باب بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْعِيدَيْنِ يَجْتَمِعَانِ فِي الْيَوْمِ الْوَاحِدِ
178 - بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
فِي أَسْمَائِهِ
1150 - حَدَّثَنَا يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي يُونُسُ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِنَّ لِي خَمْسَةَ أَسْمَاءٍ : أَنَا مُحَمَّدٌ ، وَأَنَا أَحْمَدُ ، وَأَنَا الْمَاحِي الَّذِي يَمْحُو اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِي الْكُفْرَ ، وَأَنَا الْحَاشِرُ الَّذِي يَحْشُرُ اللهُ النَّاسَ عَلَى قَدَمِي ، وَأَنَا الْعَاقِبُ ، وَالْعَاقِبُ الَّذِي لَيْسَ بَعْدَهُ أَحَدٌ . وَقَدْ سَمَّاهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ رَؤُوفًا رَحِيمًا .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَكَانَ مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ تَسْمِيَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ إِيَّاهُ رَؤُوفًا رَحِيمًا إِمَّا مِنْ كَلَامِ جُبَيْرٍ ، وَإِمَّا مِنْ كَلَامِ مَنْ سِوَاهُ مِنْ رُوَاتِهِ .
1151 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي وَشُعَيْبُ بْنُ اللَّيْثِ ، عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ خَالِدٍ وَهُوَ ابْنُ يَزِيدَ ، عَنِ ابْنِ أَبِي هِلَالٍ وَهُوَ سَعِيدٌ ، عَنْ عُتْبَةَ بْنِ مُسْلِمٍ ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ فَقَالَ لَهُ : أَتُحْصِي أَسْمَاءَ رَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّتِي كَانَ جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ يَعُدُّهَا ؟ قَالَ :
نَعَمْ ، هِيَ سِتَّةٌ : مُحَمَّدٌ ، وَأَحْمَدُ ، وَخَاتَمٌ ، وَحَاشِرٌ ، وَعَاقِبٌ ، وَمَاحٍ . فَأَمَّا الْحَاشِرُ فَبُعِثَ مَعَ السَّاعَةِ نَذِيرًا لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ ، وَأَمَّا عَاقِبٌ فَإِنَّهُ أَعْقَبَ الْأَنْبِيَاءَ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ ، وَأَمَّا مَاحٍ فَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ مَحَا بِهِ سَيِّئَاتِ مَنِ اتَّبَعَهُ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ زِيَادَةُ اسْمٍ عَلَى الْأَسْمَاءِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرْنَا قَبْلَهُ وَهُوَ خَاتَمٌ .
1152 - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ شُعَيْبٍ الْكَيْسَانِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْخُرَاسَانِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا الْمَسْعُودِيُّ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ ، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ : سَمَّى لَنَا رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَفْسَهُ بِأَسْمَاءٍ ، فَقَالَ : أَنَا مُحَمَّدٌ وَأَحْمَدُ وَالْمُقَفِّي وَالْحَاشِرُ وَنَبِيُّ التَّوْبَةِ وَنَبِيُّ الْمَلْحَمَةِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ أَسْمَائِهِ الْمُقَفِّي ، وَمَعْنَاهُ مَعْنَى الْعَاقِبِ الْمَذْكُورِ فِي الْحَدِيثَيْنِ اللَّذَيْنِ رَوَيْنَاهُمَا قَبْلَهُ .
وَفِيهِ مِنْ أَسْمَائِهِ اسْمَانِ آخَرَانِ غَيْرُ الْأَسْمَاءِ الْمَذْكُورَةِ فِيهِمَا ، وَهُمَا : نَبِيُّ التَّوْبَةِ ، وَنَبِيُّ الْمَلْحَمَةِ . وَسَأَلَ سَائِلٌ عَنِ الْمَعْنَى الَّذِي بِهِ زَادَ بَعْضُ مَا فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ
عَلَى مَا سِوَاهُ مِنْهَا .
فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللهِ وَعَوْنِهِ : أَنَّ الْأَسْمَاءَ إِنَّمَا هِيَ أَعْلَامٌ لِأَشْيَاءَ يُرَادُ بِهَا التَّفْرِيقُ بَيْنَهَا وَإِبَانَةُ بَعْضِهَا مِنْ بَعْضٍ ، وَكَانَتِ الْأَسْمَاءُ تَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ :
فَقِسْمٌ مِنْهَا تَكُونُ الْأَسْمَاءُ فِيهِ لَا لِعِلَّةٍ كَالْحَجَرِ وَكَالْجَبَلِ ، وَكَمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا لَمْ يُسَمَّ بِمَعْنًى فِيهِ .
وَمِنْهَا مَا يُسَمَّى بِهِ لِمَعْنًى فِيهِ مِنْ صِفَاتِهِ كَمُحَمَّدٍ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الْحَمْدِ ، وَكَأَحْمَدَ مِنَ الْحَمْدِ أَيْضًا . فَكَانَ هَذَانِ الِاسْمَانِ مِنْ أَسْمَائِهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَهُمَا اسْمَانِ قَدْ ذَكَرَهُمَا اللهُ جَلَّ وَعَزَّ فِي كِتَابِهِ فَقَالَ : مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ . وَقَالَ فِيمَا كَانَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَاطَبَ بِهِ قَوْمَهُ : إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَكَانَ هَذَانِ الِاسْمَانِ مِنْ صِفَاتِهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَوَقَفْنَا بِذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ جَائِزٌ أَنْ يُسَمَّى بِصِفَاتِهِ سِوَى الْحَمْدِ ، كَمَا سُمِّيَ بِالْحَمْدِ الَّذِي هُوَ مِنْ صِفَاتِهِ ؛ فَسُمِّيَ الْمَاحِيَ ؛ لِأَنَّ اللهَ جَلَّ وَعَزَّ يَمْحُو بِهِ الْكُفْرَ ، وَسُمِّيَ الْحَاشِرَ ؛ لِأَنَّ النَّاسَ يُحْشَرُونَ عَلَى قَدَمِهِ ، وَسُمِّيَ الْعَاقِبَ ؛ لِأَنَّهُ أَعْقَبَ مَنْ قَبْلَهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ ، وَسُمِّيَ خَاتَمًا ؛ لِأَنَّهُ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ . وَذَكَرَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ فَقَالَ : مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ، وَسُمِّيَ الْمُقَفِّيَ ؛ لِأَنَّهُ قَفَّى مَنْ قَبْلَهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ ، وَسُمِّيَ نَبِيَّ التَّوْبَةِ ؛ لِأَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ تَابَ بِهِ عَلَى مَنْ تَابَ مِنْ عِبَادِهِ ، وَذَكَرَ ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ مِنْ قَوْلِهِ جَلَّ وَعَزَّ : لَقَدْ تَابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ .
وَسُمِّيَ نَبِيَّ الْمَلْحَمَةِ ؛ لِأَنَّهُ سَبَبُ الْقِتَالِ هُوَ الْمَلْحَمَةُ . وَكُلُّ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ فَمُشْتَقَّةٌ مِنْ صِفَاتِهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .
وَفِي حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرٍ : وَقَدْ سَمَّاهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ رَؤُوفًا رَحِيمًا انْتِزَاعًا بِذَلِكَ مِنْ قَوْلِ اللهِ جَلَّ وَعَزَّ : ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾. فَدَلَّ ذَلِكَ أَنَّهُ جَائِزٌ أَنْ يُسَمَّى بِصِفَاتِهِ كُلِّهَا ، وَأَنَّ مَا سُمِّيَ بِهِ مِنْ ذَلِكَ لَاحِقٌ بِأَسْمَائِهِ الَّتِي قَدْ سُمِّيَ بِهَا قَبْلَ ذَلِكَ ، كَمَا لَحِقَ بِأَسْمَاءِ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَامُ الِاسْمُ الَّذِي سَمَّاهُ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِيَّاهُ لَمَّا تَتَرَّبَ بِالتُّرَابِ بِقَوْلِهِ لَهُ : قُمْ يَا أَبَا تُرَابٍ . قَالَ سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ : فَمَا كَانَ لَهُ اسْمٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْهُ . وَسَنَذْكُرُ ذَلِكَ الْحَدِيثَ ، وَمَا يَدْخُلُ فِي مَعْنَاهُ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا إِنْ شَاءَ اللهُ . وَكَانَ جَائِزًا أَنْ يُذْكَرَ بِبَعْضِ أَسْمَائِهِ ، وَلَا يَكُونُ الْقَصْدُ إِلَى بَعْضِهَا دَلِيلًا أَنْ لَا أَسْمَاءَ لَهُ غَيْرَهَا ، فَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى عِنْدَنَا - وَاللهُ أَعْلَمُ - جَاءَتْ هَذِهِ الْآثَارُ عَلَى مَا جَاءَتْ بِهِ مِمَّا فِيهَا ، وَاللهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .