نتائج البحث عن
«جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ؛ فقال: إني لا أستطيع أن آخذ شيئا من»· 17 نتيجة
الترتيب:
جاءَ رجلٌ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقالَ إنِّي لا أستطيعُ أنْ آخذَ مِنَ القرآنِ شيئًا فعلمَنِي ما يجزِينِي مِنْهُ فقالَ بسمِ اللهِ والحمدِ للهِ ولا إلهَ إلا اللهُ واللهُ أكبرُ
جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئاً فعلمني ما يجزئني منه؟ قال: بسم الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر... الحديث
جاءَ رجلٌ إلى النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ، فَقالَ : إنِّي لا أستطيعُ أن آخذَ شيئًا منَ القرآنِ فعلِّمني شيئًا يُجزئُني منَ القرآنِ. فقالَ: قُل: سُبحانَ اللَّهِ ، والحمدُ للَّهِ ، ولا إلَهَ إلَّا اللَّهِ ، واللَّهُ أَكْبرُ ، ولا حولَ ولا قوَّةَ إلَّا باللَّهِ
جاءَ رجلٌ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّمَ فقالَ : إنِّي لا أستطيعُ أن آخذَ شيئًا منَ القرآنِ فعلِّمني ما يُجزئُني . فقالَ : قُل : سُبحانَ اللَّهِ ، والحمدُ للَّهِ ، ولا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، واللَّهُ أَكْبرُ ، ولا حولَ ولا قوَّةَ إلَّا باللَّهِ
جاءَ رجلٌ إلى النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّم، فقال: إنِّي لَا أستطيعُ أن آخُذَ شيئًا منَ القرآنِ، فعلِّمني شيئًا يُجزئُ منَ القرآنِ، قال: قُل سبحانَ اللَّهِ، والحمدُ للَّهِ، ولا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، واللَّهُ أَكْبر، ولَا حولَ ولَا قوَّةَ إلَّا باللَّهِ .
جاءَ رجلٌ إلى النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّم، فقال: إنِّي لَا أستطيعُ أن آخُذَ شيئًا منَ القرآنِ، فعلِّمني شيئًا يُجزئُ منَ القرآنِ، قال: قُل سبحانَ اللَّهِ ، والحمدُ للَّهِ ، ولا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، واللَّهُ أَكْبر، ولَا حولَ ولَا قوَّةَ إلَّا باللَّهِ.
جاءَ رجلٌ إلى النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّم، فقال: إنِّي لَا أستطيعُ أن آخُذَ شيئًا منَ القرآنِ، فعلِّمني شيئًا يُجزئُ منَ القرآنِ، قال: قُل سبحانَ اللَّهِ، والحمدُ للَّهِ، ولا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، واللَّهُ أَكْبر، ولَا حولَ ولَا قوَّةَ إلَّا باللَّهِ.
جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إني لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئا ، فعلمني ما يجزئني منه ، فقال : قل : سبحان الله ، والحمد الله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم
جاءَ رجلٌ إلى النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ فقالَ إنِّي لا أستطيعُ أن آخذَ منَ القرآنِ شيئًا فعلِّمني ما يجزِئني قالَ قل سبحانَ اللَّهِ والحمدُ للَّهِ ولا إلَه إلَّا اللَّهُ واللَّهُ أَكبرُ ولا حولَ ولا قوَّةَ إلَّا باللَّهِ قالَ يا رسولَ اللَّهِ هذا للَّهِ فما لي قالَ قل اللَّهمَّ ارحمني وعافِني واهدني وارزقني
جاءَ رجلٌ إلى النَّبيِّ - صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ - فقالَ إنِّي لا أستطيعُ أن آخُذَ منَ القرآنِ شيئًا فعلِّمني ما يجزئُني قالَ قُل سبحانَ اللَّهِ والحمدُ للَّهِ ولا إلَهَ إلَّا اللَّهُ واللَّهُ أَكْبرُ ولا حولَ ولا قوَّةَ إلَّا باللَّهِ قالَ : يا رسولَ اللَّهِ هذا للَّهِ فما لي قالَ قُلِ اللَّهمَّ ارحَمني وعافِني واهدِني ، وارزُقني
جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إني لا أستطيع أن آخذ شيئاً من القرآن فعلمني شيئاً يجزئني من القرآن قال قل سبحان الله والحمد لله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله زاد أبو داود قال يا رسول الله هذا لله فما لي قال قل اللهم ارحمني وعافني واهدني وارزقني فلما قام قال هكذا بيده قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أما هذا فقد ملأ يديه من الخير
جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إني لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئا فعلمني ما يجزئني منه قال قل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بًالله العلي العظيم قال يا رسول اللهِ هذا لله عز وجل فما لي قال قل اللهم ارحمني وارزقني وعافني واهدني فلما قام قال هكذا بيده فقال رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم أما هذا فقد ملأ يده من الخير
جاءَ رجلٌ إلى النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ فقالَ: إنِّي لا أستَطيعُ أن آخذَ منَ القرآنِ شيئًا فعلِّمني ما يُجزئُني منهُ، قالَ: قُل: سُبحانَ اللَّهِ، والحمدُ للَّهِ، ولا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، واللَّهُ أَكْبرُ، ولا حَولَ ولا قوَّةَ إلَّا باللَّهِ العليِّ العظيمِ، قالَ: يا رسولَ اللَّهِ، هذا للَّهِ عزَّ وجلَّ فَما لي، قالَ: قُل: اللَّهمَّ ارحَمني وارزُقني وعافِني واهدِني، فلمَّا قامَ قالَ: هَكَذا بيدِهِ فقالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ: أمَّا هذا فقد ملأَ يدَهُ منَ الخيرِ
جاء رجلٌ إلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فقال إني لا أستطيعُ أن آخذَ شيئًا من القرآنِ فعلِّمْني ما يُجزئُني فقال قلْ سبحان اللهِ والحمدُ لله ولا إله إلا اللهُ واللهُ أكبرُ ولا حولَ ولا قُوَّةَ إلا بالله قال يا رسولَ اللهِ هذا للهِ عزَّ وجلَّ فما لي قال قل اللهمَّ اغفِرْ لي وارحمْني وارزقْني وعافني واهدِني فلما قام قال هكذا بيده وفي رواية فعدَّهنَّ الرجلُ في يده عشرًا فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أما هذا فقد ملأ يدَه وفي الروايةِ الأخرى يدَيه من الخيرِ
جاءَ رجلٌ إلى النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ فقالَ : إنِّي لا أستطيعُ أن آخذَ منَ القرآنِ شيئًا فعلِّمني ما يجزِئني منهُ . قالَ : قل : سبحانَ اللَّهِ والحمدُ للَّهِ ولا إلَه إلَّا اللَّهُ واللَّهُ أَكبرُ ولا حولَ ولا قوَّةَ إلَّا باللَّهِ ، قالَ : يا رسولَ اللَّهِ هذا للَّهِ عزَّ وجلَّ فماذا لي ؟ قالَ : قل : اللَّهمَّ ارحمني وارزقني وعافِني واهدني . زاد في روايةٍ : واغفِر لي . فلمَّا قامَ قالَ هَكذا بيدِه . وفي لفظٍ : فعدَّهُنَّ الرجلُ في يدِه عشرًا ، فقالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ : أمَّا هذا فقد ملأَ يدَيهِ منَ الخيرِ
أنَّ رجُلَيْنِ من أَهْلِ الكوفةِ كانا صديقينِ لزَيدِ بنِ صوحانَ أتياهُ ليُكَلِّمَ لَهُما سَلمانَ أن يحدِّثَهُما حديثَهُ كيفَ كانَ إسلامُهُ فأقبلا معَهُ حتَّى لقَوا سَلمانَ ، وَهوَ بالمدائنِ أميرًا عليها ، وإذا هوَ على كرسيٍّ قاعدٍ ، وإذا خوصٌ بينَ يديهِ وَهوَ يسُفُّهُ ، قالا : فسلَّمنا وقَعدنا ، فقالَ لَهُ زيدٌ : يا أبا عبدِ اللَّهِ ، إنَّ هذينِ لي صديقانِ ولَهُما أخٌ ، وقد أحبَّا أن يسمَعا حديثَكَ كيفَ كانَ بَدؤُ إسلامِكَ ؟ قالَ : فقالَ سلمانُ : كنتُ يتيمًا من رامَ هُرمزَ ، وَكانَ ابنُ دِهْقانَ هُرمزَ يختلفُ إلى مُعلَّمٍ يعلِّمُهُ ، فلَزِمْتُهُ لأَكونَ في كَنفِهِ ، وَكانَ لي أخٌ أَكْبرَ منِّي وَكانَ مُستغنيًا بنفسِهِ ، وَكُنتُ غلامًا قصيرًا ، وَكانَ إذا قامَ مِن مَجلسِهِ تفرَّقَ مَن يحفِّظُهُم ، فإذا تفرَّقوا خَرجَ فيضعُ بثوبِهِ ، ثمَّ صعِدَ الجبلَ ، وَكانَ يفعلُ ذلِكَ غيرَ مرَّةٍ متنَكِّرًا ، قالَ : فقلتُ لَهُ : إنَّكَ تفعلُ كذا وَكَذا ، فلِمَ لا تَذهبُ بي معَكَ ؟ قالَ : أنتَ غلامٌ ، وأخافُ أن يظهرَ منكَ شيءٌ ، قالَ : قُلتُ : لا تخَفْ ، قالَ : فإنَّ في هذا الجبلِ قومًا في بِرطيلِهِم لَهُم عبادةٌ ، ولَهُم صلاحٌ يذكُرونَ اللَّهَ تعالى ، ويذكُرونَ الآخرةَ ، ويزعُمونَنا عبَدةَ النِّيرانِ ، وعَبدةَ الأوثانِ ، وأَنا على دينِهِم ، قالَ : قلتُ فاذهب بي معَكَ إليهم ، قالَ : لا أقدرُ على ذلِكَ حتَّى أستأمرُهُم ، وأَنا أخافُ أن يظهرَ منكَ شيءٌ ، فيعلمُ أبي فيقتلُ القومَ فيَكونُ هلاكُهُم عَلى يَدي ، قالَ : قلتُ : لن يظهرَ منِّي ذلِكَ ، فاستَأمِرْهُم منِّي فاستأمرَهُم فأتاهُم ، فقالَ : غلامٌ عندي يتيمٌ فأحبَّ أن يأتيَكُم ويسمعَ كلامَكُم ، قالوا : إن كُنتَ تثقُ بِهِ ، قالَ : أرجو أن لا يجيءَ منهُ إلَّا ما أحبُّ ، قالوا : فجيءَ بِهِ ، فقالَ لي : لقدِ استأذنتُ في أن تجيءَ مَعي ، فإذا كانتِ السَّاعةُ الَّتي رأيتَني أخرجُ فيها فأتِني ، ولا يعلمْ بِكَ أحدٌ ، فإنَّ أبي إن علمَ بِهِم قتلَهُم ، قالَ : فلمَّا كانتِ السَّاعةُ الَّتي يخرجُ تَبِعْتُهُ فصعِدنا الجبلَ ، فانتَهَينا إليهِم ، فإذا هم في برطيلِهِم قالَ عليٌّ : وأُراهُ ، قالَ : وَهُم ستَّةٌ أو سبعةٌ ، وقالَ : وَكَأنَّ الرُّوحَ قد خرجَ منهم منَ العبادةِ يصومونَ النَّهارَ ، ويقومونَ اللَّيلَ ، ويأكُلونَ عندَ السَّحرِ ، ما وجَدوا ، فقَعدنا إليهِم ، فأثنى الدِّهقانُ على حَبرٍ ، فتَكَلَّموا ، فحَمِدوا اللَّهَ ، وأثنَوا عليهِ ، وذَكَروا مَن مضى منَ الرُّسلِ والأنبياءِ حتَّى خلَصوا إلى ذِكْرِ عِيسى بنِ مريمَ عليهِما السَّلامُ ، فقالوا : بعثَ اللَّهُ تعالى عيسى عليهِ السَّلامُ رسولًا وسخَّرَ لَهُ ما كانَ يفعلُ من إحياءِ المَوتى ، وخَلقِ الطَّيرِ ، وإبراءِ الأَكْمَهِ ، والأبرصِ ، والأعمَى ، فَكَفرَ بِهِ قومٌ وتبعَهُ قومٌ ، وإنَّما كانَ عبدَ اللَّهِ ورسولَهُ ابتَلى بِهِ خلقَهُ ، قالَ : وقالوا قبلَ ذلِكَ : يا