المؤلف: عبد الحي بن أحمد بن محمد ابن العماد العَكري الحنبلي، أبو الفلاح
عدد الأحاديث: 11
37 - ابن خلدون هو عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن خلدون الحضرمي الإشبيلي، أبو زيد، فيلسوف التاريخ الإسلامي، والعالم المحقق الكبير، وأحد نوادر الدهر علما وثقافة وتحصيلا وذكاء، صاحب التاريخ الذي اشتهرت منه المقدمة شهرة لم تكتب إلا للقلة من المصنفات الإسلامية في جميع العصور، حتى دعي بصاحب المقدمة أو دعيت هي بـ مقدمة ابن خلدون ، وكأنه لم يصنف غيرها . ولد في تونس ، وذلك يوم الأربعاء ، أول شهر رمضان ، سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة . وفي تونس نشأ ابن خلدون، وأخذ العلم عن جمهرة من علمائها، فقد سمع من العالم الفاضل شمس الدين أبي عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن جابر، المعروف بـ الوادي آشي صاحب البرنامج المتوفى سنة (746) هـ . وقرأ القرآن على عبد الله بن سعد بن نزال إفرادا وجمعا، وأخذ العربية عن أبيه، وأبي عبد الله السايري، وغيرهما، وأخذ الفقه عن قاضي الجماعة ابن عبد السلام، وغيره، وأخذ عن عبد المهيمن الحضرمي، ومحمد بن إبراهيم الإربلي شيخ المعقول بالمغرب، وبرع في العلوم، وتقدم في الفنون، ومهر في الأدب والكتابة، وولي كتابة السر بمدينة فاس لأبي عنان، ولأخيه أبي سالم، ثم تنقل في البلاد متقلدا مناصب مختلفة، ثم رجع إلى تونس فأكرمه سلطانها، ثم حاول نفر من الناس الإساءة إليه عن طريق تأليب السلطان عليه، فعلم بالأمر، فما كان منه إلا أن رحل إلى المشرق، فحطت به رحاله في القاهرة، فأكرمه سلطان مصر في ذلك العصر السلطان برقوق، وولي قضاء المالكية فيها، ثم عزل، وولي مشيخة المدرسة البيبرسية، ثم عزل عنها أيضا، ثم ولي القضاء مرارا، آخرها في رمضان من سنة ثمان وثمانمائة، فباشره ثمانية أيام، فأدركه أجله، ولم يتزي بزي القضاة في مصر، محتفظا بزي بلاده . وكان فصيحا، جميل الصورة، عاقلا، صادق اللهجة، عزوفا عن الضيم، [ص : 72] طامحا للمراتب العليا، ولما رحل إلى الأندلس اهتز له سلطانها، وأركب خاصته لتلقيه، وأجلسه في مجلسه . قال لسان الدين ابن الخطيب عنه في الإحاطة : رجل فاضل، جم الفضائل، رفيع القدر، أسيل المجد، وقور المجلس، عالي الهمة، قوي الجأش، متقدم في فنون عقلية ونقلية، كثير الحفظ، صحيح التصور، بارع الخط، حسن العشرة، فخر من مفاخر العرب . قلت: وقد قامت شهرة ابن خلدون على تاريخه المعروف بـ العبر وديوان المبتدأ والخبر ، وهو مطبوع في مصر في سبعة مجلدات بما في ذلك المقدمة التي تعد - كما يقول الزركلي - من أصول علم الاجتماع، وقد نقلت هي وأجزاء من الكتاب إلى اللغة الفرنسية، وغيرها، واشتهرت شهرة كبيرة بين المتعلمين من المسلمين منذ عصر ابن خلدون وحتى أيامنا، حتى إنه تكاد لا تخلو منها مكتبة أي باحث أو مثقف في ربوع أقطار أمتنا العظيمة، وفي مواطن الاستشراق أيضا .
وفيها الحافظ شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الهادي بن عبد الحميد بن عبد الهادي بن يوسف بن محمد بن قدامة المقدسي الجماعيلي الأصل ثم الصالحي الفقيه الحنبلي المقرىء المحدث الحافظ الناقد النحوي المتفنن الجبل الراسخ ولد في رجب سنة أربع وسبعمائة وقرأ بالروايات . وسمع الكثير من : ابن عبد الدايم ، والحجار ، وخلق كثير . وعني بالحديث وفنونه ومعرفة الرجال والعلل وبرع في ذلك وأفتى ودرس ولازم الشيخ تقي الدين بن تيمية مدة وقرأ عليه قطعة من الأربعين في أصول الدين للرازي ولازم أبا الحجاج المزي وأخذ عن الذهبي وغيره وقد ذكره الذهبي في طبقات الحفاظ فقال ولد سنة خمس أو ست وسبعمائة . واعتنى بالرجال والعلل وبرع وتصدى للإفادة والاشغال في الحديث والقراءات والفقه والأصلين والنحو وله توسع في العلوم وذهن سيال وله عدة محفوظات وتآليف وتعاليق مفيدة كتب عني واستفدت منه ثم قال وصنف تصانيف كثيرة بعضها كمله وبعضها لم يكمله لهجوم المنية وعد له ابن رجب في طبقاته ما يزيد على سبعين مصنفا يبلغ التام منها ما يزيد على مائة مجلد توفي رحمه الله عاشر جمادى الأولى ودفن بسفح قاسيون .
سنة أربعين وخمسمائة فيها توفي أبو سعد البغدادي الحافظ ، أحمد بن محمد بن أبي سعد أحمد بن الحسن الأصبهاني . ولد سنة ثلاث وستين وأربعمائة، وسمع من عبد الرحمن، وعبد الوهاب ابني مندة وطبقتهما، وببغداد من عاصم بن الحسن . قال [ أبو] سعد بن السمعاني : حافظ، دين، خير، يحفظ صحيح مسلم ، وكان يملي من حفظه . وقال الذهبي : حج مرات، ومات في ربيع الآخر بنهاوند، ونقل إلى أصبهان . وقال ابن ناصر الدين : كان ثقة متقنا دينا خيرا واعظا، وصحيح مسلم من بعض حفظه .
وفيها الحافظ ولي الدين أبو زرعة أحمد بن حافظ العصر شيخ الإسلام عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن ، العراقي ، الإمام ابن الإمام ، والحافظ ابن الحافظ ، وشيخ الإسلام ابن شيخ الإسلام ، الشافعي ، ولد في ذي الحجة سنة اثنتين وستين وسبعمائة . وبكر به أبوه فأحضره عند المسند أبي الحرم القلانسي في الأولى وفي الثانية ، واستجاز له من أبي الحسن العرضي . ثم رحل به إلى الشام في سنة خمس وستين وقد طعن في الثالثة ، فأحضره عند جمع كثير من أصحاب الفخر بن البخاري وأنظارهم ، ثم رجع فطلب بنفسه وقد أكمل أربع عشرة سنة ، فطاف على الشيوخ وكتب الطباق ، وفهم الفن ، واشتغل في الفقه ، والعربية ، والمعاني ، والبيان ، وأحضر على جمال الدين الأسنوي وشهاب الدين بن النقيب وغيرهما .
وفيها 751 أبو مسعود الحاجّي عبد الرحيم بن أبي الوفاء علي بن أحمد الأصبهاني . الحافظ المعدّل . سمع من جدّه غانم البرجي، ورحل فسمع بنيسابور من الشّيروي ، وببغداد من ابن الحصين، توفي في شوال في عشر الثمانين .
(
وفيها داود بن محمد بن محمود بن ماشاذه، أبو إسماعيل الأصبهاني [ في شعبان ] . حضر فاطمة الجوزدانية، وسمع زاهر الشحامي، وغانم بن خالد وجماعة طلاس للدراسات والترجمة والنشر حققته وقدمت له سكينة الشهابي -
وفيها الحافظ جلال الدين أبو الفضل عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد بن سابق الدين أبي بكر بن عثمان بن محمد بن خضر بن أيوب بن محمد بن الشيخ همام الدين الخضيري السيوطي الشافعي المسند المحقق المدقق، صاحب المؤلفات الفائقة النافعة ، ولد بعد مغرب ليلة الأحد مستهل رجب سنة تسع وأربعين وثمانمائة وعرض محافيظه على العزّ الكناني الحنبلي فقال له: ما كنيتك؟ فقال: لا كنية لي فقال: «أبو الفضل» وكتبه بخطّه . وتوفي والده وله من العمر خمس سنوات وسبعة أشهر، وقد وصل في القرآن إذ ذاك إلى سورة التّحريم، وأسند وصايته إلى جماعة، منهم الكمال بن الهمام، فقرّره في وظيفة الشيخونية، ولحظه بنظره، وختم القرآن العظيم، وله من العمر دون ثمان سنين، ثم حفظ «عمدة الأحكام» ، و «منهاج النووي» ، و «ألفية ابن مالك» ، و «منهاج البيضاوي» ، وعرض ذلك على علماء عصره وأجازوه، وأخذ عن الجلال المحليّ، والزّين العقبي، وأحضره والده مجلس الحافظ ابن حجر، وشرع في الاشتغال بالعلم من ابتداء ربيع الأول سنة أربع وستين وثمانمائة، فقرأ على الشمس السّيرامي «صحيح مسلم» إلّا قليلا منه، و «الشفا» و «ألفية ابن مالك» ، فما أتمّها إلّا وقد صنّف . وأجازه بالعربية، وقرأ عليه قطعة من «التسهيل» ، وسمع عليه الكثير من ابن المصنّف، و «التوضيح» و «شرح الشذور» و «المغني في أصول فقه الحنفية» ، و «شرح العقائد» للتفتازاني، وقرأ على الشّمس المرزباني الحنفي «الكافية» وشرحها للمصنّف، و «مقدمة ايساغوجي» وشرحها للكاتي، وسمع عليه من «المتوسط» و «الشافية» وشرحها للجاربردي، ومن «ألفية العراقي» ولزمه حتى مات سنة سبع وستين، وقرأ في الفرائض والحساب على علّامة زمانه الشّهاب الشّارمساحي، ثم دروس العلم البلقيني من شوال سنة خمس وستين، فقرأ عليه ما لا يحصى كثرة، ولزم أيضا الشّرف المناوي إلى أن مات، وقرأ عليه ما لا يحصى، ولزم دروس محقّق الديار المصرية سيف الدّين محمد بن محمد الحنفي، ودروس العلّامة التّقي الشّمنّي، ودروس الكافيجي، وقرأ على العزّ الكناني، وفي الميقات على مجد الدّين ابن السّباع، والعزّ بن محمد الميقاتي، وفي الطّب على محمد بن إبراهيم الدواني لما قدم القاهرة من الرّوم، وقرأ على التّقي الحصكفي، والشّمس البابي وغيرهم وأجيز بالإفتاء والتدريس . وقد ذكر تلميذه الداوودي في ترجمته أسماء شيوخه إجازة وقراءة وسماعا مرتّبين على حروف المعجم، فبلغت عدّتهم أحدا وخمسين نفسا . واستقصى أيضا مؤلفاته الحافلة الكثيرة الكاملة الجامعة النّافعة المتقنة المحرّرة المعتمدة المعتبرة، فنافت عدتها على خمسمائة مؤلّف، وشهرتها تغني عن ذكرها، وقد اشتهر أكثر مصنفاته في حياته في أقطار الأرض شرقا وغربا، وكان آية كبرى في سرعة التأليف حتى قال تلميذه الداودي عاينت الشيخ، وقد كتب في يوم واحد ثلاثة كراريس تأليفا وتحريرا، وكان مع ذلك يملي الحديث ويجيب عن المتعارض منه بأجوبة حسنة . وكان أعلم أهل زمانه بعلم الحديث وفنونه رجالا وغريبا ومتنا وسندا واستنباطا للأحكام منه، وأخبر عن نفسه أنه يحفظ مائتي ألف حديث . قال: ولو وجدت أكثر لحفظته . قال: ولعله لا يوجد على وجه الأرض الآن أكثر من ذلك . ولما بلغ أربعين سنة أخذ في التجرد للعبادة والانقطاع إلى الله تعالى والاشتغال به صرفا والإعراض عن الدنيا وأهلها كأنه لم يعرف أحدا منهم، وشرع في تحرير مؤلفاته، وترك الإفتاء والتدريس، واعتذر عن ذلك في مؤلّف سمّاه ب «التنفيس» . وأقام في روضة المقياس فلم يتحوّل منها إلى أن مات، ولم يفتح طاقات بيته التي على النّيل من سكناه . وكان الأمراء والأغنياء يأتون إلى زيارته، ويعرضون عليه الأموال النّفيسة فيردّها، وأهدى إليه الغوري خصيا وألف دينار، فردّ الألف، وأخذ الخصي، فأعتقه وجعله خادما في الحجرة النبوية، وقال لقاصد السلطان: لا تعد تأتينا بهدية قط فإنّ الله تعالى أغنانا عن مثل ذلك، وطلبه السلطان مرارا فلم يحضر إليه . ورؤي النبيّ صلّى الله عليه وسلم في المنام، والشيخ السّيوطي يسأله عن بعض الأحاديث والنبيّ صلّى الله عليه وسلم يقول له: «هات يا شيخ الحديث» . ورأى هو بنفسه هذه الرؤيا، والنبيّ صلّى الله عليه وسلم يقول له: «هات يا شيخ الحديث» . وذكر الشيخ عبد القادر الشّاذلي في كتاب ترجمته أنه كان يقول: رأيت النّبيّ صلّى الله عليه وسلم يقظة فقال لي: «يا شيخ الحديث» . فقلت له: يا رسول الله أمن أهل الجنّة أنا؟ قال: «نعم» ، فقلت: من غير عذاب يسبق . فقال: «لك ذلك» . وقال الشيخ عبد القادر: قلت له: كم رأيت النبيّ صلّى الله عليه وسلم يقظة؟ فقال: بضعا وسبعين مرة . وذكر خادم الشيخ السيوطي محمد بن علي الحباك: أن الشيخ قال له يوما، وقت القيلولة وهو عند زاوية الشيخ عبد الله الجيوشي بمصر بالقرافة: أتريد أن تصلي العصر بمكة بشرط أن تكتم ذلك عليّ حتى أموت . قال: فقلت: نعم قال: فأخذ بيدي وقال: غمّض عينيك فغمّضتهما فرمى بي نحو سبع وعشرين خطوة . ثم قال لي: افتح عينيك، فإذا نحن بباب المعلاة فزرنا أمّنا خديجة والفضيل بن عياض وسفيان بن عيينة، وغيرهم، ودخلت الحرم فطفنا وشربنا من ماء زمزم، وجلسنا خلف المقام، حتى صلينا العصر، وطفنا وشربنا من زمزم، ثم قال لي: يا فلان ليس العجب من طي الأرض لنا وإنما العجب من كون أحد من أهل مصر المجاورين لم يعرفنا، ثم قال لي: إن شئت تمضي معي، وإن شئت تقيم حتى يأتي الحاج قال فقلت: أذهب مع سيدي، فمشينا إلى باب المعلاة وقال لي: غمّض عينيك، فغمضتهما، فهرول بي سبع خطوات . ثم قال لي: افتح عينيك، فإذا نحن بالقرب من الجيوشي، فنزلنا إلى سيدي عمر بن الفارض . وذكر الشعراوي عن الشيخ أمين الدّين النجار إمام جامع الغمري، أن الشيخ أخبره بدخول ابن عثمان مصر قبل أن يموت، وأنه يدخلها في افتتاح سنة ثلاث وعشرين وتسعمائة وأخبره أيضا بأمور أخرى فكان الأمر كما قال، ومناقبه لا تحصر كثرة ولو لم يكن له من الكرامات إلا كثرة المؤلفات مع تحريرها وتدقيقها لكفى ذلك شاهدا لمن يؤمن بالقدرة، وله شعر كثير جيده كثير ومتوسطه أكثر وغالبه في الفوائد العلمية والأحكام الشرعية، فمنه وأجاد فيه: فوض أحاديث الصفات ولا تشبه أو تعطل إن رمت إلا الخوض في تحقيق معظله فأول إن المفوض سالم مما تكلفه المؤول وقال: حدثنا شيخنا الكناني عن أبه صاحب الخطابة أسرع أخا العلم في ثلاث الأكل والمشي والكتابة وقال: عاب الإملاء للحديث رجال قد سعوا في الضلال سعيا حثيثا إنما ينكر الأمالي قوم لا يكادون يفقهون حديثا وقال: لم لا نرجي العفو من ربنا وكيف لا نطمع في حلمه وفي الصحيحين أتى أنه بعبده أرحم من أمه وتوفي في سحر ليلة الجمعة تاسع عشر جمادى الأولى في منزله بروضة المقياس بعد أن تمرض سبعة أيام بورم شديد في ذراعه الأيسر عن إحدى وستين سنة وعشرة أشهر وثمانية عشر يوما، ودفن في حوش قوصون خارج باب القرافة . /
وفيها الحافظ شمس الدين أبو الخير محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أبي بكر بن عثمان بن محمد السخاوي الأصل القاهري المولد الشافعي المذهب نزيل الحرمين الشريفين ولد في ربيع الأول سنة إحدى وثلاثين وثمانمائة وحفظ القرآن العظيم وهو صغير وصلّى به في شهر رمضان . وحفظ «عمدة الأحكام» و «التنبيه» و «المنهاج» و «ألفية ابن مالك» و «ألفية العراقي» وغالب «الشّاطبية» و «النّخبة» لابن حجر، وغير ذلك، وكلما حفظ كتابا عرضه على مشايخه، وبرع في الفقه، والعربية، والقراءات، والحديث، والتاريخ، وشارك في الفرائض، والحساب، والتفسير، وأصول الفقه، والميقات، وغيرها وأما مقروءاته ومسموعاته فكثيرة جدا لا تكاد تنحصر وأخذ عن جماعة لا يحصون يزيدون على أربعمائة نفس، وأذن له غير واحد بالإفتاء، والتدريس، والإملاء . وسمع الكثير على شيخه الحافظ ابن حجر العسقلاني، ولازمه أشد الملازمة، وحمل عنه ما لم يشاركه فيه غيره، وأخذ عنه أكثر تصانيفه، وقال عنه: هو أمثل جماعتي، وأذن له، وكان يروي «صحيح البخاري» عن أزيد من مائة وعشرين نفسا . ورحل إلى الآفاق، وجاب البلاد، ودخل حلب ودمشق وبيت المقدس وغيرها، واجتمع له من المرويات بالسماع والقراءة ما يفوق الوصف، وكان بينه وبين النبي عشرة أنفس، وحج بعد وفاة شيخه ابن حجر مع والديه ولقي جماعة من العلماء وأخذ عنهم كالبرهان الزمزي، والتقي بن فهد، وأبي السعادات بن ظهيرة، وخلائق ثم رجع إلى القاهرة ولازم الاشتغال والاشغال والتأليف لم يفتر أبدا، ثم حج سنة سبعين وجاور وحدث هناك بأشياء من تصانيفه وغيرها ثم حج في سنة خمس وثمانين، وجاور سنة ست وسبع، وأقام منهما ثلاثة أشهر بالمدينة النبوية، ثم حج سنة اثنتين وتسعين وجاور سنة ثلاث وأربع ثم حج سنة ست وتسعين وجاور إلى أثناء سنة ثمان فتوجه إلى المدينة فأقام بها أشهرا وصام رمضان بها ثم عاد في شوالها إلى مكة وأقام بها مدة ثم رجع إلى المدينة وجاور بها إلى أن مات وحمل الناس من أهلهما والقادمين عليهما عنه الكثير جدا، وأخذ عنه من لا يحصى كثرة، وألف كتبا إليها النهاية لمزيد علوه وفصاحته، من مصنفاته: الجواهر والدرر في ترجمة الشيخ ابن حجر، وفتح المغيث بشرح ألفية الحديث، لا يعلم أجمع منه ولا أكثر تحقيقا لمن تدبره، والضوء اللامع لأهل القرن التاسع في ست مجلدات، ذكر فيه لنفسه ترجمة على عادة المحدثين والمقاصد الحسنة في الأحاديث الجارية على الألسنة وهو أجمع وأتقن من كتاب السيوطي المسمى بالجواهر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة، وفي كل واحد منهما ما ليس في الآخر، والقول البديع في الصلاة على الحبيب الشفيع، وعمدة المحتج في حكم الشطرنج، والإعلان بالتوبيخ على من ذم علم التوريخ، وهو نفيس جدا، والتاريخ المحيط على حروف المعجم، وتلخيص تاريخ اليمن، والأصل الأصيل في تحريم النقل من التوراة والإنجيل، وتحرير الميزان، وعمدة القارئ والسامع في ختم الصحيح الجامع، وغنية المحتاج في ختم صحيح مسلم بن الحجاج، وغير ذلك، وانتهى إليه علم الجرح والتعديل حتى قيل: لم يكن بعد الذهبي أحد سلك مسلكه وكان بينه وبين البرهان البقاعي والجلال السيوطي ما بين الأقران حتى قال السيوطي فيه: قل للسخاوي إن تعروك نائبة علمي كبحر من الأمواج ملتطم والحافظ الديمي غيث السحاب فخذ غرفا من البحر أو رشفا من الديم وتوفي بالمدينة المنورة على ساكنها الصلاة والسلام يوم الأحد الثامن والعشرين من شعبان، وصلى عليه بعد صلاة صبح يوم الاثنين، ووقف بنعشه تجاه الحجرة الشريفة، ودفن بالبقيع بجوار مشهد الإمام مالك، ولم يخلف بعده مثله .
وفيها حافظ دمشق شمس الدّين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر عبد الله بن محمد بن أحمد بن مجاهد بن يوسف بن محمد بن أحمد بن علي القيسي الدمشقي الشهير بابن ناصر الدّين الشافعي، وقيل: الحنبلي . ولد في أواسط محرم سنة سبع وسبعين وسبعمائة بدمشق، وبها نشأ، وحفظ القرآن العزيز وعدة متون، وسمع الحديث في صغره من الحافظ أبي بكر بن المحبّ، وتلا بالروايات على ابن البانياسي، ثم أكب على طلب الحديث، ولازم الشيوخ، وكتب الطباق . وسمع من خلق، منهم بدر الدّين بن قوام، ومحمد بن عوض، والعزّ الأبناسي، وابن غشم المرداوي، والصّدر المناوي، ونجم الدّين بن العز، وبرهان الدّين بن عبد الهادي، وأبو هريرة بن الذّهبي، وخلائق يطول ذكرهم . وأخبر السخاوي أنه قرأ على ابن حجر، وابن حجر قرأ عليه، ومهر في الحديث، وكتب، وخرّج، وعرف العالي والنازل، وخرّج لنفسه ولغيره، وصار حافظ الشام بلا منازع، وأخذ العربية عن البانياسي وغيره، والفقه عن ابن خطيب الدهشة، والسّراج البلقيني . وأجاز له من القاهرة الحافظ الزّين العراقي، والسّراج بن الملقّن، وغيرهما . واشتهر اسمه، وبعد صيته، وألّف التآليف الجليلة، منها «توضيح مشتبه الذهبي» في ثلاث مجلدات كبار، وجرّد منه كتاب «الإعلام بما وقع في مشتبه الذهبي من الأوهام» و «بديعة البيان عن موت الأعيان» ، نظما وشرحها في مجلد سمّاه «التبيان» وقصيدة في أنواع علوم الحديث، سمّاها «عقود الدّرر في علوم الأثر» وشرحها شرحين مطول ومختصر . وكتاب «السّرّاق من الضعفاء» و «كشف القناع عن حال من افترى الصّحبة والأتباع» و «إتحاف السّالك برواية الموطأ عن مالك» و «جامع الآثار في مولد المختار» ثلاثة أسفار كبار، و «مورد الصادي في مولد الهادي» واختصر منه «اللفظ الرائق في مولد خير الخلائق» . وله مصنّفات في المعراج، وكذا في الوفاة النبوية . و «افتتاح القاري لصحيح البخاري» و «تحفة الأخباري بترجمة البخاري» و «منهاج السّلامة في ميزان القيامة» و «التنقيح لحديث التسبيح» و «جزء في فضل يوم عرفة» و «جزء في فضل يوم عاشوراء» و «برد الأكباد عن موت الأولاد» و «نفحات الأخيار في مسلسلات الأخبار» و «الأربعون المتباينة الأسانيد والمتون» و «مسند تميم الدّاري وترجمته» و «عرف العنبر في وصف المنبر» و «الروض الندي في الحوض المحمدي» . مجلد ذكر فيه طرق حديث الحوض من ثمانين طريقا . و «ربع الفرع في شرح حديث أم زرع» و «رفع الدّسيسة بوضع الهريسة» و «جزء» فيه أحاديث ستة عن حفاظ ستة في معان ستة من مشايخ الأئمة الستة بين مخرّجها وبين روايتها ستة . و «نيل الأمنية بذكر الخيل النبوية» و «الإملاء الأنفسي في ترجمة عسعسي» و «إعلام الرّواة بأحكام حديث القضاة» و «الأعلام الواضحة في أحكام المصافحة» و «إطفاء حرقة الحوبة بإلباس خرقة التوبة» و «مختصر في مناسك الحج» وعدة مصنّفات أخر . وتوفي بدمشق في ليلة الجمعة سادس عشر ربيع الآخر ودفن بمقبرة باب الفراديس .
المصدر الرسمي: https://hdith.com/encyclopedia/book/b-910
© hdith.com — الموسوعة الحديثيَّة