باب النَّهْيُ عَنْ الْمُصَرَّاةِ
النَّهْيُ عَنْ الْمُصَرَّاةِ وَهُوَ أَنْ يَرْبِطَ أَخْلَافَ النَّاقَةِ أَوْ الشَّاةِ وَتُتْرَكَ مِنْ الْحَلْبِ يَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ حَتَّى يَجْتَمِعَ لَهَا لَبَنٌ فَيَزِيدَ مُشْتَرِيهَا فِي قِيمَتِهَا لِمَا يَرَى مِنْ كَثْرَةِ لَبَنِهَا 4487 - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا تَلَقَّوْا الرُّكْبَانَ لِلْبَيْعِ وَلَا تُصَرُّوا الْإِبِلَ وَالْغَنَمَ ، مَنْ ابْتَاعَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ فَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا ، وَإِنْ شَاءَ أَنْ يَرُدَّهَا رَدَّهَا وَمَعَهَا صَاعُ تَمْرٍ . قَوْله ( وَهُوَ ) أَيْ : التَّصْرِيَة أَوْ الضَّمِير لِلتَّصْرِيَةِ التَّذْكِير بِاعْتِبَارِ الْخَبَر ( أَخْلَاف النَّاقَة ) أَيْ : ضُرُوعهَا جَمْع خِلْف بِالْكَسْرِ وَهُوَ الضَّرْع لِكُلِّ ذَات خُفّ وَظِلْف . قَوْله : ( لَا تَلَقُّوا الرُّكْبَان ) مِنْ التَّلَقِّي ، أَيْ : لَا تَسْتَقْبِلُوا الْقَافِلَة الْجَالِبَة لِلطَّعَامِ قَبْل أَنْ يَقْدَمُوا الْأَسْوَاق ( وَلَا تُصَرُّوا ) هُوَ مِنْ التَّصْرِيَة عِنْد كَثِير ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ بَعْض الْمَشَايِخ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ لِتَلَامِذَتِهِ : مَتَى أَشْكَلَ عَلَيْكُمْ ضَبْطه فَاذْكُرُوا قَوْله تَعَالَى : فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ وَاضْبِطُوهُ عَلَى هَذَا الْمِثَال فَيَرْتَفِع الْإِشْكَال ، وَجَوَّزَ بَعْضهمْ أَنَّهُ بِفَتْحِ التَّاء وَضَمّ الصَّاد وَتَشْدِيد الرَّاء مِنْ الصَّرّ بِمَعْنَى الشَّدّ وَالرَّبْط ، وَالتَّصْرِيَة حَبْس اللَّبَن فِي ضُرُوع الْإِبِل وَالْغَنَم تَغْرِيرًا لِلْمُشْتَرِي ، وَالصَّرّ هُوَ شَدّ الضَّرْعِ وَرَبْطه لِذَلِكَ ، وَظَاهِر كَلَام الْمُصَنِّف يُشِير إِلَى الثَّانِي فَإِنَّهُ فُسِّرَ بِالرَّبْطِ ( مَنْ اِبْتَاعَ ) أَيْ : اِشْتَرَى .
( صَاع مِنْ تَمْر ) أَيْ : صَاع مِمَّا هُوَ غَالِب أَهْل الْعِلْم ، قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : إِنَّ لَبَن التَّصْرِيَة اِخْتَلَطَ بِاللَّبَنِ الطَّارِئ فِي مِلْك الْمُشْتَرِي فَلَمْ يَتَهَيَّأ تَقْوِيم مَا لِلْبَائِعِ مِنْهُ ؛ لِأَنَّ مَا لَا يُعْرَف لَا يُمْكِن تَقْوِيمه ، فَحَكَمَ صَلَّى اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِصَاعٍ مِنْ تَمْر قَطْعًا لِلنِّزَاعِ ، وَالْحَاصِل أَنَّ الطَّعَام بَدَل اللَّبَن الْمَوْجُود فِي الضَّرْع حَال الْبَيْع ، وَأَمَّا الْحَادِث بَعْد ذَلِكَ فَقَدْ حَدَثَ عَلَى مِلْك الْمُشْتَرِي لِأَنَّهُ فِي ضَمَانه ، وَقَدْ أَخَذَ الْجُمْهُور بِالْحَدِيثِ ، وَمَنْ لَا يَأْخُذ بِهِ يُعْتَذَر عَنْهُ بِأَنَّ الْمَعْلُوم مِنْ قَوَاعِد الدِّين هُوَ الضَّمَان بِالْقِيمَةِ أَوْ الثَّمَن ، وَهَذَا الضَّمَان لَيْسَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَلَا يَثْبُت بِحَدِيثِ الْآحَاد عَلَى خِلَاف ذَلِكَ الْمَعْلُوم قَطْعًا ، وَقَالُوا : الْحَدِيث مِنْ رِوَايَة أَبِي هُرَيْرَة وَهُوَ غَيْر فَقِيه ، وَأَجَابَ الْجُمْهُور بِأَنَّ لَهُ نَظَائِر كَالدِّيَةِ فَإِنَّهَا مِائَة بَعِير ، وَلَا تَخْتَلِف بِاخْتِلَافِ حَال الْقَتِيل ، وَالْغُرَّة فِي الْجِنَايَة عَلَى الْجَنِين ، وَكُلّ ذَلِكَ شُرِعَ قَطْعًا لِلنِّزَاعِ ، وَأَمَّا الْحَدِيث فَقَدْ جَاءَ مِنْ رِوَايَة اِبْن عُمَر رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِوَجْهٍ وَالطَّبَرَانِيُّ بِآخَر وَمِنْ رِوَايَة أَنَس أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى وَمِنْ رِوَايَة عَمْرو بْن عَوْف أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْخِلَافِيَّات ، وَقَدْ رَوَاهُ اِبْن مَسْعُود مَوْقُوفًا كَمَا فِي صَحِيح الْبُخَارِيّ ، وَالْمَوْقُوف لَهُ حُكْم الرَّفْع لِتَصْرِيحِهِمْ أَنَّهُ مُخَالِف لِلْأَقْيِسَةِ ، وَالْمَوْقُوف الْمُخَالِف مَرْفُوع حُكْمًا ، وَابْن مَسْعُود مِنْ أَجِلَّاء الْفُقَهَاء بِالِاتِّفَاقِ ، وَقَوْلهمْ أَبُو هُرَيْرَة غَيْر فَقِيه ضَعِيف أَيْضًا ، فَقَدْ ذَكَرَهُ فِي الْإِصَابَة فِي فُقَهَاء الصَّحَابَة ، وَذَكَرَ أَنَّهُ كَانَ يُفْتِي ، وَمَنْ تَتَبَّعَ كُتُب الْحَدِيث يَجِدهُ حَقًّا بِلَا رَيْب ، وَاَللَّه تَعَالَى أَعْلَم .