بَابُ مَا وَرَدَ لَهُ مِنَ الْفَضْلِ مِنْ مُوَافَقَتِهِ لِلْقُرْآنِ وَنَحْوَ ذَلِكَ
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ قَالَ لَهُ أَبُوهُ : أَيْ بُنَيَّ ، اطْلُبْ لِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَوْبًا مِنْ ثِيَابِهِ ، فَكَفِّنِّي فِيهِ ، وَمُرْهُ يُصَلِّي عَلَيَّ . فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَدْ عَرَفْتَ شَرَفَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ، وَإِنَّهُ أَمَرَنِي أَنْ أَطْلُبَ إِلَيْكَ ثَوْبًا نُكَفِّنُهُ فِيهِ ، وَأَنْ تُصَلِّيَ عَلَيْهِ ، فَأَعْطَاهُ ثَوْبًا مِنْ ثِيَابِهِ ، وَأَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ فَقَالَ عُمَرُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَدْ عَرَفْتَ عَبْدَ اللَّهِ وَنِفَاقَهُ ، وَقَدْ نَهَاكَ اللَّهُ أَنْ تُصْلِيَ عَلَيْهِ . قَالَ : وَأَيْنَ ؟ .
قَالَ : إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : فَإِنِّي سَأَزِيدُهُ . فَأَنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا .
وَأَنْزَلَ اللَّهُ : سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ . قَالَ : وَدَخَلَ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَطَالَ الْجُلُوسُ ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَلَاثًا لِكَيْ يَتْبَعَهُ فَلَمْ يَفْعَلْ ، فَدَخَلَ عُمَرُ فَرَأَى الْكَرَاهِيَةَ فِي وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَقْعَدِهِ ، فَقَالَ : لَعَلَّكَ آذَيْتَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؟ فَفَطِنَ الرَّجُلُ فَقَامَ ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَقَدْ قُمْتُ ثَلَاثًا لِكَيْ تَتْبَعَنِي فَلَمْ تَفْعَلْ . فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لَوِ اتَّخَذْتَ حِجَابًا ; فَإِنَّ نِسَاءَكَ لَسْنَ كَسَائِرِ النِّسَاءِ ، وَهُوَ أَطْهَرُ لِقُلُوبِهِنَّ .
فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ ) الْآيَةَ . فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى عُمَرَ فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ . قَالَ : وَاسْتَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ فِي الْأُسَارَى ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، اسْتَحْيِي قَوْمَكَ وَخُذْ مِنْهُمُ الْفِدَاءَ ، فَاسْتَعِنْ بِهِ .
وَقَالَ عُمَرُ : اقْتُلْهُمْ ، فَقَالَ : لَوِ اجْتَمَعْتُمَا مَا عَصَيْنَاكُمَا . فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ . قَالَ : وَنَزَلَتْ : ( ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ ١٢ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ﴾) إِلَى آخِرِ الْآيَةِ .
فَقَالَ عُمَرُ : تَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ . فَأُنْزِلَتْ : فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ . رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ وَالْأَوْسَطِ ، وَقَالَ : لَوِ اجْتَمَعْتُمَا مَا عَصَيْتُكُمَا .
وَفِيهِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ ، وَهُوَ لَيِّنٌ . وَبَقِيَّةُ رِجَالِهِ ثِقَاتٌ .