثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُد قَالَ : حدثنا مُسَدَّدٌ قَالَ : حدثنا يَحْيَى يَعْنِي : ابْنَ سَعِيدٍ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ جَعْدَةَ بْنِ هُبَيْرَةَ قَالَ : ذُكِرَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَوْلَاةٌ لِبَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ تُصَلِّي وَلَا تَنَامُ وَتَصُومُ وَلَا تُفْطِرُ ، فَقَالَ : أَنَا أُصَلِّي وَأَنَامُ ، وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ . وَلِكُلِّ عَمَلٍ شِرَّةٌ ، وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةٌ ؛ فَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إلَى سُنَّةٍ فَقَدْ اهْتَدَى ، وَمَنْ تَكُنْ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَقَدْ ضَلَّ . 1408 - حدثنا فَهْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ : حدثنا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ قَالَ : حدثنا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : دَخَلْت أَنَا وَيَحْيَى بْنُ جَعْدَةَ عَلَى رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ مِنْ أَصْحَابِ الرَسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : ذُكِرَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَوْلَاةٌ لِبَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، ثُمَّ ذَكَرَ بَقِيَّةَ هَذَا الْحَدِيثِ . 1409 - حدثنا رَوْحُ بْنُ الْفَرَجِ قَالَ : حدثنا يُوسُفُ بْنُ عَدِيٍّ قَالَ : حدثنا عُبَيْدَةُ بْنُ حُمَيْدٍ النَّحْوِيُّ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : دَخَلْت أَنَا وَيَحْيَى بْنُ جَعْدَةَ عَلَى رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّ مَوْلَاةً لِمَوَالِي بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ . وَزَادَ : وَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي . 1410 - أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمُرَادِيُّ قَالَ : حدثنا أَسَدُ بْنُ مُوسَى قَالَ : حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ خازِمٍ ، عَنْ مُسْلِمٍ الْأَعْوَرِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إنَّ لِكُلِّ عَمَلٍ شِرَّةً ، ثُمَّ تَكُونُ شِرَّتُهُ إلَى فَتْرَةٍ ؛ فَإِنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إلَى سُنَّتِي فَقَدْ هُدِيَ ، وَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَقَدْ ضَلَّ . إنِّي لَأَقُومُ وَأَنَامُ ، وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ ؛ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي . 1411 - حدثنا بَكَّارَ بْنُ قُتَيْبَةَ قَالَ : حدثنا صَفْوَانُ بْنُ عِيسَى قَالَ : حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ ، عَنْ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إنَّ لِكُلِّ عَمَلٍ شِرَّةً ، وَإِنَّ لِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةً ؛ فَإِنْ صَاحِبُهَا سَدَّدَ وَقَرَّبَ فَارْجُوهُ ، وَإِنْ أُشِيرَ إلَيْهِ بِالْأَصَابِعِ فَلَا تَعُدُّوهُ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَطَلَبْنَا مَعْنَى هَذِهِ الشِّرَّةِ الْمَذْكُورَةِ فِي هَذِهِ الْآثَارِ مَا هُوَ؟ 1412 - فَوَجَدْنَا بَكَّارَ بْنَ قُتَيْبَةَ قَدْ حدثنا قَالَ : حدثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حدثنا سُفْيَانُ ، عَنْ عَمْرٍو ، عَنْ طَاوُسٍ قَالَ : ذُكِرَ الِاجْتِهَادُ فَقِيلَ : تِلْكَ حِدَّةُ الْإِسْلَامِ وَشِرَّتُهُ ، وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةٌ ؛ فَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إلَى سُنَّةٍ فَقَدْ هُدِيَ ، وَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إلَى بِدْعَةٍ أَوْ ضَلَالَةٍ فَقَدْ ضَلَّ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَوَقَفْنَا بِذَلِكَ عَلَى أَنَّهَا هِيَ الْحِدَّةُ فِي الْأُمُورِ الَّتِي يُرِيدُهَا الْمُسْلِمُونَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ فِي أَعْمَالِهِمْ الَّتِي يَتَقَرَّبُونَ بِهَا إلَى رَبِّهِمْ عَزَّ وَجَلَّ ، وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحَبَّ مِنْهُمْ فِيهَا مَا دُونَ الْحِدَّةِ الَّتِي لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ التَّقْصِيرِ عَنْهَا وَالْخُرُوجِ مِنْهَا إلَى غَيْرِهَا ، وَأَمَرَهُمْ بِالتَّمَسُّكِ مِنْ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ بِمَا قَدْ يَجُوزُ دَوَامُهُمْ عَلَيْهِ ، وَلُزُومُهُمْ إيَّاهُ حَتَّى يَلْقَوْا رَبَّهُمْ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِ . وَرُوِيَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي كَشْفِ ذَلِكَ الْمَعْنَى أَنَّهُ أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إلَى اللَّهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ . وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ . وَمَا قَدْ رُوِيَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ مِمَّا قَدْ تَقَدَّمَ مِنَّا فِي كِتَابِنَا هَذَا فَغَنِينَا بِذَلِكَ عَنْ إعَادَتِهِ ، وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
657 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغازي يغل من قتله ومن إحراق رحله . 4919 - حدثنا فهد بن سليمان حدثنا أبو سلمة موسى بن إسماعيل حدثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي ، عن صالح بن محمد قال أبو جعفر : وهو ابن زائدة قال دخلنا أرض الروم مع مسلمة بن عبد الملك فغل رجل فبعث مسلمة إلى سالم فقال : حدثني أبي قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من وجدتموه قد غل فاضربوا عنقه وأحرقوا متاعه وكان في متاعه أراه قال مصحف فسأل سالما فقال : بيعوه وتصدقوا بثمنه . 4920 - وحدثنا يحيى بن عثمان حدثنا نعيم بن حماد حدثنا عبد العزيز بن محمد ، عن صالح بن محمد بن زائدة قال كنت مع مسلمة بن عبد الملك ومعه سالم بن عبد الله بن عمر فأتي برجل قد غل فحدثه سالم ، عن أبيه . عن عمر ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من غل فأحرقوا متاعه واضربوه فجمع مسلمة متاعه فأحرقه إلا مصحفا كان فيه . 4921 - وحدثنا يوسف بن يزيد حدثنا سعيد بن منصور حدثنا عبد العزيز بن محمد قال : أخبرني صالح بن محمد قال كنت مع مسلمة بن عبد الملك في الغزو فوجد إنسانا قد غل فدعى سالم بن عبد الله فسأله ، عن ذلك فقال : حدثني أبي . عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من وجدتموه قد غل فاضربوه وأحرقوا متاعه فوجد في رحله مصحفا فسئل سالم ، عن ذلك فقال : بيعوه وتصدقوا بثمنه . 4922 - حدثنا الربيع بن سليمان المرادي حدثنا أسد بن موسى حدثنا عبد العزيز بن محمد ، ثم ذكره بإسناده ومتنه . قال أبو جعفر : فاختلف موسى بن إسماعيل ونعيم بن حماد على الدراوردي في إسناد هذا الحديث فلم يذكر موسى فيه بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين ابن عمر أباه عمر وذكره نعيم في إسناده واختلفا فيما يفعل به بعد إحراق رحله فقال موسى في حديثه : واضربوا عنقه ، وقال نعيم في حديثه : واضربوه . وأولى الحديثين عندنا في هذا الباب ما رواه موسى عليه لأنه الذي في أيدي الناس ، عن الدراوردي من غير حديثهما ولما كان ذلك كذلك وكان في حديثه الأمر بضرب عنقه وإحراق متاعه للغلول الذي كان منه وإن كنا لم نسمع بهذا في غير هذا الحديث ولا وجدنا أحدا من فقهاء الأمصار عليه غير مكحول فإنا وجدنا عنه في ذلك . 4923 - ما قد حدثنا أحمد بن الحسن الكوفي قال : سمعت سفيان بن عيينة يقول : حدثنا يزيد بن يزيد يعني ابن جابر الأزدي . عن مكحول وغيره قالوا إذا وجد الغلول في رحل الغازي أحرق متاعه . وإن كان مذهب أصحاب أهل الحديث في صالح بن محمد هذا تضعيف روايته من غير إسقاط منهم لها فتأملنا حديثه هذا هل نجد في كتاب الله عز وجل أو في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يخالفه أم لا فوجدنا الله عز وجل قد قال في كتابه والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا فأخبر عز وجل أن الذي أمر به فيهما من قطع أيديهما جزاء لما كان منهما وفي ذلك ما قد دل أن لا جزاء لهما فيما كان منهما غير قطع أيديهما وكان ذلك على سرقتهما ما هو مال لغيرهما لا حظ لهما فيه وكان الغال من الغنائم غالا لشيء له فيه حظ فكان معقولا أنه إذا كان غير واجد على من كان منه ما ذكر في الآية أنه ليس فيه إحراق رحله كان إذا كان له فيه حظ أحرى أن لا يجب عليه في غلوله منه إحراق رحله فانتفى بما ذكرنا أن يكون عليه في غلوله إحراق رحله ووجدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد روي عنه مما قد ذكرناه فيما تقدم منا في كتابنا هذا من الوجوه المقبولة أنه لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث كفر بعد إيمان أو زنى بعد إحصان أو نفس بنفس وفي ذلك ما ينفي أن يكون دمه يحل بما سوى هذه الأشياء الثلاثة وكان ما ذكر في الحديث الأول من ضرب عنقه فيه غير هذه الثلاثة الأشياء فكان فيما رويناه من هذه الآثار المقبولة ما قد نفى ذلك . فقال قائل فقد يجوز أن يكون هذا الحكم كان بعدما في هذه الآثار المقبولة فلحق بها . فكان جوابنا له في ذلك أن ما ذكر من ذلك محتمل غير أنا لم تقم الحجة علينا أن ذلك كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما كان منه في تلك الآثار لم يجز لنا إلحاقه فيها وكان الحظر عندنا على حاله حتى تقوم الحجة علينا بإطلاق شيء مما في ذلك الحظر فنطلقه وبالله التوفيق .
191 - باب بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ قَوْلِهِ : الْمُسْلِمُونَ تَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ . 1413 - حدثنا أَبُو الْقَاسِمِ هِشَامُ بْنُ مُحَمَّدٍ بْنِ قُرَّةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حُمَيْدٍ بْنِ أَبِي خَلِيفَةَ قَالَ : حدثنا أَبُو جَعْفَرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَامَةَ الْأَزْدِيُّ قَالَ : حدثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُد قَالَ : حدثنا مُسَدَّدُ بْنُ مُسَرْهَدٍ قَالَ : حدثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ قَالَ : حدثنا قَتَادَةَ ، عَنْ الْحَسَنِ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ عَبَّادٍ قَالَ : انْطَلَقْتُ أَنَا وَالْأَشْتَرُ إلَى عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقُلْنَا : هَلْ عَهِدَ إلَيْكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَهْدًا لَمْ يَعْهَدْهُ إلَى النَّاسِ عَامَّةً ؟ قَالَ : لَا ، إلَّا مَا كَانَ فِي كِتَابِي هَذَا . فَأَخْرَجَ كِتَابًا مِنْ قِرَابِ سَيْفِهِ فَإِذَا فِيهِ : الْمُؤْمِنُونَ تَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ ، وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ ، وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ . لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ ، وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ ، وَمَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا فَعَلَى نَفْسِهِ ، وَمَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَتَأَمَّلْنَا قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : الْمُؤْمِنُونَ تَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ . فَوَجَدْنَا أَهْلَ الْعِلْمِ جَمِيعًا لَا يَخْتَلِفُونَ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ أَنَّهُ عَلَى التَّسَاوِي فِي الْقِصَاصِ وَالدِّيَاتِ ، وَأَنَّ ذَلِكَ يَنْفِي أَنْ يَكُونَ لِشَرِيفٍ عَلَى وَضِيعٍ فَضْلٌ فِي ذَلِكَ ، وَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ رَدًّا عَلَى أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ فِي تَرْكِهِمْ قَتْلَ الشَّرِيفِ بِقَتْلِهِ الْوَضِيعَ ، وَفِي ذَلِكَ مَا قَدْ عَقَلْنَا بِهِ أَنَّ النِّسَاءَ فِي جَرْيِ ذَلِكَ كَالرَّجُلِ ، وَأَنَّ الرَّجُلَ يُقْتَلُ بِالْمَرْأَةِ كَمَا تُقْتَلُ الْمَرْأَةُ بِالرَّجُلِ . ثُمَّ تَأَمَّلْنَا قَوْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ ، فَوَجَدْنَا الذِّمَّةَ الْمُرَادَةَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ نَفْيَ الْأَمَانِ ، وَأَنَّهُ إذَا أَعْطَى الرَّجُلُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ الْعَدُوَّ أَمَانًا جَازَ ذَلِكَ عَلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ ، لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَخْفِرُوهُ . وَمِثْلُ هَذَا مَا قَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أَمَانِ زَيْنَبَ ابْنَتِهِ أَبَا الْعَاصِ بْنَ الرَّبِيعِ الَّذِي كَانَ زَوْجُهَا 1414 - كَمَا قَدْ حدثنا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : أخبرنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ لَهِيعَةَ ، عَنْ مُوسَى بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ الْغِفَارِيِّ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُا أَنَّ أَبَا الْعَاصِ بْنَ الرَّبِيعِ قُدِمَ بِهِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَسِيرًا ، فَبَعَثَ إلَى زَوْجَتِهِ أَنْ خُذِي لِي جِوَارًا مِنْ أَبِيك . فَلَمَّا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ أَخْرَجَتْ زَيْنَبُ وَجْهَهَا ، وَقَالَتْ : أَنَا زَيْنَبُ ابْنَةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنِّي قَدْ أَمَّنْتُ أَبَا الْعَاصِ . فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ صَلَاتِهِ قَالَ : هَذَا أَمْرٌ مَا عَلِمْتُ بِهِ حَتَّى الْآنَ ، وَإِنَّهُ يُجِيرُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَدْنَاهُمْ . 1415 - وَكَمَا حدثنا إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ يُونُسَ الْبَغْدَادِيُّ قَالَ : حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ أَبُو سَعِيدٍ قَالَ : حدثنا أَيُّوبُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ قَالَ : حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَصَالِحٍ يَعْنِي : ابْنَ كَيْسَانَ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ زَيْنَبَ هَاجَرَتْ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَزَوْجُهَا كَافِرٌ ، ثُمَّ لَحِقَ زَوْجُهَا بِالشَّامِ . فَأَسَرَ الْمُسْلِمُونَ أَبَا الْعَاصِ ، فَقَالَتْ زَيْنَبُ : إنِّي قَدْ أَجَرْت أَبَا الْعَاصِ . فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : قَدْ أَجَرْنَاهُ . وَقَالَ : يُجِيرُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَدْنَاهُمْ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَدَلَّ مَا ذَكَرْنَا عَلَى أَنَّ الْجِوَارَ مِنْ بَعْضِ الْمُسْلِمِينَ كَالْجِوَارِ مِنْ كُلِّهِمْ ، فَاحْتُمِلَ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : وَإِنَّهُ يُجِيرُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَدْنَاهُمْ . يَكُونُ ذَلِكَ إرَادَةً مِنْهُ أَنَّ أَدْنَاهُمْ الْمَرْأَةُ ، وَاحْتُمِلَ أَنْ يَكُونَ أَدْنَاهُمْ هُوَ الْعَبْدُ ، وَيَكُونَ لَمَّا كَانَ أَدْنَاهُمْ وَكَانَ أَمَانُهُ جَائِزًا عَلَيْهِمْ أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ الْحُرَّةُ الْمُسْلِمَةُ بِذَلِكَ أَوْلَى مِنْهُ ، وَأَنْ يَكُونَ مَا كَانَ مِنْ خِطَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمُسْلِمِينَ بِمَا خَاطَبَهُمْ بِهِ مِنْ هَذَا إعْلَامًا لَهُمْ أَنَّ ذَلِكَ الْجِوَارَ لَمَّا كَانَ قَدْ يَكُونُ مِنْ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ كَانَ بِأَنْ يَكُونَ مِنْ الْمَرْأَةِ الْحُرَّةِ الْمُسْلِمَةِ أَحْرَى . ثُمَّ تَأَمَّلْنَا قَوْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ ، وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ - فَوَجَدْنَا أَهْلَ الْعِلْمِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ عَلَى مَذْهَبَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ : فَطَائِفَةٌ مِنْهُمْ تَقُولُ : ذَلِكَ عَلَى التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ فِي الْمَعْنَى لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ بِكَافِرٍ ، فَيَكُونُ الْكَافِرُ الْمُرَادُ بِذَلِكَ هُوَ الْكَافِرُ غَيْرُ ذِي الْعَهْدِ ، وَهُمْ الَّذِينَ يَقُولُونَ : إنَّ الْمُؤْمِنَ يُقْتَلُ بِالذِّمِّيِّ إذَا قَتَلَهُ عَمْدًا . وَمِمَّنْ يَقُولُ ذَلِكَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ . وَطَائِفَةٌ مِنْهُمْ تَقُولُ : الْكَافِرُ الَّذِي لَا يُقْتَلُ الْمَذْكُورُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ هُوَ الْكَافِرُ الْمُعَاهَدُ ، لَا يُقْتَلُ فِي عَهْدِهِ عَلَى كَلَامٍ مُسْتَقْبَلٍ بَعْدَ لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ ، وَبَعْدَ انْقِطَاعِ مَعْنَاهُ . وَمِمَّنْ ذَهَبَ إلَى ذَلِكَ مِنْهُمْ ، وَتَأَوَّلَ هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى الشَّافِعِيُّ فَلَمْ يَقْتُلْ الْمُؤْمِنَ بِالْكَافِرِ الْمُعَاهَدِ ، وَقَدْ كَانَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ يَذْهَبُ إلَى هَذَا الْمَعْنَى أَنْ لَا يُقْتَلَ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ مُعَاهَدٍ . فَأَمَّا تَأْوِيلُ الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَيْنَاهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَنْ لَا يُقْتَلَ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ وَلَا ذُو عَهْدٍ بِعَهْدِهِ فَإِنَّا لَا نَرْوِي عَنْهُ فِي ذَلِكَ شَيْئًا . وَلَمَّا أَشْكَلَ هَذَا الْمَعْنَى الَّذِي وَصَفْنَا وَوَقَعَ فِيهِ الِاخْتِلَافُ الَّذِي ذَكَرْنَا تَأَمَّلْنَا ذَلِكَ ، فَوَجَدْنَا قَوْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ - لَا يَخْلُو مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ : أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى مَا قَبْلَهُ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ فِيهِ ، أَوْ عَلَى كَلَامٍ مُسْتَأْنَفٍ بِمَعْنَى وَلَا يُقْتَلُ ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، فَوَجَدْنَاهُمْ لَا يَخْتَلِفُونَ أَنَّ ذَا الْعَهْدِ جَائِزٌ قَتْلُهُ بِمَنْ يَقْتُلُهُ قَوَدًا بِهِ ، فَكَانَ فِي ذَلِكَ مَا قَدْ دَلَّ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ - عَلَى نَفْيِ الْقَتْلِ عَنْهُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا وَجَبَ أَنْ يُقْتَلَ عَلَى حَالٍ مِنْ الْأَحْوَالِ مَا كَانَ فِي عَهْدِهِ . وَلَمَا وَجَبَ أَنْ يُقْتَلَ فِي عَهْدِهِ بِحَالٍ مِنْ الْأَحْوَالِ عَقَلْنَا بِذَلِكَ أَنَّ الْمُرَادَ بِأَنْ لَا يُقْتَلَ فِي عَهْدِهِ إنَّمَا هُوَ بِأَنْ لَا يُقْتَلَ بِمَعْنًى خَاصٍّ ، وَلَا خَاصَّ فِي هَذَا غَيْرُ الْكَافِرِ الْحَرْبِيِّ ؛ لِأَنَّهُ انْعَطَفَ عَلَيْهِ فَصَارَ الْمُرَادُ بِأَنْ لَا يُقْتَلَ أَيْ : بِمَا لَا يُقْتَلُ بِهِ الْمُؤْمِنُ الْمَذْكُورُ قَتْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ . وَعَادَ مَعْنَى قَوْلِهِ : لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ ، وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ - إلَى أَنْ لَا يُقْتَلَ مُؤْمِنٌ وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ بِكَافِرٍ ، وَذُو الْعَهْدِ كَافِرٌ - فَدَلَّ ذَلِكَ أَنَّ الْكَافِرَ الْمُرَادَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ هُوَ الْكَافِرُ غَيْرُ ذِي الْعَهْدِ ، وَأَنَّ قَوْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْهُ عَلَى التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ بِمَعْنَاهُ لَوْ قَالَ : لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ بِكَافِرٍ . كَمِثْلِ قَوْلِ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ فِي كِتَابِهِ : وَاللائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللائِي لَمْ يَحِضْنَ . بِمَعْنَى : وَاَللَّائِي يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إنْ ارْتَبْتُمْ وَاَللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ ، وَهَذَا قَوْلٌ النَّظَرُ يُوجِبُهُ ، وَالْقِيَاسُ يَشُدُّهُ ؛ لِأَنَّا رَأَيْنَا ذَا الْعَهْدِ حَرُمَ دَمُهُ بِعَهْدِهِ كَمَا حَرُمَ مَالُهُ بِعَهْدِهِ ، وَقَدْ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ حَلَالَ الدَّمِ حَلَالَ الْمَالِ ، ثُمَّ صَارَ بِالْعَهْدِ حَرَامَ الدَّمِ حَرَامَ الْمَالِ ، وَكَانَ مَنْ سَرَقَ مِنْ مَالِهِ مَا يَجِبُ الْقَطْعُ فِي مِثْلِهِ قُطِعَ فِي ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا كَمَا يُقْطَعُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ إذَا سَرَقَهُ مِنْ مَالِ مُسْلِمٍ . فَكَانَتْ حُرْمَةُ الْمَالِ بِالْعَهْدِ كَحُرْمَتِهَا بِالْإِسْلَامِ فِيمَا ذَكَرْنَا سَوَاءً ، أَوْ كَانَتْ الْعُقُوبَةُ عَلَى مُنْتَهِكِهَا كَالْعُقُوبَةِ عَلَى مُنْتَهِكِ مِثْلِهَا مِمَّا قَدْ حَرُمَ بِالْإِسْلَامِ . وَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فِي الْأَمْوَالِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ فِي الدِّمَاءِ كَذَلِكَ ، وَأَنْ يَكُونَ الدَّمُ الَّذِي قَدْ حَرُمَ بِالْعَهْدِ كَالدَّمِ الَّذِي قَدْ حَرُمَ بِالْإِسْلَامِ ، وَأَنْ تَكُونَ الْعُقُوبَةُ بِانْتِهَاكِهِ لِحُرْمَتِهِ بِالْعَهْدِ كَالْعُقُوبَةِ فِي انْتِهَاكِهِ مِثْلَهُ لِحُرْمَتِهِ بِالْإِسْلَامِ . بَلْ قَدْ رَأَيْنَا حُرْمَةَ الدِّمَاءِ فِي هَذَا فَوْقَ حُرْمَةِ الْأَمْوَالِ ؛ لِأَنَّا قَدْ رَأَيْنَا الْعَبْدَ يَسْرِقُ مَالَ مَوْلَاهُ فَلَا يُقْطَعُ ، وَإِنْ كَانَ قَدْ سَرَقَهُ مِنْ حِرْزٍ ، وَرَأَيْنَاهُ يَقْتُلُ مَوْلَاهُ عَمْدًا فَيُقْتَلُ ؛ فَكَانَ الدَّمُ فِيمَا ذَكَرْنَا فِي الْحُرْمَةِ أَغْلَظَ مِنْ الْمَالِ فِيمَا ذَكَرْنَا فِي الْحُرْمَةِ . وَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، وَكَانَتْ الْعُقُوبَةُ فِيهِمَا جَمِيعًا فِي غَيْرِ الْأَوْكَدِ سَوَاءً ، كَانَتْ الْعُقُوبَةُ فِي الْأَوْكَدِ مِنْهُمَا فِيمَا حَرُمَ بِالْإِسْلَامِ وَفِيمَا حَرُمَ بِالذِّمَّةِ أَحْرَى أَنْ يَكُونَا سَوَاءً أَوْ أَنْ تَكُونَ الْعُقُوبَةُ فِي انْتِهَاكِ الدِّمَاءِ الْمُحَرَّمَةِ بِالْمِلَّةِ وَبِالذِّمَّةِ سَوَاءً كَالْعُقُوبَةِ فِي الْأَمْوَالِ الْمُحَرَّمَةِ بِالْمِلَّةِ وَالذِّمَّةِ الَّتِي قَدْ جُعِلَتْ سَوَاءً . فَقَالَ قَائِلٌ : فَهَلْ رُوِيَ هَذَا الْقَوْلُ فِي قَتْلِ الْمُؤْمِنِ بِالْكَافِرِ ذِي الْعَهْدِ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قِيلَ لَهُ : نَعَمْ . قَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ 1416 - كَمَا قَدْ حدثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ قَالَ : حدثنا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ قَالَ : حدثنا شُعْبَةُ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَيْسَرَةَ ، عَنْ النَّزَّالِ بْنِ سَبْرَةَ قَالَ : قَتَلَ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ رَجُلًا مِنْ الْعِبَادِ ، فَذَهَبَ أَخُوهُ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، فَكَتَبَ عُمَرُ أَنْ يُقْتَلَ ، فَجَعَلُوا يَقُولُونَ : اُقْتُلْ ، حُنَيْنُ . فَيَقُولُ : حَتَّى يَجِيءَ الْغَيْظُ ، قَالَ : فَكَتَبَ أَنْ يُودَى وَلَا يُقْتَلَ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَهَذَا عُمَرُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَدْ أَمَرَ أَنْ يُقْتَلَ الْمُسْلِمُ بِالْكَافِرِ الْمُعَاهَدِ ، فَقَالَ قَائِلٌ : فَكَيْفَ كَتَبَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يُودَى وَلَا يُقْتَلَ ؟ قِيلَ لَهُ : ذَلِكَ عِنْدَنَا - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - كَانَ مِنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِمَا كَانَ مِنْ أَخِي الْمَقْتُولِ لَمَّا أُبِيحَ لَهُ قَتْلُ قَاتِلِ أَخِيهِ بِأَخِيهِ ، فَكَانَ يَقُولُ عِنْدَ ذَلِكَ : حَتَّى يَجِيءَ الْغَيْظُ ، فَدَخَلَتْ بِذَلِكَ شُبْهَةٌ مِنْهُ احْتَمَلَتْ أَنْ يَكُونَ مَا كَانَ مِنْهُ بِمَعْنَى الْعَفْوِ عَنْ قَاتِلِ أَخِيهِ قَبْلَ أَنْ يَجِيءَ الْغَيْظُ ، فَيَكُونُ ذَلِكَ الْعَفْوُ فِي تِلْكَ الْحَالِ بُطْلَانًا لِحَقِّهِ فِيهَا وَفِيمَا بَعْدَهَا . وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ مِمَّا لَا عَفْوَ فِيهِ فِيهَا وَلَا فِيمَا بَعْدَهَا ، فَكَتَبَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عِنْدَ تِلْكَ الشُّبْهَةِ بِدَرْءِ الْقَوَدِ وَإِيجَابِ الدِّيَةِ مَكَانَهُ ، فَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَفْعَلَ عِنْدَ دُخُولِ الشُّبَهِ بِدَرْءِ الْقَوَدِ ، وَيُوجِبَ الدِّيَاتِ مَكَانَهَا . وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
848 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من قوله لعثمان - رضي الله عنه - : إن الله - عز وجل - مقمصك قميصا ، فإن أرادوك على خلعه ، فلا تخلعه . 6257 - حدثنا محمد بن سليمان بن الحارث الباغندي ، وفهد بن سليمان بن يحيى ، قالا : حدثنا المنهال بن بحر ، قال : حدثنا حماد بن سلمة ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجد يوما ألما ، فأرسل إلى عثمان - رضي الله عنه - فسمعته يقول له : يا عثمان : إن الله - عز وجل - سيقمصك قميصا ، فإن أرادوك على خلعه ، فلا تخلعه . فقيل لها : فأين كنت ؟ لم تذكري هذا ! قالت : نسيته . 6258 - وحدثنا سليمان بن شعيب الكيساني ، قال : حدثنا أسد بن موسى ، قال : حدثنا معاوية بن صالح . وحدثنا فهد وهارون بن كامل ، قالا : حدثنا عبد الله بن صالح ، قال : حدثني معاوية بن صالح ، عن عبد الله بن عامر ، عن نعمان بن بشير الأنصاري ، قال : قالت لي عائشة : سمعت نبي الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يقول : يا عثمان بن عفان ، لعل الله - عز وجل - يقمصك قميصا ، فإن أرادوك على خلعه ، فلا تخلعه ، يا عثمان بن عفان ، إنه لعل الله - عز وجل - يقمصك قميصا ، فإن أرادوك على خلعه ، فلا تخلعه ، قال : فقلت : يا أم المؤمنين ، فأين كنت من هذا الحديث ، فقالت : نسيته والله يا ابن أختي ، ما ظننت أني سمعته فتأملنا هذا الحديث ، فوجدنا بيعة عثمان - رضي الله عنه - قد كانت بيعة هدى ورشد واستقامة ، واتفاق من المهاجرين والأنصار وأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سواهم عليها ، لم يتنازعوا في ذلك ، ولم يختلفوا فيه ، وجرى الأمر له - رضوان الله عليه - على ذلك ما شاء الله أن يجري له من مدة خلافته ، ثم وقع بين الناس في أمره ما وقع من الاختلاف ، وادعى بعضهم عليه التبديل والتغيير لما كان عليه قبل ذلك ، وحاش لله - عز وجل - أن يكون كان ذلك كذلك حتى كان سببا لتحزبهم عليه في أمره ، واختلافهم عليه فيه ، وحتى هم بعضهم بإزالته عن ذلك لدعواه عليه الخروج عنه بالأحداث التي ادعوا عليه أنه أحدثها مما لا يصلح معها بقاؤه عليها ، وكان ما تقدم من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أمره مما خاطبه به في عهده إليه في ذلك الأمر ، مما أطلعه الله - عز وجل - عليه منه ما قد رويناه في هذا الحديث دليلا على أن أحواله رضوان الله عليه حينئذ هي الأحوال التي استحق بها ما استحق من الخلافة في بدء أمره ، وفي اجتماع الناس على ذلك له لم يتغير عن ذلك ، ولم يحل عنه إلى ما سواه ؛ لأنه لو كان قد تغير عن ذلك ، وحال عنه إلى ما سواه مما ادعي عليه لخرج بذلك مما كان قد وجبت له ولايته بما كان عليه من الأسباب الموجبة له لما أمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالتمسك بالخلافة التي كان عليها ، ولأمره برده إياها إلى من سواه ممن يستحقها ؛ لأن الله تبارك وتعالى قد كان أعلمه ما كان ينزل به ، وما كان يطلب من أجله ترك الخلافة التي قد كانت إليه قبل ذلك مما كان استحقاقه إياها بالأسباب التي كانت فيه ، وفي أمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إياه بلزومها ، وبالتمسك بها ، ما قد دل أن أحواله في وقته ذلك أحوال استحقاق لها ، لا تبديل معه فيها ، ولا تغير عما كان عليه قبل ذلك مما استحقها به ، وبالله التوفيق .
192 - باب بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ قَوْلِهِ جَوَابًا لِابْنِ عُمَرَ لَمَّا سَأَلَهُ عَنْ أَخْذِهِ الدَّنَانِيرَ بِالدَّرَاهِمِ وَالدَّرَاهِمَ بِالدَّنَانِيرِ فِي الْبَيْعِ : إذَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ صَرْفِ يَوْمِكُمَا وَافْتَرَقْتُمَا ، وَلَيْسَ بَيْنَكُمَا شَيْءٌ - فَلَا بَأْسَ . 1417 - حدثنا أَبُو أُمَيَّةَ قَالَ : حدثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى الْعَبْسِيُّ قَالَ : حدثنا إسْرَائِيلُ بْنُ يُونُسَ يَعْنِي : عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : أَتَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ فِي حُجْرَةِ حَفْصَةَ ، فَقُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، رُوَيْدَك أَسْأَلُك ! إنِّي أَبِيعُ الْإِبِلَ بِالنَّقِيعِ فَأَبِيعُ بِالدَّنَانِيرِ وَآخُذُ الدَّرَاهِمَ ، وَأَبِيعُ بِالدَّرَاهِمِ وَآخُذُ الدَّنَانِيرَ ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إذَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ صَرْفِ يَوْمِكُمَا ، وَافْتَرَقْتُمَا ، وَلَيْسَ بَيْنَكُمَا شَيْءٌ - فَلَا بَأْسَ . 1418 - حدثنا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَ : حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ قَالَ : حدثنا إسْرَائِيلُ ، ثُمَّ ذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ : لَا بَأْسَ إذَا أَخَذْت بِسِعْرِ يَوْمِكَ . 1419 - حدثنا صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَنْصَارِيُّ قَالَ : حدثنا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِئ ( ح ) وَحدثنا يُونُسُ قَالَ : حدثنا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ ( ح ) ، وَحدثنا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ قَالُوا : حدثنا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ التَّيْمِيُّ وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ إبْرَاهِيمَ الْجُدِّيُّ ، وَحدثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ الرَّبِيعِ اللُّؤْلُؤِيُّ قَالَ : حدثنا إسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ أَبُو بِشْرٍ ، ثُمَّ اجْتَمَعُوا جَمِيعًا فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ : حدثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ سِمَاكٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ . ثُمَّ ذَكَرُوا جَمِيعًا مِثْلَهُ ، غَيْرَ أَنَّ بَعْضَهُمْ جَاءَ بِهِ عَلَى لَفْظِ حَدِيثِ أَبِي أُمَيَّةَ ، وَجَاءَ بِهِ بَعْضُهُمْ عَلَى لَفْظِ حَدِيثِ يَزِيدَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَثِيرٍ . فَقَالَ قَائِلٌ : مَا مَعْنَى سِعْرِ الْيَوْمِ الَّذِي يَتَصَارَفَانِ فِيهِ ، وَقَدْ رَأَيْنَا الْبِيَاعَاتِ تَجُوزُ بَيْنَ النَّاسِ فِي مِثْلِ هَذَا بِسِعْرِ يَوْمِهَا وَبِأَكْثَرَ مِنْ سِعْرِ يَوْمِهَا ، وَبِأَقَلَّ مِنْ سِعْرِ يَوْمِهَا لَا اخْتِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي ذَلِكَ وَفِي جَوَازِهِ وَفِي اسْتِقَامَتِهِ ؟ فَمَا بَالُ سِعْرِ يَوْمِهَا اُلْتُمِسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ؟ فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ وَعَوْنِهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَلَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ فِي سُؤَالِهِ إيَّاهُ عَمَّا سَأَلَهُ عَنْهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى الْوَرَعِ الَّذِي يَجِبُ عَلَى النَّاسِ اسْتِعْمَالُهُ فِيمَا سَأَلَهُ عَنْهُ ، وَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ لَوْ جَرَى بِخِلَافِهِ فِيمَا سَأَلَهُ عَنْهُ لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ مِنْ جَوَازِ الْبَيْعِ وَوُجُوبِهِ ، وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ كَانَتْ لَهُ دَنَانِيرُ عَلَى رَجُلٍ أَوْ كَانَتْ لَهُ دَرَاهِمُ فَجَاءَ يَطْلُبُهَا مِنْهُ ، فَبَدَّلَ لَهُ مَكَانَ الدَّنَانِيرِ دَرَاهِمَ أَوْ مَكَانَ الدَّرَاهِمِ دَنَانِيرَ ، وَدَعَاهُ إلَى أَخْذِهَا بِاَلَّذِي لَهُ عَلَيْهِ مِنْ خِلَافِهَا - جَازَ أَنْ يَكُونَ يُرِيدُ مِنْهُ أَنْ يَهْضِمَهُ مِمَّا لَهُ عَلَيْهِ بِإِعْطَائِهِ بِهِ غَيْرَهُ ، وَتَدْعُو الضَّرُورَةُ صَاحِبَ الدَّيْنِ إلَى أَخْذِ ذَلِكَ ، وَاحْتِمَالِ الضَّيْمِ فِيهِ وَالْهَضِيمَةِ مِنْ دَيْنِهِ ، فَعَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ابْنَ عُمَرَ مَا يَكُونُ إذَا فَعَلَهُ بِخِلَافِ ذَلِكَ ، وَأَنْ يَكُونَ يَعْتَبِرُ سِعْرَ يَوْمِهِ فِيمَا يُعْطِيهِ غَرِيمُهُ بِمَا لَهُ عَلَيْهِ مِنْ خِلَافِ جِنْسِ مَا يُعْطِيهِ . فَإِنْ كَانَ مَا يُعْطِيهِ سِعْرَ يَوْمِهِ يَهْنَأُ لِغَرِيمِهِ أَنْ يَتَحَوَّلَ عَنْهُ بِمَا يَأْخُذُهُ مِنْهُ إلَى مَنْ سِوَاهُ مِنْ الْبَاعَةِ ، فَيُعْطِيهِ ذَلِكَ بِمِثْلِ دَيْنِهِ الَّذِي كَانَ لَهُ عَلَى غَرِيمِهِ ، فَيَنْصَرِفُ مَوْفُورًا ، وَيَصِيرُ أَخْذُهُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ غَرِيمِهِ كَأَخْذِهِ إيَّاهُ مِنْ غَرِيمِهِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ عَادَ إلَيْهِ مِثْلُ الَّذِي كَانَ لَهُ عَلَى غَرِيمِهِ . وَاسْتَوَى أَخْذُهُ إيَّاهُ مِنْ غَيْرِ غَرِيمِهِ ، وَأَخْذُهُ إيَّاهُ لَوْ أَخَذَهُ مِنْ غَرِيمِهِ . وَإِذَا أَعْطَاهُ بِغَيْرِ سِعْرِ يَوْمِهِ خِلَافَ دَيْنِهِ مِمَّا إذَا تَحَوَّلَ بِهِ إلَى غَيْرِهِ مِنْ الْبَاعَةِ ، ثُمَّ طَلَبَ مِنْهُ أَنْ يُعْطِيَهُ بِهِ مِثْلَ دَيْنِهِ الَّذِي كَانَ لَهُ عَلَى غَرِيمِهِ - لَمْ يُعْطِهِ ذَلِكَ ؛ لِمَا عَلَيْهِ فِيهِ مِنْ الْهَضِيمَةِ ، فَعَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ التَّوَرُّعَ مِنْ ذَلِكَ ، وَاسْتِعْمَالَ مَا لَا هَضِيمَةَ فِيهِ عَلَى غَرِيمِهِ ، وَمَا يَسْتَطِيعُ غَرِيمُهُ أَنْ يَتَعَوَّضَ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ مِثْلَ دَيْنِهِ لَا مَا يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ . وَهَذِهِ حِكْمَةٌ جَلِيلَةٌ لَا يَحْتَمِلُهَا إلَّا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ، وَهِيَ الَّتِي يَنْبَغِي لِذِوي الْمُعَامَلَاتِ أَنْ لَا يَعْدُوَهَا فِي مُعَامَلَاتِهِمْ إلَى مَا سِوَاهَا مِنْ أَضْدَادِهَا ، وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
656 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الواجب على من ترك الجمعة متعمدا . 4918 - حدثنا محمد بن خزيمة حدثنا حجاج بن منهال حدثنا همام بن يحيى حدثنا قتادة ، عن قدامة بن وبرة . عن سمرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من ترك الجمعة من غير عذر فليتصدق بدينار فإن لم يجد فبنصف دينار . والذي ذكرناه في الباب الذي قبل هذا الباب يدل على المعنى في هذا الحديث الذي ذكرناه في هذا الباب وفي هذا الحديث من ترك الجمعة في غير عذر . فقال قائل هذا الحديث يدل على أن لا شيء عليه للعذر . فكان جوابنا له في ذلك إنه إن كان ما أمر به هذا الرجل كفارة لم يسقط عنه ما أمر به في ذلك بالعذر ولا بغير العذر كما لم تسقط الكفارة في حلق الرأس في الإحرام بالعذر وكانت واجبة في العذر وفي غير العذر وإن كان الذي في هذا الحديث أريد به بغير الكفارة ففي ذلك ما قد دل أنه صدقة تبرر وفي ذلك ما قد دل على أن الصدقة في الجماع في الحيض كذلك وإنها صدقة تبرر لا صدقة كفارة لأنه لو كان كفارة لما سقط في حال العذر كما لم تسقط الكفارة بالعذر في حلق الرأس بالإحرام من أذى وبالله التوفيق .
193- بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ دُعَائِهِ لِأَهْلِ مَدِينَتِهِ أَنْ يُبَارَكَ لَهُمْ فِي صَاعِهِمْ وَمُدِّهِمْ . 1420 - حدثنا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ أَنَّ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ أَخْبَرَهُ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي مِكْيَالِهِمْ ، وَبَارِكْ لَهُمْ فِي صَاعِهِمْ وَفِي مُدِّهِمْ . يَعْنِي : أَهْلَ الْمَدِينَةِ . 1421 - حدثنا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ قَالَ : حدثنا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْحَضْرَمِيُّ قَالَ : حدثنا وُهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ : حدثنا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى الْمَازِنِيُّ ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إبْرَاهِيمُ حَرَّمَ مَكَّةَ وَدَعَا لَهُمْ ، وَإِنِّي حَرَّمْت الْمَدِينَةَ وَدَعَوْت لَهُمْ بِمِثْلِ مَا دَعَا بِهِ إبْرَاهِيمُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَهْلِ مَكَّةَ أَنْ يُبَارَكَ لَهُمْ فِي مُدِّهِمْ وَصَاعِهِمْ . 1422 - حدثنا يُونُسُ قَالَ : أخبرنا ابْنُ وَهْبٍ أَنَّ مَالِكًا أَخْبَرَهُ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : كَانَ النَّاسُ إذَا رَأَوْا الثَّمَرَ جَاؤُوا بِهِ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا أَخَذَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي ثَمَرِنَا ، وَبَارِكْ لَنَا فِي صَاعِنَا ، وَبَارِكْ لَنَا فِي مُدِّنَا ! اللَّهُمَّ إنَّ إبْرَاهِيمَ عَبْدُكَ وَخَلِيلُكَ وَنَبِيُّكَ ، وَإِنِّي عَبْدُكَ وَنَبِيُّكَ وَإِنَّهُ دَعَا لِمَكَّةَ وَإِنِّي أَدْعُوكَ لِلْمَدِينَةِ بِمِثْلِ مَا دَعَاكَ بِهِ لِمَكَّةَ وَمِثْلِهِ مَعَهُ . قَالَ : ثُمَّ يَدْعُو أَصْغَرَ وَلِيدٍ يَرَاهُ فَيُعْطِيهِ ذَلِكَ الثَّمَرَ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَتَأَمَّلْنَا هَذِهِ الْآثَارَ وَمَا فِيهَا مِنْ قَصْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِدُعَائِهِ بِالْبَرَكَةِ إلَى الصَّاعِ وَالْمُدِّ وَالْمِكْيَالِ ، فَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَنَا مِنْهُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - إرَادَةً مِنْهُ بِهِ الْبَرَكَةَ فِيمَا يُكَالُ بِالصَّاعِ وَالْمُدِّ وَالْمِكْيَالِ مِنْ الثِّمَارِ الَّتِي هِيَ أَمْوَالُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، وَمِنْهَا عَيْشُ سَاكِنِيهَا ، وَكَانَ قَصْدُهُ بِذَلِكَ إلَى الصَّاعِ وَالْمُدِّ وَالْمِكْيَالِ قَصْدًا مِنْهُ إلَى الْمَكِيلِ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ . وَمِثْلُ هَذَا مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ قَوْلُ اللَّهِ عز وجل : وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا . وَكَانَتْ الْمَدِينَةُ دَارَ الثِّمَارِ لَا مَا سِوَاهَا ، فَقَصَدَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالدُّعَاءِ لِأَهْلِ تِلْكَ الثِّمَارِ بِالْبَرَكَةِ فِيمَا يَعْتَبِرُونَ ثِمَارَهُمْ ، وَفِيمَا يَبِيعُونَهَا بِهِ ، وَفِيمَا يَقْضُونَ دَيْنَهُمْ مِنْهَا بِهِ ، وَفِيمَا يَعُولُونَ بِهِ مَنْ يَعُولُونَهُ ، وَلَمْ تَكُنْ دَارَ مَا يُسْتَعْمَلُ فِيهِ سِوَى الْمَكَايِيلِ مِنْ الْمَوَازِينِ ، فَيَحْتَاجُوا إلَى الدُّعَاءِ لَهُمْ بِالْبَرَكَةِ فِي مَوَازِينِهِمْ كَمَا احْتَاجَ إلَى الدُّعَاءِ لَهُمْ بِالْبَرَكَةِ فِي مَكَايِيلِهِمْ ، وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
849 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سب الوالدين : أنه أكبر الذنوب ، أو أكبر الكبائر . 6259 - حدثنا يونس بن عبد الأعلى ، قال : حدثنا عبد الله بن يوسف ، قال : حدثني الليث بن سعد ، عن يزيد بن الهاد ، عن سعد بن إبراهيم ، عن حميد بن عبد الرحمن ، عن عبد الله بن عمرو ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن أكبر الذنب أن يسب الرجل والديه . قيل له : يا رسول الله ، وكيف يسب الرجل والديه ؟ قال : يسب الرجل ، فيسب أباه ، ويسب أمه ، فيسب أمه . 6260 - وحدثنا إبراهيم بن مرزوق ، قال : حدثنا وهب بن جرير ، قال : حدثنا شعبة وحدثنا محمد بن خزيمة ، قال : حدثنا علي بن الجعد ، قال : أخبرنا شعبة ، عن سعد بن إبراهيم ، قال : سمعت حميد بن عبد الرحمن يحدث ، عن عبد الله بن عمرو ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إن أكبر الكبائر أن يسب الرجل والديه ، قالوا : يا رسول الله ، وكيف يسب الرجل والديه ؟ قال : يسب الرجل الرجل ، فيسب أباه ، فيسب أباه ، ويسب أمه ، فيسب أمه . 6261 - وحدثنا يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : حدثني سفيان الثوري - وحدثنا إبراهيم بن مرزوق ، قال : حدثنا أبو حذيفة ، قال : حدثنا سفيان ، عن سعد بن إبراهيم ، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف ، عن عبد الله بن عمرو ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مثله فتأملنا هذا الحديث ، فوجدنا فيه : أن سب الرجل والديه أكبر الكبائر ، أو أكبر الذنوب ، وكان ذلك مما يبعد في القلوب أن يكون كذلك ، لأن في الكبائر وفي الذنوب ما هو فوق سب الرجل والديه ، وهو الشرك بالله - عز وجل فنظرنا هل روي هذا الحديث بخلاف ما قد ذكرناه به في هذا الباب . 6262 - فوجدنا أبا أمية قد حدثنا ، قال : حدثنا عبيد الله بن موسى العبسي ، قال : حدثنا شيبان - يعني النحوي - عن فراس ، عن الشعبي ، عن عبد الله بن عمرو ، قال : جاء أعرابي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا رسول الله ما الكبائر ؟ قال : الإشراك بالله - عز وجل قال : ثم ماذا ؟ قال : ثم عقوق الوالدين ، قال : ثم ماذا ؟ قال : ثم اليمين الغموس قال لنا أبو أمية : في كتابي هذا الحديث في موضعين ، أحدهما : عن شيبان ، والآخر : عن سفيان . قال أبو جعفر : فكان هذا الحديث قد رجع إلى عبد الله بن عمرو ، وهو الذي روى عنه الحديث الأول ، وكلا حديثيه هذين مرفوع إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإسنادهما جميعا لا طعن فيه ، ولا استرابة بأحد من رواته ، فعقلنا بذلك أن الشعبي حفظ منه عن عبد الله بن عمرو ما قصر حميد عن بعضه ، وكان من حفظ شيئا أولى ممن قصر عنه ، فعاد بذلك أكبر الكبائر إلى الإشراك بالله - عز وجل - كما في حديث الشعبي ، ثم يتلو ذلك عقوق الوالدين على ما في حديثه أيضا ، ثم يتلو ذلك يمين الغموس على ما في حديثه أيضا . وكان الاتفاق منه ومن حميد على عبد الله بن عمرو ، في عقوق الوالدين أنه من الذنوب ، أو من الكبائر ، فحفظ عنه الشعبي أنه جعله تاليا للشرك بالله - عز وجل - فحقق بذلك أنه في الرتبة الثانية من الكبائر أو من الذنوب ، وحفظ عنه حميد بن عبد الرحمن أنه في الرتبة الأولى منهما ، وكان الأولى من روايتهما جميعا عن عبد الله بن عمرو ما رواه الشعبي عنه لما قد ذكرنا ، والله نسأله التوفيق .
194 - باب بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ قَوْلِهِ : الْوَزْنُ وَزْنُ أَهْلِ مَكَّةَ ، وَالْمِكْيَالُ مِكْيَالُ أَهْلِ الْمَدِينَةٍ . 1423 - حدثنا أَبُو بِشْرٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ الرَّقِّيُّ قَالَ : حدثنا الْفِرْيَابِيُّ قَالَ : حدثنا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ حَنْظَلَةَ ، عَنْ طَاوُسٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : الْوَزْنُ وَزْنُ أَهْلِ مَكَّةَ ، وَالْمِكْيَالُ مِكْيَالُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَتَأَمَّلْنَا هَذَا الْحَدِيثَ فَوَجَدْنَا مَكَّةَ لَمْ يَكُنْ بِهَا ثَمَرَةٌ وَلَا زَرْعٌ حِينَئِذٍ ، وَكَذَلِكَ كَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ الزَّمَانِ ؛ أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِ إبْرَاهِيمَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ . وَإِنَّمَا كَانَتْ بَلَدَ مَتْجَرٍ يُوَافِي الْحَاجُّ إلَيْهِ بِالتِّجَارَاتِ ، فَيَبِيعُونَهَا هُنَاكَ بِالْأَثْمَانِ الَّتِي تُبَاعُ بِهَا التِّجَارَاتُ ، وَكَانَتْ الْمَدِينَةُ بِخِلَافِ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهَا دَارُ النَّخْلِ ، وَمِنْ ثِمَارِهَا حَيَاتُهُمْ . وَكَانَتْ الصَّدَقَاتُ تَدْخُلُهَا ، فَيَكُونُ الْوَاجِبُ فِيهَا مِنْ الصَّدَقَةِ يُؤْخَذُ كَيْلًا . فَجَعَلَ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْأَمْصَارَ كُلَّهَا لِهَذَيْنِ الْمِصْرَيْنِ أَتْبَاعًا ، وَكَانَ النَّاسُ يَحْتَاجُونَ إلَى الْوَزْنِ فِي أَثْمَانِ مَا يَتَبَايَعُونَ ، وَفِيمَا سِوَاهَا مِمَّا يَتَصَرَّفُونَ فِيهِ مِنْ التَّزْوِيجَاتِ وَمِنْ الْعُرُوضِ وَمِنْ أَدَاءِ الزَّكَوَاتِ وَمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا يُسْلِمُونَهُ فِيهِ مِنْ غَيْرِهِ مِنْ الْأَشْيَاءِ الَّتِي يَأْكُلُونَهَا . وَكَانَتْ السُّنَّةُ قَدْ مَنَعَتْ مِنْ إسْلَامِ مَوْزُونٍ فِي مَوْزُونٍ وَمِنْ إسْلَامِ مَكِيلٍ فِي مَكِيلٍ ، وَأَجَازَتْ إسْلَامَ الْمَكِيلِ فِي الْمَوْزُونِ وَالْمَوْزُونِ فِي الْمَكِيلِ ، وَمَنَعَتْ مِنْ بَيْعِ الْمَوْزُونِ بِالْمَوْزُونِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ وَمِنْ بَيْعِ الْمَكِيلِ بِالْمَكِيلِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ . وَكَانَ الْمَوْزُونُ فِي ذَلِكَ أَصْلُهُ مَا كَانَ عَلَيْهِ بِمَكَّةَ يَوْمَ قَالَ لَهُمْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : الْمِيزَانُ مِيزَانُ أَهْلِ مَكَّةَ . وَكَانَ الْمَكِيلُ فِي ذَلِكَ أَصْلُهُ مَا كَانَ النَّاسُ عَلَيْهِ بِالْمَدِينَةِ يَوْمَ قَالَ لَهُمْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : الْمِكْيَالُ مِكْيَالُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ . لَا يَتَغَيَّرُ عَنْ ذَلِكَ ، وَإِنْ غَيَّرَهُ النَّاسُ كَمَا كَانَ عَلَيْهِ إلَى مَا سِوَاهُ مِنْ ضِدِّهِ ، فَيَرْجِعُونَ بِذَلِكَ إلَى مَعْرِفَةِ الْأَشْيَاءِ الْمَكِيلَاتِ الَّتِي لَهَا حُكْمُ الْمِكْيَالِ إلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْمَكَايِيلِ فِيهَا يَوْمَئِذٍ . وَإِلَى الْأَشْيَاءِ الْمَوْزُونَاتِ إلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْمِيزَانِ فِيهَا يَوْمَئِذٍ . وَأَنَّ أَحْكَامَهَا لَا تَتَغَيَّرُ ، عَنْ ذَلِكَ ، وَلَا تَنْقَلِبُ عَنْهَا إلَى أَضْدَادِهَا . وَمِنْ هَذَا أَخَذَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ أَنَّ مَا لَزِمَهُ اسْمُ مَخْتُومٍ أَوْ اسْمُ قَفِيزٍ أَوْ اسْمُ مَكُّوكٍ أَوْ اسْمُ مُدٍّ أَوْ اسْمُ صَاعٍ فَهُوَ كَيْلٌ يَجْرِي فِيهِ أَحْكَامُ الْكَيْلِ فِي جَمِيعِ مَا وَصَفْنَا ، وَأَنَّ كُلَّ مَا لَزِمَهُ اسْمُ الرِّطْلِ وَالْوُقِيَّةِ فَهُوَ وَزْنٌ فِي جَمِيعِ مَا وَصَفْنَا . حدثنا بِذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ الرَّبِيعِ اللُّؤْلُؤِيُّ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مَعْبَدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ ، عَنْ أَبِي يُوسُفَ ، عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَلَمْ يُحْكَ فِيهِ خِلَافٌ بَيْنَهُمْ .
655 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمن أصاب امرأته وهي حائض . 4900 - حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح حدثنا بكر بن خلف حدثنا يزيد بن زريع ، عن شعبة حدثنا الحكم ، عن مقسم . عن ابن عباس رضي الله عنهما ، عن النبي صلى الله عليه وسلم في الذي يأتي امرأته وهي حائض قال يتصدق بدينار أو بنصف دينار . فتأملنا هذا الحديث في إسناده لنعلم حقيقته كيف هي . 4901 - فوجدنا محمد بن خزيمة قد حدثنا ، قال : حدثنا حجاج بن منهال ، قال : حدثنا شعبة أخبرني الحكم ، عن عبد الحميد أمير الكوفة ، عن مقسم . عن ابن عباس ولم يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم في الذي يأتي امرأته وهي حائض قال يتصدق بدينار أو بنصف دينار قال شعبة شك الحكم . فوقفنا بذلك على أن الحكم لم يكن حدث شعبة بهذا الحديث ، عن مقسم سماعا له منه وعلى أنه إنما كان أخذه ، عن عبد الحميد ، عن مقسم فدلس به ، ثم نظرنا هل روى هذا الحديث عن الحكم غير شعبة أم لا . 4902 - فوجدنا عبد الله بن محمد بن خشيش قد حدثنا ، قال : حدثنا مسلم بن إبراهيم الأزدي حدثنا أبو عوانة ، عن الحكم ، عن مقسم . عن ابن عباس رضي الله عنهما ولم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم في الذي يأتي امرأته وهي حائض قال يتصدق بدينار فإن لم يجد فبنصف دينار . فكان في هذا الحديث موافقة أبي عوانة شعبة فيما حدث به عنه يزيد بن زريع وموافقة حجاج فيما حدث به ، عن شعبة من إيقافه هذا الحديث على ابن عباس . 4903 - ووجدنا فهدا قد حدثنا ، قال : حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس حدثنا أبو بكر بن عياش ، عن الأجلح ، عن الحكم ، عن مقسم . عن ابن عباس رضي الله عنهما ولم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم في الذي يقع على امرأته وهي حائض قال يتصدق بنصف دينار . فكان الأجلح أيضا قد وافق أبا عوانة في إسناد هذا الحديث ، عن الحكم . ثم نظرنا هل رواه عن مقسم غير الحكم . 4904 - فوجدنا محمد بن عمرو بن يونس قد حدثنا ، قال : حدثنا أسباط بن محمد ، عن سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن مقسم . عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر رجلا غشي امرأته وهي حائض أن يتصدق بدينار أو بنصف دينار . ثم نظرنا هل حدث قتادة سعيدا بهذا الحديث ، عن مقسم بسماعه إياه منه أو بما سوى ذلك . 4905 - فوجدنا إبراهيم بن مرزوق قد حدثنا ، قال : حدثنا عبادة بن صهيب حدثنا سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن عبد الحميد ، عن مقسم . عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلا غشي امرأته وهي حائض فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عن ذلك فأمره أن يتصدق بدينار أو بنصف دينار . فوقفنا بذلك على أن قتادة إنما حدث سعيدا بهذا الحديث عن مقسم تدليسا لا بسماعه إياه منه ، ثم نظرنا هل سمعه قتادة من عبد الحميد أم لا . 4906 - فوجدنا الحجاج بن عمران بن الفضل المازني البصري أبا عبد الله قد حدثنا حدثنا هدبة بن خالد حدثنا حماد بن الجعد ، عن قتادة ، عن الحكم ، عن عبد الحميد ، عن مقسم . عن ابن عباس رضي الله عنهما ، عن النبي صلى الله عليه وسلم في الذي يأتي امرأته وهي حائض قال : يتصدق بدينار أو بنصف دينار . فوقفنا بذلك على أن قتادة لم يسمعه من عبد الحميد فإنه إنما حدث به ، عن الحكم ، عن عبد الحميد والله أعلم أسمعه من الحكم أم لا . ثم نظرنا هل رواه ، عن مقسم غير عبد الحميد . 4907 - فوجدنا الحسن بن عبد الله بن منصور البالسي قد حدثنا ، قال : حدثنا الهيثم بن جميل ح ووجدنا فهدا قد حدثنا ، قال : حدثنا محمد بن سعيد ابن الأصبهاني قال الحسن حدثنا شريك وقال فهد أخبرنا شريك ، عن خصيف ، عن مقسم . عن ابن عباس رضي الله عنهما ، عن النبي صلى الله عليه وسلم في الذي يقع على امرأته وهي حائض قال يتصدق بنصف دينار . 4908 - ووجدنا محمد بن خزيمة قد حدثنا ، قال : حدثنا حجاج بن منهال حدثنا حماد بن سلمة أنبأنا خصيف الجزري ، عن مقسم . عن ابن عباس رضي الله عنهما ولم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم في الذي يغشى امرأته وهي حائض قال يتصدق بدينار أو بنصف دينار . قال أبو جعفر : فكان حديث خصيف هذا مما لم نقف على اضطراب في إسناده ولكنه قد وقع فيه بين حماد وبين شريك في متنه من الاختلاف ما قد ذكرناه في روايتيهما ورفعه شريك إلى النبي صلى الله عليه وسلم ووافقه حماد على ابن عباس رضي الله عنهما . ثم نظرنا هل رواه ، عن مقسم أحد غير من ذكرنا . 4909 - فوجدنا محمد بن علي بن داود قد حدثنا ، قال : حدثنا داود بن مهران الدباغ حدثنا سفيان بن عيينة ، عن عبد الكريم الجزري ، عن مقسم . عن ابن عباس رضي الله عنهما قال سفيان أراه . عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا أتى الرجل امرأته وهي حائض في الدم العبيط تصدق بدينار وإن كانت صفرة فبنصف دينار . 4910 - ووجدنا محمد بن جعفر بن محمد بن أعين البغدادي قد حدثنا ، قال : حدثنا علي بن الجعد ، أخبرنا أبو جعفر الرازي ، عن عبد الكريم بن أبي المخارق ، عن مقسم . عن ابن عباس رضي الله عنهما ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم ذكر مثله . فكان هذا الحديث قد حدث به ابن عيينة ، عن عبد الكريم الجزري وهو مقبول الرواية وحدث به أبو جعفر الرازي ، عن عبد الكريم بن أبي المخارق وهو مغمور في روايته وكلاهما حدث به ، عن مقسم ، عن ابن عباس وشك فيه ابن عيينة أن يكون عبد الكريم رفعه له أم لا ولم يشك فيه عبد الكريم أبو أمية أنه مرفوع . ثم نظرنا هل رواه عن ابن عباس غير مقسم . 4911 - فوجدنا الربيع بن سليمان المرادي قد حدثنا ، قال : حدثنا أسد بن موسى حدثنا الوليد بن مسلم حدثني عبد الرحمن بن يزيد بن تميم أنه سمع علي بن بذيمة الجزري يقول : سمعت سعيد بن جبير يقول : سمعت ابن عباس يقول : أخبر رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أتى امرأته وهي حائض فأمره أن يعتق نسمة قال ابن عباس : وقيمة النسمة يومئذ دينار . فكأن هذا الحديث قد رجع إلى عبد الرحمن بن يزيد بن تميم وليس كمن روى هذا الحديث سواه ممن ذكرنا فيما تقدم منا في هذا الباب وكشفنا عن أحوال عبد الرحمن بن يزيد هذا فوجدنا البخاري قد ذكر أنه رجل من أهل الشام وأنه يحدث بأحاديث منكرات وأنه كان قدم الكوفة فكتب عنه غير واحد من أهلها ونسبوه إلى جابر فقالوا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر وهم يرونه عبد الرحمن بن يزيد وليس به . 4912 - ووجدنا محمد بن خزيمة قد حدثنا حدثنا حجاج بن منهال حدثنا حماد بن سلمة ، عن عطاء العطار ، عن عكرمة . عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم في الذين يغشى امرأته وهي حائض قال يتصدق بدينار فإن لم يجد فبنصف دينار . وكان عطاء هذا عند أهل العلم بالإسناد هو أبو يزيد بن عطاء غير أن البخاري نسبه إلى البز ولم ينسبه إلى العطر وقد يحتمل أن يكون كان عطارا بزازا فنسبه قوم إلى البز ونسبه قوم إلى العطر . 4913 - ووجدنا الربيع بن سليمان المرادي قد حدثنا ، قال : حدثنا أسد ، قال : حدثنا حماد بن سلمة ، عن عطاء العطار ، ثم ذكر بإسناده مثله . ثم نظرنا هل روى هذا الحديث أيضا عن عبد الحميد غير العراقيين أم لا . 4914 - فوجدنا الحسن بن عبد الله بن منصور البالسي قد حدثنا ، قال : حدثنا محمد بن كثير ، عن الأوزاعي ، عن يزيد بن أبي مالك ، عن عبد الحميد بن زيد يعني عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب ولم يتجاوز به . قال كانت لعمر بن الخطاب امرأة تكره الجماع فكان إذا أرادها اعتلت بالمحيض فظن أنه ليس كما تقول فوقع عليها فإذا هي حائض فسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فأمره أن يتصدق بخمسي دينار . فكان في هذا الحديث مما أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتصدق به أقل مما في الأحاديث الأول وكانت الأحاديث الأول أولى عندنا من هذا الحديث لثبت رواتها ولتجاوزهم في المقدار يزيد بن أبي مالك . ثم نظرنا هل روى هذا الحديث أيضا ، عن مقسم غير من ذكرنا . 4915 - فوجدنا فهدا قد حدثنا ، قال : حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس حدثنا أبو بكر يعني ابن عياش ، عن ابن عطاء يعني يعقوب ، عن مقسم . عن ابن عباس ، قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم في الذي يقع على امرأته وهي حائض يتصدق بدينار أو بنصف دينار . ثم تأملنا هذا الحديث فوجدناه إذا ثبت كان الذي فيه أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من وقع في السبب المذكور فيه بالصدقة بالمقدار المذكور فيها فعقلنا بذلك أن تلك الصدقة التي أمره بها قربة إلى الله عز وجل فاحتمل أن يكون كفارة عن ما كان منه واحتمل أن يكون قربة لا لأنها كفارة كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالصدقة عند كسوف الشمس لتكون قربة لا كفارة . 4916 - كما حدثنا يونس أخبرنا ابن وهب أن مالكا حدثه ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه . عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله تبارك وتعالى لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله عز وجل وكبروا وتصدقوا وهو أولى الاحتمالين . فقال قائل ولم كان ما تأولت في تلك الصدقة بالقربة أولى من الكفارة ؟ فكان جوابنا له في ذلك أنا وجدنا الكفارات التي أمر الله عز وجل بها في كتابه وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم منها ما قد خلط فيه الصيام بغيره وهي آية جزاء الصيد فقال عز وجل فجزاء مثل ما قتل من النعم ، ومثلها أيضا آية الفدية في حلق المحرم رأسه من أذى وهي قوله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك . ومنها ما أمر به في كتابه في كفارات الأيمان عند إعواز الرقبة والكسوة والإطعام وهي قوله عز وجل فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام فكان ذلك صياما محولا عند الإعواز بدلا مما قبله مما ليس بصيام ومثل ذلك ما جعله عز وجل من الصيام بدلا ، عن الكفارة ، عن القتل الخطأ بقوله فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين . ومثل ذلك كفارة الظهار لمن لم يجد رقبة بصوم شهرين متتابعين فإن لم يقدر أطعم ستين مسكينا ومثل ذلك ما بينه لنا على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم في المجامع في صيامه متعمدا مما هو مثل ذلك فكان ما جعله الله عز وجل كفارة قد خلطه بالصيام أو جعل له بدلا من صيام وكان ما أمر به المجامع في حال الحيض لم يخلطه بصيام ولم يجعل صياما بدلا منه عند الإعواز كما أمر بالصدقة عند الوجود فعقلنا بذلك أن ما أمر به من ذكرنا للجماع في الحيض كان صدقة قربة لا صدقة كفارة . فقال قائل فقد رأينا المحرم يجامع في إحرامه فيكون عليه الدم بلا صيام معه وبلا صيام بدلا منه عند الإعواز له فما تنكرون أن تكون كذلك الصدقة التي أمر بها صلى الله عليه وسلم في الجماع في الحيض كفارة لا بدل لها فكان جوابنا له في ذلك أن الذي ذكره من الدم في الجماع بغير بدل له من صيام وبغير مخالطة لصيام إياه إنما يقوله الكوفيون ولهم في ذلك مخالفون من أهل العلم ممن سواهم . منهم مالك بن أنس رحمه الله كان يقول في الجماع في الإحرام إن فيه فدية من صيام أو صدقة أو نسك كالواجب في حلق الرأس في الإحرام من أذى . ومنهم الشافعي رحمه الله كان يقول : إنه يوجب الدم في هذا ثم يقوم الدم فيصرف ثمنه بعد العجز ، عن الدم كما يصرف مثله في جزاء الصيد الذي يصيبه المحرم في إحرامه وكان الذي قاله مالك بن أنس في ذلك عندنا أولى ما قيل فيه ؛ لأن الإحرام قد حرم الجماع وحرم حلق الرأس وحرم اللباس وكان من فعل شيئا من ذلك بلا ضرورة إليه آثما ومن فعله بضرورة إليه غير آثم وكانت الكفارات الواجبة في ذلك على الفعل لا ما سواه غير أنها إذا كانت بإصابة على ضرورة لا إثم معها وإذا كانت على غير ضرورة فمعها الإثم فكانت الكفارة واجبة للفعل لا لما سواه وكان قتل الصيد انتهاك حرمة من غير الأبدان وحلق الشعر انتهاك حرمة البدن فبعض أسباب البدن ببعض أسباب البدن أشبه منها بالصيد الذي ليس من أسباب البدن . وإذا كان ما ذكرنا كذلك لم يكن فيما احتج به هذا المحتج علينا له حجة فيما احتج به علينا ، ثم نظرنا هل تقدم هؤلاء المختلفين في هذا المعنى أحد ممن قبلهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ . 4917 - فوجدنا محمد بن خزيمة قد حدثنا ، قال : حدثنا حجاج بن منهال حدثنا أبو عوانة ، عن أبي بشر ، عن سعيد بن جبير . عن ابن عباس رضي الله عنهما قال أتته امرأة فقالت : إني خرجت مع زوجي فأهللنا بعمرة فطفت بالبيت وبين الصفا والمروة فوقع علي قبل أن أقصر فقال : شبق شديد فاستحيت المرأة فقامت فقال : على المرأة فدية من صيام أو صدقة أو نسك صيام ثلاثة أيام أو إطعام ثلاثة مساكين أو تنسكين نسكا ، فقالت : أي ذلك أفضل ؟ قال : النسك ، قالت : أي النسك أفضل ؟ قال : اذبحي بقرة أو انحري ناقة ، فقالت : أي ذلك أفضل ؟ قال : انحري ناقة . فكان ما رويناه ، عن ابن عباس في ذلك موافقا لما ذكرناه ، عن مالك سواء فهو أولى الأقوال عندنا في هذا الباب وإليه كان يذهب أحمد بن أبي عمران وبالله التوفيق .
195 - بَابُ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أَحَبِّ الصِّيَامِ إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ . 1424 - حدثنا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى وَعِيسَى بْنُ إبْرَاهِيمَ الْغَافِقِيُّ جَمِيعًا ، قَالَا : حدثنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرٍو وَهُوَ ابْنُ دِينَارٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو يَقُولُ : قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَحَبُّ الصِّيَامِ إلَى اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ صِيَامُ دَاوُد كَانَ يُفْطِرُ يَوْمًا وَيَصُومُ يَوْمًا ، وَأَحَبُّ الصَّلَاةِ إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ صَلَاةُ دَاوُد كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ . 1425 - وَحدثنا بَكَّارَ بْنُ قُتَيْبَةَ قَالَ : حدثنا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ قَالَ : حدثنا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ أَنَّ عَمْرَو بْنَ أَوْسٍ أَخْبَرَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : أَحَبُّ الصِّيَامِ إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ صِيَامُ دَاوُد كَانَ يَصُومُ نِصْفَ الدَّهْرِ ، وَأَحَبُّ الصَّلَاةِ إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ صَلَاةُ دَاوُد كَانَ يَرْقُدُ شَطْرَ اللَّيْلِ ثُمَّ يَقُومُ ثُلُثَ اللَّيْلِ بَعْدَ شَطْرِهِ ثُمَّ يَرْقُدُ آخِرَهُ . فَقُلْت لِعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ : عَمْرُو بْنُ أَوْسٍ كَانَ يَقُول: ثُلُثَ اللَّيْلِ بَعْدَ شَطْرِهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ . فَقَالَ قَائِلٌ : كَيْفَ تَقْبَلُونَ هَذَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنْتُمْ تَرْوُونَ عَنْهُ فَذَكَرَ . 1426 - مَا قَدْ حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ خُزَيْمَةَ قَالَ : حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ الْغُدَانِيُّ قَالَ : حدثنا زَائِدَةُ بْنُ قُدَامَةَ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ ، عَنْ حُمَيْدٍ الْحِمْيَرِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : أَتَى رَجُلٌ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : أَيُّ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْمَكْتُوبَةِ أَفْضَلُ ؟ فَقَالَ : صَلَاةٌ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ . قَالَ : فَأَيُّ الصِّيَامِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ : شَهْرُ اللَّهِ الَّذِي تَدْعُونَهُ الْمُحَرَّمَ . قَالَ : فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ أَفْضَلَ الصِّيَامِ شَهْرُ اللَّهِ الَّذِي يُدْعَى الْمُحَرَّمَ ، فَكَيْفَ يَكُونُ صَوْمُ يَوْمٍ وَإِفْطَارُ يَوْمٍ أَحَبَّ إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ صَوْمِ سِوَاهُ مِمَّا هُوَ أَفْضَلُ الصِّيَامِ ؟ فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعَوْنِهِ أَنَّ صَوْمَ الْمُحَرَّمِ أَفْضَلُ الْأَوْقَاتِ الَّتِي يُصَامُ فِيهَا التَّطَوُّعُ ، فَكَانَ ذَلِكَ صَوْمًا خَاصًّا فِي وَقْتٍ مِنْ الدَّهْرِ خَاصٍّ ، وَكَانَ صَوْمُ يَوْمٍ وَإِفْطَارُ يَوْمٍ صَوْمًا دَائِمًا ، وَكَانَ أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَدْوَمَهَا وَإِنْ قَلَّ . فَذَكَرْنَا ذَلِكَ عَنْهُ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنَّا مِنْ كِتَابِنَا هَذَا ، فَكَانَ تَصْحِيحُ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ جَمِيعًا عَلَى أَنَّ مَعَ صَوْمِ الْمُحَرَّمِ فَضْلَ الْوَقْتِ ، وَكَانَ مَعَ الصَّوْمِ الْآخَرِ الدَّوَامُ ، فَكَانَ بِذَلِكَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ فِي مَعْنًى غَيْرِ الْمَعْنَى الَّذِي فِيهِ صَاحِبُهُ . وَبَانَ بِذَلِكَ أَنَّ أَحَبَّ الصِّومِ إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ صَوْمُ يَوْمٍ وَإِفْطَارُ يَوْمٍ لِدَوَامِ الَّذِي مَعَهُ ، وَأَنَّ أَحَبَّ الْأَوْقَاتِ إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ الَّذِي يُتَطَوَّعُ بِالصَّوْمِ لَهُ فِيهَا هُوَ الْمُحَرَّمُ ، وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
850 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما كان منه في بروع ابنة واشق ، وتصحيح أسانيده عنه ، وبيان ما فيه من الأحكام . 6263 - حدثنا إبراهيم بن أبي داود ، قال : حدثنا أبو الوليد الطيالسي ، قال : حدثنا همام ، عن قتادة ، عن خلاس بن عمرو ، عن عبد الله بن عتبة ، وعن أبي حسان ، عن عبد الله بن عتبة : أنه اختلف إلى ابن مسعود في رجل تزوج امرأة ، فمات عنها ولم يفرض لها ، ولم يدخل بها ، فاختلفوا إليه شهرا ، ثم قضى أن لها صدقة نسائها ، ولها الميراث ، وعليها العدة ، ثم قال : إن يك صوابا ، فمن الله - عز وجل - وإن يك خطأ ، فمني . فقام الجراح وأبو سنان ، فشهدا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى به في بروع ابنة واشق الأشجعية ، وكان زوجها هلال بن مروان . قال أبو جعفر : ولا نعلم أحدا خالف هماما في إسناد هذا الحديث . 6264 - وحدثنا علي بن شيبة ، قال : حدثنا يزيد بن هارون ، قال : أخبرنا سفيان الثوري ، عن منصور ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، قال : أتي عبد الله في امرأة توفي عنها زوجها ، ولم يفرض لها صداقا ، ولم يدخل بها ، فترددوا إليه ، فلم يفتهم ، فلم يزالوا به حتى قال : إني سأقول برأيي ، إني أرى لها صدقة نسائها ، لا وكس ، ولا شطط ، وعليها العدة ، ولها الميراث . فقام معقل بن سنان ، فشهد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى في بروع ابنة واشق الأشجعية بمثل ما قضيت ، ففرح عبد الله . 6265 - وحدثنا فهد بن سليمان ، قال : حدثنا أبو نعيم ، قال : حدثنا سفيان ، عن منصور ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن عبد الله ، ثم ذكر مثله سواء ، غير أنه لم يقل : صدقة نسائها ، وقال : صداق مثلها . قال سفيان : وبه نأخذ . قال أبو جعفر : ولا نعلم أحدا من رواة هذا الحديث عن منصور خالف الثوري فيما رواه عليه عنه ، ولا في الإسناد الذي رواه عليه به عنه ، وقد رواه أيضا عن منصور ، زائدة بن قدامة ، فوافق الثوري في متنه ، وفي إسناده ، غير أنه زاد فيه الأسود مع علقمة . 6266 - كما حدثنا أحمد بن شعيب ، قال : أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الزهري ، قال : حدثنا أبو سعيد عبد الرحمن بن عبد الله- قال أبو جعفر : يعني مولى بني هاشم - عن زائدة بن قدامة ، عن منصور ، عن إبراهيم ، عن علقمة والأسود ، قالا : أتي عبد الله في رجل تزوج امرأة ، ولم يفرض لها ، فتوفي قبل أن يدخل بها ، فقال عبد الله : سلوا : هل تجدون فيها أثرا ؟ فقالوا : يا أبا عبد الرحمن ، ما نجد فيها أثرا ، فقال : أقول برأيي ، فإن كان صوابا ، فمن الله - عز وجل - : لها مهر نسائها ، لا وكس ، ولا شطط ، ولها الميراث ، وعليها العدة ، فقام رجل من أشجع ، فقال : في مثل هذا قضى رسول الله فينا في امرأة يقال لها : بروع ابنة واشق تزوجت رجلا ، فمات قبل أن يدخل بها ، فقضى لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مثل صداق نسائها ، ولها الميراث ، وعليها العدة . فرفع عبد الله يديه وكبر . وأما الشعبي فقد اختلف عنه في من أخذ هذا الحديث عنه ، فأما عبد الله بن عون ، فروى عنه أنه أخذه عن الأشجعي ، ولم يسمه في حديثه . 6267 - كما حدثنا علي بن شيبة ، قال : حدثنا يزيد بن هارون ، قال : أخبرنا عبد الله بن عون ، عن الشعبي ، عن الأشجعي ، قال : رأيت ابن مسعود فرح فرحة لم أره فرح مثلها ، أتاه إنسان ، فسأله عن رجل تزوج امرأة ، ولم يفرض لها صداقا ، ولم يدخل بها ، فمات عنها ، فقال : ما سمعت فيها شيئا ، فقال الرجل : لو ترددت شهرا ، ما سألت عنها أحدا غيرك ، وما وجدت أحدا أسأل عنها غيرك ، فقال : إني سأقول فيها برأيي ، فإن أصبت ، فالله - عز وجل - يوفقني : أرى لها صدقة نسائها ، لا وكس ، ولا شطط ، وعليها العدة ، فقال الأشجعي : أشهد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى بمثل ما قضيت . قال أبو جعفر : والأشجعي المذكور الذي أخذ الشعبي هذا الحديث عنه هو معقل بن سنان ، وهو ممن تأخر موته من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإنما كان موته في يوم الحرة ، وهو أحد المقتولين بها من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم وأما داود بن أبي هند ، فذكر عن الشعبي أنه أخذه عن علقمة . 6268 - كما حدثنا الربيع بن سليمان المرادي ، قال : حدثنا أسد بن موسى ، قال : حدثنا حماد بن سلمة ، عن داود بن أبي هند ، عن الشعبي ، عن علقمة ، عن ابن مسعود : أنهم سألوه عن رجل تزوج امرأة فمات ولم يفرض لها صداقا ، قال : فرددهم شهرا ، ثم قال : أقول فيها برأيي ، فإن يك صوابا ، فمن قبل الله ، وإن يك خطأ ، فمن قبلي : لها صداق نسائها ، لا وكس ، ولا شطط ، لها الميراث ، وعليها العدة ، فقام معقل بن سنان ، فقال : أشهد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى به في امرأة منا ، يقال لها : بروع ابنة واشق . وأما إسماعيل بن أبي خالد ، فذكر أيضا عنه أنه أخذه عن علقمة . 6269 - كما حدثنا روح بن الفرج ، قال : حدثنا يحيى بن سليمان الجعفي ، قال : حدثني محمد بن فضيل ، قال : حدثنا إسماعيل بن أبي خالد ، عن الشعبي ، فذكره عن علقمة ، ثم ذكره بمعنى ما ذكره به داود عنه . وأما فراس بن يحيى ، فذكر أنه -يعني الشعبي -أخذه عن مسروق . 6270 - كما حدثنا أحمد بن يحيى الصوري ، قال : حدثنا الهيثم بن جميل ، قال : حدثنا شريك بن عبد الله ، عن فراس ، عن عامر ، عن مسروق ، عن ابن مسعود ثم ذكر مثل حديث الربيع ، عن أسد ، عن حماد ، عن داود . 6271 - وكما حدثنا أحمد بن شعيب ، قال : أخبرنا إسحاق بن منصور -يعني الكوسج قال : حدثنا عبد الرحمن -يعني ابن مهدي - قال : أخبرنا سفيان ، عن فراس ، عن الشعبي ، عن مسروق ثم ذكر مثله سواء . قال أبو جعفر : وقد يحتمل أن يكون الشعبي أخذه عن هؤلاء الثلاثة جميعا ، فحدث به مرة عن أحدهم ، وحدث به مرة أخرى عن آخر منهم ، وحدث به مرة أخرى عن آخر منهم . وأما عبد خير ، فرواه عن معقل بغير اختلاف عنه في إسناده . 6272 - م- كما حدثنا روح بن الفرج ، قال : حدثنا يحيى بن سليمان الجعفي ، قال : حدثني محمد بن فضيل ، قال : حدثنا عطاء بن السائب ، عن عبد خير ، قال : جاء رجل إلى عبد الله بن مسعود ، فسأله عن رجل تزوج امرأة ، ولم يفرض لها ، ثم مات ، ولم يدخل بها ، فجعل عبد الله يرددهم ، ثم قال : أقول فيها برأيي ، فإن يك صوابا ، فمن الله - عز وجل - وإن يك خطأ ، فمني ومن الشيطان : أرى لها صداق نسائها ، وعليها العدة ، ولها الميراث . فقال معقل بن سنان الأشجعي ، وكان حاضرا : أشهد لقضى بذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في امرأة منا ، يقال لها : بروع ابنة واشق ، قال : فما رئي عبد الله أشد فرحا منه يومئذ ؛ لموافقته قضاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم ثم رجعنا إلى ما في هذا الحديث من الأحكام ، فكان فيه جواز التزويج بلا صداق مسمى فيه كما يقول أبو حنيفة ، والثوري ، وأصحاب أبي حنيفة ، والشافعي ، بخلاف ما يقول مالك في ذلك من فسخه إياه في حياة الزوجين قبل الدخول ، ومن تركه فسخه بعد الدخول ، وبعد موت أحد الزوجين ، وكان كتاب الله - عز وجل - يشهد لما قاله الأولون في ذلك مما ذكرناه عنهم ، وهو قوله - عز وجل - فيه : لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ . ولا يقع الطلاق من زوج على زوجة إلا في تزويج صحيح ، فثبت ما ذكرنا بكتاب الله - عز وجل - ثم بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم بما دل عليه من إجماع المسلمين عليه ؛ لأنهم لا يختلفون أن الميراث واجب للباقي منهما بعد موت من يتوفى منهما من تركته ، ولا يجب الميراث لأحدهما من صاحبه إلا بصحة التزويج الذي كان بينهما قبل الموت الذي كان أوجب ذلك الميراث ، ثم لإجماعهم جميعا أنه إذا دخل بها لم يفسخ ذلك التزويج الذي كان بينهما ، وكان الدخول لا يصلح فاسدا . فعقلنا بذلك : أن التزويج يقوم بنفسه ، لا بالصداق الذي يوجبه ، ثم قد وجدنا أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أجمعوا على وجوب صحة العقد إذا وقع كذلك ، وعلى وجوب الميراث فيه عن الباقي من الزوجين بعد موت أحدهما للباقي منهما ، وإنما اختلفوا في وجوب الصداق للزوجة بعد موت الزوج أو بعد موتها . فقال بعضهم : لها الصداق على زوجها إن كان حيا ، وفي تركته إن كان ميتا ، وممن قال ذلك منهم : عبد الله بن مسعود فيما قد رويناه عنه في هذا الباب . وممن قال : لا صداق لها : علي بن أبي طالب ، وعبد الله بن عباس ، وعبد الله بن عمر ، وزيد بن ثابت - رضي الله عنهم 6273 - كما حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، قال : حدثنا أبو حذيفة ، قال : حدثنا سفيان ، عن عطاء بن السائب ، قال : حدثني عبد خير ، عن علي - عليه السلام - في الرجل يتزوج المرأة فيموت عنها ، ولم يفرض لها صداقا ، ولم يدخل بها ، قال : لها الميراث ، وعليها العدة ، ولا صداق لها . 6274 - وكما حدثنا صالح بن عبد الرحمن الأنصاري ، قال : حدثنا سعيد بن منصور ، قال : حدثنا خالد بن عبد الله ، عن عطاء بن السائب ، عن عبد خير ، عن علي نحوه . 6275 - وكما حدثنا أبو زرعة عبد الرحمن بن عمرو الدمشقي ، قال : حدثنا أبو نعيم ، قال : حدثنا القاسم بن معن ، قال : سألت ابن جريج عن المتوفى عنها زوجها قبل الدخول ، ولم يسم لها مهرا ، فحدثني عن عطاء ، عن ابن عباس ، قال : حسبها الميراث . 6276 - حدثنا يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب : أن مالكا أخبره عن نافع : أن ابنة عبيد الله بن عمر ، وأمها ابنة زيد بن الخطاب ، كانت تحت ابن لعبد الله بن عمر ، فمات ولم يدخل بها ، فابتغت أمها صداقها ، فقال عبد الله بن عمر : ليس لها صداق ، ولو كان لها صداق لم نمسكه ، ولم نظلمها ، فأبت أن تقبل ذلك ، فجعلوا بينهم زيد بن ثابت ، فقضى أن لا صداق لها ، ولها الميراث . 6277 - وكما حدثنا يوسف بن يزيد ، قال : حدثنا سعيد بن منصور ، قال : حدثنا هشيم ، قال : أخبرنا يحيى بن سعيد ، عن سليمان بن يسار : أن ابن عمر زوج ابنا له ابنة أخيه عبيد الله بن عمر ، وابنه يومئذ صغير ، ولم يفرض لها صداقا ، فمكث الغلام ما مكث ، ثم مات ، فخاصم خال الجارية ابن عمر إلى زيد بن ثابت ، فقال ابن عمر لزيد بن ثابت : زوجت ابني ، وأنا أحدث نفسي أن أصنع به خيرا ، فمات قبل ذلك ، ولم يفرض للجارية صداقا ، فقال زيد : لها الميراث ، إن كان للغلام مال ، وعليها العدة ، ولا صداق لها . ثم رجعنا إلى ما يوجبه القياس في ذلك ، فوجدنا الأصل المتفق عليه أن المطلقة قبل الدخول ، وقد سمي لها صداق ، لها نصف ذلك الصداق ، ولا عدة عليها ، وإن كان لم يسم لها صداق ، كانت لها المتعة ، ولا عدة عليها ، وكان لو دخل بها ثم طلقها ، كان لها صداق مثلها إن كان لم يسم لها صداقا ، وكان لها جميع ما سماه لها إن كان سمى لها صداقا ، وكانت عليها العدة في ذلك . فكان الموضع الذي يكون عليها فيه العدة يكون لها فيه الصداق ، والموضع الذي لا يكون عليها فيه عدة يكون لها فيه نصف الصداق إن كان سمى لها صداقا ، أو المتعة إن كان لم يسم لها صداقا . وكان إذا توفي عنها ، ولم يسم لها صداقا ، ولم يدخل بها ، عليها العدة في قولهم جميعا ، فكان في ذلك ما قد دل أن الموت إذا كان من المواضع التي تجب العدة فيها أن يكون من المواضع التي يجب الصداق فيها . وكان في حديث بروع ابنة واشق من الأحكام أيضا قضاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لها بصداق مثلها من نسائها ، لا وكس ، ولا شطط ، وكان نساؤها المعقولات هن نساء عشيرتها ، كذلك هو موجود في كلام العرب حتى تعالى ذلك إلى أن جاء به كتاب الله - عز وجل - وهو قوله : تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ ، فكان أولئك النساء هن أمثالها من نساء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونساء من دعاه إلى المباهلة لا من سواهم ، فكان مثل ذلك نساء المرأة المرجوع في صداقها فيما يجب لها فيه صداق مثلها من نسائها ، وهذا معنى أبي حنيفة وأصحابه ، والشافعي . وأما ابن أبي ليلى ، فكان يقول : نساؤها : هن هؤلاء اللائي من قبل أبيها ، وهن عماتها أخوات أبيها لأبيه وأمه أو لأمه ، وأخواتها لأبيها وأمها أو لأبيها ، وخالاتها أخوات أمها . وأما مالك ، فكان يقول : هن أمثالها في منصبها وجمالها ، ولا يراعى أنسابها . وكان الذي دل عليه حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أولى ما قيل في ذلك ، فأما ما قال ابن أبي ليلى في ذلك من إدخاله خالاتها في ذلك ، فلا معنى له عندنا ؛ لأنه قد تكون المرأة من قريش وتكون خالاتها إماء ، ولما فسد قوله هذا ، اعتبرنا القولين الآخرين ، فكان ما قال مالك منهما هو الذي يقع في القلوب قبوله ، لا ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من ما يخالفه ، غير أنا اعتبرنا ما قال مالك في ذلك ، فوجدناه مراعاة أحوال المرأة التي يرغب فيها منها من أجلها ، وهي جمالها وعقلها ، والأشياء التي ذكرنا مما يرغب فيها من أجلها ، ووجدناها يرغب فيها بنسبها وبشرفها وبأحوالها التي تبين به عن أحوال من سواها ممن هو مثلها في جمالها وعقلها ، وإذا كان جمالها وعقلها يعتبر في أمرها لرغبة الناس في مثلها من أجله ، كان مثل ذلك جنسها وبيتها الذي هي منه وآباؤها التي يرغب فيها لمكانهم ، يعتبر ذلك أيضا فيها . ولقد قال مالك في المرأة تختلط عليها حيضتها : إنها تعتبر في ذلك أيام نسائها في مثله ، وإذا كان ذلك معتبرا في الحيض الذي قد تختلف فيه المرأة وأمها ، والمرأة وأختها ، فتكون كل واحدة منها ومن نسائها هؤلاء بخلاف ما عليه سواها من نسائها في ذلك ، كان اعتبار ذلك لها في الصداق أولى ، وكان بالقول به في ذلك أحرى ، والله نسأله التوفيق .
196 - باب بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ قَوْلِهِ : إنَّكُمْ سَتَفْتَحُونَ أَرْضًا يُذْكَرُ فِيهَا الْقِيرَاطُ ؛ مَا مُرَادُهُ بِذَلِكَ الْقِيرَاطِ ؟ . 1427 - حدثنا يُونُسُ قَالَ : حدثنا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ عِمْرَانَ التُّجِيبِيِّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِمَاسَةَ الْمَهْرِيِّ قَالَ : سَمِعْت أَبَا ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إنَّكُمْ سَتَفْتَحُونَ أَرْضًا يُذْكَرُ فِيهَا الْقِيرَاطُ ، فَاسْتَوْصُوا بِأَهْلِهَا خَيْرًا ؛ فَإِنَّ لَهُمْ ذِمَّةً وَرَحِمًا . فَإِذَا رَأَيْتُمْ رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ فِي مَوْضِعِ لَبِنَةٍ فَاخْرُجْ مِنْهَا . قَالَ : فَمَرَّ بِرَبِيعَةَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنَيْ شُرَحْبِيلَ بْنِ حَسَنَةَ يَتَنَازَعَانِ فِي مَوْضِعِ لَبِنَةٍ ، فَخَرَجَ مِنْهَا . فَقَالَ قَائِلٌ : كَيْف تَقْبَلُونَ هَذَا وَأَنْتُمْ تَجِدُونَ ذِكْرَ الْقِيرَاطِ جَارِيًا عَلَى أَلْسُنِ النَّاسِ جَمِيعًا وَمَذْكُورًا فِي سَائِرِ الْبُلْدَانِ سِوَى الْبَلَدِ الَّذِي أُضِيفَ ذَلِكَ الْقِيرَاطُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ إلَى أَهْلِهِ ، وَتَجِدُونَ ذِكْرَهُ أَيْضًا فِي كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَكَرَ 1428 - مَا قَدْ حدثنا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْجِيزِيُّ قَالَ : حدثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَزْرَقِيُّ قَالَ : حدثنا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ جَدِّهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إلَّا رَاعِيَ غَنَمٍ . قَالُوا : وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ ، كُنْت أَرْعَى بِالْقَرَارِيطِ . وَمِنْ ذَلِكَ مَا قَدْ رُوِيَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَنْ مَشَى مَعَ جِنَازَةٍ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا أَنَّ لَهُ قِيرَاطًا ، وَأَنَّهُ إنْ انْتَظَرَ دَفْنَهَا كَانَ لَهُ قِيرَاطَانِ . وَسَنَذْكُرُ ذَلِكَ بِأَسَانِيدِهِ فِي مَوْضِعٍ غَيْرِ هَذَا فِيمَا بَعْدُ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ . وَمِنْ ذَلِكَ مَا قَدْ رُوِيَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ اقْتَنَى كَلْبًا لَيْسَ بِكَلْبِ صَيْدٍ نَقَصَ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ . وَسَنَذْكُرُ ذَلِكَ أَيْضًا فِيمَا بَعْدُ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ . فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ وَعَوْنِهِ أَنَّ النَّاسَ جَمِيعًا فِي سَائِرِ الْبُلْدَانِ فِي ذِكْرِ الْقِيرَاطِ كَمَا وَصَفَ ، وَالْقِيرَاطُ الْمُرَادُ فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ الَّذِي رَوَيْنَا لَيْسَ مِنْ هَذِهِ الْقَرَارِيطِ الْمَذْكُورَاتِ فِي هَذِهِ الْآثَارِ فِي شَيْءٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ مَوْجُودٌ فِي كَلَامِ أَهْلِ تِلْكَ الْمَدِينَةِ الَّتِي وَعَدَهُمْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِافْتِتَاحِهَا ، وَذَكَرَ لَهُمْ أَهْلَهَا وَرَحِمَهُمْ بِهِ وَأَوْصَاهُمْ بِهِمْ خَيْرًا وَهِيَ مِصْرُ . وَمَوْجُودٌ فِي كَلَامِ أَهْلِهَا : أَعْطَيْت فُلَانًا قَرَارِيطَهُ - إذَا سَمَّعَهُ مَا يَكْرَهُهُ وَإِذَا خَاطَبَهُ بِمَا لَا يُحِبُّ مُخَاطَبَتَهُ بِهِ ، وَيُحَذِّرُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فَيَقُولُ : اذْهَبْ عَنِّي ، لَا أُعْطِيكَ قَرَارِيطَكَ ، يَعْنِي : سِبَابَكَ وَإِسْمَاعَكَ الْمَكْرُوهَ الَّذِي لَا تُحِبُّ أَنْ تَسْمَعَهُ . وَلَيْسَ هَذَا بِمَوْجُودٍ فِي كَلَامِ أَهْلِ مَدِينَةٍ سِوَى أَهْلِ مِصْرَ ، فَكَانَ إعْلَامُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَصْحَابَهُ ذَلِكَ مِنْهُمْ ، وَوَعْدُهُ إيَّاهُمْ بِفَتْحِ مَدِينَتِهِمْ الَّتِي يَذْكُرُونَ ذَلِكَ فِيهَا ، وَأَنَّ أَيْدِيَهُمْ سَتَقَعُ عَلَيْهَا حَتَّى يَكُونُوا ذِمَّةً لَهُمْ وَحَتَّى يَسْتَعْمِلُوا فِيهِمْ مَا أَمَرَهُمْ بِاسْتِعْمَالِهِ فِيهِمْ ، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ ، وَباَللَّهَ التَّوْفِيقَ .
654 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله لعبد الله بن عمر في امرأته التي كان طلقها وهي حائض أن يراجعها فإذا طهرت طلقها وهي طاهر أو حامل . 4887 - حدثنا يحيى بن عثمان حدثنا نعيم بن حماد حدثنا عبد الله بن المبارك حدثنا سفيان ، عن محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة ، عن سالم حدثه . عن ابن عمر رضي الله عنهما قال قيل للنبي عليه السلام إن ابن عمر طلق امرأته وهي حائض قال فليراجعها فإذا طهرت طلقها وهي طاهر أو حامل . 4888 - وحدثنا فهد حدثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني وحدثنا أحمد بن شعيب حدثنا محمود بن غيلان ، قالا : حدثنا وكيع ، عن سفيان ، عن محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة ، عن سالم عن ابن عمر مثله . فكان هذا الحديث مما استدل به قوم من أهل العلم ممن مذهبه أن الحامل لا تحيض على مذهبه ذلك وقال لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن عمر أن يطلقها بعد أن يراجعها وهي طاهر أو حامل دل ذلك أن الحمل لا حيض فيه لأنه لو كان فيه حيض لم يأمره أن يطلقها في حال قد تكون فيها حائضا وفي أمره أياه أن يطلقها في تلك الحال من غير أن يقول له غير حائض ما قد دل على أن لا حيض في الحمل . وقال الذين خالفوهم في ذلك هذا الكلام الذي ذكرتموه في هذا الحديث مستحيل لأنه لم يطلقها وهي طاهر فذكر موضع الطهر الذي يكون فيه موضع ذلك الطلاق ، ثم قال أو حامل والحامل موضع للطلاق فلم تكن الضرورة تدعو إلى ذكر الحمل ؛ لأن المقصود بطلاق السنة إليه هو الطهر وإذا كان الحمل لا حيض فيه كان طهرا وكان الكلام به فضلا وكان ذكر الطهر الذي قبله يغني ، عن ذكره وحاش لله عز وجل أن يكون في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لا يحتاج إليه وما لا فائدة فيه . فكان من جوابنا لهذا القائل ، عن الذي خاطبهم بهذا الخطاب أن في هذا الكلام المضاف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر الفائدة وذلك أن الطاهر لا تطلق في طهرها إلا أن تكون غير مجامعة فيه والحامل جائز أن تطلق في حملها وقد جومعت فيه أو لم تجامع ؛ لأن جماع الطاهر جماع قد يكون عنه حمل وجماع الحامل جماع لا يكون عنه حمل فكان حكم الطهر الذي لا حمل معه وحكم الطهر بالحمل فيهما هذا المعنى الذي ذكرنا مما يتباينان فيه ويختلفان فيه فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن عمر أن يطلقها طاهرا طهرا لم يجامعها فيه وإن كان لم ينقل إلينا في هذا الحديث فإنه قد نقل إلينا في غيره . 4889 - كما قد حدثنا فهد حدثنا علي بن معبد حدثنا أبو المليح الرقي ، عن ميمون بن مهران . عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه طلق امرأته في حيضها فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يراجعها حتى تطهر فإذا طهرت فإن شاء أمسك وإن شاء طلق قبل أن يجامع . فنفى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجماع ، عن الطهر الذي أمره بالطلاق فيه وأمره أن يكون طلاقه لها وهي طاهرة غير مجامعة ولم ينف الجماع عن الحامل ؛ لأن جماع الحامل لا يمنع من طلاقها للسنة فبان بحمد الله ونعمته أن الذي كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم مما ذكر عنه في حديث محمد بن عبد الرحمن فيه أكثر الفائدة . ومما يدل أيضا أن الحامل لا تحيض ما قد رويناه ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما تقدم منا من كتابنا هذا في أمره صلى الله عليه وسلم في السبايا أن لا توطأ حامل منهن حتى تضع وأن لا توطأ غير حامل منهن حتى تحيض فكان معقولا عنه صلى الله عليه وسلم بذلك أنه أراد أن الحيض إذا كان علم به أن لا حمل حل الوطء الذي كان لا يحل لو كان حمل ولأنه لو كان الحيض لا ينفي الحمل لكان الحيض والطهر جميعا بمعنى واحد ولكنه بخلاف ذلك لأنه إذا كان حيض علم أن لا حمل معه فهذا دليل صحيح على أن الحيض لا يكون مع الحمل . فقال قائل فقد روي ، عن عائشة رضي الله عنها أن الحامل تحيض وذكر في ذلك . 4890 - ما قد حدثنا الربيع بن سليمان المرادي حدثنا شعيب بن الليث حدثنا الليث بن سعد وما قد حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم حدثنا أبي وشعيب بن الليث حدثنا الليث بن سعد ، عن بكير بن عبد الله بن الأشج . عن أم علقمة مولاة عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أن عائشة رضي الله عنها سئلت ، عن الحامل ترى الدم فقالت : لا تصلي . فكان جوابنا له في ذلك أن هذا الحديث قد روي ، عن عائشة رضي الله عنها كما ذكر وقد روي عنها خلاف هذا القول في حديث آخر وهو . 4891 - ما قد حدثنا علي بن شيبة حدثنا يحيى بن يحيى النيسابوري حدثنا بشر بن المفضل ، عن سعيد يعني ابن أبي عروبة ، عن مطر يعني الوراق ، عن عطاء . عن عائشة في الحامل ترى الدم قال لا تدع الصلاة . 4892 - وما قد حدثنا محمد بن خزيمة حدثنا حجاج بن منهال حدثنا همام بن يحيى حدثنا مطر الوراق ، عن عطاء بن أبي رباح . عن عائشة رضي الله عنها في الحامل ترى الدم قالت : تغتسل وتصلي . 4893 - وما قد حدثنا إبراهيم بن مرزوق حدثنا حبان بن هلال حدثنا محمد بن راشد حدثنا سليمان بن موسى ، عن عطاء عن عائشة رضي الله عنها قالت : الحبلى لا تحيض فإذا رأت الدم فلتغتسل ولتصل . فكان هذا عندنا عن عائشة أولى مما ذكرناه عنها مما يخالف ذلك لجلالة عطاء ولموضعه من العلم ولأن موضع أم علقمة من العلم ليس كذلك . فقال قائل فإن عمرة قد روت عن عائشة رضي الله عنها في ذلك ما يوافق ما روته عنها أم علقمة فيه . فكان جوابنا له في ذلك أنا لم نجد ذلك عن عمرة صحيحا وإنما وجدناه من رواية أهل البيت ، عن يحيى بن سعيد ، عن عائشة رضي الله عنها بلا ذكر لعمرة فيه . 4894 - كما حدثنا محمد بن خزيمة حدثنا حجاج بن منهال حدثنا حماد بن سلمة ، عن يحيى بن سعيد . عن عائشة أنها قالت : الحبلى إذا رأت الدم فلتمسك عن الصلاة فإنه حيض . 4895 - وكما حدثنا محمد بن خزيمة حدثنا حجاج بن منهال حدثنا همام قال حدثت يحيى بن سعيد بحديث مطر الوراق يعني الذي ذكرناه في هذا الباب فأنكره وقال قالت عائشة رضي الله عنها : لا تصلي . ثم قد قال بهذا القول أعني في أن الحامل لا تدع الصلاة برؤية الدم عطاء بن أبي رباح والحسن البصري . 4896 - كما حدثنا فهد ، قال : حدثنا أبو نعيم حدثنا سفيان ، عن جامع بن أبي راشد قال : سمعت عطاء وسئل عن الحامل ترى الدم قال تتوضأ وتصلي . 4897 - وكما حدثنا صالح بن عبد الرحمن حدثنا سعيد بن منصور حدثنا هشيم أخبرنا يونس ، عن الحسن في الحامل ترى الدم قال هي بمنزلة المستحاضة تغتسل كل يوم غسلا من الظهر إلى الظهر . 4898 - وكما حدثنا علي بن شيبة حدثنا يحيى بن يحيى حدثنا سفيان بن عيينة ، عن جامع بن أبي راشد ، عن عطاء قال هي بمنزلة المستحاضة تغتسل كل يوم من الظهر إلى الظهر . فهذا هو القول عندنا لما قد دللنا عليه بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم والقياس وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ، 4899 - كما حدثنا محمد بن العباس حدثنا علي بن معبد حدثنا محمد بن الحسن حدثنا يعقوب ، عن أبي حنيفة في الحامل ترى الدم قال تصلي ولم يحك فيه خلاف بينه وبين أحد من أصحابه والله نسأله التوفيق .
