بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي صُفُوفِ النَّاسِ وَرَاءَهُ لِلصَّلَاةِ
بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي صُفُوفِ النَّاسِ وَرَاءَهُ لِلصَّلَاةِ ، وَفِي قِيَامِهِ مِنْهُمْ مَقَامَ الْمُصَلِّي بِهِمْ ، وَذِكْرِهِ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ جُنُبًا وَإِشَارَتِهِ إلَيْهِمْ أَيْ كَمَا أَنْتُمْ حَتَّى أَتَاهُمْ قَدْ اغْتَسَلَ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ مَاءً ، هَلْ كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ بَعْدَ أَنْ كَانَ كَبَّرَ لِلصَّلَاةِ أَوْ قَبْلَ تَكْبِيرِهِ كَانَ لَهَا ؟ . 694 - حدثنا بَكَّارَ ، حدثنا حِبَّانُ بْنُ هِلَالٍ وَأَبُو عُمَرَ الضَّرِيرُ ، قَالَا : حدثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ - وَاللَّفْظُ لِأَبِي عُمَرَ - عَنْ زِيَادٍ الْأَعْلَمِ ، عَنْ الْحَسَنِ ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ : أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ دَخَلَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ ، فَأَوْمَأَ إلَيْهِمْ أَيْ مَكَانَكُمْ ، ثُمَّ جَاءَ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ مَاءً فَصَلَّى بِهِمْ . 695 - حدثنا ابْنُ أَبِي دَاوُد ، حدثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ ، حدثنا أَبِي ، عَنْ سَعِيدٍ - يَعْنِي : ابْنَ أَبِي عَرُوبَةَ - عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : دَخَلَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي صَلَاةٍ فَكَبَّرَ وَكَبَّرْنَا مَعَهُ ، ثُمَّ أَشَارَ إلَى الْقَوْمِ : أَنْ كَمَا أَنْتُمْ ، فَلَمْ نَزَلْ قِيَامًا حَتَّى أَتَانَا وَقَدْ اغْتَسَلَ ، وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ مَاءً .
فَقَالَ قَائِلٌ : هَذَا حَدِيثٌ خَارِجٌ عَنْ أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ جَمِيعًا ؛ لِأَنَّهُ لَا اخْتِلَافَ بَيْنَهُمْ فِيمَنْ كَبَّرَ لِلصَّلَاةِ وَهُوَ جُنُبٌ غَيْرَ ذَاكِرٍ لِذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ بِتَكْبِيرِهِ لَهَا دَاخِلًا فِيهَا . فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ : أَنَّ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ قَدْ رُوِيَا كَمَا ذَكَرْنَا ، عَنْ الصَّحَابِيَّيْنِ اللَّذَيْنِ رُوِيَا عَنْهُمَا ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ سِوَاهُمَا مِنْ الصَّحَابَةِ أَنَّ الَّذِي كَانَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أَذَّنَ هُوَ قِيَامُهُ قِيَامَ الْمُصَلِّي ، لَا دُخُولٌ مِنْهُ فِي الصَّلَاةِ بِتَكْبِيرِهِ . 696 - كَمَا حدثنا سُلَيْمَانُ بْنُ شُعَيْبٍ ، حدثنا بِشْرُ بْنُ بَكْرٍ ، حَدَّثنِي الْأَوْزَاعِيِّ ، حَدَّثنِي الزُّهْرِيُّ ، حَدَّثنِي أَبُو سَلَمَةَ ، حَدَّثني أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ : أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ وَصَفَّ النَّاسُ صُفُوفَهُمْ ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى قَامَ مَقَامَهُ ، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ لَمْ يَغْتَسِلْ ، فَقَالَ : مَكَانَكُمْ ، فَانْصَرَفَ إلَى مَنْزِلِهِ فَاغْتَسَلَ ، ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى قَامَ مَقَامَهُ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ مَاءً .
