باب بيان مشكل ما روي في السبب الذي نزل فيه قوله تعالى نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ
باب بيان مشكل ما روي في السبب الذي نزل فيه قوله تعالى : نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ . وما كان من النبي صلى الله عليه وسلم عند نزولها مما أعلم الناس به المراد بها . 7219 - حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ، حدثنا أبو بكر بن أبي أويس ، حدثني سليمان بن بلال ، عن زيد بن أسلم .
عن عبد الله بن عمر : أن رجلا أتى امرأته في دبرها ، فوجد في نفسه من ذلك وجدا شديدا ، فأنزل الله تعالى نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ . 7220 - وحدثنا أحمد بن داود قال : حدثنا يعقوب بن حميد بن كاسب ، حدثنا عبد الله بن نافع ، عن هشام بن سعد ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار . عن أبي سعيد أن رجلا أصاب امرأته في دبرها ، فأنكر الناس ذلك عليه ، وقالوا : أثفرها .
فأنزل الله تعالى نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ . ففي هذين الحديثين ما قد ذكر قوم أنهم استدلوا به على الإباحة لهذا المعنى المذكور فيها ، فتأملنا ما روي في ذلك من غير هذين الحديثين . 7221 - فوجدنا يونس قد حدثنا ، قال : حدثنا سفيان بن عيينة ، عن محمد بن المنكدر .
عن جابر بن عبد الله : أن اليهود ، قالوا : من أتى امرأته في فرجها من دبرها خرج ولده أحول ، فأنزل الله تعالى : نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ . 7222 - ووجدنا يونس قد حدثنا قال : حدثنا ابن وهب ، حدثنا سفيان الثوري : أن محمد بن المنكدر ، حدثه عن جابر بن عبد الله مثله . 7223 - ووجدنا أبا شريح محمد بن زكريا قد حدثنا قال : حدثنا الفريابي ، حدثنا سفيان الثوري ، عن محمد بن المنكدر ، عن جابر بن عبد الله مثله .
7224 - ووجدنا إبراهيم بن مرزوق قد حدثنا قال : حدثنا وهب بن جرير ، حدثنا شعبة ، عن محمد بن المنكدر . عن جابر قال : قالت اليهود : إذا أتى الرجل أهله باركة جاء ولده أحول ، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله عز وجل نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ . 7225 - ووجدنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قد حدثنا قال : حدثنا أشهب بن عبد العزيز ، عن مالك بن أنس ، أخبرنا محمد بن المنكدر .
عن جابر بن عبد الله أنه قال : إن اليهود قالوا : إذا أتى الرجل امرأته مدبرة جاء ولده أحول ، فأنزل الله تعالى : نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ . 7226 - ووجدنا فهد بن سليمان قد حدثنا قال : حدثنا عبد الله بن صالح ، حدثني الليث بن سعد قال : حدثني يزيد بن عبد الله بن الهاد ، عن أبي حازم ، عن محمد بن المنكدر . عن جابر بن عبد الله أنه كان يقول : إن اليهود كانت تقول : إذا أتيت المرأة في قبلها من دبرها ، ثم حملت كان ولدها أحول ، فأنزل الله عز وجل هذه الآية : نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ .
فكان ما في هذه الآثار مما يدفع ذلك . 7227 - ووجدنا إبراهيم بن أبي داود قد حدثنا قال : حدثنا المقدمي ، حدثنا وهب بن جرير ، حدثنا أبي قال : سمعت النعمان بن راشد يحدث عن الزهري ، عن محمد بن المنكدر . عن جابر بن عبد الله أن يهوديا قال : إذا نكح الرجل امرأته مجبية خرج ولدها أحول ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ؛ يعني : إن شئت مجبية وإن شئت غير مجبية ، إذا كان في صمام واحد .