197 - باب بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْقِيرَاطِ الْمُسْتَحَقِّ بِالصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ هَلْ هُوَ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهَا خَاصَّةً ؟ أَوْ بِمَا سِوَاهُ مَعَهُ مِنْ تَشْيِيعِهَا مِنْ مَنْزِلِهَا ؟ . 1429 - حدثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُد وَفَهْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ جَمِيعًا قَالَا : حدثنا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ الْوُحَاظِيُّ قَالَ : حدثنا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ قَالَ : حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ يَحْيَى ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَنْ أَتَى الْجِنَازَةَ عِنْدَ أَهْلِهَا فَمَشَى بِهَا حَتَّى يُصَلِّيَ عَلَيْهَا فَلَهُ قِيرَاطٌ ، وَمَنْ شَهِدَهَا حَتَّى تُدْفَنَ فَلَهُ قِيرَاطَانِ مِثْلُ أُحُدٍ . 1430 - حدثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُد قَالَ : حدثنا سَهْلُ بْنُ بَكَّارٍ قَالَ : حدثنا وُهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : قَالَ نَبِيُّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ جَاءَ جِنَازَةً فَتَبِعَهَا مِنْ أَهْلِهَا حَتَّى يُصَلِّيَ عَلَيْهَا فَلَهُ قِيرَاطٌ ، وَإِنْ مَضَى مَعَهَا حَتَّى تُدْفَنَ فَلَهُ قِيرَاطَانِ مِثْلُ أُحُدٍ . 1431 - حدثنا يُونُسُ قَالَ : أخبرنا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْعُمَرِيُّ وَعِيَاضُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْفِهْرِيُّ وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ : مِثْلَ أُحُدٍ . 1432 - حدثنا يُونُسُ قَالَ : حدثنا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : حَدَّثَنِي يُونُسُ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؛ مِثْلَهُ . وَزَادَ : قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَمَا الْقِيرَاطَانِ ؟ قَالَ : مِثْلُ الْجَبَلَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ . قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : قَالَ سَالِمٌ : وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يُصَلِّي عَلَيْهَا ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ . فَلَمَّا بَلَغَهُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : لَقَدْ ضَيَّعْنَا قَرَارِيطَ كَثِيرَةً . 1433 - حدثنا يُونُسُ قَالَ : أخبرنا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : حَدَّثَنِي جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ ( ح ) ، وَحدثنا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمُرَادِيُّ قَالَ : حدثنا أَسَدُ بْنُ مُوسَى قَالَ : حدثنا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ قَالَ : سَمِعْت نَافِعًا قَالَ : قِيلَ لِابْنِ عُمَرَ : إنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : مَنْ تَبِعَ جِنَازَةً فَلَهُ قِيرَاطٌ مِنْ الْأَجْرِ . فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : أَكْثَرَ عَلَيْنَا أَبُو هُرَيْرَةَ . ثُمَّ أَرْسَلَ إلَى عَائِشَةَ فَسَأَلَهَا ، فَصَدَّقَتْ أَبَا هُرَيْرَةَ ، وَقَالَتْ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُهُ . فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : لَقَدْ فَرَّطْنَا فِي قَرَارِيطَ كَثِيرَةٍ . 1434 - حدثنا فَهْدٌ قَالَ : حدثنا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ قَالَ : حدثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيِّ ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ الْأَشْجَعِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَنْ مَشَى مَعَ جِنَازَةٍ حَتَّى تَفْرُغَ فَلَهُ قِيرَاطَانِ ، وَمَنْ رَجَعَ قَبْلَ أَنْ يُفْرَغَ مِنْهَا فَلَهُ قِيرَاطٌ . قَالَ : قُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَمَا الْقِيرَاطُ ؟ قَالَ : مِثْلُ أُحُدٍ . 1435 - حدثنا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ قَالَ : حدثنا صَالِحُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التِّرْمِذِيُّ قَالَ : حدثنا عَبْثَرُ بْنُ الْقَاسِمِ ، عَنْ بُرْدِ بْنِ أَبِي زِيَادٍ ، عَنْ الْمُسَيِّبِ بْنِ رَافِعٍ قَالَ : سَمِعْت الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ شَيَّعَ جِنَازَةً حَتَّى يُصَلِّيَ عَلَيْهَا كَانَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ قِيرَاطٌ ، وَمَنْ مَشَى مَعَ جِنَازَةٍ حَتَّى تُدْفَنَ كَانَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ قِيرَاطَانِ ، وَالْقِيرَاطُ مِثْلُ أُحُدٍ . 1436 - حدثنا أَبُو أُمَيَّةَ قَالَ : حدثنا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو الْأَزْدِيُّ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْفَزَارِيّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَفْصَةَ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَنْ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ أَوْ قَالَ : مَنْ مَشَى مَعَ جِنَازَةٍ فَلَهُ قِيرَاطٌ ، فَإِنْ انْتَظَرَ حَتَّى تُدْفَنَ فَلَهُ قِيرَاطَانِ ، وَالْقِيرَاطَانِ مِثْلُ الْجَبَلَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ . 1437 - حدثنا يُونُسُ قَالَ : حدثنا بِشْرُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنِي الْأَوْزَاعِيِّ قَالَ : حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو مُزَاحِمٍ الْمَدَنِيُّ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ اتَّبَعَ جِنَازَةً حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا فَلَهُ قِيرَاطٌ ، وَمَنْ انْتَظَرَ حَتَّى يُقْضَى دَفْنُهَا فَلَهُ قِيرَاطَانِ . قِيلَ : وَمَا الْقِيرَاطَانِ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : أَصْغَرُهُمَا مِثْلُ أُحُدٍ . 1438 - حدثنا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْقَاسِمِ الْكُوفِيُّ قَالَ : حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ قَالَ : حَدَّثَنِا الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَنْ تَبِعَ جِنَازَةً حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا وَيُفْرَغَ مِنْهَا فَلَهُ قِيرَاطَانِ ، وَمَنْ تَبِعَهَا حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا فَلَهُ قِيرَاطٌ . وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَهُوَ أَثْقَلُ فِي مِيزَانِهِ مِنْ أُحُدٍ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَكَانَ الَّذِي فِي هَذِهِ الْآثَارِ مِنْ الثَّوَابِ الْمَذْكُورِ فِيهَا لِلْمُصَلِّينَ عَلَى الْجِنَازَةِ هُوَ بِالتَّشْيِيعِ لَهَا مِنْ أَهْلِهَا وَالصَّلَاةِ عَلَيْهَا مَعَ ذَلِكَ لَا بِالصَّلَاةِ عَلَيْهَا خَاصَّةً ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى ذَكَرَ الْمَشْيَ مَعَهَا مِنْ أَهْلِهَا ، فَفِي ذَلِكَ إحَاطَتُنَا عِلْمًا أَنَّ الْمُشَيِّعَ لَهَا بِالرُّكُوبِ مَعَهَا حَتَّى يُصَلِّيَ عَلَيْهَا ثَوَابُهُ دُونَ ثَوَابِ الْمَاشِي مَعَهَا حَتَّى يُصَلِّيَ عَلَيْهَا ، وَذَلِكَ عِنْدَنَا - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - عَلَى الرَّاكِبِ اخْتِيَارًا مَعَ طَاقَتِهِ الْمَشْيَ ، فَأَمَّا الرَّاكِبُ اضْطِرَارًا لِعَجْزِهِ عَنْ الْمَشْيِ فَكَالْمَاشِي مَعَهَا . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : فَقَدْ رُوِيَتْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - آثَارٌ فِي هَذَا الْمَعْنَى بِاسْتِحْقَاقِ هَذَا الثَّوَابِ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهَا غَيْرُ مَذْكُورٍ فِيهَا غَيْرُ ذَلِكَ . 1439 - حدثنا فَهْدٌ قَالَ : حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ قَالَ : حدثنا ابْنُ أَبِي عُبَيْدَةَ ( ح ) وَمَا قَدْ حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ دَاوُد ، قَالَ : حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ ، قَالَ : حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَنْ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ فَلَهُ قِيرَاطٌ ، وَمَنْ تَبِعَهَا حَتَّى تُدْفَنَ فَلَهُ قِيرَاطَانِ ، وَالْقِيرَاطَانِ مِثْلُ أُحُدٍ . 1440 - وَمَا قَدْ حدثنا أَحْمَدُ بْنُ دَاوُد بْنِ مُوسَى قَالَ : حدثنا مُسَدَّدٌ قَالَ : حدثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ ، عَنْ مَعْدَانَ ، عَنْ ثَوْبَانَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَنْ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ فَلَهُ قِيرَاطٌ ، وَمَنْ شَهِدَ دَفْنَهَا فَلَهُ قِيرَاطَانِ ، وَالْقِيرَاطُ أَعْظَمُ مِنْ أُحُدٍ . 1441 - وَمَا قَدْ حدثنا أَحْمَدُ بْنُ دَاوُد قَالَ : حدثنا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ : حدثنا مُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ ، عَنْ الْحَسَنِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغَفَّلِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ فَلَهُ قِيرَاطٌ ، وَمَنْ انْتَظَرَ حَتَّى يُقْضَى قَضَاؤُهَا فَلَهُ قِيرَاطَانِ . 1442 - وَمَا قَدْ حدثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ قَالَ : حدثنا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَنْ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ وَاتَّبَعَهَا فَلَهُ قِيرَاطَانِ مِثْلُ أُحُدٍ ، وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا وَلَمْ يَتَّبِعْهَا فَلَهُ قِيرَاطٌ مِثْلُ أُحُدٍ . فَقَالَ هَذَا الْقَائِلُ : فَهَذِهِ الْآثَارُ فِيهَا ذِكْرُ اسْتِحْقَاقِ الْقِيرَاطِ بِالصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ خَاصَّةً ، أَفَتَجْعَلُونَ هَذَا مُضَادًّا لِمَا فِي الْآثَارِ الْأُوَلِ مِنْ اسْتِحْقَاقِ ذَلِكَ الْقِيرَاطِ أَنَّهُ بِالْمَشْيِ مَعَهَا مِنْ أَهْلِهَا وَالصَّلَاةِ عَلَيْهَا لَا بِدُونِ ذَلِكَ ؟ قِيلَ لَهُ : لَيْسَ هَذَا عِنْدَنَا بِتَضَادٍّ ، وَلَكِنَّهُ عِنْدَنَا - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - عَلَى حِفْظِ بَعْضِ رُوَاتِهَا لِمَا أَغْفَلَهُ بَقِيَّتُهُمْ ، فَيَكُونُ الصَّحِيحُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِمَّا يَسْتَحِقُّ بِهِ ذَلِكَ الْقِيرَاطَ هُوَ بِالْمَشْيِ مَعَ الْجِنَازَةِ مِنْ أَهْلِهَا وَالصَّلَاةِ عَلَيْهَا ، وَيَكُونُ مَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الْمَشْيِ مَعَهَا إغْفَالًا مِنْ رُوَاتِهَا ، وَمَنْ حَفِظَ شَيْئًا كَانَ حُجَّةً عَلَى مَنْ لَمْ يَحْفَظْهُ . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : وَهَلْ جُزْءُ الْقِيرَاطِ مِنْ الشَّيْءِ الَّذِي هُوَ مِنْهُ جُزْءٌ مَعْلُومٌ مَوْجُودٌ فِي شَيْءٍ مِنْ الْآثَارِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قِيلَ لَهُ : مَا وَجَدْنَا لِذَلِكَ ذِكْرًا فِي شَيْءٍ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَيْرِ شَيْءٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ . 1443 - فَإِنَّهُ قَدْ حدثنا مُوسَى بْنُ النُّعْمَانِ الْمَكِّيُّ قَالَ : حدثنا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِئ قَالَ : حدثنا ابْنُ لَهِيعَةَ ، عَنْ ابْنِ هُبَيْرَةَ ، عَنْ أَبِي تَمِيمٍ الْجَيَشَانِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : الدِّينَارُ كَنْزٌ ، وَالدِّرْهَمُ كَنْزٌ ، وَالْقِيرَاطُ كَنْزٌ . قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَمَّا الدِّينَارُ وَالدِّرْهَمُ فَقَدْ عَرَفْنَاهُمَا ، فَمَا الْقِيرَاطُ ؟ قَالَ : نِصْفُ دِرْهَمٍ ، نِصْفُ دِرْهَمٍ . فَكَانَ ذَلِكَ مِقْدَارَ الْقِيرَاطِ مِنْ الشَّيْءِ الَّذِي هُوَ مِنْهُ ، وَكَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ الصَّرْفَ الَّذِي كَانُوا عَلَيْهِ مِمَّا هُوَ عَدْلُ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا عَلَى مَا يَذْهَبُ إلَيْهِ مَنْ يَجْعَلُ الدِّيَةَ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا . وَأَمَّا مَنْ يَجْعَلُ الدِّيَةَ مِنْ الْوَرِقِ عَشْرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ فَذَلِكَ عَلَى أَنَّ عَدْلَ الدِّينَارِ مِنْ الدَّرَاهِمِ كَانَ عِنْدَهُمْ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ ، وَعَلَى أَنَّ الْقَرَارِيطَ جُمْلَتُهَا الدِّينَارُ كَانَ عِنْدَهُمْ عِشْرِينَ قِيرَاطًا ، وَكَانَ الْقِيرَاطُ مِنْهَا نِصْفَ دِرْهَمٍ . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الْأَمْرِ كَانَ فِي ذَلِكَ . فَإِنْ قَالَ : فَهَلْ وَجَدْتُمْ لِلشَّيْءِ الَّذِي الْقِيرَاطُ مِنْهُ ذِكْرَ مِقْدَارٍ فِي شَيْءٍ مِنْ الْآثَارِ ؟ قِيلَ لَهُ : مَا وَجَدْنَا ذَلِكَ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - مَا هُوَ ، وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَخْفَى ذَلِكَ حَتَّى يَعْلَمَهُ أَهْلُهُ إذَا لَقَوْهُ عَزَّ وَجَلَّ : فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ . وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
851- باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المراد فيما كان يستعمله في خطبه وفي كلامه من قوله : أما بعد . 6278 - حدثنا إبراهيم بن أبي داود ، قال : حدثنا أبو اليمان ، قال : حدثنا شعيب بن أبي حمزة ، عن الزهري ، عن علي بن الحسين ، عن المسور بن مخرمة ، قال : خطبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : أما بعد ، فإن بني هشام بن المغيرة استأذنوا في أن ينكحوا ابنتهم علي بن أبي طالب ، ولا آذن ، فإن فاطمة بضعة مني . وقد ذكرنا حديث المسور بن مخرمة هذا فيما تقدم منا في كتابنا هذا بأسانيد غير هذا الإسناد . 6279 - وحدثنا أبو أمية ، قال : حدثنا محمد بن بكير ، قال : حدثنا يزيد بن زريع ، قال : حدثنا داود ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال في خطبته : أما بعد . ويدخل في هذا الباب أيضا ما قد رويناه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في خطبة الحاجة من ذكره فيها أما بعد فيما تقدم منا في كتابنا هذا . فقال قائل : ما المراد بأما بعد في هذه الآثار ، ومما يستعمل في الكلام ابتداء مما لم يتقدمها شيء يكون بعدا له ؟ فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله - عز وجل - : أن العرب تستعمل في كلامها الإيجاز والإشارات إلى المعاني التي يريدونها بالكلام الذي يحاولون الكلام به ؛ لعلمهم بعلم من يخاطبونه بما يخاطبونه به ، فكان قولهم : أما بعد مما يبتدؤون به كلامهم ، يريدون به معنى محذوفا كان ذلك الكلام من أجله ، فعاد مبنيا عليه ، ومن ذلك أن ابتدؤوا ما أرادوا من ذلك بحمد الله - عز وجل - وبتسميته ، وعلى ذلك جرت الكتب بعدهم ، فكان معنى أما بعد ، أي : أما بعد الذي كان منهم من التسمية والتحميد ، فإن كذا وكذا ، ثم يذكرون الذي يريدونه مع حذفهم ذكر ما أرادوه ، والدليل على ذلك رفعهم بعد ، إذ كان المضاف والمضاف إليه كالشيء الواحد ، وكانوا لو جاؤوا به بتمامه ؛ لقالوا : أما بعد كتابنا هذا ، فيأتون ببعد منصوبة ؛ لأنها صفة ، ثم يقولون : فقد كان كذا وكذا ، فلما حذفوا ذلك ، رفعوا بعد ، وهو الذي يسميه اللغويون غاية ، ومنه قوله الله - عز وجل - : لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ ، أي : من قبل كل شيء ، ومن بعد كل شيء لما هو مضاف إلى بعد ، فلما حذف ذكره ، رفع : قبل و بعد على الغاية ، ومن ذلك قالوا : أعطيك درهما لا غير ، فيرفعون غير ، ولو جاؤوا بتمام الكلام لنصبوا غير ، فقالوا : أعطيتك درهما لا غيره ، وبالله التوفيق .
198 - باب بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي كَسْرِ عَظْمِ الْمَيِّتِ . 1444 - حدثنا بَكَّارَ بْنُ قُتَيْبَةَ قَالَ : حدثنا صَفْوَانُ بْنُ عِيسَى قَالَ : حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَارَةَ ، عَنْ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : كَسْرُ عِظَامِ الْمَيِّتِ كَكَسْرِ عِظَامِ الْحَيِّ . 1445 - حدثنا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ الرَّقِّيُّ قَالَ : حدثنا شُجَاعُ بْنُ الْوَلِيدِ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : إنَّ كَسْرَ عَظْمِ الْمُؤْمِنِ مَيِّتًا مِثْلُ كَسْرِهِ حَيًّا . 1446 - حدثنا أَبُو أُمَيَّةَ قَالَ : حدثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى الْعَبْسِيُّ قَالَ : حدثنا سُفْيَانُ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ . 1447 - وَحدثنا أَبُو أُمَيَّةَ قَالَ : حدثنا عُبَيْدُ اللَّهِ قَالَ : أخبرنا سُفْيَانُ ، عَنْ حَارِثَةَ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : كَسْرُ عَظْمِ الْمَيِّتِ مَيِّتًا كَكَسْرِهِ حَيًّا . فَقَالَ قَائِلٌ مِمَّنْ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ بِتَأْوِيلِ أَحَادِيثِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : يَلْزَمُكُمْ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْ تَجْعَلُوا فِي كَسْرِ عِظَامِ الْمَوْتَى مِثْلَ الَّذِي تَجْعَلُونَهُ فِي كَسْرِ الْأَحْيَاءِ . فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الَّذِي أَلْزَمَنَاهُ لَا يَلْزَمُنَا ؛ لِأَنَّا وَجَدْنَا عَظْمَ الْحَيِّ لَهُ حُرْمَةٌ وَفِيهِ حَيَاةٌ يَجِبُ عَلَى مَنْ كَانَ سَبَبًا لِإِخْرَاجِهَا مِنْهُ وَإِعَادَتِهِ مِنْ الْحَيَاةِ إلَى الْمَوَاتِ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ مِنْ الْقِصَاصِ وَمِنْ أَرْشٍ ، وَكَانَ عَظْمُ الْمَيِّتِ لَا حَيَاةَ فِيهِ وَلَهُ حُرْمَةٌ ، فَكَانَ كَاسِرُهُ فِي انْتِهَاكِ حُرْمَتِهِ كَكَاسِرِ عَظْمِ الْحَيِّ فِي انْتِهَاكِ حُرْمَتِهِ ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الْكَسْرُ إخْرَاجَ الْحَيَاةِ مِنْهُ حَتَّى عَادَ بِهَا مَوَاتًا كَمَا يَكُونُ فِي كَسْرِ عَظْمِ الْحَيِّ كَذَلِكَ ، فَانْتَفَى السَّبَبُ الَّذِي يُوجِبُ فِي كَسْرِ عَظْمِ الْحَيِّ مَا يُوجِبُ مِنْ قِصَاصٍ وَمِنْ دِيَةٍ ، فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ قِصَاصٌ وَلَا دِيَةٌ ، وَكَانَتْ حُرْمَتُهُ بَعْدَ أَنْ صَارَ مَوَاتًا لَمَّا كَانَتْ بَاقِيَةً كَانَ مُنْتَهِكُهَا بَعْدَ أَنْ صَارَ مَوَاتًا كَهُوَ فِي انْتِهَاكِهَا لَمَّا كَانَ حَيًّا ، وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
653 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في السبب الذي من أجله صلى عثمان بن عفان رضي الله عنه في حجه بالناس بمنى أربعا . 4883 - حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح ، حدثنا عمرو بن الربيع بن طارق الهلالي ، حدثنا عكرمة بن إبراهيم الأزدي الموصلي ، حدثنا عبد الله بن الحارث بن أبي ذباب ، عن أبيه عن عثمان بن عفان أنه صلى بأهل منى أربع ركعات ، فلما سلم أقبل إليهم ، فقال : إني تأهلت بمكة ، وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من تأهل في بلدة ، فهو من أهلها ، فليصل أربعا ، فلذلك صليت أربعا . 4884 - حدثنا إسماعيل بن حمدويه ، حدثنا الحميدي ، حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله مولى بني هاشم ، قال : حدثني عكرمة بن إبراهيم ، عن ابن أبي ذباب ، عن أبيه . عن عثمان بن عفان أنه صلى بأهل منى أربعا ، فأنكر الناس ذلك عليه ، فقال : يا أيها الناس إني لما قدمت مكة ، تأهلت بها ، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إذا تأهل الرجل ببلدة ، فليصل صلاة المقيم . قال أبو جعفر : ففي هذا الحديث ما قد دل على ما يقوله أبو حنيفة وأصحابه والشافعي أن الإمام إذا كان من أهل مكة ، ومن كان من أهلها من الحاج فلا يقصرون الصلاة بمنى ؛ لأنهم في سفر دون السفر الذي تقصر في مثله الصلاة ، وقد تقدمهم في هذا القول عطاء ومجاهد ، وهما إماما الناس في الحج . 4885 - حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، قال : حدثنا أبو عاصم ، عن عثمان بن الأسود ، عن عطاء ومجاهد قالا : ليس على أهل مكة قصر في الحج . والقياس يوجب هذا أيضا ؛ لأن قصر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما للصلاة بالناس بمنى في حجهم لا يخلو من معنى من ثلاثة معان : أن يكون السفر الذي كانوا فيه مما تقصر في مثله الصلاة أو يكون كان للحج الذي كانوا فيه أو يكون كان للموطن الذي كانوا به لا وجه له في ذلك غير هذه الثلاثة الأوجه اللاتي ذكرنا فاعتبرنا ذلك هل كان ذلك القصر للموطن فوجدنا أهل العلم جميعا لا يختلفون أن من لم يكن حاجا أنه لا يقصر الصلاة في ذلك الموطن فعقلنا بذلك أن القصر الذي كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن صاحبيه في تلك الصلاة لم يكن للموطن ، ثم رجعنا إلى ذلك القصر هل كان للحج فوجدناهم جميعا لا يختلفون أن الحاج من أهل منى لا يقصرون تلك الصلاة بمنى فعقلنا بذلك أن ذلك القصر المتقدم لم يكن للحج الذي كانوا فيه . ولما انتفى هذان المعنيان وخرجا أن يكون التقصير الذي كان في تلك الصلاة لواحد منهما ولم يبق إلا الوجه الآخر وهو السفر عقلنا بذلك أن التقصير الذي كان في تلك الصلاة كان للسفر لا لما سواه وكذلك كان مالك رحمه الله يقول في الحاج من أهل منى : إنهم لا يقصرون الصلاة بها وإن أهل مكة وأهل عرفة يقصرون الصلاة بها وإن أهل منى يقصرون الصلاة بعرفة وإذا انتفى أن تكون الصلاة قصرها من قصرها لا للسفر انتفى بذلك قول من قال إن غير المسافر يقصرها بمنى حاجا أو غير حاج . ثم نظرنا في الحارث بن أبي ذباب الذي رجع إليه هذا الحديث هل في سنه ما يدل أن يكون ما حدث به ، عن عثمان بن عفان رضي الله عنه فيه سماعا . 4886 - فوجدنا إبراهيم بن أبي داود قد حدثنا ، قال : حدثنا ابن إسحاق . عن يعقوب بن عتبة ، عن يزيد بن هرمز . عن الحارث بن أبي ذباب الدوسي قال لما كان عام الرمادة أخذ عمر بن الخطاب رضي الله عنه الصدقة حتى إذا أحيا الناس من العام المقبل بعث إليهم مصدقين وبعثني فيهم فقال : خذ منهم العقالين العقال الذي أخرنا عنهم والعقال الذي حل عليهم ، ثم اقسم عليهم أحد العقالين ، ثم احدر لي الآخر قال فعقلت . فعقلنا بذلك أن في سنه فوق ما طلبنا فيها لأنه إذا كان من ولاة عمر كان في وقت عثمان فوق كثير ممن حدث ، عن عثمان في الأسنان والله نسأله التوفيق .
199 - باب بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ قَوْلِهِ : إذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَجْلِسِهِ ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ . 1448 - حدثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُد قَالَ : حدثنا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْوَاسِطِيُّ قَالَ : حدثنا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، وَحدثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ قَالَ : حدثنا عَفَّانَ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ : حدثنا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْوَاسِطِيُّ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حِبَّانَ ، عَنْ عَمِّهِ وَاسِعِ بْنِ حِبَّانَ ، عَنْ وَهْبِ بْنِ حُذَيْفَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : الرَّجُلُ أَحَقُّ بِمَجْلِسِهِ ، وَإِنْ بَدَتْ لَهُ حَاجَةٌ فَقَامَ إلَيْهَا ثُمَّ رَجَعَ فَهُوَ أَحَقُّ بِمَجْلِسِهِ . 1449 - حدثنا فَهْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ وَمُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْجَوَارِبِيُّ قَالَ : حدثنا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ الْوَاسِطِيُّ قَالَ : حدثنا خَالِدٌ . وَذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ . 1450 - وَحدثنا فَهْدٌ قَالَ : حدثنا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ الْوُحَاظِيُّ قَالَ : حدثنا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى ، ثُمَّ ذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهْبُ بْنُ حُذَيْفَةَ هَذَا رَجُلٌ مِنْ غِفَارٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 1451 - وَحدثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُد قَالَ : حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمِنْهَالِ الضَّرِيرُ قَالَ : حدثنا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ قَالَ : حدثنا رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ قَالَ : حدثنا سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إذَا قَامَ الرَّجُلُ مِنْ مَجْلِسِهِ ، وَقَالَ مَرَّةً : مَنْ قَعَدَ مَقْعَدَهُ ، وَأَرَادَ أَنْ يَرْجِعَ إلَيْهِ - فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ . 1452 - حدثنا أَحْمَدُ بْنُ دَاوُد بْنِ مُوسَى قَالَ : حدثنا سَهْلُ بْنُ بَكَّارٍ قَالَ : حدثنا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَجْلِسِهِ ، ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهِ - فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ . فَقَالَ قَائِلٌ : أَفَيَكُونُ هَذَا دَلِيلًا عَلَى أَنَّ مَنْ قَامَ مِنْ مَجْلِسِهِ ، ثُمَّ عَادَ إلَيْهِ بَعْدَ يَوْمٍ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ - أَنَّهُ أَحَقُّ بِهِ مِمَّنْ سِوَاهُ مِنْ النَّاسِ ؛ إذْ كَانَ ذَلِكَ إنَّمَا يُرِيدُ بِهِ الْمَجَالِسَ الْعَامِّيَّةَ الَّتِي لَيْسَتْ بِمَمْلُوكَاتٍ ، لَا الْمَجَالِسَ الْخَاصِّيَّةَ الْمَمْلُوكَاتِ كَالْمَسَاجِدِ وَكَالصَّحَارِيِ الَّتِي يَنْزِلُهَا النَّاسُ ، وَكَالْمَوَاضِعِ مِنْ الْأَمْصَارِ الْمَأْذُونِ لِلنَّاسِ فِيهَا ؟ فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعَوْنِهِ أَنَّ ذَلِكَ مِمَّا نُحِيطُ عِلْمًا أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ الْعَوْدَ الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِيَامِ ، عَنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ الَّذِي أُرِيدَ الْعَوْدُ إلَيْهِ الْمُدَّةُ الَّتِي ذَكَرَ ، وَلَكِنَّهُ عَلَى الْعَوْدِ إلَى الْمَجْلِسِ الَّذِي قَامَ عَنْهُ صَاحِبُهُ الْقِيَامَ الَّذِي لَمْ يُرِدْ بِهِ تَرْكَهُ ، إنَّمَا قَامَ لِأَمْرٍ عَرَضَ لَهُ عَلَى أَنْ يَعُودَ إلَيْهِ ، فَيَرْجِعَ إلَى الْجُلُوسِ فِيهِ كَمَا كَانَ قَبْلَ قِيَامِهِ عَنْهُ . فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ أَحَقَّ بِمَجْلِسِهِ ذَلِكَ ، وَإِذَا كَانَ بِخِلَافِهِ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ ، وَكَانَ هُوَ وَسَائِرُ النَّاسِ فِيهِ سَوَاءً مَنْ سَبَقَ مِنْهُمْ إلَيْهِ كَانَ أَحَقَّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ مِنْهُمْ . وَباَللَّهَ التَّوْفِيقَ .
852- باب بيان مشكل الواجب فيما اختلف فيه أهل العلم في تمثيل الرجل بعبده من عتاق عليه بذلك ومن سواه مما لا عتاق معه . 6280 - حدثنا فهد بن سليمان ، قال : حدثنا عبد الله بن صالح ، قال : حدثنا الليث بن سعد ، عن عمر بن عيسى القرشي ، ثم الأسدي ، عن ابن جريج ، عن عطاء بن أبي رباح ، عن ابن عباس ، قال : جاءت جارية إلى عمر بن الخطاب ، فقال : إن سيدي اتهمني فأقعدني على النار حتى احترق فرجي ، فقال لها عمر -رضي الله عنه - : هل رأى ذلك عليك ؟ قالت : لا . قال : فاعترفت له بشيء ؟ قالت : لا . فقال عمر : علي به . فلما رأى عمر الرجل ، قال له : تعذب بعذاب الله - عز وجل - ! قال : يا أمير المؤمنين اتهمتها في نفسها ، قال : رأيت ذلك عليها ، قال الرجل : لا . قال : فاعترفت لك به ، قال : لا . قال : والذي نفسي بيده ، لو لم أسمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : لا يقاد مملوك من مالكه ، ولا ولد من والده ، لأقدتها منك ، فجرده ، فضربه مائة سوط ، وقال : اذهبي ، فأنت حرة لوجه الله - عز وجل - وأنت مولاة لله - عز وجل - ورسوله - صلى الله عليه وسلم - أشهد لسمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : من حرق - وسقط من الكتاب : مملوكه - بالنار أو مثل به مثلة ، فهو حر ، وهو مولى الله - عز وجل - ورسوله - صلى الله عليه وسلم قال الليث : هذا أمر معمول به . 6281 - وحدثنا إبراهيم بن أبي داود ، قال : حدثنا سعيد بن أبي مريم ، قال : أخبرنا ابن لهيعة ، عن يزيد بن أبي حبيب ، قال : حدثني ربيعة بن لقيط ، عن عبد الله بن سندر ، عن أبيه : أنه كان عبدا لزنباع بن سلامة ، فعتب عليه فخصاه وجدعه ، فأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأغلظ لزنباع القول ، وأعتقه منه . قال أبو جعفر : فكان هذان الحديثان هما ما كان يحتج به من ذهب إلى عتاق المملوك على مولاه بتمثيله به مما يروى به مما يروى عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهم الذين يذهبون إلى قول مالك ، وإلى قول الليث غير أن مالكا كان يجعل ولاءه لمولاه . وكان ما يحتجون به لما قالوه من ذلك أيضا بما يروى عن عمر - رضي الله عنه - فيه . 6282 - كما حدثنا عبيد بن رجال ، قال : حدثنا إبراهيم بن محمد الشافعي ، قال : حدثنا داود بن عبد الرحمن العطار ، عن ابن جريج ، قال : أخبرني أبو الزبير : أن أبا يزيد القداح أخبره ، قال : رأيت عمر بن الخطاب جاءته أمة سوداء ، قد شويت بالنار ، فاسترجع عمر حين رآها ، وقال : من سيدك ؟ فقالت : فلان ، فأتي به ، فقال : عذبتها بعذاب الله - عز وجل - والله لولا ، لأقدتها منك ، فأعتقها ، وأمر به ، فجلد . فتأملنا ما احتجوا به من ذلك ، فوجدنا الحديث الذي بدأنا بذكره في هذا الباب مما لا يحتج بمثله ، إذ كان إنما يرجع إلى عمر بن عيسى ، وليس ممن يعرف ، ولا ممن يقوم هذا بمثله . ووجدنا الحديث الذي ثنينا بذكره فيه ، وإن كان فوق الحديث الأول ، ليس مما يقطع بمثله أيضا في هذا الباب ، ولا تقوم الحجة عند المحتجين به لخصمهم إذا احتج عليهم بمثله في هذا المعنى . ووجدنا الحديث الذي ثلثنا بذكره ، وإن كان طريقه الذي روي منه حسنا مقبولا أهله ، ليس فيه أيضا ما يجب به حجة للمحتجين به فيما ذهبوا إليه مما ذكرناه عنهم في هذا الباب ؛ لأنه قد يجوز أن يكون عمر - رضي الله عنه- فعل ذلك عقوبة لفاعله ، إذ كان مذهبه العقوبات على الذنوب في أموال المذنبين ، كما فعل بحاطب في عبيده الذين كان يجيعهم حتى حملهم ذلك على سرقة ناقة لرجل من مزينة ، وكانت قيمتها أربعمائة درهم ، فغرم حاطب لذلك ثمانمائة درهم . 6283 - كما حدثنا يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب : أن مالكا حدثه عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب : أن رقيقا لحاطب سرقوا ناقة لرجل من مزينة ، فانتحروها ، فرفع ذلك إلى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فأمر كثير بن الصلت أن يقطع أيديهم ، ثم قال عمر : إني أراك تجيعهم ، ثم قال عمر بن الخطاب : والله لأغرمنك غرما يشق عليك ، ثم قال للمزني : كم ثمن ناقتك ؟ قال أربعمائة درهم ، فقال عمر : أعطه ثمانمائة درهم . وكان ما كان عليه عمر - رضي الله عنه- من هذا ، لا يقوله المحتج بحديثه الذي قد رويناه عنه في هذا الباب ، ولما كان الذي كان من عمر محتملا ما ذكرنا ، احتمل أن يكون العتق الذي كان منه للجارية المشوية بالنار لمثل ذلك أيضا ، وإذا اتسع خلاف عمر - رضي الله عنه - في ذلك بالإجماع على خلاف ما كان منه فيه ؛ ولأن مذهبه الذي كان عليه في ذلك قد كان في أول الإسلام من العقوبات في الأموال . من ذلك ما قد روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الزكاة : من أعطاها مؤتجرا ، قبلناها منه ، وإلا فإنا آخذوها وشطر ماله ، عزمة من عزمات ربنا . ومن ذلك ما روي عنه فيمن وقع على جارية امرأته مستكرها لها أو غير مستكره لها مما سنذكره من بعد في كتابنا هذا إن شاء الله . وإذا وجب نسخ ذلك ، واستعمال ضده ، كان مثل ذلك أيضا من العقوبات في الأموال بالمثلات وغيرها يكون مثل ذلك ، وتكون العقوبات ترد إلى أمثالها ، وترك أخذ ما سواها بها . ثم رجعنا إلى ما يروى عن رسول الله مما يدخل في هذا الباب . 6284 - فوجدنا يونس قد حدثنا ، قال : أخبرنا عبد الله بن وهب : أن مالكا أخبره عن هلال بن أسامة ، عن عطاء بن يسار ، عن عمر بن الحكم : أنه قال : أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت : يا رسول الله ، إن لي جارية كانت ترعى غنما لي فجئتها ، ففقدت شاة من الغنم ، فسألتها عنها ، فقالت : أكلها الذئب ، فأسفت عليها ، وكنت من بني آدم ، فلطمت وجهها ، وعلي رقبة ، أفأعتقها ؟ فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم- : أين الله - عز وجل - ؟ قالت : في السماء ، قال : من أنا ؟ قالت : أنت رسول الله ، قال : أعتقها . قال أبو جعفر : هكذا يقول مالك في إسناد هذا الحديث : هلال بن أسامة ، والذين يروونه سواه عن هلال ، يقول بعضهم : هلال بن علي ، ويقول بعضهم : هلال بن أبي ميمونة . وقد يحتمل أن يكون هلال هذا : هو ابن علي بن أسامة ، فيكون مالك نسبه إلى جده ، ويحتمل أن يكون أبوه من علي ، ومن أسامة كان يكنى أبا ميمونة ، وفيه : عن عمر بن الحكم ، والناس جميعا يقولون فيه : عن معاوية بن الحكم ، ويخالفون مالكا فيه . 6285 - ووجدنا محمد بن عبد الله بن ميمون البغدادي قد حدثنا ، قال : حدثنا الوليد بن مسلم ، عن الأوزاعي ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن هلال بن أبي ميمونة ، عن عطاء بن يسار ، عن معاوية بن الحكم السلمي ، قال : أطلقت غنيمة لي ترعاها جارية لي في قبل أحد والجوانية ، فوجدت الذئب قد ذهب منها بشاة ، فصككتها صكة ، فأخبرت بذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فقلت : يا رسول الله لو أعلم أنها مؤمنة ؛ لأعتقتها ، فقال : ائتني بها فجئت بها ، فقال لها النبي - صلى الله عليه وسلم - : أين الله - عز وجل - ؟ فقالت : في السماء ، فقال لها : من أنا ؟ فقالت : أنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : إنها مؤمنة فأعتقها . 6286 - ووجدنا يونس قد حدثنا ، قال : أخبرنا بشر بن بكر ، عن الأوزاعي ، قال : حدثني يحيى بن أبي كثير ، قال : حدثني هلال بن أبي ميمونة ، قال : حدثني عطاء بن يسار ، قال : حدثني معاوية بن الحكم السلمي ، ثم ذكره . قال : وكان ما في هذا الحديث من ذكر الصكة لا يخالف ما في الحديث الأول من ذكر اللطمة ؛ لأن اللطمة قد تسمى صكة ، ومنه قول الله - عز وجل - : فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا ، وكانت اللطمة قد يكون عنها الشين في الوجه الذي يكون تمثيلا بالملطوم فلما ترك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الكشف عن ذلك قبل حضور الجارية إليه ليعلم أنه قد أحدث في وجهها ما يكون تمثيلا بها ، أعتقها أو قضى بعتاقها على مولاها الذي فعل ذلك بها ، عقلنا بذلك أن تمثيله بها لا يوجب عتاقها عليه ، كما يقول ذلك من يقوله ممن ذكرناه في هذا الباب . 6287 - ووجدنا يزيد بن سنان قد حدثنا ، قال : حدثنا أبو عامر العقدي ، ووهب بن جرير ، قالا : حدثنا شعبة ووجدنا إبراهيم بن مرزوق قد حدثنا ، قال : حدثنا وهب ، عن شعبة ، ثم قال كل واحد من يزيد ومن إبراهيم في حديثه ، عن محمد بن المنكدر ، قال : سألني عن اسمي ، فقلت : شعبة ، قال : حدثنا أبو شعبة ، قال : لطم رجل وجه خادم له عند سويد بن مقرن ، فقال سويد : ألم تعلم أن الصورة محرمة ؟ لقد رأيتني وأنا سابع سبعة إخوة مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما لنا إلا خادم واحد ، فلطم أحدنا وجهه ، فأمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يعتقه . قال : فكان في أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إياه أن يعتقه ما قد دل أنه لم يكن عليه عتق قبل ذلك بلطمته إياه التي قد يكون عنها إحداث المثلة به في وجهه . ووجدنا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مما يدخل في هذا الباب ما هو أدل على انتفاء العتاق بالفعل الذي ذكرنا ، وهو . 6288 - ما قد حدثنا عبد الملك بن مروان الرقي ، قال : حدثنا الفريابي ، عن سفيان ، عن فراس ، عن أبي صالح - قال : أبو جعفر : واسمه ميسرة ، وهو أحد أئمة الكوفة - عن زاذان ، قال : كنت عند ابن عمر ، فدعا عبدا له فأعتقه ، ثم رفع شيئا من الأرض ، وقال : ما لي فيه من الأجر ما يزن ، أو ما يساوي هذه ، سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : من ضرب عبدا له حدا لم يأته ، كان كفارته عتقه . 6289 - ووجدنا ابن أبي داود قد حدثنا ، قال : حدثنا المقدمي ، قال : حدثنا أبو عوانة ، عن فراس ، عن أبي صالح ، عن زاذان ، قال : كنت عند عبد الله بن عمر ، وقد أعتق مملوكا له ، فأخذ عودا من الأرض ، فقال : ما لي فيه من الأجر ما يساوي هذا ، إني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : من لطم مملوكه ، أو ضربه حدا لم يأته ، فكفارته أن يعتقه . قال أبو جعفر : وكان ضرب الحد من أمثل المثلات ، ومن النكال الذي جعله الله - عز وجل - من عقوبات المذنبين ما يوجب مثله ، ولم يجعل من فعل ذلك بعبده قد عتق عليه عبده لقوله : فكفارته أن يعتقه وهو قبل أن يعتقه عبد ، وفيما قد ذكرنا ما قد قامت به الحجة لمن ينفي العتاق بالمثلة التي وصفنا على من يوجبها فيما ذكرنا ، والله نسأله التوفيق .
200 - باب بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ قَوْلِهِ : لَا صَرُورَةً فِي الْإِسْلَامِ . 1453 - حدثنا صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ : حدثنا حَجَّاجُ بْنُ إبْرَاهِيمَ الْأَزْرَقُ قَالَ : حدثنا عِيسَى بْنُ يُونُسَ ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَطَاءٍ - قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهُوَ ابْنُ أَبِي الْخُوَارِ - عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا صَرُورَةَ فِي الْإِسْلَامِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَلَمْ نَجِدْ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثًا مُتَّصِلَ الْإِسْنَادِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَيْرَ هَذَا الْحَدِيثِ ، فَأَمَّا مَا سِوَاهُ مِنْ الْأَحَادِيثِ الْمَرْوِيَّةِ فِيهَا فَمِنْهَا مَا يُرْوَى عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مِمَّا لَا يَتَجَاوَزُ بِهِ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 1454 - فَمِنْ ذَلِكَ مَا حدثنا فَهْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ : حدثنا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ : حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ شَرِيكٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَلَمْ يَذْكُرْ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا صَرُورَةً فِي الْإِسْلَامِ ؛ إنَّهُ كَانَ الرَّجُلُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَلْطِمُ وَجْهَ الرَّجُلِ ، وَيَقُولُ : إنَّهُ صَرُورَةً . فَقِيلَ لِعِكْرِمَةَ : وَمَا الصَّرُورَةُ ؟ قَالَ : يَقُولُونَ : الَّذِي لَمْ يَحُجَّ ، وَلَمْ يَعْتَمِرْ . 1455 - وَمِنْهُ مَا قَدْ حدثنا رَوْحُ بْنُ الْفَرَجِ قَالَ : حدثنا يُوسُفُ بْنُ عَدِيٍّ الْكُوفِيُّ قَالَ : حدثنا سُفْيَانُ ، عَنْ عَمْرٍو ، عَنْ عِكْرِمَةَ وَلَمْ يَذْكُرْ ابْن عَبَّاسِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا صَرُورَةَ فِي الْإِسْلَامِ . قَالَ سُفْيَانُ : كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ لِلرَّجُلِ إذَا لَمْ يَحُجَّ : هُوَ صَرُورَةً . فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا صَرُورَةً فِي الْإِسْلَامِ . 1456 - وَمِنْهُ مَا قَدْ حدثنا إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ يُونُسَ الْبَغْدَادِيُّ قَالَ : حدثنا الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ الْأَعْرَجُ قَالَ : حدثنا أَبُو أَحْمَدَ قَالَ : حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ شَرِيكٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَلَمْ يَذْكُرْ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا صَرُورَةً فِي الْإِسْلَامِ . قَالَ : كَانَ الرَّجُلُ يَلْطِمُ وَجْهَ الرَّجُلِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، ثُمَّ يَقُولُ : إنِّي صَرُورَةً . فَيُقَالَ : ذَرُوا صَرُورَةً وَجَهْلَهُ ، وَلَوْ أَلْقَى سُلَاحَهُ فِي رَحْلِهِ . قُلْت لِعِكْرِمَةَ : وَمَا الصَّرُورَةُ ؟ قَالَ : الَّذِي لَمْ يَحُجَّ وَلَمْ يَعْتَمِرْ ، أَوْ قَالَ : وَلَمْ يُضَحِّ ، أَوْ كَمَا قَالَ . وَمِنْهُ مَا يُرْوَى مَوْقُوفًا ، عَنْ عِكْرِمَةَ غَيْرَ مُتَجَاوِزٍ بِهِ إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ كَمَا 1457 - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ خُزَيْمَةَ قَالَ : حدثنا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ قَالَ : حدثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ : كَانَ يُكْرَهُ أَنْ يُقَالَ : صَرُورَةً . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَتَأَمَّلْنَا هَذَا الْحَدِيثَ لِنَقِفَ عَلَى الصَّرُورَةِ الَّتِي نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ تَكُونَ فِي الْإِسْلَامِ ؛ مَا هِيَ ؟ فَوَجَدْنَا فِي حَدِيثِ فَهْدٍ ، عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ الَّذِي قَدْ رَوَيْنَاهُ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَلْطِمُ وَجْهَ الرَّجُلِ ، وَيَقُولُ : إنَّهُ صَرُورَةً. فَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ الْمَلْطُومُ هُوَ الصَّرُورَةُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحُجَّ وَلَمْ يَعْتَمِرْ ، وَاحْتُمِلَ أَنَّ اللَّاطِمَ هُوَ الصَّرُورَةُ ، فَيُعْذَرُ فِي ذَلِكَ لِجَهْلِهِ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ لَمْ يَحُجَّ وَلَمْ يَعْتَمِرْ . فَأَرَدْنَا أَنْ نَقِفَ عَلَى حَقِيقَةِ ذَلِكَ فَوَجَدْنَا فِي حَدِيثِ إِسْحَاقَ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ يُونُسَ مَا قَدْ دَلَّ أَنَّ اللَّاطِمَ هُوَ الْمُرَادُ فِي ذَلِكَ لَا الْمَلْطُومَ . 1458 - وَأَجَازَ لَنَا هَارُونُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَسْقَلَانِيُّ مَا ذَكَرَ لَنَا أَنَّ الْغَلَّابِيَّ حَدَّثَهُ إيَّاهُ قَالَ : حدثنا مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ يَعْنِي : الزُّبَيْرِيَّ قَالَ : حدثنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ : كَانَ الرَّجُلُ يَلْطِمُ الرَّجُلَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَيَقُولُ : أَنَا صَرُورَةً فَيَقُالُ : دَعُوا الصَّرُورَةَ بِجَهْلِهِ ، وَإِنْ رَمَى بِجَعْرِهِ فِي رَحْلِهِ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا صَرُورَةَ فِي الْإِسْلَامِ . فَكَانَ فِي ذَلِكَ تَحْقِيقُ مَا ذَكَرْنَا . ثُمَّ احْتَجْنَا أَنْ نَقِفَ عَلَى إبَاحَةِ هَذَا الِاسْمِ وَاسْتِعْمَالِهِ فِي مَنْ لَمْ يَحُجَّ أَوْ فِي كَرَاهَتِهِ ، وَالنَّهْيِ عَنْ اسْتِعْمَالِهِ ، فَوَجَدْنَا فِي حَدِيثِ صَالِحِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الَّذِي قَدْ رَوَيْنَاهُ فِي هَذَا الْبَابِ قَوْلَ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا صَرُورَةَ فِي الْإِسْلَامِ . فَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ يُرَادُ بِهِ النَّهْيُ عَنْ هَذَا الْقَوْلِ فِي الْإِسْلَامِ ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ يُرَادَ بِهِ أَنْ لَا يَبْقَى فِي الْإِسْلَامِ أَحَدٌ حَتَّى يَحُجَّ ، فَيَكُونُ فِي ذَلِكَ انْقِطَاعُ هَذَا الِاسْمِ عَنْ النَّاسِ جَمِيعًا فِي الْإِسْلَامِ . فَتَأَمَّلْنَا ذَلِكَ ، فَوَجَدْنَا الرَّجُلَ قَدْ يَعْجَزُ عَنْ الْحَجِّ إمَّا لِزَمَانَةٍ فِي بَدَنِهِ ، وَإِمَّا لِقِلَّةٍ فِي ذَاتِ يَدِهِ ، وَلَا يَحُجُّ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ ، فَيَكُونُ مَنْ حَمَلَ مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا صَرُورَةَ فِي الْإِسْلَامِ - أَنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ ذَلِكَ كَانَ ذَلِكَ بَعِيدًا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْمُتَخَلِّفَ عَنْ الْحَجِّ لَمْ يَكُنْ مُخْتَارًا لِذَلِكَ ، وَإِنَّمَا كَانَ تَخَلُّفُهُ عَجْزًا لِمَا قَدْ ذَكَرْنَا ، فَاسْتَحَالَ أَنْ يَكُونَ مَذْمُومًا بِذَلِكَ أَوْ يَكُونَ هَذَا الِاسْمُ الَّذِي قَدْ ذَكَرْنَا مِمَّا أُرِيدَ بِهِ ذَمُّ مَنْ يُسَمَّى بِهِ يَلْزَمُهُ . وَلَمَّا بَطَلَ هَذَا التَّأْوِيلُ عَقَلْنَا أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ هُوَ أَنْ لَا يُقَالَ هَذَا الْقَوْلُ لِأَحَدٍ ، 1459 - وَقَدْ رَوَيْنَا ذَلِكَ فِي هَذَا الْبَابِ فِي حَدِيثِ ابْنِ خُزَيْمَةَ ، عَنْ حَجَّاجٍ ، عَنْ حَمَّادٍ ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ ، عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُقَالَ : صَرُورَةً . وَقَدْ رَوَيْنَا ذَلِكَ أَيْضًا عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ مُنْقَطِعًا مِمَّا لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُنَا لَهُ فِي هَذَا الْبَابِ . 1460 - كَمَا حدثنا يُوسُفُ بْنُ يَزِيدَ قَالَ : حدثنا حَجَّاجُ بْنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ : حدثنا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَسْعُودِيِّ ، عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ : لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ : إنِّي صَرُورَةً ؛ فَإِنَّ الْمُسْلِمَ لَيْسَ بِصَرُورَةٍ . وَقَدْ رُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ أَيْضًا عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ 1461 - كَمَا حدثنا يُوسُفُ قَالَ : حدثنا حَجَّاجُ بْنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ : حدثنا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا ، عَنْ بِشْرٍ أَبِي إسْمَاعِيلَ قَالَ : قُلْت لِعَامِرٍ : الصَّرُورَةُ ؟ فَقَالَ : أَيُّ شَيْءٍ الصَّرُورَةُ ؟ لَيْسَ الصَّرُورَةُ شَيْئًا . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذَا أَوْلَى عِنْدَنَا ؛ لِأَنَّ الصَّرُورَةَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ هُوَ الصَّرُّ عَلَى شَيْءٍ ، وَمِنْهُ قَوْلُهِ جَلَّ وَعَزَّ : وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ . فَمَنْ كَانَ تَخَلُّفُهُ عَنْ الْحَجِّ لَيْسَ لِإِصْرَارِهِ عَلَى أَنْ لَا يَحُجَّ ، وَإِنَّمَا هُوَ لِعَجْزٍ أَوْ لِمَا أَشْبَهَهُ مِمَّا يَسْقُطُ بِهِ فَرْضُ الْحَجِّ عَنْهُ - فَلَيْسَ صَاحِبُهُ بِمُصِرٍّ الْإِصْرَارَ الْمَذْمُومَ ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مُصِرًّا لَمْ يَكُنْ صَرُورَةً . فَأَمَّا عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ فَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ إبَاحَةُ هَذَا الْقَوْلِ 1462 - كَمَا حدثنا يُوسُفُ قَالَ : حدثنا حَجَّاجٌ قَالَ : حدثنا يَحْيَى ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : كَانَ عَطَاءٌ يُقَالُ لَهُ : الصَّرُورَةُ . فَلَا يُنْكِرُهُ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَكَانَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ كَرَاهَةِ هَذَا الْقَوْلِ أَوْلَى عِنْدَنَا ؛ لِأَنَّهُ وَصْفٌ بِحَالٍ مَذْمُومَةٍ . وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
652 - باب بيان مشكل ما روي في خروج المصلي خلف معاذ بن جبل إلى صلاة نفسه هل كان بتكبير مستأنف أو ببناء على دخوله كان مع معاذ . 4877 - حدثنا المزني ، قال : حدثنا الشافعي ، عن سفيان بن عيينة وحدثنا بكار بن قتيبة حدثنا إبراهيم بن بشار حدثنا سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار أنه . سمع جابر بن عبد الله يقول : كان معاذ بن جبل يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم العشاء أو قال العتمة ، ثم يرجع فيصليها بقومه في بني سلمة فأخر النبي عليه السلام صلاة العشاء أو قال العتمة ذات ليلة فصلى معاذ معه ، ثم رجع فأم قومه وقرأ سورة البقرة فتنحى رجل من خلفه فقيل له أنافقت قال لا ولكني آتي النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له : يا رسول الله إنك أخرت العشاء الآخرة وإن معاذا صلى معك ، ثم رجع فأمنا فافتتح سورة البقرة فلما رأيت ذلك تأخرت فصليت وإنما نحن أصحاب نواضح نعمل بأيدينا فأقبل النبي صلى الله عليه وسلم على معاذ فقال : أفتان أنت يا معاذ أفتان أنت يا معاذ ! اقرأ سورة كذا وسورة كذا . 4878 - حدثنا المزني حدثنا الشافعي ، عن سفيان وحدثنا بكار حدثنا إبراهيم حدثنا سفيان ، عن أبي الزبير . عن جابر مثله وزاد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له اقرأ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ ونحوها قال سفيان فقلت لعمرو بن دينار : إن أبا الزبير يقول : وقال : اقرأ بـ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ قال : فقال عمرو : هو هذا أو نحو هذا . فقال قائل هذا يدل على أن هذا الرجل خرج من صلاة معاذ إلى صلاة نفسه بغير استئناف تكبير . وفي هذا الباب أيضا حديث آخر ، عن جابر سوى حديث عمرو وأبي الزبير عنه . 4879 - وهو ما قد حدثنا بكار بن قتيبة حدثنا أبو داود صاحب الطيالسة حدثنا طالب بن حبيب بن عمرو بن سهل الأنصاري يقال له ابن الضجيع ضجيع حمزة ، عن عبد الرحمن بن جابر . عن جابر قال : مر حزم بن أبي بن كعب بمعاذ بن جبل وهو يصلي صلاة المغرب بقومه ، فافتتح سورة طويلة ومع حزم ناضح له ، فتأخر فصلى ، فأحسن الصلاة ، ثم أتى ناضحه ، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأخبره ، فقالوا : يا رسول الله إنه لمن صالح من هو منه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ : لا تكونن فتانا - قالها ثلاثا - إنه يصلي وراءك الكبير والضعيف وذو الحاجة والمعتل . فكان ما قال هذا القائل مما ذكرناه عنه لا حقيقة معه فيه ؛ لأنه قد يحتمل أن يكون ذلك الرجل دخل في صلاة نفسه بتكبير استأنفه لنفسه ، والله أعلم بحقيقة ما كان الأمر عليه في ذلك . فقال هذا القائل : فقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلاته بالناس صلاة الخوف في يوم ذات الرقاع ما قد دل على مثل هذا أيضا . 4880 - وذكر ما قد حدثنا يونس ، أخبرنا عبد الله بن وهب ، أن مالكا أخبره . وما قد حدثنا المزني ، حدثنا الشافعي ، عن مالك بن أنس ، عن يزيد بن رومان ، عن صالح بن خوات عن من صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم ذات الرقاع صلاة الخوف أن طائفة صفت معه ، وطائفة وجاه العدو فصلى بالذين معه ركعة ، ثم ثبت قائما ، وأتموا لأنفسهم ، ثم انصرفوا ، فصفوا وجاه العدو ، وجاءت الطائفة الأخرى ، فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته ، ثم ثبت جالسا ، وأتموا لأنفسهم ، ثم سلم بهم . 4881 - وما قد حدثنا أحمد بن عبد المؤمن المروزي ، حدثنا عبدان بن عثمان بن جبلة ، حدثنا أبي ، عن شعبة ، عن يحيى بن سعيد ، وعبد الرحمن بن القاسم ، عن القاسم بن محمد ، عن صالح بن خوات . عن سهل بن أبي حثمة - قال شعبة : رفعه عبد الرحمن ولم يرفعه يحيى بن سعيد إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : قام رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقام صف خلفه ، وصف حيال العدو ، فصلى بالذين خلفه ركعة وسجدتين ، ثم قام حتى صلوا ركعة إلى ركعتهم ، ثم ذهب هؤلاء إلى مكان الآخرين ، وجاء الآخرون إلى مكان هؤلاء ، فصلى ركعة وسجدتين ، ثم جلس حتى صلوا ركعة أخرى ، ثم سلم عليهم . قال : ففي هذا الحديث أن الطائفة الأولى التي كانت دخلت مع النبي عليه السلام في أول صلاته قد كانت خرجت من الائتمام به إلى صلاة أنفسهم ، فصلوها قبل أن يصلي النبي صلى الله عليه وسلم ، فكان في ذلك ما قد دل على جواز خروج المأموم من صلاة إمامه إلى صلاة نفسه . فكان جوابنا له في ذلك أن هذه الصلاة التي قد رويت في هذا الحديث أنها كانت يوم ذات الرقاع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبمعاينته ما كان من القوم فيها ، ومن تركه التكبير في ذلك عليهم قد روي أنها قد كانت يومئذ بخلاف ما في هذا الحديث . 4882 - كما حدثنا إبراهيم بن أبي داود ، حدثنا أبو سلمة موسى بن إسماعيل المنقري ، حدثنا أبان بن يزيد العطار ، حدثنا يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة . عن جابر بن عبد الله ، قال : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم بذات الرقاع ، فأقيمت الصلاة ، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بطائفة ركعتين ، وتأخروا ، وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالطائفة الأخرى ، فكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم أربع ركعات ، وللقوم ركعتان . وهذا خلاف ما في حديث يزيد بن رومان ، والقاسم بن محمد ، عن صالح بن خوات وإذا تكافأت الروايتان في ذلك ، ارتفعتا ، وإذا ارتفعتا كان لا حجة في واحدة منهما لمن احتج بها على مخالفه ، إذ كان لمخالفه أن يحتج عليه بالأخرى منهما ، وإذا كان ذلك كذلك ، لم يكن في شيء مما رويناه في هذا الباب ما يدل على أنه يكون لأحد أن يخرج عن صلاة إمامه إلى صلاة نفسه بغير تكبير يستأنفه لها . وبالله التوفيق .
201 - باب بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمُرَادِ بِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ . 1463 - حدثنا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : حدثنا عَلِيُّ بْنُ سَعِيدِ بْنِ شَدَّادٍ قَالَ : حدثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : جَاءَتْ امْرَأَةُ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ بِابْنَتَيْهَا مِنْ سَعْدٍ فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَاتَانِ ابْنَتَا سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ ، قُتِلَ أَبُوهُمَا مَعَك يَوْمَ أُحُدٍ شَهِيدًا ، وَإِنَّ عَمَّهُمَا أَخَذَ مَالَهُمَا فَاسْتَفَاءَهُ فَلَمْ يَدَعْ لَهُمَا مَالًا ، وَلَا يُنْكَحَانِ إلَّا وَلَهُمَا مَالٌ ! فَقَالَ : سَيَقْضِي اللَّهُ فِي ذَلِكَ . فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ الْمِيرَاثِ ، فَبَعَثَ إلَى عَمِّهِمَا فَقَالَ : أَعْطِ ابْنَتَيْ سَعْدٍ الثُّلُثَيْنِ ، وَأَعْطِ أُمَّهُمَا الثُّمُنَ ، وَلَكَ مَا بَقِيَ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَآيَةُ الْمِيرَاثِ الْمَذْكُورَةُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ هِيَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ . الْآيَةَ . 1464 - حدثنا يُونُسُ وَبَحْرُ بْنُ نَصْرٍ قَالَا : حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ : وَأَخْبَرَنِي دَاوُد بْنُ قَيْسٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ امْرَأَةَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّ سَعْدًا هَلَكَ وَتَرَكَ ابْنَتَيْهِ وَأَخَاهُ ، فَعَمَدَ أَخُوهُ فَقَبَضَ مَا تَرَكَ سَعْدٌ ، وَإِنَّمَا تُنْكَحُ النِّسَاءُ عَلَى أَمْوَالِهِنَّ ، فَلَمْ يُجِبْهَا فِي مَجْلِسِهِ ذَلِكَ . ثُمَّ جَاءَتْهُ ، فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، ابْنَتَا سَعْدٍ ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : اُدْعِي أَخَاهُ . فَجَاءَ فَقَالَ : ادْفَعْ إلَى ابْنَتَيْهِ الثُّلُثَيْنِ ، وَإِلَى امْرَأَتِهِ الثُّمُنَ ، وَلَكَ مَا بَقِيَ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَتَأَمَّلْنَا قَوْلَهُ عَزَّ وَجَلَّ : فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ فَكَانَ ظَاهِرُهُ عَلَى أَنَّ الثُّلُثَيْنِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ إنَّمَا جُعِلَ لِمَنْ فَوْقَ الِاثْنَتَيْنِ مِنْ الْبَنَاتِ لَا الِاثْنَتَيْنِ مِنْهُنَّ ، وَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا قَدْ تَعَلَّقَ بِهِ قَوْمٌ ، وَذَهَبُوا إلَى مَا يُرْوَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ فِي الِاثْنَتَيْنِ مِنْ الْبَنَاتِ أَنَّ لَهُمَا النِّصْفَ مِنْ مِيرَاثِ أَبِيهِمَا كَمَا يَكُونُ لِلْوَاحِدَةِ مِنْ الْبَنَاتِ مِنْ مِيرَاثِ أَبِيهِمَا ، وَأَنَّ الثُّلُثَيْنِ إنَّمَا يَسْتَحِقُّ فِي ذَلِكَ مِنْ الْبَنَاتِ مَنْ كَانَ عَدَدُهُ فَوْقَ الِاثْنَتَيْنِ ثَلَاثٌ أَوْ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ . وَهَذَا قَوْلٌ لَمْ نَجِدْهُ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سِوَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ . وَوَجَدْنَا قَوْلَ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ مِنْ بَعْدِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ إلَى يَوْمِنَا هَذَا عَلَى خِلَافِ مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيهِ ، وَكَانَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فِي هَذَا عِنْدَهُمْ فِي مَعْنَى : فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً اثْنَتَيْنِ . وَقَوْلُهُ : فَوْقَ صِلَةٌ كَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ فِي مَعْنَى : فَاضْرِبُوا الْأَعْنَاقَ . وَقَالَ : فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ وَهِيَ الْأَعْنَاقُ ، وَفَوْقَ صِلَةٌ ؛ لِأَنَّ مَا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ هُوَ عِظَامُ الرَّأْسِ ، وَلَيْسَتْ الْأَعْنَاقُ مِنْهَا فِي شَيْءٍ . وَالضَّرْبُ الْمُرَادُ بِذَلِكَ الْمُسْتَعْمَلُ فِيهِ هُوَ ضَرْبُ الْأَعْنَاقِ لَا مَا سِوَاهَا . وَوَجَدْنَا مَا قَدْ دَلَّ عَلَى مَا قَالُوا مِنْ تَوْرِيثِهِمْ الْبِنْتَيْنِ الثُّلُثَيْنِ مَا فِي آخِرِ السُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ فِيهَا هَذِهِ الْآيَةُ ، وَهِيَ سُورَةُ النِّسَاءِ وَهِيَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ إلَى قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ . فَكَانَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ جَعَلَ لِلْأُخْتِ الْوَاحِدَةِ مِنْ مِيرَاثِ أُخْتِهَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ كَمَا جَعَلَ لِلْبِنْتِ الْوَاحِدَةِ مِنْ مِيرَاثِ أَبِيهَا فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى ، وَكَانَتْ الْبِنْتُ أَوْكَدَ نَسَبًا مِنْ أَبِيهَا مِنْ الْأُخْتِ مِنْ أُخْتِهَا . ثُمَّ قَالَ عَزَّ وَجَلَّ : فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ يَعْنِي مِنْ الْأَخَوَاتِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ يَعْنِي : مَا تَرَكَهُ أَخُوهُمَا . فَلَمَّا كَانَ لِلِاثْنَتَيْنِ مِنْ الْأَخَوَاتِ الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَهُ أَخُوهُمَا كَانَتْ الِاثْنَتَانِ مِنْ الْبَنَاتِ فِيمَا تَرَكَهُ أَبُوهُمَا بِذَلِكَ أَوْلَى وَاسْتِحْقَاقُهُمَا إيَّاهُ مِنْهُ أَحْرَى ، وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
853 - باب بيان مشكل ما روي عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أكبر الذنوب . 6290 - حدثنا بكار بن قتيبة ، قال : حدثنا مؤمل بن إسماعيل ، قال : حدثنا سفيان ، قال : حدثنا الأعمش ومنصور ، عن أبي وائل ، عن عمرو بن شرحبيل ، عن عبد الله ، قال : قلت : يا رسول الله ، أي الذنوب أكبر ؟ قال : أن تجعل لخالقك ندا ، وهو خلقك ، وأن تقتل ولدك خشية أن يأكل معك ، وأن تزاني حليلة جارك ، فنزل القرآن بتصديق قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ الآية . قال أبو جعفر : هكذا قد حدثنا بكار هذا الحديث بغير تقديم لبعض هذه الذنوب المذكورة فيه على بعض . 6291 - وقد حدثناه يزيد بن سنان وإبراهيم بن مرزوق جميعا ، قالا : حدثنا أبو عامر العقدي ، قال : حدثنا سفيان ، عن منصور والأعمش ، عن أبي وائل ، عن عمرو بن شرحبيل ، عن عبد الله ، قال : قلت : يا رسول الله ، أي الذنب أكبر ؟ قال : أن تجعل لخالقك - عز وجل - ندا ، وقد خلقك قال : قلت : ثم أي ؟ قال : أن تقتل ولدك خشية أن يأكل معك . قال : قلت : ثم أي ؟ قال : ثم أن تزاني حليلة جارك . قال : ثم نزل القرآن بتصديق قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ الآية . 6292 - وحدثنا أيضا يزيد ، قال : حدثنا محمد بن كثير العبدي ، قال : حدثنا سفيان ، عن منصور وواصل الأحدب والأعمش ، عن أبي وائل ، عن عمرو بن شرحبيل ، عن عبد الله بن مسعود ، قال : قلت : يا رسول الله ، وذكر مثله . 6293 - وحدثنا يزيد ، قال : حدثنا الحسن بن عمر بن شقيق ، قال : حدثنا جرير بن عبد الحميد ، عن الأعمش ، عن أبي وائل ، عن عمرو بن شرحبيل ، قال : قال ابن مسعود : قال رجل : يا رسول الله ، أي الذنب أكبر عند الله - عز وجل ؟ ثم ذكر نحو حديث سفيان ، عن الأعمش . قال أبو جعفر : ففي هذا الحديث : أن أكبر الذنوب الإشراك بالله - عز وجل - ثم قتل الرجل ولده خشية أن يأكل معه ، ثم مزاناته حليلة جاره . وقد كنا ذكرنا فيما تقدم منا في كتابنا هذا حديث عبد الله بن عمرو ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أن أكبر الكبائر الشرك بالله - عز وجل - ثم عقوق الوالدين ، ثم شهادة زور . فقال قائل : هذان حديثان متضادان . فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله - عز وجل - وعونه : أنه لا تضاد فيهما عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإنما فيهما جواب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عما سئل عنه من الأشياء المذكورة فيه ، فأجاب عن ذلك بالجواب الذي كان منه فيها فحفظ عنه عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمرو جميعا : أن أكبر الذنوب أن يجعل الرجل لله - عز وجل - ندا وهو خلقه ، وكان ذلك معقولا أنه لا ذنب أكبر من ذلك الذنب ، ثم سئل - صلى الله عليه وسلم - عن الذنب الذي يتلوه ، فحفظ عنه ابن مسعود جوابا عن ذلك قوله : أن تقتل ولدك خشية أن يأكل معك ، وحفظ ابن عمرو عنه أنه قال في ذلك : ثم عقوق الوالدين . وقد عقلنا أن قتل النفس التي حرم الله بغير الحق ، أكبر من عقوق الوالدين ، فعقلنا بذلك أن الذي كان من جوابه في ذلك ما حفظه عنه ابن مسعود ، لا سيما والقتل الذي ذكره في ذلك هو قتل الرجل ولده الذي جعل الله له عليه رزقه وكسوته اللذين يكون عنهما نباته مما لم يجعل مثله عليه ، لمن لا أبوة له عليه فكان ذلك من أكبر القتل ، وكان ما سواه من القتل ممن ليس له من القاتل مثل ذلك الموضع دون ذلك القتل . ثم سئل عن الذنب الذي يتلوه ، فكان جوابه في ذلك مما حفظه ابن مسعود عنه فيه : أنه مزاناة الرجل حليلة جاره ، وكان جوابه في ذلك مما حفظه عبد الله بن عمرو : أنه شهادة الزور . وقد عقلنا : أن الزنى أكبر من شهادة الزور ، لا سيما بحليلة جار الزاني بها ؛ لأن عليه من حفظ جاره ، وترك التخطي إلى مكروهه ، أكبر من الواجب عليه في مثل ذلك لمن سواه من الناس . فعقلنا بذلك : أن الذي رواه ابن مسعود في ذلك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جوابا منه عن ما سئل عنه من ذلك ، هو أولى الجوابين به المذكورين في حديث ابن مسعود وابن عمرو ، فعاد الذي وقفنا عليه بتصحيح هذين الحديثين ، أن أكبر الذنوب المذكورة في هذين الحديثين هي : الشرك بالله - عز وجل - ثم يتلو ذلك منها : قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق ، وإن تفاضلت أحوال المقتولين في ذلك ، ثم يتلو ذلك الزنى ، وإن تفاضل الزناة في ذلك . ثم كان ما بعد هذه الثلاثة الذنوب مما ذكر في حديث عبد الله بن عمرو ، وهو عقوق الوالدين ، وشهادة الزور موضع كل واحد منهما هو الموضع المذكور فيه ، عنه ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقد عاد هذان الحديثان اللذان ذكرنا لا تضاد فيهما عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبان ما ظنه هذا القائل : أنه تضاد فيهما ، أنه ليس من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولكن ممن حفظ عنه شيئا ، وقصر عنه صاحبه على ما قد ذكرناه فيهما ، والله - عز وجل - نسأله التوفيق .
202 - باب بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ قَوْلِهِ : مَنْ أَشَارَ بِحَدِيدَةٍ إلَى أَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يُرِيدُ بِهَا قَتْلَهُ فَقَدْ وَجَبَ دَمُهُ . 1465 - حدثنا إسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْكُوفِيُّ قَالَ : حدثنا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ : حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ قَالَ : حَدَّثَنِي عَلْقَمَةُ يَعْنِي : ابْنَ أُمِّ عَلْقَمَةَ ، عَنْ أُمِّهِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : سَمِعْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : مَنْ أَشَارَ بِحَدِيدَةٍ إلَى أَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يُرِيدُ قَتْلَهُ فَقَدْ وَجَبَ دَمُهُ . 1466 - حدثنا يَحْيَى بْنُ عُثْمَانَ بْنِ صَالِحٍ قَالَ : حدثنا سَعِيدُ بْنُ كَثِيرِ بْنِ عُفَيْرٍ قَالَ : حدثنا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ أُمِّ عَلْقَمَةَ ، عَنْ أُمِّهِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : سَمِعْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ . 1467 - حدثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُد قَالَ : حدثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْهَرَوِيُّ قَالَ : حدثنا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى السِّينَانِيُّ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ شَهَرَ سَيْفَهُ ، ثُمَّ وَضَعَهُ فَدَمُهُ هَدَرٌ . قَالَ الْفَضْلُ : يَعْنِي ضَرَبَ بِهِ . 1468 - حدثنا أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَخْلَدٍ الْأَصْبَهَانِيُّ قَالَ : حدثنا إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ قَالَ : أخبرنا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى قَالَ : حدثنا مَعْمَرٌ ، ثُمَّ ذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ . فَتَأَمَّلْنَا قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُا : مَنْ أَشَارَ بِحَدِيدَةٍ إلَى أَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يُرِيدُ بِهَا قَتْلَهُ فَقَدْ وَجَبَ دَمُهُ ؛ مَا ذَلِكَ الْوُجُوبُ ؟ فَرَأَيْنَا الرَّجُلَ يَقُولُ : قَدْ وَجَبَ دَيْنِي عَلَى فُلَانٍ يَعْنِي : دَيْنَهُ الَّذِي كَانَ آجِلًا فَحَلَّ لَهُ عَلَيْهِ بِمَعْنَى قَوْلِهِ : قَدْ حَلَّ دَيْنِي عَلَى فُلَانٍ ، فَعَقَلْنَا بِذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : فَقَدْ وَجَبَ دَمُهُ أَيْ : فَقَدْ حَلَّ دَمُهُ . فَقَالَ قَائِلٌ : فَلِمَ لَمْ يَقُلْ : فَقَدْ حَلَّ لَهُ دَمُهُ ؟ قِيلَ لَهُ : لِأَنَّ قَتْلَهُ قَدْ حَلَّ لِلَّذِي أُشِيرَ إلَيْهِ بِالْحَدِيدَةِ وَلِمَنْ سِوَاهُ مِنْ النَّاسِ مِمَّا يُحَاوِلُ دَفْعَهُ عَنْهُ وَيَمْنَعُ وُقُوعَ سِلَاحَهُ بِهِ ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ الَّذِي أُشِيرَ إلَيْهِ بِالْحَدِيدَةِ لَوْ كَانَ زَمِنًا أَوْ عَاجِزًا بِمَا سِوَى الزَّمَانَةِ عَنْ قَتْلِ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ بِالْحَدِيدَةِ لِيَقْتُلَهُ بِهَا أَنَّ عَلَى غَيْرِهِ مِمَّنْ بِهِ عَلَى ذَلِكَ الْقُوَّةُ أَنْ يَقْتُلَهُ حَتَّى لَا يُتِمَّ مَا كَانَ مِنْهُ مِنْ إشَارَتِهِ بِالْحَدِيدَةِ إلَى صَاحِبِهِ لِيَقْتُلَهُ بِهَا ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَقْصِدْ بِوُجُوبِ الدَّمِ إلَى الَّذِي أُشِيرَ إلَيْهِ بِالْحَدِيدَةِ خَاصَّةً - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَكَانَ الْأَصْلُ فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّ الَّذِي أَشَارَ بِالْحَدِيدَةِ إلَى صَاحِبِهِ قَدْ أَشَارَ إلَيْهِ بِشَيْءٍ إذَا تَمَّ مِنْهُ فِيهِ وَجَبَ دَمُهُ لِلَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ بِالْحَدِيدَةِ ، فَلَمَّا كَانَ دَمُهُ يَجِبُ لَهُ بِذَلِكَ وَجَبَ لَهُ أَخْذُ دَمِ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ بِالْحَدِيدَةِ قَبْلَ إمْضَائِهِ إيَّاهَا فِيهِ . وَهَذَا الْمَعْنَى هُوَ الَّذِي كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ وَأَصْحَابُهُ يَذْهَبُونَ إلَيْهِ فِي هَذَا الْبَابِ وَيُعِلُّونَهُ بِهَذِهِ الْعِلَّةِ الَّتِي ذَكَرَ . كَمَا 1469 - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ الرَّبِيعِ قَالَ : حدثنا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ قَالَ : حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ قَالَ : أخبرنا يَعْقُوبُ ، عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي رَجُلٍ شَهَرَ السِّلَاحَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ قَالَ : حَقَّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَقْتُلُوهُ ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ . قَالَ : وَلَوْ كَانَ الَّذِي شَهَرَ السِّلَاحَ مَجْنُونًا فَشَهَرَهُ عَلَى رَجُلٍ فَقَتَلَهُ ذَلِكَ الرَّجُلُ كَانَ عَلَيْهِ ضَمَانُ دِيَتِهِ ، وَلَمْ يَحْكِ فِي ذَلِكَ خِلَافًا بَيْنَهُمْ . وَذَهَبُوا إلَى أَنَّ الْمَجْنُونَ الَّذِي ذَكَرْنَا لَوْ تَمَّ مَا أَشَارَ بِهِ فِي الَّذِي أَشَارَ بِهِ إلَيْهِ لَمْ يَحِلَّ لَهُ بِهِ دَمُهُ ، فَلَمَّا كَانَ دَمُهُ لَا يَحِلُّ لَهُ بِإِمْضَائِهِ مَا أَشَارَ بِهِ إلَيْهِ فِيهِ كَانَ بِإِشَارَتِهِ إلَيْهِ أَحْرَى أَنْ لَا يَحِلَّ لَهُ بِذَلِكَ دَمُهُ . وَأَمَّا مَا فِي حَدِيثِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ شَهَرَ سَيْفَهُ ثُمَّ وَضَعَهُ فَدَمُهُ هَدَرٌ . وَمَا تَأَوَّلَهُ الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى فِي قَوْلِهِ : ثُمَّ وَضَعَهُ أَنَّهُ عَلَى وَضْعِهِ إيَّاهُ فِي الَّذِي شَهَرَهُ عَلَيْهِ ، فَذَلِكَ تَأْوِيلٌ صَحِيحٌ ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ لِلَّذِي أُشِيرَ بِهِ إلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُوضَعَ مَا أُشِيرَ بِهِ إلَيْهِ فِيهِ حِلًّا كَانَ بَعْدَ وَضْعِهِ إيَّاهُ فِيهِ أَحْرَى أَنْ يَحِلَّ لَهُ ذَلِكَ مِنْهُ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي ذَلِكَ مَا قَدْ تَوَهَّمَهُ بَعْضُ النَّاسِ مُخَالَفَةً لِذَلِكَ : وَهُوَ مَا قَدْ 1470 - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ قَالَ : حدثنا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ قَالَ : حدثنا مُحَمَّدٌ قَالَ : أخبرنا يَعْقُوبُ ، عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي رَجُلٍ شَهَرَ سَيْفَهُ عَلَى رَجُلٍ فَقَطَعَ بِهِ يَدَهُ ثُمَّ قَتَلَهُ الْمَشْهُورُ عَلَيْهِ السَّيْفُ . قَالَ : عَلَيْهِ الْقَوَدُ ، وَلَمْ يَحْكِ فِي ذَلِكَ خِلَافًا بَيْنَهُمْ . وَلَيْسَ هَذَا عِنْدَنَا مِنْ مَذْهَبِهِ هَذَا - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - خِلَافًا لِهَذَا الْحَدِيث ، وَلَكِنَّهُ عَلَى أَنَّ الشَّاهِرَ عَلَيْهِ السَّيْفَ لَمَّا قَطَعَ يَدَهُ كَفَّ عَنْ إشْهَارِهِ إيَّاهُ عَلَيْهِ ، فَحَرُمَ بِذَلِكَ قَتْلُهُ عَلَى الَّذِي شَهَرَ عَلَيْهِ . فَأَمَّا إذَا كَانَ بَعْدَ قَطْعِهِ يَدَهُ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِمَّا شَهَرَ بِهِ سَيْفَهُ عَلَيْهِ فَهُوَ بِذَلِكَ فِي حُكْمِهِ قَبْلَ قَطْعِهِ يَدَهُ ، وَفِي أَسْوَأ حَالٍ مِنْهُ وَمَعْقُولٌ فِيهِ أَنَّ حِلَّ دَمِهِ لَهُ حِينَئِذٍ فَوْقَ حِلِّ دَمِهِ لَهُ قَبْلَ قَطْعِ يَدِهِ . وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
651 - باب بيان مشكل ما روي في الإمام في الصلاة التي كانت آخر صلوات رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان يصلي فيها جالسا وأبو بكر يصلي فيها قائما والناس يصلون قياما من كان الإمام فيها من رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن أبي بكر رضي الله عنه . 4868 - حدثنا فهد بن سليمان حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش ، عن إبراهيم ، عن الأسود . عن عائشة رضي الله عنها قالت : لما ثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء بلال يؤذنه بالصلاة فقال : ائتوا أبا بكر فليصل بالناس ، قالت : فقلت : يا رسول الله لو أمرت عمر أن يصلي بهم فإن أبا بكر رجل أسيف ومتى يقوم مقامك لا يسمع الناس قال مروا أبا بكر فليصل بالناس فأمروا أبا بكر فصلى بالناس فلما دخل في الصلاة وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفسه خفة فقام يهادى بين اثنين ورجلاه تخطان في الأرض فلما سمع أبو بكر حسه ذهب ليتأخر فأومأ إليه أن صل كما أنت فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جلس عن يسار أبي بكر رضي الله عنه فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس وأبو بكر يقتدي بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو قائم والناس يقتدون بصلاة أبي بكر رضي الله عنه . 4869 - حدثنا فهد حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس حدثنا زائدة بن قدامة حدثنا موسى بن أبي عائشة ، عن عبيد الله بن عبد الله وهو ابن عتبة قال : دخلت على عائشة رضي الله عنها فقلت : ألا تحدثيني عن مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت : بلى كان الناس عكوفا في المسجد ينتظرون رسول الله صلى الله عليه وسلم لصلاة العشاء الآخرة فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر أن يصلي بالناس فكان يصلي بهم تلك الأيام ، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجد في نفسه خفة فخرج يهادى بين رجلين لصلاة الظهر وأبو بكر يصلي بالناس فلما رآه أبو بكر رضي الله عنه ذهب ليتأخر فأومأ إليه أن لا تتأخر وقال لهما أجلساني إلى جنبه فأجلساه إلى جنب أبي بكر فجعل أبو بكر رضي الله عنه يصلي وهو قائم بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس يصلون بصلاة أبي بكر رضي الله عنه والنبي صلى الله عليه وسلم قاعد قال عبيد الله فدخلت على ابن عباس رضي الله عنه فعرضت حديثها عليه فما أنكر من ذلك شيئا . قال أبو جعفر : ففي هذين الحديثين أن أبا بكر رضي الله عنه كان يصلي بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي الحديث الأول منهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي بالناس وأبو بكر رضي الله عنه يقتدي به وهو قائم والناس يصلون يعني بصلاة أبي بكر رضي الله عنه . وفي الحديث الثاني منهما أن أبا بكر رضي الله عنه جعل يصلي وهو قائم بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم والناس يصلون بصلاة أبي بكر رضي الله عنه . فتأملنا هذين الحديثين لنعلم من كان الإمام في تلك الصلاة من رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن أبي بكر إن شاء الله فكان في الحديث الأول منهما ما قد دل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان هو الإمام فيها وأن أبا بكر رضي الله عنه عاد مأموما مصليا بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإذا كان كذلك كان الناس جميعا في تلك الصلاة مصلين بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا بصلاة أبي بكر رضي الله عنه . وكان في الحديث الثاني منهما أن أبا بكر رضي الله عنه جعل يصلي بهم وهو قائم يصلي بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم والناس يصلون بصلاة أبي بكر رضي الله عنه والنبي صلى الله عليه وسلم قاعد وفي هذا الحديث موافقة ابن عباس عائشة على ما فيه وإذا كانوا يصلون بصلاة أبي بكر كان في ذلك ما قد دل على أنه لم يكن خرج من الإمامة بهم التي كان فيها قبل حضور النبي صلى الله عليه وسلم وكل ما في هذين الحديثين فإنما هو عن عائشة رضي الله عنها وما في الحديث الثاني منهما فعن ابن عباس أيضا وإذا تكافأ ما روي عن عائشة رضي الله عنها في ذلك ارتفع وثبت ما روي عن ابن عباس فيه ، ثم نظرنا هل روي عن عائشة رضي الله عنها في ذلك سوى هذين الحديثين أم لا . 4870 - فوجدنا فهدا قد حدثنا ، قال : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، قال : حدثنا شبابة بن سوار حدثنا شعبة ، عن نعيم بن أبي هند عن أبي وائل ، عن مسروق . عن عائشة رضي الله عنها قالت : صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي توفي فيه خلف أبي بكر رضي الله عنه قاعدا . 4871 - ووجدنا أحمد بن شعيب قد حدثنا ، قال : حدثنا محمد بن المثنى ، قال : حدثنا بكر بن عيسى قال : سمعت شعبة يذكر ، عن نعيم بن أبي هند ، عن أبي وائل ، عن مسروق . عن عائشة رضي الله عنها أن أبا بكر رضي الله عنه صلى بالناس ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الصف . فكان في هذين الحديثين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في تلك الصلاة مصليا بصلاة أبي بكر رضي الله عنه مأموما فيها ونظرنا في قول ابن عباس وعائشة وكان أبو بكر يصلي بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم . فوجدنا ذلك محتملا أن يكونا يريدان بقولهما ذلك أنه كان يصلي بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم التي بقدر طاقته صلى الله عليه وسلم عليها للمرض الذي كان فيه ؛ لأن طاقته للصلاة فيه ليست كطاقة من سواه لها ممن لا مرض به كمرضه الذي كان به . وكان من سنته صلى الله عليه وسلم التي أمر الأئمة بالناس أن يقدروا الناس في صلاتهم بصلاة أضعفهم . 4872 - كما قد حدثنا المزني حدثنا الشافعي أخبرنا سفيان بن عيينة ، عن محمد بن إسحاق ، عن سعيد بن أبي هند ، عن مطرف بن عبد الله قال : سمعت عثمان بن أبي العاص قال أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أؤم الناس وأن أقدرهم بأضعفهم فإن فيهم الكبير والسقيم والضعيف وذا الحاجة . فكانت صلاة أبي بكر بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم إنما هي تقديره إياها وصلاته بالناس مثلها وتركه المجاورة بطاقته فيها إلى ما هو فوق ذلك فكانت تلك صلاته بصلاته لا بما سوى ذلك وكان هذا أولى ما حمل عليه هذا المعنى ؛ لأن الناس في تلك الصلاة لم يكن إمامهم فيها إلا إمام واحد لا إمامان ولما كان فيها أن أبا بكر كان هو الإمام بالناس فيها غير النبي صلى الله عليه وسلم وجب أن يكون هو الإمام فيها للنبي صلى الله عليه وسلم أيضا ، وقد حقق ذلك حديث مسروق عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في تلك الصلاة خلف أبي بكر وقد روي حديث موسى بن أبي عائشة من غير طريق زائدة بمعنى زائد على ما في حديث زائدة . 4873 - كما قد حدثنا أحمد بن شعيب حدثنا محمود بن غيلان ، قال : حدثني أبو داود ، قال : حدثنا شعبة ، عن موسى بن أبي عائشة قال : سمعت عبيد الله بن عبد الله يحدث . عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أبا بكر أن يصلي بالناس قالت : وكان النبي صلى الله عليه وسلم بين يدي أبي بكر يصلي قاعدا وأبو بكر يصلي بالناس والناس خلف أبي بكر رضي الله عنه . ففي هذا الحديث ما قد زعم بعض الناس أنه قد دله أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في تلك الصلاة إماما وأن أبا بكر كان فيها مأموما ؛ لأن فيه أنه كان بين يدي أبي بكر رضي الله عنه . فكان جوابنا له في ذلك أنه لا دلالة له بذلك على ما ذكر أنه دله عليه إذ كان من أهل العلم من يقول : إنه جائز للمأموم أن يصلي بين يدي الإمام كما يصلي خلفه وممن قال ذلك منهم مالك بن أنس وإذا كان ذلك كذلك لم يكن ما في هذا الحديث من ذلك المعنى دليلا له على ما ذكر مع أنه قد روي فيما سوى هذه الأحاديث ما قد حقق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في تلك الصلاة مأموما . 4874 - كما حدثنا علي بن شيبة حدثنا معاوية بن عمرو الأزدي حدثنا زائدة ، عن عبد الملك بن عمير ، عن أبي بردة بن أبي موسى . عن أبيه قال مرض النبي صلى الله عليه وسلم فقال : مروا أبا بكر فليصل بالناس ، فقالت عائشة : إن أبا بكر رجل رقيق ، فقال : مروا أبا بكر فليصل بالناس فإنكن صواحب يوسف ، قال : فأم أبو بكر رضي الله عنه في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال هذا المستدل بما ذكرنا استدلاله به لا حجة لك في حديث أبي موسى هذا لأنه قد يجوز أن تكون هذه الإمامة من أبي بكر رضي الله عنه إنما أريد بها الصلوات التي كان أم الناس فيها في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الصلاة التي وقع هذا التنازع في الإمام فيها بالناس من كان منه ومن أبي بكر رضي الله عنه . فكان جوابنا له في ذلك أن في حديث أبي موسى من خطابهم للنبي صلى الله عليه وسلم ومن خطاب النبي صلى الله عليه وسلم إياهم مثل خطابه إياهم وخطابهم إياه في حديث الأسود ، عن عائشة رضي الله عنها مع أنا قد وجدنا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سوى ابن عباس وسوى عائشة وسوى أبي موسى وهو أنس بن مالك قد حقق أن الإمام كان في تلك الصلاة أبو بكر رضي الله عنه . 4875 - كما حدثنا محمد بن حميد بن هشام الرعيني حدثنا سعبد بن أبي مريم أخبرنا يحيى بن أيوب حدثني حميد حدثني ثابت البناني . عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى خلف أبي بكر رضي الله عنه في ثوب واحد برد مخالفا بين طرفيه فكانت آخر صلاة صلاها . 4876 - وكما حدثنا أحمد بن شعيب أخبرنا علي بن حجر أخبرنا إسماعيل بن جعفر حدثنا حميد . عن أنس رضي الله عنه قال آخر صلاة صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم مع القوم صلاها في ثوب واحد متوشحا خلف أبي بكر ولم يذكر في إسناده ثابتا . وكيف يجوز أن يكون أحد إماما لغيره في صلاة قد دخل فيها ذلك الغير قبله وكان دخوله فيها دخولا يوجب عليه في سهوه فيها من السجود ما لو كان مأموما لم يوجبه عليه وكان دخوله فيها إماما يوجب عليه من القراءة فيها في قول من يذهب إلى أنه كان الإمام فيها ما لا يوجبه عليه فيها إذا كان مأموما فيها ؛ لأن الإمام عنده وعند غيره يقرأ في الأوليين من تلك الصلاة في كل ركعة منهما فاتحة الكتاب وسورة وإذا كان مأموما وجب عليه عنده أن يقرأ في كل ركعة واحدة منهما فاتحة الكتاب بلا سورة وكيف يجوز أن يخرج من صلاة هذا حكمها إلى صلاة أخرى حكمها ضد هذا الحكم بلا تكبير يستأنفه لها وكيف يظن ذلك بأبي بكر رضي الله عنه وقد كان من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي علمه ومن سواه من أصحابه إياها أن لا يسبقوا أئمتهم بالركوع ولا بالسجود في صلاتهم التي يصلونها معهم وأن يكونوا مقتدين بهم في ذلك لا مخالفين لهم فيه فإن قال قائل فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة غير هذه الصلاة من صلواته كبر بالناس ، ثم ذكر أنه كان جنبا فأومأ إليهم أن يكونوا مكانهم حتى مضى فاغتسل ، ثم رجع فصلى بهم . فكان جوابنا له في ذلك أن هذا حديث قد روي ، عن ثلاثة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم وهم أنس بن مالك وأبو هريرة وأبو بكرة فمنهم من ذكر في حديثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ما كان منه فيها من ذكره الجنابة قبل أن يكبر لها وإذا كان لم يكبر لها كان من خلفه أحرى أن لم يكونوا كبروا لها وفي ذلك ما قد يوجب أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رجع وقد اغتسل استأنف بهم الصلاة ومنهم من ذكر في حديثه أن ذكره لذلك بعد أن كبر ودخل في الصلاة وقد يحتمل أن يكون القوم قد كانوا كبروا ويحتمل أن يكونوا لم يكونوا كبروا فلم يدخلوا في الصلاة حتى جاء النبي من غسله فصلى بهم بتكبير استأنفه وبتكبير استأنفوه فثبت بذلك أن لا دليل في هذا الحديث لمن استدل به على دخول القوم في الصلاة قبل دخول النبي صلى الله عليه وسلم كان فيها وقد ذكرنا هذا الباب بأسانيده وبالاختلافات فيه فيما تقدم منا من كتابنا هذا وفيما ذكرنا في هذا الباب ما يمنع من دخول المأموم في الصلاة قبل دخول غيره فيها ، ثم يعود مؤتما بذلك الغير الذي كان دخوله في تلك الصلاة بعد دخوله فيها والله تعالى نسأله التوفيق .
203 - باب بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الَّذِي عَضَّ ذِرَاعَ رَجُلٍ فَانْتَزَعَهَا فَسَقَطَتْ ثَنِيَّتَا الْعَاضِّ . 1471 - حدثنا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ قَالَ : حدثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ قَالَ : أخبرنا سَعِيدٌ وَهُوَ ابْنُ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَنَّ رَجُلًا عَضَّ آخَرَ عَلَى ذِرَاعِهِ فَجَذَبَهَا ، فَانْتُزِعَتْ ثَنِيَّتَاهُ ، فَرُفِعَ ذَلِكَ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : أَرَدْتَ أَنْ تَأْكُلَ أَوْ تَقْضَمَ - شَكَّ سَعِيدٌ - لَحْمَ أَخِيكَ كَمَا يَأْكُلُ أَوْ يَقْضَمُ الْفَحْلُ . فَأَبْطَلَهَا . 1472 - حدثنا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : حدثنا أَسَدُ بْنُ مُوسَى قَالَ : حدثنا شُعْبَةُ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى سَمِعَهُ يُحَدِّثُ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ أَنَّ رَجُلًا عَضَّ يَدَ رَجُلٍ فَقَالَ بِيَدِهِ هَكَذَا ، وَنَزَعَ يَدَهُ ، فَوَقَعَتْ ثَنِيَّتَاهُ . فَاخْتَصَمُوا إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : يَعَضُّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ كَمَا يَعَضُّ الْفَحْلُ ! لَا دِيَةَ لَكَ . 1473 - حدثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ قَالَ : حدثني أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ قَالَ : حدثنا شُعْبَةُ ، عَنْ الْحَكَمِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ أَنَّ رَجُلًا عَضَّ يَدَ رَجُلٍ ، فَانْتَزَعَ يَدَهُ مِنْ فِيهِ ، فَسَقَطَتْ ثَنِيَّتَا الْعَاضِّ . فَارْتَفَعَا إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : أَيَعَضُّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ كَمَا يَعَضُّ الْبَكْرُ ؟ فَأَبْطَلَهَا . 1474 - حدثنا يُونُسُ قَالَ : حدثنا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : حَدَّثَنِا ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ أَنَّ صَفْوَانَ بْنَ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ حَدَّثَهُ عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ : غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَزْوَةَ الْعُسْرَةِ ، وَكَانَتْ أَوْثَقَ أَعْمَالِي فِي نَفْسِي . فَكَانَ لِي أَجِيرٌ فَقَاتَلَ إنْسَانًا ، فَعَضَّ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ ، فَانْتَزَعَ أُصْبُعَهُ فَسَقَطَتْ ثَنِيَّتَاهُ . فَجَاءَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَهْدَرَ ثَنِيَّتَيْهِ . قَالَ عَطَاءٌ : حَسِبْتُ أَنَّ صَفْوَانَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَيَدَعُ يَدَهُ فِي فِيكَ فَتَقْضُمَهَا كَقَضْمِ الْجَمَلِ ؟ 1475 - حدثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُد قَالَ : حدثنا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ الْوَهْبِيُّ قَالَ : حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَفْوَانَ ، عَنْ عَمَّيْهِ سَلَمَةَ بْنِ أُمَيَّةَ وَيَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ قَالَا : خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ وَمَعَنَا صَاحِبٌ لَنَا ، فَقَاتَلَ رَجُلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، فَعَضَّ الرَّجُلُ ذِرَاعَهُ فَجَذَبَهَا مِنْ فِيهِ فَنَزَعَ ثَنِيَّتَهُ . فَأَتَى الرَّجُلُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَلْتَمِسُ الْعَقْلَ . فَقَالَ : يَنْطَلِقُ أَحَدُكُمْ إلَى أَخِيهِ فَيَعَضُّهُ عَضِيضَ الْفَحْلِ ، ثُمَّ يَأْتِي يَطْلُبُ الْعَقْلَ ؟ لَا عَقْلَ لَهُا . فَأَبْطَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَفِي حَدِيثِ ابْنِ إِسْحَاقَ هَذَا ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَفْوَانَ . وَهَذَا مِنْ الْخَطَإِ غَيْرُ مُشْكِلٍ ؛ لِأَنَّ صَفْوَانَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَفْوَانَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ بَنِي جُمَحَ ، وَيَعْلَى صَاحِبُ هَذَا الْحَدِيثِ فَلَيْسَ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ أَنْفُسِهَا ، وَإِنَّمَا هُوَ حَلِيفٌ لَهَا ، وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ قَدِيمُ السُّكْنَى بِمَكَّةَ . ثُمَّ تَأَمَّلْنَا هَذَا الْحَدِيثَ بَعْدَ وُقُوفِنَا عَلَى اخْتِلَافِ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي هَذِهِ الْجِنَايَةِ الْمَذْكُورَةِ فِيهِ ، وَأَنَّ مِنْهُمْ مَنْ لَا يُبْطِلُ عَقْلَ ثَنِيَّتَيْ الْعَاضِّ عَنْ الْمَعْضُوضِ ، مِنْهُمْ ابْنُ أَبِي لَيْلَى . وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا الْبَابِ مِنْ أَحْوَالِ شَاهِرِ السِّلَاحِ مَا قَدْ ذَكَرْنَاهُ فِيهِ ، وَأَنَّهُ إنَّمَا حَلَّ لِلْمَشْهُورِ عَلَيْهِ دَمُ الشَّاهِرِ إذْ كَانَ الشَّاهِرُ لَوْ تَمَّ مِنْهُ فِي الَّذِي شَهَرَ عَلَيْهِ السِّلَاحَ مَا شَهَرَهُ عَلَيْهِ مِنْ أَجْلِهِ . فَقَالَ قَائِلٌ : فَالْعَضُّ مِمَّا لَا قَوَدَ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ كَسْرٌ لِلْعَظْمِ الْمَعْضُوضِ ؛ أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَيَدَعُ يَدَهُ فِي فِيكَ فَتَقْضَمُهَا كَمَا يَقْضَمُ الْفَحْلُ ؟ فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ فِيهَا كَسْرَ الْعَظْمِ ، وَكَسْرُ الْعَظْمِ لَا قَوَدَ فِيهَا . فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ عز وجل وَعَوْنِهِ أَنَّ الْقَضْمَ الْمَذْكُورَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لَيْسَ هُوَ كَسْرُ الْعَظْمِ كَمَا تُوُهِّمَ ؛ لِأَنَّ الْقَضْمَ عِنْدَ الْعَرَبِ هُوَ الْقَضْمُ بِأَطْرَافِ الْأَسْنَانِ الَّذِي لَا يَبْلُغُ هَذَا ، وَإِنَّمَا الَّذِي يَبْلُغُهُ عِنْدَهُمْ هُوَ الْخَضْمُ وَهُوَ التَّمَكُّنُ بِالْأَسْنَانِ كُلِّهَا ، فَذَلِكَ مِمَّا قَدْ يَأْتِي عَلَى الْعَظْمِ . وَلَمَّا كَانَ مَا ذَكَرْنَا كَمَا وَصَفْنَا كَانَ الْقَضْمُ إنَّمَا يَأْتِي عَلَى جِلْدَةِ الذِّرَاعِ أَوْ يَتَجَاوَزُهَا إلَى اللَّحْمِ الَّذِي بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعَظْمِ ، فَإِذَا تَجَاوَزَهَا إلَى ذَلِكَ أَوْضَحَ الْعَظْمَ ، فَعَادَ مَعْنَاهُ فِي الذِّرَاعِ إلَى مَعْنَى الْمُوضِحَةِ فِي الرَّأْسِ الَّتِي تُوضِحُ الْعَظْمَ ، وَفِيهَا الْقَوَدُ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ . فَمِثْلُهَا وُضُوحُ عَظْمِ الذِّرَاعِ فَفِيهِ الْقَوَدُ أَيْضًا . وَلَمَّا كَانَ فِيهِ الْقَوَدُ إذَا تَمَّ ذَلِكَ الْعَقْلُ كَانَ لِلَّذِي قَصَدَ بِهِ إلَيْهِ إزَالَتُهُ عَنْ نَفْسِهِ لِيَصِلَ بِذَلِكَ إلَى الْوَاجِبِ لَهُ فِيمَا حَلَّ بِهِ مِنْهُ ، وَلَوْ كَانَ الْعَاضُّ مَجْنُونًا أَوْ صَبِيًّا لَمْ يَبْلُغْ فَكَانَ مِنْ الْمَعْضُوضِ فِي ذَلِكَ مِثْلُ الَّذِي ذَكَرْنَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، كَانَ عَلَى الْمَعْضُوضِ قِيمَةُ ثَنَايَاهُ فَقَدْ وَافَقَ مَا حَمَلْنَا عَلَيْهِ مَا فِي هَذَا الْبَابِ مَا حَمَلْنَا عَلَيْهِ مَا فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ . وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
854 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مما يدل على الصور الذي ذكره الله في كتابه ما هو ؟ . 6294 - حدثنا أحمد بن أبي عمران ، قال : حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل ، قال : حدثنا جرير بن عبد الحميد - وحدثنا ابن أبي عمران أيضا ، قال : حدثنا عثمان بن أبي شيبة ومحمد بن جعفر الوركاني ، قالا : حدثنا جرير بن عبد الحميد ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي سعيد ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن ، وأصغى سمعه ، وحنى جبهته ، ينتظر متى يؤمر بنفخ ، فينفخ ؟ قالوا : يا رسول الله ، كيف نقول ؟ قال : قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل ، على الله نتوكل . قال أبو جعفر : ففي هذا الحديث أخذ أبو صالح إياه ، عن أبي سعيد . 6295 - وقد حدثناه أبو أمية ، قال : حدثنا أحمد بن عبد الله بن أبي شعيب الحراني ، قال : حدثنا موسى بن أعين ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مثله . قال : فكان في هذا الحديث : أخذ أبي صالح إياه عن أبي هريرة لا عن أبي سعيد . 6296 - وقد حدثنا أبو أمية ، قال : حدثنا أحمد بن عبد الله بن أبي شعيب ، قال : حدثنا موسى بن أعين ، عن عمران - وهو البارقي - عن عطية العوفي ، عن أبي سعيد ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مثله . 6297 - وحدثنا أبو أمية ، قال : حدثنا روح بن عبادة ، قال : حدثنا ابن عيينة ، عن عمار الدهني ، عن عطية ، عن أبي سعيد ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثله . ففي هذا الحديث : أخذ عطية إياه عن أبي سعيد . 6298 - وقد حدثنا الربيع بن سليمان المرادي ، قال : حدثنا أسد بن موسى ، قال : حدثنا أسباط بن محمد ، عن مطرف ، عن عطية ، عن ابن عباس في قوله - عز وجل - : فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن ؟ وذكر بقية الحديث . 6299 - وحدثنا فهد بن سليمان ، قال : حدثنا أبو غسان - مالك بن إسماعيل - قال : حدثنا ذواد بن علبة ، عن عطية ، عن ابن عباس - قال أبو غسان ، وقال غيره : عن أبي سعيد - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : كيف أنعم ؟ ثم ذكر مثله . ففيما رويناه أن الصور قرن ينفخ فيه . 6300 - وقد حدثنا أحمد بن داود بن موسى ، قال : حدثنا مسدد ، قال : حدثنا المعتمر بن سليمان ، قال : سمعت أبي ، قال : حدثنا أسلم - قال أبو جعفر : وهو العجلي - عن بشر بن شغاف ، حدثه عن عبد الله بن عمرو ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : أن أعرابيا سأله : ما الصور ؟ قال : قرن ينفخ فيه . قال أبو جعفر : فوافق ما في هذا الحديث ما في الأحاديث التي رويناها قبله ، وتأملنا ما في كتاب الله - عز وجل - من ذكره - عز وجل - الصور فيه ، فوجدنا فيه قوله - عز وجل - في سورة يس وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ ، وكان في هذه الآية ما قد دل على أن النفخ في الصور ، أعاد إليهم أرواحهم حتى عادوا ينسلون بعدما قد كانوا موتى لا أرواح لهم ، فاحتمل أن يكون ما كان من النفخ في الصور سببا لعود أرواحهم إليهم حتى عادوا كذلك ، وهكذا يقول أهل الآثار . فأما أهل اللغة ، منهم : أبو عبيدة معمر بن المثنى ، فكان يقول في ذلك : ما قد حدثنا ولاد النحوي ، قال : حدثنا المصادري ، عن أبي عبيدة يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ ، قال جماعة : صورة ، مثل قولهم : سورة ، وسور ، قال العجاج فرب ذي سرادق محجور سرت إليه في أعالي السور ومنها سورة المجد : أعاليه . قال جرير : لما أتى خبر الزبير تواضعت سور المدينة والجبال الخشع وما ذكره علي بن عبد العزيز في رواية الأثرم في هذا الكتاب : وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ، جمع صورة ، فخرجت مخرج : بسرة ، وبسر ، لم تحمل على : ظلمة وظلم ، ولو كانت [كذلك] لقيلت : صور ، فخرجت الواو بالفتحة كسورة المدينة ، والجميع سور . وما ذكره الفراء في كتابه في معاني القرآن ومشكل إعرابه ، قال : وقد يقال : إن الصور قرن ، ويقال : هو جمع الصور ينفخ في الصور في الموتى -والله أعلم- بصواب ذلك . وفي الآية التي تلونا من سورة يس ما قد دل أنهم كانوا في أجداثهم لا أرواح في أبدانهم ، حتى أعاد الله إليها أرواحهم بما شاء أن يعيدها إليهم به ، وفي سورة النمل : وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ ، فكان في هذه الآية : أن ذلك النفخ في الصور كان وهم أحياء ، فماتوا بذلك ، وكذلك ما في سورة الزمر من قوله - عز وجل - : وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ، ثم قال - عز وجل - : ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى ، فدل ذلك أن المنفوخ فيه شيء واحد لا أشياء مختلفة ، وفي ذلك ما قد دل على صواب ما قال أهل الآثار مما قد ذكرناه عنهم في هذا الباب ، وعاد ما قد تلونا من آي القرآن في هذا الباب في الصور ما استدللنا به في بعضها : أن الناس كانوا أمواتا حينئذ ، فردت إليهم أرواحهم بذلك ، وهو ما تلونا من ذلك من سورة يس ، وكان في بعضها ما قد دل أنهم كانوا أحياء فماتوا بذلك على ما تلونا من سورة النمل ، ومن سورة الزمر . وقد روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما يدل على المعنى الذي استدللنا عليه بما في هاتين السورتين . 6301 - كما حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، قال : حدثنا وهب بن جرير ، قال : حدثنا أبي ، قال : سمعت النعمان بن راشد ، يحدث عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : لا تخيروني على موسى ، فإن الناس يصعقون يوم القيامة ، فأكون أول من يفيق ، فإذا موسى - صلى الله عليه وسلم - باطش بجانب العرش ، فلا أدري : أصعق فيمن كان صعق ، فأفاق قبلي ، أو كان فيمن استثنى الله - عز وجل 6302 - وكما حدثنا يزيد ، قال : وكما حدثنا يوسف بن يزيد ، قال : حدثنا حجاج بن إبراهيم ، قال : حدثنا إسماعيل بن جعفر ، عن محمد بن عمرو بن علقمة ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ينفخ في الصور ، فيصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ، ثم ينفخ فيه أخرى ، فأكون أول من يرفع رأسه ، فإذا موسى - صلى الله عليه وسلم - آخذ قائمة من قوائم العرش ، فلا أدري : أكان فيمن استثنى الله - عز وجل - أو رفع قبلي . ففي هذين الحديثين : أن النفخ في الصور كان وهم أحياء ، فماتوا بذلك ، ثم أحياهم الله - عز وجل - بالنفخة الثانية فيه ، وكان فيما روينا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما قد دل على أن الصور هو القرن المذكور في هذه الآثار ، لا ما سواه مما قد ذكره من ذهب إلى أنه الصور ، والذي نرى والله أعلم ، حمل عليه ما ذكرنا من الصور هو على ما في الآية التي تلونا من سورة يس ؛ لأن المنفوخ فيهم حينئذ كانوا أمواتا ، فنفخ فيهم الروح ، وما في الاثنتين الأخريين على نفخ كان في الصور ، والناس أحياء فماتوا بذلك ، فذلك مستحيل أن يكون أريد به الصور ، والله أعلم بما أراد في ذلك مما أنزله في كتابه ، ومما قاله على لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم - والله نسأله التوفيق .
