حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
سنن النسائي بشرح جلال الدين السيوطي - حاشية السندي

بَاب النِّيَةِ فِي الْوُضُوءِ

بَاب النِّيَةِ فِي الْوُضُوءِ 75 أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ بْنِ عَرَبِيٍّ ، عَنْ حَمَّادٍ ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ - قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ - عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ ح وَأَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ : أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ - وَاللَّفْظُ لَهُ - عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ ، وَإِنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى ؛ فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ . قَوْله ( إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّةِ ) أُفْرِدَتْ النِّيَّة لِكَوْنِهَا مَصْدَرًا ، ووَجْه الِاسْتِدْلَال أَنَّ الْجَارّ والْمَجْرُور خَبَر ، والظَّاهِر مِنْ جِهَة الْقَوَاعِد تَعَلُّقه بِكَوْنٍ عَامّ ، والْمَعْنَى أَعْمَال الْمُكَلَّفِينَ لَا تَتَحَقَّق ولَا تَكُون إِلَّا بِالنِّيَّةِ ، وهَذَا يُؤَدِّي إِلَى أَنَّ وجُود الْعَمَل يَتَوَقَّف عَلَى النِّيَّة ، والْوَاقِع يَشْهَد بِخِلَافِهِ ، فَإِنَّ الْوُجُود الْحِسِّيّ لَا يَحْتَاج إِلَى نِيَّة ، وأَيْضًا الْأَنْسَب بِكَلَامِ الشَّارِع هُوَ الْوُجُود الشَّرْعِيّ ، فَلَا بُدَّ مِنْ تَقْدِير كَوْنٍ خُاصَ هُوَ الْوُجُود الشَّرْعِيّ ، ومَرْجِعه إِلَى الصِّحَّة أَوْ الِاعْتِبَار ، فَالْمَعْنَى الْأَعْمَال لَا تَتَحَقَّق شَرْعًا ولَا تَصِحّ ، فَلَا تُعْتَبَر إِلَّا بِالنِّيَّةِ ، وعُمُوم الْأَعْمَال تَشْمَل الْوُضُوء فَيَلْزَم أَنْ لَا يُوجَد الْوُضُوء شَرْعًا ، ولَا يَتَحَقَّق إِلَّا بِالنِّيَّةِ ، وهُوَ الْمَطْلُوب ، وفِيهِ بَحْث لِأَنَّ الْأَعْمَال إِنْ أُبْقِيَتْ عَلَى عُمُومهَا يَلْزَم أَنْ لَا تُوجَد الْمُبَاحَات ، بَلْ والْمُحَرَّمَات شَرْعًا ، ولَا يُعَدّ فَاعِلهَا فَاعِلًا شَرْعًا إِلَّا بِالنِّيَّةِ ، وإِنْ خَصَّهُ بِالْعِبَادَاتِ يَتَوَقَّف الدَّلِيل عَلَى إِثْبَات أَنَّ الْوُضُوء عِبَادَة ، وقَدْ يُجَاب بِتَخْصِيصِ الْأَعْمَال بِالْأَفْعَالِ الشَّرْعِيَّة الَّتِي عُلِمَ وجُودهَا مِنْ جِهَة الشَّارِع ، والْوُضُوء مِنْهَا بِلَا رَيْب لَكِنْ يَنْتَقِض الدَّلِيل بِنَحْوِ طَهَارَة الثَّوْب والْبَدَن لِتَحَقُّقِهِمَا بِلَا نِيَّة أَيْضًا مَعَ أَنَّهُمَا مِنْ الْأُمُور الشَّرْعِيَّة ، فَالْأَحْسَن الْجَوَاب بِإِثْبَاتِ أَنَّ الْوُضُوء عِبَادَة لِوُرُودِ الثَّوَاب عَلَيْهِ لِفَاعِلِهِ مُطْلَقًا فِي الْأَحَادِيث ، وكُلّ مَا هَذَا شَأْنه فَهُوَ عِبَادَة ، وقَدْ يُقَال : إِنَّ أَحَادِيث الثَّوَاب تَكْفِي فِي إِثْبَات الْمَطْلُوب مِنْ غَيْر حَاجَة إِلَى ضَمّ هَذَا الْحَدِيث لِأَنَّهَا تَدُلّ عَلَى أَنَّ الْوُضُوء عِبَادَة ، وقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْعِبَادَة لَا تَكُون إِلَّا بِالنِّيَّةِ أَوْ لِأَنَّهُمْ اِتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الثَّوَاب يَتَوَقَّف عَلَى النِّيَّة ، وقَدْ عُلِمَ أَنَّ الْوُضُوء مُطْلَقًا يُثَاب عَلَيْهِ فَلَزِمَ أَنَّ الْوُضُوء مُطْلَقًا يَتَوَقَّف عَلَى النِّيَّة ، واَللَّه تَعَالَى أَعْلَم . بَقِيَ أَنَّ هَذَا الْحَدِيث هَلْ هُوَ مَسُوق لِاشْتِرَاطِ النِّيَّة فِي الْعِبَادَات أَمْ لَا ، والظَّاهِر أَنَّهُ غَيْر مَسُوق لِذَلِكَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي الْبَيْضَاوِيّ فِي شَرْح الْمَصَابِيح ، وإِنْ كَانَ كَلَام الْفُقَهَاء وغَيْرهمْ عَلَى أَنَّهُ مَسُوق لَهُ ، وذَلِكَ لِأَنَّ قَوْله : وإِنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى أَيْ مَا نَوَاهُ مِنْ خَيْر أَوْ شَرّ أَوْ نِيَّة ، وكَذَا قَوْله فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَته إِلَخْ بِالتَّفْرِيعِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ بِالْفَاءِ يَأْبَى تَخْصِيص النِّيَّة بِالنِّيَّةِ الشَّرْعِيَّة ، ويَقْتَضِي أَنَّ الْمُرَاد بِالنِّيَّةِ فِي الْحَدِيث مُطْلَق الْقَصْد أَعَمّ مِنْ أَنْ يَكُون نِيَّة خَيْر أَوْ شَرّ ؛ قَالَ الْقَاضِي : النِّيَّة لُغَة الْقَصْد ، وشَرْعًا تَوَجُّه الْقَلْب نَحْو الْفِعْل اِبْتِغَاءً لِوَجْهِ اللَّه تَعَالَى وامْتِثَالًا لِأَمْرِهِ ، وهِيَ فِي الْحَدِيث مَحْمُولَة عَلَى الْمَعْنَى اللُّغَوِيّ لِيَحْسُنَ تَطْبِيقه عَلَى مَا بَعْده ، وتَقْسِيمه بِقَوْلِهِ : فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَته . .

إِلَخْ ، فَالْمَعْنَى أَنَّ الْأَعْمَال أَيْ الْأَفْعَال الِاخْتِيَارِيَّة لَا تُوجَد إِلَّا بِالنِّيَّةِ ، والْقَصْد الدَّاعِي لِلْفَاعِلِ إِلَى ذَلِكَ الْفِعْل ، ( وإِنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى ) أَيْ لَيْسَ لِلْفَاعِلِ مِنْ عَمَله إِلَّا نِيَّته أَوْ مَنْوِيّه أَيْ الَّذِي يَرْجِع إِلَيْهِ مِنْ الْعَمَل نَفْعًا أَوْ ضُرًّا هِيَ النِّيَّة ، فَإِنَّ الْعَمَل بِحَسَبِهَا يُحْسَب خَيْرًا وشَرًّا ، ويُجْزَى الْمَرْء عَلَى الْعَمَل بِحَسَبِهَا ثَوَابًا وعِقَابًا يَكُون الْعَمَل تَارَة حَسَنًا وتَارَة قَبِيحًا بِسَبَبِهَا ، ويَتَعَدَّد الْجَزَاء بِتَعَدُّدِهَا . وقَوْله ( لِامْرِئٍ ) بِمَعْنَى لِكُلِّ اِمْرِئٍ كَمَا جَاءَ فِي الرِّوَايَات ، وذَلِكَ لِأَنَّ إِنَّمَا يَتَضَمَّن النَّفْي فِي أَوَّل الْكَلَام والْإِثْبَات عَلَى آخِر جُزْء مِنْهُ ، فَالنَّكِرَة صَارَتْ فِي حَيِّز النَّفْي فَتُفِيد الْعُمُوم عَلَى أَنَّ النَّكِرَة فِي الْإِثْبَات قَدْ يُقْصَد بِهَا الْعُمُوم كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى : عَلِمَتْ نَفْس ، ولَا يَخفَى أَنَّهُ يَظْهَر عَلَى هَذَا الْمَعْنَى تَفْرِيع ، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَته عَلَى مَا قَبْله أَشَدّ ظُهُورًا ، والْمُرَاد أَنَّ مَنْ هِجْرَته إِلَى اللَّه تَعَالَى وإِلَى رَسُوله قَصْدًا ونِيَّة فَهِجْرَته إِلَيْهِمَا أَجْرًا وثَوَابًا ، ولِهَذَا الْمَعْنَى زِيَادَة تَفْصِيل ذَكَرْنَاهُ فِي حَاشِيَة الْأَذْكَار ، وصَحِيح الْبُخَارِيّ ، واَللَّه تَعَالَى أَعْلَم .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث