نتائج البحث عن
«بلغني أن أبا بكر كان يقول مثل ذلك»· 46 نتيجة
الترتيب:
انقلَب عبدُ الرَّحمنِ بنُ عوفٍ إلى منزلِه بمنًى في آخِرِ حجَّةٍ حجَّها عمرُ بنُ الخطَّابِ فقال: إنَّ فلانًا يقولُ: لو قد مات عمرُ بايَعْتُ فلانًا
قال عمرُ: إنِّي قائمٌ العشيَّةَ في النَّاسِ وأُحذِّرُهم هؤلاء الَّذينَ يُريدونَ أنْ يغصِبوهم أمرَهم
قال عبدُ الرَّحمنِ: فقُلْتُ: لا تفعَلْ يا أميرَ المؤمنينَ فإنَّ المَوسِمَ يجمَعُ رَعاعَ النَّاسِ وغَوْغاءَهم، وإنَّ أولئكَ الَّذينَ يغلِبونَ على مجلسِكَ إذا أقَمْتَ في النَّاسِ فيَطيروا بمقالتِك ولا يضَعوها مواضعَها، أمهِلْ حتَّى تقدَمَ المدينةَ فإنَّها دارُ الهجرةِ فتخلُصَ بعلماءِ النَّاسِ وأشرافِهم وتقولَ ما قُلْتَ متمكِّنًا، ويَعونَ مقالتَك ويضَعونها مواضعَها
فقال عمرُ: لئِنْ قدِمْتُ المدينةَ سالِمًا إنْ شاء اللهُ لأتكلَّمَنَّ في أوَّلِ مقامٍ أقومُه
فقدِم المدينةَ في عقِبِ ذي الحجَّةِ فلمَّا كان يومُ الجمعةِ عجَّلْتُ الرَّواحَ في شدَّةِ الحرِّ فوجَدْتُ سعيدَ بنَ زيدٍ قد سبَقني فجلَس إلى ركنِ المنبرِ الأيمنِ وجلَسْتُ إلى جنبِه تمَسُّ ركبتي ركبتَه فلم أنشَبْ أنْ طلَع عمرُ فقُلْتُ لسعيدٍ: أمَا إنَّه سيقولُ اليومَ على هذا المنبرِ مقالةً لم يقُلْها منذُ استُخلِف قال: وما عسى أنْ يقولَ ؟ فجلَس عمرُ على المنبرِ فحمِد اللهَ وأثنى عليه بما هو أهلُه ثمَّ قال: أمَّا بعدُ فإنِّي قائلٌ لكم مقالةً قُدِّر لي أنْ أقولَها لا أدري لعلَّها بينَ يدَيْ أجَلي فمَن عقَلها ووعاها فلْيُحدِّثْ بها حيث انتَهتْ به راحلتُه ومَن لم يعقِلْها فلا يحِلُّ لمسلمٍ أنْ يكذِبَ عليَّ: إنَّ اللهَ تبارَك وتعالى بعَث محمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأنزَل عليه الكتابَ فكان فيما أُنزِل عليه آيةُ الرَّجمِ فقرَأ بها ورجَم رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ورجَمْنا بعدَه، وأخافُ إنْ طال بالنَّاسِ زمانٌ أنْ يقولَ قائلٌ: ما نجِدُ آيةَ الرَّجمِ في كتابِ اللهِ فيضِلُّوا بتركِ فريضةٍ أنزَلها اللهُ، والرَّجمُ حقٌّ على مَن زنى مِن الرِّجالِ والنِّساءِ إذا قامتِ البيِّنةُ أو كان حَملٌ أو اعترافٌ، وايمُ اللهِ لولا أنْ يقولَ النَّاسُ: زاد عمرُ في كتابِ اللهِ لكتَبْتُها
ألا وإنَّا كنَّا نقرَأُ ( لا ترغَبوا عن آبائِكم فإنَّ كفرًا بكم أنْ ترغَبوا عن آبائِكم ) ثمَّ إنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ( لا تُطروني كما أطَرتِ النَّصارى عيسى ابنَ مريمَ فإنَّما أنا عبدٌ فقولوا: عبدُ اللهِ ورسولُه )
ألا وإنَّه بلَغني أنَّ فلانًا قال: لو قد مات عمرُ بايَعْتُ فلانًا فمَن بايَع امرأً مِن غيرِ مشورةٍ مِن المسلِمينَ فإنَّه لا بيعةَ له ولا للَّذي بايَعه فلا يغتَرَّنَّ أحدٌ فيقولَ: إنَّ بيعةَ أبي بكرٍ كانت فَلتةً ألا وإنَّها كانت فلتةً إلَّا أنَّ اللهَ وقى شرَّها وليس منكم اليومَ مَن تُقطَعُ إليه الأعناقُ مِثلُ أبي بكرٍ ألا وإنَّه كان مِن خيرِنا يومَ توفَّى اللهُ رسولَه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم
إنَّ المهاجرينَ اجتمَعوا إلى أبي بكرٍ وتخلَّف عنَّا الأنصارُ في سَقيفةِ بني ساعدةَ فقُلْتُ لأبي بكرٍ: انطلِقْ بنا إلى إخوانِنا مِن الأنصارِ ننظُرْ ما صنَعوا فخرَجْنا نؤُمُّهم فلقيَنا رجلانِ صالحانِ منهم فقالا: أين تذهَبون يا معشرَ المهاجرينَ ؟ فقُلْتُ: نُريدُ إخوانَنا مِن الأنصارِ قال: فلا عليكم ألَّا تأتوهم اقضوا أمرَكم يا معشرَ المهاجرينَ فقُلْتُ: واللهِ لا نرجِعُ حتَّى نأتيَهم فجِئْناهم فإذا هم مجتمعونَ في سَقيفةِ بني ساعدةَ وإذا رجلٌ مزَّمِّلٌ بينَ ظَهْرانَيْهم فقُلْتُ: مَن هذا ؟ فقالوا: سعدُ بنُ عُبادةَ قُلْتُ: ما له ؟ قالوا: وجِعٌ، فلمَّا جلَسْنا قام خطيبُهم فحمِد اللهَ وأثنى عليه ثمَّ قال: أمَّا بعدُ فنحنُ أنصارُ اللهِ وكتيبةُ الإسلامِ وقد دفَّت إلينا - يا معشرَ المسلِمينَ - منكم دافَّةٌ وإذا هم قد أرادوا أنْ يختصُّوا بالأمرِ ويُخرِجونا مِن أصلِنا
قال عمرُ: فلمَّا سكَت أرَدْتُ أنْ أتكلَّمَ وقد كُنْتُ زوَّرْتُ مقالةً قد أعجَبتْني أُريدُ أنْ أقولَها بينَ يدَيْ أبي بكرٍ وكُنْتُ أُداري منه بعضَ الحَدِّ وكان أحلَمَ منِّي وأوقَرَ فأخَذ بيدي وقال: اجلِسْ فكرِهْتُ أنْ أُغضِبَه فتكلَّم فواللهِ ما ترَك ممَّا زوَّرْتُه في مقالتي إلَّا قال مثلَه في بديهتِه أو أفضَلَ فحمِد اللهَ وأثنى عليه ثمَّ قال: أمَّا بعدُ فما ذكَرْتُم مِن خيرٍ فأنتم أهلُه ولن يعرِفَ العربُ هذا الأمرَ إلَّا لهذا الحيِّ مِن قريشٍ هم أوسطُ العربِ دارًا ونسبًا وقد رضيتُ لكم أحدَ هذينِ الرَّجلينِ فبايِعوا أيَّهما شِئْتُم وأخَذ بيدي ويدِ أبي عُبيدةَ بنِ الجرَّاحِ وهو جالسٌ بيننا فلم أكرَهْ شيئًا مِن مقالتِه غيرَها كان واللهِ لَأنْ أُقدَّمَ فتُضرَبَ عنقي في أمرٍ لا يُقرِّبُني ذلك إلى إثمٍ أحَبَّ إليَّ مِن أنْ أُؤمَّرَ على قومٍ فيهم أبو بكرٍ فقال فتى الأنصارِ: أنا جُذَيْلُها المحكَّكُ وعُذَيْقُها المرجَّبُ منَّا أميرٌ ومنكم أميرٌ يا معشرَ قريشٍ فكثُر اللَّغطُ وخشيتُ الاختلافَ فقُلْتُ: ابسُطْ يدَك يا أبا بكرٍ فبسَطها فبايَعْتُه وبايَعه المهاجرونَ والأنصارُ ونزَوْنا على سعدٍ فقال قائلٌ: قتَلْتُم سعدًا فقُلْتُ: قتَل اللهُ سعدًا فلم نجِدْ شيئًا هو أفضلَ مِن مبايعةِ أبي بكرٍ خشيتُ إنْ فارَقْنا القومَ أنْ يُحدِثوا بعدَنا بيعةً فإمَّا أنْ نُبايِعَهم على ما لا نرضى وإمَّا أنْ نُخالِفَهم فيكونَ فسادًا واختلافًا فبايَعْنا أبا بكرٍ جميعًا ورضينا به
كنتُ أقرئ رجالا من المهاجرين، منهم عبد الرحمن بن عوف، فبينما أنا في منزله بمنى، وهو عِندَ عُمَر بن الخطابِ في آخر حجة حجها، إذ رجع إلي عبد الرحمن فقال : لو رأيت رجلًا أتى أمير المؤمنين اليومَ، فقال : يا أمير المؤمنين، هل لك في فلان ؟ يقول : لو قد مات عمر لقد بايعت فلانا، فوالله ما كانت بيعة أبي بكر إلا فلتة فتمت، فغضب عمر، ثم قال : إني إن شاء الله لقائم العشية في الناس، فمحذرهم هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم أمورهم . قال عبد الرحمن : فقُلْت : يا أمير المؤمنين لا تفعل، فإن الموسم يجمع رعاع الناس وغوغاءهم، فإنهم هم الذين يغلبون على قربك حين تقوم في الناس، وأنا أخشى أن تقوم فتقول مقالتْ يطيرها عنك كل مطير، وأن لا يعوها، وأن لا يضعوها على مواضعها، فأمهل حتى تقدم المدينة، فإنها دار الهجرة والسنة، فتخلص بأهل الفقه وأشراف الناس، فتقول ما قُلْت متمكنا، فيعي أهل العلم مقالتْك، ويضعونها على مواضعها . فقال عمر : والله - إن شاء الله - لأقومن بذلك أو ل مقام أقومه بالمدينة . قال ابن عباس : فقدمنا المدينة في عقب ذي الحجة، فلما كان يومَ الجمعة عجلت الرواح حين زاغت الشمس، حتى أجد سعيد بن زيد بن عمرو ابن نفيل جالسا إلى ركن المنبر، فجلست حوله تمس ركبتي ركبته، فلم أنشب أن خرج عُمَر بن الخطابِ، فلما رأيته مقبلا، قُلْت لسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل : ليقولن العشية مقالتْ لم يقُلْها منذ استخلف، فأنكر علي وقال : ما عسيت أن يقول ما لم يقُلْ قبله، فجلس عمر على المنبر، فلما سكت المؤذنون قام، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال : أما بعد، فإني قائل لكم مقالتْ قد قدر لي أن أقولها، لا أدري لعلها بين يدي أجلي، فمن عقُلْها ووعاها فليحدث بها حيث انتهت به راحلته، ومن خشي أن لا يعقُلْها فلا أحل لأُحُدٍ أن يكذب علي : إن الله بعث محمدا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل الله آية الرجم، فقرأناها وعقُلْناها ووعيناها، رجم رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل : والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، والرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء، إذا قامت البينة، أو كان الحبل أو الاعتراف، ثم إنا كنا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله : أن لا ترغبوا عن آبائكم، فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم، أو إن كفرا بكم أن ترغبوا عن آبائكم . ألا ثم إن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال : ( لا تطروني كما أطري عيسى بن مريم ، وقولوا : عبد الله ورسوله ) . ثم إنه بلغني قائل منكم يقول : والله لو قد مات عمر بايعت فلانا، فلا يغترن امرؤ أن يقول : إنما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمت، ألا وإنها قد كانت كذلك، ولكن الله وقى شرها، وليس فيكم من تقطع الأعناق إليه مثل أبي بكر، من بايع رجلًا من غير مشورة من المسلمين فلا يتابع هو ولا الذي تابعه، تغرة أن يقتلا، وإنه قد كان من خبرنا حين توفى الله نبيه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن الأنصار خالفونا، واجتمعوا بأسرهم في سقيفة بني ساعدة، وخالف عنا علي والزبير ومن معهما، واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر، فقُلْت لأبي بكر : يا أبا بكر انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار، فانطلقنا نريدهم، فلما دنونا منهم، لقينا منهم رجلان صالحان، فذكرا ما تمالأ عليه القوم، فقالا : أين تريدون يا معشر المهاجرين ؟ فقُلْنا : نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار، فقالا : لا عليكم أن لا تقربوهم، اقضوا أمركم، فقُلْت : والله لنأتينهم، فانطلقنا حتى أتيناهم في سقيفة بني ساعدة، فإذا رجلٌ مزمل بين ظهرانيهم، فقُلْت : من هذا ؟ فقالوا : هذا سعد بن عبادة، فقُلْت : ما له ؟ قالوا : يوعك، فلما جلسنا قُلْيلا تشهد خطيبهم، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال : أما بعد، فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام، وأنتم معشر المهاجرين رهط، وقد دفت دافة من قومكم، فإذا هم يريدون أن يختزلونا من أصلنا، وأن يحضنونا من الأمر . فلما سكت أردت أن أتكلم، وكنتُ قد زورت مقالتْ أعجبتني أردت أن أقدمها بين يدي أبي بكر، وكنتُ أداري منه بعض الحد، فلما أردت أن أتكلم، قال أبو بكر : على رسلك، فكرهت أن أغضبه، فتكلم أبو بكر فكان هو أحلم مني وأوقر، والله ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري، إلا قال في بديهته مثلها أو أفضل منها حتى سكت، فقال : ما ذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل، ولن يعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش، هم أوسط العرب نسبا ودارا، وقد رضيت لكم أُحُدٍ هذين الرجلُين، فبايعوا أيهما شئتم، فأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة بن الجراح، وهو جالس بيننا، فلم أكره مما قال غيرها، كان والله أن أقدم فتضرب عنقي، لا يقربني ذلك من إثم، أحب إلي من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر، اللهم إلا أن تسول لي نفسي عِندَ الموت شيئا لا أجده الآن . فقال قائل من الأنصار : أنا جذيلها المحكك، وعذيقها المرجب، منا أمير، ومنكم أمير، يا معشر قريش . فكثر اللغط، وارتفعت الأصوات، حتى فرقت من الاختلاف، فقُلْت : ابسط يدك يا أبا بكر، فبسط يده فبايعته، وبايعه المهاجرون ثم بايعته الأنصار . ونزونا على سعد بن عبادة، فقال قائل منهم : قتلتم سعد بن عبادة، فقُلْت : قتل الله سعد بن عبادة، قال عمر : وإنا والله ما وجدنا فيما حضرنا من أمر أقوى من مبايعة أبي بكر، خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعة : أن يبايعوا رجلًا منهم بعدنا، فإما بايعناهم على ما لا نرضى، وإما نخالفهم فيكون فساد، فمن بايع رجلًا على غير مشورة من المسلمين، فلا يتابع هو ولا الذي بايعه، تغرة أن يقتلا .
كنتُ أقرئ رجالا من المهاجرين، منهم عبد الرحمن بن عوف، فبينما أنا في منزله بمنى، وهو عِندَ عُمَر بن الخطابِ في آخر حجة حجها، إذ رجع إلي عبد الرحمن فقال : لو رأيت رجلًا أتى أمير المؤمنين اليومَ، فقال : يا أمير المؤمنين، هل لك في فلان ؟ يقول : لو قد مات عمر لقد بايعت فلانا، فوالله ما كانت بيعة أبي بكر إلا فلتة فتمت، فغضب عمر، ثم قال : إني إن شاء الله لقائم العشية في الناس، فمحذرهم هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم أمورهم . قال عبد الرحمن : فقُلْت : يا أمير المؤمنين لا تفعل، فإن الموسم يجمع رعاع الناس وغوغاءهم، فإنهم هم الذين يغلبون على قربك حين تقوم في الناس، وأنا أخشى أن تقوم فتقول مقالتْ يطيرها عنك كل مطير، وأن لا يعوها، وأن لا يضعوها على مواضعها، فأمهل حتى تقدم المدينة، فإنها دار الهجرة والسنة، فتخلص بأهل الفقه وأشراف الناس، فتقول ما قُلْت متمكنا، فيعي أهل العلم مقالتْك، ويضعونها على مواضعها . فقال عمر : والله - إن شاء الله - لأقومن بذلك أو ل مقام أقومه بالمدينة . قال ابن عباس : فقدمنا المدينة في عقب ذي الحجة، فلما كان يومَ الجمعة عجلت الرواح حين زاغت الشمس، حتى أجد سعيد بن زيد بن عمرو ابن نفيل جالسا إلى ركن المنبر، فجلست حوله تمس ركبتي ركبته، فلم أنشب أن خرج عُمَر بن الخطابِ، فلما رأيته مقبلا، قُلْت لسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل : ليقولن العشية مقالتْ لم يقُلْها منذ استخلف، فأنكر علي وقال : ما عسيت أن يقول ما لم يقُلْ قبله، فجلس عمر على المنبر، فلما سكت المؤذنون قام، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال : أما بعد، فإني قائل لكم مقالتْ قد قدر لي أن أقولها، لا أدري لعلها بين يدي أجلي، فمن عقُلْها ووعاها فليحدث بها حيث انتهت به راحلته، ومن خشي أن لا يعقُلْها فلا أحل لأُحُدٍ أن يكذب علي : إن الله بعث محمدا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل الله آية الرجم، فقرأناها وعقُلْناها ووعيناها، رجم رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل : والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، والرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء، إذا قامت البينة، أو كان الحبل أو الاعتراف، ثم إنا كنا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله : أن لا ترغبوا عن آبائكم، فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم، أو إن كفرا بكم أن ترغبوا عن آبائكم . ألا ثم إن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال : ( لا تطروني كما أطري عيسى بن مريم، وقولوا : عبد الله ورسوله ) . ثم إنه بلغني قائل منكم يقول : والله لو قد مات عمر بايعت فلانا، فلا يغترن امرؤ أن يقول : إنما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمت، ألا وإنها قد كانت كذلك، ولكن الله وقى شرها، وليس فيكم من تقطع الأعناق إليه مثل أبي بكر، من بايع رجلًا من غير مشورة من المسلمين فلا يتابع هو ولا الذي تابعه، تغرة أن يقتلا، وإنه قد كان من خبرنا حين توفى الله نبيه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن الأنصار خالفونا، واجتمعوا بأسرهم في سقيفة بني ساعدة، وخالف عنا علي والزبير ومن معهما، واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر، فقُلْت لأبي بكر : يا أبا بكر انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار، فانطلقنا نريدهم، فلما دنونا منهم، لقينا منهم رجلان صالحان، فذكرا ما تمالأ عليه القوم، فقالا : أين تريدون يا معشر المهاجرين ؟ فقُلْنا : نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار، فقالا : لا عليكم أن لا تقربوهم، اقضوا أمركم ، فقُلْت : والله لنأتينهم، فانطلقنا حتى أتيناهم في سقيفة بني ساعدة، فإذا رجلٌ مزمل بين ظهرانيهم، فقُلْت : من هذا ؟ فقالوا : هذا سعد بن عبادة، فقُلْت : ما له ؟ قالوا : يوعك، فلما جلسنا قُلْيلا تشهد خطيبهم، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال : أما بعد، فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام، وأنتم معشر المهاجرين رهط، وقد دفت دافة من قومكم، فإذا هم يريدون أن يختزلونا من أصلنا، وأن يحضنونا من الأمر . فلما سكت أردت أن أتكلم، وكنتُ قد زورت مقالتْ أعجبتني أردت أن أقدمها بين يدي أبي بكر، وكنتُ أداري منه بعض الحد، فلما أردت أن أتكلم، قال أبو بكر : على رسلك، فكرهت أن أغضبه، فتكلم أبو بكر فكان هو أحلم مني وأوقر، والله ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري، إلا قال في بديهته مثلها أو أفضل منها حتى سكت، فقال : ما ذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل، ولن يعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش، هم أوسط العرب نسبا ودارا، وقد رضيت لكم أُحُدٍ هذين الرجلُين، فبايعوا أيهما شئتم، فأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة بن الجراح، وهو جالس بيننا، فلم أكره مما قال غيرها، كان والله أن أقدم فتضرب عنقي، لا يقربني ذلك من إثم، أحب إلي من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر، اللهم إلا أن تسول لي نفسي عِندَ الموت شيئا لا أجده الآن . فقال قائل من الأنصار : أنا جذيلها المحكك، وعذيقها المرجب، منا أمير، ومنكم أمير، يا معشر قريش . فكثر اللغط، وارتفعت الأصوات، حتى فرقت من الاختلاف، فقُلْت : ابسط يدك يا أبا بكر، فبسط يده فبايعته، وبايعه المهاجرون ثم بايعته الأنصار . ونزونا على سعد بن عبادة، فقال قائل منهم : قتلتم سعد بن عبادة، فقُلْت : قتل الله سعد بن عبادة، قال عمر : وإنا والله ما وجدنا فيما حضرنا من أمر أقوى من مبايعة أبي بكر، خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعة : أن يبايعوا رجلًا منهم بعدنا، فإما بايعناهم على ما لا نرضى، وإما نخالفهم فيكون فساد، فمن بايع رجلًا على غير مشورة من المسلمين، فلا يتابع هو ولا الذي بايعه، تغرة أن يقتلا .
كنتُ أقرئ رجالا من المهاجرين، منهم عبد الرحمن بن عوف، فبينما أنا في منزله بمنى، وهو عِندَ عُمَر بن الخطابِ في آخر حجة حجها، إذ رجع إلي عبد الرحمن فقال : لو رأيت رجلًا أتى أمير المؤمنين اليومَ، فقال : يا أمير المؤمنين، هل لك في فلان ؟ يقول : لو قد مات عمر لقد بايعت فلانا، فوالله ما كانت بيعة أبي بكر إلا فلتة فتمت، فغضب عمر، ثم قال : إني إن شاء الله لقائم العشية في الناس، فمحذرهم هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم أمورهم . قال عبد الرحمن : فقُلْت : يا أمير المؤمنين لا تفعل، فإن الموسم يجمع رعاع الناس وغوغاءهم، فإنهم هم الذين يغلبون على قربك حين تقوم في الناس، وأنا أخشى أن تقوم فتقول مقالتْ يطيرها عنك كل مطير ، وأن لا يعوها، وأن لا يضعوها على مواضعها، فأمهل حتى تقدم المدينة، فإنها دار الهجرة والسنة، فتخلص بأهل الفقه وأشراف الناس، فتقول ما قُلْت متمكنا، فيعي أهل العلم مقالتْك، ويضعونها على مواضعها . فقال عمر : والله - إن شاء الله - لأقومن بذلك أو ل مقام أقومه بالمدينة . قال ابن عباس : فقدمنا المدينة في عقب ذي الحجة، فلما كان يومَ الجمعة عجلت الرواح حين زاغت الشمس، حتى أجد سعيد بن زيد بن عمرو ابن نفيل جالسا إلى ركن المنبر، فجلست حوله تمس ركبتي ركبته، فلم أنشب أن خرج عُمَر بن الخطابِ، فلما رأيته مقبلا، قُلْت لسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل : ليقولن العشية مقالتْ لم يقُلْها منذ استخلف، فأنكر علي وقال : ما عسيت أن يقول ما لم يقُلْ قبله، فجلس عمر على المنبر، فلما سكت المؤذنون قام، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال : أما بعد، فإني قائل لكم مقالتْ قد قدر لي أن أقولها، لا أدري لعلها بين يدي أجلي، فمن عقُلْها ووعاها فليحدث بها حيث انتهت به راحلته، ومن خشي أن لا يعقُلْها فلا أحل لأُحُدٍ أن يكذب علي : إن الله بعث محمدا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل الله آية الرجم، فقرأناها وعقُلْناها ووعيناها، رجم رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل : والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، والرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء، إذا قامت البينة، أو كان الحبل أو الاعتراف، ثم إنا كنا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله : أن لا ترغبوا عن آبائكم، فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم، أو إن كفرا بكم أن ترغبوا عن آبائكم . ألا ثم إن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال : ( لا تطروني كما أطري عيسى بن مريم، وقولوا : عبد الله ورسوله ) . ثم إنه بلغني قائل منكم يقول : والله لو قد مات عمر بايعت فلانا، فلا يغترن امرؤ أن يقول : إنما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمت، ألا وإنها قد كانت كذلك، ولكن الله وقى شرها، وليس فيكم من تقطع الأعناق إليه مثل أبي بكر، من بايع رجلًا من غير مشورة من المسلمين فلا يتابع هو ولا الذي تابعه، تغرة أن يقتلا، وإنه قد كان من خبرنا حين توفى الله نبيه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن الأنصار خالفونا، واجتمعوا بأسرهم في سقيفة بني ساعدة، وخالف عنا علي والزبير ومن معهما، واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر، فقُلْت لأبي بكر : يا أبا بكر انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار، فانطلقنا نريدهم، فلما دنونا منهم، لقينا منهم رجلان صالحان، فذكرا ما تمالأ عليه القوم، فقالا : أين تريدون يا معشر المهاجرين ؟ فقُلْنا : نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار، فقالا : لا عليكم أن لا تقربوهم، اقضوا أمركم، فقُلْت : والله لنأتينهم، فانطلقنا حتى أتيناهم في سقيفة بني ساعدة، فإذا رجلٌ مزمل بين ظهرانيهم، فقُلْت : من هذا ؟ فقالوا : هذا سعد بن عبادة، فقُلْت : ما له ؟ قالوا : يوعك، فلما جلسنا قُلْيلا تشهد خطيبهم، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال : أما بعد، فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام، وأنتم معشر المهاجرين رهط، وقد دفت دافة من قومكم، فإذا هم يريدون أن يختزلونا من أصلنا، وأن يحضنونا من الأمر . فلما سكت أردت أن أتكلم، وكنتُ قد زورت مقالتْ أعجبتني أردت أن أقدمها بين يدي أبي بكر، وكنتُ أداري منه بعض الحد، فلما أردت أن أتكلم، قال أبو بكر : على رسلك، فكرهت أن أغضبه، فتكلم أبو بكر فكان هو أحلم مني وأوقر، والله ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري، إلا قال في بديهته مثلها أو أفضل منها حتى سكت، فقال : ما ذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل، ولن يعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش، هم أوسط العرب نسبا ودارا، وقد رضيت لكم أُحُدٍ هذين الرجلُين، فبايعوا أيهما شئتم، فأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة بن الجراح، وهو جالس بيننا، فلم أكره مما قال غيرها، كان والله أن أقدم فتضرب عنقي، لا يقربني ذلك من إثم، أحب إلي من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر، اللهم إلا أن تسول لي نفسي عِندَ الموت شيئا لا أجده الآن . فقال قائل من الأنصار : أنا جذيلها المحكك، وعذيقها المرجب، منا أمير، ومنكم أمير، يا معشر قريش . فكثر اللغط، وارتفعت الأصوات، حتى فرقت من الاختلاف، فقُلْت : ابسط يدك يا أبا بكر، فبسط يده فبايعته، وبايعه المهاجرون ثم بايعته الأنصار . ونزونا على سعد بن عبادة، فقال قائل منهم : قتلتم سعد بن عبادة، فقُلْت : قتل الله سعد بن عبادة، قال عمر : وإنا والله ما وجدنا فيما حضرنا من أمر أقوى من مبايعة أبي بكر، خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعة : أن يبايعوا رجلًا منهم بعدنا، فإما بايعناهم على ما لا نرضى، وإما نخالفهم فيكون فساد، فمن بايع رجلًا على غير مشورة من المسلمين، فلا يتابع هو ولا الذي بايعه، تغرة أن يقتلا .
كنتُ أقرئ رجالا من المهاجرين، منهم عبد الرحمن بن عوف، فبينما أنا في منزله بمنى، وهو عِندَ عُمَر بن الخطابِ في آخر حجة حجها، إذ رجع إلي عبد الرحمن فقال : لو رأيت رجلًا أتى أمير المؤمنين اليومَ، فقال : يا أمير المؤمنين، هل لك في فلان ؟ يقول : لو قد مات عمر لقد بايعت فلانا، فوالله ما كانت بيعة أبي بكر إلا فلتة فتمت، فغضب عمر، ثم قال : إني إن شاء الله لقائم العشية في الناس، فمحذرهم هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم أمورهم . قال عبد الرحمن : فقُلْت : يا أمير المؤمنين لا تفعل، فإن الموسم يجمع رعاع الناس وغوغاءهم، فإنهم هم الذين يغلبون على قربك حين تقوم في الناس، وأنا أخشى أن تقوم فتقول مقالتْ يطيرها عنك كل مطير، وأن لا يعوها، وأن لا يضعوها على مواضعها، فأمهل حتى تقدم المدينة، فإنها دار الهجرة والسنة، فتخلص بأهل الفقه وأشراف الناس، فتقول ما قُلْت متمكنا، فيعي أهل العلم مقالتْك، ويضعونها على مواضعها . فقال عمر : والله - إن شاء الله - لأقومن بذلك أو ل مقام أقومه بالمدينة . قال ابن عباس : فقدمنا المدينة في عقب ذي الحجة، فلما كان يومَ الجمعة عجلت الرواح حين زاغت الشمس، حتى أجد سعيد بن زيد بن عمرو ابن نفيل جالسا إلى ركن المنبر، فجلست حوله تمس ركبتي ركبته، فلم أنشب أن خرج عُمَر بن الخطابِ، فلما رأيته مقبلا، قُلْت لسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل : ليقولن العشية مقالتْ لم يقُلْها منذ استخلف، فأنكر علي وقال : ما عسيت أن يقول ما لم يقُلْ قبله، فجلس عمر على المنبر، فلما سكت المؤذنون قام، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال : أما بعد، فإني قائل لكم مقالتْ قد قدر لي أن أقولها، لا أدري لعلها بين يدي أجلي، فمن عقُلْها ووعاها فليحدث بها حيث انتهت به راحلته، ومن خشي أن لا يعقُلْها فلا أحل لأُحُدٍ أن يكذب علي : إن الله بعث محمدا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل الله آية الرجم ، فقرأناها وعقُلْناها ووعيناها، رجم رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل : والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، والرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء، إذا قامت البينة، أو كان الحبل أو الاعتراف، ثم إنا كنا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله : أن لا ترغبوا عن آبائكم، فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم، أو إن كفرا بكم أن ترغبوا عن آبائكم . ألا ثم إن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال : ( لا تطروني كما أطري عيسى بن مريم، وقولوا : عبد الله ورسوله ) . ثم إنه بلغني قائل منكم يقول : والله لو قد مات عمر بايعت فلانا، فلا يغترن امرؤ أن يقول : إنما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمت، ألا وإنها قد كانت كذلك، ولكن الله وقى شرها، وليس فيكم من تقطع الأعناق إليه مثل أبي بكر، من بايع رجلًا من غير مشورة من المسلمين فلا يتابع هو ولا الذي تابعه، تغرة أن يقتلا، وإنه قد كان من خبرنا حين توفى الله نبيه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن الأنصار خالفونا، واجتمعوا بأسرهم في سقيفة بني ساعدة، وخالف عنا علي والزبير ومن معهما، واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر، فقُلْت لأبي بكر : يا أبا بكر انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار، فانطلقنا نريدهم، فلما دنونا منهم، لقينا منهم رجلان صالحان، فذكرا ما تمالأ عليه القوم، فقالا : أين تريدون يا معشر المهاجرين ؟ فقُلْنا : نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار، فقالا : لا عليكم أن لا تقربوهم، اقضوا أمركم، فقُلْت : والله لنأتينهم، فانطلقنا حتى أتيناهم في سقيفة بني ساعدة، فإذا رجلٌ مزمل بين ظهرانيهم، فقُلْت : من هذا ؟ فقالوا : هذا سعد بن عبادة، فقُلْت : ما له ؟ قالوا : يوعك، فلما جلسنا قُلْيلا تشهد خطيبهم، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال : أما بعد، فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام، وأنتم معشر المهاجرين رهط، وقد دفت دافة من قومكم، فإذا هم يريدون أن يختزلونا من أصلنا، وأن يحضنونا من الأمر . فلما سكت أردت أن أتكلم، وكنتُ قد زورت مقالتْ أعجبتني أردت أن أقدمها بين يدي أبي بكر، وكنتُ أداري منه بعض الحد، فلما أردت أن أتكلم، قال أبو بكر : على رسلك، فكرهت أن أغضبه، فتكلم أبو بكر فكان هو أحلم مني وأوقر، والله ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري، إلا قال في بديهته مثلها أو أفضل منها حتى سكت، فقال : ما ذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل، ولن يعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش، هم أوسط العرب نسبا ودارا، وقد رضيت لكم أُحُدٍ هذين الرجلُين، فبايعوا أيهما شئتم، فأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة بن الجراح، وهو جالس بيننا، فلم أكره مما قال غيرها، كان والله أن أقدم فتضرب عنقي، لا يقربني ذلك من إثم، أحب إلي من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر، اللهم إلا أن تسول لي نفسي عِندَ الموت شيئا لا أجده الآن . فقال قائل من الأنصار : أنا جذيلها المحكك، وعذيقها المرجب، منا أمير، ومنكم أمير، يا معشر قريش . فكثر اللغط، وارتفعت الأصوات، حتى فرقت من الاختلاف، فقُلْت : ابسط يدك يا أبا بكر، فبسط يده فبايعته، وبايعه المهاجرون ثم بايعته الأنصار . ونزونا على سعد بن عبادة، فقال قائل منهم : قتلتم سعد بن عبادة، فقُلْت : قتل الله سعد بن عبادة، قال عمر : وإنا والله ما وجدنا فيما حضرنا من أمر أقوى من مبايعة أبي بكر، خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعة : أن يبايعوا رجلًا منهم بعدنا، فإما بايعناهم على ما لا نرضى، وإما نخالفهم فيكون فساد، فمن بايع رجلًا على غير مشورة من المسلمين، فلا يتابع هو ولا الذي بايعه، تغرة أن يقتلا .
كنتُ أقرئ رجالا من المهاجرين، منهم عبد الرحمن بن عوف، فبينما أنا في منزله بمنى، وهو عِندَ عُمَر بن الخطابِ في آخر حجة حجها، إذ رجع إلي عبد الرحمن فقال : لو رأيت رجلًا أتى أمير المؤمنين اليومَ، فقال : يا أمير المؤمنين، هل لك في فلان ؟ يقول : لو قد مات عمر لقد بايعت فلانا، فوالله ما كانت بيعة أبي بكر إلا فلتة فتمت، فغضب عمر، ثم قال : إني إن شاء الله لقائم العشية في الناس، فمحذرهم هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم أمورهم . قال عبد الرحمن : فقُلْت : يا أمير المؤمنين لا تفعل، فإن الموسم يجمع رعاع الناس وغوغاءهم، فإنهم هم الذين يغلبون على قربك حين تقوم في الناس، وأنا أخشى أن تقوم فتقول مقالتْ يطيرها عنك كل مطير، وأن لا يعوها، وأن لا يضعوها على مواضعها، فأمهل حتى تقدم المدينة، فإنها دار الهجرة والسنة، فتخلص بأهل الفقه وأشراف الناس، فتقول ما قُلْت متمكنا، فيعي أهل العلم مقالتْك، ويضعونها على مواضعها . فقال عمر : والله - إن شاء الله - لأقومن بذلك أو ل مقام أقومه بالمدينة . قال ابن عباس : فقدمنا المدينة في عقب ذي الحجة، فلما كان يومَ الجمعة عجلت الرواح حين زاغت الشمس، حتى أجد سعيد بن زيد بن عمرو ابن نفيل جالسا إلى ركن المنبر، فجلست حوله تمس ركبتي ركبته، فلم أنشب أن خرج عُمَر بن الخطابِ، فلما رأيته مقبلا، قُلْت لسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل : ليقولن العشية مقالتْ لم يقُلْها منذ استخلف، فأنكر علي وقال : ما عسيت أن يقول ما لم يقُلْ قبله، فجلس عمر على المنبر، فلما سكت المؤذنون قام، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال : أما بعد، فإني قائل لكم مقالتْ قد قدر لي أن أقولها، لا أدري لعلها بين يدي أجلي، فمن عقُلْها ووعاها فليحدث بها حيث انتهت به راحلته، ومن خشي أن لا يعقُلْها فلا أحل لأُحُدٍ أن يكذب علي : إن الله بعث محمدا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل الله آية الرجم، فقرأناها وعقُلْناها ووعيناها، رجم رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل : والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، والرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء، إذا قامت البينة، أو كان الحبل أو الاعتراف، ثم إنا كنا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله : أن لا ترغبوا عن آبائكم، فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم، أو إن كفرا بكم أن ترغبوا عن آبائكم . ألا ثم إن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال : ( لا تطروني كما أطري عيسى بن مريم، وقولوا : عبد الله ورسوله ) . ثم إنه بلغني قائل منكم يقول : والله لو قد مات عمر بايعت فلانا، فلا يغترن امرؤ أن يقول : إنما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمت، ألا وإنها قد كانت كذلك، ولكن الله وقى شرها، وليس فيكم من تقطع الأعناق إليه مثل أبي بكر ، من بايع رجلًا من غير مشورة من المسلمين فلا يتابع هو ولا الذي تابعه، تغرة أن يقتلا، وإنه قد كان من خبرنا حين توفى الله نبيه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن الأنصار خالفونا، واجتمعوا بأسرهم في سقيفة بني ساعدة، وخالف عنا علي والزبير ومن معهما، واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر ، فقُلْت لأبي بكر : يا أبا بكر انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار، فانطلقنا نريدهم، فلما دنونا منهم، لقينا منهم رجلان صالحان، فذكرا ما تمالأ عليه القوم، فقالا : أين تريدون يا معشر المهاجرين ؟ فقُلْنا : نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار، فقالا : لا عليكم أن لا تقربوهم، اقضوا أمركم، فقُلْت : والله لنأتينهم، فانطلقنا حتى أتيناهم في سقيفة بني ساعدة، فإذا رجلٌ مزمل بين ظهرانيهم، فقُلْت : من هذا ؟ فقالوا : هذا سعد بن عبادة، فقُلْت : ما له ؟ قالوا : يوعك، فلما جلسنا قُلْيلا تشهد خطيبهم، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال : أما بعد، فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام، وأنتم معشر المهاجرين رهط، وقد دفت دافة من قومكم، فإذا هم يريدون أن يختزلونا من أصلنا، وأن يحضنونا من الأمر . فلما سكت أردت أن أتكلم، وكنتُ قد زورت مقالتْ أعجبتني أردت أن أقدمها بين يدي أبي بكر ، وكنتُ أداري منه بعض الحد، فلما أردت أن أتكلم، قال أبو بكر : على رسلك، فكرهت أن أغضبه، فتكلم أبو بكر فكان هو أحلم مني وأوقر، والله ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري، إلا قال في بديهته مثلها أو أفضل منها حتى سكت، فقال : ما ذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل، ولن يعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش، هم أوسط العرب نسبا ودارا، وقد رضيت لكم أُحُدٍ هذين الرجلُين، فبايعوا أيهما شئتم، فأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة بن الجراح، وهو جالس بيننا، فلم أكره مما قال غيرها، كان والله أن أقدم فتضرب عنقي، لا يقربني ذلك من إثم، أحب إلي من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر ، اللهم إلا أن تسول لي نفسي عِندَ الموت شيئا لا أجده الآن . فقال قائل من الأنصار : أنا جذيلها المحكك، وعذيقها المرجب، منا أمير، ومنكم أمير، يا معشر قريش . فكثر اللغط، وارتفعت الأصوات، حتى فرقت من الاختلاف، فقُلْت : ابسط يدك يا أبا بكر ، فبسط يده فبايعته، وبايعه المهاجرون ثم بايعته الأنصار . ونزونا على سعد بن عبادة، فقال قائل منهم : قتلتم سعد بن عبادة، فقُلْت : قتل الله سعد بن عبادة، قال عمر : وإنا والله ما وجدنا فيما حضرنا من أمر أقوى من مبايعة أبي بكر ، خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعة : أن يبايعوا رجلًا منهم بعدنا، فإما بايعناهم على ما لا نرضى، وإما نخالفهم فيكون فساد، فمن بايع رجلًا على غير مشورة من المسلمين، فلا يتابع هو ولا الذي بايعه، تغرة أن يقتلا .
كنتُ أقرئ رجالا من المهاجرين، منهم عبد الرحمن بن عوف، فبينما أنا في منزله بمنى، وهو عِندَ عُمَر بن الخطابِ في آخر حجة حجها، إذ رجع إلي عبد الرحمن فقال : لو رأيت رجلًا أتى أمير المؤمنين اليومَ، فقال : يا أمير المؤمنين، هل لك في فلان ؟ يقول : لو قد مات عمر لقد بايعت فلانا، فوالله ما كانت بيعة أبي بكر إلا فلتة فتمت، فغضب عمر، ثم قال : إني إن شاء الله لقائم العشية في الناس، فمحذرهم هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم أمورهم . قال عبد الرحمن : فقُلْت : يا أمير المؤمنين لا تفعل، فإن الموسم يجمع رعاع الناس وغوغاءهم، فإنهم هم الذين يغلبون على قربك حين تقوم في الناس، وأنا أخشى أن تقوم فتقول مقالتْ يطيرها عنك كل مطير، وأن لا يعوها، وأن لا يضعوها على مواضعها، فأمهل حتى تقدم المدينة، فإنها دار الهجرة والسنة، فتخلص بأهل الفقه وأشراف الناس، فتقول ما قُلْت متمكنا، فيعي أهل العلم مقالتْك، ويضعونها على مواضعها . فقال عمر : والله - إن شاء الله - لأقومن بذلك أو ل مقام أقومه بالمدينة . قال ابن عباس : فقدمنا المدينة في عقب ذي الحجة، فلما كان يومَ الجمعة عجلت الرواح حين زاغت الشمس، حتى أجد سعيد بن زيد بن عمرو ابن نفيل جالسا إلى ركن المنبر، فجلست حوله تمس ركبتي ركبته، فلم أنشب أن خرج عُمَر بن الخطابِ، فلما رأيته مقبلا، قُلْت لسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل : ليقولن العشية مقالتْ لم يقُلْها منذ استخلف، فأنكر علي وقال : ما عسيت أن يقول ما لم يقُلْ قبله، فجلس عمر على المنبر، فلما سكت المؤذنون قام، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال : أما بعد، فإني قائل لكم مقالتْ قد قدر لي أن أقولها، لا أدري لعلها بين يدي أجلي، فمن عقُلْها ووعاها فليحدث بها حيث انتهت به راحلته، ومن خشي أن لا يعقُلْها فلا أحل لأُحُدٍ أن يكذب علي : إن الله بعث محمدا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل الله آية الرجم، فقرأناها وعقُلْناها ووعيناها، رجم رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل : والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، والرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء، إذا قامت البينة، أو كان الحبل أو الاعتراف، ثم إنا كنا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله : أن لا ترغبوا عن آبائكم، فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم، أو إن كفرا بكم أن ترغبوا عن آبائكم . ألا ثم إن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال : ( لا تطروني كما أطري عيسى بن مريم، وقولوا : عبد الله ورسوله ) . ثم إنه بلغني قائل منكم يقول : والله لو قد مات عمر بايعت فلانا، فلا يغترن امرؤ أن يقول : إنما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمت، ألا وإنها قد كانت كذلك، ولكن الله وقى شرها، وليس فيكم من تقطع الأعناق إليه مثل أبي بكر، من بايع رجلًا من غير مشورة من المسلمين فلا يتابع هو ولا الذي تابعه، تغرة أن يقتلا، وإنه قد كان من خبرنا حين توفى الله نبيه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن الأنصار خالفونا، واجتمعوا بأسرهم في سقيفة بني ساعدة، وخالف عنا علي والزبير ومن معهما، واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر، فقُلْت لأبي بكر : يا أبا بكر انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار، فانطلقنا نريدهم، فلما دنونا منهم، لقينا منهم رجلان صالحان، فذكرا ما تمالأ عليه القوم، فقالا : أين تريدون يا معشر المهاجرين ؟ فقُلْنا : نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار، فقالا : لا عليكم أن لا تقربوهم، اقضوا أمركم، فقُلْت : والله لنأتينهم، فانطلقنا حتى أتيناهم في سقيفة بني ساعدة، فإذا رجلٌ مزمل بين ظهرانيهم، فقُلْت : من هذا ؟ فقالوا : هذا سعد بن عبادة، فقُلْت : ما له ؟ قالوا : يوعك، فلما جلسنا قُلْيلا تشهد خطيبهم، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال : أما بعد، فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام، وأنتم معشر المهاجرين رهط، وقد دفت دافة من قومكم، فإذا هم يريدون أن يختزلونا من أصلنا، وأن يحضنونا من الأمر . فلما سكت أردت أن أتكلم، وكنتُ قد زورت مقالتْ أعجبتني أردت أن أقدمها بين يدي أبي بكر، وكنتُ أداري منه بعض الحد، فلما أردت أن أتكلم، قال أبو بكر : على رسلك، فكرهت أن أغضبه، فتكلم أبو بكر فكان هو أحلم مني وأوقر، والله ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري، إلا قال في بديهته مثلها أو أفضل منها حتى سكت، فقال : ما ذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل، ولن يعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش، هم أوسط العرب نسبا ودارا، وقد رضيت لكم أُحُدٍ هذين الرجلُين، فبايعوا أيهما شئتم، فأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة بن الجراح، وهو جالس بيننا، فلم أكره مما قال غيرها، كان والله أن أقدم فتضرب عنقي، لا يقربني ذلك من إثم، أحب إلي من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر، اللهم إلا أن تسول لي نفسي عِندَ الموت شيئا لا أجده الآن . فقال قائل من الأنصار : أنا جذيلها المحكك، وعذيقها المرجب، منا أمير، ومنكم أمير، يا معشر قريش . فكثر اللغط، وارتفعت الأصوات، حتى فرقت من الاختلاف، فقُلْت : ابسط يدك يا أبا بكر، فبسط يده فبايعته، وبايعه المهاجرون ثم بايعته الأنصار . ونزونا على سعد بن عبادة، فقال قائل منهم : قتلتم سعد بن عبادة، فقُلْت : قتل الله سعد بن عبادة، قال عمر : وإنا والله ما وجدنا فيما حضرنا من أمر أقوى من مبايعة أبي بكر، خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعة : أن يبايعوا رجلًا منهم بعدنا، فإما بايعناهم على ما لا نرضى، وإما نخالفهم فيكون فساد، فمن بايع رجلًا على غير مشورة من المسلمين، فلا يتابع هو ولا الذي بايعه، تغرة أن يقتلا .
كنتُ أقرئ رجالا من المهاجرين، منهم عبد الرحمن بن عوف، فبينما أنا في منزله بمنى، وهو عِندَ عُمَر بن الخطابِ في آخر حجة حجها، إذ رجع إلي عبد الرحمن فقال : لو رأيت رجلًا أتى أمير المؤمنين اليومَ، فقال : يا أمير المؤمنين، هل لك في فلان ؟ يقول : لو قد مات عمر لقد بايعت فلانا، فوالله ما كانت بيعة أبي بكر إلا فلتة فتمت، فغضب عمر، ثم قال : إني إن شاء الله لقائم العشية في الناس، فمحذرهم هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم أمورهم . قال عبد الرحمن : فقُلْت : يا أمير المؤمنين لا تفعل، فإن الموسم يجمع رعاع الناس وغوغاءهم، فإنهم هم الذين يغلبون على قربك حين تقوم في الناس، وأنا أخشى أن تقوم فتقول مقالتْ يطيرها عنك كل مطير، وأن لا يعوها، وأن لا يضعوها على مواضعها، فأمهل حتى تقدم المدينة، فإنها دار الهجرة والسنة، فتخلص بأهل الفقه وأشراف الناس، فتقول ما قُلْت متمكنا، فيعي أهل العلم مقالتْك، ويضعونها على مواضعها . فقال عمر : والله - إن شاء الله - لأقومن بذلك أو ل مقام أقومه بالمدينة . قال ابن عباس : فقدمنا المدينة في عقب ذي الحجة، فلما كان يومَ الجمعة عجلت الرواح حين زاغت الشمس، حتى أجد سعيد بن زيد بن عمرو ابن نفيل جالسا إلى ركن المنبر، فجلست حوله تمس ركبتي ركبته، فلم أنشب أن خرج عُمَر بن الخطابِ، فلما رأيته مقبلا، قُلْت لسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل : ليقولن العشية مقالتْ لم يقُلْها منذ استخلف، فأنكر علي وقال : ما عسيت أن يقول ما لم يقُلْ قبله، فجلس عمر على المنبر، فلما سكت المؤذنون قام، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال : أما بعد، فإني قائل لكم مقالتْ قد قدر لي أن أقولها، لا أدري لعلها بين يدي أجلي، فمن عقُلْها ووعاها فليحدث بها حيث انتهت به راحلته، ومن خشي أن لا يعقُلْها فلا أحل لأُحُدٍ أن يكذب علي : إن الله بعث محمدا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل الله آية الرجم، فقرأناها وعقُلْناها ووعيناها، رجم رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل : والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، والرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء، إذا قامت البينة، أو كان الحبل أو الاعتراف، ثم إنا كنا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله : أن لا ترغبوا عن آبائكم، فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم، أو إن كفرا بكم أن ترغبوا عن آبائكم . ألا ثم إن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال : ( لا تطروني كما أطري عيسى بن مريم، وقولوا : عبد الله ورسوله ) . ثم إنه بلغني قائل منكم يقول : والله لو قد مات عمر بايعت فلانا، فلا يغترن امرؤ أن يقول : إنما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمت، ألا وإنها قد كانت كذلك، ولكن الله وقى شرها، وليس فيكم من تقطع الأعناق إليه مثل أبي بكر، من بايع رجلًا من غير مشورة من المسلمين فلا يتابع هو ولا الذي تابعه، تغرة أن يقتلا، وإنه قد كان من خبرنا حين توفى الله نبيه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن الأنصار خالفونا، واجتمعوا بأسرهم في سقيفة بني ساعدة، وخالف عنا علي والزبير ومن معهما، واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر، فقُلْت لأبي بكر : يا أبا بكر انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار، فانطلقنا نريدهم، فلما دنونا منهم، لقينا منهم رجلان صالحان، فذكرا ما تمالأ عليه القوم، فقالا : أين تريدون يا معشر المهاجرين ؟ فقُلْنا : نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار، فقالا : لا عليكم أن لا تقربوهم، اقضوا أمركم، فقُلْت : والله لنأتينهم، فانطلقنا حتى أتيناهم في سقيفة بني ساعدة، فإذا رجلٌ مزمل بين ظهرانيهم، فقُلْت : من هذا ؟ فقالوا : هذا سعد بن عبادة، فقُلْت : ما له ؟ قالوا : يوعك، فلما جلسنا قُلْيلا تشهد خطيبهم، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال : أما بعد، فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام، وأنتم معشر المهاجرين رهط، وقد دفت دافة من قومكم، فإذا هم يريدون أن يختزلونا من أصلنا، وأن يحضنونا من الأمر . فلما سكت أردت أن أتكلم، وكنتُ قد زورت مقالتْ أعجبتني أردت أن أقدمها بين يدي أبي بكر، وكنتُ أداري منه بعض الحد، فلما أردت أن أتكلم، قال أبو بكر : على رسلك، فكرهت أن أغضبه، فتكلم أبو بكر فكان هو أحلم مني وأوقر، والله ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري، إلا قال في بديهته مثلها أو أفضل منها حتى سكت، فقال : ما ذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل ، ولن يعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش، هم أوسط العرب نسبا ودارا، وقد رضيت لكم أُحُدٍ هذين الرجلُين، فبايعوا أيهما شئتم، فأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة بن الجراح، وهو جالس بيننا، فلم أكره مما قال غيرها، كان والله أن أقدم فتضرب عنقي، لا يقربني ذلك من إثم، أحب إلي من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر، اللهم إلا أن تسول لي نفسي عِندَ الموت شيئا لا أجده الآن . فقال قائل من الأنصار : أنا جذيلها المحكك، وعذيقها المرجب، منا أمير، ومنكم أمير، يا معشر قريش . فكثر اللغط، وارتفعت الأصوات، حتى فرقت من الاختلاف، فقُلْت : ابسط يدك يا أبا بكر، فبسط يده فبايعته، وبايعه المهاجرون ثم بايعته الأنصار . ونزونا على سعد بن عبادة، فقال قائل منهم : قتلتم سعد بن عبادة، فقُلْت : قتل الله سعد بن عبادة، قال عمر : وإنا والله ما وجدنا فيما حضرنا من أمر أقوى من مبايعة أبي بكر، خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعة : أن يبايعوا رجلًا منهم بعدنا، فإما بايعناهم على ما لا نرضى، وإما نخالفهم فيكون فساد، فمن بايع رجلًا على غير مشورة من المسلمين، فلا يتابع هو ولا الذي بايعه، تغرة أن يقتلا .
كنتُ أقرئ رجالا من المهاجرين، منهم عبد الرحمن بن عوف، فبينما أنا في منزله بمنى، وهو عِندَ عُمَر بن الخطابِ في آخر حجة حجها، إذ رجع إلي عبد الرحمن فقال : لو رأيت رجلًا أتى أمير المؤمنين اليومَ، فقال : يا أمير المؤمنين، هل لك في فلان ؟ يقول : لو قد مات عمر لقد بايعت فلانا، فوالله ما كانت بيعة أبي بكر إلا فلتة فتمت، فغضب عمر، ثم قال : إني إن شاء الله لقائم العشية في الناس، فمحذرهم هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم أمورهم . قال عبد الرحمن : فقُلْت : يا أمير المؤمنين لا تفعل، فإن الموسم يجمع رعاع الناس وغوغاءهم، فإنهم هم الذين يغلبون على قربك حين تقوم في الناس، وأنا أخشى أن تقوم فتقول مقالتْ يطيرها عنك كل مطير، وأن لا يعوها، وأن لا يضعوها على مواضعها، فأمهل حتى تقدم المدينة، فإنها دار الهجرة والسنة، فتخلص بأهل الفقه وأشراف الناس، فتقول ما قُلْت متمكنا، فيعي أهل العلم مقالتْك، ويضعونها على مواضعها . فقال عمر : والله - إن شاء الله - لأقومن بذلك أو ل مقام أقومه بالمدينة . قال ابن عباس : فقدمنا المدينة في عقب ذي الحجة، فلما كان يومَ الجمعة عجلت الرواح حين زاغت الشمس، حتى أجد سعيد بن زيد بن عمرو ابن نفيل جالسا إلى ركن المنبر، فجلست حوله تمس ركبتي ركبته، فلم أنشب أن خرج عُمَر بن الخطابِ، فلما رأيته مقبلا، قُلْت لسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل : ليقولن العشية مقالتْ لم يقُلْها منذ استخلف، فأنكر علي وقال : ما عسيت أن يقول ما لم يقُلْ قبله، فجلس عمر على المنبر، فلما سكت المؤذنون قام، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال : أما بعد، فإني قائل لكم مقالتْ قد قدر لي أن أقولها، لا أدري لعلها بين يدي أجلي، فمن عقُلْها ووعاها فليحدث بها حيث انتهت به راحلته، ومن خشي أن لا يعقُلْها فلا أحل لأُحُدٍ أن يكذب علي : إن الله بعث محمدا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل الله آية الرجم، فقرأناها وعقُلْناها ووعيناها، رجم رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل : والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، والرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء، إذا قامت البينة ، أو كان الحبل أو الاعتراف، ثم إنا كنا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله : أن لا ترغبوا عن آبائكم، فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم، أو إن كفرا بكم أن ترغبوا عن آبائكم . ألا ثم إن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال : ( لا تطروني كما أطري عيسى بن مريم، وقولوا : عبد الله ورسوله ) . ثم إنه بلغني قائل منكم يقول : والله لو قد مات عمر بايعت فلانا، فلا يغترن امرؤ أن يقول : إنما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمت، ألا وإنها قد كانت كذلك، ولكن الله وقى شرها، وليس فيكم من تقطع الأعناق إليه مثل أبي بكر، من بايع رجلًا من غير مشورة من المسلمين فلا يتابع هو ولا الذي تابعه، تغرة أن يقتلا، وإنه قد كان من خبرنا حين توفى الله نبيه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن الأنصار خالفونا، واجتمعوا بأسرهم في سقيفة بني ساعدة، وخالف عنا علي والزبير ومن معهما، واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر، فقُلْت لأبي بكر : يا أبا بكر انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار، فانطلقنا نريدهم، فلما دنونا منهم، لقينا منهم رجلان صالحان، فذكرا ما تمالأ عليه القوم، فقالا : أين تريدون يا معشر المهاجرين ؟ فقُلْنا : نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار، فقالا : لا عليكم أن لا تقربوهم، اقضوا أمركم، فقُلْت : والله لنأتينهم، فانطلقنا حتى أتيناهم في سقيفة بني ساعدة، فإذا رجلٌ مزمل بين ظهرانيهم، فقُلْت : من هذا ؟ فقالوا : هذا سعد بن عبادة، فقُلْت : ما له ؟ قالوا : يوعك، فلما جلسنا قُلْيلا تشهد خطيبهم، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال : أما بعد، فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام، وأنتم معشر المهاجرين رهط، وقد دفت دافة من قومكم، فإذا هم يريدون أن يختزلونا من أصلنا، وأن يحضنونا من الأمر . فلما سكت أردت أن أتكلم، وكنتُ قد زورت مقالتْ أعجبتني أردت أن أقدمها بين يدي أبي بكر، وكنتُ أداري منه بعض الحد، فلما أردت أن أتكلم، قال أبو بكر : على رسلك، فكرهت أن أغضبه، فتكلم أبو بكر فكان هو أحلم مني وأوقر، والله ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري، إلا قال في بديهته مثلها أو أفضل منها حتى سكت، فقال : ما ذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل، ولن يعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش، هم أوسط العرب نسبا ودارا، وقد رضيت لكم أُحُدٍ هذين الرجلُين، فبايعوا أيهما شئتم، فأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة بن الجراح، وهو جالس بيننا، فلم أكره مما قال غيرها، كان والله أن أقدم فتضرب عنقي، لا يقربني ذلك من إثم، أحب إلي من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر، اللهم إلا أن تسول لي نفسي عِندَ الموت شيئا لا أجده الآن . فقال قائل من الأنصار : أنا جذيلها المحكك، وعذيقها المرجب، منا أمير، ومنكم أمير، يا معشر قريش . فكثر اللغط، وارتفعت الأصوات، حتى فرقت من الاختلاف، فقُلْت : ابسط يدك يا أبا بكر، فبسط يده فبايعته، وبايعه المهاجرون ثم بايعته الأنصار . ونزونا على سعد بن عبادة، فقال قائل منهم : قتلتم سعد بن عبادة، فقُلْت : قتل الله سعد بن عبادة، قال عمر : وإنا والله ما وجدنا فيما حضرنا من أمر أقوى من مبايعة أبي بكر، خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعة : أن يبايعوا رجلًا منهم بعدنا، فإما بايعناهم على ما لا نرضى، وإما نخالفهم فيكون فساد، فمن بايع رجلًا على غير مشورة من المسلمين، فلا يتابع هو ولا الذي بايعه، تغرة أن يقتلا .
