بَاب الدِّينُ يُسْرٌ
الدِّينُ يُسْرٌ 5034 أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ ، عَنْ مَعْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ هَذَا الدِّينَ يُسْرٌ وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ ، فَسَدِّدُوا ، وَقَارِبُوا ، وَأَبْشِرُوا ، وَيَسِّرُوا ، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ ، وَشَيْءٍ مِنْ الدَّلْجَةِ . قَوْله : ( إِنَّ هَذَا الدِّين يُسْر ) قَالَ السُّيُوطِيُّ : سَمَّاهُ يُسْرًا مُبَالَغَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَدْيَان قَبْله ؛ لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى رَفَعَ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّة الْإِصْر الَّذِي كَانَ عَلَى مَنْ قَبْلهمْ ، ومِنْ أَوْضَح الْأَمْثِلَة لَهُ أَنَّ تَوْبَتهمْ كَانَتْ بِقَتْلِ أَنْفُسهمْ ، وتَوْبَة هَذِهِ الْأُمَّة بِالْإِقْلَاعِ والْعَزْم والنَّدَم . ( ولَنْ يُشَادّ الدِّين أَحَد ) هُوَ بِضَمِّ الْيَاء وتَشْدِيد الدَّال ، لِلْمُبَالَغَةِ مِنْ الشِّدَّة ، وأَصْله : لَا يُقَابِل الدِّين أَحَد بِالشِّدَّةِ ، ولَا يَجْرِي بَيْن الدِّين وبَيْنه مُعَامَلَة بِأَنْ يُشَدِّد كُلّ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبه إِلَّا غَلَبَهُ الدِّين ، والْمُرَاد أَنَّهُ لَا يَفْرُط أَحَد فيهِ ، ولَا يَخْرُج عَنْ حَدّ الِاعْتِدَال ، وقَالَ اِبْن التِّين في هَذَا الْحَدِيث : عَلَم مِنْ أَعْلَام النُّبُوَّة ، فقَدْ عُلِمَ أَنَّ كُلّ مُتَنَطِّع أَيْ مُنْفَرِد في الدِّين يَنْقَطِع ، ولَيْسَ الْمُرَاد مِنْهُ الْمَنْع مِنْ طَلَب الْأَكْمَل في الْعِبَادَة ، فإِنَّهُ مِنْ الْأُمُور الْمَحْمُودَة ، بل الْمَنْع مِنْ الْإِفْرَاط الْمُؤَدِّي إِلَى الْمُلَال ، والْمُبَالَغَة في التَّطَوُّع الْمُفْضِي إِلَى تَرْك الْأَفْضَل ، أو إِخْرَاج الْفَرْض عَنْ وقْته كَمَنْ بَاتَ يُصَلِّي طُول اللَّيْل كُلّه ، ويُغَالِب النَّوْم إِلَى أَنْ غَلَبَتْ عَيْنَاهُ في آخِر اللَّيْل ، فنَامَ عَنْ صَلَاة الصُّبْح .
( فسَدِّدُوا ) أَيْ : اِلْزَمُوا السَّدَاد ، وهُوَ الصَّوَاب مِنْ غَيْر إِفْرَاط ولَا تَفْرِيط . ( وقَارِبُوا ) أَيْ : إِنْ لَمْ تَسْتَطِيعُوا الْأَخْذ بِالْأَكْمَلِ فاعْمَلُوا بِمَا يُقَرِّب مِنْهُ . ( وأَبْشِرُوا ) أَيْ : بِالثَّوَابِ عَلَى الْعَمَل الدَّائِم وإِنْ قَلَّ ، أو الْمُرَاد تَبْشِير مَنْ عَجَزَ عَنْ الْعَمَل بِالْأَكْمَلِ بِأَنَّ الْعَجْز إِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ صُنْعه لَا يَسْتَلْزِم نَقْص الْأَمْر ، وأَبْهَمَ الْمُبَشِّر بِهِ تَعْظِيمًا وتَفْخِيمًا .
( واسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ ) بِالْفَتْحِ سَيْر أَوَّل النَّهَار . ( والرَّوْحَة ) بِالْفَتْحِ السَّيْر بَعْد الزَّوَال . ( والدُّلْجَة ) بِضَمِّ أَوَّله وفَتْحه وإِسْكَان اللَّام سَيْر آخِر اللَّيْل ، أَيْ : اِسْتَعِينُوا عَلَى مُدَاوَمَة الْعِبَادَة بِإِيقَاعِهَا في الْأَوْقَات الْمُنَشِّطَة ، وفِيهِ تَشْبِيه لِلسَّفَرِ إِلَى اللَّه تَعَالَى بِالسَّفَرِ الْحِسِّيّ ، ومَعْلُوم أَنَّ الْمُسَافِر إِذَا اِسْتَمَرَّ عَلَى السَّيْر اِنْقَطَعَ وعَجَزَ ، وإِذَا أَخَذَ الْأَوْقَات الْمُنَشِّطَة نَالَ الْمَقْصِد بِالْمُدَاوَمَةِ ، وغَالِب هَذَا الَّذِي ذَكَرْته في شَرْح هَذَا الْحَدِيث نَقَلْته عَنْ حَاشِيَة السُّيُوطِيّ رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى .