بَاب نَزْعُ الْخَاتَمِ عِنْدَ دُخُولِ الْخَلَاءِ
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ الْمَعْمَرِ بْنِ زِيَادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا نَافِعٌ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَبِسَ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، فَلَمَّا رَآهُ أَصْحَابُهُ فَشَتْ خَوَاتِيمُ الذَّهَبِ ، فَرَمَى بِهِ ، فَلَا نَدْرِي مَا فَعَلَ ، ثُمَّ أَمَرَ بِخَاتَمٍ مِنْ فِضَّةٍ فَأَمَرَ أَنْ يُنْقَشَ فِيهِ : مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ، وَكَانَ فِي يَدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى مَاتَ ، وَفِي يَدِ أَبِي بَكْرٍ حَتَّى مَاتَ ، وَفِي يَدِ عُمَرَ حَتَّى مَاتَ ، وَفِي يَدِ عُثْمَانَ سِتَّ سِنِينَ مِنْ عَمَلِهِ ، فَلَمَّا كَثُرَتْ عَلَيْهِ الْكُتُبُ دَفَعَهُ إِلَى رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ ، فَكَانَ يَخْتِمُ بِهِ فَخَرَجَ الْأَنْصَارِيُّ إِلَى قَلِيبٍ لِعُثْمَانَ فَسَقَطَ ، فَالْتُمِسَ فَلَمْ يُوجَدْ ، فَأَمَرَ بِخَاتَمٍ مِثْلِهِ ، وَنَقَشَ فِيهِ : مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ . قَوْله : ( وفِي يَد أَبِي بَكْر ) هَذَا بِنَاء عَلَى أَنَّ مَاله لَيْسَ بِمِيرَاثٍ ، بل لِانْتِفَاعِ الْمُسْلِمِينَ ، فلِلْخَلِيفَةِ أَنْ يَنْتَفِع مِنْهُ بِقَدْرِ حَاجَته . ( فلَمَّا كَثُرَتْ ) أَيْ : الْكُتُب الْمُحْتَاجَة إِلَى الْخَتْم .
( فسَقَطَ ) قَالُوا : ثم اِنْتَقَضَ عَلَيْهِ الْأَمْر ، وكَانَ ذَلِكَ مَبْدَأ الْفِتْنَة إِلَى قِيَام السَّاعَة ، ومِنْهُ أُخِذَ أَنَّ خَاتَمه صَلَّى اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَانَ فيهِ سِرّ غَرِيب كَخَاتَمِ سُلَيْمَان عَلَيْهِ الصَّلَاة والسَّلَام ، واَللَّه تَعَالَى أَعْلَم . ( ونُقِشَ فيهِ . . إِلَخْ ) قَالَ الْحَافِظ السُّيُوطِيُّ في حَاشِيَة أَبِي دَاوُدَ : قلت : كَأَنَّهُ فهِمَ أَنَّ النَّهْي مَخْصُوص بِحَيَاتِهِ صَلَّى اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِزَوَالِ الْمَحْذُور ، وهُوَ وقُوع الِاشْتِرَاك ، ونَظِيره قَوْل مَنْ خُصِّصَ النَّهْي عَنْ التَّكَنِّي بِكُنْيَتِهِ بِحَيَاتِهِ أَيْضًا ، والْمُخْتَار في الْحَدِيثَيْنِ إِطْلَاق النَّهْي .
قلت : والظَّاهِر أَنَّهُ فهِمَ خُصُوصه مُدَّة بَقَاء الْخَاتَم ، والْأَقْرَب أَنَّهُ فهِمَ مِنْ النَّهْي أَنَّ الْمَقْصُود بِهِ أَنْ لَا تَتَعَدَّد الْخَوَاتِم عَلَى نَقْش واحِد فيمَا إِذَا كَانَ الْخَاتَم مَقْصُودًا صَوْن نَقْشه عَنْ الِاشْتِرَاك كَخَوَاتِم الْحُكَّام ، والْأَظْهَر مِنْهُ أَنَّهُ فهِمَ الْإِطْلَاق إِلَّا أَنَّهُ رَأَى أَنَّ خَاتَمه الْجَدِيد نَائِب عَنْ الْخَاتَم الْقَدِيم ، ولِلنَّائِبِ حُكْم الْأَصْل ، فنُقِلَ نَقْشه إِلَيْهِ لَا يُخِلّ بِإِطْلَاقِ النَّهْي ، واَللَّه تَعَالَى أَعْلَم .