7228 - وحدثنا يونس ، حدثنا ابن وهب ، أخبرني ابن جريج أن محمد بن المنكدر ، حدثه . عن جابر بن عبد الله أن اليهود قالوا للمسلمين : من أتى امرأة مدبرة جاء ولدها أحول ، فأنزل الله تعالى هذه الآية . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : مقبلة ، ومدبرة ، ما كان في الفرج من قبلها ، لا إلى ما سواه .
فعادت هذه الآثار في الحظر لوطء النساء في أدبارهن ، لا إلى الإباحة لذلك . وقد ذكر قوم أن الآية كان نزولها في غير هذا المعنى ، وذكر في ذلك . 7229 - ما قد حدثنا .
الحسن بن موسى الأشيب ، حدثنا يعقوب بن عبد الله القمي ، عن جعفر بن أبي المغيرة ، عن سعيد بن جبير . عن ابن عباس أنه قال : جاء عمر - رضي الله عنه - إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله هلكت قال : وما أهلكك ؟ قال : حولت رحلي البارحة ، فلم يرد عليه شيئا ، فأوحى الله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية : نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ . أقبل ، وأدبر ، واتق الدبر ، والحيضة .
فكان في هذا الحديث أن سبب نزول هذه الآية غير السبب الذي ذكر فيما تقدم مما ذكرناه ، وفيما تقدم منا في هذا الباب ، وكان فيه المنع من وطء النساء في أدبارهن كالمنع من وطئهن في حيضهن ، فكان في هذا الحديث إنما دار على ابن عباس . فنظرنا هل روي عن ابن عباس ما يخالفه أم لا ؟ . 7230 - فوجدنا الربيع بن سليمان الجيزي قد حدثنا قال : حدثنا أبو الأسود ، أخبرنا ابن لهيعة ، عن يزيد بن أبي حبيب : أن عامر بن يحيى المعافري حدثه أن حنش بن عبد الله السبئي ، حدثه أنه سمع .
ابن عباس يقول : إن ناسا من حمير أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه عن النساء ، فأنزل الله : نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ائتها مقبلة ، ومدبرة ، إذا كان ذلك في الفرج . ففي هذا الحديث أن سبب نزول هذه الآية في خلاف السبب المذكور نزولها فيه ، لما سبقت روايتنا له عن ابن عباس في هذا الباب ، والمنع من إتيان النساء فيما سوى فروجهن .
7231 - ووجدنا فهد بن سليمان قد حدثنا قال : حدثنا علي بن معبد ، حدثنا عبيد الله بن عمرو ، عن زيد بن أبي أنيسة ، عن أبي إسحاق ، عن زائدة بن عمير الطائي قال : سألت ابن عباس عن العزل ، فقال : قد أكثرتم ، فإن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فيه شيئا ، فهو كما قال . وإن لم يكن قال فيه صلى الله عليه وسلم ، فأنا أقول فيه : نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ . فإن شئتم فاعزلوا وإن شئتم فلا تعزلوا أي ذلك فعلتم فلا بأس .
فهذا ابن عباس قد حمل تأويل الآية على خلاف ما روي عنه مما ذكر أن نزولها كان فيه . ثم نظرنا هل روي في نزولها شيء عن غير ابن عباس ، وعن غير من ذكرنا في هذا الباب سواه ؟ . 7232 - فوجدنا يزيد بن سنان قد حدثنا قال : حدثنا زكريا بن يحيى كاتب العمري ، حدثنا المفضل بن فضالة ، عن عبد الله ، عن كعب بن علقمة ، عن أبي النضر أنه أخبره .
أنه قال لنافع مولى عبد الله بن عمر : إنه قد أكثر عليك القول أنك تقول عن ابن عمر : إنه أفتى أن تؤتى النساء في أدبارهن قال نافع : كذبوا علي ، ولكني سأخبرك كيف كان الأمر ، إن ابن عمر عرض المصحف يوما ، وأنا عنده حتى بلغ قوله عز وجل : نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ . قال : يا نافع هل تعلم من أمر هذه الآية ؟ قال : قلت : لا . قال : إنا كنا معشر قريش نجبي النساء ، فلما دخلنا المدينة ، ونكحنا نساء الأنصار أردنا منهن مثل الذي نريد ، فإذا هن قد كرهن ، وأعظمن ذلك ، وكانت نساء الأنصار قد أخذن بحال اليهود ؛ إنما يؤتين على جنوبهن ، فأنزل الله تعالى : نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ .
فكان في هذا الحديث عن ابن عمر أن نزول هذه الآية كان للمعنى المذكور نزولها فيه ، لا لما سوى ذلك من إباحته لوطء النساء في أدبارهن . فقال قائل : فقد روي عن ابن عمر إباحته ، وذكر . 7233 - ما قد حدثنا أبو قرة محمد بن حميد الرعيني ، حدثنا أصبغ بن الفرج ، وأبو زيد بن أبي الغمر ، قالا : قال ابن القاسم : وحدثني مالك قال : حدثني ربيعة بن أبي عبد الرحمن ، عن أبي الحباب سعيد بن يسار .
أنه سأل ابن عمر عنه ؛ يعني : وطء النساء في أدبارهن ، فقال : لا بأس به . فكان جوابنا له : أنه قد روي عن ابن عمر من ناحية سعيد بن يسار ما يخالف هذا . 7234 - كما حدثنا الربيع المرادي ، حدثنا عبد الله بن وهب ، حدثنا الليث بن سعد ، عن الحارث بن يعقوب ، عن سعيد بن يسار أبي الحباب قال : قلت : لابن عمر ما تقول : في الجواري أحمض لهن ؟ قال : وما التحميض ؟ فذكرت الدبر ، فقال : وهل يفعل ذلك أحد من المسلمين ؟! .
فهذا ابن عمر قد روي عنه ضد ما ذكرت ، وإذا كان ذلك كذلك كان كأنه لم يرو عنه فيه ، ولقد قال ميمون بن مهران في ذلك . 7235 - ما قد حدثنا فهد بن سليمان ، وإسحاق بن محمد بن معمر قالا : حدثنا علي بن معبد قال : حدثنا عبيد الله بن عمرو ، عن ميمون بن مهران ، وذكر له ، عن نافع ما حكي عنه من إباحة ، وطء النساء في أدبارهن ، فقال : إنما قال ذلك نافع بعدما كبر ، وذهب عقله . وقد روي عن سالم نفي ذلك ، عن ابن عمر .
7236 - كما حدثنا ابن أبي داود ، حدثنا ابن أبي مريم ، أخبرنا عطاف بن خالد ، عن موسى بن عبد الله بن الحسن . أن أباه سأل سالم بن عبد الله أن يحدثه بحديث نافع ، عن ابن عمر : أنه كان لا يرى بأسا في إتيان النساء في أدبارهن ، فقال سالم : كذب العبد ، أو قال : أخطأ . إنما قال : لا بأس أن يؤتين في فروجهن من أدبارهن .
ثم نظرنا في سبب نزول هذه الآية هل روي فيه ، عن غير من ذكرنا شيء أم لا ؟ . 7237 - فوجدنا فهدا قد حدثنا قال : حدثنا أبو سلمة موسى بن إسماعيل ، حدثنا وهيب بن خالد ، حدثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم . عن عبد الرحمن بن سابط قال : أتيت حفصة بنت عبد الرحمن ، فقلت : إني أريد أن أسألك عن شيء ، وإني أستحيي منك ، فقالت : سل يا ابن أخي عما بدا لك .
قلت : عن إتيان النساء في أدبارهن . قالت : حدثتني أم سلمة أن الأنصار كانوا لا يجبون ، والمهاجرون يجبون ، وكانت اليهود تقول : من جبى خرج ولده أحول ، فلما قدم المهاجرون المدينة نكحوا نساء الأنصار ، فنكح رجل من المهاجرين امرأة من الأنصار ، فجباها ، فأبت ، فأتت أم سلمة ، فذكرت ذلك لها ، فلما دخل النبي صلى الله عليه وسلم ذكرت ذلك له أم سلمة ، فاستحيت الأنصارية ، فخرجت ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ادعيها ، فدعتها ، فقال : نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ . صماما واحدا .
فكان ما في هذا الحديث رد ما أبيح لهم بهذه الآية هو ما عاد إلى ذلك الصمام ، لا إلى ما سواه . ثم نظرنا : هل روي في هذا الباب غير هذه الآثار ؟ . 7238 - فوجدنا فهد بن سليمان قد حدثنا قال : حدثنا أبو نعيم ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن حكيم الأثرم ، عن أبي تميمة .
عن أبي هريرة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من أتى حائضا ، أو امرأة في دبرها ، أو أتى كاهنا ، فقد كفر بما أنزل على محمد . 7239 - وكما حدثنا يونس ، حدثنا سفيان ، عن ابن الهاد ، عن عمارة بن خزيمة بن ثابت . عن أبيه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن الله لا يستحيي من الحق : لا تأتوا النساء في أدبارهن .
7240 - ووجدنا روح بن الفرج قد حدثنا قال : حدثنا إبراهيم بن محمد الشافعي ، حدثنا محمد بن علي قال : كنت مع محمد بن كعب القرظي ، فسأله رجل : يا أبا حمزة ما ترى في إتيان النساء في أدبارهن ؟ فأعرض ، أو سكت ، وقال : هذا شيخ من قريش ، فاسأله - يعني عبد الله بن علي بن السائب - فقال : عبد الله : اللهم قذر ، ولو كان حلالا قال : حدثني ، ولم يكن سمع في ذلك شيئا قال : ثم أخبرني عبد الله بن علي أنه لقي عمرو بن أحيحة بن الجلاح ، فسأله عن ذلك ، فقال : أشهد لسمعت خزيمة بن ثابت الذي جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم شهادته بشهادة رجلين يقول : أتى رجل النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله إني آتي امرأتي من دبرها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نعم قالها مرتين ، أو ثلاثا قال : ثم فطن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : في أي الخربتين ، أو في أي الخرزتين ، أو في أي الخصفتين ؟ أما من دبرها في قبلها فنعم . وأما في دبرها ؛ فإن الله تعالى ينهاكم أن تأتوا النساء في أدبارهن . 7241 - ووجدنا محمد بن خزيمة قد حدثنا قال : حدثنا معلى بن أسد ، حدثنا عبد العزيز بن المختار ، عن سهيل بن أبي صالح ، عن الحارث بن مخلد .
عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا ينظر الله عز وجل إلى رجل وطئ امرأته في دبرها . 7242 - ووجدنا سليمان بن شعيب قد حدثنا قال : حدثنا الخصيب بن ناصح ، حدثنا همام بن يحيى ، عن قتادة ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه عن جده ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : هي اللواطة الصغرى . يعني وطء النساء في أدبارهن .
ووجدنا يزيد بن سنان قد حدثنا قال : حدثنا يحيى بن سعيد القطان ، حدثنا ابن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن أبي أيوب عن عبد الله بن عمرو - ولم يرفعه - قال في الذي يأتي امرأة في دبرها قال : اللواطة الصغرى . وفي هذا الباب آثار أخر في تحريم هذا المعنى تركناها إذ كان في أسانيدها ما يمنع قبولها . ثم رجعنا إلى تأويل قول الله عز وجل : نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم .
فوجدنا الحرث إنما يطلب منه النسل ، وكان النسل موجودا في الوطء في الفرج ، ومعدوما في الوطء في غيره ، فدل أن المراد فيها هو ما أبيح منها مما يكون عنه النسل ، لا ما لا يكون عنه نسل ، وهكذا كان الفقهاء الكوفيون جميعا يذهبون إليه في هذا الباب .