بَاب صَدَقَةُ الْبَخِيلِ
صَدَقَةُ الْبَخِيلِ 2547 أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ ، عَنْ طَاوُسٍ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ثُمَّ قَالَ : حَدَّثَنَاه أَبُو الزِّنَادِ ، عَنْ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ مَثَلَ الْمُنْفِقِ الْمُتَصَدِّقِ وَالْبَخِيلِ كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ أَوْ جُنَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ مِنْ لَدُنْ ثُدِيِّهِمَا إِلَى تَرَاقِيهِمَا ، فَإِذَا أَرَادَ الْمُنْفِقُ أَنْ يُنْفِقَ اتَّسَعَتْ عَلَيْهِ الدِّرْعُ أَوْ مَرَّتْ حَتَّى تُجِنَّ بَنَانَهُ وَتَعْفُوَ أَثَرَهُ ، وَإِذَا أَرَادَ الْبَخِيلُ أَنْ يُنْفِقَ قَلَصَتْ وَلَزِمَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَوْضِعَهَا حَتَّى إِذَا أَخَذَتْهُ بِتَرْقُوَتِهِ أَوْ بِرَقَبَتِهِ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ أَشْهَدُ أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُوَسِّعُهَا فَلَا تَتَّسِعُ ، قَالَ طَاوُسٌ : سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يُشِيرُ بِيَدِهِ وَهُوَ يُوَسِّعُهَا وَلَا تَتَوَسَّعُ . قَوْله ( إِنَّ مِثْل الْمُنْفِق الْمُتَصَدِّق ) أَيْ الْمُنْفِق عَلَى نَفْسه وأَهْله الْمُتَصَدِّق في سُبُل الْخَيْر ، فإِنَّ الْبُخْلَ يَمْنَعُ الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا فلِذَلِكَ جَمَعَ بَيْنَهُمَا ، وقَدْ جَاءَ الِاقْتِصَار عَلَى أَحَدهمَا لِكَوْنِهِمَا كَالْمُتَلَازِمَيْنِ عَادَة ( جُبَّتَانِ ) بِضَمِّ جِيمٍ وتَشْدِيدِ مُوَحَّدَة تَثْنِيَة جُبَّة ، وهُوَ ثَوْب مَخْصُوص ( أَوْ جُنَّتَانِ ) بِنُونٍ بَدَلَ بَاءٍ تَثْنِيَةُ جُنَّةٍ ، وهِيَ الدِّرْعُ ، وهَذَا شَكٌّ مِنْ الرَّاوِي وصَوَّبُوا النُّونَ لِقَوْلِهِ مِنْ حَدِيدٍ ، وتَوَاسَعَتْ عَلَيْهِ الدِّرْعُ ، وغَيْر ذَلِكَ نَعَمْ إِطْلَاقُ الْجُبَّةِ بِالْبَاءِ عَلَى الْجُنَّةِ بِالنُّونِ مَجَازًا غَيْرُ بَعِيدٍ ، فيَنْبَغِي أَنْ يَكُون الْجُنَّة بِالنُّونِ هُوَ الْمُرَاد في الرِّوَايَتَيْنِ ( مِنْ لَدُنْ ثُدِيِّهِمَا ) بِضَمِّ الْمُثَلَّثَةِ وكَسْرِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وتَشْدِيدِ الْيَاءِ جَمْع ثَدْيٍ بِفَتْحٍ فسُكُونٍ ( إِلَى تَرَاقِيهمَا ) بِفَتْحِ مُثَنَّاة مِنْ فوْق وكَسْرِ قَافٍ جَمْع تَرْقُوَة ، وهُمَا الْعَظْمَانِ الْمُشْرِفَانِ في أَعْلَى الصَّدْر ، وهَذَا إِشَارَة إِلَى مَا جُبِلَ عَلَيْهِ الْإِنْسَان مِنْ الشُّحِّ ، ولِذَلِكَ جَمَعَ بَيْن الْبَخِيلِ والْجَوَادِ فيه . وأَمَّا قَوْله ( اِتَّسَعَتْ عَلَيْهِ الدِّرْع ) ففِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى مَا يُفِيض اللَّه تَعَالَى عَلَى مَنْ يَشَاء مِنْ التَّوْفِيق لِلْخَيْرِ فيَشْرَح لِذَلِكَ صَدْرَهُ ( أَوْ مَرَّتْ ) أَيْ جَاوَزَتْ ذَلِكَ الْمَحَلّ ، وهَذَا شَكٌّ مِنْ الرَّاوِي ( حَتَّى تُجِنّ ) بِضَمِّ أَوَّله وكَسْر الْجِيم وتَشْدِيد النُّون مِنْ أَجَنَّ الشَّيْءَ إِذَا سَتَرَهُ ( بَنَانه ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَة ونُونَيْنِ الْأُولَى خَفِيفَةٌ أَيْ أَصَابِعه ( وتَعْفُو أَثَره ) أَيْ تَمْحُو أَثَر مَشْيه بِسُبُوغِهَا وكَمَالِهَا كَثَوْبِ مَنْ يَجُرّ عَلَى الْأَرْض إِشَارَة إِلَى كَمَالِ الِاتِّسَاعِ والْإِسْبَاغِ ، والْمُرَاد أَنَّ الْجَوَاد إِذَا هَمَّ بِالنَّفَقَةِ اِتَّسَعَ لِذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللَّه تَعَالَى صَدْره وطَاوَعَتْهُ يَدَاهُ فامْتَدَّتَا بِالْعَطَاءِ والْبَذْل ، والْبَخِيل يَضِيقُ صَدْرُهُ وتَنْقَبِضُ يَدُهُ مِنْ الْإِنْفَاقِ في الْمَعْرُوفِ ، وإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ ( قَلَّصَتْ ) أَيْ اِنْقَبَضَتْ ( كُلّ حَلْقَة ) بِسُكُونِ اللَّامِ ( يُوَسِّعهَا ) أَيْ يَحْكِي هَيْئَةَ تَوْسِعَةِ الْبَخِيلِ تِلْكَ الْجُنَّةَ ( فلَا تَتَّسِع ) أَيْ قَائِلًا : فلَا تَتَّسِعُ بِتَوْسِعَةِ الْبَخِيلِ ، واَللَّه تَعَالَى أَعْلَمُ .