نتائج البحث عن
«أنه كان يقول فيها بقول عبد الله»· 50 نتيجة
الترتيب:
قضَى رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ في الجَنينِ بغرَّةٍ عبدٍ أو أمَةٍ . فقالَ الَّذي قَضى عليهِ العَقلُ: كيفَ يدي مَن لا شَرِبَ ولا أَكَلَ ولا صاحَ فاستَهَلَّ فَمِثْلُ ذلِكَ يطلُّ . فقالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ إنَّ هذا يَقولُ بقولِ شاعرٍ، فيهِ غرَّةٌ عبدٌ أو أمةٌ
قضى النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في الجَنينِ بغُرَّةٍ عبدٍ أو أَمَةٍ أو فَرَسٍ أو بَغْلٍ فقال الَّذي قُضِي عليه أغرَمُ مَن لا أكَل ولا شرِب ولا صاح فاستهَلَّ مِثْلُ ذلكَ يُطَلُّ فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إنَّ هذا يقولُ بقولِ شاعرٍ، فيه غُرَّةٌ عبدٌ أو أَمَةٌ أو فَرَسٌ أو بَغْلٌ
عن بَكرِ بنِ عبدِ اللَّهِ المزنيِّ ، قالَ سمعتُ أنسًا ، يحدِّثُ قالَ : سَمعتُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ يلبِّي بالعمرةِ والحجِّ جميعًا ، فحدَّثتُ بذلِكَ ابنَ عمرَ فقالَ : لبَّى بالحجِّ وحدَه ، فلقيتُ أنسًا فحدَّثتُهُ ، بقولِ ابنِ عمرَ فقالَ أنسٌ : ما تعدُّونا إلَّا صِبيانًا ، سمعتُ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ يقولُ : لبَّيْكَ عُمرةً ، وحَجًّا معًا
كنتُ عند عبدِ اللهِ وأبي موسى، فقال له أبو موسى:أرأيتَ يا أبا عبد الرحمنِ، إذا أجنب فلم يجد ماءً، كيف يصنعُ ؟ فقال عبدُ اللهِ: لا يصلي حتى يجدَ الماءَ. فقال أبو موسى: فكيف تصنعُ بقولِ عمارٍ ، حين قال له النبيُّ صلى الله عليه وسلم:كان يكفيك. قال: ألم تر عمرَ لم يقنع بذلك ؟ فقال أبو موسى: فدعنا من قولِ عمارٍ ، كيف تصنعُ بهذه الآيةِ ؟ فما دَرى عبدُ اللهِ ما يقولُ، فقال: إنا لو رخصنا لهم في هذا ، لأوشك إذا بَرَدَ على أحدِهم الماءُ أن يدعَه ويتيممَ . فقلتُ لشقيقٍ: فإنما كَرِه عبدُ اللهِ لهذا ؟ قال: نعم.
كنتُ عند عبدِ اللهِ وأبي موسى، فقال له أبو موسى:أرأيتَ يا أبا عبد الرحمنِ، إذا أجنب فلم يجد ماءً، كيف يصنعُ ؟ فقال عبدُ اللهِ: لا يصلي حتى يجدَ الماءَ. فقال أبو موسى: فكيف تصنعُ بقولِ عمارٍ، حين قال له النبيُّ صلى الله عليه وسلم:كان يكفيك. قال: ألم تر عمرَ لم يقنع بذلك ؟ فقال أبو موسى: فدعنا من قولِ عمارٍ، كيف تصنعُ بهذه الآيةِ ؟ فما دَرى عبدُ اللهِ ما يقولُ، فقال: إنا لو رخصنا لهم في هذا ، لأوشك إذا بَرَدَ على أحدِهم الماءُ أن يدعَه ويتيممَ . فقلتُ لشقيقٍ: فإنما كَرِه عبدُ اللهِ لهذا ؟ قال: نعم.
الشرك فيكم أخفى من دبيب النمل قال قلنا يا رسول الله وهل الشرك إلا ما عبد من دون الله أو ما دعي مع الله شك عبد الملك قال ثكلتك أمك يا صديق الشرك فيكم أخفى من دبيب النمل ألا أخبرك بقول يذهب صغاره وكباره أو صغيره وكبيره قلت بلى يا رسول الله قال تقول كل يوم ثلاث مرات اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك شيئا وأنا أعلمه وأستغفرك لما لا أعلم والشرك أن تقول أعطاني الله وفلان والند أن يقول الإنسان لولا فلان قتلني فلان
الشرك فيكم أخفى من دبيب النمل قال : قلنا : يا رسول الله ، وهل الشرك إلا ما عبد من دون الله عز وجل ، أو دعي مع الله ؟ شك عبد الملك قال : ثكلتك أمك يا صديق ، الشرك فيكم أخفى من دبيب النمل ، ألا أخبرك بقول يذهب عنك صغاره وكباره ، أو صغيره وكبيره ؟ قلت : بلى يا رسول الله قال : تقول كل يوم ثلاث مرات : اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم ، وأستغفرك لما لا أعلم ، والشرك أن تقول أعطاني الله وفلان ، والند أن يقول الإنسان : لولا فلان لقتلني فلان
لمَّا كانتِ اللَّيلةُ الَّتي وُلِدَ فيها رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ ارتَجسَ إيوانُ كِسرى وسقَطَت منها أربعةُ عشرَ شُرافةَ وخَمدت نارُ فارِسَ ولم تخمَد قبلَ ذلك ألفَ عامٍ، وغاضَت بُحيرَةُ ساوَةَ فلمَّا أصبحَ كسرى أفزعَهُ ذلِكَ فصبرَ عليهِ تشجُّعًا إليه وأخبرَهم فلمَّا عيلَ صبرُهُ رأى أن لا يَسترَ ذلِكَ عن وزرائِهِ ومَرازبتِهِ فلبسَ تاجَهُ وقعدَ علَى سريرِهِ وجمعَهُم إليهِ وأخبرَهُم بما رأى فبَينا هم كذلِكَ إذ وردَ عليهمُ الكتابُ بخُمودِ النَّارِ فازدادَ غمًّا إلى غمِّهِ فقالَ الموبِذانُ: وأَنا أصلحَ اللَّهُ الملِكَ اللَّهُمَّ قد رأيتُ في هذِهِ اللَّيلةِ إبلًا ضِعافًا تقودُ خيلًا عِرابًا قد قطَعَت دجلةَ وانتشَرَت في بلادِها فقالَ: أيُّ شيءٍ يكونُ هذا يا موبذانُ وَكانَ أعلَمَهُم في أنفسِهِم قالَ: حادثٌ يكون في ناحيةِ العَربِ فَكَتبَ عندَ ذلِكَ: مِن كِسرى ملِكِ الملوكِ إلى النُّعمانِ بنِ المنذرِ أمَّا بعدُ فابعَث إليَّ برجلٍ عالِمٍ بما أريدُ أن أسألَهُ عنهُ فبَعثَ إليهِ بعبدِ المسيحِ بنِ عمرِو بنِ حيَّانَ بنِ بَقلةَ الغسَّانيِّ فلما قدِمَ عليه قال: أعندَكَ علمٌ بما أريدُ أن أسألَكَ عنهُ ؟ قالَ: لِيُخبِرني الملِكُ فإن كانَ عِندي منهُ علمٌ أخبرتُهُ وإلَّا دَللتُهُ على مَن يخبرُهُ، فأخبرَهُ بما رأى فقالَ: عِلمُ ذلِكَ عندَ خالٍ لي يسكنُ مشارِفَ الشَّامِ يقالُ له سَطيحٌ قال: فأتِهِ فاسألهُ عمَّا أخبرتُكَ ثمَّ ائتِني بجوابِهِ فخرجَ عبدُ المسيحِ حتى قدِم سَطيحٍ وقد أشفَى على الموتِ فسلَّمَ عليهِ وحيَّاهُ فلَم يردَّ عليهِ جوابًا فأنشأ عبدُ المسيحِ يقولُ:
أصُمَّ لَم يسمَعْ غطريفُ اليمَنْ . . . أم فازَ فأزلَمَّ به شأوُ العنَنْ
يا فاصِل الخطَّةِ أعيَت مَنْ ومَنْ . . . أتاكَ شيخُ الحيِّ مِن آلِ سنَنْ
وأمُّهُ من آلِ ذئبِ بنِ حَجَنْ . . . أزرقُ مُهمي النَّابِ صرَّارُ الأذُنْ
أبيضُ فضفاضُ الرِّداءِ والبدَنْ . . . رسولُ قَيلَ العُجْمِ يَسري للوسَنْ
لا يرهبُ الرَّعدَ ولا ريبَ الزَّمَنْ . . . تجوبُ بي الأرضَ علنداةٌ شَجَنْ
ترفعُني وجنًا وتَهْوى بي وَجَنْ . . . حتَّى أتي عاري الجاجِئ والقطَنْ
تلفُّهُ في الرِّيحِ بوغاءُ الدِّمَنْ . . . كأنَّما حُثْحِثَ من حضني ثَكَن
فلمَّا سمعَ شعرَهُ رفع رأسه وقال عبدُ المسيحِ علَي جملٍ مُشيحٍ إلى سطيحٍ .
وقد أوفى على ضريحٍ بعثَكَ ملِكُ بَني ساسانَ لارتِجاسِ الإيوانِ وخُمودِ النِّيرانِ ورُؤيا الموبذانِ رأى إبلًا ضِعافًا تقودُ خيلًا عِرابًا قد قَطَعَت دِجلةَ وانتشَرَتْ في بلادِها يا عبدَ المسيحِ إذا كثُرتِ التِّلاوةُ وظَهَرَ صاحبُ الهَراوةِ وخمدت نارُ فارسَ وغاضت بُحَيْرةُ ساوةَ وفاضَ وادي السَّماوةِ فليسَ الشَّامُ لسَطيحٍ شاما يملِكُ منهم ملوكٌ وملِكاتٍ علَى عددِ الشُّرفاتِ وَكُلُّ ما هوَ آتٍ آتٍ ثمَّ قضَى سطيحٌ مَكانَهُ ووثبَ عبد المسيح الغَسَّاني يقولُ:
شَمِّر فإنَّكَ ماضي الهمَّ شِمِّيرُ . . . لا يُفْزِعَنَّكَ تفريقٌ وتغييرُ
إنيمس ملِكُ بَني ساسانَ أفرطَهُم . . . فإنَّ ذا الدَّهرِ أطوارٌ دهاهيرُ
فربَّما ربموا أضحَو بمنزلةٍ . . . تَهابُ صولَهُمُ الأسدُ المَهاصيرُ
منهم أخو الصَّرحِ بَهْرامٌ وأخوتُهُ . . . والهرمُزانُ وسابورُ وسابورُ
والنَّاسُ أولادُ عَلَّاتٍ فمَن علِموا . . . أن قد أقلَّ فمَحقورٌ ومَهجورُ
وهُم بنوا الأمِّ أما إن رَأوا نَشبًا . . . فذاكَ بالغَيبِ مَحفوظٌ ومَنصورُ
فالخيرُ والشَّرُّ مَقرونانِ في قَرَنٍ . . . فالخيرُ متَّبعٌ والشَّرُّ مَحذورُ
فلمَّا قدمَ عبدُ المسيحِ على كِسرى أخبرَهُ بقولِ سَطيحٍ فقالَ كِسرَى: إلى أن يملِكَ منَّا أربعةَ عشرَ ملكًا قد كانَت أمورٌ قال: فملَكَ منهُم عشرةٌ أربعَ سنينَ وملَكَ الباقونَ إلى آخرِ خِلافةِ عُثمانَ رضيَ اللَّهُ عنهُ
لمَّا كانتِ اللَّيلةُ الَّتي وُلِدَ فيها رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ارتجسَ إيوانُ كسرى وسقَطت منْهُ أربعَ عشرةَ شُرفةً وغاضت بحيرةُ ساوةَ وخمَدت نارُ فارسٍ ولم تخمَد قبلَ ذلِكَ بألفِ عامٍ ورأى الموبذانُ إبِلًا صعابًا تقودُ خيلًا عِرابًا قد قطَعت دجلةَ وانتشرت في بلادِها فلمَّا أصبحَ كسرى أفزعَهُ ما رأى من شأنِ إيوانِهِ فصبرَ عليْهِ تشجُّعًا ثمَّ رأى أن لا يسترَ ذلِكَ عن وزرائِهِ ومرازبتِهِ فلبسَ تاجَهُ وقعدَ على سريره وجمعهم فلمَّا اجتمعوا عندَهُ قالَ: أتدرونَ فيمَ بعثتُ إليْكم قالوا: لا إلَّا أن يخبرنا الملِكُ فبينا هم على ذلِكَ إذ وردَ عليْهم كتابٌ بخُمودِ النَّارِ فازدادَ غمًّا إلى غمِّهِ فقالَ الموبذانُ وأنا قد رأيتُ- أصلحَ اللَّهُ الملِكَ- في هذِهِ اللَّيلةِ رؤيا ثمَّ قصَّ عليْهِ رؤياهُ فقالَ: أيَّ شيءٍ يَكونُ هذا يا موبذانُ؟ قالَ: حدثٌ يَكونُ في ناحيةِ العَربِ وَكانَ أعلمَهم في أنفسِهم فَكتبَ كسرى عندَ ذلِكَ من كِسرى ملِكِ الملوكِ إلى النُّعمانِ بنِ المنذرِ أمَّا بعدُ فوجِّه إليَّ برجلٍ عالمٍ بما أريدُ أن أسألَهُ عنْه. فوجَّهَ إليه بعبدِ المسيحِ بن حيَّانِ بنِ بقيلةَ الغسَّانيِّ فلمَّا قدمَ عليْهِ قالَ لَهُ ألَكَ علمٌ بما أريدُ أن أسألَكَ عنْهُ قالَ: ليَسألني الملِكُ فإن كانَ عندي علمٌ إلَّا أخبرتُهُ بمن يعلمُهُ فأخبرَهُ بما رأى فقالَ: عِلمُ ذلِكَ عندَ خالٍ لي يسْكنُ مشارفَ الشَّامِ يقالُ لَهُ سَطيحٌ قالَ فائتِهِ فسلْهُ عمَّا سألتُكَ وائتني بجوابِهِ فرَكِبَ حتَّى أتى على سطيحٍ وقد أشفَى على الموتِ فسلَّمَ عليْهِ وحيَّاهُ فلم يحر سطيحٌ جوابًا فأنشأَ عبدُ المسيحِ يقولُ أصمُّ أم يسمعُ غِطريفُ اليمَنْ ... أم فادَ فازلمَّ بِهِ شأوُ العنَنَ يا فاصلَ الخطَّةِ أعيَت مَن ومَن ... أتاكَ شيخُ الحيِّ من آلِ سنَنَ وأمُّهُ من آلِ ذئبِ بنِ حجَن ... أزرقُ نَهمُ النَّابِ صرَّارُ الأذن أبيضُ فضفاضُ الرِّداءِ والبدنْ ... رسولُ قَيلِ العُجمِ يسري للوسَنْ تجوبُ بي الأرضَ علنداةٌ شزَنْ ... ترفعُني وجنًا وتَهوي بي وجن لا يرْهبُ الرَّعدَ ولا ريبَ الزَّمَن ... كأنَّما أخرجَ من جوفٍ ثَكن حتَّى أتى عاريَ الجاجي والقطَن ... تلفُّهُ في الرِّيحِ بوغاءُ الدِّمن فقالَ: سطيحٌ عبدُ المسيحِ جاءَ إلى سطيحٍ وقد أوفى على الضِّريحِ بعثَكَ ملِكُ بني ساسانَ لارتجاسِ الإيوانِ وخمودِ النِّيران ورؤيا الموبِذانِ رأى إبلًا صعابًا تقودُ خيلًا عرابًا قد قطعت دجلةَ وانتشرت في بلادِها يا عبدَ المسيحِ إذا كثُرتِ التِّلاوةُ وظَهرَ صاحبُ الْهراوةِ وفاضَ وادي السَّماوةِ وخمدت نارُ فارسَ فليسَ الشَّامُ لسطيحٍ شاما يملِكُ منهم ملوكٌ وملكاتٌ على عددِ الشُّرفاتِ وَكلُّ ما هوَ آتٍ آتٍ. ثمَّ قضى سطيحٌ مَكانَهُ وسارَ عبدُ المسيحِ إلى رحلِهِ وَهوَ يقولُ شمِّر فإنَّكَ ماضي الْهمِّ شمِّيرُ ... لا يفزعنَّكَ تفريقٌ وتغييرُ إن يمسِ ملْكُ بني ساسانَ أفرطَهم ... فإنَّ ذا الدَّهرَ أطوارٌ دَهاريرُ فربَّما ربَّما أضحوا بمنزلةٍ ... تَهابُ صولَهمُ الأسدُ المَهاصيرُ منْهم أخو الصَّرحِ بَهرامٌ وإخوتُهُ ... والْهرمزانِ وسابورٌ وسابورُ والنَّاسُ أولادُ علَّاتٍ فمن علِموا ... أن قد أقلَّ فمحقورٌ ومَهجورُ وَهم بنو الأمِّ إمَّا إن رأوا نشبًا ... فذاكَ بالغيبِ محفوظٌ ومنصورُ والخيرُ والشَّرُّ مصفودانِ في قرنٍ ... فالخيرُ متَّبعٌ والشَّرُّ محذورُ فلمَّا قدِمَ على كسرى أخبرَهُ بقولِ سطيحٍ فقالَ كسرى: إلى متى يملِكُ منَّا أربعةَ عشرَ ملِكًا تَكونُ أمورٌ فملَكَ منْهم عشرةٌ أربعَ سنينَ وملَكَ الباقونَ إلى آخرِ خلافةِ عثمانَ رضيَ اللَّهُ عنْهُ
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى قيصر يدعوه إلى الإسلام ، وبعث بكتابه إليه مع دحية الكلبي ، وأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدفعه إلى عظيم بصرى ليدفعه إلى قيصر ، وكان قيصر لما كشف الله عنه جنود فارس ، مشى من حمص إلى إيلياء شكرا لما أبلاه الله ، فلما جاء قيصر كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال حين قرأه : التمسوا لي ها هنا أحدا من قومه ، لأسألهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال ابن عباس : فأخبرني أبو سفيان : أنه كان بالشأم في رجال من قريش قدموا تجارا ، في المدة التي كانت بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين كفار قريش ، قال أبو سفيان : فوجدنا رسول قيصر ببعض الشأم ، فانطلق بي وبأصحابي ، حتى قدمنا إيلياء فأدخلنا عليه ، فإذا هو جالس في مجلس ملكه ، وعليه التاج ، وإذا حوله عظماء الروم ، فقال لترجمانه : سلهم أيهم أقرب نسبا إلى هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي ، قال أبو سفيان : فقلت : أنا أقربهم إليه نسبا ، قال : ما قرابة ما بينك وبينه ؟ فقلت : هو ابن عمي ، وليس في الركب يومئذ أحد من بني عبد مناف غيري ، فقال قيصر : أدنوه ، وأمر بأصحابي فجعلوا خلف ظهري عند كتفي ، ثم قال لترجمانه : قل لأصحابه : إني سائل هذا الرجل عن الذي يزعم أنه نبي ، فإن كذب فكذبوه ، قال أبو سفيان : والله لولا الحياء يومئذ ، من أن يأثر أصحابي عني الكذب ، لكذبته حين سألني عنه ، ولكني استحييت أن يأثروا الكذب عني فصدقته ، ثم قال لترجمانه : قل له كيف نسب هذا الرجل فيكم ؟ قلت : هو فينا ذو نسب ، قال : فهل قال هذا القول أحد منكم قبله ؟ قلت : لا ، فقال : كنتم تتهمونه على الكذب قبل أن يقول ما قال ؟ قلت : لا ، قال : فهل كان من آبائه من ملك ؟ قلت : لا ، قال : فأشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم ؟ قلت : بل ضعفاؤهم ، قال : فيزيدون أو ينقصون ؟ قلت : بل يزيدون ، قال : فهل يرتد أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه ؟ قلت : لا ، قال : فهل يغدر ؟ قلت : لا ، ونحن الآن منه في مدة نحن نخاف أن يغدر - قال أبو سفيان : ولم يمكني كلمة أن أدخل فيها شيئا أنتقصه به لا أخاف أن تؤثر عني غيرها - قال : فهل قاتلتموه أو قاتلكم ؟ قلت : نعم ، قال : فكيف كانت حربه وحربكم ؟ قلت : كانت دولا وسجالا ، يدال علينا المرة وندال عليه الأخرى ، قال فماذا يأمركم ؟ قال : يأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئا ، وينهانا عما كان يعبد أباؤنا ، ويأمرنا بالصلاة ، والصدقة ، والعفاف ، والوفاء بالعهد ، وأداء الأمانة . فقال لترجمانه حين قلت ذلك له : قل له : إني سألتك عن نسبه فيكم فزعمت أنه ذو نسب ، وكذلك الرسل تبعث في نسب قومها ، وسألتك : هل قال أحد منكم هذا القول قبله ، فزعمت أن لا ، فقلت : لو كان أحد منكم قال هذا القول قبله ، قلت رجل يأتم بقول قد قيل قبله ، وسألتك : هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال ، فزعمت أن لا ، فعرفت أنه لم ليدع الكذب على الناس ويكذب على الله ، وسألتك : هل كان من آبائه من ملك ، فزعمت أن لا ، فقلت لو كان من آبائه ملك ، قلت يطلب ملك آبائه ، وسألتك : أشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم ، فزعمت أن ضعفاؤهم اتبعوه ، وهم أتباع الرسل ، وسألتك : هل يزيدون أو ينقصون ، فزعمت أنهم يزيدون ، وكذلك الإيمان حتى يتم ، وسألتك هل يرتد أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه ، فزعمت أن لا ، فكذلك الإيمان حين تخلط بشاشته القلوب لا يسخطه أحد ، وسألتك هل يغدر ، فزعمت أن لا ، وكذلك الرسل لا يغدرون ، وسألتك : هل قاتلتموه وقاتلكم ، فزعمت أن قد فعل ، وأن حربكم وحربه تكون دولا ، ويدال عليكم المرة وتدالون عليه الأخرى ، وكذلك الرسل تبتلى وتكون لها العاقبة ، وسألتك : بماذا يأمركم ، فزعمت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا ، وينهاكم عما كان يعبد آباؤكم ، ويأمركم بالصلاة ، والصدق والعفاف ، والوفاء بالعهد ، وأداء الأمانة ، قال : وهذه صفة النبي ، قد كنت أعلم أنه خارج ، ولكن لم أظن أنه منكم ، وإن يك ما قلت حقا ، فيوشك أن يملك موضع قدمي هاتين ، ولو أرجو أن أخلص إليه لتجشمت لقاءه ، ولو كنت عنده لغسلت قدميه . قال أبو سفيان : ثم دعا بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرئ فإذا فيه : ( بسم الله الرحمن الرحيم ، من محمد عبد الله ورسوله ، إلى هرقل عظيم الروم ، سلام على من اتبع الهدى ، أما بعد : فإني أدعوك بدعاية الإسلام ، أسلم تسلم ، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين ، فإن توليت فعليك إثم الأريسيين ، و : { يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون } ) . قال أبو سفيان : فلما أن قضى مقالته علت أصوات الذين من حوله من عظماء الروم ، وكثر لغطهم ، فلا أدري ما قالوا ، وأمر بنا فأخرجنا ، فلما أن خرجت مع أصحابي وخلوت بهم ، قلت لهم : لقد أمر أمر ابن أبي كبشة ، هذا ملك بني الأصفر يخافه ، قال أبو سفيان : والله ما زلت ذليلا مستيقنا بأن أمره سيظهر ، حتى أدخل الله قلبي الإسلام وأنا كاره .
انطلقت في المدة التي كانت بيني وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال : فبينا أنا بالشأم ، إذ جيء بكتاب من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هرقل : يعني عظيم الروم . قال : وكان دحية الكلبي جاء به . فدفعه إلى عظيم بصرى . فدفعه عظيم بصرى إلى هرقل . فقال هرقل : هل ها هنا أحد من قوم هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي ؟ قالوا : نعم . قال : فدعيت في نفر من قريش . فدخلنا على هرقل . فأجلسنا بين يديه . فقال : أيكم أقرب نسبا من هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي ؟ فقال أبو سفيان : فقلت : أنا . فأجلسوني بين يديه . وأجلسوا أصحابي خلفي . ثم دعا بترجمانه فقال له : قل لهم : إني سائل هذا عن الرجل الذي يزعم أنه نبي . فإن كذبني فكذبوه . قال : فقال أبو سفيان : وايم الله ! لولا مخافة أن يؤثر علي الكذب لكذبت . ثم قال لترجمانه : سله . كيف حسبه فيكم ؟ قال قلت : هو فينا ذو حسب . قال : فهل كان من آبائه ملك ؟ قلت : لا . قال : فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال ؟ قلت : لا . قال : ومن يتبعه ؟ أشراف الناس أم ضعفائهم ؟ قال قلت : بل ضعفائهم . قال : أيزيدون أن ينقصون ؟ قال قلت : لا . بل يزيدون . قال : هل يرتد أحد منهم عن دينه ، بعد أن يدخل فيه ، سخطة له ؟ قال قلت : لا . قال : فهل قاتلتموه ؟ قلت : نعم . قال : فكيف كان قتالكم إياه ؟ قال قلت : تكون الحرب بيننا وبينه سجالا . يصيب منا ونصيب منه . قال : فهل يغدر ؟ قلت : لا . ونحن منه في مدة لا ندري ما هو صانع فيها . قال : فوالله ! ما أمكنني من كلمة أدخل فيها شيئا غير هذه . قال : فهل قال هذا القول أحد قبله ؟ قال قلت : لا . قال لترجمانه : قل له : إني سألتك عن حسبه فزعمت أنه فيكم ذو حسب . وكذلك الرسل تبعث في أحساب قومها . وسألتك : هل كان في آبائه ملك ؟ فزعمت أن لا . فقلت : لو كان من آبائه ملك قلت رجل يطلب ملك آبائه . وسألتك عن أتباعه ، أضعفاؤهم أم أشرافهم ؟ فقلت : بل ضعفاؤهم . وهم أتباع الرسل . وسألتك : هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال ؟ فزعمت أن لا . فقد عرفت أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس ثم يذهب فيكذب على الله . وسألتك : هل يرتد أحد منهم عن دينه بعد أن يدخله سخطة له ؟ فزعمت أن لا . وكذلك الإيمان إذا خالط بشاشة القلوب . وسألتك : هل يزيدون أو ينقصون ؟ فزعمت أنهم يزيدون . وكذلك الإيمان حتى يتم . وسألتك : هل قاتلتموه ؟ فزعمت أنكم قد قاتلتموه . فتكون الحرب بينكم وبينه سجالا . ينال منكم وتنالون منه . وكذلك الرسل تبتلى ثم تكون لهم العاقبة . وسألتك : هل يغدر ؟ فزعمت أنه لا يغدر . وكذلك الرسل لا تغدر . وسألتك : هل قال هذا القول أحد قبله ؟ فزعمت أن لا . فقلت : لو قال هذا القول أحد قبله ، قلت رجل ائتم بقول قيل قبله . قال : ثم قال : بم يأمركم ؟ قلت : يأمرنا بالصلاة والزكاة والصلة والعفاف . قال : إن يكن ما تقول فيه حقا ، فإنه نبي . وقد كنت أعلم أنه خارج . ولم أكن أظنه منكم . ولو أني أعلم أني أخلص إليه ، لأحببت لقاءه . ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه . وليبلغن ملكه ما تحت قدمي . قال : ثم دعا بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأه . فإذا فيه ( بسم الله الرحمن الرحيم . من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم . سلام على من اتبع الهدى . أما بعد . فإني أدعوك بدعاية الإسلام . أسلم تسلم . وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين . وإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين . ويا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون . [ 3 / آل عمران / الآية 64 ] فلما فرغ من قراءة الكتاب ارتفعت الأصوات عنده وكثر اللغط . وأمر بنا فأخرجنا . قال : فقلت لأصحابي حين خرجنا : لقد أمر أمر ابن أبي كبشة . إنه ليخافه ملك بني الأصفر . قال : فما زلت موقنا بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سيظهر ، حتى أدخل الله على الإسلام . وفي رواية : بهذا الإسناد . وزاد في الحديث : وكان قيصر لما كشف الله عنه جنود فارس مشى من حمص إلى إيلياء . شكرا لما أبلاه الله . وقال في الحديث : ( من محمد عبد الله ورسوله ) . وقال ( إثم اليريسيين ) . وقال ( بداعية الإسلام ) .
أن أبا سفيانَ بنَ حربٍ أخبَره : أن هِرَقْلَ أرسَل إليه في رَكْبٍ من قريشٍ، وكانوا تُجَّارًا بالشأمِ، في المدةِ التي كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مادَّ فيها أبا سفيانَ وكفارَ قريشٍ، فأتَوه وهم بإيلياءَ، فدعاهم في مجلسِه، وحولَه عُظَماءُ الرُّومِ، ثم دعاهم ودعا بتَرجُمانِه، فقال : أيُّكم أقربُ نسَبًا بهذا الرجلِ الذي يزعُمُ أنه نبيٌّ ؟ فقال أبو سفيانَ : فقُلْتُ أنا أقربُهم نسَبًا، فقال : أدنوه مني، وقرِّبوا أصحابَه فاجعلوهم عِندَ ظهرِه، ثم قال لتَرجُمانِه : قُلْ لهم إني سائلٌ عن هذا الرجلِ، فإن كذَبَني فكذِّبوه، فواللهِ لولا الحياءُ من أن يأثِروا عليَّ كذِبًا لكَذَبْتُ عنه . ثم كان أولَ ما سألني عنه أن قال : كيفَ نسَبُه فيكم ؟ قُلْتُ : هو فينا ذو نسَبٍ . قال : فهل قال هذا القولَ منكم أحدٌ قَطُّ قبلَه ؟ قُلْتُ : لا . قال : فهل كان من آبائِه من مَلِكٍ ؟ قُلْتُ : لا . قال : فأشرافُ الناسِ يتَّبِعونه أم ضعفاؤهم ؟ فقُلْتُ : بل ضعفاؤهم . قال : أيَزيدون أم يَنقُصون ؟ قُلْتُ : بل يَزيدون . قال : فهل يرتَدُّ أحدٌ منهم سَخطَةً لدِينِه بعد أن يدخُلَ فيه ؟ قُلْتُ : لا . قال : فهل كنتُم تتهِمونه بالكذِبِ قبلَ أن يقولَ ما قال ؟ قُلْتُ : لا . قال : فهل يَغدِرُ ؟ قُلْتُ : لا، ونحن منه في مُدَّةٍ لا ندري ما هو فاعلٌ فيها . قال : ولم تُمكِنِّي كلمةٌ أُدخِلُ فيها شيئًا غيرَ هذه الكلمةِ . قال : فهل قاتلتُموه ؟ قُلْتُ : نعم . قال : فكيفَ كان قتالُكم إياه ؟ قُلْتُ : الحربُ بيننا وبينه سِجالٌ، يَنال منا ونَنال منه . قال : ماذا يأمُرُكم ؟ قُلْتُ : يقولُ : اعبُدوا اللهَ وحدَه ولا تُشرِكوا به شيئًا، واترُكوا ما يقولُ آباؤكم، ويأمُرُنا بالصلاةِ والصِّدقِ والعَفافِ والصِّلةِ . فقال للتَّرجُمانِ : قُلْ له : سَألتُك عن نسَبِه فذكَرتَ أنه فيكم ذو نسَبٍ، فكذلك الرسُلُ تُبعَثُ في نسَبِ قومِها . وسَألتُك هل قال أحدٌ منكم هذا القولَ، فذكَرْتَ أن لا، فقُلْتُ لو كان أحدٌ قال هذا القولَ قبلَه، لقُلْتُ رجلٌ يأتَسي بقولٍ قيلَ قبلَه . وسَألتُك هل كان من آبائِه من ملِكٍ، فذكَرْتَ أن لا، قُلْتُ : فلو كان من آبائِه من ملِكٍ، قُلْتُ رجلٌ يطلُبُ مُلكَ أبيه . وسَألتُك هل كنتُم تتهِمونه بالكذبِ قبلَ أن يقولَ ما قال، فذكَرْتَ أن لا، فقد أعرِفُ أنه لم يكُن لِيَذَرَ الكذبَ على الناسِ ويكذِبَ على اللهِ . وسَألتُك أشرافُ الناسِ اتبَعوه أم ضعفاؤهم، فذكَرْتَ أن ضعفاءَهم اتبَعوه، وهم أتباعُ الرسُلِ، وسَألتُك أيَزيدون أم يَنقُصون، فذكَرْتَ أنهم يَزيدون، وكذلك أمرُ الإيمانِ حتى يَتِمَّ . وسَألتُك أيَرتَدُّ أحدٌ سَخطَةً لدِينِه بعد أن يدخُلَ فيه، فذكَرتَ أن لا، وكذلك الإيمانُ حين تُخالِطُ بَشاشَتُه القُلوبَ . وسَألتُك هل يَغدِرُ، فذكَرْتَ أن لا، وكذلك الرسُلُ لا تَغدِرُ . وسَألتُك بما يأمُرُكم، فذكَرْتَ أنه يأمُرُكم أن تعبُدوا اللهَ ولا تُشرِكوا به شيئًا، ويَنهاكم عن عبادةِ الأوثانِ، ويأمُرُكم بالصلاةِ والصدقِ والعَفافِ، فإن كان ما تقولُ حقًّا فسيَملِكُ موضِعَ قدميَّ هاتين، وقد كنتُ أعلمُ أنه خارجٌ، لم أكن أظنُّ أنه منكم، فلو أني أعلمُ أني أخلُصُ إليه، لتَجَشَّمْتُ لقاءَه، ولو كنتُ عِندَه لغسَلْتُ عن قدمِه . ثم دعا بكتابِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الذي بعَث به دِحيَةُ إلى عظيمِ بُصرَى، فدفَعه إلى هِرَقْلَ، فقرَأه، فإذا فيه : بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ ، من محمدٍ عبدِ اللهِ ورسولِه إلى هِرَقْلَ عظيمِ الرومِ : سلامٌ على من اتبَعَ الهدَى، أما بعدُ، فإني أدعوك بدِعايَةِ الإسلامِ، أسلِمْ تسلَمْ، يُؤتِكَ اللهُ أجرَك مرتين، فإن توَلَّيْتَ فإن عليك إثمَ الأرِيسِيِّين، و: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ قال أبو سفيانَ : فلما قال ما قال، وفرَغ من قراءةِ الكتابِ، كَثُرَ عِندَه الصَّخَبُ وارتفَعَتِ الأصواتُ وأُخرِجْنا، فقُلْتُ لأصحابي حين أُخرِجْنا : لقد أَمِرَ ابن أبي كبشة، إنه يخافه ملك بني الأصفر . فما زلت موقنا أنه سيظهر حتى أدخل الله علي الإسلام . وكان ابن الناطور، صاحب إيلياء وهرقُلْ، أسقفا على نصارى الشأم، يحدث أن هرقُلْ حين قدم إيلياء، أصبح يومَا خبيث النفس، فقال بعض بطارقته : قد استنكرنا هيئتك، قال ابن الناطور : وكان هرقُلْ حزاء ينظر في النجوم، فقال لهم حين سألوه : إني رأيت الليلة حين نظرت في النجوم ملك الختان قد ظهر، فمن يختتن من هذه الأمة ؟ قالوا : ليس يختتن إلا اليهود، فلا يهمنك شأنهم، واكتب إلى مداين ملكك، فيقتلوا من فيهم من اليهود، فبينما هم على أمرهم، أتى هرقُلْ برجلٌ أرسل به ملك غسان يخبر عن خبر رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فلما استخبره هرقُلْ قال : اذهبوا فانظروا أمختتن هو أم لا ؟ فنظروا إليه، فحدثوه أنه مختتن، وسأله عن العرب، فقال : هم يختتنون، فقال هرقُلْ : هذا ملك هذه الأمة قد ظهر . ثم كتب هرقُلْ إلى صاحب له برومية، وكان نظيره في العلم، وسار هرقُلْ إلى حمص، فلم يرم حمص حتى أتاه كتاب من صاحبه يوافق رأي هرقُلْ على خروج النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وأنه نبي، فأذن هرقُلْ لعظماء الروم في دسكرة له بحمص، ثم أمر بأبوابها فغلقت، ثم اطلع فقال : يا معشر الروم، هل لكم في الفلاح والرشد، وأن يثبت ملككم فتبايعوا هذا النبي ؟ فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب، فوجدوها قد غلقت، فلما رأى هرقُلْ نفرتهم، وأيس من الإيمان، قال : ردوهم علي، وقال : إني قُلْت مقالتْي آنفا أختبر بها شدتكم على دينكم، فقد رأيت، فسجدوا له ورضوا عنه، فكان ذلك آخر شأن هرقُلْ .
أن أبا سفيانَ بنَ حربٍ أخبَره : أن هِرَقْلَ أرسَل إليه في رَكْبٍ من قريشٍ، وكانوا تُجَّارًا بالشأمِ، في المدةِ التي كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مادَّ فيها أبا سفيانَ وكفارَ قريشٍ، فأتَوه وهم بإيلياءَ، فدعاهم في مجلسِه، وحولَه عُظَماءُ الرُّومِ، ثم دعاهم ودعا بتَرجُمانِه، فقال : أيُّكم أقربُ نسَبًا بهذا الرجلِ الذي يزعُمُ أنه نبيٌّ ؟ فقال أبو سفيانَ : فقُلْتُ أنا أقربُهم نسَبًا، فقال : أدنوه مني، وقرِّبوا أصحابَه فاجعلوهم عِندَ ظهرِه، ثم قال لتَرجُمانِه : قُلْ لهم إني سائلٌ عن هذا الرجلِ، فإن كذَبَني فكذِّبوه، فواللهِ لولا الحياءُ من أن يأثِروا عليَّ كذِبًا لكَذَبْتُ عنه . ثم كان أولَ ما سألني عنه أن قال : كيفَ نسَبُه فيكم ؟ قُلْتُ : هو فينا ذو نسَبٍ . قال : فهل قال هذا القولَ منكم أحدٌ قَطُّ قبلَه ؟ قُلْتُ : لا . قال : فهل كان من آبائِه من مَلِكٍ ؟ قُلْتُ : لا . قال : فأشرافُ الناسِ يتَّبِعونه أم ضعفاؤهم ؟ فقُلْتُ : بل ضعفاؤهم . قال : أيَزيدون أم يَنقُصون ؟ قُلْتُ : بل يَزيدون . قال : فهل يرتَدُّ أحدٌ منهم سَخطَةً لدِينِه بعد أن يدخُلَ فيه ؟ قُلْتُ : لا . قال : فهل كنتُم تتهِمونه بالكذِبِ قبلَ أن يقولَ ما قال ؟ قُلْتُ : لا . قال : فهل يَغدِرُ ؟ قُلْتُ : لا، ونحن منه في مُدَّةٍ لا ندري ما هو فاعلٌ فيها . قال : ولم تُمكِنِّي كلمةٌ أُدخِلُ فيها شيئًا غيرَ هذه الكلمةِ . قال : فهل قاتلتُموه ؟ قُلْتُ : نعم . قال : فكيفَ كان قتالُكم إياه ؟ قُلْتُ : الحربُ بيننا وبينه سِجالٌ، يَنال منا ونَنال منه . قال : ماذا يأمُرُكم ؟ قُلْتُ : يقولُ : اعبُدوا اللهَ وحدَه ولا تُشرِكوا به شيئًا، واترُكوا ما يقولُ آباؤكم، ويأمُرُنا بالصلاةِ والصِّدقِ والعَفافِ والصِّلةِ . فقال للتَّرجُمانِ : قُلْ له : سَألتُك عن نسَبِه فذكَرتَ أنه فيكم ذو نسَبٍ، فكذلك الرسُلُ تُبعَثُ في نسَبِ قومِها . وسَألتُك هل قال أحدٌ منكم هذا القولَ، فذكَرْتَ أن لا، فقُلْتُ لو كان أحدٌ قال هذا القولَ قبلَه، لقُلْتُ رجلٌ يأتَسي بقولٍ قيلَ قبلَه . وسَألتُك هل كان من آبائِه من ملِكٍ، فذكَرْتَ أن لا، قُلْتُ : فلو كان من آبائِه من ملِكٍ، قُلْتُ رجلٌ يطلُبُ مُلكَ أبيه . وسَألتُك هل كنتُم تتهِمونه بالكذبِ قبلَ أن يقولَ ما قال، فذكَرْتَ أن لا، فقد أعرِفُ أنه لم يكُن لِيَذَرَ الكذبَ على الناسِ ويكذِبَ على اللهِ . وسَألتُك أشرافُ الناسِ اتبَعوه أم ضعفاؤهم، فذكَرْتَ أن ضعفاءَهم اتبَعوه، وهم أتباعُ الرسُلِ، وسَألتُك أيَزيدون أم يَنقُصون، فذكَرْتَ أنهم يَزيدون، وكذلك أمرُ الإيمانِ حتى يَتِمَّ . وسَألتُك أيَرتَدُّ أحدٌ سَخطَةً لدِينِه بعد أن يدخُلَ فيه، فذكَرتَ أن لا، وكذلك الإيمانُ حين تُخالِطُ بَشاشَتُه القُلوبَ . وسَألتُك هل يَغدِرُ، فذكَرْتَ أن لا، وكذلك الرسُلُ لا تَغدِرُ . وسَألتُك بما يأمُرُكم، فذكَرْتَ أنه يأمُرُكم أن تعبُدوا اللهَ ولا تُشرِكوا به شيئًا، ويَنهاكم عن عبادةِ الأوثانِ ، ويأمُرُكم بالصلاةِ والصدقِ والعَفافِ، فإن كان ما تقولُ حقًّا فسيَملِكُ موضِعَ قدميَّ هاتين، وقد كنتُ أعلمُ أنه خارجٌ، لم أكن أظنُّ أنه منكم، فلو أني أعلمُ أني أخلُصُ إليه، لتَجَشَّمْتُ لقاءَه، ولو كنتُ عِندَه لغسَلْتُ عن قدمِه . ثم دعا بكتابِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الذي بعَث به دِحيَةُ إلى عظيمِ بُصرَى، فدفَعه إلى هِرَقْلَ، فقرَأه، فإذا فيه : بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ، من محمدٍ عبدِ اللهِ ورسولِه إلى هِرَقْلَ عظيمِ الرومِ : سلامٌ على من اتبَعَ الهدَى، أما بعدُ، فإني أدعوك بدِعايَةِ الإسلامِ، أسلِمْ تسلَمْ، يُؤتِكَ اللهُ أجرَك مرتين، فإن توَلَّيْتَ فإن عليك إثمَ الأرِيسِيِّين، و: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ قال أبو سفيانَ : فلما قال ما قال، وفرَغ من قراءةِ الكتابِ، كَثُرَ عِندَه الصَّخَبُ وارتفَعَتِ الأصواتُ وأُخرِجْنا، فقُلْتُ لأصحابي حين أُخرِجْنا : لقد أَمِرَ ابن أبي كبشة، إنه يخافه ملك بني الأصفر . فما زلت موقنا أنه سيظهر حتى أدخل الله علي الإسلام . وكان ابن الناطور، صاحب إيلياء وهرقُلْ، أسقفا على نصارى الشأم، يحدث أن هرقُلْ حين قدم إيلياء، أصبح يومَا خبيث النفس، فقال بعض بطارقته : قد استنكرنا هيئتك، قال ابن الناطور : وكان هرقُلْ حزاء ينظر في النجوم، فقال لهم حين سألوه : إني رأيت الليلة حين نظرت في النجوم ملك الختان قد ظهر، فمن يختتن من هذه الأمة ؟ قالوا : ليس يختتن إلا اليهود، فلا يهمنك شأنهم، واكتب إلى مداين ملكك، فيقتلوا من فيهم من اليهود، فبينما هم على أمرهم، أتى هرقُلْ برجلٌ أرسل به ملك غسان يخبر عن خبر رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فلما استخبره هرقُلْ قال : اذهبوا فانظروا أمختتن هو أم لا ؟ فنظروا إليه، فحدثوه أنه مختتن، وسأله عن العرب، فقال : هم يختتنون، فقال هرقُلْ : هذا ملك هذه الأمة قد ظهر . ثم كتب هرقُلْ إلى صاحب له برومية، وكان نظيره في العلم، وسار هرقُلْ إلى حمص، فلم يرم حمص حتى أتاه كتاب من صاحبه يوافق رأي هرقُلْ على خروج النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وأنه نبي، فأذن هرقُلْ لعظماء الروم في دسكرة له بحمص، ثم أمر بأبوابها فغلقت، ثم اطلع فقال : يا معشر الروم، هل لكم في الفلاح والرشد، وأن يثبت ملككم فتبايعوا هذا النبي ؟ فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب، فوجدوها قد غلقت، فلما رأى هرقُلْ نفرتهم، وأيس من الإيمان، قال : ردوهم علي، وقال : إني قُلْت مقالتْي آنفا أختبر بها شدتكم على دينكم، فقد رأيت، فسجدوا له ورضوا عنه، فكان ذلك آخر شأن هرقُلْ .
أن أبا سفيانَ بنَ حربٍ أخبَره : أن هِرَقْلَ أرسَل إليه في رَكْبٍ من قريشٍ، وكانوا تُجَّارًا بالشأمِ، في المدةِ التي كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مادَّ فيها أبا سفيانَ وكفارَ قريشٍ، فأتَوه وهم بإيلياءَ، فدعاهم في مجلسِه، وحولَه عُظَماءُ الرُّومِ، ثم دعاهم ودعا بتَرجُمانِه، فقال : أيُّكم أقربُ نسَبًا بهذا الرجلِ الذي يزعُمُ أنه نبيٌّ ؟ فقال أبو سفيانَ : فقُلْتُ أنا أقربُهم نسَبًا، فقال : أدنوه مني، وقرِّبوا أصحابَه فاجعلوهم عِندَ ظهرِه، ثم قال لتَرجُمانِه : قُلْ لهم إني سائلٌ عن هذا الرجلِ، فإن كذَبَني فكذِّبوه، فواللهِ لولا الحياءُ من أن يأثِروا عليَّ كذِبًا لكَذَبْتُ عنه . ثم كان أولَ ما سألني عنه أن قال : كيفَ نسَبُه فيكم ؟ قُلْتُ : هو فينا ذو نسَبٍ . قال : فهل قال هذا القولَ منكم أحدٌ قَطُّ قبلَه ؟ قُلْتُ : لا . قال : فهل كان من آبائِه من مَلِكٍ ؟ قُلْتُ : لا . قال : فأشرافُ الناسِ يتَّبِعونه أم ضعفاؤهم ؟ فقُلْتُ : بل ضعفاؤهم . قال : أيَزيدون أم يَنقُصون ؟ قُلْتُ : بل يَزيدون . قال : فهل يرتَدُّ أحدٌ منهم سَخطَةً لدِينِه بعد أن يدخُلَ فيه ؟ قُلْتُ : لا . قال : فهل كنتُم تتهِمونه بالكذِبِ قبلَ أن يقولَ ما قال ؟ قُلْتُ : لا . قال : فهل يَغدِرُ ؟ قُلْتُ : لا، ونحن منه في مُدَّةٍ لا ندري ما هو فاعلٌ فيها . قال : ولم تُمكِنِّي كلمةٌ أُدخِلُ فيها شيئًا غيرَ هذه الكلمةِ . قال : فهل قاتلتُموه ؟ قُلْتُ : نعم . قال : فكيفَ كان قتالُكم إياه ؟ قُلْتُ : الحربُ بيننا وبينه سِجالٌ، يَنال منا ونَنال منه . قال : ماذا يأمُرُكم ؟ قُلْتُ : يقولُ : اعبُدوا اللهَ وحدَه ولا تُشرِكوا به شيئًا، واترُكوا ما يقولُ آباؤكم، ويأمُرُنا بالصلاةِ والصِّدقِ والعَفافِ والصِّلةِ . فقال للتَّرجُمانِ : قُلْ له : سَألتُك عن نسَبِه فذكَرتَ أنه فيكم ذو نسَبٍ، فكذلك الرسُلُ تُبعَثُ في نسَبِ قومِها . وسَألتُك هل قال أحدٌ منكم هذا القولَ، فذكَرْتَ أن لا، فقُلْتُ لو كان أحدٌ قال هذا القولَ قبلَه، لقُلْتُ رجلٌ يأتَسي بقولٍ قيلَ قبلَه . وسَألتُك هل كان من آبائِه من ملِكٍ، فذكَرْتَ أن لا، قُلْتُ : فلو كان من آبائِه من ملِكٍ، قُلْتُ رجلٌ يطلُبُ مُلكَ أبيه . وسَألتُك هل كنتُم تتهِمونه بالكذبِ قبلَ أن يقولَ ما قال، فذكَرْتَ أن لا، فقد أعرِفُ أنه لم يكُن لِيَذَرَ الكذبَ على الناسِ ويكذِبَ على اللهِ . وسَألتُك أشرافُ الناسِ اتبَعوه أم ضعفاؤهم، فذكَرْتَ أن ضعفاءَهم اتبَعوه، وهم أتباعُ الرسُلِ، وسَألتُك أيَزيدون أم يَنقُصون، فذكَرْتَ أنهم يَزيدون، وكذلك أمرُ الإيمانِ حتى يَتِمَّ . وسَألتُك أيَرتَدُّ أحدٌ سَخطَةً لدِينِه بعد أن يدخُلَ فيه، فذكَرتَ أن لا، وكذلك الإيمانُ حين تُخالِطُ بَشاشَتُه القُلوبَ . وسَألتُك هل يَغدِرُ، فذكَرْتَ أن لا، وكذلك الرسُلُ لا تَغدِرُ . وسَألتُك بما يأمُرُكم، فذكَرْتَ أنه يأمُرُكم أن تعبُدوا اللهَ ولا تُشرِكوا به شيئًا، ويَنهاكم عن عبادةِ الأوثانِ، ويأمُرُكم بالصلاةِ والصدقِ والعَفافِ، فإن كان ما تقولُ حقًّا فسيَملِكُ موضِعَ قدميَّ هاتين، وقد كنتُ أعلمُ أنه خارجٌ، لم أكن أظنُّ أنه منكم، فلو أني أعلمُ أني أخلُصُ إليه، لتَجَشَّمْتُ لقاءَه، ولو كنتُ عِندَه لغسَلْتُ عن قدمِه . ثم دعا بكتابِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الذي بعَث به دِحيَةُ إلى عظيمِ بُصرَى، فدفَعه إلى هِرَقْلَ، فقرَأه، فإذا فيه : بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ، من محمدٍ عبدِ اللهِ ورسولِه إلى هِرَقْلَ عظيمِ الرومِ : سلامٌ على من اتبَعَ الهدَى، أما بعدُ، فإني أدعوك بدِعايَةِ الإسلامِ، أسلِمْ تسلَمْ، يُؤتِكَ اللهُ أجرَك مرتين، فإن توَلَّيْتَ فإن عليك إثمَ الأرِيسِيِّين، و: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ قال أبو سفيانَ : فلما قال ما قال، وفرَغ من قراءةِ الكتابِ، كَثُرَ عِندَه الصَّخَبُ وارتفَعَتِ الأصواتُ وأُخرِجْنا، فقُلْتُ لأصحابي حين أُخرِجْنا : لقد أَمِرَ ابن أبي كبشة، إنه يخافه ملك بني الأصفر . فما زلت موقنا أنه سيظهر حتى أدخل الله علي الإسلام . وكان ابن الناطور، صاحب إيلياء وهرقُلْ، أسقفا على نصارى الشأم، يحدث أن هرقُلْ حين قدم إيلياء، أصبح يومَا خبيث النفس، فقال بعض بطارقته : قد استنكرنا هيئتك، قال ابن الناطور : وكان هرقُلْ حزاء ينظر في النجوم، فقال لهم حين سألوه : إني رأيت الليلة حين نظرت في النجوم ملك الختان قد ظهر، فمن يختتن من هذه الأمة ؟ قالوا : ليس يختتن إلا اليهود، فلا يهمنك شأنهم، واكتب إلى مداين ملكك، فيقتلوا من فيهم من اليهود، فبينما هم على أمرهم، أتى هرقُلْ برجلٌ أرسل به ملك غسان يخبر عن خبر رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فلما استخبره هرقُلْ قال : اذهبوا فانظروا أمختتن هو أم لا ؟ فنظروا إليه، فحدثوه أنه مختتن، وسأله عن العرب، فقال : هم يختتنون، فقال هرقُلْ : هذا ملك هذه الأمة قد ظهر . ثم كتب هرقُلْ إلى صاحب له برومية، وكان نظيره في العلم، وسار هرقُلْ إلى حمص، فلم يرم حمص حتى أتاه كتاب من صاحبه يوافق رأي هرقُلْ على خروج النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وأنه نبي، فأذن هرقُلْ لعظماء الروم في دسكرة له بحمص، ثم أمر بأبوابها فغلقت، ثم اطلع فقال : يا معشر الروم، هل لكم في الفلاح والرشد، وأن يثبت ملككم فتبايعوا هذا النبي ؟ فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب، فوجدوها قد غلقت، فلما رأى هرقُلْ نفرتهم، وأيس من الإيمان، قال : ردوهم علي، وقال : إني قُلْت مقالتْي آنفا أختبر بها شدتكم على دينكم، فقد رأيت، فسجدوا له ورضوا عنه، فكان ذلك آخر شأن هرقُلْ .
أن أبا سفيانَ بنَ حربٍ أخبَره : أن هِرَقْلَ أرسَل إليه في رَكْبٍ من قريشٍ، وكانوا تُجَّارًا بالشأمِ، في المدةِ التي كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مادَّ فيها أبا سفيانَ وكفارَ قريشٍ، فأتَوه وهم بإيلياءَ، فدعاهم في مجلسِه، وحولَه عُظَماءُ الرُّومِ، ثم دعاهم ودعا بتَرجُمانِه، فقال : أيُّكم أقربُ نسَبًا بهذا الرجلِ الذي يزعُمُ أنه نبيٌّ ؟ فقال أبو سفيانَ : فقُلْتُ أنا أقربُهم نسَبًا، فقال : أدنوه مني، وقرِّبوا أصحابَه فاجعلوهم عِندَ ظهرِه، ثم قال لتَرجُمانِه : قُلْ لهم إني سائلٌ عن هذا الرجلِ، فإن كذَبَني فكذِّبوه، فواللهِ لولا الحياءُ من أن يأثِروا عليَّ كذِبًا لكَذَبْتُ عنه . ثم كان أولَ ما سألني عنه أن قال : كيفَ نسَبُه فيكم ؟ قُلْتُ : هو فينا ذو نسَبٍ . قال : فهل قال هذا القولَ منكم أحدٌ قَطُّ قبلَه ؟ قُلْتُ : لا . قال : فهل كان من آبائِه من مَلِكٍ ؟ قُلْتُ : لا . قال : فأشرافُ الناسِ يتَّبِعونه أم ضعفاؤهم ؟ فقُلْتُ : بل ضعفاؤهم . قال : أيَزيدون أم يَنقُصون ؟ قُلْتُ : بل يَزيدون . قال : فهل يرتَدُّ أحدٌ منهم سَخطَةً لدِينِه بعد أن يدخُلَ فيه ؟ قُلْتُ : لا . قال : فهل كنتُم تتهِمونه بالكذِبِ قبلَ أن يقولَ ما قال ؟ قُلْتُ : لا . قال : فهل يَغدِرُ ؟ قُلْتُ : لا، ونحن منه في مُدَّةٍ لا ندري ما هو فاعلٌ فيها . قال : ولم تُمكِنِّي كلمةٌ أُدخِلُ فيها شيئًا غيرَ هذه الكلمةِ . قال : فهل قاتلتُموه ؟ قُلْتُ : نعم . قال : فكيفَ كان قتالُكم إياه ؟ قُلْتُ : الحربُ بيننا وبينه سِجالٌ، يَنال منا ونَنال منه . قال : ماذا يأمُرُكم ؟ قُلْتُ : يقولُ : اعبُدوا اللهَ وحدَه ولا تُشرِكوا به شيئًا، واترُكوا ما يقولُ آباؤكم، ويأمُرُنا بالصلاةِ والصِّدقِ والعَفافِ والصِّلةِ . فقال للتَّرجُمانِ : قُلْ له : سَألتُك عن نسَبِه فذكَرتَ أنه فيكم ذو نسَبٍ، فكذلك الرسُلُ تُبعَثُ في نسَبِ قومِها . وسَألتُك هل قال أحدٌ منكم هذا القولَ، فذكَرْتَ أن لا، فقُلْتُ لو كان أحدٌ قال هذا القولَ قبلَه، لقُلْتُ رجلٌ يأتَسي بقولٍ قيلَ قبلَه . وسَألتُك هل كان من آبائِه من ملِكٍ، فذكَرْتَ أن لا، قُلْتُ : فلو كان من آبائِه من ملِكٍ، قُلْتُ رجلٌ يطلُبُ مُلكَ أبيه . وسَألتُك هل كنتُم تتهِمونه بالكذبِ قبلَ أن يقولَ ما قال، فذكَرْتَ أن لا، فقد أعرِفُ أنه لم يكُن لِيَذَرَ الكذبَ على الناسِ ويكذِبَ على اللهِ . وسَألتُك أشرافُ الناسِ اتبَعوه أم ضعفاؤهم، فذكَرْتَ أن ضعفاءَهم اتبَعوه، وهم أتباعُ الرسُلِ، وسَألتُك أيَزيدون أم يَنقُصون، فذكَرْتَ أنهم يَزيدون، وكذلك أمرُ الإيمانِ حتى يَتِمَّ . وسَألتُك أيَرتَدُّ أحدٌ سَخطَةً لدِينِه بعد أن يدخُلَ فيه، فذكَرتَ أن لا، وكذلك الإيمانُ حين تُخالِطُ بَشاشَتُه القُلوبَ . وسَألتُك هل يَغدِرُ، فذكَرْتَ أن لا، وكذلك الرسُلُ لا تَغدِرُ . وسَألتُك بما يأمُرُكم، فذكَرْتَ أنه يأمُرُكم أن تعبُدوا اللهَ ولا تُشرِكوا به شيئًا، ويَنهاكم عن عبادةِ الأوثانِ، ويأمُرُكم بالصلاةِ والصدقِ والعَفافِ، فإن كان ما تقولُ حقًّا فسيَملِكُ موضِعَ قدميَّ هاتين، وقد كنتُ أعلمُ أنه خارجٌ، لم أكن أظنُّ أنه منكم، فلو أني أعلمُ أني أخلُصُ إليه، لتَجَشَّمْتُ لقاءَه، ولو كنتُ عِندَه لغسَلْتُ عن قدمِه . ثم دعا بكتابِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الذي بعَث به دِحيَةُ إلى عظيمِ بُصرَى، فدفَعه إلى هِرَقْلَ، فقرَأه، فإذا فيه : بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ، من محمدٍ عبدِ اللهِ ورسولِه إلى هِرَقْلَ عظيمِ الرومِ : سلامٌ على من اتبَعَ الهدَى، أما بعدُ، فإني أدعوك بدِعايَةِ الإسلامِ، أسلِمْ تسلَمْ، يُؤتِكَ اللهُ أجرَك مرتين، فإن توَلَّيْتَ فإن عليك إثمَ الأرِيسِيِّين، و: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ قال أبو سفيانَ : فلما قال ما قال، وفرَغ من قراءةِ الكتابِ، كَثُرَ عِندَه الصَّخَبُ وارتفَعَتِ الأصواتُ وأُخرِجْنا، فقُلْتُ لأصحابي حين أُخرِجْنا : لقد أَمِرَ ابن أبي كبشة، إنه يخافه ملك بني الأصفر . فما زلت موقنا أنه سيظهر حتى أدخل الله علي الإسلام . وكان ابن الناطور، صاحب إيلياء وهرقُلْ، أسقفا على نصارى الشأم، يحدث أن هرقُلْ حين قدم إيلياء، أصبح يومَا خبيث النفس، فقال بعض بطارقته : قد استنكرنا هيئتك، قال ابن الناطور : وكان هرقُلْ حزاء ينظر في النجوم، فقال لهم حين سألوه : إني رأيت الليلة حين نظرت في النجوم ملك الختان قد ظهر، فمن يختتن من هذه الأمة ؟ قالوا : ليس يختتن إلا اليهود، فلا يهمنك شأنهم، واكتب إلى مداين ملكك، فيقتلوا من فيهم من اليهود، فبينما هم على أمرهم، أتى هرقُلْ برجلٌ أرسل به ملك غسان يخبر عن خبر رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فلما استخبره هرقُلْ قال : اذهبوا فانظروا أمختتن هو أم لا ؟ فنظروا إليه، فحدثوه أنه مختتن، وسأله عن العرب، فقال : هم يختتنون، فقال هرقُلْ : هذا ملك هذه الأمة قد ظهر . ثم كتب هرقُلْ إلى صاحب له برومية، وكان نظيره في العلم، وسار هرقُلْ إلى حمص ، فلم يرم حمص حتى أتاه كتاب من صاحبه يوافق رأي هرقُلْ على خروج النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وأنه نبي، فأذن هرقُلْ لعظماء الروم في دسكرة له بحمص، ثم أمر بأبوابها فغلقت، ثم اطلع فقال : يا معشر الروم، هل لكم في الفلاح والرشد، وأن يثبت ملككم فتبايعوا هذا النبي ؟ فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب، فوجدوها قد غلقت، فلما رأى هرقُلْ نفرتهم، وأيس من الإيمان، قال : ردوهم علي، وقال : إني قُلْت مقالتْي آنفا أختبر بها شدتكم على دينكم، فقد رأيت، فسجدوا له ورضوا عنه، فكان ذلك آخر شأن هرقُلْ .
أن أبا سفيانَ بنَ حربٍ أخبَره : أن هِرَقْلَ أرسَل إليه في رَكْبٍ من قريشٍ، وكانوا تُجَّارًا بالشأمِ، في المدةِ التي كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مادَّ فيها أبا سفيانَ وكفارَ قريشٍ، فأتَوه وهم بإيلياءَ، فدعاهم في مجلسِه، وحولَه عُظَماءُ الرُّومِ، ثم دعاهم ودعا بتَرجُمانِه، فقال : أيُّكم أقربُ نسَبًا بهذا الرجلِ الذي يزعُمُ أنه نبيٌّ ؟ فقال أبو سفيانَ : فقُلْتُ أنا أقربُهم نسَبًا، فقال : أدنوه مني، وقرِّبوا أصحابَه فاجعلوهم عِندَ ظهرِه، ثم قال لتَرجُمانِه : قُلْ لهم إني سائلٌ عن هذا الرجلِ، فإن كذَبَني فكذِّبوه، فواللهِ لولا الحياءُ من أن يأثِروا عليَّ كذِبًا لكَذَبْتُ عنه . ثم كان أولَ ما سألني عنه أن قال : كيفَ نسَبُه فيكم ؟ قُلْتُ : هو فينا ذو نسَبٍ . قال : فهل قال هذا القولَ منكم أحدٌ قَطُّ قبلَه ؟ قُلْتُ : لا . قال : فهل كان من آبائِه من مَلِكٍ ؟ قُلْتُ : لا . قال : فأشرافُ الناسِ يتَّبِعونه أم ضعفاؤهم ؟ فقُلْتُ : بل ضعفاؤهم . قال : أيَزيدون أم يَنقُصون ؟ قُلْتُ : بل يَزيدون . قال : فهل يرتَدُّ أحدٌ منهم سَخطَةً لدِينِه بعد أن يدخُلَ فيه ؟ قُلْتُ : لا . قال : فهل كنتُم تتهِمونه بالكذِبِ قبلَ أن يقولَ ما قال ؟ قُلْتُ : لا . قال : فهل يَغدِرُ ؟ قُلْتُ : لا، ونحن منه في مُدَّةٍ لا ندري ما هو فاعلٌ فيها . قال : ولم تُمكِنِّي كلمةٌ أُدخِلُ فيها شيئًا غيرَ هذه الكلمةِ . قال : فهل قاتلتُموه ؟ قُلْتُ : نعم . قال : فكيفَ كان قتالُكم إياه ؟ قُلْتُ : الحربُ بيننا وبينه سِجالٌ، يَنال منا ونَنال منه . قال : ماذا يأمُرُكم ؟ قُلْتُ : يقولُ : اعبُدوا اللهَ وحدَه ولا تُشرِكوا به شيئًا، واترُكوا ما يقولُ آباؤكم، ويأمُرُنا بالصلاةِ والصِّدقِ والعَفافِ والصِّلةِ . فقال للتَّرجُمانِ : قُلْ له : سَألتُك عن نسَبِه فذكَرتَ أنه فيكم ذو نسَبٍ، فكذلك الرسُلُ تُبعَثُ في نسَبِ قومِها . وسَألتُك هل قال أحدٌ منكم هذا القولَ، فذكَرْتَ أن لا، فقُلْتُ لو كان أحدٌ قال هذا القولَ قبلَه، لقُلْتُ رجلٌ يأتَسي بقولٍ قيلَ قبلَه . وسَألتُك هل كان من آبائِه من ملِكٍ، فذكَرْتَ أن لا، قُلْتُ : فلو كان من آبائِه من ملِكٍ، قُلْتُ رجلٌ يطلُبُ مُلكَ أبيه . وسَألتُك هل كنتُم تتهِمونه بالكذبِ قبلَ أن يقولَ ما قال، فذكَرْتَ أن لا، فقد أعرِفُ أنه لم يكُن لِيَذَرَ الكذبَ على الناسِ ويكذِبَ على اللهِ . وسَألتُك أشرافُ الناسِ اتبَعوه أم ضعفاؤهم، فذكَرْتَ أن ضعفاءَهم اتبَعوه، وهم أتباعُ الرسُلِ، وسَألتُك أيَزيدون أم يَنقُصون، فذكَرْتَ أنهم يَزيدون، وكذلك أمرُ الإيمانِ حتى يَتِمَّ . وسَألتُك أيَرتَدُّ أحدٌ سَخطَةً لدِينِه بعد أن يدخُلَ فيه، فذكَرتَ أن لا، وكذلك الإيمانُ حين تُخالِطُ بَشاشَتُه القُلوبَ . وسَألتُك هل يَغدِرُ، فذكَرْتَ أن لا، وكذلك الرسُلُ لا تَغدِرُ . وسَألتُك بما يأمُرُكم، فذكَرْتَ أنه يأمُرُكم أن تعبُدوا اللهَ ولا تُشرِكوا به شيئًا، ويَنهاكم عن عبادةِ الأوثانِ، ويأمُرُكم بالصلاةِ والصدقِ والعَفافِ، فإن كان ما تقولُ حقًّا فسيَملِكُ موضِعَ قدميَّ هاتين، وقد كنتُ أعلمُ أنه خارجٌ، لم أكن أظنُّ أنه منكم، فلو أني أعلمُ أني أخلُصُ إليه، لتَجَشَّمْتُ لقاءَه، ولو كنتُ عِندَه لغسَلْتُ عن قدمِه . ثم دعا بكتابِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الذي بعَث به دِحيَةُ إلى عظيمِ بُصرَى، فدفَعه إلى هِرَقْلَ، فقرَأه، فإذا فيه : بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ، من محمدٍ عبدِ اللهِ ورسولِه إلى هِرَقْلَ عظيمِ الرومِ : سلامٌ على من اتبَعَ الهدَى، أما بعدُ، فإني أدعوك بدِعايَةِ الإسلامِ، أسلِمْ تسلَمْ، يُؤتِكَ اللهُ أجرَك مرتين، فإن توَلَّيْتَ فإن عليك إثمَ الأرِيسِيِّين، و: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ قال أبو سفيانَ : فلما قال ما قال، وفرَغ من قراءةِ الكتابِ، كَثُرَ عِندَه الصَّخَبُ وارتفَعَتِ الأصواتُ وأُخرِجْنا، فقُلْتُ لأصحابي حين أُخرِجْنا : لقد أَمِرَ ابن أبي كبشة، إنه يخافه ملك بني الأصفر . فما زلت موقنا أنه سيظهر حتى أدخل الله علي الإسلام . وكان ابن الناطور، صاحب إيلياء وهرقُلْ، أسقفا على نصارى الشأم، يحدث أن هرقُلْ حين قدم إيلياء، أصبح يومَا خبيث النفس، فقال بعض بطارقته : قد استنكرنا هيئتك، قال ابن الناطور : وكان هرقُلْ حزاء ينظر في النجوم، فقال لهم حين سألوه : إني رأيت الليلة حين نظرت في النجوم ملك الختان قد ظهر، فمن يختتن من هذه الأمة ؟ قالوا : ليس يختتن إلا اليهود، فلا يهمنك شأنهم، واكتب إلى مداين ملكك، فيقتلوا من فيهم من اليهود، فبينما هم على أمرهم، أتى هرقُلْ برجلٌ أرسل به ملك غسان يخبر عن خبر رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فلما استخبره هرقُلْ قال : اذهبوا فانظروا أمختتن هو أم لا ؟ فنظروا إليه، فحدثوه أنه مختتن، وسأله عن العرب ، فقال : هم يختتنون، فقال هرقُلْ : هذا ملك هذه الأمة قد ظهر . ثم كتب هرقُلْ إلى صاحب له برومية، وكان نظيره في العلم، وسار هرقُلْ إلى حمص، فلم يرم حمص حتى أتاه كتاب من صاحبه يوافق رأي هرقُلْ على خروج النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وأنه نبي، فأذن هرقُلْ لعظماء الروم في دسكرة له بحمص، ثم أمر بأبوابها فغلقت، ثم اطلع فقال : يا معشر الروم، هل لكم في الفلاح والرشد، وأن يثبت ملككم فتبايعوا هذا النبي ؟ فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب، فوجدوها قد غلقت، فلما رأى هرقُلْ نفرتهم، وأيس من الإيمان، قال : ردوهم علي، وقال : إني قُلْت مقالتْي آنفا أختبر بها شدتكم على دينكم، فقد رأيت، فسجدوا له ورضوا عنه، فكان ذلك آخر شأن هرقُلْ .
أن أبا سفيانَ بنَ حربٍ أخبَره : أن هِرَقْلَ أرسَل إليه في رَكْبٍ من قريشٍ، وكانوا تُجَّارًا بالشأمِ، في المدةِ التي كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مادَّ فيها أبا سفيانَ وكفارَ قريشٍ، فأتَوه وهم بإيلياءَ، فدعاهم في مجلسِه، وحولَه عُظَماءُ الرُّومِ، ثم دعاهم ودعا بتَرجُمانِه، فقال : أيُّكم أقربُ نسَبًا بهذا الرجلِ الذي يزعُمُ أنه نبيٌّ ؟ فقال أبو سفيانَ : فقُلْتُ أنا أقربُهم نسَبًا، فقال : أدنوه مني، وقرِّبوا أصحابَه فاجعلوهم عِندَ ظهرِه، ثم قال لتَرجُمانِه : قُلْ لهم إني سائلٌ عن هذا الرجلِ، فإن كذَبَني فكذِّبوه، فواللهِ لولا الحياءُ من أن يأثِروا عليَّ كذِبًا لكَذَبْتُ عنه . ثم كان أولَ ما سألني عنه أن قال : كيفَ نسَبُه فيكم ؟ قُلْتُ : هو فينا ذو نسَبٍ . قال : فهل قال هذا القولَ منكم أحدٌ قَطُّ قبلَه ؟ قُلْتُ : لا . قال : فهل كان من آبائِه من مَلِكٍ ؟ قُلْتُ : لا . قال : فأشرافُ الناسِ يتَّبِعونه أم ضعفاؤهم ؟ فقُلْتُ : بل ضعفاؤهم . قال : أيَزيدون أم يَنقُصون ؟ قُلْتُ : بل يَزيدون . قال : فهل يرتَدُّ أحدٌ منهم سَخطَةً لدِينِه بعد أن يدخُلَ فيه ؟ قُلْتُ : لا . قال : فهل كنتُم تتهِمونه بالكذِبِ قبلَ أن يقولَ ما قال ؟ قُلْتُ : لا . قال : فهل يَغدِرُ ؟ قُلْتُ : لا، ونحن منه في مُدَّةٍ لا ندري ما هو فاعلٌ فيها . قال : ولم تُمكِنِّي كلمةٌ أُدخِلُ فيها شيئًا غيرَ هذه الكلمةِ . قال : فهل قاتلتُموه ؟ قُلْتُ : نعم . قال : فكيفَ كان قتالُكم إياه ؟ قُلْتُ : الحربُ بيننا وبينه سِجالٌ، يَنال منا ونَنال منه . قال : ماذا يأمُرُكم ؟ قُلْتُ : يقولُ : اعبُدوا اللهَ وحدَه ولا تُشرِكوا به شيئًا، واترُكوا ما يقولُ آباؤكم، ويأمُرُنا بالصلاةِ والصِّدقِ والعَفافِ والصِّلةِ . فقال للتَّرجُمانِ : قُلْ له : سَألتُك عن نسَبِه فذكَرتَ أنه فيكم ذو نسَبٍ، فكذلك الرسُلُ تُبعَثُ في نسَبِ قومِها . وسَألتُك هل قال أحدٌ منكم هذا القولَ، فذكَرْتَ أن لا، فقُلْتُ لو كان أحدٌ قال هذا القولَ قبلَه، لقُلْتُ رجلٌ يأتَسي بقولٍ قيلَ قبلَه . وسَألتُك هل كان من آبائِه من ملِكٍ، فذكَرْتَ أن لا، قُلْتُ : فلو كان من آبائِه من ملِكٍ، قُلْتُ رجلٌ يطلُبُ مُلكَ أبيه . وسَألتُك هل كنتُم تتهِمونه بالكذبِ قبلَ أن يقولَ ما قال، فذكَرْتَ أن لا، فقد أعرِفُ أنه لم يكُن لِيَذَرَ الكذبَ على الناسِ ويكذِبَ على اللهِ . وسَألتُك أشرافُ الناسِ اتبَعوه أم ضعفاؤهم، فذكَرْتَ أن ضعفاءَهم اتبَعوه، وهم أتباعُ الرسُلِ، وسَألتُك أيَزيدون أم يَنقُصون، فذكَرْتَ أنهم يَزيدون، وكذلك أمرُ الإيمانِ حتى يَتِمَّ . وسَألتُك أيَرتَدُّ أحدٌ سَخطَةً لدِينِه بعد أن يدخُلَ فيه، فذكَرتَ أن لا، وكذلك الإيمانُ حين تُخالِطُ بَشاشَتُه القُلوبَ . وسَألتُك هل يَغدِرُ، فذكَرْتَ أن لا، وكذلك الرسُلُ لا تَغدِرُ . وسَألتُك بما يأمُرُكم، فذكَرْتَ أنه يأمُرُكم أن تعبُدوا اللهَ ولا تُشرِكوا به شيئًا، ويَنهاكم عن عبادةِ الأوثانِ، ويأمُرُكم بالصلاةِ والصدقِ والعَفافِ، فإن كان ما تقولُ حقًّا فسيَملِكُ موضِعَ قدميَّ هاتين، وقد كنتُ أعلمُ أنه خارجٌ، لم أكن أظنُّ أنه منكم، فلو أني أعلمُ أني أخلُصُ إليه، لتَجَشَّمْتُ لقاءَه، ولو كنتُ عِندَه لغسَلْتُ عن قدمِه . ثم دعا بكتابِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الذي بعَث به دِحيَةُ إلى عظيمِ بُصرَى، فدفَعه إلى هِرَقْلَ ، فقرَأه، فإذا فيه : بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ، من محمدٍ عبدِ اللهِ ورسولِه إلى هِرَقْلَ عظيمِ الرومِ : سلامٌ على من اتبَعَ الهدَى، أما بعدُ، فإني أدعوك بدِعايَةِ الإسلامِ، أسلِمْ تسلَمْ، يُؤتِكَ اللهُ أجرَك مرتين، فإن توَلَّيْتَ فإن عليك إثمَ الأرِيسِيِّين، و: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ قال أبو سفيانَ : فلما قال ما قال، وفرَغ من قراءةِ الكتابِ، كَثُرَ عِندَه الصَّخَبُ وارتفَعَتِ الأصواتُ وأُخرِجْنا، فقُلْتُ لأصحابي حين أُخرِجْنا : لقد أَمِرَ ابن أبي كبشة، إنه يخافه ملك بني الأصفر . فما زلت موقنا أنه سيظهر حتى أدخل الله علي الإسلام . وكان ابن الناطور، صاحب إيلياء وهرقُلْ، أسقفا على نصارى الشأم، يحدث أن هرقُلْ حين قدم إيلياء، أصبح يومَا خبيث النفس، فقال بعض بطارقته : قد استنكرنا هيئتك، قال ابن الناطور : وكان هرقُلْ حزاء ينظر في النجوم، فقال لهم حين سألوه : إني رأيت الليلة حين نظرت في النجوم ملك الختان قد ظهر، فمن يختتن من هذه الأمة ؟ قالوا : ليس يختتن إلا اليهود، فلا يهمنك شأنهم، واكتب إلى مداين ملكك، فيقتلوا من فيهم من اليهود، فبينما هم على أمرهم، أتى هرقُلْ برجلٌ أرسل به ملك غسان يخبر عن خبر رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فلما استخبره هرقُلْ قال : اذهبوا فانظروا أمختتن هو أم لا ؟ فنظروا إليه، فحدثوه أنه مختتن، وسأله عن العرب، فقال : هم يختتنون، فقال هرقُلْ : هذا ملك هذه الأمة قد ظهر . ثم كتب هرقُلْ إلى صاحب له برومية، وكان نظيره في العلم، وسار هرقُلْ إلى حمص، فلم يرم حمص حتى أتاه كتاب من صاحبه يوافق رأي هرقُلْ على خروج النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وأنه نبي، فأذن هرقُلْ لعظماء الروم في دسكرة له بحمص، ثم أمر بأبوابها فغلقت، ثم اطلع فقال : يا معشر الروم، هل لكم في الفلاح والرشد، وأن يثبت ملككم فتبايعوا هذا النبي ؟ فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب، فوجدوها قد غلقت، فلما رأى هرقُلْ نفرتهم، وأيس من الإيمان، قال : ردوهم علي، وقال : إني قُلْت مقالتْي آنفا أختبر بها شدتكم على دينكم، فقد رأيت، فسجدوا له ورضوا عنه، فكان ذلك آخر شأن هرقُلْ .
أن أبا سفيانَ بنَ حربٍ أخبَره : أن هِرَقْلَ أرسَل إليه في رَكْبٍ من قريشٍ، وكانوا تُجَّارًا بالشأمِ، في المدةِ التي كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مادَّ فيها أبا سفيانَ وكفارَ قريشٍ، فأتَوه وهم بإيلياءَ، فدعاهم في مجلسِه، وحولَه عُظَماءُ الرُّومِ، ثم دعاهم ودعا بتَرجُمانِه، فقال : أيُّكم أقربُ نسَبًا بهذا الرجلِ الذي يزعُمُ أنه نبيٌّ ؟ فقال أبو سفيانَ : فقُلْتُ أنا أقربُهم نسَبًا، فقال : أدنوه مني، وقرِّبوا أصحابَه فاجعلوهم عِندَ ظهرِه، ثم قال لتَرجُمانِه : قُلْ لهم إني سائلٌ عن هذا الرجلِ، فإن كذَبَني فكذِّبوه، فواللهِ لولا الحياءُ من أن يأثِروا عليَّ كذِبًا لكَذَبْتُ عنه . ثم كان أولَ ما سألني عنه أن قال : كيفَ نسَبُه فيكم ؟ قُلْتُ : هو فينا ذو نسَبٍ . قال : فهل قال هذا القولَ منكم أحدٌ قَطُّ قبلَه ؟ قُلْتُ : لا . قال : فهل كان من آبائِه من مَلِكٍ ؟ قُلْتُ : لا . قال : فأشرافُ الناسِ يتَّبِعونه أم ضعفاؤهم ؟ فقُلْتُ : بل ضعفاؤهم . قال : أيَزيدون أم يَنقُصون ؟ قُلْتُ : بل يَزيدون . قال : فهل يرتَدُّ أحدٌ منهم سَخطَةً لدِينِه بعد أن يدخُلَ فيه ؟ قُلْتُ : لا . قال : فهل كنتُم تتهِمونه بالكذِبِ قبلَ أن يقولَ ما قال ؟ قُلْتُ : لا . قال : فهل يَغدِرُ ؟ قُلْتُ : لا، ونحن منه في مُدَّةٍ لا ندري ما هو فاعلٌ فيها . قال : ولم تُمكِنِّي كلمةٌ أُدخِلُ فيها شيئًا غيرَ هذه الكلمةِ . قال : فهل قاتلتُموه ؟ قُلْتُ : نعم . قال : فكيفَ كان قتالُكم إياه ؟ قُلْتُ : الحربُ بيننا وبينه سِجالٌ، يَنال منا ونَنال منه . قال : ماذا يأمُرُكم ؟ قُلْتُ : يقولُ : اعبُدوا اللهَ وحدَه ولا تُشرِكوا به شيئًا، واترُكوا ما يقولُ آباؤكم، ويأمُرُنا بالصلاةِ والصِّدقِ والعَفافِ والصِّلةِ . فقال للتَّرجُمانِ : قُلْ له : سَألتُك عن نسَبِه فذكَرتَ أنه فيكم ذو نسَبٍ، فكذلك الرسُلُ تُبعَثُ في نسَبِ قومِها . وسَألتُك هل قال أحدٌ منكم هذا القولَ، فذكَرْتَ أن لا، فقُلْتُ لو كان أحدٌ قال هذا القولَ قبلَه، لقُلْتُ رجلٌ يأتَسي بقولٍ قيلَ قبلَه . وسَألتُك هل كان من آبائِه من ملِكٍ، فذكَرْتَ أن لا، قُلْتُ : فلو كان من آبائِه من ملِكٍ، قُلْتُ رجلٌ يطلُبُ مُلكَ أبيه . وسَألتُك هل كنتُم تتهِمونه بالكذبِ قبلَ أن يقولَ ما قال، فذكَرْتَ أن لا، فقد أعرِفُ أنه لم يكُن لِيَذَرَ الكذبَ على الناسِ ويكذِبَ على اللهِ . وسَألتُك أشرافُ الناسِ اتبَعوه أم ضعفاؤهم، فذكَرْتَ أن ضعفاءَهم اتبَعوه، وهم أتباعُ الرسُلِ، وسَألتُك أيَزيدون أم يَنقُصون، فذكَرْتَ أنهم يَزيدون، وكذلك أمرُ الإيمانِ حتى يَتِمَّ . وسَألتُك أيَرتَدُّ أحدٌ سَخطَةً لدِينِه بعد أن يدخُلَ فيه، فذكَرتَ أن لا، وكذلك الإيمانُ حين تُخالِطُ بَشاشَتُه القُلوبَ . وسَألتُك هل يَغدِرُ، فذكَرْتَ أن لا، وكذلك الرسُلُ لا تَغدِرُ . وسَألتُك بما يأمُرُكم، فذكَرْتَ أنه يأمُرُكم أن تعبُدوا اللهَ ولا تُشرِكوا به شيئًا، ويَنهاكم عن عبادةِ الأوثانِ، ويأمُرُكم بالصلاةِ والصدقِ والعَفافِ، فإن كان ما تقولُ حقًّا فسيَملِكُ موضِعَ قدميَّ هاتين، وقد كنتُ أعلمُ أنه خارجٌ، لم أكن أظنُّ أنه منكم، فلو أني أعلمُ أني أخلُصُ إليه، لتَجَشَّمْتُ لقاءَه، ولو كنتُ عِندَه لغسَلْتُ عن قدمِه . ثم دعا بكتابِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الذي بعَث به دِحيَةُ إلى عظيمِ بُصرَى، فدفَعه إلى هِرَقْلَ، فقرَأه، فإذا فيه : بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ، من محمدٍ عبدِ اللهِ ورسولِه إلى هِرَقْلَ عظيمِ الرومِ : سلامٌ على من اتبَعَ الهدَى، أما بعدُ، فإني أدعوك بدِعايَةِ الإسلامِ، أسلِمْ تسلَمْ، يُؤتِكَ اللهُ أجرَك مرتين، فإن توَلَّيْتَ فإن عليك إثمَ الأرِيسِيِّين، و : يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ قال أبو سفيانَ : فلما قال ما قال، وفرَغ من قراءةِ الكتابِ، كَثُرَ عِندَه الصَّخَبُ وارتفَعَتِ الأصواتُ وأُخرِجْنا، فقُلْتُ لأصحابي حين أُخرِجْنا : لقد أَمِرَ ابن أبي كبشة، إنه يخافه ملك بني الأصفر . فما زلت موقنا أنه سيظهر حتى أدخل الله علي الإسلام . وكان ابن الناطور، صاحب إيلياء وهرقُلْ، أسقفا على نصارى الشأم، يحدث أن هرقُلْ حين قدم إيلياء، أصبح يومَا خبيث النفس، فقال بعض بطارقته : قد استنكرنا هيئتك، قال ابن الناطور : وكان هرقُلْ حزاء ينظر في النجوم، فقال لهم حين سألوه : إني رأيت الليلة حين نظرت في النجوم ملك الختان قد ظهر، فمن يختتن من هذه الأمة ؟ قالوا : ليس يختتن إلا اليهود، فلا يهمنك شأنهم، واكتب إلى مداين ملكك، فيقتلوا من فيهم من اليهود، فبينما هم على أمرهم، أتى هرقُلْ برجلٌ أرسل به ملك غسان يخبر عن خبر رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فلما استخبره هرقُلْ قال : اذهبوا فانظروا أمختتن هو أم لا ؟ فنظروا إليه، فحدثوه أنه مختتن، وسأله عن العرب، فقال : هم يختتنون، فقال هرقُلْ : هذا ملك هذه الأمة قد ظهر . ثم كتب هرقُلْ إلى صاحب له برومية، وكان نظيره في العلم، وسار هرقُلْ إلى حمص، فلم يرم حمص حتى أتاه كتاب من صاحبه يوافق رأي هرقُلْ على خروج النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وأنه نبي، فأذن هرقُلْ لعظماء الروم في دسكرة له بحمص، ثم أمر بأبوابها فغلقت، ثم اطلع فقال : يا معشر الروم، هل لكم في الفلاح والرشد، وأن يثبت ملككم فتبايعوا هذا النبي ؟ فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب، فوجدوها قد غلقت، فلما رأى هرقُلْ نفرتهم، وأيس من الإيمان، قال : ردوهم علي، وقال : إني قُلْت مقالتْي آنفا أختبر بها شدتكم على دينكم، فقد رأيت، فسجدوا له ورضوا عنه، فكان ذلك آخر شأن هرقُلْ .
أن أبا سفيانَ بنَ حربٍ أخبَره : أن هِرَقْلَ أرسَل إليه في رَكْبٍ من قريشٍ، وكانوا تُجَّارًا بالشأمِ، في المدةِ التي كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مادَّ فيها أبا سفيانَ وكفارَ قريشٍ، فأتَوه وهم بإيلياءَ، فدعاهم في مجلسِه، وحولَه عُظَماءُ الرُّومِ، ثم دعاهم ودعا بتَرجُمانِه، فقال : أيُّكم أقربُ نسَبًا بهذا الرجلِ الذي يزعُمُ أنه نبيٌّ ؟ فقال أبو سفيانَ : فقُلْتُ أنا أقربُهم نسَبًا، فقال : أدنوه مني، وقرِّبوا أصحابَه فاجعلوهم عِندَ ظهرِه، ثم قال لتَرجُمانِه : قُلْ لهم إني سائلٌ عن هذا الرجلِ، فإن كذَبَني فكذِّبوه، فواللهِ لولا الحياءُ من أن يأثِروا عليَّ كذِبًا لكَذَبْتُ عنه . ثم كان أولَ ما سألني عنه أن قال : كيفَ نسَبُه فيكم ؟ قُلْتُ : هو فينا ذو نسَبٍ . قال : فهل قال هذا القولَ منكم أحدٌ قَطُّ قبلَه ؟ قُلْتُ : لا . قال : فهل كان من آبائِه من مَلِكٍ ؟ قُلْتُ : لا . قال : فأشرافُ الناسِ يتَّبِعونه أم ضعفاؤهم ؟ فقُلْتُ : بل ضعفاؤهم . قال : أيَزيدون أم يَنقُصون ؟ قُلْتُ : بل يَزيدون . قال : فهل يرتَدُّ أحدٌ منهم سَخطَةً لدِينِه بعد أن يدخُلَ فيه ؟ قُلْتُ : لا . قال : فهل كنتُم تتهِمونه بالكذِبِ قبلَ أن يقولَ ما قال ؟ قُلْتُ : لا . قال : فهل يَغدِرُ ؟ قُلْتُ : لا، ونحن منه في مُدَّةٍ لا ندري ما هو فاعلٌ فيها . قال : ولم تُمكِنِّي كلمةٌ أُدخِلُ فيها شيئًا غيرَ هذه الكلمةِ . قال : فهل قاتلتُموه ؟ قُلْتُ : نعم . قال : فكيفَ كان قتالُكم إياه ؟ قُلْتُ : الحربُ بيننا وبينه سِجالٌ، يَنال منا ونَنال منه . قال : ماذا يأمُرُكم ؟ قُلْتُ : يقولُ : اعبُدوا اللهَ وحدَه ولا تُشرِكوا به شيئًا، واترُكوا ما يقولُ آباؤكم، ويأمُرُنا بالصلاةِ والصِّدقِ والعَفافِ والصِّلةِ . فقال للتَّرجُمانِ : قُلْ له : سَألتُك عن نسَبِه فذكَرتَ أنه فيكم ذو نسَبٍ، فكذلك الرسُلُ تُبعَثُ في نسَبِ قومِها . وسَألتُك هل قال أحدٌ منكم هذا القولَ، فذكَرْتَ أن لا، فقُلْتُ لو كان أحدٌ قال هذا القولَ قبلَه، لقُلْتُ رجلٌ يأتَسي بقولٍ قيلَ قبلَه . وسَألتُك هل كان من آبائِه من ملِكٍ ، فذكَرْتَ أن لا، قُلْتُ : فلو كان من آبائِه من ملِكٍ ، قُلْتُ رجلٌ يطلُبُ مُلكَ أبيه . وسَألتُك هل كنتُم تتهِمونه بالكذبِ قبلَ أن يقولَ ما قال، فذكَرْتَ أن لا، فقد أعرِفُ أنه لم يكُن لِيَذَرَ الكذبَ على الناسِ ويكذِبَ على اللهِ . وسَألتُك أشرافُ الناسِ اتبَعوه أم ضعفاؤهم، فذكَرْتَ أن ضعفاءَهم اتبَعوه، وهم أتباعُ الرسُلِ، وسَألتُك أيَزيدون أم يَنقُصون، فذكَرْتَ أنهم يَزيدون، وكذلك أمرُ الإيمانِ حتى يَتِمَّ . وسَألتُك أيَرتَدُّ أحدٌ سَخطَةً لدِينِه بعد أن يدخُلَ فيه، فذكَرتَ أن لا، وكذلك الإيمانُ حين تُخالِطُ بَشاشَتُه القُلوبَ . وسَألتُك هل يَغدِرُ، فذكَرْتَ أن لا، وكذلك الرسُلُ لا تَغدِرُ . وسَألتُك بما يأمُرُكم، فذكَرْتَ أنه يأمُرُكم أن تعبُدوا اللهَ ولا تُشرِكوا به شيئًا، ويَنهاكم عن عبادةِ الأوثانِ، ويأمُرُكم بالصلاةِ والصدقِ والعَفافِ، فإن كان ما تقولُ حقًّا فسيَملِكُ موضِعَ قدميَّ هاتين، وقد كنتُ أعلمُ أنه خارجٌ، لم أكن أظنُّ أنه منكم، فلو أني أعلمُ أني أخلُصُ إليه، لتَجَشَّمْتُ لقاءَه، ولو كنتُ عِندَه لغسَلْتُ عن قدمِه . ثم دعا بكتابِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الذي بعَث به دِحيَةُ إلى عظيمِ بُصرَى، فدفَعه إلى هِرَقْلَ، فقرَأه، فإذا فيه : بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ، من محمدٍ عبدِ اللهِ ورسولِه إلى هِرَقْلَ عظيمِ الرومِ : سلامٌ على من اتبَعَ الهدَى، أما بعدُ، فإني أدعوك بدِعايَةِ الإسلامِ، أسلِمْ تسلَمْ، يُؤتِكَ اللهُ أجرَك مرتين، فإن توَلَّيْتَ فإن عليك إثمَ الأرِيسِيِّين، و: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ قال أبو سفيانَ : فلما قال ما قال، وفرَغ من قراءةِ الكتابِ، كَثُرَ عِندَه الصَّخَبُ وارتفَعَتِ الأصواتُ وأُخرِجْنا، فقُلْتُ لأصحابي حين أُخرِجْنا : لقد أَمِرَ ابن أبي كبشة، إنه يخافه ملك بني الأصفر . فما زلت موقنا أنه سيظهر حتى أدخل الله علي الإسلام . وكان ابن الناطور، صاحب إيلياء وهرقُلْ، أسقفا على نصارى الشأم، يحدث أن هرقُلْ حين قدم إيلياء، أصبح يومَا خبيث النفس، فقال بعض بطارقته : قد استنكرنا هيئتك، قال ابن الناطور : وكان هرقُلْ حزاء ينظر في النجوم، فقال لهم حين سألوه : إني رأيت الليلة حين نظرت في النجوم ملك الختان قد ظهر، فمن يختتن من هذه الأمة ؟ قالوا : ليس يختتن إلا اليهود، فلا يهمنك شأنهم، واكتب إلى مداين ملكك، فيقتلوا من فيهم من اليهود، فبينما هم على أمرهم، أتى هرقُلْ برجلٌ أرسل به ملك غسان يخبر عن خبر رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فلما استخبره هرقُلْ قال : اذهبوا فانظروا أمختتن هو أم لا ؟ فنظروا إليه، فحدثوه أنه مختتن، وسأله عن العرب، فقال : هم يختتنون، فقال هرقُلْ : هذا ملك هذه الأمة قد ظهر . ثم كتب هرقُلْ إلى صاحب له برومية، وكان نظيره في العلم، وسار هرقُلْ إلى حمص، فلم يرم حمص حتى أتاه كتاب من صاحبه يوافق رأي هرقُلْ على خروج النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وأنه نبي، فأذن هرقُلْ لعظماء الروم في دسكرة له بحمص، ثم أمر بأبوابها فغلقت، ثم اطلع فقال : يا معشر الروم، هل لكم في الفلاح والرشد، وأن يثبت ملككم فتبايعوا هذا النبي ؟ فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب، فوجدوها قد غلقت، فلما رأى هرقُلْ نفرتهم، وأيس من الإيمان، قال : ردوهم علي، وقال : إني قُلْت مقالتْي آنفا أختبر بها شدتكم على دينكم، فقد رأيت، فسجدوا له ورضوا عنه، فكان ذلك آخر شأن هرقُلْ .
أن أبا سفيانَ بنَ حربٍ أخبَره : أن هِرَقْلَ أرسَل إليه في رَكْبٍ من قريشٍ، وكانوا تُجَّارًا بالشأمِ، في المدةِ التي كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مادَّ فيها أبا سفيانَ وكفارَ قريشٍ، فأتَوه وهم بإيلياءَ، فدعاهم في مجلسِه، وحولَه عُظَماءُ الرُّومِ ، ثم دعاهم ودعا بتَرجُمانِه، فقال : أيُّكم أقربُ نسَبًا بهذا الرجلِ الذي يزعُمُ أنه نبيٌّ ؟ فقال أبو سفيانَ : فقُلْتُ أنا أقربُهم نسَبًا، فقال : أدنوه مني، وقرِّبوا أصحابَه فاجعلوهم عِندَ ظهرِه، ثم قال لتَرجُمانِه : قُلْ لهم إني سائلٌ عن هذا الرجلِ، فإن كذَبَني فكذِّبوه، فواللهِ لولا الحياءُ من أن يأثِروا عليَّ كذِبًا لكَذَبْتُ عنه . ثم كان أولَ ما سألني عنه أن قال : كيفَ نسَبُه فيكم ؟ قُلْتُ : هو فينا ذو نسَبٍ . قال : فهل قال هذا القولَ منكم أحدٌ قَطُّ قبلَه ؟ قُلْتُ : لا . قال : فهل كان من آبائِه من مَلِكٍ ؟ قُلْتُ : لا . قال : فأشرافُ الناسِ يتَّبِعونه أم ضعفاؤهم ؟ فقُلْتُ : بل ضعفاؤهم . قال : أيَزيدون أم يَنقُصون ؟ قُلْتُ : بل يَزيدون . قال : فهل يرتَدُّ أحدٌ منهم سَخطَةً لدِينِه بعد أن يدخُلَ فيه ؟ قُلْتُ : لا . قال : فهل كنتُم تتهِمونه بالكذِبِ قبلَ أن يقولَ ما قال ؟ قُلْتُ : لا . قال : فهل يَغدِرُ ؟ قُلْتُ : لا، ونحن منه في مُدَّةٍ لا ندري ما هو فاعلٌ فيها . قال : ولم تُمكِنِّي كلمةٌ أُدخِلُ فيها شيئًا غيرَ هذه الكلمةِ . قال : فهل قاتلتُموه ؟ قُلْتُ : نعم . قال : فكيفَ كان قتالُكم إياه ؟ قُلْتُ : الحربُ بيننا وبينه سِجالٌ، يَنال منا ونَنال منه . قال : ماذا يأمُرُكم ؟ قُلْتُ : يقولُ : اعبُدوا اللهَ وحدَه ولا تُشرِكوا به شيئًا، واترُكوا ما يقولُ آباؤكم، ويأمُرُنا بالصلاةِ والصِّدقِ والعَفافِ والصِّلةِ . فقال للتَّرجُمانِ : قُلْ له : سَألتُك عن نسَبِه فذكَرتَ أنه فيكم ذو نسَبٍ، فكذلك الرسُلُ تُبعَثُ في نسَبِ قومِها . وسَألتُك هل قال أحدٌ منكم هذا القولَ، فذكَرْتَ أن لا، فقُلْتُ لو كان أحدٌ قال هذا القولَ قبلَه، لقُلْتُ رجلٌ يأتَسي بقولٍ قيلَ قبلَه . وسَألتُك هل كان من آبائِه من ملِكٍ، فذكَرْتَ أن لا، قُلْتُ : فلو كان من آبائِه من ملِكٍ، قُلْتُ رجلٌ يطلُبُ مُلكَ أبيه . وسَألتُك هل كنتُم تتهِمونه بالكذبِ قبلَ أن يقولَ ما قال، فذكَرْتَ أن لا، فقد أعرِفُ أنه لم يكُن لِيَذَرَ الكذبَ على الناسِ ويكذِبَ على اللهِ . وسَألتُك أشرافُ الناسِ اتبَعوه أم ضعفاؤهم، فذكَرْتَ أن ضعفاءَهم اتبَعوه، وهم أتباعُ الرسُلِ، وسَألتُك أيَزيدون أم يَنقُصون، فذكَرْتَ أنهم يَزيدون، وكذلك أمرُ الإيمانِ حتى يَتِمَّ . وسَألتُك أيَرتَدُّ أحدٌ سَخطَةً لدِينِه بعد أن يدخُلَ فيه، فذكَرتَ أن لا، وكذلك الإيمانُ حين تُخالِطُ بَشاشَتُه القُلوبَ . وسَألتُك هل يَغدِرُ، فذكَرْتَ أن لا، وكذلك الرسُلُ لا تَغدِرُ . وسَألتُك بما يأمُرُكم، فذكَرْتَ أنه يأمُرُكم أن تعبُدوا اللهَ ولا تُشرِكوا به شيئًا، ويَنهاكم عن عبادةِ الأوثانِ، ويأمُرُكم بالصلاةِ والصدقِ والعَفافِ، فإن كان ما تقولُ حقًّا فسيَملِكُ موضِعَ قدميَّ هاتين، وقد كنتُ أعلمُ أنه خارجٌ، لم أكن أظنُّ أنه منكم، فلو أني أعلمُ أني أخلُصُ إليه، لتَجَشَّمْتُ لقاءَه، ولو كنتُ عِندَه لغسَلْتُ عن قدمِه . ثم دعا بكتابِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الذي بعَث به دِحيَةُ إلى عظيمِ بُصرَى، فدفَعه إلى هِرَقْلَ، فقرَأه، فإذا فيه : بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ، من محمدٍ عبدِ اللهِ ورسولِه إلى هِرَقْلَ عظيمِ الرومِ : سلامٌ على من اتبَعَ الهدَى، أما بعدُ، فإني أدعوك بدِعايَةِ الإسلامِ، أسلِمْ تسلَمْ، يُؤتِكَ اللهُ أجرَك مرتين، فإن توَلَّيْتَ فإن عليك إثمَ الأرِيسِيِّين، و: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ قال أبو سفيانَ : فلما قال ما قال، وفرَغ من قراءةِ الكتابِ، كَثُرَ عِندَه الصَّخَبُ وارتفَعَتِ الأصواتُ وأُخرِجْنا، فقُلْتُ لأصحابي حين أُخرِجْنا : لقد أَمِرَ ابن أبي كبشة، إنه يخافه ملك بني الأصفر . فما زلت موقنا أنه سيظهر حتى أدخل الله علي الإسلام . وكان ابن الناطور، صاحب إيلياء وهرقُلْ، أسقفا على نصارى الشأم، يحدث أن هرقُلْ حين قدم إيلياء، أصبح يومَا خبيث النفس، فقال بعض بطارقته : قد استنكرنا هيئتك، قال ابن الناطور : وكان هرقُلْ حزاء ينظر في النجوم، فقال لهم حين سألوه : إني رأيت الليلة حين نظرت في النجوم ملك الختان قد ظهر، فمن يختتن من هذه الأمة ؟ قالوا : ليس يختتن إلا اليهود، فلا يهمنك شأنهم، واكتب إلى مداين ملكك، فيقتلوا من فيهم من اليهود، فبينما هم على أمرهم، أتى هرقُلْ برجلٌ أرسل به ملك غسان يخبر عن خبر رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فلما استخبره هرقُلْ قال : اذهبوا فانظروا أمختتن هو أم لا ؟ فنظروا إليه، فحدثوه أنه مختتن، وسأله عن العرب، فقال : هم يختتنون، فقال هرقُلْ : هذا ملك هذه الأمة قد ظهر . ثم كتب هرقُلْ إلى صاحب له برومية، وكان نظيره في العلم، وسار هرقُلْ إلى حمص، فلم يرم حمص حتى أتاه كتاب من صاحبه يوافق رأي هرقُلْ على خروج النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وأنه نبي، فأذن هرقُلْ لعظماء الروم في دسكرة له بحمص، ثم أمر بأبوابها فغلقت، ثم اطلع فقال : يا معشر الروم ، هل لكم في الفلاح والرشد، وأن يثبت ملككم فتبايعوا هذا النبي ؟ فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب، فوجدوها قد غلقت، فلما رأى هرقُلْ نفرتهم، وأيس من الإيمان، قال : ردوهم علي، وقال : إني قُلْت مقالتْي آنفا أختبر بها شدتكم على دينكم، فقد رأيت، فسجدوا له ورضوا عنه، فكان ذلك آخر شأن هرقُلْ .
أن أبا سفيانَ بنَ حربٍ أخبَره : أن هِرَقْلَ أرسَل إليه في رَكْبٍ من قريشٍ، وكانوا تُجَّارًا بالشأمِ، في المدةِ التي كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مادَّ فيها أبا سفيانَ وكفارَ قريشٍ، فأتَوه وهم بإيلياءَ، فدعاهم في مجلسِه، وحولَه عُظَماءُ الرُّومِ، ثم دعاهم ودعا بتَرجُمانِه، فقال : أيُّكم أقربُ نسَبًا بهذا الرجلِ الذي يزعُمُ أنه نبيٌّ ؟ فقال أبو سفيانَ : فقُلْتُ أنا أقربُهم نسَبًا، فقال : أدنوه مني، وقرِّبوا أصحابَه فاجعلوهم عِندَ ظهرِه، ثم قال لتَرجُمانِه : قُلْ لهم إني سائلٌ عن هذا الرجلِ، فإن كذَبَني فكذِّبوه، فواللهِ لولا الحياءُ من أن يأثِروا عليَّ كذِبًا لكَذَبْتُ عنه . ثم كان أولَ ما سألني عنه أن قال : كيفَ نسَبُه فيكم ؟ قُلْتُ : هو فينا ذو نسَبٍ . قال : فهل قال هذا القولَ منكم أحدٌ قَطُّ قبلَه ؟ قُلْتُ : لا . قال : فهل كان من آبائِه من مَلِكٍ ؟ قُلْتُ : لا . قال : فأشرافُ الناسِ يتَّبِعونه أم ضعفاؤهم ؟ فقُلْتُ : بل ضعفاؤهم . قال : أيَزيدون أم يَنقُصون ؟ قُلْتُ : بل يَزيدون . قال : فهل يرتَدُّ أحدٌ منهم سَخطَةً لدِينِه بعد أن يدخُلَ فيه ؟ قُلْتُ : لا . قال : فهل كنتُم تتهِمونه بالكذِبِ قبلَ أن يقولَ ما قال ؟ قُلْتُ : لا . قال : فهل يَغدِرُ ؟ قُلْتُ : لا، ونحن منه في مُدَّةٍ لا ندري ما هو فاعلٌ فيها . قال : ولم تُمكِنِّي كلمةٌ أُدخِلُ فيها شيئًا غيرَ هذه الكلمةِ . قال : فهل قاتلتُموه ؟ قُلْتُ : نعم . قال : فكيفَ كان قتالُكم إياه ؟ قُلْتُ : الحربُ بيننا وبينه سِجالٌ، يَنال منا ونَنال منه . قال : ماذا يأمُرُكم ؟ قُلْتُ : يقولُ : اعبُدوا اللهَ وحدَه ولا تُشرِكوا به شيئًا، واترُكوا ما يقولُ آباؤكم، ويأمُرُنا بالصلاةِ والصِّدقِ والعَفافِ والصِّلةِ . فقال للتَّرجُمانِ : قُلْ له : سَألتُك عن نسَبِه فذكَرتَ أنه فيكم ذو نسَبٍ، فكذلك الرسُلُ تُبعَثُ في نسَبِ قومِها . وسَألتُك هل قال أحدٌ منكم هذا القولَ، فذكَرْتَ أن لا، فقُلْتُ لو كان أحدٌ قال هذا القولَ قبلَه، لقُلْتُ رجلٌ يأتَسي بقولٍ قيلَ قبلَه . وسَألتُك هل كان من آبائِه من ملِكٍ، فذكَرْتَ أن لا، قُلْتُ : فلو كان من آبائِه من ملِكٍ، قُلْتُ رجلٌ يطلُبُ مُلكَ أبيه . وسَألتُك هل كنتُم تتهِمونه بالكذبِ قبلَ أن يقولَ ما قال، فذكَرْتَ أن لا، فقد أعرِفُ أنه لم يكُن لِيَذَرَ الكذبَ على الناسِ ويكذِبَ على اللهِ . وسَألتُك أشرافُ الناسِ اتبَعوه أم ضعفاؤهم، فذكَرْتَ أن ضعفاءَهم اتبَعوه، وهم أتباعُ الرسُلِ، وسَألتُك أيَزيدون أم يَنقُصون، فذكَرْتَ أنهم يَزيدون، وكذلك أمرُ الإيمانِ حتى يَتِمَّ . وسَألتُك أيَرتَدُّ أحدٌ سَخطَةً لدِينِه بعد أن يدخُلَ فيه، فذكَرتَ أن لا، وكذلك الإيمانُ حين تُخالِطُ بَشاشَتُه القُلوبَ . وسَألتُك هل يَغدِرُ، فذكَرْتَ أن لا، وكذلك الرسُلُ لا تَغدِرُ . وسَألتُك بما يأمُرُكم، فذكَرْتَ أنه يأمُرُكم أن تعبُدوا اللهَ ولا تُشرِكوا به شيئًا، ويَنهاكم عن عبادةِ الأوثانِ، ويأمُرُكم بالصلاةِ والصدقِ والعَفافِ، فإن كان ما تقولُ حقًّا فسيَملِكُ موضِعَ قدميَّ هاتين، وقد كنتُ أعلمُ أنه خارجٌ، لم أكن أظنُّ أنه منكم، فلو أني أعلمُ أني أخلُصُ إليه، لتَجَشَّمْتُ لقاءَه، ولو كنتُ عِندَه لغسَلْتُ عن قدمِه . ثم دعا بكتابِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الذي بعَث به دِحيَةُ إلى عظيمِ بُصرَى، فدفَعه إلى هِرَقْلَ، فقرَأه، فإذا فيه : بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ، من محمدٍ عبدِ اللهِ ورسولِه إلى هِرَقْلَ عظيمِ الرومِ : سلامٌ على من اتبَعَ الهدَى، أما بعدُ، فإني أدعوك بدِعايَةِ الإسلامِ، أسلِمْ تسلَمْ، يُؤتِكَ اللهُ أجرَك مرتين، فإن توَلَّيْتَ فإن عليك إثمَ الأرِيسِيِّين، و: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ قال أبو سفيانَ : فلما قال ما قال، وفرَغ من قراءةِ الكتابِ، كَثُرَ عِندَه الصَّخَبُ وارتفَعَتِ الأصواتُ وأُخرِجْنا، فقُلْتُ لأصحابي حين أُخرِجْنا : لقد أَمِرَ ابن أبي كبشة، إنه يخافه ملك بني الأصفر . فما زلت موقنا أنه سيظهر حتى أدخل الله علي الإسلام . وكان ابن الناطور، صاحب إيلياء وهرقُلْ، أسقفا على نصارى الشأم، يحدث أن هرقُلْ حين قدم إيلياء، أصبح يومَا خبيث النفس، فقال بعض بطارقته : قد استنكرنا هيئتك، قال ابن الناطور : وكان هرقُلْ حزاء ينظر في النجوم، فقال لهم حين سألوه : إني رأيت الليلة حين نظرت في النجوم ملك الختان قد ظهر، فمن يختتن من هذه الأمة ؟ قالوا : ليس يختتن إلا اليهود، فلا يهمنك شأنهم، واكتب إلى مداين ملكك، فيقتلوا من فيهم من اليهود، فبينما هم على أمرهم، أتى هرقُلْ برجلٌ أرسل به ملك غسان يخبر عن خبر رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فلما استخبره هرقُلْ قال : اذهبوا فانظروا أمختتن هو أم لا ؟ فنظروا إليه، فحدثوه أنه مختتن، وسأله عن العرب، فقال : هم يختتنون، فقال هرقُلْ : هذا ملك هذه الأمة قد ظهر . ثم كتب هرقُلْ إلى صاحب له برومية، وكان نظيره في العلم، وسار هرقُلْ إلى حمص، فلم يرم حمص حتى أتاه كتاب من صاحبه يوافق رأي هرقُلْ على خروج النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وأنه نبي، فأذن هرقُلْ لعظماء الروم في دسكرة له بحمص، ثم أمر بأبوابها فغلقت، ثم اطلع فقال : يا معشر الروم، هل لكم في الفلاح والرشد، وأن يثبت ملككم فتبايعوا هذا النبي ؟ فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب، فوجدوها قد غلقت، فلما رأى هرقُلْ نفرتهم، وأيس من الإيمان ، قال : ردوهم علي، وقال : إني قُلْت مقالتْي آنفا أختبر بها شدتكم على دينكم، فقد رأيت، فسجدوا له ورضوا عنه، فكان ذلك آخر شأن هرقُلْ .
