باب إِكْثَارُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ
إِكْثَارُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ الْجُمُعَةِ 1374 - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الْجُعْفِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ ، عَنْ أَبِي الْأَشْعَثِ الصَّنْعَانِيِّ ، عَنْ أَوْسِ بْنِ أَوْسٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِنَّ مِنْ أَفْضَلِ أَيَّامِكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ؛ فِيهِ خُلِقَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَام وَفِيهِ قُبِضَ ، وَفِيهِ النَّفْخَةُ ، وَفِيهِ الصَّعْقَةُ ، فَأَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنْ الصَّلَاةِ ، فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ . قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَكَيْفَ تُعْرَضُ صَلَاتُنَا عَلَيْكَ وَقَدْ أَرَمْتَ ؟ ! أَيْ يَقُولُونَ قَدْ بَلِيتَ ، قَالَ : إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ حَرَّمَ عَلَى الْأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ أَجْسَادَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمْ السَّلَام . قَوْله ( وَفِيهِ النَّفْخَة ) أَيْ الثَّانِيَة ، ( وَفِيهِ الصَّعْقَة ) الصَّوْت الْهَائِل يَفْزَع لَهُ الْإِنْسَان ، وَالْمُرَاد النَّفْخَة الْأُولَى أَوْ صَعْقَة مُوسَى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ، وَعَلَى هَذَا فَالنَّفْخة يَحْتَمِل الْأُولَى أَيْضًا ، ( فَأَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنْ الصَّلَاة ) فِيهِ تَفْرِيع عَلَى كَوْن الْجُمْعَة مِنْ أَفْضَل الْأَيَّام .
وَقَوْله ( فَإِنَّ صَلَاتكُمْ إِلَخْ ) تَعْلِيل لِلتَّفْرِيعِ أَيْ هِيَ مَعْرُوضَة عَلَيَّ كَعَرْضِ الْهَدَايَا عَلَى مَنْ أُهْدِيَتْ إِلَيْهِ فَهِيَ مِنْ الْأَعْمَال الْفَاضِلَة وَمُقَرِّبَة لَكُمْ إِلَيَّ كَمَا يُقَرِّب الْهَدِيَّةَ الْمُهْدِي إِلَى الْمُهْدَى إِلَيْهِ ، وَإِذَا كَانَتْ بِهَذِهِ الْمَثَابَة فَيَنْبَغِي إِكْثَارهَا فِي الْأَوْقَات الْفَاضِلَة فَإِنَّ الْعَمَل الصَّالِح يَزِيد فَضْلًا بِوَاسِطَةِ فَضْل الْوَقْت ، وَعَلَى هَذَا لَا حَاجَة إِلَى تَقْيِيد الْعَرْض بِيَوْمِ الْجُمْعَة كَمَا قِيلَ ، ( قَالُوا إِلَخْ ) لَا بُدّ هَاهُنَا أَوَّلًا مِنْ تَحْقِيق لَفْظ أَرَمْت ثُمَّ النَّظَر فِي السُّؤَال وَالْجَوَاب وَبَيَان اِنْطِبَاقهَما ، فَأَمَّا أَرَمْت فَبِفَتْحِ الرَّاء كَضَرَبْت أَصْله أَرْمَمْت مِنْ أَرَمَّ بِتَشْدِيدِ الْمِيم إِذَا صَارَ رَمِيمًا فَحَذَفُوا إِحْدَى الْمِيمَيْنِ كَمَا فِي ظَلَّتْ ، وَلَفْظه إِمَّا عَلَى الْخِطَاب أَوْ الْغَيْبَة عَلَى أَنَّهُ مُسْتَنِد إِلَى الْعِظَام ، وَقِيلَ : مِنْ أَرَمَ بِتَخْفِيفِ الْمِيم أَيْ فَنِيَ وَكَثِيرًا مَا يُرْوَى بِتَشْدِيدِ الْمِيم وَالْخِطَاب ، فَقِيلَ : هِيَ لُغَة نَاس مِنْ الْعَرَب ، وَقِيلَ : بَلْ خَطَأ ، وَالصَّوَاب سُكُون التَّاء لِتَأْنِيثِ الْعِظَام أَوْ أَرْمَمْت بِفَكِّ الِادِّغَام ، وَأَمَّا تَحْقِيق السُّؤَال فَوَجْهه أَنَّهُمْ فَهِمُوا عُمُوم الْخَطَاب فِي قَوْله فَإِنَّ صَلَاتكُمْ مَعْرُوضَة لِلْحَاضِرِينَ ، وَلِمَنْ يَأْتِي بَعْده صَلَّى اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَأَوْا أَنَّ الْمَوْت فِي الظَّاهِر مَانِع عَنْ السَّمَاع وَالْعَرْض ، فَسَأَلُوا عَنْ كَيْفِيَّة عَرْض صَلَاة مَنْ يُصَلِّي بَعْد الْمَوْت ، وَعَلَى هَذَا فَقَوْلهمْ وَقَدْ أَرَمْت كِنَايَة عَنْ الْمَوْت ، وَالْجَوَاب بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ اللَّه حَرَّمَ إِلَخْ ، كِنَايَة عَنْ كَوْن الْأَنْبِيَاء أَحْيَاء فِي قُبُورهمْ أَوْ بَيَان لِمَا هُوَ خُرِقَ لِلْعَادَةِ الْمُسْتَمِرَّة بِطَرِيقِ التَّمْثِيل أَيْ لِيَجْعَلُوهُ مَقِيسًا عَلَيْهِ لِلْعَرْضِ بَعْد الْمَوْت الَّذِي هُوَ خِلَاف الْعَادَة الْمُسْتَمِرَّة ، وَيَحْتَمِل أَنَّ الْمَانِع مِنْ الْعَرْض عِنْدهمْ فِنَاء الْبَدَن لَا مُجَرَّد الْمَوْت وَمُفَارَقَة الرُّوح الْبَدَن لِجَوَازِ عَوْد الرُّوح إِلَى الْبَدَن مَا دَامَ سَالِمًا عَنْ التَّغْيِير الْكَثِير ، فَأَشَارَ صَلَّى اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى بَقَاء بَدَن الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِمْ الصَّلَاة وَالسَّلَام ، وَهَذَا هُوَ ظَاهِر السُّؤَال وَالْجَوَاب ، بَقِيَ أَنَّ السُّؤَال مِنْهُمْ عَلَى هَذَا الْوَجْه يُشْعِر بِأَنَّهُمْ مَا عَلِمُوا أَنَّ الْعَرْض عَلَى الرُّوح الْمُجَرَّد مُمْكِن ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُبَيِّن لَهُمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ يُمْكِن الْعَرْض عَلَى الرُّوح الْمُجَرَّد لِيَعْلَمُوا ذَلِكَ ، وَيُمْكِن الْجَوَاب عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ سُؤَالهمْ يَقْتَضِي أَمْرَيْنِ : مُسَاوَاة الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِمْ السَّلَام وَغَيْرهمْ بَعْد الْمَوْت ، وَأَنَّ الْعَرْض لَا يُمْكِن عَلَى الرُّوح الْمُجَرَّد . وَالِاعْتِقَاد الْأَوَّل أَسْوَأ ، فَأَرْشَدَهُمْ صَلَّى اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْجَوَابِ إِلَى مَا يُزِيلهُ وَأَخَّرَ مَا يُزِيل الثَّانِي إِلَى وَقْت يُنَاسِبهُ تَدْرِيجًا فِي التَّعْلِيم ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَم . وَقَوْله ( بَلِيت ) بِفَتْحِ الْبَاء أَيْ صِرْت بَالِيًا عَتِيقًا .