باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أثمان الكلاب في حلها وفي النهي عنها
باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أثمان الكلاب في حلها وفي النهي عنها . 5467 - حدثنا الربيع بن سليمان المرادي ، ونصر بن مرزوق جميعا ، قالا : حدثنا أسد بن موسى ، حدثنا عبد المجيد بن عبد العزيز ، عن ابن جريج ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن عاصم بن ضمرة ، عن علي أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن الكلب . 5468 - وحدثنا يونس بن عبد الأعلى ، والحسين بن نصر ، قالا : حدثنا علي بن معبد ، حدثنا عبيد الله بن عمرو ، عن عبد الكريم بن مالك ، عن قيس بن حبتر ، عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : ثمن الكلب حرام .
5478 - وحدثنا إبراهيم بن مرزوق ، حدثنا أبو عامر العقدي ، حدثنا رباح بن أبي معروف ، عن عطاء ، عن أبي هريرة ، قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ثمن الكلب من السحت . 5479 - حدثنا فهد ، حدثنا محمد بن سعيد ابن الأصبهاني ، حدثنا محمد بن الفضيل ، عن الأعمش ، عن أبي حازم ، عن أبي هريرة ، قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب . فكانت هذه الآثار التي رويناها ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الباب تنهى عن أثمان الكلاب بألفاظ مختلفة ، فمنها : ما ينهى عنها بلا سبب مذكور فيه ، فكان ذلك محتملا أن يكون ذلك لأنها حرام كالأشياء المحرمة بالشريعة ، واحتمل أن يكون فيه ذلك لما فيه من الدناءة ، وإن لم يكن حراما ، كما نهى عن كسب الحجام لما فيه من الدناءة ، وإن لم يكن حراما كما سواه من الأشياء التي حرمتها الشريعة ، فإنه روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في كسب الحجام نهيه عنه .
5483 - وكما حدثنا يونس ، أخبرنا ابن وهب أن مالكا أخبره ، عن ابن شهاب ، عن ابن محيصة أحد بني حارثة ، عن أبيه ثم ذكر مثله فلم يكن نهيه ، عن كسب الحجام لأنه حرام ، ألا ترى أنه قد أباح سائله أن يعلفه ناضحه ورقيقه ، ولو كان ذلك حراما لما أباحه ذلك ، وإذا لم يكن حراما كان معقولا أن نهيه إياه عنه كان لما فيه من الدناءة لا لما سوى ذلك ، فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يدنئوا أنفسهم . ومنها : ما ذكر فيه أن مع نهيه عنه جعله سحتا ، فاحتمل أن يكون ذلك لمثل المعنى الأول ، إذ كان قد روي عنه في كسب الحجام أنه سحت ، ولم يكن ذلك لأنه حرام ، ولكن لأنه دنيء . فمما روي عنه في ذلك .
5484 - ما قد حدثنا يزيد بن سنان وإبراهيم بن مرزوق جميعا قالا : حدثنا أبو عامر العقدي ، حدثنا رباح بن أبي معروف ، عن عطاء ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من السحت كسب الحجام ، فلم يكره ذلك ، لأنه حرام ، ولكن لأنه دنيء . ومنها : ما قد ذكر فيه مع نهيه عنه أنه خبيث ، فاحتمل أن يكون ذلك لمثل المعنى الأول أيضا ، إذ كان قد روي عنه في كسب الحجام أنه خبيث . 5485 - كما قد حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، حدثنا هارون بن إسماعيل الخزاز ، حدثنا علي بن المبارك ، حدثنا يحيى بن أبي كثير ، عن إبراهيم بن عبد الله بن قارظ ، أن السائب بن يزيد حدثه أن رافع بن خديج حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : كسب الحجام خبيث .
قال أبو جعفر : فلم يكن ذلك ، لأنه حرام ، ولكن لأنه دنيء ، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم أمته أن يدنئوا أنفسهم بالأشياء التي تدنئهم ، وإن لم يكن حراما عليهم في شريعته كحرمة الأشياء التي حرمها الشرع ، فاحتمل أن يكون نهاهم عن أثمان الكلاب لمثل هذا المعنى . ثم نظرنا : هل روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء يدل على إحلال أثمان الكلاب التي ينتفع بها ؟ . 5486 - فوجدنا أحمد بن شعيب قد حدثنا : قال : أخبرنا إبراهيم بن الحسن المقسمي ، حدثنا الحجاج بن محمد ، عن حماد بن سلمة ، عن أبي الزبير ، عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن السنور والكلب إلا كلب صيد .
فكان في هذا الحديث ، أن الكلب المنهي عن ثمنه ، هو خلاف كلب الصيد ، وهو الكلب الذي لا منفعة فيه ، وقد روينا في حديث جابر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم من نهيه عن ثمن السنور مثل الذي فيه من نهيه عن ثمن الكلب ، ولم نعلم اختلافا بين أهل العلم في ثمن السنور أنه ليس بحرام ، ولكنه دنيء ، وكان مثله ثمن الكلب المقرون معه في ذلك الحديث . وقد يحتمل أيضا أن يكون نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب أراد به جميع الكلاب ، وكان ذلك منه في الوقت الذي أمر فيه بقتل الكلاب ، وأن لا يترك منها شيء ، فإنه قد كان أمر بذلك ، ونهى أن يترك منها شيء ، وروي عنه صلى الله عليه وسلم في ذلك . 5487 - ما قد حدثنا يونس ، أخبرنا ابن وهب أخبرني يونس ، عن ابن شهاب ، عن سالم ، عن أبيه ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم رافعا صوته يأمر بقتل الكلاب .