أن أبا سفيانَ بنَ حربٍ أخبَره : أن هِرَقْلَ أرسَل إليه في رَكْبٍ من قريشٍ، وكانوا تُجَّارًا بالشأمِ، في المدةِ التي كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مادَّ فيها أبا سفيانَ وكفارَ قريشٍ، فأتَوه وهم بإيلياءَ، فدعاهم في مجلسِه، وحولَه عُظَماءُ الرُّومِ، ثم دعاهم ودعا بتَرجُمانِه، فقال : أيُّكم أقربُ نسَبًا بهذا الرجلِ الذي يزعُمُ أنه نبيٌّ ؟ فقال أبو سفيانَ : فقُلْتُ أنا أقربُهم نسَبًا، فقال : أدنوه مني، وقرِّبوا أصحابَه فاجعلوهم عِندَ ظهرِه، ثم قال لتَرجُمانِه : قُلْ لهم إني سائلٌ عن هذا الرجلِ، فإن كذَبَني فكذِّبوه، فواللهِ لولا الحياءُ من أن يأثِروا عليَّ كذِبًا لكَذَبْتُ عنه . ثم كان أولَ ما سألني عنه أن قال : كيفَ نسَبُه فيكم ؟ قُلْتُ : هو فينا ذو نسَبٍ . قال : فهل قال هذا القولَ منكم أحدٌ قَطُّ قبلَه ؟ قُلْتُ : لا . قال : فهل كان من آبائِه من مَلِكٍ ؟ قُلْتُ : لا . قال : فأشرافُ الناسِ يتَّبِعونه أم ضعفاؤهم ؟ فقُلْتُ : بل ضعفاؤهم . قال : أيَزيدون أم يَنقُصون ؟ قُلْتُ : بل يَزيدون . قال : فهل يرتَدُّ أحدٌ منهم سَخطَةً لدِينِه بعد أن يدخُلَ فيه ؟ قُلْتُ : لا . قال : فهل كنتُم تتهِمونه بالكذِبِ قبلَ أن يقولَ ما قال ؟ قُلْتُ : لا . قال : فهل يَغدِرُ ؟ قُلْتُ : لا، ونحن منه في مُدَّةٍ لا ندري ما هو فاعلٌ فيها . قال : ولم تُمكِنِّي كلمةٌ أُدخِلُ فيها شيئًا غيرَ هذه الكلمةِ . قال : فهل قاتلتُموه ؟ قُلْتُ : نعم . قال : فكيفَ كان قتالُكم إياه ؟ قُلْتُ : الحربُ بيننا وبينه سِجالٌ، يَنال منا ونَنال منه . قال : ماذا يأمُرُكم ؟ قُلْتُ : يقولُ : اعبُدوا اللهَ وحدَه ولا تُشرِكوا به شيئًا، واترُكوا ما يقولُ آباؤكم، ويأمُرُنا بالصلاةِ والصِّدقِ والعَفافِ والصِّلةِ . فقال للتَّرجُمانِ : قُلْ له : سَألتُك عن نسَبِه فذكَرتَ أنه فيكم ذو نسَبٍ، فكذلك الرسُلُ تُبعَثُ في نسَبِ قومِها . وسَألتُك هل قال أحدٌ منكم هذا القولَ، فذكَرْتَ أن لا، فقُلْتُ لو كان أحدٌ قال هذا القولَ قبلَه، لقُلْتُ رجلٌ يأتَسي بقولٍ قيلَ قبلَه . وسَألتُك هل كان من آبائِه من ملِكٍ، فذكَرْتَ أن لا، قُلْتُ : فلو كان من آبائِه من ملِكٍ، قُلْتُ رجلٌ يطلُبُ مُلكَ أبيه . وسَألتُك هل كنتُم تتهِمونه بالكذبِ قبلَ أن يقولَ ما قال، فذكَرْتَ أن لا، فقد أعرِفُ أنه لم يكُن لِيَذَرَ الكذبَ على الناسِ ويكذِبَ على اللهِ . وسَألتُك أشرافُ الناسِ اتبَعوه أم ضعفاؤهم، فذكَرْتَ أن ضعفاءَهم اتبَعوه، وهم أتباعُ الرسُلِ، وسَألتُك أيَزيدون أم يَنقُصون، فذكَرْتَ أنهم يَزيدون، وكذلك أمرُ الإيمانِ حتى يَتِمَّ . وسَألتُك أيَرتَدُّ أحدٌ سَخطَةً لدِينِه بعد أن يدخُلَ فيه، فذكَرتَ أن لا، وكذلك الإيمانُ حين تُخالِطُ بَشاشَتُه القُلوبَ . وسَألتُك هل يَغدِرُ، فذكَرْتَ أن لا، وكذلك الرسُلُ لا تَغدِرُ . وسَألتُك بما يأمُرُكم، فذكَرْتَ أنه يأمُرُكم أن تعبُدوا اللهَ ولا تُشرِكوا به شيئًا، ويَنهاكم عن عبادةِ الأوثانِ، ويأمُرُكم بالصلاةِ والصدقِ والعَفافِ، فإن كان ما تقولُ حقًّا فسيَملِكُ موضِعَ قدميَّ هاتين، وقد كنتُ أعلمُ أنه خارجٌ، لم أكن أظنُّ أنه منكم، فلو أني أعلمُ أني أخلُصُ إليه، لتَجَشَّمْتُ لقاءَه، ولو كنتُ عِندَه لغسَلْتُ عن قدمِه . ثم دعا بكتابِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الذي بعَث به دِحيَةُ إلى عظيمِ بُصرَى، فدفَعه إلى هِرَقْلَ، فقرَأه، فإذا فيه : بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ، من محمدٍ عبدِ اللهِ ورسولِه إلى هِرَقْلَ عظيمِ الرومِ : سلامٌ على من اتبَعَ الهدَى، أما بعدُ، فإني أدعوك بدِعايَةِ الإسلامِ، أسلِمْ تسلَمْ، يُؤتِكَ اللهُ أجرَك مرتين، فإن توَلَّيْتَ فإن عليك إثمَ الأرِيسِيِّين، و: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ قال أبو سفيانَ : فلما قال ما قال، وفرَغ من قراءةِ الكتابِ، كَثُرَ عِندَه الصَّخَبُ وارتفَعَتِ الأصواتُ وأُخرِجْنا، فقُلْتُ لأصحابي حين أُخرِجْنا : لقد أَمِرَ ابن أبي كبشة، إنه يخافه ملك بني الأصفر . فما زلت موقنا أنه سيظهر حتى أدخل الله علي الإسلام . وكان ابن الناطور، صاحب إيلياء وهرقُلْ، أسقفا على نصارى الشأم، يحدث أن هرقُلْ حين قدم إيلياء، أصبح يومَا خبيث النفس ، فقال بعض بطارقته : قد استنكرنا هيئتك، قال ابن الناطور : وكان هرقُلْ حزاء ينظر في النجوم، فقال لهم حين سألوه : إني رأيت الليلة حين نظرت في النجوم ملك الختان قد ظهر، فمن يختتن من هذه الأمة ؟ قالوا : ليس يختتن إلا اليهود، فلا يهمنك شأنهم، واكتب إلى مداين ملكك، فيقتلوا من فيهم من اليهود، فبينما هم على أمرهم، أتى هرقُلْ برجلٌ أرسل به ملك غسان يخبر عن خبر رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فلما استخبره هرقُلْ قال : اذهبوا فانظروا أمختتن هو أم لا ؟ فنظروا إليه، فحدثوه أنه مختتن، وسأله عن العرب، فقال : هم يختتنون، فقال هرقُلْ : هذا ملك هذه الأمة قد ظهر . ثم كتب هرقُلْ إلى صاحب له برومية، وكان نظيره في العلم، وسار هرقُلْ إلى حمص، فلم يرم حمص حتى أتاه كتاب من صاحبه يوافق رأي هرقُلْ على خروج النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وأنه نبي، فأذن هرقُلْ لعظماء الروم في دسكرة له بحمص، ثم أمر بأبوابها فغلقت، ثم اطلع فقال : يا معشر الروم، هل لكم في الفلاح والرشد، وأن يثبت ملككم فتبايعوا هذا النبي ؟ فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب، فوجدوها قد غلقت، فلما رأى هرقُلْ نفرتهم، وأيس من الإيمان، قال : ردوهم علي، وقال : إني قُلْت مقالتْي آنفا أختبر بها شدتكم على دينكم، فقد رأيت، فسجدوا له ورضوا عنه، فكان ذلك آخر شأن هرقُلْ .
أن أبا سفيانَ بنَ حربٍ أخبَره : أن هِرَقْلَ أرسَل إليه في رَكْبٍ من قريشٍ، وكانوا تُجَّارًا بالشأمِ، في المدةِ التي كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مادَّ فيها أبا سفيانَ وكفارَ قريشٍ، فأتَوه وهم بإيلياءَ، فدعاهم في مجلسِه، وحولَه عُظَماءُ الرُّومِ، ثم دعاهم ودعا بتَرجُمانِه، فقال : أيُّكم أقربُ نسَبًا بهذا الرجلِ الذي يزعُمُ أنه نبيٌّ ؟ فقال أبو سفيانَ : فقُلْتُ أنا أقربُهم نسَبًا، فقال : أدنوه مني، وقرِّبوا أصحابَه فاجعلوهم عِندَ ظهرِه، ثم قال لتَرجُمانِه : قُلْ لهم إني سائلٌ عن هذا الرجلِ، فإن كذَبَني فكذِّبوه، فواللهِ لولا الحياءُ من أن يأثِروا عليَّ كذِبًا لكَذَبْتُ عنه . ثم كان أولَ ما سألني عنه أن قال : كيفَ نسَبُه فيكم ؟ قُلْتُ : هو فينا ذو نسَبٍ . قال : فهل قال هذا القولَ منكم أحدٌ قَطُّ قبلَه ؟ قُلْتُ : لا . قال : فهل كان من آبائِه من مَلِكٍ ؟ قُلْتُ : لا . قال : فأشرافُ الناسِ يتَّبِعونه أم ضعفاؤهم ؟ فقُلْتُ : بل ضعفاؤهم . قال : أيَزيدون أم يَنقُصون ؟ قُلْتُ : بل يَزيدون . قال : فهل يرتَدُّ أحدٌ منهم سَخطَةً لدِينِه بعد أن يدخُلَ فيه ؟ قُلْتُ : لا . قال : فهل كنتُم تتهِمونه بالكذِبِ قبلَ أن يقولَ ما قال ؟ قُلْتُ : لا . قال : فهل يَغدِرُ ؟ قُلْتُ : لا، ونحن منه في مُدَّةٍ لا ندري ما هو فاعلٌ فيها . قال : ولم تُمكِنِّي كلمةٌ أُدخِلُ فيها شيئًا غيرَ هذه الكلمةِ . قال : فهل قاتلتُموه ؟ قُلْتُ : نعم . قال : فكيفَ كان قتالُكم إياه ؟ قُلْتُ : الحربُ بيننا وبينه سِجالٌ، يَنال منا ونَنال منه . قال : ماذا يأمُرُكم ؟ قُلْتُ : يقولُ : اعبُدوا اللهَ وحدَه ولا تُشرِكوا به شيئًا، واترُكوا ما يقولُ آباؤكم، ويأمُرُنا بالصلاةِ والصِّدقِ والعَفافِ والصِّلةِ . فقال للتَّرجُمانِ : قُلْ له : سَألتُك عن نسَبِه فذكَرتَ أنه فيكم ذو نسَبٍ، فكذلك الرسُلُ تُبعَثُ في نسَبِ قومِها . وسَألتُك هل قال أحدٌ منكم هذا القولَ، فذكَرْتَ أن لا، فقُلْتُ لو كان أحدٌ قال هذا القولَ قبلَه ، لقُلْتُ رجلٌ يأتَسي بقولٍ قيلَ قبلَه . وسَألتُك هل كان من آبائِه من ملِكٍ، فذكَرْتَ أن لا، قُلْتُ : فلو كان من آبائِه من ملِكٍ، قُلْتُ رجلٌ يطلُبُ مُلكَ أبيه . وسَألتُك هل كنتُم تتهِمونه بالكذبِ قبلَ أن يقولَ ما قال، فذكَرْتَ أن لا، فقد أعرِفُ أنه لم يكُن لِيَذَرَ الكذبَ على الناسِ ويكذِبَ على اللهِ . وسَألتُك أشرافُ الناسِ اتبَعوه أم ضعفاؤهم، فذكَرْتَ أن ضعفاءَهم اتبَعوه، وهم أتباعُ الرسُلِ، وسَألتُك أيَزيدون أم يَنقُصون، فذكَرْتَ أنهم يَزيدون، وكذلك أمرُ الإيمانِ حتى يَتِمَّ . وسَألتُك أيَرتَدُّ أحدٌ سَخطَةً لدِينِه بعد أن يدخُلَ فيه، فذكَرتَ أن لا، وكذلك الإيمانُ حين تُخالِطُ بَشاشَتُه القُلوبَ . وسَألتُك هل يَغدِرُ، فذكَرْتَ أن لا، وكذلك الرسُلُ لا تَغدِرُ . وسَألتُك بما يأمُرُكم، فذكَرْتَ أنه يأمُرُكم أن تعبُدوا اللهَ ولا تُشرِكوا به شيئًا، ويَنهاكم عن عبادةِ الأوثانِ، ويأمُرُكم بالصلاةِ والصدقِ والعَفافِ، فإن كان ما تقولُ حقًّا فسيَملِكُ موضِعَ قدميَّ هاتين، وقد كنتُ أعلمُ أنه خارجٌ، لم أكن أظنُّ أنه منكم، فلو أني أعلمُ أني أخلُصُ إليه، لتَجَشَّمْتُ لقاءَه، ولو كنتُ عِندَه لغسَلْتُ عن قدمِه . ثم دعا بكتابِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الذي بعَث به دِحيَةُ إلى عظيمِ بُصرَى، فدفَعه إلى هِرَقْلَ، فقرَأه، فإذا فيه : بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ، من محمدٍ عبدِ اللهِ ورسولِه إلى هِرَقْلَ عظيمِ الرومِ : سلامٌ على من اتبَعَ الهدَى، أما بعدُ، فإني أدعوك بدِعايَةِ الإسلامِ، أسلِمْ تسلَمْ، يُؤتِكَ اللهُ أجرَك مرتين، فإن توَلَّيْتَ فإن عليك إثمَ الأرِيسِيِّين، و: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ قال أبو سفيانَ : فلما قال ما قال، وفرَغ من قراءةِ الكتابِ، كَثُرَ عِندَه الصَّخَبُ وارتفَعَتِ الأصواتُ وأُخرِجْنا، فقُلْتُ لأصحابي حين أُخرِجْنا : لقد أَمِرَ ابن أبي كبشة، إنه يخافه ملك بني الأصفر . فما زلت موقنا أنه سيظهر حتى أدخل الله علي الإسلام . وكان ابن الناطور، صاحب إيلياء وهرقُلْ، أسقفا على نصارى الشأم، يحدث أن هرقُلْ حين قدم إيلياء، أصبح يومَا خبيث النفس، فقال بعض بطارقته : قد استنكرنا هيئتك، قال ابن الناطور : وكان هرقُلْ حزاء ينظر في النجوم، فقال لهم حين سألوه : إني رأيت الليلة حين نظرت في النجوم ملك الختان قد ظهر، فمن يختتن من هذه الأمة ؟ قالوا : ليس يختتن إلا اليهود، فلا يهمنك شأنهم، واكتب إلى مداين ملكك، فيقتلوا من فيهم من اليهود، فبينما هم على أمرهم، أتى هرقُلْ برجلٌ أرسل به ملك غسان يخبر عن خبر رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فلما استخبره هرقُلْ قال : اذهبوا فانظروا أمختتن هو أم لا ؟ فنظروا إليه، فحدثوه أنه مختتن، وسأله عن العرب، فقال : هم يختتنون، فقال هرقُلْ : هذا ملك هذه الأمة قد ظهر . ثم كتب هرقُلْ إلى صاحب له برومية، وكان نظيره في العلم، وسار هرقُلْ إلى حمص، فلم يرم حمص حتى أتاه كتاب من صاحبه يوافق رأي هرقُلْ على خروج النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وأنه نبي، فأذن هرقُلْ لعظماء الروم في دسكرة له بحمص، ثم أمر بأبوابها فغلقت، ثم اطلع فقال : يا معشر الروم، هل لكم في الفلاح والرشد، وأن يثبت ملككم فتبايعوا هذا النبي ؟ فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب، فوجدوها قد غلقت، فلما رأى هرقُلْ نفرتهم، وأيس من الإيمان، قال : ردوهم علي، وقال : إني قُلْت مقالتْي آنفا أختبر بها شدتكم على دينكم، فقد رأيت، فسجدوا له ورضوا عنه، فكان ذلك آخر شأن هرقُلْ .
أن أبا سفيانَ بنَ حربٍ أخبَره : أن هِرَقْلَ أرسَل إليه في رَكْبٍ من قريشٍ، وكانوا تُجَّارًا بالشأمِ، في المدةِ التي كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مادَّ فيها أبا سفيانَ وكفارَ قريشٍ، فأتَوه وهم بإيلياءَ، فدعاهم في مجلسِه، وحولَه عُظَماءُ الرُّومِ، ثم دعاهم ودعا بتَرجُمانِه، فقال : أيُّكم أقربُ نسَبًا بهذا الرجلِ الذي يزعُمُ أنه نبيٌّ ؟ فقال أبو سفيانَ : فقُلْتُ أنا أقربُهم نسَبًا، فقال : أدنوه مني، وقرِّبوا أصحابَه فاجعلوهم عِندَ ظهرِه، ثم قال لتَرجُمانِه : قُلْ لهم إني سائلٌ عن هذا الرجلِ، فإن كذَبَني فكذِّبوه، فواللهِ لولا الحياءُ من أن يأثِروا عليَّ كذِبًا لكَذَبْتُ عنه . ثم كان أولَ ما سألني عنه أن قال : كيفَ نسَبُه فيكم ؟ قُلْتُ : هو فينا ذو نسَبٍ . قال : فهل قال هذا القولَ منكم أحدٌ قَطُّ قبلَه ؟ قُلْتُ : لا . قال : فهل كان من آبائِه من مَلِكٍ ؟ قُلْتُ : لا . قال : فأشرافُ الناسِ يتَّبِعونه أم ضعفاؤهم ؟ فقُلْتُ : بل ضعفاؤهم . قال : أيَزيدون أم يَنقُصون ؟ قُلْتُ : بل يَزيدون . قال : فهل يرتَدُّ أحدٌ منهم سَخطَةً لدِينِه بعد أن يدخُلَ فيه ؟ قُلْتُ : لا . قال : فهل كنتُم تتهِمونه بالكذِبِ قبلَ أن يقولَ ما قال ؟ قُلْتُ : لا . قال : فهل يَغدِرُ ؟ قُلْتُ : لا، ونحن منه في مُدَّةٍ لا ندري ما هو فاعلٌ فيها . قال : ولم تُمكِنِّي كلمةٌ أُدخِلُ فيها شيئًا غيرَ هذه الكلمةِ . قال : فهل قاتلتُموه ؟ قُلْتُ : نعم . قال : فكيفَ كان قتالُكم إياه ؟ قُلْتُ : الحربُ بيننا وبينه سِجالٌ، يَنال منا ونَنال منه . قال : ماذا يأمُرُكم ؟ قُلْتُ : يقولُ : اعبُدوا اللهَ وحدَه ولا تُشرِكوا به شيئًا، واترُكوا ما يقولُ آباؤكم، ويأمُرُنا بالصلاةِ والصِّدقِ والعَفافِ والصِّلةِ . فقال للتَّرجُمانِ : قُلْ له : سَألتُك عن نسَبِه فذكَرتَ أنه فيكم ذو نسَبٍ، فكذلك الرسُلُ تُبعَثُ في نسَبِ قومِها . وسَألتُك هل قال أحدٌ منكم هذا القولَ، فذكَرْتَ أن لا، فقُلْتُ لو كان أحدٌ قال هذا القولَ قبلَه، لقُلْتُ رجلٌ يأتَسي بقولٍ قيلَ قبلَه . وسَألتُك هل كان من آبائِه من ملِكٍ، فذكَرْتَ أن لا، قُلْتُ : فلو كان من آبائِه من ملِكٍ، قُلْتُ رجلٌ يطلُبُ مُلكَ أبيه . وسَألتُك هل كنتُم تتهِمونه بالكذبِ قبلَ أن يقولَ ما قال، فذكَرْتَ أن لا، فقد أعرِفُ أنه لم يكُن لِيَذَرَ الكذبَ على الناسِ ويكذِبَ على اللهِ . وسَألتُك أشرافُ الناسِ اتبَعوه أم ضعفاؤهم، فذكَرْتَ أن ضعفاءَهم اتبَعوه، وهم أتباعُ الرسُلِ، وسَألتُك أيَزيدون أم يَنقُصون، فذكَرْتَ أنهم يَزيدون، وكذلك أمرُ الإيمانِ حتى يَتِمَّ . وسَألتُك أيَرتَدُّ أحدٌ سَخطَةً لدِينِه بعد أن يدخُلَ فيه، فذكَرتَ أن لا، وكذلك الإيمانُ حين تُخالِطُ بَشاشَتُه القُلوبَ . وسَألتُك هل يَغدِرُ، فذكَرْتَ أن لا، وكذلك الرسُلُ لا تَغدِرُ . وسَألتُك بما يأمُرُكم، فذكَرْتَ أنه يأمُرُكم أن تعبُدوا اللهَ ولا تُشرِكوا به شيئًا، ويَنهاكم عن عبادةِ الأوثانِ، ويأمُرُكم بالصلاةِ والصدقِ والعَفافِ، فإن كان ما تقولُ حقًّا فسيَملِكُ موضِعَ قدميَّ هاتين، وقد كنتُ أعلمُ أنه خارجٌ، لم أكن أظنُّ أنه منكم، فلو أني أعلمُ أني أخلُصُ إليه، لتَجَشَّمْتُ لقاءَه، ولو كنتُ عِندَه لغسَلْتُ عن قدمِه . ثم دعا بكتابِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الذي بعَث به دِحيَةُ إلى عظيمِ بُصرَى، فدفَعه إلى هِرَقْلَ، فقرَأه، فإذا فيه : بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ، من محمدٍ عبدِ اللهِ ورسولِه إلى هِرَقْلَ عظيمِ الرومِ : سلامٌ على من اتبَعَ الهدَى، أما بعدُ، فإني أدعوك بدِعايَةِ الإسلامِ، أسلِمْ تسلَمْ، يُؤتِكَ اللهُ أجرَك مرتين، فإن توَلَّيْتَ فإن عليك إثمَ الأرِيسِيِّين، و: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ قال أبو سفيانَ : فلما قال ما قال، وفرَغ من قراءةِ الكتابِ، كَثُرَ عِندَه الصَّخَبُ وارتفَعَتِ الأصواتُ وأُخرِجْنا، فقُلْتُ لأصحابي حين أُخرِجْنا : لقد أَمِرَ ابن أبي كبشة، إنه يخافه ملك بني الأصفر . فما زلت موقنا أنه سيظهر حتى أدخل الله علي الإسلام . وكان ابن الناطور، صاحب إيلياء وهرقُلْ، أسقفا على نصارى الشأم، يحدث أن هرقُلْ حين قدم إيلياء، أصبح يومَا خبيث النفس، فقال بعض بطارقته : قد استنكرنا هيئتك، قال ابن الناطور : وكان هرقُلْ حزاء ينظر في النجوم ، فقال لهم حين سألوه : إني رأيت الليلة حين نظرت في النجوم ملك الختان قد ظهر، فمن يختتن من هذه الأمة ؟ قالوا : ليس يختتن إلا اليهود، فلا يهمنك شأنهم، واكتب إلى مداين ملكك، فيقتلوا من فيهم من اليهود، فبينما هم على أمرهم، أتى هرقُلْ برجلٌ أرسل به ملك غسان يخبر عن خبر رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فلما استخبره هرقُلْ قال : اذهبوا فانظروا أمختتن هو أم لا ؟ فنظروا إليه، فحدثوه أنه مختتن، وسأله عن العرب، فقال : هم يختتنون، فقال هرقُلْ : هذا ملك هذه الأمة قد ظهر . ثم كتب هرقُلْ إلى صاحب له برومية، وكان نظيره في العلم، وسار هرقُلْ إلى حمص، فلم يرم حمص حتى أتاه كتاب من صاحبه يوافق رأي هرقُلْ على خروج النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وأنه نبي، فأذن هرقُلْ لعظماء الروم في دسكرة له بحمص، ثم أمر بأبوابها فغلقت، ثم اطلع فقال : يا معشر الروم، هل لكم في الفلاح والرشد، وأن يثبت ملككم فتبايعوا هذا النبي ؟ فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب، فوجدوها قد غلقت، فلما رأى هرقُلْ نفرتهم، وأيس من الإيمان، قال : ردوهم علي، وقال : إني قُلْت مقالتْي آنفا أختبر بها شدتكم على دينكم، فقد رأيت، فسجدوا له ورضوا عنه، فكان ذلك آخر شأن هرقُلْ .
أن أبا سفيانَ بنَ حربٍ أخبَره : أن هِرَقْلَ أرسَل إليه في رَكْبٍ من قريشٍ، وكانوا تُجَّارًا بالشأمِ، في المدةِ التي كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مادَّ فيها أبا سفيانَ وكفارَ قريشٍ، فأتَوه وهم بإيلياءَ، فدعاهم في مجلسِه، وحولَه عُظَماءُ الرُّومِ، ثم دعاهم ودعا بتَرجُمانِه، فقال : أيُّكم أقربُ نسَبًا بهذا الرجلِ الذي يزعُمُ أنه نبيٌّ ؟ فقال أبو سفيانَ : فقُلْتُ أنا أقربُهم نسَبًا، فقال : أدنوه مني، وقرِّبوا أصحابَه فاجعلوهم عِندَ ظهرِه، ثم قال لتَرجُمانِه : قُلْ لهم إني سائلٌ عن هذا الرجلِ، فإن كذَبَني فكذِّبوه، فواللهِ لولا الحياءُ من أن يأثِروا عليَّ كذِبًا لكَذَبْتُ عنه . ثم كان أولَ ما سألني عنه أن قال : كيفَ نسَبُه فيكم ؟ قُلْتُ : هو فينا ذو نسَبٍ . قال : فهل قال هذا القولَ منكم أحدٌ قَطُّ قبلَه ؟ قُلْتُ : لا . قال : فهل كان من آبائِه من مَلِكٍ ؟ قُلْتُ : لا . قال : فأشرافُ الناسِ يتَّبِعونه أم ضعفاؤهم ؟ فقُلْتُ : بل ضعفاؤهم . قال : أيَزيدون أم يَنقُصون ؟ قُلْتُ : بل يَزيدون . قال : فهل يرتَدُّ أحدٌ منهم سَخطَةً لدِينِه بعد أن يدخُلَ فيه ؟ قُلْتُ : لا . قال : فهل كنتُم تتهِمونه بالكذِبِ قبلَ أن يقولَ ما قال ؟ قُلْتُ : لا . قال : فهل يَغدِرُ ؟ قُلْتُ : لا، ونحن منه في مُدَّةٍ لا ندري ما هو فاعلٌ فيها . قال : ولم تُمكِنِّي كلمةٌ أُدخِلُ فيها شيئًا غيرَ هذه الكلمةِ . قال : فهل قاتلتُموه ؟ قُلْتُ : نعم . قال : فكيفَ كان قتالُكم إياه ؟ قُلْتُ : الحربُ بيننا وبينه سِجالٌ، يَنال منا ونَنال منه . قال : ماذا يأمُرُكم ؟ قُلْتُ : يقولُ : اعبُدوا اللهَ وحدَه ولا تُشرِكوا به شيئًا، واترُكوا ما يقولُ آباؤكم، ويأمُرُنا بالصلاةِ والصِّدقِ والعَفافِ والصِّلةِ . فقال للتَّرجُمانِ : قُلْ له : سَألتُك عن نسَبِه فذكَرتَ أنه فيكم ذو نسَبٍ ، فكذلك الرسُلُ تُبعَثُ في نسَبِ قومِها . وسَألتُك هل قال أحدٌ منكم هذا القولَ، فذكَرْتَ أن لا، فقُلْتُ لو كان أحدٌ قال هذا القولَ قبلَه، لقُلْتُ رجلٌ يأتَسي بقولٍ قيلَ قبلَه . وسَألتُك هل كان من آبائِه من ملِكٍ، فذكَرْتَ أن لا، قُلْتُ : فلو كان من آبائِه من ملِكٍ، قُلْتُ رجلٌ يطلُبُ مُلكَ أبيه . وسَألتُك هل كنتُم تتهِمونه بالكذبِ قبلَ أن يقولَ ما قال، فذكَرْتَ أن لا، فقد أعرِفُ أنه لم يكُن لِيَذَرَ الكذبَ على الناسِ ويكذِبَ على اللهِ . وسَألتُك أشرافُ الناسِ اتبَعوه أم ضعفاؤهم، فذكَرْتَ أن ضعفاءَهم اتبَعوه، وهم أتباعُ الرسُلِ، وسَألتُك أيَزيدون أم يَنقُصون، فذكَرْتَ أنهم يَزيدون، وكذلك أمرُ الإيمانِ حتى يَتِمَّ . وسَألتُك أيَرتَدُّ أحدٌ سَخطَةً لدِينِه بعد أن يدخُلَ فيه، فذكَرتَ أن لا، وكذلك الإيمانُ حين تُخالِطُ بَشاشَتُه القُلوبَ . وسَألتُك هل يَغدِرُ، فذكَرْتَ أن لا، وكذلك الرسُلُ لا تَغدِرُ . وسَألتُك بما يأمُرُكم، فذكَرْتَ أنه يأمُرُكم أن تعبُدوا اللهَ ولا تُشرِكوا به شيئًا، ويَنهاكم عن عبادةِ الأوثانِ، ويأمُرُكم بالصلاةِ والصدقِ والعَفافِ، فإن كان ما تقولُ حقًّا فسيَملِكُ موضِعَ قدميَّ هاتين، وقد كنتُ أعلمُ أنه خارجٌ، لم أكن أظنُّ أنه منكم، فلو أني أعلمُ أني أخلُصُ إليه، لتَجَشَّمْتُ لقاءَه، ولو كنتُ عِندَه لغسَلْتُ عن قدمِه . ثم دعا بكتابِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الذي بعَث به دِحيَةُ إلى عظيمِ بُصرَى، فدفَعه إلى هِرَقْلَ، فقرَأه، فإذا فيه : بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ، من محمدٍ عبدِ اللهِ ورسولِه إلى هِرَقْلَ عظيمِ الرومِ : سلامٌ على من اتبَعَ الهدَى، أما بعدُ، فإني أدعوك بدِعايَةِ الإسلامِ، أسلِمْ تسلَمْ، يُؤتِكَ اللهُ أجرَك مرتين، فإن توَلَّيْتَ فإن عليك إثمَ الأرِيسِيِّين، و: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ قال أبو سفيانَ : فلما قال ما قال، وفرَغ من قراءةِ الكتابِ، كَثُرَ عِندَه الصَّخَبُ وارتفَعَتِ الأصواتُ وأُخرِجْنا، فقُلْتُ لأصحابي حين أُخرِجْنا : لقد أَمِرَ ابن أبي كبشة، إنه يخافه ملك بني الأصفر . فما زلت موقنا أنه سيظهر حتى أدخل الله علي الإسلام . وكان ابن الناطور، صاحب إيلياء وهرقُلْ، أسقفا على نصارى الشأم، يحدث أن هرقُلْ حين قدم إيلياء، أصبح يومَا خبيث النفس، فقال بعض بطارقته : قد استنكرنا هيئتك، قال ابن الناطور : وكان هرقُلْ حزاء ينظر في النجوم، فقال لهم حين سألوه : إني رأيت الليلة حين نظرت في النجوم ملك الختان قد ظهر، فمن يختتن من هذه الأمة ؟ قالوا : ليس يختتن إلا اليهود، فلا يهمنك شأنهم، واكتب إلى مداين ملكك، فيقتلوا من فيهم من اليهود، فبينما هم على أمرهم، أتى هرقُلْ برجلٌ أرسل به ملك غسان يخبر عن خبر رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فلما استخبره هرقُلْ قال : اذهبوا فانظروا أمختتن هو أم لا ؟ فنظروا إليه، فحدثوه أنه مختتن، وسأله عن العرب، فقال : هم يختتنون، فقال هرقُلْ : هذا ملك هذه الأمة قد ظهر . ثم كتب هرقُلْ إلى صاحب له برومية، وكان نظيره في العلم، وسار هرقُلْ إلى حمص، فلم يرم حمص حتى أتاه كتاب من صاحبه يوافق رأي هرقُلْ على خروج النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وأنه نبي، فأذن هرقُلْ لعظماء الروم في دسكرة له بحمص، ثم أمر بأبوابها فغلقت، ثم اطلع فقال : يا معشر الروم، هل لكم في الفلاح والرشد، وأن يثبت ملككم فتبايعوا هذا النبي ؟ فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب، فوجدوها قد غلقت، فلما رأى هرقُلْ نفرتهم، وأيس من الإيمان، قال : ردوهم علي، وقال : إني قُلْت مقالتْي آنفا أختبر بها شدتكم على دينكم، فقد رأيت، فسجدوا له ورضوا عنه، فكان ذلك آخر شأن هرقُلْ .
كان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إذا أرادَ سفرًا أَقْرَعَ بينَ أزواجِه ، فأيَّتُهنَّ خرَجَ سهمُها خرَجَ بها رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم معه ، قالت عائشةُ : فأقرَعَ بينَنا في غزوةٍ غزاها، فخرَجَ فيها سهمي ، فخرَجْتُ مع رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بعدَ ما أُنْزِلَ الحجابُ ، فكُنْتُ أُحْمَلُ في هَوْدَجِي وأُنْزَلُ فيه ، فسِرْنا حتى إذا فَرَغَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم من غزوتِه تلك وقَفَلَ ، ودَنَوْنا مِن المدينةِ قافلين ، آذَنَ ليلةً بالرحيلِ ، فقُمْتُ حينَ آذَنوا بالرَّحيلِ ، فمَشَيْتُ حتى جاوزْتُ الجيشَ ، فلما قَضَيتُ شأني أقبَلْتُ إلى رَحْلي ، فلَمَسْتُ صدري فإذا عِقْدٌ لي مِن جَزْعِ ظَفَارِ قد انقطَعَ ! فرَجَعْتُ فالتَمَسْتُ عِقْدي؛ فحَبَسَني ابتغاؤُه ، قالت : وأقبلَ الرَّهْطُ الذين كانوا يَرْحَلُون لي ، فاحتملوا هُوْدَجي، فرَحَلوه على بعيري الذي كنتُ أركَبُ عليه ، وهم يَحْسِبون أني فيه ، وكان النساءُ إذ ذاكَ خِفَافًا لم يَهْبُلْنَ ، ولم يَغْشَهُنَّ اللحمُ ؛ إنما يأكُلْنَ العَلَقَةَ مِن الطعامِ ، فلم يَسْتَنْكِرِ القومُ خِفَةَ الهَوْدَجِ حينَ رَفعوه وحملوه ، وكنتُ جاريةً حديثةَ السنِّ ، فبعثوا الجملَ فساروا ، ووَجَدْتُ عِقْدي بعدَ ما استمَرَّ الجيشُ ، فجِئْتُ منازلَهم وليس بها منهم داعٍ ولا مجيبٌ ، فتَيَمَّمْتُ منزلي الذي كنتُ فيه ، وظَنَنْتُ أنهم سيَفْقِدوني فيَرجِعون إليَّ ، فبينا أنا جالسةٌ في منزلي غلَبَتْني عيني فنِمْتُ ، وكان صفوانُ بنُ المُعطِّل السُّلَمِيُّ ثم الذَّكْوَانِيُّ مِن وراءِ الجيشِ ، فأصبحَ عندَ منزلي ، فرأى سَوادَ إنسانٍ نائمٍ، فعرفَني حين رآني ، وكان رآني قبلَ الحجابِ ، فاستيقَظْتُ باسترجاعِه حينَ عرَفَني ، فخَمَّرْتُ وجهي بجِلْبابي ، والله ما تكلَّمْنا بكلمةٍ ، ولا سَمِعْتُ منه كلمةً غيرَ استرجاعِه ، وهوى حتى أناخَ راحلتَه ، فوَطِئَ على يدِها ، فقُمْتُ إليها فركِبْتُها ، فانطلَقَ يَقُودُ بي الراحلةَ حتى أَتَيْنا الجيشَ مُوغِرِين في نَحْرِ الظَّهيرةِ وهم نُزُولٌ . قالت : فهلَكَ مَن هلَكَ ، وكان الذي تَولَّى كِبْرَ الإفكِ عبدُ اللهِ بنُ أُبَيٍّ ابنُ سَلُولٍ . قال عروةُ : أُخْبِرْتُ أنه كان يُشاعُ ويُتَحَدَّثُ به عندَه ، فيُقِرُّه ويَسْتَمِعُه ويَسْتَوْشِيه . وقال عروةُ أيضا : لم يُسَمَّ مِن أهلِ الإفكِ أيضًا إلا حسانُ بنُ ثابتٍ ، ومِسْطَحُ بنُ أَثَاثَةَ ، وحِمْنَةُ بنتُ جَحْشٍ ، في ناسٍ آخرين لا علمَ لي بهم ، غيرَ أنهم عُصْبَةٌ ، كما قال الله تعالى ، وإن كِبْرَ ذلك يُقالُ له: عبدُ اللهِ بنِ أُبَيٍّ ابنُ سلولٍ . قال عروةُ : كانت عائشةُ تَكْرَهُ أن يُسَبَّ عندَها حسانٌ ؛ وتقولُ : أنه الذي قال : فإن أبي ووالدَه وعرضي *** لعرضِ محمدٍ منكم وقاءُ . قالت عائشةُ : فقَدِمْنا المدينةَ ، فاشتَكَيْتُ حين قَدِمْتُ شهرًا ، والناسُ يُفِيضون في قولِ أصحابِ الإِفْكِ ، لا أشعرُ بشيءٍ مِن ذلك ، وهو يُرِيبُني في وجعي أني لا أَعْرِفُ مِن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم اللُّطْفَ الذي كنتُ أرى منه حين أَشْتَكي ، إنما يَدْخُلُ عليَّ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فيُسَلِّمُ ، ثم يقول : كيف تِيْكُم ؟ ثم يَنْصَرِفُ ، فذلك يُرِيبُني ولا أَشْعُرُ بالشرِّ ، حتى خَرَجْتُ حينَ نَقْهْتُ ، فخَرَجْتُ مع أمِّ مِسْطَحٍ قِبَلَ المَناصِعَ ، وكان مُتَبَرَّزَنا ، وكنا لا نَخْرُجُ إلا ليلًا إلى ليلٍ ، وذلك قبلَ أن نتخِذَ الكُنُفَ قريبًا مِن بيوتِنا ، قالت : وأمرُنا أمرُ العربِ الأُوَلُ في البريِّةِ قِبَلَ الغائطَ ، وكنا نَتَأَذَّى بالكُنُفِ أن نتخِذَها عند بيوتِنا ، قالت : فانطلَقْتُ أنا وأمُّ مِسْطَحٍ ، وهي ابنةُ أبي رَهْمِ بنِ المُطَّلِبِ بنِ عبدِ مَنافٍ ، وأمُّها بنتُ صخرِ بنِ عامرٍ خالةُ أبي بكرٍ الصديقِ ، وابنُها مِسْطَحُ بنُ أَثَاثَةَ بنُ عبَّادِ بنِ المطلبِ ، فأقْبَلْتُ أنا وأمُّ مِسْطَحٍ قِبَلَ بيتي حينَ فَرَغْنا مِن شأنِنا ، فعثَرَتْ أمُّ مِسْطَحٍ في مُرُطِها فقالت : تَعِسَ مَسْطَحٌ ! فقلت لها : بِئْسَ ما قلتِ ! أَتَسُبِّين رجلًا شَهِدَ بدرًا ؟ فقالت : أَيْ هِنْتَاه، أو لم تسمعي ما قال ؟ قالت : وقلتُ : وما قال ؟ فأخبرتني بقولِ أهلِ الإِفْكِ ، قالت : فازدَدْتُ مرضًا على مرضي ، فلما رَجَعْتُ إلى بيتي دخَلَ عليَّ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فسلم ، ثم قال : كيف تيكم ؟ فقلتُ له : أَتَأْذَنُ لي أن آتي أبويَّ ؟ قالت : وأُرِيدُ أن أَسْتَيْقِنَ الخبرَ مِن قِبَلِهما ، قالت : فأَذِنَ لي رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فقلتُ لأمي : يا أمتاه ، ماذا يَتَحَدَّثُ الناسُ ؟ قالت : يا بُنَيَّةُ ، هوِّني عليك ، فواللهِ لقلَّما كانت امرأةٌ قطُّ وَضِيئَةً عندَ رجلٍ يُحِبُّها ، لها ضرائرُ ، إلا أكثرْنَ عليها . قالت : فقُلْتُ : سبحان الله ، أو لقد تحدَّثَ الناسُ بهذا ! قالت : فبكيتُ تلك الليلةَ حتى أَصْبَحْتُ لا يَرْقَأُ لي دمعٌ ولا أَكْتِحِلُ بنومٍ ، ثم أَصْبَحْتُ أَبْكي ، قالت : ودعا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عليَّ بنَ أبي طالبٍ وأسامةَ بنَ زيدٍ ، حين اسْتَلْبَثَ الوحيُّ ، يسأَلُهما ويَسْتَشِيرُهما في فِراقِ أهلِه ، قالت : فأما أسامةُ أشارَ على رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بالذي يَعْلَمُ مِن بَراءَةِ أهلِه ، وبالذي يعلم لهم في نفسِه ، فقال أسامة : أَهْلُك ، ولا نعلمُ إلا خيرًا . وأما عليٌّ فقال : يا رسولَ اللهِ ، لم يُضَيِّقِ اللهُ عليك ، والنساءُ سِواها كثيرٌ ، وسلِ الجاريةَ تَصْدُقْك . قالت : فدعا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَرِيرَةَ ، فقال : أَيْ بريرةُ ، هل رأيتِ شيءً يُرِيبُك؟ قالت له بريرةُ : والذي بعثَك بالحقِّ ، ما رأيتُ عليها أمرًا قطُّ أُغْمِصُه أكثرَ مِن أنها جاريةٌ حديثةُ السنِّ ، تنامُ عن عجينِ أهلِها ، فتأتي الداجنَ فتأكلُه ، قالت : فقام رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِن يومِه فاستَعَذَرَ مِن عبدِ اللهِ بنِ أُبَيٍّ ، وهو على المنبرِ ، فقال : يا معشرَ المسلمين ، مَن يَعْذُرُني مِن رجلٍ قد بلَغَني عنه أذاه في أهلي ، واللهِ ما علمتُ على أهلي إلا خيرًا ، ولقد ذكروا رجلًا ما علمتُ عليه إلا خيرًا وما يَدْخُلُ على أهلي إلا معي . قالت : فقام سعدُ بنُ معاذٍ أخو بني عبدِ الأَشْهَلِ فقال : أنا يا رسولَ اللهِ أَعْذُرُكَ ، فإن كان مِن الأَوْسِ ضَرَبْتُ عنقَه ، وإن كان مِن إخوانِنا مِن الخَزْرَجِ ، أمرْتَنا ففَعَلْنا أمرَك . قالت : فقام رجلٌ مِن الخَزْرَجِ ، وكانت أمُّ حسانٍ بنتَ عمِّه مِن فِخِذِه ، وهو سعدُ بنُ عُبَادَةَ ، وهو سيدُ الخَزْرَجِ ، قالت : وكان قبلَ ذلك رجلًا صالحًا ، ولكن احتَمَلَتْه الحَمِيَّةُ ، فقال لسعدٍ : كذَبْتَ لعَمْرُ اللهِ لا تَقْتُلُه ، ولا تَقْدِرُ على قتلِه ، ولو كان مِن رَهْطِك ما أَحْبَبْتُ أن يُقْتَلَ . فقام أُسَيْدُ بنُ حُضَيْرٍ ، وهو ابنُ عمِّ سعدٍ ، فقال لسعدِ بنِ عبادةَ : كذَبْتَ لعَمْرُ اللهِ لَنَقْتُلَنَّه ، فإنك منافقٌ تُجادِلُ عن المنافقين . قالت فثار الحيَّان الأَوْسُ والخَزْرَجُ ، حتى هموا أن يَقْتَتِلوا ، ورسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قائمٌ على المنبرِ ، قالت : فلم يزَلْ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُخْفِضُهم ، حتى سكتوا وسكتَ ، فبَكَيْتُ يومي ذلك كلَّه لا يَرْقَأُ لي دمعٌ ولا أكتَحِلُ بنومٍ ، قالت : وأصبح أبويَّ عندي ، قد بكَيْتُ ليلتين ويومًا ، ولا يَرْقَأُ لي دمعٌ لا أكْتَحِلُ بنومٍ ، حتى إني لأظنُّ أن البكاءَ فالقٌ كبدي ، فبينا أبوايَّ جالسان عندي وأنا أبكي ، فاستأَذَنَتْ عليَّ امرأةٌ مِن الأنصارِ فأَذِنْتُ لها ، فجلَسَتْ تبكي معي ، قالت : فبينا نحن على ذلك دخَلَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم علينا فسلَّمَ ثم جَلَسَ ، قالت : لم يَجْلِسْ عندي منذ قيل ما قيل قبلها ، وقد لَبِثَ شهرًا لا يُوحى إليه في شأني بشيءٍ ، قالت : فتَشَهَّدَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حين جَلَسَ ، ثم قال : أما بعدُ ، ياعائشةُ ، إنه بلَغَني عنك كذا وكذا ، فإن كنتِ بريئةً ، فسُيُبَرِّئُك اللهُ ، وإن كنتِ أَلْمَمْتِ بذنبٍ ، فاستغفري اللهَ وتوبي إليه ، فإن العبدَ إذا اعتَرَفَ ثم تابَ ، تابَ اللهُ عليه . قالت عائشة : فلما قضى رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مقالتَه قَلُصَ دمعي حتى ما أُحِسُّ منه قطرةً ، فقلتُ لأبي : أَجِبْ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عني فيما قال ، فقال أبي : والله ما أدري ما أقولُ لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فقلت لأمي : أجيبي رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فيما قال ، قالت أمي : واللهِ ما أدري ما أقولُ لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم .، فقلت : وأنا جاريةٌ حديثةُ السنِّ لا أقرأُ مِن القرآنِ كثيرًا : إني واللهِ لقد علمتُ : لقد سمعتم هذا الحديثَ حتى استقرَّ في أنفسِكم وصدقتم به ، فلئِن قلتُ لكم : إني بريئةٌ ، لا تصدقوني ، ولئن اعترَفْتُ لكم بأمرٍ ، والله يعلمُ أني منه بريئةٌ ، لتُصَدِّقُنِّي ، فواللهِ لا أَجِدُ لي ولكم مثلًا إلا أبا يوسفَ حين قال : فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون . ثم تحوَّلْتُ واضطَجَعْتُ على فراشي ، واللهُ يعلمُ أني حِينئِذٍ بريئةٌ ، وأن اللهَ مُبَرِّئي ببراءتي ، ولكن واللهِ ما كنتُ أظنُّ أن اللهَ مُنْزِلٌ في شأني وحْيًا يُتْلَى ، لشأني في نفسي كان أحقرُ مِن أن يَتَكَلَّمَ اللهُ فيَّ بأمرٍ ، ولكني كنتُ أرجو أن يَرى رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم في النومِ رؤيا يُبَرِّئُني اللهُ بها ، فواللهِ ما رامَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مجلسَه ، ولا خرَجَ أحدٌ مِن أهلِ البيتِ ، حتى أُنْزِلَ عليه ، فأَخَذَه ما كان يَأْخُذُه مِن البُرَحَاءِ ، حتى إنه لَيَتَحَدَّرُ منه العرقُ مثلَ الجُمَانِ ، وهو في يومٍ شاتٍ ، مِن ثِقَلِ القولِ الذي أُنْزِلَ عليه ، قالت : فسُرِّىَ عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وهو يَضْحَكُ ، فكانت أو كلمةٌ تَكَلَّمَ بها أن قال : يا عائشةُ ، أما والله فقد برَّأَكِ . فقالت لي أمي : قومي إليه . فقلت : واللهِ لا أقومُ إليه ، فإني لا أحمدُ إلا اللهَ عز وجل ، قالت : وأنزل اللهُ تعالى : إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم . العشر الآيات ، ثم أنزل اللهً هذا في براءتي ، قال أبو بكر الصديق ، وكان يُنْفِقُ على مِسْطَحِ بنِ أَثَاثَةَ؛ لِقَرابِتِه منه وفقرِه : واللهِ لا أُنْفِقُ على مِسْطَحٍ شيئًا أبدًا ، بعد الذي قال لعائشةَ ما قال . فأنزل اللهُ : ولا يأتل أولوا الفضل منكم - إلى قوله - غفور رحيم . قال أبو بكر الصديق : بلى واللهِ إني لَأُحِبُّ أن يًغْفِرَ اللهُ لي ، فرجَعَ إلى مِسْطَحٍ النفقةَ التي يُنْفِقُ عليه ، وقال : واللهِ لا أَنْزِعُها منه أبدًا . قالت عائشةُ : وكان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم سألَ زينبَ بنتَ جَحْشٍ عن أمري ، فقال لزينبَ : ماذا علِمْتِ ، أو رأيتِ ؟ فقالت : يا رسولَ اللهِ، أحمي سمعي وبصري ، واللهِ ما علمتُ إلا خيرًا . قالت عائشةُ : وهي التي كانت تُساميني مِن أزواجِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فعَصَمَها اللهُ بالورعِ . قالت : وطَفِقَتْ أختُها تُحَاربُ لها ، فهلَكَتْ فيمَنْ هَلَكَ . قال ابنُ شهابٍ : فهذا الذي بَلَغَني مِن حديثِ هؤلاء الرَّهْطِ . ثم قال عروةُ : قالت عائشةُ : واللهِ إن الرجلَ الذي قيل له ما قيل لَيَقولُ : سبحانِ اللهِ ! فوالذي نفسي بيدِه ما كَشَفْتُ مِن كَنَفِ أنثى قطُّ ، قالت : ثم قُتِلَ بعدَ ذلك في سبيلِ اللهِ .
كان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إذا أرادَ سفرًا أَقْرَعَ بينَ أزواجِه ، فأيَّتُهنَّ خرَجَ سهمُها خرَجَ بها رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم معه ، قالت عائشةُ : فأقرَعَ بينَنا في غزوةٍ غزاها، فخرَجَ فيها سهمي ، فخرَجْتُ مع رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بعدَ ما أُنْزِلَ الحجابُ ، فكُنْتُ أُحْمَلُ في هَوْدَجِي وأُنْزَلُ فيه ، فسِرْنا حتى إذا فَرَغَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم من غزوتِه تلك وقَفَلَ ، ودَنَوْنا مِن المدينةِ قافلين ، آذَنَ ليلةً بالرحيلِ ، فقُمْتُ حينَ آذَنوا بالرَّحيلِ ، فمَشَيْتُ حتى جاوزْتُ الجيشَ ، فلما قَضَيتُ شأني أقبَلْتُ إلى رَحْلي ، فلَمَسْتُ صدري فإذا عِقْدٌ لي مِن جَزْعِ ظَفَارِ قد انقطَعَ ! فرَجَعْتُ فالتَمَسْتُ عِقْدي؛ فحَبَسَني ابتغاؤُه ، قالت : وأقبلَ الرَّهْطُ الذين كانوا يَرْحَلُون لي ، فاحتملوا هُوْدَجي، فرَحَلوه على بعيري الذي كنتُ أركَبُ عليه ، وهم يَحْسِبون أني فيه ، وكان النساءُ إذ ذاكَ خِفَافًا لم يَهْبُلْنَ ، ولم يَغْشَهُنَّ اللحمُ ؛ إنما يأكُلْنَ العَلَقَةَ مِن الطعامِ ، فلم يَسْتَنْكِرِ القومُ خِفَةَ الهَوْدَجِ حينَ رَفعوه وحملوه ، وكنتُ جاريةً حديثةَ السنِّ ، فبعثوا الجملَ فساروا ، ووَجَدْتُ عِقْدي بعدَ ما استمَرَّ الجيشُ ، فجِئْتُ منازلَهم وليس بها منهم داعٍ ولا مجيبٌ ، فتَيَمَّمْتُ منزلي الذي كنتُ فيه ، وظَنَنْتُ أنهم سيَفْقِدوني فيَرجِعون إليَّ ، فبينا أنا جالسةٌ في منزلي غلَبَتْني عيني فنِمْتُ ، وكان صفوانُ بنُ المُعطِّل السُّلَمِيُّ ثم الذَّكْوَانِيُّ مِن وراءِ الجيشِ ، فأصبحَ عندَ منزلي ، فرأى سَوادَ إنسانٍ نائمٍ، فعرفَني حين رآني ، وكان رآني قبلَ الحجابِ ، فاستيقَظْتُ باسترجاعِه حينَ عرَفَني ، فخَمَّرْتُ وجهي بجِلْبابي ، والله ما تكلَّمْنا بكلمةٍ ، ولا سَمِعْتُ منه كلمةً غيرَ استرجاعِه ، وهوى حتى أناخَ راحلتَه ، فوَطِئَ على يدِها ، فقُمْتُ إليها فركِبْتُها ، فانطلَقَ يَقُودُ بي الراحلةَ حتى أَتَيْنا الجيشَ مُوغِرِين في نَحْرِ الظَّهيرةِ وهم نُزُولٌ . قالت : فهلَكَ مَن هلَكَ ، وكان الذي تَولَّى كِبْرَ الإفكِ عبدُ اللهِ بنُ أُبَيٍّ ابنُ سَلُولٍ . قال عروةُ : أُخْبِرْتُ أنه كان يُشاعُ ويُتَحَدَّثُ به عندَه ، فيُقِرُّه ويَسْتَمِعُه ويَسْتَوْشِيه . وقال عروةُ أيضا : لم يُسَمَّ مِن أهلِ الإفكِ أيضًا إلا حسانُ بنُ ثابتٍ ، ومِسْطَحُ بنُ أَثَاثَةَ ، وحِمْنَةُ بنتُ جَحْشٍ ، في ناسٍ آخرين لا علمَ لي بهم ، غيرَ أنهم عُصْبَةٌ ، كما قال الله تعالى ، وإن كِبْرَ ذلك يُقالُ له: عبدُ اللهِ بنِ أُبَيٍّ ابنُ سلولٍ . قال عروةُ : كانت عائشةُ تَكْرَهُ أن يُسَبَّ عندَها حسانٌ ؛ وتقولُ : أنه الذي قال : فإن أبي ووالدَه وعرضي *** لعرضِ محمدٍ منكم وقاءُ . قالت عائشةُ : فقَدِمْنا المدينةَ ، فاشتَكَيْتُ حين قَدِمْتُ شهرًا ، والناسُ يُفِيضون في قولِ أصحابِ الإِفْكِ ، لا أشعرُ بشيءٍ مِن ذلك ، وهو يُرِيبُني في وجعي أني لا أَعْرِفُ مِن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم اللُّطْفَ الذي كنتُ أرى منه حين أَشْتَكي ، إنما يَدْخُلُ عليَّ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فيُسَلِّمُ ، ثم يقول : كيف تِيْكُم ؟ ثم يَنْصَرِفُ ، فذلك يُرِيبُني ولا أَشْعُرُ بالشرِّ ، حتى خَرَجْتُ حينَ نَقْهْتُ ، فخَرَجْتُ مع أمِّ مِسْطَحٍ قِبَلَ المَناصِعَ ، وكان مُتَبَرَّزَنا ، وكنا لا نَخْرُجُ إلا ليلًا إلى ليلٍ ، وذلك قبلَ أن نتخِذَ الكُنُفَ قريبًا مِن بيوتِنا ، قالت : وأمرُنا أمرُ العربِ الأُوَلُ في البريِّةِ قِبَلَ الغائطَ ، وكنا نَتَأَذَّى بالكُنُفِ أن نتخِذَها عند بيوتِنا ، قالت : فانطلَقْتُ أنا وأمُّ مِسْطَحٍ ، وهي ابنةُ أبي رَهْمِ بنِ المُطَّلِبِ بنِ عبدِ مَنافٍ ، وأمُّها بنتُ صخرِ بنِ عامرٍ خالةُ أبي بكرٍ الصديقِ ، وابنُها مِسْطَحُ بنُ أَثَاثَةَ بنُ عبَّادِ بنِ المطلبِ ، فأقْبَلْتُ أنا وأمُّ مِسْطَحٍ قِبَلَ بيتي حينَ فَرَغْنا مِن شأنِنا ، فعثَرَتْ أمُّ مِسْطَحٍ في مُرُطِها فقالت : تَعِسَ مَسْطَحٌ ! فقلت لها : بِئْسَ ما قلتِ ! أَتَسُبِّين رجلًا شَهِدَ بدرًا ؟ فقالت : أَيْ هِنْتَاه، أو لم تسمعي ما قال ؟ قالت : وقلتُ : وما قال ؟ فأخبرتني بقولِ أهلِ الإِفْكِ ، قالت : فازدَدْتُ مرضًا على مرضي ، فلما رَجَعْتُ إلى بيتي دخَلَ عليَّ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فسلم ، ثم قال : كيف تيكم ؟ فقلتُ له : أَتَأْذَنُ لي أن آتي أبويَّ ؟ قالت : وأُرِيدُ أن أَسْتَيْقِنَ الخبرَ مِن قِبَلِهما ، قالت : فأَذِنَ لي رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فقلتُ لأمي : يا أمتاه ، ماذا يَتَحَدَّثُ الناسُ ؟ قالت : يا بُنَيَّةُ ، هوِّني عليك ، فواللهِ لقلَّما كانت امرأةٌ قطُّ وَضِيئَةً عندَ رجلٍ يُحِبُّها ، لها ضرائرُ ، إلا أكثرْنَ عليها . قالت : فقُلْتُ : سبحان الله ، أو لقد تحدَّثَ الناسُ بهذا ! قالت : فبكيتُ تلك الليلةَ حتى أَصْبَحْتُ لا يَرْقَأُ لي دمعٌ ولا أَكْتِحِلُ بنومٍ ، ثم أَصْبَحْتُ أَبْكي ، قالت : ودعا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عليَّ بنَ أبي طالبٍ وأسامةَ بنَ زيدٍ ، حين اسْتَلْبَثَ الوحيُّ ، يسأَلُهما ويَسْتَشِيرُهما في فِراقِ أهلِه ، قالت : فأما أسامةُ أشارَ على رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بالذي يَعْلَمُ مِن بَراءَةِ أهلِه ، وبالذي يعلم لهم في نفسِه ، فقال أسامة : أَهْلُك ، ولا نعلمُ إلا خيرًا . وأما عليٌّ فقال : يا رسولَ اللهِ ، لم يُضَيِّقِ اللهُ عليك ، والنساءُ سِواها كثيرٌ ، وسلِ الجاريةَ تَصْدُقْك . قالت : فدعا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَرِيرَةَ ، فقال : أَيْ بريرةُ ، هل رأيتِ شيءً يُرِيبُك ؟ قالت له بريرةُ : والذي بعثَك بالحقِّ ، ما رأيتُ عليها أمرًا قطُّ أُغْمِصُه أكثرَ مِن أنها جاريةٌ حديثةُ السنِّ ، تنامُ عن عجينِ أهلِها ، فتأتي الداجنَ فتأكلُه ، قالت : فقام رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِن يومِه فاستَعَذَرَ مِن عبدِ اللهِ بنِ أُبَيٍّ ، وهو على المنبرِ ، فقال : يا معشرَ المسلمين ، مَن يَعْذُرُني مِن رجلٍ قد بلَغَني عنه أذاه في أهلي ، واللهِ ما علمتُ على أهلي إلا خيرًا ، ولقد ذكروا رجلًا ما علمتُ عليه إلا خيرًا وما يَدْخُلُ على أهلي إلا معي . قالت : فقام سعدُ بنُ معاذٍ أخو بني عبدِ الأَشْهَلِ فقال : أنا يا رسولَ اللهِ أَعْذُرُكَ ، فإن كان مِن الأَوْسِ ضَرَبْتُ عنقَه ، وإن كان مِن إخوانِنا مِن الخَزْرَجِ ، أمرْتَنا ففَعَلْنا أمرَك . قالت : فقام رجلٌ مِن الخَزْرَجِ ، وكانت أمُّ حسانٍ بنتَ عمِّه مِن فِخِذِه ، وهو سعدُ بنُ عُبَادَةَ ، وهو سيدُ الخَزْرَجِ ، قالت : وكان قبلَ ذلك رجلًا صالحًا ، ولكن احتَمَلَتْه الحَمِيَّةُ ، فقال لسعدٍ : كذَبْتَ لعَمْرُ اللهِ لا تَقْتُلُه ، ولا تَقْدِرُ على قتلِه ، ولو كان مِن رَهْطِك ما أَحْبَبْتُ أن يُقْتَلَ . فقام أُسَيْدُ بنُ حُضَيْرٍ ، وهو ابنُ عمِّ سعدٍ ، فقال لسعدِ بنِ عبادةَ : كذَبْتَ لعَمْرُ اللهِ لَنَقْتُلَنَّه ، فإنك منافقٌ تُجادِلُ عن المنافقين . قالت فثار الحيَّان الأَوْسُ والخَزْرَجُ ، حتى هموا أن يَقْتَتِلوا ، ورسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قائمٌ على المنبرِ ، قالت : فلم يزَلْ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُخْفِضُهم ، حتى سكتوا وسكتَ ، فبَكَيْتُ يومي ذلك كلَّه لا يَرْقَأُ لي دمعٌ ولا أكتَحِلُ بنومٍ ، قالت : وأصبح أبويَّ عندي ، قد بكَيْتُ ليلتين ويومًا ، ولا يَرْقَأُ لي دمعٌ لا أكْتَحِلُ بنومٍ ، حتى إني لأظنُّ أن البكاءَ فالقٌ كبدي ، فبينا أبوايَّ جالسان عندي وأنا أبكي ، فاستأَذَنَتْ عليَّ امرأةٌ مِن الأنصارِ فأَذِنْتُ لها ، فجلَسَتْ تبكي معي ، قالت : فبينا نحن على ذلك دخَلَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم علينا فسلَّمَ ثم جَلَسَ ، قالت : لم يَجْلِسْ عندي منذ قيل ما قيل قبلها ، وقد لَبِثَ شهرًا لا يُوحى إليه في شأني بشيءٍ ، قالت : فتَشَهَّدَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حين جَلَسَ ، ثم قال : أما بعدُ ، ياعائشةُ ، إنه بلَغَني عنك كذا وكذا ، فإن كنتِ بريئةً ، فسُيُبَرِّئُك اللهُ ، وإن كنتِ أَلْمَمْتِ بذنبٍ ، فاستغفري اللهَ وتوبي إليه ، فإن العبدَ إذا اعتَرَفَ ثم تابَ ، تابَ اللهُ عليه . قالت عائشة : فلما قضى رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مقالتَه قَلُصَ دمعي حتى ما أُحِسُّ منه قطرةً ، فقلتُ لأبي : أَجِبْ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عني فيما قال ، فقال أبي : والله ما أدري ما أقولُ لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فقلت لأمي : أجيبي رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فيما قال ، قالت أمي : واللهِ ما أدري ما أقولُ لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم .، فقلت : وأنا جاريةٌ حديثةُ السنِّ لا أقرأُ مِن القرآنِ كثيرًا : إني واللهِ لقد علمتُ : لقد سمعتم هذا الحديثَ حتى استقرَّ في أنفسِكم وصدقتم به ، فلئِن قلتُ لكم : إني بريئةٌ ، لا تصدقوني ، ولئن اعترَفْتُ لكم بأمرٍ ، والله يعلمُ أني منه بريئةٌ ، لتُصَدِّقُنِّي ، فواللهِ لا أَجِدُ لي ولكم مثلًا إلا أبا يوسفَ حين قال : فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون . ثم تحوَّلْتُ واضطَجَعْتُ على فراشي ، واللهُ يعلمُ أني حِينئِذٍ بريئةٌ ، وأن اللهَ مُبَرِّئي ببراءتي ، ولكن واللهِ ما كنتُ أظنُّ أن اللهَ مُنْزِلٌ في شأني وحْيًا يُتْلَى ، لشأني في نفسي كان أحقرُ مِن أن يَتَكَلَّمَ اللهُ فيَّ بأمرٍ ، ولكني كنتُ أرجو أن يَرى رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم في النومِ رؤيا يُبَرِّئُني اللهُ بها ، فواللهِ ما رامَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مجلسَه ، ولا خرَجَ أحدٌ مِن أهلِ البيتِ ، حتى أُنْزِلَ عليه ، فأَخَذَه ما كان يَأْخُذُه مِن البُرَحَاءِ ، حتى إنه لَيَتَحَدَّرُ منه العرقُ مثلَ الجُمَانِ ، وهو في يومٍ شاتٍ ، مِن ثِقَلِ القولِ الذي أُنْزِلَ عليه ، قالت : فسُرِّىَ عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وهو يَضْحَكُ ، فكانت أو كلمةٌ تَكَلَّمَ بها أن قال : يا عائشةُ ، أما والله فقد برَّأَكِ . فقالت لي أمي : قومي إليه . فقلت : واللهِ لا أقومُ إليه ، فإني لا أحمدُ إلا اللهَ عز وجل ، قالت : وأنزل اللهُ تعالى : إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم . العشر الآيات ، ثم أنزل اللهً هذا في براءتي ، قال أبو بكر الصديق ، وكان يُنْفِقُ على مِسْطَحِ بنِ أَثَاثَةَ؛ لِقَرابِتِه منه وفقرِه : واللهِ لا أُنْفِقُ على مِسْطَحٍ شيئًا أبدًا ، بعد الذي قال لعائشةَ ما قال . فأنزل اللهُ : ولا يأتل أولوا الفضل منكم - إلى قوله - غفور رحيم . قال أبو بكر الصديق : بلى واللهِ إني لَأُحِبُّ أن يًغْفِرَ اللهُ لي ، فرجَعَ إلى مِسْطَحٍ النفقةَ التي يُنْفِقُ عليه ، وقال : واللهِ لا أَنْزِعُها منه أبدًا . قالت عائشةُ : وكان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم سألَ زينبَ بنتَ جَحْشٍ عن أمري ، فقال لزينبَ : ماذا علِمْتِ ، أو رأيتِ ؟ فقالت : يا رسولَ اللهِ، أحمي سمعي وبصري ، واللهِ ما علمتُ إلا خيرًا . قالت عائشةُ : وهي التي كانت تُساميني مِن أزواجِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فعَصَمَها اللهُ بالورعِ . قالت : وطَفِقَتْ أختُها تُحَاربُ لها ، فهلَكَتْ فيمَنْ هَلَكَ . قال ابنُ شهابٍ : فهذا الذي بَلَغَني مِن حديثِ هؤلاء الرَّهْطِ . ثم قال عروةُ : قالت عائشةُ : واللهِ إن الرجلَ الذي قيل له ما قيل لَيَقولُ : سبحانِ اللهِ ! فوالذي نفسي بيدِه ما كَشَفْتُ مِن كَنَفِ أنثى قطُّ ، قالت : ثم قُتِلَ بعدَ ذلك في سبيلِ اللهِ .
كان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إذا أرادَ سفرًا أَقْرَعَ بينَ أزواجِه ، فأيَّتُهنَّ خرَجَ سهمُها خرَجَ بها رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم معه ، قالت عائشةُ : فأقرَعَ بينَنا في غزوةٍ غزاها، فخرَجَ فيها سهمي ، فخرَجْتُ مع رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بعدَ ما أُنْزِلَ الحجابُ ، فكُنْتُ أُحْمَلُ في هَوْدَجِي وأُنْزَلُ فيه ، فسِرْنا حتى إذا فَرَغَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم من غزوتِه تلك وقَفَلَ ، ودَنَوْنا مِن المدينةِ قافلين ، آذَنَ ليلةً بالرحيلِ ، فقُمْتُ حينَ آذَنوا بالرَّحيلِ ، فمَشَيْتُ حتى جاوزْتُ الجيشَ ، فلما قَضَيتُ شأني أقبَلْتُ إلى رَحْلي ، فلَمَسْتُ صدري فإذا عِقْدٌ لي مِن جَزْعِ ظَفَارِ قد انقطَعَ ! فرَجَعْتُ فالتَمَسْتُ عِقْدي؛ فحَبَسَني ابتغاؤُه ، قالت : وأقبلَ الرَّهْطُ الذين كانوا يَرْحَلُون لي ، فاحتملوا هُوْدَجي، فرَحَلوه على بعيري الذي كنتُ أركَبُ عليه ، وهم يَحْسِبون أني فيه ، وكان النساءُ إذ ذاكَ خِفَافًا لم يَهْبُلْنَ ، ولم يَغْشَهُنَّ اللحمُ ؛ إنما يأكُلْنَ العَلَقَةَ مِن الطعامِ ، فلم يَسْتَنْكِرِ القومُ خِفَةَ الهَوْدَجِ حينَ رَفعوه وحملوه ، وكنتُ جاريةً حديثةَ السنِّ ، فبعثوا الجملَ فساروا ، ووَجَدْتُ عِقْدي بعدَ ما استمَرَّ الجيشُ ، فجِئْتُ منازلَهم وليس بها منهم داعٍ ولا مجيبٌ ، فتَيَمَّمْتُ منزلي الذي كنتُ فيه ، وظَنَنْتُ أنهم سيَفْقِدوني فيَرجِعون إليَّ ، فبينا أنا جالسةٌ في منزلي غلَبَتْني عيني فنِمْتُ ، وكان صفوانُ بنُ المُعطِّل السُّلَمِيُّ ثم الذَّكْوَانِيُّ مِن وراءِ الجيشِ ، فأصبحَ عندَ منزلي ، فرأى سَوادَ إنسانٍ نائمٍ، فعرفَني حين رآني ، وكان رآني قبلَ الحجابِ ، فاستيقَظْتُ باسترجاعِه حينَ عرَفَني ، فخَمَّرْتُ وجهي بجِلْبابي ، والله ما تكلَّمْنا بكلمةٍ ، ولا سَمِعْتُ منه كلمةً غيرَ استرجاعِه ، وهوى حتى أناخَ راحلتَه ، فوَطِئَ على يدِها ، فقُمْتُ إليها فركِبْتُها ، فانطلَقَ يَقُودُ بي الراحلةَ حتى أَتَيْنا الجيشَ مُوغِرِين في نَحْرِ الظَّهيرةِ وهم نُزُولٌ . قالت : فهلَكَ مَن هلَكَ ، وكان الذي تَولَّى كِبْرَ الإفكِ عبدُ اللهِ بنُ أُبَيٍّ ابنُ سَلُولٍ . قال عروةُ : أُخْبِرْتُ أنه كان يُشاعُ ويُتَحَدَّثُ به عندَه ، فيُقِرُّه ويَسْتَمِعُه ويَسْتَوْشِيه . وقال عروةُ أيضا : لم يُسَمَّ مِن أهلِ الإفكِ أيضًا إلا حسانُ بنُ ثابتٍ ، ومِسْطَحُ بنُ أَثَاثَةَ ، وحِمْنَةُ بنتُ جَحْشٍ ، في ناسٍ آخرين لا علمَ لي بهم ، غيرَ أنهم عُصْبَةٌ ، كما قال الله تعالى ، وإن كِبْرَ ذلك يُقالُ له: عبدُ اللهِ بنِ أُبَيٍّ ابنُ سلولٍ . قال عروةُ : كانت عائشةُ تَكْرَهُ أن يُسَبَّ عندَها حسانٌ ؛ وتقولُ : أنه الذي قال : فإن أبي ووالدَه وعرضي *** لعرضِ محمدٍ منكم وقاءُ . قالت عائشةُ : فقَدِمْنا المدينةَ ، فاشتَكَيْتُ حين قَدِمْتُ شهرًا ، والناسُ يُفِيضون في قولِ أصحابِ الإِفْكِ ، لا أشعرُ بشيءٍ مِن ذلك ، وهو يُرِيبُني في وجعي أني لا أَعْرِفُ مِن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم اللُّطْفَ الذي كنتُ أرى منه حين أَشْتَكي ، إنما يَدْخُلُ عليَّ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فيُسَلِّمُ ، ثم يقول : كيف تِيْكُم ؟ ثم يَنْصَرِفُ ، فذلك يُرِيبُني ولا أَشْعُرُ بالشرِّ ، حتى خَرَجْتُ حينَ نَقْهْتُ ، فخَرَجْتُ مع أمِّ مِسْطَحٍ قِبَلَ المَناصِعَ ، وكان مُتَبَرَّزَنا ، وكنا لا نَخْرُجُ إلا ليلًا إلى ليلٍ ، وذلك قبلَ أن نتخِذَ الكُنُفَ قريبًا مِن بيوتِنا ، قالت : وأمرُنا أمرُ العربِ الأُوَلُ في البريِّةِ قِبَلَ الغائطَ ، وكنا نَتَأَذَّى بالكُنُفِ أن نتخِذَها عند بيوتِنا ، قالت : فانطلَقْتُ أنا وأمُّ مِسْطَحٍ ، وهي ابنةُ أبي رَهْمِ بنِ المُطَّلِبِ بنِ عبدِ مَنافٍ ، وأمُّها بنتُ صخرِ بنِ عامرٍ خالةُ أبي بكرٍ الصديقِ ، وابنُها مِسْطَحُ بنُ أَثَاثَةَ بنُ عبَّادِ بنِ المطلبِ ، فأقْبَلْتُ أنا وأمُّ مِسْطَحٍ قِبَلَ بيتي حينَ فَرَغْنا مِن شأنِنا ، فعثَرَتْ أمُّ مِسْطَحٍ في مُرُطِها فقالت : تَعِسَ مَسْطَحٌ ! فقلت لها : بِئْسَ ما قلتِ ! أَتَسُبِّين رجلًا شَهِدَ بدرًا ؟ فقالت : أَيْ هِنْتَاه، أو لم تسمعي ما قال ؟ قالت : وقلتُ : وما قال ؟ فأخبرتني بقولِ أهلِ الإِفْكِ ، قالت : فازدَدْتُ مرضًا على مرضي ، فلما رَجَعْتُ إلى بيتي دخَلَ عليَّ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فسلم ، ثم قال : كيف تيكم ؟ فقلتُ له : أَتَأْذَنُ لي أن آتي أبويَّ ؟ قالت : وأُرِيدُ أن أَسْتَيْقِنَ الخبرَ مِن قِبَلِهما ، قالت : فأَذِنَ لي رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فقلتُ لأمي : يا أمتاه ، ماذا يَتَحَدَّثُ الناسُ ؟ قالت : يا بُنَيَّةُ ، هوِّني عليك ، فواللهِ لقلَّما كانت امرأةٌ قطُّ وَضِيئَةً عندَ رجلٍ يُحِبُّها ، لها ضرائرُ ، إلا أكثرْنَ عليها . قالت : فقُلْتُ : سبحان الله ، أو لقد تحدَّثَ الناسُ بهذا ! قالت : فبكيتُ تلك الليلةَ حتى أَصْبَحْتُ لا يَرْقَأُ لي دمعٌ ولا أَكْتِحِلُ بنومٍ ، ثم أَصْبَحْتُ أَبْكي ، قالت : ودعا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عليَّ بنَ أبي طالبٍ وأسامةَ بنَ زيدٍ ، حين اسْتَلْبَثَ الوحيُّ ، يسأَلُهما ويَسْتَشِيرُهما في فِراقِ أهلِه ، قالت : فأما أسامةُ أشارَ على رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بالذي يَعْلَمُ مِن بَراءَةِ أهلِه ، وبالذي يعلم لهم في نفسِه ، فقال أسامة : أَهْلُك ، ولا نعلمُ إلا خيرًا . وأما عليٌّ فقال : يا رسولَ اللهِ ، لم يُضَيِّقِ اللهُ عليك ، والنساءُ سِواها كثيرٌ ، وسلِ الجاريةَ تَصْدُقْك . قالت : فدعا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَرِيرَةَ ، فقال : أَيْ بريرةُ ، هل رأيتِ شيءً يُرِيبُك؟ قالت له بريرةُ : والذي بعثَك بالحقِّ ، ما رأيتُ عليها أمرًا قطُّ أُغْمِصُه أكثرَ مِن أنها جاريةٌ حديثةُ السنِّ ، تنامُ عن عجينِ أهلِها ، فتأتي الداجنَ فتأكلُه ، قالت : فقام رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِن يومِه فاستَعَذَرَ مِن عبدِ اللهِ بنِ أُبَيٍّ ، وهو على المنبرِ ، فقال : يا معشرَ المسلمين ، مَن يَعْذُرُني مِن رجلٍ قد بلَغَني عنه أذاه في أهلي ، واللهِ ما علمتُ على أهلي إلا خيرًا ، ولقد ذكروا رجلًا ما علمتُ عليه إلا خيرًا وما يَدْخُلُ على أهلي إلا معي . قالت : فقام سعدُ بنُ معاذٍ أخو بني عبدِ الأَشْهَلِ فقال : أنا يا رسولَ اللهِ أَعْذُرُكَ ، فإن كان مِن الأَوْسِ ضَرَبْتُ عنقَه ، وإن كان مِن إخوانِنا مِن الخَزْرَجِ ، أمرْتَنا ففَعَلْنا أمرَك . قالت : فقام رجلٌ مِن الخَزْرَجِ ، وكانت أمُّ حسانٍ بنتَ عمِّه مِن فِخِذِه ، وهو سعدُ بنُ عُبَادَةَ ، وهو سيدُ الخَزْرَجِ ، قالت : وكان قبلَ ذلك رجلًا صالحًا ، ولكن احتَمَلَتْه الحَمِيَّةُ ، فقال لسعدٍ : كذَبْتَ لعَمْرُ اللهِ لا تَقْتُلُه ، ولا تَقْدِرُ على قتلِه ، ولو كان مِن رَهْطِك ما أَحْبَبْتُ أن يُقْتَلَ . فقام أُسَيْدُ بنُ حُضَيْرٍ ، وهو ابنُ عمِّ سعدٍ ، فقال لسعدِ بنِ عبادةَ : كذَبْتَ لعَمْرُ اللهِ لَنَقْتُلَنَّه ، فإنك منافقٌ تُجادِلُ عن المنافقين . قالت فثار الحيَّان الأَوْسُ والخَزْرَجُ ، حتى هموا أن يَقْتَتِلوا ، ورسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قائمٌ على المنبرِ ، قالت : فلم يزَلْ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُخْفِضُهم ، حتى سكتوا وسكتَ ، فبَكَيْتُ يومي ذلك كلَّه لا يَرْقَأُ لي دمعٌ ولا أكتَحِلُ بنومٍ ، قالت : وأصبح أبويَّ عندي ، قد بكَيْتُ ليلتين ويومًا ، ولا يَرْقَأُ لي دمعٌ لا أكْتَحِلُ بنومٍ ، حتى إني لأظنُّ أن البكاءَ فالقٌ كبدي ، فبينا أبوايَّ جالسان عندي وأنا أبكي ، فاستأَذَنَتْ عليَّ امرأةٌ مِن الأنصارِ فأَذِنْتُ لها ، فجلَسَتْ تبكي معي ، قالت : فبينا نحن على ذلك دخَلَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم علينا فسلَّمَ ثم جَلَسَ ، قالت : لم يَجْلِسْ عندي منذ قيل ما قيل قبلها ، وقد لَبِثَ شهرًا لا يُوحى إليه في شأني بشيءٍ ، قالت : فتَشَهَّدَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حين جَلَسَ ، ثم قال : أما بعدُ ، ياعائشةُ ، إنه بلَغَني عنك كذا وكذا ، فإن كنتِ بريئةً ، فسُيُبَرِّئُك اللهُ ، وإن كنتِ أَلْمَمْتِ بذنبٍ ، فاستغفري اللهَ وتوبي إليه ، فإن العبدَ إذا اعتَرَفَ ثم تابَ ، تابَ اللهُ عليه . قالت عائشة : فلما قضى رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مقالتَه قَلُصَ دمعي حتى ما أُحِسُّ منه قطرةً ، فقلتُ لأبي : أَجِبْ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عني فيما قال ، فقال أبي : والله ما أدري ما أقولُ لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فقلت لأمي : أجيبي رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فيما قال ، قالت أمي : واللهِ ما أدري ما أقولُ لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم .، فقلت : وأنا جاريةٌ حديثةُ السنِّ لا أقرأُ مِن القرآنِ كثيرًا : إني واللهِ لقد علمتُ : لقد سمعتم هذا الحديثَ حتى استقرَّ في أنفسِكم وصدقتم به ، فلئِن قلتُ لكم : إني بريئةٌ ، لا تصدقوني ، ولئن اعترَفْتُ لكم بأمرٍ ، والله يعلمُ أني منه بريئةٌ ، لتُصَدِّقُنِّي ، فواللهِ لا أَجِدُ لي ولكم مثلًا إلا أبا يوسفَ حين قال : فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون . ثم تحوَّلْتُ واضطَجَعْتُ على فراشي ، واللهُ يعلمُ أني حِينئِذٍ بريئةٌ ، وأن اللهَ مُبَرِّئي ببراءتي ، ولكن واللهِ ما كنتُ أظنُّ أن اللهَ مُنْزِلٌ في شأني وحْيًا يُتْلَى ، لشأني في نفسي كان أحقرُ مِن أن يَتَكَلَّمَ اللهُ فيَّ بأمرٍ ، ولكني كنتُ أرجو أن يَرى رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم في النومِ رؤيا يُبَرِّئُني اللهُ بها ، فواللهِ ما رامَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مجلسَه ، ولا خرَجَ أحدٌ مِن أهلِ البيتِ ، حتى أُنْزِلَ عليه ، فأَخَذَه ما كان يَأْخُذُه مِن البُرَحَاءِ ، حتى إنه لَيَتَحَدَّرُ منه العرقُ مثلَ الجُمَانِ ، وهو في يومٍ شاتٍ ، مِن ثِقَلِ القولِ الذي أُنْزِلَ عليه ، قالت : فسُرِّىَ عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وهو يَضْحَكُ ، فكانت أو كلمةٌ تَكَلَّمَ بها أن قال : يا عائشةُ ، أما والله فقد برَّأَكِ . فقالت لي أمي : قومي إليه . فقلت : واللهِ لا أقومُ إليه ، فإني لا أحمدُ إلا اللهَ عز وجل ، قالت : وأنزل اللهُ تعالى : إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم . العشر الآيات ، ثم أنزل اللهً هذا في براءتي ، قال أبو بكر الصديق ، وكان يُنْفِقُ على مِسْطَحِ بنِ أَثَاثَةَ؛ لِقَرابِتِه منه وفقرِه : واللهِ لا أُنْفِقُ على مِسْطَحٍ شيئًا أبدًا ، بعد الذي قال لعائشةَ ما قال . فأنزل اللهُ : ولا يأتل أولوا الفضل منكم - إلى قوله - غفور رحيم . قال أبو بكر الصديق : بلى واللهِ إني لَأُحِبُّ أن يًغْفِرَ اللهُ لي ، فرجَعَ إلى مِسْطَحٍ النفقةَ التي يُنْفِقُ عليه ، وقال : واللهِ لا أَنْزِعُها منه أبدًا . قالت عائشةُ : وكان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم سألَ زينبَ بنتَ جَحْشٍ عن أمري ، فقال لزينبَ : ماذا علِمْتِ ، أو رأيتِ ؟ فقالت : يا رسولَ اللهِ ، أحمي سمعي وبصري ، واللهِ ما علمتُ إلا خيرًا . قالت عائشةُ : وهي التي كانت تُساميني مِن أزواجِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فعَصَمَها اللهُ بالورعِ . قالت : وطَفِقَتْ أختُها تُحَاربُ لها ، فهلَكَتْ فيمَنْ هَلَكَ . قال ابنُ شهابٍ : فهذا الذي بَلَغَني مِن حديثِ هؤلاء الرَّهْطِ . ثم قال عروةُ : قالت عائشةُ : واللهِ إن الرجلَ الذي قيل له ما قيل لَيَقولُ : سبحانِ اللهِ ! فوالذي نفسي بيدِه ما كَشَفْتُ مِن كَنَفِ أنثى قطُّ ، قالت : ثم قُتِلَ بعدَ ذلك في سبيلِ اللهِ .
عن عائشةَ زوجِ النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ حينَ قال لَها أَهلُ الإفكِ ما قالوا فبرَّأَها اللَّهُ منهُ فَكلُّهم حدَّثني بطائفةٍ من حديثِها وبعضُهم كانَ أوعى لحديثِها من بعضٍ وأثبتَ لَها اقتِصاصًا وقد وعيتُ من كلِّ رجلٍ منهمُ الحديثَ الَّذي حدَّثني عن عائشةَ وبعضُهم يصدِّقُ بعضًا وإن كانَ بعضُهم أوعى من بعضٍ زعموا أنَّ عائشةَ زوجَ النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ قالت كانَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ إذا أرادَ سفرًا أقرعَ بينَ أزواجِه فأيَّتُهنَّ خرجَ سَهمُها خرجَ بِها رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ معَه قالت عائشةُ فأقرعَ بيننَا رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ في غزوةٍ غزاها فخرجَ سَهمي فخرجَ بي رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ في غزوتِه تلكَ أذنَ اللَّهُ بالرَّحيلِ فخرجتُ حينَ أذَّنوا بالرَّحيلِ فمشيتُ حتَّى جاوزتُ الجيشَ فلمَّا قضيتُ شأني أقبلتُ إلى رحلي فلمستُ صدري فإذا عقدٌ لي جزعِ ظفارَ قدِ انقطعَ فخرجتُ فالتمستُ عِقدي وحبسني ابتغاؤُه وأقبلَ الرَّهطُ الَّذينَ كانوا يرحلونَ بي فحملوا هَودَجي فرحلوهُ على بعيري الَّذي كنتُ أركبُ وَهم يحسَبونَ أنِّي فيهِ وَكانَ النِّساءُ إذ ذاكَ خفافًا لم يثقُلنَ ولم يحمِلنَ اللَّحمَ إنَّما يأكلنَ العلقةَ منَ الطَّعامِ فلم يستَنكرِ القومُ خفَّةَ الهَودجِ حينَ حملوهُ وَكنتُ جاريةً حديثةَ السِّنِّ فبعثوا الجملَ فساروا فوجدتُ عِقدي بعدَ ما استمرَّ الجيشُ فجئتُ منازلَهم وليسَ بِها داعٍ ولا مجيبٌ فتيمَّمتُ منزلي الَّذي كنتُ بهِ وظننتُ أنَّهم سيفقدوني فيرجِعوا إليَّ فبينا أنا جالسةٌ إذ غلبتني عينايَ فنمتُ وَكانَ صفوانُ بنُ المعطَّلِ الصَّفوانيُّ ثمَّ الذَّكوانيُّ من وراءِ الجيشِ فأدلجَ فأصبحَ عندَ منزلي فرأى سوادَ إنسانٍ نائمٍ فعرفني حينَ رآني قبلَ الحجابِ فاستيقظتُ باسترجاعِه حينَ عرفني فخمَّرتُ وجهي بجلبابي واللَّهِ ما كلَّمتُه كلمةً ولا سمعتُ منهُ كلمةً غيرَ استرجاعِه حينَ عرفني حتَّى أناخَ راحلتَه ووطئَ على يدِها فرَكبتُها وانطلقَ يقودُ بيَ الرَّاحلةَ حتَّى أتينا الجيشَ بعدَ ما نزلوا معرِّسينَ في نحرِ الظَّهيرةِ وَهلَك فيَّ من هلَك وَكانَ الَّذي تولَّى كِبْرَ الإفكِ عبدُ اللَّهِ بنُ أبيِّ بنِ سلولٍ فقدِمنا المدينةَ فشَكيتُ شَهرًا والنَّاسُ يُفيضونَ في قولِ أصحابِ الإفكِ وأنا لا أشعرُ بالشَّيءِ حتَّى نقِهتُ فخرجتُ أنا وأمُّ مِسطَحٍ قِبَلَ المناصعِ وَكانَ متبرَّزَنا لا نخرجُ إليها إلَّا ليلًا إلى ليلٍ وذلِك قبلَ أن نتَّخذَ الكُنُفَ قريبًا من بيوتِنا وإنَّما أمرُنا أمرُ العربِ الأوَّلِ في البرِّيَّةِ قبلَ الغائطِ وَكنَّا نتأذَّى بالكُنُفِ أن نتَّخذَها عندَ بيوتِنا فأقبلتُ أنا وأمُّ مِسطَحٍ قبلَ بيتي حينَ فرغنا من شأنِنا وأمُّ مسطحٍ وَهيَ ابنةُ أبي إبراهيمَ بنِ المطَّلبِ بنِ عبدِ منافٍ وأمُّها بنتُ صخرِ بنِ عامرٍ خالةُ أبي بَكرٍ الصِّدِّيقِ وابنُها مِسطَحُ بنُ أثاثةَ بنِ عبَّادِ بنِ عبدِ المطَّلبِ فعثَرتْ أمُّ مسطحٍ في مِرطِها فقالت تعِسَ مسطَحٌ فقلتُ لَها بئسَ ما قلتِ وماذا قال فأخبرتْني بقولِ أَهلِ الإفكِ فازددتُ مرضًا على مرضي فلمَّا دخلَ عليَّ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ قال كيفَ تِيكم فقلتُ لهُ أتأذنُ لي أن آتيَ أبويَّ وأنا حينئذٍ أريدُ أن أستيقِنَ الخبرَ مِن قِبَلِهما فأذنَ لي رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ فأتيتُ أبويَّ فقلتُ لأمِّي يا أمَّتاهُ ما يتحدَّثُ بهِ النَّاسُ فقالت يا بنيَّةُ هوِّني عليكِ هذا الشَّأنَ فواللَّهِ لقلَّما كانتِ امرأةٌ وضيئةً عندَ رجلٍ يحبُّها ولَها ضرائرُ إلَّا أَكثرنَ عليها فقلتُ سبحانَ اللَّهِ ولقد تحدَّثَ النَّاسُ بِها قالت فبَكيتُ تلكَ اللَّيلةَ حتَّى أصبحتُ ثمَّ أصبحتُ ودعا رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ عليَّ بنَ أبي طالبٍ وأسامةَ بنَ زيدٍ حينَ استلبثَ الوحيُ يستشيرُهما في فراقِ أَهلِه فأمَّا أسامةُ فإنَّهُ أشارَ على رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ بالَّذي يعلَمُ من براءةِ أَهلِه وبالَّذي يعلَمُ منَ الوُدِّ لَهم قال يا رسولَ اللَّهِ أَهلُكَ ولا نعلمُ إلَّا خيرًا وأمَّا عليٌّ فقال يا رسولَ اللَّهِ لم يضيِّقِ اللَّهُ عليكَ والنِّساءُ بكثيرٍ سواها سلِ الجاريةَ تصدُقْكَ فدعا رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ بَريرةَ فقال يا بَريرةُ هل رأيتِ على عائشةَ شيئًا تُنكرينَه عليها قالت لا والَّذي بعثَك بالحقِّ ما رأيتُ على عائشةَ شيئًا أغمِصُه عليها غيرَ أنَّها جاريةٌ حديثةُ السِّنِّ تَنامُ عن عجينِ أَهلِها فتأتي الدَّاجِنُ فتأكلُه قالت عائشةُ فقامَ على المنبرِ حينَ استلبثَ الوحيُ يستعذِرُ من عبدِ اللَّهِ بنِ أبيِّ بنِ سلولٍ فقال يا معشرَ المسلمينَ مَن يعذِرُني مِن رجلٍ بلغَ أذاهُ في أَهلي فواللَّهِ ما علمتُ على أَهلي إلَّا خيرًا وما كانَ يدخلُ على أَهلي إلَّا وهوَ معي فقامَ سعدُ بنُ معاذٍ الأنصاريُّ فقال يا رسولَ اللَّهِ أنا واللَّهِ أعذِرُك منهُ إن كانَ منَ الأوسِ ضربتُ عنقَه وإن كانَ من إخوانِنا الخزرجِ أمرتَنا ففعلنا أمرَك فقامَ سعدُ بنُ عبادةَ الخزرجيُّ وهوَ سيِّدُ الخزرجِ وَكانَ قبلَ ذلِك رجلًا صالِحًا ولَكنِ احتملتهُ الحميَّةُ فقال لسعدِ بنِ معاذٍ كذبتَ لعمرُ اللَّهِ لا تقتلُه ولا تقدِرُ على قتلِه فقامَ سعدُ بنُ معاذٍ فقال لِسعدِ بنِ عبادةَ كذبتَ لَعَمرُ اللَّهِ لنقتلنَّهُ فإنَّكَ منافقٌ تجادلُ عنِ المنافقينَ فثارَ الحيَّانِ الأوسُ والخزرجُ حتَّى همُّوا أن يقتتِلوا ورسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ على المنبرِ فلم يزل رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ يخفِّضُهم حتَّى سَكتوا قالت عائشةُ وبَكيتُ يومي ذلِك لا يرقَأُ لي دمعٌ ولا أَكتحلُ بنومٍ ولا أظنُّ البُكاءَ إلَّا فالقَ كبِدي قالت فبينا أنا أبكي وأبوايَ عندي إذِ استأذنَتْ عليَّ امرأةٌ منَ الأنصارِ فأذنَتْ لَها أمِّي فجلست تبكي معنا فبينا نحنُ على ذلِك إذ دخلَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ فسلَّمَ ثمَّ جلسَ ولم يجلِسْ عندي منذُ قيلَ لي ما قيلَ قبلَها وقد لبثَ شَهرًا لا يوحَى إليهِ في شأني بشيءٍ قالت فتشَهَّدَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ حينَ جلسَ ثمَّ قال يا عائشةُ أما بعدُ فقدْ بلغني عنكِ كذا وَكذا فإن كنتِ بريئةً فسيبرِّئُكِ اللَّهُ وإن كنتِ ألممتِ بذنبٍ فاستغفِري اللَّهَ وتوبي إليهِ فإنَّ العبدَ إذا اعترفَ بذنبِهِ ثمَّ تابَ تابَ اللَّهُ عليهِ قالت فلمَّا قضى رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ مقالتَه وقلُصَ دمعي حتَّى ما أحسُّ منهُ قطرةً فقلتُ لأبي أجِب عنِّي رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ فيما قال قالَ واللَّهِ ما أدري ما أقولُ لرسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ فقلتُ لأمِّي أجيبي عنِّي رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ فيما قال فقالت واللَّهِ ما أدري ما أقولُ لرسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ فقلتُ وإنِّي لجاريةٌ حديثةُ السِّنِّ لا أقرأُ شيئًا منَ القرآنِ واللَّهِ لقد علِمتُ أنَّكم سمعتُم بِهذا الحديثِ واستقرَّ في أنفسِكم ولئنْ قلتُ لكم إنِّي بريئةٌ واللَّهُ لَيعلمُ أنِّي بريئةٌ وأعلمُ أنَّهُ مبرِّئي ببراءةٍ إنِّي بريئةٌ لا تصدِّقونَ ولئن أعترفْ لكم بأمرٍ واللَّهُ يعلمُ أنِّي منهُ بريئةٌ لتصدِّقُنِّي فواللَّهِ ما أجدُ لي ولَكم مَثلًا إلَّا أنَّ أبا يوسفَ قال {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} زادَ ابنُ دَيزيلَ في حديثِه ونسيتُ اسمَ يعقوبَ لما بي منَ الحزنِ وإحراقِ القلبِ ثمَّ رجعَ إلى حديثِهما قالت ثمَّ تحوَّلتُ إلى فراشي فنمتُ وأنا أعلمُ أنِّي بريئةٌ واللَّهُ مبرِّئي ببراءتي ولَكنْ واللَّهِ ما علمتُ أنَّ اللَّهَ ينزِّلُ في شأني قرآنًا يُتلَى ولَشأني أحقرُ في نفسي من أن ينزِّلَ اللَّهُ فيَّ وحيًا يُتلى قالت فواللَّهِ ما رامَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ مجلسَه ذاكَ ولا خرجَ أحدٌ من أَهلِ البيتِ حتَّى أخذَه ما كانَ يأخُذُه منَ البُرَحاءِ حتَّى إنَّهُ لينحدِرُ مثلَ الجُمانِ منَ العرقِ في اليومِ الشَّاتي قالت فلمَّا سُرِّيَ عن رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ وهوَ يبتسمُ كانَ أوَّلَ كلمةٍ تَكلَّمَ بِها أن قال يا عائشةُ أمَّا اللَّهُ فقد برَّأَك فقال لي أبي قُومي إلى رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ فقلتُ لا أقومُ ولا أحمدُ إلَّا اللَّهَ تعالى قالت أُنزِلَ على رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ} العشرُ الآياتُ كلُّها قالت فلمَّا أنزلَ اللَّهُ في براءتي هذا قال أبو بَكرٍ الصِّدِّيقُ وَكانَ ينفِقُ على مِسطحِ بنِ أثاثةَ لقرابتِه منهُ واللَّهِ لا أنفقُ على مسطحٍ شيئًا أبدًا بعدَ الَّذي قال لعائشةَ ما قال قالت فأنزلَ اللَّهُ { وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ } فقال أبو بَكرٍ بلى واللَّهِ إنِّي لأحبُّ أن يُغفَرَ لي فرجَّعَ إلى مسطحٍ نفقتَه الَّتي كانَ ينفقُ عليهِ فقال واللَّهِ لا أنزِعُها منهُ أبدًا قالت عائشةُ وَكانت زينبُ بنتُ جحشٍ هيَ الَّتي تساميني من بينِ أزواجِ النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ فعصمَها اللَّهُ بالورَعِ فطفِقت أختُها حمنةُ تحارِبُ لَها فَهلَكت فيمن هلَكَ قال ابنُ شِهابٍ فبلغني أنَّ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ لمَّا سألَ بريرةَ عن شأنِ عائشةَ قالت يا رسولَ اللَّهِ تسألُني عن عائشةَ فواللَّهِ لَعائشةُ أطيبُ من طيِّبِ الذَّهبِ ولئن كانَ ما يقولُ النَّاسُ حقًّا ليخبرنَّكَ اللَّهُ
زعموا : أن عائشة قالتْ : كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا أراد أن يخرج سفرا أقرع بين أزواجه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه، فأقرع بيننا في غزاة غزاها، فخرج سهمي فخرجت معه، بعد ما أنزل الحجاب، فأنا أحمل في هودج وأنزل فيه، فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم من غزوته تلك وقفل، ودنونا من المدينة، آذن ليلة بالرحيل، فقمت حين آذنوا بالرحيل، فمشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت شأني، أقبلت إلى الرحل، فلمست صدري، فإذا عقد لي من جزع أظفار قد انقطع، فرجعت فالتمست عقدي فحبسني ابتغاؤه، فأقبل الذين يرحلون لي، فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنتُ أركب، وهم يحسبون أني فيه، وكان النساء إذ ذاك خفافا لم يثقُلْن، ولم يغشهن اللحم، وإنما يأكلن العلقة من الطعام، فلم يستنكر القوم حين رفعوه ثقُلْ الهودج فاحتملوه، وكنتُ جارية حديثة السن، فبعثوا الجمل وساروا، فوجدت عقدي بعد ما استمر الجيش، فجئت منزلهم وليس فيه أُحُدٍ، فأممت منزلي الذي كنتُ به، فظننت أنهم سيفقدونني فيرجعون إلي، فبينا أنا جالسة غلبتني عيناي فنمت، وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني من وراء الجيش، فأصبح عِندَ منزلي، فرأى سواد إنسان نائم فأتاني، وكان يراني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه، حين أناخ راحلته، فوطئ يدها فركبتها، فانطلق يقود بي الراحلة، حتى أتيناالجيش بعد ما نزلوا معرسين في نحر الظهيرة، فهلك من هلك، وكان الذي تولى الإفك عبد الله بن أبي ابن سلول، فقدمنا المدينة، فاشتكيت بها شهرا، يفيضون من قول أصحاب الإفك، ويريبني في وجعي : أني لا أرى من النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم اللطف الذي كنتُ أرى منه حين أمرض، وإنما يدخل فيسلم، ثم يقول : ( كيف تيكم ) . لا أشعر بشيء من ذلك حتى نقهت . فخرجت أنا وأم مسطح قبل المناصع، متبرزنا، لا نخرج إلا ليلا إلى ليل، وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريبا من بيوتنا، وأمرنا أمر العرب الأول في البرية، أو في التنزه، فأقبلت أنا وأم مسطح بنت أبي رهم نمشي، فعثرت في مرطها، فقالتْ : تعس مسطح، فقُلْت لها : بئس ما قُلْت، أتسبين رجلًا شهد بدرا، فقالتْ : يا هنتاه ألم تسمعي ما قالوا، فأخبرتني بقول أهل الإفك، فازددت مرضا إلى مرضي، فلما رجعت إلى بيتي، دخل علي رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فسلم، فقال : ( كيف تيكم ) . فقُلْت : ائذن لي إلى أبوي، قالتْ : وأنا حينئذ أريد أن أستيقن الخبر من قبلهما، فأذن لي رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأتيت أبوي، فقُلْت لأمي : ما يتحدث به الناس ؟ فقالتْ : يا بنية، هوني على نفسك الشأن، فوالله لقُلْما كانت امرأة قط وضيئة، عِندَ رجلٌ يحبها، ولها ضرائر، إلا أكثرن عليها . فقُلْت : سبحان الله، ولقد يتحدث الناس بهذا ؟ قالتْ : فبت الليلة حتى أصبحت، لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم، ثم أصبحت فدعا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد، حين استلبث الوحي، يستشيرهما في فراق أهله، فأما أسامة فأشار عليه بالذي يعلم في نفسه من الود لهم، فقال أسامة : أهلك يا رسولَ اللهِ ولا نعلم والله إلا خيرا، وأما علي بن أبي طالب فقال : يا رسولَ اللهِ، لم يضيق الله عليك، والنساء سواها كثير، وسل الجارية تصدقك، فدعا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بريرة، فقال : ( يا بريرة، هل رأيت شيئا يريبك ) . فقالتْ بريرة : لا والذي بعثك بالحق، إن رأيت منها أمرا أغمصه عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن، تنام عن العجين، فتأتي الدواجن فتأكله . فقام رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم من يومَه، فاستعذر من عبد الله بن أبي ابن سلول، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( من يعذرني من رجلٌ بلغني أذاه في أهلي، فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرا، وقد ذكروا رجلًا ما علمت عليه إلا خيرا، وما كان يدخل على أهلي إلا معي ) . فقام سعد بن مُعاذٍ فقال : يا رسولَ اللهِ، أنا والله أعذرك منه : إن كان من الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا فيه أمرك . فقام سعد بن عبادة، وهو سيد الخزرج، وكان قبل ذلك رجلًا صالحا، ولكن احتملته الحمية، فقال : كذبت لعمر الله لا تقتله، ولا تقدر على ذلك . فقام أسيد بن الحضير فقال : كذبت لعمر الله، والله لتقتلنه، فإنك منافق تجادل عن المنافقين . فثار الحيان : الأوس والخزرج، حتى هموا ورسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على المنبر، فنزل فخفضهم، حتى سكتوا وسكت، وبكيت يومَي لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، فأصبح عِندَي أبواي، قد بكيت ليلتين ويومَا، حتى أظن أن البكاء فالق كبدي، قالتْ : فبينا هما جالسان عِندَي وأنا أبكي، إذ استأذنت امرأة من الأنصار فأذنت لها، فجلست تبكي معي، فبينا نحن كذلك إذ دخل رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فجلس ولم يجلس عِندَي من يومَ قيل في ما قيل قبلها، وقد مكث شهرا لا يوحى إليه في شأني شيء، قالتْ : فتشهد، ثم قال : ( يا عائشة، فإنه بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنتُ بريئة فسيبرئك الله، وإن كنتُ ألممت بشيء فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه ) . فلما قضى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مقالتْه قُلْص دمعي حتى ما أحس منه قطرة، وقُلْت لأبي : أجب عني رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال : والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقُلْت لأمي : أجيبي عني رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فيما قال، قالتْ : والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قالتْ : وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيرا من القرآن، فقُلْت : إني والله لقد علمت أنكم سمعتم ما يتحدث به الناس، ووقر في أنفسكم وصدقتم به، ولئن قُلْت لكم إني بريئة، والله يعلم إني لبريئة، لا تصدقوني بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمر، والله يعلم أني بريئة، لتصدقني، والله ما أجد لي ولكم مثلا إلا أبا يوسف إذ قال : فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون . ثم تحولت إلى فراشي، وأنا أرجو أن يبرئني الله، ولكن والله ما ظننت أن ينزل في شأني وحيا، ولأنا أحقر في نفسي من أن يتكلم بالقرآن في أمري، ولكني كنتُ أرجو أن يرى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في النوم رؤيا يبرئني الله، فوالله ما رام مجلسه، ولا خرج أُحُدٍ من أهل البيت، حتى أنزل عليه الوحي، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء، حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق في يومِ شات، فلما سري عن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهو يضحك، فكان أول كلمة تكلم بها أن قال لي : ( يا عائشة، احمدي الله، فقد برأك الله ) . فقالتْ لي أمي : قومي إلى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقُلْت : لا والله لا أقوم إليه، ولا أحمد إلا الله، فأنزل الله تعالى : إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم . الآيات، فلما أنزل الله هذا في براءتي، قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه : والله لا أنفق على مسطح شيئا أبدا، بعد ما قال لعائشة . فأنزل الله تعالى : ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة - إلى قوله ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم . فقال أبو بكر : بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح الذي كان يجري عليه . وكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يسأل زينب بنت جحش عن أمري، فقال : ( يا زينب، ما علمت، ما رأيت ) . فقالتْ : يا رسولَ اللهِ، أحمي سمعي وبصري، والله ما علمت عليها إلا خيرا . قالتْ : وهي التي كانت تساميني، فعصمها الله بالورع .