بَاب دِيَةِ جَنِينِ الْمَرْأَةِ
أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي يُونُسُ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّهُ قَالَ : اقْتَتَلَتْ امْرَأَتَانِ مِنْ هُذَيْلٍ ، فَرَمَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى بِحَجَرٍ وَذَكَرَ كَلِمَةً مَعْنَاهَا فَقَتَلَتْهَا وَمَا فِي بَطْنِهَا ، فَاخْتَصَمُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ دِيَةَ جَنِينِهَا غُرَّةٌ عَبْدٌ أَوْ وَلِيدَةٌ ، وَقَضَى بِدِيَةِ الْمَرْأَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا وَوَرَّثَهَا وَلَدَهَا وَمَنْ مَعَهُمْ ، فَقَالَ حَمَلُ بْنُ مَالِكِ بْنِ النَّابِغَةِ الْهُذَلِيُّ : يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ أُغَرَّمُ مَنْ لَا شَرِبَ وَلَا أَكَلْ وَلَا نَطَقَ وَلَا اسْتَهَلَّ ، فَمِثْلُ ذَلِكَ يُطَلَّ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّمَا هَذَا مِنْ إِخْوَانِ الْكُهَّانِ . مِنْ أَجْلِ سَجْعِهِ الَّذِي سَجَعَ .
قَوْله : ( بِحَجَرٍ ) ولَعَلَّهَا رَمَتْ بِحَجَرٍ وعَمُود جَمِيعًا . ( غُرَّة عَبْد أو ولِيدَة ) الْمَشْهُور تَنْوِين غُرَّة ، ومَا بَعْده بَدَل مِنْهُ أو بَيَان لَهُ ، ورَوَى بَعْضهمْ بِالْإِضَافَةِ ، وأَوْ لِلتَّقْسِيمِ لَا لِلشَّكِّ ، فإِنَّ كُلًّا مِنْ الْعَبْد والْأَمَة يقال لَهُ الْغُرَّة ، إِذْ الْغُرَّة اِسْم لِلْإِنْسَانِ الْمَمْلُوك ، ويُطْلَق عَلَى مَعَانٍ أُخَر أَيْضًا . ( وقَضَى بِدِيَةِ الْمَرْأَة ) الْمَقْتُولَة .
( عَلَى عَاقِلَتهَا ) أَيْ : عَاقِلَة الْقَاتِلَة ، وهَذَا مَبْنِيّ عَلَى أَنَّ الْقَتْل كَانَ شِبْه الْعَمْد ، ولَيْسَ بِعَمْدٍ كَمَا تَدُلّ عَلَيْهِ هَذِهِ الرِّوَايَة ، نَعَمْ الرِّوَايَات مُتَعَارِضَة ، ففِي بَعْضهَا جَاءَ الْقِصَاص ، ويُمْكِن التَّوْفِيق بِأَنَّهُ قَضَى بِالْقِصَاصِ ثم وقَعَ الصُّلْح والتَّرَاضِي عَلَى الدِّيَة ، وفِيهِ أَنَّ دِيَة الْعَمْد عَلَى الْقَاتِل لَا الْعَاقِلَة إِلَّا أَنْ يقال : إِنَّهُمْ تَحَمَّلُوا عَنْهَا بِرِضَاهُمْ فتَأَمَّلْ ، واَللَّه تَعَالَى أَعْلَم . ( ووَرَّثَهَا ) بِتَشْدِيدِ الرَّاء ، والظَّاهِر أَنَّ الضَّمِير لِلْقَاتِلِ بِنَاء عَلَى أَنَّهَا مَاتَتْ بَعْد ذَلِكَ أَيْضًا . ( ولَا اِسْتَهَلَّ ) أَيْ : ولَا صَاحَ عِنْد الْوِلَادَة لِيُعْرَف بِهِ أَنَّهُ مَاتَ بَعْد أَنْ كَانَ حَيًّا .
( يُطِلّ ) هُوَ إِمَّا مُضَارِع بِضَمِّ الْيَاء الْمُثَنَّاة وتَشْدِيد اللَّام ، أَيْ : يُهْدَر ويُلْغَى ، أو مَاضٍ بِفَتْحِ الْبَاء الْمُوَحَّدَة وتَخْفِيف اللَّام مِنْ الْبُطْلَان . ( مِنْ أَجْل سَجْعه ) أَيْ : قَالَ لَهُ ذَلِكَ لِأَجْلِ سَجْعه ، قَالَ الْخَطَّابِيّ : لَمْ يعبه بِمُجَرَّدِ السَّجْع ، بل بِمَا تَضَمَّنَهُ سَجْعه مِنْ الْبَاطِل ، أو إِنَّمَا ضَرَبَ الْمَثَل بِالْكُهَّانِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُرَوِّجُونَ أَقَاوِيلهمْ الْبَاطِلَة بِأَسْجَاعٍ تُرَقِّق الْقُلُوب لِيَمِيلُوا إِلَيْهَا ، وإِلَّا فالسَّجْع في مَوْضِع الْحَقّ جَاءَ كَثِيرًا . قلت : والظَّاهِر أَنَّ مَا جَاءَ جَاءَ بِلَا قَصْد ، والْقَصْد إِلَيْهِ غَيْر لَائِق مُطْلَقًا ، واَللَّه تَعَالَى أَعْلَم .