بَاب فَضْلُ الصِّيَامِ وَالِاخْتِلَافُ عَلَى أَبِي إِسْحَقَ فِي حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فِي ذَلِكَ
فَضْلُ الصِّيَامِ ، وَالِاخْتِلَافُ عَلَى أَبِي إِسْحَاقَ فِي حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فِي ذَلِكَ 2211 أَخْبَرَنِي هِلَالُ بْنُ الْعَلَاءِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ ، عَنْ زَيْدٍ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ : الصَّوْمُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ ، وَلِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ ؛ حِينَ يُفْطِرُ وَحِينَ يَلْقَى رَبَّهُ . وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ . قَوْله : ( الصَّوْم لِي ، وأَنَا أَجْزِي بِهِ ) قَدْ ذَكَرُوا لَهُ مَعَانِيَ ، لَكِنَّ الْمُوَافِقَ لِلْأَحَادِيثِ أَنَّهُ كِنَايَةٌ عَنْ تَعْظِيم جَزَائِهِ ، وأَنَّهُ لَا حَدَّ لَهُ ، وهَذَا هُوَ الَّذِي تُفِيدهُ الْمُقَابَلَةُ في حَدِيث : مَا مِنْ حَسَنَة عَمِلَهَا اِبْنُ آدَمَ إِلَّا كُتِبَ لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إِلَّا الصِّيَام فإِنَّهُ لِي وأَنَا أَجْزِي بِهِ .
وهَذَا هُوَ الْمُوَافِقُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ وذَلِكَ لِأَنَّ اِخْتِصَاصَهُ مِنْ بَيْن سَائِر الْأَعْمَال بِأَنَّهُ مَخْصُوص بِعَظِيمٍ لَا نِهَايَةَ لِعَظَمَتِهِ ولَا حَدَّ لَهَا ، وأَنَّ ذَلِكَ الْعَظِيمَ هُوَ الْمُتَوَلِّي لِجَزَائِهِ - مِمَّا يَنْسَاق الذِّهْنُ مِنْهُ إِلَى أَنَّ جَزَاءَهُ مِمَّا لَا حَدَّ لَهُ ، ويُمْكِنُ أَنْ يقال عَلَى هَذَا : مَعْنَى قَوْلِهِ لِي أَيْ : أَنَا مُنْفَرِدٌ بِعِلْمِ مِقْدَار ثَوَابه وتَضْعِيفه ، وبِهِ تَظْهَرُ الْمُقَابَلَةُ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْله : كُلّ عَمَل اِبْن آدَم لَهُ إِلَّا الصِّيَام ، هُوَ لِي . أَيْ : كُلّ عَمَلِهِ لَهُ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ عَالِمٌ بِجَزَائِهِ ومِقْدَار تَضْعِيفه إِجْمَالًا ؛ لِمَا بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى فيهِ ، ( إِلَّا الصَّوْمَ ) فإِنَّهُ الصَّبْرُ الَّذِي لَا حَدَّ لِجَزَائِهِ جِدًّا ، بَلْ قَالَ : إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ويَحْتَمِل أَنْ يقال : مَعْنَى قَوْله : كُلّ عَمَل اِبْن آدَم لَهُ . . إِلَخْ - أَنَّ جَمِيع أَعْمَال اِبْن آدَم مِنْ بَاب الْعُبُودِيَّة والْخِدْمَة ، فتَكُون لَائِقَةً لَهُ مُنَاسِبَةً لِحَالِهِ ، بِخِلَافِ الصَّوْمِ فإِنَّهُ مِنْ بَابِ التَّنَزُّهِ عَنْ الْأَكْلِ والشُّرْبِ والِاسْتِغْنَاءِ عَنْ ذَلِكَ ، فيَكُون مِنْ بَاب التَّخَلُّقِ بِأَخْلَاقِ الرَّبِّ تَبَارَكَ وتَعَالَى .
وأَمَّا حَدِيث : مَا مِنْ حَسَنَةٍ عَمِلَهَا اِبْنُ آدَمَ . . إِلَخْ ، فيُحْتَاج عَلَى هَذَا الْمَعْنَى إِلَى تَقْدِيرٍ بِأَنْ يقال : كُلُّ عَمَلِ اِبْنِ آدَمَ جَزَاؤُهُ مَحْدُودٌ لِأَنَّهُ لَهُ ، أَيْ : عَلَى قَدْره ، إِلَّا الصَّوْمَ فإِنَّهُ لِي ، فجَزَاؤُهُ غَيْرُ مَحْصُورٍ ، بَلْ أَنَا الْمُتَوَلِّي لِجَزَائِهِ عَلَى قَدْرِي ، واَللَّه تَعَالَى أَعْلَمُ . ( حِين يُفْطِر ) مِنْ الْإِفْطَارِ ، أَيْ : يَفْرَحُ حِينَئِذٍ طَبْعًا ، وإِنْ لَمْ يَأْكُلْ لِمَا في طَبْعِ النَّفْسِ مِنْ مَحَبَّةِ الْإِرْسَالِ وكَرَاهَةِ التَّقْيِيد .
( وحِين يَلْقَى رَبَّهُ ) أَيْ : ثَوَابَهُ عَلَى الصَّوْمِ .