697 - وَكَمَا حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ الشَّيْزرِيُّ ، حدثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ نَجْدَةَ الْحَوْطِيُّ ، حدثنا بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ وَأَبُو الْمُغِيرَةِ عَبْدُ الْقُدُّوسِ بْنُ الْحَجَّاجِ ، عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ ، حَدَّثنِي الزُّهْرِيُّ ، حَدَّثنِي أَبُو سَلَمَةَ ، حَدَّثنِي أَبُو هُرَيْرَةَ .. . ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ . 698 - وَكَمَا حدثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ ، حدثنا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ ، حدثنا أَبِي قَالَ : سَمِعْت النُّعْمَانَ بْنَ رَاشِدٍ يُحَدِّثُ عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ وَصَفَّ النَّاسُ ، قَالَ : وَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَمَّا كَانَ فِي مُصَلَّاهُ ذَكَرَ أَنَّهُ لَمْ يَغْتَسِلْ ، فَقَالَ : عَلَى مَكَانِكُمْ ، ثُمَّ رَجَعَ فَاغْتَسَلَ وَخَرَجَ وَرَأْسُهُ يَنْطُفُ .
699 - وَكَمَا حدثنا إبْرَاهِيمُ أَيْضًا ، حدثنا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ بْنِ فَارِسِ بْنِ لَقِيطٍ ، أَخبرنا يُونُسُ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ... . ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ . فَكَانَ فِي هَذَا مَا قَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ ، أَوْ عَلَى عِلْمِهِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ ؛ لِقَوْلِهِ لَهُمْ : مَكَانَكُمْ ، مَعَ أَنَّ هَذَا - وَإِنْ كَانَ اخْتِلَافًا - فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ حِكَايَاتِ أَصْحَابِهِ عَنْ أَفْعَالِهِ ، وَالِاخْتِلَافُ مِنْ حِكَايَاتِهِمْ لَا مِنْهُ ، وَنَحْنُ نُجِيبُ عَنْهُمْ بِمَا يَسْتَوِي فِيهِ حِكَايَاتُهُمْ ، وَتَعُودُ إلَى مَا يُعْذَرُونَ بِهِ فِيهَا ، وَهِيَ أَنَّا نَقُولُ : إنَّ مَعْنَى قَوْلِ أَنَسٍ وَأَبِي بَكْرَةَ فِي حَدِيثِهِمَا : ثُمَّ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى مَعْنَى : قُرْبِ دُخُولِهِ فِيهَا ، لَا عَلَى حَقِيقَةِ دُخُولِهِ فِيهَا ، فَهَذَا جَائِزٌ فِي اللُّغَةِ ، حَتَّى قَدْ جَاءَ كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى بِمِثْلِ ذَلِكَ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ وَهُنَّ إذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ انْقَطَعَتْ الْأَسْبَابُ بَيْنَهُنَّ وَبَيْنَ مُطَلِّيقِهِنَّ ، فَاسْتَحَالَ أَنْ يُمْسِكُوهُنَّ بَعْدَ ذَلِكَ ، وَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى ، وَهِيَ قَوْلُهُ : وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ فَدَلَّ ذَلِكَ أَنَّهُنَّ بَعْدَ انْقِضَاءِ آجَالِهِنَّ حَلَالٌ لِمَنْ يُرِيدُ تَزْوِيجَهُنَّ ، وَكَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا أَنَّ مُرَادَهُ تَعَالَى فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى بِذِكْرِهِ بُلُوغَ الْأَجَلِ أَنَّهُ قُرْبُ بُلُوغِ الْأَجَلِ لَا حَقِيقَةُ بُلُوغِهِ ، وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا أَنَّ الْمُسْلِمِينَ قَدْ سَمَّوْا ابْنَ إبْرَاهِيمَ الَّذِي أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِذَبْحِهِ إمَّا إسْمَاعِيلُ وَإِمَّا إِسْحَاقُ عَلَيْهِمْ السَّلَامُ ذَبِيحًا ، وَلَمْ يُذْبَحْ ، وَلَكِنَّهُ لِقُرْبِهِ كَانَ مِنْ أَنْ يُذْبَحَ ، فَمِثْلُ ذَلِكَ مَا فِي حَدِيثَيْ أَنَسٍ ، وَأَبِي بَكْرَةَ مِنْ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ هُوَ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى أَيْضًا ، وَهُوَ قُرْبُ الدُّخُولِ فِيهَا لَا حَقِيقَةُ الدُّخُولِ فِيهَا .