بَاب الْقَوَدِ
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ ، عَنْ عَوْفٍ الْأَعْرَابِيِّ ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ الْحَضْرَمِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : جِيءَ بِالْقَاتِلِ الَّذِي قَتَلَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، جَاءَ بِهِ وَلِيُّ الْمَقْتُولِ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَتَعْفُو ؟ قَالَ : لَا ، قَالَ : أَتَقْتُلُ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : اذْهَبْ ، فَلَمَّا ذَهَبَ دَعَاهُ قَالَ : أَتَعْفُو ؟ قَالَ : لَا ، قَالَ : أَتَأْخُذُ الدِّيَةَ ؟ قَالَ : لَا ، قَالَ : أَتَقْتُلُ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : اذْهَبْ ، فَلَمَّا ذَهَبَ قَالَ : أَمَا إِنَّكَ إِنْ عَفَوْتَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَبُوءُ بِإِثْمِكَ وَإِثْمِ صَاحِبِكَ . فَعَفَا عَنْهُ فَأَرْسَلَهُ ، قَالَ : فَرَأَيْتُهُ يَجُرُّ نِسْعَتَهُ قَوْله : ( فإِنَّهُ يَبُوء ) بِهَمْزَةٍ بَعْد الْوَاو ، أَيْ : يَرْجِع .
( بِإِثْمِك وإِثْم صَاحِبك ) ظَاهِره أَنَّ الْوَلِيّ إِذَا عَفَا عَنْ الْقَاتِل بِلَا مَال يَتَحَمَّل الْقَاتِل إِثْم الْوَلِيّ والْمَقْتُول جَمِيعًا ، ولَا يَخْلُو عَنْ إِشْكَال ، فإِنَّ أَهْل التَّفْسِير قَدْ أَوَّلُوا قَوْله تَعَالَى : إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فضْلًا عَنْ إِثْم الْوَلِيّ ، ولَعَلَّ الْوَجْه في هَذَا الْحَدِيث أَنْ يقال : الْمُرَاد بِرُجُوعِهِ بِإِثْمِهِمَا هُوَ رُجُوعه مُلْتَبِسًا بِزَوَالِ إِثْمهمَا عَنْهُمَا ، ويُحْتَمَل أَنَّهُ تَعَالَى يَرْضَى بِعَفْوِ الْوَلِيّ فيغْفِر لَهُ ولِمَقْتُولِهِ ، فيرْجِع والْقَاتِل وقَدْ أُزِيل عَنْهُمَا إِثْمهمَا بِالْمَغْفِرَةِ ، واَللَّه تَعَالَى أَعْلَم . والْمَشْهُور هُوَ الرِّوَايَة الْآتِيَة وهِيَ : يَبُوء بِإِثْمِهِ وإِثْم صَاحِبك ، أَيْ : الْمَقْتُول ، وقِيلَ في تَأْوِيله : أَيْ يَرْجِع مُلْتَبِسًا بِإِثْمِهِ السَّابِق ، وبِالْإِثْمِ الْحَاصِل لَهُ بِقَتْلِ صَاحِبه ، فأُضِيفَ إِلَى الصَّاحِب لِأَدْنَى مُلَابَسَة بِخِلَافِ مَا لَوْ قُتِلَ ، فإِنَّ الْقَتْل يَكُون كَفَّارَة لَهُ عَنْ إِثْم الْقَتْل ، وهَذَا الْمَعْنَى لَا يَصْلُح لِلتَّرْغِيبِ إِلَّا أَنْ يقال : التَّرْغِيب بِاعْتِبَارِ إِيهَام الْكَلَام بِالْمَعْنَى الظَّاهِر ، ويَجُوز التَّرْغِيب بِمِثْلِهِ تَوَسُّلًا بِهِ إِلَى الْعَفْو وإِصْلَاح ذَات الْبَيْن ، كَمَا يَجُوز التَّعْرِيض في مَحَلّه ، واَللَّه تَعَالَى أَعْلَم .