بَاب طَعْمُ الْإِيمَانِ
طَعْمُ الْإِيمَانِ 4987 أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : أَنْبَأَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ وَطَعْمَهُ : أَنْ يَكُونَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا ، وَأَنْ يُحِبَّ فِي اللَّهِ وَأَنْ يَبْغُضَ فِي اللَّهِ ، وَأَنْ تُوقَدَ نَارٌ عَظِيمَةٌ فَيَقَعَ فِيهَا أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يُشْرِكَ بِاللَّهِ شَيْئًا قَوْله : ( ثَلَاث ) أَيْ : ثَلَاث خِصَال أَيْ : خِصَال ثَلَاث ، وهُوَ مُبْتَدَأ لِلتَّخْصِيصِ ، والْجُمْلَة الشَّرْطِيَّة خَبَر أو صِفَة ، وقَوْله : أَنْ يَكُون اللَّه . . إِلَخْ - خَبَر ، ومَعْنَى مِنْ كُنَّ أَيْ وجَدْنَ ، فكَانَ تَامَّة ، أو مِنْ كُنَّ مُجْتَمِعَة فيهِ ، وهِيَ نَاقِصَة . ( وجَدَ بِهِنَّ ) بِسَبَبِ وجُودهنَّ فيهِ ، أو اِجْتِمَاعهنَّ فيهِ .
( حَلَاوَة الْإِيمَان ) أَيْ : اِنْشِرَاح الصَّدْر بِهِ ، ولَذَّة الْقَلْب لَهُ تُشْبِه لَذَّة الشَّيْء إِلَى حُصُول في الْفَم . ( وطَعْمه ) عَطْفه عَلَيْهَا كَعَطْفِ التَّفْسِير ، وقِيلَ : الْحَلَاوَة الْحُسْن ، وبِالْجُمْلَةِ فلِلْإِيمَانِ لَذَّة في الْقَلْب تُشْبِه الْحَلَاوَة الْحِسِّيَّة ، بل رُبَّمَا يَغْلِب عَلَيْهَا حَتَّى يَدْفَع بِهَا أَشَدّ الْمَرَارَات ، وهَذَا مِمَّا يَعْلَم بِهِ مَنْ شَرَحَ اللَّه صَدْره لِلْإِسْلَامِ ، اللَّهُمَّ اُرْزُقْنَاهَا مَعَ الدَّوَام عَلَيْهَا . ( أَحَبّ إِلَيْهِ ) قِيلَ : هُوَ الْحُبّ الِاخْتِيَارِيّ لَا الطَّبْعِيّ ، ومَرْجِعه إِلَى أَنْ يَخْتَار طَاعَتهمَا عَلَى هَوَى النَّفْس وغَيْرهَا .
( وأَنَّ يُحِبّ ) أَيْ : غَيْر اللَّه . ( في اللَّه ) أَيْ : لِأَجْلِهِ ، لَا لِأَجْلِ هَوَاهُ . ( وأَنْ يُبْغِض كُلّ مَا يُبْغِض في اللَّه ) أَيْ : لِأَجْلِهِ ، وهُمَا جَمِيعًا خَصْلَة واحِدَة لِلُزُومٍ بَيْنهمَا عَادَة ، وحَاصِل هَذَا هُوَ أَنْ يَكُون اللَّه تَعَالَى عِنْده هُوَ الْمَحْبُوب بِالْكُلِّيَّةِ ، وأَنْ يَكُون النَّفْس مَفْقُودًا في جَنْب اللَّه ، فلَا يَرَاهَا أَصْلًا إِلَّا لِلَّهِ مِنْ حَيْثُ كَوْنهَا عَبْدًا لَهُ تَعَالَى ، وعِنْد ذَلِكَ يَصِير النَّفْس وغَيْره سَوَاء الْوُجُود هَذَا الْقَدْر في الْكُلّ فينْظُر إِلَى الْكُلّ بِحَدٍّ سَوَاء ، ولَا يُرَجِّح النَّفْس عَلَى الْغَيْر أَصْلًا ، بل رَجَّحَ الْقَرِيب إِلَى اللَّه بِقَدْرِ قُرْبه عَلَى نَفْسه ، وحِينَئِذٍ يَظْهَر فيهِ آثَار قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة والسَّلَام : لَا يُؤْمِن أَحَدكُمْ حَتَّى يُحِبّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبّ لِنَفْسِهِ ، نَعَمْ هَذَا لَا يُنَافِي تَقْدِيم نَفْسه عَلَى غَيْره في الْإِنْفَاق وغَيْره لِأَجْلِ أَمْر اللَّه تَعَالَى بِذَلِكَ .
( وأَنْ تُوقَد . . إِلَخْ ) ظَاهِره أَنَّهُ مُبْتَدَأ خَبَره أَحَبّ إِلَيْهِ ، لَكِنْ عَدَّ الْجُمْلَة مِنْ الْخِصَال غَيْر مُسْتَقِيم ، فالْوَجْه أَنْ يَقْدِر أَنْ يَكُون ، ويَجْعَل أَنْ يُوقَد . . إِلَخْ اِسْمًا لَهُ ، وأَحَبّ بِالنَّصْبِ خَبَرًا ، أَيْ : وأَنْ يَكُون إِيقَاد نَار عَظِيمَة ، فوُقُوعه فيهَا أَحَبّ إِلَيْهِ مِنْ الشِّرْك ، أَيْ : أَنْ يَصِير الشِّرْك عِنْده لِقُوَّةِ اِعْتِقَاده بِجَزَائِهِ الَّذِي هُوَ النَّار الْمُؤَبَّدَة بِمَنْزِلَةِ جَزَائِهِ في الْكَرَاهَة والنَّفْرَة عَنْهُ ، فكَمَا أَنَّهُ لَوْ خُيِّرَ بَيْن نَار الْآخِرَة ونَار الدُّنْيَا لَاخْتَارَ نَار الدُّنْيَا ، كَذَلِكَ لَوْ خُيِّرَ بَيْن الشِّرْك ونَار الدُّنْيَا لَاخْتَارَ نَار الدُّنْيَا ، ومَرْجِع هَذَا أَنْ يَصِير الْغَيْب عِنْده مِنْ قُوَّة الِاعْتِقَاد كَالْعِيَانِ ، كَمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيّ : لَوْ كُشِفَ الْغِطَاء مَا اِزْدَدْت يَقِينًا ، ولَا يَخْفَى أَنَّ مَنْ تَكُون عَقِيدَته مِنْ الْقُوَّة بِهَذَا الْوَجْه ومَحَبَّة اللَّه تَعَالَى بِذَلِكَ الْوَجْه ، فهُوَ حَقِيق بِأَنْ يَجِد مِنْ لَذَّة الْإِيمَان مَا يَجِد ، واَللَّه تَعَالَى أَعْلَم .