بَاب وُجُوبِ الْجِهَادِ
أَخْبَرَنَا كَثِيرُ بْنُ عُبَيْدٍ قَالَ : حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ ، عَنْ الزُّبَيْدِيِّ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : بُعِثْتُ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ وَبَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ بِمَفَاتِيحِ خَزَائِنِ الْأَرْضِ فَوُضِعَتْ فِي يَدِي فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : فَقَدْ ذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنْتُمْ تَنْتَثِلُونَهَا . قَوْله ( بِجَوَامِع الْكَلِم ) أَيْ الْكَلِم الْجَامِعَة مِنْ إِضَافَة الصِّفَة إِلَى الْمَوْصُوف ، وَالْجَوَامِع جَمْع جَامِعَة ، قَالَ الْهَرَوِيُّ : يَعْنِي الْقُرْآن جَمَعَ اللَّه تَعَالَى فِي أَلْفَاظ يَسِيرَة مِنْهُ مَعَانِي كَثِيرَة وكَذَلِكَ كَانَ صَلَّى اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَكَلَّم بِأَلْفَاظٍ يَسِيرَة تَحْتَوِي عَلَى مَعَانِي كَثِيرَة ، ( وَنُصِرْت ) عَلَى بِنَاء الْمَفْعُول ، ( بِالرُّعْبِ ) أَيْ بِإِيقَاعِ اللَّه تَعَالَى الْخَوْف فِي قُلُوب الْأَعْدَاء بِلَا أَسْبَاب عَادِيَّة كَمَا لِأَبْنَاءِ الدُّنْيَا . قَوْله ( أُتِيت بِمَفَاتِيح ) قَالَ الْقُرْطُبِيّ : هَذِهِ الرُّؤْيَا أَوْحَى اللَّه فِيهَا لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ أُمَّته سَتَمْلِكُ الْأَرْض وَيَتَّسِع سُلْطَانهَا وَيَظْهَر دِينهَا ، ثُمَّ إنَّهُ وَقَعَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَمَلَكَتْ أُمَّتَهُ صَلَّى اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْأَرْض مَا لَمْ تَمْلِكهُ أُمَّة مِنْ الْأُمَم فِيمَا عَلِمْنَاهُ ، فَكَانَ هَذَا الْحَدِيث مِنْ أَدِلَّة نُبُوَّته صَلَّى اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
قُلْت : صِدْقُ الرُّؤْيَا قَدْ يَتَحَقَّق لِغَيْرِ نَبِيّ أَيْضًا وَلَيْسَ مِنْ الْخَوَارِق ، فَدَلَالَته عَلَى النُّبُوَّة خَفِيَّة فَلْيُتَأَمَّلْ ، قَالَ : وَذَلِكَ لِأَنَّ مَنْ مَلَك مُغْلَقًا فَقَدْ تَمَكَّنَ مِنْ فَتْحِهِ وَمِنْ الِاسْتِيلَاء عَلَى مَا فِيهِ ، ( وَأَنْتَمِ تَنْتَثِلُونَهَا ) أَيْ تَسْتَخْرِجُونَهَا يَعْنِي الْأَمْوَال وَمَا فُتِحَ عَلَيْهِمْ مِنْ زَهْرَة الدُّنْيَا .