204 - باب بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْأَشْيَاءِ الْمَوْزُونَاتِ أَنَّهَا كَالْأَشْيَاءِ الْمَكِيلَاتِ فِي دُخُولِ الرِّبَا فِيهَا كَدُخُولِهِ فِي الْأَشْيَاءِ الْمَكِيلَاتِ . 1476 - حدثنا يُونُسُ قَالَ : حدثنا ابْنُ وَهْبٍ أَنَّ مَالِكًا أَخْبَرَهُ عَنْ عَبْدِ الْمَجِيدِ بْنِ سَهْيلِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَعْمَلَ رَجُلًا عَلَى خَيْبَرَ فَجَاءَ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا ؟ فَقَالَ : لَا وَاَللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّا لَنَأْخُذُ الصَّاعَ مِنْ هَذَا بِالصَّاعَيْنِ ، وَالصَّاعَيْنِ بِالثَّلَاثَةِ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : فَلَا تَفْعَلْ ، بِعْ الْجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ ، ثُمَّ ابْتَعْ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا . وَقَالَ فِي الْمِيزَانِ مِثْلَ ذَلِكَ . 1477 - حدثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُد قَالَ : حدثنا الْوُحَاظِيُّ قَالَ : حدثنا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ قَالَ : حدثنا عَبْدُ الْمَجِيدِ بْنُ سَهْيلِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ يُحَدِّثُ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَأَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَاهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعَثَ أَخَا بَنِي عَدِيٍّ الْأَنْصَارِيِّ ، وَاسْتَعْمَلَهُ عَلَى خَيْبَرَ ، فَقَدِمَ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا ؟ فَقَالَ : لَا وَاَللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّا لَنَشْتَرِي الصَّاعَ بِالصَّاعَيْنِ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا تَفْعَلُوا ، وَلَكِنْ مِثْلًا بِمِثْلٍ ، أَوْ بِيعُوا هَذَا وَاشْتَرُوا هَذَا بِثَمَنِهِ . وَكَذَلِكَ الْمِيزَانُ . 1478 - حدثنا يَحْيَى بْنُ عُثْمَانَ قَالَ : حدثنا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ قَالَ : حدثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيُّ ، عَنْ أَبِي سُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعَثَ أَخَا بَنِي عَدِيٍّ مِنْ الْأَنْصَارِ إلَى خَيْبَرَ أَمِيرًا ، فَقَدِمَ عَلَيْهِ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ يَعْنِي طَيِّبًا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا ؟ قَالَ : لَا وَاَللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّا نَشْتَرِي الصَّاعَ بِالصَّاعَيْنِ ، وَالصَّاعَيْنِ بِالثَّلَاثَةِ آصُعٍ مِنْ الْجَمْعِ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا تَفْعَلْ ، وَلَكِنْ تَبِيعُ هَذَا وَتَشْتَرِي بِثَمَنِهِ مِنْ هَذَا ، وَكَذَلِكَ الْمِيزَانُ . 1479 - وَحدثنا مُصْعَبُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ حَمْزَةَ الزُّبَيْرِيُّ الْمَدِينِيُّ قَالَ : حدثنا أَبِي قَالَ : حدثنا الدَّرَاوَرْدِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْمَجِيدِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَأَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَاهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعَثَ أَخَا بَنِي عَدِيِّ بْنِ النَّجَّارِ عَلَى خَيْبَرَ ، فَقَدِمَ عَلَيْهِ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ يَعْنِي : طَيِّبًا . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا ؟ قَالَ : لَا وَاَللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّا نَشْتَرِي الصَّاعَ بِالصَّاعَيْنِ ، وَالصَّاعَيْنِ بِالثَّلَاثَةِ مِنْ الْجَمْعِ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا تَفْعَلْ ، وَلَكِنْ بِعْ هَذَا وَاشْتَرِ بِثَمَنِهِ مِنْ هَذَا ، فَكَذَلِكَ الْمِيزَانُ . 1480 - حدثنا مُصْعَبٌ قَالَ : حدثنا أَبِي قَالَ : حدثنا الدَّرَاوَرْدِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْمَجِيدِ بْنِ سُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - مِثْلَهُ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : هَكَذَا هُوَ فِي كِتَابِ مُصْعَبٍ الَّذِي أَخْبَرَنَا أَنَّهُ أَصْلُ أَبِيهِ ، عَنْ عَبْدِ الْمَجِيدِ بْنِ سُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ . وَهَذَا خِلَافُ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ عُثْمَانَ ، عَنْ نُعَيْمٍ ، عَنْ الدَّرَاوَرْدِيِّ ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ مَكَانَ عَبْدِ الْمَجِيدِ أَبَا سُهَيْلٍ . وَاَلَّذِي قَالَ : مُصْعَبٌ فِي هَذَا هُوَ الصَّوَابُ عِنْدَنَا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . فَكَانَ فِي هَذِهِ الْآثَارِ رَدُّ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حُكْمَ الْمِيزَانِ فِي دُخُولِ الرِّبَا فِي الْأَشْيَاءِ الْمَوْزُونَةِ بِهِ كَدُخُولِهَا فِي الْمِكْيَالِ فِي الْأَشْيَاءِ الْمَكِيلَاتِ بِهِ . وَلَمْ يَقْصِدْ فِي ذَلِكَ إلَى مَأْكُولٍ وَلَا إلَى مَشْرُوبٍ دُونَ مَا سِوَاهُمَا مِمَّا لَا يُؤْكَلُ وَلَا يُشْرَبُ ، فَكَانَ ظَاهِرُ ذَلِكَ يُوجِبُ مَا قَالَ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا يَجُوزُ الْحَدِيدُ بِالْحَدِيدِ وَلَا النُّحَاسُ بِالنُّحَاسِ وَلَا الرَّصَاصُ بِالرَّصَاصِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ وَزْنًا بِوَزْنٍ ، وَأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ لَمَّا كَانَتْ مَوْزُونَةً فِي دُخُولِ الرِّبَا إيَّاهَا كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فِي دُخُولِ الرِّبَا إيَّاهُمَا وَكَالْأَشْيَاءِ الْمَكِيلَاتِ مِنْ التَّمْرِ وَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ فِي دُخُولِ الرِّبَا إيَّاهُمَا كَمَا يَقُولُهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ فِي ذَلِكَ . وَذَلِكَ بِخِلَافِ مَا قَالَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ فِيهِ وَحَمْلِهِمْ ذَلِكَ عَلَى الْأَشْيَاءِ الْمَكِيلَاتِ مِمَّا يُؤْكَلُ وَمِمَّا يُشْرَبُ خَاصَّةً دُونَ مَا لَا يُؤْكَلُ وَمَا لَا يُشْرَبُ . فَقَالَ قَائِلٌ مِمَّنْ ذَهَبَ إلَى مَا يَقُولُهُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ فِي ذَلِكَ : إنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ قَدْ ذَهَبَ فِي هَذَا الْمَعْنَى إلَى مَا ذَهَبْنَا إلَيْهِ فِيهِ ، وَإِلَى خِلَافِ مَا ذَهَبَ الْآخَرُونَ إلَيْهِ فِيهِ وَذَكَرَ مَا قَدْ 1481 - حدثنا يُونُسُ قَالَ : أخبرنا ابْنُ وَهْبٍ أَنَّ مَالِكًا أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ يَقُولُ : لَا رِبَا إلَّا فِي ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ ، أَوْ فِيمَا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ مِمَّا يُؤْكَلُ أَوْ يُشْرَبُ . وَقَالَ : فَإِلَى قَوْلِ مَنْ خَالَفْتُمْ قَوْلَ سَعِيدٍ هَذَا ؟ فَقِيلَ لَهُ : إلَى قَوْلِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ الَّذِي يُخَالِفُهُ ، فَقَوْلُهُ فِي ذَلِكَ أَعْلَى مِنْ قَوْلِ سَعِيدٍ . وَاَلَّذِي يُرْوَى عَنْ عَمَّارٍ فِي ذَلِكَ مَا قَدْ 1482 - حدثنا يَحْيَى بْنُ عُثْمَانَ قَالَ : حدثنا مُوسَى بْنُ هَارُونَ الْبَرْدِيُّ قَالَ : حدثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ ، عَنْ صَدَقَةَ بْنِ الْمُثَنَّى ، عَنْ جَدِّهِ رِيَاحِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ : قَالَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : الْعَبْدُ خَيْرٌ مِنْ الْعَبْدَيْنِ ، وَالْأَمَةُ خَيْرٌ مِنْ الْأَمَتَيْنِ ، وَالْبَعِيرُ خَيْرٌ مِنْ الْبَعِيرَيْنِ ، وَالثَّوْرُ خَيْرٌ مِنْ الثَّوْرَيْنِ . فَمَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ فَلَا بَأْسَ إنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسَاءِ لَا مَا كِيلَ أَوْ وُزِنَ . 1483 - وَمَا قَدْ حدثنا يَحْيَى بْنُ عُثْمَانَ قَالَ : حدثنا أَصْبَغُ بْنُ الْفَرَجِ قَالَ : حدثنا عِيسَى بْنُ يُونُسَ ، عَنْ صَدَقَةَ بْنِ الْمُثَنَّى ، عَنْ رِيَاحِ بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ - مِثْلَهُ ، إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ : وَالثَّوْرُ خَيْرٌ مِنْ الثَّوْرَيْنِ . وَقَالَ مَكَانَ ذَلِكَ : وَالثَّوْبُ خَيْرٌ مِنْ الثَّوْبَيْنِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَلَمَّا كَانَ أَوْكَدُ الْأَشْيَاءِ فِي دُخُولِ الرِّبَا عَلَيْهَا الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ ، وَلَيْسَا بِمَأْكُولَيْنِ وَلَا مَشْرُوبَيْنِ - عَقَلْنَا بِذَلِكَ أَنَّ الْعِلَّةَ الَّتِي لَهَا دُخُولُ الرِّبَا إلَى الْوَزْنِ فِيمَا يُوزَنُ وَالْكَيْلُ فِيمَا يُكَالُ مَأْكُولًا كَانَ ذَلِكَ أَوْ مَشْرُوبًا أَوْ غَيْرَ مَأْكُولٍ أَوْ مَشْرُوبٍ . وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
650 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني . 4859 - حدثنا علي بن معبد حدثنا عبد الوهاب بن عطاء ، عن هشام الدستوائي ، عن يحيى بن أبي كثير أن عبد الله بن أبي قتادة حدثه . عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إذا نودي بالصلاة فلا تقوموا حتى تروني . فنظرنا في هذا الحديث فوجدنا هشاما لم يسمعه من يحيى بن أبي كثير وإنما حدث به عنه ، عن كتابه به إليه . 4860 - كما حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن يونس حدثنا يحيى بن حبيب بن عربي ، حدثنا خالد بن الحارث ، عن هشام قال كتب إلي يحيى يحدث ، عن عبد الله بن أبي قتادة . عن أبي قتادة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني . قال أبو جعفر : ثم نظرنا هل حدث بهذا الحديث غير هشام ، عن يحيى بغير هذا الوجه الذي حدث به هشام عنه . 4861 - فوجدنا أبا أمية قد حدثنا ، قال : حدثنا القواريري حدثنا حماد بن زيد ، عن أيوب وحجاج الصواف ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن عبد الله بن أبي قتادة . عن أبيه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم ذكر هذا الحديث . 4862 - ووجدنا ابن أبي مريم قد حدثنا ، قال : حدثنا الفرياني ، قال : حدثنا سفيان وهو الثوري ، عن معمر ، عن يحيى بن أبي كثير ، ثم ذكر بإسناده مثله . 4863 - ووجدنا عبد الغني بن أبي عقيل قد حدثنا ، قال : حدثنا سفيان . ووجدنا المزني قد حدثنا ، قال : حدثنا الشافعي ، عن سفيان ، ثم قالا جميعا : عن معمر ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن عبد الله بن أبي قتادة . عن أبيه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الحديث . 4864 - ووجدنا أبا أمية قد حدثنا ، قال : حدثنا طلق بن غنام حدثنا شيبان يعني النحوي ح . ووجدنا أبا الدرداء هاشم بن محمد الأنصاري قد حدثنا ، قال : حدثنا آدم أبي إياس حدثنا شيبان أبو معاوية قال أبو أمية في حديثه ، عن يحيى بن أبي كثير وقال أبو الدرداء في حديثه أخبرنا يحيى بن أبي كثير ، عن عبد الله بن أبي قتادة ، عن أبيه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله . 4865 - ووجدنا سليمان بن شعيب قد حدثنا ، قال : حدثنا الخصيب بن ناصح حدثنا همام بن يحيى ، عن يحيى بن أبي كثير ، ثم ذكر بإسناده مثله . ثم نظرنا هل روي هذا الحديث ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير هذا الوجه . 4866 - فوجدنا إسحاق بن إبراهيم بن يونس قد حدثنا ، قال : أخبرنا محمد بن عبد الرحمن بن غزوان ، قال : حدثني أبي ، عن جرير بن حازم ، عن ثابت . عن أنس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكر مثله أو نحوه . قال أبو جعفر : فإن كان هذا الحديث محفوظا فقد صار ، عن أبي قتادة وعن أنس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم وكان حديث أبي قتادة قد جاء عن جماعة منهم يحيى فتأملنا هذا الحديث فوجدنا قيام الناس للصلاة قبل حضور إمامهم لا حاجة بهم إليه لأنهم لا يدخلون في الصلاة إلا مع دخول إمامهم فيها أو بعد دخوله فيها فكان قيامهم ذلك فضلا فنهوا عنه وفي ذلك ما قد دل على أن الناس لا يدخلون في الصلاة قبل دخول إمامهم فيها . ومثل ذلك ما قد روي عن علي رضي الله عنه فيه . 4867 - كما قد حدثنا فهد حدثنا أبو نعيم حدثنا فطر بن خليفة . عن أبي خالد الوالبي قال جاءنا علي رضي الله عنه وقد أقيمت الصلاة ونحن قيام نتنظره فقال ما لي أراكم سامدين . قال أبو جعفر : والسمود عند أهل اللغة اللهو كذلك قال أبو عبيدة كما حدثنا ولاد ، قال : حدثنا المصادري عنه وكذلك قال الفراء فنهوا أن يكونوا لاهين والله الموفق .
205 - باب بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ قَوْلِهِ : إنَّ الرَّجُلَ لَيَكُونُ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ وَمِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ حَتَّى ذَكَرَ سِهَامَ الْخَيْرِ وَمَا يُجْزَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ إلَّا بِقَدْرِ عَقْلِهِ . 1484 - حدثنا أَبُو أُمَيَّةَ مُحَمَّدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ : حدثنا مَنْصُورُ بْنُ سُقَيْرٍ قَالَ : حدثنا مُوسَى بْنُ أَعْيَنَ قَالَ : حدثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إنَّ الرَّجُلَ لَيَكُونُ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ حَتَّى ذَكَرَ سِهَامَ الْخَيْرِ ، وَمَا يُجْزَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ إلَّا بِقَدْرِ عَقْلِهِ . فَتَأَمَّلْنَا هَذَا الْحَدِيثَ ، فَوَجَدْنَا مَنْ صَلَّى صَلَاةً مُقْبِلًا عَلَيْهَا حَتَّى وَفَّاهَا خُشُوعَهَا وَقِيَامَهَا وَقِرَاءَتَهَا وَرُكُوعَهَا وَسُجُودَهَا ، وَسَائِرَ مَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ فِيهَا مِنْ فَرَائِضِهَا وَمِنْ سُنَنِهَا ، وَمِنْ الْإِقْبَالِ عَلَيْهَا ، وَتَرْكِ التَّشَاغُلِ بِغَيْرِهَا عَنْهَا - كَانَ جَزَاؤُهُ عَلَيْهَا أَكْثَرَ مِنْ جَزَائِهِ لَوْ صَلَّاهَا عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ مِنْ تَرْكِ الْخُشُوعِ فِيهَا ، وَبِالتَّشَاغُلِ بِغَيْرِهَا عَنْهَا حَتَّى كَانَ فِيمَا أَتَى بِهَا عَلَيْهِ ضِدًّا لِأَحْوَالِهِ الْأُوَلِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا مِمَّا هُوَ مَحْمُودٌ عَلَيْهَا ، وَكَانَ فِي صَلَاتِهِ إيَّاهَا عَلَى أَحْوَالِ الْحَمْدِ عَاقِلًا لَهَا . وَفِي صَلَاتِهِ إيَّاهَا عَلَى أَحْوَالِ الذَّمِّ غَافِلًا عَنْهَا يُجْزَى بِمِقْدَارِ عَقْلِهِ فِيهَا خِلَافَ مَا يُجْزَى عَلَى أَحْوَالِهِ فِي غَفْلَتِهِ عَنْهَا . وَمِنْ هَذَا عِنْدَنَا - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - مَا قَدْ رَوَيْنَاهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَا تَقَدَّمَ مِنَّا فِي كِتَابِنَا هَذَا مِنْ قَوْلِهِ : إنَّ الرَّجُلَ لَيُصَلِّي الصَّلَاةَ ، وَمَا يُكْتَبُ لَهُ مِنْهَا إلَّا نِصْفُهَا . ثُمَّ ذَكَرَ أَجْزَاءَهَا حَتَّى تَنَاهَى إلَى عُشْرِهَا . وَمِثْلُ ذَلِكَ الزَّكَاةُ إذَا وَضَعَهَا فِي الْمُسْتَحِقِّينَ لَهَا بِأَعْلَى مَرَاتِبِ أَهْلِهَا فِيهَا مِنْ الْفَقْرِ إلَيْهَا ، وَمِنْ الزَّمَانَةِ وَالْعَجْزِ عَنْ غَيْرِهَا فِيمَا يُغْنِي عَنْهَا ، وَمِنْ التَّعَفُّفِ حَتَّى يُظَنَّ أَنَّهُ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا ، وَتَرْكِ الْمَسْأَلَةِ لَهَا وَلِمَا سِوَاهَا مِنْ الصَّدَقَاتِ يَكُونُ جَزَاؤُهُ عَلَى ذَلِكَ خِلَافَ جَزَاءِ مَنْ وَضَعَهَا فِي مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا فِي تِلْكَ الْمَنْزِلَةِ لِسُؤَالِهِ النَّاسَ وَاعْتِرَاضِهِ إيَّاهُمْ وَقُوَّتِهِ عَلَى اكْتِسَابِ مَا يُغْنِيهِ عَنْهَا . وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ . فَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ مَا قَدْ 1485 - حدثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ قَالَ : حدثنا أَبُو حُذَيْفَةَ مُوسَى بْنُ مَسْعُودٍ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ قَالَ : يَتَثَبَّتُونَ أَيْنَ يَضَعُونَ أَمْوَالَهُمْ ؟ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي الَّتِي يَتَقَرَّبُونَ بِهَا إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، فَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ فَلَيْسَ كَمَنْ يُعْطِيهَا مَنْ حَضَرَهُ بِغَيْرِ الْتِمَاسِ هَذَا الْمَعْنَى فِيهِ . وَكَذَلِكَ الصِّيَامُ فِي تَرْكِ اللَّغْوِ فِيهِ وَالْإِقْبَالِ عَلَيْهِ وَتَرْكِ الرَّفَثِ وَالْجَهْلِ فِيهِ جَزَاءُ مَنْ أَتَى بِهِ ، كَذَلِكَ خِلَافُ جَزَاءِ مَنْ أَتَى بِهِ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ . وَكَذَلِكَ الْحَجُّ مَنْ جَاءَ بِهِ بِلَا رَفَثٍ وَلَا فُسُوقٍ وَلَا جِدَالٍ فِيهِ كَانَ جَزَاؤُهُ عَلَيْهِ خِلَافَ جَزَاءِ مَنْ جَاءَ بِهِ بِخِلَافِ ذَلِكَ . وَكُلُّ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الْمَحْمُودَةِ فِي الْأَصْنَافِ الَّتِي ذَكَرْنَا فَتُعْقَلُ مِنْ فَاعِلِيهَا لِأَفْعَالِهِمْ الَّتِي فَعَلُوهَا فِيهَا حَتَّى كَانُوا بِذَلِكَ مُسْتَحِقِّينَ لِمَا قَدْ وُعِدُوا عَلَيْهَا ، وَكَانُوا بِخِلَافِ مَنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ مِمَّنْ شَغَلَتْهُ الْغَفْلَةُ مِنْ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ فِيهَا حَتَّى عَادَ بِذَلِكَ مَذْمُومًا فِي غَفْلَتِهِ تِلْكَ جَاهِلًا بِمَا لَزِمَ مِنْهَا . وَكَذَلِكَ سَائِرُ سِهَامِ الْإِسْلَامِ هِيَ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى ، فَكَانَ جَزَاءُ مَنْ عَقَلَهَا حَتَّى وَفَّاهَا مِنْ نَفْسِهِ خِلَافَ جَزَاءِ مَنْ جَهِلَهَا حَتَّى أَغْفَلَهَا . وَلَمْ نَجِدْ فِي تَأْوِيلِ هَذَا الْحَدِيثِ أَحْسَنَ مِمَّا ذَكَرْنَا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِمُرَادِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهِ . وَباَللَّهَ التَّوْفِيقَ .
855 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في كتابه ببحر أيلة لملكها . 6303 - حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن يونس ، قال : حدثنا هارون بن عبد الله الحمال ، قال : حدثنا عفان بن مسلم ، قال : حدثنا وهيب بن خالد ، قال : حدثنا عمرو بن يحيى ، عن العباس بن سهل ، عن أبي حميد ، قال : خرجنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - عام تبوك حتى إذا جئنا وادي القرى جاء النبي - صلى الله عليه وسلم - ملك أيلة ، فأهدى له بغلة بيضاء ، فكساه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بردا ، وكتب له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ببحرهم . فقال قائل : ما معنى كتاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ببحر أيلة لملكها على ما في هذا الحديث ؟ فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله - عز وجل وعونه - : أنه قد يحتمل أن يكون البحر المراد في هذا الحديث السعة التي يدخل فيها بحر الماء وما سواه ، كذلك يقول أهل اللغة في البحر ، ويقولون : إنما سميت بحار الماء بحارا ؛ لسعتها وانبساطها ، حتى قالوا من أجل ذلك إذا استبحر المكان بدخول الماء إياه ، وانبساطه فيه : قد استبحر المكان ، ومنه قالوا : قد استبحر فلان في العلم : إذا اتسع فيه ، وبحرت الشيء : إذا شققته ، وبحرت الناقة : إذا شققت أذنها طولا ، ومنه البحيرة التي ذكرها الله في كتابه لما شق من أذنها . ومنه قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في الفرس الذي ركبه لأبي طلحة : إنه بحر ، وإنا وجدناه بحرا . ومنه قول جابر بن زيد : ولكن أبى ذلك البحر - يعني ابن عباس - لسعة ما كان عليه عنده في المعنى الذي قال فيه هذا القول . ثم طلبنا كتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ذلك ، كيف كان ؟ لنقف على المعاني المرادة بما فيه إن شاء الله . 6304 - فوجدنا علي بن عبد العزيز قد كتب إلينا يحدثنا عن أبي عبيد القاسم بن سلام ، عن عثمان بن صالح ، عن عبد الله بن لهيعة ، عن أبي الأسود ، عن عروة بن الزبير : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كتب لأهل أيلة : بسم الله الرحمن الرحيم ، هذه أمنة من الله - عز وجل - ومحمد النبي - صلى الله عليه وسلم - ليحنة بن رؤبة وأهل أيلة لسفنهم ولسيارتهم ، ولبحرهم ولبرهم ، ذمة الله - عز وجل - وذمة محمد النبي - صلى الله عليه وسلم - ولمن كان معهم من كل مار من الناس من أهل الشام واليمن وأهل البحر ، فمن أحدث حدثا ، فإنه لا يحول ماله دون نفسه ، وإنه طيبة لمن أخذه من الناس ، ولا يحل أن يمنعوا ماء يردونه ، ولا طريقا يردونها من بر أو بحر . هذا كتاب جهيم بن الصلت . ووجدنا محمد بن عزيز بن عبد الله بن زياد بن عقيل الأيلي قد ذكر لنا أن الكتاب الذي كان النبي - صلى الله عليه وسلم - كتبه ليحنة بن رؤبة ولأهل أيلة ، مما أخذوه كابرا عن كابر ، فأخذناه عن محمد بن عزيز : بسم الله الرحمن الرحيم ، هذه أمنة من الله - عز وجل - ومحمد النبي - صلى الله عليه وسلم - رسول الله ؛ ليحنة بن رؤبة وأهل أيلة سفنهم وسيارتهم في البحر والبر ، لهم ذمة الله - عز وجل - ومحمد النبي - صلى الله عليه وسلم - ولمن يكون معهم من كل مار من أهل اليمن والبحر ، فمن أحدث منهم ، فإنه لا يحول ماله دون نفسه ، وإنه طيبة لمن أخذه من الناس ، وإنه لا يحل أن يمنعوا ماء يردونه ، ولا طريقا يردونها من بحر أو بر . هذا كتاب جهيم بن الصلت وشرحبيل . فوقفنا بما في هاتين الروايتين على كتاب رسول الله في ذلك المعنى كيف كان ؟! ثم نظرنا في المعنى الذي من أجله كتب لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذلك الكتاب ، فوجدنا القادمين الذين كانوا يقدمون عليهم من اليمن ومن الشام كانوا على غير دين الإسلام من الشرك ، ومن النصرانية ، ومن اليهودية ، وكان لمن وافاهم من المسلمين في شيء من تلك المواضع أن يغنمهم ، كما نغنم من وجدناه في بلادنا من أهل الحرب ممن دخل إلينا بلا أمان ، فجعلهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بما كتب لهم مما ذكرنا بخلاف ذلك الحكم ، وجعلهم إذا دخلوا هذه المواضع آمنين على أنفسهم وعلى ما معهم من الأموال ، وكان في ذلك لمن كتب له ذلك الكتاب أعظم المنافع ؛ لأنهم يميرونهم ويجلبون إليهم الأطعمة التي يعيشون منها ، وما سوى ذلك من الأشياء التي ينتفعون بها ، لا سيما وأيلة لا زرع لها . فإن قال : قائل أفكانوا يعشرون كما يعشر الحربيون إذا دخلوا من دار الإسلام سوى تلك المواضع بأمان ، ومعهم أموال يريدون التصرف فيها ، والبيع لها في دار الإسلام ؟ فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله - عز وجل وعونه - : أنه قد يحتمل أن يكونوا كانوا يعشرون كما يعشر من سواهم من تجار دار الحرب إذا دخلوا دار الإسلام بأمان بالأموال التي يحاولون التصرف بها في دار الإسلام ، ويحتمل أن يكون ذلك مما رفعه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عنهم ليرغبوا بذلك في الحمل إلى ذلك الموضع ، كما خفف عمر -رضي الله عنه- عن من كان يقدم المدينة من ناحية الشام بالتجارات ، فردهم من العشر إلى نصف العشر ؛ ليكون ذلك سببا لحملهم إلى المدينة ، وسنذكر ما قد روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مما يوجب أن يعشر أهل الحرب مما يدخلون به دار الإسلام من التجارات ، وما روي عن أصحابه في ذلك فيما بعد من كتابنا هذا إن شاء الله ، والله نسأله التوفيق .
206 - باب بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ قَوْلِهِ : مَا أَذِنَ اللَّهُ لشَيْءٍ مَا أَذِنَ لنَّبِيِّ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ . 1486 - حدثنا يُونُسُ قَالَ : أخبرنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : مَا يَأْذَنُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِشَيْءٍ مَا يَأْذَنُ لِنَبِيٍّ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ . فَتَأَمَّلْنَا مَعْنَى مَا أُرِيدَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، فَوَجَدْنَا الْإِذْنَ فِي هَذَا هُوَ الِاسْتِمَاعُ . وَمِنْهُ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ . أَيْ : تَسَمَّعَتْ مَا يَأْمُرُهَا رَبُّهَا عَزَّ وَجَلَّ بِهِ وَلِمَا يُحِبُّهَا مِنْهُ . فَمِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَا يَأْذَنُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِشَيْءٍ مَا يَأْذَنُ لِنَبِيٍّ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ . أَيْ : مَا يَسْتَمِعُ لِشَيْءٍ مَا يَسْتَمِعُ لِنَبِيٍّ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ مِنْ تَحْسِينِهِ بِهِ صَوْتَهُ طَلَبًا لِرِقَّةِ قَلْبِهِ بِهِ ؛ لِمَا يَرْجُو فِي ذَلِكَ مِنْ ثَوَابِ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ إيَّاهُ عَلَيْهِ ، وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
649 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله لما كان من الجذع الذي كان يخطب الناس إليه لما تحول عنه إلى المنبر الذي اتخذه ليخطب عليه . 4837 - حدثنا يونس بن عبد الأعلى حدثنا علي بن معبد حدثنا عبيد الله بن عمرو ، عن عبد الله بن محمد بن عقيل ، عن الطفيل بن أبي بن كعب . عن أبيه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي إلى جذع إذ كان المسجد عريشا وكان يخطب إلى ذلك الجذع ، فقال رجل من الأنصار : يا رسول الله هل لك أن نجعل لك منبرا تقوم عليه يوم الجمعة حتى يراك الناس وتسمعهم خطبتك ؟ قال : نعم فصنع له ثلاث درجات وهن اللاتي على المنبر فلما صنع المنبر ووضع في الموضع الذي وضعه فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم إلى المنبر مر إليه فلما جاوز الجذع الذي كان يخطب عليه جأر الجذع أو خار حتى تصدع وانشق فنزل النبي صلى الله عليه وسلم لما سمع صوت الجذع فمسحه بيده حتى سكن ورجع إلى المنبر ، وكان إذا صلى صلى إليه فلما هدم المسجد وغير أخذ ذلك الجذع أبي بن كعب فكان عنده في بيته حتى بلي وأكلته الأرضة وعاد رفاتا 4838 - حدثنا الربيع بن سليمان المرادي حدثنا أسد بن موسى ح وحدثنا محمد بن خزيمة البصري حدثنا حجاج بن منهال ، قالا : حدثنا حماد بن سلمة ، عن عمار بن أبي عمار . عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخطب إلى جذع فلما اتخذ المنبر تحول إليه فحن الجذع حتى أتاه فاحتضنه فسكن فقال : لو لم أحتضنه لحن إلى يوم القيامة . 4839 - ووجدنا الربيع المرادي قد حدثنا ، قال : حدثنا أسد ح وحدثنا محمد بن خزيمة حدثنا حجاج بن منهال ، قالا : حدثنا حماد بن سلمة ، عن ثابت . عن أنس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله . 4840 - حدثنا بكار بن قتيبة حدثنا عمر بن يونس اليمامي حدثنا عكرمة بن عمار حدثنا إسحاق بن أبي طلحة . حدثنا أنس أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقوم يوم الجمعة فيسند ظهره إلى جذع منصوب في المسجد فيخطب الناس فجاءه رومي فقال : أصنع لك شيئا تقعد عليه وكأنك قائم ؟ فصنع له منبرا له درجتان ويقعد على الثالثة ، فلما قعد رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك المنبر خار الجذع كخوار الثور حتى ارتج المسجد لخواره حزنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فالتزمه وهو يخور فلما التزمه رسول الله صلى الله عليه وسلم سكت ، ثم قال والذي نفس محمد بيده لو لم ألتزمه لم يزل هكذا إلى يوم القيامة تحزنا على رسول الله فأمر به نبي الله صلى الله عليه وسلم فدفن . 4841 - حدثنا إبراهيم بن أبي داود حدثنا سعيد بن أبي مريم حدثنا محمد بن جعفر أخبرني يحيى بن سعيد أخبرني عبد الله بن حفص بن أنس ، أنه . سمع جابر بن عبد الله يقول : كان جذع يقوم إليه النبي صلى الله عليه وسلم فلما وضع المنبر سمعنا للجذع مثل أصوات العشار حتى نزل إليه النبي صلى الله عليه وسلم ووضع يده عليه . 4842 - م - حدثنا يزيد بن سنان حدثنا ابن أبي مريم حدثنا محمد بن جعفر أخبرنا يحيى بن سعيد أخبرني عبد الله بن حفص بن أنس أنه سمع جابرا يقول ، ثم ذكر مثله . 4843 - وحدثنا حسين بن نصر ، قال : حدثنا ابن أبي مريم ، قال : أخبرنا محمد بن جعفر قال : أخبرني يحيى بن سعيد قال : أخبرني عبيد الله بن حفص بن أنس أنه سمع جابرا يقول ، ثم ذكر مثله . 4844 - وحدثنا حسين بن نصر ، قال : حدثنا ابن أبي مريم قال : أخبرني محمد بن جعفر قال : أخبرني يحيى بن سعيد قال : أخبرني عبيد الله بن حفص بن أنس أنه . سمع جابر بن عبد الله ، ثم ذكر مثله . فاتفق يزيد وحسين على اسم الرجل المذكور في هذا الحديث المردود نسبه إلى حفص بن أنس على أنه عبيد الله وخالفهما ابن أبي داود في حديثه فقال عبد الله . 4845 - حدثنا فهد بن سليمان حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب بن أبي حمزة ، عن الزهري . عن جابر بن عبد الله الأنصاري ولم يذكر بينهما أحدا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب إلى جذع قبل أن يصنع المنبر فلما صنع المنبر حن ذلك الجذع حتى سمعنا حنينه ، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضع يده عليه حتى سكن . 4846 - حدثنا محمد بن إبراهيم بن يحيى بن جناد حدثنا مسلم بن إبراهيم الأزدي حدثنا سليمان بن كثير حدثنا الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، عن جابر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله . 4847 - حدثنا يزيد بن سنان حدثنا أبو كامل الفضيل بن الحسين الجحدري أخبرنا سليمان بن كثير ، عن الزهري ، ثم ذكر بإسناده مثله . 4848 - وحدثنا مصعب بن إبراهيم بن حمزة الزبيري ، قال : حدثنا أبي إبراهيم بن حمزة ، قال : حدثنا الدراوردي ، قال : حدثنا محمد بن عبد الله بن مسلم ، عن عمه محمد بن مسلم بن شهاب ، عن من سمع جابر بن عبد الله يقول ، ثم ذكر مثله . 4849 - حدثنا يزيد بن سنان حدثنا أبو عاصم أخبرنا ابن جريج حدثنا أبو الزبير ، عن جابر بن عبد الله ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مثله . 4850 - حدثنا إبراهيم بن أبي داود حدثنا المقدمي حدثنا عمر بن علي ، عن الأعمش ، عن أبي صالح . عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب إلى خشبة عليه ظلة فقال له أصحابه : لو جعلنا لك عريشا أو شيئا نحوه فتجلس إليه تكون كأنك قائم فجعل المنبر فخطب الناس عليه فحنت الخشبة حنين الناقة الخلوج فقام النبي صلى الله عليه وسلم إليها فاحتضنها فسكتت وكانوا يقولون لو لم يحتضنها لم تسكت إلى يوم القيامة . 4851 - وحدثنا ابن أبي داود ، قال : حدثنا المقدمي حدثنا عمر بن علي ، عن الأعمش ، عن أبي إسحاق ، عن سعيد بن أبي كرب ، عن جابر بن عبد الله ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مثله . 4852 - وحدثنا ابن أبي مريم حدثنا الفريابي ، عن إسرائيل حدثنا أبو إسحاق ، عن سعيد بن أبي كرب ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما ، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله . 4853 - وحدثنا محمد بن إبراهيم بن يحيى بن جناد حدثنا محمد بن محبوب . قال أبو جعفر : وهو المعروف بالبناني وهو عند أهل الحديث مقبول الرواية وقد حدث عنه علي ابن المديني ، قال : حدثنا أبو عوانة ، عن الأعمش ، عن أبي صالح . عن جابر رضي الله عنه قال كانت خشبة في المسجد وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب إليها فقيل له لو اتخذنا لك مثل المنبر فقمت عليه ففعل فحنت الخشبة كما تحن الناقة فأتاها رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحتضنها ووضع يده عليها فسكنت . 4854 - وحدثنا يزيد بن سنان حدثنا أبو كامل حدثنا أبو عوانة ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن جابر وعن أبي إسحاق وعن كريب . قال أبو جعفر : هكذا قال وإنما هو ابن أبي كرب ، عن جابر بن عبد الله ، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله . 4855 - وحدثنا فهد بن سليمان حدثنا أبو نعيم حدثنا عبد الواحد بن أيمن قال : سمعت أبي . عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقوم يوم الجمعة إلى شجرة أو نخلة فقالت له امرأة من الأنصار أو رجل : يا رسول الله ألا نجعل لك منبرا قال : إن شئتم فجعلوا له منبرا فلما كان يوم الجمعة ذهب إلى المنبر فصاحت النخلة صياح الصبي فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فضمها إليه كانت تئن أنين الصبي الذي يسكت كانت تبكي على ما كانت تسمع من الذكر عندها . 4856 - وحدثنا يزيد بن سنان حدثنا سعيد بن أوس النحوي حدثنا الصلت بن دينار ، عن أبي نضرة . عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال كان نبي الله صلى الله عليه وسلم يخطب إلى جذع بالمدينة فتحول إلى المنبر حين صنع له فحن الجذع حنين الناقة فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الجذع فاحتضنه حتى سكن . 4857 - وحدثنا إسحاق بن إبراهيم بن يونس ، قال : حدثنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي ، قال : حدثنا المعتمر بن سليمان قال : سمعت أبي قال : سمعت أبا نضرة قال : سمعت جابر بن عبد الله قال كان نبي الله صلى الله عليه وسلم يقوم إلى جنب شجرة أو جذع أو خشبة أو شيء يخطب يتساند عليه قال : ثم اتخذ بعد ذلك منبرا فجعل يقوم عليه فحنت تلك التي كان يقوم عندها حنينا يسمعه أهل المسجد فأتاها رسول الله صلى الله عليه وسلم فإما قال مسحها وإما قال مسها أو كما قال . 4858 - وحدثنا روح بن الفرج حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير أخبرنا عبد الله بن لهيعة حدثني عمارة بن غزية أنه سمع عباس بن سهل بن سعد الساعدي يخبر . عن أبيه أنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب يقوم إلى خشبة ذات فرضتين كانت في المسجد فلما كثر الناس قيل له يا رسول الله لو كنت جعلت منبرا تشرف للناس عليه فإنهم قد كثروا قال ما أبالي وكان في المدينة نجار يقال له : ميمون قال : فبعث إلى النجار فانطلق وانطلقت معه حتى أتينا الخانقين فقطعنا منه نخلا فعمله فوالله ما هو إلا أن قعد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وتكلم وفقدته الخشبة فخارت كما يخور الثور له أنين قال فجعل العباس يمد يديه ليخفي حنين الخشبة حتى تفزع الناس وكثر البكاء مما رأوا بها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : سبحان الله ألا ترون هذه الخشبة انزعوها واجعلوها تحت المنبر في الأرض فنزعوها فدفنوها تحت المنبر . ففي هذه الآثار ما ذكر فيها مما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب إليه حين تنحى عنه إلى المنبر من الحنين إليه ومما سوى ذلك مما ذكر في هذه الآثار لما أحدثه الله فيه حتى أسمع الناس منه ما أسمعهم منه مما يكون من ذوي الأرواح من بني آدم ومما سواهم ، وفي هذه الآثار في الجذع ما ذكر فيها منه من دفنه بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن أخذ أبي إياه وأنه لم يزل عنده حتى صار رفاتا ، ومن ذكر الموضع الذي دفن فيه وأنه تحت منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس ذلك باختلاف لأنه قد يجوز أن يكون أخذ أبي إياه بعدما دفن ليكون عنده على حال أصون له من الدفن فلم يمنع من ذلك لهذا المعنى فلم يزل عنده حتى بلي وصار رفاتا ، والله أعلم بحقيقة ما كان في ذلك غير أن في هذه الآثار أن الله تعالى أحدث في ذلك الجذع ما أحدثه فيه مما وقف عليه الناس منه مما لم يكن موهوما من مثله حتى أحدثه الله عز وجل فيه وجعله علما من أعلام نبوة نبيه صلى الله عليه وسلم وفضيلته ليكون ذلك تنبيها للناس على معرفة موضعه منه جل وعز ، وكذلك ما كان منه في حراء لما تحرك وهو عليه ومن سواه من أصحابه منهم أبو بكر وعمر رضي الله عنهما ومن قوله له لما رجف بهم اسكن حراء فإنما عليك نبي أو صديق أو شهيد وسنذكر ذلك الباب ومما روي فيه بعد من كتابنا هذا إن شاء الله عز وجل فمثل ذلك ما روي في سرير سعد من اهتزازه على ما رواه من رواه فيه كذلك هو لمثل هذا المعنى والله سبحانه وتعالى أعلم .
207 - باب بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَوْلِهِ : لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ . 1487 - حدثنا بَكَّارَ بْنُ قُتَيْبَةَ قَالَ : حدثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي الْوَزِيرِ قَالَ : حدثنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ، عَنْ ابْنِ أَبِي نَهِيكٍ ، عَنْ سَعْدٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ . 1488 - حدثنا فَهْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ : حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : حدثنا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : أخبرنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَهِيكٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ . سَمِعْتُ فَهْدًا يَقُولُ : قَالَ لَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ : قَالَ لَنَا اللَّيْثُ بِالْعِرَاقِ يَعْنِي فِي هَذَا الْحَدِيثِ : عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ . 1489 - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ قَالَ : حدثنا أَبِي وَشُعَيْبُ بْنُ اللَّيْثِ قَالَا : حدثنا اللَّيْثُ ( ح ) وَحدثنا بَحْرُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : قُرِئَ عَلَى شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ : حَدَّثَنِي اللَّيْثُ ، ثُمَّ اجْتَمَعَا جَمِيعًا قَالَا : قَالَ : حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَهِيكٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَ مِثْلَهُ . 1490 - أخبرنا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ : حدثنا شُعَيْبُ بْنُ اللَّيْثِ قَالَ : حدثنا اللَّيْثُ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَهِيكٍ ، عَنْ سَعِيدٍ أَوْ سَعْدٍ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؛ مِثْلَهُ . 1491 - حدثنا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَ : حدثنا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ قَالَ : حدثنا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ، عَنْ ابْنِ أَبِي نَهِيكٍ ، عَنْ سَعْدٍ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَ مِثْلَهُ . فَتَأَمَّلْنَا مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ فَوَجَدْنَا النَّاسَ فِيهِ عَلَى قَوْلَيْنِ : فَقَوْمٌ مِنْهُمْ يَقُولُونَ : أُرِيدَ بِهِ الِاسْتِغْنَاءُ بِالْقُرْآنِ عَنْ الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ بِذَلِكَ الْجَزَاءُ الْجَزِيلُ فِي الْآخِرَةِ ، وَالْوُصُولُ بِهِ مِنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إلَى عَاجِلِ خَيْرِهِ فِي الدُّنْيَا . وَقَوْمٌ يَقُولُونَ : هُوَ عَلَى تَحْسِينِ الصَّوْتِ لِيَرِقَّ لَهُ قَلْبُ مَنْ يَقْرَؤُهُ . فَالْتَمَسْنَا الْأَوْلَى مِنْ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ بِمَعْنَاهُ 1492 - فَوَجَدْنَا بَكَّارَ بْنَ قُتَيْبَةَ قَدْ حدثنا قَالَ : حدثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي الْوَزِيرِ قَالَ : حدثنا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ الْوَرْدِ ، عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ، عَنْ ابْنِ أَبِي يَزِيدَ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : هَكَذَا قَالَ ، وَإِنَّمَا هُوَ ابْنُ أَبِي نَهِيكٍ . قَالَ : دَخَلْنَا عَلَى أَبِي لُبَابَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُنْذِرِ وَإِذَا رَجُلٌ رَثُّ الْبَيْتِ رَثُّ الْمَتَاعِ فَقَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ . فَقُلْت لِابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ : فَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ صَوْتٌ وَلَمْ يُحَسِّنْ ؟ قَالَ : يُحَسِّنُهُ مَا اسْتَطَاعَ . 1493 - وَوَجَدْنَا فَهْدًا قَدْ حدثنا قَالَ : حدثنا يَسْرَةُ بْنُ صَفْوَانَ بْنِ جَمِيلٍ اللَّخْمِيُّ قَالَ : حدثنا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ الْوَرْدِ ، عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَهِيكٍ - هَكَذَا قَالَ لَنَا : فَهْدٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ، وَإِنَّمَا هُوَ عُبَيْدُ اللَّهِ - قَالَ : دَخَلْنَا عَلَى أَبِي لُبَابَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُنْذِرِ فَدَخَلْنَا عَلَى رَجُلٍ رَثِّ الْبَيْتِ رَثِّ الْمَتَاعِ رَثِّ الْحَالِ ، فَسَأَلَنَا فَقَالَ : مَنْ أَنْتُمْ ؟ فَكُلُّنَا انْتَسَبَ لَهُ . قَالَ : مَرْحَبًا وَأَهْلًا تُجَّارٌ كَسَبَةٌ ؛ إنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ . فَقُلْت لِابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ : فَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَلْقٌ حَسَنٌ ؟ قَالَ : يُحَسِّنُهُ مَا اسْتَطَاعَ . فَكَانَ مَعْنَى مَا حَدَّثَهُمْ بِهِ أَبُو لُبَابَةَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِمَا رَأَوْهُ بِهِ مِنْ رَثَاثَةِ الْحَالِ ، وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِهِ حُسْنَ الصَّوْتِ بِالْقُرْآنِ . وَكَذَلِكَ تَأَوَّلَهُ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ عَلَيْهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ . ثُمَّ طَلَبْنَا هَذَا الْبَابَ هَلْ نَجِدُهُ مِنْ غَيْرِ هَذَا الطَّرِيقِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 1494 - فَوَجَدْنَا إبْرَاهِيمَ بْنَ مَرْزُوقٍ قَدْ حدثنا قَالَ : حدثنا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ . ثُمَّ رَجَعْنَا إلَى طَلَبِ الْأَوْلَى بِهِ مِنْ الْقَوْلَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْنَا ، فَكَانَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ ذَمًّا لِمَنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ . كَقَوْلِهِ : لَيْسَ مِنَّا مَنْ غَشَّنَا ، وَلَيْسَ مِنَّا مَنْ رَمَانَا بِاللَّيْلِ . فِي الْأَشْيَاءِ الَّتِي تُعَاضُ مَنْ كَانَتْ أَوْ تَكُونُ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِمَّا نَحْنُ ذَاكِرُوهَا فِيمَا بَعْدُ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ عَلَى الذَّمِّ لِمَنْ كَانَ كَذَلِكَ وَعَلَى الْمَعْنَى لَهُ مِنْهُ . وَوَجَدْنَا مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ بِغَيْرِ تَحْسِينٍ مِنْهُ لَهُ صَوْتَهُ مُرِيدًا بِقِرَاءَتِهِ إيَّاهُ الْأَحْوَالَ الْمَحْمُودَةَ مُثَابًا عَلَى ذَلِكَ غَيْرَ مَذْمُومٍ عَلَيْهِ ، فَعَقَلْنَا بِذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَوْلِهِ : مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ - هَذَا الْمَعْنَى . وَلَمَّا انْتَفَى ذَلِكَ الْمَعْنَى عَنْهُ ، وَلَمْ يُقَلْ فِي تَأْوِيلِهِ غَيْرُ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ ، وَانْتَفَى أَحَدُهُمَا - ثَبَتَ الْآخَرُ مِنْهُمَا وَهُوَ الِاسْتِغْنَاءُ بِهِ عَنْ سَائِرِ الْأَشْيَاءِ سِوَاهُ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِمُرَادِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِذَلِكَ الْقَوْلِ ، وَإِيَّاهُ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
856- باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الفأرة تموت في سمن ، من حل الانتفاع به . 6305 - حدثنا فهد بن سليمان ، قال : حدثنا الحسن بن الربيع ، قال : حدثنا عبد الواحد بن زياد ، عن معمر ، عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : أنه سئل عن فأرة وقعت في سمن ، قال : إن كان جامدا فخذوها وما حولها فألقوه ، وإن كان ذائبا أو مائعا فاستصبحوا به ، أو فاستنفعوا به . فكان في هذا الحديث إباحة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الاستصباح أو الاستنفاع بالسمن النجس ، ولا نعلم أحدا ممن يحتج بروايته روى في هذا المعنى حديثا بين فيه هذا المعنى كما بينه معمر في حديثه هذا . فقال قائل : فإن محمد بن دينار الطاحي قد روى هذا الحديث عن معمر بغير هذه الألفاظ ، فذكر . 6306 - ما قد حدثنا محمد بن خزيمة ، قال : حدثنا مسلم بن إبراهيم الأزدي ، قال : حدثنا محمد بن دينار الطاحي ، قال : حدثنا معمر ، عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الفأرة تقع في السمن ، قال : إن كان مائعا أهريق ، وإذا كان جامدا أخذت وما حولها وأكل الآخر . فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله - عز وجل وعونه- : أن كل واحد من عبد الواحد بن زياد ، ومن محمد بن دينار لو تفرد بحديث لكان مقبولا منه ، ومن كان كذلك ، فانفرد بزيادة في حديث ، كانت تلك الزيادة مقبولة منه . قال : فقد روى هذا الحديث عن الزهري غير معمر ، وهو ابن عيينة ، ومالك فخالفا معمرا في إسناده ، وفي متنه فذكر . 6307 - ما قد حدثنا يونس ، قال : حدثنا سفيان ، عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله ، عن ابن عباس ، عن ميمونة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - قالت : سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن فأرة وقعت في سمن ، فماتت ، فقال : ألقوها وما حولها وكلوه . 6308 - وما قد حدثنا يونس ، قال : أخبرناه ابن وهب ، عن مالك ، عن ابن شهاب ، عن عبيد الله بن عبد الله ، عن ميمونة ، ولم يذكر ابن عباس في حديثه . 6309 - وما قد حدثنا إبراهيم بن أبي داود ، قال : حدثنا عبد الله بن محمد بن أسماء ، قال : حدثنا جويرية بن أسماء ، عن مالك ، عن الزهري : أن عبيد الله بن عبد الله أخبره : أن ابن عباس أخبره : أن ميمونة سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت : يا رسول الله ، فأرة وقعت في سمن فماتت ، فقال : خذوها ، وما حولها من السمن فاطرحوه 6310 - وما قد حدثنا ابن أبي داود ، قال : حدثنا سعيد بن أبي مريم ، قال : أخبرنا مالك وابن عيينة ، عن الزهري ، عن عبيد الله ، عن ابن عباس ، عن ميمونة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثله . فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله - عز وجل وعونه -: أنه قد يحتمل أن يكون كان عند الزهري في هذا الباب عن سعيد بن المسيب ما رواه عنه معمر ، وعن عبيد الله ما رواه عنه ابن عيينة ومالك ، فلا نجعل إحدى الروايتين دافعة للأخرى ، ولكن نصححهما جميعا ، ونعمل بما فيهما . فقال هذا القائل : فقد وجدناكم تروون عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المنع مما أطلقه هذا الحديث الذي رويتموه عن معمر من إباحته الاستصباح بما أباح الاستصباح به فيه . 6311 - كما حدثنا الربيع بن سليمان المرادي ، قال : حدثنا شعيب بن الليث وكما حدثنا يزيد بن سنان ، قال : حدثنا أبو الوليد الطيالسي ، قالا : حدثنا الليث بن سعد ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن عطاء بن أبي رباح : أنه سمع جابر بن عبد الله ، يقول : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قام عام الفتح ، فقال : إن الله - عز وجل - قد حرم بيع الخمر والأصنام والميتة والخنزير . فقال له بعض المسلمين : كيف ترى في شحوم الميتة تدهن به السفن والجلود ، ويستصبح به الناس ؟ فقال : هو حرام ، قاتل الله اليهود ، لما حرم عليهم الشحوم جملوها فباعوه ، فأكلوا ثمنه . قال : ففي هذا الحديث منع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الاستصباح بشحوم الميتة ، ولا فرق بين شحوم الميتة ، وبين السمن الذي قد خالطته الميتة . فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله - عز وجل وعونه - : أن الذي في الفصل الأول من هذا الباب من حديث معمر ، والذي في هذا الفصل الثاني منه من حديث جابر ، مختلفان ؛ لأن حديث جابر في شحوم الميتة التي هي في نفسها حرام ، وشحومها كذلك ، ولا يحل الانتفاع بالحرام ، والذي في حديث معمر الذي في الفصل الأول من هذا الباب إنما هو الانتفاع بالسمن النجس ؛ لأن الأشياء النجسة يحل الانتفاع بها من الثياب النجسة التي لا تمنع نجاستها من لبسها ومن النوم فيها إذا كانت يابسة لا يصيب الأبدان منها شيء ، فكذلك يجوز الانتفاع بالسمن النجس ، إذ كان ليس بميتة في نفسه ، وإن كان الذي نجسه هو الميتة حتى يصح الحديثان اللذان رويناهما عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذين المعنيين ، ولا يتضادان . وقد روي هذا المعنى في السمن النجس عن غير واحد من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم 6312 - كما حدثنا محمد بن حميد بن هشام الرعيني ، قال : حدثنا علي بن معبد ، قال : حدثنا موسى بن أعين ، عن عطاء -يعني ابن السائب - عن ميسرة وزاذان ، عن علي - عليه السلام قال : إذا سقطت الفأرة في السمن وهو جامد ، فاطرحها وما حولها من السمن ، ثم كله ، وإن كان السمن ذائبا ، فخذها فألقها ، واستنفع به للسراج ، ولا تأكله . 6313 - وكما حدثنا إبراهيم بن أبي داود ، قال : حدثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني ، قال : حدثنا قيس بن الربيع ، عن أبي حصين ، عن يحيى بن وثاب ، عن مسروق ، عن عبد الله في فأرة وقعت في سمن ، قال : إن كان جامدا ، ألقي وما حوله ، وإن كان ذائبا ، استصبح به . 6314 - وكما حدثنا يحيى بن عثمان ، قال : حدثنا نعيم بن حماد ، قال : حدثنا ابن المبارك ، قال : أخبرنا سفيان ، عن أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر في الفأرة تموت في الدهن : أنه كان يرخص فيه للمصباح . 6315 - وكما حدثنا يحيى ، قال : حدثنا نعيم ، قال : حدثنا ابن المبارك ، قال : أخبرنا سعيد بن أبي عروبة ، عن علي بن ثابت ، عن نافع عن ابن عمر في فأرة ماتت في زيت ، فأمرهم أن يستصبحوا به ويعطوه الدباغة . 6316 - وكما حدثنا عبيد بن رجال ، قال : حدثنا أحمد بن صالح ، قال : حدثنا ابن وهب ، قال : أخبرنا أسامة ، عن نافع ، عن صفية وكما حدثنا عبيد ، قال : حدثنا عبد الملك بن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة ، قال : حدثنا سفيان بن عيينة ، عن أيوب بن موسى ، عن نافع ، عن صفية : أن فأرة وقعت في أمراق لآل عبد الله ، فقال عبد الله : استصبحوا به وادهنوا به الأدم . 6317 - وكما حدثنا عبيد ، قال : حدثنا إبراهيم بن محمد الشافعي ، قال : حدثنا الحارث بن عمير ، عن أيوب ، عن نافع : أن ابن عمر أمرهم أن يستصبحوا به ، ويدهنوا به الجلود -يعني في فأرة وقعت في سمن 6318 - وكما حدثنا عبيد ، قال : حدثنا إبراهيم بن محمد ، قال : حدثنا الحارث بن عمير ، عن أيوب ، عن ابن سيرين : أنهم أتوا سويقا ، فوجدوا فيه وزغة ميتة ، فقال أبو موسى : لا تأكلوا وبيعوا ، ولا تبيعوه من المسلمين ، وبينوا لمن تبيعونه منه . وكان في حديث أبي موسى هذا إطلاق بيعه ، فقال قائل : أفتجيزون بيعه ؟ فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله - عز وجل وعونه - : أنه لما جاز الانتفاع به مع نجاسته كجواز الانتفاع بالثياب مع نجاستها ، وكان بيع الثياب التي هي كذلك جائزا ، كان بيع السمن الذي هو أيضا كذلك جائزا . فإن قال : إن الثياب قد يجوز أن تغسل فتعود طاهرة ، والسمن لا يعود طاهرا أبدا . قيل له : إن الثياب ، وإن كانت كما ذكرت ، فإنها قبل أن تعود إلى ما وصفت كالسمن الذي ذكرنا في نجاسته ، وقد وجدنا الدور التي لا تخلو من المخارج التي قد نجست مواضعها بما صار إليها مما بنيت من أجله مما لا يستطاع تطهيرها ، ولم يكن ذلك بمانع من بيعها ، فالسمن الذي ذكرنا كهي فيما وصفنا ، وقد قال بجواز بيعه من أئمة أهل العلم القاسم بن محمد وسالم بن عبد الله بن عمر . 6319 - كما حدثنا روح بن الفرج ، قال : حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير ، قال : حدثني الليث بن سعد ، عن طلحة بن أبي سعيد ، عن خالد بن أبي عمران ، عن القاسم وسالم : أنه سألهما عن الزيت تموت فيه الفأرة ، هل يصلح أن يؤكل منه ؟ فقالا : لا . فقلنا : نبيعه ؟! فقالا : نعم . ثم كلوا ثمنه ، وبينوا لمن تبيعونه ما وقع فيه . وبهذا القول كان أبو حنيفة - رضي الله عنه - وأصحابه يقولون في هذا المعنى ، وبه نأخذ ، والله ، عز وجل نسأله التوفيق . باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الفأرة تموت في سمن ، من حل الانتفاع به
208 - باب بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَوْلِهِ : مَنْ انْتَهَبَ فَلَيْسَ مِنَّا . 1495 - حدثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ قَالَ : حدثنا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ قَالَ : حدثنا أَبِي قَالَ : سَمِعْت يَعْلَى بْنَ حَكِيمٍ يُحَدِّثُ ، عَنْ أَبِي لَبِيدٍ قَالَ : شَهِدْت كَابُلَ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ ، فَأَصَابَ النَّاسُ غَنَمًا ، فَانْتَهَبُوهَا فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ : مَنْ انْتَهَبَ مِنْ هَذَا الْغَنَمِ شَيْئًا فَلْيَرُدَّهُ ؛ فَإِنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : مَنْ انْتَهَبَ فَلَيْسَ مِنَّا . 1496 - حدثنا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْأَزْدِيُّ قَالَ : حدثنا يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي عَبَّادٍ قَالَ : حدثنا أَبُو عُمَيْرٍ الْحَارِثُ بْنُ عُمَيْرٍ ، عَنْ حُمَيْدٍ ، عَنْ الْحَسَنِ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الحُصَيْنٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَنْ انْتَهَبَ فَلَيْسَ مِنَّا . 1497 - حدثنا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَ : حدثنا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ قَالَ : حدثنا زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ : حدثنا أَبُو الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ انْتَهَبَ نُهْبَةً فَلَيْسَ مِنَّا . 1498 - حدثنا يَزِيدُ قَالَ : حدثنا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : أخبرنا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ : قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ قَالَ : جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ انْتَهَبَ نُهْبَةً مَشْهُورَةً فَلَيْسَ مِنَّا . 1499 - وَحدثنا فَهْدٌ قَالَ : حدثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ قَالَ : حدثنا زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ : حدثنا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ ، عَنْ الْحَسَنِ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ انْتَهَبَ فَلَيْسَ مِنَّا . 1500 - وَحدثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُد وَعَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمُغِيرَةَ قَالَا : حدثنا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ قَالَ : حدثنا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيّ ، عَنْ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ وَحُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ النُّهْبَةِ ، وَقَالَ : مَنْ انْتَهَبَ فَلَيْسَ مِنَّا . 1501 - حدثنا فَهْدٌ قَالَ : حدثنا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ : حدثنا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيّ ، عَنْ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنْ أَنَسٍ ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؛ مِثْلَهُ ، وَلَمْ يَذْكُرْ حُمَيْدًا . 1502 - حدثنا فَهْدٌ قَالَ : حدثنا أَبُو غَسَّانَ قَالَ : حدثنا زُهَيْرٌ قَالَ : حدثنا سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ : أنبأنِي ثَعْلَبَةُ بْنُ الْحَكَمِ أَخُو بَنِي لَيْثٍ أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرَّ بِقُدُورٍ فِيهَا لَحْمُ غَنَمٍ انْتَهَبُوهَا ، فَأَمَرَ بِهَا فَأُكْفِئَتْ ، وَقَالَ : إنَّ النُّهْبَةَ لَا تَحِلُّ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ مَا فِي هَذِهِ الْآثَارِ عَلَى كُلِّ نُهْبَةٍ ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ عَلَى خَاصٍّ مِنْهَا فَتَأَمَّلْنَا ذَلِكَ . 1503 - فَوَجَدْنَا بَكَّارَ بْنَ قُتَيْبَةَ وَإِبْرَاهِيمَ بْنَ مَرْزُوقٍ قَدْ حَدَّثَانَا قَالَا : حدثنا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حدثنا ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ ، عَنْ رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ لُحَيٍّ -قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : عَبْدُ اللَّهِ بْنُ لُحَيٍّ هُوَ أَبُو عَامِرٍ الْهَوْزَنِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُرْطٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَحَبُّ الْأَيَّامِ إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمُ النَّحْرِ ، ثُمَّ يَوْمُ الْقَرِّ . فَقَرَّبْتُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَدَنَاتٍ خَمْسًا أَوْ سِتًّا فَطَفِقْنَ يَزْدَلِفْنَ إلَيْهِ بِأَيَّتِهَا يَبْدَأُ ، فَلَمَّا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا قَالَ كَلِمَةً خَفِيَّةً لَمْ أَفْقَهَّها . فَقُلْت لِلَّذِي كَانَ إلَى جَنْبِي : مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؟ قَالَ : قَالَ : مَنْ شَاءَ اقْتَطَعَ . 1504 - حدثنا الْمُزَنِيّ قَالَ : حدثنا الشَّافِعِيُّ ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ نَاجِيَةَ صَاحِبِ بُدْنِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، كَيْفَ أَصْنَعُ بِمَا عُدِمَ مِنْ الْبُدْنِ ؟ قَالَ : انْحَرْهُ ، ثُمَّ اغْمِسْ قِلَادَتَهُ فِي دَمِهِ ، ثُمَّ اضْرِبْ بِهَا صَفِيحَتَهُ - هَكَذَا قَالَ ، وَإِنَّمَا هِيَ صَفْحَتُهُ - ثُمَّ خَلِّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ . 1505 - حدثنا الْمُزَنِيّ قَالَ : حدثنا الشَّافِعِيُّ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ نَاجِيَةَ أَنَّ صَاحِبَ هَدْيِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، كَيْفَ أَصْنَعُ بِمَا عَطِبَ مِنْ الْهَدْيِ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : انْحَرْهَا ، ثُمَّ أَلْقِ قَلَائِدَهَا فِي دَمِهَا ، ثُمَّ خَلِّ بَيْنَ النَّاسِ وَبَيْنَهَا يَأْكُلُونَهَا . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَكَانَ فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ إبَاحَةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلنَّاسِ الَّذِينَ يَحِلُّ لَهُمْ ذَلِكَ الْهَدْيُ أَخْذَ مَا يَجُوزُ لَهُمْ أَخْذُهُ مِنْ ذَلِكَ الْهَدْيِ بِغَيْرِ قَصْدٍ مِنْهُ إلَى نَاسٍ بِأَعْيَانِهِمْ ، وَبِغَيْرِ قَصْدٍ مِنْهُ إلَى مِقْدَارٍ مِنْ الْهَدْيِ لِمَنْ يَأْخُذُهُ مِنْهُمْ . فَعَقَلْنَا بِذَلِكَ أَنَّ النُّهْبَةَ الَّتِي نَهَى عَنْهَا فِي الْآثَارِ الْأُوَلِ وَنَفَى مَنْ فَعَلَهَا أَنْ يَكُونَ مِنْهُ هِيَ خِلَافُ هَذِهِ النُّهْبَةِ ، وَأَنَّهَا نُهْبَةُ مَا لَمْ يُؤْذَنْ فِي نُهْبَتِهِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِمُرَادِ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ فِي ذَلِكَ ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ .
648 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في اهتزاز العرش لموت سعد بن معاذ . 4824 - حدثنا إبراهيم بن مرزوق حدثنا يحيى بن حماد حدثنا أبو عوانة ، عن سليمان يعني الأعمش ، عن أبي سفيان . عن جابر بن عبد الله ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال اهتز العرش لموت سعد بن معاذ . 4825 - حدثنا محمد بن علي بن أبي داود البغدادي حدثنا إسماعيل بن أبي مسعود حدثنا عبد الله بن إدريس ، عن الأعمش ، عن أبي سفيان وعن عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مثله . 4826 - وحدثنا محمد بن علي حدثنا هوذة بن خليفة حدثنا عوف ، عن أبي نضرة . عن أبي سعيد ، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله . 4827 - وحدثنا علي بن معبد حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد ، عن إسحاق بن راشد ، عن امرأة من الأنصار يقال لها أسماء بنت يزيد بن السكن قال : لما أخرجت جنازة سعد بن معاذ بكت أمه ، وصاحت فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألا يرقأ دمعك ويذهب حزنك فإن ولدك أول من ضحك الله عز وجل له واهتز له العرش . قال أبو جعفر : ففي هذه الآثار إعلام رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس باهتزاز العرش لموت سعد بن معاذ ، وليس فيها تبيانه لهم ذلك العرش أي العروش هو ، فنظرنا في ذلك . 4828 - فوجدنا محمد بن علي بن داود قد حدثنا ، قال : حدثنا أبو غسان مالك بن إسماعيل النهدي حدثنا عبد السلام بن حرب حدثنا عطاء بن السائب ، عن مجاهد . عن ابن عمر رضي الله عنه ولم يذكر فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : اهتز العرش لحب لقاء الله سعدا ، قال : ثم قالوا : وما العرش ؟ قال سبحان الله لقد تفسخت أعواده أو عوارضه وإنه على رقابنا وأكتافنا ، وكان آخر من خرج من قبره النبي صلى الله عليه وسلم قال إن سعدا ضغط في قبره ضغطة فسألت الله تعالى أن يخفف عنه وقرأ : وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ ، قال : السرير 4829 - ووجدنا فهد بن سليمان قد حدثنا ، قال : حدثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني حدثنا عبد السلام وابن فضيل ، عن عطاء بن السائب ، عن مجاهد . عن ابن عمر رضي الله عنهما ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال اهتز العرش لحب لقاء الله سعدا ، ثم ذكر بقية الحديث كما حدثنا محمد بن علي بن داود . قال أبو جعفر : فكان في هذا الحديث أن ذلك العرش هو السرير الذي حمل عليه سعد رضي الله عنه . 4830 - ووجدنا بكار بن قتيبة قد حدثنا ، قال : حدثنا أبو عمر الضرير أخبرنا حماد بن سلمة ، عن محمد بن عمرو بن علقمة ، عن أبيه . عن جده ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قدم من سفر فنزل ذا الحليفة خرج الصبيان فيخبرونهم عن أهليهم ، وأخبر أسيد بن حضير بموت امرأته فبكى فقيل له أتبكي فقال : وما لي لا أبكي وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن العرش اهتزت أعواده لموت سعد بن معاذ قالت عائشة : ولما مات سعد بكى أبو بكر وعمر رضي الله عنهما حتى عرفت بكاء أبي بكر من بكاء عمر وبكاء عمر من بكاء أبي بكر . قال أبو جعفر : فكان في هذين الحديثين أن العرش المراد في الأحاديث الأول هو السرير الذي حمل عليه سعد بن معاذ ، فنظرنا في ذلك وهل خولف من قال ذلك فيما قاله منه أم لا . 4831 - فوجدنا محمد بن خزيمة وفهد بن سليمان جميعا قد حدثانا ، قالا : حدثنا عبد الله بن صالح حدثني الليث بن سعد حدثني ابن الهاد ، عن معاذ بن رفاعة . عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال جاء جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : من هذا العبد الصالح الذي مات فتحت له أبواب السماء وتحرك له العرش ؟ قال : فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا سعد بن معاذ فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على قبره وهو يدفن ، فبينما هو جالس إذ قال سبحان الله مرتين فسبح القوم ، ثم قال : الله أكبر الله أكبر فكبر القوم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لهذا العبد الصالح شدد الله عليه في قبره حتى كان هذا حين فرج عنه . قال أبو جعفر : فكان في هذا الحديث ما قد دل على أن العرش المذكور في الأحاديث الأول ليس هو السرير الذي حمل عليه سعد ؛ لأن في هذا الحديث سؤال جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العبد الصالح الذي مات ففتحت له أبواب السماء وتحرك له العرش ، وخروج رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك ليعلم من هو حتى علم أنه سعد بن معاذ فكان في ذلك ما قد دل على أن العرش المذكور في الأحاديث الأول هو غير السرير الذي حمل عليه سعد إذ كان سعد رضي الله عنه لم يكن حمل على السرير الذي حمل عليه إلى قبره إلى ذلك الوقت ، وإنما حمل عليه بعد ذلك . 4832 - ووجدنا أبا أمية قد حدثنا ، قال : حدثنا يعقوب بن محمد بن عيسى الزهري ، قال : حدثنا صالح بن محمد بن صالح التمار ومعن بن عيسى وعبد العزيز بن عمران ، عن محمد بن صالح ، عن سعد بن إبراهيم ، عن عامر بن سعد . عن أبيه أن عمر قال لأم سعد بن معاذ وهي تبكي عليه انظري ما تقولين يا أم سعد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : دعها يا عمر كل نائحة مكذبة إلا أم سعد ، ما قالت من خير فلن تكذب ، ثم احتمل فوضع في قبره ، فتغير لون النبي صلى الله عليه وسلم فقال المسلمون : يا رسول الله إن كنت لتقطعنا يعنون في السرعة قال خشيت أن تسبقنا الملائكة إلى غسله كما سبقتنا إلى غسل حنظلة بن أبي عامر ، قالوا يا رسول الله رأينا لونك قد تغير حين قعدت على القبر قال ضم سعد في القبر ضمة ولو أعفي منها أحد أعفي منها سعد ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم نزل الأرض سبعون ألف ملك لشهود سعد ما نزلوها قط واستبشر به جميع أهل السماء واهتز له العرش ، قال صالح يعني ابن محمد قال أبي قال رجل لسعد بن إبراهيم إن العرش تدعوه العرب السرير وإنما يعني سرير سعد بن معاذ فقال سعد : ما بلغ سرير سعد بن معاذ أن يذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال أبو جعفر : فكان في هذا الحديث إخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد دفنه سعدا باهتزاز العرش له فاحتمل أن يكون ذلك العرش هو العرش الذي قاله ابن عمر وأسيد بن الحضير واحتمل أن يكون هو خلافه . فقال قائل كيف يكون كما قاله ابن عمر وأسيد بن حضير وإنما ذلك إخبار عن سرير لا نفس له ولا يكون من مثله الاهتزاز الذي ذكراه عنه . فكان جوابنا له في ذلك أن السرير إن كان كما قال ابن عمر وأسيد فإنه يحتمل أن يكون عز وجل فهمه بعد أن حمل عليه سعد مكانه من الله عز وجل ومنزلته منه فصار من أهل العلم والمعرفة بذلك فاهتز له كما ذكر ابن عمر وأسيد من اهتزازه كما ألهم الله عز وجل الخشبة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب الناس عليها قبل أن يتخذ المنبر فلما اتخذ المنبر وتحول إليه عنها كان منها الحنين المروي في ذلك كما سنذكره فيما بعد من كتابنا هذا إن شاء الله عز وجل ، وكان ذلك علما عظيما من أعلام النبوة وفضلا جليلا فضل الله به رسوله وشرفا كبيرا شرفه به وألهمه من ألهمه من جلالة موضعه منه ما ألهمه إياه مما ذكر في هذا الحديث ، وقد روي أن العرش الذي كان اهتز لموت سعد بن معاذ كان غير السرير الذي حمل عليه وأنه كان عرش الرحمن عز وجل . 4833 - كما حدثنا إبراهيم بن مرزوق حدثنا أبو الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي حدثنا يوسف بن الماجشون قال : سمعت أبي أو حدثني أبي ، عن عاصم بن عمر بن قتادة ، عن جدته رميثة ح . 4834 - وكما حدثنا إبراهيم بن أبي داود ، قال : حدثنا عبد العزيز بن عبد الله الأويسي ، قال : حدثنا يوسف بن الماجشون ، عن أبيه ، عن عاصم بن عمر بن قتادة . عن جدته رميثة قالت : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم ولو أشاء أن أقبل الخاتم الذي بين كتفيه من قربي لفعلت وهو يقول حين مات سعد بن معاذ : لقد اهتز له عرش الرحمن عز وجل . قال أبو جعفر : فكان في هذا الحديث إعلام رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس أن العرش المروي في اهتزازه لموت سعد هو عرش الرحمن عز وجل ووجدنا الأوس لما فاخرت الخزرج فاخرتهم بذلك وذكرت في مفاخرتها إياهم أن العرش الذي اهتز لموت صاحبهم هو عرش الرحمن عز وجل . 4835 - كما حدثنا عبد العزيز بن الحسن بن زبالة المديني حدثنا يحيى بن معين حدثنا عبد الوهاب بن عطاء ، عن سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة . عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال افتخر الحيان الأوس والخررج فقالت الأولى : منا غسيل الملائكة حنظلة بن الراهب ومنا من اهتز له عرش الرحمن ومنا من حمته الدبر عاصم بن ثابت بن الأقلح ومنا من أجيزت شهادته بشهادة رجلين وقال الخزرجيون منا أربعة جمعوا القرآن ولم يجمعه أحد غيرهم أبي بن كعب ومعاذ بن جبل وأبو زيد وزيد بن ثابت . قال أبو جعفر : وقد يحتمل أن يكون العرشان جميعا المذكوران في هذا الحديث وفي حديثي ابن عمر وأسيد بن حضير قد كان ذلك منهما جميعا والله أعلم ، غير أنا نصدق بما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك ونؤمن به وقد كان أهل اللغة يذهبون إلى أن الاهتزاز هو الارتياح والسرور كما يقال فلان إذا سئل اهتز أي استشرف لذلك وسر به فيكون الله تعالى ألهم العرشين موضع سعد منه فكان منهما ما كان مما ذكر في هذه الأحاديث غير أن بعضهم ذهب إلى أن ذلك الاهتزاز المضاف إلى العرش إنما كان من الملائكة الذين يحملونه ويحفون به وأضيف ذلك إلى العرش وإن كانوا هم المرادين به ويجعلون ذلك كمثل قوله عز وجل فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ ، يعني ما بكى عليهم أهل السماء ولا أهل الأرض وكما قال فيما حكى لنا عمن حكى من عباده قوله : وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا ، وكما قال النبي عليه السلام في أحد هذا جبل يحبنا ونحبه . 4836 - كما حدثنا يونس أخبرنا ابن وهب أن مالكا أخبره ، عن عمرو مولى المطلب . عن أنس بن مالك ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك بمعنى يحبنا أهله يعني الأنصار ونحبهم ، والله أعلم ما أراد رسوله بما كان قاله من ذلك مما قد حكيناه في هذا الباب ومن ما سواه من ما قصر علمنا عنه ، وبالله التوفيق .
209 - باب بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَقِيَّةِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي مَنْ كَانَتْ مِنْهُ أن يَكُونُ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 1506 - حدثنا يُونُسُ قَالَ : حدثنا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي يُونُسُ وَمَالِكٌ وَأُسَامَةُ أَنَّ نَافِعًا أَخْبَرَهُمْ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ فَلَيْسَ مِنَّا . 1507 - حدثنا عُبَيْدُ بْنُ رِجَالٍ قَالَ : حدثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ قَالَ : حدثنا مَعْنُ بْنُ عِيسَى قَالَ : حدثنا مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ . وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؛ مِثْلَهُ . 1508 - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَعْيَنَ قَالَ : حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ : حدثنا يَحْيَى الْقَطَّانُ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ : أَخْبَرَنِي نَافِعٌ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؛ مِثْلَهُ . 1509 - حدثنا أَحْمَدُ ، قَالَ : حدثنا فَهْدٌ قَالَ : حدثنا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حدثنا أَبُو أُسَامَةَ وَيَحْيَى بْنُ بُرَيْدٍ الْأَشْعَرِيُّ ، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ ، عَنْ أَبِي مُوسَى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؛ مِثْلَهُ . قَالَ : فَنَفَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَكُونَ مِنْهُ مَنْ كَانَ مِنْهُ هَذَا الْمَعْنَى 1510 - حدثنا يُوسُفُ بْنُ يَزِيدَ قَالَ : حدثنا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ : حدثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي ثَوْرُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ رَمَانَا بِاللَّيْلِ فَلَيْسَ مِنَّا . 1511 - حدثنا عَلِيُّ بْنُ شَيْبَةَ قَالَ : حدثنا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِئ قَالَ : حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ : حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ رَمَانَا بِاللَّيْلِ فَلَيْسَ مِنَّا . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَنَفَى بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ كَانَ مِنْهُ وَاحِدٌ مِنْ هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ 1512 - حدثنا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ جميعا قَالَا : حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ : حَدَّثَنِا مَالِكٌ بْنُ الْخَيْرِ الزِّبادِيُّ ، عَنْ أَبِي قَبِيلٍ ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يُجِلَّ كَبِيرَنَا وَيَرْحَمْ صَغِيرَنَا ، وَيَعْرِفْ لِعَالِمِنَا . فَدَخَلَ مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ فِي مَعْنَى مَا رَوَيْنَاهُ قَبْلَهُ 1513 - حدثنا الْمُزَنِيّ قَالَ : حدثنا الشَّافِعِيُّ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرَّ بِرَجُلٍ يَبِيعُ طَعَامًا ، فَأَعْجَبَهُ ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهِ ، فَإِذَا هُوَ بِطَعَامٍ مَبْلُولٍ . فَقَالَ : لَيْسَ مِنَّا مَنْ غَشَّنَا . 1514 - حدثنا يُونُسُ قَالَ : حدثنا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : حَدَّثَنِي حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ أَنَّ الْعَلَاءَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرَّ بِصُبْرٍ مِنْ طَعَامٍ يُبَاعُ فِي السُّوقِ ، فَكَانَ فِي أَسْفَلِهِ بَلَلٌ ، فَقَالَ : مَا هَذَا ؟ فَقَالُوا : أَصَابَهُ الْمَاءُ . فَقَالَ : أَفَلَا أَظْهَرْتُمُوهُ لِلنَّاسِ ؟ مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي . 1515 - حدثنا فَهْدٌ قَالَ : حدثنا الْقَعْنَبِيُّ قَالَ : حدثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَدَخَلَ مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ فِي مَعْنَى مَا رَوَيْنَاهُ قَبْلَهُ . 1516 - حدثنا ابْنُ أَبِي دَاوُد قَالَ : حدثنا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ : حدثنا شُعْبَةُ ، عَنْ عَوْفٍ ، عَنْ خَالِدٍ الْأَحْدَبِ ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ قَالَ : أُغْمِيَ عَلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ فَبَكَوْا عَلَيْهِ فَقَالَ : إنِّي أَبْرَأُ إلَيْكُمْ مِمَّا بَرِئَ إلَيْنَا مِنْهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَيْسَ مِنَّا مَنْ حَلَقَ وَلَا خَرَقَ وَلَا سَلَقَ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ : سَلَقَ - تَكَلَّمَ بِمَا لَا يَحِلُّ لَهُ الْكَلَامُ بِهِ ، وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ تعالى : سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ 1517 - حدثنا أَبُو أُمَيَّةَ قَالَ : حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ قَالَ : حدثنا شُعْبَةُ ، عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ عِيَاضٍ الْأَشْعَرِيِّ قَالَ : لَمَّا أُغْمِيَ عَلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ بَكَي عَلَيْهِ ، فَرَفَعَ عَنْهُ الثَّوْبَ وَقَالَ : أَمَا سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : لَيْسَ مِنِّي مَنْ حَلَقَ وَلَا خَرَقَ وَلَا سَلَقَ ؟ . 1518 - حدثنا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ الرَّقِّيُّ قَالَ : حدثنا الْفِرْيَابِيُّ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ زُبَيْدٍ ، عَنْ إبْرَاهِيمَ ، عَنْ مَسْرُوقٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ وَشَقَّ الْجُيُوبَ ، وَدَعَا بِدُعَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ . 1519 - حدثنا أَحْمَدُ بْنُ دَاوُد قَالَ : حدثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ صَالِحٍ الْأَزْدِيُّ قَالَ : حدثنا عُبَيْدَةُ بْنُ حُمَيْدٍ النَّحْوِيُّ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ إبْرَاهِيمَ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَوْسٍ ، عَنْ أُمِّ عَبْدِ اللَّهِ امْرَأَةِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَيْسَ مِنَّا مَنْ حَلَقَ وَلَا خَرَقَ وَلَا سَلَقَ . 1520 - حدثنا بَكَّارَ بْنُ قُتَيْبَةَ قَالَ : حدثنا يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ قَالَ : حدثنا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ سُلَيْمَانَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ مَسْرُوقٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ ، وَشَقَّ الْجُيُوبَ ، وَدَعَا بِدَعْوَى أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ . 1521 - حدثنا فَهْدٌ قَالَ : حدثنا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ قَالَ : حدثنا أَبِي ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، ثُمَّ ذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ ، فَدَخَلَ مَا فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ فِي مَعْنَى مَا رَوَيْنَاهُ قَبْلَهُ . 1522 - حدثنا بَكَّارَ قَالَ : حدثنا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ ابْنِ عَجْلَانَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْحَيَّاتِ : مَا سَالَمْنَاهُنَّ مُنْذُ حَارَبْنَاهُنَّ ، فَمَنْ تَرَكَهُنَّ خِيفَتَهُنَّ فَلَيْسَ مِنَّا . 1523 - حدثنا بَكَّارَ قَالَ : حدثنا أَبُو دَاوُد ، حدثنا زَائِدَةُ بْنُ قُدَامَةَ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ مَسْرُوقٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَ مِثْلَهُ . 1524 - حدثنا فَهْدٌ قَالَ : حدثنا فَرْوَةُ بْنُ أَبِي الْمَغْرَاءِ قَالَ : حدثنا الْقَاسِمُ بْنُ مَالِكٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْحَكَمِ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ خَشِيَ ثَأْرَهُنَّ فَلَيْسَ مِنَّا . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَدَخَلَ مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ فِي مَعْنَى مَا قَدْ ذَكَرْنَاهُ قَبْلَهُ . 1525 - حدثنا أَبُو أُمَيَّةَ قَالَ : حدثنا سُرَيْجُ بْنُ النُّعْمَانِ الْجَوْهَرِيُّ قَالَ : حدثنا هُشَيْمٌ قَالَ : أخبرنا حُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَمُغِيرَةُ الضَّبِّيُّ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ : قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَتَصُومُ النَّهَارَ ؟ قَالَ : قُلْت : نَعَمْ . وَتَقُومُ اللَّيْلَ ؟ قَالَ : قُلْت : نَعَمْ . قَالَ : لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ ، وَأَنَامُ ، وَأَمَسُّ النِّسَاءَ ؛ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَدَخَلَ مَعْنَى مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ فِي مَعَانِي مَا رَوَيْنَاهُ قَبْلَهُ . 1526 - حدثنا فَهْدٌ قَالَ : حدثنا أَبُو غَسَّانَ قَالَ : حدثنا زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ : حدثنا الْوَلِيدُ بْنُ ثَعْلَبَةَ الطَّائِيُّ ، عَنْ ابْنِ بُرَيْدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ حَلَفَ بِالْأَمَانَةِ فَلَيْسَ مِنَّا ، وَمَنْ خَبَّبَ امْرَأَةَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ فَلَيْسَ مِنَّا . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَدَخَلَ مَعْنَى مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ فِي مَعَانِي مَا رَوَيْنَاهُ قَبْلَهُ . 1527 - حدثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ الْمَرْوَزِيِّ قَالَ : حدثنا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ قَالَ : حدثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَتَكِيُّ أَبُو الْمُنِيبِ ، عَنْ ابْنِ بُرَيْدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : الْوِتْرُ حَقٌّ فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنِّي ، قَالَهَا ثَلَاثًا . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَدَخَلَ مَعْنَى مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ فِي مَعَانِي مَا رَوَيْنَاهُ قَبْلَهُ . 1528 - حدثنا حُسَيْنُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حدثنا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ : حدثنا سُفْيَانُ ، عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ ، عَنْ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ عَاصِمٍ الْعَدَوِيِّ ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ قَالَ : خَرَجَ إلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَنَحْنُ جُلُوسٌ عَلَى وِسَادَةٍ مِنْ أَدَمٍ ، فَقَالَ : إنَّهُ سَيَكُونُ بَعْدِي أُمَرَاءُ فَمَنْ دَخَلَ عَلَيْهِمْ ، وَصَدَّقَهُمْ عَلَى كَذِبِهِمْ ، وَأَعَانَهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ - فَلَيْسَ مِنِّي ، وَلَسْت مِنْهُ ، وَلَيْسَ يَرِدُ عَلَيَّ الْحَوْضَ . وَمَنْ لَمْ يُصَدِّقْهُمْ بِكَذِبِهِمْ ، وَلَمْ يُعِنْهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ - فَهُوَ مِنِّي ، وَأَنَا مِنْهُ ، وَهُوَ وَارِدٌ عَلَيَّ الْحَوْضَ . 1529 - حدثنا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَ : حدثنا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ الْمُنْقِرِيُّ قَالَ : حدثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ قَالَ : حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَابِطٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : يَا كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ ، أُعِيذُكَ بِاَللَّهِ مِنْ إمْرَةِ السُّفَهَاءِ . إنَّهَا سَتَكُونُ أُمَرَاءُ فَمَنْ دَخَلَ عَلَيْهِمْ ، فَأَعَانَهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ ، وَصَدَّقَهُمْ عَلَى كَذِبِهِمْ - فَلَيْسَ مِنِّي ، وَلَسْت مِنْهُ ، وَلَنْ يَرِدَ عَلَيَّ الْحَوْضَ . وَمَنْ لَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهِمْ ، وَلَمْ يُعِنْهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ ، وَلَمْ يُصَدِّقْهُمْ بِكَذِبِهِمْ - فَهُوَ مِنِّي ، وَأَنَا مِنْهُ ، وَسَيَرِدُ عَلَيَّ الْحَوْضَ . 1530 - حدثنا فَهْدٌ قَالَ : حدثنا أَبُو نُعَيْمٍ وَأَبُو غَسَّانَ قَالَا : حدثنا زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، عَنْ إبْرَاهِيمَ قُعَيْسٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : خَرَجَ إلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَنَحْنُ أَرْبَعَةٌ مِنْ الْعَرَبِ وَخَمْسَةٌ مِنْ الْمَوَالِي ، فَقَالَ : هَلْ سَمِعْتُمْ أَنَّهُ سَيَكُونُ بَعْدِي أُمَرَاءُ فَمَنْ أَعَانَهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ ، وَصَدَّقَهُمْ بِكَذِبِهِمْ ، وَغَشِيَ أَبْوَابَهُمْ - فَلَيْسَ مِنِّي وَلَسْت مِنْهُ وَلَيْسَ يَرِدُ عَلَيَّ الْحَوْضَ . وَمَنْ لَمْ يُعِنْهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ ، وَلَمْ يُصَدِّقْهُمْ بِكَذِبِهِمْ ، وَلَمْ يَغْشَ أَبْوَابَهُمْ - فَهُوَ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ ، وَسَيَرِدُ عَلَيَّ الْحَوْضَ . 1531 - حدثنا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ قَالَ : حدثنا زَيْدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عُبَيْدٍ قَالَ : حدثنا سَعِيدُ بْنُ بَشِيرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ الْحَسَنِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ : قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَعَاذَكَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ أُمَرَاءَ يَكُونُونَ بَعْدِي ، فَقَالَ : وَمَا هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَقَالَ : مَنْ دَخَلَ عَلَيْهِمْ قُصُورَهُمْ فَصَدَّقَهُمْ بِكَذِبِهِمْ ، وَأَعَانَهُمْ عَلَى جَوْرِهِمْ - فَلَيْسَ مِنِّي وَلَا يَرِدُ عَلَيَّ حَوْضِي . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَدَخَلَ مَعْنَى مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ فِي مَعَانِي مَا رَوَيْنَاهُ قَبْلَهُ . 1532 - حدثنا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ : حدثنا أَسَدُ بْنُ مُوسَى قَالَ : حدثنا سُلَيْمَانُ بْنُ حَيَّانَ ، عَنْ الْحَجَّاجِ ، عَنْ الْحَكَمِ ، عَنْ مِقْسَمٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَيْسَ مِنَّا مَنْ وَطِئَ حُبْلَى . فَدَخَلَ مَعْنَى مَا فِي هَذَا فِي مَعَانِي مَا رَوَيْنَاهُ قَبْلَهُ . 1533 - حدثنا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ قَالَ : حدثنا خَلَّادُ بْنُ يَحْيَى الْكُوفِيُّ قَالَ : حدثنا يُوسُفُ بْنُ صُهَيْبٍ ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أَبِي رَمْلَةَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ لَمْ يَأْخُذْ شَارِبَهُ فَلَيْسَ مِنَّا . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَدَخَلَ مَعْنَى مَا فِي هَذَا فِي مَعَانِي مَا رَوَيْنَاهُ قَبْلَهُ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَكَانَتْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ الَّتِي نَفَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ كَانَتْ مِنْهُ أَوْ كَانَتْ فِيهِ عَنْهُ أَشْيَاءَ مَذْمُومَةً ، فَكَانَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ اخْتَارَ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْأُمُورَ الْمَحْمُودَةَ ، وَنَفَى عَنْهُ الْأُمُورَ الْمَذْمُومَةَ ، فَكَانَ مَنْ عَمِلَ الْأُمُورَ الْمَحْمُودَةَ مِنْهُ ، وَمَنْ عَمِلَ الْأُمُورَ الْمَذْمُومَةَ لَيْسَ مِنْهُ . كَمَا حَكَى عَزَّ وَجَلَّ عَنْ نَبِيِّهِ إبْرَاهِيمَ مِنْ قَوْلِهِ فِي ذُرِّيَّتِهِ : فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ . وَكَمَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ مُخْبِرًا لِعِبَادِهِ فِي قِصَّةِ نَبِيِّهِ دَاوُد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي . فِي أَمْثَالٍ لِهَذَا مَوْجُودَةٍ فِي الْكِتَابِ مَعْنَاهَا الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَا ، فَدَلَّ أَنَّ كُلَّ عَامِلٍ عَمَلًا عَلَى شَرِيعَةِ نَبِيِّهِ الَّذِي عَلَيْهِ أَتْبَاعُهُ فَإِنَّهُ مِنْهُ ، وَأَنَّ كُلَّ عَامِلٍ عَمَلًا تَمْنَعُ مِنْهُ شَرِيعَةُ نَبِيِّهِ الَّذِي عَلَيْهِ أَتْبَاعُهُ لَيْسَ مِنْهُ ؛ لِخُرُوجِهِ عَنْ مَا دَعَاهُ إلَيْهِ ، وَعَنْ مَا هُوَ عَلَيْهِ إلَى ضِدِّ ذَلِكَ ، وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
857- باب بيان مشكل ما ينبغي للابس الخاتم في وضوئه للصلاة من تحريك له وغير ذلك . 6320 - حدثنا أبو القاسم هشام بن محمد بن قرة بن أبي خليفة الرعيني ، قال : حدثنا أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي قال حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، قال : حدثنا أبو عاصم النبيل ، عن ابن جريج ، عن إسماعيل بن كثير ، عن عاصم بن لقيط بن صبرة يخبر عاصم ، عن أبيه : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : وأسبغ الوضوء ، وخلل بين الأصابع . 6321 - وحدثنا الربيع بن سليمان المرادي ، حدثنا أسد بن موسى ، حدثنا يحيى بن سليم ، عن إسماعيل بن كثير ، عن عاصم بن لقيط بن صبرة ، عن أبيه ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مثله . قال أبو جعفر : وإذا كان تخليل ما بين الأصابع في وضوء الصلاة مع سعة ما بينهما مما يستحب للمتوضئ أن يفعله ، كان لابس الخاتم مع ضيق ما بينه وبين الأصابع التي يلبسها إياه بمثل ذلك من تحريك خاتمه في وضوئه لصلاته بذلك أولى . وقد روي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - هذا المذهب أيضا . 6322 - كما حدثنا يونس بن عبد الأعلى ، أخبرنا عبد الله بن يوسف التنيسي ، حدثنا بكر بن مضر ، حدثنا جعفر بن ربيعة ، عن أبي الخير ، عن أبي تميم الجيشاني ، قال : دخلت أنا وإخوتي على عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وعلى بعضهم خاتم ، فقال له عمر : كيف يتم وضوؤك وهذا عليك ، فنزعه فألقاه . وقد كان بعض أهل العلم لا يرى ذلك منهم : مالك بن أنس ، كما حكاه عنه عبد الرحمن بن القاسم ، والذي دل عليه في ذلك ما أمر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقيط بن صبرة مما ذكرنا ومما قاله عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - بعد ذلك مما وصفنا ، مما لم نعلم له فيه مخالفا من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ورضي عنهم ، وبالله التوفيق .
210 - باب بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمُسْلِمِ عِنْدَ الِانْتِهَاءِ إلَى الْقَوْمِ وَعِنْدَ الْقِيَامِ عَنْهُمْ ، وَهَلْ سَلَامُ مَنْ انْتَهَى إلَيْهِمْ يَكُونُ وهو قائم أو يكون بَعْدَ أَنْ يَجْلِسَ . 1534 - حدثنا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمُرَادِيُّ قَالَ : حدثنا أَسَدُ بْنُ مُوسَى قَالَ : حدثنا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ أَبِي سَعِيدٍ أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إذَا انْتَهَى أَحَدُكُمْ إلَى الْمَجْلِسِ فَلْيُسَلِّمْ ، فَإِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يَجْلِسَ فَلْيَجْلِسْ ، وَإِذَا قَامَ فَلْيُسَلِّمْ فَإِنَّ الْأُولَى لَيْسَتْ بِأَحَقَّ مِنْ الْآخِرَةِ . 1535 - حدثنا بَكَّارَ بْنُ قُتَيْبَةَ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ قَالَا : حدثنا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : أخبرنا ابْنُ عَجْلَانَ ، عَنْ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَا مِثْلَهُ . 1536 - حدثنا ابْنُ أَبِي دَاوُد قَالَ : حدثنا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ : أخبرنا أَبُو غَسَّانَ قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ عَجْلَانَ ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَ مِثْلَهُ . 1537 - وَحدثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ : حدثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَ : حدثنا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ ابْنِ عَجْلَانَ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؛ فَذَكَرَ مِثْلَهُ . 1538 - حدثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، قَالَ : أخبرنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ يَعْنِي : الْمَعْرُوفَ بِصَاعِقَةَ قَالَ : حدثنا أَبُو عَاصِمٍ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ ، عَنْ رَوْحِ بْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ ابْنِ عَجْلَانَ ، عَنْ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَ مِثْلَهُ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَكَانَ أَهْلُ الْأَسَانِيدِ فِيمَا سَمِعْت بَعْضَ أَصْحَابِنَا يَقُولُ : يَسْتَحْسِنُونَ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ أَبِي عَاصِمٍ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ ، عَنْ رَوْحِ بْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ ابْنِ عَجْلَانَ مَا لَا يَسْتَحْسِنُونَهُ هُوَ عَنْهُ ، عَنْ ابْنِ عَجْلَانَ . وَفِيمَا رَوَيْنَا أَنَّ سَلَامَ الْجَائِي يَكُونُ عَلَى الْقَوْمِ عِنْدَ انْتِهَائِهِ إلَيْهِمْ قَبْلَ جُلُوسِهِ مَعَهُمْ 1539 - أخبرنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ : حدثنا الْجَارُودُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حدثنا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ : سَمِعْت مُحَمَّدَ بْنَ عَجْلَانَ يَقُولُ : حَدَّثَنِي سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إذَا قَعَدَ أَحَدُكُمْ فَلْيُسَلِّمْ ، وَإِذَا قَامَ فَلْيُسَلِّمْ ؛ فَلَيْسَتْ الْأُولَى بِأَحَقَّ مِنْ الْآخِرَةِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ سَلَامَهُ عَلَيْهِمْ يَكُونُ بَعْدَ جُلُوسِهِ مَعَهُمْ . فَقَالَ قَائِلٌ مِمَّنْ يَتْبَعُ مِثْلَ هَذَا يَطْلُبُ بِهِ التَّمْوِيهَ عَلَى أَهْلِ الْجَهْلِ بِاللُّغَةِ : هَذَا اخْتِلَافٌ شَدِيدٌ ؛ فَكَيْفَ يَجُوزُ لَكُمْ أَنْ تَقْبَلُوا هَذَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَذَلِكَ ؟ فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ وَعَوْنِهِ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ عَلَى الِاخْتِلَافِ ، وَلَكِنَّهُ عَلَى سِعَةِ اللُّغَةِ ، وَأَخْلِقْ بِمَا ظَنَنْت أَنَّهُ اخْتِلَافٌ أَنْ يَكُونَ مِنْ قَوْلِ مَنْ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُنْكَرٍ ؛ لِأَنَّهُمْ عَرَبٌ ، وَلُغَتُهُمْ يَتَّسِعُ لَهُمْ هَذَا فِيهَا . وَقَدْ جَاءَ كِتَابُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِمِثْلِ هَذَا ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ . فَكَانَ ذَلِكَ مَذْكُورًا بِبُلُوغِ الْأَجَلِ وَلَا إمْسَاكَ لِلْمُطَلِّقِينَ بَعْدَ بُلُوغِ الْمُطَلَّقَاتِ آجَالَهُنَّ ؛ لِأَنَّهُ انْقِضَاءُ عِدَدِهِنَّ مِنْهُمْ ، وَكَانَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ - إنَّمَا هُوَ عَلَى قُرْبِ بُلُوغِ الْأَجَلِ لَا عَلَى حَقِيقَةِ بُلُوغِهِ . وَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ذَلِكَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى وَهُوَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ . فَمِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إذَا انْتَهَى أَحَدُكُمْ إلَى الْقَوْمِ فَلْيُسَلِّمْ - يُرِيدُ بِهِ حَقِيقَةَ مَوْضِعِ السَّلَامِ ، وَقَوْلُهُ : إذَا قَعَدَ أَحَدُكُمْ فَلْيُسَلِّمْ - يُرِيدُ بِهِ قُرْبَ قُعُودِهِ مَعَهُمْ مِنْ انْتِهَائِهِ إلَيْهِمْ لَا حَقِيقَةَ الْقُعُودِ مَعَهُمْ ، وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
647 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في النذر في الشرك مما لو نذره المسلم وجب عليه أن يفي به ، ثم أسلم الذي نذر ذلك : هل يجب عليه في إسلامه الوفاء بذلك أم لا ؟ قد ذكرنا في الباب الذي قبل هذا الباب أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر بعد إسلامه أن يفي بنذره الذي كان نذره في الجاهلية ، فاستدل قوم بذلك على أن من نذر في حال شركه نذرا ، ثم أسلم - مما لو نذره وهو مسلم وجب عليه الوفاء به - أن عليه أن يفي به في إسلامه ، كما يجب عليه الوفاء به لو كان نذره في إسلامه ، فكان من الحجة عليهم في ذلك لمخالفيهم فيه مما لا يوجب ذلك على ناذره ، وهم أكثر أهل العلم أن حديث عمر هذا إنما جاء بقول النبي صلى الله عليه وسلم له : ف بنذرك ، وهذا القول إنما يقال فيما ليس بواجب ، كما يقال للرجل : ف بوعدك ، وف لفلان بما كان منك إليه من الوعد وما أشبهه ، ويردون ذلك إلى الوفاء ، ويجعلون مكانه في الأشياء الواجبة : أوف بكذا ، ومنه قول الله عز وجل : أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ ، وقوله : وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ . وقوله أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ، وهي العهود لا اختلاف بين أهل العلم فيها ، ويردون ذلك إلى الإيفاء ، يقولون : أوفى فلان ، يوفي إيفاء ، ويقولون في الأول : وفا فلان لفلان وفاء ، قالوا : فكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم لعمر : ف بنذرك ، وهو على : ف من الوفاء ، وذلك فيما هو أحسن لا في واجب ، فكانت هذه العلة عندنا حسنة غير أنا وجدنا في حديث علي بن مسهر ، عن عبيد الله الذي قد ذكرناه في الباب الذي قبل هذا الباب ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أوف بنذرك ، فعاد ذلك إلى معنى الإيفاء لا إلى معنى الوفاء ، فارتفع أن يكون فيما ذكرنا حجة لبعض المختلفين في هذا الباب على بعض ، غير أن الإيفاء قد يستعمل في الواجب وغير الواجب إلا أن الأفصح فيه عند أهل اللغة استعماله في الواجب حتى يتبين من ضده في المعنى الآخر الذي ذكرناه ، ثم نظرنا : هل روي في هذا الباب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء يدل على حقيقة الأمر فيه ؟ . 4819 - فوجدنا علي بن معبد ، وإبراهيم بن مرزوق جميعا قد حدثانا ، قالا : حدثنا عبد الله بن بكر السهمي حدثنا بهز بن حكيم ، عن أبيه عن جده قال : قلت : والله ، يا رسول الله ما أتيتك حتى حلفت عدد هؤلاء - وجمع بين أصابع يديه - أن لا آتيك ولا آتي دينك ، وقد جئتك امرأ لا أعقل شيئا إلا ما علمني الله ورسوله ، وإني أسألك بوجه الله بما بعثك إلينا ربنا عز وجل ؟ قال : بالإسلام . قلت : وما آية الإسلام ؟ قال : أن تقول : أسلمت وجهي لله ، وتخليت ، وتقيم الصلاة ، وتؤتي الزكاة ، كل مسلم على مسلم محرم ، أخوان نصيران ، لا يقبل الله من مشرك أشرك بعدما أسلم عملا ، أو يفارق المشركين إلى المسلمين ، ما لي أمسك بحجزكم عن النار ، ألا إن ربي داعي أو راعي - شك ابن مرزوق ، وقال علي في حديثه : ألا إن ربي داعي - ولم يشك - فيقول : هل بلغت عبادي ؟ فأقول : يا رب قد بلغتهم فليبلغ شاهدكم غائبكم ، ثم إنكم تدعون مفدمة أفواهكم بالفدام ، ثم إن أول ما يبين عن أحدكم فخذه وكفه ، ثم نظرت إلى نبي الله حين ضرب بيده فخذه ، قال : قلت : يا نبي الله هذا ديننا ؟ قال : هذا ديني . قال أبو جعفر : هكذا قال إبراهيم ، وقال علي في حديثه : هذا دينكم ، وأينما تحسن يكفك . 4820 - ووجدنا علي بن الحسين بن حرب قد حدثنا ، قال : حدثنا الفضل بن سهل بن إبراهيم الأعرج ، حدثنا يحيى بن أبي بكير ، حدثنا شبل بن عباد المكي قال : سمعت أبا قزعة يحدث عمرو بن دينار ، عن حكيم بن معاوية . عن أبيه أنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا محمد إني حلفت عدد أصابعي أن لا أتبعك ، ولا أتبع دينك ، فأنشدك ما الذي بعثك الله عز وجل به ؟ قال : الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، وتقيم الصلاة ، وتؤتي الزكاة ، أخوان نصيران ، لا يقبل الله من أحد توبة أشرك بعد إسلامه ، قال : قلت : ما حق زوجة أحدنا عليه ؟ قال : يطعمها إذا أكلت ويكسوها إذا اكتست ، ولا يضرب الوجه ولا يقبح ولا يهجر إلا في البيت ، قال : وأشار بيده إلى الشام ، فقال : هاهنا إلى هاهنا تحشرون ركبانا ومشاة وعلى وجوهكم يوم القيامة على أفواهكم الفدام ، توفون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله عز وجل ، وإن أول ما يعرب عن أحدكم فخذه . فكان في هذا الحديث إخبار معاوية بن حيدة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه حلف أن لا يأتيه وأن لا يأتي دينه عدد أصابعه ، وإعلامه مع ذلك أنه لا يعقل شيئا إلا ما علمه الله عز وجل ورسوله ، ولم يأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بكفارة عما كان من أيمانه التي قد حنث فيها ، فدل ذلك أنه لم يكن عليه فيها كفارة ، وأن حلفه فيها في حال شركة كلا حلف . وإذا كان ذلك كذلك في حلفه ، كان في نذره أحرى أن يكون كذلك ، وقد شد ذلك أيضا ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه . 4821 - كما حدثنا الربيع الجيزي ، حدثنا يعقوب بن كعب الحلبي ، حدثنا حاتم بن إسماعيل ، عن أبي حرملة يعني عبد الرحمن ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه . عن جده ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنما النذر ما ابتغي به وجه الله . وقد عقلنا أن المشرك لم يبتغ بنذره في شركه وجه الله تعالى ، فدل ذلك أنه لا معنى لنذره . وقد شد ذلك أيضا ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . 4822 - مما قد حدثنا إبراهيم بن مرزوق حدثنا عثمان بن عمر بن فارس ، عن مالك بن أنس . وما قد حدثنا يونس أخبرنا ابن وهب ، عن مالك . وما قد حدثنا سليمان بن شعيب حدثنا يحيى بن حسان حدثنا مالك ، عن طلحة بن عبد الملك الأيلي ، عن القاسم بن محمد . عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه . 4823 - وما قد حدثنا محمد بن خزيمة حدثنا يوسف بن عدي حدثنا عبد الله بن إدريس ، عن عبيد الله بن عمر ، عن طلحة بن عبد الملك ، عن القاسم ، عن عائشة رضي الله عنها ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مثله . فدل ذلك أن من نذر ما ليس بطاعة الله تعالى غير واجب عليه ما نذره . فقال قائل فما معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم لعمر في الإسلام ف بنذرك الذي قد كان منك في الجاهلية ؟ فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعونه أنه قد يحتمل أن يكون ذلك على معنى أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم إياه أن يفي لله عز وجل بطاعة يطيعه بها في الإسلام مكان النذر الذي لم يكن منه طاعة حتى يكون الذي يكون منه حسنة يعملها مكان الذي نذره مما لو عمله في حال شركه لم يكن كذلك ، وبالله التوفيق .
211 - باب بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَوْلِهِ : لَنْ يَجْزِيَ وَلَدٌ وَالِدًا إلَّا أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ . 1540 - حدثنا أَبُو الْقَاسِمِ هِشَامُ بْنُ مُحَمَّدٍ بْنِ قُرَّةَ الرُّعَيْنِيُّ ، قَالَ : حدثنا أَبُو جَعْفَرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ بْنِ سَلَامَةَ الْأَزْدِيُّ ، قَالَ : حدثنا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : حدثنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَنْ يَجْزِيَ وَلَدٌ وَالِدًا إلَّا أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَقَالَ قَائِلٌ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ شِرَائِهِ أَبَاهُ مَمْلُوكًا لَهُ حَتَّى يَعْتِقَهُ ، وَأَهْلُ الْعِلْمِ الَّذِينَ تَدُورُ عَلَيْهِمْ الْفُتْيَا فِي الْأَمْصَارِ لَا يَقُولُونَ هَذَا مَعَ اسْتِقَامَةِ هَذَا الْحَدِيثِ فِيهِمْ ، فَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى تَوْهِينِهِمْ إيَّاهُ وَرَغْبَتِهِمْ عَنْهُ . فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ - بِتَوْفِيقِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعَوْنِهِ - أَنَّ الَّذِي تَوَهَّمَهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لَيْسَ كَمَا تَوَهَّمَهُ فِيهِ ؛ إذْ كَانَ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ ، أَيْ : فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ شِرَاؤُهُ إيَّاهُ . فَقَالَ : فَهَلْ مِنْ دَلِيلٍ عَلَى ذَلِكَ ؟ فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : دَلِيلَنَا عَلَى ذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ قَالَ : كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُشَرِّكَانِهِ . فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَلَى مَعْنَى تَهْوِيدِهِمَا إيَّاهُ وَلَا تَنْصِيرِهِمَا إيَّاهُ تَهْوِيدًا وَتَنْصِيرًا يَسْتَأْنِفَانِهِ فِيهِ ، وَلَكِنْ يَكُونُ كَذَلِكَ سَبَبٌ مِنْهُمَا يُوجِبُ ذَلِكَ فِيهِ . فَمِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ . لَيْسَ عَلَى عَتَاقٍ يَسْتَأْنِفُهُ فِيهِ بَعْدَ شِرَائِهِ إيَّاهُ ، وَلَكِنَّ سَبَبَهُ مِنْهُ الَّذِي لَا يَجُوزُ مَعَهُ بَعْدَ مِلْكِهِ إيَّاهُ بَقَاءُ مِلْكِهِ فِيهِ ، وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
858- باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الشفاعة عند الله يوم القيامة من أهل الجنة لأهل النار . 6323 - حدثنا محمد بن علي بن داود البغدادي ، قال : حدثنا أحمد بن عمران الأخنسي ، قال : سمعت أبا بكر بن عياش يحدث عن سليمان التيمي ، عن أنس بن مالك ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إذا كان يوم القيامة جمع الله أهل الجنة صفوفا ، وأهل النار صفوفا ، فينظر الرجل من صفوف أهل النار إلى الرجل من صفوف أهل الجنة ، فيقول : يا فلان ، أما تذكر يوم اصطنعت إليك في الدنيا معروفا ؟ فيقال : خذ بيده ، أدخله الجنة برحمة الله . قال أنس : أشهد أني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول ذلك . قال أبو جعفر : فكان في هذا الحديث أن الشفاعة يوم القيامة قد تكون من ذوي المنازل العالية عند الله ، وإن لم يكونوا أنبياء لمن سواهم من ذوي الذنوب التي يستحقون بها النار ، ومعقول أن ذلك لا يكون إلا في أهل التوحيد المذنبين دون من سواهم من غير أهل التوحيد ، وذلك غير مستنكر من فضل الله - عز وجل - وجوده على الصالحين من عباده بتشفيعه إياهم فيما يشفعون إليه فيه ؛ لأنهم لما كانوا عند الله بالمنزلة التي أنزلهم إياها ، وإن لم يكن كمنازل الأنبياء التي ينزلهم إياها ، كانت من منازل الأولياء ، وكان الأنبياء مع علو منازلهم يشفعون فيما يشفعون فيه ، كان هؤلاء على قدر منازلهم يشفعون أيضا فيما يشفعون فيه ، وبالله التوفيق .
212 - باب بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَشْيِ فِي النَّعْلِ الْوَاحِدِ وَفِي الْخُفِّ الْوَاحِدِ . 1541 - حدثنا يُونُسُ قَالَ : حدثنا ابْنُ وَهْبٍ أَنَّ مَالِكًا أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا يَمْشِي أَحَدُكُمْ فِي نَعْلٍ وَاحِدٍ ، لِيَنْعَلْهُمَا جَمِيعًا أَوْ لِيَخْلَعْهُمَا جَمِيعًا . 1542 - حدثنا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمُرَادِيُّ قَالَ : أخبرنا ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ الْمَشْيِ فِي النَّعْلِ الْوَاحِدَةِ ، وَقَالَ : إنَّ الشَّيْطَانَ يَمْشِي بِالنَّعْلِ الْوَاحِدَةِ . 1543 - حدثنا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَ : حدثنا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حدثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى أَنْ يَمْشِيَ الرَّجُلُ فِي النَّعْلِ الْوَاحِدَةِ . 1544 - حدثنا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَ : حدثنا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ قَالَ : حدثنا زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ : حدثنا أَبُو الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَوْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَكَّ زُهَيْرٌ - يَقُولُ : إذَا انْقَطَعَ أَوْ مَنْ انْقَطَعَ شِسْعُ نَعْلِهِ فَلَا يَمْشِي فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ حَتَّى يُصْلِحَ شِسْعَهُ وَلَا يَمْشِي فِي خُفٍّ وَاحِدٍ . فَقَالَ قَائِلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَهْلِ بِالْآثَارِ كَيْفَ تَقْبَلُونَ هَذَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنْتُمْ تَرْوُونَ عَنْهُ 1545 - فَذَكَرَ مَا قَدْ حدثنا أَبُو أُمَيَّةَ قَالَ : حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّلْتِ الْكُوفِيُّ قَالَ : حدثنا مِنْدَلٌ ، عَنْ لَيْثٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : رُبَّمَا رَأَيْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَمْشِي فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ قَالَ : فَفِي هَذَا اخْتِلَافٌ لَا نُحِبُّ لَكُمْ أَنْ تُضِيفُوا إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعَوْنِهِ أَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي مِثْلِ هَذَا إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ تَكَافُؤِ الْأَسَانِيدِ فِيهِ ، وَثُبُوتِ الرِّوَايَاتِ لَهُ . فَأَمَّا إذَا كَانَ بِخِلَافِ ذَلِكَ فَلَا يَكُونُ كَمَا ذَكَرْت ، وَ[ بَعْضُ رُوَاةِ ] الْحَدِيثِ فِي [ هَذِهِ ] الرِّوَايَةِ لَيْسَ مِمَّنْ يُحْتَجُّ بِهِ فِيهَا وَلَا مِمَّنْ يَجُوزُ أَنْ يُعَارِضَ بِمَا رَوَى مَا رَوَاهُ الَّذِي ذَكَرْتُهُ ، عَنْ عَائِشَةَ فَإِنَّمَا هُوَ مِنْ حَدِيثِ مِنْدَلٍ ، وَلَيْسَ مِنْ أَهْلِ الثَّبْتِ مِمَّنْ ذَكَرْنَا قَبْلَهُ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ مِنْ هَذَا الْبَابِ لَا سِيَّمَا وَإِنَّمَا رَوَى مَا ذَكَرْت عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ وَهُوَ أَيْضًا وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْفَضْلِ فَإِنَّ رِوَايَتَهُ لَيْسَتْ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْأَسَانِيدِ بالْقَوِيَّةِ . وَاَلَّذِي ثَبَتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِمَّا يُخَالِفُهَا ، عَنْ جَابِرٍ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ هُوَ أَحْسَنُ مِنْ لِبَاسِ النَّاسِ ؛ لِأَنَّ مَنْ لَبِسَ نَعْلًا وَاحِدَةً أَوْ خُفًّا وَاحِدًا كَانَ بِذَلِكَ عِنْدَ النَّاسِ سَخِيفًا وَسَخِرُوا مِنْهُ ، فَمِثْلُ هَذَا لَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ نَهْيٌ وَجَبَ أَنْ يُنْتَهَى عَنْهُ ، وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
646 - بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ادعى قوم أنه يدل على جواز الاعتكاف بغير صوم . 4796 - حدثنا يزيد بن سنان ، قال : حدثنا يحيى بن سعيد القطان حدثنا عبيد الله بن عمر ، عن نافع . عن ابن عمر أن عمر سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف في المسجد الحرام فقال : ف بنذرك . قال أبو جعفر : وليس في هذا الحديث ذكر ما كان عمر نذر أن يعتكف فنظرنا في ذلك . 4797 - فوجدنا أحمد بن شعيب قد حدثنا ، قال : حدثنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي حدثنا يحيى بن سعيد ، ثم ذكر بإسناده مثله ، إلا أنه قال نذرت أن أعتكف ليلة . 4798 - حدثنا علي بن شيبة حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي حدثنا حفص بن غياث وحدثنا فهد بن سليمان ، قال : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، قال : حدثنا حفص ، عن عبيد الله ، عن نافع . عن ابن عمر رضي الله عنهما ، عن عمر قال قلت : يا رسول الله إني نذرت في الجاهلية نذرا وقد جاء الله بالإسلام فقال : ف بنذرك ، ولم يذكر في هذا الحديث ما الذي كان نذره فنظرنا في ذلك . 4799 - فوجدنا أحمد بن شعيب قد حدثنا ، قال : حدثنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا حفص ، ثم ذكر بإسناده مثله غير أنه قال : إني نذرت أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام فعاد هذا الحديث إلى أن النذر كان اعتكاف ليلة فذهب قوم إلى إجازة الاعتكاف بلا صيام واحتجوا في ذلك بهذا الحديث فنظرنا في ذلك هل خولف يحيى وحفص على عبيد الله في هذا الحديث وفي النذر الذي كان من عمر رضي الله عنه ما كان . 4800 - فوجدنا أحمد بن شعيب قد حدثنا ، قال : أخبرنا أحمد بن عبد الله بن الحكم الكردي حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة قال : سمعت عبيد الله ، عن نافع . عن ابن عمر أن عمر قد كان جعل عليه يوما يعتكفه في الجاهلية فسأل النبي صلى الله عليه وسلم ، عن ذلك فأمره أن يعتكف . 4801 - ووجدنا محمد بن علي بن داود البغدادي قد حدثنا ، قال : حدثنا خلف بن هشام البزار ، حدثنا علي بن مسهر ، عن عبيد الله ، عن نافع . عن ابن عمر ، عن عمر أنه نذر في الجاهلية أن يعتكف يوما في المسجد الحرام ، فلما أسلم ذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أوف بنذرك ففعل . فوقفنا بذلك على اختلافهم عن عبيد الله في هذا الحديث وأن بعضهم يرويه عنه أن النذر كان ليلة ، وأن بعضهم يرويه عنه على أن النذر كان يوما ، فلم تكن إحدى الروايتين أولى من الأخرى ، ثم نظرنا هل روى هذا الحديث عن نافع غير عبيد الله لنقف على ما رواه عليه عنه كيف هو . 4802 - فوجدنا أحمد بن شعيب قد حدثنا ، قال : حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد ووجدنا عبد الملك بن أبي الحواري البغدادي قد حدثنا ، قال : حدثنا الحميدي ، قالا : حدثنا سفيان حدثنا أيوب السختياني هكذا في حديث عبد الملك وفي حديث أحمد ، عن أيوب السختياني ، عن نافع . عن ابن عمر قال كان على عمر اعتكاف ليلة في المسجد الحرام في الجاهلية فسأل النبي صلى الله عليه وسلم فأمره أن يعتكف وأن يفي بنذره . فكان في هذا الحديث أن نذر عمر ذلك كان ليلة فنظرنا هل خولف سفيان ، عن أيوب في ذلك . 4803 - فوجدنا يونس قد حدثنا ، قال : حدثنا عبد الله بن وهب قال : أخبرني جرير بن حازم ، أن أيوب حدثه ، أن نافعا حدثه . أن عبد الله بن عمر حدثه ، أن عمر بن الخطاب سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالجعرانة فقال : يا رسول الله إن نذرت في الجاهلية أن أعتكف يوما في المسجد الحرام فكيف ترى ؟ قال اذهب فاعتكف يوما . 4804 - ووجدنا أحمد بن شعيب قد حدثنا ، قال : حدثنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر ، عن أيوب ، عن نافع . عن ابن عمر فذكر مثله . فكان في روايتي جرير ومعمر ، عن أيوب هذا الحديث أن نذر عمر كان يوما لا ليلة وأن النبي عليه السلام أمره لنذره ذلك أن يعتكف يوما لا ما سواه ولما جاء هذا الحديث من روايتي عبيد الله وأيوب ، عن نافع كما ذكرنا انتفى أن يكون فيه حجة لمن يذهب إلى إجازة الاعتكاف بلا صيام على من لا يجيزه إلا بصيام ، ثم نظرنا هل روي في هذا الباب أيضا شيء مما يدل على أن النذر كان على ما لا يكون إلا بصيام ، وهو اليوم أو على ما قد يكون بغير صيام وهو الليلة . 4805 - فوجدنا أحمد بن شعيب قد حدثنا ، قال : أخبرنا أبو بكر بن علي بن سعيد حدثنا الحسن بن حماد الوراق حدثنا عمرو بن محمد العنقزي ، عن عبد الله بن بديل بن ورقاء ، عن عمرو بن دينار . عن ابن عمر أن عمر سأل النبي صلى الله عليه وسلم ، عن اعتكاف عليه فأمره أن يعتكف ويصوم . 4806 - قال أبو جعفر : فذكرت ذلك لعلي بن سعيد بن بشير الرازي فقال : حدثنيه عثمان بن أبي شيبة ، عن عمرو بن محمد العنقزي ، عن عبد الله بن بديل ، عن عمرو بن دينار ، عن ابن عمر كما ذكرت . 4807 - ووجدنا في كتابنا ، عن إسحاق بن إبراهيم بن يونس ، عن هارون بن عبد الله يعني الحمال ، قال : حدثنا أبو عامر العقدي حدثنا عبد الله بن بديل بن ورقاء ، ثم ذكر بإسناده مثله . فوقفنا بذلك على أن نذر عمر رضي الله عنه الذي كان أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفي به كان مما يكون فيه الصوم وهو النهار لا مما لا يكون فيه الصوم وهو الليل ، ووجدنا في ذلك أيضا مما يؤكد أن نذر عمر كان لما قد يكون فيه الصوم لا لما لا يكون فيه الصوم . 4808 - ما قد حدثنا الربيع بن سليمان المرادي حدثني عبد الله بن وهب أخبرني ابن جريج ، عن عطاء . عن ابن عباس رضي الله عنهما وابن عمر قالا : لا جوار إلا بصوم ، فاستحال أن يكون ابن عمر قد وقف من رسول الله صلى الله عليه وسلم على إطلاقه كان لعمر اعتكاف ليلة لا صوم فيها ، ثم يقول هذا القول . فقال قائل : فإن عبد الله بن المبارك قد روى هذا الحديث عن ابن جريج بما يوجب فساد إسناده . 4809 - وذكر ما قد حدثتا يحيى بن عثمان بن صالح حدثنا نعيم بن حماد حدثنا ابن المبارك أخبرنا ابن جريج أنه سمع عطاء يقول : أخبرنا بعض أصحابنا . عن ابن عمر وابن عباس أنهما كانا يقولان لا جوار إلا بصيام ، قلت : أثبت عنهما ؟ قال نعم . فكان جوابنا له في ذلك أنه ليس في ما ذكر ما يجب به فساد إسناد هذا الحديث ؛ لأن فيه إخبار عطاء أن الذي حدثه به من أصحابه ، عن ابن عمر وابن عباس ثبت وذلك مما يغني عن تسميته إياه . ثم نظرنا فيمن روي عنه من هذا شيء من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم . 4810 - فوجدنا مالك بن يحيى الهمداني قد حدثنا ، قال : حدثنا أبو النضر هاشم بن القاسم حدثنا الأشجعي حدثنا سفيان ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن عطاء . عن عائشة قالت : من اعتكف فعليه الصوم . فهذه عائشة تقول هذا القول وقد روي عن ابن عباس ما قد ذكرناه عنه ، وروي عنه أيضا فيه . 4811 - ما قد حدثنا إبراهيم بن مرزوق حدثنا يعقوب بن إسحاق الحضرمي حدثنا شعبة ، عن عمرو بن دينار ، عن أبي فاختة مولى جعدة بن هبيرة قال : سمعت ابن عباس يقول : لا اعتكاف إلا بصوم . 4812 - وما قد حدثنا صالح بن عبد الرحمن الأنصاري حدثنا سعيد بن منصور حدثنا هشيم ، عن عمرو بن دينار ، عن أبي فاختة . عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : المعتكف عليه الصوم . 4813 - وما قد حدثنا الربيع المرادي حدثنا عبد الله بن وهب أخبرني سفيان الثوري ، عن عمرو بن دينار ، عن أبي فاختة . عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : المعتكف المجاور يصوم . 4814 - وما قد حدثنا عبد الملك بن أبي الحواري حدثنا الحميدي ، عن سفيان بن عيينة حدثنا عمرو أخبرنا أبو فاختة سعيد بن علاقة قال : سمعت ابن عباس يقول يصوم المجاور ، والمجاور المعتكف . 4815 - وما قد حدثنا عبد الملك حدثنا الحميدي أخبرنا سليمان بن حرب أن حماد بن زيد حدثه . أن رجلا قال لعمرو بن دينار يا أبا محمد كيف قول ابن عباس على المجاور الصوم قال ليس كذا قال ابن عباس إنما قال المجاور يصوم . فقال قائل : فهذا يدل على أن ما روي عن ابن عباس في هذا إنما هو صوم المجاور على الاختيار لا على الوجوب . فكان من حجتنا عليه في ذلك أن الذي ذكره ليس كما ذكره ، وكيف يكون ذلك كذلك ، والذي نحيط به علما أن أحدا لا يقع بقلبه أن الصوم مكروه في الجوار ، فيحتاج إلى أن يقال له هذا القول لينطلق له به الصوم في الجوار ، ولكنه عندنا على موافقة ما قد رواه شعبة وهشيم ، عن عمرو بن دينار ، كما ذكرنا من وجوب الصوم في الاعتكاف . ثم وجدنا عن ابن عباس في ذلك . 4816 - ما قد حدثنا عبد الملك بن أبي الحواري ، عن الدراوردي ، أخبرني أبو سهيل بن مالك قال : اجتمعت أنا وابن شهاب عند عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه ، وكان على امرأتي اعتكاف ثلاث في المسجد الحرام ، فقال ابن شهاب : لا يكون اعتكاف إلا بصوم ، فقال عمر بن عبد العزيز : أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : لا ، قال : أفأمر أبي بكر رضي الله عنه ؟ قال : لا ، قال : أفأمر عمر رضي الله عنه ؟ قال : لا ، قال : أفأمر عثمان رضي الله عنه ؟ قال : لا ، قال أبو سهيل : فانصرفت فوجدت طاوسا وعطاء فسألتهما عن ذلك ، فقال طاوس : كان ابن عباس لا يرى على المتعكف صياما إلا أن يجعله على نفسه ، قال عطاء : ذلك رأيي . فكان في هذا الحديث ، عن ابن عباس أنه كان لا يرى على المعتكف صياما . وقد روينا عن عائشة رضي الله عنها أن من اعتكف كان عليه الصوم . فوقفنا بذلك على أن هذا الباب مما قد تكافأت الأقوال فيه ، وما كان كذلك وجب أن يرجع فيه إلى النظر ، فيكون هو الذي يقضي بين المختلفين فيه . فنظرنا في ذلك ، فوجدنا من حجة من ذهب إلى أن الاعتكاف يكون بلا صيام ، وممن ذهب إلى ذلك الشافعي ، يستدل على ما قاله من ذلك أنه قد نجد المعتكف يدخل عليه الليل الذي لا يكون فيه صائما ، ويكون فيه معتكفا ، فاستدل بذلك على جواز الاعتكاف بلا صيام . فوجدنا من الحجة عليه في ذلك لمخالفيه فيه - وهم أبو حنيفة وأصحابه ، ومالك وأصحابه ، والثوري وأصحابه - أنا قد وجدنا الاعتكاف لا يخرج منه بدخول الليل على المعتكف الذي لا يصلح صومه فيه ، وقد وجدنا مثل ذلك ، وهو أن الاعتكاف لا يكون إلا في المساجد التي يعتكف فيها ، ولا يكون في الطرقات ولا في سوى المساجد ، وقد وجدنا المعتكف يخرج من المساجد للغائط وللبول ، فيصير في المنازل والطرقات التي لا يصلح له الاعتكاف فيها ، ولا يكون بذلك خارجا عن اعتكافه ؛ إذ كان لا بد له من ذلك . فمثل ذلك دخول الليل عليه الذي لا صوم فيه في اعتكافه لا يكون ذلك مخرجا له من اعتكافه ، بل دخول الليل عليه فيما ذكرنا لا فعل له فيه ، فلم يخرجه من اعتكافه ، والخروج من المساجد إلى ما ذكرنا بفعله كان ذلك . وإذا كان بفعله مما لا يصلح فيه ابتداء الاعتكاف عليه مما ذكرنا لا يخرجه من اعتكافه ، كان دخول الليل عليه الذي لا فعل له فيه أحرى أن لا يخرجه من اعتكافه . ثم قد وجدنا الاعتكاف إنما هو اللبث في المساجد ، فنظرنا في اللبث في الأماكن التي اللبث فيها قربة : هل يكون ذلك في تحرم من اللبث فيها ، أو يكون بلا تحرم منه في لبثه ، فوجدنا منى وعرفة ومزدلفة اللبث فيها في حرمة الحج قربة ، وهو اللبث الذي له معنى ، ووجدنا اللبث فيها في غير الحج ليس كذلك ، ولا حكم له يبين اللابث فيه عن لبثه فيما سواه من البيوت . فكان مثل ذلك اللبث في المساجد إذ كان في حرمه بان بذلك اللابث فيه عن اللابث فيما سواه من البيوت وما أشبهها ، ولا تكون حرمة يكون في ما لبثه فيها في تلك الحرمة إلا حرمة الصيام ، فكان ذلك دليلا على أن الاعتكاف لا يكون إلا بصيام . فقال قائل : فقد روي عن يعلى بن أمية أنه كان يجلس في المسجد ساعة ويعد ذلك اعتكافا . 4817 - وذكر ما قد حدثنا فهد ، حدثنا محمد بن سعيد الأصبهاني ، حدثنا حفص بن غياث ، عن ابن جريج ، عن عطاء ، قال : قال يعلى بن أمية لصاحب له : اجلس نعتكف ساعة في المسجد الحرام . 4818 - وما قد حدثنا محمد بن عبد الرحيم الهروي ، حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي ، حدثنا عيسى بن يونس ، عن ابن جريج ، عن عطاء قال : كان يعلى بن أمية يجلس الساعة في المسجد ينوي به الاعتكاف . فكان جوابنا له في ذلك أن هذا الحديث غير متصل بيعلى ؛ لأن عطاء إنما يروي أحاديث يعلى عن أبيه ، ولا نعرف له سماعا من يعلى ، ومعقول أن من قعد في المسجد لا يكون معتكفا ، ولو كان ذلك كذلك ، لكان كل من في المسجد معتكفا ، ولكنه عندنا - والله أعلم - أريد به الإقبال على المسجد بالقعود فيه ، فسمى نفسه بذلك معتكفا ، وليس ذلك الاعتكاف هو الاعتكاف المختلف فيه : هل يكون بصوم أو بغير صوم ، وقد قال الله عز وجل : (سواء العاكف فيه والبادي ) فلم يكن ذلك على الاعتكاف الذي ذكرنا ، وإنما كان ذلك على تساوي الخلق فيه ، وأنه ليس بعضهم أولى به من بعض . والله نسأله التوفيق .
213 - باب بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي اسْتِغْفَارِهِ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ لِلْمُحَلِّقِينَ مَرَّتَيْنِ وَلِلْمُقَصِّرِينَ مَرَّةً . 1546 - حدثنا يُونُسُ قَالَ : أخبرنا ابْنُ وَهْبٍ أَنَّ مَالِكًا حَدَّثَهُ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : اللَّهُمَّ ارْحَمْ الْمُحَلِّقِينَ ! قَالُوا : وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : اللَّهُمَّ ارْحَمْ الْمُحَلِّقِينَ ! قَالُوا : وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : وَالْمُقَصِّرِينَ . 1547 - حدثنا فَهْدٌ قَالَ : حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْأَصْبَهَانِيِّ قَالَ : حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُحَلِّقِينَ ! قِيلَ : وَالْمُقَصِّرِينَ ؟ قَالَ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُحَلِّقِينَ ! قِيلَ : وَالْمُقَصِّرِينَ ؟ قَالَ : وَالْمُقَصِّرِينَ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَغْفَرَ لِلْمُحَلِّقِينَ مَرَّتَيْنِ وَلِلْمُقَصِّرِينَ مَرَّةً . قَالَ قَائِلٌ : قَدْ أَبَاحَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ الْحَلْقَ وَالتَّقْصِيرَ فِي الْإِحْرَامِ ، وَوَصَفَ أَهْلَ الْحُدَيْبِيَةِ بِدُخُولِهِمْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ عَلَيْهِ وَوَعَدَهُمْ ذَلِكَ فَقَالَ : لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ . فَكَانَّ الْمُحَلِّقِينَ بِأَمْرِ اللَّهِ حَلَقُوا ، وَالْمُقَصِّرِينَ بِأَمْرِ اللَّهِ قَصَّرُوا - فَمِنْ أَيْنَ فُضِّلَ الْمُحَلِّقُونَ فِي ذَلِكَ عَلَى الْمُقَصِّرِينَ ؟ قِيلَ لَهُ : لِمَعْنًى قَدْ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ فِيهِ 1548 - وَهُوَ مَا قَدْ حدثنا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمُرَادِيُّ قَالَ : حدثنا أَسَدُ بْنُ مُوسَى قَالَ : حدثنا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ قَالَ : حدثنا ابْنُ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : حَلَقَ رِجَالٌ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ وَقَصَّرَ آخَرُونَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : يَرْحَمُ اللَّهُ الْمُحَلِّقِينَ ! قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَالْمُقَصِّرِينَ ؟ قَالَ : يَرْحَمُ اللَّهُ الْمُحَلِّقِينَ ! قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَالْمُقَصِّرِينَ ؟ قَالَ : يَرْحَمُ اللَّهُ الْمُحَلِّقِينَ ! قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَالْمُقَصِّرِينَ ؟ قَالَ : وَالْمُقَصِّرِينَ . قَالُوا : فَمَا بَالُ الْمُحَلِّقِينَ ظَاهَرْتَ لَهُمْ بِالتَّرَحُّمِ ؟ قَالَ : إنَّهُمْ لَمْ يَشُكُّوا . 1549 - وَمَا قَدْ حدثنا فَهْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ : حدثنا يُوسُفُ بْنُ بُهْلُولٍ قَالَ : حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إدْرِيسَ قَالَ : حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، ثُمَّ ذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ . 1550 [ وَمَا قَدْ حدثنا ] إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُد قَالَ : حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ الْهَمْدَانِيُّ قَالَ : حدثنا يُونُسُ بْنُ بُكَيْر قَالَ : حدثنا ابْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ : لِمَ ظَاهَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْمُحَلِّقِينَ ثَلَاثًا وَلِلْمُقَصِّرِينَ مَرَّةً ؟ قَالَ : لِأَنَّهُمْ لَمْ يَشُكُّوا . فَكَانَ فِيمَا رَوَيْنَا تَفْضِيلُ الْمُحَلِّقِينَ عَلَى الْمُقَصِّرِينَ ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَشُكُّوا ، فَكَانَ فِي ذَلِكَ إثْبَاتُ الشَّكِّ مِنْ الْمُقَصِّرِينَ . فَقَالَ هَذَا الْقَائِلُ : وَمَا كَانَ شَكُّ الْمُقَصِّرِينَ فِي ذَلِكَ ؟ قِيلَ لَهُ : كَانَ لِمَعْنًى ذَكَرَهُ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ . 1551 - وَهُوَ مَا قَدْ حدثنا عُبَيْدُ بْنُ رِجَالٍ قَالَ : حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَبُو حَمَّةَ قَالَ : حدثنا أَبُو قُرَّةَ مُوسَى بْنُ طَارِقٍ ، عَنْ زَمْعَةَ بْنِ صَالِحٍ ، عَنْ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ : حَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ وَحَلَقَ نَاسٌ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ حِينَ رَأَوْهُ حَلَقَ ، وَأَمْسَكَ آخَرُونَ فَقَالُوا : وَاَللَّهِ مَا طُفْنَا بِالْبَيْتِ ، فَقَصَّرُوا . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : يَرْحَمُ اللَّهُ الْمُحَلِّقِينَ ! فَقَالَ رِجَالٌ : وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : رَحِمَ اللَّهُ الْمُحَلِّقِينَ ! فَقَالَ رِجَالٌ : وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : رَحِمَ اللَّهُ الْمُحَلِّقِينَ ! قَالُوا : وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : وَالْمُقَصِّرِينَ . فَكَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ كَانَ فِي قُلُوبِهِمْ أَنَّهُمْ رَأَوْا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَلَقَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الْحَلْقِ الَّذِي كَانُوا يَعْلَمُونَ الْحَلْقَ فِيهِ ، وَيَقِفُونَ عَلَيْهِ مِنْ شَرِيعَتِهِ ، وَقَدْ كَانَ يَجِبُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَكُونَ اقْتِدَاؤُهُمْ وَاتِّبَاعُهُمْ لَهُ فِيمَا رَأَوْهُ يَفْعَلُهُ أَوْثَقَ فِي قُلُوبِهِمْ مِمَّا تَقَدَّمَ عِلْمُهُمْ لَهُ مِنْهُ قَبْلَ ذَلِكَ ، وَكَانُوا بِذَلِكَ مُقَصِّرِينَ فِي الْوَاجِبِ لَهُ عَلَيْهِمْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ذَلِكَ . وَكَانَ الْحَالِقُونَ فَاعِلِينَ لِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ امْتِثَالِ فِعْلِهِ ، وَتَرْكِ التَّخَلُّفِ عَنْ الْقُدْوَةِ بِهِ ، فَفَضَلُوا بِذَلِكَ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْ مِثْلِهِ لَا لِفَضْلٍ فِي الْحَلْقِ عَلَى التَّقْصِيرِ ، وَلَكِنْ ؛ لِأَنَّ السَّبْقَ إلَى الْمَعْرِفَةِ لِلْأَشْيَاءِ يُوجِبُ الْفَضِيلَةَ لِلسَّابِقِينَ إلَيْهَا كَمَا وَجَبَ لِأَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِسَبْقِهِ النَّاسَ إلَى تَصْدِيقِهِ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى إتْيَانِهِ بَيْتَ الْمَقْدِسِ مِنْ مَكَّةَ وَرُجُوعِهِ مِنْهُ إلَى مَنْزِلِهِ بِمَكَّةَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ حَتَّى سُمِّيَ بِذَلِكَ الصِّدِّيقَ وَإِنْ كَانَ الْمُؤْمِنُونَ جَمِيعًا يَشْهَدُونَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمِثْلِ ذَلِكَ إذَا وَقَفُوا عَلَيْهِ . وَكَمَا اسْتَحَقَّ خُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيُّ أَنْ جُعِلَتْ شَهَادَتُهُ شَهَادَةَ رَجُلَيْنِ ؛ لَمَّا شَهِدَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْأَعْرَابِيِّ أَنَّهُ بَايَعَهُ الْبَعِيرَ الَّذِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ابْتَاعَهُ مِنْهُ عِنْدَ جُحُودِ الْأَعْرَابِيِّ ذَلِكَ . وَعِنْدَ قَوْلِهِ لَهُ : هَلُمَّ شَهِيدًا يَشْهَدُ لَك . فَلَمَّا شَهِدَ لَهُ خُزَيْمَةُ بِمَا شَهِدَ لَهُ بِهِ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : كَيْفَ شَهِدْت وَلَمْ تَكُنْ مَعَنَا ؟ قَالَ : شَهِدْت بِتَصْدِيقِكَ . فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِذَلِكَ شَهَادَتَهُ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ . وَسَنَذْكُرُ هَذَا الْحَدِيثَ بِإِسْنَادِهِ فِيمَا بَعْدُ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ . وَالنَّاسُ جَمِيعًا يَشْهَدُونَ بِصِدْقِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَكِنَّ خُزَيْمَةَ لَمَّا سَبَقَهُمْ إلَى ذَلِكَ اسْتَحَقَّ الْفَضِيلَةَ عَلَيْهِمْ فِيهِ . فَمِثْلُ ذَلِكَ الْمُحَلِّقُونَ اسْتَحَقُّوا الْفَضِيلَةَ عَلَى الْمُقَصِّرِينَ بِسَبْقِهِمْ إيَّاهُمْ إلَى طَاعَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاقْتِدَائِهِمْ بِهِ ، وَأَخْذِهِمْ مَا آتَاهُمْ إيَّاهُ ، وَانْتِفَاءِ الشَّكِّ مِنْ قُلُوبِهِمْ فِي ذَلِكَ ، وَعِلْمِهِمْ أَنَّ مَا عَايَنُوا مِنْهُ أَوْلَى بِهِمْ مِمَّا قَدْ تَقَدَّمَ عِلْمُهُمْ لَهُ مِنْهُ مَعَ أَنَّا قَدْ رويْنَا أَنَّ الْمُقَصِّرِينَ فِي ذَلِكَ إنَّمَا هُمْا رَجُلَانِ : أَحَدُهُمَا مِنْ قُرَيْشٍ ، وَالْآخَرُ مِنْ الْأَنْصَارِ . 1552 - كَمَا قَدْ حدثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ قَالَ : حدثنا هَارُونُ بْنُ إسْمَاعِيلَ الْخَزَّازُ قَالَ : حدثنا عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ قَالَ : حدثنا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ أَنَّ أَبَا إبْرَاهِيمَ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ حَلَقَ ، وَحَلَقَ أَصْحَابُهُ رُؤُوسَهُمْ غَيْرَ رَجُلَيْنِ : رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ ، وَرَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَلَمْ نَجِدْ هَذَا التِّبْيَانَ فِي حَدِيثِ أَحَدٍ مِمَّنْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ غَيْرَ عَلِيِّ بْنِ الْمُبَارَكِ . فَأَمَّا الْأَوْزَاعِيِّ فَلَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ فِي حَدِيثِهِ هَذَا ، عَنْ يَحْيَى . 1553 - كَمَا حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَيْمُونٍ الْبَغْدَادِيُّ قَالَ : حدثنا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ أَبِي إبْرَاهِيمَ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ : حدثنا أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْتَغْفِرُ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ لِلْمُحَلِّقِينَ ثَلَاثًا وَلِلْمُقَصِّرِينَ مَرَّةً . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَلَيْسَ عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ بِدُونِ الْأَوْزَاعِيِّ ، وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
859- باب بيان مشكل ما رواه سالم بن عبد الله بن عمر ، عن أبيه ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في العبد يكون بين الشركاء ، فيعتقه أحدهم مع يسار منه بقيمة أنصباء شركائه فيه ، ومن سوى ذلك من اعتباريتها . 6324 - حدثنا المزني ، حدثنا الشافعي ، عن سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن سالم ، عن أبيه : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا كان العبد بين اثنين ، فأعتق أحدهما نصيبه ، فإن كان موسرا ، فإنه يقوم عليه بأعلى القيمة ، ويعتق . قال سفيان : وربما قال عمرو بن دينار : قيمة [عدل] ، لا وكس فيه ، ولا شطط . قال أبو جعفر : وكان في هذا الحديث حكم المعتق إذا كان موسرا مما يؤخذ به بعتاقه ، ولا شيء فيه من حكم العبد المعتق إذا كان المعتق معسرا . 6325 - وحدثنا عبيد بن رجال ، حدثنا أحمد بن صالح ، حدثنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر ، عن الزهري ، عن سالم ، عن ابن عمر : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : من أعتق شركا له في عبد ، أقيم ما بقي من ماله ، إذا كان له مال يبلغ ثمن العبد . قال عبد الرزاق : لا أدري أمن قول الزهري أم هو في الحديث ؟ يعني قوله : إذا كان له مال إلى آخره . 6326 - وحدثنا أحمد بن شعيب ، أخبرنا إسحاق بن إبراهيم -يعني ابن راهويه - أخبرنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر ، عن الزهري ، عن سالم ، عن أبيه ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : من أعتق شركا له في مملوك ، أقيم ما بقي من ماله . قال الزهري : إن كان له مال يبلغ ثمنه . قال أبو جعفر : ففي حديث أحمد بن شعيب هذا بيان ما في هذا الحديث إن كان له مال يبلغ ثمنه أنه من كلام الزهري ، لا مما حدثه به سالم ، عن أبيه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فعاد ما في هذا الحديث إلى ذكر حكم الشريك المعتق إذا كان موسرا بغير ذكر فيه لحكمه في ذلك إذا كان معسرا ، وهذا مما لا اختلاف فيه بين أهل العلم من وجوب الضمان فيه على الشريك الموسر المعتق للعبد الذي يشاركه فيه غيره ، فأما إذا كان معسرا ، فإنهم يختلفون في ذلك ، ولا نجد في هذا الحديث ما يقضي لبعضهم على بعض فيما يختلفون فيه من ذلك ، وبالله التوفيق .
214 - باب بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمُفَصَّلِ مِنْ الْقُرْآنِ ؛ مَا هُوَ ؟ . 1554 - حدثنا أَبُو أُمَيَّةَ قَالَ : حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ الْحَرَّانِيُّ يَعْنِي : سُحَيْمًا قَالَ : حدثنا زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ : حدثنا أَبُو إِسْحَاقَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَبِيبٍ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ قَالَ : سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ : أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمُفَصَّلَ بِمَكَّةَ ، فَكُنَّا حِجَجًا نَقْرَؤُهُ لَا يَنْزِلُ غَيْرُهُ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا قَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّ سُورَةَ الْحُجُرَاتِ لَيْسَتْ مِنْهُ ، وَأَنَّهَا مَدَنِيَّةٌ ؛ لِأَنَّ فِيهَا نَهْيَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ النَّاسَ أَنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ فِي الْخَبَرِ الَّذِي ظَنَّ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شِمَاسٍ الْأَنْصَارِيُّ فِيهِ بِنَفْسِهِ مَا ظَنَّ حَتَّى جَلَسَ فِي بَيْتِهِ ، فَأَعْلَمَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَا كَانَ سَبَبُ رُجُوعِهِ إلَى مَجْلِسِهِ . وَلِأَنَّ فِيهَا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ . وَإِنَّمَا كَانَ سَبَبُ نُزُولِ ذَلِكَ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمَا كَانَ مِنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ مِنْ مَشُورَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَيْهِ بِتَوْلِيَةِ مَنْ أَشَارَ عَلَيْهِ بِتَوْلِيَتِهِ مِنْ الْأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ وَمِنْ الْقَعْقَاعِ وَمِنْ مَعْبَدِ بْنِ زُرَارَةَ . وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ وَمَا رُوِيَ فِيهِ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا . وَلِأَنَّ فِيهَا : إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا ، الْآيَةَ . فَكَانَ سَبَبُ نُزُولِ ذَلِكَ فِي الَّذِي بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُصَدِّقًا إلَى قَوْمٍ ، فَأَقْبَلُوا إلَيْهِ لِيُكْرِمُوهُ . فَلَمَّا رَآهُمْ مُقْبِلِينَ نَحْوَهُ أَدْبَرَ هَارِبًا إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْبَرَهُ عَنْهُمْ بِخِلَافِ ذَلِكَ ، وَجَاؤُوا مِنْ بَعْدُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْبَرُوهُ بِحَقِيقَةِ أَمْرِهِمْ ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَهُمْ عَلَيْهِ . وَرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ يُوَلِّ أَحَدًا وَلَمْ يَبْعَثْ مُصَدِّقًا وَهُوَ بِمَكَّةَ ، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ . وَلِأَنَّ فِيهَا : وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ، الْآيَةَ . وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ لِسَبَبٍ كَانَ بَيْنَ الْأَنْصَارِ حَتَّى تَحَارَبُوا مِنْ أَجْلِهِ بِمَا تَحَارَبُوا بِهِ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عز وجل هَذِهِ فِي ذَلِكَ ، وَسَنَذْكُرُ ذَلِكَ بِإِسْنَادِهِ فِيمَا بَعْدُ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ . وَإِذَا انْتَفَى أَنْ تَكُونَ الْحُجُرَاتُ مِنْ الْمُفَصَّلِ لِمَا قَدْ ذَكَرْنَا ، وَلِأَنَّ الْحُجُرَاتِ لَمْ تَكُنْ إلَّا بِالْمَدِينَةِ كَانَ أَوَّلُهُ (قاف ) . ثُمَّ نَظَرْنَا إلَى مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ . 1555 - فَوَجَدْنَا فَهْدًا قَدْ حدثنا قَالَ : حدثنا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ : حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْلَى الثَّقَفِيُّ قَالَ : حدثنا عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَوْسٍ ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّهُ كَانَ فِي الْوَفْدِ الَّذِينَ وَفَدُوا إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ بَنِي مَالِكٍ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهُمْ بَنُو مَالِكِ بْنِ كَعْبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعْدِ بْنِ عَوْفِ بْنِ ثَقِيفٍ ، فَأَنْزَلَهُمْ فِي قُبَّةٍ لَهُ بَيْنَ الْمَسْجِدِ وَبَيْنَ أَهْلِهِ ، وَكَانَ يَخْتَلِفُ إلَيْهِمْ فَيُحَدِّثُهُمْ بَعْدَ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ ، وَأَكْثَرُ مَا يُحَدِّثُهُمْ تَشَكِّيهِ قُرَيْشًا ثُمَّ يَقُولُ : لَا سَوَاءَ ، كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ مُسْتَذَلِّينَ بِمَكَّةَ . فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ كَانَتْ سِجَالُ الْحَرْبِ لَنَا وَعَلَيْنَا ، فَاحْتَبَسَ عَنَّا لَيْلَةً فَقُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لَبِثْتَ عَنَّا اللَّيْلَةَ أَكْثَرَ مِمَّا كُنْتَ ! قَالَ : نَعَمْ ، طَرَأَ عَلَيَّ حِزْبٌ مِنْ الْقُرْآنِ ، فَأَحْبَبْت أَنْ لَا أَخْرُجَ مِنْ الْمَسْجِدِ حَتَّى أَقْضِيَهُ . فَقُلْنَا لِأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حدثنا أَنَّهُ طَرَأَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ حِزْبٌ مِنْ الْقُرْآنِ فَكَيْفَ كُنْتُمْ تُحَزِّبُونَ الْقُرْآنَ ؟ قَالُوا : نُحَزِّبُهُ ثَلَاثَ سُوَرٍ ، وَخَمْسَ سُوَرٍ ، وَسَبْعَ سُوَرٍ ، وَتِسْعَ سُوَرٍ ، وَإِحْدَى عَشْرَةَ سُورَةً ، وَثَلَاثَ عَشْرَةَ سُورَةً ، وَحِزْبَ مَا بَيْنَ الْمُفَصَّلِ وَأَسْفَلَ . 1556 - حدثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ بْنِ الْمُغِيرَةِ قَالَ : حدثنا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ قَالَ : حدثنا وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ قَالَ : حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْلَى الثَّقَفِيُّ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَوْسٍ ، عَنْ جَدِّهِ أَوْسِ بْنِ حُذَيْفَةَ قَالَ : قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفْدَ ثَقِيفٍ فَأَنْزَلَنَا عَلَيْهِ ، وَأَنْزَلَ إخْوَانَنَا مِنْ الْأَحْلَافِ عَلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ . فَكَانَ يَأْتِينَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُحَدِّثُنَا ، وَكَانَ عَامَّةُ حَدِيثِهِ تَشَكِّيهِ قُرَيْشًا ، وَيَقُولُ : وَلَا سَوَاءَ ، كُنَّا بِمَكَّةَ مُسْتَذَلِّينَ مُسْتَضْعَفِينَ ، فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ كَانَتْ الْحَرْبُ سِجَالًا لَنَا وَعَلَيْنَا . فَأَبْطَأَ عَلَيْنَا ذَاتَ لَيْلَةٍ فَقُلْنَا لَهُ ، فَقَالَ : إنَّهُ طَرَأَ عَلَيَّ حِزْبٌ مِنْ الْقُرْآنِ ، وَكُنْت أُحَزِّبُهُ . قَالَ : فَلَقِيت بَعْضَ أَصْحَابِهِ فَقُلْت : كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُحَزِّبُ الْقُرْآنَ ؟ قَالَ : كَانَ يُحَزِّبُهُ ثَلَاثًا ، وَخَمْسًا ، وَسَبْعًا وَتِسْعًا ، وَإِحْدَى عَشْرَةَ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَسَقَطَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ مِمَّا هُوَ ثَابِتٌ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ : وَثَلَاثَ عَشْرَةَ . 1557 - حدثنا فَهْدٌ قَالَ : حدثنا يُوسُفُ بْنُ الْبُهْلُولِ قَالَ : حدثنا سُلَيْمَانُ بْنُ حَيَّانَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْلَى بْنِ كَعْبٍ الطَّائِفِيِّ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَوْسِ بْنِ حُذَيْفَةَ ، عَنْ جَدِّهِ أَوْسِ بْنِ حُذَيْفَةَ قَالَ : وَفَدْت فِي وَفْدِ ثَقِيفٍ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَزَلَتْ الْأَحْلَافُ عَلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ . وَأَنْزَلَ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَنِي مَالِكٍ فِي قُبَّةٍ لَهُ . فَكَانَ يَنْصَرِفُ عَلَيْنَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ الْعِشَاءِ ، فَيُحَدِّثُنَا قَائِمًا عَلَى رِجْلَيْهِ حَتَّى يُرَاوِحَ بَيْنَ قَدَمَيْهِ مِنْ طُولِ الْقِيَامِ ، وَأَكْثَرُ مَا يُحَدِّثُنَا مَا كَانَ يَلْقَى مِنْ قُرَيْشٍ . ثُمَّ يَقُولُ : لَا سَوَاءَ ، كُنَّا بِمَكَّةَ مُسْتَذَلِّينَ مُسْتَضْعَفِينَ ، فَلَمَّا هَاجَرْنَا كَانَتْ سِجَالُ الْحَرْبِ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ ، نُدَالُ عَلَيْهِمْ وَيُدَالُونَ عَلَيْنَا . فَلَمَّا كَانَ ذَاتَ لَيْلَةٍ أَبْطَأَ عَلَيْنَا عَنْ الْوَقْتِ الَّذِي كَانَ يَأْتِي فِيهِ ، فَقُلْت : أَبْطَأْت عَلَيْنَا اللَّيْلَةَ ؟ فَقَالَ : إنَّهُ طَرَأَ عَلَيَّ حِزْبِي مِنْ الْقُرْآنِ ، فَكَرِهْت أَنْ أَجِيءَ حَتَّى أُتِمَّهُ . قَالَ أَوْسُ بْنُ حُذَيْفَةَ : فَسَأَلْتُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : كَيْفَ تُحَزِّبُونَ الْقُرْآنَ ؟ قَالُوا : ثَلَاثًا ، وَخَمْسًا ، وَسَبْعًا ، وَتِسْعًا ، وَإِحْدَى عَشْرَةَ ، وَثَلَاثَ عَشْرَةَ ، وَحِزْبُ الْمُفَصَّلِ وَحْدَهُ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : أَبُو خَالِدٍ وَهُوَ سُلَيْمَانُ بْنُ حَيَّانَ فَنَظَرْنَا فِيهِ فَإِذَا ثَلَاثَةُ سُوَرٍ مِنْ أَوَّلِ الْقُرْآنِ : الْبَقَرَةُ ، وَآلُ عِمْرَانَ ، وَالنِّسَاءُ . وَالْخَمْسُ : الْمَائِدَةُ ، وَالْأَنْعَامُ ، وَالْأَعْرَافُ ، وَالْأَنْفَالُ ، وَبَرَاءَةُ . وَالسَّبْعُ : يُونُسُ ، وَهُودٌ ، وَيُوسُفُ ، وَالرَّعْدُ ، وَإِبْرَاهِيمُ ، وَالْحِجْرُ ، وَالنَّحْلُ . وَالتِّسْعُ : بَنِي إسْرَائِيلَ ، وَالْكَهْفُ ، وَمَرْيَمُ ، وطه ، وَالْأَنْبِيَاءُ ، وَالْحَجُّ ، وَالْمُؤْمِنُونَ ، وَالنُّورُ ، وَالْفُرْقَانُ . وَالإِحْدَى عَشْرَةَ : الطَّوَاسِينُ ، وَالْعَنْكَبُوتُ ، وَالرُّومُ ، وَلُقْمَانُ ، وَالسَّجْدَةُ ، وَالْأَحْزَابُ ، وَسَبَأُ ، وَفَاطِرٌ ، ويس . وَالثَّلَاثَ عَشْرَةَ : الصَّافَّاتُ ، وص ، وَالزُّمَرُ ، وحم ، يَعْنِي : آلَ حَمِيم ، وَسُورَةُ مُحَمَّدٍ ، وَالْفَتْحُ ، وَالْحُجُرَاتُ . وَحِزْبُ الْمُفَصَّلِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَفِيمَا رَوَيْنَا مِنْ هَذِهِ الْآثَارِ تَحْقِيقُ أَمْرِ الْحُجُرَاتِ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الْمُفَصَّلِ ، وَأَنَّ الْمُفَصَّلَ مَا بَعْدَهَا إلَى آخِرِ الْقُرْآنِ . 1558 - حدثنا أَبُو أُمَيَّةَ قَالَ : حدثنا مَنْصُورُ بْنُ سُقَيْرٍ قَالَ : حدثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ بَهْدَلَةَ ، عَنْ زِرٍّ قَالَ : كَانَ أَوَّلُ مُفَصَّلِ ابْنِ مَسْعُودٍ الرَّحْمَنَ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذَا عِنْدَنَا - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - إنَّمَا جَاءَ لِاخْتِلَافِ تَأْلِيفِ السُّوَرِ عِنْدَ ابْنِ مَسْعُودٍ وَعِنْدَ غَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّذِينَ تَوَلَّوْا كِتَابَ الْقُرْآنِ فِي عَهْدِ عُثْمَانَ رضي الله عنه وَعَنْهُمْ ، وَهُوَ التَّأْلِيفُ الَّذِي هُوَ الْحُجَّةُ . وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كَانَ فِي تَأْلِيفِ ابْنِ مَسْعُودٍ بَعْدَ سُورَةِ الرَّحْمَنِ قاف وَالذَّارِيَاتُ وَمَا سِوَاهُمَا مِنْ السُّوَرِ الَّتِي بَيْنَهَا وَبَيْنَ سُورَةِ الرَّحْمَنِ ، وَتَكُونُ الْحُجُرَاتُ خَارِجَةً مِنْ ذَلِكَ رَاجِعَةً إلَى مِثْلِ مَا هِيَ عَلَيْهِ مِنْ تَحْزِيبِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّذِي قَدْ ذَكَرْنَا فِي حَدِيثِ أَوْسِ بْنِ حُذَيْفَةَ . وَفِي حَدِيثِ وَكِيعٍ الَّذِي قَدْ رَوَيْنَاهُ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ أَحَادِيثِ أَوْسِ بْنِ حُذَيْفَةَ حَرْفٌ يَجِبُ أَنْ يُوقَفَ عَلَيْهِ ، وَهُوَ قَوْلُهُ فِيهِ : فَقُلْت : كَيْفَ كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُحَزِّبُ الْقُرْآنَ ؟ فَفِي ذَلِكَ إضَافَةُ تَحْزِيبِهِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي حَدِيثِ غَيْرِهِ مِمَّا رَجَعَ إلَى حَدِيثِ أَوْسِ بْنِ حُذَيْفَةَ قَالَ أَوْسٌ : فَسَأَلْتُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَيْفَ تُحَزِّبُونَ الْقُرْآنَ ؟ فَأَضَافَ التَّحْزِيبَ إلَيْهِمْ لَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ كَيْفَ الْحَقِيقَةُ فِي ذَلِكَ . وَإِيَّاهُ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
645 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أحكام الكفالات بالديون عن الموتى وفيما يدل من ذلك على أحكامها على الأحياء بغير أمورهم وفي أداء ما كفل به عنهم كذلك هل لمؤديه عنهم أن يرجع بما أداه عنهم عليهم في حياتهم أو في تركاتهم بعد وفاتهم . 4789 - حدثنا يونس بن عبد الأعلى أخبرنا عبد الله بن وهب وحدثنا بحر بن نصر حدثنا ابن وهب أخبرني يونس قال يونس في حديثه وابن أبي ذئب ، عن ابن شهاب ، عن أبي سلمة . عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يؤتى بالرجل الميت عليه الدين فيسأل ما ترك لدينه من قضاء ؟ فإن حدث أنه ترك وفاء صلى عليه ، وإلا قال : صلوا على صاحبكم فلما فتح الله تعالى عليه الفتوح قال : أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم فمن توفي وعليه دين فعلي قضاؤه ومن ترك مالا فهو لورثته . قال أبو جعفر : ففيما روينا عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان لا يصلي على المدينين المتوفين الذين لم يتركوا قضاء لديونهم ، وأنه قد كان يصلي عليهم إذا تركوا قضاء لديونهم ، وإن كان القضاء الذي تركوه لا يبرئهم من الديون التي عليهم ؛ لأنه قد يجوز أن يلحقه الضياع والتوى قبل أن يصرف في قضاء الديون التي عليهم ، فتبقى الديون التي كانت عليهم . 4790 - حدثنا محمد بن حميد بن هشام الرعيني حدثنا عبد الله بن يوسف حدثنا محمد بن مهاجر ، عن أبيه ، قال : حدثتنا أسماء بنت يزيد قالت : دعي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنازة رجل من الأنصار ، فلما وضع السرير تقدم النبي صلى الله عليه وسلم ليصلي عليه ، فالتفت فقال : أعلى صاحبكم دين قالوا : نعم يا رسول الله قال صلوا على صاحبكم ، فقال أبو قتادة الأنصاري : هما إلي يا رسول الله فصلى عليه . فدل ما في هذا الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل المتوفى المديون الذي لم يترك قضاء لدينه بالكفالة لدينه عنه بعد وفاته كتارك الوفاء بالدين الذي عليه . وفي هذه الآثار من الفقه إلزام رسول الله صلى الله عليه وسلم الكفيل بما كفل به عمن هو عليه بغير أمر الذي هو عليه إياه بذلك . وفيه إلزامه الكفالة بغير قبول من المكفول له به إياها منه كما يقول أبو يوسف ومحمد في ذلك بخلاف ما كان أبو حنيفة يقوله فيه ؛ لأنه كان لا يلزم الكفيل ما كفل به إلا بقبول المكفول له ذلك منه . وفيه أيضا إلزام الكفالة بالدين الذي على الموتى الذين لم يتركوا له قضاء كما يقول أبو يوسف ومحمد في ذلك وبخلاف ما يقوله أبو حنيفة فيه لأنه كان لا يجيز الكفالة بذلك ويذهب إلى أن الدين إذا كان كما ذكرنا قد توى بذهاب الذمة التي كان فيها قال والكفالة بالتاوي كفالة بما قد بطل فلا معنى لها وليس لأحد أن يتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قول ولا في حكم . 4791 - حدثنا فهد بن سليمان حدثنا محمد بن سعيد ابن الأصبهاني أخبرنا شريك بن عبد الله ، عن عبد الله بن محمد بن عقيل . عن جابر بن عبد الله أن رجلا مات وعليه دين فلم يصل عليه النبي صلى الله عليه وسلم حتى قال أبو اليسر أو غيره هو إلي فصلى عليه فجاءه من الغد فتقاضاه فقال : إنما ذلك كان أمس ، ثم أتاه من بعد الغد فأعطاه فقال : الآن بردت عليه جلده . ففي هذا الحديث ما قد دل على إلزام الكفيل الدين الذي كفل به عمن هو عليه ووجوب أخذ المكفول له به الكفيل ودليل على أن الكفالة به لم تبرئ الذي هو عليه منه بوجوبه على الكفيل ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر في هذا الحديث أن جلد الميت إنما برد بأداء كفيله الدين الذي كفل به عنه لا بكفالة ربه عنه ، وفي ذلك ما قد دل على أن المكفول له بالدين له أن يطالب به الكفيل ، وإذا كان له أن يطالب به الكفيل كان المكفول عنه إذا كان مقدورا على مطالبته أحرى أن تكون له مطالبته به . وفي ذلك دليل على صحة ما كان أبو حنيفة وأصحابه والشافعي يذهبون إليه في المال المكفول به أن للمكفول له أن يطالب به كل واحد من المكفول عنه ومن الكفيل به ، وبخلاف ما كان مالك قاله إنه لا يطالب الكفيل إلا وهو لا يقدر على مطالبة المكفول به بما كفل له به ذلك الكفيل عنه ؛ لأن في هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم ألزم الكفيل ما كفل به بكفالته به . فإن قال قائل إنما كان للمكفول له مطالبة الكفيل ؛ لأن المكفول عنه لم يترك شيئا بقدر الذي له الدين أن يأخذ دينه منه . قيل له فهل كان في الكفالة اشتراط شيء من هذا إنما كان فيها الكفالة بالدين مطلقة وإذا كانت الكفالة تلزم الكفيل ما كفل به وجب أن يؤخذ بما قد لزمه في الأحوال كلها وقد ذكر عبد الرحمن بن القاسم أن مالكا كان يقول بالقول الذي قد ذكرنا عن أبي حنيفة وأصحابه ، ثم رجع بعد ذلك عن قوله إلى قول الذي ذكرناه عنه . 4792 - حدثنا محمد بن خزيمة حدثنا حجاج بن منهال حدثنا أبو عوانة ، عن عثمان بن عبد الله بن موهب ، عن عبد الله بن أبي قتادة . عن أبيه أنه قال توفي رجل منا فذهبوا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي عليه فقال : هل ترك شيئا ؟ قالوا : لا والله ما ترك شيئا ، فقال : هل ترك عليه دينا ؟ قالوا : نعم ثمانية عشر درهما ، قال : فهل ترك لها قضاء ؟ قالوا : لا والله ما ترك لها قضاء من شيء ، قال : فصلوا أنتم عليه ، قال : فقال أبو قتادة : يا رسول الله ، أرأيت إن أنا قضيت عنه أتصلي عليه ؟ قال : نعم إن قضيت عنه بالوفاء صليت عليه فذهب أبو قتادة فقضى عنه ، ثم جاء فقال : قد أوفيت ما عليه قال نعم فدعا به فصلى عليه . قال أبو جعفر : فاعتبرنا هذا الحديث فوجدناه فاسد الإسناد . 4793 - كما حدثنا بحر بن نصر حدثنا عبد الله بن وهب قال : أخبرني عمرو بن الحارث أن بكير بن عبد الله حدثه ، أن عبد الله بن أبي قتادة حدثه . أن رجلا من نجران سأله وهو عند نافع بن جبير فقال : أرأيت الحديث الذي ذكر لنا في الرجل الذي كان عليه دين ديناران فدعي إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبى أن يصلي عليه فتحمل بهما أبو قتادة هل سمعت أباك ذكر ذلك قلت : لا ، ولكن قد حدثنيه من أهلي من لا أتهمه 4794 - وكما حدثنا الربيع بن سليمان المرادي حدثنا شعيب بن الليث وكما حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ، قال : أخبرنا أبي وشعيب بن الليث قالا : أخبرنا الليث ، عن بكير بن عبد الله . عن ابن أبي قتادة أنه قال : سمعت من أهلي من لا أتهم يحدث أن رجلا توفي على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه ديناران فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصلي عليه حتى تحمل بهما أبو قتادة . ولما فسد إسناد هذا الحديث انتفى أن يكون لأحد أن يحتج بما في متنه على من يخالفه فيه . وفيما قد ذكرنا قبله في هذا الباب من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن كفل بالدين بعد أدائه إياه عمن كفل به عنه الآن بردت عليه جلده دليل على صحة ما كان أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد يقولونه فيمن قضى على رجل دينا عليه بغير أمره إنه ليس له أن يرجع به عليه وبخلاف ما كان مالك يقوله فيه إن له أن يرجع به عليه ويجعل الدين قد يحول بأداء الذي أداه عن الذي كان عليه من الذي كان له إلى الذي أداه لأنه لو كان الدين قد تحول إلى الذي أداه لما كان بأدائه إياه قد برد به جلد الذي كان عليه لأنه في قوله لم يبرأ من الدين إنما يحول في قوله إلى مؤديه عن الذي أداه إليه وليس لأحد التخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قول ولا في فعل ما لم ينبه الله عز وجل به عن أمته . وجميع ما ذكرناه في هذا الباب من أقوال أبي حنيفة وأصحابه 4795 - حدثناه محمد بن العباس ، عن علي بن معبد ، عن محمد بن الحسن ، عن أبي يوسف ، عن أبي حنيفة رحمه الله بما ذكرناه عنه وعن علي ، عن محمد ، عن أبي يوسف بما ذكرناه عنه ، وعن علي ، عن محمد بما ذكرناه عنه والله الموفق .
215 - باب بَيَانُ مُشْكِلِ مَا اُخْتُلِفَ فِيهِ عَنْ عُثْمَانَ ابْنِ عَفَّانَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما فِي الْأَنْفَالِ وَبَرَاءَةٌ ، وَهَلْ هُمَا سُورَتَانِ ؟ أَوْ سُورَةٌ وَاحِدَةٌ ؟ . 1559 - حدثنا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَ : حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُمْرَانَ قَالَ : حدثنا عَوْفٌ ، عَنْ يَزِيدَ الْفَارِسِيِّ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قُلْتُ لِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ : مَا حَمَلَكُمْ عَلَى أَنْ عَمَدْتُمْ إلَى الْأَنْفَالِ وَهِيَ مِنْ الْمَثَانِي وَإِلَى بَرَاءَةٍ وَهِيَ مِنْ الْمِئِينَ فَقَرَنْتُمْ بَيْنَهُمَا وَلَمْ تَكْتُبُوا بَيْنَهُمَا سَطْرَا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، وَوَضَعْتُمُوهَا فِي السَّبْعِ الطِّوَالِ ؟ فَمَا حَمَلَكُمْ عَلَى ذَلِكَ ؟ قَالَ : فَقَالَ عُثْمَانُ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَأْتِي عَلَيْهِ الزَّمَانُ وَهُوَ يَنْزِلُ عَلَيْهِ مِنْ السُّوَرِ ذَوَاتِ الْعَدَدِ ، فَكَانَ إذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الشَّيْءُ دَخَلَ بَعْضُ مَنْ يَكْتُبُ لَهُ فَيَقُولُ : ضَعُوا هَذَا فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا ، وَإِذَا نَزَلَتْ عَلَيْهِ الْآيَاتُ قَالَ : ضَعُوا هَذِهِ الْآيَاتِ فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا . وَإِذَا نَزَلَتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ قَالَ : ضَعُوا هَذِهِ الْآيَةَ فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا . وَكَانَتْ الْأَنْفَالُ مِنْ أَوَائِلِ مَا أُنْزِلَ بِالْمَدِينَةِ ، وَكَانَتْ بَرَاءَةٌ مِنْ آخِرِ الْقُرْآنِ -قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي : نُزُولًا - وَكَانَتْ قِصَّتُهَا شَبِيهَةً بِقِصَّتِهَا ، فَظَنَنْتُ أَنَّهَا مِنْهَا . وَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يُبَيِّنْ لَنَا أَنَّهَا مِنْهَا . مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ قَرَنْت بَيْنَهُمَا ، وَلَمْ أَكْتُبْ بَيْنَهُمَا سَطْرَا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، وَوَضَعْتُهُمَا فِي السَّبْعِ الطِّوَالِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ ظَنَّ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُمَا سُورَةٌ وَاحِدَةٌ ، وَتَحْقِيقُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُمَا سُورَتَانِ . وَإِذَا كَانَ تَحْزِيبُ الْقُرْآنِ عَلَى مَا فِي حَدِيثِ أَوْسِ بْنِ حُذَيْفَةَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا الْبَابِ وَجَبَ أَنْ تَكُونَا سُورَتَيْنِ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَتَبَايُنُهُمَا فِي الْوَقْتَيْنِ اللَّذَيْنِ كَانَ نُزُولُهُمَا فِيهِمَا يَدُلُّ أَنَّهُمَا سُورَتَانِ لَا سُورَةٌ وَاحِدَةٌ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْأَنْفَالَ نَزَلَتْ فِي بَدْرٍ 1560 - كَمَا حدثنا إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ يُونُسَ الْبَغْدَادِيُّ قَالَ : حدثنا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَمَّالُ قَالَ : حدثنا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْوَاسِطِيُّ قَالَ : حدثنا هُشَيْمٌ ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قُلْت : سُورَةُ الْأَنْفَالِ ؟ قَالَ : نَزَلَتْ فِي بَدْرٍ . قُلْت : فَالْحَشْرُ ؟ قَالَ : نَزَلَتْ فِي بَنِي النَّضِيرِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَبَدْرٌ إنَّمَا كَانَتْ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ ، وَبَرَاءَةٌ فآخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ . 1561 - كَمَا حدثنا فَهْدٌ قَالَ : حدثنا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ قَالَ : حدثنا شُعْبَةُ قَالَ : حدثنا أَبُو إِسْحَاقَ قال : سَمِعْتُ الْبَرَاءَ يَقُولُ : آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ : يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ . وَآخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ بَرَاءَةٌ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَفِي ذَلِكَ تَحْقِيقُ الْبَرَاءِ أَنَّ بَرَاءَةً سُورَةٌ كَامِلَةٌ بَائِنَةٌ مِنْ الْأَنْفَالِ . وَهَذَا مِمَّا يُعْلَمُ أَنَّهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ رَأْيًا ؛ إذْ كَانَ مِثْلُهُ لَا يُقَالُ بِالرَّأْيِ ، وَأنَّهُ إنَّمَا قَالَهُ تَوْقِيفًا ؛ لِأَنَّ مِثْلَهُ لَا يُؤْخَذُ إلَّا بِالتَّوْقِيفِ . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ مَا يَدْخُلُ فِي هَذَا الْمَعْنَى الَّذِي جَرَى فِيهِ الِاخْتِلَافُ الَّذِي ذَكَرْنَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا . 1562 - مَا قَدْ حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ الشَّيْزَرِيُّ قَالَ : حدثنا عِيسَى بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ : حدثنا مُبَشِّرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ سَالِمٍ الْأَفْطَسِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَ جِبْرِيلُ إذَا نَزَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ عَلِمَ أَنَّ السُّورَةَ قَدْ انْقَضَتْ . 1563 - وَمَا قَدْ حدثنا يُونُسُ قَالَ : حدثنا سُفْيَانُ ، عَنْ عَمْرٍو ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ بِغَيْرِ ذِكْرٍ مِنْهُ إيَّاهُ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَعْلَمُ فَصْلَ السُّورَةِ حَتَّى تَنْزِلَ عَلَيْهِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَأَخْبَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَأْتِيهِ مِنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَا يَعْلَمُ بِهِ آخِرَ السُّورَةِ ، وَفِي ذَلِكَ مَا قَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْحَقِيقَةَ فِيمَا اخْتَلَفَ عُثْمَانُ وَهُوَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِيهِ مِمَّا ذَكَرْنَا اخْتِلَافَهُمَا فِيهِ - كَانَتْ الْحَقِيقَةُ فِيهِ مَا قَالَهُ هُوَ فِيهِ ؛ لِمَا قَدْ وَقَفَ عَلَى ذَلِكَ مِمَّا قَدْ رَوَيْنَاهُ عَنْهُ مِمَّا لَمْ يُوقَفْ عَلَيْهِ عُثْمَانُ . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَيْضًا مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ . 1564 - وَهُوَ مَا قَدْ حدثنا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمُرَادِيُّ قَالَ : حدثنا أَسَدُ بْنُ مُوسَى قَالَ : حدثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ هِنْدٍ الْأَسْلَمِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : مَنْ أَخَذَ السَّبْعَ فَهُوَ حَبْرٌ ، يَعْنِي : بِذَلِكَ السَّبْعَ الطِّوَالَ مِنْ الْقُرْآنِ . 1565 - حدثنا يُوسُفُ بْنُ يَزِيدَ قَالَ : حدثنا حَجَّاجُ بْنُ إبْرَاهِيمَ الْأَزْرَقِ قَالَ : حدثنا إسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ ، عَنْ عَمْرٍو ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ هِنْدٍ الْأَسْلَمِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَنْ أَخَذَ السَّبْعَ فَهُوَ حَبْرٌ . أَفَلَا تَرَى أَنَّا قَدْ أَحَطْنَا عِلْمًا أَنَّ بَرَاءَةَ قَدْ دَخَلَتْ فِي ذَلِكَ دُونَ الْأَنْفَالِ أَوْ دَخَلَ الْأَنْفَالُ فِي ذَلِكَ دُونَ بَرَاءَةٍ ؟ وَفِي ذَلِكَ مَا قَدْ دَلَّ أَنَّهُمَا سُورَتَانِ لَا سُورَةٌ وَاحِدَةٌ . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِمَّا يَدْخُلُ فِي هَذَا الْمَعْنَى أَيْضًا . 1566 - مَا قَدْ حدثنا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَ : حدثنا أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيُّ قَالَ : حدثنا عِمْرَانُ الْقَطَّانُ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ الْهُذَلِيِّ ، عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : أُعْطِيتُ مَكَانَ التَّوْرَاةِ السَّبْعَ ، وَأُعْطِيتُ مَكَانَ الزَّبُورِ الْمَئِينِ ، وَأُعْطِيتُ مَكَانَ الْإِنْجِيلِ الْمَثَانِيَ ، وَفُضِّلْت بِالْمُفَصَّلِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : أَفَلَا تَرَى أَنَّ الْأَنْفَالَ مِنْ الْمَثَانِي ، وَأَنَّ بَرَاءَةً مِنْ الْمِئِينَ ، وَأَنَّ فِي ذَلِكَ مَا قَدْ دَلَّ أَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا غَيْرُ صَاحِبَتِهَا ، وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُعْطِيَ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مَكَانَ مَا أُعْطِيَ الْأُخْرَى مَكَانَهُ فِيمَا ذَكَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ . وَفِي ذَلِكَ مَا قَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّهُمَا سُورَتَانِ لَا سُورَةٌ وَاحِدَةٌ . وَفِي التَّحْزِيبِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا الْبَابِ مَا قَدْ حَقَّقَ ذَلِكَ أَيْضًا ، فَإِنْ يَكُنْ التَّحْزِيبُ كَانَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَهُوَ الْحُجَّةُ الَّتِي لَا يَجُوزُ خِلَافُهَا ، وَإِنْ يَكُنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِهِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فَهُمْ الْمُقْتَدُونَ بِهِ الْمُتَّبِعُونَ لِآثَارِهِ ، الَّذِينَ لَا يَخْرُجُونَ عَنْ مَا كَانَ عَلَيْهِ . فَعُلِمَ أَنَّ ذَلِكَ مَا كَانَ فِي التَّحْزِيبِ ، فَقَدْ ثَبَتَ بِهِ أَنَّ بَرَاءَةً وَالْأَنْفَالَ سُورَتَانِ لَا سُورَةٌ وَاحِدَةٌ . وَقَدْ ذَهَبَ آخَرُونَ إلَى أَنَّ تَرْكَهُمْ كَانَ اكْتِتَابَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ بَيْنَ الْأَنْفَالِ وَبَرَاءَةٍ لِغَيْرِ الْمَعْنَى الَّذِي فِي حَدِيثِ يَزِيدَ الْفَارِسِيِّ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ عُثْمَانَ . وَأَنِفُوا أَنْ يَكُونَ مِثْلُ هَذَا يَذْهَبُ عَنْ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ؛ لِعِنَايَتِهِ كَانَ بِالْقُرْآنِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا إلَى أَنْ تَوَفَّاهُ اللَّهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . عَلَى ذَلِكَ وَيَذْكُرُونَ أَنَّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إنَّمَا كَانَ تَرْكُهُمْ لِكِتَابَتِهَا بَيْنَ الْأَنْفَالِ وَبَيْنَ بَرَاءَةٍ ؛ لِأَنَّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ حُرُوفُ رَحْمَةٍ ، وَسُورَةُ بَرَاءَةٍ لَيْسَتْ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى الَّذِي مِنْ جِنْسِ مَا يُرَادُ بِهِ الرَّحْمَةُ ، وَإِنَّمَا هِيَ نَقْضُ عُهُودٍ وَنِذَارَاتٌ وَوَعِيدَاتٌ وَتَخْوِيفَاتٌ ، وَإِبَانَةُ نِفَاقٍ مِمَّنْ نَافَقَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَاسْتَحَقَّ بِهِ مَا اسْتَحَقَّ مِنْ الْعَذَابِ وَالتَّخْلِيدِ فِي النَّارِ ، فَلَمْ يَرَوْا مَعَ ذَلِكَ أَنْ يَكْتُبُوا فِي أَوَّلِهَا سَطْرَا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ؛ إذْ كَانَ مَا بَعْدَهُ أَكْثَرُهُ لَا رَحْمَةَ فِيهِ ، وَإِنَّمَا هُوَ أَضْدَادٌ لَهَا ، وَهَذَا مَذْهَبُ مَنْ يَتَكَلَّمُ فِي هَذِهِ الْمَعَانِي عَلَى غَيْرِ جِهَةِ الْآثَارِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الْأَمْرِ كَانَ فِي ذَلِكَ . وَإِيَّاهُ أَسْأَلُ التَّوْفِيقَ . وَقَدْ دَخَلَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْمَقَالَةِ فِي مَقَالَتِهِمْ هَذِهِ أَنَّ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ سُورَتَيْنِ مِنْ سُوَرِ الْعَذَابِ قَدْ كُتِبَ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا سَطْرُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ : وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ ، وَتَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ - فَكَانَ فِي ذَلِكَ مَا قَدْ دَلَّ أَنَّ سُورَةَ الْعَذَابِ قَدْ يُكْتَبُ قَبْلَهَا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كَمَا يُكْتَبُ قَبْلَ سُورَةِ الرَّحْمَةِ . وَكَانَ آخَرُونَ يَقُولُونَ : إنَّمَا تُرِكَ اكْتِتَابُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَبْلَ سُورَةِ بَرَاءَةٍ إعْظَامًا لِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنْ خِطَابِ الْمُشْرِكِينَ بِهَا فَفَسَدَ هَذَا الْقَوْلُ أَيْضًا بِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَبِمَا فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِمَّا يَدْفَعُهُ . فَأَمَّا مَا فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِمَّا يَدْفَعُهُ فَكِتَابُ سُلَيْمَانَ إلَى صَاحِبَةِ سَبأ الْكِتَابُ الَّذِي أَعْلَمَتْ صَاحِبَةُ سَبَأ قَوْمَهَا أَنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ ، وَأَنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَهِيَ وَهُمْ مُشْرِكُونَ قَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ الْهُدْهُدِ لِسُلَيْمَانَ : وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ . وَأَمَّا مَا فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 1567 - فَمَا قَدْ حدثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُد قَالَ : حدثنا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ : أخبرنا شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ : حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو سُفْيَانَ مِنْ فِيهِ إلَى أَنَّ هِرَقْلَ دَعَا لَهُمْ بِكِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَرَأَهُ فَإِذَا فِيهِ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ ، السَّلَامُ عَلَى مَنْ اتَّبَعَ الْهُدَى ثُمَّ ذَكَرَ بَقِيَّةَ الْحَدِيثِ . وَفِيمَا ذَكَرْنَا إبَاحَةُ ابْتِدَاءِ خِطَابِ الْمُشْرِكِينَ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . وَلَمَّا انْتَفَى هَذَانِ الْقَوْلَانِ الْآخَرَانِ ، وَلَمْ يَكُنْ فِي هَذَا الْبَابِ سِوَاهُمَا ، وَسِوَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ - ثَبَتَ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ . وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
860- باب بيان مشكل ما رواه نافع مولى عبد الله بن عمر ، عن عبد الله بن عمر ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذا المعنى . 6327 - حدثنا إبراهيم بن أبي داود ، حدثنا مسدد بن مسرهد ، حدثنا يحيى -وهو ابن سعيد القطان - عن عبيد الله -وهو ابن عمر - حدثني نافع ، عن ابن عمر : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : من أعتق شركا له في مملوك ، فقد عتق كله ، فإن كان للذي أعتق نصيبه من المال ما يبلغ ثمنه ، فعليه عتقه كله . 6328 - وحدثنا أحمد بن شعيب ، أخبرنا إسماعيل بن مسعود ، حدثنا خالد - وهو ابن الحارث - حدثنا عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : من كان له شرك في عبد فأعتقه فقد عتق كله ، فإن كان له مال ، قوم عليه قيمة عدل في ماله ، وإن لم يكن له مال ، فقد عتق منه ما عتق . قال أبو جعفر : فكان في هذا الحديث : إخبار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أن العبد قد عتق كله بعتق الذي أعتقه ، وإن كان الذي يملكه فيه بعضه لا كله ، والذي فيه سوى ذلك من ذكر ما يجب عليه بيساره زائد على ذلك ، منفصل منه ، وليس فيه ذكر حكم العبد ، إذا كان معتقه الذي يملك بعضه ولا يملك بقيته معسرا ، كيف هو ؟ فكان بعض الناس يذهب إلى أنه يكون عليه في ذلك وإن كان معسرا ، كمثل الذي يكون عليه فيه إذا كان موسرا ، ويذهب قائلو ذلك إلى أنهم لم يروا الإعسار يمنع الجناة للواجب عليهم بجناياتهم في حال إعسارهم يقيم ما جنوا عليه فأتلفوه لمالكيه ، وإن أحكامهم في ذلك في حال إعسارهم كأحكامهم فيه حال يسارهم ، إلا عند الأخذ بذلك في حال إعسارهم به ، فإنه مرفوع عنهم لعجزهم عنه لا ما سوى ذلك مما يؤخذون به منه ، في حال يسارهم به . وكان مما يحتجون به في ذلك لما يذهبون إليه فيه ما يروى عن ابن عمر من غير حديث نافع . 6329 - كما حدثنا علي بن شيبة ، حدثنا يحيى بن يحيى النيسابوري ، حدثنا أبو الأحوص - يعني سلام بن سليم الحنفي - عن عبد العزيز بن رفيع ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن عبد الله بن عمر : قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من أعتق شقصا له في مملوك ، ضمن لشركائه نصيبهم . 6330 - 5371 – وكما حدثنا أحمد بن شعيب ، أخبرنا هناد بن السري ، عن أبي الأحوص ، ثم ذكر بإسناده مثله ، غير أنه قال : ضمن لأصحابه أنصباءهم . 6331 - وكما حدثنا أحمد بن شعيب ، أخبرني هلال بن العلاء الرقي ، حدثنا الحسين بن عياش - يعني الباجدائي - حدثنا زهير بن معاوية ، أخبرنا عبد العزيز بن رفيع ، عن عمرو بن دينار وابن أبي مليكة ، عن ابن عمر ، قلت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ قال : نعم . قال : من أعتق عتاقة فيها شريك ، فتمام عتقه على الذي أعتقه . قال أبو جعفر : فاختلف أبو الأحوص ، وزهير بن معاوية على عبد العزيز بن رفيع في إسناد هذا الحديث ، ورواه كل واحد منهما عنه ، كما ذكرناه عنه ، والله أعلم بحقيقة الصواب في ذلك . وكان من الحجة على أهل هذا القول لمخالفتهم فيه : أنه قد يحتمل أن يكون الذي في هذا الحديث مما حفظه راويه ، عن ابن عمر ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مما حفظه عنه فيه على حكمه إذا كان موسرا ، لا على حكمه إذا كان معسرا ، وكان في حديث عبيد الله بن عمر ، عن نافع الذي ذكرناه في هذا الباب ، ذكر ذلك الحكم في العتاق أيضا ، وذكر الواجب بعده في يسار المعتق ، فكان الأولى في ذلك أن يصحح الحديثان جميعا ، ويجعلان على أن المراد بما فيهما ما يجب على المعتق في حال يساره لا ما سواه . ثم نظرنا في حديث عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، من غير حديث يحيى وخالد عنه ، كيف هو ؟ 6332 - فوجدنا فهد بن سليمان ، قد حدثنا ، قال : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا أبو أسامة وابن نمير ، قالا : ، حدثنا عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من أعتق شركا له في مملوك ، فعليه عتقه كله إن كان له مال يبلغ ثمنه ، فإن لم يكن له مال قوم قيمة عدل على المعتق ، وعتق منه ما عتق . قال أبو جعفر : ففي هذا الحديث إخبار ابن عمر ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن الذي يجب على المعتق مما ذكر وجوبه عليه فيه ، وفيما رويناه قبله في هذا الباب ، هو إذا كان له مال يبلغ ثمنه ، وذلك مما قد يحتمل أن يكون نافع حفظه ، عن عبد الله بن عمر وقصر عن حفظه ممن رواه عن ابن عمر بغير ذكر ذلك فيه . ثم نظرنا في هذا الحديث : كيف رواه عن نافع غير من ذكرنا ؟ . 6333 - فوجدنا محمد بن خزيمة البصري ، قد حدثنا ، قال : حدثنا أحمد بن محمد بن أبي بكر المقدمي ، حدثنا عارم أبو النعمان ، حدثنا حماد بن زيد ، حدثنا أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : من أعتق شركا له في مملوك ، أو شركا له في عبد ، فكان له من المال ما يبلغ قيمته بقيمة العدل ، فهو عتيق . قال نافع : وإلا فقد عتق منه ما عتق . قال أيوب : لا أدري ، أشيء قاله نافع أو في الحديث ؟ . 6334 - ووجدنا أحمد بن شعيب قد حدثنا ، قال : حدثنا إسحاق بن إبراهيم ، أخبرنا عبد الوهاب الثقفي ، حدثنا أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : من أعتق شقصا له في مملوك ، وكان له من المال ما يبلغ ثمنه بقيمة عدل ، فهو عتيق ، وربما قال : وإن لم يكن له مال ، فقد عتق منه ما عتق ، وربما لم يقله ، وأكبر ظني أنه شيء يقوله نافع من قبله . 6335 - ووجدنا أحمد بن شعيب قد حدثنا ، قال : أخبرنا عمرو بن زرارة ، أخبرنا إسماعيل -يعني ابن علية عن أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : من أعتق نصيبا له -أو قال : شقصا له أو شركا له - في عبد ، فكان له من المال ما يبلغ ثمنه بقيمة عدل ، فهو عتيق ، وإلا فقد عتق منه ما عتق . قال أيوب : وربما قال نافع هذا الحديث ، وربما لم يقله ، فلا أدري : أهو في الحديث أو قاله نافع من قبله ؟ -يعني قوله : فقد عتق منه ما عتق . 6336 - ووجدنا أحمد قد حدثنا ، قال : أخبرنا عمرو بن علي ، حدثنا يزيد بن زريع ، حدثنا أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من أعتق شركا له في مملوك ، وكان له من المال ما يبلغ ثمنه بقيمة العدل ، فهو عتيق من ماله . قال أبو جعفر : فكان الذي رواه أيوب ، عن نافع في هذا الحديث أن الضمان الذي يجب على المعتق المذكور فيه : هو إذا كان له من المال ما يبلغ ثمنه ، لا من سواه من المعتقين في مثل ذلك وهم لا يملكون ما بلغ ثمنه . ثم نظرنا في هذا الحديث ، كيف رواه غير من ذكرنا ، عن نافع ؟ . 6337 - فوجدنا يونس قد حدثنا ، قال : أخبرنا ابن وهب أن مالكا أخبره عن نافع ، عن عبد الله بن عمر : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : من أعتق شركا له في عبد ، وكان له مال يبلغ ثمن العبد ، قوم عليه قيمة العدل ، فأعطي شركاؤه حصصهم ، وعتق عليه العبد ، وإلا فقد عتق عليه ما عتق . فكان ما في هذا الحديث أيضا قد دل أن الضمان الذي قد ذكر فيه على المعتق المذكور فيه ، هو إذا كان موسرا ، وليس فيه ما يدل على حكمه في ذلك إذا كان معسرا . فإن قال قائل : فإن في هذا الحديث : وإلا فقد عتق عليه ما عتق ، ففي هذا ما قد دل أنه لم يعتق عليه إذا كان معسرا من ذلك العبد إلا مقدار ما أعتقه منه مما كان يملكه . فكان جوابنا له في ذلك : أن هذا ليس في الحديث كما ذكر ، وإنما فيه : وإلا فقد عتق عليه ما عتق ، وقد يحتمل أن يكون الذي عتق عليه هو جميع العبد ، وقد يحتمل ما سوى ذلك كما في حديث يحيى القطان ، عن عبيد الله ، عن نافع : فقد عتق كله ، ثم أعقب ذلك بقوله : فإن كان للذي أعتق نصيبه من المال ما يبلغ ثمنه ، فعليه عتقه كله . ففي هذا ما قد دل على أن العبد يكون عتيقا كله بالعتق الذي كان من أحد مالكيه ، وإن هذا الحكم المذكور بعد ذلك هو على ما قد عتق منه مما قد يحتمل أن يكون على كله أو على بعضه ، وقد وكد ما ذكرنا : أن المقصود إليه في الضمان بعتاقه الذي وصفنا ، هو المالك من المال ما يبلغ ثمن العبد ، لا من سواه ممن لا يملك ذلك على ما في حديث سالم الذي رويناه عنه ، عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الباب الذي قبل هذا الباب من قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيه : إذا كان العبد بين اثنين ، فأعتق أحدهما نصيبه ، فإن كان موسرا ، فإنه يقوم عليه بأعلى القيمة ، ويعتق . فدل ذلك على أن لا حكم فيه مذكور للعبد المعتق إذا كان معتقه بخلاف ذلك من سوى اليسار . فقال قائل : فقد روي عن ابن عمر ما يدل على أن العبد إذا كان معتقه الذي ذكرنا معسرا قد بقي فيه كمن لم يعتق ما كان له منه رقيقا على ما كان عليه قبل ذلك ، وذكر في ذلك . 6338 - ما قد حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ، حدثنا إسماعيل بن مرزوق الكعبي ، أخبرني يحيى بن أيوب ، عن إسماعيل بن أمية وعبيد الله بن عمر ويحيى بن سعيد ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال في العبد يكون بين شريكين فيعتق أحدهما ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : يقوم عليه في ماله قيمة عدل ، فيعتق عليه ، فإن لم يكن في ماله ما يخرج حرا ، قال : يعتق منه ما عتق ، ويرق منه ما رق . فكان جوابنا له في ذلك : أن هذه الزيادة التي في هذا الحديث لم نجدها إلا فيه ، وقد ذكرناه ، عن يحيى القطان ، وخالد بن الحارث ، ومن سواهما ، ممن ذكرناه عنه ، عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع بغير ذكر لذلك فيه ، وهؤلاء الذين ذكرنا هذا الحديث عنهم عن عبيد الله ، عن نافع هم الحجة في مثله على من هو فوق يحيى بن أيوب ، مع أن هذا الحديث لم نجده عن يحيى بن أيوب إلا عن إسماعيل بن مرزوق ، وإسماعيل ليس ممن يقطع بروايته في مثل هذا . فقال هذا القائل : فقد رواه يحيى بن أيوب ، عن يحيى بن سعيد ، عن نافع ، كما رواه عن عبيد الله ، عن نافع . وكان جوابنا له في ذلك : أنا قد وجدناه عن يحيى بن سعيد من رواية من هو في الحفظ في والإتقان بخلاف يحيى بن أيوب على خلاف ما رواه عنه عليه يحيى بن أيوب ، وهو هشيم بن بشير الواسطي . 6339 - كما حدثنا يوسف بن يزيد القراطيسي ، أخبرنا سعيد بن منصور ، حدثنا هشيم ، أخبرنا يحيى بن سعيد ، عن نافع ، عن ابن عمر : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : أيما رجل كان له نصيب في عبد ، فأعتق نصيبه ، فعليه أن يكمل عتقه بقيمة عدل . فكان هذا الحديث من رواية يحيى بن سعيد ، عن نافع ، كما رواه هشيم عنه ، إذ كان معه من الضبط والإتقان ما ليس مع يحيى بن أيوب ، على ما رويناه عنه ، عن نافع ليس فيه ذكر حكم العبد إذا كان معتقه لا يملك من المال ما يقوم عليه بقيته فيه . وقد ذكرنا هذا الحديث من رواية نافع عن ابن عمر في هذا الباب من روايات الرجال الثلاثة الذين هم الحجة في نافع ، وهم : عبيد الله بن عمر العمري ، وأيوب السختياني ، ومالك بن أنس ، وتركنا ذكره من روايات غيرهم ، عن نافع ، إذ كان ما روى غيرهم عن نافع في ذلك يرجع إلى مثل ما رواه بعضهم فيه ، وكان الكلام بينهم فيه كالكلام الذي ذكرنا بينهم فيه . 6340 - ثم طلبنا الواجب في العبد المعتق كذلك ، كيف هو ؟ فوجدنا إسماعيل بن إسحاق بن سهل الكوفي قد حدثنا ، قال : حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين ، حدثنا عبد السلام بن حرب الملائي ، عن أبي خالد - وهو يزيد بن عبد الرحمن الدالاني - عن إبراهيم الصائغ - وهو ابن ميمون - عن نافع ، عن ابن عمر : أن رجلين بينهما مملوك ، فأعتق أحدهما نصيبه ، قال : إن كان عنده مال أعتق نصف العبد ، وكان الولاء له ، وإن لم يكن له مال ، سعى العبد في بقية القيمة ، وكانوا شركاء في الولاء . قال أبو جعفر : وكان هذا الحديث مما لا يختلف في صحة إسناده ؛ لأنه إنما دار على أبي خالد الدالاني ، وهو حجة في الرواية ، إمام في بلده ، وعلى إبراهيم الصائغ - وهو إبراهيم بن ميمون - وهو إمام من أئمة خراسان ، لا يعدل به أهلها في الإمامة أحدا ، والذي ينبغي لنا لما صححنا هذه الآثار عن ابن عمر على ما صححناها عليه في هذا الباب ، أن يكون المعمول به منها هو عتاق كل العبد بعتق أحد مالكيه إياه على ما هو عليه من يسار أو إعسار ، وضمانه قيمة أنصباء شركائه من ذلك العبد بعد ذلك إن كان موسرا بذلك ، وسعاية العبد في قيم أنصباء شركاء المعتق فيه إن كان معسرا . وقد شد ما ذكرنا من وجوب عتاق العبد كله بعتق أحد مالكيه إياه ، ما قد رواه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غير عبد الله بن عمر . 6341 - كما حدثنا إبراهيم بن أبي داود ، حدثنا أبو الوليد الطيالسي ، حدثنا همام بن يحيى ، عن قتادة ، عن أبي المليح - يعني ابن أسامة الهذلي عن أبيه : أن رجلا أعتق شقصا له في مملوك ، فأعتقه النبي - صلى الله عليه وسلم - كله عليه ، وقال : ليس لله شريك . 6342 - وكما حدثنا ابن أبي داود ، حدثنا أبو عمر الحوضي ، حدثنا همام ، ثم ذكر بإسناده مثله . قال أبو جعفر : فكان في هذا الحديث ما قد دل أن العبد إذا صار بعضه لله بعتاق من أعتقه ، أن أنصباء من سواه من مالكيه كان قبل ذلك ينتفي عنه ، ويكمل لله - عز وجل - وفي ذلك ما قد دل على ما صححنا عليه ما قد رويناه قبله في هذا الباب . فقال قائل : هذا الحديث لم يرفعه عن أبي المليح ، عن أبيه ، غير همام بن يحيى ، فأما من سواه من سعيد بن أبي عروبة ، ومن هشام الدستوائي ، فإنما رووه موقوفا على أبي المليح ، غير متجاوز به إلى أبيه ، وذكر في ذلك . 6343 - ما قد حدثنا أحمد بن شعيب ، قال : حدثنا المؤمل بن هشام ، حدثنا إسماعيل - يعني ابن علية - عن سعيد ، عن قتادة ، عن أبي مليح : أن رجلا أعتق شقصا له في عبد ، فجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خلاصه في ماله ، وقال : إنه لا شريك لله - عز وجل 6344 - وما قد حدثنا أحمد ، أخبرنا محمد بن المثنى ، حدثني أبو عامر ، حدثنا هشام ، عن قتادة ، عن أبي المليح : أن رجلا أعتق شقصا في مملوك ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : عتق من ماله إن كان له مال ، وقال : ليس لله شريك . فكان جوابنا له في ذلك : أن سعيدا وهشاما قد رويا هذا الحديث عن قتادة كما ذكر ، وقد زاد عليهما عن قتادة فيه همام ما زاد ، وهما ممن لو روى حديثا فتفرد بروايته إياه ، كان مأمونا عليه ، مقبولة روايته فيه ، ومن كان كذلك في تفرده برواية حديث ، كان كذلك في تفرده برواية زيادة في حديث . فقال هذا القائل : ففي هذا الحديث : عتق من ماله إن كان له مال ، ليس لله شريك ، فهذا يدل على أن عتاقه كذلك وخلوصه لله ، إنما يكون إذا كان له مال ، فأما إذا لم يكن له مال ، فإنه يكون بخلاف ذلك . فكان جوابنا له في ذلك : أنه ليس في هذا الحديث ما يدل على ما ذكر ، وإنما الذي فيه عتاق العبد من مال معتقه لو كان له مال ، وليس فيه ما يمنع أن يكون عتاقه يكون من غير مال معتقه إذا لم يكن لمعتقه مال ، وهذا أولى ما حمل عليه وجهه ، حتى لا يضاد غيره مما قد ذكرناه في هذا الباب . ثم رجعنا إلى ما يقوله أهل العلم الذين تدور عليهم الفتوى في الأمصار في حكم هذا العبد في حال إعسار معتقه ، فكان بعضهم يقول : قد صار العبد حرا كله بعتق الذي أعتقه من مالكيه ، وعلى العبد أن يسعى لمن لم يعتقه من مالكيه ، ويؤدي ذلك إليهم ، وممن كان يقول ذلك منهم : محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، وسفيان بن سعيد الثوري ، وأبو يوسف ، ومحمد بن الحسن ، في كثير من أهل الكوفة . وكان بعضهم يقول : قد عتق من العبد ما عتق بعتق الذي أعتقه من مالكيه ، ومن يملك بقيته على نصيبه منه ، إن شاء أعتقه ، فكان حرا بعتاقه إياه ، وعاد العبد حرا بالعتاق الأول الذي كان بعده ، وإن شاء استسعى العبد في قيمة نصيبه منه ، فعل ذلك حتى يؤديه إليه ، وممن كان يقول ذلك : أبو حنيفة ، وكان يحتج في ذلك بما قد روي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فيه كما 6345 - قد حدثنا عبد الملك بن مروان الرقي ، حدثنا أبو معاوية الضرير ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن عبد الرحمن بن يزيد ، قال : كان لنا غلام قد شهد القادسية ، فأبلى فيها ، وكان بيني وبين أمي وبين أخي الأسود ، فأرادوا عتقه ، وكنت يومئذ صغيرا ، فذكر ذلك الأسود لعمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فقال : أعتقوا أنتم ، فإذا بلغ عبد الرحمن ، فإن رغب فيما رغبتم به ، أعتق ، وإلا ضمنكم . قال أبو جعفر : فكان هذا الحديث صحيح الإسناد ، مكشوف المعنى ، غير أن ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مما يخالفه مما قد ذكرنا أولى منه . وكان بعضهم يقول : قد عتق نصيب من أعتقه منه ، وبقي نصيب من لم يعتقه منه مملوكا له ، كما كان قبل ذلك العتق ، وممن كان يقول ذلك : مالك ، والشافعي رحمهما الله في كثير من أهل الحجاز ، والذي صححنا عليه حديث ابن عمر على ما ذكرناه في هذا الباب أولى ، فأما ما ذكرناه في حديث إبراهيم الصائغ من ولاء العبد إذا كان معتقه معسرا أنه يكون لمن أعتقه ، ولمن يسعى له ، فإن جميع من ذكرنا يأبى ذلك ، ويجعل الولاء لمن أعتقه خاصة غير أبي حنيفة ، فإنه كان يجعل الولاء كذلك على ما في حديث إبراهيم هذا ، والقول عندنا في ذلك هو قول مخالفيه فيه ؛ لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : الولاء لمن أعتق ، وكان هذا العبد إنما عتق بكليته ، أو عتق منه ما عتق بعتاق من أعتقه من مالكيه بعتقه إياه ، لا بالسعاية التي أداها ، فكان معقولا أن يكون ولاؤه لمن دخله العتاق من قبله ، لا لمن سواه ، لا سيما وقد ذكرنا في حديث يحيى القطان ، عن عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أن العبد يكون عتيقا كله بعتق من أعتقه من مالكيه ، وإذا كان ذلك كذلك ، كان معقولا ؛ لأن الرق قد انتفى منه بذلك العتاق ، فلم يقع فيه عتاق بعد ذلك بعتق مالك كان لشيء منه ، ولا بسعاية كانت منه لمن لم يعتقه ممن كان يملكه ، وقد كان قول من يقول : إنه يعتق منه نصيب من أعتقه ، وتبقى بقيته على ملك من لم يعتقه ، إذا لم يكن لمن أعتقه من المال مقدار قيم أنصبائهم منه ، أنه يكون ما اكتسبه في يوم من أيامه لنفسه بحق العتاق الذي قد دخله ، وأنه يكون ما يكتسبه في يوم سواه لمن يملك بقيته ، وهذا قول لا يوجبه المعقول ؛ لأن العبد في اليوم الذي يعمل فيه لنفسه ، إنما يكتسب ما يكتسب فيه جميعه مما بعضه مملوك ، ومما بعضه بخلاف ذلك ، فكان معقولا أن ما يكتسبه بكليته يرجع إلى حكم ما كليته عليه ، وبعضه ليس بمملوك للذين لم يعتقوه ، وبعضه ليس بحر لبقاء ملك الذين لم يعتقوه على ما كانوا يملكون منه ، فيكون ما يملكه النصيبان جميعا على حكمهما لا يتفرد به نصيب منهما دون نصيب ، ولا يكون فيما يملكه في اليوم الذي يستعمل بأحد النصيين لمن يملكه بعضه دون بعض ممن لا يملكه كله . ألا ترى أن رجلا لو جنى على هذا الذي هذه سبيله جناية يجب له أرش ، أنه لا يجب أن ينفرد لها الحكم الذي هو عليه في اليوم الذي جنيت عليه فيه تلك الجناية ، وأنه يكون ذلك الأرش لنفسه بحق العتاق الذي قد دخله ، ولمن يملك بقيته بحق الرق الذي له فيه ، أولا ترى أنه لو كان مكان العبد أمة فزوجت على صداق برضاها بذلك ، وبإذن من يملك بقيتها له ، أفي ذلك : أن الصداق في قولهم يرجع إلى ما هي عليه من عتاق ومن رق ، لا إلى اليوم الذي هي فيه مما يستعمل نفسها فيه بالحرية التي قد دخلتها ، ويستعملها في خلافه ممن يملك بقيتها بحق الرق الذي له فيها ؟ . وإذا كان ما ذكرنا من أرش الجنايات ومن الأصدقة في التزويجات على ما ذكرنا ، وكان ذلك مردودا إلى أحكام من وجب ذلك له ، لا إلى أحكام الأيام التي يكون عليها من أجل ما هي فيه من عتاق ومن رق ، كان مثل ذلك مما يكتسبه يرجع إلى أحكام ما هو عليه من عتاق ومن رق ، لا إلى أحكام الأيام التي يكتسبه فيها على السبيل التي يكون عليها القائلون فيه القول الذي ذكرنا . وفيما ذكرنا من ذلك ما قد دل على انتفاء ما قالوا مما قد ذكرناه عنهم ، وفي انتفاء ما قالوا من ذلك ثبوت ضده ، وقد كان ابن أبي ليلى ، وابن شبرمة جميعا يقولان في العبد المعتق الذي ذكرنا إذا كان معتقه من أحد مالكيه إذا كان معسرا إنه يسعى في قيمة أنصباء الذين لم يعتقوه ، ثم يرجع بما يسعى فيه من ذلك على من أعتقه . وفيما روينا ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما يدفع ذلك ، إذ كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنما جعل على معتقه الضمان إذا كان له من المال ما يبلغ قيمة أنصباء شركائه فيه ، لا فيما سوى ذلك من الأحوال إذا كان عليها ، وليس لأحد أن يتعدى ما قاله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في شيء إلى زيادة عليه مما لم يرو ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والله الموفق .
