باب بيان مشكل ما روته عائشة وأم سلمة وغيرهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قراءة فاتحة الكتاب ملك يوم الدين أو مالك يوم الدين
باب بيان مشكل ما روته عائشة وأم سلمة وغيرهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قراءة فاتحة الكتاب : ملك يوم الدين ، أو : ﴿مالك يوم الدين ﴾. 6367 - حدثنا روح بن الفرج ، قال : حدثنا هارون بن سعيد بن الهيثم الأيلي ، حدثنا خالد بن نزار الأيلي ، عن القاسم بن مبرور ، عن يونس بن يزيد ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة قالت : شكا الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قحط المطر ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنبر فوضع ثم صلى ، ووعد الناس يخرجون يوما ، فقالت عائشة : وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بدا حاجب الشمس ، فقعد على المنبر ، فحمد الله تعالى ثم قال : إنكم شكوتم إلي جدب جنابكم ، واستئخار المطر عن إبان زمانه عنكم ، وقد أمركم الله أن تدعوه ووعدكم أن يستجيب لكم ، ثم قال : ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾، ملك يوم الدين لا إله إلا الله يفعل ما يشاء . ثم ذكر بقية الحديث قال أبو جعفر : ففي هذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قرأ في فاتحة الكتاب : ملك يوم الدين لا : ﴿مالك يوم الدين ﴾.
إلى آخرها ، يعدها بأصابع إحدى يديه سبع آيات : ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ ، وقرأ : ملك يوم الدين ولم يقرأ ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾. فنظرنا في إسناد حديث أم سلمة هذا ، فوجدنا الليث بن سعد قد رواه عن ابن أبي مليكة بزيادة رجل فيه بينه وبين أم سلمة . 6371 - كما حدثنا الربيع بن سليمان المرادي ، حدثنا شعيب بن الليث قال : حدثنا الليث ، عن عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة ، عن يعلى - يعني ابن مملك - ، أنه سأل أم سلمة عن قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنعتت له قراءة مفسرة حرفا حرفا ، وقد يجوز أن يكون نعت أم سلمة قراءة النبي صلى الله عليه وسلم كيف كان يقرأ بها ما سمعته يقرؤها بغيره من القرآن ، فثبت بتصحيح ما رويناه منها في هذا الباب أنه لا دليل فيما رويناه عنها فيه مما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ به ذلك الحرف : هل هو ملك أو مالك .
هذا يحاج به من روى هذا الحديث كما رواه حفص ، ويحيى بن سعيد الأموي ، لا من رواه كما رواه عمر بن هارون . 6372 - وحدثنا إبراهيم بن أبي داود ، حدثنا هدبة بن خالد ، حدثنا هارون بن موسى النحوي ، حدثنا إسماعيل بن مسلم ، عن أبي إسحاق ، عن ابن أبي حصين ، أو أم حصين ، عن جدته أم حصين أنها صلت خلف النبي صلى الله عليه وسلم فقرأ : ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ ، حتى إذا بلغ : وَلا الضَّالِّينَ ، قال : آمين . قال أبو جعفر : وهذا الحديث ، فمن أحسن ما روي في هذا الباب ، لأنه وإن دار على إسماعيل بن مسلم - وهو العبدي - فهو مقبول الرواية ، ثبت فيها .
6373 - وحدثنا أبو أمية ، حدثنا الخضر بن محمد بن شجاع الحراني ، حدثنا أبو معاوية ، عن أبي إسحاق الحميسي ، عن مالك بن دينار ، عن أنس بن مالك قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ : ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾. قال أبو جعفر : فكانت هذه الآثار قد تكافأت في ملك ومالك ، فلم يكن بعضها أولى من بعض ، فطلبنا الوجه في ذلك مما رواه غير من ذكرنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . 6374 - فوجدنا يونس قد حدثنا ، قال : حدثنا ابن وهب : أن مالكا حدثه ، عن العلاء بن عبد الرحمن : أنه سمع أبا السائب - مولى هشام بن زهرة - يقول : سمعت أبا هريرة رضي الله عنه يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : قال الله عز وجل : قسمت – يعني- الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ، نصفها لي ونصفها لعبدي ، ولعبدي ما سأل .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اقرؤوا يقول : ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ ، يقول الله تعالى : حمدني عبدي ، يقول العبد : الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، يقول الله تعالى : أثنى علي عبدي ، يقول : ملك يوم الدين ، يقول الله تعالى : مجدني عبدي ، وهذه الآية بيني وبين عبدي ، يقول العبد : ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ٥ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ٦ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ ﴾ فهؤلاء لعبدي ولعبدي ما سأل . فكان في هذا الحديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في فاتحة الكتاب : ملك يوم الدين ، غير أنا قد وجدنا قتيبة بن سعيد قد خالف ابن وهب ، عن مالك ، فذكر فيه مكان ملك : مالك . 6375 - كما حدثنا أحمد بن شعيب ، أخبرنا قتيبة بن سعيد ، عن مالك ، ثم ذكر مثل حديث ابن وهب بإسناده وبمتنه ، غير أنه قال مكان ملك يوم الدين : مالك .
ثم نظرنا هذا الحرف في رواية غير مالك عن العلاء كيف هو ؟ . 6376 - فوجدنا ابن أبي داود قد حدثنا قال : حدثنا سعيد بن أبي مريم ، حدثنا أبو غسان - محمد بن مطرف - حدثني العلاء بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم ذكر مثله غير أنه قال فيه : ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾. 6377 - ووجدنا إبراهيم بن مرزوق قد حدثنا ، قال : حدثنا عمر بن يونس بن القاسم اليمامي ، حدثنا جهضم بن عبد الله ، عن العلاء بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم ذكر مثله ، غير أنه قال فيه ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ مكان : ملك يوم الدين .
6381 - ووجدنا محمد بن علي أيضا قد حدثنا ، قال : حدثنا يحيى بن إسماعيل ، حدثنا ابن فضيل ، قال : حدثنا الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ : ملك يوم الدين . فاختلف سفيان ، وابن فضيل ، عن الأعمش في هذا الحرف ، فرواه كل واحد منهما عنه كما ذكرناه عنه في هذا الباب . ولا نعلم أنه روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا المعنى من الأسانيد المقبولة غير ما قد ذكرناه في هذا الباب غير شيء رواه أيوب بن سويد فيه ، وإن كان في القلوب من أيوب ما فيها ، وهو .
6382 - ما قد حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ، حدثنا أيوب بن سويد ، عن يونس ، عن الزهري ، عن أنس : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأبا بكر ، وعمر كانوا يقرؤون : ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾. قال أبو جعفر : وكان الصحيح في هذا الحديث . 6383 - ما قد حدثنا يوسف بن يزيد ، حدثنا نعيم بن حماد ، أخبرنا صفوان بن عيسى البصري ، وابن المنكدر ، عن معمر ، عن الزهري ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأبي بكر ، وعمر مثله ، ولم يذكر أنسا .
ثم نظرنا فيما روي عن أبي هريرة ، كيف قرأ هذا الحرف بعد النبي صلى الله عليه وسلم لنقف به على الصحيح مما قد روي فيه عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، 6384 - فوجدنا أبا شريح محمد بن زكريا بن يحيى ، وابن أبي مريم قد حدثانا ، حدثنا الفريابي ، حدثنا سفيان ، عن الأعمش ، عن ذكوان ، عن أبي هريرة : أنه كان يقرؤها : ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ 6385 . ووجدنا إبراهيم بن مرزوق قد حدثنا ، قال : حدثنا عفان بن مسلم ، عن أبي عوانة ، عن سليمان ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة مثله . فقوي في القلوب ما روي عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم بما روي عنه أنه قرأه بعده : مالك لا ملك .
قال خلف في هذه الرواية : وكان عاصم يقرؤها : ﴿مالك يوم الدين ﴾. قال خلف : والأعمش يقرؤها كمثل . 6390 - ووجدنا روحا قد حدثنا ، قال : حدثنا الجعفي ، حدثنا أبو بكر بن عياش ، ثم ذكر بإسناده مثله ، وزاد فيه : وقرأ عبد الله على النبي صلى الله عليه وسلم ، وقبل ذلك ما قد ذكر في قراءة علي ، قال : وقرأ علي على النبي صلى الله عليه وسلم ، وفي رواية الجعفي هذه عن أبي بكر ، عن عاصم : أنه قرأ : ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾.
6391 - وسمعت ابن أبي عمران 0يقول : سمعت يحيى بن أكثم ، يقول : إن كانت القراءة تؤخذ من صحة المخرج ، فما نعلم لقراءة من صحة المخرج ما لقراءة عاصم ، ثم ذكر هذه الحكاية في قراءته على أبي عبد الرحمن ، وفي قراءة أبي عبد الرحمن على علي رضي الله عنه ، وفي قراءة علي على النبي صلى الله عليه وسلم ، وفي قراءته على زر بن حبيش ، وفي قراءة زر على عبد الله ، وفي قراءة عبد الله على رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال أبو جعفر : ولقراءة عاصم أيضا زيادة على هذا المعنى ، 6392 - وهو ما قد حدثنا إبراهيم بن أحمد بن مروان الواسطي ، قال : حدثنا محمد بن خالد بن عبد الله الواسطي ، عن حفص بن سليمان ، عن عاصم ، عن أبي عبد الرحمن ، قال : عرضت القراءة على علي بن أبي طالب ، وعرض علي بن أبي طالب على النبي عليه السلام ، ثم حججت فلقيت زيد بن ثابت فقرأت القرآن عليه كما قرأته على علي ، فما خالفه في حرف واحد . ثم رجعنا إلى ما قرأ هذا الحرف عليه غير عاصم ، فوجدنا حمزة بن حبيب قد قرأه : ملك يوم الدين .
6393 - كما حدثنا ابن أبي عمران ، حدثنا خلف ، حدثنا سليم بن عيسى ، عن حمزة ، ثم ذكر ذلك ، وقال في روايته : قال حمزة : ما قرأت القرآن إلى على رجلين : ابن أبي ليلى ، والأعمش ، فما كان من حرف ابن أبي ليلى ، فعلى حرف علي ، وما كان من حرف الأعمش ، فعلى حرف عبد الله ، وكانت قراءة ابن أبي ليلى أخذها عن أخيه عيسى ، وأخذها أخوه عيسى ، عن أبيه عبد الرحمن بن أبي ليلى ، وأخذها أبوه عن علي رضي الله عنه . وأما نافع ، فكان يقرؤها : ملك يوم الدين أيضا ، وقد قرأ على جماعة منهم : أبو جعفر يزيد بن القعقاع ، وقرأ أبو جعفر على مولاه عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة ، وقرأ مولاه على أبي بن كعب ، وسائر القراء سوى من ذكرنا من الاختلاف في هذا الحرف على مثل من ذكرنا من الاختلاف فيه . ثم رجعنا إلى طلب الوجه في ذلك من طريق الاستخراج ، فوجدنا أبا عبيد قد ذكر ما أجازه لنا عنه علي بن عبد العزيز ، أنه كان يختار في ذلك : ملك يوم الدين على ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ ، ويذكر فيه أن حجاج بن محمد حدثه ، عن هارون بن موسى العتكي قال : كان عاصم الجحدري يقرؤها بغير ألف ، يعني : ملك يوم الدين ، قال هارون : فذكرت ذلك لأبي عمرو ، وأنه كان يحتج في ذلك على من قرأه : مالك بالألف ، فقال : يلزمه أن يقرأ : ﴿قل أعوذ برب الناس ﴾مالك الناس .
فقال أبو عمرو : نعم لموافقته عاصما على ذلك ، أولا يقرؤون : فتعالى الله المالك الحق . قال أبو عبيد : ونحن نختار هذه القراءة أيضا ، فذكر كلاما فيه ، ولأن ملكا فيه ما ليس في مالك ، لأنه قد يكون مالكا غير ملك ، ولا يكون ملكا إلا مالكا ، ولم يختلفوا في قراءة : لمن الملك اليوم لله الواحد القهار ، أنه كذلك لا ما سواه . ووجدنا بعض من يحتج لمن قرأها مالك يحتج بقول الله تعالى : قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ ، وكان أولى ما قرأت عليه عندنا -والله أعلم- أن يرجع فيما سمى الله عز وجل به نفسه إلى ما سمى الله به نفسه ، فقد سمى الله نفسه في كتابه بما قد تلوناه في : ﴿قل أعوذ برب الناس ﴾ ، وبما ذكره في سورة الحشر من قوله : هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ ، وبما ذكره في سورة الجمعة في قوله : يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ ، فكان ما سمى به نفسه مما قد تلوناه في هذه الآيات أولى ما رد إليه الحرف المختلف فيه الذي قد ذكرناه من مالك ومن ملك إلى ملك لا إلى مالك ، وبالله التوفيق .