كنتُ أقرئ رجالا من المهاجرين، منهم عبد الرحمن بن عوف، فبينما أنا في منزله بمنى، وهو عِندَ عُمَر بن الخطابِ في آخر حجة حجها، إذ رجع إلي عبد الرحمن فقال : لو رأيت رجلًا أتى أمير المؤمنين اليومَ، فقال : يا أمير المؤمنين، هل لك في فلان ؟ يقول : لو قد مات عمر لقد بايعت فلانا، فوالله ما كانت بيعة أبي بكر إلا فلتة فتمت، فغضب عمر، ثم قال : إني إن شاء الله لقائم العشية في الناس، فمحذرهم هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم أمورهم . قال عبد الرحمن : فقُلْت : يا أمير المؤمنين لا تفعل، فإن الموسم يجمع رعاع الناس وغوغاءهم، فإنهم هم الذين يغلبون على قربك حين تقوم في الناس، وأنا أخشى أن تقوم فتقول مقالتْ يطيرها عنك كل مطير، وأن لا يعوها، وأن لا يضعوها على مواضعها، فأمهل حتى تقدم المدينة، فإنها دار الهجرة والسنة، فتخلص بأهل الفقه وأشراف الناس، فتقول ما قُلْت متمكنا، فيعي أهل العلم مقالتْك، ويضعونها على مواضعها . فقال عمر : والله - إن شاء الله - لأقومن بذلك أو ل مقام أقومه بالمدينة . قال ابن عباس : فقدمنا المدينة في عقب ذي الحجة، فلما كان يومَ الجمعة عجلت الرواح حين زاغت الشمس، حتى أجد سعيد بن زيد بن عمرو ابن نفيل جالسا إلى ركن المنبر، فجلست حوله تمس ركبتي ركبته، فلم أنشب أن خرج عُمَر بن الخطابِ، فلما رأيته مقبلا، قُلْت لسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل : ليقولن العشية مقالتْ لم يقُلْها منذ استخلف، فأنكر علي وقال : ما عسيت أن يقول ما لم يقُلْ قبله، فجلس عمر على المنبر، فلما سكت المؤذنون قام، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال : أما بعد، فإني قائل لكم مقالتْ قد قدر لي أن أقولها، لا أدري لعلها بين يدي أجلي، فمن عقُلْها ووعاها فليحدث بها حيث انتهت به راحلته، ومن خشي أن لا يعقُلْها فلا أحل لأُحُدٍ أن يكذب علي : إن الله بعث محمدا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل الله آية الرجم، فقرأناها وعقُلْناها ووعيناها، رجم رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل : والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، والرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء ، إذا قامت البينة، أو كان الحبل أو الاعتراف، ثم إنا كنا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله : أن لا ترغبوا عن آبائكم، فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم، أو إن كفرا بكم أن ترغبوا عن آبائكم . ألا ثم إن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال : ( لا تطروني كما أطري عيسى بن مريم، وقولوا : عبد الله ورسوله ) . ثم إنه بلغني قائل منكم يقول : والله لو قد مات عمر بايعت فلانا، فلا يغترن امرؤ أن يقول : إنما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمت، ألا وإنها قد كانت كذلك، ولكن الله وقى شرها، وليس فيكم من تقطع الأعناق إليه مثل أبي بكر، من بايع رجلًا من غير مشورة من المسلمين فلا يتابع هو ولا الذي تابعه، تغرة أن يقتلا، وإنه قد كان من خبرنا حين توفى الله نبيه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن الأنصار خالفونا، واجتمعوا بأسرهم في سقيفة بني ساعدة، وخالف عنا علي والزبير ومن معهما، واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر، فقُلْت لأبي بكر : يا أبا بكر انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار، فانطلقنا نريدهم، فلما دنونا منهم، لقينا منهم رجلان صالحان، فذكرا ما تمالأ عليه القوم، فقالا : أين تريدون يا معشر المهاجرين ؟ فقُلْنا : نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار، فقالا : لا عليكم أن لا تقربوهم، اقضوا أمركم، فقُلْت : والله لنأتينهم، فانطلقنا حتى أتيناهم في سقيفة بني ساعدة، فإذا رجلٌ مزمل بين ظهرانيهم، فقُلْت : من هذا ؟ فقالوا : هذا سعد بن عبادة، فقُلْت : ما له ؟ قالوا : يوعك، فلما جلسنا قُلْيلا تشهد خطيبهم، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال : أما بعد، فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام، وأنتم معشر المهاجرين رهط، وقد دفت دافة من قومكم، فإذا هم يريدون أن يختزلونا من أصلنا، وأن يحضنونا من الأمر . فلما سكت أردت أن أتكلم، وكنتُ قد زورت مقالتْ أعجبتني أردت أن أقدمها بين يدي أبي بكر، وكنتُ أداري منه بعض الحد، فلما أردت أن أتكلم، قال أبو بكر : على رسلك، فكرهت أن أغضبه، فتكلم أبو بكر فكان هو أحلم مني وأوقر، والله ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري، إلا قال في بديهته مثلها أو أفضل منها حتى سكت، فقال : ما ذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل، ولن يعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش، هم أوسط العرب نسبا ودارا، وقد رضيت لكم أُحُدٍ هذين الرجلُين، فبايعوا أيهما شئتم، فأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة بن الجراح، وهو جالس بيننا، فلم أكره مما قال غيرها، كان والله أن أقدم فتضرب عنقي، لا يقربني ذلك من إثم، أحب إلي من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر، اللهم إلا أن تسول لي نفسي عِندَ الموت شيئا لا أجده الآن . فقال قائل من الأنصار : أنا جذيلها المحكك، وعذيقها المرجب، منا أمير، ومنكم أمير، يا معشر قريش . فكثر اللغط، وارتفعت الأصوات، حتى فرقت من الاختلاف، فقُلْت : ابسط يدك يا أبا بكر، فبسط يده فبايعته، وبايعه المهاجرون ثم بايعته الأنصار . ونزونا على سعد بن عبادة، فقال قائل منهم : قتلتم سعد بن عبادة، فقُلْت : قتل الله سعد بن عبادة، قال عمر : وإنا والله ما وجدنا فيما حضرنا من أمر أقوى من مبايعة أبي بكر، خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعة : أن يبايعوا رجلًا منهم بعدنا، فإما بايعناهم على ما لا نرضى، وإما نخالفهم فيكون فساد، فمن بايع رجلًا على غير مشورة من المسلمين، فلا يتابع هو ولا الذي بايعه، تغرة أن يقتلا .
كنتُ أقرئ رجالا من المهاجرين، منهم عبد الرحمن بن عوف، فبينما أنا في منزله بمنى، وهو عِندَ عُمَر بن الخطابِ في آخر حجة حجها، إذ رجع إلي عبد الرحمن فقال : لو رأيت رجلًا أتى أمير المؤمنين اليومَ، فقال : يا أمير المؤمنين، هل لك في فلان ؟ يقول : لو قد مات عمر لقد بايعت فلانا، فوالله ما كانت بيعة أبي بكر إلا فلتة فتمت، فغضب عمر، ثم قال : إني إن شاء الله لقائم العشية في الناس، فمحذرهم هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم أمورهم . قال عبد الرحمن : فقُلْت : يا أمير المؤمنين لا تفعل، فإن الموسم يجمع رعاع الناس وغوغاءهم، فإنهم هم الذين يغلبون على قربك حين تقوم في الناس، وأنا أخشى أن تقوم فتقول مقالتْ يطيرها عنك كل مطير، وأن لا يعوها، وأن لا يضعوها على مواضعها، فأمهل حتى تقدم المدينة، فإنها دار الهجرة والسنة، فتخلص بأهل الفقه وأشراف الناس، فتقول ما قُلْت متمكنا، فيعي أهل العلم مقالتْك، ويضعونها على مواضعها . فقال عمر : والله - إن شاء الله - لأقومن بذلك أو ل مقام أقومه بالمدينة . قال ابن عباس : فقدمنا المدينة في عقب ذي الحجة، فلما كان يومَ الجمعة عجلت الرواح حين زاغت الشمس، حتى أجد سعيد بن زيد بن عمرو ابن نفيل جالسا إلى ركن المنبر، فجلست حوله تمس ركبتي ركبته، فلم أنشب أن خرج عُمَر بن الخطابِ، فلما رأيته مقبلا، قُلْت لسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل : ليقولن العشية مقالتْ لم يقُلْها منذ استخلف، فأنكر علي وقال : ما عسيت أن يقول ما لم يقُلْ قبله، فجلس عمر على المنبر، فلما سكت المؤذنون قام، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال : أما بعد، فإني قائل لكم مقالتْ قد قدر لي أن أقولها، لا أدري لعلها بين يدي أجلي، فمن عقُلْها ووعاها فليحدث بها حيث انتهت به راحلته، ومن خشي أن لا يعقُلْها فلا أحل لأُحُدٍ أن يكذب علي : إن الله بعث محمدا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل الله آية الرجم، فقرأناها وعقُلْناها ووعيناها، رجم رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل : والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله ، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله ، والرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء، إذا قامت البينة، أو كان الحبل أو الاعتراف، ثم إنا كنا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله : أن لا ترغبوا عن آبائكم، فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم، أو إن كفرا بكم أن ترغبوا عن آبائكم . ألا ثم إن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال : ( لا تطروني كما أطري عيسى بن مريم، وقولوا : عبد الله ورسوله ) . ثم إنه بلغني قائل منكم يقول : والله لو قد مات عمر بايعت فلانا، فلا يغترن امرؤ أن يقول : إنما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمت، ألا وإنها قد كانت كذلك، ولكن الله وقى شرها، وليس فيكم من تقطع الأعناق إليه مثل أبي بكر، من بايع رجلًا من غير مشورة من المسلمين فلا يتابع هو ولا الذي تابعه، تغرة أن يقتلا، وإنه قد كان من خبرنا حين توفى الله نبيه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن الأنصار خالفونا، واجتمعوا بأسرهم في سقيفة بني ساعدة، وخالف عنا علي والزبير ومن معهما، واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر، فقُلْت لأبي بكر : يا أبا بكر انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار، فانطلقنا نريدهم، فلما دنونا منهم، لقينا منهم رجلان صالحان، فذكرا ما تمالأ عليه القوم، فقالا : أين تريدون يا معشر المهاجرين ؟ فقُلْنا : نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار، فقالا : لا عليكم أن لا تقربوهم، اقضوا أمركم، فقُلْت : والله لنأتينهم، فانطلقنا حتى أتيناهم في سقيفة بني ساعدة، فإذا رجلٌ مزمل بين ظهرانيهم، فقُلْت : من هذا ؟ فقالوا : هذا سعد بن عبادة، فقُلْت : ما له ؟ قالوا : يوعك، فلما جلسنا قُلْيلا تشهد خطيبهم، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال : أما بعد، فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام، وأنتم معشر المهاجرين رهط، وقد دفت دافة من قومكم، فإذا هم يريدون أن يختزلونا من أصلنا، وأن يحضنونا من الأمر . فلما سكت أردت أن أتكلم، وكنتُ قد زورت مقالتْ أعجبتني أردت أن أقدمها بين يدي أبي بكر، وكنتُ أداري منه بعض الحد، فلما أردت أن أتكلم، قال أبو بكر : على رسلك، فكرهت أن أغضبه، فتكلم أبو بكر فكان هو أحلم مني وأوقر، والله ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري، إلا قال في بديهته مثلها أو أفضل منها حتى سكت، فقال : ما ذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل، ولن يعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش، هم أوسط العرب نسبا ودارا، وقد رضيت لكم أُحُدٍ هذين الرجلُين، فبايعوا أيهما شئتم، فأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة بن الجراح، وهو جالس بيننا، فلم أكره مما قال غيرها، كان والله أن أقدم فتضرب عنقي، لا يقربني ذلك من إثم، أحب إلي من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر، اللهم إلا أن تسول لي نفسي عِندَ الموت شيئا لا أجده الآن . فقال قائل من الأنصار : أنا جذيلها المحكك، وعذيقها المرجب، منا أمير، ومنكم أمير، يا معشر قريش . فكثر اللغط، وارتفعت الأصوات، حتى فرقت من الاختلاف، فقُلْت : ابسط يدك يا أبا بكر، فبسط يده فبايعته، وبايعه المهاجرون ثم بايعته الأنصار . ونزونا على سعد بن عبادة، فقال قائل منهم : قتلتم سعد بن عبادة، فقُلْت : قتل الله سعد بن عبادة، قال عمر : وإنا والله ما وجدنا فيما حضرنا من أمر أقوى من مبايعة أبي بكر، خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعة : أن يبايعوا رجلًا منهم بعدنا، فإما بايعناهم على ما لا نرضى، وإما نخالفهم فيكون فساد، فمن بايع رجلًا على غير مشورة من المسلمين، فلا يتابع هو ولا الذي بايعه، تغرة أن يقتلا .
أنَّ عبدَ اللهِ بنَ عبَّاسٍ أخبَره أنَّه كان يُقرئُ عبدَ الرَّحمنِ بنَ عوفٍ في خلافةِ عمرَ بنِ الخطَّابِ قال: فلم أرَ رجلًا يجِدُ مِن الِاقْشَعْريرةِ ما يجِدُ عبدُ الرَّحمنِ عندَ القراءةِ
قال ابنُ عبَّاسٍ: فجِئْتُ ألتمِسُ عبدَ الرَّحمنِ يومًا فلم أجِدْه فانتظَرْتُه في بيتِه حتَّى رجَع مِن عندِ عمرَ فلمَّا رجَع قال لي: لو رأَيْتَ رجلًا آنفًا قال لعمرَ كذا وكذا وهو يومَئذٍ بمنًى في آخِرِ حجَّةٍ حجَّها عمرُ بنُ الخطَّابِ فذكَر عبدُ الرَّحمنِ لابنِ عبَّاسٍ أنَّ رجلًا أتى إلى عمرَ فأخبَره أنَّ رجلًا قال: واللهِ لو مات عمرُ لقد بايَعْتُ فلانًا قال عمرُ حينَ بلَغه ذلك: إنِّي لَقائمٌ إنْ شاء اللهُ العشيَّةَ في النَّاسِ فمُحذِّرُهم هؤلاء الَّذينَ يغتصِبون الأمَّةَ أمرَهم
فقال عبدُ الرَّحمنِ: فقُلْتُ: يا أميرَ المؤمنينَ لا تفعَلْ ذلك يومَك هذا فإنَّ المَوسِمَ يجمَعُ رَعاعَ النَّاسِ وغَوغاءَهم وإنَّهم هم الَّذينَ يغلِبونَ على مجلسِك فأخشى إنْ قُلْتَ فيهم اليومَ مقالًا أنْ يَطيروا بها ولا يَعوها ولا يضَعوها على مواضعِها أمهِلْ حتَّى تقدَمَ المدينةَ فإنَّها دارُ الهجرةِ والسُّنَّةِ، وتخلُصَ لعلماءِ النَّاسِ وأشرافِهم فتقولَ ما قُلْتَ متمكِّنًا فيَعوا مقالتَك ويضَعوها على مواضعِها
قال عمرُ: واللهِ لئِنْ قدِمْتُ المدينةَ صالحًا لأُكلِّمَنَّ بها النَّاسَ في أوَّلِ مقامٍ أقومُه
قال ابنُ عبَّاسٍ: فلمَّا قدِمْنا المدينةَ في عقِبِ ذي الحجَّةِ وجاء يومُ الجمعةِ هجَّرْتُ صكَّةَ الأعمى لِمَا أخبَرني عبدُ الرَّحمنِ فوجَدْتُ سعيدَ بنَ زيدٍ قد سبَقني بالتَّهجيرِ فجلَس إلى ركنٍ جانبَ المنبرِ الأيمنَ فجلَسْتُ إلى جنبِه تمَسُّ ركبتي ركبتَه فلم ينشَبْ عمرُ أنْ خرَج فأقبَل يؤُمُّ المنبرَ فقُلْتُ لسعيدِ بنِ زيدٍ وعمرُ مُقبِلٌ: واللهِ ليقولَنَّ أميرُ المؤمنينَ على هذا المنبرِ اليومَ مقالةً لم يقُلْها أحدٌ قبْلَه فأنكَر ذلك سعيدُ بنُ زيدٍ وقال: ما عسى أنْ يقولَ ما لم يقُلْه أحدٌ قبْلَه ؟ فلمَّا جلَس على المنبرِ أذَّن المؤذِّنُ فلمَّا أنْ سكَت قام عمرُ فتشهَّد وأثنى على اللهِ بما هو أهلُه ثمَّ قال: أمَّا بعدُ فإنِّي قائلٌ لكم مقالةً قد قُدِّر لي أنْ أقولَها لعلَّها بينَ يدَيْ أجَلي فمَن عقَلها ووعاها فلْيُحدِّثْ بها حيثُ انتَهتْ به راحلتُه ومَن خشي ألَّا يعيَها فلا أُحِلُّ له أنْ يكذِبَ عليَّ: إنَّ اللهَ جلَّ وعلا بعَث محمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأنزَل عليه الكتابَ فكان ممَّا أُنزِل عليه آيةُ الرَّجمِ فقرَأْناها وعقَلْناها ووعَيْناها ورجَم رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ورجَمْنا بعدَه وأخشى إنْ طال بالنَّاسِ زمانٌ أنْ يقولَ قائلٌ: واللهِ ما نجِدُ آيةَ الرَّجمِ في كتابِ اللهِ فيترُكَ فريضةً أنزَلها اللهُ وإنَّ الرَّجمَ في كتابِ اللهِ حقٌّ على مَن زنى إذا أحصَن مِن الرِّجالِ والنِّساءِ إذا قامتِ البيِّنةُ أو كان الحَبَلُ أو الاعترافُ
ثم إنَّا قد كنَّا نقرَأُ أنْ: ( لا ترغَبوا عن آبائِكم فإنَّ كفرًا بكم أنْ ترغَبوا عن آبائِكم )
ثم إنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ( لا تُطروني كما أُطري ابنُ مريمَ فإنَّما أنا عبدٌ فقولوا: عبدُ اللهِ ورسولُه )
ثمَّ إنَّه بلَغني أنَّ فلانًا منكم يقولُ: واللهِ لو قد مات عمرُ لقد بايَعْتُ فلانًا فلا يغُرَّنَّ امرأً أنْ يقولَ: إنَّ بيعةَ أبي بكرٍ كانت فَلْتةً فتمَّتْ فإنَّها قد كانت كذلك إلَّا أنَّ اللهَ وقى شرَّها وليس فيكم مَن تُقطَعُ إليه الأعناقُ مثلُ أبي بكرٍ وإنَّه كان مِن خيرِنا حينَ تُوفِّي رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وإنَّ عليًّا والزُّبيرَ ومَن معهما تخلَّفوا عنَّا وتخلَّفتِ الأنصارُ عنَّا بأَسرِها واجتمَعوا في سَقيفةِ بني ساعدةَ واجتمَع المهاجرونَ إلى أبي بكرٍ فبَيْنا نحنُ في منزلِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذ رجلٌ يُنادي مِن وراءِ الجدارِ: اخرُجْ إليَّ يا ابنَ الخطَّابِ فقُلْتُ: إليك عنِّي فإنَّا مشاغيلُ عنك فقال: إنَّه قد حدَث أمرٌ لا بدَّ منك فيه إنَّ الأنصارَ قد اجتمَعوا في سَقيفةِ بني ساعدةَ فأدرِكوهم قبْلَ أنْ يُحدِثوا أمرًا فيكونَ بينَكم وبينهم فيه حربٌ فقُلْتُ لأبي بكرٍ: انطلِقْ بنا إلى إخوانِنا هؤلاء مِن الأنصارِ فانطلَقْنا نؤُمُّهم فلقيَنا أبو عُبيدةَ بنُ الجرَّاحِ فأخَذ أبو بكرٍ بيدِه فمشى بيني وبينه حتَّى إذا دنَوْنا منهم لقيَنا رجلانِ صالحانِ فذكَرا الَّذي صنَع القومُ وقالا: أين تُريدونَ يا معشرَ المهاجرينَ ؟ فقُلْتُ: نُريدُ إخوانَنا مِن هؤلاء الأنصارِ قالا: لا عليكم ألَّا تقرَبوهم يا معشرَ المهاجرينَ اقضوا أمرَكم فقُلْتُ: واللهِ لنأتيَنَّهم فانطلَقْنا حتَّى أتَيْناهم فإذا هم في سَقيفةِ بني ساعدةَ فإذا بينَ أظهُرِهم رجلٌ مزَّمِّلٌ فقُلْتُ: مَن هذا ؟ قالوا: سعدُ بنُ عُبادةَ قُلْتُ: فما له ؟ قالوا: هو وجِعٌ، فلمَّا جلَسْنا تكلَّم خطيبُ الأنصارِ فأثنى على اللهِ بما هو أهلُه ثمَّ قال: أمَّا بعدُ فنحنُ أنصارُ اللهِ وكتيبةُ الإسلامِ وأنتم يا معشرَ المهاجرينَ رهطٌ منَّا وقد دفَّت دافَّةٌ مِن قومِكم قال عمرُ: وإذا هم يُريدونَ أنْ يختزِلونا مِن أصلِنا ويحطُّوا بنا [ منه ] قال: فلمَّا قضى مقالتَه أرَدْتُ أنْ أتكلَّمَ وكُنْتُ قد زوَّرْتُ مقالةً أعجَبتْني أُريدُ أنْ أقومَ بها بينَ يدَيْ أبي بكرٍ وكُنْتُ أُداري مِن أبي بكرٍ بعضَ الحدَّةِ فلمَّا أرَدْتُ أنْ أتكلَّمَ قال أبو بكرٍ: على رِسْلِك، فكرِهْتُ أنْ أُغضِبَه فتكلَّم أبو بكرٍ وهو كان أحلَمَ منِّي وأوقَرَ، واللهِ ما ترَك مِن كلمةٍ أعجَبتْني في تزويري إلَّا تكلَّم بمثلِها أو أفضَلَ في بديهتِه حتَّى سكَت فتشهَّد أبو بكرٍ وأثنى على اللهِ بما هو أهلُه ثمَّ قال: أمَّا بعدُ أيُّها الأنصارُ فما ذكَرْتُم فيكم مِن خيرٍ فأنتم أهلُه ولن تعرِفَ العربُ هذا الأمرَ إلَّا لهذا الحيِّ مِن قريشٍ هم أوسطُ العربِ نسبًا ودارًا وقد رضيتُ لكم أحدَ هذينِ الرَّجلينِ فبايِعوا أيَّهما شِئْتُم فأخَذ بيدي وبيدِ أبي عُبيدةَ بنِ الجرَّاحِ فلم أكرَهْ مِن مقالتِه غيرَها كان واللهِ أنْ أُقدَّمَ فتُضرَبَ عُنقي لا يُقرِّبُني ذلك إلى إثمٍ أحَبَّ إليَّ مِن أنْ أُؤمَّرَ على قومٍ فيهم أبو بكرٍ إلَّا أنْ تغيَّر نفسي عندَ الموتِ فلمَّا قضى أبو بكرٍ مقالتَه قال قائلٌ مِن الأنصارِ: أنا جُذَيْلُها المُحكَّكُ وعُذَيْقُها المرجَّبُ منَّا أميرٌ ومنكم أميرٌ يا معشرَ قريشٍ قال عمرُ: فكثُر اللَّغطُ وارتفَعتِ الأصواتُ حتَّى أشفَقْتُ الاختلافَ قُلْتُ: ابسُطْ يدَك يا أبا بكرٍ فبسَط أبو بكرٍ يدَه فبايَعْتُه وبايَعه المهاجرونَ والأنصارُ ونزَوْنا على سعدِ بنِ عُبادةَ فقال قائلٌ مِن الأنصارِ: قتَلْتُم سعدًا قال عمرُ: فقُلْتُ وأنا مُغضَبٌ: قتَل اللهُ سعدًا فإنَّه صاحبُ فتنةٍ وشرٍّ وإنَّا واللهِ ما رأَيْنا فيما حضَر مِن أمرِنا أمرًا أقوى مِن بيعةِ أبي بكرٍ فخشينا إنْ فارَقْنا القومَ قبْلَ أنْ تكونَ بيعةٌ أنْ يُحدِثوا بعدَنا بيعةً فإمَّا أنْ نُبايِعَهم على ما لا نرضى وإمَّا أنْ نُخالِفَهم فيكونَ فسادًا فلا يغتَرَّنَّ امرؤٌ أنْ يقولَ: إنَّ بيعةَ أبي بكرٍ كانت فَلْتةً فتمَّتْ فقد كانت فَلْتةً ولكنَّ اللهَ وقى شرَّها ألا وإنَّه ليس فيكم اليومَ مثلُ أبي بكرٍ
قال مالكٌ: أخبَرني الزُّهريُّ أنَّ عُروةَ بنَ الزُّبيرِ أخبَره أنَّ الرَّجلينِ الأنصاريَّيْنِ اللَّذينِ لقيا المهاجرينَ هما: عويمُ بنُ ساعدةَ ومعنُ بنُ عديٍّ، وزعَم مالكٌ أنَّ الزُّهريَّ سمِع سعيدَ بنَ المسيَّبِ يزعُمُ أنَّ الَّذي قال يومَئذٍ: ( أنا جُذَيْلُها المُحكَّكُ ) رجلٌ مِن بني سلِمةَ يُقالُ له: حُبابُ بنُ المنذِرِ
عن ابن عباس أن عبد الرحمن بن عوف رجع إلى رحله قال ابن عباس وكنت أقرئ عبد الرحمن بن عوف فوجدني وأنا انتظره وذلك بمنى في آخر حجة حجها عمر بن الخطاب فقال عبد الرحمن بن عوف إن رجلا أتى عمر بن الخطاب فقال إن فلانا يقول لو قد مات عمر بايعت فلانا فقال عمر إني قائم العشية إن شاء الله في الناس فمحذرهم هؤلاء الرهط الذين يريدون أن يغصبوهم أمرهم قال عبد الرحمن فقلت يا أمير المؤمنين لا تفعل فإن الموسم يجمع رعاع الناس وغوغاءهم وأنهم الذين يغلبون على مجلسك إذا قمت في الناس فأخشى أن تقول مقالة يطير بها أولئك فلا يعوها ولا يضعوها مواضعها ولكن حتى تقدم المدينة فإنها دار الهجرة والسنة وتخلص بعلماء الناس وأشرافهم فتقول ما قلت متمكنا فيعون مقالتك ويضعوها مواضعها قال عمر لئن قدمت المدينة صالحا لأكلمن بها الناس في أول مقام أقومه فلما قدمنا المدينة في عقب ذي الحجة وكان يوم الجمعة عجلت الرواح صكة الأعمى قلت لمالك وما صكة الأعمى قال إنه لا يبالي أي ساعة خرج لا يعرف الحر والبرد أو نحو هذا فوجدت سعيد بن زيد عند ركن المنبر الأيمن قد سبقني فجلست حذاءه تحك ركبتي ركبته فلم أنشب أن طلع عمر فلما رأيته قلت ليقولن العشية على هذا المنبر مقالة ما قالها عليه أحد قبله قال فأنكر سعيد بن زيد ذلك وقال ما عسيت أن يقول ما لم يقل أحد فجلس عمر على المنبر فلما سكت المؤذن قام فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال أما بعد أيها الناس فإني قائل مقالة وقد قدر لي أن أقولها لا أدري لعلها بين يدي أجلي فمن وعاها وعقلها فليحدث بها حيث انتهت به راحلته ومن لم يعها فلا أحل له أن يكذب علي إن الله بعث محمدا بالحق وأنزل عليه الكتاب فكان فيما أنزل عليه آية الرجم فقرأناها ووعيناها وعقلناها ورجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل لا نجد آية الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة قد أنزلها الله عز وجل فالرجم في كتاب الله حق على من زنا إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف ألا وإنا قد كنا نقرأ لا ترغبوا عن آبائكم فإن كفرا بكم أن ترغبوا عن آبائكم ألا وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا تطروني كما أطري عيسى بن مريم فإنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله وقد بلغني أن قائلا منكم يقول لو قد مات عمر بايعت فلانا فلا يغترن امرؤ أن يقول إن بيعة أبي بكر كانت فلتة فتمت ألا وإنها كانت كذلك إلا أن الله وقى شرها وليس فيكم اليوم من تقطع إليه الأعناق مثل أبي بكر وأنه كان من خيرنا حين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم إن عليا والزبير ومن كان معهما تخلفوا في بيت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وتخلف عنها الأنصار بأجمعها في سقيفة بني ساعدة واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر فقلت له يا أبا بكر انطلق بنا إلى إخواننا من الأنصار فانطلقنا نؤمهم حتى لقينا رجلان صالحان فذكرا لنا الذي صنع القوم فقالا أين تريدون يا معشر المهاجرين فقلت نريد إخواننا من الأنصار فقالا لا عليكم أن لا تقربوهم واقضوا أمركم يا معشر المهاجرين فقلت والله لنأتينهم فانطلقنا حتى جئناهم في سقيفة بني ساعدة فإذا هم مجتمعون وإذا بين ظهرانيهم رجل مزمل فقلت من هذا قالوا سعد بن عبادة فقلت ماله قالوا وجع فلما جلسنا قام خطيبهم فأثنى على الله بما هو أهله وقال أما بعد فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام وأنتم يا معشر المهاجرين رهط نبينا وقد دفت دافة منكم تريدون أن تختزلونا من أصلنا وتحصنونا من الأمر فلما سكت أردت أن أتكلم وكنت قد زورت مقالة أعجبتني أردت أن أقولها بين يدي أبي بكر وكنت أداري منه بعض الحد وهو كان أحكم مني وأوقر والله ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري إلا قالها في بلغته وقصر حتى سكت فقال أما بعد فما ذكرتم من خبر فأنتم أهله وما تعرف العرب هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش هم أوسط العرب نسبا ودارا وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين أيهما شئتم وأخذ بيدي ويد أبي عبيدة بن الجراح فلم أكره مما قال غيرها كان والله أن أقدم فتضرب عنقي لا يقربني ذلك إلى إثم أحب إلي أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر إلا أن تغير نفسي عند الموت فقال قائل من الأنصار أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش فقلت لمالك ما يعني أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب قال كأنه يقول أنا داهيتها قال فكثر اللغط وارتفعت الأصوات حتى خشينا الاختلاف فقلت ابسط يدك يا أبا بكر فبسط يده فبايعته وبايعه المهاجرون ثم بايعه الأنصار ونزونا على سعد بن عبادة فقال قائل منهم قتلتم سعدا فقلت قتل الله سعدا قال عمر أما والله ما وجدنا فيما حضرنا أمرا هو أرفق من مبايعة أبي بكر خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعة أن يحدثوا بعدنا بيعة فإما نبايعهم على مالا نرضى وإما أن نخالفهم فيكون فساد فمن بايع أميرا عن غير مشورة المسلمين فلا بيعة له ولا بيعة للذي بايعه تغرة أن يقتلا
كان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إذا أرادَ سفرًا أَقْرَعَ بينَ أزواجِه ، فأيَّتُهنَّ خرَجَ سهمُها خرَجَ بها رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم معه ، قالت عائشةُ : فأقرَعَ بينَنا في غزوةٍ غزاها، فخرَجَ فيها سهمي ، فخرَجْتُ مع رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بعدَ ما أُنْزِلَ الحجابُ ، فكُنْتُ أُحْمَلُ في هَوْدَجِي وأُنْزَلُ فيه ، فسِرْنا حتى إذا فَرَغَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم من غزوتِه تلك وقَفَلَ ، ودَنَوْنا مِن المدينةِ قافلين ، آذَنَ ليلةً بالرحيلِ ، فقُمْتُ حينَ آذَنوا بالرَّحيلِ ، فمَشَيْتُ حتى جاوزْتُ الجيشَ ، فلما قَضَيتُ شأني أقبَلْتُ إلى رَحْلي ، فلَمَسْتُ صدري فإذا عِقْدٌ لي مِن جَزْعِ ظَفَارِ قد انقطَعَ ! فرَجَعْتُ فالتَمَسْتُ عِقْدي؛ فحَبَسَني ابتغاؤُه ، قالت : وأقبلَ الرَّهْطُ الذين كانوا يَرْحَلُون لي ، فاحتملوا هُوْدَجي، فرَحَلوه على بعيري الذي كنتُ أركَبُ عليه ، وهم يَحْسِبون أني فيه ، وكان النساءُ إذ ذاكَ خِفَافًا لم يَهْبُلْنَ ، ولم يَغْشَهُنَّ اللحمُ ؛ إنما يأكُلْنَ العَلَقَةَ مِن الطعامِ ، فلم يَسْتَنْكِرِ القومُ خِفَةَ الهَوْدَجِ حينَ رَفعوه وحملوه ، وكنتُ جاريةً حديثةَ السنِّ ، فبعثوا الجملَ فساروا ، ووَجَدْتُ عِقْدي بعدَ ما استمَرَّ الجيشُ ، فجِئْتُ منازلَهم وليس بها منهم داعٍ ولا مجيبٌ ، فتَيَمَّمْتُ منزلي الذي كنتُ فيه ، وظَنَنْتُ أنهم سيَفْقِدوني فيَرجِعون إليَّ ، فبينا أنا جالسةٌ في منزلي غلَبَتْني عيني فنِمْتُ ، وكان صفوانُ بنُ المُعطِّل السُّلَمِيُّ ثم الذَّكْوَانِيُّ مِن وراءِ الجيشِ ، فأصبحَ عندَ منزلي ، فرأى سَوادَ إنسانٍ نائمٍ، فعرفَني حين رآني ، وكان رآني قبلَ الحجابِ ، فاستيقَظْتُ باسترجاعِه حينَ عرَفَني ، فخَمَّرْتُ وجهي بجِلْبابي ، والله ما تكلَّمْنا بكلمةٍ ، ولا سَمِعْتُ منه كلمةً غيرَ استرجاعِه ، وهوى حتى أناخَ راحلتَه ، فوَطِئَ على يدِها ، فقُمْتُ إليها فركِبْتُها ، فانطلَقَ يَقُودُ بي الراحلةَ حتى أَتَيْنا الجيشَ مُوغِرِين في نَحْرِ الظَّهيرةِ وهم نُزُولٌ . قالت : فهلَكَ مَن هلَكَ ، وكان الذي تَولَّى كِبْرَ الإفكِ عبدُ اللهِ بنُ أُبَيٍّ ابنُ سَلُولٍ . قال عروةُ : أُخْبِرْتُ أنه كان يُشاعُ ويُتَحَدَّثُ به عندَه ، فيُقِرُّه ويَسْتَمِعُه ويَسْتَوْشِيه . وقال عروةُ أيضا : لم يُسَمَّ مِن أهلِ الإفكِ أيضًا إلا حسانُ بنُ ثابتٍ ، ومِسْطَحُ بنُ أَثَاثَةَ ، وحِمْنَةُ بنتُ جَحْشٍ ، في ناسٍ آخرين لا علمَ لي بهم ، غيرَ أنهم عُصْبَةٌ ، كما قال الله تعالى ، وإن كِبْرَ ذلك يُقالُ له: عبدُ اللهِ بنِ أُبَيٍّ ابنُ سلولٍ . قال عروةُ : كانت عائشةُ تَكْرَهُ أن يُسَبَّ عندَها حسانٌ ؛ وتقولُ : أنه الذي قال : فإن أبي ووالدَه وعرضي *** لعرضِ محمدٍ منكم وقاءُ . قالت عائشةُ : فقَدِمْنا المدينةَ ، فاشتَكَيْتُ حين قَدِمْتُ شهرًا ، والناسُ يُفِيضون في قولِ أصحابِ الإِفْكِ ، لا أشعرُ بشيءٍ مِن ذلك ، وهو يُرِيبُني في وجعي أني لا أَعْرِفُ مِن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم اللُّطْفَ الذي كنتُ أرى منه حين أَشْتَكي ، إنما يَدْخُلُ عليَّ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فيُسَلِّمُ ، ثم يقول : كيف تِيْكُم ؟ ثم يَنْصَرِفُ ، فذلك يُرِيبُني ولا أَشْعُرُ بالشرِّ ، حتى خَرَجْتُ حينَ نَقْهْتُ ، فخَرَجْتُ مع أمِّ مِسْطَحٍ قِبَلَ المَناصِعَ ، وكان مُتَبَرَّزَنا ، وكنا لا نَخْرُجُ إلا ليلًا إلى ليلٍ ، وذلك قبلَ أن نتخِذَ الكُنُفَ قريبًا مِن بيوتِنا ، قالت : وأمرُنا أمرُ العربِ الأُوَلُ في البريِّةِ قِبَلَ الغائطَ ، وكنا نَتَأَذَّى بالكُنُفِ أن نتخِذَها عند بيوتِنا ، قالت : فانطلَقْتُ أنا وأمُّ مِسْطَحٍ ، وهي ابنةُ أبي رَهْمِ بنِ المُطَّلِبِ بنِ عبدِ مَنافٍ ، وأمُّها بنتُ صخرِ بنِ عامرٍ خالةُ أبي بكرٍ الصديقِ ، وابنُها مِسْطَحُ بنُ أَثَاثَةَ بنُ عبَّادِ بنِ المطلبِ ، فأقْبَلْتُ أنا وأمُّ مِسْطَحٍ قِبَلَ بيتي حينَ فَرَغْنا مِن شأنِنا ، فعثَرَتْ أمُّ مِسْطَحٍ في مُرُطِها فقالت : تَعِسَ مَسْطَحٌ ! فقلت لها : بِئْسَ ما قلتِ ! أَتَسُبِّين رجلًا شَهِدَ بدرًا ؟ فقالت : أَيْ هِنْتَاه، أو لم تسمعي ما قال ؟ قالت : وقلتُ : وما قال ؟ فأخبرتني بقولِ أهلِ الإِفْكِ ، قالت : فازدَدْتُ مرضًا على مرضي ، فلما رَجَعْتُ إلى بيتي دخَلَ عليَّ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فسلم ، ثم قال : كيف تيكم ؟ فقلتُ له : أَتَأْذَنُ لي أن آتي أبويَّ ؟ قالت : وأُرِيدُ أن أَسْتَيْقِنَ الخبرَ مِن قِبَلِهما ، قالت : فأَذِنَ لي رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فقلتُ لأمي : يا أمتاه ، ماذا يَتَحَدَّثُ الناسُ ؟ قالت : يا بُنَيَّةُ ، هوِّني عليك ، فواللهِ لقلَّما كانت امرأةٌ قطُّ وَضِيئَةً عندَ رجلٍ يُحِبُّها ، لها ضرائرُ ، إلا أكثرْنَ عليها . قالت : فقُلْتُ : سبحان الله ، أو لقد تحدَّثَ الناسُ بهذا ! قالت : فبكيتُ تلك الليلةَ حتى أَصْبَحْتُ لا يَرْقَأُ لي دمعٌ ولا أَكْتِحِلُ بنومٍ ، ثم أَصْبَحْتُ أَبْكي ، قالت : ودعا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عليَّ بنَ أبي طالبٍ وأسامةَ بنَ زيدٍ ، حين اسْتَلْبَثَ الوحيُّ ، يسأَلُهما ويَسْتَشِيرُهما في فِراقِ أهلِه ، قالت : فأما أسامةُ أشارَ على رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بالذي يَعْلَمُ مِن بَراءَةِ أهلِه ، وبالذي يعلم لهم في نفسِه ، فقال أسامة : أَهْلُك ، ولا نعلمُ إلا خيرًا . وأما عليٌّ فقال : يا رسولَ اللهِ ، لم يُضَيِّقِ اللهُ عليك ، والنساءُ سِواها كثيرٌ ، وسلِ الجاريةَ تَصْدُقْك . قالت : فدعا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَرِيرَةَ ، فقال : أَيْ بريرةُ ، هل رأيتِ شيءً يُرِيبُك؟ قالت له بريرةُ : والذي بعثَك بالحقِّ ، ما رأيتُ عليها أمرًا قطُّ أُغْمِصُه أكثرَ مِن أنها جاريةٌ حديثةُ السنِّ ، تنامُ عن عجينِ أهلِها ، فتأتي الداجنَ فتأكلُه ، قالت : فقام رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِن يومِه فاستَعَذَرَ مِن عبدِ اللهِ بنِ أُبَيٍّ ، وهو على المنبرِ ، فقال : يا معشرَ المسلمين ، مَن يَعْذُرُني مِن رجلٍ قد بلَغَني عنه أذاه في أهلي ، واللهِ ما علمتُ على أهلي إلا خيرًا ، ولقد ذكروا رجلًا ما علمتُ عليه إلا خيرًا وما يَدْخُلُ على أهلي إلا معي . قالت : فقام سعدُ بنُ معاذٍ أخو بني عبدِ الأَشْهَلِ فقال : أنا يا رسولَ اللهِ أَعْذُرُكَ ، فإن كان مِن الأَوْسِ ضَرَبْتُ عنقَه ، وإن كان مِن إخوانِنا مِن الخَزْرَجِ ، أمرْتَنا ففَعَلْنا أمرَك . قالت : فقام رجلٌ مِن الخَزْرَجِ ، وكانت أمُّ حسانٍ بنتَ عمِّه مِن فِخِذِه ، وهو سعدُ بنُ عُبَادَةَ ، وهو سيدُ الخَزْرَجِ ، قالت : وكان قبلَ ذلك رجلًا صالحًا ، ولكن احتَمَلَتْه الحَمِيَّةُ ، فقال لسعدٍ : كذَبْتَ لعَمْرُ اللهِ لا تَقْتُلُه ، ولا تَقْدِرُ على قتلِه ، ولو كان مِن رَهْطِك ما أَحْبَبْتُ أن يُقْتَلَ . فقام أُسَيْدُ بنُ حُضَيْرٍ ، وهو ابنُ عمِّ سعدٍ ، فقال لسعدِ بنِ عبادةَ : كذَبْتَ لعَمْرُ اللهِ لَنَقْتُلَنَّه ، فإنك منافقٌ تُجادِلُ عن المنافقين . قالت فثار الحيَّان الأَوْسُ والخَزْرَجُ ، حتى هموا أن يَقْتَتِلوا ، ورسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قائمٌ على المنبرِ ، قالت : فلم يزَلْ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُخْفِضُهم ، حتى سكتوا وسكتَ ، فبَكَيْتُ يومي ذلك كلَّه لا يَرْقَأُ لي دمعٌ ولا أكتَحِلُ بنومٍ ، قالت : وأصبح أبويَّ عندي ، قد بكَيْتُ ليلتين ويومًا ، ولا يَرْقَأُ لي دمعٌ لا أكْتَحِلُ بنومٍ ، حتى إني لأظنُّ أن البكاءَ فالقٌ كبدي ، فبينا أبوايَّ جالسان عندي وأنا أبكي ، فاستأَذَنَتْ عليَّ امرأةٌ مِن الأنصارِ فأَذِنْتُ لها ، فجلَسَتْ تبكي معي ، قالت : فبينا نحن على ذلك دخَلَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم علينا فسلَّمَ ثم جَلَسَ ، قالت : لم يَجْلِسْ عندي منذ قيل ما قيل قبلها ، وقد لَبِثَ شهرًا لا يُوحى إليه في شأني بشيءٍ ، قالت : فتَشَهَّدَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حين جَلَسَ ، ثم قال : أما بعدُ ، ياعائشةُ ، إنه بلَغَني عنك كذا وكذا ، فإن كنتِ بريئةً ، فسُيُبَرِّئُك اللهُ ، وإن كنتِ أَلْمَمْتِ بذنبٍ ، فاستغفري اللهَ وتوبي إليه ، فإن العبدَ إذا اعتَرَفَ ثم تابَ ، تابَ اللهُ عليه . قالت عائشة : فلما قضى رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مقالتَه قَلُصَ دمعي حتى ما أُحِسُّ منه قطرةً ، فقلتُ لأبي : أَجِبْ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عني فيما قال ، فقال أبي : والله ما أدري ما أقولُ لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فقلت لأمي : أجيبي رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فيما قال ، قالت أمي : واللهِ ما أدري ما أقولُ لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم .، فقلت : وأنا جاريةٌ حديثةُ السنِّ لا أقرأُ مِن القرآنِ كثيرًا : إني واللهِ لقد علمتُ : لقد سمعتم هذا الحديثَ حتى استقرَّ في أنفسِكم وصدقتم به ، فلئِن قلتُ لكم : إني بريئةٌ ، لا تصدقوني ، ولئن اعترَفْتُ لكم بأمرٍ ، والله يعلمُ أني منه بريئةٌ ، لتُصَدِّقُنِّي ، فواللهِ لا أَجِدُ لي ولكم مثلًا إلا أبا يوسفَ حين قال : فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون . ثم تحوَّلْتُ واضطَجَعْتُ على فراشي ، واللهُ يعلمُ أني حِينئِذٍ بريئةٌ ، وأن اللهَ مُبَرِّئي ببراءتي ، ولكن واللهِ ما كنتُ أظنُّ أن اللهَ مُنْزِلٌ في شأني وحْيًا يُتْلَى ، لشأني في نفسي كان أحقرُ مِن أن يَتَكَلَّمَ اللهُ فيَّ بأمرٍ ، ولكني كنتُ أرجو أن يَرى رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم في النومِ رؤيا يُبَرِّئُني اللهُ بها ، فواللهِ ما رامَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مجلسَه ، ولا خرَجَ أحدٌ مِن أهلِ البيتِ ، حتى أُنْزِلَ عليه ، فأَخَذَه ما كان يَأْخُذُه مِن البُرَحَاءِ ، حتى إنه لَيَتَحَدَّرُ منه العرقُ مثلَ الجُمَانِ ، وهو في يومٍ شاتٍ ، مِن ثِقَلِ القولِ الذي أُنْزِلَ عليه ، قالت : فسُرِّىَ عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وهو يَضْحَكُ ، فكانت أو كلمةٌ تَكَلَّمَ بها أن قال : يا عائشةُ ، أما والله فقد برَّأَكِ . فقالت لي أمي : قومي إليه . فقلت : واللهِ لا أقومُ إليه ، فإني لا أحمدُ إلا اللهَ عز وجل ، قالت : وأنزل اللهُ تعالى : إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم . العشر الآيات ، ثم أنزل اللهً هذا في براءتي ، قال أبو بكر الصديق ، وكان يُنْفِقُ على مِسْطَحِ بنِ أَثَاثَةَ؛ لِقَرابِتِه منه وفقرِه : واللهِ لا أُنْفِقُ على مِسْطَحٍ شيئًا أبدًا ، بعد الذي قال لعائشةَ ما قال . فأنزل اللهُ : ولا يأتل أولوا الفضل منكم - إلى قوله - غفور رحيم . قال أبو بكر الصديق : بلى واللهِ إني لَأُحِبُّ أن يًغْفِرَ اللهُ لي ، فرجَعَ إلى مِسْطَحٍ النفقةَ التي يُنْفِقُ عليه ، وقال : واللهِ لا أَنْزِعُها منه أبدًا . قالت عائشةُ : وكان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم سألَ زينبَ بنتَ جَحْشٍ عن أمري ، فقال لزينبَ : ماذا علِمْتِ ، أو رأيتِ ؟ فقالت : يا رسولَ اللهِ، أحمي سمعي وبصري ، واللهِ ما علمتُ إلا خيرًا . قالت عائشةُ : وهي التي كانت تُساميني مِن أزواجِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فعَصَمَها اللهُ بالورعِ . قالت : وطَفِقَتْ أختُها تُحَاربُ لها ، فهلَكَتْ فيمَنْ هَلَكَ . قال ابنُ شهابٍ : فهذا الذي بَلَغَني مِن حديثِ هؤلاء الرَّهْطِ . ثم قال عروةُ : قالت عائشةُ : واللهِ إن الرجلَ الذي قيل له ما قيل لَيَقولُ : سبحانِ اللهِ ! فوالذي نفسي بيدِه ما كَشَفْتُ مِن كَنَفِ أنثى قطُّ ، قالت : ثم قُتِلَ بعدَ ذلك في سبيلِ اللهِ .
كان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إذا أرادَ سفرًا أَقْرَعَ بينَ أزواجِه ، فأيَّتُهنَّ خرَجَ سهمُها خرَجَ بها رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم معه ، قالت عائشةُ : فأقرَعَ بينَنا في غزوةٍ غزاها، فخرَجَ فيها سهمي ، فخرَجْتُ مع رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بعدَ ما أُنْزِلَ الحجابُ ، فكُنْتُ أُحْمَلُ في هَوْدَجِي وأُنْزَلُ فيه ، فسِرْنا حتى إذا فَرَغَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم من غزوتِه تلك وقَفَلَ ، ودَنَوْنا مِن المدينةِ قافلين ، آذَنَ ليلةً بالرحيلِ ، فقُمْتُ حينَ آذَنوا بالرَّحيلِ ، فمَشَيْتُ حتى جاوزْتُ الجيشَ ، فلما قَضَيتُ شأني أقبَلْتُ إلى رَحْلي ، فلَمَسْتُ صدري فإذا عِقْدٌ لي مِن جَزْعِ ظَفَارِ قد انقطَعَ ! فرَجَعْتُ فالتَمَسْتُ عِقْدي؛ فحَبَسَني ابتغاؤُه ، قالت : وأقبلَ الرَّهْطُ الذين كانوا يَرْحَلُون لي ، فاحتملوا هُوْدَجي، فرَحَلوه على بعيري الذي كنتُ أركَبُ عليه ، وهم يَحْسِبون أني فيه ، وكان النساءُ إذ ذاكَ خِفَافًا لم يَهْبُلْنَ ، ولم يَغْشَهُنَّ اللحمُ ؛ إنما يأكُلْنَ العَلَقَةَ مِن الطعامِ ، فلم يَسْتَنْكِرِ القومُ خِفَةَ الهَوْدَجِ حينَ رَفعوه وحملوه ، وكنتُ جاريةً حديثةَ السنِّ ، فبعثوا الجملَ فساروا ، ووَجَدْتُ عِقْدي بعدَ ما استمَرَّ الجيشُ ، فجِئْتُ منازلَهم وليس بها منهم داعٍ ولا مجيبٌ ، فتَيَمَّمْتُ منزلي الذي كنتُ فيه ، وظَنَنْتُ أنهم سيَفْقِدوني فيَرجِعون إليَّ ، فبينا أنا جالسةٌ في منزلي غلَبَتْني عيني فنِمْتُ ، وكان صفوانُ بنُ المُعطِّل السُّلَمِيُّ ثم الذَّكْوَانِيُّ مِن وراءِ الجيشِ ، فأصبحَ عندَ منزلي ، فرأى سَوادَ إنسانٍ نائمٍ، فعرفَني حين رآني ، وكان رآني قبلَ الحجابِ ، فاستيقَظْتُ باسترجاعِه حينَ عرَفَني ، فخَمَّرْتُ وجهي بجِلْبابي ، والله ما تكلَّمْنا بكلمةٍ ، ولا سَمِعْتُ منه كلمةً غيرَ استرجاعِه ، وهوى حتى أناخَ راحلتَه ، فوَطِئَ على يدِها ، فقُمْتُ إليها فركِبْتُها ، فانطلَقَ يَقُودُ بي الراحلةَ حتى أَتَيْنا الجيشَ مُوغِرِين في نَحْرِ الظَّهيرةِ وهم نُزُولٌ . قالت : فهلَكَ مَن هلَكَ ، وكان الذي تَولَّى كِبْرَ الإفكِ عبدُ اللهِ بنُ أُبَيٍّ ابنُ سَلُولٍ . قال عروةُ : أُخْبِرْتُ أنه كان يُشاعُ ويُتَحَدَّثُ به عندَه ، فيُقِرُّه ويَسْتَمِعُه ويَسْتَوْشِيه . وقال عروةُ أيضا : لم يُسَمَّ مِن أهلِ الإفكِ أيضًا إلا حسانُ بنُ ثابتٍ ، ومِسْطَحُ بنُ أَثَاثَةَ ، وحِمْنَةُ بنتُ جَحْشٍ ، في ناسٍ آخرين لا علمَ لي بهم ، غيرَ أنهم عُصْبَةٌ ، كما قال الله تعالى ، وإن كِبْرَ ذلك يُقالُ له: عبدُ اللهِ بنِ أُبَيٍّ ابنُ سلولٍ . قال عروةُ : كانت عائشةُ تَكْرَهُ أن يُسَبَّ عندَها حسانٌ ؛ وتقولُ : أنه الذي قال : فإن أبي ووالدَه وعرضي *** لعرضِ محمدٍ منكم وقاءُ . قالت عائشةُ : فقَدِمْنا المدينةَ ، فاشتَكَيْتُ حين قَدِمْتُ شهرًا ، والناسُ يُفِيضون في قولِ أصحابِ الإِفْكِ ، لا أشعرُ بشيءٍ مِن ذلك ، وهو يُرِيبُني في وجعي أني لا أَعْرِفُ مِن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم اللُّطْفَ الذي كنتُ أرى منه حين أَشْتَكي ، إنما يَدْخُلُ عليَّ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فيُسَلِّمُ ، ثم يقول : كيف تِيْكُم ؟ ثم يَنْصَرِفُ ، فذلك يُرِيبُني ولا أَشْعُرُ بالشرِّ ، حتى خَرَجْتُ حينَ نَقْهْتُ ، فخَرَجْتُ مع أمِّ مِسْطَحٍ قِبَلَ المَناصِعَ ، وكان مُتَبَرَّزَنا ، وكنا لا نَخْرُجُ إلا ليلًا إلى ليلٍ ، وذلك قبلَ أن نتخِذَ الكُنُفَ قريبًا مِن بيوتِنا ، قالت : وأمرُنا أمرُ العربِ الأُوَلُ في البريِّةِ قِبَلَ الغائطَ ، وكنا نَتَأَذَّى بالكُنُفِ أن نتخِذَها عند بيوتِنا ، قالت : فانطلَقْتُ أنا وأمُّ مِسْطَحٍ ، وهي ابنةُ أبي رَهْمِ بنِ المُطَّلِبِ بنِ عبدِ مَنافٍ ، وأمُّها بنتُ صخرِ بنِ عامرٍ خالةُ أبي بكرٍ الصديقِ ، وابنُها مِسْطَحُ بنُ أَثَاثَةَ بنُ عبَّادِ بنِ المطلبِ ، فأقْبَلْتُ أنا وأمُّ مِسْطَحٍ قِبَلَ بيتي حينَ فَرَغْنا مِن شأنِنا ، فعثَرَتْ أمُّ مِسْطَحٍ في مُرُطِها فقالت : تَعِسَ مَسْطَحٌ ! فقلت لها : بِئْسَ ما قلتِ ! أَتَسُبِّين رجلًا شَهِدَ بدرًا ؟ فقالت : أَيْ هِنْتَاه، أو لم تسمعي ما قال ؟ قالت : وقلتُ : وما قال ؟ فأخبرتني بقولِ أهلِ الإِفْكِ ، قالت : فازدَدْتُ مرضًا على مرضي ، فلما رَجَعْتُ إلى بيتي دخَلَ عليَّ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فسلم ، ثم قال : كيف تيكم ؟ فقلتُ له : أَتَأْذَنُ لي أن آتي أبويَّ ؟ قالت : وأُرِيدُ أن أَسْتَيْقِنَ الخبرَ مِن قِبَلِهما ، قالت : فأَذِنَ لي رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فقلتُ لأمي : يا أمتاه ، ماذا يَتَحَدَّثُ الناسُ ؟ قالت : يا بُنَيَّةُ ، هوِّني عليك ، فواللهِ لقلَّما كانت امرأةٌ قطُّ وَضِيئَةً عندَ رجلٍ يُحِبُّها ، لها ضرائرُ ، إلا أكثرْنَ عليها . قالت : فقُلْتُ : سبحان الله ، أو لقد تحدَّثَ الناسُ بهذا ! قالت : فبكيتُ تلك الليلةَ حتى أَصْبَحْتُ لا يَرْقَأُ لي دمعٌ ولا أَكْتِحِلُ بنومٍ ، ثم أَصْبَحْتُ أَبْكي ، قالت : ودعا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عليَّ بنَ أبي طالبٍ وأسامةَ بنَ زيدٍ ، حين اسْتَلْبَثَ الوحيُّ ، يسأَلُهما ويَسْتَشِيرُهما في فِراقِ أهلِه ، قالت : فأما أسامةُ أشارَ على رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بالذي يَعْلَمُ مِن بَراءَةِ أهلِه ، وبالذي يعلم لهم في نفسِه ، فقال أسامة : أَهْلُك ، ولا نعلمُ إلا خيرًا . وأما عليٌّ فقال : يا رسولَ اللهِ ، لم يُضَيِّقِ اللهُ عليك ، والنساءُ سِواها كثيرٌ ، وسلِ الجاريةَ تَصْدُقْك . قالت : فدعا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَرِيرَةَ ، فقال : أَيْ بريرةُ ، هل رأيتِ شيءً يُرِيبُك ؟ قالت له بريرةُ : والذي بعثَك بالحقِّ ، ما رأيتُ عليها أمرًا قطُّ أُغْمِصُه أكثرَ مِن أنها جاريةٌ حديثةُ السنِّ ، تنامُ عن عجينِ أهلِها ، فتأتي الداجنَ فتأكلُه ، قالت : فقام رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِن يومِه فاستَعَذَرَ مِن عبدِ اللهِ بنِ أُبَيٍّ ، وهو على المنبرِ ، فقال : يا معشرَ المسلمين ، مَن يَعْذُرُني مِن رجلٍ قد بلَغَني عنه أذاه في أهلي ، واللهِ ما علمتُ على أهلي إلا خيرًا ، ولقد ذكروا رجلًا ما علمتُ عليه إلا خيرًا وما يَدْخُلُ على أهلي إلا معي . قالت : فقام سعدُ بنُ معاذٍ أخو بني عبدِ الأَشْهَلِ فقال : أنا يا رسولَ اللهِ أَعْذُرُكَ ، فإن كان مِن الأَوْسِ ضَرَبْتُ عنقَه ، وإن كان مِن إخوانِنا مِن الخَزْرَجِ ، أمرْتَنا ففَعَلْنا أمرَك . قالت : فقام رجلٌ مِن الخَزْرَجِ ، وكانت أمُّ حسانٍ بنتَ عمِّه مِن فِخِذِه ، وهو سعدُ بنُ عُبَادَةَ ، وهو سيدُ الخَزْرَجِ ، قالت : وكان قبلَ ذلك رجلًا صالحًا ، ولكن احتَمَلَتْه الحَمِيَّةُ ، فقال لسعدٍ : كذَبْتَ لعَمْرُ اللهِ لا تَقْتُلُه ، ولا تَقْدِرُ على قتلِه ، ولو كان مِن رَهْطِك ما أَحْبَبْتُ أن يُقْتَلَ . فقام أُسَيْدُ بنُ حُضَيْرٍ ، وهو ابنُ عمِّ سعدٍ ، فقال لسعدِ بنِ عبادةَ : كذَبْتَ لعَمْرُ اللهِ لَنَقْتُلَنَّه ، فإنك منافقٌ تُجادِلُ عن المنافقين . قالت فثار الحيَّان الأَوْسُ والخَزْرَجُ ، حتى هموا أن يَقْتَتِلوا ، ورسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قائمٌ على المنبرِ ، قالت : فلم يزَلْ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُخْفِضُهم ، حتى سكتوا وسكتَ ، فبَكَيْتُ يومي ذلك كلَّه لا يَرْقَأُ لي دمعٌ ولا أكتَحِلُ بنومٍ ، قالت : وأصبح أبويَّ عندي ، قد بكَيْتُ ليلتين ويومًا ، ولا يَرْقَأُ لي دمعٌ لا أكْتَحِلُ بنومٍ ، حتى إني لأظنُّ أن البكاءَ فالقٌ كبدي ، فبينا أبوايَّ جالسان عندي وأنا أبكي ، فاستأَذَنَتْ عليَّ امرأةٌ مِن الأنصارِ فأَذِنْتُ لها ، فجلَسَتْ تبكي معي ، قالت : فبينا نحن على ذلك دخَلَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم علينا فسلَّمَ ثم جَلَسَ ، قالت : لم يَجْلِسْ عندي منذ قيل ما قيل قبلها ، وقد لَبِثَ شهرًا لا يُوحى إليه في شأني بشيءٍ ، قالت : فتَشَهَّدَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حين جَلَسَ ، ثم قال : أما بعدُ ، ياعائشةُ ، إنه بلَغَني عنك كذا وكذا ، فإن كنتِ بريئةً ، فسُيُبَرِّئُك اللهُ ، وإن كنتِ أَلْمَمْتِ بذنبٍ ، فاستغفري اللهَ وتوبي إليه ، فإن العبدَ إذا اعتَرَفَ ثم تابَ ، تابَ اللهُ عليه . قالت عائشة : فلما قضى رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مقالتَه قَلُصَ دمعي حتى ما أُحِسُّ منه قطرةً ، فقلتُ لأبي : أَجِبْ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عني فيما قال ، فقال أبي : والله ما أدري ما أقولُ لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فقلت لأمي : أجيبي رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فيما قال ، قالت أمي : واللهِ ما أدري ما أقولُ لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم .، فقلت : وأنا جاريةٌ حديثةُ السنِّ لا أقرأُ مِن القرآنِ كثيرًا : إني واللهِ لقد علمتُ : لقد سمعتم هذا الحديثَ حتى استقرَّ في أنفسِكم وصدقتم به ، فلئِن قلتُ لكم : إني بريئةٌ ، لا تصدقوني ، ولئن اعترَفْتُ لكم بأمرٍ ، والله يعلمُ أني منه بريئةٌ ، لتُصَدِّقُنِّي ، فواللهِ لا أَجِدُ لي ولكم مثلًا إلا أبا يوسفَ حين قال : فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون . ثم تحوَّلْتُ واضطَجَعْتُ على فراشي ، واللهُ يعلمُ أني حِينئِذٍ بريئةٌ ، وأن اللهَ مُبَرِّئي ببراءتي ، ولكن واللهِ ما كنتُ أظنُّ أن اللهَ مُنْزِلٌ في شأني وحْيًا يُتْلَى ، لشأني في نفسي كان أحقرُ مِن أن يَتَكَلَّمَ اللهُ فيَّ بأمرٍ ، ولكني كنتُ أرجو أن يَرى رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم في النومِ رؤيا يُبَرِّئُني اللهُ بها ، فواللهِ ما رامَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مجلسَه ، ولا خرَجَ أحدٌ مِن أهلِ البيتِ ، حتى أُنْزِلَ عليه ، فأَخَذَه ما كان يَأْخُذُه مِن البُرَحَاءِ ، حتى إنه لَيَتَحَدَّرُ منه العرقُ مثلَ الجُمَانِ ، وهو في يومٍ شاتٍ ، مِن ثِقَلِ القولِ الذي أُنْزِلَ عليه ، قالت : فسُرِّىَ عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وهو يَضْحَكُ ، فكانت أو كلمةٌ تَكَلَّمَ بها أن قال : يا عائشةُ ، أما والله فقد برَّأَكِ . فقالت لي أمي : قومي إليه . فقلت : واللهِ لا أقومُ إليه ، فإني لا أحمدُ إلا اللهَ عز وجل ، قالت : وأنزل اللهُ تعالى : إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم . العشر الآيات ، ثم أنزل اللهً هذا في براءتي ، قال أبو بكر الصديق ، وكان يُنْفِقُ على مِسْطَحِ بنِ أَثَاثَةَ؛ لِقَرابِتِه منه وفقرِه : واللهِ لا أُنْفِقُ على مِسْطَحٍ شيئًا أبدًا ، بعد الذي قال لعائشةَ ما قال . فأنزل اللهُ : ولا يأتل أولوا الفضل منكم - إلى قوله - غفور رحيم . قال أبو بكر الصديق : بلى واللهِ إني لَأُحِبُّ أن يًغْفِرَ اللهُ لي ، فرجَعَ إلى مِسْطَحٍ النفقةَ التي يُنْفِقُ عليه ، وقال : واللهِ لا أَنْزِعُها منه أبدًا . قالت عائشةُ : وكان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم سألَ زينبَ بنتَ جَحْشٍ عن أمري ، فقال لزينبَ : ماذا علِمْتِ ، أو رأيتِ ؟ فقالت : يا رسولَ اللهِ، أحمي سمعي وبصري ، واللهِ ما علمتُ إلا خيرًا . قالت عائشةُ : وهي التي كانت تُساميني مِن أزواجِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فعَصَمَها اللهُ بالورعِ . قالت : وطَفِقَتْ أختُها تُحَاربُ لها ، فهلَكَتْ فيمَنْ هَلَكَ . قال ابنُ شهابٍ : فهذا الذي بَلَغَني مِن حديثِ هؤلاء الرَّهْطِ . ثم قال عروةُ : قالت عائشةُ : واللهِ إن الرجلَ الذي قيل له ما قيل لَيَقولُ : سبحانِ اللهِ ! فوالذي نفسي بيدِه ما كَشَفْتُ مِن كَنَفِ أنثى قطُّ ، قالت : ثم قُتِلَ بعدَ ذلك في سبيلِ اللهِ .
كان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إذا أرادَ سفرًا أَقْرَعَ بينَ أزواجِه ، فأيَّتُهنَّ خرَجَ سهمُها خرَجَ بها رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم معه ، قالت عائشةُ : فأقرَعَ بينَنا في غزوةٍ غزاها، فخرَجَ فيها سهمي ، فخرَجْتُ مع رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بعدَ ما أُنْزِلَ الحجابُ ، فكُنْتُ أُحْمَلُ في هَوْدَجِي وأُنْزَلُ فيه ، فسِرْنا حتى إذا فَرَغَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم من غزوتِه تلك وقَفَلَ ، ودَنَوْنا مِن المدينةِ قافلين ، آذَنَ ليلةً بالرحيلِ ، فقُمْتُ حينَ آذَنوا بالرَّحيلِ ، فمَشَيْتُ حتى جاوزْتُ الجيشَ ، فلما قَضَيتُ شأني أقبَلْتُ إلى رَحْلي ، فلَمَسْتُ صدري فإذا عِقْدٌ لي مِن جَزْعِ ظَفَارِ قد انقطَعَ ! فرَجَعْتُ فالتَمَسْتُ عِقْدي؛ فحَبَسَني ابتغاؤُه ، قالت : وأقبلَ الرَّهْطُ الذين كانوا يَرْحَلُون لي ، فاحتملوا هُوْدَجي، فرَحَلوه على بعيري الذي كنتُ أركَبُ عليه ، وهم يَحْسِبون أني فيه ، وكان النساءُ إذ ذاكَ خِفَافًا لم يَهْبُلْنَ ، ولم يَغْشَهُنَّ اللحمُ ؛ إنما يأكُلْنَ العَلَقَةَ مِن الطعامِ ، فلم يَسْتَنْكِرِ القومُ خِفَةَ الهَوْدَجِ حينَ رَفعوه وحملوه ، وكنتُ جاريةً حديثةَ السنِّ ، فبعثوا الجملَ فساروا ، ووَجَدْتُ عِقْدي بعدَ ما استمَرَّ الجيشُ ، فجِئْتُ منازلَهم وليس بها منهم داعٍ ولا مجيبٌ ، فتَيَمَّمْتُ منزلي الذي كنتُ فيه ، وظَنَنْتُ أنهم سيَفْقِدوني فيَرجِعون إليَّ ، فبينا أنا جالسةٌ في منزلي غلَبَتْني عيني فنِمْتُ ، وكان صفوانُ بنُ المُعطِّل السُّلَمِيُّ ثم الذَّكْوَانِيُّ مِن وراءِ الجيشِ ، فأصبحَ عندَ منزلي ، فرأى سَوادَ إنسانٍ نائمٍ، فعرفَني حين رآني ، وكان رآني قبلَ الحجابِ ، فاستيقَظْتُ باسترجاعِه حينَ عرَفَني ، فخَمَّرْتُ وجهي بجِلْبابي ، والله ما تكلَّمْنا بكلمةٍ ، ولا سَمِعْتُ منه كلمةً غيرَ استرجاعِه ، وهوى حتى أناخَ راحلتَه ، فوَطِئَ على يدِها ، فقُمْتُ إليها فركِبْتُها ، فانطلَقَ يَقُودُ بي الراحلةَ حتى أَتَيْنا الجيشَ مُوغِرِين في نَحْرِ الظَّهيرةِ وهم نُزُولٌ . قالت : فهلَكَ مَن هلَكَ ، وكان الذي تَولَّى كِبْرَ الإفكِ عبدُ اللهِ بنُ أُبَيٍّ ابنُ سَلُولٍ . قال عروةُ : أُخْبِرْتُ أنه كان يُشاعُ ويُتَحَدَّثُ به عندَه ، فيُقِرُّه ويَسْتَمِعُه ويَسْتَوْشِيه . وقال عروةُ أيضا : لم يُسَمَّ مِن أهلِ الإفكِ أيضًا إلا حسانُ بنُ ثابتٍ ، ومِسْطَحُ بنُ أَثَاثَةَ ، وحِمْنَةُ بنتُ جَحْشٍ ، في ناسٍ آخرين لا علمَ لي بهم ، غيرَ أنهم عُصْبَةٌ ، كما قال الله تعالى ، وإن كِبْرَ ذلك يُقالُ له: عبدُ اللهِ بنِ أُبَيٍّ ابنُ سلولٍ . قال عروةُ : كانت عائشةُ تَكْرَهُ أن يُسَبَّ عندَها حسانٌ ؛ وتقولُ : أنه الذي قال : فإن أبي ووالدَه وعرضي *** لعرضِ محمدٍ منكم وقاءُ . قالت عائشةُ : فقَدِمْنا المدينةَ ، فاشتَكَيْتُ حين قَدِمْتُ شهرًا ، والناسُ يُفِيضون في قولِ أصحابِ الإِفْكِ ، لا أشعرُ بشيءٍ مِن ذلك ، وهو يُرِيبُني في وجعي أني لا أَعْرِفُ مِن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم اللُّطْفَ الذي كنتُ أرى منه حين أَشْتَكي ، إنما يَدْخُلُ عليَّ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فيُسَلِّمُ ، ثم يقول : كيف تِيْكُم ؟ ثم يَنْصَرِفُ ، فذلك يُرِيبُني ولا أَشْعُرُ بالشرِّ ، حتى خَرَجْتُ حينَ نَقْهْتُ ، فخَرَجْتُ مع أمِّ مِسْطَحٍ قِبَلَ المَناصِعَ ، وكان مُتَبَرَّزَنا ، وكنا لا نَخْرُجُ إلا ليلًا إلى ليلٍ ، وذلك قبلَ أن نتخِذَ الكُنُفَ قريبًا مِن بيوتِنا ، قالت : وأمرُنا أمرُ العربِ الأُوَلُ في البريِّةِ قِبَلَ الغائطَ ، وكنا نَتَأَذَّى بالكُنُفِ أن نتخِذَها عند بيوتِنا ، قالت : فانطلَقْتُ أنا وأمُّ مِسْطَحٍ ، وهي ابنةُ أبي رَهْمِ بنِ المُطَّلِبِ بنِ عبدِ مَنافٍ ، وأمُّها بنتُ صخرِ بنِ عامرٍ خالةُ أبي بكرٍ الصديقِ ، وابنُها مِسْطَحُ بنُ أَثَاثَةَ بنُ عبَّادِ بنِ المطلبِ ، فأقْبَلْتُ أنا وأمُّ مِسْطَحٍ قِبَلَ بيتي حينَ فَرَغْنا مِن شأنِنا ، فعثَرَتْ أمُّ مِسْطَحٍ في مُرُطِها فقالت : تَعِسَ مَسْطَحٌ ! فقلت لها : بِئْسَ ما قلتِ ! أَتَسُبِّين رجلًا شَهِدَ بدرًا ؟ فقالت : أَيْ هِنْتَاه، أو لم تسمعي ما قال ؟ قالت : وقلتُ : وما قال ؟ فأخبرتني بقولِ أهلِ الإِفْكِ ، قالت : فازدَدْتُ مرضًا على مرضي ، فلما رَجَعْتُ إلى بيتي دخَلَ عليَّ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فسلم ، ثم قال : كيف تيكم ؟ فقلتُ له : أَتَأْذَنُ لي أن آتي أبويَّ ؟ قالت : وأُرِيدُ أن أَسْتَيْقِنَ الخبرَ مِن قِبَلِهما ، قالت : فأَذِنَ لي رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فقلتُ لأمي : يا أمتاه ، ماذا يَتَحَدَّثُ الناسُ ؟ قالت : يا بُنَيَّةُ ، هوِّني عليك ، فواللهِ لقلَّما كانت امرأةٌ قطُّ وَضِيئَةً عندَ رجلٍ يُحِبُّها ، لها ضرائرُ ، إلا أكثرْنَ عليها . قالت : فقُلْتُ : سبحان الله ، أو لقد تحدَّثَ الناسُ بهذا ! قالت : فبكيتُ تلك الليلةَ حتى أَصْبَحْتُ لا يَرْقَأُ لي دمعٌ ولا أَكْتِحِلُ بنومٍ ، ثم أَصْبَحْتُ أَبْكي ، قالت : ودعا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عليَّ بنَ أبي طالبٍ وأسامةَ بنَ زيدٍ ، حين اسْتَلْبَثَ الوحيُّ ، يسأَلُهما ويَسْتَشِيرُهما في فِراقِ أهلِه ، قالت : فأما أسامةُ أشارَ على رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بالذي يَعْلَمُ مِن بَراءَةِ أهلِه ، وبالذي يعلم لهم في نفسِه ، فقال أسامة : أَهْلُك ، ولا نعلمُ إلا خيرًا . وأما عليٌّ فقال : يا رسولَ اللهِ ، لم يُضَيِّقِ اللهُ عليك ، والنساءُ سِواها كثيرٌ ، وسلِ الجاريةَ تَصْدُقْك . قالت : فدعا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَرِيرَةَ ، فقال : أَيْ بريرةُ ، هل رأيتِ شيءً يُرِيبُك؟ قالت له بريرةُ : والذي بعثَك بالحقِّ ، ما رأيتُ عليها أمرًا قطُّ أُغْمِصُه أكثرَ مِن أنها جاريةٌ حديثةُ السنِّ ، تنامُ عن عجينِ أهلِها ، فتأتي الداجنَ فتأكلُه ، قالت : فقام رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِن يومِه فاستَعَذَرَ مِن عبدِ اللهِ بنِ أُبَيٍّ ، وهو على المنبرِ ، فقال : يا معشرَ المسلمين ، مَن يَعْذُرُني مِن رجلٍ قد بلَغَني عنه أذاه في أهلي ، واللهِ ما علمتُ على أهلي إلا خيرًا ، ولقد ذكروا رجلًا ما علمتُ عليه إلا خيرًا وما يَدْخُلُ على أهلي إلا معي . قالت : فقام سعدُ بنُ معاذٍ أخو بني عبدِ الأَشْهَلِ فقال : أنا يا رسولَ اللهِ أَعْذُرُكَ ، فإن كان مِن الأَوْسِ ضَرَبْتُ عنقَه ، وإن كان مِن إخوانِنا مِن الخَزْرَجِ ، أمرْتَنا ففَعَلْنا أمرَك . قالت : فقام رجلٌ مِن الخَزْرَجِ ، وكانت أمُّ حسانٍ بنتَ عمِّه مِن فِخِذِه ، وهو سعدُ بنُ عُبَادَةَ ، وهو سيدُ الخَزْرَجِ ، قالت : وكان قبلَ ذلك رجلًا صالحًا ، ولكن احتَمَلَتْه الحَمِيَّةُ ، فقال لسعدٍ : كذَبْتَ لعَمْرُ اللهِ لا تَقْتُلُه ، ولا تَقْدِرُ على قتلِه ، ولو كان مِن رَهْطِك ما أَحْبَبْتُ أن يُقْتَلَ . فقام أُسَيْدُ بنُ حُضَيْرٍ ، وهو ابنُ عمِّ سعدٍ ، فقال لسعدِ بنِ عبادةَ : كذَبْتَ لعَمْرُ اللهِ لَنَقْتُلَنَّه ، فإنك منافقٌ تُجادِلُ عن المنافقين . قالت فثار الحيَّان الأَوْسُ والخَزْرَجُ ، حتى هموا أن يَقْتَتِلوا ، ورسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قائمٌ على المنبرِ ، قالت : فلم يزَلْ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُخْفِضُهم ، حتى سكتوا وسكتَ ، فبَكَيْتُ يومي ذلك كلَّه لا يَرْقَأُ لي دمعٌ ولا أكتَحِلُ بنومٍ ، قالت : وأصبح أبويَّ عندي ، قد بكَيْتُ ليلتين ويومًا ، ولا يَرْقَأُ لي دمعٌ لا أكْتَحِلُ بنومٍ ، حتى إني لأظنُّ أن البكاءَ فالقٌ كبدي ، فبينا أبوايَّ جالسان عندي وأنا أبكي ، فاستأَذَنَتْ عليَّ امرأةٌ مِن الأنصارِ فأَذِنْتُ لها ، فجلَسَتْ تبكي معي ، قالت : فبينا نحن على ذلك دخَلَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم علينا فسلَّمَ ثم جَلَسَ ، قالت : لم يَجْلِسْ عندي منذ قيل ما قيل قبلها ، وقد لَبِثَ شهرًا لا يُوحى إليه في شأني بشيءٍ ، قالت : فتَشَهَّدَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حين جَلَسَ ، ثم قال : أما بعدُ ، ياعائشةُ ، إنه بلَغَني عنك كذا وكذا ، فإن كنتِ بريئةً ، فسُيُبَرِّئُك اللهُ ، وإن كنتِ أَلْمَمْتِ بذنبٍ ، فاستغفري اللهَ وتوبي إليه ، فإن العبدَ إذا اعتَرَفَ ثم تابَ ، تابَ اللهُ عليه . قالت عائشة : فلما قضى رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مقالتَه قَلُصَ دمعي حتى ما أُحِسُّ منه قطرةً ، فقلتُ لأبي : أَجِبْ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عني فيما قال ، فقال أبي : والله ما أدري ما أقولُ لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فقلت لأمي : أجيبي رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فيما قال ، قالت أمي : واللهِ ما أدري ما أقولُ لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم .، فقلت : وأنا جاريةٌ حديثةُ السنِّ لا أقرأُ مِن القرآنِ كثيرًا : إني واللهِ لقد علمتُ : لقد سمعتم هذا الحديثَ حتى استقرَّ في أنفسِكم وصدقتم به ، فلئِن قلتُ لكم : إني بريئةٌ ، لا تصدقوني ، ولئن اعترَفْتُ لكم بأمرٍ ، والله يعلمُ أني منه بريئةٌ ، لتُصَدِّقُنِّي ، فواللهِ لا أَجِدُ لي ولكم مثلًا إلا أبا يوسفَ حين قال : فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون . ثم تحوَّلْتُ واضطَجَعْتُ على فراشي ، واللهُ يعلمُ أني حِينئِذٍ بريئةٌ ، وأن اللهَ مُبَرِّئي ببراءتي ، ولكن واللهِ ما كنتُ أظنُّ أن اللهَ مُنْزِلٌ في شأني وحْيًا يُتْلَى ، لشأني في نفسي كان أحقرُ مِن أن يَتَكَلَّمَ اللهُ فيَّ بأمرٍ ، ولكني كنتُ أرجو أن يَرى رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم في النومِ رؤيا يُبَرِّئُني اللهُ بها ، فواللهِ ما رامَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مجلسَه ، ولا خرَجَ أحدٌ مِن أهلِ البيتِ ، حتى أُنْزِلَ عليه ، فأَخَذَه ما كان يَأْخُذُه مِن البُرَحَاءِ ، حتى إنه لَيَتَحَدَّرُ منه العرقُ مثلَ الجُمَانِ ، وهو في يومٍ شاتٍ ، مِن ثِقَلِ القولِ الذي أُنْزِلَ عليه ، قالت : فسُرِّىَ عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وهو يَضْحَكُ ، فكانت أو كلمةٌ تَكَلَّمَ بها أن قال : يا عائشةُ ، أما والله فقد برَّأَكِ . فقالت لي أمي : قومي إليه . فقلت : واللهِ لا أقومُ إليه ، فإني لا أحمدُ إلا اللهَ عز وجل ، قالت : وأنزل اللهُ تعالى : إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم . العشر الآيات ، ثم أنزل اللهً هذا في براءتي ، قال أبو بكر الصديق ، وكان يُنْفِقُ على مِسْطَحِ بنِ أَثَاثَةَ؛ لِقَرابِتِه منه وفقرِه : واللهِ لا أُنْفِقُ على مِسْطَحٍ شيئًا أبدًا ، بعد الذي قال لعائشةَ ما قال . فأنزل اللهُ : ولا يأتل أولوا الفضل منكم - إلى قوله - غفور رحيم . قال أبو بكر الصديق : بلى واللهِ إني لَأُحِبُّ أن يًغْفِرَ اللهُ لي ، فرجَعَ إلى مِسْطَحٍ النفقةَ التي يُنْفِقُ عليه ، وقال : واللهِ لا أَنْزِعُها منه أبدًا . قالت عائشةُ : وكان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم سألَ زينبَ بنتَ جَحْشٍ عن أمري ، فقال لزينبَ : ماذا علِمْتِ ، أو رأيتِ ؟ فقالت : يا رسولَ اللهِ ، أحمي سمعي وبصري ، واللهِ ما علمتُ إلا خيرًا . قالت عائشةُ : وهي التي كانت تُساميني مِن أزواجِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فعَصَمَها اللهُ بالورعِ . قالت : وطَفِقَتْ أختُها تُحَاربُ لها ، فهلَكَتْ فيمَنْ هَلَكَ . قال ابنُ شهابٍ : فهذا الذي بَلَغَني مِن حديثِ هؤلاء الرَّهْطِ . ثم قال عروةُ : قالت عائشةُ : واللهِ إن الرجلَ الذي قيل له ما قيل لَيَقولُ : سبحانِ اللهِ ! فوالذي نفسي بيدِه ما كَشَفْتُ مِن كَنَفِ أنثى قطُّ ، قالت : ثم قُتِلَ بعدَ ذلك في سبيلِ اللهِ .
زعموا : أن عائشة قالتْ : كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا أراد أن يخرج سفرا أقرع بين أزواجه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه، فأقرع بيننا في غزاة غزاها، فخرج سهمي فخرجت معه، بعد ما أنزل الحجاب، فأنا أحمل في هودج وأنزل فيه، فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم من غزوته تلك وقفل، ودنونا من المدينة، آذن ليلة بالرحيل، فقمت حين آذنوا بالرحيل، فمشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت شأني، أقبلت إلى الرحل، فلمست صدري، فإذا عقد لي من جزع أظفار قد انقطع، فرجعت فالتمست عقدي فحبسني ابتغاؤه، فأقبل الذين يرحلون لي، فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنتُ أركب، وهم يحسبون أني فيه، وكان النساء إذ ذاك خفافا لم يثقُلْن، ولم يغشهن اللحم، وإنما يأكلن العلقة من الطعام، فلم يستنكر القوم حين رفعوه ثقُلْ الهودج فاحتملوه، وكنتُ جارية حديثة السن، فبعثوا الجمل وساروا، فوجدت عقدي بعد ما استمر الجيش، فجئت منزلهم وليس فيه أُحُدٍ، فأممت منزلي الذي كنتُ به، فظننت أنهم سيفقدونني فيرجعون إلي، فبينا أنا جالسة غلبتني عيناي فنمت، وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني من وراء الجيش، فأصبح عِندَ منزلي، فرأى سواد إنسان نائم فأتاني، وكان يراني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه، حين أناخ راحلته، فوطئ يدها فركبتها، فانطلق يقود بي الراحلة، حتى أتيناالجيش بعد ما نزلوا معرسين في نحر الظهيرة، فهلك من هلك، وكان الذي تولى الإفك عبد الله بن أبي ابن سلول، فقدمنا المدينة، فاشتكيت بها شهرا، يفيضون من قول أصحاب الإفك، ويريبني في وجعي : أني لا أرى من النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم اللطف الذي كنتُ أرى منه حين أمرض، وإنما يدخل فيسلم، ثم يقول : ( كيف تيكم ) . لا أشعر بشيء من ذلك حتى نقهت . فخرجت أنا وأم مسطح قبل المناصع، متبرزنا، لا نخرج إلا ليلا إلى ليل، وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريبا من بيوتنا، وأمرنا أمر العرب الأول في البرية، أو في التنزه، فأقبلت أنا وأم مسطح بنت أبي رهم نمشي، فعثرت في مرطها، فقالتْ : تعس مسطح، فقُلْت لها : بئس ما قُلْت، أتسبين رجلًا شهد بدرا، فقالتْ : يا هنتاه ألم تسمعي ما قالوا، فأخبرتني بقول أهل الإفك، فازددت مرضا إلى مرضي، فلما رجعت إلى بيتي، دخل علي رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فسلم، فقال : ( كيف تيكم ) . فقُلْت : ائذن لي إلى أبوي، قالتْ : وأنا حينئذ أريد أن أستيقن الخبر من قبلهما، فأذن لي رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأتيت أبوي، فقُلْت لأمي : ما يتحدث به الناس ؟ فقالتْ : يا بنية، هوني على نفسك الشأن، فوالله لقُلْما كانت امرأة قط وضيئة، عِندَ رجلٌ يحبها، ولها ضرائر، إلا أكثرن عليها . فقُلْت : سبحان الله، ولقد يتحدث الناس بهذا ؟ قالتْ : فبت الليلة حتى أصبحت، لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم، ثم أصبحت فدعا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد، حين استلبث الوحي، يستشيرهما في فراق أهله، فأما أسامة فأشار عليه بالذي يعلم في نفسه من الود لهم، فقال أسامة : أهلك يا رسولَ اللهِ ولا نعلم والله إلا خيرا، وأما علي بن أبي طالب فقال : يا رسولَ اللهِ، لم يضيق الله عليك، والنساء سواها كثير، وسل الجارية تصدقك، فدعا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بريرة، فقال : ( يا بريرة، هل رأيت شيئا يريبك ) . فقالتْ بريرة : لا والذي بعثك بالحق، إن رأيت منها أمرا أغمصه عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن، تنام عن العجين، فتأتي الدواجن فتأكله . فقام رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم من يومَه، فاستعذر من عبد الله بن أبي ابن سلول، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( من يعذرني من رجلٌ بلغني أذاه في أهلي، فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرا، وقد ذكروا رجلًا ما علمت عليه إلا خيرا، وما كان يدخل على أهلي إلا معي ) . فقام سعد بن مُعاذٍ فقال : يا رسولَ اللهِ، أنا والله أعذرك منه : إن كان من الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا فيه أمرك . فقام سعد بن عبادة، وهو سيد الخزرج، وكان قبل ذلك رجلًا صالحا، ولكن احتملته الحمية، فقال : كذبت لعمر الله لا تقتله، ولا تقدر على ذلك . فقام أسيد بن الحضير فقال : كذبت لعمر الله، والله لتقتلنه، فإنك منافق تجادل عن المنافقين . فثار الحيان : الأوس والخزرج، حتى هموا ورسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على المنبر، فنزل فخفضهم، حتى سكتوا وسكت، وبكيت يومَي لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، فأصبح عِندَي أبواي، قد بكيت ليلتين ويومَا، حتى أظن أن البكاء فالق كبدي، قالتْ : فبينا هما جالسان عِندَي وأنا أبكي، إذ استأذنت امرأة من الأنصار فأذنت لها، فجلست تبكي معي، فبينا نحن كذلك إذ دخل رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فجلس ولم يجلس عِندَي من يومَ قيل في ما قيل قبلها، وقد مكث شهرا لا يوحى إليه في شأني شيء، قالتْ : فتشهد، ثم قال : ( يا عائشة، فإنه بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنتُ بريئة فسيبرئك الله، وإن كنتُ ألممت بشيء فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه ) . فلما قضى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مقالتْه قُلْص دمعي حتى ما أحس منه قطرة، وقُلْت لأبي : أجب عني رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال : والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقُلْت لأمي : أجيبي عني رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فيما قال، قالتْ : والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قالتْ : وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيرا من القرآن، فقُلْت : إني والله لقد علمت أنكم سمعتم ما يتحدث به الناس، ووقر في أنفسكم وصدقتم به، ولئن قُلْت لكم إني بريئة، والله يعلم إني لبريئة، لا تصدقوني بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمر، والله يعلم أني بريئة، لتصدقني، والله ما أجد لي ولكم مثلا إلا أبا يوسف إذ قال : فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون . ثم تحولت إلى فراشي، وأنا أرجو أن يبرئني الله، ولكن والله ما ظننت أن ينزل في شأني وحيا، ولأنا أحقر في نفسي من أن يتكلم بالقرآن في أمري، ولكني كنتُ أرجو أن يرى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في النوم رؤيا يبرئني الله، فوالله ما رام مجلسه، ولا خرج أُحُدٍ من أهل البيت، حتى أنزل عليه الوحي، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء، حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق في يومِ شات، فلما سري عن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهو يضحك، فكان أول كلمة تكلم بها أن قال لي : ( يا عائشة، احمدي الله، فقد برأك الله ) . فقالتْ لي أمي : قومي إلى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقُلْت : لا والله لا أقوم إليه، ولا أحمد إلا الله، فأنزل الله تعالى : إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم . الآيات، فلما أنزل الله هذا في براءتي، قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه : والله لا أنفق على مسطح شيئا أبدا، بعد ما قال لعائشة . فأنزل الله تعالى : ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة - إلى قوله ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم . فقال أبو بكر : بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح الذي كان يجري عليه . وكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يسأل زينب بنت جحش عن أمري، فقال : ( يا زينب، ما علمت، ما رأيت ) . فقالتْ : يا رسولَ اللهِ، أحمي سمعي وبصري، والله ما علمت عليها إلا خيرا . قالتْ : وهي التي كانت تساميني، فعصمها الله بالورع .
زعموا : أن عائشة قالتْ : كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا أراد أن يخرج سفرا أقرع بين أزواجه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه، فأقرع بيننا في غزاة غزاها، فخرج سهمي فخرجت معه، بعد ما أنزل الحجاب، فأنا أحمل في هودج وأنزل فيه، فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم من غزوته تلك وقفل، ودنونا من المدينة، آذن ليلة بالرحيل، فقمت حين آذنوا بالرحيل، فمشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت شأني، أقبلت إلى الرحل، فلمست صدري، فإذا عقد لي من جزع أظفار قد انقطع، فرجعت فالتمست عقدي فحبسني ابتغاؤه، فأقبل الذين يرحلون لي، فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنتُ أركب، وهم يحسبون أني فيه، وكان النساء إذ ذاك خفافا لم يثقُلْن، ولم يغشهن اللحم، وإنما يأكلن العلقة من الطعام، فلم يستنكر القوم حين رفعوه ثقُلْ الهودج فاحتملوه، وكنتُ جارية حديثة السن، فبعثوا الجمل وساروا، فوجدت عقدي بعد ما استمر الجيش، فجئت منزلهم وليس فيه أُحُدٍ، فأممت منزلي الذي كنتُ به، فظننت أنهم سيفقدونني فيرجعون إلي، فبينا أنا جالسة غلبتني عيناي فنمت، وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني من وراء الجيش، فأصبح عِندَ منزلي، فرأى سواد إنسان نائم فأتاني، وكان يراني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه، حين أناخ راحلته، فوطئ يدها فركبتها، فانطلق يقود بي الراحلة، حتى أتيناالجيش بعد ما نزلوا معرسين في نحر الظهيرة، فهلك من هلك، وكان الذي تولى الإفك عبد الله بن أبي ابن سلول، فقدمنا المدينة، فاشتكيت بها شهرا، يفيضون من قول أصحاب الإفك، ويريبني في وجعي : أني لا أرى من النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم اللطف الذي كنتُ أرى منه حين أمرض، وإنما يدخل فيسلم، ثم يقول : ( كيف تيكم ) . لا أشعر بشيء من ذلك حتى نقهت . فخرجت أنا وأم مسطح قبل المناصع، متبرزنا، لا نخرج إلا ليلا إلى ليل، وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريبا من بيوتنا، وأمرنا أمر العرب الأول في البرية، أو في التنزه ، فأقبلت أنا وأم مسطح بنت أبي رهم نمشي، فعثرت في مرطها، فقالتْ : تعس مسطح، فقُلْت لها : بئس ما قُلْت، أتسبين رجلًا شهد بدرا، فقالتْ : يا هنتاه ألم تسمعي ما قالوا، فأخبرتني بقول أهل الإفك، فازددت مرضا إلى مرضي، فلما رجعت إلى بيتي، دخل علي رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فسلم، فقال : ( كيف تيكم ) . فقُلْت : ائذن لي إلى أبوي، قالتْ : وأنا حينئذ أريد أن أستيقن الخبر من قبلهما، فأذن لي رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأتيت أبوي، فقُلْت لأمي : ما يتحدث به الناس ؟ فقالتْ : يا بنية، هوني على نفسك الشأن، فوالله لقُلْما كانت امرأة قط وضيئة، عِندَ رجلٌ يحبها، ولها ضرائر، إلا أكثرن عليها . فقُلْت : سبحان الله، ولقد يتحدث الناس بهذا ؟ قالتْ : فبت الليلة حتى أصبحت، لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم، ثم أصبحت فدعا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد، حين استلبث الوحي، يستشيرهما في فراق أهله، فأما أسامة فأشار عليه بالذي يعلم في نفسه من الود لهم، فقال أسامة : أهلك يا رسولَ اللهِ ولا نعلم والله إلا خيرا، وأما علي بن أبي طالب فقال : يا رسولَ اللهِ، لم يضيق الله عليك، والنساء سواها كثير، وسل الجارية تصدقك، فدعا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بريرة، فقال : ( يا بريرة، هل رأيت شيئا يريبك ) . فقالتْ بريرة : لا والذي بعثك بالحق، إن رأيت منها أمرا أغمصه عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن، تنام عن العجين، فتأتي الدواجن فتأكله . فقام رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم من يومَه، فاستعذر من عبد الله بن أبي ابن سلول، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( من يعذرني من رجلٌ بلغني أذاه في أهلي، فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرا، وقد ذكروا رجلًا ما علمت عليه إلا خيرا، وما كان يدخل على أهلي إلا معي ) . فقام سعد بن مُعاذٍ فقال : يا رسولَ اللهِ، أنا والله أعذرك منه : إن كان من الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا فيه أمرك . فقام سعد بن عبادة، وهو سيد الخزرج، وكان قبل ذلك رجلًا صالحا، ولكن احتملته الحمية، فقال : كذبت لعمر الله لا تقتله، ولا تقدر على ذلك . فقام أسيد بن الحضير فقال : كذبت لعمر الله، والله لتقتلنه، فإنك منافق تجادل عن المنافقين . فثار الحيان : الأوس والخزرج، حتى هموا ورسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على المنبر، فنزل فخفضهم، حتى سكتوا وسكت، وبكيت يومَي لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، فأصبح عِندَي أبواي، قد بكيت ليلتين ويومَا، حتى أظن أن البكاء فالق كبدي، قالتْ : فبينا هما جالسان عِندَي وأنا أبكي، إذ استأذنت امرأة من الأنصار فأذنت لها، فجلست تبكي معي، فبينا نحن كذلك إذ دخل رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فجلس ولم يجلس عِندَي من يومَ قيل في ما قيل قبلها، وقد مكث شهرا لا يوحى إليه في شأني شيء، قالتْ : فتشهد، ثم قال : ( يا عائشة، فإنه بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنتُ بريئة فسيبرئك الله، وإن كنتُ ألممت بشيء فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه ) . فلما قضى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مقالتْه قُلْص دمعي حتى ما أحس منه قطرة، وقُلْت لأبي : أجب عني رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال : والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقُلْت لأمي : أجيبي عني رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فيما قال، قالتْ : والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قالتْ : وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيرا من القرآن، فقُلْت : إني والله لقد علمت أنكم سمعتم ما يتحدث به الناس، ووقر في أنفسكم وصدقتم به، ولئن قُلْت لكم إني بريئة، والله يعلم إني لبريئة، لا تصدقوني بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمر، والله يعلم أني بريئة، لتصدقني، والله ما أجد لي ولكم مثلا إلا أبا يوسف إذ قال : فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون . ثم تحولت إلى فراشي، وأنا أرجو أن يبرئني الله، ولكن والله ما ظننت أن ينزل في شأني وحيا، ولأنا أحقر في نفسي من أن يتكلم بالقرآن في أمري، ولكني كنتُ أرجو أن يرى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في النوم رؤيا يبرئني الله، فوالله ما رام مجلسه، ولا خرج أُحُدٍ من أهل البيت، حتى أنزل عليه الوحي، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء، حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق في يومِ شات، فلما سري عن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهو يضحك، فكان أول كلمة تكلم بها أن قال لي : ( يا عائشة، احمدي الله، فقد برأك الله ) . فقالتْ لي أمي : قومي إلى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقُلْت : لا والله لا أقوم إليه، ولا أحمد إلا الله، فأنزل الله تعالى : إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم . الآيات، فلما أنزل الله هذا في براءتي، قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه : والله لا أنفق على مسطح شيئا أبدا، بعد ما قال لعائشة . فأنزل الله تعالى : ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة - إلى قوله ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم . فقال أبو بكر : بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح الذي كان يجري عليه . وكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يسأل زينب بنت جحش عن أمري، فقال : ( يا زينب، ما علمت، ما رأيت ) . فقالتْ : يا رسولَ اللهِ، أحمي سمعي وبصري، والله ما علمت عليها إلا خيرا . قالتْ : وهي التي كانت تساميني، فعصمها الله بالورع .
زعموا : أن عائشة قالتْ : كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا أراد أن يخرج سفرا أقرع بين أزواجه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه، فأقرع بيننا في غزاة غزاها، فخرج سهمي فخرجت معه، بعد ما أنزل الحجاب، فأنا أحمل في هودج وأنزل فيه، فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم من غزوته تلك وقفل، ودنونا من المدينة، آذن ليلة بالرحيل، فقمت حين آذنوا بالرحيل، فمشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت شأني، أقبلت إلى الرحل، فلمست صدري، فإذا عقد لي من جزع أظفار قد انقطع، فرجعت فالتمست عقدي فحبسني ابتغاؤه، فأقبل الذين يرحلون لي، فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنتُ أركب، وهم يحسبون أني فيه، وكان النساء إذ ذاك خفافا لم يثقُلْن، ولم يغشهن اللحم، وإنما يأكلن العلقة من الطعام، فلم يستنكر القوم حين رفعوه ثقُلْ الهودج فاحتملوه، وكنتُ جارية حديثة السن، فبعثوا الجمل وساروا، فوجدت عقدي بعد ما استمر الجيش، فجئت منزلهم وليس فيه أُحُدٍ، فأممت منزلي الذي كنتُ به، فظننت أنهم سيفقدونني فيرجعون إلي، فبينا أنا جالسة غلبتني عيناي فنمت، وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني من وراء الجيش، فأصبح عِندَ منزلي، فرأى سواد إنسان نائم فأتاني، وكان يراني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه، حين أناخ راحلته، فوطئ يدها فركبتها، فانطلق يقود بي الراحلة، حتى أتيناالجيش بعد ما نزلوا معرسين في نحر الظهيرة، فهلك من هلك، وكان الذي تولى الإفك عبد الله بن أبي ابن سلول، فقدمنا المدينة، فاشتكيت بها شهرا، يفيضون من قول أصحاب الإفك، ويريبني في وجعي : أني لا أرى من النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم اللطف الذي كنتُ أرى منه حين أمرض، وإنما يدخل فيسلم، ثم يقول : ( كيف تيكم ) . لا أشعر بشيء من ذلك حتى نقهت . فخرجت أنا وأم مسطح قبل المناصع، متبرزنا، لا نخرج إلا ليلا إلى ليل، وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريبا من بيوتنا، وأمرنا أمر العرب الأول في البرية، أو في التنزه، فأقبلت أنا وأم مسطح بنت أبي رهم نمشي، فعثرت في مرطها، فقالتْ : تعس مسطح، فقُلْت لها : بئس ما قُلْت، أتسبين رجلًا شهد بدرا، فقالتْ : يا هنتاه ألم تسمعي ما قالوا، فأخبرتني بقول أهل الإفك، فازددت مرضا إلى مرضي، فلما رجعت إلى بيتي، دخل علي رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فسلم، فقال : ( كيف تيكم ) . فقُلْت : ائذن لي إلى أبوي، قالتْ : وأنا حينئذ أريد أن أستيقن الخبر من قبلهما، فأذن لي رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأتيت أبوي، فقُلْت لأمي : ما يتحدث به الناس ؟ فقالتْ : يا بنية، هوني على نفسك الشأن، فوالله لقُلْما كانت امرأة قط وضيئة، عِندَ رجلٌ يحبها، ولها ضرائر، إلا أكثرن عليها . فقُلْت : سبحان الله، ولقد يتحدث الناس بهذا ؟ قالتْ : فبت الليلة حتى أصبحت، لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم، ثم أصبحت فدعا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد، حين استلبث الوحي، يستشيرهما في فراق أهله، فأما أسامة فأشار عليه بالذي يعلم في نفسه من الود لهم، فقال أسامة : أهلك يا رسولَ اللهِ ولا نعلم والله إلا خيرا، وأما علي بن أبي طالب فقال : يا رسولَ اللهِ، لم يضيق الله عليك، والنساء سواها كثير، وسل الجارية تصدقك، فدعا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بريرة، فقال : ( يا بريرة، هل رأيت شيئا يريبك ) . فقالتْ بريرة : لا والذي بعثك بالحق، إن رأيت منها أمرا أغمصه عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن، تنام عن العجين، فتأتي الدواجن فتأكله . فقام رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم من يومَه، فاستعذر من عبد الله بن أبي ابن سلول، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( من يعذرني من رجلٌ بلغني أذاه في أهلي، فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرا، وقد ذكروا رجلًا ما علمت عليه إلا خيرا، وما كان يدخل على أهلي إلا معي ) . فقام سعد بن مُعاذٍ فقال : يا رسولَ اللهِ، أنا والله أعذرك منه : إن كان من الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا فيه أمرك . فقام سعد بن عبادة، وهو سيد الخزرج، وكان قبل ذلك رجلًا صالحا، ولكن احتملته الحمية، فقال : كذبت لعمر الله لا تقتله، ولا تقدر على ذلك . فقام أسيد بن الحضير فقال : كذبت لعمر الله، والله لتقتلنه، فإنك منافق تجادل عن المنافقين . فثار الحيان : الأوس والخزرج، حتى هموا ورسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على المنبر، فنزل فخفضهم، حتى سكتوا وسكت، وبكيت يومَي لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، فأصبح عِندَي أبواي، قد بكيت ليلتين ويومَا، حتى أظن أن البكاء فالق كبدي، قالتْ : فبينا هما جالسان عِندَي وأنا أبكي، إذ استأذنت امرأة من الأنصار فأذنت لها، فجلست تبكي معي، فبينا نحن كذلك إذ دخل رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فجلس ولم يجلس عِندَي من يومَ قيل في ما قيل قبلها، وقد مكث شهرا لا يوحى إليه في شأني شيء، قالتْ : فتشهد، ثم قال : ( يا عائشة، فإنه بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنتُ بريئة فسيبرئك الله، وإن كنتُ ألممت بشيء فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه ) . فلما قضى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مقالتْه قُلْص دمعي حتى ما أحس منه قطرة، وقُلْت لأبي : أجب عني رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال : والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقُلْت لأمي : أجيبي عني رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فيما قال، قالتْ : والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قالتْ : وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيرا من القرآن، فقُلْت : إني والله لقد علمت أنكم سمعتم ما يتحدث به الناس، ووقر في أنفسكم وصدقتم به، ولئن قُلْت لكم إني بريئة، والله يعلم إني لبريئة، لا تصدقوني بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمر، والله يعلم أني بريئة، لتصدقني، والله ما أجد لي ولكم مثلا إلا أبا يوسف إذ قال : فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون . ثم تحولت إلى فراشي، وأنا أرجو أن يبرئني الله، ولكن والله ما ظننت أن ينزل في شأني وحيا، ولأنا أحقر في نفسي من أن يتكلم بالقرآن في أمري، ولكني كنتُ أرجو أن يرى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في النوم رؤيا يبرئني الله، فوالله ما رام مجلسه، ولا خرج أُحُدٍ من أهل البيت، حتى أنزل عليه الوحي، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء، حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق في يومِ شات، فلما سري عن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهو يضحك ، فكان أول كلمة تكلم بها أن قال لي : ( يا عائشة، احمدي الله، فقد برأك الله ) . فقالتْ لي أمي : قومي إلى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقُلْت : لا والله لا أقوم إليه، ولا أحمد إلا الله، فأنزل الله تعالى : إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم . الآيات، فلما أنزل الله هذا في براءتي، قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه : والله لا أنفق على مسطح شيئا أبدا، بعد ما قال لعائشة . فأنزل الله تعالى : ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة - إلى قوله ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم . فقال أبو بكر : بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح الذي كان يجري عليه . وكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يسأل زينب بنت جحش عن أمري، فقال : ( يا زينب، ما علمت، ما رأيت ) . فقالتْ : يا رسولَ اللهِ، أحمي سمعي وبصري، والله ما علمت عليها إلا خيرا . قالتْ : وهي التي كانت تساميني، فعصمها الله بالورع .
زعموا : أن عائشة قالتْ : كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا أراد أن يخرج سفرا أقرع بين أزواجه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه، فأقرع بيننا في غزاة غزاها، فخرج سهمي فخرجت معه، بعد ما أنزل الحجاب، فأنا أحمل في هودج وأنزل فيه، فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم من غزوته تلك وقفل، ودنونا من المدينة، آذن ليلة بالرحيل، فقمت حين آذنوا بالرحيل، فمشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت شأني، أقبلت إلى الرحل، فلمست صدري، فإذا عقد لي من جزع أظفار قد انقطع، فرجعت فالتمست عقدي فحبسني ابتغاؤه، فأقبل الذين يرحلون لي، فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنتُ أركب، وهم يحسبون أني فيه، وكان النساء إذ ذاك خفافا لم يثقُلْن، ولم يغشهن اللحم، وإنما يأكلن العلقة من الطعام، فلم يستنكر القوم حين رفعوه ثقُلْ الهودج فاحتملوه، وكنتُ جارية حديثة السن ، فبعثوا الجمل وساروا، فوجدت عقدي بعد ما استمر الجيش، فجئت منزلهم وليس فيه أُحُدٍ، فأممت منزلي الذي كنتُ به، فظننت أنهم سيفقدونني فيرجعون إلي، فبينا أنا جالسة غلبتني عيناي فنمت، وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني من وراء الجيش، فأصبح عِندَ منزلي، فرأى سواد إنسان نائم فأتاني، وكان يراني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه، حين أناخ راحلته، فوطئ يدها فركبتها، فانطلق يقود بي الراحلة، حتى أتيناالجيش بعد ما نزلوا معرسين في نحر الظهيرة، فهلك من هلك، وكان الذي تولى الإفك عبد الله بن أبي ابن سلول، فقدمنا المدينة، فاشتكيت بها شهرا، يفيضون من قول أصحاب الإفك، ويريبني في وجعي : أني لا أرى من النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم اللطف الذي كنتُ أرى منه حين أمرض، وإنما يدخل فيسلم، ثم يقول : ( كيف تيكم ) . لا أشعر بشيء من ذلك حتى نقهت . فخرجت أنا وأم مسطح قبل المناصع، متبرزنا، لا نخرج إلا ليلا إلى ليل، وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريبا من بيوتنا، وأمرنا أمر العرب الأول في البرية، أو في التنزه، فأقبلت أنا وأم مسطح بنت أبي رهم نمشي، فعثرت في مرطها، فقالتْ : تعس مسطح، فقُلْت لها : بئس ما قُلْت، أتسبين رجلًا شهد بدرا، فقالتْ : يا هنتاه ألم تسمعي ما قالوا، فأخبرتني بقول أهل الإفك، فازددت مرضا إلى مرضي، فلما رجعت إلى بيتي، دخل علي رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فسلم، فقال : ( كيف تيكم ) . فقُلْت : ائذن لي إلى أبوي، قالتْ : وأنا حينئذ أريد أن أستيقن الخبر من قبلهما، فأذن لي رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأتيت أبوي، فقُلْت لأمي : ما يتحدث به الناس ؟ فقالتْ : يا بنية، هوني على نفسك الشأن، فوالله لقُلْما كانت امرأة قط وضيئة، عِندَ رجلٌ يحبها، ولها ضرائر، إلا أكثرن عليها . فقُلْت : سبحان الله، ولقد يتحدث الناس بهذا ؟ قالتْ : فبت الليلة حتى أصبحت، لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم، ثم أصبحت فدعا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد، حين استلبث الوحي، يستشيرهما في فراق أهله، فأما أسامة فأشار عليه بالذي يعلم في نفسه من الود لهم، فقال أسامة : أهلك يا رسولَ اللهِ ولا نعلم والله إلا خيرا، وأما علي بن أبي طالب فقال : يا رسولَ اللهِ، لم يضيق الله عليك، والنساء سواها كثير، وسل الجارية تصدقك، فدعا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بريرة، فقال : ( يا بريرة، هل رأيت شيئا يريبك ) . فقالتْ بريرة : لا والذي بعثك بالحق، إن رأيت منها أمرا أغمصه عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن ، تنام عن العجين، فتأتي الدواجن فتأكله . فقام رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم من يومَه، فاستعذر من عبد الله بن أبي ابن سلول، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( من يعذرني من رجلٌ بلغني أذاه في أهلي، فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرا، وقد ذكروا رجلًا ما علمت عليه إلا خيرا، وما كان يدخل على أهلي إلا معي ) . فقام سعد بن مُعاذٍ فقال : يا رسولَ اللهِ، أنا والله أعذرك منه : إن كان من الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا فيه أمرك . فقام سعد بن عبادة، وهو سيد الخزرج، وكان قبل ذلك رجلًا صالحا، ولكن احتملته الحمية، فقال : كذبت لعمر الله لا تقتله، ولا تقدر على ذلك . فقام أسيد بن الحضير فقال : كذبت لعمر الله، والله لتقتلنه، فإنك منافق تجادل عن المنافقين . فثار الحيان : الأوس والخزرج، حتى هموا ورسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على المنبر، فنزل فخفضهم، حتى سكتوا وسكت، وبكيت يومَي لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، فأصبح عِندَي أبواي، قد بكيت ليلتين ويومَا، حتى أظن أن البكاء فالق كبدي، قالتْ : فبينا هما جالسان عِندَي وأنا أبكي، إذ استأذنت امرأة من الأنصار فأذنت لها، فجلست تبكي معي، فبينا نحن كذلك إذ دخل رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فجلس ولم يجلس عِندَي من يومَ قيل في ما قيل قبلها، وقد مكث شهرا لا يوحى إليه في شأني شيء، قالتْ : فتشهد، ثم قال : ( يا عائشة، فإنه بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنتُ بريئة فسيبرئك الله، وإن كنتُ ألممت بشيء فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه ) . فلما قضى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مقالتْه قُلْص دمعي حتى ما أحس منه قطرة، وقُلْت لأبي : أجب عني رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال : والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقُلْت لأمي : أجيبي عني رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فيما قال، قالتْ : والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قالتْ : وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيرا من القرآن، فقُلْت : إني والله لقد علمت أنكم سمعتم ما يتحدث به الناس، ووقر في أنفسكم وصدقتم به، ولئن قُلْت لكم إني بريئة، والله يعلم إني لبريئة، لا تصدقوني بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمر، والله يعلم أني بريئة، لتصدقني، والله ما أجد لي ولكم مثلا إلا أبا يوسف إذ قال : فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون . ثم تحولت إلى فراشي، وأنا أرجو أن يبرئني الله، ولكن والله ما ظننت أن ينزل في شأني وحيا، ولأنا أحقر في نفسي من أن يتكلم بالقرآن في أمري، ولكني كنتُ أرجو أن يرى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في النوم رؤيا يبرئني الله، فوالله ما رام مجلسه، ولا خرج أُحُدٍ من أهل البيت، حتى أنزل عليه الوحي، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء، حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق في يومِ شات، فلما سري عن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهو يضحك، فكان أول كلمة تكلم بها أن قال لي : ( يا عائشة، احمدي الله، فقد برأك الله ) . فقالتْ لي أمي : قومي إلى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقُلْت : لا والله لا أقوم إليه، ولا أحمد إلا الله، فأنزل الله تعالى : إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم . الآيات، فلما أنزل الله هذا في براءتي، قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه : والله لا أنفق على مسطح شيئا أبدا، بعد ما قال لعائشة . فأنزل الله تعالى : ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة - إلى قوله ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم . فقال أبو بكر : بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح الذي كان يجري عليه . وكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يسأل زينب بنت جحش عن أمري، فقال : ( يا زينب، ما علمت، ما رأيت ) . فقالتْ : يا رسولَ اللهِ، أحمي سمعي وبصري، والله ما علمت عليها إلا خيرا . قالتْ : وهي التي كانت تساميني، فعصمها الله بالورع .
زعموا : أن عائشة قالتْ : كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا أراد أن يخرج سفرا أقرع بين أزواجه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه، فأقرع بيننا في غزاة غزاها، فخرج سهمي فخرجت معه، بعد ما أنزل الحجاب، فأنا أحمل في هودج وأنزل فيه، فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم من غزوته تلك وقفل، ودنونا من المدينة، آذن ليلة بالرحيل، فقمت حين آذنوا بالرحيل، فمشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت شأني، أقبلت إلى الرحل، فلمست صدري، فإذا عقد لي من جزع أظفار قد انقطع، فرجعت فالتمست عقدي فحبسني ابتغاؤه، فأقبل الذين يرحلون لي، فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنتُ أركب، وهم يحسبون أني فيه، وكان النساء إذ ذاك خفافا لم يثقُلْن، ولم يغشهن اللحم، وإنما يأكلن العلقة من الطعام، فلم يستنكر القوم حين رفعوه ثقُلْ الهودج فاحتملوه، وكنتُ جارية حديثة السن، فبعثوا الجمل وساروا، فوجدت عقدي بعد ما استمر الجيش، فجئت منزلهم وليس فيه أُحُدٍ، فأممت منزلي الذي كنتُ به، فظننت أنهم سيفقدونني فيرجعون إلي، فبينا أنا جالسة غلبتني عيناي فنمت، وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني من وراء الجيش، فأصبح عِندَ منزلي، فرأى سواد إنسان نائم فأتاني، وكان يراني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه، حين أناخ راحلته، فوطئ يدها فركبتها، فانطلق يقود بي الراحلة ، حتى أتيناالجيش بعد ما نزلوا معرسين في نحر الظهيرة، فهلك من هلك، وكان الذي تولى الإفك عبد الله بن أبي ابن سلول، فقدمنا المدينة، فاشتكيت بها شهرا، يفيضون من قول أصحاب الإفك، ويريبني في وجعي : أني لا أرى من النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم اللطف الذي كنتُ أرى منه حين أمرض، وإنما يدخل فيسلم، ثم يقول : ( كيف تيكم ) . لا أشعر بشيء من ذلك حتى نقهت . فخرجت أنا وأم مسطح قبل المناصع، متبرزنا، لا نخرج إلا ليلا إلى ليل، وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريبا من بيوتنا، وأمرنا أمر العرب الأول في البرية، أو في التنزه، فأقبلت أنا وأم مسطح بنت أبي رهم نمشي، فعثرت في مرطها، فقالتْ : تعس مسطح، فقُلْت لها : بئس ما قُلْت، أتسبين رجلًا شهد بدرا، فقالتْ : يا هنتاه ألم تسمعي ما قالوا، فأخبرتني بقول أهل الإفك، فازددت مرضا إلى مرضي، فلما رجعت إلى بيتي، دخل علي رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فسلم، فقال : ( كيف تيكم ) . فقُلْت : ائذن لي إلى أبوي، قالتْ : وأنا حينئذ أريد أن أستيقن الخبر من قبلهما، فأذن لي رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأتيت أبوي، فقُلْت لأمي : ما يتحدث به الناس ؟ فقالتْ : يا بنية، هوني على نفسك الشأن، فوالله لقُلْما كانت امرأة قط وضيئة، عِندَ رجلٌ يحبها، ولها ضرائر، إلا أكثرن عليها . فقُلْت : سبحان الله، ولقد يتحدث الناس بهذا ؟ قالتْ : فبت الليلة حتى أصبحت، لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم، ثم أصبحت فدعا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد، حين استلبث الوحي، يستشيرهما في فراق أهله، فأما أسامة فأشار عليه بالذي يعلم في نفسه من الود لهم، فقال أسامة : أهلك يا رسولَ اللهِ ولا نعلم والله إلا خيرا، وأما علي بن أبي طالب فقال : يا رسولَ اللهِ، لم يضيق الله عليك، والنساء سواها كثير، وسل الجارية تصدقك، فدعا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بريرة، فقال : ( يا بريرة، هل رأيت شيئا يريبك ) . فقالتْ بريرة : لا والذي بعثك بالحق، إن رأيت منها أمرا أغمصه عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن، تنام عن العجين، فتأتي الدواجن فتأكله . فقام رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم من يومَه، فاستعذر من عبد الله بن أبي ابن سلول، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( من يعذرني من رجلٌ بلغني أذاه في أهلي، فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرا، وقد ذكروا رجلًا ما علمت عليه إلا خيرا، وما كان يدخل على أهلي إلا معي ) . فقام سعد بن مُعاذٍ فقال : يا رسولَ اللهِ، أنا والله أعذرك منه : إن كان من الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا فيه أمرك . فقام سعد بن عبادة، وهو سيد الخزرج، وكان قبل ذلك رجلًا صالحا، ولكن احتملته الحمية، فقال : كذبت لعمر الله لا تقتله، ولا تقدر على ذلك . فقام أسيد بن الحضير فقال : كذبت لعمر الله، والله لتقتلنه، فإنك منافق تجادل عن المنافقين . فثار الحيان : الأوس والخزرج، حتى هموا ورسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على المنبر، فنزل فخفضهم، حتى سكتوا وسكت، وبكيت يومَي لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، فأصبح عِندَي أبواي، قد بكيت ليلتين ويومَا، حتى أظن أن البكاء فالق كبدي، قالتْ : فبينا هما جالسان عِندَي وأنا أبكي، إذ استأذنت امرأة من الأنصار فأذنت لها، فجلست تبكي معي، فبينا نحن كذلك إذ دخل رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فجلس ولم يجلس عِندَي من يومَ قيل في ما قيل قبلها، وقد مكث شهرا لا يوحى إليه في شأني شيء، قالتْ : فتشهد، ثم قال : ( يا عائشة، فإنه بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنتُ بريئة فسيبرئك الله، وإن كنتُ ألممت بشيء فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه ) . فلما قضى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مقالتْه قُلْص دمعي حتى ما أحس منه قطرة، وقُلْت لأبي : أجب عني رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال : والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقُلْت لأمي : أجيبي عني رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فيما قال، قالتْ : والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قالتْ : وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيرا من القرآن، فقُلْت : إني والله لقد علمت أنكم سمعتم ما يتحدث به الناس، ووقر في أنفسكم وصدقتم به، ولئن قُلْت لكم إني بريئة، والله يعلم إني لبريئة، لا تصدقوني بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمر، والله يعلم أني بريئة، لتصدقني، والله ما أجد لي ولكم مثلا إلا أبا يوسف إذ قال : فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون . ثم تحولت إلى فراشي، وأنا أرجو أن يبرئني الله، ولكن والله ما ظننت أن ينزل في شأني وحيا، ولأنا أحقر في نفسي من أن يتكلم بالقرآن في أمري، ولكني كنتُ أرجو أن يرى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في النوم رؤيا يبرئني الله، فوالله ما رام مجلسه، ولا خرج أُحُدٍ من أهل البيت، حتى أنزل عليه الوحي، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء، حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق في يومِ شات، فلما سري عن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهو يضحك، فكان أول كلمة تكلم بها أن قال لي : ( يا عائشة، احمدي الله، فقد برأك الله ) . فقالتْ لي أمي : قومي إلى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقُلْت : لا والله لا أقوم إليه، ولا أحمد إلا الله، فأنزل الله تعالى : إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم . الآيات، فلما أنزل الله هذا في براءتي، قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه : والله لا أنفق على مسطح شيئا أبدا، بعد ما قال لعائشة . فأنزل الله تعالى : ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة - إلى قوله ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم . فقال أبو بكر : بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح الذي كان يجري عليه . وكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يسأل زينب بنت جحش عن أمري، فقال : ( يا زينب، ما علمت، ما رأيت ) . فقالتْ : يا رسولَ اللهِ، أحمي سمعي وبصري، والله ما علمت عليها إلا خيرا . قالتْ : وهي التي كانت تساميني، فعصمها الله بالورع .
زعموا : أن عائشة قالتْ : كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا أراد أن يخرج سفرا أقرع بين أزواجه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه، فأقرع بيننا في غزاة غزاها، فخرج سهمي فخرجت معه، بعد ما أنزل الحجاب، فأنا أحمل في هودج وأنزل فيه، فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم من غزوته تلك وقفل، ودنونا من المدينة، آذن ليلة بالرحيل، فقمت حين آذنوا بالرحيل، فمشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت شأني، أقبلت إلى الرحل، فلمست صدري، فإذا عقد لي من جزع أظفار قد انقطع، فرجعت فالتمست عقدي فحبسني ابتغاؤه، فأقبل الذين يرحلون لي، فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنتُ أركب، وهم يحسبون أني فيه، وكان النساء إذ ذاك خفافا لم يثقُلْن، ولم يغشهن اللحم، وإنما يأكلن العلقة من الطعام، فلم يستنكر القوم حين رفعوه ثقُلْ الهودج فاحتملوه، وكنتُ جارية حديثة السن، فبعثوا الجمل وساروا، فوجدت عقدي بعد ما استمر الجيش، فجئت منزلهم وليس فيه أُحُدٍ، فأممت منزلي الذي كنتُ به، فظننت أنهم سيفقدونني فيرجعون إلي، فبينا أنا جالسة غلبتني عيناي فنمت، وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني من وراء الجيش، فأصبح عِندَ منزلي، فرأى سواد إنسان نائم فأتاني، وكان يراني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه، حين أناخ راحلته، فوطئ يدها فركبتها، فانطلق يقود بي الراحلة، حتى أتيناالجيش بعد ما نزلوا معرسين في نحر الظهيرة ، فهلك من هلك، وكان الذي تولى الإفك عبد الله بن أبي ابن سلول، فقدمنا المدينة، فاشتكيت بها شهرا، يفيضون من قول أصحاب الإفك، ويريبني في وجعي : أني لا أرى من النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم اللطف الذي كنتُ أرى منه حين أمرض، وإنما يدخل فيسلم، ثم يقول : ( كيف تيكم ) . لا أشعر بشيء من ذلك حتى نقهت . فخرجت أنا وأم مسطح قبل المناصع، متبرزنا، لا نخرج إلا ليلا إلى ليل، وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريبا من بيوتنا، وأمرنا أمر العرب الأول في البرية، أو في التنزه، فأقبلت أنا وأم مسطح بنت أبي رهم نمشي، فعثرت في مرطها، فقالتْ : تعس مسطح، فقُلْت لها : بئس ما قُلْت، أتسبين رجلًا شهد بدرا، فقالتْ : يا هنتاه ألم تسمعي ما قالوا، فأخبرتني بقول أهل الإفك، فازددت مرضا إلى مرضي، فلما رجعت إلى بيتي، دخل علي رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فسلم، فقال : ( كيف تيكم ) . فقُلْت : ائذن لي إلى أبوي، قالتْ : وأنا حينئذ أريد أن أستيقن الخبر من قبلهما، فأذن لي رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأتيت أبوي، فقُلْت لأمي : ما يتحدث به الناس ؟ فقالتْ : يا بنية، هوني على نفسك الشأن، فوالله لقُلْما كانت امرأة قط وضيئة، عِندَ رجلٌ يحبها، ولها ضرائر، إلا أكثرن عليها . فقُلْت : سبحان الله، ولقد يتحدث الناس بهذا ؟ قالتْ : فبت الليلة حتى أصبحت، لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم، ثم أصبحت فدعا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد، حين استلبث الوحي، يستشيرهما في فراق أهله، فأما أسامة فأشار عليه بالذي يعلم في نفسه من الود لهم، فقال أسامة : أهلك يا رسولَ اللهِ ولا نعلم والله إلا خيرا، وأما علي بن أبي طالب فقال : يا رسولَ اللهِ، لم يضيق الله عليك، والنساء سواها كثير، وسل الجارية تصدقك، فدعا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بريرة، فقال : ( يا بريرة، هل رأيت شيئا يريبك ) . فقالتْ بريرة : لا والذي بعثك بالحق، إن رأيت منها أمرا أغمصه عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن، تنام عن العجين، فتأتي الدواجن فتأكله . فقام رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم من يومَه، فاستعذر من عبد الله بن أبي ابن سلول، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( من يعذرني من رجلٌ بلغني أذاه في أهلي، فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرا، وقد ذكروا رجلًا ما علمت عليه إلا خيرا، وما كان يدخل على أهلي إلا معي ) . فقام سعد بن مُعاذٍ فقال : يا رسولَ اللهِ، أنا والله أعذرك منه : إن كان من الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا فيه أمرك . فقام سعد بن عبادة، وهو سيد الخزرج، وكان قبل ذلك رجلًا صالحا، ولكن احتملته الحمية، فقال : كذبت لعمر الله لا تقتله، ولا تقدر على ذلك . فقام أسيد بن الحضير فقال : كذبت لعمر الله، والله لتقتلنه، فإنك منافق تجادل عن المنافقين . فثار الحيان : الأوس والخزرج، حتى هموا ورسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على المنبر، فنزل فخفضهم، حتى سكتوا وسكت، وبكيت يومَي لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، فأصبح عِندَي أبواي، قد بكيت ليلتين ويومَا، حتى أظن أن البكاء فالق كبدي، قالتْ : فبينا هما جالسان عِندَي وأنا أبكي، إذ استأذنت امرأة من الأنصار فأذنت لها، فجلست تبكي معي، فبينا نحن كذلك إذ دخل رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فجلس ولم يجلس عِندَي من يومَ قيل في ما قيل قبلها، وقد مكث شهرا لا يوحى إليه في شأني شيء، قالتْ : فتشهد، ثم قال : ( يا عائشة، فإنه بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنتُ بريئة فسيبرئك الله، وإن كنتُ ألممت بشيء فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه ) . فلما قضى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مقالتْه قُلْص دمعي حتى ما أحس منه قطرة، وقُلْت لأبي : أجب عني رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال : والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقُلْت لأمي : أجيبي عني رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فيما قال، قالتْ : والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قالتْ : وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيرا من القرآن، فقُلْت : إني والله لقد علمت أنكم سمعتم ما يتحدث به الناس، ووقر في أنفسكم وصدقتم به، ولئن قُلْت لكم إني بريئة، والله يعلم إني لبريئة، لا تصدقوني بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمر، والله يعلم أني بريئة، لتصدقني، والله ما أجد لي ولكم مثلا إلا أبا يوسف إذ قال : فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون . ثم تحولت إلى فراشي، وأنا أرجو أن يبرئني الله، ولكن والله ما ظننت أن ينزل في شأني وحيا، ولأنا أحقر في نفسي من أن يتكلم بالقرآن في أمري، ولكني كنتُ أرجو أن يرى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في النوم رؤيا يبرئني الله، فوالله ما رام مجلسه، ولا خرج أُحُدٍ من أهل البيت، حتى أنزل عليه الوحي، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء، حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق في يومِ شات، فلما سري عن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهو يضحك، فكان أول كلمة تكلم بها أن قال لي : ( يا عائشة، احمدي الله، فقد برأك الله ) . فقالتْ لي أمي : قومي إلى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقُلْت : لا والله لا أقوم إليه، ولا أحمد إلا الله، فأنزل الله تعالى : إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم . الآيات، فلما أنزل الله هذا في براءتي، قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه : والله لا أنفق على مسطح شيئا أبدا، بعد ما قال لعائشة . فأنزل الله تعالى : ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة - إلى قوله ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم . فقال أبو بكر : بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح الذي كان يجري عليه . وكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يسأل زينب بنت جحش عن أمري، فقال : ( يا زينب، ما علمت، ما رأيت ) . فقالتْ : يا رسولَ اللهِ، أحمي سمعي وبصري، والله ما علمت عليها إلا خيرا . قالتْ : وهي التي كانت تساميني، فعصمها الله بالورع .
زعموا : أن عائشة قالتْ : كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا أراد أن يخرج سفرا أقرع بين أزواجه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه، فأقرع بيننا في غزاة غزاها، فخرج سهمي فخرجت معه، بعد ما أنزل الحجاب، فأنا أحمل في هودج وأنزل فيه، فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم من غزوته تلك وقفل، ودنونا من المدينة، آذن ليلة بالرحيل، فقمت حين آذنوا بالرحيل، فمشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت شأني، أقبلت إلى الرحل، فلمست صدري، فإذا عقد لي من جزع أظفار قد انقطع، فرجعت فالتمست عقدي فحبسني ابتغاؤه، فأقبل الذين يرحلون لي، فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنتُ أركب، وهم يحسبون أني فيه، وكان النساء إذ ذاك خفافا لم يثقُلْن، ولم يغشهن اللحم، وإنما يأكلن العلقة من الطعام، فلم يستنكر القوم حين رفعوه ثقُلْ الهودج فاحتملوه، وكنتُ جارية حديثة السن، فبعثوا الجمل وساروا، فوجدت عقدي بعد ما استمر الجيش، فجئت منزلهم وليس فيه أُحُدٍ، فأممت منزلي الذي كنتُ به، فظننت أنهم سيفقدونني فيرجعون إلي، فبينا أنا جالسة غلبتني عيناي فنمت، وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني من وراء الجيش، فأصبح عِندَ منزلي، فرأى سواد إنسان نائم فأتاني، وكان يراني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه، حين أناخ راحلته، فوطئ يدها فركبتها، فانطلق يقود بي الراحلة، حتى أتيناالجيش بعد ما نزلوا معرسين في نحر الظهيرة، فهلك من هلك، وكان الذي تولى الإفك عبد الله بن أبي ابن سلول، فقدمنا المدينة، فاشتكيت بها شهرا، يفيضون من قول أصحاب الإفك ، ويريبني في وجعي : أني لا أرى من النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم اللطف الذي كنتُ أرى منه حين أمرض، وإنما يدخل فيسلم، ثم يقول : ( كيف تيكم ) . لا أشعر بشيء من ذلك حتى نقهت . فخرجت أنا وأم مسطح قبل المناصع، متبرزنا، لا نخرج إلا ليلا إلى ليل، وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريبا من بيوتنا، وأمرنا أمر العرب الأول في البرية، أو في التنزه، فأقبلت أنا وأم مسطح بنت أبي رهم نمشي، فعثرت في مرطها، فقالتْ : تعس مسطح، فقُلْت لها : بئس ما قُلْت، أتسبين رجلًا شهد بدرا، فقالتْ : يا هنتاه ألم تسمعي ما قالوا، فأخبرتني بقول أهل الإفك ، فازددت مرضا إلى مرضي، فلما رجعت إلى بيتي، دخل علي رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فسلم، فقال : ( كيف تيكم ) . فقُلْت : ائذن لي إلى أبوي، قالتْ : وأنا حينئذ أريد أن أستيقن الخبر من قبلهما، فأذن لي رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأتيت أبوي، فقُلْت لأمي : ما يتحدث به الناس ؟ فقالتْ : يا بنية، هوني على نفسك الشأن، فوالله لقُلْما كانت امرأة قط وضيئة، عِندَ رجلٌ يحبها، ولها ضرائر، إلا أكثرن عليها . فقُلْت : سبحان الله، ولقد يتحدث الناس بهذا ؟ قالتْ : فبت الليلة حتى أصبحت، لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم، ثم أصبحت فدعا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد، حين استلبث الوحي، يستشيرهما في فراق أهله، فأما أسامة فأشار عليه بالذي يعلم في نفسه من الود لهم، فقال أسامة : أهلك يا رسولَ اللهِ ولا نعلم والله إلا خيرا، وأما علي بن أبي طالب فقال : يا رسولَ اللهِ، لم يضيق الله عليك، والنساء سواها كثير، وسل الجارية تصدقك، فدعا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بريرة، فقال : ( يا بريرة، هل رأيت شيئا يريبك ) . فقالتْ بريرة : لا والذي بعثك بالحق، إن رأيت منها أمرا أغمصه عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن، تنام عن العجين، فتأتي الدواجن فتأكله . فقام رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم من يومَه، فاستعذر من عبد الله بن أبي ابن سلول، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( من يعذرني من رجلٌ بلغني أذاه في أهلي، فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرا، وقد ذكروا رجلًا ما علمت عليه إلا خيرا، وما كان يدخل على أهلي إلا معي ) . فقام سعد بن مُعاذٍ فقال : يا رسولَ اللهِ، أنا والله أعذرك منه : إن كان من الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا فيه أمرك . فقام سعد بن عبادة، وهو سيد الخزرج، وكان قبل ذلك رجلًا صالحا، ولكن احتملته الحمية، فقال : كذبت لعمر الله لا تقتله، ولا تقدر على ذلك . فقام أسيد بن الحضير فقال : كذبت لعمر الله، والله لتقتلنه، فإنك منافق تجادل عن المنافقين . فثار الحيان : الأوس والخزرج، حتى هموا ورسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على المنبر، فنزل فخفضهم، حتى سكتوا وسكت، وبكيت يومَي لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، فأصبح عِندَي أبواي، قد بكيت ليلتين ويومَا، حتى أظن أن البكاء فالق كبدي، قالتْ : فبينا هما جالسان عِندَي وأنا أبكي، إذ استأذنت امرأة من الأنصار فأذنت لها، فجلست تبكي معي، فبينا نحن كذلك إذ دخل رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فجلس ولم يجلس عِندَي من يومَ قيل في ما قيل قبلها، وقد مكث شهرا لا يوحى إليه في شأني شيء، قالتْ : فتشهد، ثم قال : ( يا عائشة، فإنه بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنتُ بريئة فسيبرئك الله، وإن كنتُ ألممت بشيء فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه ) . فلما قضى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مقالتْه قُلْص دمعي حتى ما أحس منه قطرة، وقُلْت لأبي : أجب عني رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال : والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقُلْت لأمي : أجيبي عني رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فيما قال، قالتْ : والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قالتْ : وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيرا من القرآن، فقُلْت : إني والله لقد علمت أنكم سمعتم ما يتحدث به الناس، ووقر في أنفسكم وصدقتم به، ولئن قُلْت لكم إني بريئة، والله يعلم إني لبريئة، لا تصدقوني بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمر، والله يعلم أني بريئة، لتصدقني، والله ما أجد لي ولكم مثلا إلا أبا يوسف إذ قال : فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون . ثم تحولت إلى فراشي، وأنا أرجو أن يبرئني الله، ولكن والله ما ظننت أن ينزل في شأني وحيا، ولأنا أحقر في نفسي من أن يتكلم بالقرآن في أمري، ولكني كنتُ أرجو أن يرى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في النوم رؤيا يبرئني الله، فوالله ما رام مجلسه، ولا خرج أُحُدٍ من أهل البيت، حتى أنزل عليه الوحي، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء، حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق في يومِ شات، فلما سري عن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهو يضحك، فكان أول كلمة تكلم بها أن قال لي : ( يا عائشة، احمدي الله، فقد برأك الله ) . فقالتْ لي أمي : قومي إلى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقُلْت : لا والله لا أقوم إليه، ولا أحمد إلا الله، فأنزل الله تعالى : إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم . الآيات، فلما أنزل الله هذا في براءتي، قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه : والله لا أنفق على مسطح شيئا أبدا، بعد ما قال لعائشة . فأنزل الله تعالى : ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة - إلى قوله ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم . فقال أبو بكر : بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح الذي كان يجري عليه . وكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يسأل زينب بنت جحش عن أمري، فقال : ( يا زينب، ما علمت، ما رأيت ) . فقالتْ : يا رسولَ اللهِ، أحمي سمعي وبصري، والله ما علمت عليها إلا خيرا . قالتْ : وهي التي كانت تساميني، فعصمها الله بالورع .
زعموا : أن عائشة قالتْ : كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا أراد أن يخرج سفرا أقرع بين أزواجه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه، فأقرع بيننا في غزاة غزاها، فخرج سهمي فخرجت معه، بعد ما أنزل الحجاب، فأنا أحمل في هودج وأنزل فيه، فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم من غزوته تلك وقفل، ودنونا من المدينة، آذن ليلة بالرحيل، فقمت حين آذنوا بالرحيل، فمشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت شأني، أقبلت إلى الرحل، فلمست صدري، فإذا عقد لي من جزع أظفار قد انقطع، فرجعت فالتمست عقدي فحبسني ابتغاؤه، فأقبل الذين يرحلون لي، فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنتُ أركب، وهم يحسبون أني فيه، وكان النساء إذ ذاك خفافا لم يثقُلْن، ولم يغشهن اللحم، وإنما يأكلن العلقة من الطعام، فلم يستنكر القوم حين رفعوه ثقُلْ الهودج فاحتملوه، وكنتُ جارية حديثة السن، فبعثوا الجمل وساروا، فوجدت عقدي بعد ما استمر الجيش، فجئت منزلهم وليس فيه أُحُدٍ، فأممت منزلي الذي كنتُ به، فظننت أنهم سيفقدونني فيرجعون إلي، فبينا أنا جالسة غلبتني عيناي فنمت، وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني من وراء الجيش، فأصبح عِندَ منزلي، فرأى سواد إنسان نائم فأتاني، وكان يراني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه، حين أناخ راحلته، فوطئ يدها فركبتها، فانطلق يقود بي الراحلة، حتى أتيناالجيش بعد ما نزلوا معرسين في نحر الظهيرة، فهلك من هلك، وكان الذي تولى الإفك عبد الله بن أبي ابن سلول، فقدمنا المدينة، فاشتكيت بها شهرا، يفيضون من قول أصحاب الإفك، ويريبني في وجعي : أني لا أرى من النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم اللطف الذي كنتُ أرى منه حين أمرض، وإنما يدخل فيسلم، ثم يقول : ( كيف تيكم ) . لا أشعر بشيء من ذلك حتى نقهت . فخرجت أنا وأم مسطح قبل المناصع، متبرزنا، لا نخرج إلا ليلا إلى ليل، وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريبا من بيوتنا، وأمرنا أمر العرب الأول في البرية، أو في التنزه، فأقبلت أنا وأم مسطح بنت أبي رهم نمشي، فعثرت في مرطها، فقالتْ : تعس مسطح، فقُلْت لها : بئس ما قُلْت، أتسبين رجلًا شهد بدرا، فقالتْ : يا هنتاه ألم تسمعي ما قالوا، فأخبرتني بقول أهل الإفك، فازددت مرضا إلى مرضي، فلما رجعت إلى بيتي، دخل علي رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فسلم، فقال : ( كيف تيكم ) . فقُلْت : ائذن لي إلى أبوي، قالتْ : وأنا حينئذ أريد أن أستيقن الخبر من قبلهما، فأذن لي رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأتيت أبوي، فقُلْت لأمي : ما يتحدث به الناس ؟ فقالتْ : يا بنية، هوني على نفسك الشأن، فوالله لقُلْما كانت امرأة قط وضيئة، عِندَ رجلٌ يحبها، ولها ضرائر، إلا أكثرن عليها . فقُلْت : سبحان الله، ولقد يتحدث الناس بهذا ؟ قالتْ : فبت الليلة حتى أصبحت، لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم، ثم أصبحت فدعا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد، حين استلبث الوحي، يستشيرهما في فراق أهله، فأما أسامة فأشار عليه بالذي يعلم في نفسه من الود لهم، فقال أسامة : أهلك يا رسولَ اللهِ ولا نعلم والله إلا خيرا، وأما علي بن أبي طالب فقال : يا رسولَ اللهِ، لم يضيق الله عليك، والنساء سواها كثير، وسل الجارية تصدقك، فدعا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بريرة، فقال : ( يا بريرة، هل رأيت شيئا يريبك ) . فقالتْ بريرة : لا والذي بعثك بالحق، إن رأيت منها أمرا أغمصه عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن، تنام عن العجين، فتأتي الدواجن فتأكله . فقام رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم من يومَه، فاستعذر من عبد الله بن أبي ابن سلول، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( من يعذرني من رجلٌ بلغني أذاه في أهلي، فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرا، وقد ذكروا رجلًا ما علمت عليه إلا خيرا، وما كان يدخل على أهلي إلا معي ) . فقام سعد بن مُعاذٍ فقال : يا رسولَ اللهِ، أنا والله أعذرك منه : إن كان من الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا فيه أمرك . فقام سعد بن عبادة، وهو سيد الخزرج، وكان قبل ذلك رجلًا صالحا، ولكن احتملته الحمية، فقال : كذبت لعمر الله لا تقتله، ولا تقدر على ذلك . فقام أسيد بن الحضير فقال : كذبت لعمر الله، والله لتقتلنه، فإنك منافق تجادل عن المنافقين . فثار الحيان : الأوس والخزرج، حتى هموا ورسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على المنبر، فنزل فخفضهم، حتى سكتوا وسكت، وبكيت يومَي لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، فأصبح عِندَي أبواي، قد بكيت ليلتين ويومَا، حتى أظن أن البكاء فالق كبدي، قالتْ : فبينا هما جالسان عِندَي وأنا أبكي، إذ استأذنت امرأة من الأنصار فأذنت لها، فجلست تبكي معي، فبينا نحن كذلك إذ دخل رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فجلس ولم يجلس عِندَي من يومَ قيل في ما قيل قبلها، وقد مكث شهرا لا يوحى إليه في شأني شيء، قالتْ : فتشهد، ثم قال : ( يا عائشة، فإنه بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنتُ بريئة فسيبرئك الله، وإن كنتُ ألممت بشيء فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه ) . فلما قضى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مقالتْه قُلْص دمعي حتى ما أحس منه قطرة ، وقُلْت لأبي : أجب عني رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال : والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقُلْت لأمي : أجيبي عني رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فيما قال، قالتْ : والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قالتْ : وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيرا من القرآن، فقُلْت : إني والله لقد علمت أنكم سمعتم ما يتحدث به الناس، ووقر في أنفسكم وصدقتم به، ولئن قُلْت لكم إني بريئة، والله يعلم إني لبريئة، لا تصدقوني بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمر، والله يعلم أني بريئة، لتصدقني، والله ما أجد لي ولكم مثلا إلا أبا يوسف إذ قال : فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون . ثم تحولت إلى فراشي، وأنا أرجو أن يبرئني الله، ولكن والله ما ظننت أن ينزل في شأني وحيا، ولأنا أحقر في نفسي من أن يتكلم بالقرآن في أمري، ولكني كنتُ أرجو أن يرى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في النوم رؤيا يبرئني الله، فوالله ما رام مجلسه، ولا خرج أُحُدٍ من أهل البيت، حتى أنزل عليه الوحي، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء، حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق في يومِ شات، فلما سري عن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهو يضحك، فكان أول كلمة تكلم بها أن قال لي : ( يا عائشة، احمدي الله، فقد برأك الله ) . فقالتْ لي أمي : قومي إلى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقُلْت : لا والله لا أقوم إليه، ولا أحمد إلا الله، فأنزل الله تعالى : إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم . الآيات، فلما أنزل الله هذا في براءتي، قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه : والله لا أنفق على مسطح شيئا أبدا، بعد ما قال لعائشة . فأنزل الله تعالى : ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة - إلى قوله ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم . فقال أبو بكر : بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح الذي كان يجري عليه . وكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يسأل زينب بنت جحش عن أمري، فقال : ( يا زينب، ما علمت، ما رأيت ) . فقالتْ : يا رسولَ اللهِ، أحمي سمعي وبصري، والله ما علمت عليها إلا خيرا . قالتْ : وهي التي كانت تساميني، فعصمها الله بالورع .
زعموا : أن عائشة قالتْ : كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا أراد أن يخرج سفرا أقرع بين أزواجه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه، فأقرع بيننا في غزاة غزاها، فخرج سهمي فخرجت معه، بعد ما أنزل الحجاب، فأنا أحمل في هودج وأنزل فيه، فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم من غزوته تلك وقفل، ودنونا من المدينة، آذن ليلة بالرحيل، فقمت حين آذنوا بالرحيل، فمشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت شأني، أقبلت إلى الرحل، فلمست صدري، فإذا عقد لي من جزع أظفار قد انقطع، فرجعت فالتمست عقدي فحبسني ابتغاؤه، فأقبل الذين يرحلون لي، فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنتُ أركب، وهم يحسبون أني فيه، وكان النساء إذ ذاك خفافا لم يثقُلْن، ولم يغشهن اللحم، وإنما يأكلن العلقة من الطعام، فلم يستنكر القوم حين رفعوه ثقُلْ الهودج فاحتملوه، وكنتُ جارية حديثة السن، فبعثوا الجمل وساروا، فوجدت عقدي بعد ما استمر الجيش، فجئت منزلهم وليس فيه أُحُدٍ، فأممت منزلي الذي كنتُ به، فظننت أنهم سيفقدونني فيرجعون إلي، فبينا أنا جالسة غلبتني عيناي فنمت، وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني من وراء الجيش، فأصبح عِندَ منزلي، فرأى سواد إنسان نائم فأتاني، وكان يراني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه، حين أناخ راحلته، فوطئ يدها فركبتها، فانطلق يقود بي الراحلة، حتى أتيناالجيش بعد ما نزلوا معرسين في نحر الظهيرة، فهلك من هلك، وكان الذي تولى الإفك عبد الله بن أبي ابن سلول، فقدمنا المدينة، فاشتكيت بها شهرا، يفيضون من قول أصحاب الإفك، ويريبني في وجعي : أني لا أرى من النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم اللطف الذي كنتُ أرى منه حين أمرض، وإنما يدخل فيسلم، ثم يقول : ( كيف تيكم ) . لا أشعر بشيء من ذلك حتى نقهت . فخرجت أنا وأم مسطح قبل المناصع، متبرزنا، لا نخرج إلا ليلا إلى ليل، وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريبا من بيوتنا، وأمرنا أمر العرب الأول في البرية، أو في التنزه، فأقبلت أنا وأم مسطح بنت أبي رهم نمشي، فعثرت في مرطها، فقالتْ : تعس مسطح، فقُلْت لها : بئس ما قُلْت، أتسبين رجلًا شهد بدرا، فقالتْ : يا هنتاه ألم تسمعي ما قالوا، فأخبرتني بقول أهل الإفك، فازددت مرضا إلى مرضي، فلما رجعت إلى بيتي، دخل علي رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فسلم، فقال : ( كيف تيكم ) . فقُلْت : ائذن لي إلى أبوي، قالتْ : وأنا حينئذ أريد أن أستيقن الخبر من قبلهما، فأذن لي رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأتيت أبوي، فقُلْت لأمي : ما يتحدث به الناس ؟ فقالتْ : يا بنية، هوني على نفسك الشأن، فوالله لقُلْما كانت امرأة قط وضيئة، عِندَ رجلٌ يحبها، ولها ضرائر، إلا أكثرن عليها . فقُلْت : سبحان الله، ولقد يتحدث الناس بهذا ؟ قالتْ : فبت الليلة حتى أصبحت، لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم، ثم أصبحت فدعا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد، حين استلبث الوحي، يستشيرهما في فراق أهله، فأما أسامة فأشار عليه بالذي يعلم في نفسه من الود لهم، فقال أسامة : أهلك يا رسولَ اللهِ ولا نعلم والله إلا خيرا، وأما علي بن أبي طالب فقال : يا رسولَ اللهِ، لم يضيق الله عليك، والنساء سواها كثير، وسل الجارية تصدقك، فدعا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بريرة، فقال : ( يا بريرة، هل رأيت شيئا يريبك ) . فقالتْ بريرة : لا والذي بعثك بالحق، إن رأيت منها أمرا أغمصه عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن، تنام عن العجين، فتأتي الدواجن فتأكله . فقام رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم من يومَه، فاستعذر من عبد الله بن أبي ابن سلول، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( من يعذرني من رجلٌ بلغني أذاه في أهلي، فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرا، وقد ذكروا رجلًا ما علمت عليه إلا خيرا، وما كان يدخل على أهلي إلا معي ) . فقام سعد بن مُعاذٍ فقال : يا رسولَ اللهِ، أنا والله أعذرك منه : إن كان من الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا فيه أمرك . فقام سعد بن عبادة، وهو سيد الخزرج، وكان قبل ذلك رجلًا صالحا، ولكن احتملته الحمية، فقال : كذبت لعمر الله لا تقتله، ولا تقدر على ذلك . فقام أسيد بن الحضير فقال : كذبت لعمر الله، والله لتقتلنه، فإنك منافق تجادل عن المنافقين . فثار الحيان : الأوس والخزرج، حتى هموا ورسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على المنبر، فنزل فخفضهم، حتى سكتوا وسكت، وبكيت يومَي لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، فأصبح عِندَي أبواي، قد بكيت ليلتين ويومَا، حتى أظن أن البكاء فالق كبدي، قالتْ : فبينا هما جالسان عِندَي وأنا أبكي ، إذ استأذنت امرأة من الأنصار فأذنت لها، فجلست تبكي معي، فبينا نحن كذلك إذ دخل رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فجلس ولم يجلس عِندَي من يومَ قيل في ما قيل قبلها، وقد مكث شهرا لا يوحى إليه في شأني شيء، قالتْ : فتشهد، ثم قال : ( يا عائشة، فإنه بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنتُ بريئة فسيبرئك الله، وإن كنتُ ألممت بشيء فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه ) . فلما قضى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مقالتْه قُلْص دمعي حتى ما أحس منه قطرة، وقُلْت لأبي : أجب عني رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال : والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقُلْت لأمي : أجيبي عني رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فيما قال، قالتْ : والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قالتْ : وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيرا من القرآن، فقُلْت : إني والله لقد علمت أنكم سمعتم ما يتحدث به الناس، ووقر في أنفسكم وصدقتم به، ولئن قُلْت لكم إني بريئة، والله يعلم إني لبريئة، لا تصدقوني بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمر، والله يعلم أني بريئة، لتصدقني، والله ما أجد لي ولكم مثلا إلا أبا يوسف إذ قال : فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون . ثم تحولت إلى فراشي، وأنا أرجو أن يبرئني الله، ولكن والله ما ظننت أن ينزل في شأني وحيا، ولأنا أحقر في نفسي من أن يتكلم بالقرآن في أمري، ولكني كنتُ أرجو أن يرى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في النوم رؤيا يبرئني الله، فوالله ما رام مجلسه، ولا خرج أُحُدٍ من أهل البيت، حتى أنزل عليه الوحي، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء، حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق في يومِ شات، فلما سري عن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهو يضحك، فكان أول كلمة تكلم بها أن قال لي : ( يا عائشة، احمدي الله، فقد برأك الله ) . فقالتْ لي أمي : قومي إلى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقُلْت : لا والله لا أقوم إليه، ولا أحمد إلا الله، فأنزل الله تعالى : إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم . الآيات، فلما أنزل الله هذا في براءتي، قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه : والله لا أنفق على مسطح شيئا أبدا، بعد ما قال لعائشة . فأنزل الله تعالى : ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة - إلى قوله ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم . فقال أبو بكر : بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح الذي كان يجري عليه . وكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يسأل زينب بنت جحش عن أمري، فقال : ( يا زينب، ما علمت، ما رأيت ) . فقالتْ : يا رسولَ اللهِ، أحمي سمعي وبصري، والله ما علمت عليها إلا خيرا . قالتْ : وهي التي كانت تساميني، فعصمها الله بالورع .
زعموا : أن عائشة قالتْ : كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا أراد أن يخرج سفرا أقرع بين أزواجه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه، فأقرع بيننا في غزاة غزاها، فخرج سهمي فخرجت معه، بعد ما أنزل الحجاب، فأنا أحمل في هودج وأنزل فيه، فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم من غزوته تلك وقفل، ودنونا من المدينة، آذن ليلة بالرحيل، فقمت حين آذنوا بالرحيل، فمشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت شأني، أقبلت إلى الرحل، فلمست صدري، فإذا عقد لي من جزع أظفار قد انقطع، فرجعت فالتمست عقدي فحبسني ابتغاؤه، فأقبل الذين يرحلون لي، فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنتُ أركب، وهم يحسبون أني فيه، وكان النساء إذ ذاك خفافا لم يثقُلْن، ولم يغشهن اللحم، وإنما يأكلن العلقة من الطعام، فلم يستنكر القوم حين رفعوه ثقُلْ الهودج فاحتملوه، وكنتُ جارية حديثة السن، فبعثوا الجمل وساروا، فوجدت عقدي بعد ما استمر الجيش، فجئت منزلهم وليس فيه أُحُدٍ، فأممت منزلي الذي كنتُ به، فظننت أنهم سيفقدونني فيرجعون إلي، فبينا أنا جالسة غلبتني عيناي فنمت، وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني من وراء الجيش، فأصبح عِندَ منزلي، فرأى سواد إنسان نائم فأتاني، وكان يراني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه، حين أناخ راحلته، فوطئ يدها فركبتها، فانطلق يقود بي الراحلة، حتى أتيناالجيش بعد ما نزلوا معرسين في نحر الظهيرة، فهلك من هلك، وكان الذي تولى الإفك عبد الله بن أبي ابن سلول، فقدمنا المدينة، فاشتكيت بها شهرا، يفيضون من قول أصحاب الإفك، ويريبني في وجعي : أني لا أرى من النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم اللطف الذي كنتُ أرى منه حين أمرض، وإنما يدخل فيسلم، ثم يقول : ( كيف تيكم ) . لا أشعر بشيء من ذلك حتى نقهت . فخرجت أنا وأم مسطح قبل المناصع، متبرزنا، لا نخرج إلا ليلا إلى ليل، وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريبا من بيوتنا، وأمرنا أمر العرب الأول في البرية، أو في التنزه، فأقبلت أنا وأم مسطح بنت أبي رهم نمشي، فعثرت في مرطها، فقالتْ : تعس مسطح، فقُلْت لها : بئس ما قُلْت، أتسبين رجلًا شهد بدرا، فقالتْ : يا هنتاه ألم تسمعي ما قالوا، فأخبرتني بقول أهل الإفك، فازددت مرضا إلى مرضي، فلما رجعت إلى بيتي، دخل علي رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فسلم، فقال : ( كيف تيكم ) . فقُلْت : ائذن لي إلى أبوي، قالتْ : وأنا حينئذ أريد أن أستيقن الخبر من قبلهما، فأذن لي رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأتيت أبوي، فقُلْت لأمي : ما يتحدث به الناس ؟ فقالتْ : يا بنية، هوني على نفسك الشأن، فوالله لقُلْما كانت امرأة قط وضيئة، عِندَ رجلٌ يحبها، ولها ضرائر، إلا أكثرن عليها . فقُلْت : سبحان الله، ولقد يتحدث الناس بهذا ؟ قالتْ : فبت الليلة حتى أصبحت، لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم، ثم أصبحت فدعا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد، حين استلبث الوحي، يستشيرهما في فراق أهله، فأما أسامة فأشار عليه بالذي يعلم في نفسه من الود لهم، فقال أسامة : أهلك يا رسولَ اللهِ ولا نعلم والله إلا خيرا، وأما علي بن أبي طالب فقال : يا رسولَ اللهِ، لم يضيق الله عليك، والنساء سواها كثير، وسل الجارية تصدقك، فدعا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بريرة، فقال : ( يا بريرة، هل رأيت شيئا يريبك ) . فقالتْ بريرة : لا والذي بعثك بالحق، إن رأيت منها أمرا أغمصه عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن، تنام عن العجين، فتأتي الدواجن فتأكله . فقام رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم من يومَه، فاستعذر من عبد الله بن أبي ابن سلول، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( من يعذرني من رجلٌ بلغني أذاه في أهلي، فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرا، وقد ذكروا رجلًا ما علمت عليه إلا خيرا، وما كان يدخل على أهلي إلا معي ) . فقام سعد بن مُعاذٍ فقال : يا رسولَ اللهِ، أنا والله أعذرك منه : إن كان من الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا فيه أمرك . فقام سعد بن عبادة، وهو سيد الخزرج، وكان قبل ذلك رجلًا صالحا، ولكن احتملته الحمية، فقال : كذبت لعمر الله لا تقتله، ولا تقدر على ذلك . فقام أسيد بن الحضير فقال : كذبت لعمر الله، والله لتقتلنه، فإنك منافق تجادل عن المنافقين . فثار الحيان : الأوس والخزرج، حتى هموا ورسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على المنبر، فنزل فخفضهم، حتى سكتوا وسكت، وبكيت يومَي لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، فأصبح عِندَي أبواي، قد بكيت ليلتين ويومَا، حتى أظن أن البكاء فالق كبدي، قالتْ : فبينا هما جالسان عِندَي وأنا أبكي، إذ استأذنت امرأة من الأنصار فأذنت لها، فجلست تبكي معي، فبينا نحن كذلك إذ دخل رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فجلس ولم يجلس عِندَي من يومَ قيل في ما قيل قبلها، وقد مكث شهرا لا يوحى إليه في شأني شيء، قالتْ : فتشهد، ثم قال : ( يا عائشة ، فإنه بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنتُ بريئة فسيبرئك الله، وإن كنتُ ألممت بشيء فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه ) . فلما قضى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مقالتْه قُلْص دمعي حتى ما أحس منه قطرة، وقُلْت لأبي : أجب عني رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال : والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقُلْت لأمي : أجيبي عني رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فيما قال، قالتْ : والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قالتْ : وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيرا من القرآن، فقُلْت : إني والله لقد علمت أنكم سمعتم ما يتحدث به الناس، ووقر في أنفسكم وصدقتم به، ولئن قُلْت لكم إني بريئة، والله يعلم إني لبريئة، لا تصدقوني بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمر، والله يعلم أني بريئة، لتصدقني، والله ما أجد لي ولكم مثلا إلا أبا يوسف إذ قال : فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون . ثم تحولت إلى فراشي، وأنا أرجو أن يبرئني الله، ولكن والله ما ظننت أن ينزل في شأني وحيا، ولأنا أحقر في نفسي من أن يتكلم بالقرآن في أمري، ولكني كنتُ أرجو أن يرى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في النوم رؤيا يبرئني الله، فوالله ما رام مجلسه، ولا خرج أُحُدٍ من أهل البيت، حتى أنزل عليه الوحي، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء، حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق في يومِ شات، فلما سري عن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهو يضحك، فكان أول كلمة تكلم بها أن قال لي : ( يا عائشة ، احمدي الله، فقد برأك الله ) . فقالتْ لي أمي : قومي إلى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقُلْت : لا والله لا أقوم إليه، ولا أحمد إلا الله، فأنزل الله تعالى : إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم . الآيات، فلما أنزل الله هذا في براءتي، قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه : والله لا أنفق على مسطح شيئا أبدا، بعد ما قال لعائشة . فأنزل الله تعالى : ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة - إلى قوله ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم . فقال أبو بكر : بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح الذي كان يجري عليه . وكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يسأل زينب بنت جحش عن أمري، فقال : ( يا زينب، ما علمت، ما رأيت ) . فقالتْ : يا رسولَ اللهِ، أحمي سمعي وبصري، والله ما علمت عليها إلا خيرا . قالتْ : وهي التي كانت تساميني، فعصمها الله بالورع .
زعموا : أن عائشة قالتْ : كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا أراد أن يخرج سفرا أقرع بين أزواجه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه، فأقرع بيننا في غزاة غزاها، فخرج سهمي فخرجت معه، بعد ما أنزل الحجاب، فأنا أحمل في هودج وأنزل فيه، فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم من غزوته تلك وقفل، ودنونا من المدينة، آذن ليلة بالرحيل، فقمت حين آذنوا بالرحيل، فمشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت شأني، أقبلت إلى الرحل، فلمست صدري، فإذا عقد لي من جزع أظفار قد انقطع، فرجعت فالتمست عقدي فحبسني ابتغاؤه، فأقبل الذين يرحلون لي، فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنتُ أركب، وهم يحسبون أني فيه، وكان النساء إذ ذاك خفافا لم يثقُلْن، ولم يغشهن اللحم، وإنما يأكلن العلقة من الطعام، فلم يستنكر القوم حين رفعوه ثقُلْ الهودج فاحتملوه، وكنتُ جارية حديثة السن، فبعثوا الجمل وساروا، فوجدت عقدي بعد ما استمر الجيش، فجئت منزلهم وليس فيه أُحُدٍ، فأممت منزلي الذي كنتُ به، فظننت أنهم سيفقدونني فيرجعون إلي، فبينا أنا جالسة غلبتني عيناي فنمت، وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني من وراء الجيش، فأصبح عِندَ منزلي، فرأى سواد إنسان نائم فأتاني، وكان يراني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه، حين أناخ راحلته، فوطئ يدها فركبتها، فانطلق يقود بي الراحلة، حتى أتيناالجيش بعد ما نزلوا معرسين في نحر الظهيرة، فهلك من هلك، وكان الذي تولى الإفك عبد الله بن أبي ابن سلول، فقدمنا المدينة، فاشتكيت بها شهرا، يفيضون من قول أصحاب الإفك، ويريبني في وجعي : أني لا أرى من النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم اللطف الذي كنتُ أرى منه حين أمرض، وإنما يدخل فيسلم، ثم يقول : ( كيف تيكم ) . لا أشعر بشيء من ذلك حتى نقهت . فخرجت أنا وأم مسطح قبل المناصع، متبرزنا، لا نخرج إلا ليلا إلى ليل ، وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريبا من بيوتنا، وأمرنا أمر العرب الأول في البرية، أو في التنزه، فأقبلت أنا وأم مسطح بنت أبي رهم نمشي، فعثرت في مرطها، فقالتْ : تعس مسطح، فقُلْت لها : بئس ما قُلْت، أتسبين رجلًا شهد بدرا، فقالتْ : يا هنتاه ألم تسمعي ما قالوا، فأخبرتني بقول أهل الإفك، فازددت مرضا إلى مرضي، فلما رجعت إلى بيتي، دخل علي رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فسلم، فقال : ( كيف تيكم ) . فقُلْت : ائذن لي إلى أبوي، قالتْ : وأنا حينئذ أريد أن أستيقن الخبر من قبلهما، فأذن لي رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأتيت أبوي، فقُلْت لأمي : ما يتحدث به الناس ؟ فقالتْ : يا بنية، هوني على نفسك الشأن، فوالله لقُلْما كانت امرأة قط وضيئة، عِندَ رجلٌ يحبها، ولها ضرائر، إلا أكثرن عليها . فقُلْت : سبحان الله، ولقد يتحدث الناس بهذا ؟ قالتْ : فبت الليلة حتى أصبحت، لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم، ثم أصبحت فدعا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد، حين استلبث الوحي، يستشيرهما في فراق أهله، فأما أسامة فأشار عليه بالذي يعلم في نفسه من الود لهم، فقال أسامة : أهلك يا رسولَ اللهِ ولا نعلم والله إلا خيرا، وأما علي بن أبي طالب فقال : يا رسولَ اللهِ، لم يضيق الله عليك، والنساء سواها كثير، وسل الجارية تصدقك، فدعا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بريرة، فقال : ( يا بريرة، هل رأيت شيئا يريبك ) . فقالتْ بريرة : لا والذي بعثك بالحق، إن رأيت منها أمرا أغمصه عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن، تنام عن العجين، فتأتي الدواجن فتأكله . فقام رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم من يومَه، فاستعذر من عبد الله بن أبي ابن سلول، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( من يعذرني من رجلٌ بلغني أذاه في أهلي، فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرا، وقد ذكروا رجلًا ما علمت عليه إلا خيرا، وما كان يدخل على أهلي إلا معي ) . فقام سعد بن مُعاذٍ فقال : يا رسولَ اللهِ، أنا والله أعذرك منه : إن كان من الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا فيه أمرك . فقام سعد بن عبادة، وهو سيد الخزرج، وكان قبل ذلك رجلًا صالحا، ولكن احتملته الحمية، فقال : كذبت لعمر الله لا تقتله، ولا تقدر على ذلك . فقام أسيد بن الحضير فقال : كذبت لعمر الله، والله لتقتلنه، فإنك منافق تجادل عن المنافقين . فثار الحيان : الأوس والخزرج، حتى هموا ورسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على المنبر، فنزل فخفضهم، حتى سكتوا وسكت، وبكيت يومَي لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، فأصبح عِندَي أبواي، قد بكيت ليلتين ويومَا، حتى أظن أن البكاء فالق كبدي، قالتْ : فبينا هما جالسان عِندَي وأنا أبكي، إذ استأذنت امرأة من الأنصار فأذنت لها، فجلست تبكي معي، فبينا نحن كذلك إذ دخل رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فجلس ولم يجلس عِندَي من يومَ قيل في ما قيل قبلها، وقد مكث شهرا لا يوحى إليه في شأني شيء، قالتْ : فتشهد، ثم قال : ( يا عائشة، فإنه بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنتُ بريئة فسيبرئك الله، وإن كنتُ ألممت بشيء فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه ) . فلما قضى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مقالتْه قُلْص دمعي حتى ما أحس منه قطرة، وقُلْت لأبي : أجب عني رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال : والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقُلْت لأمي : أجيبي عني رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فيما قال، قالتْ : والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قالتْ : وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيرا من القرآن، فقُلْت : إني والله لقد علمت أنكم سمعتم ما يتحدث به الناس، ووقر في أنفسكم وصدقتم به، ولئن قُلْت لكم إني بريئة، والله يعلم إني لبريئة، لا تصدقوني بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمر، والله يعلم أني بريئة، لتصدقني، والله ما أجد لي ولكم مثلا إلا أبا يوسف إذ قال : فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون . ثم تحولت إلى فراشي، وأنا أرجو أن يبرئني الله، ولكن والله ما ظننت أن ينزل في شأني وحيا، ولأنا أحقر في نفسي من أن يتكلم بالقرآن في أمري، ولكني كنتُ أرجو أن يرى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في النوم رؤيا يبرئني الله، فوالله ما رام مجلسه، ولا خرج أُحُدٍ من أهل البيت، حتى أنزل عليه الوحي، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء، حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق في يومِ شات، فلما سري عن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهو يضحك، فكان أول كلمة تكلم بها أن قال لي : ( يا عائشة، احمدي الله، فقد برأك الله ) . فقالتْ لي أمي : قومي إلى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقُلْت : لا والله لا أقوم إليه، ولا أحمد إلا الله، فأنزل الله تعالى : إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم . الآيات، فلما أنزل الله هذا في براءتي، قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه : والله لا أنفق على مسطح شيئا أبدا، بعد ما قال لعائشة . فأنزل الله تعالى : ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة - إلى قوله ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم . فقال أبو بكر : بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح الذي كان يجري عليه . وكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يسأل زينب بنت جحش عن أمري، فقال : ( يا زينب، ما علمت، ما رأيت ) . فقالتْ : يا رسولَ اللهِ، أحمي سمعي وبصري، والله ما علمت عليها إلا خيرا . قالتْ : وهي التي كانت تساميني، فعصمها الله بالورع .
زعموا : أن عائشة قالتْ : كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا أراد أن يخرج سفرا أقرع بين أزواجه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه، فأقرع بيننا في غزاة غزاها، فخرج سهمي فخرجت معه، بعد ما أنزل الحجاب ، فأنا أحمل في هودج وأنزل فيه، فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم من غزوته تلك وقفل، ودنونا من المدينة، آذن ليلة بالرحيل، فقمت حين آذنوا بالرحيل، فمشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت شأني، أقبلت إلى الرحل، فلمست صدري، فإذا عقد لي من جزع أظفار قد انقطع، فرجعت فالتمست عقدي فحبسني ابتغاؤه، فأقبل الذين يرحلون لي، فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنتُ أركب، وهم يحسبون أني فيه، وكان النساء إذ ذاك خفافا لم يثقُلْن، ولم يغشهن اللحم، وإنما يأكلن العلقة من الطعام، فلم يستنكر القوم حين رفعوه ثقُلْ الهودج فاحتملوه، وكنتُ جارية حديثة السن، فبعثوا الجمل وساروا، فوجدت عقدي بعد ما استمر الجيش، فجئت منزلهم وليس فيه أُحُدٍ، فأممت منزلي الذي كنتُ به، فظننت أنهم سيفقدونني فيرجعون إلي، فبينا أنا جالسة غلبتني عيناي فنمت، وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني من وراء الجيش، فأصبح عِندَ منزلي، فرأى سواد إنسان نائم فأتاني، وكان يراني قبل الحجاب ، فاستيقظت باسترجاعه، حين أناخ راحلته، فوطئ يدها فركبتها، فانطلق يقود بي الراحلة، حتى أتيناالجيش بعد ما نزلوا معرسين في نحر الظهيرة، فهلك من هلك، وكان الذي تولى الإفك عبد الله بن أبي ابن سلول، فقدمنا المدينة، فاشتكيت بها شهرا، يفيضون من قول أصحاب الإفك، ويريبني في وجعي : أني لا أرى من النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم اللطف الذي كنتُ أرى منه حين أمرض، وإنما يدخل فيسلم، ثم يقول : ( كيف تيكم ) . لا أشعر بشيء من ذلك حتى نقهت . فخرجت أنا وأم مسطح قبل المناصع، متبرزنا، لا نخرج إلا ليلا إلى ليل، وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريبا من بيوتنا، وأمرنا أمر العرب الأول في البرية، أو في التنزه، فأقبلت أنا وأم مسطح بنت أبي رهم نمشي، فعثرت في مرطها، فقالتْ : تعس مسطح، فقُلْت لها : بئس ما قُلْت، أتسبين رجلًا شهد بدرا، فقالتْ : يا هنتاه ألم تسمعي ما قالوا، فأخبرتني بقول أهل الإفك، فازددت مرضا إلى مرضي، فلما رجعت إلى بيتي، دخل علي رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فسلم، فقال : ( كيف تيكم ) . فقُلْت : ائذن لي إلى أبوي، قالتْ : وأنا حينئذ أريد أن أستيقن الخبر من قبلهما، فأذن لي رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأتيت أبوي، فقُلْت لأمي : ما يتحدث به الناس ؟ فقالتْ : يا بنية، هوني على نفسك الشأن، فوالله لقُلْما كانت امرأة قط وضيئة، عِندَ رجلٌ يحبها، ولها ضرائر، إلا أكثرن عليها . فقُلْت : سبحان الله، ولقد يتحدث الناس بهذا ؟ قالتْ : فبت الليلة حتى أصبحت، لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم، ثم أصبحت فدعا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد، حين استلبث الوحي، يستشيرهما في فراق أهله، فأما أسامة فأشار عليه بالذي يعلم في نفسه من الود لهم، فقال أسامة : أهلك يا رسولَ اللهِ ولا نعلم والله إلا خيرا، وأما علي بن أبي طالب فقال : يا رسولَ اللهِ، لم يضيق الله عليك، والنساء سواها كثير، وسل الجارية تصدقك، فدعا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بريرة، فقال : ( يا بريرة، هل رأيت شيئا يريبك ) . فقالتْ بريرة : لا والذي بعثك بالحق، إن رأيت منها أمرا أغمصه عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن، تنام عن العجين، فتأتي الدواجن فتأكله . فقام رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم من يومَه، فاستعذر من عبد الله بن أبي ابن سلول، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( من يعذرني من رجلٌ بلغني أذاه في أهلي، فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرا، وقد ذكروا رجلًا ما علمت عليه إلا خيرا، وما كان يدخل على أهلي إلا معي ) . فقام سعد بن مُعاذٍ فقال : يا رسولَ اللهِ، أنا والله أعذرك منه : إن كان من الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا فيه أمرك . فقام سعد بن عبادة، وهو سيد الخزرج، وكان قبل ذلك رجلًا صالحا، ولكن احتملته الحمية، فقال : كذبت لعمر الله لا تقتله، ولا تقدر على ذلك . فقام أسيد بن الحضير فقال : كذبت لعمر الله، والله لتقتلنه، فإنك منافق تجادل عن المنافقين . فثار الحيان : الأوس والخزرج، حتى هموا ورسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على المنبر، فنزل فخفضهم، حتى سكتوا وسكت، وبكيت يومَي لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، فأصبح عِندَي أبواي، قد بكيت ليلتين ويومَا، حتى أظن أن البكاء فالق كبدي، قالتْ : فبينا هما جالسان عِندَي وأنا أبكي، إذ استأذنت امرأة من الأنصار فأذنت لها، فجلست تبكي معي، فبينا نحن كذلك إذ دخل رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فجلس ولم يجلس عِندَي من يومَ قيل في ما قيل قبلها، وقد مكث شهرا لا يوحى إليه في شأني شيء، قالتْ : فتشهد، ثم قال : ( يا عائشة، فإنه بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنتُ بريئة فسيبرئك الله، وإن كنتُ ألممت بشيء فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه ) . فلما قضى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مقالتْه قُلْص دمعي حتى ما أحس منه قطرة، وقُلْت لأبي : أجب عني رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال : والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقُلْت لأمي : أجيبي عني رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فيما قال، قالتْ : والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قالتْ : وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيرا من القرآن، فقُلْت : إني والله لقد علمت أنكم سمعتم ما يتحدث به الناس، ووقر في أنفسكم وصدقتم به، ولئن قُلْت لكم إني بريئة، والله يعلم إني لبريئة، لا تصدقوني بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمر، والله يعلم أني بريئة، لتصدقني، والله ما أجد لي ولكم مثلا إلا أبا يوسف إذ قال : فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون . ثم تحولت إلى فراشي، وأنا أرجو أن يبرئني الله، ولكن والله ما ظننت أن ينزل في شأني وحيا، ولأنا أحقر في نفسي من أن يتكلم بالقرآن في أمري، ولكني كنتُ أرجو أن يرى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في النوم رؤيا يبرئني الله، فوالله ما رام مجلسه، ولا خرج أُحُدٍ من أهل البيت، حتى أنزل عليه الوحي، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء، حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق في يومِ شات، فلما سري عن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهو يضحك، فكان أول كلمة تكلم بها أن قال لي : ( يا عائشة، احمدي الله، فقد برأك الله ) . فقالتْ لي أمي : قومي إلى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقُلْت : لا والله لا أقوم إليه، ولا أحمد إلا الله، فأنزل الله تعالى : إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم . الآيات، فلما أنزل الله هذا في براءتي، قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه : والله لا أنفق على مسطح شيئا أبدا، بعد ما قال لعائشة . فأنزل الله تعالى : ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة - إلى قوله ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم . فقال أبو بكر : بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح الذي كان يجري عليه . وكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يسأل زينب بنت جحش عن أمري، فقال : ( يا زينب، ما علمت، ما رأيت ) . فقالتْ : يا رسولَ اللهِ، أحمي سمعي وبصري، والله ما علمت عليها إلا خيرا . قالتْ : وهي التي كانت تساميني، فعصمها الله بالورع .
زعموا : أن عائشة قالتْ : كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا أراد أن يخرج سفرا أقرع بين أزواجه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه، فأقرع بيننا في غزاة غزاها، فخرج سهمي فخرجت معه، بعد ما أنزل الحجاب، فأنا أحمل في هودج وأنزل فيه، فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم من غزوته تلك وقفل، ودنونا من المدينة، آذن ليلة بالرحيل، فقمت حين آذنوا بالرحيل، فمشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت شأني، أقبلت إلى الرحل، فلمست صدري، فإذا عقد لي من جزع أظفار قد انقطع ، فرجعت فالتمست عقدي فحبسني ابتغاؤه، فأقبل الذين يرحلون لي، فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنتُ أركب، وهم يحسبون أني فيه، وكان النساء إذ ذاك خفافا لم يثقُلْن، ولم يغشهن اللحم، وإنما يأكلن العلقة من الطعام، فلم يستنكر القوم حين رفعوه ثقُلْ الهودج فاحتملوه، وكنتُ جارية حديثة السن، فبعثوا الجمل وساروا، فوجدت عقدي بعد ما استمر الجيش، فجئت منزلهم وليس فيه أُحُدٍ، فأممت منزلي الذي كنتُ به، فظننت أنهم سيفقدونني فيرجعون إلي، فبينا أنا جالسة غلبتني عيناي فنمت، وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني من وراء الجيش، فأصبح عِندَ منزلي، فرأى سواد إنسان نائم فأتاني، وكان يراني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه، حين أناخ راحلته، فوطئ يدها فركبتها، فانطلق يقود بي الراحلة، حتى أتيناالجيش بعد ما نزلوا معرسين في نحر الظهيرة، فهلك من هلك، وكان الذي تولى الإفك عبد الله بن أبي ابن سلول، فقدمنا المدينة، فاشتكيت بها شهرا، يفيضون من قول أصحاب الإفك، ويريبني في وجعي : أني لا أرى من النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم اللطف الذي كنتُ أرى منه حين أمرض، وإنما يدخل فيسلم، ثم يقول : ( كيف تيكم ) . لا أشعر بشيء من ذلك حتى نقهت . فخرجت أنا وأم مسطح قبل المناصع، متبرزنا، لا نخرج إلا ليلا إلى ليل، وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريبا من بيوتنا، وأمرنا أمر العرب الأول في البرية، أو في التنزه، فأقبلت أنا وأم مسطح بنت أبي رهم نمشي، فعثرت في مرطها، فقالتْ : تعس مسطح، فقُلْت لها : بئس ما قُلْت، أتسبين رجلًا شهد بدرا، فقالتْ : يا هنتاه ألم تسمعي ما قالوا، فأخبرتني بقول أهل الإفك، فازددت مرضا إلى مرضي، فلما رجعت إلى بيتي، دخل علي رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فسلم، فقال : ( كيف تيكم ) . فقُلْت : ائذن لي إلى أبوي، قالتْ : وأنا حينئذ أريد أن أستيقن الخبر من قبلهما، فأذن لي رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأتيت أبوي، فقُلْت لأمي : ما يتحدث به الناس ؟ فقالتْ : يا بنية، هوني على نفسك الشأن، فوالله لقُلْما كانت امرأة قط وضيئة، عِندَ رجلٌ يحبها، ولها ضرائر، إلا أكثرن عليها . فقُلْت : سبحان الله، ولقد يتحدث الناس بهذا ؟ قالتْ : فبت الليلة حتى أصبحت، لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم، ثم أصبحت فدعا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد، حين استلبث الوحي، يستشيرهما في فراق أهله، فأما أسامة فأشار عليه بالذي يعلم في نفسه من الود لهم، فقال أسامة : أهلك يا رسولَ اللهِ ولا نعلم والله إلا خيرا، وأما علي بن أبي طالب فقال : يا رسولَ اللهِ، لم يضيق الله عليك، والنساء سواها كثير، وسل الجارية تصدقك، فدعا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بريرة، فقال : ( يا بريرة، هل رأيت شيئا يريبك ) . فقالتْ بريرة : لا والذي بعثك بالحق، إن رأيت منها أمرا أغمصه عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن، تنام عن العجين، فتأتي الدواجن فتأكله . فقام رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم من يومَه، فاستعذر من عبد الله بن أبي ابن سلول، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( من يعذرني من رجلٌ بلغني أذاه في أهلي، فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرا، وقد ذكروا رجلًا ما علمت عليه إلا خيرا، وما كان يدخل على أهلي إلا معي ) . فقام سعد بن مُعاذٍ فقال : يا رسولَ اللهِ، أنا والله أعذرك منه : إن كان من الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا فيه أمرك . فقام سعد بن عبادة، وهو سيد الخزرج، وكان قبل ذلك رجلًا صالحا، ولكن احتملته الحمية، فقال : كذبت لعمر الله لا تقتله، ولا تقدر على ذلك . فقام أسيد بن الحضير فقال : كذبت لعمر الله، والله لتقتلنه، فإنك منافق تجادل عن المنافقين . فثار الحيان : الأوس والخزرج، حتى هموا ورسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على المنبر، فنزل فخفضهم، حتى سكتوا وسكت، وبكيت يومَي لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، فأصبح عِندَي أبواي، قد بكيت ليلتين ويومَا، حتى أظن أن البكاء فالق كبدي، قالتْ : فبينا هما جالسان عِندَي وأنا أبكي، إذ استأذنت امرأة من الأنصار فأذنت لها، فجلست تبكي معي، فبينا نحن كذلك إذ دخل رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فجلس ولم يجلس عِندَي من يومَ قيل في ما قيل قبلها، وقد مكث شهرا لا يوحى إليه في شأني شيء، قالتْ : فتشهد، ثم قال : ( يا عائشة، فإنه بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنتُ بريئة فسيبرئك الله، وإن كنتُ ألممت بشيء فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه ) . فلما قضى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مقالتْه قُلْص دمعي حتى ما أحس منه قطرة، وقُلْت لأبي : أجب عني رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال : والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقُلْت لأمي : أجيبي عني رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فيما قال، قالتْ : والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قالتْ : وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيرا من القرآن، فقُلْت : إني والله لقد علمت أنكم سمعتم ما يتحدث به الناس، ووقر في أنفسكم وصدقتم به، ولئن قُلْت لكم إني بريئة، والله يعلم إني لبريئة، لا تصدقوني بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمر، والله يعلم أني بريئة، لتصدقني، والله ما أجد لي ولكم مثلا إلا أبا يوسف إذ قال : فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون . ثم تحولت إلى فراشي، وأنا أرجو أن يبرئني الله، ولكن والله ما ظننت أن ينزل في شأني وحيا، ولأنا أحقر في نفسي من أن يتكلم بالقرآن في أمري، ولكني كنتُ أرجو أن يرى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في النوم رؤيا يبرئني الله، فوالله ما رام مجلسه، ولا خرج أُحُدٍ من أهل البيت، حتى أنزل عليه الوحي، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء، حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق في يومِ شات، فلما سري عن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهو يضحك، فكان أول كلمة تكلم بها أن قال لي : ( يا عائشة، احمدي الله، فقد برأك الله ) . فقالتْ لي أمي : قومي إلى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقُلْت : لا والله لا أقوم إليه، ولا أحمد إلا الله، فأنزل الله تعالى : إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم . الآيات، فلما أنزل الله هذا في براءتي، قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه : والله لا أنفق على مسطح شيئا أبدا، بعد ما قال لعائشة . فأنزل الله تعالى : ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة - إلى قوله ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم . فقال أبو بكر : بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح الذي كان يجري عليه . وكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يسأل زينب بنت جحش عن أمري، فقال : ( يا زينب، ما علمت، ما رأيت ) . فقالتْ : يا رسولَ اللهِ، أحمي سمعي وبصري، والله ما علمت عليها إلا خيرا . قالتْ : وهي التي كانت تساميني، فعصمها الله بالورع .
زعموا : أن عائشة قالتْ : كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا أراد أن يخرج سفرا أقرع بين أزواجه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه، فأقرع بيننا في غزاة غزاها، فخرج سهمي فخرجت معه، بعد ما أنزل الحجاب، فأنا أحمل في هودج وأنزل فيه، فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم من غزوته تلك وقفل، ودنونا من المدينة، آذن ليلة بالرحيل، فقمت حين آذنوا بالرحيل، فمشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت شأني، أقبلت إلى الرحل، فلمست صدري، فإذا عقد لي من جزع أظفار قد انقطع، فرجعت فالتمست عقدي فحبسني ابتغاؤه، فأقبل الذين يرحلون لي، فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنتُ أركب، وهم يحسبون أني فيه، وكان النساء إذ ذاك خفافا لم يثقُلْن، ولم يغشهن اللحم، وإنما يأكلن العلقة من الطعام، فلم يستنكر القوم حين رفعوه ثقُلْ الهودج فاحتملوه، وكنتُ جارية حديثة السن، فبعثوا الجمل وساروا، فوجدت عقدي بعد ما استمر الجيش، فجئت منزلهم وليس فيه أُحُدٍ، فأممت منزلي الذي كنتُ به، فظننت أنهم سيفقدونني فيرجعون إلي، فبينا أنا جالسة غلبتني عيناي فنمت، وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني من وراء الجيش، فأصبح عِندَ منزلي، فرأى سواد إنسان نائم فأتاني، وكان يراني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه، حين أناخ راحلته، فوطئ يدها فركبتها، فانطلق يقود بي الراحلة، حتى أتيناالجيش بعد ما نزلوا معرسين في نحر الظهيرة، فهلك من هلك، وكان الذي تولى الإفك عبد الله بن أبي ابن سلول، فقدمنا المدينة، فاشتكيت بها شهرا، يفيضون من قول أصحاب الإفك، ويريبني في وجعي : أني لا أرى من النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم اللطف الذي كنتُ أرى منه حين أمرض، وإنما يدخل فيسلم، ثم يقول : ( كيف تيكم ) . لا أشعر بشيء من ذلك حتى نقهت . فخرجت أنا وأم مسطح قبل المناصع، متبرزنا، لا نخرج إلا ليلا إلى ليل، وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريبا من بيوتنا، وأمرنا أمر العرب الأول في البرية، أو في التنزه، فأقبلت أنا وأم مسطح بنت أبي رهم نمشي، فعثرت في مرطها، فقالتْ : تعس مسطح ، فقُلْت لها : بئس ما قُلْت، أتسبين رجلًا شهد بدرا، فقالتْ : يا هنتاه ألم تسمعي ما قالوا، فأخبرتني بقول أهل الإفك، فازددت مرضا إلى مرضي، فلما رجعت إلى بيتي، دخل علي رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فسلم، فقال : ( كيف تيكم ) . فقُلْت : ائذن لي إلى أبوي، قالتْ : وأنا حينئذ أريد أن أستيقن الخبر من قبلهما، فأذن لي رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأتيت أبوي، فقُلْت لأمي : ما يتحدث به الناس ؟ فقالتْ : يا بنية، هوني على نفسك الشأن، فوالله لقُلْما كانت امرأة قط وضيئة، عِندَ رجلٌ يحبها، ولها ضرائر، إلا أكثرن عليها . فقُلْت : سبحان الله، ولقد يتحدث الناس بهذا ؟ قالتْ : فبت الليلة حتى أصبحت، لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم، ثم أصبحت فدعا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد، حين استلبث الوحي، يستشيرهما في فراق أهله، فأما أسامة فأشار عليه بالذي يعلم في نفسه من الود لهم، فقال أسامة : أهلك يا رسولَ اللهِ ولا نعلم والله إلا خيرا، وأما علي بن أبي طالب فقال : يا رسولَ اللهِ، لم يضيق الله عليك، والنساء سواها كثير، وسل الجارية تصدقك، فدعا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بريرة، فقال : ( يا بريرة، هل رأيت شيئا يريبك ) . فقالتْ بريرة : لا والذي بعثك بالحق، إن رأيت منها أمرا أغمصه عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن، تنام عن العجين، فتأتي الدواجن فتأكله . فقام رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم من يومَه، فاستعذر من عبد الله بن أبي ابن سلول، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( من يعذرني من رجلٌ بلغني أذاه في أهلي، فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرا، وقد ذكروا رجلًا ما علمت عليه إلا خيرا، وما كان يدخل على أهلي إلا معي ) . فقام سعد بن مُعاذٍ فقال : يا رسولَ اللهِ، أنا والله أعذرك منه : إن كان من الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا فيه أمرك . فقام سعد بن عبادة، وهو سيد الخزرج، وكان قبل ذلك رجلًا صالحا، ولكن احتملته الحمية، فقال : كذبت لعمر الله لا تقتله، ولا تقدر على ذلك . فقام أسيد بن الحضير فقال : كذبت لعمر الله، والله لتقتلنه، فإنك منافق تجادل عن المنافقين . فثار الحيان : الأوس والخزرج، حتى هموا ورسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على المنبر، فنزل فخفضهم، حتى سكتوا وسكت، وبكيت يومَي لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، فأصبح عِندَي أبواي، قد بكيت ليلتين ويومَا، حتى أظن أن البكاء فالق كبدي، قالتْ : فبينا هما جالسان عِندَي وأنا أبكي، إذ استأذنت امرأة من الأنصار فأذنت لها، فجلست تبكي معي، فبينا نحن كذلك إذ دخل رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فجلس ولم يجلس عِندَي من يومَ قيل في ما قيل قبلها، وقد مكث شهرا لا يوحى إليه في شأني شيء، قالتْ : فتشهد، ثم قال : ( يا عائشة، فإنه بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنتُ بريئة فسيبرئك الله، وإن كنتُ ألممت بشيء فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه ) . فلما قضى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مقالتْه قُلْص دمعي حتى ما أحس منه قطرة، وقُلْت لأبي : أجب عني رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال : والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقُلْت لأمي : أجيبي عني رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فيما قال، قالتْ : والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قالتْ : وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيرا من القرآن، فقُلْت : إني والله لقد علمت أنكم سمعتم ما يتحدث به الناس، ووقر في أنفسكم وصدقتم به، ولئن قُلْت لكم إني بريئة، والله يعلم إني لبريئة، لا تصدقوني بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمر، والله يعلم أني بريئة، لتصدقني، والله ما أجد لي ولكم مثلا إلا أبا يوسف إذ قال : فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون . ثم تحولت إلى فراشي، وأنا أرجو أن يبرئني الله، ولكن والله ما ظننت أن ينزل في شأني وحيا، ولأنا أحقر في نفسي من أن يتكلم بالقرآن في أمري، ولكني كنتُ أرجو أن يرى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في النوم رؤيا يبرئني الله، فوالله ما رام مجلسه، ولا خرج أُحُدٍ من أهل البيت، حتى أنزل عليه الوحي، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء، حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق في يومِ شات، فلما سري عن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهو يضحك، فكان أول كلمة تكلم بها أن قال لي : ( يا عائشة، احمدي الله، فقد برأك الله ) . فقالتْ لي أمي : قومي إلى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقُلْت : لا والله لا أقوم إليه، ولا أحمد إلا الله، فأنزل الله تعالى : إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم . الآيات، فلما أنزل الله هذا في براءتي، قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه : والله لا أنفق على مسطح شيئا أبدا، بعد ما قال لعائشة . فأنزل الله تعالى : ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة - إلى قوله ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم . فقال أبو بكر : بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح الذي كان يجري عليه . وكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يسأل زينب بنت جحش عن أمري، فقال : ( يا زينب، ما علمت، ما رأيت ) . فقالتْ : يا رسولَ اللهِ، أحمي سمعي وبصري، والله ما علمت عليها إلا خيرا . قالتْ : وهي التي كانت تساميني، فعصمها الله بالورع .