216 - باب بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَتْرِ الْعَوْرَةِ . 1568 - حدثنا حُسَيْنُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : سَمِعْت يَزِيدَ بْنَ هَارُونَ قَالَ : أخبرنا بَهْزُ بْنُ حَكِيمٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ : قُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، عَوْرَاتُنَا مَا نَأْتِي أَوْ مَا نَذَرُ ؟ قَالَ : احْفَظْ عَوْرَتَكَ إلَّا مِنْ زَوْجَتِكَ ، أَوْ مِمَّا مَلَكَتْ يَمِينُكَ . قَالَ : قُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إذَا كَانَ الْقَوْمُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ؟ قَالَ : فَإِنْ اسْتَطَعْتَ أَنْ لَا يَرَاهَا أَحَدٌ . قَالَ : قُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إذَا كَانَ أَحَدُنَا خَالِيًا ؟ قَالَ : فَاَللَّهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ مِنْ النَّاسِ . 1569 - حدثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ ، قَالَ : حدثنا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ بْنِ فَارِسٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا بَهْزُ بْنُ حَكِيمٍ ، فَذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ : فَاَللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ مِنْ النَّاسِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَحْظُرْ عَلَى الرِّجَالِ سَتْرَ عَوْرَاتِهِمْ مِنْ أَزْوَاجِهِمْ ، وَلَا مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ . 1570 - وَقَدْ حدثنا بَكَّارَ بْنُ قُتَيْبَةَ قَالَ : حدثنا مُؤَمَّلُ بْنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ : حدثنا سُفْيَانُ قَالَ : حدثنا مَنْصُورُ بْنُ الْمُعْتَمِرِ ، عَنْ مُوسَى - قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْأَنْصَارِيُّ ثُمَّ الْخِطْمِيُّ - عَنْ مَوْلَاةٍ لِعَائِشَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُا قَالَتْ : مَا رَأَيْت فَرْجَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَطُّ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَكَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا ذَكَرْنَاهُ عَنْهَا فِيهِ ، وَذَلِكَ عِنْدَنَا - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِنْ كَانَ فِي سُنَّتِهِ أَنَّ هَذَا غَيْرُ مَحْظُورٍ عَلَيْهِ تَرَكَهُ وَاسْتَعْمَلَ سُنَنَ نَفْسِهِ مِنْهُ ، وَذَلِكَ لِمَا أَعْلَى اللَّهُ مِنْ مَنْزِلَتِهِ وَرَفَعَ مِنْ قَدْرِهِ ، وَجَعَلَ رُتْبَتَهُ الرُّتْبَةَ الْمُتَجَاوِزَةَ لِرُتَبِ سَائِرِ خَلْقِهِ سِوَاهُ ، فَكَانَ فِيمَا فَعَلَ مِنْ ذَلِكَ مِنْ السَّتْرِ عَلَى مَا يَكُونُ عَلَيْهِ مَنْ هَذِهِ مَنْزِلَتُهُ ، وَكَانَ مَنْ سِوَاهُ مِنْ النَّاسِ عَلَى حُكْمِ سُنَّتِهِ الْمَذْكُورَةِ فِي حَدِيثِ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ عَنْهُ . فَقَالَ قَائِلٌ : كَيْفَ تَقْبَلُونَ هَذَا عَنْ عَائِشَةَ ، وَأَنْتُمْ تَرْوُونَ وَعِنْدَكُمْ عَنْهَا مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ ؟ وَذَكَرَ . 1571 - مَا قَدْ حدثنا ابْنُ أَبِي دَاوُد قَالَ : حدثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ يَحْيَى بْنِ مُحَمَّد بْنِ عَبَّادٍ الشَّجَرِيُّ قَالَ : حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادٍ قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ إِسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : قَدِمَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ الْمَدِينَةَ وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بَيْتِي ، فَأَتَاهُ ، فَقَرَعَ عَلَيْهِ الْبَابَ ، فَقَامَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عُرْيَانًا ، وَاَللَّهِ مَا رَأَيْتُهُ عُرْيَانًا قَبْلَهُ ، فَقَبَّلَهُ وَاعْتَنَقَهُ . فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ - بِتَوْفِيقِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعَوْنِهِ - أَنَّ حَدِيثَ عُرْوَةَ هَذَا عَنْ عَائِشَةَ غَيْرُ مُخَالِفٍ لِحَدِيثِ مَوْلَاتِهَا عَنْهَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ ؛ لِأَنَّ الَّذِي فِي هَذَا إخْبَارُهَا أَنَّهَا رَأَتْهُ عُرْيَانًا ، وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ مِنْهُ عُرْيًا لَيْسَ فِيهِ انْكِشَافُ عَوْرَةٍ ، وَأَطْلَقَتْ عَلَيْهِ فِيهِ الْعُرْيَ ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ بَدَنِهِ كَانَ كَذَلِكَ . وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ أَنَّ الَّذِي فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ قِيَامِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّمَا كَانَ لِيَلْقَى رَجُلًا لَا يَصْلُحُ لَهُ أَنْ يَلْقَاهُ مَكْشُوفَ الْعَوْرَةِ ، فَكَانَ فِي ذَلِكَ مَا قَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْعُرْيَ الَّذِي لَقِيَهُ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ فِيهِ انْكِشَافُ عَوْرَةٍ لَهُ ، وَعَادَ بِذَلِكَ مَا رَأَتْهُ عَائِشَةُ مِنْهُ حِينَئِذٍ إلَى مَا يَصْلُحُ أَنْ يَرَاهُ ذَلِكَ الرَّجُلُ مِنْ بَدَنِهِ . وَفِي ذَلِكَ مَا قَدْ دَلَّ أَنَّهَا لَمْ تَرَ لَهُ حِينَئِذٍ عَوْرَةً ، وَفِي ذَلِكَ إثْبَاتُ مَا رَوَتْهُ مَوْلَاةُ عَائِشَةَ عَنْ عَائِشَةَ مِمَّا قَدْ رَوَيْنَاهُ عَنْهَا فِي هَذَا الْكِتَابِ . وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
644 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمن يفوته أن يصلي ركعتي الفجر حتى يصلي الفجر أيصليهما عقيبا لها أم بعد ذلك . 4780 - حدثنا الربيع المرادي حدثنا أسد بن موسى حدثنا الليث بن سعد حدثني يحيى بن سعيد ، عن أبيه . عن جده قيس بن قهد ، أنه صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح ولم يكن صلى ركعتي الفجر ، فلما سلم رسول الله صلى الله عليه وسلم سلم معه ، ثم قال : فركع ركعتي الفجر ورسول الله عليه السلام ينظر إليه فلم ينكر ذلك عليه . قال أبو جعفر : فكان هذا الحديث مما ينكره أهل العلم بالحديث على أسد بن موسى منهم إبراهيم بن أبي داود ، فسمعته يقول : رأيت هذا الحديث في أصل الكتب موقوفا على يحيى بن سعيد . ومما ينكره أهل الأنساب أيضا ويزعمون أن يحيى بن سعيد أيضا ليس قيس جده قيس بن قهد ، وإنما هو قيس بن عمرو بن سهل ، منهم محمد بن عيسى بن فليح سمعته يقول : وكان موضعه من هذه الأشياء أجل موضع يحيى بن سعيد ، إنما جده قيس بن عمرو بن سهل ليس قيس بن قهد ، وقد ذكر ذلك محمد بن إسحاق في أنساب الأنصار . 4781 - وحدثنا روح بن الفرج حدثنا حامد بن يحيى حدثنا سفيان بن عيينة حدثنا سعد بن سعيد بن قيس الأنصاري ، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي . عن قيس جد يحيى بن سعيد قال : أبصرني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أصلي الركعتين بعد الصبح فقال : ما هاتان الركعتان يا قيس ؟ فقلت : يا رسول الله إني لم أكن صليت ركعتي الفجر فهما هاتان الركعتان ، فسكت عني رسول الله عليه السلام ، قال سفيان : فكان عطاء بن أبي رباح يحدث هذا الحديث عن سعد بن سعيد . 4782 - وحدثنا إسماعيل بن حمدويه البيكندي حدثنا الحميدي حدثنا سفيان حدثنا سعد بن سعيد بن قيس الأنصاري ، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي ، عن قيس جد سعد ، ثم ذكر مثله . 4783 - حدثنا بكار بن قتيبة حدثنا أبو عمر الضرير ، قال : قال حماد بن سلمة : وأخبرني عبد ربه بن سعيد أخو يحيى بن سعيد الأنصاري . أن جده فاتته ركعتا الفجر فصلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الغداة فلما قضى صلاته قام فصلى الركعتين ، فقال له رسول الله عليه السلام : ما هاتان الركعتان ؟ قال : لم أكن صليتهما قبل الغداة فصليتهما الآن ، فسكت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال أبو جعفر : فأما حديث سعد بن سعيد وإن كان سعد بن سعيد ليس عند الناس كواحد من أخويه يحيى وعبد ربه وهم يتكلمون في حديثه ، فإنه ذكره عن محمد بن إبراهيم التيمي ، عن قيس جده ومحمد بن إبراهيم ، فإنما حديثه عن أبي سلمة وأمثاله من التابعين لا يعرف له لقاء لأحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال أبو جعفر : فدخل هذا الحديث في الأحاديث المنقطعة التي لا يحتج أهل الإسناد بمثلها . 4784 - وقد حدثنا أحمد بن عبد المؤمن المروزي بحديث ثبتني فيه بعض أهل العلم من أصحابنا ، قال : حدثنا علي بن يونس حدثنا جرير بن عبد الحميد ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن قيس بن أبي حازم . عن قيس بن قهد أن النبي صلى الله عليه وسلم رآه يصلي ركعتين بعد صلاة الغداة فقال : ما هاتان الركعتان يا قيس ؟ قال لم أكن ركعتهما قبل الصلاة فسكت عنه النبي صلى الله عليه وسلم . قال أبو جعفر : وأهل الحديث ينكرون هذا الحديث ولا يعرفونه ولا يعرفون علي بن يونس الذي حدثناه ابن عبد المؤمن عنه ، فلم نجد في هذا الباب من حديث قيس شيئا مما يجب استعماله في هذا الباب ، فطلبنا ذلك من حديث غيره . 4785 - فوجدنا محمد بن علي بن داود قد حدثنا ، قال : حدثنا يحيى بن معين حدثنا مروان بن معاوية ، عن يزيد بن كيسان ، عن أبي حازم . عن أبي هريرة رضي الله عنه قال كان النبي عليه السلام إذا فاتته ركعتا الفجر صلاهما إذا طلعت الشمس . فهذا الحديث أحسن إسنادا وأولى بالاستعمال مما قد رويناه قبله في هذا الباب . وقد روي عن عبد الله بن عمر عن نفسه مثل ذلك . 4786 - كما حدثنا محمد بن النعمان السقطي حدثنا يحيى بن يحيى النيسابوري حدثنا سليم بن أخضر ، عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع . أن ابن عمر جاء فدخل المسجد وهم في صلاة الصبح ، ولم يكن صلى ركعتي الفجر فدخل معهم في صلاتهم ، ثم انتظر حتى إذا طلعت الشمس وحلت الصلاة صلاهما . وروي مثل ذلك ، عن القاسم بن محمد . 4787 - كما حدثنا بكار بن قتيبة حدثنا أبو عمر حدثنا حماد بن سلمة أن يحيى بن سعيد الأنصاري أخبرهم ، عن القاسم بن محمد قال : لو فاتتني الركعتان قبل الغداة لأخرتهما حتى تطلع الشمس ثم صليتهما . قال حماد : وأخبرنا أيوب ، عن نافع أن عبد الله بن عمر فاتتاه فصلاهما بعدما طلعت الشمس . قال : وأخبرنا حماد ، عن عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر مثله . 4788 - وكما حدثنا بكار ، قال : حدثنا عبد الله بن حمران حدثنا الأشعث ، عن محمد . عن سعيد بن المسيب قال : كان ابن عمر إذا لم يصلهما قبل صلاة الفجر صلاهما من الضحى . فهذا ابن عمر قد كان يقضيهما إذا طلعت الشمس وحلت الصلاة وذلك عندنا أولى مما سواه مما قيل في هذا الباب مما يخالف ذلك ، لما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه من حديث أبي هريرة ، ثم لما روي عن ابن عمر مما يوافقه ولما روي عن القاسم مما يوافق ذلك وبالله التوفيق .
217 - باب طْلِاقِ الرِّجَالِ نِسَاءَهُمْ اللَّاتِي يكرههن آبَاؤُهُمْ ، هَلْ ذَلِكَ مِمَّا عَلَيْهِمْ فِي بِرِّ آبَائِهِمْ ؟ أَمْ لَا ؟ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : قَدْ كَانَ هَذَا الْمَعْنَى أَشْكَلَ عَلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَتَّى قَالَ فِي ذَلِكَ لِمَنْ سَأَلَهُ عَنْهُ . 1572 - مَا قَدْ حدثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ قَالَ : حدثنا أَبُو حُذَيْفَةَ مُوسَى بْنُ مَسْعُودٍ قَالَ : حدثنا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ قَالَ : حدثنا عَطَاءٌ وَهُوَ ابْنُ السَّائِبِ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ قَالَ : إنَّ رَجُلًا مِنَّا أَمَرَتْهُ أُمُّهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ ، فَلَمَّا تَزَوَّجَ أَمَرَتْهُ أَنْ يُفَارِقَهَا ، فَارْتَحَلَ إلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ ، فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : مَا أَنَا بِاَلَّذِي آمُرُكَ أَنْ تُطَلِّقَ ، وَمَا أَنَا بِاَلَّذِي آمُرُك أَنْ تُمْسِكَ ؛ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : الْوَالِدَةُ أَوْسَطُ بَابِ الْجَنَّةِ ؛ فَاحْفَظْ ذَلِكَ الْبَابَ أَوْ ضَيِّعْهُ . أَوْ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الشَّكُّ مِنْ ابْنِ مَرْزُوقٍ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَوَقفَّْنَا بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَشْكَلَ عَلَيْهِ الْجَوَابُ فِيمَا سُئِلَ عَنْهُ مِنْ هَذَا . فَكَانَ جَوَابُهُ فِي ذَلِكَ جَوَابًا لَمْ يُقْطَعْ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ إمْسَاكٍ وَمِنْ فِرَاقٍ ، فَنَظَرْنَا هَلْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَيْءٌ فِيهِ حَقِيقَةُ الْوَاجِبِ فِي هَذَا الْمَعْنَى ؛ مَا هِيَ ؟ 1573 - فَوَجَدْنَا بَحْرَ بْنَ نَصْرِ بْنِ سَابِقٍ الْخَوْلَانِيَّ قَدْ حدثنا قَالَ : حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ : حدثنا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنْ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : كَانَتْ عِنْدِي امْرَأَةٌ أُحِبُّهَا ، وَكَانَ أَبِي يَكْرَهُهَا ، فَأَمَرَنِي أَنْ أُطَلِّقَهَا ، فَأَبَيْتُ ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : يَا عَبْدَ اللَّهِ ، طَلِّقْ امْرَأَتَكَ ! فَطَلَّقْتُهَا . 1574 - وَوَجَدْنَا إبْرَاهِيمَ بْنَ مَرْزُوقٍ قَدْ حدثنا قَالَ : حدثنا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ الزَّهْرَانِيُّ قَالَ : حدثنا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ، فَذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ . 1575 - وَوَجَدْنَا الرَّبِيعَ بْنَ سُلَيْمَانَ وَسُلَيْمَانَ بْنَ شُعَيْبٍ الْكَيْسَانِيَّ قَدْ حَدَّثَانَا ، قَالَا : أَسَدُ بْنُ مُوسَى قَالَ : حدثنا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ، ثُمَّ ذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ . فَكَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا قَدْ دَلَّ أَنَّ مِنْ حَقِّ الْوَالِدِ فِي هَذَا عَلَى ابْنِهِ إجَابَتَهُ أَبَاهُ إلَى مَا يَسْأَلُهُ إيَّاهُ مِنْ هَذَا ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ حَقِّ الْوَالِدِ عَلَى وَلَدِهِ كَانَ مِنْ حَقِّ وَالِدَةٍ عَلَى وَلَدِهَا أَوْجَبُ ، وَلِوَلَدِهَا أَلْزَمُ ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْوَالِدَةِ عَلَى الْوَلَدِ يَتَجَاوَزُ حَقَّ الْوَالِدِ عَلَيْهِ ، وَسَيَجِيءُ بِذَلِكَ مَنْصُوصًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي مَوْضِعِهِ فِيمَا بَعْدُ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَاَلَّذِي يُؤْمَرُ بِهِ الْوَلَدُ فِي هَذَا غَيْرُ مُبِيحٍ لَهُ فِيهِ طَلَاقَ زَوْجَتِهِ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي نَهَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ طَلَاقِهَا فِيهِ ، وَإِنَّمَا هُوَ طَلَاقُهُ إيَّاهَا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي أَبَاحَ اللَّهُ الطَّلَاقَ فِيهِ لَا فِي ضِدِّهِ . وَاَللَّهَ نَسْأَلُه التَّوْفِيقَ .
861 - باب بيان مشكل ما رواه أبو هريرة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذا المعنى . 6346 - حدثنا يزيد بن سنان ، حدثنا يحيى بن سعيد القطان ، حدثنا سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن النضر بن أنس ، عن بشير بن نهيك ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : من أعتق نصيبا ، أو شركا له في عبد مملوك ، فعليه خلاصه كله في ماله ، وإن لم يكن له مال ، استسعي العبد غير مشقوق عليه . 6347 - وحدثنا أحمد بن شعيب ، أخبرنا نصر بن علي الجهضمي ، حدثنا يزيد بن زريع ، حدثنا سعيد ، عن قتادة ، عن النضر بن أنس ، عن بشير بن نهيك ، عن أبي هريرة ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مثله . 6348 - وحدثنا أحمد ، أخبرنا المؤمل بن هشام ، حدثنا إسماعيل - يعني ابن علية - عن سعيد ، ثم ذكر بإسناده مثله . 6349 - وحدثنا محمد بن النعمان السقطي ، حدثنا الحميدي ، حدثنا سفيان بن عيينة ، عن سعيد بن أبي عروبة ويحيى بن صبيح ، عن قتادة ، ثم ذكر بإسناده مثله . 6350 - وحدثنا فهد بن سليمان ، حدثنا عبد الله بن صالح ، حدثني الليث بن سعد ، حدثني جرير بن حازم ، عن قتادة ، ثم ذكر بإسناده مثله . 6351 - وحدثنا محمد بن خزيمة ، قال : حدثنا مسلم بن إبراهيم الأزدي ، قال : حدثنا أبان بن يزيد العطار ، عن قتادة ، ثم ذكر بإسناده مثله . 6352 - وحدثنا روح بن الفرج ، حدثنا يوسف بن عدي ، حدثنا عبد الرحيم بن سليمان الرازي ، عن حجاج بن أرطاة ، عن قتادة ، ثم ذكر بإسناده مثله . قال أبو جعفر : فكان في هذا الحديث : إيجاب ما صححنا عليه حديث ابن عمر الذي قد رويناه في الباب الذي قبل هذا الباب . فقال قائل : وقد روى [في] هذا الباب عن قتادة : شعبة وهشام ، فلم يذكرا فيه السعاية ، وذكر في ذلك . 6353 - ما قد حدثنا أحمد بن شعيب ، أخبرنا محمد بن المثنى ومحمد بن بشار ، قالا : حدثنا محمد بن جعفر غندر ، حدثنا شعبة ، عن قتادة ، عن النضر بن أنس ، عن بشير بن نهيك ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في المملوك بين رجلين فيعتق أحدهما نصيبه ، قال : يضمن . 6354 - وما قد حدثنا أحمد بن شعيب ، أخبرني محمد بن إسماعيل بن إبراهيم ، حدثنا أبو عامر ، عن هشام ، عن قتادة ، عن النضر ، عن بشير بن نهيك ، عن أبي هريرة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : من أعتق نصيبا له في مملوك عتق من ماله ، إن كان له مال . قال هذا القائل : فهذا هو أصل هذا الحديث لا ذكر للسعاية فيه . فكان جوابنا له في ذلك : أن الذي في هذين الحديثين ليس بخلاف لما في الأحاديث الأول المروية عن قتادة ، ولكنه على التقصير من شعبة وهشام عن حفظ ما قد حفظه سعيد ومن ذكرناه معه عن قتادة ولما حفظوه عنه في هذا الحديث ، ومن حفظ شيئا ، كان أولى ممن قصر عنه ، وسعيد فأولى الناس بقتادة ، وأحفظهم لحديثه ، والذي لا يعدله فيه أحد سواه قبل اختلاطه ، وحديثه الذي أخذ عنه قبل اختلاطه هو ما يحدث به عنه يزيد بن زريع وأمثاله ممن يحدث عنه ، فهم الحجة في ذلك . فقال قائل : فقد روى همام هذا الحديث عن قتادة ، فخالف فيه من ذكرت من رواته عن قتادة ، وذكر 5394 - ما قد 6355 - حدثني غير واحد من أصحابنا ، منهم : محمد بن محمد بن الأشعث الكوفي ، قالوا : حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ ، حدثنا أبي ، حدثنا همام ، عن قتادة ، عن النضر بن أنس ، عن بشير بن نهيك ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - : أن رجلا أعتق شقصا له في مملوك ، فغرمه النبي - صلى الله عليه وسلم - بقية ثمنه . قال : فكان قتادة يقول : إن لم يكن مال استسعي العبد . قال : ففي هذا الحديث ذكر السعاية من قول قتادة ، لا من نفس الحديث . فكان جوابنا له في ذلك : أن الذي في هذا الحديث لا يوجب خلافا لما في الأحاديث التي ذكرناها قبله ؛ لأن الذي في هذا الحديث إنما هو ذكر قضاء كان من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على معتق نصيب له في مملوك بالضمان الذي قضى به عليه فيه ، والذي في الأحاديث الأول إنما هو قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الواجب على المعتق للعبد الذي بينه وبين غيره إن كان موسرا ، والذي يجب على العبد إن كان معسرا ، وهذان معنيان متباينان ، وأولى الأشياء بنا فيما رواه من يرجع إلى روايته بالحمل على موافقته بالتصحيح ، لا على مضادة ما رواه غيره في ذلك ، لا على مخالفته إياه فيه ، ويكون قتادة قد كان عنده بهذا الإسناد حديثان : أحدهما فيه قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ذلك المعنى ، على ما رواه سعيد ، ومن وافقه عليه ، والآخر فيه ذكر قضاء كان من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ذلك ، على ما رواه عنه همام ، فيكون كل واحد منهما في معنى غير المعنى الذي جاء به صاحبه ، ويكون الذي حكاه همام ، عن قتادة من السعاية التي ذكرها عنه في حديثه على قول من قتادة بذلك ؛ لأخذه ما قاله من ذلك من الحديث الآخر الذي حدث به عنه سعيد ، ومن ذكرناه معه ، حتى تتفق الآثار كلها في ذلك وتأتلف ، ولا يدفع شيء منها شيئا . وكيف يجوز أن يدع ما رواه سعيد ، ويحيى بن صبيح ، وجرير بن حازم والحجاج بن أرطاة ، وأبان بن يزيد ، عن قتادة في ذلك ، مع موافقة معمر بن راشد إياهم ، عن قتادة في ذلك ، وإن كان قد قصر في إسناده ، وأسقط منه رجلا ، ومع موافقة من سواه إياهم عليه مع كثرة عددهم ، ويصير إلى ما رواه من عدد أقل من عددهم ، وإن كان ما روي في ذلك لا يخالف ما رووا ، وإنما فيه التقصير عما رووا ، ومن لم يقصر ، أولى بقبول الرواية في ذلك ممن قصر ، وبالله التوفيق .
218 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمُبَادَرَةِ بِالْمَوْتِ النَّشْوَ الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْقُرْآنَ مَزَامِيرَ يُقَدِّمُونَ أَحَدَهُمْ لِيُغَنِّيَهُمْ ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّهُمْ فِقْهًا ) . 1576 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ ، قَالَ : حدثنا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، قَالَ : أخبرناَ شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنْ زَاذَانَ أَبِي عُمَرَ ، عَنْ عُلَيْمٍ ، قَالَ : كُنَّا جُلُوسًا عَلَى سَطْحٍ مَعَنَا رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ يَزِيدُ : لَا أَعْلَمُهُ إلَّا قَالَ : عَبْسٌ الْغِفَارِيُّ وَالنَّاسُ يَخْرُجُونَ فِي الطَّاعُونِ ، فَقَالَ عَبْسٌ : يَا طَاعُونُ ، خُذْنِي - ثَلَاثًا يَقُولُهَا - قَالَ عُلَيْمٌ : لِمَ تَقُولُ هَذَا ؟ أَلَمْ يَقُلْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَتَمَنَّى أَحَدُكُمْ الْمَوْتَ فَإِنَّهُ عِنْدَ انْقِطَاعِ عَمَلِهِ وَلَا يُرَدَّ فَيُسْتَعْتَبَ ؟ قَالَ : إنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : بَادِرُوا بِالْمَوْتِ سِتًّا إمْرَةَ السُّفَهَاءِ ، وَكَثْرَةَ الشَّرْطِ ، وَبَيْعَ الْحُكْمِ ، وَاسْتِخْفَافًا بِالدَّمِ ، وَقَطِيعَةَ الرَّحِمِ ، وَنَشْوا يَتَّخِذُونَ الْقُرْآنَ مَزَامِيرَ يُقَدِّمُونَ أَحَدَهُمْ لِيُغَنِّيَهُمْ ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّهُمْ فِقْهًا . 1577 - حَدَّثَنَا فَهْدٌ ، قَالَ : حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْأَصْبَهَانِيِّ ، قَالَ : حدثنا شَرِيكٌ ، عَنْ أَبِي الْيَقْظَانِ ، عَنْ زَاذَانَ ، عَنْ عُلَيْمٍ ، قَالَ : كُنْتُ مَعَ عَبْسٍ الْغِفَارِيِّ عَلَى سَطْحٍ فَرَأَى قَوْمًا يَتَحَمَّلُونَ مِنْ الطَّاعُونِ فَقَالَ : مَا هَؤُلَاءِ ؟ قِيلَ : يَتَحَمَّلُونَ مِنْ الطَّاعُونِ ، قَالَ : يَا طَاعُونُ خُذْنِي يَا طَاعُونُ خُذْنِي ، فَقَالَ ابْنُ عَمٍّ ذُو صُحْبَةٍ : لِمَ تَتَمَنَّى الْمَوْتَ ، وَقَدْ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( لَا يَتَمَنَّى أَحَدُكُمْ الْمَوْتَ فَإِنَّهُ عِنْدَ انْقِطَاعِ عَمَلِهِ ؟ ) ، فَقَالَ لَهُ عَبْسٌ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ ، ثُمَّ ذَكَرَ بَقِيَّةَ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ ، فَقَالَ قَائِلٌ كَيْفَ تَقْبَلُونَ هَذَا ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَدْ رَوَيْتُمْ لَنَا قَبْلَهُ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ أَنَّهُ قَالَ : ( مَا يَأْذَنُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِشَيْءٍ مَا يَأْذَنُ لِنَبِيٍّ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ ) ، وَفِي ذَلِكَ حَضُّ النَّاسِ عَلَى تَحْسِينِ أَصْوَاتِهِمْ بِالْقُرْآنِ ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ مِمَّا يُؤْمَرُونَ بِهِ فِي أَنْفُسِهِمْ كَانَ دَلِيلًا عَلَى إبَاحَتِهِمْ اسْتِمَاعَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِهِمْ ، كَمِثْلِ مَا قَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : . 1578 - فَذَكَرَ مَا قَدْ حَدَّثَنَا يُونُسُ ، قَالَ : أخبرناَ ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ أَخْبَرَهُ ، قَالَ : كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إذَا رَأَى أَبَا مُوسَى ، قَالَ ذَكِّرْنَا يَا أَبَا مُوسَى ، فَيَقْرَأُ عِنْدَهُ وَكَانَ أَبُو مُوسَى حَسَنَ الصَّوْتِ . قَالَ وَفِيمَا رَوَيْتُمُوهُ فِي هَذَا الْبَابِ مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ كَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ وَعَوْنِهِ ، أَنَّ الَّذِي فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَيْنَاهُ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ الْمُبَادَرَةِ بِالْمَوْتِ النَّشْوَ الْمَذْكُورَ فِيهِ إنَّمَا هُوَ ؛ لِاِتِّخَاذِهِمْ أَئِمَّةً فِي الصَّلَاةِ لِأَصْوَاتِهِمْ ، وَلَيْسُوا لِلْإِمَامَةِ بِمَوْضِعٍ ، إذْ كَانَ السُّنَّةُ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَؤُمَّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ ، فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً ، فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ ، فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً ، فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ سِنًّا ، وَسَنَذْكُرُ ذَلِكَ بِإِسْنَادِهِ فِي مَوْضِعِهِ فِيمَا بَعْدُ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ. فَكَانَتْ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَؤُمَّ الْقَوْمَ مَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ كَانَ مَعَهُ حُسْنُ صَوْتٍ أَوْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ حُسْنُ صَوْتٍ وَكَانَ مَنْ رَغِبَ عَنْ ذَلِكَ إلَى مَا سِوَاهُ مِنْ حُسْنِ الصَّوْتِ رَاغِبًا عَنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، مَذْمُومًا فِي اخْتِيَارِهِ مِمَّنْ يَجِبُ أَنْ يُبَاشِرَ الْمَوْتُ أَمْثَالَهُ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِمَّنْ يُحَسِّنُ صَوْتَهُ بِالْقُرْآنِ لِيَرِقَّ لَهُ قَلْبُهُ ، أَوْ لِيَرِقَّ لَهُ قُلُوبُ سَامِعِيهِ مِنْهُ فِي شَيْءٍ ، وَلَوْ اجْتَمَعَ اثْنَانِ فِي الْقِرَاءَةِ فِي كِتَابِ اللَّهِ ، فَكَانَا بِذَلِكَ مُسْتَحِقَّيْنِ لِلْإِمَامَةِ مِنْ حَيْثُ ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتِحْقَاقَهُمَا لَهَا بِهِ مَا كَانَ مَكْرُوهًا أَنْ يُقَدَّمَ لَهَا مِنْهُمَا أَحْسَنُهُمَا صَوْتًا عَلَى الَّذِي لَيْسَ مَعَهُ حُسْنُ صَوْتٍ ، وَلَا يَكُونُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مُعَنَّفًا ، فَبَانَ بِحَمْدِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعَوْنِهِ أَنْ لَا تَضَادَّ فِي شَيْءٍ مِمَّا تَوَهَّمَهُ هَذَا الْجَاهِلُ فِي أَحَادِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ ، وَقَدْ وَصَفَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِأَنَّهُ لَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى ، إنْ هُوَ إلَّا وَحْيٌ يُوحَى عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى وَاَللَّهَ سُبْحَانَهُ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
643 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله : إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة . 4759 - حدثنا إبراهيم بن مرزوق حدثنا أبو عاصم ، عن زكريا ابن إسحاق ، عن عمرو بن دينار ، عن سليمان بن يسار قال أبو جعفر : هكذا قال . عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة . 4760 - وحدثنا أبو أمية حدثنا محمد بن سابق حدثنا ورقاء بن عمر اليشكري ، عن عمرو بن دينار ، عن عطاء بن يسار . عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي عليه السلام مثله . 4761 - وحدثنا محمد بن علي بن داود ، قال : حدثنا أحمد بن حنبل ، قال : حدثنا محمد بن جعفر ، قال : حدثنا شعبة ، عن ورقاء ، عن عمرو بن دينار ، عن عطاء بن يسار . عن أبي هريرة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، مثله . 4762 - حدثنا جعفر بن محمد بن الحسن الفريابي حدثنا هريم بن مسعر الأزدي الترمذي حدثنا الفضيل بن عياض ، عن زياد بن سعد ، عن عمرو بن دينار ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مثله . 4763 - حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن يونس حدثنا أحمد بن المقدام حدثنا سفيان ، عن عمرو بن دينار ، عن عطاء بن يسار . عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مثله . 4764 - حدثنا محمد بن النعمان السقطي حدثنا أبو مصعب الزهري حدثنا عبد العزيز ، عن إسماعيل بن إبراهيم بن مجمع الأنصاري ، عن عمرو بن دينار ، عن عطاء بن يسار . عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مثله . 4765 - وحدثنا فهد حدثنا أبو صالح عبد الله بن صالح حدثني الليث ، عن عبد الله بن عياش القتباني ، عن أبيه ، عن أبي تميم . عن أبي هريرة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا التي أقيمت لها . 4766 - وحدثنا أبو قرة محمد بن حميد الرعيني حدثنا عبد عبد الله بن صالح ، ثم ذكر بإسناده مثله . قال فتأملنا هذا الحديث في أسانيده إذ كان بعض رواته أعني من حديث عمرو بن دينار قد أوقفوه على أبي هريرة ولم يرفعوه إلى رسول الله عليه السلام منهم سفيان بن عيينة . 4767 - كما حدثنا عبد الغني بن أبي عقيل حدثنا سفيان ، عن عمرو بن دينار ، عن عطاء بن يسار سمع أبا هريرة يقول فذكر مثله ولم يرفعه . ومنهم حماد بن سلمة وحماد بن زيد 4768 - كما حدثنا بكار بن قتيبة قال : حدثنا أبو عمر الضرير ، قال : حدثنا حماد بن سلمة وحماد بن زيد ، عن عمرو بن دينار ، عن عطاء بن يسار . عن أبي هريرة مثله ولم يرفعه . 4769 - وكما حدثنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا حميد بن مسعدة حدثنا حماد بن زيد ، عن عمرو ، عن عطاء بن يسار . عن أبي هريرة مثله ولم يرفعه . 4770 - وكما حدثنا إسحاق حدثنا أحمد بن إشكاب حدثنا يزيد بن هارون حدثنا حماد بن زيد ، عن عمرو ، عن عطاء . عن أبي هريرة مثله ولم يرفعه ، قال حماد : فكان أيوب يرفعه ، عن عمرو بن دينار . فطلبنا حقيقة الأمر في ذلك فوجدنا حديث عطاء بن يسار هذا إنما يدور على عمرو بن دينار ووجدنا عمرو بن دينار قد روي عنه فيه . 4771 - ما قد حدثنا محمد بن علي بن زيد المكي حدثنا سعيد بن منصور حدثنا سفيان ، عن عمرو بن دينار ، عن عطاء بن يسار . عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة قال سعيد فقلت لسفيان : أمرفوع ؟ قال : يرى عمرو أنه مرفوع . فعاد حديث عمرو بن دينار إلى أنه مشكوك فيه أمرفوع هو أو غير مرفوع فانتفى بذلك أن يكون فيه حجة في هذا الباب ولم نجد في هذا الباب ما هو حجة فيه وغير مشكوك في رفعه غير حديث أبي قرة وفهد الذي رويناه عنهما عن عبد الله بن صالح في هذا الباب وقد روي أيضا في هذا الباب عن عمرو بن دينار من غير حديث من رويناه عنه أيضا . 4772 - ما قد حدثنا محمد بن علي بن داود حدثنا داود بن عمرو الضبي حدثنا محمد بن مسلم ، عن عمرو بن دينار ، عن عطاء بن يسار . عن أبي هريرة رضي الله ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة . فالذي رويناه عن عمرو بن دينار من شك فيه أمرفوع هو أو غير مرفوع ما يدفع هذا الحديث أيضا أن يكون فيه حجة . وقد روي أيضا في هذا الباب حديث آخر يرجع إلى ابن عمر . 4773 - كما حدثنا أبو أمية حدثنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي حدثنا عبد الله بن مروان الدمشقي وكان ثقة ، عن ابن أبي ذئب ، عن نافع . عن ابن عمر رضي الله عنهما ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة غير أنا لا نقنع في مثل هذا بتزكية من زكى هذا الرجل الذي لا نعرفه ممن روى هذا الحديث وكان فيما تقدم منا في الباب الذي قبل هذا الباب منع رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس أن يصلوا ركعتي الفجر في المسجد الذي تصلى فيه صلاة الفجر قبل الصلاة ، وإذا كان ذلك كذلك كانا بعد أن تقام الصلاة في المنع منهما في المسجد أوكد . فغنينا بذلك عما رويناه في هذا الباب من هذه الآثار المشكوك فيها ووجب علينا التمسك بما أمرنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم في ركعتي الفجر أن نصليهما في منازلنا قبل أن نأتي المسجد لصلاة الفجر حتى نصليها فيه وكان ذلك عندنا والله أعلم ما لم تكن ضرورة تحول بيننا وبين ركعتي الفجر أن نصليهما في منازلنا حتى نأتي المسجد إذ كنا قد رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نام عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس صلى حين حلت الصلاة له بعد أذان بلال لها ركعتي الفجر ، ثم صلى صلاة الفجر فكان ذلك منه في موطن واحد ؛ لأنه لم يكن له حينئذ فيما هناك منزل فدل ذلك على إباحة صلاتهما في الموطن الذي يصلى فيه صلاة الفجر عند مثل هذه الضرورة التي دعت إلى ذلك ، وقد ذكرنا ما قد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك فيما تقدم منا في كتابنا هذا . وقد وجدنا عن غير واحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه صلاهما في المسجد بعدما أقيمت صلاة الفجر لضرورة دعته إلى ذلك منهم عبد الله بن مسعود وبمحضر من حذيفة ومن أبي موسى لذلك ولم ينكراه عليه فدل ذلك على متابعتهما إياه عليه . 4774 - كما حدثنا سليمان بن شعيب الكيساني حدثنا عبد الرحمن بن زياد حدثنا زهير بن معاوية ، عن أبي إسحاق حدثنا عبد الله بن أبي موسى ، عن أبيه حين دعاهم سعيد بن العاص دعا أبا موسى وحذيفة وعبد الله بن مسعود قبل أن يصلي الغداة فسألهم : كيف تصلى صلاة العيد ؟ فأجابه عبد الله بما أجابه به فيه ، ثم خرجوا من عنده وقد أقيمت الصلاة فجلس عبد الله إلى أسطوانة من المسجد فصلى الركعتين ، ثم دخل في الصلاة . وكان ذلك والله أعلم على الضرورة التي دعته إلى ذلك إذ كان قد يحتمل أن يكون سعيد دعاهم في الليل وامتد بهم الأمر عنده إلى وقت لم يكونوا يظنون أن الأمر يمتد بهم عنده إلى ذلك الوقت فدعته الضرورة إلى أن صلى تينك الركعتين في ذلك الوقت في ذلك المكان كراهة منه أن تفوتاه لما قد حضهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهما ولما قد أخبرهم من الفضل لهم فيهما . 4775 - كما حدثنا فهد بن سليمان حدثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني حدثنا أبو عوانة ، عن قتادة ، عن زرارة بن أوفى ، عن سعد بن هشام . عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها . 4776 - وكما حدثنا ابن أبي داود حدثنا سعيد بن سليمان الواسطي حدثنا خالد بن عبد الله ، عن عبد الرحمن بن إسحاق ، عن محمد بن زيد بن قنفذ ، عن ابن سيلان . عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تتركوا ركعتي الفجر وإن طردتكم الخيل . 4777 - وكما حدثنا بكار بن قتيبة حدثنا مسدد حدثنا يحيى بن سعيد ، عن ابن جريج حدثني عطاء ، عن عبيد بن عمير . عن عائشة رضي الله عنها قالت : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن على شيء من النوافل أشد معاهدة منه على الركعتين قبل الصبح . 4778 - وكما حدثنا ابن أبي داود حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير حدثنا حفص ، عن ابن جريج ، ثم ذكر مثله بإسناده . ومثل ذلك ما روي عن أبي الدرداء . 4779 - كما حدثنا فهد حدثنا أبو نعيم حدثنا مسعر بن كدام ، عن الوليد بن أبي مالك ، عن أبي عبد الله ، قال : حدثنا أبو الدرداء قال : إني لأجيء إلى القوم وهم في الصلاة صلاة الفجر فأصلي ركعتين ، ثم أضطم إلى الصفوف . وذلك عندنا والله أعلم على ضرورة دعته إلى ذلك لا على اختيار منه له ولا على قصد قَصَد إليه وهو يقدر على ضده ، وهكذا ينبغي أن يمتثل في ركعتي الفجر في المكان الذي يصليان فيه ولا يتجاوز فيهما ما قد رويناه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مما صححنا عليه هذه الآثار ، والله عز وجل نسأله التوفيق .
219 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَوْلِهِ : كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ مِمَّا يَنْفَرِدُ به بَعْضُ رُوَاتِهِ بِأَنَّهُ قَالَ : فَمَا يَزَالُ عَلَيْهَا حَتَّى يُعْرِبَ عَنْهُ لِسَانُهُ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُشَرِّكَانِهِ ) . 1579 - حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، قَالَ : حدثنا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَخْبَرَهُ ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا مِنْ مَوْلُودٍ إلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ ثُمَّ يَقُولُ : اقْرَؤوا : فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ) . 1580 - حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْجِيزِيُّ ، قَالَ : حدثنا أَسَدُ بْنُ مُوسَى ، قَالَ : حدثنا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ ، كَمَثَلِ الْبَهِيمَةِ تُنْتَجُ الْبَهِيمَةَ ، هَلْ يَكُونُ فِيهَا جَدْعَاءُ ؟ ) . 1581 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خُزَيْمَةَ ، قَالَ : حدثنا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ ، قَالَ : حدثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُخْتَارِ ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُشَرِّكَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ وَيُكَفِّرَانِهِ ، قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، الَّذِي يَمُوتُ حِينَ يُولَدُ ؟ قَالَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ ) . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَكُلُّ مَا رَوَيْنَا مِنْ هَذِهِ فَمَرْجِعُهُ إلَى أَبِي هُرَيْرَةَ . 1582 - وقد حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ ، قَالَ : حدثنا عَمْرُو بْنُ الرَّبِيعِ بْنِ طَارِقٍ الْهِلَالِيُّ ، قَالَ : حدثنا السَّرِيُّ بْنُ يَحْيَى ، عَنْ الْحَسَنِ ، قَالَ : حَدَّثَ الْأَسْوَدُ بْنُ سَرِيعٍ ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ قَصَّ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ ، قَالَ : ( غَزَوْت مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْبَعَ غَزَوَاتٍ ، فَتَنَاوَلَ أَصْحَابُهُ الذُّرِّيَّةَ بَعْدَ مَا قَتَلُوا الْمُقَاتِلَةَ ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ ، فَقَالَ : أَلَا مَا بَالُ أَقْوَامٍ قَتَلُوا الْمُقَاتِلَةَ ثُمَّ تَنَاوَلُوا الذُّرِّيَّةَ ؟ فَقَالَ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَلَيْسُوا أَبْنَاءَ الْمُشْرِكِينَ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنَّ أَخْيَارَكُمْ أَبْنَاءُ الْمُشْرِكِينَ ، أَمَا إنَّهُ لَيْسَتْ تُولَدُ نَسَمَةٌ إلَّا وُلِدَتْ عَلَى الْفِطْرَةِ ، فَمَا يَزَالُ عَلَيْهَا حَتَّى يَبِينَ عَنْهَا لِسَانُهَا ، فَأَبَوَاهَا يُهَوِّدَانِهَا أَوْ يُنَصِّرَانِهَا . 1583 - حَدَّثَنَا يُونُسُ ، قَالَ : أخبرنا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي السَّرِيُّ بْنُ يَحْيَى ، ثُمَّ ذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : غَيْرَ أَنَّا لَمَّا تَأَمَّلْنَا هَذَا الْحَدِيثَ وَجَدْنَا فِيهِ قَالَ : حَدَّثَ الْأَسْوَدُ بْنُ سَرِيعٍ ، قَالَ : ( كُنَّا فِي غَزَاةٍ لَنَا فَأَصَبْنَا وَقَتَلْنَا فِي الْمُشْرِكِينَ حَتَّى بَلَغَ بِهِمْ الْقَتْلُ إلَى أَنْ يَقْتُلُوا الذُّرِّيَّةَ ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : مَا بَالُ أَقْوَامٍ بَلَغَ بِهِمْ الْقَتْلُ إلَى أَنْ قَتَلُوا الذُّرِّيَّةَ ، أَلَا لَا تَقْتُلُنَّ ذُرِّيَّةً ، أَلَا لَا تَقْتُلُنَّ ذُرِّيَّةً . قِيلَ : لِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَلَيْسُوا أَوْلَادَ الْمُشْرِكِينَ ؟ قَالَ : أَوَلَيْسَ أَخْيَارُكُمْ أَوْلَادَ الْمُشْرِكِينَ ) . 1584 - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ يُونُسَ ، قَالَ : حدثنا حُسَيْنُ بْنُ يُونُسَ الزَّيَّاتُ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهُوَ الْكُوفِيُّ ، وَهُوَ مَشْهُورٌ ثِقَةٌ ، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ ، قَالَ : حدثنا الْأَشْعَثُ ، عَنْ الْحَسَنِ ، أَنَّ الْأَسْوَدَ بْنَ سَرِيعٍ حَدَّثَهُمْ ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ جَيْشًا ، فَأَفْرَطُوا فِي قَتْلِ الْمُشْرِكِينَ حَتَّى تَنَاوَلُوا الذُّرِّيَّةَ ، فَقَالَ : النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا بَالُ أَقْوَامٍ أَفْرَطُوا فِي الْقَتْلِ حَتَّى تَنَاوَلُوا الذُّرِّيَّةَ ، فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَوَلَيْسُوا أَوْلَادَ الْمُشْرِكِينَ ؟ فَقَالَ : النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوَلَيْسَ خِيَارُكُمْ أَوْلَادَ الْمُشْرِكِينَ ؟ ) . فَبَانَ لَنَا بِهَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ ، أَنَّ الْحَسَنَ حَدَّثَ بِمَا فِيهِمَا ، وَبِمَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُمَا مِنْ حَدِيثِ الْأَسْوَدِ ، عَنْ الْأَسْوَدِ سَمَاعًا . 1585 - وقد حَدَّثَنَا الْهَرَوِيُّ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ ، قَالَ : حدثنا آدَم بْنُ أَبِي إيَاسٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شَيْبَانُ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ الْحَسَنِ ، عَنْ الْأَسْوَدِ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( كُلُّ نَسَمَةٍ تُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ حَتَّى يُعْرِبَ عَنْهَا لِسَانُهَا فَأَبَوَاهَا يُهَوِّدَانِهَا وَيُنَصِّرَانِهَا ) . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَتَأَمَّلْنَا مَا قِيلَ فِي تَأْوِيلِ هَذَا الْحَدِيثِ فَوَجَدْنَا عَلِيَّ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَدْ أَجَازَ لَنَا عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ الْقَاسِمِ بْنِ سَلَامٍ ، قَالَ : سَأَلْت مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ ، عَنْ تَفْسِيرِ هَذَا الْحَدِيثِ - يَعْنِي : حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي أَوَّلِ هَذَا الْبَابِ - فَقَالَ : كَانَ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ الْفَرَائِضُ وَقَبْلَ أَنْ يُؤْمَرَ الْمُسْلِمُونَ بِالْجِهَادِ . قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : كَأَنَّهُ يَذْهَبُ إلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُهَوِّدَهُ أَبَوَاهُ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ مَا وَرِثَاهُ ؛ لِأَنَّهُ مُسْلِمٌ وَهُمَا كَافِرَانِ ، وَلَمَا جَازَ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يُسْبَى ، فَلَمَّا نَزَلَتْ الْفَرَائِضُ وَجَرَتْ السُّنَنُ بِخِلَافِ ذَلِكَ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ مَوْلُودٌ عَلَى دِينِهِمَا . قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : وَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ فَبَلَغَنِي أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ تَأْوِيلِهِ ، فَقَالَ : تَأْوِيلُهُ الْحَدِيثُ الْآخَرُ ( أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ ، عَنْ أَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ ، فَقَالَ : اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ ) ، يَذْهَبُ إلَى أَنَّهُمْ يُولَدُونَ عَلَى مَا يَصِيرُونَ إلَيْهِ مِنْ إسْلَامٍ أَوْ كُفْرٍ ، فَمَنْ كَانَ فِي عِلْمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُ يَصِيرُ مُسْلِمًا ، فَإِنَّهُ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ ، وَمَنْ كَانَ عِلْمُهُ فِيهِ أَنَّهُ يَصِيرُ كَافِرًا يَمُوتُ كَافِرًا . قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : وَأَحَدُ التَّفْسِيرَيْنِ قَرِيبٌ مِنْ الْآخَرِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَتَأَمَّلْنَا مَا قَدْ ذَكَرْنَاهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ مِمَّا جَنَحَ إلَيْهِ أَبُو عُبَيْدٍ ، فَوَجَدْنَا فِي حَدِيثِ الْأَسْوَدِ بْنِ سَرِيعٍ الَّذِي رَوَيْنَاهُ مِمَّا قَدْ دَفَعَ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ مُحَمَّدًا أَخْبَرَ أَنَّ ذَلِكَ الْقَوْلَ قَبْلَ أَنْ يُفْتَرَضَ الْجِهَادُ ، وَفِي حَدِيثِ الْأَسْوَدِ ، أَنَّهُ كَانَ فِي غَزْوَةٍ مِنْ غَزَوَاتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّتِي هِيَ الْجِهَادُ ، ثُمَّ لَمَّا اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى مَا قَدْ ذَكَرْنَا ، وَقَالُوا فِي تَأْوِيلِهِ مَا قَدْ وَصَفْنَا بَعْدَ جَعْلِنَا إيَّاهُ كُلَّهُ حَدِيثًا وَاحِدًا ، وَأَثْبَتْنَا فِيهِ قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَا يَزَالُ عَلَيْهَا حَتَّى يُعْرِبَ عَنْهُ لِسَانُهُ اعْتَبَرْنَا مَا جَاءَ مِنْ ذِكْرِ الْفِطْرَةِ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، فَوَجَدْنَا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ قَالَ فِي كِتَابِهِ : الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ، أَيْ : خَالِقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ، وَكَذَلِكَ حَدَّثَنَا وَلَّادٌ النَّحْوِيُّ ، عَنْ الْمَصَادِرِيِّ ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ ، وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ أَيْضًا : وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي ، أَيْ : الَّذِي خَلَقَنِي ، وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ : فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ، أَيْ : مِلَّةَ اللَّهِ الَّتِي خَلَقَ النَّاسَ عَلَيْهَا ، وَكَذَلِكَ أَيْضًا حَدَّثَنَا وَلَّادٌ النَّحْوِيُّ ، عَنْ الْمَصَادِرِيِّ ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ فِي أَشْيَاءَ مِنْ هَذِهِ الْمَعَانِي . وَكَانَتْ الْفِطْرَةُ فِطْرَتَيْنِ : فِطْرَةً يُرَادُ بِهَا الْخِلْقَةُ الَّتِي لَا تَعَبُّدَ مَعَهَا ، وَفِطْرَةً مَعَهَا التَّعَبُّدُ الْمُسْتَحِقُّ بِفِعْلِهِ الثَّوَابَ ، وَالْمُسْتَوْجِبُ بِتَرْكِهِ الْعِقَابَ ، وَكَانَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ ) ، يُرِيدُ الْفِطْرَةَ الْمُتَعَبِّدُ أَهْلُهَا الْمُثَابُونَ وَالْمُعَاقَبُونَ ، فَكَانَ أَهْلُهَا الَّذِينَ هُمْ كَذَلِكَ مَا كَانُوا غَيْرَ بَالِغِينَ مِمَّنْ خُلِقَ لِلْعِبَادَةِ ، كَمَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ : وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ ، وَإِنْ كَانُوا قَبْلَ بُلُوغِهِمْ مَرْفُوعًا عَنْهُمْ الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ ، غَيْرَ أَنَّهُمْ إذَا عَبَّرَتْ عَنْهُمْ أَلْسِنَتُهُمْ بِشَيْءٍ مِنْ إيمَانٍ أَوْ مِنْ كُفْرٍ كَانُوا مِنْ أَهْلِهِ ، وَإِنْ كَانُوا غَيْرَ مُثَابِينَ عَلَى مَحْمُودِهِ وَغَيْرَ مُعَاقَبِينَ عَلَى مَذْمُومِهِ ، كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَمَا يَزَالُ عَلَيْهَا حَتَّى يُعْرِبَ عَنْهُ لِسَانُهُ ) ؛ وَلِذَلِكَ قَبِلَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إسْلَامَ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ ، وَأَدْخَلَهُ فِي جُمْلَةِ الْمُسْلِمِينَ ، وَفِي ذَلِكَ مَا يُوجِبُ خُرُوجَ مَنْ كَانَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِالرِّدَّةِ فِي تِلْكَ الْحَالِ مِنْ الْإِسْلَامِ حَتَّى يَسْتَحِقَّ بِذَلِكَ الْمَنْعَ مِنْ الْمِيرَاثِ مِنْ أَبَوَيْهِ الْمُسْلِمَيْنِ ، وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُشَرِّكَانِهِ ) . أَيْ : بِتَهْوِيدِهِمَا أَوْ بِنَصْرَانِيَّتِهِمَا أَوْ بِشِرْكِهِمَا ، فَيَكُونُ سَبْيًا إنْ كَانَ أَبَوَاهُ حَرْبِيَّيْنِ ، وَمَأْخُوذًا بَعْدَ بُلُوغِهِ عَاقِلًا بِالْجِزْيَةِ إنْ كَانَ أَبَوَاهُ ذِمِّيَّيْنِ ، فَهَذَا عِنْدَنَا تَأْوِيلُ مَا قَدْ رَوَيْنَاهُ وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
862- باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مراده بقوله : لن يجزي ولد والده ، إلا أن يجده مملوكا ، فيشتريه فيعتقه . 6356 - حدثنا يونس ، حدثنا سفيان بن عيينة ، عن سهيل بن أبي صالح ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : لا يجزي ولد والده ، إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه . 6357 - وحدثنا محمد بن عمرو بن يونس ، أخبرنا يحيى بن عيسى ، وحدثنا إبراهيم بن مرزوق ، حدثنا أبو حذيفة ، قالا : حدثنا سفيان - يعنيان الثوري - عن سهيل ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مثله . 6358 - وحدثنا علي بن معبد ، حدثنا علي بن الجعد ، أخبرنا زهير بن معاوية ، عن سهيل ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مثله فقال قائل : هذا الحديث يدل على أن الرجل قد يكون عبدا لابنه ؛ لأن فيه : إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه ، ففي ذلك ما قد دل على أنه بعد ملكه إياه يكون مملوكا له حتى يعتقه ، وهذا قول لم نعلم أحدا من فقهاء الأمصار الذين تدور عليهم الفتيا ، ولا ممن تقدمهم من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن تابعيهم ، قاله ! وكان وجه قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عندنا : إلا أن جده مملوكا فيشتريه فيعقته غير ما توهم هذا القائل ، وهو فيعتقه ، أي : فيعتقه بشرائه إياه ؛ لأنه يكون سببا لعتقه ، وهذا كلام صحيح مستعمل . وقد وجدنا في كتاب الله تعالى ما ينفي ملك الأب لابنه ، وهو قوله : وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا ، إلى قوله : إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا . أي : إنه لو كان لله تعالى ولد ، لم يكن له عبدا ؛ لأن الولد لا يكون عبدا لأبيه ، ولا يقع ملكه عليه ، وإن حملت به منه من ملكه عليها ، وإذا كان الولد لا يكون عبدا لأبيه ، انتفى عن الله أن يكون له ولد ، إذ كان كل من في السماوات والأرض له عبد ، وإذا كان الأب ينتفي عنه ملكه ابنه بحق البنوة ، كان الابن أحرى أن ينتفي ملكه عن أبيه بحق الأبوة ، ثم قد شد ذلك أيضا ما قد روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : فيمن ملك ذا رحم محرم أنه حر . 6359 - كما حدثنا محمد بن عبد الله بن مخلد الأصبهاني ، حدثنا أبو عمير ابن النحاس ، حدثنا ضمرة وكما حدثنا أحمد بن شعيب ، أخبرنا عيسى بن محمد - يعني أبا عمير - وعيسى بن يونس ، عن ضمرة ، عن سفيان ، عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من ملك ذا رحم محرم عتق . 6360 - حدثنا محمد بن خزيمة ، حدثنا حجاج بن منهال وكما حدثنا نصر بن مرزوق ، حدثنا أسد بن موسى ، قالا : حدثنا حماد بن سلمة ، عن قتادة ، عن الحسن ، عن سمرة ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من ملك ذا رحم محرم منه ، فهو حر . قال أبو جعفر : فكان في هذا الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن من ملك ذا رحم محرم فهو حر . 6361 - وقد حدثنا محمد بن عبد الله بن مخلد ، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا يزيد بن هارون ، عن حماد بن سلمة ، عن قتادة ، عن الحسن ، عن سمرة ، قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : من ملك ذا رحم محرم ، فهو حر . قال أبو جعفر : فكان في هذا الحديث : من ملك ذا رحم محرم ، فهو حر ، فاحتمل أن يكون أراد به ذا الرحم من ذي المحرم ، وأريد بالحديث الذي قبله : ذو الرحم من ذي المحرم ، حتى يصح الحديثان جميعا ، ولا يتضادان ، فيرجع معناهما إلى أن من ملك ذا رحم محرم ، فهو حر . ثم نظرنا : هل روي هذا الحديث من وجه من الوجوه كذلك ، أم لا ؟ . 6362 - فوجدنا أحمد بن شعيب قد حدثنا ، قال : أخبرنا عبيد الله بن سعيد ، حدثنا محمد بن بكر ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن عاصم الأحول وقتادة ، ثم ذكر كلمة -أحمد بن شعيب القائل - معناها : عن الحسن ، عن سمرة : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : من ملك ذا رحم من ذي محرم ، فهو حر . فثبت بذلك ما صححنا عليه الحديثين اللذين ذكرناهما عن سمرة في هذا الباب عليه ، فكان في ذلك ما قد شد معنى حديث ضمرة ، عن الثوري ، الذي ذكرناه في هذا الباب . ثم نظرنا : هل روي في ذلك شيء عن أحد من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ . 6363 - فوجدنا يزيد بن سنان قد حدثنا ، قال : حدثنا أبو عاصم ، عن أبي عوانة ، عن الحكم ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عمر ، قال : من ملك ذا رحم محرم ، فهو حر . فطعن طاعن في إسناد هذا الحديث ، بأن قال : فإن عبد الرحمن بن مهدي قد روى هذا الحديث عن أبي عوانة موقوفا . فذكر ما 6364 - حدثنا أحمد بن شعيب ، أخبرنا محمد بن بشار ، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، حدثنا أبو عوانة ، عن الحكم ، ولم يذكر بعده أحدا لا من إبراهيم ، ولا من الأسود ، قال : قال عمر : من ملك ذا رحم فهو حر . وكان جوابنا له في ذلك : أن عبد الرحمن بن مهدي كذلك رواه عن أبي عوانة ، وأما أبو عاصم ، فرواه عن أبي عوانة ، كما ذكرناه عنه ، وهو حافظ متقن ، ومن كان كذلك ، كانت زيادته على الحافظ المتقن مقبولة ، ومما يؤكد ما قد روى أبو عاصم عليه هذا الحديث عن أبي عوانة . 6365 - ما حدثنا أحمد بن شعيب ، قال : أخبرنا عمرو بن علي ، قال : سمعت أبا الوليد - يعني الطيالسي - يقول : رأيت في كتاب أبي عوانة - يعني هذا الحديث - حدثنا الحكم ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عمر ، ثم ذكر مثله -يعني مثل حديث أبي عاصم فعقلنا بذلك : أن أبا عاصم حفظ من إسناد هذا الحديث ، عن أبي عوانة مما لم يحفظه عنه عبد الرحمن ، ومن حفظ شيئا كان أولى ممن قصر عنه . 6366 - وحدثنا بكار بن قتيبة ، حدثنا روح بن عبادة ، حدثنا شعبة ، حدثنا سفيان الثوري ، عن سلمة بن كهيل ، عن المستورد : أن رجلا زوج ابن أخيه مملوكته ، فولدت أولادا ، فأراد أن يسترق أولادها ، فأتى ابن أخيه عبد الله بن مسعود ، فقال : إن عمي زوجني وليدته ، وإنها ولدت لي أولادا ، فأراد أن يسترق أولادي ، فقال عبد الله : كذب ، ليس له ذلك . ففي هذا الحديث : ما قد دل : أن مذهب عبد الله بن مسعود كان في هذا المعنى ، كمذهب عمر - رضي الله عنه - كان فيه ، ولا نعلم عن أحد من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خلافا لهما في ذلك ما جاء هذا المجيء لم يتسع لأحد خلافه ، ولا القول بغيره ، وهكذا كان أبو حنيفة ، والثوري ، وأكثر أهل العراق ، يذهبون إليه في هذا المعنى ، فأما مالك بن أنس ، فكان يذهب إلى وجوب عتاق الوالدين على ولدهما ، وإلى وجوب عتاق الأخ على أخيه ، وإلى وجوب عتاق الولد ، وإن سفل على من ولده ، ولا يوجب ذلك في ابن أخ على عمه . وأما آخرون منهم : الشافعي ، فكانوا لا يوجبون العتاق في هذا المعنى ، إلا في الوالد وإن علا ، وفي الولد وإن سفل ، وفي الأمهات وإن علون ، فأما فيمن سواهم ، فلا ، وإذا ثبت في ذي الرحم المحرم وجوب العتاق له على ذي رحمه الذين هم كذلك أيضا ، كان في ذلك ما قد دل أن ذوي الأرحام المحرمات كذلك أيضا ، وكان فيما ذكرنا من ذلك شد لما حملنا عليه حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي بدأنا بذكره في هذا الباب عليه ، والله نسأله التوفيق .
220 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي إبَاحَتِهِ تَحْلِيَةِ السَّيْفِ بِالْفِضَّةِ ) . 1586 - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ عِمْرَانَ ، قَالَ : حدثنا هِلَالُ بْنُ يَحْيَى ، قَالَ : حدثنا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ ، قَالَ : ( كَانَتْ قَبَائِعُ سَيْفِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ فِضَّةٍ ) . 1587 - حَدَّثَنَا أَبُو أُمَيَّةَ ، قَالَ : حدثنا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ الْكِلَابِيُّ ، قَالَ : حدثنا هَمَّامٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ ، قَالَ : ( كَانَ نَعْلُ سَيْفِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِضَّةً ، وَقَبِيعَتُهُ فِضَّةً ، وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ حِلَقُ فِضَّةٍ ) . 1588 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خُزَيْمَةَ ، قَالَ : حدثنا مُسْلِمُ بْنُ إبْرَاهِيمَ الْأَزْدِيُّ ، قَالَ : حدثنا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ ، قَالَ : حدثنا قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ ، قَالَ : ( كَانَتْ قَبِيعَةُ سَيْفِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِضَّةً ) . 1589 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خُزَيْمَةَ ، قَالَ : حدثنا مُسْلِمٌ ، قَالَ : حدثنا هِشَامٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، مِثْلَهُ . 1590 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ دَاوُد بْنِ مُوسَى ، قَالَ : حدثنا عُثْمَانُ بْنُ طَالُوتَ ، قَالَ : حدثنا يَحْيَى بْنُ كَثِيرٍ الْعَنْبَرِيُّ ، قَالَ : حدثنا عُثْمَانُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ : ( كَانَ سَيْفُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَنَفِيًّا ، وَكَانَتْ قَبِيعَتُهُ فِضَّةً ) ، وَعُثْمَانُ بْنُ سَعْدٍ هَذَا ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ أَنَّهُ بَصْرِيٌّ تَمِيمِيٌّ يُكْنَى أَبَا بَكْرٍ وَيُعْرَفُ بِالْكَاتِبِ ، وَأَنَّهُ يُحَدِّثُ عَنْهُ شُعْبَةُ وَأَبُو عَاصِمٍ وَيَحْيَى بْنُ كَثِيرِ بْنِ دِرْهَمٍ هَذَا . قَالَ : أَبُو جَعْفَرٍ ، وَفِيمَا ذَكَرْنَا اسْتِعْمَالُ الْفِضَّةِ فِي هَذَا كَاسْتِعْمَالِهَا فِي الْخَوَاتِيمِ ، وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ اسْتِعْمَالَ الْفِضَّةِ الْمَكْرُوهَ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ هُوَ كَاسْتِعْمَالِ الْعَجَمِ إيَّاهَا مِنْ الْأَكْلِ فِيهَا وَمِنْ الشُّرْبِ فِيهَا ، وَمِمَّا كَانُوا يَتَّخِذُونَهَا آنِيَةً لَهُمْ كَمَا يَتَّخِذُونَ الصُّفْرَ وَالْحَدِيدَ لَا غَيْرَ ذَلِكَ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَعَنْ ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مِنْ أَفْعَالِهِمَا مَا يَدْخُلُ فِي هَذَا الْبَابِ ما قد 1591 - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْهَرَوِيُّ ، قَالَ : حدثنا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ ، قَالَ : حدثنا شَبَابَةُ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : كَانَتْ قَبِيعَةُ سَيْفِ عُمَرَ مِنْ فِضَّةٍ ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَتَقَلَّدُهُ . 1592 - وما قد حدثنا يَحْيَى بْنُ عُثْمَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّهُ كَانَ يَتَقَلَّدُ سَيْفَ عُمَرَ وَكَانَ مُحَلًّى . 1593 - حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَزِيدَ ، قَالَ : حدثنا يَعْقُوبُ بْنُ أَبِي عَبَّادٍ ، قَالَ : حدثنا حَمَّادُ بْنُ أُسَامَةَ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ ، قَالَ : كَانَ سَيْفُ عُمَرَ مُحَلًّى بِالْفِضَّةِ ، فَقُلْت لِنَافِعٍ عُمَرُ حَلَّاهُ ؟ قَالَ : لَا أَدْرِي ، قَدْ رَأَيْت ابْنَ عُمَرَ يَتَقَلَّدُهُ . وَقَدْ رُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . 1594 - كَمَا قَدْ حَدَّثَنَا أَبُو أُمَيَّةَ ، قَالَ : حدثنا أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيُّ وَالْأَصْمَعِيُّ ، قَالَا : ثنا قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو وَحْشِيَّةَ الصَّيْقَلُ ، قَالَ : بَعَثَ إلَيْنَا مُصْعَبُ بْنُ الزُّبَيْرِ ، فَأَخْرَجَ إلَيْنَا سَيْفَيْنِ : أَحَدُهُمَا مُرْهَفٌ حَلَقَتُهُ فِضَّةٌ ، فَقَالَ : هَذَا سَيْفُ الصِّدِّيقِ ، هَذَا سَيْفُ أَبِي بَكْرٍ ، 1595 - وَقَدْ رُوِيَ عَنْ الزُّبَيْرِ مِثْلُ ذَلِكَ أَيْضًا . كَمَا قَدْ حَدَّثَنَا يُوسُفُ ، قَالَ : حدثنا يَعْقُوبُ بْنُ أَبِي عَبَّادٍ ، قَالَ : حدثنا حَمَّادٌ - يَعْنِي : ابْنَ زَيْدٍ - عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، قَالَ : رَأَيْت سَيْفَ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ مُحَلًّى بِالْفِضَّةِ ، وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
642 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الموضع الذي يصلي فيه ركعتي الفجر من المسجد أو من البيوت . 4752 - حدثنا فهد بن سليمان حدثنا علي بن الحسن النسائي حدثنا عيسى بن يونس حدثنا صالح بن رستم ، عن عبد الله بن أبي مليكة . عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يصلي بعدما أقيمت الصلاة فأخذ بثوبه فاجتذبه وقال أتصلي الغداة أربعا ؟ 4753 - حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح حدثنا يعقوب بن كعب الحلبي حدثنا مخلد بن يزيد ، عن ابن جريج ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه . عن عبد الله بن بحينة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج لصلاة الصبح وابن القشب يصلي فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم منكبه وقال ، يا ابن القشب أتريد أن تصلي الصبح أربعا أو مرتين ؟ شك مخلد . 4754 - حدثنا الحسن بن بكر بن عبد الرحمن المروزي حدثنا إبراهيم بن حمزة الزبيري أخبرنا عبد العزيز بن محمد ، عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر ، عن أبي سلمة . عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج حين أقيمت صلاة الصبح فرأى ناسا يصلون ركعتي الفجر فقال : أصلاتان معا ؟ 4755 - حدثنا عبيد بن رجال حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير حدثنا بكر بن مضر ، عن خالد بن يزيد ، عن يزيد بن أبي حبيب . عن عبد الرحمن بن سليمان أنه قال لقد أدركت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم إلا من قتل يوم أحد فسمعتهم يذكرون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل المسجد وطلحة يصلي وقد أقيمت الصلاة فقال : أصلاتان يا طلحة . 4756 - وحدثنا علي بن معبد حدثنا يونس بن محمد حدثنا حماد ، عن سعد بن إبراهيم ، عن حفص بن عاصم . عن مالك بن بحينة أنه قال أقيمت صلاة الفجر فأتى رسول الله عليه السلام على رجل يصلي ركعتي الفجر فقام عليه ولاث به الناس فقال : أتصليها أربعا ثلاث مرات . 4757 - حدثنا بكار بن قتيبة حدثنا أبو داود حدثنا شعبة ، عن سعد فذكر مثله بإسناده غير أنه لم يقل ولاث به الناس . 4758 - حدثنا إبراهيم بن مرزوق حدثنا وهب بن جرير حدثنا شعبة فذكر بإسناده نحوه غير أنه لم يقل ثلاث مرات . وقد ذكرنا في الباب الذي قبل هذا الباب من كتابنا هذا ما يغنينا عن إعادته في هذا الباب وبالله التوفيق .
221 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي اسْتِعْمَالِهِ الْفِضَّةِ بُرَةَ لِهَدْيِهِ . 1596 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ ، قَالَ : حدثنا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْوَاسِطِيُّ ، قَالَ : حدثنا عَبَّادٌ ، وَهُوَ ابْنُ الْعَوَّامِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي يَحْيَى ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهْدَى جَمَلَ أَبِي جَهْلٍ وَهُوَ بِمَكَّةَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ وَكَانَ فِي رَأْسِهِ بُرَةٌ مِنْ فِضَّةٍ ) . 1597 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ دَاوُد ، قَالَ : حدثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ وَاقِدٍ الْحَرَّانِيُّ ، قَالَ : حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : ( أَهْدَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عُمْرَةِ الْحُدَيْبِيَةِ جَمَلَ أَبِي جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ وَعَلَيْهِ خِشَاشٌ مِنْ ذَهَبٍ ) وَهُوَ الزِّمَامُ . قَالَ : وَلَكِنْ الزِّمَامُ فِي اللَّحْمِ ، وَالْخِشَاشُ يَكُونُ فِي الْعَظْمِ وَمَا فَعَلَ ذَلِكَ إلَّا لِيَغِيظَ بِهِ قُرَيْشًا . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَتَوَهَّمْنَا أَنَّ أَبَا يَحْيَى الَّذِي فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ هُوَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ الَّذِي فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، حَتَّى وَقَفْنَا عَلَى كُنْيَةِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، فَإِذَا هُوَ أَبُو يَسَارٍ ، وَهُوَ مَوْلًى لِثَقِيفٍ فَعَقَلْنَا بِذَلِكَ أَنَّ أَبَا يَحْيَى الَّذِي فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ هُوَ الْقَتَّاتُ ، وَالْكَلَامُ الَّذِي جِئْنَا بِهِ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا يُغْنِينَا عَنْ الْكَلَامِ فِي هَذَا الْبَابِ . وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ . 1598 - وَهُوَ مَا قَدْ حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ ، قَالَ : حدثنا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ الْحَكَمِ ، عَنْ مِقْسَمٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهْدَى مِائَةَ بَدَنَةٍ فِيهَا جَمَلٌ لِأَبِي جَهْلٍ فِي أَنْفِهِ بُرَةٌ مِنْ فِضَّةٍ ).
863 - باب بيان مشكل ما روته عائشة وأم سلمة وغيرهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قراءة فاتحة الكتاب : ملك يوم الدين ، أو : مالك يوم الدين . 6367 - حدثنا روح بن الفرج ، قال : حدثنا هارون بن سعيد بن الهيثم الأيلي ، حدثنا خالد بن نزار الأيلي ، عن القاسم بن مبرور ، عن يونس بن يزيد ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة قالت : شكا الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قحط المطر ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنبر فوضع ثم صلى ، ووعد الناس يخرجون يوما ، فقالت عائشة : وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بدا حاجب الشمس ، فقعد على المنبر ، فحمد الله تعالى ثم قال : إنكم شكوتم إلي جدب جنابكم ، واستئخار المطر عن إبان زمانه عنكم ، وقد أمركم الله أن تدعوه ووعدكم أن يستجيب لكم ، ثم قال : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، ملك يوم الدين لا إله إلا الله يفعل ما يشاء . ثم ذكر بقية الحديث قال أبو جعفر : ففي هذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قرأ في فاتحة الكتاب : ملك يوم الدين لا : مالك يوم الدين . 6368 - وحدثنا فهد بن سليمان ، حدثنا عمر بن حفص بن غياث النخعي ، حدثنا أبي ، حدثنا ابن جريج ، عن ابن أبي مليكة ، عن أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي في بيتها ، فيقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ملك يوم الدين إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ آمين . 6369 - وأجاز لنا علي بن عبد العزيز ما ذكر لنا أن أبا عبيد القاسم بن سلام حدثه إياه قال : حدثنا يحيى بن سعيد الأموي ، حدثنا عبد الملك بن جريج ، عن عبد الله بن أبي مليكة ، عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت : كان النبي صلى الله عليه وسلم يقطع قراءته : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ملك يوم الدين . 6370 - وحدثنا يوسف بن يزيد ، أخبرنا نعيم بن حماد ، حدثنا عمر بن هارون ، عن ابن جريج ، عن ابن أبي مليكة ، عن أم سلمة قالت : كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إلى آخرها ، يعدها بأصابع إحدى يديه سبع آيات : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، وقرأ : ملك يوم الدين ولم يقرأ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ . فنظرنا في إسناد حديث أم سلمة هذا ، فوجدنا الليث بن سعد قد رواه عن ابن أبي مليكة بزيادة رجل فيه بينه وبين أم سلمة . 6371 - كما حدثنا الربيع بن سليمان المرادي ، حدثنا شعيب بن الليث قال : حدثنا الليث ، عن عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة ، عن يعلى - يعني ابن مملك أنه سأل أم سلمة عن قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنعتت له قراءة مفسرة حرفا حرفا ، وقد يجوز أن يكون نعت أم سلمة قراءة النبي صلى الله عليه وسلم كيف كان يقرأ بها ما سمعته يقرؤها بغيره من القرآن ، فثبت بتصحيح ما رويناه منها في هذا الباب أنه لا دليل فيما رويناه عنها فيه مما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ به ذلك الحرف : هل هو ملك أو مالك . هذا يحاج به من روى هذا الحديث كما رواه حفص ، ويحيى بن سعيد الأموي ، لا من رواه كما رواه عمر بن هارون . 6372 - وحدثنا إبراهيم بن أبي داود ، حدثنا هدبة بن خالد ، حدثنا هارون بن موسى النحوي ، حدثنا إسماعيل بن مسلم ، عن أبي إسحاق ، عن ابن أبي حصين ، أو أم حصين ، عن جدته أم حصين أنها صلت خلف النبي صلى الله عليه وسلم فقرأ : مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ، حتى إذا بلغ : وَلا الضَّالِّينَ ، قال : آمين . قال أبو جعفر : وهذا الحديث ، فمن أحسن ما روي في هذا الباب ، لأنه وإن دار على إسماعيل بن مسلم - وهو العبدي - فهو مقبول الرواية ، ثبت فيها . 6373 - وحدثنا أبو أمية ، حدثنا الخضر بن محمد بن شجاع الحراني ، حدثنا أبو معاوية ، عن أبي إسحاق الحميسي ، عن مالك بن دينار ، عن أنس بن مالك قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ : مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ . قال أبو جعفر : فكانت هذه الآثار قد تكافأت في ملك ومالك ، فلم يكن بعضها أولى من بعض ، فطلبنا الوجه في ذلك مما رواه غير من ذكرنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . 6374 - فوجدنا يونس قد حدثنا ، قال : حدثنا ابن وهب : أن مالكا حدثه ، عن العلاء بن عبد الرحمن : أنه سمع أبا السائب - مولى هشام بن زهرة - يقول : سمعت أبا هريرة رضي الله عنه يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : قال الله عز وجل : قسمت – يعني- الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ، نصفها لي ونصفها لعبدي ، ولعبدي ما سأل . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اقرؤوا يقول : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، يقول الله تعالى : حمدني عبدي ، يقول العبد : الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، يقول الله تعالى : أثنى علي عبدي ، يقول : ملك يوم الدين ، يقول الله تعالى : مجدني عبدي ، وهذه الآية بيني وبين عبدي ، يقول العبد : إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ فهؤلاء لعبدي ولعبدي ما سأل . فكان في هذا الحديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في فاتحة الكتاب : ملك يوم الدين ، غير أنا قد وجدنا قتيبة بن سعيد قد خالف ابن وهب ، عن مالك ، فذكر فيه مكان ملك : مالك . 6375 - كما حدثنا أحمد بن شعيب ، أخبرنا قتيبة بن سعيد ، عن مالك ، ثم ذكر مثل حديث ابن وهب بإسناده وبمتنه ، غير أنه قال مكان ملك يوم الدين : مالك . ثم نظرنا هذا الحرف في رواية غير مالك عن العلاء كيف هو ؟ . 6376 - فوجدنا ابن أبي داود قد حدثنا قال : حدثنا سعيد بن أبي مريم ، حدثنا أبو غسان - محمد بن مطرف - حدثني العلاء بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم ذكر مثله غير أنه قال فيه : مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ . 6377 - ووجدنا إبراهيم بن مرزوق قد حدثنا ، قال : حدثنا عمر بن يونس بن القاسم اليمامي ، حدثنا جهضم بن عبد الله ، عن العلاء بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم ذكر مثله ، غير أنه قال فيه مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ مكان : ملك يوم الدين . 6378 - ووجدنا إسحاق بن إبراهيم بن يونس قد حدثنا قال : حدثنا عيسى بن أبي الطائي وهو الحمصي ، وهو محمود في روايته ، قال : حدثنا زيد بن يحيى بن عبيد ، حدثنا ابن ثوبان ، حدثني الحسن بن الحر ، عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب الحرقي ، عن أبي السائب ، عن أبي هريرة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، مثله ، غير أنه قال : ملك يوم الدين مكان : مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ . 6379 - ووجدنا محمد بن عزيز الأيلي حدثنا قال : حدثنا سلامة بن روح ، عن عقيل بن خالد ، عن ابن شهاب ، عن أبي السائب ، مولى هشام بن زهرة ، أن أبا هريرة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر مثله ، وقال فيه : ملك يوم الدين مكان : مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ . 6380 - ووجدنا محمد بن علي بن داود البغدادي قد حدثنا ، قال : حدثنا يحيى بن إسماعيل الواسطي ، أخبرنا وكيع ، عن سفيان ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ : مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ . 6381 - ووجدنا محمد بن علي أيضا قد حدثنا ، قال : حدثنا يحيى بن إسماعيل ، حدثنا ابن فضيل ، قال : حدثنا الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ : ملك يوم الدين . فاختلف سفيان ، وابن فضيل ، عن الأعمش في هذا الحرف ، فرواه كل واحد منهما عنه كما ذكرناه عنه في هذا الباب . ولا نعلم أنه روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا المعنى من الأسانيد المقبولة غير ما قد ذكرناه في هذا الباب غير شيء رواه أيوب بن سويد فيه ، وإن كان في القلوب من أيوب ما فيها ، وهو . 6382 - ما قد حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ، حدثنا أيوب بن سويد ، عن يونس ، عن الزهري ، عن أنس : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأبا بكر ، وعمر كانوا يقرؤون : مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ . قال أبو جعفر : وكان الصحيح في هذا الحديث . 6383 - ما قد حدثنا يوسف بن يزيد ، حدثنا نعيم بن حماد ، أخبرنا صفوان بن عيسى البصري ، وابن المنكدر ، عن معمر ، عن الزهري ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأبي بكر ، وعمر مثله ، ولم يذكر أنسا . ثم نظرنا فيما روي عن أبي هريرة ، كيف قرأ هذا الحرف بعد النبي صلى الله عليه وسلم لنقف به على الصحيح مما قد روي فيه عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، 6384 - فوجدنا أبا شريح محمد بن زكريا بن يحيى ، وابن أبي مريم قد حدثانا ، حدثنا الفريابي ، حدثنا سفيان ، عن الأعمش ، عن ذكوان ، عن أبي هريرة : أنه كان يقرؤها : مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ 6385 . ووجدنا إبراهيم بن مرزوق قد حدثنا ، قال : حدثنا عفان بن مسلم ، عن أبي عوانة ، عن سليمان ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة مثله . فقوي في القلوب ما روي عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم بما روي عنه أنه قرأه بعده : مالك لا ملك . ثم نظرنا إلى ما روي في ذلك عن أبي بكر ، وعمر رضي الله عنهما مما قرآ به هذا الحرف بعد النبي صلى الله عليه وسلم ، فلم نجد عن أبي بكر شيئا في ذلك ، 6386 - ووجدنا عن عمر فيه ما قد حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، حدثنا عفان ، عن أبي عوانة ، عن سليمان ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، والأسود أنهما كانا يقرآن : مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ، وكان يحدثان أن عمر كان يقرؤها مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ . فقوي في القلوب أن الصحيح عن عمر في ذلك مالك لا ملك ، ثم نظرنا في قراءة القراء من بعدهم لذلك الحرف ، كيف كانت ؟ 6387 - فوجدنا هارون بن محمد العسقلاني قد حدثنا ، قال : حدثنا عمرو بن علي الصيرفي ، قال : سمعت يحيى بن سعيد ، يقول : ما رأيت أحدا يجترئ أن يسأل الأعمش إلا رجلين : حفص بن غياث ، وأبا معاوية ، غير أني رأيت عباد بن كثير سأله فقال : يا أبا محمد ، كيف تقرأ هذا الحرف مالك أو ملك ؟ قال : مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ . وكانت قراءة الأعمش ترجع إلى يحيى بن وثاب ، وقراءة يحيى ترجع إلى عبيد بن نضلة ، وقراءة عبيد ترجع إلى علقمة ، وقراءة علقمة ترجع إلى عبد الله بن مسعود ، وقراءة عبد الله بن مسعود ترجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، 6388 - ووجدنا روح بن الفرج قد حدثنا ، قال : حدثنا الجعفي ، حدثنا أبو بكر بن عياش ، عن عاصم أنه قرأ : مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ، 6389 - ووجدنا ابن أبي عمران قد حدثنا ، قال : حدثنا خلف بن هشام البزار ، حدثنا يحيى بن آدم ، قال : قال لي أبو بكر بن عياش : قال لي عاصم : ما أقرأني أحد من الناس إلا أبو عبد الرحمن السلمي ، قال : وكان أبو عبد الرحمن قد قرأ على علي ، قال عاصم : وكنت أرجع من عند أبي عبد الرحمن فأعرض على زر بن حبيش ، وكان زر قد قرأ على عبد الله ، قال : قلت لعاصم : لقد استوثقت . قال خلف في هذه الرواية : وكان عاصم يقرؤها : مالك يوم الدين . قال خلف : والأعمش يقرؤها كمثل . 6390 - ووجدنا روحا قد حدثنا ، قال : حدثنا الجعفي ، حدثنا أبو بكر بن عياش ، ثم ذكر بإسناده مثله ، وزاد فيه : وقرأ عبد الله على النبي صلى الله عليه وسلم ، وقبل ذلك ما قد ذكر في قراءة علي ، قال : وقرأ علي على النبي صلى الله عليه وسلم ، وفي رواية الجعفي هذه عن أبي بكر ، عن عاصم : أنه قرأ : مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ . 6391 - وسمعت ابن أبي عمران 0يقول : سمعت يحيى بن أكثم ، يقول : إن كانت القراءة تؤخذ من صحة المخرج ، فما نعلم لقراءة من صحة المخرج ما لقراءة عاصم ، ثم ذكر هذه الحكاية في قراءته على أبي عبد الرحمن ، وفي قراءة أبي عبد الرحمن على علي رضي الله عنه ، وفي قراءة علي على النبي صلى الله عليه وسلم ، وفي قراءته على زر بن حبيش ، وفي قراءة زر على عبد الله ، وفي قراءة عبد الله على رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال أبو جعفر : ولقراءة عاصم أيضا زيادة على هذا المعنى ، 6392 - وهو ما قد حدثنا إبراهيم بن أحمد بن مروان الواسطي ، قال : حدثنا محمد بن خالد بن عبد الله الواسطي ، عن حفص بن سليمان ، عن عاصم ، عن أبي عبد الرحمن ، قال : عرضت القراءة على علي بن أبي طالب ، وعرض علي بن أبي طالب على النبي عليه السلام ، ثم حججت فلقيت زيد بن ثابت فقرأت القرآن عليه كما قرأته على علي ، فما خالفه في حرف واحد . ثم رجعنا إلى ما قرأ هذا الحرف عليه غير عاصم ، فوجدنا حمزة بن حبيب قد قرأه : ملك يوم الدين . 6393 - كما حدثنا ابن أبي عمران ، حدثنا خلف ، حدثنا سليم بن عيسى ، عن حمزة ، ثم ذكر ذلك ، وقال في روايته : قال حمزة : ما قرأت القرآن إلى على رجلين : ابن أبي ليلى ، والأعمش ، فما كان من حرف ابن أبي ليلى ، فعلى حرف علي ، وما كان من حرف الأعمش ، فعلى حرف عبد الله ، وكانت قراءة ابن أبي ليلى أخذها عن أخيه عيسى ، وأخذها أخوه عيسى ، عن أبيه عبد الرحمن بن أبي ليلى ، وأخذها أبوه عن علي رضي الله عنه . وأما نافع ، فكان يقرؤها : ملك يوم الدين أيضا ، وقد قرأ على جماعة منهم : أبو جعفر يزيد بن القعقاع ، وقرأ أبو جعفر على مولاه عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة ، وقرأ مولاه على أبي بن كعب ، وسائر القراء سوى من ذكرنا من الاختلاف في هذا الحرف على مثل من ذكرنا من الاختلاف فيه . ثم رجعنا إلى طلب الوجه في ذلك من طريق الاستخراج ، فوجدنا أبا عبيد قد ذكر ما أجازه لنا عنه علي بن عبد العزيز ، أنه كان يختار في ذلك : ملك يوم الدين على مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ، ويذكر فيه أن حجاج بن محمد حدثه ، عن هارون بن موسى العتكي قال : كان عاصم الجحدري يقرؤها بغير ألف ، يعني : ملك يوم الدين ، قال هارون : فذكرت ذلك لأبي عمرو ، وأنه كان يحتج في ذلك على من قرأه : مالك بالألف ، فقال : يلزمه أن يقرأ : قل أعوذ برب الناس مالك الناس . فقال أبو عمرو : نعم لموافقته عاصما على ذلك ، أولا يقرؤون : فتعالى الله المالك الحق . قال أبو عبيد : ونحن نختار هذه القراءة أيضا ، فذكر كلاما فيه ، ولأن ملكا فيه ما ليس في مالك ، لأنه قد يكون مالكا غير ملك ، ولا يكون ملكا إلا مالكا ، ولم يختلفوا في قراءة : لمن الملك اليوم لله الواحد القهار ، أنه كذلك لا ما سواه . ووجدنا بعض من يحتج لمن قرأها مالك يحتج بقول الله تعالى : قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ ، وكان أولى ما قرأت عليه عندنا -والله أعلم- أن يرجع فيما سمى الله عز وجل به نفسه إلى ما سمى الله به نفسه ، فقد سمى الله نفسه في كتابه بما قد تلوناه في : قل أعوذ برب الناس ، وبما ذكره في سورة الحشر من قوله : هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ ، وبما ذكره في سورة الجمعة في قوله : يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ ، فكان ما سمى به نفسه مما قد تلوناه في هذه الآيات أولى ما رد إليه الحرف المختلف فيه الذي قد ذكرناه من مالك ومن ملك إلى ملك لا إلى مالك ، وبالله التوفيق .
222 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَمْرِهِ الَّذِي أُصِيبَ أَنْفُهُ أَنْ يَتَّخِذَ مَكَانَهُ أَنْفًا مِنْ ذَهَبٍ ) . 1599 - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ الرَّقِّيُّ ، قَالَ : حدثنا غَسَّانُ بْنُ عُبَيْدٍ الْمَوْصِلِيُّ ، وحدثنا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ ، قَالَ : حدثنا أَبُو عَاصِمٍ ، وَحَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ شُعَيْبٍ الْكَيْسَانِيُّ ، قَالَ : حدثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادِ ، والْخَصِيبِ بْنِ نَاصِحٍ وَأَسَدُ بْنُ مُوسَى ( ح ) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خُزَيْمَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ ، وَحَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُد ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ ، قَالُوا جَمِيعًا : حدثنا أَبُو الْأَشْهَبِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ طَرَفَةَ ، عَنْ جَدِّهِ عَرْفَجَةَ بْنِ أَسْعَدَ ، أَنَّهُ أُصِيبَ أَنْفُهُ يَوْمَ الْكُلَابِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، فَاسْتَعْمَلَ أَنْفًا مِنْ وَرِقٍ فَأَنْتَنَ عَلَيْهِ ، فَشَكَا ذَلِكَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَتَّخِذَ أَنْفًا مِنْ ذَهَبٍ فَفَعَلَ ) . 1600 - وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، قَالَ : أَخبرنا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَبَّانُ ، عَنْ سَلْمِ بْنِ زَرِيرٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ طَرَفَةَ ، عَنْ عَرْفَجَةَ بْنِ أَسْعَدَ ، ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ . 1601 - وحدثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ ، قَالَ : حدثنا يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ الْحَضْرَمِيُّ ، قَالَ : حدثنا سَلْمُ بْنُ زَرِيرٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ طَرَفَةَ ، أَنَّ عَرْفَجَةَ بْنَ أَسْعَدَ أُصِيبَ أَنْفُهُ يَوْمَ الْكُلَابِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، ثُمَّ ذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ إبَاحَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلرَّجُلِ الْمَذْكُورِ فِيهِ أَنْ يَتَّخِذَ مَكَانَ أَنْفِهِ الَّذِي أُصِيبَ بِهِ أَنْفًا مِنْ ذَهَبٍ لَمَّا اشْتَكَى إلَيْهِ أَنَّ الْأَنْفَ الَّذِي اتَّخَذَهُ قَبْلَ ذَلِكَ مِنْ الْوَرِقِ أَنْتَنَ عَلَيْهِ ، فَقَالَ : قَائِلٌ : فَهَلْ كَانَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ تَحْرِيمِهِ لُبْسَ الذَّهَبِ أَوْ بَعْدَ تَحْرِيمِهِ لُبْسَهُ ، فَإِنَّ لُبْسَ الذَّهَبِ قَدْ كَانَ مُبَاحًا ثُمَّ حَرَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى الرِّجَالِ . 1602 - وذكر فِي ذَلِكَ مَا قَدْ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي دَاوُد ، قَالَ : حدثنا مُسَدَّدُ بْنُ مُسَرْهَدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي نَافِعٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ ، وَجَعَلَ فَصَّهُ مِمَّا يَلِي كَفَّهُ ، فَاتَّخَذَهُ النَّاسُ فَرَمَى بِهِ وَاتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ أَوْ فِضَّةٍ ) . 1603 - وما قد حدثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ ، قَالَ : حدثنا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ ، قَالَ : حدثنا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ . 1604 - حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ ، قَالَ : حدثنا الْقَعْنَبِيُّ ، قَالَ : قَرَأْت عَلَى مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَلْبَسُ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ ثُمَّ ، قَالَ : فَنَبَذَهُ وَقَالَ : لَا أَلْبَسُهُ أَبَدًا ، فَنَبَذَ النَّاسُ خَوَاتِيمَهُمْ ) ، قَالَ : فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ لِبَاسُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاتَمَ الذَّهَبِ إذْ كَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مُبَاحًا ، وَنَبْذُهُ إيَّاهُ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَّا عَادَ لُبْسُهُ حَرَامًا ، فَإِنْ كَانَ أَمْرُهُ عَرْفَجَةَ بِاِتِّخَاذِ أَنْفٍ مِنْ ذَهَبٍ فِي حَالِ الْإِبَاحَةِ لِلُبْسِ الذَّهَبِ ، فَلَا حُجَّةَ لَكُمْ فِي إبَاحَةِ مِثْلِهِ الْآنَ فِي حَالِ تَحْرِيمِ لُبْسِ الذَّهَبِ ، وَلَا دَلِيلَ مَعَكُمْ فِيمَا كَانَ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَرْفَجَةَ أَنَّهُ كَانَ بَعْدَ تَحْرِيمِهِ لُبْسَ الذَّهَبِ . فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعَوْنِهِ أَنَّا لَمْ نَأْتِ بِحَدِيثِ عَرْفَجَةَ هَذَا لِمَا أَتَيْنَا بِهِ لَهُ إلَّا بَعْدَ قِيَامِ الدَّلِيلِ عِنْدَنَا ، أَنَّ إبَاحَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَرْفَجَةَ مَا أَبَاحَهُ إيَّاهُ مِمَّا ذُكِرَ فِي حَدِيثِهِ كَانَ بَعْدَ تَحْرِيمِهِ لُبْسَ الذَّهَبِ عَلَى الرِّجَالِ ، وَذَلِكَ أَنَّ عَرْفَجَةَ قَدْ كَانَ قَبْلَ تَشَكِّيهِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا ذَكَرَ تَشَكِّيهِ إيَّاهُ إلَيْهِ فِي حَدِيثِهِ لَوْ كَانَ فِي إبَاحَةِ لُبْسِ الذَّهَبِ لَهُ قَدْ كَانَ غَنِيًّا عَنْ اسْتِعْلَامِ حُكْمِ نَفْسِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ عِلْمِ نَفْسِهِ بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ يَعْرِفُ الْوَرِقَ وَيَعْلَمُ أَنَّهُ قَدْ كَانَ يَلْحَقُهُ الصَّدَأُ حَتَّى يَكُونَ سَبَبًا لِإِنْتَانِهِ عَلَيْهِ إذَا اسْتَعْمَلَهُ فِيمَا اسْتَعْمَلَهُ فِيهِ ، وَأَنَّ الذَّهَبَ بِخِلَافِ ذَلِكَ ؛ إذْ كَانَ لَا يَلْحَقُهُ الصَّدَأُ الَّذِي يَكُونُ عَنْهُ مِنْ الْإِنْتَانِ مِثْلُ مَا يَكُونُ فِي الْوَرِقِ ، أَوْ كَانَ غَيْرَ عَالِمٍ بِذَلِكَ ، فَقَدْ كَانَ قَادِرًا عَلَى اسْتِعْلَامِهِ مِنْ خِلَافِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِتَسَاوِي النَّاسِ فِي ذَلِكَ ، وَلَمَّا قَصَدَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَشَكَّى ذَلِكَ إلَيْهِ إرَادَةً مِنْهُ أَنْ يُبِيحَهُ اتِّخَاذَ مَا لَا يُنْتِنُ عَلَيْهِ إذَا جَعَلَهُ بِالْمَكَانِ الَّذِي يَحْتَاجُ إلَى جَعْلِهِ فِيهِ ، أَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا كَانَ احْتِيَاجُهُ عَلَى حُكْمِ ذَلِكَ فِي الدِّيَانَةِ ، فَأَجَابَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا أَجَابَهُ بِهِ فِي ذَلِكَ ، وَأَمَرَهُ بِمَا أَمَرَهُ بِهِ فِيهِ ، وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ مِمَّا قَدْ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي مِثْلِهَا ، وَهُوَ شَدُّ الْأَسْنَانِ إذَا تَحَرَّكَتْ بِمَا يُحْتَاجُ إلَى شَدِّهَا بِهِ مِنْ وَرِقٍ وَمِنْ ذَهَبٍ ، فَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي شَدِّهَا بِالذَّهَبِ قَوْلَانِ مُخْتَلِفَانِ : أَحَدُهُمَا كَرَاهَةُ ذَلِكَ ، كَمَا قَدْ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ ، عَنْ يَعْقُوبَ ، عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ بِذَلِكَ ، وَلَمْ يَحْكِ فِيهِ خِلَافًا . وَالْآخَرُ مِنْهُمَا مَا قَدْ حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْوَلِيدِ ، قَالَ : أخبرناَ بِشْرُ بْنُ الْوَلِيدِ الْكِنْدِيُّ ، قَالَ : سَمِعْت أَبَا يُوسُفَ يَقُولُ : قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا بَأْسَ أَنْ يَشُدَّهَا بِالذَّهَبِ وَلَمْ يَحْكِ فِي ذَلِكَ خِلَافًا ، وَفِي الرِّوَايَتَيْنِ جَمِيعًا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يَشُدَّهَا بِالذَّهَبِ وَ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي رَأْيِهِ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْعَبَّاسِ : لَا بَأْسَ أَنْ يَشُدَّهَا بِالذَّهَبِ ، وَقَدْ رُوِيَ فِي ذَلِكَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ إبَاحَةُ شَدِّهَا بِالذَّهَبِ 1605 - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ شُعَيْبٍ ، قَالَ : حدثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادٍ وَأَسَدُ بْنُ مُوسَى ، قَالَا : حدثنا أَبُو الْأَشْهَبِ ، عَنْ حَمَّادٍ ، قَالَ : رَأَيْت الْمُغِيرَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَمِيرَ الْكُوفَةِ قَدْ ضَبَّبَ أَسْنَانَهُ بِالذَّهَبِ ، فَذَكَرْت ذَلِكَ لِإِبْرَاهِيمَ ، فَقَالَ : لَا بَأْسَ بِهِ . 1606 - وَكَمَا حَدَّثَنَا أَبُو أُمَيَّةَ ، قَالَ : حدثنا مُوسَى بْنُ دَاوُد . وَكَمَا حَدَّثَنَا فَهْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، قَالَ : حدثنا أَبُو غَسَّانٍ وَمُوسَى بْنُ دَاوُد ، قَالَا : حدثنا طُعْمَةُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : رَأَيْت صُفْرَةَ الذَّهَبِ بَيْنَ ثَنَايَا - أَوْ قَالَ : ثَنِيَّتَيْ - مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ . 1607 - وَكَمَا حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُد ، قَالَ : حدثنا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ النُّشَيْطِيُّ ، قَالَ : حدثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ ، قَالَ : رَأَيْت الْحَسَنَ يَشُدُّ أَسْنَانَهُ بِالذَّهَبِ . 1608 - وحدثنا ابْنُ أَبِي دَاوُد ، قَالَ : حدثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْمُبَارَكِ ، قَالَ : حدثنا يَحْيَى بْنُ مَيْسَرَةَ ، عَنْ عَوْنٍ الْعُقَيْلِيِّ ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرَةَ كَانَ قَدْ بَلَغَ سِنًّا ، وَكَانَ يُولَدُ لَهُ فَسَقَطَتْ أَسْنَانُهُ فَأُعِيدَتْ بِسِلْسِلَةٍ مِنْ ذَهَبٍ . 1609 - وَكَمَا حَدَّثَنَا أَبُو أُمَيَّةَ ، قَالَ : حدثنا أَبُو النَّضْرِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، وَكَمَا حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ شُعَيْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، قَالَ : رَأَيْت أَبَا التَّيَّاحِ وَأَبَا جمْرةَ وَأَبَا نَوْفَلِ بْنَ أَبِي عَقْرَبٍ ، قَدْ ضَبَّبُوا أَسْنَانَهُمْ بِالذَّهَبِ . 1610 - وَكَمَا قَدْ حَدَّثَنَا أَبُو أُمَيَّةَ ، قَالَ : حدثنا عُرْفَانُ بْنُ عَاصِمِ بْنِ عُرْفَانَ الْبَزَّازُ الْبَصْرِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، قَالَ : رَأَيْت يَزِيدَ الرِّشْكَ مُشَبَّكَةً أَسْنَانُهُ بِالذَّهَبِ . 1611 - وَكَمَا قَدْ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ شُعَيْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْخَصِيبُ بْنُ نَاصِحٍ ، قَالَ : رَأَيْت عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَسَنِ قَاضِيَ الْبَصْرَةِ قَدْ شَدَّ أَسْنَانَهُ بِالذَّهَبِ . 1612 - وَكَمَا حَدَّثَنَا أَبُو أُمَيَّةَ ، قَالَ : حدثنا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ ، قَالَ : حدثنا عَلِيُّ بْنُ سُوَيْد بْنِ مَنْجُوفٍ ، قَالَ : رَأَيْت أَبَا رَافِعٍ مُشَبَّكَةً أَسْنَانُهُ بِالذَّهَبِ . قَالَ لَنَا أَبُو أُمَيَّةَ : وَرَأَيْت بَدَلَ بْنَ الْمُحَبَّرِ وَهَوْذَةَ بْنَ خَلِيفَةَ وَإِبْرَاهِيمَ بْنَ زِيَادٍ - سَبَلَانَ - مُشَبَّكَةً أَسْنَانُهُمْ بِالذَّهَبِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَلَا نَعْلَمُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ خِلَافًا لِهَذَا الْقَوْلِ غَيْرَ مَا ذَكَرْنَاهُ فِيهِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ مِنْ قَوْلِهِ الَّذِي يُخَالِفُهُ فِيهِ مِنْ الْعُلَمَاءِ لَا سِيَّمَا وَقَدْ كَانَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ مِنْ الْإِبَاحَةِ لِعَرْفَجَةَ مَا قَدْ كَانَ مِمَّا رَوَيْنَاهُ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
641 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يتطوع به بعد صلاة الجمعة من الركوع في الموطن الذي يصلى فيه . 4737 - حدثنا يونس بن عبد الأعلى حدثنا سفيان بن عيينة ، عن سهيل بن أبي صالح ، عن أبيه . عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : من كان منكم مصليا بعد الجمعة فليصل أربعا . 4738 - حدثنا عبد الله بن محمد بن سعيد بن أبي مريم حدثنا الفريابي حدثنا سفيان يعني الثوري ، عن سهيل بن أبي صالح ، ثم ذكر بإسناده مثله . 4739 - حدثنا محمد بن خزيمة ، قال : حدثنا الحجاج بن منهال ، قال : حدثنا حماد بن سلمة ، عن سهيل بن أبي صالح ، ثم ذكر بإسناده مثله . 4740 - حدثنا محمد بن خزيمة ، قال : حدثنا حجاج بن منهال ح وحدثنا أحمد بن داود بن موسى ، قال : حدثنا سهل بن بكار ، قالا : حدثنا أبو عوانة ، عن سهيل بن أبي صالح ، ثم ذكر بإسناده مثله . 4741 - حدثنا فهد بن سليمان حدثنا محمد بن كثير حدثنا معمر ، عن سهيل بن أبي صالح ، ثم ذكر بإسناده مثله . 4742 - حدثنا محمد بن علي بن داود حدثنا يوسف الصفار ، قال : حدثنا عبيد بن سعيد حدثنا أبيض بن أبان الثقفي ، عن سهيل بن أبي صالح ، عن أبيه . عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من كان مصليا فليصل قبل الجمعة أربعا وبعدها أربعا . قال عبيد : فقلت لأبيض : إن سفيان حدثني به ، عن سهيل ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ZZ من كان مصليا بعد الجمعة فليصل أربعا ، قال ذاك ما سمع سفيان وذا ما سمعت أنا أما إني أخذت كتاب سهيل . قال أبو جعفر : عبيد بن سعيد هذا هو الأموي وسمعت إبراهيم بن أبي داود يقول : قال يحيى بن معين : بنو سعيد الأموي خمسة عنبسة بن سعيد ويحيى بن سعيد ومحمد بن سعيد وعبيد بن سعيد وعبد الله بن سعيد وكانوا ببغداد كلهم إلا عبيد بن سعيد ، وكان من أكبرهم روى عن عبد الملك بن عمير ولم يكتب عنه كتبه أحد وكان صاحب سلطان هو وأخوه عبد الله . قال أبو جعفر : ففي هذه الآثار أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من كان مصليا بعد الجمعة أن يصلي أربعا . فقال قائل فقد رويتم من حديث الثوري عن سهيل بهذا الإسناد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى الجمعة صلى بعدها ركعتين ، ثم أربعا وذكر في ذلك . 4743 - ما قد حدثنا محمد بن عبد الرحيم الهروي حدثنا نوح بن حبيب القومسي حدثنا يحيى بن سعيد ، عن سفيان الثوري ، عن سهيل بن أبي صالح ، عن أبيه . عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى الجمعة صلى بعدها ركعتين ، ثم صلى أربعا . فكان جوابنا له في ذلك أنه قد يحتمل أن يكون ما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس ممن قد روينا في هذا الحديث هو ما أمرهم به أن يصلوه في المسجد بغير انصراف منهم عنه إلى غيره من بيوتهم ومما سواها ، ومما كان يفعله مما في حديث الهروي هذا ؛ فلأنه كان يكون منه في بيته بعد انصرافه من المسجد ومما يدل على ذلك . 4744 - ما قد حدثنا إبراهيم بن مرزوق حدثنا عارم أبو النعمان ، عن حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن نافع . أن ابن عمر رأى رجلا يصلي ركعتين بعد الجمعة فدفعه وقال أتصلي الجمعة أربعا ، قال وكان ابن عمر يصلي الركعتين في بيته ويقول هكذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم . 4745 - وما قد حدثنا يزيد بن سنان حدثنا شيبان بن فروخ حدثنا عبد العزيز القسملي حدثنا عبد الله بن دينار . عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان إذا صلى الجمعة انصرف إلى بيته فصلى سجدتين ، وذكر ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك . 4746 - وما قد حدثنا به أبو أمية حدثنا منصور بن سلمة الخزاعي حدثنا سليمان بن بلال ، عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر ، ثم ذكر مثله سواء . قال أبو جعفر : فوقفنا بذلك على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي هاتين الركعتين بعد الجمعة في بيته لا في المسجد وعلى امتثال ابن عمر ذلك من بعده واقتدائه به فيه فكان يصليهما في بيته لا في المسجد بعد انصرافه من المسجد وكان من سنته صلى الله عليه وسلم فيمن صلى صلاة من الصلوات الخمس ، ثم أراد أن يتطوع بعدها في المسجد الذي صلاها فيه أن لا يفعل ذلك حتى يتقدم أو يتكلم . 4747 - كما حدثنا إبراهيم بن مرزوق حدثنا أبو عاصم ، عن ابن جريج ، عن عمر بن عطاء بن أبي الخوار . أن نافع بن جبير أرسله إلى السائب بن يزيد يسأله ماذا سمع من معاوية في الصلاة بعد الجمعة ؟ فقال : صليت مع معاوية الجمعة في المقصورة فلما فرغت قمت لأتطوع فأخذ بثوبي فقال : لا تفعل حتى تقدم أو تكلم فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بذلك . 4748 - وكما حدثنا أبو زرعة عبد الرحمن بن عمرو الدمشقي حدثنا أبو الأشهب هوذة بن خليفة البكراوي حدثنا ابن جريج ، ثم ذكر بإسناده مثله . فكان كل واحد من التقدم ومن الكلام يبيح له أن يصلي ما شاء من التطوع في المسجد بعقب صلاة الفريضة التي صلاها فيه ، وكان ما في حديث ابن عمر لا يطلق له ذلك في المسجد ويطلقه في بيته بعد انصرافه من المسجد إليه فكان تصحيح هذين المعنيين من هذه الآثار أن الذي حظره حديث ابن عمر هو أن يتطوع بعد الجمعة بركعتين هما شكل للجمعة في عددها ، وأريد من مصلي الجمعة أن يصليها فيما سوى المسجد الذي صلى فيه تلك الجمعة ، كما أمر من يريد المسجد لصلاة الصبح أن يصلي ركعتي الفجر في بيته ، ثم يصلي صلاة الفجر في المسجد بعد ذلك ، وقيل لمن صلاها في المسجد قبل صلاة الفجر أتصليهما أربعا ؟ وسنذكر ذلك بعد هذا الباب وما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه إن شاء الله ، وكان الذي في حديث أبي هريرة من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : من كان مصليا بعد الجمعة فليصل بعدها أربعا على أربع من غير شكل الجمعة ؛ لأنها أربع ركعات والجمعة ركعتان فأطلق له أن يتطوع بعد الجمعة في المسجد الذي صلاها فيه بما ليس من شكلها ، وهو أربع ركعات فما فوقها بعد أن يكون منه الكلام أو التقدم المذكوران في حديث معاوية الذي ذكرنا ، وكذلك جعل له التطوع قبلها على ما في حديث محمد بن علي الذي رويناه في هذا الباب ، وعاد تصحيح معاني هذه الآثار إلى إطلاق التطوع بعد الجمعة في المسجد الذي يصلي فيه بما لا يشبه الجمعة في عددها ، والمنع من أن يصلي في المسجد بعدها مثلها وأمر أن يكون ذلك منه بعد الانصراف عنه فيما سواه من المنازل أو مما سواها وهذه سنن لرسول الله صلى الله عليه وسلم يجب على من وقف عليها وعقلها حمد الله على ما آتاه من ذلك . وقد كان علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهما بعد رسول صلى الله عليه وسلم علما الناس أن يصلوا بعد الجمعة . 4749 - كما قد حدثنا إبراهيم بن أبي داود ، قال : حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس ، قال : حدثنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق . عن أبي عبد الرحمن السلمي قال قدم علينا عبد الله فكان يصلي بعد الجمعة أربعا فقدم بعده علي فكان إذا صلى الجمعة صلى بعدها ركعتين وأربعا ، فأعجبنا قول علي واخترناه . 4750 - وما قد حدثنا يونس حدثنا سفيان ، عن عطاء بن السائب ، عن أبي عبد الرحمن السلمي ، ثم ذكر مثله . قال : وكان ما رويناه عن ابن مسعود مما كان يصليه بعد الجمعة هي أربع ركعات في المسجد وغير المسجد إذ كانت من غير شكل الجمعة وكان الذي رويناه عن علي أنه كان يصلي بعدها ستا على إطلاق لذلك في المسجد وفي غير المسجد ، فاحتمل أن يكون كان يصلي الأربع أولا ، ثم يصلي الركعتين بعدها واحتمل أن يكون كان يصلي الركعتين أولا ، ثم يصلي بعدها الأربع ، فكان الأولى بنا أن نجعل ما كان يصليه أولا من هذين الصنفين الأربع ، ثم الركعتين ؛ لأن الأربع ليس من شكل الجمعة والركعتين من شكلها ولا يكون ذكر الركعتين مقدما في الحديث على ذكر الأربع مانعا أن يكون راوي ذلك يريد أنه قد صلى الأربع قبلهما لأنهم عرب والعرب قد تستعمل هذا في كلامها ، فتذكر الشيئين وتقدم ذكر أحدهما على ذكر الآخر والمؤخر منهما في الذكر قد كان مقدما في الفعل على المقدم منهما في الذكر ، وذلك موجود في كتاب الله تعالى قال الله عز وجل يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ ، فذكر الركوع مؤخرا وهو في الصلوات التي يصليها المسلمون ، وفي الصلوات التي كان أهل الكتاب يصلونها قبلهم مقدم على السجود ، ومثل ذلك قول الله عز وجل في آي المواريث مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ ، و مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ ، و مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ ، فكان ذكر الدين فيها مؤخرا على ذكر الوصية وكان المراد فيها أن يكون مقدما على الوصية فمثل ذلك ما قد رويناه عن علي رضي الله عنه في صلاته الركعتين والأربع بعد صلاة الجمعة لا يمنع ذكر الراوي لذلك عنه الركعتين قبل ذكره الأربع أن تكون الأربع مرادات أن تكون مقدمات على الاثنين المذكورتين قبلها حتى تكون هذه الآثار يصدق بعضها بعضا ولا يخالف بعضها بعضا . ومما قد وكد تقديم الأربع على الركعتين في هذا المعنى ما قد روي ، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه . 4751 - كما حدثنا يزيد بن سنان حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا سفيان ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن سليمان بن مسهر . عن خرشة بن الحر أن عمر كان يكره أن يصلي بعد صلاة مثلها . قال أبو جعفر : والركعتان هما للجمعة مثل والأربع ليس لها بمثل ولهذا المعنى والله أعلم أطلق في حديث الأبيض بن أبان عن سهيل بن أبي صالح في التطوع قبل الجمعة أن تكون أربعا إذ كان بخلاف الجمعة في عددها وخولف بين ذلك وبين التطوع قبل صلاة الفجر فلم يطلق ذلك في المسجد إذ كان ركعتين من شكل صلاة الفجر وأمر أن تكون في البيوت بخلاف الموضع الذي تصلى فيه صلاة الفجر حتى يكون بينهما ما يفصل بينهما من الموطنين المختلفين ، والله نسأله التوفيق .
223 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الشُّرْبِ في آنِيَةِ الذَّهَبِ وَفِي آنِيَةِ الْفِضَّةِ ، وَهَلْ يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الْأَوَانِي مِنْ الْخَشَبِ الْمُضَبَّبَةِ بالفضة أَمْ لَا ؟ 1613 - حَدَّثَنَا أَبُو أُمَيَّةَ ، قَالَ : حدثنا أَبُو نُعَيْمٍ ، قَالَ : حدثنا شَرِيكٌ ، عَنْ حُمَيْدٍ ، قَالَ : ( رَأَيْت عِنْدَ أَنَسٍ قَدَحَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ فِضَّةٌ أَوْ شُدَّ بِفِضَّةٍ ) . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ كَانَ مِمَّا فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ كَانَ مِمَّا فِيهِ أَعْظَمُ الْحُجَّةِ فِي إبَاحَتِهِ ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ كَانَ مِنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ بَعْدَهُ ، فَفِي ذَلِكَ مَا قَدْ دَلَّ أَنْ لَا بَأْسَ بِالشُّرْبِ فِي الْإِنَاءِ الَّذِي هُوَ كَذَلِكَ عِنْدَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، فَقَدْ صَارَ فِي إبَاحَةِ هَذَا الْمَعْنَى لِمَنْ يَقُولُ بِإِبَاحَتِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ قَوْلُ رَجُلٍ جَلِيلٍ فَقِيهٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ بِزِيَادَةٍ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى . 1614 - كما قد حدثنا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ سُلَيْمَانَ عَلَّانُ جَارُنَا ، قَالَ : حدثنا أَحْمَدُ بْنُ سَيَّارٍ الْمَرْوَزِيِّ ، قَالَ : حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ عَبْدَانُ ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ ، عَنْ ابْنِ سِيرِينَ ، عَنْ أَنَسٍ ، قَالَ : انْصَدَعَ قَدَحُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَجَعَلَ مَكَانَ الشَّعْبِ سِلْسِلَةً مِنْ فِضَّةٍ . قَالَ : عَاصِمٌ ، وَقَدْ رَأَيْت الْقَدَحَ وَشَرِبْت فِيهِ . قَالَ قَائِلٌ : كَيْفَ تَقْبَلُونَ هَذَا ، وَقَدْ رَوَيْتُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ 1615 - فَذَكَرَ مَا قَدْ حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، قَالَ : أَخبرنا ابْنُ وَهْبٍ ، أَنَّ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ أَخْبَرَهُ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : ( إنَّ الَّذِي يَشْرَبُ فِي آنِيَةِ الْفِضَّةِ إنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ ) . 1616 - وَمَا قَدْ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، قَالَ : أَخبرنا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ ، قَالَ : حدثنا إسْمَاعِيلُ - يَعْنِي ابْنَ عُلَيَّةَ - عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ . ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مَا قَدْ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فِي الشُّرْبِ فِي الْإِنَاءِ الْمُفَضَّضِ فِي الْكَرَاهَةِ ، لِمَا كَانَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الشُّرْبِ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ . 1617 - وَهُوَ مَا قَدْ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي دَاوُد ، قَالَ : حدثنا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ ، قَالَ : حدثنا مُوسَى بْنُ أَعْيَنَ ، عَنْ خُصَيْفِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ أُتِيَ بِقَدَحٍ مُفَضَّضٍ يَشْرَبُ فِيهِ فَأَبَى أَنْ يَشْرَبَ ، قَالَ نَافِعٌ : إنَّ ابْنَ عُمَرَ مُنْذُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الشُّرْبِ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ لَمْ يَكُنْ يَشْرَبُ فِي قَدَحٍ مُفَضَّضٍ . فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعَوْنِهِ : أَنَّ الَّذِي كَانَ ابْنُ عُمَرَ لَا يَشْرَبُ فِي الْإِنَاءِ الْمُفَضَّضِ لَيْسَ مِمَّا رَوَيْنَاهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شَيْءٍ ؛ إذْ كَانَ الَّذِي رَوَيْنَاهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا هُوَ نَهْيُهُ عَنْ الشُّرْبِ فِي آنِيَةِ الْفِضَّةِ ، وَالْمُسْلِمُونَ جَمِيعًا عَلَى ذَلِكَ لَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ ، وَإِنَّمَا الَّذِي جِئْنَا بِهَذَا الْبَابِ مِنْ أَجْلِهِ مَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ مِنْ الشُّرْبِ فِي الْإِنَاءِ الْخَشَبِ إذَا كَانَ فِيهِ فِضَّةٌ كَالضَّبَّةِ وَمَا أَشْبَهَهَا فَيُبِيحُ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ ، وَمِمَّنْ كَانَ يُبِيحُهُ مِنْهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ ، وَيَكْرَهُهُ بَعْضُهُمْ وَيَنْهَى عَنْهُ مِنْهُمْ الشَّافِعِيُّ ، كَمَا اخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ قَبْلَهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ، فَأَطْلَقَهُ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ، وَحَظَرَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، وَلَيْسَ قَوْلُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي ذَلِكَ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ الْآخَرِ إلَّا بِدَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي قَدَحِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْبَابِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَوْلَى مِنْ ذَيْنِكَ الْقَوْلَيْنِ مَا قَالَهُ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ مِنْهُمَا ، وَقَدْ وَجَدْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ نَهَى عَنْ لِبَاسِ الْحَرِيرِ وَأَخْرَجَ مِنْ ذَلِكَ أَعْلَامَ الْحَرِيرِ الَّتِي فِي الثِّيَابِ مِنْ عَيْنِ الْحَرِيرِ مِنْ الْكَتَّانِ وَمِنْ الْقُطْنِ ، فَكَانَ مِثْلُ ذَلِكَ نَهْيَهُ ، عَنْ الشُّرْبِ فِي آنِيَةِ الْفِضَّةِ ، يَخْرُجُ مِنْهُ الشُّرْبُ فِي آنِيَةِ الْخَشَبِ الَّتِي فِيهَا الْمَسَامِيرُ وَالضَّبَّاتُ مِنْ الْفِضَّةِ . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَيْضًا مَا يَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْنَا . 1618 - كَمَا قَدْ حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُد ، قَالَ : حدثنا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ ، قَالَ : حدثنا مُوسَى بْنُ أَعْيَنَ ، عَنْ خُصَيْفٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ عَائِشَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، نَهَى عَنْ لُبْسِ الذَّهَبِ ، فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَرَأَيْت الْمَسَكَةَ ، أَتُشَدُّ بِالذَّهَبِ ؟ قَالَ : لَا ، وَلَكِنْ اجْعَلُوهُ فِضَّةً ، وَصَفِّرُوهُ بِالزَّعْفَرَانِ . فَفِي هَذَا مَا قَدْ دَلَّ عَلَى إبَاحَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتِعْمَالَ الْفِضَّةِ مِسْكًا ، وَلَمْ يَمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ كَمَا مَنَعَ مِنْ اسْتِعْمَالِهَا خَالِصَةً مَلْبُوسَةً كَمَا يُلْبَسُ مَا يُجْعَلُ مِسْكًا لَهَا ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ وَالْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا كَانَ نَهَى عَنْهُ مِنْ الْفِضَّةِ ، وَذَكَرَ حُذَيْفَةُ فِي حَدِيثِهِ الذَّهَبَ . 1619 - كما قد حدثنا بَكَّارَ بْنُ قُتَيْبَةَ ، قَالَ : حدثنا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ ، وَكَمَا قَدْ حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ ، قَالَ : حدثنا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ ، قَالَ : كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا : حدثنا شُعْبَةُ ، عَنْ الْحَكَمِ ، عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، قَالَ : ( اسْتَسْقَى حُذَيْفَةُ بِالْمَدَائِنِ ، فَأَتَاهُ دِهْقَانٌ بِإِنَاءٍ مِنْ فِضَّةٍ ، فَرَمَى بِهِ ، ثُمَّ قَالَ : إنِّي كُنْت نَهَيْتُهُ عَنْهُ ، فَأَبَى أَنْ يَنْتَهِيَ ؛ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الشُّرْبِ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ، وَعَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ ، وقَالَ : دَعُوهُ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَهُوَ لَكُمْ فِي الْآخِرَةِ ) . 1620 - وَكَمَا قَدْ حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ ، قَالَ : حدثنا أَبُو إِسْحَاقَ الضَّرِيرُ ، قَالَ : حدثنا ابْنُ عَوْنٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ . 1621 - وَكَمَا حَدَّثَنَا عَبْدُ الْغَنِيِّ بْنُ أَبِي عُقَيْلٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زِيَادٍ ( ح ) وَكَمَا حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ ، قَالَ : حدثنا أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيُّ وَوَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ ، قَالَا : حدثنا شُعْبَةُ ، عَنْ الْأَشْعَثِ بْنِ أَبِي الشَّعْثَاءِ ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ سُوَيْد بْنِ مُقَرِّنٍ ، عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ، قَالَ : ( نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ ، وَالشُّرْبِ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ) . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَفِي هَذَا نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الشُّرْبِ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ، وَلَيْسَ الشُّرْبُ فِي الْآنِيَةِ مِنْ الْخَشَبِ الَّتِي قَدْ خَالَطَهَا الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ مِنْ هَذَا فِي شَيْءٍ ، وَقَدْ كَانَ مَذْهَبُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فِي الْقَلِيلِ مِنْ الْحَرِيرِ يُخَالِطُ الثَّوْبَ مِنْ غَيْرِ الْحَرِيرِ كَرَاهَِةَ لُبْسِ ذَلِكَ الثَّوْبِ ، كَمَا يُكْرَهُ لُبْسُهُ لَوْ كَانَ حَرِيرًا كُلُّهُ ، وَقَدْ خَالَفَهُ فِي ذَلِكَ غَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبَاحُوا مِنْ ذَلِكَ مَا حَظَرَهُ ، فَمِمَّا قَدْ رُوِيَ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِمَّا قَدْ ذَكَرْنَاهُ عَنْهُ . 1622 - ما قد حدثنا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، قَالَ : حدثنا يَحْيَى بْنُ حَسَّانٍ ، قَالَ : حدثنا عِيسَى بْنُ يُونُسَ ، عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ زِيَادٍ ، حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي عُمَرَ مَوْلَى أَسْمَاءَ ، قَالَ : رَأَيْت ابْنَ عُمَرَ اشْتَرَى جُبَّةً فِيهَا خَيْطٌ أَحْمَرُ ، فَرَدَّهَا فَأَتَيْت أَسْمَاءَ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهَا ، فَقَالَتْ : بُؤْسًا لِابْنِ عُمَرَ ، يَا جَارِيَةُ، نَاوِلِينِي جُبَّةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْرَجَتْ إلَيْنَا جُبَّةً مَكْفُوفَةَ الْجَيْبِ وَالْكُمَّيْنِ وَالْفَرْجِ بِالدِّيبَاجِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : أَفَلَا تَرَى أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَدْ كَرِهَ الْجُبَّةَ الَّتِي لَيْسَتْ مِنْ حَرِيرٍ لِلْخَيْطِ الَّذِي كَانَ فِيهَا مِنْ الْحَرِيرِ كَمَا يَكْرَهُهَا لَوْ كَانَ كُلُّهَا مِنْ الْحَرِيرِ ، فَكَذَلِكَ كَانَ مَذْهَبُهُ فِي الْإِنَاءِ مِنْ غَيْرِ الْفِضَّةِ إذَا كَانَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ فِضَّةٍ يَكْرَهُهُ كَمَا يَكْرَهُهُ لَوْ كَانَ كُلُّهُ فِضَّةً ، وَقَدْ خَالَفَتْهُ أَسْمَاءُ فِي ذَلِكَ وَحَاجَّتْهُ فِيهِ بِجُبَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّتِي لَيْسَتْ مِنْ دِيبَاجٍ مَكْفُوفَةَ الْجَيْبِ وَالْكُمَّيْنِ وَالْفَرْجِ بِالدِّيبَاجِ ، وَلَمْ تَكُنْ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهَا تُحَاجُّهُ بِذَلِكَ إلَّا وَقَدْ وَقَفَتْ عَلَى اسْتِعْمَالِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، كَانَ إيَّاهَا بَعْدَ نَهْيِهِ عَنْ اسْتِعْمَالِ مِثْلِهَا لَوْ كَانَتْ كُلُّهَا حَرِيرًا . وَقَدْ خَالَفَهُ فِي ذَلِكَ أَيْضًا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ ، فَرَوَى فِي ذَلِكَ 1623 - مَا قَدْ حَدَّثَنَا فَهْدٌ ، قَالَ : حدثنا أَبُو غَسَّانٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْأَصْبَهَانِيِّ ، قَالَا : أَخبرنا شَرِيكٌ ، عَنْ خُصَيْفٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : إنَّمَا نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، عَنْ الثَّوْبِ الْمُصْمَتِ - يَعْنِي : مِنْ الْحَرِيرِ - فَأَمَّا السَّدَى وَالْعَلَمُ فَلَا . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَأَخْبَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِالْمَقْصُودِ بِالنَّهْيِ إلَيْهِ فِي النَّهْيِ عَنْ الْحَرِيرِ لِلرِّجَالِ ، وَأَنَّهُ مَا كَانَ حَرِيرًا كُلُّهُ ، وَأَنَّ مَا كَانَ غَيْرَ حَرِيرٍ قَدْ خَالَطَهُ مِنْ الْحَرِيرِ مِثْلُ الْأَعْلَامِ أَنَّهُ خَارِجٌ مِنْ ذَلِكَ ، غَيْرُ مَنْهِيٍّ عَنْهُ ، فَكَانَ ذَلِكَ أَوْلَى عِنْدَنَا مِمَّا رَوَيْنَاهُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مِمَّا يُخَالِفُهُ ؛ لِأَنَّ فِي هَذَا الْإِخْبَارَ بِالْمَقْصُودِ بِالنَّهْيِ إلَيْهِ ، وَأَنَّهُ غَيْرُ مَا كَرِهَهُ ابْنُ عُمَرَ مِنْهُ . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي هَذَا الْبَابِ مَا هُوَ أَدَلُّ مِنْ هَذَا . 1624 - كَمَا قَدْ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرَةَ بَكَّارَ بْنُ قُتَيْبَةَ ، قَالَ : حدثنا أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ الْأَسَدِيُّ الْكُوفِيُّ ، قَالَ : حدثنا مِسْعَرُ بْنُ كِدَامٍ ، عَنْ وَبَرَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ عَامِرٍ ، عَنْ سُوَيْد بْنِ غَفَلَةَ ، قَالَ : أَتَيْنَا عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَعَلَيْنَا ثِيَابٌ مِنْ ثِيَابِ أَهْلِ فَارِسَ - أَوْ قَالَ : كِسْرَى - فَقَالَ : بَرَّحَ اللَّهُ هَذِهِ الْوُجُوهَ ، قَالَ : فَرَجَعْنَا فَأَلْقَيْنَاهَا وَلَبِسْنَا ثِيَابَ الْعَرَبِ وَرَجَعْنَا إلَيْهِ ، فَقَالَ : أَنْتُمْ خَيْرٌ مِنْ قَوْمٍ أَتَوْنِي عَلَيْهِمْ ثِيَابُ قَوْمٍ لَوْ رَضِيَهَا اللَّهُ لَهُمْ لَمْ يُلْبِسْهُمْ إيَّاهَا ، لَا تَصْلُحُ أَوْ لَا تَحِلُّ إلَّا إصْبُعَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا ، يَعْنِي الْحَرِيرَ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَهَذَا عُمَرُ يَقُولُ هَذَا ، وَفِي ذَلِكَ مَا قَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّ مِثْلَ الْحَرِيرِ فِي ذَلِكَ الْفِضَّةُ الَّتِي قَدْ نَهَى عَنْهَا أَنْ يُشْرَبَ فِيهَا إذَا كَانَتْ آنِيَةً ، لَا يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الشُّرْبُ فِيمَا هُوَ مِنْ الْخَشَبِ مِنْ الْآنِيَةِ الَّتِي قَدْ خَالَطَتْهَا الْفِضَّةُ مِنْ تَسْمِيرِهَا وَمِنْ تَضْبِيبِهَا بِهَا . 1625 - وقد حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، قَالَ : أَخبرنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ ، قَالَ : رَأَيْت سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أُتِيَ بِشَرَابٍ فِي قَدَحٍ مُفَضَّضٍ فَرَدَّهُ ، فَأُتِيَ بِقَدَحٍ غَيْرِ مُفَضَّضٍ فَشَرِبَ 1626 - قَالَ جَرِيرٌ : وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ ، عَنْ ابْنَةِ أَبِي عَمْرٍو مَوْلَى عَائِشَةَ ، قَالَتْ : أَبَتْ عَائِشَةُ أَنْ تُرَخِّصَ لَنَا فِي تَفْضِيضِ الْآنِيَةِ فَقَالَ قَائِلٌ : فَقَدْ خَالَفَ هَذَا مَا قَدْ رَوَيْتَهُ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ عَائِشَةَ فِي الْمِسْكِ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ هَذَا الْبَابِ . فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ وَعَوْنِهِ ، أَنَّ الْأَمْرَ فِي ذَلِكَ كَمَا ذَكَرَهُ ، وَلَكِنَّ ابْنَةَ أَبِي عَمْرٍو هَذِهِ لَيْسَتْ عَنْ عَائِشَةَ كَمُجَاهِدٍ عَنْهَا ، إذْ كُنَّا لَمْ نَسْمَعْ لَهَا ذِكْرًا فِي غَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَإِذْ كَانَتْ لَيْسَ مِمَّنْ يُعَارَضُ بِمِثْلِهَا مُجَاهِدٌ لِجَلَالَةِ مِقْدَارِ مُجَاهِدٍ فِي الرِّوَايَةِ وَلِعِظَمِ مِقْدَارِهِ فِي الْفِقْهِ . فَأَمَّا مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ كَرَاهَةِ سَالِمٍ فِيمَا قَدْ كَرِهَهُ فِيهِ لِمَا وُقِفَ عَلَيْهِ مِنْ مَذْهَبِ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ عَنْهُ فِيهِ مِنْ الْكَرَاهَةِ مَا بِهِ لَوْ وُقِفَ عَلَى مَذْهَبِ جَدِّهِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ كَانَ فِي الْحَرِيرِ الَّذِي بُدِّلَ فِي الْفِضَّةِ عَلَى خِلَافِ مَذْهَبِ أَبِيهِ فِيهَا لَكَانَ قَوْلُ جَدِّهِ فِي ذَلِكَ أَوْلَى عِنْدَهُ مِنْ قَوْلِ أَبِيهِ فِيهِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ خَالَفَ سَالِمًا فِيمَا ذَهَبَ إلَيْهِ فِي ذَلِكَ مِنْ أَمْثَالِهِ مِنْ التَّابِعِينَ غَيْرُ وَاحِدٍ ، مِنْهُمْ : مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ . 1627 - كما قد حدثنا يُوسُفُ بْنُ يَزِيدَ ، قَالَ : حدثنا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ ، قَالَ : حدثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ ، عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ رَأَى مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ يَشْرَبُ فِي قَدَحٍ مُفَضَّضٍ وَسَقَاهُ فِيهِ ، وَمِنْهُمْ طَاوُسٍ . 1628 - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ شُعَيْبٍ ، قَالَ : حدثنا الْخَصِيبُ بْنُ نَاصِحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ الطَّائِفِيُّ ، عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ ، قَالَ : اسْتَسْقَى طَاوُسٍ ، فَأُتِيَ بِإِنَاءٍ مُضَبَّبٍ بِفِضَّةٍ ، فَقَالَ : لِمَ جُعِلَ هَذَا ؟ أَلِكَسْرٍ بِهِ ؟ قُلْتُ : لَا . قَالَ : فَشَرِبَ وَنَاوَلَنِي . 1629 - حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَزِيدَ ، قَالَ : حدثنا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ، قَالَ : حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي إبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ ، قَالَ : رَأَيْت طَاوُسًا يَشْرَبُ فِي إنَاءٍ مُضَبَّبٍ بِفِضَّةٍ . وَمِنْهُمْ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ . 1630 - حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ الْأَنْصَارِيُّ ، قَالَ : حدثنا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، قَالَ : حدثنا هُشَيْمٌ ، قَالَ : حدثنا مُغِيرَةُ ، عَنْ إبْرَاهِيمَ ، أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا بِالشُّرْبِ فِي الْقَدَحِ الْمُفَضَّضِ مَا لَمْ يَضَعْ فَاهُ عَلَى الْفِضَّةِ . وَمِنْهُمْ الْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ . 1631 - حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ ، قَالَ : حدثنا وَهْبُ بْنُ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ ، قَالَ : حدثنا شُعْبَةُ ، عَنْ الْحَكَمِ وَحَمَّادٍ ، أَنَّهُمَا كَانَا لَا يَرَيَانِ بَأْسًا بِالْقَدَحِ الْمُفَضَّضِ أَنْ يُشْرَبَ فِيهِ . 1632 - وَكَمَا حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَزِيدَ ، قَالَ : حدثنا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ ، قَالَ : حدثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ ، عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ ، قَالَ : لَا نَعْلَمُ بِالْقَدَحِ الْمُفَضَّضِ بَأْسًا . وَمِنْهُمْ الْحَسَنُ وَأَبُو الْعَالِيَةِ . 1633 - كَمَا حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عُثْمَانَ ، قَالَ : حدثنا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ ، قَالَ : أخبرنا ابْنُ الْمُبَارَكِ ، قَالَ : أَخبرنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَالَ : كَانَ الْحَسَنُ يَشْرَبُ بَيْنَ الضَّبَّتَيْنِ ، قَالَ قَتَادَةَ : وَكَانَ أَبُو الْعَالِيَةِ لَا يَرَى بِهِ بَأْسًا ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَكْرَهُهُ و، َقَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ مِنَّا فِي هَذَا الْبَابِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ النَّظَرُ فِي هَذَا الْمَعْنَى الْمُخْتَلَفِ فِيهِ ، وَأَنَّهُ كَمَا قَالَهُ مُبِيحُو ذَلِكَ ، لَا كَمَا قَالَهُ مُخَالِفُوهُمْ .
864 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله : لا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود ، فإن ما أسبقكم به إذا ركعت ، تدركوني به إذا رفعت . 6394 - حدثنا محمد بن حميد بن هشام الرعيني ، حدثنا سعيد بن أبي مريم ، أخبرنا يحيى بن أيوب ، حدثني محمد بن عجلان ، عن محمد بن يحيى بن حبان ، عن عبد الله بن محيريز ، عن معاوية بن أبي سفيان ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أنه قال : لا تبادروني إلى الركوع والسجود ، فإني قد بدنت ، وإني مهما أسبقكم به إذا ركعت تدركوني به إذا رفعت . 6395 - وحدثنا الحسن بن غليب بن سعيد الأزدي ، حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير ، حدثني الليث بن سعد ، أخبرني ابن عجلان ، ثم ذكر بإسناده مثله ، وزاد : ومهما أسبقكم به إذا سجدت ، تدركوني به إذا رفعت . 6396 - حدثنا الربيع المرادي ، أخبرنا عبد الله بن وهب ، أخبرني أسامة بن زيد الليثي ، عن محمد بن يحيى بن حبان ، ثم ذكر بإسناده مثله . ففي هذا الحديث ما يدل على أن المأموم إذا سبقه الإمام بشيء من الركوع أنه يقضيه في حال قيامه خلف الإمام ، ومثل ذلك ما قد روي عن أبي موسى الأشعري ، عن النبي صلى الله عليه وسلم . 6397 - كما قد حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، حدثنا سعيد بن عامر الضبعي ، حدثنا سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن يونس بن جبير ، عن حطان بن عبد الله الرقاشي ، عن أبي موسى الأشعري ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الإمام يسجد قبلكم ، ويرفع قبلكم ، قال نبي الله : فتلك بتلك . 6398 - وكما حدثنا إبراهيم ، حدثنا عفان ، حدثنا همام ، وأبو عوانة ، وأبان بن يزيد ، عن قتادة ، ثم ذكر بإسناده مثله . وقد روي مثل ذلك أيضا عن عمر بن الخطاب ، وعبد الله بن مسعود مما لم يتجاوز به عنهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، 6399 - وهو ما قد حدثنا يونس ، حدثنا عبد الله بن يوسف ، حدثنا الليث ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن يعقوب بن الأشج ، عن بسر بن سعيد ، عن الحارث بن مخلد الزرقي ، عن عمر بن الخطاب ، قال : إذا أحدكم رفع رأسه والإمام ساجد فليسجد ، فإذا رفع الإمام رأسه ، فليمكث بقدر ما رفع . 6400 - وما قد حدثنا يونس قال : حدثنا عبد الله بن يوسف ، قال : حدثنا بكر بن مضر ، عن جعفر بن ربيعة ، عن يعقوب بن عبد الله بن الأشج ، عن بسر بن سعيد ، عن الحارث بن مخلد الزرقي ، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، مثله . 6401 - وما قد حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، حدثنا أبو داود ، قال : حدثنا ابن أبي ذئب ، عمن سمع يعقوب بن عبد الله بن الأشج يحدث ، عن بسر بن سعيد ، عن الحارث بن مخلد ، عن أبيه : أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، قال : من رفع رأسه قبل الإمام في ركوع أو سجود ، أعاد وضع رأسه . قال أبو جعفر : فزاد ابن أبي ذئب في إسناد هذا الحديث عن أبيه -يعني أبا الحارث وهو أشبه بالصواب -والله أعلم لأن ابنه الحارث إنما روايته التي في أيدي الناس ، عن أبي هريرة . 6402 - وما قد حدثنا أحمد بن داود ، حدثنا سهل بن بكار ، حدثنا أبو عوانة ، عن حصين عن هلال بن يساف ، عن أبي حيان ، عن عبد الله بن مسعود ، قال : لا تبادروا أئمتكم بالركوع والسجود ، وإذا رفع أحدكم رأسه قبل الإمام ، فليضع رأسه ، ثم يمكث بقدر ما رفع قبله . فقال قائل : فإن المأموم إذا أمر بما في حديثي عمر وعبد الله هذين ترك من القيام شيئا ، فكان ينبغي أن يؤمر بقضائه ، وأنتم لا تأمرونه بذلك . فكان جوابنا له في ذلك : أنا قد وجدنا الركوع قد خولف بينه وبين القيام في الصلاة ، فجعل من جاء إلى الإمام وهو راكع مأمورا أن يكبر ، ثم يركع معه ، ولا يكون عليه أن يقضي شيئا مما سبقه به الإمام من القيام الذي كان منه في صلاته تلك قبل ذلك الركوع ، وإذا فاته الركوع لم يعتد بما بقي من تلك الركعة من السجود ، ومن القعود ، وكان عليه أن يقضيها بكمالها بقيامها وركوعها وسجودها وجلوسها ، ولما كان القيام إذا فات بكماله لم يقض ، وأجزأ منه الركوع المفعول بعده ، كان كذلك ما فات المصلي الذي ذكرنا من قيام الإمام بتشاغله بقضاء ما قد سبقه به الإمام من ركوعه لا يجب عليه قضاؤه ، ويجزيه منه ركوعه مع الإمام الذي ركعه معه وبعده ، وكان ذلك بخلاف الركوع الذي لا يكون مدركا للركعة إلا بإدراكه إياه مع الإمام ، والله الموفق
224 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْوُقُوعِ عَلَى الْحَامِلِ المسبية وَهِيَ كَذَلِكَ . 1634 - حَدَّثَنَا بَكَّارَ بْنُ قُتَيْبَةَ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ ، قَالَا : حدثنا أَبُو دَاوُد ، قَالَ : حدثنا شُعْبَةُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ خُمَيْرٍ ، قَالَ : سَمِعْت عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ جُبَيْرٍ بْنِ نُفَيْرٍ يُحَدِّثُ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى امْرَأَةً عِنْدَ خِبَاءٍ أَوْ عِنْدَ فُسْطَاطٍ مُجِخًّا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَعَلَّ صَاحِبَ هَذِهِ أَنْ يُلِمَّ بِهَا ، لَقَدْ هَمَمْت أَنْ أَلْعَنَهُ لَعْنَةً تَدْخُلُ مَعَهُ قَبْرَهُ ، كَيْفَ يُوَرِّثُهُ وَهُوَ لَا يَحِلُّ لَهُ ، وَكَيْفَ يَسْتَرِقُّهُ وَهُوَ لَا يَحِلُّ لَهُ ) . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ كَيْفَ يُوَرِّثُهُ وَهُوَ لَا يَحِلُّ لَهُ فَفِي ذَلِكَ مَا قَدْ دَلَّ أَنَّهُ لَا يَكُونُ بِمَا كَانَ مِنْهُ فِي أُمِّهِ مِنْ وَطْئِهِ إيَّاهَا وَهِيَ حَامِلٌ بِهِ ابْنًا لَهُ ، كَمَا قَدْ تَأَوَّلَهُ مَنْ تَأَوَّلَهُ عَلَى أَنَّ فِيهِ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ نَسَبَهُ بِمَا كَانَ مِنْهُ فِي أُمِّهِ قَدْ لَحِقَ بِهِ مَعَ لُحُوقِهِ بِاَلَّذِي كَانَ ابْتِدَاءُ حَمْلِهَا بِهِ مِنْهُ ؛ لِأَنَّ مَنْ يَقُولُ ذَلِكَ يُوَرِّثُ الْوَلَدَ مِنْ أَبَوَيْهِ اللَّذَيْنِ يَلْحَقُ نَسَبُهُ مِنْهُمَا . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ كَيْفَ يُوَرِّثُهُ وَهُوَ لَا يَحِلُّ لَهُ ، ثُمَّ رَجَعْنَا إلَى طَلَبِ هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ لِنَجِدَ فِيهِ مَا رَوَاهُ شُعْبَةُ عَلَيْهِ مُخَالَفَةً أَوْ مُوَافَقَةً . 1635 - فَوَجَدْنَا عَلِيَّ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْكُوفِيَّ وَفَهْدَ بْنَ سُلَيْمَانَ جَمِيعًا ، قَدْ حَدَّثَانَا قَالَا : حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ أَسَدِ بْنِ وَدَاعَةَ ، عَنْ رَجُلٍ قَدْ سَمَّاهُ مِنْ أَصْحَابِ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ أَسَدٌ قَدِيمًا مَرْضِيًّا ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَظَرَ إلَى امْرَأَةٍ حَامِلٍ مِنْ السَّبَايَا بِخَيْبَرَ ، فَقَالَ : لِمَنْ هَذِهِ ؟ فَقَالُوا : لِفُلَانٍ . قَالَ : أَيَطَؤُهَا ؟ قَالُوا : نَعَمْ . قَالَ : لَقَدْ هَمَمْت أَنْ أَلْعَنَهُ لَعْنَةً تُدْرِكُهُ فِي قَبْرِهِ ، وَيْحَهُ أَيُوَرِّثُهُ وَلَيْسَ مِنْهُ أَوْ يَسْتَعْبِدُهُ وَقَدْ غَذَّاهُ فِي سَمْعِهِ وَبَصَرِهِ ) . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ غَيْرُ مَا فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ ، وَهُوَ قَوْلُهُ : أَيُوَرِّثُهُ وَلَيْسَ مِنْهُ ، فَفِي ذَلِكَ مَا قَدْ نَفَى أَنْ يَكُونَ لَهُ فِي نَسَبِهِ شَيْءٌ أَوْ يَسْتَعْبِدُهُ وَقَدْ غَذَّاهُ فِي سَمْعِهِ وَبَصَرِهِ ، فَفِي ذَلِكَ مَا قَدْ دَلَّك عَلَى مَنْعِهِ مِنْ اسْتِعْبَادِهِ إيَّاهُ لِمَا كَانَ مِنْهُ فِي أُمِّهِ وَهِيَ حَامِلٌ بِهِ ، وَقَدْ كَانَ مَكْحُولٌ يَذْهَبُ فِي ذَلِكَ إلَى عَتَاقِ هَذَا الْوَلَدِ عَلَى وَاطِئِ أُمِّهِ فِي حَالِ حَمْلِهَا بِهِ . كَمَا 1636 - حَدَّثَنَا فَهْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ وَهَارُونُ بْنُ كَامِلٍ جَمِيعًا ، قَالَا : حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ أَنَّهُ سَأَلَ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ عَنْهُ - يَعْنِي : عَمَّنْ كَانَ مِنْهُ مِثْلُ مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ - فَقَالَ : لَا يَعْتِقُ وَلَدُهَا . وقَالَ مَكْحُولٌ : يَعْتِقُ وَلَدُهَا . وَمِمَّا دَلَّنَا عَلَى أَنَّ مَكْحُولًا إنَّمَا أَخَذَ قَوْلَهُ هَذَا مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَيْنَا فِي هَذَا الْبَابِ . 1637 - أَنَّ فَهْدًا وَهَارُونَ حَدَّثَانَا ، قَالَا : حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ - وَهُوَ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ - : عَنْ مَكْحُولٍ ، ( أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِجَارِيَةٍ اشْتَرَاهَا رَجُلٌ وَهِيَ حُبْلَى ، فَقَالَ : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَتَطَؤُهَا وَهِيَ حُبْلَى ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : إنَّك تَغْذُو فِي سَمْعِهِ وَبَصَرِهِ ، فَإِذَا وُلِدَ فَأَعْتِقْهُ ؛ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لَكَ مَلَكَتُهُ ، وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تُوطَأَ حُبْلَى ) . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي : حُبْلَى مِنْ غَيْرِ الَّذِي يُحَاوِلُ وَطْأَهَا ، غَيْرَ أَنَّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا يُخَالِفُ قَوْلَ مَكْحُولٍ الَّذِي رَوَيْنَاهُ عَنْهُ ، أَنَّهُ يَعْتِقُ وَلَدُهَا ؛ لِأَنَّ فِي هَذَا أَنَّهُ أَمَرَ أَنْ يَعْتِقَ وَلَدَهَا ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قَبْلَ أَنْ يَعْتِقَهُ غَيْرُ عَتِيقٍ ، غَيْرَ أَنَّهُ قَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَا رَوَيْنَاهُ عَنْ مَكْحُولٍ مِنْ قَوْلِهِ الَّذِي ذَكَرْنَا : يَعْتِقُ وَلَدُهَا ، لَمْ يَضْبِطْهُ مَنْ أَخَذْنَاهُ عَنْهُ وَيَكُونُ فِي الْحَقِيقَةِ ، إنَّمَا هُوَ يُعْتِقُ وَلَدَهَا أَنْ يَسْتَأْنِفَ بَعْدَ وِلَادَةِ أُمِّهِ إيَّاهُ عَتَاقَهُ حَتَّى يَتَّفِقَ قَوْلُهُ ، وَمَا رَوَاهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا يَخْتَلِفَانِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ ذَلِكَ الْوَاطِئِ بِعَتَاقِ ذَلِكَ الْوَلَدِ إشْفَاقًا مِنْهُ أَنْ يَكُونَ مَا كَانَ ظَهَرَ بِأُمِّهِ مِمَّا كَانَ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ حَمَلَ مِنْهَا لَيْسَ فِي الْحَقِيقَةِ كَذَلِكَ ، ثُمَّ وَقَعَ عَلَيْهَا فَحَمَلَتْ مِنْهُ ، فَكَرِهَ لَهُ اسْتِرْقَاقَهُ لِذَلِكَ ، وَاسْتَحَبَّ لَهُ عَتَاقَهُ إشْفَاقًا فِي ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ ابْنَهُ وَلَمْ يَلْحَقْ بِهِ نَسَبُهُ ؛ إذْ كَانَ لَمْ يَتَيَقَّنْ أَنَّهُ ابْنُهُ ، وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
640 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثواب من حفظ العشر الآيات الأول من سورة قد أفلح المؤمنون . 4734 - حدثنا جعفر بن محمد بن الحسن الفريابي ، قال : حدثنا إسحاق ابن راهويه ، قال : حدثنا عبد الرزاق ، قال : حدثنا يونس بن سليم قال أملى علي يونس بن يزيد وهو الأيلي ، عن ابن شهاب ، عن عروة بن الزبير ، عن عبد الرحمن بن عبد القاري قال : سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه الوحي يسمع عنده دوي كدوي النحل ، فمكثنا ساعة واستقبل القبلة ورفع يديه وقال اللهم زدنا ولا تنقصنا وأكرمنا ولا تهنا ولا تحرمنا وآثرنا ولا تؤثر علينا وارض عنا وأرضنا ، ثم قال لقد نزل علي عشر آيات من أقامهن دخل الجنة ، ثم قرأ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ . 4735 - وحدثنا أحمد بن شعيب ، قال : أخبرنا إسحاق بن إبراهيم ، ثم ذكر بإسناده مثله غير أنه قال مكان ولا تحرمنا : ولا تخزنا . 4736 - وحدثناه أحمد مرة أخرى فقال فيه كما قال جعفر فيه : ولا تحرمنا . قال أبو جعفر : ويونس بن سليم هذا رجل من أهل صنعاء لا نعلم أحدا حدث عنه غير عبد الرزاق ولا نعلمه حدث عنه إلا بهذا الحديث وقد حدث بهذا الحديث عن عبد الرزاق الجلة ممن أخذ العلم عنه منهم أحمد بن حنبل ومنهم إسحاق بن راهويه . فقال قائل هذا الحديث قد جاء بمعنى مستحيل لأنه لم يذكر في الآيات التي تليت فيها صوم رمضان ولا حج البيت ونحن نعلم أن من لقي الله عز وجل تاركا لصوم شهر رمضان وهو يطيقه وتاركا لحج البيت وهو يجد السبيل إليه لم يدخل الجنة . فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعونه أنه قد يجوز أن يكون ما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم مما ذكر عنه في هذا الحديث كان قبل إنزال الله عز وجل فرض صوم شهر رمضان على من فرضه عليه وفرض الحج على من فرضه عليه ، فكان من جاء بما سواهما من فرائض الله عليه مستحقا لما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الله عز وجل أنه يفعل بمن عمل ذلك ، ثم فرض الله عز وجل على عباده صيام شهر رمضان وحج البيت على ما فرضه عليهم عليه ، فلحقا بالفرائض المفروضة على الناس قبلهما فعاد الذين وعدوا بما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث إلى أن كانوا هم الذين قد أدوا جميع الفرائض لله عز وجل عليهم التي فيها صوم شهر رمضان وحج البيت وسائر ما افترض الله عليهم سوى ذلك ، والله عز وجل نسأله التوفيق .
225 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ مَسَّ الْحَصَى فِي الصَّلَاةِ ) . 1638 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ ، قَالَ : حدثنا يَعْقُوبُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ الزُّهْرِيُّ ، قَالَ : حدثنا ابْنُ أَخِي ابْنُ شِهَابٍ ، عَنْ عَمِّهِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي الْأَحْوَصُ أَوْ أَبُو الْأَحْوَصِ فِي مَجْلِسِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ - قَالَ يَعْقُوبُ : وَأَظُنُّهُ أَبَا الْأَحْوَصِ - قَالَ : قَالَ أَبُو ذَرٍّ : ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( إذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إلَى الصَّلَاةِ فَلَا يُحَوِّلْ الْحَصَى فَإِنَّ الرَّحْمَةَ تُوَاجِهُهُ ) . 1639 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، قَالَ : أَخبرنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَ : حدثنا سُفْيَانُ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( إذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إلَى الصَّلَاةِ ، فَإِنَّ الرَّحْمَةَ تُوَاجِهُهُ ، فَلَا يَمْسَحْ الْحَصَى ) . 1640 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، قَالَ : أَخبرنا سُوَيْد بْنُ نَصْرٍ ، قَالَ : أَخبرنا عَبْدُ اللَّهِ - يَعْنِي ابْنَ الْمُبَارَكِ - عَنْ يُونُسَ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، قَالَ : سَمِعْت أَبَا الْأَحْوَصِ مَوْلَى بَنِي لَيْثٍ يُحَدِّثُنَا فِي مَجْلِسِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ - وَابْنُ الْمُسَيِّبِ جَالِسٌ - أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا ذَرٍّ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا يَزَالُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مُقْبِلًا عَلَى الْعَبْدِ فِي صَلَاتِهِ مَا لَمْ يَلْتَفِتْ فَإِذَا صَرَفَ وَجْهَهُ انْصَرَفَ ) . ثُمَّ وَجَدْنَا عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إبَاحَتَهُ مَسْحَهُ فِي الصَّلَاةِ مَرَّةً وَاحِدَةً . 1641 - كَمَا حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ ، قَالَ : حدثنا الْفِرْيَابِيُّ ، قَالَ : حدثنا سُفْيَانُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِيسَى ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ ، قَالَ : ( سَأَلْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ ، حَتَّى سَأَلْتُهُ عَنْ مَسْحِ الْحَصَى ، قَالَ : وَاحِدَةً أَوْ دَعْ ) . 1642 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَيْمُونَ الْبَغْدَادِيُّ ، قَالَ : حدثنا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي ( مُعَيْقِيبٌ ، قَالَ : قُلْت لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ مَسَحَ الْحَصَاةَ فِي الصَّلَاةِ ؟ قَالَ : إنْ كُنْت لَا بُدَّ فَاعِلًا فَمَرَّةً وَاحِدَةً ) . 1643 - وَكَمَا حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانٍ مَالِكُ بْنُ يَحْيَى الْهَمْدَانِيُّ ، قَالَ : حدثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ ، قَالَ : حدثنا هِشَامٌ ، عَنْ يَحْيَى ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، قَالَ حَدَّثَنِي مُعَيْقِيبٌ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِيلَ لَهُ : الْمَسْحُ عَلَى الْحَصَى ؟ قَالَ : إنْ كُنْت لَا بُدَّ فَاعِلًا فَوَاحِدَةً . 1644 - وَكَمَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خُزَيْمَةَ ، قَالَ : حدثنا مُسْلِمُ بْنُ إبْرَاهِيمَ الْأَزْدِيُّ ، قَالَ : حدثنا أَبَانُ بْنُ يَزِيدَ ، قَالَ : حدثنا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ ( مُعَيْقِيبٍ أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْمَسْحِ ، فَقَالَ : إنْ كَانَ لَا بُدَّ فَاعِلًا فَوَاحِدَةً ) ، فَكَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا قَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْوَاحِدَةَ الْمُبَاحَةَ فِيهِ لِضَرُورَةٍ لَا لِغَيْرِ ذَلِكَ . 1645 - حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمُرَادِيُّ ، قَالَ : حدثنا أَسَدُ بْنُ مُوسَى ، قَالَ : حدثنا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنْ شُرَحْبِيلَ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهُوَ ابْنُ سَعْدٍ - وَيُكْنَى أَبَا سَعْدٍ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : قَالَ : النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَأَنْ يُمْسِكَ أَحَدُكُمْ يَدَهُ عَنْ الْحَصَى خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ مِائَةُ نَاقَةٍ ، كُلُّهَا سُودُ الْحَدَقِ ، فَإِنْ غَلَبَ أَحَدَكُمْ الشَّيْطَانُ فَلْيَمْسَحْ مَسْحَةً وَاحِدَةً ) . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَبَانَ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْوَاحِدَةَ الَّتِي أَبَاحَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْمُصَلِّي إنَّمَا هِيَ عِنْدَ الضَّرُورَةِ إلَيْهَا لَا لِمَا سِوَى ذَلِكَ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُصَلِّيَ يَقُومُ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ ، كَمَا يَجِبُ عَلَى مِثْلِهِ فِي ذَلِكَ مِمَّا قَدْ عَلِمَهُ مِنْ التَّوَاضُعِ وَالتَّمَسْكُنِ وَالتَّبَاؤُسِ وَتَفْرِيغِ قَلْبِهِ لِمَا هُوَ فِيهِ ، وَأَنْ لَا يَكُونَ لَهُ شَاغِلٌ عَنْ صَلَاتِهِ فِي إتْمَامِهَا ، وَلَا مُعَجِّلَ لَهُ عَنْ إكْمَالِهَا ، وَمَسْحُ الْحَصَى خُرُوجٌ مِنْهُ عَنْ ذَلِكَ ، فَفِي ذَلِكَ مَا قَدْ دَلَّ عَلَى حَظْرِ ذَلِكَ عَلَيْهِ ، وَمَنْعِهِ مِنْهُ إلَّا عِنْدَ غَلَبَةِ الضَّرُورَةِ إيَّاهُ مِنْ اشْتِغَالِ قَلْبِهِ بِهِ ، فَيَكُونُ حِينَئِذٍ مَسْحُهُ الْحَصَى حَتَّى يَنْقَطِعَ ذَلِكَ عَنْهُ أَيْسَرَ مِنْ تَمَادِيهِ فِيهِ ، وَغَلَبَتِهِ عَلَيْهِ . وَفِيمَا ذَكَرْنَا مَا قَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّ مَنْ يُرِيدُ الصَّلَاةَ قَبْلَ دُخُولِهِ فِيهَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُسَوِّيَ الْحَصَى حَتَّى يَغْنَى عَنْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِهِ ، فَلَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ ، وَلَا يَشْتَغِلُ قَلْبُهُ بِهِ ، وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
865 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمره بالمبالغة بالاستنشاق في الوضوء للصلاة إلا أن يكون المتوضئ صائما . 6403 - حدثنا يزيد بن سنان ، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، حدثنا سفيان الثوري ، عن إسماعيل بن كثير ، عن عاصم بن لقيط بن صبرة ، عن أبيه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال له : وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما . 6404 - وحدثنا إبراهيم بن مرزوق ، حدثنا أبو عاصم ، عن ابن جريج ، عن إسماعيل بن كثير ، عن عاصم بن لقيط ، عن أبيه ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، مثله . 6405 - وحدثنا الربيع المرادي ، حدثنا أسد ، حدثنا يحيى بن سليم ، عن إسماعيل بن كثير ، عن عاصم بن لقيط ، عن أبيه ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، مثله . قال أبو جعفر : ففي هذا الحديث أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمبالغة في الاستنشاق في الوضوء للصلاة في حال الإفطار ، وبالنهي عن ذلك في حال الصيام ، فدل ذلك أن المبالغة التي أمر بها في حال الإفطار كانت على الاختيار لا على الفرض ، لأنها لو كانت على الفرض لم يرفعها الصيام ، وكان في نهيه عنها في حال الصيام ما قد دل على أنها تفسد الصيام بدخول الماء بها من الموضع الذي بلغ بها إليه مما يكون سببا إلى وصولها إلى حلق المستعمل لها ، فيكون ذلك مفسدا عليه صيامه ، والله نسأله التوفيق .
226 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَوْلِهِ : مَنْ نَامَ عَنْ حِزْبِهِ أَوْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ ، فَقَرَأَهُ فِيمَا بَيْنَ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الظُّهْرِ كُتِبَ لَهُ كَأَنَّمَا قَرَأَهُ بِاللَّيْلِ ) . 1646 - حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، قَالَ : حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، أَنَّ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ وَعُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَخْبَرَاهُ ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَبْدٍ الْقَارِيَّ ، قَالَ : سَمِعْت عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ نَامَ عَنْ حِزْبِهِ أَوْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ ، فَقَرَأَهُ مَا بَيْنَ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الظُّهْرِ كُتِبَ لَهُ كَأَنَّمَا قَرَأَهُ بِاللَّيْلِ . 1647 - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ كَامِلِ بْنِ يَزِيدَ ، قَالَ : حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ ، ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ فِي إسْنَادِهِ وَفِي مَتْنِهِ . 1648 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، قَالَ : أَخبرنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَ : حدثنا أَبُو صَفْوَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، أَنَّ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ وَعُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَخْبَرَاهُ ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَبْدٍ الْقَارِيَّ ، قَالَ : سَمِعْت عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَكَرَ مِثْلَهُ . فَقَالَ قَائِلٌ : هَذَا الْحَدِيثُ قَدْ رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ مَوْقُوفًا . فَذَكَرَ مَا قَدْ 1649 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عُثْمَانَ ، قَالَ : حدثنا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ ، قَالَ : حدثنا ابْنُ الْمُبَارَكِ ، قَالَ : حدثنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَخْبَرَاهُ ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَبْدٍ الْقَارِيَّ ، قَالَ : سَمِعْت عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ : ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ ، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَرْفَعْهُ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَوْقَفَهُ عَلَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . قَالَ : فَفِي هَذَا مَا قَدْ دَخَلَ بِهِ فِي إسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ هَذَا الِاخْتِلَافُ . فَقِيلَ لَهُ : وَهَلْ دَخَلَ مَا يَجِبُ بِهِ صِحَّةُ مَا رَوَى ابْنُ الْمُبَارَكِ وَسُقُوطُ مَا رَوَى غَيْرُهُ ؛ لَئِنْ كَانَ ابْنُ الْمُبَارَكِ فِي إيقَافِهِ إيَّاهُ عَلَى عُمَرَ حُجَّةً كَانَ اللَّيْثُ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ وَأَبُو صَفْوَانَ أَحْرَى أَنْ يَكُونُوا فِي رَفْعِهِ حُجَّةً ، لَا سِيَّمَا وَهُمْ ثَلَاثَةٌ رَوَوْهُ عَنْ يُونُسَ مَرْفُوعًا ، وَثَلَاثَةٌ أَوْلَى بِالْحِفْظِ مِنْ وَاحِدٍ . فَقَالَ : فَقَدْ رَوَاهُ مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ ، فَأَوْقَفَهُ أَيْضًا عَلَى عُمَرَ . 1650 - وذكر مَا قَدْ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، قَالَ : أَخبرنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ ، قَالَ : حدثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِي ، أَنَّ ابْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ فَذَكَرَ نَحْوَهُ ، وَلَمْ يَرْفَعْهُ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ : فَهَذَا ثَبَتَ لِابْنِ الْمُبَارَكِ إيقَافُ هَذَا الْحَدِيثِ . فَقِيلَ لَهُ : إنَّ مَعْمَرًا - وَإِنْ كَانَ قَدْ أَوْقَفَهُ عَلَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقَدْ رَفَعَهُ عَنْ عُمَرَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ . 1651 - كَمَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَزِيزٍ الْأَيْلِيُّ ، قَالَ : أَخبرنا سَلَامَةُ بْنُ رَوْحٍ ، عَنْ عُقَيْلِ بْنِ خَالِدٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : أَخْبَرَنِي السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ ابْنِ أُخْتِ نَمِرٍ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ ، قَالَ : سَمِعْت عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ سَوَاءً . فَعَادَ هَذَا الْحَدِيثُ مَرْفُوعًا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حَدِيثِ عُقَيْلِ بْنِ خَالِدٍ ، وَفِي أَحَادِيثِ الْأَكْثَرِ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ وَكَانَ الَّذِي يُخَالِفُهُمَا فِي رَفْعِهِ وَيُوقِفُهُ عَلَى عُمَرَ وَاحِدٌ وَهُوَ مَعْمَرٌ ، وَاثْنَانِ بِالْحِفْظِ أَوْلَى مِنْ وَاحِدٍ ، لَا سِيَّمَا وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَوْ رَوَى حَدِيثًا ، فَتَفَرَّدَ بِرِوَايَتِهِ كَانَ مَقْبُولًا مِنْهُ ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَزَادَا فِي حَدِيثٍ زِيَادَةَ مَنْ رُفِعَ لَهُ عَلَى غَيْرِهِمَا ، وَجَبَتْ أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الزِّيَادَةُ مَقْبُولَةً مِنْهُمَا . وَاَلَّذِي يُرَادُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ مَا يَجِبُ عَلَيْنَا تِبْيَانُهُ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَذَلِكَ أَنَّ قِيَامَ اللَّيْلِ قَدْ كَانَ فَرْضًا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ بِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلا قَلِيلا نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا . قَالَ عَزَّ وَجَلَّ : إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ ، فَكَانَ هَذَا هُوَ فَرْضُهُمْ فِيهِ ، ثُمَّ نَسَخَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ، فَكَانَتْ تَوْبَتُهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ رَفْعَ ذَلِكَ الْمَفْرُوضِ عَلَيْهِمْ عَنْهُمْ . وَرُوِيَ فِي ذَلِكَ . 1652 - مَا قَدْ حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ ، قَالَ : حدثنا عَمْرُو بْنُ أَبِي رَزِينٍ ، عَنْ هِشَامٍ - يَعْنِي الدَّسْتُوَائِيَّ - عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى ، أَنَّ سَعْدَ بْنَ هِشَامٍ سَأَلَ عَائِشَةَ ، فَقَالَ : يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ ، أَخْبِرِينَا عَنْ قِيَامِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَتْ : أَلَسْت تَقْرَأُ : يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ . قَالَ : قُلْت : بَلَى . قَالَتْ : فَإِنَّهُ أُنْزِلَ أَوَّلُ السُّورَةِ ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ حَتَّى انْتَفَخَتْ أَقْدَامُهُمْ وَحُبِسَتْ خَاتِمَتُهَا اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا فِي السَّمَاءِ ، ثُمَّ نَزَلَتْ الرُّخْصَةُ ، فَكَانَ قِيَامُ اللَّيْلِ تَطَوُّعًا بَعْدَ فَرِيضَةٍ ) . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : ثُمَّ قَالَ عَزَّ وَجَلَّ : فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ ، فَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ عَلَى أَنَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يُخَلِّهِمْ مِنْ الْحَضِّ عَلَى الْأَخْذِ بِحَظٍّ مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ لِفَضْلِهِ ، وَلِمَا يُنَالُ بِهِ مِنْ الثَّوَابِ مِنْهُ عَزَّ وَجَلَّ ، وَبَيَّنَ عَزَّ وَجَلَّ فِي ارْتِفَاعِ فَرْضِهِ عَنْهُمْ ذَلِكَ فِي آيَةٍ أُخْرَى ، وَهُوَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا ، وَذَلِكَ أَجَلُّ ثَوَابٍ ، وَإِذَا كَانَ قِيَامُ اللَّيْلِ لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَافِلَةً كَانَ لِأُمَّتِهِ أَحْرَى أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ . وَلَمَّا رَدَّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مَا حَضَّ عَلَيْهِ مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ إلَى مَا رَدَّهُ إلَيْهِ زَادَ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأُمَّتَهُ فِي السَّعَةِ فِي ذَلِكَ إذْ كَانَ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَقْطَعَهُمْ عَنْ ذَلِكَ مَرَضٌ أَوْ سَفَرٌ أَوْ مَا سِوَاهُمَا مِمَّا يَقْطَعُ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ طَائِفَةً مِنْ النَّهَارِ ، فَجَعَلَ الْقِرَاءَةَ فِيهَا كَالْقِرَاءَةِ فِي اللَّيْلِ امْتِنَانًا مِنْهُ عَلَيْهِمْ وَرَحْمَةً مِنْهُ لَهُمْ ، وَزِيَادَةً مِنْهُ إيَّاهُمْ إلَى مَا يُوصِلُهُمْ إلَى وَعْدِهِ الْمَحْمُودِ لَهُمْ ، وَإِلَى مَا يُؤْتِيهِمْ مِنْ الثَّوَابِ ، وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
639 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مما أمر به من يريد النوم أن يقوله عند نومه . قال أبو جعفر : قد ذكرنا في الباب الذي قبل هذا الباب ما قد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا المعنى . 4732 - وقد حدثنا سليمان بن شعيب الكيساني ، قال : حدثنا عبد الرحمن بن زياد ، قال : حدثنا شعبة ، عن الحكم قال : سمعت عبد الرحمن بن أبي ليلى يحدث . عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن فاطمة أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم تشكو إليه أثر الرحى في يدها ، وبلغها أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاه سبي فأتته تسأله خادما فلم تلقه ولقيتها عائشة ، فأخبرتها الحديث ، فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته بذلك فأتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أخذنا مضاجعنا فذهبنا لنقوم فقال : مكانكما ، فقعد بيننا حتى وجدت برد قدمه على صدري فقال : ألا أدلكما على خير مما سألتما تكبران الله أربعا وثلاثين وتسبحان ثلاثا وثلاثين وتحمدان ثلاثا وثلاثين ، إذا أخذتما مضاجعكما ؛ فإنه خير لكما من خادم . 4733 - حدثنا الربيع المرادي يعني ، عن أسد ، قال : حدثنا حماد بن سلمة ، عن عطاء بن السائب ، عن أبيه . عن علي رضي الله عنه أنه قال لفاطمة رضي الله عنها ذات يوم قد جاء الله عز وجل أباك بسعة ورقيق فأتيه فاستخدميه ، فأتته فذكرت ذلك له فقال : والله لا أعطيكها ، وأدع أهل الصفة تطوى بطونهم ولا أجد ما أنفق عليهم ولكني أبيعها وأنفق عليهم ، ألا أدلكما على خير مما سألتما علمنيه جبريل صلى الله عليه وسلم تكبران في دبر كل صلاة عشرا وتسبحان عشرا وتحمدان عشرا ، وإذا أويتما إلى فراشكما ، ثم ذكر ما في حديث سليمان الذي ذكرناه قبله . قال أبو جعفر : وفيما ذكرنا في الباب الذي قبل هذا الباب ما يغنينا ، عن الكلام في هذا الباب والله نسأله التوفيق .
227 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَوْلِهِ : الدِّينُ النَّصِيحَةُ ، وَمِنْ جَوَابِهِ لِمَنْ قَالَ لَهُ : لِمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ بِمَا أَجَابَهُ عَنْ ذَلِكَ . 1653 - حَدَّثَنَا بَكَّارَ بْنُ قُتَيْبَةَ ، قَالَ : حدثنا صَفْوَانُ بْنُ عِيسَى ، قَالَ : حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ ، عَنْ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الدِّينُ النَّصِيحَةُ - ثَلَاثًا - قِيلَ : لِمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ . 1654 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، قَالَ : أَخبرنا عَبْدُ الْقُدُّوسِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَهْضَمٍ ، قَالَ : حدثنا إسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ ، عَنْ ابْنِ عَجْلَانَ ، عَنْ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ ، وَعَنْ سُمَيٍّ ، وَعَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِقْسَمٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ . 1655 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ غُلَيْبِ بْنِ سَعِيدٍ الْأَزْدِيُّ ، قَالَ : أَخبرنا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْر ، قَالَ : حَدَّثَنِي اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ العَجْلَانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، وَعَنْ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ . 1656 - حَدَّثَنَا أَبُو أُمَيَّةَ ، قَالَ : حدثنا عَلِيُّ بْنُ قَادِمٍ ، قَالَ : حدثنا سُفْيَانُ ، عَنْ سُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ مِثْلَهُ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذَا الْإِسْنَادُ مِمَّا يَذْكُرُ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْأَسَانِيدِ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ قَادِمٍ غَلِطَ فِيهِ ، فَأَدْخَلَ فِيهِ أَبَا سُهَيْلٍ وَهُوَ أَبُو صَالِحٍ بَيْنَ سُهَيْلٍ وَبَيْنَ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ ، وَيَذْكُرُونَ أَنَّ أَصْلَ هَذَا الْإِسْنَادِ ، عَنْ سُهَيْلٍ ، عَنْ عَطَاءٍ نَفْسِهِ . 1657 - كما قد حدثنا فَهْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، قَالَ : حدثنا أَبُو غَسَّانٍ ، قَالَ : حدثنا زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، قَالَ : حدثنا سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَمِمَّا قَدْ دَلَّ عَلَى مَا قَالُوهُ فِي ذَلِكَ 1658 - مَا حَدَّثَنَا بَكَّارَ بْنُ قُتَيْبَةَ ، قَالَ : حدثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : حدثنا سُفْيَانُ ، قَالَ : حدثنا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ، عَنْ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الدِّينُ النَّصِيحَةُ ) ، ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَذْكُرَ فِيهِ مَنْ بَعْدَ أَبِي صَالِحٍ ، أَخَذَ يُحَدِّثُ بِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ : سُفْيَانُ فَلَقِيت سُهَيْلَ بْنَ أَبِي صَالِحٍ ، فَقُلْت حَدِيثٌ حَدَّثَنِيهِ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ، عَنْ الْقَعْقَاعِ ، عَنْ أَبِيك ، أَسَمِعْتَهُ مِنْهُ ؟ قَالَ : وَمَا هُوَ ؟ قُلْت : قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الدِّينُ النَّصِيحَةُ ) ، فَقَالَ سُهَيْلٌ : أَنَا سَمِعْتُهُ مِنْ الَّذِي سَمِعَهُ أَبِي مِنْهُ ، قَالَ : سَمِعْت رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الشَّامِ - يُقَالُ لَهُ : عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْثِيُّ - يُحَدِّثُ بِهِ أَبِي ، عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( الدِّينُ النَّصِيحَةُ ثُمَّ ذَكَرَ بَقِيَّةَ الْحَدِيثِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَدَلَّ ذَلِكَ أَنَّ أَصْلَ الْحَدِيثِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي صَالِحٍ إنَّمَا هُوَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ تَمِيمٍ ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَبُو صَالِحٍ سَمِعَهُ مِنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ وَسَمِعَهُ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا . وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ سُهَيْلٍ ، فَخَالَفَ النَّاسَ فِي إسْنَادِهِ . 1659 - كما قد حدثنا عُبَيْدُ بْنُ رِجَالٍ ، قَالَ : حدثنا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ، قَالَ : قَرَأْت عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَافِعٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي مَالِكٌ ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ ذَكَرَ الْحَدِيثَ ، كَمَا ذَكَرْنَا سَوَاءً . 1660 - وقد حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خُزَيْمَةَ ، قَالَ : حدثنا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ ، قَالَ : حدثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُخْتَارِ ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ ذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ ، كَمَا ذَكَرَهُ فَهْدٌ ، عَنْ أَبِي غَسَّانٍ ، عَنْ زُهَيْرٍ ، عَنْ سُهَيْلٍ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَقَوِيَ فِي الْقُلُوبِ أَنَّ أَصْلَ هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ سُهَيْلٍ ، هُوَ كَمَا حَدَّثَهُ عَنْهُ زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُخْتَارِ لَا كَمَا قَدْ حَدَّثَهُ سِوَاهُمَا ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ بَيَّنَ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْهُ فِي ذَلِكَ مَا قَدْ ذَكَرْنَاهُ ، عَنْ بَكَّارٍ ، عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ بَشَّارٍ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَقَدْ وَجَدْنَا هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غَيْرِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَتَمِيمٍ الدَّارِيِّ . 1661 - كما قد حدثنا بَكَّارَ بْنُ قُتَيْبَةَ ، قَالَ : حدثنا أَبُو هَمَّامٍ الدَّلَّالُ ، قَالَ : حدثنا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَنَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الدِّينُ النَّصِيحَةُ ) ثُمَّ ذَكَرَ بَقِيَّةَ الْحَدِيثِ كَمِثْلِ حَدِيثِهِ عَنْ صَفْوَانَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي هَذَا الْبَابِ . فَقَالَ قَائِلٌ : كَيْفَ تَقْبَلُونَ هَذَا وَتُصَحِّحُونَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَفِيهِ : الدِّينُ النَّصِيحَةُ ، وَكَيْفَ يَكُونُ الدِّينُ النَّصِيحَةُ ، وَقَدْ وَجَدْتُمْ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ فِي كِتَابِهِ : إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ . فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعَوْنِهِ ، أَنَّ الَّذِي رَوَيْنَاهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْرُ مُخَالِفٍ لِمَا تَلَاهُ عَلَيْنَا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، إذْ كَانَتْ النَّصِيحَةُ مِنْ الْإِسْلَامِ ، وَقَدْ بَايَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهَا مَنْ بَايَعَهُ عَلَى الْإِسْلَامِ . 1662 - كَمَا حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ ، قَالَ : حدثنا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ ، قَالَ : حدثنا سُفْيَانُ ، عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ ، قَالَ : سَمِعْت جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ : ( بَايَعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ ) . قَالَ جَرِيرٌ : وَإِنِّي لَكُمْ لَنَاصِحٌ . 1663 - وَكَمَا قَدْ حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ ، قَالَ : حدثنا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ ، قَالَ : حدثنا شُعْبَةُ ، عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ ، قَالَ : شَهِدْت جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ثُمَّ ذَكَرَ عَنْهُ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، مِثْلَهُ . فَكَانَ فِيمَا ذَكَرْنَا مَا قَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّ النَّصِيحَةَ مِنْ الْإِسْلَامِ . فَقَالَ هَذَا الْقَائِلُ : أَفَهِيَ كُلُّ الْإِسْلَامِ الَّذِي هُوَ الدِّينُ عَلَى مَا فِي هَذِهِ الْآثَارِ الَّتِي رَوَيْتُمُوهَا فِي هَذَا الْبَابِ ؟ فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعَوْنِهِ : أَنَّهَا لَيْسَتْ كُلَّ الدِّينِ ، وَلَكِنَّهَا بِمَكَانٍ مِنْ الدِّينِ جَلِيلٍ ، وَكُلُّ مَا جَلَّ مِنْ جِنْسٍ مِنْ الْأَجْنَاسِ جَازَ أَنْ يُطْلَقَ لَهُ الِاسْمُ الَّذِي يُسَمَّى بِهِ ذَلِكَ الْجِنْسُ ، فَيُذْكَرُ بِهِ كَمَا يُذْكَرُ بِهِ ذَلِكَ الْجِنْسُ ، مِنْ ذَلِكَ أَنَّك تَقُولُ : النَّاسُ الْعَرَبُ ، وَفِيهِمْ غَيْرُ الْعَرَبِ لِجَلَالَةِ الْعَرَبِ فِي النَّاسِ ؛ وَلِأَنَّهُمْ يَبِينُونَ بِالْخَاصِّيَّةِ الَّتِي فِيهِمْ عَنْ سَائِرِ النَّاسِ ، فَجَازَ بِذَلِكَ أَنْ يُقَالَ : هُمْ النَّاسُ ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ : الْمَالُ النَّخْلُ لِجَلَالَةِ النَّخْلِ فِي الْأَمْوَالِ ، وَإِنْ كَانَ فِي الْأَمْوَالِ سِوَى النَّخْلِ ، فَمِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الدِّينُ النَّصِيحَةُ ) ، هُوَ لِجَلَالَةِ مَوْضِعِ النَّصِيحَةِ مِنْ الدِّينِ ، وَإِنْ كَانَ فِي الدِّينِ سِوَاهَا . فَقَالَ هَذَا الْقَائِلُ : فَمَا مَعْنَى مَا فِي تِلْكَ الْآثَارِ مِنْ قَوْلِهِ : وَلِكِتَابِهِ ؟ فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعَوْنِهِ ، أَنَّ ذَلِكَ عِنْدَنَا عَلَى تَعْلِيمِ كِتَابِهِ وَعَلَى النُّصْحِ لِمَنْ يُعَلِّمُونَهُ إيَّاهُ فِي تَعْلِيمِهِمْ مَا يَحْتَاجُونَ إلَى عِلْمِهِ مِنْ مُحْكَمِهِ وَمِنْ مُتَشَابِهِهِ ، وَمَا يَعْمَلُونَ بِهِ مِنْهُ ، وَمَا يَقِفُونَ عِنْدَهُ مِنْهُ ؛ لِأَنَّ النَّاسَ كَانُوا كَذَلِكَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ يَتَعَلَّمُونَ الْقُرْآنَ . 1664 - كما قد حدثنا فَهْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، قَالَ : حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي شَرِيكٌ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ ، عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، قَالَ : كُنَّا نَتَعَلَّمُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشْرَ آيَاتٍ فَمَا نَعْلَمُ الْعَشْرَ الَّتِي بَعْدَهُنَّ حَتَّى نَتَعَلَّمَ مَا أُنْزِلَ فِي هَذِهِ الْعَشْرِ مِنْ الْعَمَلِ . 1665 - وَكَمَا حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ شُعَيْبٍ الْكَيْسَانِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْخُرَاسَانِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا أَصْحَابُنَا الَّذِينَ كَانُوا يُعَلِّمُونَا ، قَالُوا : كُنَّا نَعْلَمُ عَشْرَ آيَاتٍ ، فَمَا نَتَجَاوَزُهُنَّ حَتَّى نَعْلَمَ مَا فِيهِنَّ مِنْ عَمَلٍ 1666 - وَكَمَا حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ شُعَيْبٍ ، قَالَ : حدثنا الْخَصِيبُ بْنُ نَاصِحٍ الْحَارِثِيُّ ، قَالَ : حدثنا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ ، قَالَ : كَانَ أَصْحَابُنَا يُقْرِئُونَا وَيُعَلِّمُونَا وَيُخْبِرُونَا ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُقْرِئُ أَحَدَهُمْ عَشْرَ آيَاتٍ ، فَمَا يُجَوِزُهَا حَتَّى يَتَعَلَّمَ الْعَمَلَ فِيهَا . قَالَ : وَقَالُوا : عَلِمْنَا الْقُرْآنَ وَالْعَمَلَ جَمِيعًا . 1667 - وَكَمَا حَدَّثَنَا فَهْدٌ ، قَالَ : حدثنا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ ، قَالَ : حدثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ ، عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ عَوْفٍ ، قَالَ : سَمِعْت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ : لَقَدْ عِشْنَا بُرْهَةً مِنْ دَهْرٍ وَأَحَدُنَا يُؤْتَى الْإِيمَانَ قَبْلَ الْقُرْآنِ ، وَتَنْزِلُ السُّورَةُ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَيَتَعَلَّمُ حَلَالَهَا وَحَرَامَهَا ، وَآمِرَهَا وَزَاجِرَهَا ، وَمَا يَنْبَغِي أَنْ يُوقَفَ عِنْدَهُ مِنْهَا ، كَمَا تَتَعَلَّمُونَ أَنْتُمْ الْيَوْمَ الْقُرْآنَ ، ثُمَّ لَقَدْ رَأَيْت الْيَوْمَ رِجَالًا يُؤْتَى أَحَدُهُمْ الْقُرْآنَ قَبْلَ الْإِيمَانِ ، فَيَقْرَأُ مَا بَيْنَ فَاتِحَتِهِ إلَى خَاتِمَتِهِ ، وَلَا يَدْرِي مَا آمِرُهُ ، وَلَا زَاجِرُهُ ، وَلَا مَا يَنْبَغِي أَنْ يُوقَفَ عِنْدَهُ مِنْهُ ، وَيَنْتَثِرُهُ نَثْرَ الدَّقَلِ . فَكَانَ فِيمَا رَوَيْنَا كَيْفِيَّةُ تَعْلِيمِ النَّاسِ كَانَ الْقُرْآنَ ، وَكَيْفِيَّةُ أَخْذِهِمْ كَانَ إيَّاهُ ، وَفِي ذَلِكَ مِنْ الْمَشَقَّةِ عَلَى مَنْ كَانَ يُعَلِّمُهُ ، وَعَلَى مَنْ كَانَ يَتَعَلَّمُهُ مَا لَا خَفَاءَ بِهِ عَلَى سَامِعِي هَذِهِ الْآثَارِ ، فَأَعْلَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ سَأَلَهُ عَنْ النَّصِيحَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا فِي هَذِهِ الْآثَارِ ، لِمَنْ هِيَ ؟ وَفِي ذَلِكَ النَّصِيحَةُ لِكِتَابِ اللَّهِ ، وَالنَّصِيحَةُ لَهُ هِيَ النَّصِيحَةُ لِمَنْ يَأْخُذُهُ تَعْلِيمًا مِمَّنْ يَأْخُذُهُ مِنْهُ ، وَفِيمَا ذَكَرْنَا بَيَانُ وَجْهِ هَذَا الْمَعْنَى ، وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
866 - باب بيان مشكل ما جاء به كتاب الله عز وجل من الأمر بغسل ما يغسل من الأعضاء ، وبمسح ما يمسح منها في الوضوء للصلاة ، ثم بما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك : هل هو على الفرض يفعل الرجل ذلك بنفسه ، أم على مماسة الماء تلك الأعضاء ، وإن كان بغير فعله . قال أبو جعفر : قال الله عز وجل : يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قد ذكرنا عنه في أمره لقيط بن صبرة بالتخليل بين الأصابع في الوضوء للصلاة ، وبالمبالغة في الاستنشاق في ذلك ، فقالت طائفة من أهل العلم : ذلك على التوكيد ، وإصابة الفضل بالأفعال لتلك الأشياء المأمور بها ، ومعاناة ذلك منها بالأيدي من المتوضئين للصلاة ، ومن المغتسلين للجنابات ، ومن المتيممين بالصعدات عن إعواز الماء ، وأن من ولى ذلك غيره من نفسه ، أو انغمس في ماء حتى مر على جميع أعضائه التي أمر أن يوضئها في وضوئه لصلاته ، أو في غسله من جنابته ، وتمضمض مع ذلك واستنشق أجزأه ذلك ، وممن ذهب إلى ذلك منهم : أبو حنيفة وأصحابه . وقالت طائفة منهم : إن ذلك لا يجزئه ، ولا يكون به متوضئا لصلاته ، ولا مغتسلا من جنابته ، ولا متيمما لصلاته ، حتى يكون هو المتولي ذلك بنفسه من نفسه ، وممن قال ذلك منهم : مالك بن أنس . ولما اختلفوا في ذلك هذا الاختلاف الذي ذكرناه عنهم ، نظرنا في الأولى مما قالوه في ذلك بتأويل الآية التي تلونا ، فوجدناهم لا يختلفون فيمن قطعت يداه من مرفقيه ، أو مما بعد ذلك حتى صار غير مستطيع أن يوضئ ما بقي من أعضائه التي أمر أن يوضئها لصلاته وغير مستطيع لغسل بدنه من جنابته ، وغير مستطيع لتيمم وجهه بالصعيد : أنه لا يسقط عنه بذلك الفرض الذي كان عليه في تلك الأشياء بحدوث تلك الحادثة ، وأن عليه أن يولي ذلك غيره من نفسه حتى يكون بذلك كفاعله بيديه لو كانتا باقيتين ، وكان في ذلك ما قد دل أن الفرض كان في ذلك هو فعل المتوضئ إياه بيديه ، إما بنفسه ، وإما بفعل غيره ذلك به ، لأنه لو كان الفرض في ذلك على فعله إياه بيديه كان قد سقط عنه الفرض الذي قد كان عليه أن يفعله بهما ، ولم يكن عليه سواه من فعل غيره ذلك به ولا من مماسة الماء إياه بغير فعله ، لأن ذلك ليس في الآية التي تلونا ، ولا في السنة التي ذكرنا . وفي ذلك ما قد دل أن المراد في الآية التي تلونا ، وبما في السنة التي ذكرنا مماسة الماء تلك الأعضاء المذكورة في الآية التي تلونا ، وأنه يستوي ذلك بفعل من عليه الوضوء ، ومن عليه الغسل ، ومن عليه التيمم ذلك بأنفسهم بأيديهم ، وبتولي غيرهم ذلك لهم ، وبمماسة الماء أعضاءهم تلك بأي معنى ماسها ، والله الموفق .
228 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَوْلِهِ : إنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ عز وجل السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ ) . 1668 - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ رِجَالٍ ، قَالَ : حدثنا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ، قَالَ : حدثنا إسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي ثَوْرُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : ( خَطَبَ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ : إنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ، وَإِنَّ السَّنَةَ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا ، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ : ثَلَاثَةٌ وِلَاءٌ : ذُو الْقَعْدَةِ ، وَذُو الْحِجَّةِ ، وَالْمُحَرَّمُ ، وَالْآخِرُ رَجَبٌ بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ ) . 1669 - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ رِجَالٍ ، قَالَ : أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ، قَالَ : قَرَأْت عَلَى ابْنِ نَافِعٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي مَالِكٌ ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ، قَالَ : خَطَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي إسْنَادِهِ بَعْدَ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ أَحَدًا . 1670 - وحدثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُد ، قَالَ : حدثنا مُسَدَّدٌ ، قَالَ : حدثنا إسْمَاعِيلُ بْنُ إبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حدثنا أَيُّوبُ ، عَنْ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ، قَالَ : خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ ، سَوَاءً حَرْفًا بِحَرْفٍ ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ : وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ . 1671 - حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ بْنِ الْحَسَنِ الْفِرْيَابِيُّ ، قَالَ : حدثنا الصَّلْتُ بْنُ مَسْعُودٍ الْجَحْدَرِيُّ ، قَالَ : حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الطُّفَاوِيُّ ، قَالَ : حدثنا دَاوُد بْنُ أَبِي هِنْدٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، قَالَ : كَانَتْ الْعَرَبُ يَجْعَلُونَ عَامًا شَهْرًا ، وَعَامًا شَهْرَيْنِ ، فَلَا يُصِيبُونَ الْحَجَّ فِي أَيَّامِ الْحَجِّ إلَّا فِي خَمْسٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً مَرَّةً ، وَهُوَ النَّسِيءُ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ ، فَلَمَّا حَجَّ أَبُو بَكْرٍ بِالنَّاسِ وَافَقَ ذَلِكَ الْعَامُ الْحَجَّ ، فَسَمَّاهُ اللَّهُ الْحَجَّ الْأَكْبَرَ ، وَحَجَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْعَامِ الْمُقْبِلِ فَاسْتَقْبَلَ النَّاسُ الْأَهِلَّةَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَفِي حَدِيثِ جَعْفَرٍ هَذَا الَّذِي رَدَّهُ إلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، وَمَا قَدْ دَلَّ عَلَى اسْتِدَارَةِ الزَّمَانِ حَتَّى صَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّماَوَاتِ وَالْأَرْضَ ، وَفِيهِ الْمَعْنَى الْمُرَادُ بِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ ، أَنَّ قَوْلَهُ جَلَّ وَعَزَّ : الأَكْبَرِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ إنَّمَا هُوَ نَعْتٌ لِلْحَجِّ لَا لِمَا سِوَاهُ مِمَّا قَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : إنَّهُ يَوْمُ النَّحْرِ ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ قَدْ رَوَوْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 1672 - كما قد حدثنا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ ، قَالَ : حدثنا أَبُو الْأَشْهَبِ هَوْذَةُ بْنُ خَلِيفَةَ ، قَالَ : أَخبرنا ابْنُ عَوْنٍ ، عَنْ مُحَمَّدٍ - يَعْنِي : ابْنَ سِيرِينَ - عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : لَمَّا كَانَ ذَلِكَ الْيَوْمُ خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَذَكَرَ خُطْبَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَئِذٍ ، وَفِيهَا : ( أَيُّ يَوْمٍ يَوْمُكُمْ هَذَا ؟ قَالَ : فَسَكَتْنَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ ، ثُمَّ قَالَ : أَلَيْسَ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ ) . 1673 - وَكَمَا قَدْ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ ، قَالَ : حدثنا دُحَيْمُ بْنُ الْيَتِيمِ ، قَالَ : حدثنا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ الْغَازِ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي خُطْبَتِهِ يَوْمَئِذٍ ، إنَّ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ يَوْمُ النَّحْرِ . 1674 - وَكَمَا قَدْ حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُد ، قَالَ : حدثنا الْخَطَّابُ بْنُ عُثْمَانَ ، قَالَ : حدثنا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ الْغَازِ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، مِثْلُهُ . وقَالَ بَعْضُهُمْ : إنَّ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ يَوْمُ عَرَفَةُ ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ مَعَهُمْ رِوَايَةٌ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَإِنَّمَا رَوَوْهُ عَنْ ابْنِ أَبِي أَوْفَى ، وَمَعْنَى مَا فِي حَدِيثَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّذَيْنِ ذَكَرْنَاهُمَا فِي هَذَا الْبَابِ هُوَ مَا فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو الَّذِي رَوَيْنَاهُ فِيهِ ، وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ نَعْتٌ لِلْحَجِّ لَا لِلْيَوْمِ حَتَّى تَصِحَّ مَعَانِي هَذِهِ الْآثَارِ وَتَتَّفِقَ ، وَلَا يُخَالِفَ بَعْضُهَا بَعْضًا . فَقَالَ قَائِلٌ : فَقَدْ رَوَيْتُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يُخَالِفُ هَذَا ، فَذَكَرَ 1675 - مَا قَدْ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي دَاوُد ، قَالَ : حدثنا أَبُو الْيَمَانِ الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ الْبَهْرَانِيُّ ، قَالَ : حدثنا شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ، قَالَ : بَعَثَنِي أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِيمَنْ يُؤَذِّنُ يَوْمَ النَّحْرِ بِمِنًى أَنْ لَا يَحُجَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ ، وَلَا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ ، وَيَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ يَوْمُ النَّحْرِ ، وَالْحَجُّ الْأَكْبَرُ الْحَجُّ ، وَإِنَّمَا قِيلَ : الْحَجُّ الْأَكْبَرُ مِنْ قِيلَ النَّاسِ : الْحَجُّ الْأَصْغَرُ . قَالَ : فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ ، أَنَّ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ يَوْمُ النَّحْرِ . فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعَوْنِهِ ، أَنَّ مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِمَّا قَدْ تَحَقَّقْنَا أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْرُ مُخَالِفٍ لِمَا قَدْ رَوَيْنَاهُ قَبْلَهُ فِي هَذَا الْبَابِ ، إذْ كَانَ قَوْلُهُ : وَيَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ يَوْمُ النَّحْرِ قَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ : الْأَكْبَرِ نَعْتًا لِلْحَجِّ لَا لِلْيَوْمِ ، وَيَكُونُ ذَلِكَ مُوَافِقًا لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو الَّذِي رَوَيْنَاهُ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَيَكُونُ الْيَوْمُ مُضَافًا إلَيْهِ حَتَّى تَصِحَّ هَذِهِ الْآثَارُ كُلُّهَا ، لَا يُضَادُّ شَيْءٌ مِنْهَا شَيْئًا . ثُمَّ قَالَ هَذَا الْقَائِلُ : وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَإِنَّمَا قِيلَ : الْحَجُّ الْأَكْبَرُ مِنْ أَجْلِ قَوْلِ النَّاسِ : الْحَجُّ الْأَصْغَرُ . فَاسْتَدَلَّ بِذَلِكَ فِيمَا ذَكَرَ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا قِيلَ لِلْحَجِّ الَّذِي كَانَ عَامَئِذٍ الْحَجُّ الْأَكْبَرُ الْقَوْلُ الَّذِي كَانَ النَّاسُ يَقُولُونَهُ الْحَجُّ الْأَصْغَرُ . قَالَ : وَهَذَا خِلَافُ مَا فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو الَّذِي رَوَيْتُمُوهُ . فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعَوْنِهِ ، أَنَّ الَّذِي فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ قَوْلِ النَّاسِ الْحَجُّ الْأَصْغَرُ لَا يُدْرَى مَا هُوَ ؟ وَلَا عَنْ مَنْ حُكِيَ مِنْ رُوَاةِ هَذَا الْحَدِيثِ ؟ وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ كَلَامِ الزُّهْرِيِّ ؛ فَإِنَّهُ قَدْ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ كَثِيرًا يَخْلِطُ كَلَامَهُ بِالْحَدِيثِ ، فَيُتَوَهَّمُ أَنَّهُ مِنْهُ وَلَيْسَ هُوَ مِنْهُ ، وَلِذَلِكَ قَالَ لَهُ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ : افْصِلْ كَلَامَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ كَلَامِك ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ الْكَلَامُ يَحْتَمِلُ مَا قَدْ ذَكَرْنَا كَانَ مَا قَدْ رَوَيْنَاهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مِنْ حَقِيقَةِ الْمَعْنَى ، كَانَ فِي ذَلِكَ أَوْلَى مِنْهُ ، وَكَانَ مَا ، قَالَ : مِنْ ذَلِكَ مَعْقُولًا إذَا كَانَ الْحَجُّ بَعْدَ اسْتِدَارَةِ الزَّمَانِ رَجَعَ إلَى شَهْرٍ بِعَيْنِهِ يَجْرِي عَلَيْهِ حَجُّ النَّاسِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، فَكَانَ ذَلِكَ إمَامًا لَهُمْ ؛ كَانَ الْأَكْبَرُ مِنْ الْحَجِّ الَّذِي يَرْجِعُ إلَيْهِ غَيْرُهُ مِنْ الْحَجِّ الَّذِي يَكُونُ بَعْدَهُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مِنْ قُدْوَةِ أَهْلِهِ لِمَا فِيهِ ، وَفِي ذَلِكَ مَا قَدْ وَجَبَ لَهُ مَا قَالَهُ فِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو ، وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
638 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أمر به الناس أن يلزموه بعد الصلوات الفرائض من الذكر . 4716 - حدثنا الربيع بن سليمان المرادي ، قال : حدثنا أسد ، قال : حدثنا سليمان بن حيان ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن عطاء بن السائب ، عن أبيه . عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : خير كثير ومن يفعله قليل ؛ في دبر كل صلاة مكتوبة عشر تكبيرات وعشر تسبيحات وعشر تحميدات فذلك مائة وخمسون باللسان وألف وخمس مائة في الميزان ؛ فإذا وضع جنبه سبح الله عز وجل ثلاثا وثلاثين وحمد الله عز وجل ثلاثا وثلاثين وكبر أربعا وثلاثين فذلك مائة باللسان وألف في الميزان ، فأيكم يفعل في اليوم والليلة ألفين وخمس مائة سيئة ؟ 4717 - وحدثنا محمد بن علي بن زيد المكي ، قال : حدثنا محمد بن يوسف اليماني أبو حمة ، قال : حدثنا أبو قرة ، عن زمعة بن صالح ، عن زياد بن سعد ، عن أبان وهو ابن صالح ، قال : حدثني عطاء بن السائب ، عن أبيه . أن عبد الله بن عمر أو عمرو أخبره أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : خصلتان لا يحافظ عليهما عبد مسلم في يومه وليلته إلا أدخله الله عز وجل الجنة وهما يسيران قليل من يحافظ عليهما ، قالوا وما هما يا رسول الله قال يسبح العبد دبر كل صلاة عشرا ويحمد عشرا ويهلل عشرا ، فذلك ثلاثون وهي خمسون ومائة في يومه وليلته وهي عند الله عز وجل ألف وخمس مائة حسنة ويسبح ثلاثا وثلاثين تسبيحة ويحمد ثلاثا وثلاثين تحميدة ويكبر أربعا وثلاثين تكبيرة . قال أبو جعفر : كأنه يعني عند نومه فذلك مائة وهي عند الله عز وجل ألف حسنة فذلك ألفان وخمس مائة فلا يظن أحدكم يصيب في يومه وليلته ألفين وخمس مائة سيئة ، قالوا يا رسول الله وما لنا لا نحافظ على ذلك قال إن أحدكم إذا أتى صلاته أتى الشيطان فذكره حوائجه فيقوم قبل أن يقولها ، وإذا أوى إلى فراشه أتاه فألهاه حتى ينام . 4718 - حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، قال : حدثنا أبو عامر العقدي ، قال : حدثنا أبو بكر النهشلي ، عن عطاء بن السائب ، عن أبيه . عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : خصلتان لا يجمعهما مسلم إلا دخل الجنة وهما يسير ومن يعملهما قليل ، يسبح عشرا في دبر كل صلاة ويحمد عشرا ويكبر عشرا فإذا أوى إلى فراشه من الليل سبح ثلاثا وثلاثين وحمد ثلاثا وثلاثين وكبر أربعا وثلاثين فتلك خمسون ومائتا حسنة وإذا ضعفت كانت ألفين وخمس مائة فأيكم يعمل في يومه وليلته ألفين وخمس مائة سيئة . 4719 - وحدثنا محمد بن حميد بن هشام الرعيني ، قال : حدثنا علي بن معبد ، قال : حدثنا موسى بن أعين ، قال : حدثنا عطاء بن السائب ، عن أبيه . عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : خلتان لا يحصيهما رجل إلا دخل الجنة وهما يسير ومن يعمل بهما قليل ، قلنا : وما هما يا رسول الله ؟ قال : الصلوات الخمس ويسبح ويحمد ويكبر في دبر كل صلاة عشرا ، فأنا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعقدهن في يده فتلك مائة وخمسون باللسان وألف وخمس مائة بالميزان ، فإذا أخذ مضجعه سبح وحمد وكبر فتلك مائة على اللسان وألف في الميزان فأيكم يعمل في يوم واحد ألفين وخمس مائة سيئة قالوا كلنا يا رسول الله يحصيها ، قال فإن الشيطان يأتي أحدكم في صلاته فيقول : اذكر حاجة كذا كذا ، فيصلي ولعله لا يسبح ، ويأتيه وهو في مضجعه فينومه ولعله لا يسبح . قال أبو جعفر : وفي حديث أبي قرة هذا رؤية عبد الله بن عمرو رسول الله صلى الله عليه وسلم يعقد التسبيح وقد وافقه على ذلك . 4720 - ما قد حدثنا إسحاق بن إبراهيم ، قال : حدثنا محمد بن قدامة ، قال : حدثنا عثام بن علي ، عن الأعمش ، عن عطاء بن السائب ، عن أبيه . عن عبد الله بن عمرو قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعقد التسبيح . 4721 - حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال محمد بن يزيد الرفاعي هو أبو هشام ، قال : حدثنا ابن فضيل ، قال : حدثنا عطاء ، عن أبيه . عن عبد الله بن عمرو ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم ذكر مثل حديث أبي قرة ، غير أنه لم يذكر فيه رؤيته رسول الله صلى الله عليه وسلم يعقد التسبيح ولا إشغال الشيطان الناس عن ذلك . 4722 - حدثنا محمد بن علي بن داود ، قال : حدثنا القواريري ، قال : حدثنا حماد بن زيد قال قدم علينا عطاء بن السائب البصرة فقال لنا أيوب : ائتوه وسلوه عن حديث التسبيح ، قال القواريري : يريد حديث أبيه ، عن عبد الله بن عمرو . 4723 - وحدثنا ابن أبي عمران ، قال : حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل قال صلينا مع حماد بن زيد صلاة العصر فتكاب عليه أصحاب الحديث فقال لهم : قد حدثتكم بحديث عطاء بن السائب ، عن أبيه ، عن عبد الله بن عمرو في التسبيح ، فأيكم عمل به ؟ أشهد لا حدثتكم شهرا . 4724 - وحدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ، قال : حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن المغيرة ، قال : حدثنا حمزة الزيات ، عن الحكم بن عتيبة ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى . عن كعب بن عجرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ثلاث لا يخيب قائلهن دبر كل صلاة : ثلاث وثلاثون تحميدة وثلاث وثلاثون تسبيحة وأربع وثلاثون تكبيرة . 4725 - وحدثنا أبو أمية ، قال : حدثنا قبيصة بن عقبة ، قال : حدثنا سفيان ، عن منصور ، عن الحكم ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى . عن كعب بن عجرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : معقبات لا يخيب قائلهن أو فاعلهن ، ثم ذكر مثله . 4726 - حدثنا أحمد بن شعيب ، قال : أخبرنا قتيبة بن سعيد ، قال : حدثنا أبو الأحوص ، عن منصور ، عن الحكم ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن كعب مثله ولم يرفعه . 4727 - حدثنا أحمد بن شعيب ، قال : أخبرنا محمد بن إسماعيل بن سمرة ، عن أسباط ، قال : حدثنا عمرو بن قيس ، عن الحكم ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى . عن كعب بن عجرة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مثله . 4728 - حدثنا يونس ، قال : حدثنا أسد ، قال : حدثنا شعبة ، عن الحكم قال : سمعت عبد الرحمن بن أبي ليلى قال : سمعت كعب بن عجرة ، ثم ذكر مثله ولم يرفعه ، قال الحكم : ما تركتها بعد . قال : ففي هذا الحديث خلاف ما في حديث عبد الله بن عمرو من عدد الأشياء التي أمر بها بعقب الصلوات ، ثم وجدنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مما كان منه بعد الذي رواه عنه كعب ما رد مقادير الأعداد في ذلك بعقب الصلوات وعند النوم إليه . 4729 - كما حدثنا أحمد بن شعيب ، قال : حدثنا موسى بن حزام الترمذي قال : أخبرني يحيى بن آدم ، عن ابن إدريس ، عن هشام بن حسان ، عن محمد بن سيرين ، عن كثير بن أفلح . عن زيد بن ثابت قال أمروا أن يسبحوا دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين ويحمدوا ثلاثا وثلاثين ويكبروا أربعا وثلاثين ، فأتي رجل من الأنصار في منامه فقيل أمركم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تسبحوا دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين وتحمدوا ثلاثا وثلاثين وتكبروا أربعا وثلاثين قال نعم قال فاجعلوها خمسا وعشرين واجعلوا فيها التهليل ، فلما أصبح النبي صلى الله عليه وسلم ذكر ذلك له فقال : اجعلوها كذلك . فكان أولى الأشياء أن يجعل المستعمل بعقب الصلوات من العدد ما في حديث أحمد هذا ؛ لأنه الذي أمر به النبي صلى الله عليه وسلم بعدما في حديث كعب مما كان قد أمر به ، وقد كان قوم يكرهون عقد التسبيح منهم أبو حنيفة وأصحابه 4730 - كما حدثنا محمد بن العباس ، عن علي بن معبد ، عن محمد بن الحسن ، عن يعقوب ، عن أبي حنيفة بذلك . وقد تقدمهم فيما قالوه من ذلك عبد الله بن عمر . 4731 - حدثنا أبو بشر الرقي ، قال : حدثنا معاذ بن معاذ العنبري ، عن ابن عون ، عن عقبة بن صهبان قال : قلت لابن عمر : الرجل يسبح فيحسب ما يسبح فقال : سبحان الله أتحاسبون الله . قال أبو جعفر : وأنا أقول : إن كل أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم مما له عدد مما لا يضبط إلا بعقد التسبيح فالعقد في ذلك داخل في أمره ومحضوض على فعله ؛ ليعلم فاعله أنه قد استحق وعد الله عز وجل الذي وعده فاعلي ذلك عليه ، وكل أمر أمر به بلا عدد ذكره فيه فاستعمال العقد فيه لا معنى له بل استعماله عظيم كما استعظمه عبد الله بن عمر والله نسأله التوفيق .
229 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَوْلِهِ : ( لَا يُلْدَغُ مُؤْمِنٌ مِنْ جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ ) . 1676 - حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ هِشَامُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ قُرَّةَ بْنِ أَبِي خَلِيفَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَامَةَ الْأَزْدِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يُونُسُ ، قَالَ : حدثنا ابْنُ وَهْبٍ وَأَيُّوبُ بْنُ سُوَيْد ، عَنْ يُونُسَ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يُلْدَغُ مِنْ جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ ) ، فِي حَدِيثِ أَيُّوبَ : مِنْ جُحْرٍ وَاحِدٍ . 1677 - وحدثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَزِير الْأَيْلِيُّ ، قَالَ : حدثنا سَلَامَةُ بْنُ رَوْحٍ ، عَنْ عُقَيْلِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ - يَعْنِي : الزُّهْرِيَّ - أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ حَدَّثَهُ ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : ( لَا يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ ) . 1678 - وحدثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، قَالَ : أَخبرنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَ : حدثنا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ عُقَيْلٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، مِثْلَهُ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَتَأَمَّلْنَا هَذَا الْحَدِيثَ فَوَجَدْنَا كُلَّ مَنْ حَدَّثَنَاهُ مِمَّنْ ذَكَرْنَاهُ فِي هَذَا الْبَابِ وَمِنْ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ لَمْ يُذْكَرْ فِيهِ ، إنَّمَا حَدَّثُونَاهُ : ( لَا يُلْدَغْ مُؤْمِنٌ مِنْ جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ ) ، وَيَجْزِمُونَ : يُلْدَغْ فَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ عَلَى ظَاهِرِهِ ، إنَّمَا هُوَ عَلَى الْأَمْرِ ، وَقَدْ ذَهَبَ إلَى ذَلِكَ قَوْمٌ جَعَلُوا مَعْنَاهُ أَلَّا تُثَنَّى عَلَى مُؤْمِنٍ عُقُوبَةٌ فِي ذَنْبٍ أَتَاهُ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْجَزْمَ إذَا وَقَعَ فِي هَذَا كَانَ وَجْهُهُ الْأَمْرَ لَا مَا سِوَاهُ ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : كَلا لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ، وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا فِي أَمْثَالٍ لِهَذَا فِي الْقُرْآنِ كَثِيرٌ ، وَقَدْ أَبَى ذَلِكَ قَوْمٌ عَلَى قَائِلِيهِ وَقَالُوا : أَصْلُ الْحَدِيثِ : لَا يُلْدَغُ مُؤْمِنٌ مِنْ جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ بِلَفْظِ : يُلْدَغُ ، وَجَعَلُوا ذَلِكَ مِنْ الْخَبَرِ كَقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَكَقَوْلِهِ جَلَّ وَعَزَّ : وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا ، وَكَقَوْلِهِ جَلَّ وَعَزَّ : لا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً ، كُلُّ ذَلِكَ عَلَى الْخَبَرِ بِاسْتِعْمَالِ الرَّفْعِ فِيهِ . وَقَالُوا مُحْتَجِّينَ عَلَى أَهْلِ الْمَقَالَةِ الْأُولَى : لَوْ كَانَ التَّأْوِيلُ كَمَا ذَكَرْتُمْ لَمَا احْتَاجَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى الْقَصْدِ بِذَلِكَ إلَى الْمُؤْمِنِ ؛ لِأَنَّ الْكَافِرَ لَا تُثَنَّى عَلَيْهِ عُقُوبَةُ ذَنْبِهِ ، وَلِأَنَّ الْمُنَافِقَ أَيْضًا كَذَلِكَ لَا تُثَنَّى عَلَيْهِ عُقُوبَةُ ذَنْبِهِ ، وَإِنَّمَا قَصَدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذَا الْقَوْلِ إلَى الْمُؤْمِنِ ؛ لِأَنَّهُ يُبَيِّنُ فِيهِ بِمَعْنًى مِنْ الْمَعَانِي سِوَى الْمُنَافِقِ وَسِوَى الْكَافِرِ ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ مِنْهُ الذَّنْبُ أَحْزَنَهُ ذَلِكَ وَخَافَ غِبَّهُ ، فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِتَرْكِ عَوْدِهِ فِيهِ أَبَدًا ، فَقَالَ : النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِذَلِكَ : إنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يُلْدَغُ مِنْ جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ ، أَيْ : لَا يُذْنِبُ ذَنْبًا يَخَافُ عُقُوبَتَهُ ، ثُمَّ يَعُودُ فِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ ، وَجَعَلُوا مَعْنَى قَوْلِهِ : إنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يُلْدَغُ مِنْ جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ ، بِمَعْنَى قَوْلِهِ : إنَّ الْمُؤْمِنَ لَيْسَ يُلْدَغُ مِنْ جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ ، وَكَذَلِكَ هِيَ فِيمَا تَلَوْنَا مِنْ الْآيِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فِي هَذَا الْمَعْنَى ، إنَّمَا هِيَ بِمَعْنَى لَيْسَ ، وَهَذَا عِنْدَنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَشْبَهُ الْوَجْهَيْنِ بِالْمَعْنَى فِي هَذَا الْبَابِ ، وَقَدْ سَمِعْت يُونُسَ يَقُولُ بَعْدَ أَنْ حَدَّثَنَا هَذَا الْحَدِيثَ : قُلْت لِابْنِ وَهْبٍ : مَا تَفْسِيرُهُ ؟ قَالَ : الرَّجُلُ يَقَعُ فِي الشَّيْءِ يَكْرَهُهُ فَلَا يَعُودُ فِيهِ ، فَكَانَ هَذَا مُجْمَلًا مِنْ ابْنِ وَهْبٍ ، وَمَعْنَاهُ عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي مِلْنَا إلَيْهِ ، وَهُوَ إنْ لَمْ يَكُنْ ذَكَرَهُ بِإِعْرَابِهِ ، فَقَدْ ذَهَبَ إلَى أَنَّ مَعْنَاهُ الْمَعْنَى الَّذِي يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ إعْرَابُهُ الرَّفْعَ لَا الْجَزْمَ . وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْنَا أَيْضًا أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ ذَكَرَ فِي كِتَابِهِ التَّوْبَةَ الَّتِي أَمَرَ بِهَا الْمُؤْمِنِينَ مِنْ عِبَادِهِ ، فَقَالَ : يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا . 1679 - فَحَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ ، قَالَ : حدثنا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ ، عَنْ إسْرَائِيلَ بْنِ يُونُسَ ، عَنْ سِمَاكٍ - وَهُوَ ابْنُ حَرْبٍ - قَالَ : سَمِعْت النُّعْمَانَ - وَهُوَ ابْنُ حُمَيْدٍ - يَقُولُ : سَمِعْت عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ : التَّوْبَةُ النَّصُوحُ أَنْ يَجْتَنِبَ الرَّجُلُ الْعَمَلَ السُّوءَ كَانَ يَعْمَلُهُ يَتُوبُ إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْهُ ، ثُمَّ لَا يَعُودُ فِيهِ أَبَدًا ، فَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا قَدْ دَلَّك عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ تَأْوِيلِ الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَيْنَاهُ ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا قَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النَّدَمِ أَنَّهُ تَوْبَةٌ . 1680 - كما قد حدثنا يُونُسُ ، قَالَ : حدثنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي زِيَادُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْقِلٍ ، قَالَ : دَخَلْت مَعَ أَبِي عَلِيٍّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، فَقَالَ لَهُ أَبِي : أَأَنْتَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : النَّدَمُ تَوْبَةٌ ؟ قَالَ : نَعَمْ ) . 1681 - وَكَمَا حَدَّثَنَا يُونُسُ ، قَالَ : وَحَدَّثَنَاهُ ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ ، عَنْ رَجُلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ . فَكَانَ النَّدَمُ عَلَى ذَلِكَ مِمَّا يَمْنَعُ مِنْ الْعَوْدِ إلَى مِثْلِهِ وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَا ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقَ .
867 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من إظهار التكبير في العيد وفي أي حال يكون من الطريق إليه ، أم بعد الجلوس فيه . 6406 - حدثنا فهد بن سليمان ، ويحيى بن عثمان ، قالا : حدثنا عبد الله بن صالح ، حدثني الليث بن سعد ، حدثنا إسحاق بن بزرج ، عن الحسن بن علي ، قال : أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نلبس أجود ما نجد ، وأن نضحي بأسمن ما نجد ؛ البقرة عن سبعة ، والجزور عن عشرة ، وأن نظهر التكبير وعلينا السكينة والوقار . ففي هذا الحديث : أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بإظهار التكبير في العيد بغير ذكر منه الحال التي يكون ذلك التكبير فيها من طريق إلى العيد ، ومما سوى ذلك . فنظرنا : هل نجد في ذلك شيئا يدلنا على الحال التي يكون ذلك التكبير فيها ؟ . 6407 - فوجدنا فهدا قد حدثنا ، قال : حدثنا أبو نعيم ، قال : حدثنا عائذ بن حبيب ، عن الحجاج ، عن سعيد بن أشوع ، عن حنش بن المعتمر قال : رأيت عليا رضي الله عنه ، أتي ببغلته يوم الأضحى فركبها ، فلم يزل يكبر حتى أتى الجبانة . 6408 - ووجدنا محمد بن خزيمة ، قد حدثنا ، قال : حدثنا يوسف بن عدي ، حدثنا عبد الله بن إدريس ، عن ابن عجلان ، عن نافع ، عن ابن عمر : أنه كان يخرج يوم الفطر ويوم الأضحى يكبر ، يرفع بذلك صوته حتى يجيء المصلى . 6409 - ووجدنا يوسف بن يزيد قد حدثنا ، قال : حدثنا سعيد بن منصور ، حدثنا الدراوردي ، عن موسى بن عقبة ، وعبيد الله بن عمر ، عن نافع : أن ابن عمر كان إذا خرج من بيته إلى العيد كبر حتى يأتي المصلى ، ولا يخرج حتى تطلع الشمس . 6410 - ووجدنا محمد بن خزيمة ، وابن أبي داود قد حدثانا ، قالا : حدثنا يوسف بن عدي ، حدثنا ابن إدريس ، عن يحيى بن عبد الله بن أبي قتادة ، عن محمد بن إبراهيم : أن أبا قتادة كان يكبر يوم العيد حتى يبلغ المصلى . قال أبو جعفر : فكان ما روينا عن علي ، وابن عمر ، وأبي قتادة في ذلك التكبير أنه في الطريق إلى المصلى لا فيما سواه . 6411 - ووجدنا أبا أمية قد حدثنا ، قال : حدثنا جعفر بن عون المخزومي ، ثم العمري ، أخبرنا الأعمش ، عن تميم بن سلمة ، قال : خرج ابن الزبير يوم العيد ، فلم يزهم يكبرون ، فقال : ما لهم لا يكبرون ؟! أما والله لئن فعلوا ذلك ، لقد رأيتنا في عسكر ما يرى طرفاه ، فيكبر الرجل ويكبر الذي يليه ، حتى يرتج العسكر ، وإن بينكم وبينهم كما بين الأرض السفلى إلى السماء الدنيا . قال أبو جعفر : فكان في هذا الحديث عن ابن الزبير في التكبير في الطريق إلى المصلى كما في حديث علي ، وابن عمر ، وأبي قتادة ، وكان في حديثه إخباره بذلك عمن كان قبله ممن كان في الرتبة التي فوق أهل الزمان الذي رآهم لا يكبرون فيه . فقال قائل : فقد روي عن عبد الله بن عباس ما يخالف ما في هذه الآثار ، 6412 - فذكر ما قد حدثنا بكار بن قتيبة ، حدثنا أبو عامر العقدي ، حدثنا ابن أبي ذئب ، عن شعبة مولى ابن عباس ، قال : كنت أقود ابن عباس إلى المصلى فيسمع الناس يكبرون ، فيقول : ما شأن الناس أيكبر الإمام ؟ فأقول : لا ، فيقول : أمجانين الناس ؟ . فكان جوابنا له في ذلك : أنه قد يحتمل أن يكون التكبير الذي أنكره ابن عباس لما سمعه كان تكبير من في المصلى ، وليس ذلك بموضع تكبير ، فقال من أجل ذلك ما قال : إن ذلك الموضع إنما يكبر الناس فيه بعد دخولهم في الصلاة لعيدهم ، ولتكبير الإمام التكبير الذي يكبره فيها مما يكبر الناس بتكبيره فيها ، وهو أولى ما حمل عليه ما قد روي عنه من هذا حتى لا يكون خارجا عما رويناه عما سواه في هذا الباب . فقال قائل : فقد روي عن إبراهيم ما يدل على كراهته ، كان لذلك فذكر 6413 - ما قد حدثنا أحمد بن داود ، حدثنا محمد بن يحيى بن أبي عمر ، حدثنا سفيان ، عن علي بن حي ، عن إبراهيم النخعي : أنه سئل عن التكبير يوم الفطر ، فقال : إنما يفعله الحواكون . فكان جوابنا له في ذلك : أن ما روينا في هذا الباب مما تقدمت روايتنا إياه فيه عمن روينا عنه فيه أولى أن يؤخذ به مما رويناه عن إبراهيم مما يخالفه ، وإن كان غير متصل به في إسناده ، لأن علي بن حي لم يلقه ، ولم يسمع منه ، وقد روي في تأويل قول الله عز وجل : ولتكبروا الله على ما هداكم ما يدل على ما روي خلاف ذلك مما قد ذكرناه قبله في هذا الباب . 6414 - كما حدثنا ابن أبي داود ، حدثنا عبد الله بن محمد بن أسماء ، حدثنا عبد الله بن المبارك ، عن داود بن قيس ، قال : سمعت زيد بن أسلم يقول : وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ ، قال : التكبير يوم الفطر . وقد روي عن عطاء بن أبي رباح : أن التكبير في العيد سنة . 6415 - كما حدثنا أبو أمية قال : حدثنا عبد الرحمن بن قيس الضبي ، قال : حدثنا ابن جريج ، عن عطاء في التكبير يوم العيد قال : سنة . وفيما قد ذكرنا في هذا الباب مما يوجب التكبير في يوم العيد في الطريق إلى المصلى مما يجب التمسك به وترك خلافه ، وبالله التوفيق .
230 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَوْلِهِ : ( إنَّما النَّاسَ كَإِبِلٍ مِائَةٍ لَا تَجِدُ فِيهَا رَاحِلَةً ) ) . 1682 - حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ جَمِيعًا ، قَالَا : حدثنا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ ، قَالَ : حدثنا أَبِي ، قَالَ : سَمِعْت النُّعْمَانَ بْنَ رَاشِدٍ يُحَدِّثُ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( إنَّمَا النَّاسُ كَإِبِلٍ مِائَةٍ لَا تَجِدُ فِيهَا رَاحِلَةً ) . 1683 - حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُد ، قَالَ : حدثنا أَبُو الْيَمَانِ ، قَالَ : حدثنا شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ، قَالَ : سَمِعْت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( إنَّمَا النَّاسُ كَالْإِبِلِ الْمِائَةِ لَا يَكَادُ يُرَى فِيهَا رَاحِلَةٌ ) . 1684 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، قَالَ : حدثنا سُوَيْد بْنُ نَصْرٍ ، قَالَ : أَخبرنا عَبْدُ اللَّهِ - يَعْنِي : ابْنَ الْمُبَارَكِ - عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ مِثْلَهُ . 1685 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، قَالَ : أَخبرنا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْكُوفِيُّ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ مِثْلَهُ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَتَأَمَّلْنَا هَذَا الْحَدِيثَ ، فَوَجَدْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ قَالَ الْقَوْلَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْهُ فِيهِ ، فَكَانَ ظَاهِرُهُ عُمُومَهُ النَّاسَ جَمِيعًا بِهِ ، غَيْرَ أَنَّا عَقَلْنَا أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُرِدْهُمْ جَمِيعًا بِهِ ؛ لِأَنَّ فِيهِمْ مَنْ يَحْمِلُ عَنْ غَيْرِهِ مِنْهُمْ مَا يَحْمِلُهُ الْمَحْمُودُونَ مِنْ النَّاسِ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ مِنْهُمْ مِمَّنْ يَكُونُ فِي جُمْلَةِ ذَلِكَ عَنْهُمْ ، كَمَثَلِ الرَّوَاحِلِ الَّتِي تَبِينُ بِمَا يُحْمَلُ عَنْ مَا سِوَاهَا مِنْ الْإِبِلِ الَّتِي لَيْسَتْ مِنْ الرَّوَاحِلِ الَّتِي تَحْمِلُ ، فَقَالَ قَائِلٌ : أَفِي يجَوزِ هَذَا فِي اللُّغَةِ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ يَجْرِي عَلَى ذِكْرِ النَّاسِ يُرَادُ بِهِ خَاصًّا مِنْهُمْ دُونَ بَقِيَّتِهِمْ . قِيلَ لَهُ : نَعَمْ هَذَا جَائِزٌ فِيهَا ، قَالَ : اللَّهُ تَعَالَى : الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ ، فَكَانَ فِي ذَلِكَ ذِكْرُهُ عَزَّ وَجَلَّ الْقَائِلِينَ بِذَلِكَ الْقَوْلِ بِالنَّاسِ ، وَذِكْرُهُ عَزَّ وَجَلَّ الْمُخْبِرَ عَنْهُمْ بِالْجَمْعِ أَيْضًا بِالنَّاسِ ، وَهُنَاكَ نَاسٌ آخَرُونَ وَهُمْ الْمَقُولُ لَهُمْ ذَلِكَ الْقَوْلُ ، وَلَمَّا كَانَ مَا ذَكَرْنَا جَائِزًا فِي اللُّغَةِ كَمَا وَصَفْنَا جَازَ فِيهَا أَيْضًا أَنْ يَكُونَ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : النَّاسُ كَإِبِلٍ مِائَةٍ يُرِيدُ بِهِ خَاصًّا مِنْ النَّاسِ ، وَهُمْ الَّذِينَ لَا غَنَاءَ مَعَهُمْ ، وَلَا مَنْفَعَةَ عِنْدَهُمْ لِمَنْ سِوَاهُمْ مِنْ النَّاسِ كَإِبِلٍ مِائَةٍ لَيْسَ فِيهَا رَاحِلَةٌ تَحْمِلُ مَا يَحْتَاجُ النَّاسُ إلَى حَمْلِهِ عَنْهُمْ ، وَتَكُونُ الْإِبِلُ الَّتِي لَا رَاحِلَةَ فِيهَا كَالنَّاسِ الَّذِينَ لَا مَنْفَعَةَ عِنْدَهُمْ مِنْ عِلْمٍ يُؤْخَذُ عَنْهُمْ ، وَلَا مِمَّا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا يَحْتَاجُ بَعْضُ النَّاسِ إلَيْهِ مِنْ بَعْضٍ . وَفِي النَّاسِ سِوَاهُمْ بِحَمْدِ اللَّهِ وَنِعْمَتِهِ مَنْ هُوَ فِي هِدَايَةِ النَّاسِ لِرُشْدِهِمْ وَفِي تَعْلِيمِهِمْ إيَّاهُمْ أَمْرَ دِينِهِمْ ، وَفِي تَسْدِيدِهِمْ لَهُمْ فِي أُمُورِهِمْ وَفِي حَمْلِ الْكُلِّ عَنْهُمْ كَثِيرٌ ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا أَيْضًا عَنْ ابْنِ عُمَرَ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ بِأَلْفَاظٍ سِوَى هَذِهِ الْأَلْفَاظِ الَّتِي رُوِيَ بِهَا هَذَا الْحَدِيثُ . 1686 - كما قد حدثنا يُونُسُ ، قَالَ : أَخبرنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ اللَّيْثِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : ( النَّاسُ كَالْإِبِلِ الْمِائَةِ ، هَلْ تَرَى فِيهَا رَاحِلَةً ؟ أَوْ مَتَى تَرَى فِيهَا رَاحِلَةً ؟ ) قَالَ : وقَالَ : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا نَعْلَمُ شَيْئًا خَيْرًا مِنْ مِائَةٍ مِثْلِهِ إلَّا الْمُؤْمِنَ ) . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَمَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ كَمَعْنَى مَا رَوَيْنَاهُ قَبْلَهُ فِي صَدْرِ هَذَا الْبَابِ . وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَلْ تَرَى فِيهَا رَاحِلَةً أَوْ مَتَى تَرَى فِيهَا رَاحِلَةً مِمَّا قَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى النَّفْيِ أَنْ تَرَى فِيهَا رَاحِلَةً أَوْ تَجِدَ فِيهَا رَاحِلَةً ، أَوْ عَلَى الْوُجُودِ لِذَلِكَ فِي الْوَقْتِ الْبَعِيدِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ وَإِيَّاهُ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
637 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار وما كان من أبي بكرة من خطابه للأحنف بذلك لما خاطبه به من أجله . 4713 - حدثنا بكار بن قتيبة ، قال : حدثنا مؤمل بن إسماعيل ، قال : حدثنا حماد ، عن أيوب ويونس ، عن الحسن ، عن الأحنف بن قيس . عن أبي بكرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا التقى المسلمان بأسيافهما فالقاتل والمقتول في النار . 4714 - حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، قال : حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث ، عن شعبة ، عن منصور ، عن ربعي بن حراش . عن أبي بكرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا حمل المسلمان السلاح أحدهما على صاحبه فهما على حرف النار فإن قتل أحدهما صاحبه دخلاها جميعا . فطلبنا المعنى الذي جاء به أبو بكرة بهذا الحديث من أجله . 4715 - فوجدنا إبراهيم بن أبي داود قد حدثنا ، قال : حدثنا المقدمي ، قال : حدثنا حماد بن زيد ، عن أيوب ويونس ، عن الحسن . عن الأحنف بن قيس قال أخذت سلاحي وأنا أريد أن أنصر ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم فلقيني أبو بكرة فقال : أين تريد ؟ قلت : أنصر ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : أفلا أحدثك حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : بلى ، قلت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فقتل أحدهما صاحبه فهما في النار قيل : يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول ؟ قال إنه قد أراد يقتل صاحبه . فتأملنا هذا الحديث فاحتمل أن يكون علي رضي الله عنه لما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم أنه يقاتل على تأويل القرآن كما قاتل هو صلى الله عليه وسلم على تنزيله علم بذلك أن ذلك لا يكون منه إلا وهو خليفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيه فطلب المنزلة التي يلحق بها قتال من وعده رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يقاتله ، وأن يكون طلحة والزبير رضي الله عنهما لم يكونا وقفا على ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه ، وأن عليا لم يكن عندهما أولى بولاية أمر هذه الأمة من كل واحد منهما وعلما أنهما لا بد للناس ممن يتولى أمورهم ليقاتل عدوهم من روائهم ، ويقوم بما لا يقوم به إلا أئمتهم من صلواتهم ومن وضع زكواتهم فيما يجب وضعها فيه ، ومن الحج بهم ومن قسم فيئهم بينهم ومن إقامة الأشياء سوى ذلك من أمور دينهم مما لا يقوم به إلا أئمتهم فقاتلاه لذلك ، وكان معه من رسول الله صلى الله عليه وسلم توقيف في ذلك أولى ممن ليس معه مثل ذلك ، وإنما معه ما يؤديه إليه تحريه واجتهاده وإنما كانا هما المفروضان عليهما فيما كانا بسبيله فقاتل كل فريق من علي رضي الله عنه ومنهما رضوان الله عليهما على ما له القتال عليه . وكان من قاتل مع كل فريق من ذينك الفريقين على ما يقاتل عليه ذلك الفريق غير ملوم على ذلك بل هو محمود عليه وكان الذي كان من أبي بكرة إلى الأحنف بن قيس لا على سبيل النهي له عما هم به ، ولكنه نبهه على أن ما يريده مما أداه اجتهاد الذي قصد إلى القتال معه إليه بغير وقوف منه على ما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى علي رضي الله عنه مما دعا الناس إليه وقاتلهم عليه مما هو فوق الاجتهاد والتحري وكان من قاتل على الاجتهاد والتحري فقد تدركه البصيرة بما يقطعه عن القتال ويوجب عليه تركه فخاف عليه أن يدركه ذلك وتقطعه الحمية التي قد دخلته بالقتال فيتمادى في قتاله فيدخل في الجنس الذي حدثه به ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . والعرب قد تستعمل هذا ومن ذلك ما قد جاء به كتاب الله عز وجل من قول أحد ابني آدم لصاحبه لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ، وقد كان له مده يده إليه ليدفعه عن نفسه لما أراد قتله ولكنه خاف أن يرجع صاحبه عما كان هم به ويتمادى هو في الدفع عن نفسه حتى يكون في ذلك تلف صاحبه بما يفعله به فخاف الله عز وجل من أجل ذلك ومثل ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم اللهم هذه قسمتي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك ، مع علمه صلى الله عليه وسلم أن الله عز وجل لا يؤاخذه بما لا يملك ، ولكن على التوقي من الزيادة فيما لا يملك حتى يدخل به فيما يملك . ومن ذلك تعليمه لحصين الخزاعي أن يكون من دعائه اغفر لي ما أخطأت وما عمدت وهو يعلم أن الله لا يؤاخذه بما أخطأ لأنه قد قال عز وجل في كتابه وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ فكان الذي كان من أبي بكرة للأحنف تنبيها منه إياه على ما هو مخوف عليه وكان انصراف الأحنف على الإشفاق منه لعلمه بنفسه وبأخلاقه التي هو عليها ، والله عز وجل نسأله التوفيق .
231 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي السَّبَبِ الَّذِي فِيهِ أُنْزِلَتْ : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ) . 1687 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ شَيْبَةَ الْبَغْدَادِيُّ ، قَالَ : حدثنا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ مُسْلِمٍ الْقُرَشِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : ( خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : إنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْكُمْ الْحَجَّ ، فَقَالَ رَجُلٌ : أَكُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : لَوْ قُلْت : نَعَمْ لَوَجَبَتْ وَمَا اسْتَطَعْتُمْ ، ثُمَّ قَالَ : ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ ؛ فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِسُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ ، فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَانْتَهُوا عَنْهُ ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ ) . 1688 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عُثْمَانَ وَأَحْمَدُ بْنُ دَاوُد بْنِ مُوسَى ، قَالَا : حدثنا يُوسُفُ بْنُ عَدِيٍّ الْكُوفِيُّ ، قَالَ : حدثنا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ ، عَنْ إبْرَاهِيمَ الْهَجَرِيِّ ، عَنْ أَبِي عِيَاضٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ : وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ . قَالَ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، كُلَّ عَامٍ ؟ فَسَكَتَ ، فَعَادَ الرَّجُلُ عَلَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، كُلُّ ذَلِكَ يَسْكُتُ عَنْهُ ، فَقَالَ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَوْ قُلْت : كُلَّ عَامٍ لَوَجَبَتْ ، وَلَوْ تَرَكْتُمُوهَا لَكَفَرْتُمْ ، ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ عز وجل : يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ . 1689 - حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُد ، قَالَ : حدثنا أَبُو زَيْدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الْغَمْرِ ، قَالَ : حدثنا مُعَاوِيَةُ بْنُ يَحْيَى أَبُو مُطِيعٍ ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَمْرٍو ، قَالَ : حَدَّثَنِي سُلَيْمُ بْنُ عَامِرٍ ، قَالَ : سَمِعْت أَبَا أُمَامَةَ الْبَاهِلِيَّ يَقُولُ : ( قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النَّاسِ ، فَقَالَ : كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْحَجُّ ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ الْأَعْرَابِ ، فَقَالَ : فِي كُلِّ عَامٍ ؟ قَالَ : فَعَلَنَ كَلَامُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَسْكَتَ وَاسْتَغْضَبَ ، فَمَكَثَ طَوِيلًا ثُمَّ تَكَلَّمَ ، فَقَالَ : مَنْ هَذَا السَّائِلُ ؟ فقَالَ الْأَعْرَابِيُّ : أَنَا ، فَقَالَ : وَيْحَكَ ، مَا يُؤْمِنُكَ أَنْ أَقُولَ : نَعَمْ ، وَاَللَّهِ لَوْ قُلْت : نَعَمْ لَوَجَبَتْ ، وَلَوْ وَجَبَتْ لَكَفَرْتُمْ ، أَلَا إنَّهُ إنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَئِمَّةُ الْحَرَجِ ، وَاَللَّهِ لَوْ أَنِّي أَحْلَلْت لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ ، وَحَرَّمْت عَلَيْكُمْ مِنْهَا مَوْضِعَ خُفِّ بَعِيرٍ لَوَقَعْتُمْ فِيهِ . قَالَ : فَأَنْزَلَ اللَّهُ عز وجل : يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ . إلَى آخِرِ الْآيَةِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَفِيمَا رَوَيْنَا أَنَّ نُزُولَ هَذِهِ الْآيَةِ كَانَ فِي السَّبَبِ الْمَذْكُورِ فِي هَذِهِ الْآثَارِ الَّتِي رَوَيْنَاهَا فِيهِ ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ سَبَبَ نُزُولِهَا كَانَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ . 1690 - كما قد حدثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ ، قَالَ : حدثنا الْفِرْيَابِيُّ ، قَالَ : حدثنا قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ ، عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : ( خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَضْبَانَ قَدْ احْمَرَّ وَجْهُهُ ، فَجَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ ، فَقَالَ : لَا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ إلَّا حَدَّثْتُكُمْ ، فَقَامَ إلَيْهِ رَجُلٌ ، فَقَالَ : أَيْنَ أَبِي ؟ فَقَالَ : فِي النَّارِ ، فَقَامَ آخَرُ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَنْ أَبِي ؟ قَالَ : أَبُوكَ أَبُو حُذَافَةَ - كَذَا قَالَ ، وَالصَّوَابُ : أَبُوكَ حُذَافَةُ - فَقَامَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، فَقَالَ : رَضِينَا بِاَللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِالْقُرْآنِ إمَامًا وَبِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَبِيًّا ، يَا رَسُولَ اللَّهِ ، كُنَّا حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ وَشِرْكٍ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مَنْ آبَاؤُنَا . قَالَ : فَسَكَنَ غَضَبُهُ وَنَزَلَتْ : يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ . 1691 - وَكَمَا قَدْ حَدَّثَنَا أَبُو أُمَيَّةَ ، قَالَ : حدثنا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ ، ( أَنَّهُمْ سَأَلُوا نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا حَتَّى أَحْفَوْهُ بِالْمَسْأَلَةِ ، فَخَرَجَ ذَاتَ يَوْمٍ فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ ، فَقَالَ : لَا تَسْأَلُونِي الْيَوْمَ - أُرَاهُ قَالَ : - عَنْ شَيْءٍ إلَّا أَنْبَأْتُكُمْ بِهِ وَأَشْفَقَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ يَدَيْ أَمْرٍ قَدْ حَضَرَ ، فَجَعَلْت لَا أَلْتَفِتُ يَمِينًا ، وَلَا شِمَالًا إلَّا وَجَدْت كُلَّ رَجُلٍ لَافًّا رَأْسَهُ فِي ثَوْبِهِ يَبْكِي ، قَالَ : فَأَنْشَأَ رَجُلٌ كَانَ يُلَاحَى فَيُدْعَى إلَى غَيْرِ أَبِيهِ ، فَقَالَ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، مَنْ أَبِي ؟ قَالَ : أَبُوكَ حُذَافَةُ ، ثُمَّ قَامَ عُمَرُ - أَوْ قَالَ : ثُمَّ أَنْشَأَ عُمَرُ - فَقَالَ : رَضِينَا بِاَللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا ، وَبِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رسولا عَائِذًا بِاَللَّهِ مِنْ شَرِّ الْفِتَنِ - أَوْ قَالَ : أَعُوذُ بِاَللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ شَرِّ الْفِتَنِ - وقَالَ : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ قَطُّ صُوِّرَتْ لِي الْجَنَّةُ وَالنَّارُ حَتَّى رَأَيْتُهُمَا دُونَ الْحَائِطِ ) . 1692 - كما قد حدثنا أَبُو أُمَيَّةَ ، قَالَ : حدثنا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ بِمِثْلِهِ . قَالَ : فَكَانَ قَتَادَةَ يَذْكُرُ هَذَا الْحَدِيثَ إذَا سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ : يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَفِي هَذِهِ الْآثَارِ أَنَّ نُزُولَ هَذِهِ الْآيَةِ كَانَ فِي الْأَسْبَابِ الْمَذْكُورَةِ فِيهَا ، فَقَالَ قَائِلٌ : هَذِهِ آثَارٌ تُضَادُّ الْآثَارَ الْأُوَلَ ، فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نُزُولُ هَذِهِ الْآيَةِ كَانَ فِي هَذَيْنِ السَّبَبَيْنِ جَمِيعًا ، وَلَا نَجِدُهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي مَوْضِعَيْنِ ، وَلَوْ كَانَتْ نَزَلَتْ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ السَّبَبَيْنِ لَكَانَتْ مَذْكُورَةً مِنْهُ فِي مَوْضِعَيْنِ ، كَمَا كَانَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ . الْآيَةَ ، مَذْكُورًا فِي مَوْضِعَيْنِ ، إذْ كَانَتْ نَزَلَتْ مَرَّتَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ أُرِيدَ بِهَا فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَوْضِعَيْنِ غَيْرُ مَنْ أُرِيدَ بِهَا فِي الْمَوْضِعِ الْآخَرِ مِنْهُمَا . فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعَوْنِهِ أَنَّهُ قَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ السُّؤَالَاتُ الْمَذْكُورَاتُ فِي هَذَيْنِ الْفَصْلَيْنِ مِنْ هَذَا الْبَابِ ، قَدْ كَانَتْ قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ ، ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بَعْدَ ذَلِكَ هَذِهِ الْآيَةَ نَهْيًا لَهُمْ ، عَنْ هَذِهِ السُّؤَالَاتِ ، وَإِعْلَامًا لَهُمْ أَنَّهُ لَا حَاجَةَ لَهُمْ فِي الْجَوَابَاتِ عَنْهَا بِحَقَائِقِ أُمُورِهَا الَّتِي أُرِيدَتْ بِهَا إذْ كَانَ ذَلِكَ مِمَّا إذَا سَمِعُوهُ سَاءَهُمْ ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ إنَّمَا يَسْتَعْلمِونَ بِهِ مَا لَا مَنْفَعَةَ لَهُمْ فِيهِ ، وَمِمَّا لَوْ جَهِلُوهُ لَمْ يَضُرَّهُمْ ، وَإِنَّمَا الْمَنْفَعَةُ بِالسُّؤَالَاتِ اسْتِعْلَامُ الْفَرَائِضِ عَلَيْهِمْ فِي دِينِهِمْ ، وَمَا يَتَقَرَّبُونَ بِهِ إلَى رَبِّهِمْ عَزَّ وَجَلَّ ، فَذَلِكَ الْعِلْمُ الَّذِي يَنْفَعُهُمْ ، وَاَلَّذِي إذَا جَهِلُوهُ ضَرَّهُمْ ، فَعَلَيْهِمْ السُّؤَالُ عَنْهُ حَتَّى يَعْلَمُوهُ . وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إنَّمَا كَرِهَ مِنْهُمْ السُّؤَالَاتِ عَنْ مَا لَا مَنْفَعَةَ لَهُمْ فِيهِ ، وَعَنْ مَا إذَا عَلَمُوهُ سَاءَهُمْ ، لَا عَنْ مَا سِوَاهُ مِنْ أُمُورِ دِينِهِمْ الَّتِي بِهِمْ الْحَاجَةُ إلَى عِلْمِهَا حَتَّى يُؤَدُّوا الْمَفْرُوضَ فِيهَا عَلَيْهِمْ وَحَتَّى يَتَقَرَّبُوا إلَى رَبِّهِمْ عَزَّ وَجَلَّ بِمَا يُقَرِّبُهُمْ إلَيْهِ مِنْهَا ، مَا قَدْ رُوِيَ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ مِمَّا قَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ . 1693 - أَنَّ يُوسُفَ بْنَ يَزِيدَ ، قَدْ حَدَّثَنَا قَالَ : حدثنا حَجَّاجُ بْنُ إبْرَاهِيمَ الْأَزْرَقُ ، قَالَ : حدثنا مُبَارَكُ بْنُ سَعِيدٍ الثَّوْرِيُّ ، قَالَ : حدثنا سَعِيدُ بْنُ مَسْرُوقٍ ، عَنْ أَيُّوبَ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مِكْرَزٍ ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ، قَالَ : ( قُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنِّي أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَك عَنْ أَمْرٍ وَيَمْنَعُنِي مَكَانُ هَذِهِ الْآيَةِ : يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ . قَالَ : مَا هُوَ يَا مُعَاذُ ؟ قُلْت : الْعَمَلُ الَّذِي يُدْخِلُ الْجَنَّةَ وَيُنْجِي مِنْ النَّارِ ، قَالَ : قَدْ سَأَلْت عَظِيمًا ، وَإِنَّهُ لَيَسِيرٌ شَهَادَةُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ وَإِقَامُ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ وَحَجُّ الْبَيْتِ وَصَوْمُ رَمَضَانَ ) . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : أَفَلَا تَرَى ، أَنَّ مُعَاذًا لَمَّا ذَكَرَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ تَمْنَعُهُ مِنْ سُؤَالِهِ إيَّاهُ عَنْ شَيْءٍ يَحْتَاجُ إلَى الْوُقُوفِ عَلَيْهِ ، فَلَمَّا وَقَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ وَعَلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْأَشْيَاءِ الَّتِي تُكْرَهُ مَعْرِفَتُهَا ، وَالْمَسْأَلَةُ عَنْهَا أَجَابَهُ عَنْهُ ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْأَشْيَاءَ الْمَنْهِيَّ عَنْ السُّؤَالِ عَنْهَا بِمَا فِي الْآيَةِ الَّتِي تَلَوْنَا ، هِيَ الْأَشْيَاءُ الَّتِي لَا دَرْكَ لَهُمْ فِي عِلْمِهَا ، وَلَا ثَوَابَ لَهُمْ فِيهَا ، وَأَنَّ الْأَشْيَاءَ الَّتِي تُوَصِّلُ إلَى الثَّوَابِ عَلَيْهَا ، وَإِلَى الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ مِنْ أَجْلِهَا لَيْسَتْ بِدَاخِلَةٍ فِي الْمُرَادِ بِهَذِهِ الْآيَةِ . وَقَدْ رُوِيَ ، عَنْ بَعْضِ الْمُتَقَدِّمِينَ فِي السَّبَبِ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ كَانَ نُزُولُ هَذِهِ الْآيَةِ خِلَافَ هَذِهِ الْمَعَانِي كُلِّهَا . 1694 - وَهُوَ مَا قَدْ حَدَّثَنَا يُونُسُ ، قَالَ : حدثنا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ - وَهُوَ ابْنُ عَمْرٍو - عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ، قَالَ : هِيَ فِي الرَّجُلِ الَّذِي سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ أَبِي ؟ قَالَ : وَأَمَّا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، فَقَالَ : هِيَ فِي الَّذِينَ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْبَحِيرَةِ وَالسَّائِبَةِ ، وَأَمَّا مِقْسَمٌ ، فَقَالَ : هِيَ فِيمَا سَأَلَتْ الْأُمَمُ أَنْبِيَاءَهُمْ مِنْ الْآيَاتِ . قَالَ : وَمَعْنَى مَا رُوِيَ فِي ذَلِكَ عَنْ عِكْرِمَةَ قَدْ وَافَقَ بَعْضَ مَا قَدْ تَقَدَّمَتْ رِوَايَتُنَا لَهُ فِي هَذَا الْبَابِ . وَأَمَّا مَا رُوِيَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، فَمَعْنَاهُ عِنْدَنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مِنْ جِنْسِ الْمَعَانِي الَّتِي رَوَيْنَاهَا فِيمَا تَقَدَّمَ مِنَّا فِي هَذَا الْبَابِ ؛ لِأَنَّ الَّذِينَ كَانُوا يَفْعَلُونَ الْأَشْيَاءَ الَّتِي كَانُوا يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهَا مِنْ تِلْكَ الْمَعَانِي ، كَانُوا أَبْنَاء السَّامِعِينَ لِلْجَوَابَاتِ عَنْهَا وَكَانَ بَعْضُ مَنْ يَحْضُرُهُ سِوَاهُمْ أَبْنَاءً لِبَعْضِ الْفَاعِلِينَ لَهَا الْمُخْبِرِ بِمَوْضِعِهِمْ مِنْهَا . 1695 - كما قد حدثنا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، قَالَ : حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ، قَالَ : حدثنا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُسَامَةَ بْنِ الْهَادِ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : ( سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : رَأَيْت عَمْرَو بْنَ عَامِرٍ الْخُزَاعِيُّ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ ) ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ سَيَّبَ السُّيَّبَ ، قَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ : وَالسَّائِبَةُ الَّتِي كَانَتْ تُسَيَّبُ فَلَا يُحْمَلُ عَلَيْهَا شَيْءٌ ، وَالْبَحِيرَةُ الَّتِي يُمْنَعُ دَرُّهَا لِلطَّوَاغِيتِ فَلَا يَحْلُبُهَا أَحَدٌ ، وَالْوَصِيلَةُ النَّاقَةُ الْبِكْرُ تُبَكِّرُ فِي أَوَّلِ نِتَاجِ الْإِبِلِ بِأُنْثَى ثُمَّ تُثَنِّي بِأُنْثَى ، فَكَانُوا يُسَمُّونَهَا لِلطَّوَاغِيتِ يَدْعُونَهَا الْوَصِيلَةَ الَّتِي وَصَلَتْ إحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى ، وَالْحَامِي فَحْلُ الْإِبِلِ يَضْرِبُ الْعَشْرَ مِنْ الْإِبِلِ ، فَإِذَا قَضَى ضِرَابَهُ يَدَعُونَهُ لِلطَّوَاغِيتِ وَأَعْفَوْهُ مِنْ الْحَمْلِ ، فَلَمْ يَحْمِلُوا عَلَيْهِ شَيْئًا وَسَمَّوْهُ الْحَامِيَ . 1696 - وَكَمَا سَمِعْت يُونُسَ يَقُولُ : حدثنا ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ مَالِكٍ ، قَالَ : وَكَانُوا يَجْعَلُونَ عَلَيْهِ رِيشَ الطَّوَاوِيسِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَكَانَ الْمُضَافَةُ إلَيْهِ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ الَّتِي كَانُوا يَسْأَلُونَ عَنْهَا قَدْ يَكُونُ جَدَّ السَّائِلِ عَنْهَا أَوْ يَكُونُ مِمَّنْ يَلْحَقُ سَمْعَهُ الْجَوَابَاتُ عَنْهَا ، فَيَسُوؤهُ ذَلِكَ ، فَدَخَلَ ذَلِكَ فِيمَا نُهُوا عَنْهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ ، وَاَللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
868 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في لباس الرجال الخفاف في الإحرام ، أمباح ذلك لهم كما يباح في الإحلال ، أو مباح لهم في حال الإعواز من النعال بعد قطعها أسفل من الكعبين ؟ . 6416 - حدثنا فهد بن سليمان ، حدثنا محمد بن سعيد بن الأصبهاني ، أخبرنا شريك بن عبد الله ، عن عاصم بن عبيد الله ، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة ، قال : سمع عمر من عبد الرحمن بن عوف الحداء ، فأتاه في بعض الليل ، فلما أصبح رأى عليه خفين ، قال : والخفان مع الغناء ؟ ! قال : لقد لبستهما مع من هو خير منك - يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أبو جعفر : ففي هذا الحديث إخبار عبد الرحمن بن عوف عُمَرَ رضي الله عنهما : أنه لبس الخفين - يعني في الإحرام - مع من هو خير منه ، يريد به رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال قائل : هذا لا حجة فيه ؛ لأنه لم يخبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قد وقف على ذلك منه ، فأمضاه له ، قال : ومثل ذلك ما قد كان رفاعة بن رافع الأنصاري ذكره لعمر رضي الله عنه في الماء من الماء ، وأنهم كانوا يجامعون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم لا يغتسلون إذا لم ينزلوا ، وقول عمر له عند ذلك : أفذكرتم ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأقركم عليه ؟ قال : لا ، فلم ير عمر ذلك شيئا . فكان جوابنا له في ذلك : أن الأمر في ذلك كما ذكر ، ولكنا قد وجدنا عن عبد الرحمن في ذلك ما يدل على وقوف رسول الله صلى الله عليه وسلم كان على ذلك منه ، وتركه النكير عليه فيه . 6417 - كما حدثنا يزيد بن سنان ، حدثنا الحسين الأشقر ، حدثنا شريك بن عبد الله ، عن عاصم بن عبيد الله ، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة ، قال : خرجت مع عمر إلى مكة ورجل معنا يرتجز ، فلما أن طلع الفجر قال له : مه ، اذكر الله قد طلع الفجر ، ثم التفت فرأى على عبد الرحمن بن عوف خفين وهو محرم ، فقال : وخف أيضا وأنت محرم ؟! فقال : فعلته مع من هو خير منك ، مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلم يعبه علي . فهذا المعنى الذي زاده في هذا الحديث على ما في الحديث الذي ذكرناه قبله قد دل أن اللباس كان من عبد الرحمن في الإحرام ، وأن الإحرام لا يمنع الناس من مثل ذلك في إحرامهم . وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك معنى آخر . 6418 - كما قد حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، حدثنا أبو عاصم ، عن ابن جريج ، عن عمرو بن دينار ، عن أبي الشعثاء قال : أخبرنا ابن عباس : أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يخطب بعرفة ، يقول : من لم يجد إزارا لبس سراويل ، ومن لم يجد نعلين لبس خفين . قلت : ولم يقل : يقطعهما ؟ قال : لا . 6419 - وكما حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، حدثنا سليمان بن حرب ، وأبو الوليد الطيالسي وكما قد حدثنا محمد بن خزيمة ، حدثنا حجاج بن منهال قالوا : حدثنا شعبة ، عن عمرو بن دينار ، قال : سمعت جابر بن زيد ، يقول : سمعت ابن عباس يقول : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم بعرفة يقول : من لم يجد إزارا ، لبس سراويل ، ومن لم يجد نعلين لبس خفين . 6420 - وكما حدثنا علي بن شيبة ، حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين قال : حدثني سفيان - يعني الثوري عن عمرو بن دينار ، عن جابر بن زيد ، عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله ، غير أنه لم يذكر عرفة . 6421 - وكما حدثنا ابن أبي داود ، حدثنا سعيد بن منصور ، أخبرنا هشيم ، أخبرنا عمرو بن دينار ، ثم ذكر بإسناده مثله . 6422 - وكما حدثنا ابن أبي داود ، حدثنا سعيد ، حدثنا حماد بن زيد ، وسفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن جابر بن زيد ، عن ابن عباس ، قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يخطب ، ثم ذكر مثله . 6423 - وكما حدثنا بكار بن قتيبة ، حدثنا إبراهيم بن بشار ، حدثنا سفيان ، عن عمرو بن دينار ، عن جابر بن زيد ، عن ابن عباس فذكر مثله ، غير أنه لم يذكر : وهو يخطب . 6424 - وكما حدثنا الحسين بن الحكم الحبري الكوفي ، حدثنا أبو غسان مالك بن إسماعيل النهدي ، حدثنا زهير بن معاوية ، أخبرنا أبو الزبير ، عن جابر قال ، : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من لم يجد نعلين فليلبس خفين ، ومن لم يجد إزارا فليلبس سراويل . فكان في هذه الآثار إباحة رسول الله صلى الله عليه وسلم لباس الخفاف للرجال في الإحرام إذا لم يجدوا النعال ، وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك معنى آخر . 6425 - كما قد حدثنا عيسى بن إبراهيم الغافقي ، حدثنا سفيان بن عيينة ، عن الزهري ، عن سالم ، عن أبيه : أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل ما يلبس المحرم ؟ فقال : لا يلبس القميص ولا العمامة ولا البرنس ، ولا السراويل ولا خفين إلا أن يجد نعلين ، فإن لم يجد نعلين فليقطعهما حتى أسفل من الكعبين . 6426 - وحدثنا يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب : أن مالكا حدثه ، عن نافع ، عن ابن عمر : أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم ما نلبس من الثياب إذا أحرمنا ؟ فقال : لا تلبسوا السراويلات ، ولا العمائم ، ولا البرانس ، ولا الخفاف إلا أن يكون أحد ليست له نعلان ، فليلبس خفين أسفل من الكعبين . 6427 - وكما حدثنا محمد بن خزيمة ، حدثنا حجاج بن منهال ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، مثله . 6428 - وكما حدثنا يونس بن عبد الأعلى ، أخبرنا ابن وهب : أن مالكا حدثه ، عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، مثله . 6429 - وكما حدثنا محمد بن خزيمة ، حدثنا حجاج بن منهال ، حدثنا عبد العزيز بن مسلم ، عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، مثله . 6430 - وكما حدثنا محمد بن خزيمة ، حدثنا حجاج بن منهال ، حدثنا شعبة ، أخبرني عبد الله بن دينار : أنه سمع عبد الله بن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه قال : من لم يجد نعلين فليلبس خفين وليقطعهما من عند الكعبين . قال أبو جعفر : ففي هذه الآثار : أن من لم يجد نعلين من المحرمين من الرجال كان له أن يلبس الخفين بعد أن يقطعهما أسفل من الكعبين . فقال قائل : هذه معان متضادة ، قد رويتم كل معنى منها بالآثار التي رويتموه بها ، فهل تجدون وجها تحملونها عليه حتى ينتفي عنهما هذا التضاد ؟ فكان جوابنا له في ذلك : أن الوجه الذي وجدناه يصح عليه وهو أولى الوجوه بها عندنا - والله أعلم - أن يكون كان حكم لباس الخفاف في الإحرام للرجال مباحا عند وجود النعال وعند عدمها في الإحرام ، كما في حديث عبد الرحمن بن عوف الذي بدأنا بذكره في هذا الباب . ثم نسخ ذلك ، فمنعوا من لبسها في حال وجود النعال ، وأبيح لهم لبسها في حال عدم النعال ، على ما في حديثي ابن عباس وجابر اللذين ثنينا بذكرهما في هذا الباب ، ثم نسخ ذلك ، فأبيح لبسهما في الإحرام في حال عدم النعال بعد أن تقطع أسفل من الكعبين على ما في حديث ابن عمر الذي ثلثنا بروايته في هذا الباب ، وهذا باب من الفقه قد اختلف أهله فيه بعد إجماعهم على نسخ ما في حديث عبد الرحمن الذي بدأنا بذكره في هذا الباب ، فقالت طائفة منهم بما في حديثي ابن عباس وجابر اللذين ثنينا بذكرهما ، وممن قال ذلك منهم : الشافعي ، وقد رواه بعض الناس عن الثوري ، وقالت طائفة منهم بما في حديث ابن عمر الذي ثلثنا بذكره في هذا الباب ، وممن قال ذلك منهم : أبو حنيفة ، ومالك بن أنس وأصحابهما ، وكان وجه ذلك في النظر أنهم لما وجدوا لباس الخفاف لواجدي النعال في الإحرام ممنوعا منه ، نظر كيف حكمه عند عدم النعال ، فوجدت الأشياء الممنوع منها في الإحرام في غير أحوال الضرورات منها : لباس القميص وحلق الشعر ، وكان من اضطر إلى ذلك ، فحلق شعره من أذى ، أو لبس قميصه من أذى لم تسقط الضرورة عنه الكفارة التي كانت تكون عليه لو كانت منه تلك الأشياء في غير حال الضرورة ، فعلقوا بذلك : أن الضرورات التي توجب الإباحات للأشياء المحظورات في غير حال الضرورات ، إنما ترفع الآثام لا ما سواها ، فكان مثل ذلك أيضا الضرورة إلى لباس الخفاف إذا عدمت النعال ، وأبيح بذلك لبسها في الإحرام أن ترفع الآثام ، ولا ترفع الكفارات الواجبات فيها في غير حال الضرورات ، فهذا هو القول الذي يوجبه النظر في هذا الباب عندنا ، والله نسأله التوفيق . وفي حديث ابن عمر الذي قد رويناه في هذا الباب أن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ولا الخفاف إلا أن يكون أحد ليست له نعلان فليلبس خفين أسفل من الكعبين ، كان ذلك منه قبل دخوله في الحج لأن فيه أن رجلا قال : يا رسول الله ما نلبس من الثياب إذا أحرمنا ؟ . 6431 - كذلك حدثناه يزيد بن سنان ، حدثنا يزيد بن هارون ، عن يحيى بن سعيد ، عن عمر بن نافع ، عن أبيه ، عن ابن عمر : أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم ما نلبس من الثياب إذا أحرمنا ؟ ثم ذكر الحديث . 6432 - وكذلك حدثنا جعفر بن محمد الفريابي ، عن عثمان بن أبي شيبة ، حدثنا عبدة ، وعبد الله بن نمير ، عن عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر بهذه الألفاظ أيضا . 6433 - وكذلك حدثنا أحمد بن شعيب ، حدثنا أبو الأشعث ، حدثنا يزيد بن زريع ، عن أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر بهذه الألفاظ أيضا ، فكان منه صلى الله عليه وسلم جوابا له ما في حديثه هذا ، وكان ما في حديث ابن عباس الذي ذكره عنه كما ذكرناه عنه في هذا الباب كان منه بعرفة وهو يخطب الناس بها ، فاحتمل أن يكون كان ذلك منه صلى الله عليه وسلم مطلقا بلا وصف منه للخفاف بما وصفها به في حديث ابن عمر الخفاف لعلمه أنهم قد علموا بما كان منه في حديث ابن عمر الخفاف التي أطلق لبسها في الإحرام ، أي خفاف هي ؟ فغني بذلك عن وصفها لهم في خطبته عليهم بذلك بعرفة ، وكان ذلك مثل قوله عز وجل في آية الدين في وصف الشهود بالرضا في الشهادة ، بقوله : مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ ، ثم ذكر الشهداء في آي سوى هذه الآية في كتابه ، منها قوله عز وجل : لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فلم يصفهم بما وصفهم بمثله في آية الدين ، لأن الذي وصفهم به في آية الدين يغني عن ذلك ، ويعقلون به أن الشهود المذكورين في هذه الآية هم الشهود المذكورون في آية الدين ، فكان مثل ذلك الخفاف المذكورة في حديث ابن عباس المطلقة بلا وصف ، هي الخفاف الموصوفة في حديث ابن عمر بما وصف به فيه ، وغني بذلك عن وصفها في حديث ابن عباس ، وكان حديث جابر إن كان عن خطبة النبي صلى الله عليه وسلم بعرفة ، كان الكلام فيه كالكلام في حديث ابن عباس ، وكان ذلك أولى ما حمل عليه ليوافق حديث ابن عمر ولا يخالفه وبالله التوفيق.
232 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَوْلِهِ : ( لَا تَقُولُوا لِلْعِنَبِ : الْكَرْمُ ، وَلَكِنْ قُولُوا : حَدَائِقُ الْأَعْنَابِ ) . 1697 - حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمُرَادِيُّ ، قَالَ : حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( لَا تَقُولُوا : الْكَرْمُ ، فَإِنَّمَا الْكَرْمُ الرَّجُلُ الْمُسْلِمُ ، وَلَكِنْ قُولُوا : حَدَائِقُ الْأَعْنَابِ ) . 1698 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ ، قَالَ : حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَكْرٍ السَّهْمِيُّ ، قَالَ : حدثنا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( لَا تُسَمُّوا الْعِنَبَ الْكَرْمَ ؛ فَإِنَّمَا الْكَرْمُ الْمُؤْمِنُ ، وَلَكِنْ قُولُوا : الْحَبَلَةُ ) 1699 - حَدَّثَنَا فَهْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، قَالَ : حدثنا عَاصِمُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَاصِمٍ ، قَالَ : حدثنا شُعْبَةُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : ( لَا تَقُولُوا : الْكَرْمُ لِلْعِنَبِ ، وَلَكِنْ قُولُوا : الْحَبَلَةُ ، أَوْ : الْحَبَلُ ) . فَقَالَ قَائِلٌ : كَيْفَ تَقْبَلُونَ هَذَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَدْ رَوَيْتُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 1700 - فَذَكَرَ مَا قَدْ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ وَفَهْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، قَالَا : حدثنا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ، قَالَ : حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ الطَّائِفِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا صَدَقَةَ فِي شَيْءٍ مِنْ الزَّرْعِ أَوْ النَّخْلِ أَوْ الْكَرْمِ حَتَّى تَكُونَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ ، وَلَا فِي الْوَرِقِ حَتَّى يَبْلُغَ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ ) . قَالَ : فَفِي هَذَا ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدَائِقَ الْأَعْنَابِ بِالْكَرْمِ ، فَكَيْفَ يَجُوزُ لَكُمْ أَنْ تَقْبَلُوا عَنْهُ أَنَّهُ قَدْ قَالَ : مَا نَهَى أَنْ يُقَالَ ؟ فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعَوْنِهِ ، أَنَّهُ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْقَوْلُ كَانَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ تَسْمِيَةِ الْحَدَائِقِ الْكَرْمَ ، كَانَ قَبْلَ أَنْ يَنْهَى عَمَّا نَهَى عَنْهُ فِي الْآثَارِ الْأُخَرِ ، ثُمَّ نَهَى عَمَّا نَهَى عَنْهُ فِي الْآثَارِ الْأُخَرِ ، فَعَادَ الْحُكْمُ إلَى مَا فِي الْآثَارِ الْأُخَرِ ؛ لِأَنَّ الْأَشْيَاءَ مَا لَمْ يُنْهَ عَنْهَا كَانَتْ طَلْقًا مِنْ الْأَقْوَالِ وَمِنْ الْأَفْعَالِ ، فَإِذَا نُهِيَ عَنْهَا عَادَتْ إلَى الْحَظْرِ وَإِلَى الْمَنْعِ مِنْ فِعْلِهَا وَمِنْ قَوْلِهَا ، وَقَدْ وَجَدْنَا كِتَابَ اللَّهِ قَدْ جَاءَ بِتَسْمِيَةِ الْأَعْنَابِ بِالِاسْمِ الَّذِي فِي آثَارِ النَّهْيِ ، وَهِيَ قَوْلُهُ جَلَّ وَعزَّ : وَحَدَائِقَ غُلْبًا ، وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
636 - باب بيان مشكل ما روي في نوم علي رضي الله عنه في مكان النبي صلى الله عليه وسلم ولبوسه برده في الليلة التي خرج فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة يريد دار الهجرة . 4711 - حدثنا أحمد بن شعيب قال : أنبأنا محمد بن المثنى ، قال : حدثني يحيى بن حماد ، قال : حدثنا الوضاح - وهو أبو عوانة قال : حدثنا أبو بلج - وهو يحيى بن أبي سليم - قال : حدثنا عمرو بن ميمون قال : إني لجالس إلى ابن عباس إذ أتاه تسعة رهط ، فسألوه عن علي رضي الله عنه ، فقال : كان أول من أسلم من الناس بعد خديجة رضي الله عنها ، ولبس ثوب النبي صلى الله عليه وسلم ونام ، فجعل المشركون يرمون كما يرمون رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهم يحسبون أنه نبي الله صلى الله عليه وسلم ، فجاء أبو بكر رضي الله عنه فقال : يا نبي الله ، فقال علي رضي الله عنه : إن نبي الله صلى الله عليه وسلم قد ذهب نحو بئر ميمون فاتبعه ، فدخل معه الغار ، وكان المشركون يرمون عليا رضي الله عنه حتى أصبح . فتأملنا هذا الحديث فوجدنا فيه لبوس علي رضي الله عنه ثوب النبي صلى الله عليه وسلم ونومه وهو عليه ، وما كان من المشركين إليه وهم يرونه النبي صلى الله عليه وسلم ، ومن احتماله لذلك ، ودوامه عليه ، فاحتمل أن ذلك من أمر النبي صلى الله عليه وسلم - كان - إياه بذلك ، واحتمل أن يكون كان بفعله إياه ذلك لا بأمر كان من النبي صلى الله عليه وسلم إياه به ليكون ذلك سببا لبعد النبي صلى الله عليه وسلم من مكة ، ولتقصير المشركين عن إدراكهم إياه ، فنظرنا في ذلك هل نجد شيئا يدلنا على حقيقة الأمر كان فيه . 4712 - فوجدنا فهد بن سليمان قد حدثنا ، قال : حدثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني ، قال : حدثنا أبو عوانة ، عن أبي بلج ، عن عمرو بن ميمون ، عن ابن عباس قال : قال لي علي رضي الله عنه لما انطلق - يعني - النبي صلى الله عليه وسلم ، فأقامه النبي صلى الله عليه وسلم في مكانه ، وألبسه برده ، فجاءت قريش يريدون أن يقتلوا النبي صلى الله عليه وسلم ، فجعلوا يرمون عليا وهم يرون أنه النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد ألبسه برده ، فجعل علي رضي الله عنه يتضور ، فنظروا فإذا هو علي رضي الله عنه فقالوا : إنه ليألم ، لو كان صاحبكم لم يتضور ، لقد استنكرنا ذلك . فعقلنا لما في هذا الحديث أن لبوس علي رضي الله عنه قميص النبي صلى الله عليه وسلم ونومه في مكانه كانا بفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك به ، وأن أبا بكر رضي الله عنه قد ظن برؤيته عليا رضي الله عنه حيث رآه أنه النبي صلى الله عليه وسلم حتى قال له علي رضي الله عنه ما قال له من إعلامه إياه بالمكان الذي قصد إليه النبي صلى الله عليه وسلم ، وأن ذلك لا يكون من علي إلا بأمر النبي صلى الله عليه وسلم إياه به ، وإعلامه أبا بكر رضي الله عنه إياه ليلحق به إلى المكان الذي قصد إليه ، وانقطع ما كان من علي رضي الله عنه بعد ذلك ، وتفرد أبو بكر بالصحبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، والدخول في الخوف الذي كان فيه ، واحتمال الجهد الذي كانا صارا إليه ، وكان الذي كان من علي رضي الله عنه مما ذكرناه عنه إنما كان بعض ليلة ، وكان الذي كان من أبي بكر رضي الله عنه كان على ما في حديث عائشة الذي ذكرناه في الباب الذي قبل هذا الباب ثلاث ليال وفي حديث طلحة بضع عشرة ليلة والبضع من الثلاث إلى العشر فكان جملة ذلك ست عشرة ليلة أو أكثر منها ، كان أبو بكر فيها على ما كان عليه من صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن وقايته إياه بنفسه ومن الخوف والجهد الذي كانا عليه فيها حتى قدما دار الهجرة ، فاختص الله عز وجل أبا بكر رضي الله عنه لذلك بالذكر في كتابه مع رسوله صلى الله عليه وسلم وأفرده بذلك دون سائر أصحابه وأعلمهم عز وجل أنه قد كان في تلك المدة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم مع أبي بكر رضوان الله عليه ، والله عز وجل نسأله التوفيق .
233 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ ( عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي التَّقْلِيسِ فِي الْأَعْيَادِ ) . 1701 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ الْحَارِثِ الْأَزْدِيُّ الْبَاغَنْدِيُّ ، قَالَ : حدثنا أَبُو نُعَيْمٍ ، قَالَ : حدثنا شَرِيكٌ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ عَامِرٍ ، عَنْ ( قَيْسِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ ، قَالَ : شَهِدْت عِيدًا بِالْأَنْبَارِ ، فَقُلْت لَهُمْ : مَا لِي لَا أَرَاكُمْ تُقَلِّسُونَ كَمَا كَانُوا يُقَلِّسُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ ) 1702 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْهَرَوِيُّ ، قَالَ : حدثنا آدَم بْنُ أَبِي إيَاسٍ ، قَالَ : حدثنا شَيْبَانُ وَإِسْرَائِيلُ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ عَامِرٍ ، عَنْ ( قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ ، قَالَ : مَا كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْءٌ إلَّا قَدْ رَأَيْتُهُ يُعْمَلُ بَعْدَهُ إلَّا شَيْئًا وَاحِدًا ، فَإِنَّهُ كَانَ يُقَلَّسُ يَوْمَ الْفِطْرِ ، يَعْنِي يُلْعَبُ ) . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَكَانَ مَا رَوَيْنَا مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ إنَّمَا يَرْجِعُ إلَى جَابِرِ بْنِ يَزِيدَ الْجُعْفِيِّ مُطْلَقًا لَا يُذْكَرُ سَمَاعٌ لَهُ إيَّاهُ ، عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ ، وَمَا لَمْ يَكُنْ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ مَذْكُورًا فِيهِ سَمَاعُهُ إيَّاهُ مِمَّنْ يُحَدِّثُ بِهِ عَنْهُ ، وَمَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ فَلَيْسَ بِالْقَوِيِّ عِنْدَ مَنْ يَمِيلُ إلَيْهِ ، فَكَيْفَ عِنْدَ مَنْ يَنْحَرِفُ عَنْهُ ، وَذَلِكَ أَنِّي سَمِعْت فَهْدَ بْنَ سُلَيْمَانَ يَقُولُ : سَمِعْت أَبَا نُعَيْمٍ يَقُولُ : قَالَ سُفْيَانُ : كُلُّ مَا قَالَ لَك فِيهِ جَابِرٌ : سَمِعْتُ أَوْ حَدَّثَنِي أَوْ أَخْبَرَنِي فَاشْدُدْ بِهِ يَدَيْك ، وَمَا كَانَ سِوَى ذَلِكَ فَفِيهِ مَا فِيهِ . 1703 - وقد حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُد ، قَالَ : حدثنا يُوسُفُ بْنُ عَدِيٍّ الْكُوفِيُّ ، عَنْ شَرِيكٍ ، عَنْ مُغِيرَةَ ، عَنْ عَامِرٍ ، عَنْ ( عِيَاضٍ الْأَشْعَرِيِّ ، قَالَ : شَهِدْت عِيدًا بِالْأَنْبَارِ ، فَقُلْت : مَا لِي لَا أَرَاكُمْ تُقَلِّسُونَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُهُ ) . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ رَدُّ الشَّعْبِيِّ إيَّاهُ إلَى عِيَاضٍ الْأَشْعَرِيِّ ، وَعِيَاضٌ هَذَا رَجُلٌ مِنْ التَّابِعِينَ ، فَعَادَ الْحَدِيثُ بِهِ إلَى أَنْ صَارَ مُنْقَطِعًا ، وَكَانَ أَوْلَى مِمَّا رَوَيْنَاهُ قَبْلَهُ فِي هَذَا الْبَابِ ؛ لِأَنَّ مُغِيرَةَ عَنْ الشَّعْبِيِّ أَثْبَتُ مِنْ جَابِرٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ ، وَإِنْ كَانَ الشَّعْبِيُّ قَدْ حَدَّثَ عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ بِغَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ . 1704 - كَمَا حَدَّثَنَا الْبَاغَنْدِيُّ ، قَالَ : حدثنا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ الْوَاسِطِيُّ ، قَالَ : حدثنا إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ الْأَزْرَقُ ، قَالَ : حدثنا شَرِيكٌ ، عَنْ حُصَيْنٍ ، عَنْ عَامِرٍ ، ( عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ ، قَالَ : أَتَيْت الْحِيرَةَ ، قَالَ : فَرَأَيْتهمْ يَسْجُدُونَ لِمَرْزُبَانٍ لَهُمْ ، وَسَقَطَ كَلَامٌ ، وَهُوَ : فَلَمَّا قَدِمْت عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنِّي أَتَيْتُ الْحِيرَةَ ، فَرَأَيْتهمْ يَسْجُدُونَ لِمَرْزُبَانٍ لَهُمْ ، فَقُلْت رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَحَقُّ أَنْ نَسْجُدَ لَهُ ، فَقَالَ : النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَوْ أَمَرْت شَيْئًا أَنْ يَسْجُدَ لِشَيْءٍ لَأَمَرْت النِّسَاءَ أَنْ يَسْجُدْنَ لِأَزْوَاجِهِنَّ ) . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَقَيْسُ بْنُ سَعْدٍ مُتَأَخِّرُ الْوَفَاةِ ، لَيْسَ بِمُسْتَنْكَرٍ لُقِيُّ الشَّعْبِيِّ إيَّاهُ . ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ صَاحِبُ الْوَاقِدِيِّ فِي كِتَابِهِ فِي الطَّبَقَاتِ ، قَالَ : وَقَيْسُ بْنُ سَعْدٍ تُوُفِّيَ بِالْمَدِينَةِ فِي آخِرِ خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ . وَأَمَّا التَّقْلِيسُ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي هَذَا الْبَابِ فَلَا اخْتِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ اللُّغَةِ وَبَيْنَ مَنْ سِوَاهُمْ مِمَّنْ يُؤْخَذُ مِثْلُ هَذَا عَنْهُ أَنَّهُ اللَّعِبُ وَاللَّهْوُ اللَّذَانِ لَيْسَا بِمَكْرُوهَيْنِ ، كَمَثَلِ مَا أُطْلِقَ فِي الْأَعْرَاسِ مِنْهُمَا ، وَإِنْ كَانَ مَا يُفْعَلُ فِي الْأَعْيَادِ وَفِي الْأَعْرَاسِ مِنْهُمَا مُخْتَلِفَيْنِ ، وَذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ إنَّمَا هُوَ لِيَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابَيْنِ أَنَّ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ سَمَاحَةً . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : كَيْفَ تَقْبَلُونَ هَذَا وَقَدْ رَوَيْتُمْ عَنْ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يُخَالِفُهُ ؟ فَذَكَرَ . 1705 - مَا قَدْ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ ، قَالَ : حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَكْرٍ السَّهْمِيُّ ، عَنْ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ : ( قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ وَلَهُمْ يَوْمَانِ يَلْعَبُونَ فِيهِمَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، فَقَالَ : إنَّ اللَّهَ قَدْ أَبْدَلَكُمْ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا : يَوْمُ الْفِطْرِ ، وَيَوْمُ الْأَضْحَى ) . 1706 - وَكَمَا حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ شَيْبَةَ ، قَالَ : حدثنا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، قَالَ : حدثنا حُمَيْدٌ ، عَنْ أَنَسٍ ، عَنْ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ مِثْلَهُ . قِيلَ لَهُ : مَا فِي هَذَا مَا يُخَالِفُ مَا ذَكَرْنَاهُ قَبْلَهُ ؛ لِأَنَّ الَّذِي أَخْبَرَهُمْ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، إنَّمَا هُوَ إبْدَالُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إيَّاهُمْ بِالْيَوْمَيْنِ اللَّذَيْنِ كَانُوا يَلْعَبُونَ فِيهِمَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ : يَوْمَ الْفِطْرِ وَيَوْمَ النَّحْرِ . وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ - يَعْنِي - أَرَادَ بِذَلِكَ مِنْهُمْ أَنْ يَجْعَلُوا فِيهِمَا مِنْ اللَّعِبِ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَهُ فِي ذَيْنِكَ الْيَوْمَيْنِ مِنْ اللَّعِبِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، وَذَلِكَ عِنْدَنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ عَلَى اللَّعِبِ الْمُبَاحِ مِثْلُهُ لَا عَلَى اللَّعِبِ الْمَحْظُورِ مِثْلُهُ كَمَا قَدْ أُبِيحَ لَهُمْ فِي أَعْرَاسِهِمْ اللَّعِبُ الَّذِي أُبِيحَ لَهُمْ فِيهَا . 1707 - كما قد حدثنا أَبُو أُمَيَّةَ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُد ، جَمِيعًا قَالَا : حدثنا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ الْوُحَاظِيُّ ، قَالَ : حدثنا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرٍ ، قَالَ : ( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ قَائِمًا ، ثُمَّ يَجْلِسُ ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ قَائِمًا خُطْبَتَيْنِ ، فَكَانَ الْجَوَارِي إذَا نُكِحُوا يَمُرُّونَ بِالْكَبَرِ وَالْمَزَامِيرِ ، فَيَشْتَدُّ النَّاسُ وَيَدَعُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَائِمًا ، فَعَاتَبَهُمْ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ، فَقَالَ : وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا . الْآيَةَ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : أَفَلَا تَرَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَنْهَهُمْ عَنْ اللَّهْوِ الَّذِي قَدْ أَبَاحَ مِثْلَهُ فِيمَا كَانَ ذَلِكَ اللَّهْوُ مِنْهُمْ فِيهِ ، وَكَذَلِكَ اللَّعِبُ الَّذِي قَدْ أَبَاحَهُ فِي الْأَعْيَادِ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي مِثْلِهِ مِنْ اللَّهْوِ الَّذِي قَدْ نَهَاهُمْ عَنْهُ فِي غَيْرِ الْأَعْيَادِ ، فَبَانَ بِحَمْدِ اللَّهِ وَنِعْمَتِهِ أَنْ لَا تَضَادَّ فِي شَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْآثَارِ فِي هَذَا الْبَابِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
869 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الماء الذي يمر على الأرضين ، ويكون مروره على بعضها قبل بعض كيف الحكم فيه ؟ وفيما يحبسه أهلها حتى يبلغ منها ما يبلغ ، ثم يرسلونه بعد ذلك ؟ . 6434 - حدثنا يونس ، أخبرنا ابن وهب ، أخبرني يونس بن يزيد ، والليث بن سعد ، عن ابن شهاب ، أن عروة بن الزبير حدثه ، عن الزبير بن العوام : أنه خاصم رجلا من الأنصار قد شهد بدرا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في شراج من الحرة كانا يسقيان به كلاهما النخل ، فقال للأنصاري : سرح الماء يمر ، فأبى عليه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اسق يا زبير ، ثم أرسل الماء إلى أخيك أو إلى جارك ، فغضب الأنصاري ، وقال : يا رسول الله ، أن كان ابن عمتك ، فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم قال : يا زبير اسق ، ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر . واستوعى رسول الله صلى الله عليه وسلم للزبير حقه ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ذلك أشار على الزبير برأي أراد فيه السعة له وللأنصاري ، فلما أحفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم الأنصاري استوعى للزبير حقه في صريح الحكم . قال : فقال الزبير : ما أحسب هذه الآية أنزلت إلا في ذلك : فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ، أحدهما يزيد على صاحبه في القصة ، قال لنا يونس : قال لنا ابن وهب : الجدر : الأصل . 6435 - وحدثنا إبراهيم بن مرزوق ، حدثنا بشر بن عمر الزهراني ، عن الليث بن سعد ، وحدثنا الربيع بن سليمان المرادي ، حدثنا أسد بن موسى ، حدثنا الليث ، ثم اجتمعا فقال إبراهيم : سمعت ابن شهاب ، وقال الربيع : حدثني ابن شهاب ثم ذكر بقية الحديث . فكان في هذا الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما استوعى للزبير حقه في صريح الحكم ، أمره بحبس الماء حتى يرجع إلى الجدر ، ثم يرسله إلى جاره ، فقال قائل : فقد رويتم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قضائه في وادي مهزور ما يخالف ذلك . 6436 - فذكر ما قد حدثنا أحمد بن الحسن بن القاسم الكوفي ، حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة . وما قد حدثنا محمد بن علي بن زيد المكي ، حدثنا الحسن بن علي الحلواني ، حدثنا يحيى بن آدم ، حدثنا يزيد بن عبد العزيز ، ثم اجتمعا ، فقالا : عن محمد بن إسحاق ، عن أبي مالك بن ثعلبة ، قال محمد بن علي في حديثه : ابن أبي مالك ، ثم اجتمعا فقالا : عن أبيه قال : اختصم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في مهزور وادي بني قريظة ، فقضى أن الماء إلى الكعبين ، لا يحبس الأعلى على الأسفل ، فكان في هذا الحديث قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الماء يحبسه إلى الجدر وهذان يختلفان . فكان جوابنا له في ذلك ، أنه قد يحتمل أن يكون كان مقدار ما يبلغ الكعبين من الماء مثل الذي يبلغ الجدر منه ، فكان ذلك المعنى مما قد يجوز أن يذكر ببلوغ الماء إلى الكعبين ، ومما قد يجوز أن يذكر ببلوغه الجدر ، فذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة بهذا ، ومرة بهذا ، وهذا أولى ما حمل عليه ما يروى عنه من هذا ومن غيره ، لا على ما معه التضاد والتنافي ، والله الموفق .
234 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَوْلِهِ : إنَّ أَعْظَمَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمُسْلِمِينَ جُرْمًا مَنْ سَأَلَ عَنْ أَمْرٍ لَمْ يَكُنْ حَرَامًا فَحُرِّمَ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ . 1708 - حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، قَالَ : حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ ، أَنَّهُ سَمِعَ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إنَّ أَعْظَمَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمُسْلِمِينَ جُرْمًا مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يَكُنْ حَرَامًا فَحُرِّمَ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ ) . 1709 - حَدَّثَنَا أَبُو أُمَيَّةَ ، قَالَ : حدثنا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُد الْهَاشِمِيُّ ، قَالَ : حدثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ، قَالَ : حدثنا ابْنُ شِهَابٍ ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ . فَتَأَمَّلْنَا هَذَا الْحَدِيثَ لِنَقِفَ عَلَى الْمُرَادِ بِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ ، فَوَجَدْنَا مَنْ كَانَ يَسْأَلُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ شَيْءٍ ، فَإِنَّمَا كَانَ يَطْلُبُ الْجَوَابَ مِنْ اللَّهِ فِيهِ ؛ لِأَنَّ الَّذِي كَانَ يُجِيبُهُمْ عَنْهُ بِهِ إنَّمَا هُوَ الَّذِي يُوحِيهِ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إلَيْهِ ، وَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِ : وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ فَأَمَرَهُ عَزَّ وَجَلَّ بِالِانْتِظَارِ لِمَا يَنْزِلُ عَلَيْهِ مِنْ أَحْكَامِهِ حَتَّى يُنْزِلَهُ عَلَيْهِ . وَمَا نَهَاهُ عَنْهُ مِنْ ذَلِكَ كَانَتْ أُمَّتُهُ مَنْهِيَّةً عَنْهُ ، وَإِنْ كَانَ قَدْ يَكُونُ مَا يَأْتِيهِ مِنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ جَوَابًا عَمَّا يُسْأَلُ عَنْهُ ، قَدْ يَكُونُ غَيْرَ قُرْآنٍ ، فَإِنَّهُ فِي مَعْنَى الْقُرْآنِ أَيْضًا ، وَكَانَ فِيمَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ : مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ، وَكَانَ الْقُرْآنُ يُنَزَّلُ بَعْدَ ذَلِكَ كَمَا كَانَ يُنَزَّلُ قَبْلَهُ فَعَقَلْنَا بِذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ عز وجل : مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ بِمَعْنَى مَا نُفَرِّطُ فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مَا كَانَ مِنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ قَوْلُهُ : اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانَ شِفَاءٍ ، فَنَزَلَتْ : يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ . الْآيَةَ ، فَقَالَ : عُمَرُ اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانَ شِفَاءٍ ، فَنَزَلَتْ : يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ ، فَدُعِيَ عُمَرُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ ، فَقَالَ : اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانَ شِفَاءٍ ، فَنَزَلَتْ : يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ ) إلَى قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ، فَدُعِيَ عُمَرُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ ، فَقَالَ : انْتَهَيْنَا انْتَهَيْنَا 1710 - حَدَّثَنَاهُ الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمُرَادِيُّ وَيُوسُفُ بْنُ يَزِيدَ ، قَالَا : حدثنا أَسَدُ بْنُ مُوسَى ، قَالَ : حدثنا إسْرَائِيلُ بْنُ يُونُسَ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ ، وَهُوَ أَبُو مَيْسَرَةَ ، عَنْ عُمَرَ ثُمَّ ذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ ، وَكَانَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ، يُرِيدُ بِهِ السُّؤَالَ عَنْ مِثْلِ هَذَا ، حَتَّى يَكُونَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يُنَزِّلُهُ عَلَى رَسُولِهِ ابْتِدَاءً ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَ الَّذِي هُوَ فِيهِ لَا يُفَرَّطُ فِيهِ حَتَّى يُجْمَعَ فِيهِ الْأَشْيَاءُ كُلُّهَا ، وَلَمَّا كَانَ السُّؤَالُ عَمَّا ذَكَرْنَا قَدْ مُنِعَ مِنْهُ النَّاسُ كَانَ مَنْ سَأَلَ عَنْهُ مِنْهُمْ ظَالِمًا لِنَفْسِهِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ سُؤَالُهُ ذَلِكَ أَمْرَ اللَّهِ ، يَعْنِي الَّذِي لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَقَدَّمَهُ ، وَكَانَ جَلَّ وَعَزَّ قَدْ ذَكَرَ فِيمَا عَاقَبَ بِهِ الْيَهُودَ بِظُلْمِهِمْ قَوْلَهُ عَزَّ وَجَلَّ : فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ . الْآيَةَ ، فَكَانَ مَنْ عَادَ سُؤَالُهُ ظَالِمًا غَيْرَ مَأْمُونٍ عَلَيْهِ أَنْ يَحْرُمَ عَلَيْهِ بِظُلْمِهِ ذَلِكَ مَا قَدْ كَانَ حَلَالًا لَهُ ؛ لِأَنَّ الْأَشْيَاءَ كُلَّهَا عَلَى طَلْقِهَا وَعَلَى حِلِّهَا حَتَّى يُحْدِثَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهَا التَّحْرِيمَ فَتَعُودَ حَرَامًا ، وَإِذَا عَادَ ذَلِكَ الَّذِي سَأَلَ عَنْهُ السَّائِلُ الَّذِي ذَكَرْنَا حَرَامًا مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ عَلَيْهِ عَادَ حَرَامًا عَلَى النَّاسِ جَمِيعًا ، فَكَانَ فِي ذَلِكَ عَظِيمَ الْجُرْمِ فِيهِمْ ، وَلَمْ نَجِدْ لِتَأْوِيلِ هَذَا الْحَدِيثِ مَعْنًى هُوَ أَوْلَى بِهِ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِيهِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِمُرَادِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ بِهِ فِيهِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : فَهَلْ تَدْخُلُ سُؤَالَاتُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الْمَذْكُورَاتُ فِي حَدِيثِ أَبِي مَيْسَرَةَ عَنْهُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ عز وجل جَوَابَاتٍ لَهَا مَا أَنْزَلَ مِنْ الْآيِ الْمَذْكُورَاتِ فِي ذَلِكَ الْحَدِيثِ فِي قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ سَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : ( أَعْظَمُ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمُسْلِمِينَ جُرْمًا مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يَكُنْ مُحَرَّمًا فَحُرِّمَ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ ) . قِيلَ لَهُ : لَيْسَ بِدَاخِلٍ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِنْ حَدِيثِ سَعْدٍ هَذَا ؛ لِأَنَّ حَدِيثَ سَعْدٍ إنَّمَا هُوَ فِيمَنْ سَأَلَ عَنْ مَا كَانَ حَلَالًا ، فَحُرِّمَ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ وَعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي حَدِيثِ أَبِي مَيْسَرَةَ الَّذِي ذَكَرْنَا إنَّمَا سَأَلَ ، عَنْ شَيْءٍ قَدْ تَقَدَّمَ تَحْرِيمُ اللَّهِ لَهُ قَبْلَ ذَلِكَ ، أَلَا تَرَاهُ يَقُولُ فِيهِ : لَمَّا نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ ، قَالَ : عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانَ شِفَاءٍ ، وَذَلِكَ مِنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِهِ مَا بَيَّنَّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ جَوَابًا لَهُ فِي أَعْلَامِ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَانَ عِظَمُ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ فِي قُلُوبِهِمْ لِجَلَالَةِ مِقْدَارِهَا كَانَ عِنْدَهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ ، أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إنَّمَا حَرَّمَهَا عَلَيْهِمْ لِمَا لَهُمْ مِنْ ذَلِكَ مِنْ الصَّلَاحِ ؛ لِأَنَّهَا رِجْسٌ ؛ وَلِأَنَّ فِيهَا إثْمًا كَبِيرًا ؛ وَلِأَنَّهَا تَمْنَعُ مِنْ الصَّلَاةِ أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ قَدْ كَانَ مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ يُنَادِي : لَا يَحْضُرَنَّ الصَّلَاةَ سَكْرَانُ 1711 - حَدَّثَنَاهُ عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ ، قَالَ : حدثنا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ السَّلُولِيُّ ، قَالَ : حدثنا إسْرَائِيلُ بْنُ يُونُسَ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ ، عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : ( سَمِعْت مُنَادِيَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُنَادِي : إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَلَا يَقْرَبَنَّ الصَّلَاةَ سَكْرَانُ ) . فَأَخْبَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُمْ قَدْ كَانُوا يَصِيرُونَ بِشُرْبِهَا إلَى حَالٍ يُمْنَعُونَ لِأَجْلِهَا قُرْبَ الصَّلَاةِ ؛ وَلِأَنَّهَا قَدْ كَانَتْ تُوقِعُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ بَيْنَهُمْ ، إذْ كَانَتْ سَبَبًا لِمَا نَزَلَ بِسَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عِنْدَ شُرْبِهِ هُوَ وَنَفَرٌ مِنْ الْأَنْصَارِ إيَّاهَا ، وَتَفَاخُرِهِمْ عِنْدَ ذَلِكَ حَتَّى قَالَ بَعْضُهُمْ : الْمُهَاجِرُونَ أَفْضَلُ ، وقَالَ بَعْضُهُمْ : الْأَنْصَارُ أَفْضَلُ ، فَأَخَذَ لَحْيَ جَزُورٍ فَفَزَرَ بِهِ أَنْفَ سَعْدٍ ، فَكَانَ أَنْفُهُ مَفْزُورًا . 1712 - حَدَّثَنَا بِذَلِكَ إبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ ، قَالَ : حدثنا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ ، قَالَ : حدثنا شُعْبَةُ ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ سَعْدٍ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَفِي ذَلِكَ عِظَمُ مَنْفَعَةِ سُؤَالِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لِلْمُسْلِمِينَ حَتَّى عَلِمُوا مِنْ أَجْلِ سُؤَالِهِ ، أَنَّ تَحْرِيمَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ الْخَمْرَ كَانَ عَلَيْهِمْ خَيْرًا لَهُمْ مِنْ بَقَاءِ حِلِّهَا لَهُمْ ؛ إذْ كَانَ حِلُّهَا يُوقِعُ بَيْنَهُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ وَالْجِنَايَاتِ مِنْ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ ، وَتَحْرِيمُهَا لَيْسَ ذَلِكَ فِيهِ ، وَلِيَعْلَمُوا أَنَّ ذَلِكَ نِعْمَةٌ مِنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِمْ كَانَ سَبَبُهَا سُؤَالَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إيَّاهُ عَزَّ وَجَلَّ لَا عُقُوبَةً مِنْهُ إيَّاهُمْ كَانَ بِذَلِكَ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ .
635 - باب بيان مشكل ما روي في مقدار المدة التي كان أبو بكر رضي الله عنه أقامها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغار الذي كانا استترا فيه من الزمان . 4705 - حدثنا الربيع بن سليمان بن عبد الجبار المرادي ، قال : حدثنا أسد بن موسى ، قال : حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة ، قال : حدثنا داود بن أبي هند ، عن أبي حرب بن أبي الأسود . عن طلحة بن عمرو النصري قال كان الرجل منا إذا هاجر إلى المدينة إن كان له عريف نزل على عريفه وإن لم يكن له عريف نزل مع أصحاب الصفة ، وإني قدمت المدينة ولم يكن لي بها عريف فنزلت مع أصحاب الصفة فرافقت رجلا فكان يخرج لنا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم مد تمر بين الرجلين فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض صلواته فلما سلم ناداه رجل من أصحاب الصفة يا رسول الله أحرق التمر بطوننا وتخرقت الخنف فمال إلى المنبر فحمد الله عز وجل وأثنى عليه وذكر ما لقي من قومه من البلاء والشدة ، ثم قال لقد كنت أنا وصاحبي بضع عشرة ليلة وما لنا طعام إلا البرير حتى قدمنا على إخواننا من الأنصار فواسونا من طعامهم وطعامهم هذا التمر ، وإني والله الذي لا إله إلا هو لو أجد لكم الخبز واللحم لأطعمتكموه ، وإنه عله أن تدركوا زمانا أو من أدركه منكم تلبسون فيه مثل أستار الكعبة ويغدى ويراح عليكم فيه بالجفان . قال أبو جعفر : قال أبو عبيدة معمر بن المثنى ثمر الأراك مرد ، ثم برير ، ثم كباث . قال أبو جعفر : كأنه والله أعلم يعني أنه يكون ألوانا ينتقل من بعضها إلى بعض فمرة يكون مردا ومرة يكون بريرا ومرة يكون كباثا كثمر النخل مرة يكون بلحا ومرة يكون بسرا ومرة يكون رطبا ففي هذا الحديث إخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس إن إقامته وإقامة صاحبه كانت معه في الغار الذي كانا تواريا فيه بضع عشرة ليلة وكان طعامهم فيها الطعام المذكور في هذا الحديث ففي ذلك دليل على شدة الجهد الذي كانا لقياه في تلك المدة . فقال قائل فقد رويتم في إقامة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإقامة صاحبه معه في الغار إنما كانت أقل من هذه المدة المذكورة في هذا الحديث وأنها إنما كانت ثلاث ليال وأنهما قد كانا يصيبان فيها من الرسل من منحة لأبي بكر رضي الله عنه وذكر في ذلك . 4706 - ما قد حدثنا يونس بن عبد الأعلى ، قال : أخبرنا عبد الله بن وهب قال : أخبرني يونس بن يزيد ، عن ابن شهاب قال : أخبرني عروة بن الزبير . أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت في حديث طويل ابتداؤه : لم أعقل أبوي إلا وهما يدينان هذا الدين فيه قالت : فلحق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر بغار في جبل يقال له ثور فمكثا فيه ثلاث ليال ، يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر وهو غلام شاب لقن ثقف ، فيدلج من عندهما في سحر فيصبح في قريش بمكة كبائت فلا يسمع أمرا يكيدون به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام ، ويرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى أبي بكر منحة ويريحها عليهما فيبيتان في رسل منحتهما ورضيفهما حتى ينعق بهما عامر بن فهيرة بغلس يفعل ذلك كل ليلة من تلك الليالي الثلاث . قال : وقد صدق ذلك حديث البراء بن عازب الذي تروونه في ذلك . 4707 - فذكر ما قد حدثنا الربيع بن سليمان المرادي ، قال : حدثنا أسد بن موسى ، قال : حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة قال : حدثني أبي وغيره عن أبي إسحاق . عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال : جاء أبو بكر رضي الله عنه فاشترى من عازب رحلا بثلاثة عشر درهما ، فقال أبو بكر لعازب : قل للبراء فليحمله إلى رحلي ، فقال : لا ، حتى تحدثني كيف أنت ورسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرجتما والمشركون يطلبونكم . فقال أبو بكر : خرجنا من مكة بليل وقد أخذ القوم علينا بالرصد ، فاختبأنا يومنا وليلتنا ويومنا حتى قام قائم الظهيرة ، فرميت ببصري ، هل أرى من ظل نأوي إليه ، فوقعت إلينا صخرة ، فانطلقنا إليها ولها شيء من ظل ، فنزلنا فنظرت بقية ظلها فسويته ، وأخذت فروة كانت معي ، فوطأت بها لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم قلت : يا رسول الله اضطجع حتى أنفض ما حولك ، وإذا غلام راع قد أقبل في غنم له يريد من الصخرة مثل الذي أردنا ، فقلت : لمن أنت يا غلام ؟ فقال لرجل من قريش وسماه فعرفته ، فقلت : فهل في غنمك من لبن ؟ قال : نعم ، فقلت : هل أنت حالب لنا ؟ قال : نعم ، فأعطيته إناء كان معي ، فأخذ ليحلب ، فقلت : انفض ضرع الشاة من الغبار ، ثم أمرته أن ينفض كفيه ، فقال هكذا ، وضرب إحدى كفيه على الأخرى ، ثم حلب لي كثبة من لبن ، وقد رويت معي لرسول الله صلى الله عليه وسلم إداوة من ماء على فيها خرقة ، فصببت على اللبن حتى وجدت برد الماء من تحت الإناء ، فأتيت به رسول الله صلى الله عليه وسلم فوافقته قد استيقظ ، فقلت : اشرب يا رسول الله ، فشرب ، قال : قلت : قد آن الرحيل ، فارتحلنا والقوم يطلبوننا ، فلم يدركنا غير سراقة بن مالك بن جعشم على فرس له ، فقلت : هذا الطلب قد لحقنا يا رسول الله ، قال : لا تحزن إن الله معنا ، فلما دنا منه قيد رمحين أو ثلاثة ، قلت : هذا الطلب قد لحقنا ، وبكيت ، فقال : ما يبكيك ؟ فقلت : والله ما على نفسي أبكي ، ولكني إنما أبكي عليك يا رسول الله ، فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : اللهم اكفناه بما شئت ، فساخت فرسه في الأرض إلى بطنها ، فوثب عنها ، ثم قال : يا محمد قد علمت أن هذا عملك ، فادع الله عز وجل أن ينجيني مما أنا فيه ، فوالله لأعمين على من ورائي من الطلب ، وهذه كنانتي فخذ سهما منها ، فإنك ستمر على غنمي وإبلي بمكان كذا وكذا ، فخذ منها حاجتك ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا حاجة لنا في إبلك ، ودعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم فانطلق راجعا إلى أصحابه ، ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا معه . 4708 - وما قد حدثنا يزيد بن سنان ، قال : حدثنا عثمان بن عمر بن فارس ، قال : حدثنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب ، ثم ذكر مثله . قال هذا القائل : وهذا اضطراب شديد ، واختلاف بعيد . فكان جوابنا له في ذلك - بتوفيق الله عز وجل وعونه - : أنه لا اضطراب ولا اختلاف في ذلك ، وأن هذه الآثار كلها صحيحة لعدل رواتها ، ولحسن سياقهم لها ، وقد يجوز أن يكون كل فريق من طلحة بن عمرو ، ومن عائشة ، ومن البراء أخبر عن غار غير الغار الذي أخبر عنه الفريق الآخر منهما كانت إقامة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه رضي الله عنه في كل واحد منهما غير إقامته في الآخر منهما ، وقد شد إقامته مع صاحبه في أحدهما قول الله عز وجل في كتابه : إلا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا . ثم ما قد روي عن أبي بكر رضي الله عنه فيما كان يخافه على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم على نفسه في أحد الغارين اللذين كان معه فيهما من نظره إلى أقدام المشركين على رأس ذلك الغار ، ومن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك ما قاله له عنده . 4709 - وما قد حدثنا عبد العزيز بن معاوية العتابي ، وإبراهيم بن مرزوق جميعا ، قالا : حدثنا حبان بن هلال ، قال : حدثنا همام بن يحيى . وكما حدثنا يزيد بن سنان والحسين بن نصر ، ونصار بن حرب ، ومحمد بن الورد بن زنجويه البغدادي ، وعلي بن عبد الرحمن بن المغيرة الكوفي ، قالوا : حدثنا عفان بن مسلم (ح ) وكما حدثنا محمد بن سليمان بن الحارث الباغندي أيضا ، قال : حدثنا عفان ، قال : حدثنا همام . وكما حدثنا فهد بن سليمان ، قال : حدثنا محمد بن سنان العوقي ، وموسى بن إسماعيل المنقري ، قالا : حدثنا همام ، ثم اجتمعوا جميعا قالوا : حدثنا ثابت البناني ، قال : حدثنا أنس بن مالك : أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه حدثه قال : نظرت إلى أقدام المشركين وهم على رؤوسنا ونحن في الغار ، قال : قلت : يا رسول الله لو أن أحدهم نظر إلى تحت قدمه ، أبصرنا تحت قدمه ، فقال : يا أبا بكر ، ما ظنك باثنين الله عز وجل ثالثهما ؟ 4710 - وكما حدثنا يزيد بن سنان ، قال : حدثنا حبان بن هلال وموسى بن إسماعيل ، قالا : حدثنا همام بن يحيى ، ثم ذكر بإسناده مثله . قال أبو جعفر : وفي ذلك دليل على شدة الجهد الذي كانا فيه ، والخوف من أبي بكر رضي الله عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم من المشركين ، ووقايته إياه بنفسه مما كان يقيه بها عند ذلك حتى أوصل الله عز وجل رسوله صلى الله عليه وسلم ، وأوصله معه إلى دار هجرته التي جعلها الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم معقلا ، ولأصحابه رضوان الله عليهم مهاجرا ، واختص أهلها منه بالهجرة إليهم والنصرة منهم له ، وبالروضة التي جعلها بين قبره وبين منبره من رياض الجنة ، وبنزول الوحي عليه بين أظهرهم ، وبمخالطته خيار ملائكته صلوات الله عليهم إياهم بنزولهم عليه من الله عز وجل بما كان يرسلهم به إليه ، وينزله عليه من قرآنه ، ومن وحيه ، فصلوات الله عز وجل ورحمته وبركاته على رسوله خير الأولين والآخرين ، وإمام المتقين ، ثم رحمته وبركاته على أبي بكر صاحبه رضي الله عنه بما كان منه في رسول الله صلى الله عليه وسلم ابتغاء وجهه ، وطلبا لما عنده حتى شرفه الله عز وجل بذكره إياه في كتابه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ذكره به معه فيه ، ومما أبانه به ، عن صحابته سواه رضوان الله عليه وعليهم ، وفيما ذكرنا ما ينفي ما ظنه هذا الجاهل لنقص علمه وفهمه من اضطراب آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم واختلافها ، ودليل ائتلافها وانتفاء الاختلاف ، والتضاد عنها . والله عز وجل نسأله التوفيق .
235 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي السَّبَبِ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ : ( غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ ) بَعْدَ أَنْ نَزَلَ قَبْلَهَا لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وأنفسهم . الْآيَةَ . 1713 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُغِيرَةَ ، قَالَ : حدثنا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ ، قَالَ : حدثنا حَجَّاجٌ ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْكَرِيمِ ، أَنَّ مِقْسَمًا مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ ، يُحَدِّثُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ : ( : لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ بَدْرٍ ، وَالْخَارِجُونَ إلَى بَدْرٍ . قَالَ : لَمَّا نَزَلَ غَزْوُ بَدْرٍ ، قَالَ : عَبْدُ بْنُ جَحْشٍ الْأَسَدِيُّ أَبُو أَحْمَدَ وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ إنَّا أَعْمَيَانِ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَهَلْ لَنَا مِنْ رُخْصَةٍ ؟ فَنَزَلَتْ : لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ ) 1714 - حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُد ، قَالَ : حدثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأُوَيْسِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي إبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، ( عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ ، أَنَّهُ قَالَ : رَأَيْت مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ ، فَأَقْبَلْت حَتَّى جَلَسْت إلَى جَنْبِهِ ، فَأَخْبَرَنَا أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ أَخْبَرَهُ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْلَى عَلَيْهِ : لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ . قَالَ : فَجَاءَهُ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ وَهُوَ يُمْلِيهَا عَلَيَّ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَاَللَّهِ لَوْ أَسْتَطِيعُ الْجِهَادَ لَجَاهَدْتُ ، وَكَانَ رَجُلًا أَعْمَى ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَفَخِذُهُ عَلَى فَخِذِي ، فَثَقُلَتْ حَتَّى خِفْتُ أَنْ تَرُضَّ فَخِذِي ، ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ 1715 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ دَاوُد الْبَغْدَادِيُّ ، قَالَ : حدثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ الزُّبَيْرِيُّ ، قَالَ : حدثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ثُمَّ ذَكَرَ بِإِسْنَادٍ مِثْلَهُ . 1716 - حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمُرَادِيُّ ، قَالَ : حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ( أَنَّ السَّكِينَةَ غَشِيَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ زَيْدٌ : وَأَنَا إلَى جَنْبِهِ - فَوَقَعَتْ فَخِذُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى فَخِذِي ، فَمَا وَجَدْت ثِقَلَ شَيْءٍ هُوَ أَثْقَلُ مِنْ فَخِذِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ ، فَقَالَ لِي : اُكْتُبْ : لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ . الْآيَةَ كُلَّهَا . قَالَ : زَيْدٌ فَكَتَبْت ذَلِكَ فِي كَتِفٍ ، فَقَامَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ وَكَانَ رَجُلًا أَعْمَى حِينَ سَمِعَ تَفْضِيلَهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، كَيْفَ بِمَنْ لَا يَسْتَطِيعُ الْجِهَادَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ ؟ قَالَ خَارِجَةُ : قَالَ زَيْدٌ : فَمَا قَضَى ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ كَلَامَهُ - أَوْ قَالَ : فَمَا هُوَ إلَّا أَنْ قَضَى كَلَامَهُ - فَغَشِيَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السَّكِينَةُ فَوَقَعَتْ فَخِذُهُ عَلَى فَخِذِي ، فَوَجَدْتُ مِنْ ثِقَلِهَا الْمَرَّةَ الثَّانِيَةَ مِثْلَ مَا وَجَدْت مِنْهَا فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى ، ثُمَّ سُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : اقْرَأْ ، فَقَرَأْت : لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ ، فَقَالَ : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ ، فَأَلْحَقْتُهَا فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إلَى مُلْحَقِهَا عِنْدَ صَدْعٍ مِنْ الْكَتِفِ . 1717 - حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ ، قَالَ : حدثنا يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ الْحَضْرَمِيُّ وَرَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ الْقَيْسِيُّ ، قَالَا : حدثنا شُعْبَةُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ، قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ جَاءَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَشَكَا ضَرَارَتَهُ فَنَزَلَتْ : غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ 1718 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ غُلَيْبٍ ، قَالَ : حدثنا يُوسُفُ بْنُ عَدِيٍّ ، قَالَ : حدثنا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ، قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ : لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَالَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَمَا تَأْمُرُنِي ؛ فَإِنِّي لَا أَسْتَطِيعُ الْجِهَادَ ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ مَكَانَهُ : غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ . 1719 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ ، قَالَ : حدثنا الْفِرْيَابِيُّ ، قَالَ : حدثنا إسْرَائِيلُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ ، عَنْ ( الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ، قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، دَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا ، فَجَاءَ وَمَعَهُ اللَّوْحُ وَالدَّوَاةُ - أَوْ الْكَتِفُ - فَقَالَ : اُكْتُبْ : لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَخَلْفَ ظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ الْأَعْمَى ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَنَا ضَرِيرُ الْبَصَرِ ، قَالَ : فَنَزَلَتْ مَكَانَهَا : ( لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) . 1720 - وحدثنا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ ، قَالَ : حدثنا الْفِرْيَابِيُّ ، قَالَ : حدثنا سُفْيَانُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ . قَالَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ : 1721 - حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ ، قَالَ : حدثنا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ وَمُسْلِمُ بْنُ إبْرَاهِيمَ الْأَزْدِيُّ ، قَالَا : حدثنا أَبُو عَقِيلٍ ، قَالَ : حدثنا أَبُو نَضْرَةَ ، قَالَ : سَأَلْت ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ . الْآيَةَ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : أَقَوَامٌ حَبَسَتْهُمْ أَمْرَاضٌ وَأَوْجَاعٌ ، وَكَانَ أُولَئِكَ أُولِي الضَّرَرِ ، وَكَانَ الْقَاعِدُ الْمَرِيضُ أَعْذَرَ مِنْ الْقَاعِدِ الصَّحِيحِ . 1722 - حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ ، قَالَ : حدثنا يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ الْحَضْرَمِيُّ ، عَنْ أَبِي عَقِيلٍ ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ ، قَالَ : سَأَلْت ابْنَ عَبَّاسٍ ، عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ . قَالَ : كَانَ قَوْمٌ يَعْرِضُ لَهُمْ أَوْجَاعٌ وَأَمْرَاضٌ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : أَفَيَكُونُ مَا فِي حَدِيثِ أَبِي نَضْرَةَ هَذَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مُخَالِفًا لِمَا فِي حَدِيثِ مِقْسَمٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِي قَدْ رَوَيْته فِي هَذَا الْبَابِ ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ نَزَلَتْ : لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، ثُمَّ أُنْزِلَ بَعْدَهَا : غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ . وَفِي حَدِيثِ أَبِي نَضْرَةَ ذَكَرَ ذَلِكَ كُلَّهُ نَسَقًا ، فَظَاهِرُهُ يُوجِبُ أَنَّ نُزُولَهَا كُلَّهَا كَانَ مَعًا . قِيلَ لَهُ : مَا بَيْنَهُمَا اخْتِلَافٌ ؛ لِأَنَّ حَدِيثَ مِقْسَمٍ إنَّمَا فِيهِ إخْبَارُ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ سَبَبِ نُزُولِهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَيْفَ كَانَ ، وَحَدِيثُ أَبِي نَضْرَةَ إنَّمَا فِيهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ الْإِخْبَارُ بِتَأْوِيلِهَا الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ أَمْرُهَا ، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْهُ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُ وَمِنْ حَدِيثِ مِقْسَمٍ فِي مَعْنًى غَيْرِ الْمَعْنَى الَّذِي فِيهِ صَاحِبُهُ ، وَإِنْ كَانَ مَا اسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ فِيهِمَا جَمِيعًا مُؤْتَلِفًا غَيْرَ مُخْتَلِفٍ . 1723 - حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ ، وَعَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، جَمِيعًا قَالَا : حَدَّثَنَا عَفَّانَ بْنُ مُسْلِمٍ ، قَالَ : حدثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ كُلَيْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ( الْفَلَتَانِ بْنِ عَاصِمٍ الْجَرْمِيِّ أَنَّهُ قَالَ : كُنَّا قُعُودًا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأُنْزِلَ عَلَيْهِ ، وَكَانَ إذَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ دَامَ بَصَرُهُ مَفْتُوحَةً عَيْنَاهُ ، وَفَرَّغَ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ لِمَا جَاءَهُ مِنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ لِلْكَاتِبِ اُكْتُبْ : لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً ، فَقَامَ الْأَعْمَى ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا ذَنْبُنَا ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ ، فَقُلْنَا لِلْأَعْمَى : إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ ، قَالَ : فَبَقِيَ قَائِمًا يَقُولُ : أَتُوبُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : لِلْكَاتِبِ اُكْتُبْ : غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ ) ، فَقَالَ قَائِلٌ : كَيْفَ تَقْبَلُونَ هَذِهِ الْأَخْبَارَ ، وَتُثْبِتُونَ بِهَا أَنَّ نُزُولَ هَذِهِ الْآيَةِ كَانَ فِي الْبَدْءِ لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَفِي ذَلِكَ تَفْضِيلُ الْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَلَى الْقَاعِدِينَ بِعُذْرٍ ، وَبِغَيْرِ عُذْرٍ ، وَالْقَاعِدُونَ بِعُذْرٍ لَمْ يَقْعُدُوا اخْتِيَارًا لِتَرْكِ الْجِهَادِ ، وَإِنَّمَا قَعَدُوا عَجْزًا عَنْ الْجِهَادِ ، فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَسْتَوِيَ فِي ذَلِكَ فَضْلُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ الْمَعْذُورِينَ ، وَيَكُونُونَ فِي ذَلِكَ مَعَ الْعُذْرِ الَّذِي مَعَهُمْ ، كَمَنْ سِوَاهُمْ مِنْ الْقَاعِدِينَ مِمَّنْ لَا عُذْرَ مَعَهُمْ . وَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَوُو الضَّرَرِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُمْ فِي الْفِقْهِ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْهُ ، وَالْقُرْآنُ أَيْضًا نَزَلَ بِلُغَتِهِمْ يَظُنُّونَ بِاَللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُ سَوَّى فِي ذَلِكَ بَيْنَهُمْ مَعَ الْعُذْرِ الَّذِي مَعَهُمْ وَبَيْنَ غَيْرِهِمْ مِنْ الْقَاعِدِينَ عَنْ الْجِهَادِ مِمَّنْ لَا عُذْرَ مَعَهُ ، وَقَدْ سَمِعُوا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا مَا آتَاهَا ، وَلَمْ يُؤْتِهِمْ اللَّهُ الْقُوَّةَ عَلَى الْجِهَادِ ، وَسَمِعُوهُ يَقُولُ : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا ، وَأَعْظَمُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْأَخْبَارُ عَلَى مَا قَدْ ذُكِرَ فِيهَا ، وقَالَ : مُحَالٌ أَنْ يَكُونَ كَانَ نُزُولُ هَذِهِ الْآيَةِ إلَّا كَمَا يَقْرَؤُهَا : لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ . الْآيَةَ . فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعَوْنِهِ ، أَنَّ هَذِهِ الْآثَارَ الَّتِي رَوَيْنَاهَا آثَارٌ صِحَاحٌ ثَابِتَةٌ لَا يَدْفَعُ الْعُلَمَاءُ صِحَّتَهَا ، وَلَا يَطْعَنُونَ فِي أَسَانِيدِهَا ، وَلَا يَخْتَلِفُونَ أَنَّ الْآيَةَ الْمَذْكُورَةَ فِيهَا كَانَ بَدْءُ نُزُولِهَا : لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ، وَأَنَّ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ وَأَبَا أَحْمَدَ بْنَ جَحْشٍ لَمَّا ذَكَرَا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَجْزَهُمَا عَنْ الْجِهَادِ بِالضُّرِّ الَّذِي بِهِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ : غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ ، فَصَارَتْ الْآيَةُ : لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عِنْدَنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ عَلَى أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَرَادَهُمَا وَأَمْثَالَهُمَا بِهَذِهِ الْآيَةِ مَعَ عَجْزِهِمَا عَنْ الْمَعْنَى الَّذِي فِيهَا مِمَّا يُفَضَّلُ بِهِ الْمُجَاهِدُونَ عَلَى الْقَاعِدِينَ غَيْرِ أُولِي الضَّرَرِ ، وَلَكِنَّهُمَا ذَهَبَ ذَلِكَ عَنْهُمَا حَتَّى كَانَ مِنْهُمَا مِنْ الْقَوْلِ مَا ذُكِرَ عَنْهُمَا فِي هَذِهِ الْآثَارِ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عِنْدَ ذَلِكَ عَلَى رَسُولِهِ : غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ إعْلَامًا مِنْهُ إيَّاهُمَا أَنَّهُ لَمْ يُرِدْهُمَا ، وَلَا أَمْثَالَهُمَا بِذَلِكَ التَّفْضِيلِ الَّذِي فَضَّلَ بِهِ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ ، فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ بِخِلَافِ ذَلِكَ ، وَقَدْ سَمِعُوا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ : لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ ، يَعْنِي فِي تَخَلُّفِهِمْ عَنْ الْجِهَادِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : أَفَيَجُوزُ أَنْ يَذْهَبَ عَنْهُمَا مِثْلُ هَذَا مِنْ مُرَادِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ ؟ قِيلَ : لَهُ وَمَا تُنْكِرُ مِنْ هَذَا وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ فِي الصِّيَامِ : وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ وَتَلَاهَا عَلَيْهِمْ حَمَلُوهَا عَلَى مَا قَدْ ذَكَرَهُ سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ السَّاعِدِيُّ مِنْ حَمْلِهِمْ إيَّاهَا عَلَيْهِ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَعْلَمَهُمْ بِهِ أَنَّ مُرَادَهُ عَزَّ وَجَلَّ غَيْرُ مَا ظَنُّوهُ بِهِ جَلَّ وَعَزَّ . 1724 - كما قد حدثنا ابْنُ أَبِي دَاوُد ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْمُقَدَّمِيُّ ، قَالَ : حدثنا الْفُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ النُّمَيْرِيُّ ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيُّ ، قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ : وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ جَعَلَ الرَّجُلُ يَأْخُذُ خَيْطًا أَبْيَضَ وَخَيْطًا أَسْوَدَ ، فَيَجْعَلُهُمَا تَحْتَ وِسَادَةٍ ، فَيَنْظُرُ مَتَى يَتَبَيَّنُهُمَا فَيَتْرُكُ الطَّعَامَ . قَالَ : فَبَيَّنَ اللَّهُ ذَلِكَ ، وَنَزَلَتْ مِنْ الْفَجْرِ ، فَكَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ تِبْيَانُ اللَّهِ ، أَنَّ الَّذِي أَرَادَ بِالْخَيْطِ الْأَبْيَضِ وَالْخَيْطِ الْأَسْوَدِ غَيْرُ الَّذِي ظَنُّوا أَنَّهُ أَرَادَهُ بِهِمَا ، وَكَذَلِكَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ الطَّائِيُّ فِيمَا رُوِيَ عَنْهُ فِي هَذَا الْمَعْنَى . 1725 - كَمَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خُزَيْمَةَ ، قَالَ : حدثنا حَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ ، قَالَ : حدثنا هُشَيْمٌ ، قَالَ : حدثنا حُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ . 1726 - وَكَمَا حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ دَاوُد بْنِ مُوسَى ، قَالَ : حدثنا إسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِمٍ ، قَالَ : حدثنا هُشَيْمٌ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا حُصَيْنٌ وَمُجَالِدٌ ، عَنْ الشَّعْبِيِّ ، قَالَ : أَخبرنا عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ ، قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ عَمَدْت إلَى عِقَالَيْنِ أَحَدُهُمَا أَسْوَدُ ، فَجَعَلْت أَنْظُرُ إلَيْهِمَا فَلَا يَتَبَيَّنُ لِي الْأَبْيَضُ مِنْ الْأَسْوَدِ ، فَلَمَّا أَصْبَحْتُ غَدَوْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَخْبَرْته بِاَلَّذِي صَنَعْتُ ، فَقَالَ : إنَّ وِسَادَكَ لَعَرِيضٌ ، إنَّمَا ذَلِكَ بَيَاضُ النَّهَارِ وَسَوَادُ اللَّيْلِ ) . أَفَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَمَّا سَمِعُوا قَوْلَهُ جَلَّ وَعَزَّ : وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ حَمَلُوا ذَلِكَ عَلَى مَا حَمَلُوهُ عَلَيْهِ حَتَّى بَيَّنَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُمْ فِي كِتَابِهِ وَعَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ، أَنَّ الَّذِي أَرَادَهُ خِلَافُ مَا ظَنُّوهُ . وَكَذَلِكَ مَا كَانَ مِنْ قِصَّةِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ وَأَبِي أَحْمَدَ لَمَّا تَلَا عَلَيْهِمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا تَلَا ظَنَّا أَنَّهُمَا مِنْ الْمَفْضُولِينَ فِيمَا تَلَاهُ عَلَيْهِمَا ، فَبَيَّنَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُمَا بِإِنْزَالِهِ عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْهُمَا ، وَلَا أَمْثَالَهُمَا مِنْ ذَوِي الضَّرَرِ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ غَيْرَهُمَا مِمَّنْ لَا ضَرَرَ بِهِ ، وَفِيمَا ذَكَرْنَا مَا قَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْقِرَاءَةَ فِي ذَلِكَ كَمَا قَرَأَهَا مَنْ قَرَأَهَا بِالرَّفْعِ ، وَهُمْ : عَاصِمٌ وَالْأَعْمَشُ وَأَبُو عَمْرٍو وَحَمْزَةُ ، لَا كَمَا قَرَأَهَا مُخَالِفُوهُمْ : غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ بِالنَّصْبِ ، وَهُمْ : أَبُو جَعْفَرٍ وَشَيْبَةُ وَنَافِعٌ وَابْنُ كَثِيرٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ ، وَقَدْ كَانَ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ ذَهَبَ إلَى قِرَاءَةِ هَؤُلَاءِ الْمَدَنِيِّينَ وقَالَ : مَعَ ذَلِكَ ، إنَّ الرَّفْعَ وَجْهٌ فِي الْعَرَبِيَّةِ مُمْكِنٌ غَيْرُ مُسْتَنْكَرٍ ، وَكَذَلِكَ كَانَ الْفَرَّاءُ يَذْهَبُ إلَى صِحَّتِهِ فِي الْعَرَبِيَّةِ وَيَقُولُ : هُوَ عَلَى النَّعْتِ لِلْقَاعِدِينَ ، قَالَ : وَمَا كَانَ مِنْ نَعْتِهِمْ كَانَ كَذَلِكَ إعْرَابُهُ بِالرَّفْعِ لَا بِغَيْرِهِ كَمَا قَالَ : عَزَّ وَجَلَّ : أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإِرْبَةِ ، فَكَانَ نَعْتُهُ إيَّاهُمْ بِمِثْلِ مَا ذَكَرَهُمْ بِهِ مِنْ الْجَرِّ لَا مَا سِوَاهُ ، وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ . وَقَدْ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ فِي السَّبَبِ الَّذِي بِهِ اخْتَارَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ بِالنَّصْبِ ، فَقَالَ : وَرَوَى عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْرُ وَاحِدٍ ذَكَرَهُمْ ، أَنَّ نُزُولَهَا كَانَ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ فَوَجَبَ بِذَلِكَ أَنْ تَكُونَ مَنْصُوبَةً ، فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعَوْنِهِ ، أَنَّهُ لَمْ يُرْوَ عَنْ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنَّهُ قَالَ : إنَّمَا نَزَلَتْ لِلِاسْتِثْنَاءِ مِمَّا كَانَ نَزَلَ قَبْلَهَا ، وَإِنَّمَا رُوِيَ عَنْهُ مِنْهُمَا فِي سَبَبِ نُزُولِهَا مَا قَدْ رَوَيْنَاهُ فِي ذَلِكَ فِي صَدْرِ هَذَا الْبَابِ ، وَلَوْ كَانَتْ كُلُّهَا نَزَلَتْ مَعًا لَجَازَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ ، فَيَكُونَ النَّصْبُ فِيهِ أَوْلَى مِنْ الرَّفْعِ ، وَلَكِنَّهُ إنَّمَا كَانَ الَّذِي نَزَلَ أَوَّلًا مِنْهَا هُوَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَنَحْنُ نُحِيطُ عِلْمًا ، أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَعْنِ الْقَاعِدِينَ بِالزَّمَانَةِ مَعَ النِّيَّةِ ، أَنَّهُمْ لَوْ أَطَاقُوا الْجِهَادَ لَجَاهَدُوا ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ الْمُجَاهِدُونَ أَفْضَلَ مِنْهُمْ ؛ لِأَنَّهُمْ جَاهَدُوا بِقُوَّتِهِمْ ، وَتَخَلَّفَ الْآخَرُونَ عَنْ الْجِهَادِ بِعَجْزِهِمْ عَنْهُ ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ ، ثُمَّ أعْلَمْ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّ السَّبِيلَ عَلَى خِلَافِ هَؤُلَاءِ بِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ ، وقَالَ : عَزَّ وَجَلَّ : لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ . وَمَنْ حَمَلَ الْأَمْرَ عَلَى غَيْرِ مَا ذَكَرْنَا كَانَ قَدْ قَالَ قَوْلًا عَظِيمًا وَنَسَبَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إلَى أَنَّهُ قَدْ تَعَبَّدَ خَلْقَهُ بِمَا هُمْ عَاجِزُونَ عَنْهُ ، وَإِذَا كَانَ نُزُولُ مَا قَدْ تَلَوْنَا عَلَى مَا قَدْ ذَكَرْنَا كَانَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ : غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ تِبْيَانًا لِمَا كَانَ أَنْزَلَهُ قَبْلَ ذَلِكَ مِنْ الْقَاعِدِينَ الَّذِينَ فَضَّلَ عَلَيْهِمْ الْمُجَاهِدِينَ ، فَكَانَ الرَّفْعُ أَوْلَى بِهِ مِنْ غَيْرِهِ . وَقَدْ سَأَلَ سَائِلٌ ، فَقَالَ : قَدْ كَانَ مِنْ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ مَا كَانَ مِنْ الِاعْتِذَارِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا اعْتَذَرَ بِهِ إلَيْهِ ، وَقَدْ كَانَ يَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ عَلَى حَالِهِ الَّتِي اعْتَذَرَ بِهَا إلَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْمِلُ الرَّايَةَ فِي قِتَالِهِ الْكُفَّارَ ، فَكَيْفَ لَمْ يَبْذُلْ ذَلِكَ مِنْ نَفْسِهِ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ وَذَكَرَ مَا قَدْ 1727 - حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ ، قَالَ : حدثنا عَفَّانَ بْنُ مُسْلِمٍ ، قَالَ : حدثنا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ، قَالَ : حدثنا سَعِيدٌ - وَهُوَ ابْنُ أَبِي عَرُوبَةَ - عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ يَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ كَانَتْ مَعَهُ رَايَةٌ سَوْدَاءُ ، وَعَلَيْهِ دِرْعٌ ، 1728 - وَمَا قَدْ حَدَّثَنَا أَبُو أُمَيَّةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ : رَأَيْت ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ فِي بَعْضِ مَشَاهِدِ الْمُسْلِمِينَ فِي يَدِهِ اللِّوَاءُ . فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعَوْنِهِ ، أَنَّهُ قَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ يَوْمَ كَانَ مِنْهُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا كَانَ لَمْ يَكُنْ يُحْسِنُ يَوْمَئِذٍ حَمْلَ الرَّايَةِ ، ثُمَّ أَحْسَنَهُ بَعْدَ ذَلِكَ ، فَتَكَلَّفَهُ لَمَّا أَحْسَنَهُ لِلْمُسْلِمِينَ ، وَتَرَكَ أَنْ يَتَكَلَّفَهُ قَبْلَ ذَلِكَ لَمَّا كَانَ لَا يُحْسِنُهُ ، وَاَللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
870 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرقبى . 6437 - حدثنا يونس ، حدثنا سفيان ، عن ابن جريج ، عن عطاء ، عن جابر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا تعمروا ، ولا ترقبوا ، فمن أعمر شيئا أو أرقبه ، فهو للوارث إذا مات . 6438 - وحدثنا أحمد بن شعيب ، حدثنا إسحاق بن إبراهيم ، أخبرنا عبد الرزاق ، حدثنا ابن جريج ، عن عطاء قال : أخبرني حبيب بن أبي ثابت ، عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا عمرى ، ولا رقبى ، فمن أعمر شيئا ، أو أرقبه ، فهو له حياته ومماته . 6439 - وحدثنا أحمد ، أخبرنا عبدة بن عبد الرحيم ، أخبرنا وكيع ، عن يزيد بن زياد بن أبي الجعد ، عن حبيب بن أبي ثابت ، قال : سمعت ابن عمر يقول : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرقبى ، قال : ومن أرقب رقبى ، فهي له . فكان في هذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الرقبى تكون لمن أرقبها ، وأن الشرط الذي اشترط عليه فيها يبطل ، ولا يكون له معنى ، وهذه مسألة قد اختلف أهل العلم فيها ، وفي كيفية الرقبى التي لها هذا الحكم . فقالت طائفة منهم : هي قول الرجل للرجل : قد جعلت داري هذه رقبى لك إن مت قبلي ، فهي لي ، وإن مت قبلك ، فهي لك ، فجعلوها كالعارية ولم يوجبوا بها ملكا للمرقب فيما أرقبه كذلك ، وممن قال ذلك منهم : أبو حنيفة ، ومحمد بن الحسن ، وكانوا يذهبون في كيفيتها إلى ما ذكرناه مما قد قيل فيها ، وقد ذكر عبد الرحمن بن القاسم جوابا لأسد لما سأله عن قول مالك فيها أن مالكا لم يكن يعرفها ، وأنه فسرها له كالتفسير الذي ذكرناه فيها عن أبي حنيفة ومحمد فقال : لا خير فيها . قال أبو جعفر : وهذا الذي ذكرناه عن أبي حنفية ، ومالك ، ومحمد ليس بصحيح عندنا ، لأن فيه أن المرقب إن مات ، كان ما أرقبه لمن أرقبه إياه ، فقد كان ينبغي لهم أن يجروا ذلك منه مجرى الوصية به للذي أرقبه ، لأن الوصايا تكون كذلك . وقالت طائفة منهم في كيفيتها خلاف هذا القول ، وقالوا : هي أن يقول الرجل للرجل : قد ملكتك داري هذه على أن نتراقب فيها ، فإن مت قبلي رجعت إلي ، وإن مت قبلك ، سلمت لك ، فيكون التراقب في الرجوع لها إلى صاحبها أو إلى الذي أرقبها ، لا في نفس التمليك لها ، وجعلوها جائزة للمرقب غير راجعة إلى المرقب في حال من الأحوال منهم : الثوري ، وأبو يوسف ، والشافعي ، وهو أولى القولين عندنا والله أعلم .
236 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا كَانَ مِنْهُ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ مِنْ أَمَانَةِ النَّاسِ جَمِيعًا ، إلَّا الْأَرْبَعَةَ الرِّجَالَ الَّذِينَ سَمَّاهُمْ ، وَإِلَّا الْقَيْنَتَيْنِ اللَّتَيْنِ كَانَ سَمَّاهُمَا مَعَهُمْ ) . 1729 - حَدَّثَنَا أَبُو أُمَيَّةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ الْحَفْرِيُّ ، قَالَ : حدثنا أَسْبَاطُ بْنُ نَصْرٍ ، قَالَ : زَعَمَ السُّدِّيُّ ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : ( لَمَّا كَانَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ أَمَّنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّاسَ إلَّا أَرْبَعَةَ نَفَرٍ وَامْرَأَتَيْنِ ، وقَالَ : اُقْتُلُوهُمْ وَإِنْ وَجَدْتُمُوهُمْ مُتَعَلِّقِينَ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ : عِكْرِمَةَ بْنَ أَبِي جَهْلٍ ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ خَطَلٍ ، وَمِقْيَسَ بْنَ صَبَابَةَ ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ ) . فَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَطَلٍ فَأُتِيَ وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ ، فَاسْتَبَقَ إلَيْهِ سَعِيدُ بْنُ حُرَيْثٍ وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، فَسَبَقَ سَعِيدٌ عَمَّارًا وَكَانَ أَشَدَّ الرَّجُلَيْنِ فَقَتَلَهُ . وَأَمَّا مِقْيَسُ بْنُ صَبَابَةَ فَأَدْرَكَهُ النَّاسُ فِي السُّوقِ فَقَتَلُوهُ . وَأَمَّا عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ فَرَكِبَ الْبَحْرَ فَأَصَابَهُمْ رِيحٌ عَاصِفٌ ، فَقَالَ : أَصْحَابُ السَّفِينَةِ لِأَهْلِ السَّفِينَةِ أَخْلِصُوا فَإِنَّ آلِهَتَكُمْ لَا تُغْنِي عَنْكُمْ شَيْئًا هَاهُنَا ، وقَالَ عِكْرِمَةُ : وَاَللَّهِ لَئِنْ لَمْ يُنَجِّنِي فِي الْبَحْرِ إلَّا الْإِخْلَاصُ لَا يُنْجِينِي فِي الْبَرِّ غَيْرُهُ ، اللَّهُمَّ إنَّ لَكَ عَلَيَّ عَهْدًا إنْ أَنْجَيْتَنِي مِمَّا أَنَا فِيهِ أَنِّي آتِي مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَضَعَ يَدِيَ فِي يَدِهِ فَلَأَجِدَنَّهُ عَفُوًّا كَرِيمًا فَنَجَا فَأَسْلَمَ . وَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي سَرْحٍ ، فَإِنَّهُ اخْتَبَأَ عِنْدَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، فَلَمَّا دَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّاسَ لِلْبَيْعَةِ جَاءَ بِهِ حَتَّى أَوْقَفَهُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، بَايِعْ عَبْدَ اللَّهِ ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَنَظَرَ إلَيْهِ ثَلَاثًا ، كُلُّ ذَلِكَ يَأْبَى فَبَايَعَهُ بَعْدَ ثَلَاثٍ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى أَصْحَابِهِ ، فَقَالَ : أَمَا كَانَ فِيكُمْ رَجُلٌ يَقُومُ إلَى هَذَا حِينَ رَآنِي كَفَفْتُ يَدِيَ عَنْ بَيْعَتِهِ فَيَقْتُلَهُ ، فَقَالُوا : مَا دَرَيْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا فِي نَفْسِكَ ، فَهَلَّا أَوْمَأْت إلَيْنَا بِعَيْنِك ؟ فَقَالَ : إنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أَنْ تَكُونَ لَهُ خَائِنَةُ عَيْنٍ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ أَمَرَ فِي هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةِ الرِّجَالِ الْمُسَمَّيْنَ بِمَا أَمَرَ بِهِ فِيهِمْ أَمْرًا مُطْلَقًا ، ثُمَّ خَرَجَ عَنْ ذَلِكَ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدٍ بِإِسْلَامِهِمَا ، فَحَقَنَ ذَلِكَ دِمَاءَهُمَا ، وَقُتِلَ الْآخَرَانِ عَلَى مَا قُتِلَا عَلَيْهِ مِنْ الْكُفْرِ الَّذِي ثَبَتَا عَلَيْهِ ، فَدَلَّ ذَلِكَ أَنَّ أَمْرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ فِيهِمْ بِمَا أَمَرَ بِهِ فِيهِمْ مُسْتَثْنًى مِنْ خُرُوجِهِمْ عَنْ السَّبَبِ الَّذِي أَمَرَ مِنْ أَجْلِهِ بِمَا أَمَرَ بِهِ فِيهِمْ إلَى ضِدِّهِ وَهُوَ الْإِسْلَامُ ، فَكَانَ ذَلِكَ اسْتِثْنَاءً بِالشَّرِيعَةِ وَإِنْ لَمْ يُسْتَثْنَ بِاللِّسَانِ ، فَدَلَّ ذَلِكَ أَنَّ كَذَلِكَ تَكُونُ أُمُورُ الْأَئِمَّةِ بِالْعُقُوبَاتِ ، مُسْتَثْنًى مِنْهَا مَا يَرْفَعُ الْعُقُوبَاتِ بِالشَّرِيعَةِ ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَثْنُوا ذَلِكَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ، وَباَللَّهَ عز وجل التَّوْفِيقَ .
634 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله : إن منكم من يقاتل الناس على تأويل القرآن كما قاتلتهم على تنزيله . 4684 - حدثنا محمد بن جعفر بن محمد بن حفص البغدادي المعروف بابن الإمام ، قال : حدثنا يوسف بن موسى القطان ، قال : حدثنا جرير بن عبد الحميد ، عن الأعمش ، عن إسماعيل بن رجاء الزبيدي ، عن أبيه . عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال كنا قعودا ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج إلينا من حجرة عائشة رضي الله عنها ، فانقطعت نعله فرمى بها إلى علي عليه السلام ، ثم جلس فقال : إن منكم لمن ليقاتلن على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله ، فقال أبو بكر رضي الله عنه : أنا ، قال لا ، قال عمر رضي الله عنه : أنا ، قال لا ، ولكنه خاصف النعل في الحجرة ، قال رجاء الزبيدي فأتى رجل عليا في الرحبة فقال : يا أمير المؤمنين هل كان في حديث النعل شيء ؟ قال اللهم إنك لتشهد أنه مما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسره إلي . 4685 - حدثنا أحمد بن شعيب ، قال : أخبرنا إسحاق بن إبراهيم ومحمد بن قدامة واللفظ له ، عن جرير ، عن الأعمش ، عن إسماعيل بن رجاء ، عن أبيه . عن أبي سعيد الخدري ، ثم ذكر مثله إلى قوله : ولكنه خاصف النعل ، ولم يذكر ما بعده إلى آخر الحديث . 4686 - وحدثنا إسماعيل بن إسحاق بن سهل الكوفي وفهد بن سليمان جميعا ، قالا : حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين ، قال : حدثنا فطر بن خليفة ، عن إسماعيل بن رجاء ، قال : سمعت أبي يقول : سمعت أبا سعيد الخدري قال كنا ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج علينا من بيوت بعض نسائه ، فقمنا معه نمشي فقطع شسع نعله ، فأخذها علي فتخلف عليها ليصلحها ، وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظره ، ونحن قيام معه ، وفي القوم يومئذ أبو بكر وعمر رضي الله عنهما ، فقال : إن منكم لمن ليقاتلن على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله ، فاستشرف لها أبو بكر وعمر فقال : لا ، ولكنه خاصف النعل فأتيته لأبشره بما قيل له ، وكأنه لم يرفع به رأسا كأنه شيء قد سمعه . 4687 - وحدثنا فهد ، قال : حدثنا محمد بن سعيد ابن الأصبهاني ، قال : حدثنا يحيى بن عبد الملك بن أبي غنية ، عن أبيه ، عن إسماعيل بن رجاء ، عن أبيه . عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : كنا جلوسا في المسجد فخرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكأنما على رؤوسنا الطير ، لا يتكلم أحد منا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن منكم من يقاتل الناس على تأويل القرآن كما قاتلتهم على تنزيله ، فقال أبو بكر رضي الله عنه : أنا هو يا رسول الله ؟ قال لا قال عمر : أنا هو يا رسول الله ؟ قال لا ، ولكنه خاصف النعل في الحجرة فخرج علينا علي ومعه نعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلح منها . قال أبو جعفر : فطلبنا اسم أبي إسماعيل بن رجاء وهل روى عنه غير ابنه فوجدنا محمد بن إسماعيل البخاري ، قد ذكر أنه رجاء بن أبي ربيعة قال وقد روى عن البراء بن عازب ، وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه . قال أبو جعفر : وكان ممن روى عنه سوى ابنه يحيى بن هانئ . 4688 - كما حدثنا حسين بن نصر ، قال : حدثنا أبو نعيم ، قال : حدثنا سفيان ، عن يحيى بن هانئ ، عن رجاء الزبيدي . عن البراء أنه كان يمسح على الجوربين والنعلين . فتأملنا هذا الحديث فوجدنا ما فيه غير ما في الحديث الذي ذكرنا في الباب الذي قبل هذا الباب ، فكان ما في الحديث الذي ذكرناه في الباب الذي قبل هذا الباب من الوعيد من أجل المعنى الذي سأله رسول الله صلى الله عليه وسلم من سأله إياه من قريش الذين جاؤوه من مكة ، وكان في الحديث الذي ذكرنا في هذا الباب وعد رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي وعده ممن ذكر فيه أنه يقاتل بعده على تأويل القرآن كما قاتل هو صلى الله عليه وسلم على تنزيله ، وكان ما في هذا الحديث وعد لا بد من أن يكون وقد كان مما أجراه الله على يد علي بن أبي طالب رضي الله عنه من قتاله أهل التأويل الذين ذكرهم في كتابه . 4689 - كما حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، قال : حدثنا عبد الله بن داود الخريبي ، عن بسام الصيرفي ، عن أبي الطفيل . أن ابن الكواء سأل عليا عليه السلام ، عن قول الله جل وعز الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا قال هم أهل حروراء . قال أبو جعفر : وهم الذين قاتلهم علي على تأويل القرآن . 4690 - وكما حدثنا إبراهيم ، قال : حدثنا وهب بن جرير ، عن شعبة ، عن عمرو بن مرة ، عن مصعب بن سعد قال كنت آخذ على أبي رضي الله عنه المصحف فأتى على هذه الآية : قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ، قال : قلت : أهم الحرورية ؟ قال لا ولكنهم كفرة أهل الكتاب ، أما اليهود فلا يؤمنون بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وأما النصارى فلا يؤمنون بالجنة فيقولون ليس فيها طعام ولا شراب ، ولكن قوله عز وجل الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ ، أولئك هم الحرورية . قال أبو جعفر : وهم المذكورون في تأويل علي رضي الله عنه وكان ما في الحديث الذي ذكرناه في الباب الأول وعيدا والوعيد فلصاحبه أن ينجزه وله أن لا ينجزه ، والذي في هذا الحديث وعد والوعد لا بد من إنجازه ، وقد أنجزه الله عز وجل لمن وعده إياه على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فمما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الوعد والوعيد أنهما كما ذكرنا . 4691 - كما حدثنا إبراهيم بن أبي داود ، قال : حدثنا هدبة بن خالد ، قال : حدثنا سهيل بن أبي حزم القطعي ، قال : حدثنا ثابت البناني . عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من وعده الله عز وجل على عمل ثوابا فهو منجزه له ومن وعده على عمل عقابا فهو فيه بالخيار . قال أبو جعفر : وهكذا هو في كلام العرب وعند أهل اللغة . 4692 - ولقد سمعت بكار بن قتيبة يذكر عن الأصمعي قال كنا عند أبي عمرو بن العلاء فأتاه عمرو بن عبيد فقال له : يا أبا عمرو ، أيجوز أن يعد الله عز وجل على عمل ثوابا ، ثم لا ينجزه ؟ قال أبو عمرو لا ، قال فكذلك إذا أوعد على عمل عقابا فلا يجوز أن لا ينجزه فقال له أبو عمرو : من قبل العجمة أتيت ، إن العرب كانت إذا وعدت فشرفها أن تفي وذا أوعدت فشرفها أن لا تفي . قال أبو جعفر : فذكرت أنا هذا الحديث لمحمد بن جعفر المعروف بابن الإمام فعرفه ، وقال : سمعته من سوار بن عبد الله العنبري القاضي كما ذكرته لي عن بكار غير أن سوارا زاد ما فيه ، عن الأصمعي قال : ثم التفت أبو عمرو إلينا فأنشدنا : ولا يرهب ابن العم والجار صولتي ولا أختشي من صولة المتهدد وإني إن أوعدته أو وعدته لأخلف أبعادي وأنجز موعدي . فقال قائل : الحديثان جميعا إنما كانا في معنى واحد ، وقد دل على ذلك وصفه الرجل الذي ذكره بخصف النعل ، ولكن الرواة لم يضبطوه فجاؤوا به على ما جاؤوا به مما جعلته أنت من أجل ذلك حديثين مختلفين . فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعونه أن الأمر لم يكن في ذلك كما توهم ، لأن رواة الحديثين جميعا عدول في أنفسهم وفقهاء في دين ربهم وأثبات في أحاديث نبيهم صلى الله عليه وسلم ، وفصحاء في لغاتهم يعرفون ما خوطبوا به ؛ لأنهم خوطبوا بلغتهم ولأنهم الفهماء بأمور دينهم ، والناقلون إلينا ما سمعوه من نبيهم وممن سمعه منه رضوان الله عليهم ، وأما خصف النعل فقد يجوز أن يكون في يومين مختلفين ، وذلك أولى ما حملت عليه الروايات حتى لا تتضاد ، ومما قد حقق الوعد الذي كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي ذكرناه في هذا الباب ما كان في أمر ذي الخويصرة . 4693 - كما حدثنا أحمد بن شعيب ، قال : أخبرنا علي بن المنذر الكوفي الطريقي ، قال : حدثنا محمد بن فضيل ، قال : حدثنا عاصم بن كليب الجرمي ، عن أبيه . قال : كنت عند علي بن أبي طالب رضي الله عنه جالسا إذ دخل عليه رجل عليه ثياب السفر وعلي يكلم الناس ويكلمونه ، فقال : يا أمير المؤمنين أتأذن أن أتكلم فلم يلتفت إليه فجلس إلي الرجل فسألته ما خبره ؟ فقال : كنت معتمرا فلقيت عائشة فقالت لي : هؤلاء القوم الذين خرجوا في أرضكم يسمون حرورية ؟ قلت : خرجوا في موضع يسمى حروراء ، فسموا بذلك فقالت : طوبى لمن شهد - تعني هلكتهم - لو شاء ابن أبي طالب لأخبركم بخبرهم ، فجئت أسأله عن خبرهم ، فلما فرغ علي رضي الله عنه قال أين المنادي فقص عليه كما قص علينا ، قال إني دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس عنده أحد غير عائشة أم المؤمنين ، فقال لي : يا علي كيف أنت وقوم كذا وكذا ؟ قلت : الله ورسوله أعلم ، ثم أشار بيده إلى قوم يخرجون من المشرق يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم ، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية فيهم رجل مخدج كأن يده ثدي ، أنشدكم الله أأخبرتكم بهم ؟ قالوا اللهم نعم ، فأتيتموني فأخبرتموني أنه ليس فيهم فحلفت لكم بالله عز وجل إنه فيهم ، فأتيتموني تسحبونه كما نعت لكم ، قالوا نعم قال صدق الله ورسوله . 4694 - وكما حدثنا محمد بن أحمد بن جعفر الكوفي قال : حدثنا أحمد بن عمران الأخنسي ، قال : حدثنا محمد بن فضيل ، ثم ذكر بإسناده مثله . 4695 - وكما حدثنا يزيد بن سنان ، قال : حدثنا موسى بن إسماعيل ، قال : حدثنا حماد بن سلمة ، عن أيوب ، عن محمد بن سيرين ، عن عبيدة . أن عليا رضي الله عنه قال فيهم مخدج اليد أو مثدن اليد أو مودن اليد ، فطلبوه في القتلى فلم يجدوه ، فقال : لولا أن تبطروا لأخبرتكم بما قضى الله عز وجل على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم لمن قتل هؤلاء عارفا لهدانا مستبصرا لضلالتهم . 4696 - وكما حدثنا يزيد ، قال : حدثنا عبد الله بن بكر السهمي ، قال : حدثنا هشام بن حسان ، عن محمد ، عن عبيدة . عن علي رضي الله عنه فذكر مثله وزاد فقلت له : أنت سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : إي ورب الكعبة أي ورب الكعبة أي ورب الكعبة . 4697 - كما حدثنا أحمد بن شعيب ، قال : أخبرنا إسماعيل بن مسعود ، قال : أخبرنا المعتمر بن سليمان ، عن عوف ، قال : حدثنا محمد بن سيرين ، قال : قال عبيدة ، ثم ذكر هذا الحديث وزاد فيه : فاتبعناه فوجدناه فدللناه عليه فلما رآه قال : الله أكبر الله أكبر . 4698 - وكما حدثنا أحمد ، قال : أخبرنا العباس بن عبد العظيم العنبري ، قال : حدثنا عبد الرزاق ، قال : حدثنا عبد الملك بن أبي سليمان ، عن سلمة بن كهيل ، قال : حدثنا زيد بن وهب أنهم كانوا في الجيش الذين كانوا مع علي الذين ساروا إلى الخوارج فقال علي : أيها الناس إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : سيخرج قوم من أمتي يقرؤون القرآن ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشيء ، ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء يقرؤون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم ، لا تجاوز صلاتهم تراقيهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية ، لو يعلم الجيش الذين يصيبونهم ما قضى الله لهم على لسان نبيهم صلى الله عليه وسلم لاتكلوا عن العمل ، وآية ذلك أن فيهم رجلا له عضد وليست له ذراع على رأس عضده مثل حلمة ثدي المرأة عليه شعرات بيض . قال سلمة : فنزلني زيد منزلا منزلا ، حتى قال مررنا على قنطرة فلما التقينا وعلى الخوراج يومئذ عبد الله بن وهب الراسبي قال لهم ألقوا الرماح وسلوا سيوفكم من جفونها ؛ فإني أخاف أن يناشدوكم فسلوا السيوف وألقوا جفونها ، وشجرهم الناس يعني برماحهم ، فقتل بعضهم على بعض وما أصيب من الناس يومئذ إلا رجلان قال علي : التمسوا فيهم المخدج فلم يجدوه فقام علي رضي الله عنه بنفسه حتى أتى ناسا قتلى بعضهم على بعض ، قال جردوهم فوجدوه مما يلي الأرض فكبر علي رضي الله عنه وقال صدق الله عز وجل ، وبلغ رسوله صلى الله عليه وسلم فقام إليه عبيدة ، ثم ذكر بقية الحديث الذي قبل هذا الحديث . 4699 - وكما حدثنا محمد بن علي بن داود ، قال : حدثنا أحمد بن جميل المروزي ، قال : حدثنا يحيى بن عبد الملك بن حميد بن أبي غنية ، عن عبد الملك بن أبي سليمان ، ثم ذكر الحديث الذي قبل هذا الحديث . 4700 - وكما حدثنا يونس ، قال : أخبرنا عبد الله بن وهب قال : أخبرني عمرو بن الحارث ، عن بكير بن الأشج ، عن بسر بن سعيد ، عن عبيد الله بن أبي رافع . أن الحرورية لما خرجت مع علي رضي الله عنه قالوا : لا حكم إلا لله قال علي كلمة حق أريد بها باطل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصف أناسا إني لأعرف صفتهم في هؤلاء الذين يقولون الحق بألسنتهم لا يجاوز هذا منهم وأومأ إلى حلقه من أبغض خلق الله عز وجل إليه منهم أسود إحدى يديه طبي شاة أو حلمة ثدي فلما قاتلهم علي قال انظروا فلم يجدوا شيئا قال ارجعوا فوالله ما كذبت ولا كذبت مرتين أو ثلاثا ، ثم وجدوه في خربة فأتوا به حتى وضعوه بين يديه قال عبيد الله أنا حاضر ذلك من أمرهم وقول علي فيهم . 4701 - وكما حدثنا يونس ، قال : حدثنا ابن وهب قال : أخبرني يونس ، عن ابن شهاب ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أخبره . عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال بينا نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقسم قسما له أتى ذو الخويصرة وهو رجل من بني تميم قال ، يا رسول الله اعدل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ويلك فمن يعدل إذا لم أعدل لقد خبت وخسرت إن لم أعدل قال عمر بن الخطاب يا رسول الله ائذن لي فيه أضرب عنقه قال دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شيء ، ثم ينظر إلى رصافه فلا يوجد فيه شيء ، ثم ينظر إلى نضيه وهو القدح فلا يوجد فيه شيء ، ثم ينظر إلى قذذه فلا يوجد فيه شيء سبق الفرث والدم آيتهم رجل أسود إحدى عضدية مثل ثدي المرأة أو مثل البضعة تدردر يخرجون على خير فرقة من الناس ، قال أبو سعيد فأشهد أني سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأشهد أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قاتلهم وأنا معه ، فأمر بذلك الرجل فالتمس فأتي به حتى نظرت إليه على نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي نعت . 4702 - وكما حدثنا الربيع المرادي وسليمان الكيساني ، قالا : حدثنا بشر بن بكر ، قال : حدثنا الأوزاعي ، قال : حدثني الزهري ، قال : حدثني أبو سلمة ، عن أبي سعيد ، ثم ذكر مثله . 4703 - وكما حدثنا الربيع المرادي ، قال : حدثنا بشر بن بكر ، عن الأوزاعي أنه حدثه ، عن قتادة . عن أنس بن مالك وعن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال سيكون في أمتي اختلاف وفرقة وقوم يحسنون القيل ويسيئون الفعل ويقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم ، يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية ، ثم لا يرجعون إليه حتى يزيد على فوقه ، هم شر الخلق والخليقة طوبى لمن قتلهم وقتلوه يدعون إلى كتاب الله عز وجل وليسوا منه في شيء ومن قاتلهم كان أولى بالله عز وجل منهم قالوا يا رسول الله ما سيماهم قال سيماهم التحليق . ثم روى ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضا في وصف القاتلين لهؤلاء القوم . 4704 - ما قد حدثنا فهد ، قال : حدثنا أبو نعيم ح . وما قد حدثنا الحسين الحبري ، قال : حدثنا عفان ، قالا : حدثنا القاسم بن الفضل ، عن أبي نضرة . عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : تمرق مارقة عند فرقة من المسلمين يقتلها أولى الطائفتين بالحق . قال أبو جعفر : فهؤلاء أهل التأويل الذين قاتلهم علي وأصحابه على ما قاتلهم عليه ممن تقدم وعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم بما تقدم به وهذا من الخصائص التي اختص الله عز وجل بها خلفاء رسوله الراشدين المهديين رضوان الله عليهم فكانت هذه من خصائص علي وهو منهم ولم تكن لغيره منهم . كما كان من خصائص أبي بكر رضي الله عنه وهو منهم ما اختصه الله به من قتال أهل الردة الذين طلبوا إعادة أمر الجاهلية ومحق ما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم من الإسلام حتى أفناهم الله على يده وحتى أعاد به الإسلام الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث به ولم يكن ذلك لأحد من الخلفاء سوى أبي بكر رضي الله عنه ومن ذلك ما اختص الله به عمر رضي الله عنه وهو منهم من قتال العجم حتى فتح الله عز وجل على يده ما جعله للمسلمين معقلا وما جعل منه فناء وما جعل له منهم ما يقيمون به ما يحتاجون إلى إقامته إلى يوم القيامة ، ولم يجر ذلك على يدي أحد من أصحابه دونه ومن ذلك ما اختص به عثمان رضي الله عنه وهو منهم من كتابة المصاحف وبثها في البلدان حتى جمع الله الناس به على حرف واحد أقام به الحجة وأبان به أن من خالف حرفا منه كان كافرا وأعاذنا الله عز وجل به أن نكون كأهل الكتابين قبلنا الذين اختلفوا في كتابهم حتى تهيأ لمن تهيأ منهم تبديله وحتى تكافؤوا فيما يدعون من الاختلاف فيه . فرضوان الله على خلفاء رسوله وصلواته ورحمته ونحن نسأل الله عز وجل أن يجزيهم عنا أفضل ما جزى به أحدا من أنبيائه على طاعته إياه ونحمد الله عز وجل إذ عرفنا بأماكنهم وبفضائلهم وبخصائصهم ، ولم يجعل في قلوبنا غلا لأحد منهم ولا لمن سواهم من صحابة نبيه رضوان الله عليهم والله عز وجل نسأله التوفيق .
237 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَوْلِهِ : ( لَا يُقْتَلُ قُرَشِيٌّ بَعْدَ الْيَوْمِ صَبْرًا ) ) . 1730 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَسَدُ بْنُ مُوسَى ، قَالَ : حدثنا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ الشَّعْبِيِّ ، قَالَ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُطِيعٍ : سَمِعْت مُطِيعًا يَقُولُ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ يَقُولُ : ( لَا يُقْتَلُ قُرَشِيٌّ صَبْرًا بَعْدَ هَذَا الْيَوْمِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ) . 1731 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ يُونُسَ الْبَغْدَادِيُّ ، قَالَ : حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ الطُّوسِيُّ ، قَالَ : حدثنا يَعْقُوبُ - يَعْنِي : ابْنَ إبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ - قَالَ : حدثنا أَبِي ، عَنْ ابْنِ إِسْحَاقَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي شُعْبَةُ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي السَّفَرِ ، عَنْ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُطِيعِ بْنِ الْأَسْوَدِ ، عَنْ أَبِيهِ - وَكَانَ اسْمُهُ الْعَاصِي فَسَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُطِيعًا - قَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أَمَرَ بِقَتْلِ هَؤُلَاءِ الرَّهْطِ بِمَكَّةَ يَقُولُ : ( لَا تُغْزَى مَكَّةُ بَعْدَ هَذَا الْعَامِ أَبَدًا وَلَا يُقْتَلُ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ صَبْرًا بَعْدَ الْعَامِ ) . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَكَانَ هَذَا الْقَوْلُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا لَمْ يَذْكُرْ لَنَا فِيهِ مَنْ رَوَى لَنَا هَذَا الْحَدِيثَ لَفْظَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِ مُعْرَبًا ، وَذَلِكَ مِمَّا يَقَعُ فِيهِ الْإِشْكَالُ ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ لَا يُقْتَلُ بِالْحَرَمِ كَانَ ذَلِكَ عَلَى الْأَمْرِ ، وَفِي ذَلِكَ خِلَافٌ لِأَحْكَامِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ الْمَذْكُورَةِ فِي غَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ ؛ لِأَنَّ أَحْكَامَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّ الْقُرَشِيَّ يُقْتَلُ قَوَدًا إذَا قَتَلَ عَمْدًا ، وَأَنَّهُ يُرْجَمُ إذَا زَنَى مُحْصَنًا ، وَحَاشَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَكُونَ لَفْظُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ الْحَرْفِ يَخْرُجُ مِنْ هَذِهِ الْأَحْكَامِ ، وَلَكِنَّهُ عِنْدَنَا - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - لَا يُقْتَلُ مَرْفُوعًا ، فَيَكُونُ ذَلِكَ عَلَى الْخَبَرِ كَمِثْلِ مَا قَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي مَا تَقَدَّمَ مِنَّا فِي كِتَابِنَا هَذَا ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَوْلِهِ : ( لَا يُلْدَغُ مُؤْمِنٌ مِنْ جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ ) ، وَأَتَيْنَا فِي ذَلِكَ بِمَا يُوجِبُ أَنَّهُ عَلَى الْخَبَرِ لَا عَلَى الْأَمْرِ ، فَغَنِينَا بِذَلِكَ عَنْ إعَادَتِهِ هَاهُنَا . فَقَالَ قَائِلٌ : فَقَدْ رَأَيْنَا مَنْ لَا يُحْصَى عَدَدُهُ مِنْ قُرَيْشٍ قَدْ قُتِلُوا فِي الْإِسْلَامِ صَبْرًا ، وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا خُلْفَ لِقَوْلِهِ . فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ وَعَوْنِهِ ، أَنَّ مُرَادَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ : ( لَا يُقْتَلُ قُرَشِيٌّ بَعْدَ الْعَامِ صَبْرًا ) ، إنَّمَا هُوَ أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ بَعْدَ ذَلِكَ الْعَامِ قُرَشِيٌّ صَبْرًا عَلَى مَا أَبَاحَ مِنْ قَتْلِ الْأَرْبَعَةِ الْقُرَشِيِّينَ الْمَذْكُورِينَ فِي حَدِيثِ سَعْدٍ عَلَيْهِ عَامَئِذٍ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ قَتْلًا عَلَى مُحَارَبَةٍ ، قُتِلَ مَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ فِيهَا عَلَى الْكُفْرِ ، وَذَلِكَ بِحَمْدِ اللَّهِ ، لَمْ يَكُنْ مِنْ عَامَئِذٍ فِي قُرَشِيٍّ بَعْدَ ذَلِكَ الْعَامِ عَادَ كَافِرًا مُحَارِبًا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ فِي دَارِ كُفْرٍ إلَى يَوْمِنَا هَذَا ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَا يُخْلِفُ وَعْدَهُ رُسُلَهُ . وَمِمَّا قَدْ دَلَّ عَلَى مَا قُلْنَا مِنْ ذَلِكَ مَا قَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي مَكَّةَ . 1732 - كَمَا قَدْ حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ الْفَرَجِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَامِدُ بْنُ يَحْيَى ، قَالَ : حدثنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ ، عَنْ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ الْحَارِثِ بْنِ الْبَرْصَاءِ ، قَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ : ( لَا تُغْزَى مَكَّةُ بَعْدَ هَذَا الْيَوْمِ أَبَدًا ) . قَالَ سُفْيَانُ : تَفْسِيرُهُ أَنَّهُمْ لَا يَكْفُرُونَ أَبَدًا ، وَلَا يُغْزَوْنَ عَلَى الْكُفْرِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَكَذَلِكَ مَعْنَى لَا يُقْتَلُ قُرَشِيٌّ بَعْدَ الْعَامِ صَبْرًا إنَّمَا يُرَادُ بِهِ هَذَا الْمَعْنَى أَنَّهُمْ لَا يَعُودُونَ كُفَّارًا يُغْزَوْنَ حَتَّى يُقْتَلُوا عَلَى الْكُفْرِ ، كَمَا لَا تَعُودُ مَكَّةُ دَارَ كُفْرٍ تُغْزَى عَلَيْهِ وَبِاَللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ التَّوْفِيقُ .
871 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في العمرى : في كيفيتها ، وفي الحكم فيها . 6440 - حدثنا يونس ، حدثنا سفيان ، عن عمرو بن دينار ، عن سليمان بن يسار : أن أميرا كان على المدينة يقال له : طارق قضى بالعمرى للوارث ، عن قول جابر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم . 6441 - حدثنا يزيد بن سنان ، حدثنا أبو عاصم ، أخبرنا ابن جريج ، عن أبي الزبير ، قال : أشهد لسمعت جابر بن عبد الله ، يقول : قال النبي صلى الله عليه وسلم : من أعمر شيئا فهو له حياته ومماته . 6442 - وحدثنا بكار بن قتيبة ، حدثنا حبان بن هلال ، حدثنا أبان العطار ، عن يحيى وهو ابن أبي كثير ، حدثني أبو سلمة ، عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : العمرى لمن وهبت له 6443 - وحدثنا يونس ، أخبرنا بشر بن بكر ، أخبرني الأوزاعي ، عن ابن شهاب ، عن عروة بن الزبير ، عن جابر بن عبد الله : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من أعمر عمرى ، فهي له ولعقبه يرثها من يرثه من عقبه . ففي هذه الآثار : أن العمرى لمن أعمرها في حياته وبعد وفاته ، وكانت هذه العمرى مما قد اختلف أهل العلم في كيفيتها . فقالت طائفة منهم : هي قول الرجل للرجل : قد ملكتك داري هذه أيام حياتك ، فتكون له بذلك في حياته ، وتكون لورثته بعد وفاته وممن ذهب إلى ذلك : أبو حنيفة ، والثوري ، وأصحابهما ، والشافعي . وقال آخرون : العمرى التي لها هذا الحكم هي العمرى التي يقول الرجل للرجل : قد أعمرتك ولعقبك داري هذه ، فتكون له في حياته ، وإن لم يذكر فيها : ولعقبك رجعت إلى المعمر ، بعد موت المعمر ، وممن كان يقول ذلك منهم ابن شهاب ، ومالك ، وكثير من أهل المدينة ، واحتج القائلون لقولهم في ذلك : 6444 - بما قد حدثنا عبيد بن رجال ، حدثنا أحمد بن صالح ، حدثنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر ، عن الزهري ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن جابر بن عبد الله قال : إنما العمرى التي أجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول : هي لك ولعقبك ، فأما إذا قال : هي لك ما عشت ، فإنها ترجع إلى صاحبها ، وكان الزهري يفتي بذلك . وكان هذا الحديث عند مخالفيهم إنما يدل على كلام الزهري ، فغلظ فيه عبد الرزاق فجعله عن معمر ، عن الزهري ، عن أبي سلمة ، عن جابر بذلك الكلام ، والدليل عليه : أن من هو أحفظ من عبد الرزاق - وهو ابن المبارك - قد رواه عن معمر بخلاف ذلك . 6445 - كما حدثنا يحيى بن عثمان ، حدثنا نعيم بن حماد ، حدثنا ابن المبارك ، أخبرنا معمر ، عن الزهري ، حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن أن جابر بن عبد الله أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى أنه من أعمر رجلا عمرى ، فهي للذي أعمرها ولورثته من بعده . وقد روى هذا الحديث غير معمر ، عن الزهري بما يدل على هذا المعنى أيضا . 6446 - كما حدثنا يزيد بن سنان ، حدثنا أبو بكر الحنفي قال : حدثنا ابن أبي ذئب ، عن الزهري ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن جابر بن عبد الله : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى فيمن أعمر عمرى أنها له ولعقبه ، فهي له بتة لا يجوز للمعطي فيها شرط ولا رضا . قال أبو سلمة : لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث ، فقطعت المواريث شرطه . 6447 - وكما حدثنا يزيد ، حدثنا بشر بن عمر ، حدثنا مالك بن أنس ، عن ابن شهاب ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أيما رجل أعمر عمرى له ولعقبه ، فإنها للذي أعطيها لا ترجع إلى الذي أعطاها ، لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث . 6448 - وكما حدثنا يونس ، أخبرنا ابن وهب ، أخبرنا مالك ، ثم ذكر بإسناده مثله . 6449 - وكما حدثنا يزيد بن سنان ، وهارون بن كامل قالا : حدثنا عبد الله بن صالح ، حدثني الليث ، حدثني ابن شهاب ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن جابر بن عبد الله أنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من أعمر رجلا عمرى له ولعقبه ، فقد قطع قوله حقه منها ، وهي لمن أعمرها ولعقبه . فقال قائل : ففي هذا الحديث من رواية ابن أبي ذئب ، ومالك ، والليث ، عن الزهري : من أعمر عمرى له ولعقبه ، ففيها ذكر العمرى للعقب ، فقد حقق ذلك حديث عبد الرزاق ، عن معمر الذي ذكرت . وكان جوابنا له في ذلك : أن ذلك لم يخرج عما قد حملنا عليه حديث معمر ، وأن هذا الكلام الذي فيه إنما هو من كلام غير النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد دل على ذلك ما في حديث ابن أبي ذئب من إضافته بعض ذلك الكلام إلى أبي سلمة وإخراجه إياه من كلام النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد دل على ذلك أيضا : ما قد كان بين قتادة وبين الزهري في ذلك من الاختلاف في المكان الذي اجتمعا فيه واحتجاج قتادة عليه فيه بما احتج عليه فيه . 6450 - كما حدثنا ابن أبي داود ، حدثنا أبو عمر الحوضي ، حدثنا همام بن يحيى ، حدثنا قتادة قال : قال لي سليمان بن هشام : ما تقول في العمرى ؟ قلت : حدثني النضر بن أنس ، عن بشير بن نهيك ، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : العمرى جائزة . فقال الزهري : إنها لا تكون عمرى حتى تجعل له ولعقبه ، قال : فقال لعطاء - يعني ابن أبي رباح - : ما تقول ؟ فقال : حدثني جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : العمرى جائزة . أفلا ترى إلى سكوت الزهري عندما حدث عطاء عن جابر بما حدث به عنه من تركه ذكر العقب ، وترك الزهري الرد عليه بأن يقول له : فقد حدثني أبو سلمة ، عن جابر بخلاف الذي يحدثه عن جابر ، وفي سكوته عن ذلك دليل أن ذكر العقب ليس في حديث جابر من حديث أبي سلمة ، كما ليس هو في حديث جابر من حديث عطاء . وقد روى أبو الزبير المكي هذا الحديث عن جابر مفسرا . 6451 - كما حدثنا يزيد بن سنان ، حدثنا وهب بن جرير ، حدثنا هشام - يعني الدستوائي عن أبي الزبير ، عن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أعمر عمرى حياته ، فهي له حياته وبعد موته . فدل ذلك أن العمرى المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم ليس فيها لعقب المعمر ذكر ، وأنها تجري بخلاف ما اشترطه المعمر فيها ، وأن شرطة فيها كلا شرط وقد دل على ذلك حديث حبيب بن أبي ثابت ، عن ابن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم فيها الذي ذكرناه في الباب الذي قبل هذا الباب ، وأن من أعمرها حياته ، فهي له حياته وبعد وفاته . ثم هذا عبد الله بن عمر قد أفتى بذلك بعد النبي صلى الله عليه وسلم . 6452 - كما حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، حدثنا بشر بن عمر ، حدثنا شعبة ، عن حبيب بن أبي ثابت ، قال : سمعت ابن عمر ، وسأله رجل عن رجل وهب لرجل ناقة حياته فنتجت ، قال : هي له وأولادها ، قال : فسألته بعد ذلك فقال : هي له حيا وميتا . قال أبو جعفر : ومعقول من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا المعنى لإجماعهم أنه إذا جعلها له ولعقبه فمات المجعول له ، وله زوجة أنها ترث منها ما ترث الزوجة من سائر ماله سواها ، وأنها تباع في قضاء دينه إن كان عليه دين ، وأنه تنفذ فيها وصاياه إن كان أوصى فيها بشيء ، وفي ذلك ما قد دل أن الشرط فيها منتف عنها ، وأنه لا يعمل فيها ، لأنه لو كان يعمل فيها لم تخرج عنه إلى غيره ، وفي خروجها عنه إلى غيره فيما ذكرنا دليل على أنها تخرج عنه في الأحوال كلها . وقد روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في العمرى جوازها غير واحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سوى من ذكرنا . 6453 - كما حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، حدثنا أبو الوليد ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن عبد الله بن محمد بن عقيل ، عن محمد بن علي ، عن معاوية : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : العمرى جائزة لأهلها . 6454 - وكما حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، حدثنا أبو عاصم ، عن ابن جريج ، عن عمرو بن دينار ، عن طاووس ، عن حجر بن قيس ، عن زيد بن ثابت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : العمرى ميراث . 6455 - وكما حدثنا ابن أبي داود ، حدثنا محمد بن المنهال ، حدثنا يزيد بن زريع ، حدثنا روح بن القاسم ، عن عمرو بن دينار ، عن طاووس ، عن حجر المدري ، عن زيد بن ثابت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : سبيل العمرى سبيل الميراث . 6456 - وكما حدثنا محمد بن بحر بن مطر ، حدثنا أبو النضر هاشم بن القاسم ، حدثنا محمد بن مسلم الطائفي ، عن إبراهيم بن ميسرة ، عن طاووس ، عن زيد بن ثابت - ولم يذكر بينهما أحدا - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : من أعمر شيئا حياته ، فهو له ولوارثه . 6457 - وكما حدثنا يونس ، حدثنا سفيان ، عن عمرو ، عن طاووس ، عن حجر ، عن زيد بن ثابت أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالعمرى للوارث . 6458 - وكما حدثنا فهد ، حدثنا علي بن معبد ، حدثنا إسماعيل بن أبي كثير - يعني ابن جعفر عن محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا عمرى ، فمن أعمر شيئا فهو له . 6459 - وكما حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، حدثنا عفان ، حدثنا همام ، حدثنا قتادة ، عن الحسن ، عن سمرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : العمرى جائزة . وفيما ذكرنا من هذا ما قد بان به صحة ما قد ذهب إليه في العمرى أبو حنيفة ، وأصحابه ، والشافعي وانتفى به ما قال مخالفوهم فيها . وقد ذكرنا حديث أبي الزبير من حديث هشام في هذا الباب ، وأغفلنا أن نذكر مع الثوري إذ كان قد رواه عن هشام فاحتجنا إلى ذكره هاهنا . 6460 - وهو ما قد حدثنا فهد ، حدثنا أبو نعيم ، حدثنا سفيان ، عن أبي الزبير ، عن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أمسكوا عليكم أموالكم لا تعمروها ، فمن أعمر شيئا ، فهو له وأغفلنا أن نذكر موافقة زهير بن معاوية هشاما على ذلك ، وذلك أن . 6461 - روح بن الفرج قد حدثنا ، قال : حدثنا عمرو بن خالد ، حدثنا زهير بن معاوية ، حدثنا أبو الزبير ، عن جابر ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أمسكوا عليكم أموالكم لا تفسدوها ، فإنه من أعمر عمرى ، فهي له حيا وميتا ، ولعقبه . قال أبو جعفر : وعقبه كل من أعقبه في ماله بميراث عنه ، أو بوصية منه به له ، والله نسأله التوفيق .
238 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا ( رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَوْلِهِ لِمَنْ كَانَ دَعَاهُ وَهُوَ يُصَلِّي فَلَمْ يُجِبْهُ حَتَّى فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ ، ثُمَّ أَتَاهُ مُجِيبًا لَهُ بِقَوْلِهِ : مَا مَنَعَك أَنْ تُجِيبَنِي ؟ قَالَ : كُنْت أُصَلِّي . قَالَ : أَفَلَمْ تَجِدْ فِيمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيَّ : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ) . قَدْ ذَكَرْنَا مِمَّا يَدْخُلُ فِي هَذَا الْبَابِ فِي بَابِ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمُرَادِ بِقَوْلِ الله عَزَّ وَجَلَّ : وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي ، وَحَدِيثِ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْعَلَاءِ الَّذِي يَدْخُلُ فِي هَذَا الْبَابِ . 1733 - وقد حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُد ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُطَرِّفِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَوْلَى الْحُرَقَةِ ، عَنْ أَبِيهِ ، ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَهُوَ يُصَلِّي ، فَقَالَ : يَا أُبَيّ ، فَالْتَفَتَ أُبَيٌّ فَلَمْ يُجِبْهُ ، ثُمَّ صَلَّى فَخَفَّفَ ، ثُمَّ انْصَرَفَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : السَّلَامُ عَلَيْك يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَعَلَيْك السَّلَامُ ، مَا مَنَعَك أَنْ تُجِيبَنِي إذْ دَعَوْتُك ؟ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، كُنْت فِي الصَّلَاةِ . قَالَ : أَفَلَمْ تَجِدْ فِيمَا أَوْحَى اللَّهُ إلَيَّ أَنْ اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ؟ قَالَ : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَلَا أَعُودُ إنْ شَاءَ اللَّهُ ) . 1734 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ دَاوُد ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ الْعُثْمَانِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الدَّرَاوَرْدِيُّ ، عَنْ الْعَلَاءِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَفِيمَا رَوَيْنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إيجَابُهُ عَلَى مَنْ دَعَاهُ وَهُوَ يُصَلِّي إجَابَتَهُ وَتَرْكَ صَلَاتِهِ ، وَأَنَّ ذَلِكَ أَوْلَى بِهِ مِنْ تَمَادِيهِ فِي صَلَاتِهِ بِمَا يُلَامُ عَلَيْهِ مِمَّا أَنْزَلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِ ، إذْ كَانَ الْمُصَلِّي قَدْ يَقْدِرُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ صَلَاتِهِ إلَى الْفَضْلِ الَّذِي يُصِيبُهُ فِي إجَابَتِهِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَا دَعَاهُ . فَقَالَ قَائِلٌ : أَفَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ إجَابَةُ الرَّجُلِ أُمَّهُ إذَا دَعَتْهُ وَهُوَ يُصَلِّي ؟ فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ وَعَوْنِهِ ، أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُسْتَنْكَرٍ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَسْتَطِيعُ تَرْكَ صَلَاتِهِ وَإِجَابَتَهُ لِأُمِّهِ لِمَا عَلَيْهِ أَنْ يُجِيبَهَا فِيهِ ، وَالْعَوْدَ إلَى صَلَاتِهِ ؛ وَلِأَنَّ صَلَاتَهُ إذَا فَاتَتْ قَضَاهَا ، وَبِرُّهُ أُمَّهُ إذَا فَاتَ لَمْ يَسْتَطِعْ قَضَاءَهُ ، وَقَدْ دَلَّك عَلَى ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جُرَيْجٍ الرَّاهِبِ . 1735 - كَمَا حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمُرَادِيُّ ، قَالَ : حدثنا شُعَيْبُ بْنُ اللَّيْثِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ . قَالَ : قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( نَادَتْ امْرَأَةٌ ابْنَهَا وَهُوَ فِي صَوْمَعَةٍ ، قَالَتْ : يَا جُرَيْجُ . قَالَ : اللَّهُمَّ أُمِّي أَوْ صَلَاتِي ؟ قَالَتْ : يَا جُرَيْجُ . قَالَ : اللَّهُمَّ أُمِّي أَوْ صَلَاتِي ؟ حَتَّى كَانَ ذَلِكَ مِنْهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ . قَالَتْ : اللَّهُمَّ لَا يَمُتْ جُرَيْجٌ حَتَّى يَنْظُرَ فِي وَجْهِهِ الْمَيَامِسُ ، وَكَانَ يَأْوِي إلَى صَوْمَعَتِهِ رَاعِيَةٌ تَرْعَى الْغَنَمَ ، فَوَلَدَتْ فَقِيلَ لَهَا : مِمَّنْ هَذَا الْوَلَدُ ؟ قَالَتْ : مِنْ جُرَيْجٍ ، فَنَزَلَ مِنْ صَوْمَعَتِهِ . قَالَ : جُرَيْجٌ أَيْنَ هَذِهِ الَّتِي تَزْعُمُ أَنَّ وَلَدَهَا لِي ؟ قَالَ : يَا بَابُوسُ ، مَنْ أَبُوك ؟ قَالَ : أَبِي رَاعِي الْغَنَمِ ) . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَكَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ جُرَيْجًا عُوقِبَ بِتَرْكِ إجَابَةِ أُمِّهِ لَمَّا دَعَتْهُ وَهُوَ يُصَلِّي وَتَمَادِيهِ فِي صَلَاتِهِ بِأَنْ عُوقِبَ بِمَا عُوقِبَ بِهِ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ ، فَدَلَّ ذَلِكَ أَنَّ إجَابَتَهُ أُمَّهُ وَالْعَوْدَ إلَى صَلَاتِهِ بَعْدَ ذَلِكَ كَانَ أَفْضَلَ لَهُ مِنْ التَّمَادِي فِي صَلَاتِهِ وَتَرْكِهِ إجَابَتَهُ أُمَّهُ ، وَاَللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
633 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله للقرشيين الذين كانوا جاؤوا من مكة فقالوا يا محمد إنه قد لحق بك أبناؤنا وأرقاؤنا فارددهم علينا فقال : يا معشر قريش ليبعثن الله عليكم رجلا منكم امتحن الله قلبه للإيمان يضربكم على الدين . 4678 - حدثنا فهد بن سليمان ، قال : حدثنا محمد بن سعيد ابن الأصبهاني ، قال : حدثنا شريك بن عبد الله النخعي ، عن منصور بن المعتمر ، عن ربعي بن حراش . عن علي رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : لما افتتح مكة وأتاه أناس من قريش فقالوا يا محمد إنا حلفاؤك وقومك وإنه قد لحق بك أبناؤنا وأرقاؤنا وليس بهم رغبة في الإسلام وإنما فروا من العمل فارددهم علينا فشاور أبا بكر رضي الله عنه في أمرهم فقال : صدقوا يا رسول الله فتغير وجهه فقال : يا عمر ما ترى فقال مثل قول أبي بكر ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا معشر قريش ليبعثن الله عز وجل عليكم رجلا منكم امتحن الله عز وجل قلبه للإيمان يضرب رقابكم على الدين ، فقال أبو بكر : أنا هو يا رسول الله ، قال : لا ، قال عمر : أنا هو يا رسول الله ، قال : لا ، ولكنه خاصف النعل في المسجد قال : وكان قد ألقى إلى علي عليه السلام نعله يخصفها قال : وقال علي : أما إني سمعته يقول : لا تكذبوا علي فإنه من يكذب علي يلج النار . 4679 - وحدثنا أحمد بن خالد بن يزيد الفارسي ، قال : حدثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني ، قال : حدثنا شريك ، قال : حدثنا منصور ولو أن غير منصور حدثني ما قبلت منه ولقد سألت منصورا عنه فأبى أن يحدثني به فلما جرت المعرفة بيني وبينه كان هو الذي حدثني به ، قال : حدثنا ربعي بن حراش ، قال : حدثنا علي بن أبي طالب عليه السلام بالرحبة قال اجتمعت قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم سهيل بن عمرو فقالوا ، ثم ذكر مثل حديث فهد سواء . فتأملنا هذا الحديث فوجدنا فيه أن القرشيين المذكورين فيه بعد فتح مكة قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم القول المذكور عنهم فيه فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم جوابا لذلك ما ذكر من جوابه إياهم فيه ، وكان ذلك الفتح هو فتح الحديبية المتقدم لفتح مكة . 4680 - كما حدثنا أحمد بن داود بن موسى ، قال : حدثنا مسدد ، قال : حدثنا بشر بن المفضل ، قال : حدثنا داود بن أبي هند . عن عامر إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ، قال فتح الحديبية وفي قوله : لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ قال فتح الحديبية ، وقد روي هذا القول أيضا عمن هو فوق من عامر وهو أنس بن مالك . كما حدثنا أحمد بن داود ، قال : حدثنا مسدد ، قال : حدثنا يحيى بن سعيد ، عن شعبة ، عن قتادة . عن أنس بن مالك إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا قال الحديبية . وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يحقق ذلك . 4681 - كما حدثنا أحمد بن داود ، قال : حدثنا عبد الأعلى بن حماد النرسي ، قال : حدثنا يزيد بن زريع ، قال : حدثنا سعيد وهو ابن أبي عروبة ، عن قتادة أنه حدثهم ، قال : حدثنا أنس بن مالك أنها نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم مرجعه من الحديبية يعني إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ، وأصحابه يخالطون الحزن والكآبة ، قد حيل بينهم وبين نسكهم ونحروا الهدي بالحديبية ، فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم : لقد نزلت علي آية هي أحب إلي من الدنيا جميعا ، فقرأها نبي الله صلى الله عليه وسلم عليهم ، فقال رجل من القوم : هنيئا مريئا يا رسول الله قد بين الله عز وجل لنا ما يفعل بك ، فماذا يفعل بنا ؟ فأنزل الله عز وجل لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا ، فبين الله عز وجل ما يفعل بنبيه صلى الله عليه وسلم وماذا يفعل بهم . 4682 - وكما حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، قال : حدثنا عفان بن مسلم ، قال : حدثنا همام بن يحيى ، عن قتادة . عن أنس ، ثم ذكر مثله ، غير أنه لم يذكر مرجعه من الحديبية . 4683 - كما حدثنا عبد الملك بن مروان الرقي ، قال : حدثنا حجاج بن محمد ح . وكما حدثنا يزيد بن سنان ، قال : حدثنا يعقوب بن إسحاق الحضرمي وبشر بن عمر الزهراني ، قالا : حدثنا شعبة بن الحجاج ، قال : أخبرنا أبو إياس وهو معاوية بن قرة . قال : سمعت عبد الله بن المغفل يقول : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة على ناقة وهو يقرأ سورة الفتح فرجع فيها . قال شعبة وقرأ أبو إياس الفتح وقال أبو إياس لولا أن يجتمع الناس لقرأت بهذا اللحن أو قال بذاك اللحن واللفظ ليزيد . فدل ما ذكرنا عن أنس أن الفتح المراد في هذه الآية وفي هذه الآثار إنما أريد به فتح الحديبية لا فتح مكة ، وإنما أضيف ذلك الفتح إلى مكة ؛ لأن الله عز وجل قطع به ، عن رسوله صلى الله عليه وسلم ، ثم عن أصحابه رضوان الله عليهم من مشركي أهل مكة ما كانوا لهم عليه وكف بذلك عنهم ، وكان سببا في رفع الحرب بينه وبينهم وقوة أهل الإسلام عليهم وكسر لشوكتهم ، وكان من رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوعيد للذين جاؤوه من قريش من مكة فسألوه ما سألوه في حديث علي المذكور في صدر هذا الباب من الوعيد لهم إن لم ينتهوا ما أوعدهم به ، ولا يكون ذلك إلا وهم على الكفر ولأن مكة دار حرب ، ثم كفاه الله عز وجل ذلك منهم وفتح عليه مكة ودخلوا بذلك في الإسلام على ما دخلوا عليه فيه من طوع أو من كره ، والله نسأله التوفيق .
239 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْكَافِرِ الَّذِي قَدْ كَانَ فِي أَصْحَابِهِ ، فَنَذَرَ رَجُلٌ مِنْهُمْ إنْ قَدَرَ عَلَيْهِ أَنْ يَقْتُلَهُ ، فَحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ذَلِكَ إسْلَامُهُ ، فَلَمْ يَقْتُلْهُ لِذَلِكَ . 1736 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ الْمَكِّيُّ الصَّائِغُ ، قَالَ : حدثنا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ الْجُدِّيُّ ، قَالَ : حدثنا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَ : حدثنا أَبُو غَالِبٍ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : ( غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَكَانَ رَجُلٌ مِنْ الْكُفَّارِ أَشَدَّ النَّاسِ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَئِنْ أَمْكَنَهُ اللَّهُ مِنْهُ لَيَضْرِبَنَّ عُنُقَهُ . قَالَ : فَأَظْفَرَ اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ بِهِمْ ، فَكَانُوا يَجِيئُونَ بِهِمْ أَسْرَى ، فَيُبَايِعُهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى جِيءَ بِذَلِكَ الرَّجُلِ ، فَكَفَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعَتِهِ لِيَفِيَ الرَّجُلُ بِنَذْرِهِ ، وَكَرِهَ الرَّجُلُ أَنْ يَقُومَ فَيَضْرِبَ عُنُقَهُ قُدَّامَ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَمَّا رَآهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَصْنَعُ شَيْئًا بَايَعَهُ ، فَجَاءَ الرَّجُلُ إلَى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ بِنَذْرِي ؟ قَالَ : قَدْ كَفَفْت عَنْهُ لِتَفِيَ بِنَذْرِك ، فَلَمْ تَصْنَعْ شَيْئًا ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لَوْلَا أَوْمَضْت إلَيَّ ؟ قَالَ : مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يُومِضَ ) . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا قَدْ دَلَّ أَنَّ الَّذِي كَانَ مِنْ الرَّجُلِ الْمَذْكُورِ فِيهِ لَئِنْ أَمْكَنَهُ اللَّهُ مِنْهُ لَيَضْرِبَنَّ عُنُقَهُ كَانَ عَلَى النَّذْرِ ، وَأَنَّ ذَلِكَ فَاتَهُ مِنْهُ بِإِسْلَامِهِ ، فَلَمْ يَفِ بِنَذْرِهِ ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ النُّذُورَ بِالْأَشْيَاءِ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ يَقْطَعُ عَنْ الْوَفَاءِ بِهَا مِثْلُ الَّذِي قَطَعَ بِذَلِكَ النَّاذِرِ عَنْ الْوَفَاءِ بِنَذْرِهِ مِنْ ذَلِكَ الْكَافِرِ بِإِسْلَامِهِ . فَقَالَ قَائِلٌ : أَفَيَكُونُ عَلَيْهِ مَعَ ذَلِكَ كَفَّارَةٌ إذَا لَمْ يَفِ بِنَذْرِهِ . فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، أَنَّ عَلَيْهِ كَفَّارَةً لِفَوْتِ الْوَفَاءِ بِنَذْرِهِ إيَّاهُ بِمَنْعِ الشَّرِيعَةِ إيَّاهُ مِنْ الْوَفَاءِ بِذَلِكَ . وَفِي ذَلِكَ مَا قَدْ دَلَّ أَنَّ الْمَنْعَ بِالشَّرِيعَةِ كَالْمَنْعِ بِالْعُدْمِ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْنَا . 1737 - كما قد حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ دَاوُد الْبَغْدَادِيُّ ، قَالَ : حدثنا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْوَاسِطِيُّ ، قَالَ : حدثنا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ عَائِشَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : ( مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فَلْيُطِعْهُ ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فَلَا يَعْصِهِ ) . 1738 - قَالَ حَفْصٌ وَسَمِعْت ابْنَ مُجَبَّرٍ وَهُوَ عِنْدَ عُبَيْدِ اللَّهِ ، فَذَكَرَهُ ، عَنْ الْقَاسِمِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، مِثْلَهُ . وَقَالَ فِيهِ : يُكَفِّرُ يَمِينَهُ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذَا الْحَدِيثُ فِي الْحَقِيقَةِ لَمْ يَسْمَعْهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ مِنْ الْقَاسِمِ ، وَإِنَّمَا أَخَذَهُ ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ الْأَيْلِيِّ ، عَنْ الْقَاسِمِ ، عَنْ عَائِشَةَ . 1739 - كَمَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خُزَيْمَةَ ، قَالَ : حدثنا يُوسُفُ بْنُ عَدِيٍّ الْكُوفِيُّ ، قَالَ : حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إدْرِيسَ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ ، عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فَلْيُطِعْهُ ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فَلَا يَعْصِهِ ) . فَعَقَلْنَا بِذَلِكَ أَنَّ بَيْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ وَبَيْنَ الْقَاسِمِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ طَلْحَةَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ ، وَاَلَّذِي أَتَيْنَا بِهَذَا الْحَدِيثِ مِنْ أَجْلِهِ مَا فِيهِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ مُجَبَّرٍ ، عَنْ الْقَاسِمِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، بِذِكْرِ الْكَفَّارَةِ ، وَابْنُ مُجَبَّرٍ هَذَا رَجُلٌ مِنْ آلِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ جَلِيلُ الْمِقْدَارِ . وَقَدْ رَوَى عَنْهُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَلَهُ ابْنٌ يُتَكَلَّمُ فِي حَدِيثِهِ ، قَدْ رَوَى عَنْهُ الْمُتَأَخِّرُونَ ، وَإِذَا كَانَ مَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ مَأْمُورًا بِالْكَفَّارَةِ مِمَّا تَمْنَعُهُ مِنْهُ الشَّرِيعَةُ كَانَ مَنْ نَذَرَ مَا تُطْلِقُهُ لَهُ الشَّرِيعَةُ ، ثُمَّ مَنَعَتْهُ مِنْهُ الشَّرِيعَةُ بَعْدَ ذَلِكَ بِالْكَفَّارَةِ عَنْ نَذْرِهِ الَّذِي عَجَزَ عَنْ الْوَفَاءِ بِهِ أَوْلَى وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ .
872 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في نهيه عن بيع الحصاة . 6462 - حدثنا إبراهيم بن أبي داود ، حدثنا مسدد ، حدثنا يحيى بن سعيد ، عن عبيد الله بن عمر ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الحصاة ، وعن بيع الغرر . 6463 - وحدثنا علي بن عبد الرحمن بن محمد بن المغيرة ، حدثنا سعيد بن عمرو الأشعثي ، حدثنا عبثر بن القاسم ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيعتين وعن لبستين ، فأما اللبستان ، فأن يشتمل الرجل بثوبه من شق واحد وأن يحتبي بثوب فرجه إلى السماء كأنه يعني مفضيا بفرجه إلى السماء ، وأما البيعتان ، فألق إلي وألقي إليك ، وألق الحجر . 6464 - وحدثنا أبو أيوب عبيد الله بن عبد الله بن عمران الطبراني المعروف بابن خلف ، حدثنا سليمان بن داود الهاشمي ، حدثنا عبثر بن القاسم ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، مثله . 6465 - وحدثنا بكار بن قتيبة ، حدثنا وهب بن جرير ، حدثنا هشام - وهو ابن حسان عن محمد - وهو ابن سيرين عن أبي هريرة قال : نهي عن لبستين ، وعن بيعتين ، ثم ذكر بقية الحديث . فسأل سائل عن بيع الحصاة المنهي عنه ما هو ؟ فكان جوابنا له في ذلك أنه بيع كان من بيوع أهل الجاهلية التي يتعاقدونها بينهم ، فكان أحدهم إذا أراد أخذ ثوب صاحبه وملكه عليه بما يعوضه إياه به ، ألقى عليه حصاة أو حجرا ، فاستحقه بذلك عليه ، ولم يستطع رب الثوب منعه من ذلك ، فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك ورد البيع إلى خيار المتبايعين اللذين يتعاقدان به البيع بينهما عند إنزال الله تعالى عليه : يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ ، فرد الله تعالى الأشياء إلى رضا أصحابها بإخراجها عن ملكهم إلى من يخرجونها إليه ، أو إلى احتباسها لأنفسهم ، وأخبر أن من جرى على خلاف ذلك ، كان آكلا للمال بالباطل ، وبالله التوفيق .
240 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَمْرِهِ الَّذِي أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ مُتَعَمِّدًا بِقَضَاءِ يَوْمٍ مَعَ الْكَفَّارَةِ الَّتِي أَمَرَهُ بِهَا فِيهَا قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : كُلُّ مَا يُرْوَى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَة عَنْهُ فِي هَذَا الْبَابِ لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ قَضَاءِ يَوْمٍ مَكَانَ الْيَوْمِ الَّذِي كَانَ فِيهِ ذَلِكَ الْفِطْرُ ، غَيْرُ مَا سَنَرْوِيهِ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ . 1740 - حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، هَكَذَا قَالَ : ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنِّي وَقَعْتُ بِأَهْلِي فِي رَمَضَانَ ؟ قَالَ : أَعْتِقْ رَقَبَةً . قَالَ : مَا أَجِدُهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : فَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ . قَالَ : مَا أَسْتَطِيعُ . قَالَ : فَأَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا . قَالَ : مَا أَجِدُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ فَأُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِكْتَلٍ فِيهِ قَدْرُ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا تَمْرًا . قَالَ : فَخُذْ هَذَا فَتَصَدَّقْ بِهِ . قَالَ : عَلَى أَحْوَجَ مِنِّي وَأَهْلِ بَيْتِي . قَالَ : فَكُلْهُ أَنْتَ وَأَهْلُ بَيْتِك وَصُمْ يَوْمًا مَكَانَهُ ، وَاسْتَغْفِرْ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ ) . 1741 - حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ الْفَرَجِ ، قَالَ : حدثنا أَبُو مَرْوَانَ الْعُثْمَانِيُّ ، حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَخْبَرَهُ ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ثُمَّ ذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ ، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ فِيهِ : إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ : اقْضِ يَوْمًا مَكَانَهُ . 1742 - حَدَّثَنَا رَوْحٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مَرْوَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ . وَقَالَ لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : صُمْ يَوْمًا مَكَانَهُ . 1743 - حَدَّثَنَا فَهْدٌ ، قَالَ : حدثنا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ عُمَرَ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذَا الْحَدِيثِ ، وَأَنَّهُ قَالَ لَهُ : وَاقْضِ يَوْمًا مَكَانَهُ . 1744 - حَدَّثَنَا فَهْدٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ عُمَرَ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَعَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِثْلِهِ . فَقَالَ قَائِلٌ : كَيْفَ تَقْبَلُونَ هَذَا ، عَنْ مَنْ يَرْوِيه ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَضَاءِ يَوْمٍ مَكَانَهُ وَأَنْتُمْ تَرْوُونَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 1745 - فَذَكَرَ مَا قَدْ حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيُّ وَبِشْرُ بْنُ عُمَرَ الزَّهْرَانِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، قَالَ : سَمِعْت عُمَارَةَ بْنَ عُمَيْرٍ ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي الْمُطَوِّسِ - قَالَ حَبِيبٌ : وَقَدْ رَأَيْت أَبَا الْمُطَوِّسِ - عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ فِي غَيْرِ رُخْصَةٍ رَخَّصَهَا اللَّهُ لَهُ لَمْ يَقْضِ عَنْهُ وَلَوْ صَوْمُ الدَّهْرِ ) . 1746 - وَكَمَا حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ حَبِيبٍ ، عَنْ ابْنِ الْمُطَوِّسِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، مِثْلَهُ . غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ قَوْلَ حَبِيبٍ : وَقَدْ رَأَيْتُ أَبَا الْمُطَوِّسِ . 1747 - وَمَا قَدْ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، ثُمَّ ذَكَرَ كَلِمَةً مَعْنَاهَا : عَنْ حَبِيبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو الْمُطَوِّسِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ رُخْصَةٍ وَلَا مَرَضٍ لَمْ يَقْضِ عَنْهُ صِيَامُ الدَّهْرِ وَإِنْ صَامَهُ ) . فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعَوْنِهِ ، أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ غَيْرُ مُخَالِفٍ لِلْحَدِيثِ الْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ الْأَوَّلَ فِيهِ ذِكْرُ الْقَضَاءِ ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَا يُدْرِكُ صَوْمُ الدَّهْرِ عَنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ صَوْمَهُ لَوْ كَانَ صِيَامُهُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ ، كَمَا يَكُونُ مَنْ تَرَكَ صَلَاةً مِنْ الصَّلَوَاتِ فِي غَيْرِ عُذْرٍ حَتَّى فَاتَهُ وَقْتُهَا وَاجِبًا عَلَيْهِ قَضَاؤُهَا غَيْرَ مُصِيبٍ بِقَضَائِهَا مَا يُصِيبُهُ لَوْ كَانَ صَلَّاهَا فِي وَقْتِهَا ، فَمِثْلُ ذَلِكَ الْمُفْطِرُ فِي رَمَضَانَ مَأْمُورٌ بِالْقَضَاءِ غَيْرُ مُدْرِكٍ بِذَلِكَ الْقَضَاءِ ، مَا كَانَ يُصِيبُهُ لَوْ صَامَهُ فِي عَيْنِهِ ، فَبَانَ بِحَمْدِ اللَّهِ وَنِعْمَتِهِ أَنْ لَا تَضَادَّ فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ ، وَأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي مَعْنًى غَيْرِ الْمَعْنَى الَّذِي فِي صَاحِبِهِ ، وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
632 - باب بيان مشكل ما اختلف فيه أهل العلم في أكفان الموتى ، فقال بعضهم : هي من رؤوس تركاتهم ، وقال بعضهم : هي من أثلاث تركاتهم ، بما يروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يدل على ذلك . قال أبو جعفر : لا نعلم أحدا من أهل العلم ذهب إلى أن أكفان الموتى من أثلاث تركاتهم غير سعيد بن المسيب ؛ فإنه روي عنه في ذلك ما أخذناه . 4666 - عن هارون بن كامل إما قراءة عليه وإما إجازة منه لنا ، قال : أخبرنا عبد الله بن صالح ، قال : حدثني الليث بن سعد ، قال : حدثني عبيد الله بن أبي جعفر ، عن بكير وهو ابن عبد الله بن الأشج . عن سعيد بن المسيب أنه قال كفن الميت من ثلثه ، وإن كان قد روي عنه خلاف ذلك . 4667 - كما حدثنا عبد الله بن محمد بن خشيش ومحمد بن خزيمة بن راشد البصريان ، قالا : حدثنا مسلم بن إبراهيم الأزدي ، قال : حدثنا هشام بن أبي عبد الله الدستوائي ، قال : حدثنا قتادة ، عن الحسن وسعيد قالا : الكفن من جميع المال . فأما من سوى سعيد بن المسيب من أهل العلم فعلى أن ذلك من رؤوس التركات منهم الحسن وقد ذكرناه في هذا الحديث . ومنهم ابن سيرين . 4668 - كما قد حدثنا محمد بن خزيمة ، قال : حدثنا يوسف بن عدي الكوفي ، قال : حدثنا عبد الله بن إدريس ، عن هشام وهو ابن حسان . عن الحسن وابن سيرين قالا : الكفن من جميع المال . ومنهم مجاهد . 4669 - كما حدثنا محمد بن خزيمة ، قال : حدثنا يوسف بن عدي ، قال : حدثنا عبد الله بن إدريس ، عن عثمان بن الأسود . عن مجاهد قال الكفن والحنوط من جميع المال . وقد وجدنا عن عبد الله بن عمر هذا القول أيضا . 4670 - كما حدثنا عبد الله بن محمد بن خشيش ومحمد بن خزيمة ، قالا : حدثنا مسلم بن إبراهيم ، قال : حدثنا الحسن بن أبي جعفر ، قال : حدثني مطر الوراق ، عن بكر بن عبد الله المزني . عن ابن عمر رضي الله عنهما قال الكفن من جميع المال . ولما اختلفوا في ذلك هذا الاختلاف طلبنا الوجه فيما اختلفوا فيه من ذلك والأولى مما قالوه مما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . 4671 - فوجدنا أبا أمية قد حدثنا ، قال : حدثنا جعفر بن عون المخزومي ثم العمري ، عن الأعمش ، عن شقيق . عن خباب قال هاجرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نبتغي وجه الله عز وجل ، ووجب أجرنا على الله عز وجل فمنا من مات ولم يأكل من أجره وكان منهم مصعب بن عمير ؛ قتل يوم أحد فلم يترك إلا نمرة ، فكنا إذا غطينا رأسه بدت رجلاه وإذا غطينا رجليه بدا رأسه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : غطوا رأسه واجعلوا على رجليه من الإذخر ، ومنا من أينعت له ثمرته فهو يهدبها . قال أبو جعفر : أي يجنيها يأكل منها . 4672 - ووجدنا إبراهيم بن أبي داود قد حدثنا ، قال : حدثنا أبو معمر عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج المنقري ، قال : حدثنا عبد الوارث بن سعيد ، قال : حدثنا محمد بن جحادة ، عن سليمان ، عن أبي وائل . عن خباب الأرت ، ثم ذكر مثله . قال لنا ابن أبي داود قال لنا أبو معمر هكذا كانت في كتاب عبد الوارث خباب الأرت والذي يقول الناس كلهم سواه خباب بن الأرت . 4673 - ووجدنا إبراهيم بن مرزوق قد حدثنا ، قال : حدثنا بشر بن عمر الزهراني ، قال : حدثنا إبراهيم بن سعد ، عن أبيه ، عن جده قال : أتي عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه بطعام فقال : قتل مصعب بن عمير وكان خيرا مني فلم يوجد ما يكفن فيه إلا برده ، وقتل حمزة عليه السلام أو رجل آخر رضي الله عنه وكان خيرا مني فلم يوجد ما يكفن فيه إلا برده ، لقد خشيت أن قد عجلت لنا طيباتنا في حياتنا الدنيا ، ثم جعل يبكي . 4674 - ووجدنا أبا أمية قد حدثنا ، قال : حدثنا محمد بن سابق الكوفي ، قال : أخبرنا إبراهيم بن طهمان ، عن أبي الزبير . عن جابر قال شهداء أحد دفنوا في ثيابهم . 4675 - ووجدنا يونس بن عبد الأعلى قد حدثنا ، قال : حدثنا عبد الله بن وهب ، قال : حدثني أسامة بن زيد الليثي أن ابن شهاب حدثهم. أن أنس بن مالك حدثه ، أن شهداء أحد لم يغسلوا ودفنوا بدمائهم ولم يصل عليهم . 4676 - ووجدنا أبا أمية قد حدثنا ، قال : حدثنا خالد بن القطواني ، قال : حدثنا عبد الرحمن بن عبد العزيز الأنصاري ، قال : حدثني الزهري ، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك . عن أبيه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم أحد : من رأى مقتل حمزة ؟ فقال رجل : وأعزك الله أنا رأيت مقتله ، قال : فانطلق فأرناه فخرج حتى وقف على حمزة فرآه قد شق بطنه وقد مثل به ، فقال : يا رسول الله مثل به ، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينظر إليه ووقف بين ظهراني القتلى ، فقال : أنا شهيد على هؤلاء لفوهم في دمائهم فإنه ليس جرح يجرح في الله عز وجل إلا جاء يوم القيامة يدمى لونه لون الدم وريحه ريح المسك ، قدموا أكثر القوم قرآنا واجعلوه في اللحد . 4677 - وحدثنا أحمد بن الحسن بن القاسم الكوفي ، قال : حدثنا علي بن عاصم ، عن عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير . عن ابن عباس رضي الله عنهما قال أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتلى أحد أن ينزع عنهم الحديد والجلود ، وقال : ادفنوهم بدمائهم وثيابهم . قال : فكان ما في هذه الآثار من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بدفن الموتى المذكورين فيها رضي الله عنهم في ثيابهم التي هي جميع أموالهم التي تركوها بعدهم بغير شيء يراعى من ما يكون مصروفا في قضاء دين إن كان عليهم ، ومن غير شيء يراعى مما يعود على وارثيهم من تركاتهم يكون مثلي ما كفنوا فيه من تركاتهم ، وفي ذلك ما قد دل على أن أكفان الموتى من تركاتهم مبداة على ديونهم وعلى وصاياهم وعلى ما يجب لوارثيهم من تركاتهم بمورثهم عنهم ، وهذا قول فقهاء الأمصار جميعا الذين تدور الفتيا عليهم ويرجع فيها إلى أقوالهم ، والله عز وجل نسأله التوفيق .
المصدر الرسمي: https://hdith.com/encyclopedia/book/b-85
© hdith.com — الموسوعة الحديثيَّة