5491 - وما قد حدثنا بكار بن قتيبة ، حدثنا أبو عامر العقدي ، وما قد حدثنا صالح بن عبد الرحمن ومحمد بن خزيمة قالا : حدثنا القعنبي ، قال : حدثنا يعقوب بن محمد بن طحلاء ، عن أبي الرجال ، عن سالم بن عبد الله ، عن أبي رافع ، قال : أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل الكلاب فخرجت أقتلها لا أرى كلبا إلا قتلته حتى أتيت موضع كذا ، وسماه فإذا فيه كلب يدور ببيت ، فذهبت أقتله فناداني إنسان من جوف البيت : يا عبد الله ما تريد أن تصنع ، قلت : إني أريد أن أقتل هذا الكلب ، قالت : إني امرأة بدار مسبعة ، وإن هذا الكلب يطرد عني السباع ، ويرد عني ما كان ، فأت النبي صلى الله عليه وسلم فاذكر له ذلك ، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم ، فأمرني بقتله . 5492 - وما قد حدثنا فهد ، حدثنا علي بن معبد ، حدثنا إسماعيل بن جعفر ، عن محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن عائشة أن جبريل عليه السلام واعد النبي صلى الله عليه وسلم في ساعة يأتيه فيها ، فذهبت الساعة فلم يأته فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فإذا جبريل على الباب ، فقال : ما يمنعك أن تدخل البيت ، قال : إن في البيت كلبا وإنا لا ندخل بيتا فيه كلب ولا صورة ، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالكلب فأخرج ، ثم أمر بالكلاب أن تقتل . فاحتمل أن يكون نهيه كان عن أثمان الكلاب في الوقت الذي كان هذا الحكم حكمها ، ثم أباح النبي صلى الله عليه وسلم بعضها .
5505 - وكما حدثنا سليمان بن شعيب الكيساني ، حدثنا بشر بن بكر ، حدثني الأوزاعي ، حدثني يحيى بن أبي كثير ، حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن ، قال : حدثني أبو هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من اقتنى كلبا فإنه ينقص من عمله كل يوم قيراط ، إلا كلب حرث أو ماشية . قال أبو جعفر : فخرج ما رخص فيه منها مما كان نهيه وقع عليه ، وخرج بذلك نهيه من التحريم الذي كان تقدم منه فيه . قال أبو جعفر : غير أنه قد روي أن الكلاب التي كانت تقتل بالمدينة ليست بكلاب الصيد ، ولا بكلاب الماشية .
5506 - كما قد حدثنا بحر بن نصر ، حدثنا عبد الله بن وهب أخبرني يونس ، قال : قال ابن شهاب ، حدثني سالم بن عبد الله ، عن أبيه ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم رافعا صوته يأمر بقتل الكلاب ، فكانت الكلاب تقتل إلا كلب صيد أو ماشية . 5507 - قال ابن شهاب : وحدثني سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : من اقتنى كلبا ليس بكلب صيد ولا ماشية ولا أرض ، فإنه ينقص من أجره قيراطان في كل يوم . ولما وقفنا على اختلاف أحوال الكلاب التي كانت في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإنها كانت في حال مقتولة كلها ، وفي حال مقتولة بعضها ، غير مقتول بقيتها ، وكان الذي رويناه عنه من نهيه ، عن أثمانها قد يحتمل أن يكون في الحال التي لا يحل فيها حبسها ، ويحتمل أن يكون في الأحوال كلها ، ولم يجز أن يحمل ذلك على أنه قد كان في وقت إباحة ما أبيح فيها دون أن يحمله على الوقت الذي يخالفه إلا بما يوجب حمله عليه ، لا سيما وقد روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم استثناءه من منعه من أثمان الكلاب إلا كلب الصيد ، ففي ذلك ما قد دل على أن نهيه عن أثمان الكلاب ، إنما كان في أثمان كلاب سوى كلب الصيد ، وسوى الكلاب التي أباح اتخاذها على ما قد رويناه عنه صلى الله عليه وسلم في هذه الآثار .
وهذا باب قد اختلف أهل العلم فيه : فطائفة منهم ذهبت إلى تحريم أثمان الكلاب كلها ، وممن ذهب إلى ذلك منهم مالك والشافعي ، وطائفة منهم نهت عن أثمان ما لا يحل الانتفاع به منها ، وأباحت أثمان ما سوى ذلك مما يحل الانتفاع به منها ، وممن ذهب إلى ذلك منهم أبو حنيفة وسائر أصحابه وهو أولى القولين بالقياس عندنا ، إذ كانت الكلاب التي عادت إلى الإباحة وإن كانت لحمانها غير مأكولة مردودة إلى أحكام الحمر الأهلية التي لحمانها غير مأكولة ، فلما كانت أثمان الحمر الأهلية حلالا كانت أثمان الكلاب المباحة المنتفع بها كذلك ، والله نسأله التوفيق .