غلامُ ، إنَّ لَكَ لَربًّا ، وإنَّ لَكَ معادًا ، وإنَّ بينَ يديكَ جنَّةً وَنارًا ، إليهِما تَصيرونَ ، وإنَّ هؤلاءِ القومَ الَّذينَ يعبُدونَ النِّيرانَ أَهْلُ كُفرٍ وضلالةٍ لا يرضى اللَّهُ ما يَصنعونَ وليسوا على دينٍ ، فلمَّا حَضرتِ السَّاعةُ الَّتي ينصرِفُ فيها الغلامُ انصرفَ وانصرفتُ معَهُ ، ثمَّ غدونا إليهم فقالوا مثلَ ذلِكَ وأحسنَ ، ولَزِمْتُهم فقالوا لي يا سلمانُ : إنَّكَ غلامٌ ، وإنَّكَ لا تَستطيعُ أن تصنعَ كما نصنعُ فصلِّ ونم وَكُل واشرَب ، قالَ : فاطَّلعَ الملِكُ على صَنيعِ ابنِهِ فرَكِبَ في الخيلِ حتَّى أتاهُم في برطيلِهِم ، فقالَ : يا هؤلاءِ ، قد جاوَرتُموني فأحسَنتُ جوارَكُم ، ولم تَروا منِّي سوءًا فعَمدتُمْ إلى ابني فأفسدتُموهُ عليَّ قد أجَّلتُكُم ثلاثًا ، فإن قدَرتُ عليكُم بعدَ ثلاثٍ أحرقتُ عليكُم برطيلَكُم هذا ، فالحقوا ببلادِكُم ، فإنِّي أَكْرَهُ أن يَكونَ منِّي إليكم سوءٌ ، قالوا : نعَم ، ما تعمَّدنا مساءتَكَ ، ولا أردنا إلَّا الخيرَ ، فَكَفَّ ابنُهُ عن إتيانِهِم . فقُلتُ لَهُ : اتَّقِ اللَّهِ ، فإنَّكَ تعرفُ أنَّ هذا الدِّينَ دينُ اللَّهِ ، وأنَّ أباكَ ونحنُ على غيرِ دينٍ إنَّما هُم عبدةُ النَّارِ لا يعبُدونَ اللَّهَ ، فلا تبِع آخرتَكَ بدينِ غيرِكَ ، قالَ : يا سَلمانُ ، هوَ كما تقولُ : وإنَّما أتخلَّفُ عنِ القومِ بغيًا عليهِم إن تَبِعْتُ القومَ طلبَني أبي في الجبَلِ وقد خرجَ في إتياني إيَّاهم حتَّى طردَهُم ، وقد أعرفُ أنَّ الحقَّ في أيديهِم فأتيتُهُم في اليومِ الَّذي أرادوا أن يرتَحلوا فيهِ ، فقالوا : يا سلمانُ : قد كنَّا نحذرُ مَكانَ ما رأيتَ فاتَّقِ اللَّهَ تعالى واعلَم أنَّ الدِّينَ ما أوصيناكَ بِهِ ، وأنَّ هؤلاءِ عبدةُ النِّيرانِ لا يعرفونَ اللَّهَ تعالى ولا يذكرونَهُ ، فلا يخدعنَّكَ أحدٌ عن دينِكَ قلتُ : ما أَنا بمفارقُكُم ، قالوا : أنتَ لا تقدرُ أن تَكونَ معَنا نصومُ النَّهارَ ، ونقومُ اللَّيلَ وَنَأْكلُ عندَ السَّحرِ ما أصبنا وأنتَ لا تستطيعُ ذلِكَ ، قالَ : فقلتُ : لا أفارقَكُم ، قالوا : أنتَ أعلمُ وقد أعلمناكَ حالَنا ، فإذا أتيتَ خذ مقدارَ حملٍ يَكونُ معَكَ شيءٌ تأكلُهُ ، فإنَّكَ لا تستطيعُ ما نستطيعُ بحقٍّ قالَ : ففعلتُ ولقيَنا أخي فعرَضتُ عليهِ ، ثمَّ أتيتُهُم يمشونَ وأمشي معَهُم فرزقَ اللَّهُ السَّلامةَ حتَّى قدِمنا الموصِلَ فأتينا بيعةً بالموصِلِ ، فلمَّا دخلوا احتفُّوا بِهِم وقالوا : أينَ كنتُمْ ؟ قالوا : كنَّا في بلادٍ لا يذكُرونَ اللَّهَ تعالى فيها عبدةُ النِّيرانِ ، وَكُنَّا نعبدُ اللَّهَ فطرَدونا ، فقالوا : ما هذا الغلامُ ؟ فطفِقوا يُثنونَ عليَّ ، وقالوا : صحِبَنا من تلكَ البلادِ فلم نرَ منهُ إلَّا خيرًا ، قالَ سَلمانُ فوَ اللَّهِ : إنَّهم لَكَذلِكَ إذا طلعَ عليهم رجلٌ من كَهْفِ جبلٍ ، قالَ : فجاءَ حتَّى سلَّمَ وجلسَ فحفُّوا بِهِ وعظَّموهُ أصحابي الَّذينَ كنتُ معَهُم وأحدَقوا بِهِ ، فقالَ : أينَ كنتُمْ ؟ فأخبروهُ ، فقالَ : ما هذا الغلامُ معَكُم ؟ فأثنوا عليَّ خيرًا وأخبروهُ باتِّباعي إيَّاهم ، ولم أرَ مثلَ إعظامِهِم إيَّاهُ ، فحمدَ اللَّهَ وأثنى عليهِ ، ثمَّ ذَكَرَ من رسلِهِ وأنبيائِهِ وما لقوا ، وما صنعَ بِهِ وذَكَرَ مولدَ عيسى بنِ مريمَ عليهِ السَّلامُ ، وأنَّهُ ولدَ بغيرِ ذَكَرٍ فبعثَهُ اللَّهُ عزَّ وجلَّ رسولًا ، وأحيى على يديهِ الموتى ، وأنَّهُ يخلقُ منَ الطِّينِ كَهَيئةِ الطَّيرِ ، فينفخُ فيهِ فيَكونُ طيرًا بإذنِ اللَّهِ وأنزلَ عليهِ الإنجيلَ وعلَّمَهُ التَّوراةَ ، وبعثَهُ رسولًا إلى بَني إسرائيلَ فَكَفرَ بِهِ قومٌ وآمنَ بِهِ قومٌ ، وذَكَرَ بعضَ ما لقيَ عيسى ابنُ مريمَ ، وأنَّهُ كانَ عبدَ اللَّهِ أنعمَ اللَّهُ عليهِ فشَكَرَ ذلِكَ لَهُ ورضيَ اللَّهُ عنهُ حتَّى قبضَهُ اللَّهُ عزَّ وجلَّ وَهوَ يعظُهُم ويقولُ : اتَّقوا اللَّهَ والزَموا ما جاءَ بِهِ عيسى عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ، ولا تخالِفوا فيخالفُ بِكُم ، ثمَّ قالَ : مَن أرادَ أن يأخذَ من هذا شيئًا ، فليأخذ فجعلَ الرَّجلُ يقومُ فيأخذُ الجرَّةَ منَ الماءِ والطَّعامِ فقامَ أصحابي الَّذينَ جئتُ فسلَّموا عليهِ وعظَّموهُ وقالَ لَهُمُ : الزَموا هذا الدِّينَ وإيَّاكم أن تفرَّقوا واستَوصوا بِهَذا الغلامِ خيرًا ، وقالَ لي : يا غلامُ هذا دينُ اللَّهِ الَّذي تَسمعُني أقولُهُ وما سواهُ الكفرُ ، قالَ : قلتُ : ما أَنا بِمفارقِكَ ، قالَ : إنَّكَ لا تستطيعُ أن تَكونَ معي إنِّي لا أخرجُ من كَهْفي هذا إلَّا كلَّ يومِ أحَدٍ ، ولا تقدرُ على الكَينونةِ معي ، قالَ : وأقبلَ علَى أصحابِهِ ، فقالوا : يا غلامُ ، إنَّكَ لا تَستطيعُ أن تَكونَ معَهُ ، قلتُ : ما أَنا بمفارقِكَ ، قالَ لَهُ أصحابُهُ : يا فلانُ ، إنَّ هذا غلامٌ ويخافُ عليهِ ، فقالَ لي : أنتَ أعلمُ ، قلتُ : فإنِّي لا أفارقُكَ ، فبَكَى أصحابي الأوَّلونَ الَّذينَ كنتُ معَهُم عندَ فراقِهِم إيَّايَ ، فقالَ : يا غُلامُ ، خُذ من هذا الطَّعامِ ما ترى أنَّهُ يَكْفيكَ إلى الأحَدِ الآخرِ ، وخذ منَ الماءِ ما تَكْتفي بِهِ ، ففعلتُ فما رأيتُهُ نائمًا ولا طاعمًا إلَّا راكعًا وساجدًا إلى الأحَدِ الآخرِ ، فلمَّا أصبَحنا ، قالَ لي : خذ جَرَّتَكَ هذِهِ وانطلِق فخرجتُ معَهُ أتبعُهُ حتَّى انتَهَينا إلى الصَّخرةِ ، وإذا هم قد خرَجوا من تلكَ الجبالِ ينتَظرونَ خروجَهُ فقَعدوا وعادَ في حديثِهِ نحوَ المرَّةِ الأولى ، فقالَ : الزَموا هذا الدِّينَ ولا تفرَّقوا ، واذكُروا اللَّهَ واعلَموا أنَّ عيسى ابنَ مريمَ عليهما الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ عبدَ اللَّهِ تعالى أنعمَ اللَّهُ عليهِ ، ثمَّ ذَكَرَني ، فقالوا لَهُ : يا فلانُ كيفَ وجدتَ هذا الغلامَ ؟ فأثنَى عليَّ ، وقالَ خيرًا : فحمِدوا اللَّهَ تعالى ، وإذا خبزٌ كثيرٌ ، وماءٌ كثيرٌ فأخَذوا وجعلَ الرَّجلُ يأخذُ ما يَكْتفي بِهِ ، وفعَلتُ فتفرَّقوا في تلكَ الجبالِ ورجعَ إلى كَهْفِهِ ورجعتُ معَهُ فلبِثنا ما شاءَ اللَّهُ يخرجُ في كلِّ يومٍ أحدٍ ، ويخرجونَ معَهُ ويحفُّونَ بِهِ ويوصيهِم بما كانَ يوصيهم بِهِ فخرجَ في أَحدٍ ، فلمَّا اجتمعوا حمدَ اللَّهَ تعالى ووعظَهُم وقالَ : مثلَ ما كانَ يقولُ لَهُم ، ثمَّ قالَ لَهُم آخرَ ذلِكَ : يا هؤلاءِ إنَّهُ قد كبِرَ سنِّي ، ورقَّ عَظمي ، وقرُبَ أجلي ، وأنَّهُ لا عَهْدَ لي بِهَذا البيتِ منذُ كذا وَكَذا ، ولا بدَّ من إتيانِهِ فاستَوصوا بِهَذا الغلامِ خيرًا ، فإنِّي رأيتُهُ لا بأسَ بِهِ ، قالَ : فجزِعَ القومُ فما رأيتُ مثلَ جزعِهِم ، وقالوا : يا فلانُ ، أنتَ كبيرٌ فأنتَ وحدَكَ ، ولا تَأمنُ مِن أن يصيبَكَ شيءٌ يساعدُكَ أحوَجُ ما كنَّا إليكَ ، قالَ : لا تراجِعوني ، لا بدَّ منَ اتِّباعِهِ ، ولَكِنِ استَوصوا بِهَذا الغلامِ خيرًا وافعَلوا وافعَلوا ، قالَ : فقلتُ : ما أَنا بمفارقِكَ ، قالَ : يا سلمانُ قد رأيتَ حالي وما كنتُ عليهِ وليسَ هذا كذلِكَ أَنا أمشي أصومُ النَّهارَ وأقومُ اللَّيلَ ، ولا أستَطيعُ أن أحملَ معي زادًا ولا غيرَهُ وأنتَ لا تقدرُ على هذا قلتُ ما أَنا بمفارقِكَ ، قالَ : أنتَ أعلَمُ ، قالَ : فقالوا : يا فلانُ ، فإنَّا نخافُ على هذا الغلامِ ، قالَ : فَهوَ أعلمُ قد أعلَمتَهُ الحالَ وقد رأَى ما كانَ قبلَ هذا قلتُ : لا أفارقُكَ ، قالَ : فبَكَوا وودَّعوهُ وقالَ لَهُمُ : اتَّقوا اللَّهَ وَكونوا على ما أوصيتُكُم بِهِ فإن أعِش فعليَّ أرجعُ إليكم ، وإن متُّ فإنَّ اللَّهَ حيٌّ لا يموتُ فسلَّمَ عليهم وخرَجَ وخرجتُ معَهُ ، وقالَ لي : أحملُ معَكَ من هذا الخبزِ شيئًا تأكلُهُ فخرجَ وخرجتُ معَهُ يمشي وأتَّبعُهُ بذكرِ اللَّهَ تعالى ولا يلتفتُ ولا يقِفُ على شيءٍ حتَّى إذا أمسَينا ، قالَ : يا سلمانُ ، صلِّ أنتَ ونم وَكُل واشرب ثمَّ قامَ وَهوَ يصلِّي حتَّى انتَهَيا إلى بيتِ المقدسِ ، وَكانَ لا يرفعُ طرفَهُ إلى السَّماءِ حتَّى أتينا إلى بابِ المسجدِ ، وإذا على البابِ مُقعدٌ ، فقالَ : يا عبدَ اللَّهِ ، قد ترى حالي فتصدَّقْ عليَّ بشيءٍ فلم يلتفِت إليهِ ودخلَ المسجدَ ودخلتُ معَهُ فجعلَ يتبعُ أمكِنةً منَ المسجدِ فصلَّى فيها ، فقالَ : يا سلمانُ إنِّي لم أنَم منذُ كذا وَكَذا ولم أجِد طعمَ النَّومِ ، فإن فعلتَ أن توقظَني إذا بلغَ الظِّلُّ مَكانَ كذا وَكَذا نِمتُ ، فإنِّي أحبُّ أن أَنامَ في هذا المسجدِ وإلَّا لم أنَم ، قالَ : قلتُ فإنِّي أفعلُ ، قالَ : فإذا بلغَ الظِّلُّ مَكانَ كذا وَكَذا فأيقِظني إذا غلبَتني عَيني فَنامَ فقلتُ في نفسي : هذا لم ينَم مذ كذا وَكَذا وقد رأيتُ بعضَ ذلِكَ لأدعنَّهُ يَنامُ حتَّى يَشتفيَ منَ النَّومِ ، قالَ : وَكانَ فيما يمشي وأَنا معَهُ يقبلُ عليَّ فيعطيني ويخبرُني أنَّ لي ربًّا وبينَ يديَّ جنَّةً وَنارًا وحسابًا ويعلِّمُني ويذكرُ نحوَ ما يذكرُ القومُ يومَ الأحَدِ حتَّى قالَ فيما يقولُ : يا سلمانُ إنَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ سوفَ يبعثُ رسولًا اسمُهُ أحمدُ يخرجُ بتُهْمةَ - وَكانَ رجلًا أعجمٍيًّا لا يحسِنُ القولَ - علامتُهُ أنَّهُ يأكلُ الهديَّةَ ولا يأكلُ الصَّدقةَ بينَ كتفيهِ خاتمٌ وَهَذا زمانُهُ الَّذي يخرُجُ فيهِ قد تقاربَ فأمَّا أَنا فإنِّي شيخٌ كبيرٌ ولا أحسَبُني أدرِكُهُ فإن أدرَكْتَهُ أنتَ فصدِّقهُ واتَّبِعْهُ ، قالَ : قلتُ وإن أمرَني بتَركِ دينِكَ وما أنتَ عليهِ ، قالَ : اترُكْهُ فإنَّ الحقَّ فيما يأمرُ بِهِ ورِضى الرَّحمنِ فيما قالَ : فلم يمضِ إلَّا يسيرًا حتَّى استَيقظَ فزعًا يذكرُ اللَّهَ تعالى ، فقالَ لي : يا سلمانُ ، مضَى الفيءُ من هذا المَكانِ ولم أذكُر أينَ ما كنتَ جعلتَ على نفسِكَ ، قالَ : أخبرتَني أنَّكَ لم تنَم منذُ كذا وَكَذا وقد رأيتُ بعضَ ذلِكَ فأحبَبتُ أن تشتفيَ منَ النَّومِ فحمِدَ اللَّهَ تعالى وقامَ فخرجَ وتَبِعْتُهُ فمرَّ بالمُقعدِ ، فقالَ المُقعدُ : يا عبدَ اللَّهِ دخلتَ فسألتُكَ فلم تُعطِني وخرجتَ فسألتُكَ فلم تُعطِني فقامَ ينظرُ هل يَرى أحدًا فلَم يرَهُ فدَنا منهُ فقالَ لَهُ : ناوِلني فَناولَهُ ، فقالَ : بِسمِ اللَّهِ فقامَ كأنَّهُ أُنشِطَ من عقالٍ صحيحًا لا عَيبَ بِهِ فخلا عَن بعدِهِ ، فانطلقَ ذاهبًا فَكانَ لا يلوي علَى أحدٍ ولا يقومُ عليهِ ، فقالَ لي المُقعدُ : يا غلامُ احمل عليَّ ثيابي حتَّى أنطلقَ فأسيرَ إلى أَهْلي فحملتُ عليهِ ثيابَهُ وانطلقَ لا يَلوي عليَّ فخرجتُ في أثرِهِ أطلبُهُ ، فَكُلَّما سألتُ عنهُ قالوا : أمامَكَ حتَّى لقيَني رَكْبٌ من كَلبٍ ، فسألتُهُم : فلمَّا سَمعوا الفتَى أَناخَ رجلٌ منهم لي بعيرَهُ فحملَني خلفَهُ حتَّى أتوا بلادَهُم فباعوني فاشتَرتني امرأةٌ منَ الأنصارِ فجعَلتني في حائطٍ بِها وقدِمَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ ، فأخبرتُ بِهِ فأخذتُ شيئًا من تمرِ حائطي فجعلتُهُ علَى شيءٍ ، ثمَّ أتيتُهُ فوجدتُ عندَهُ ناسًا ، وإذا أبو بَكْرٍ أقربُ النَّاسِ إليهِ فوضعتُهُ بينَ يديهِ ، وقالَ ما هذا ؟ قلتُ : صدقةٌ ، قالَ للقومِ : كُلوا ، ولم يأكُلْ ، ثمَّ لَبِثْتُ ما شاءَ اللَّهُ ، ثمَّ أخذتُ مثلَ ذلِكَ فجَعلتُ على شيءٍ ، ثمَّ أتيتُهُ فوجدتُ عندَهُ ناسًا ، وإذا أبو بَكْرٍ أقربُ القومِ منهُ فوضعتُهُ بينَ يديهِ ، فقالَ لي : ما هذا ؟ قلتُ : هديَّةٌ ، قالَ : بسمِ اللَّهِ ، وأَكَلَ وأَكَلَ القومُ قُلتُ : في نفسي هذِهِ من آياتِهِ كانَ صاحبي رجلًا أعجميٌّ لم يحسِن أن ، يقولَ : تِهامةً ، فقالَ : تُهْمةٌ وقالَ : اسمُهُ أحمدُ فدُرتُ خلفَهُ ففَطنَ بي فأرخى ثوبًا فإذا الخاتمُ في ناحيةِ كتفِهِ الأيسرِ فتبيَّنتُهُ ، ثمَّ درتُ حتَّى جلستُ بينَ يديهِ فقلتُ : أشهدُ أنَّ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، وأنَّكَ رسولُ اللَّهِ ، فقالَ : مَن أنتَ قلتُ مَملوكٌ ، قالَ : فحدَّثتُهُ حَديثي وحديثُ الرَّجلِ الَّذي كنتُ معَهُ وما أمرَني بِهِ ، قالَ : لمن أنتَ ؟ قلتُ : لامرأةٍ منَ الأنصارِ جَعلتَني في حائطٍ لَها ، قالَ : يا أبا بَكْرٍ ، قالَ : لبَّيكَ ، قالَ : اشترِهِ فاشتراني أبو بَكْرٍ رضيَ اللَّهُ عنهُ فأعتقَني فلَبِثْتُ ما شاءَ اللَّهُ أن ألبَثَ فسلَّمتُ عليهِ وقعدتُ بينَ يديهِ فقلتُ : يا رسولَ اللَّهِ ما تقولُ في دينِ النَّصارى ، قالَ : لا خيرَ فيهم ولا في دينِهِم فدخَلَني أمرٌ عظيمٌ فقلتُ : في نفسي هذا الَّذي كنتُ معَهُ ورأيتُ ما رأيتُهُ ثمَّ رأيتُهُ أخذَ بيدِ المقعدِ فأقامَهُ اللَّهُ على يديهِ وقالَ : لا خيرَ في هؤلاءِ ، ولا في دينِهِم فانصَرفتُ وفي نَفسي ما شاءَ اللَّهُ ، فأنزلَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ على النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ إلى آخرِ الآيةِ ، فقالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ : عليَّ بسلمانَ ، فأتيتُ الرَّسولَ وأَنا خائفٌ فَجِئْتُ حتَّى قعدتُ بينَ يديهِ فقرأَ بسمِ اللَّهِ الرَّحمنِ ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ إلى آخرِ الآيةِ يا سلمانُ إنَّ أولئِكَ الَّذينَ كنتَ معَهُم وصاحبُكَ لم يَكونوا نصارَى ، إنَّما كانوا مُسْلِمَينِ فقلتُ : يا رسولَ اللَّهِ ، والَّذي بعثَكَ بالحقِّ لَهوَ الَّذي أمرَني باتِّباعِكَ ، فقلتُ لَهُ : وإن أمرَني بتَركِ دينِكَ وما أنتَ عليهِ ، قالَ : فاترُكْهُ ، فإنَّ الحقَّ وما يجبُ فيما يأمرُكَ بِهِ
سألتُ عبدَ اللهِ بنَ عباسٍ عن قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ لموسى عليهِ السلامُ : وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا ، فسألتُهُ عن الفُتُونِ ما هوَ ؟ قال : استأنِفِ النهارَ يا ابنَ جبيرٍ فإنَّ لها حديثًا طويلًا : فلمَّا أصبحتُ غدوتُ إلى ابنِ عباسٍ لأنتجزَ منهُ ما وعدني من حديثِ الفُتُونِ ، فقال : تذاكَرَ فرعونُ وجلساؤُهُ ما كان اللهُ وعدَ إبراهيمَ عليهِ السلامُ أن يجعلَ في ذريتِهِ أنبياءَ وملوكًا ، فقال بعضهم : إنَّ بني إسرائيلَ ينتظرونَ ذلك ، ما يَشُكُّونَ فيهِ ، وكانوا يظنُّونَ أنَّهُ يوسفُ بنُ يعقوبَ ، فلمَّا هلك قالوا : ليس هكذا كان وعدُ إبراهيمَ ، فقال فرعونُ : فكيف تَرَوْنَ ؟ فائتمروا وأجمعوا أمرهم على أن يبعثَ رجالًا معهم الشِّفَارُ ، يطوفونَ في بني إسرائيلَ ، فلا يجدونَ ، مولودًا ذكرًا إلا ذبحوهُ ، ففعلوا ذلك ، فلمَّا رَأَوْا أنَّ الكبارَ من بني إسرائيلَ يموتونَ بآجالهم ، والصغارَ يُذْبَحُونَ ، قالوا : يُوشِكُ أن تُفْنُوا بني إسرائيلَ ، فتصيروا أن تُبَاشِرُوا من الأعمالِ والخدمةِ التي كانوا يَكْفُونَكُمْ ، فاقتلوا عامًا كلَّ مولودٍ ذكرٍ ، فيَقِلُّ أبناؤهم ، ودعوا عامًا فلا تقتلوا منهم أحدًا ، فيَشِبُّ الصغارُ مكان من يموتُ من الكبارِ ، فإنَّهم لن يكثروا بمن تستحيونَ منهم فتخافوا مكاثرتهم إياكم ، ولن يَفْنَوا بمن تقتلونَ وتحتاجونَ إليهم . فأَجْمَعُوا أمرهم على ذلك . فحملتْ أمُّ موسى بهارونَ في العامِ الذي لا يُذْبَحُ فيهِ الغلمانُ ، فولدتْهُ علانيةً آمنةً . فلمَّا كان من قابلٍ حملتْ بموسى عليهِ السلامُ ، فوقع في قلبها الهمُّ والحزنُ ، وذلك من الفُتُونِ يا ابنَ جبيرٍ ما دخل عليهِ في بطنِ أُمِّهِ ، ممَّا يُرادُ بهِ . فأوحى اللهُ إليها أن : وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ . فأمرها إذا ولدتْ أن تجعلَهُ في تابوتٍ ثم تُلْقِيهِ في اليمِّ . فلمَّا ولدتْ فعلتْ ذلك ، فلمَّا تَوارَى عنها ابنها أتاها الشيطانُ ، فقالت في نفسها : ما فعلتُ بابني ، لو ذُبِحَ عندي فواريتُهُ وكفَّنتُهُ كان أحبُّ إليَّ من أن أُلْقِيهِ إلى دوابِّ البحرِ وحيتانِهِ . فانتهى الماءُ بهِ حتى أوفى بهِ عند فُرْضَةِ مُسْتَقَى جواري امرأةِ فرعونَ فلمَّا رأينَهُ أخذنَهُ فهممن أن يفتحْنَ التابوتَ فقال بعضهنَّ : إنَّ في هذا مالًا ، وإنَّا إن فتحناهُ لم تُصَدِّقنا امرأةُ المَلِكِ بما وجدنا فيهِ ، فحملنَهُ كهيئتِهِ لم يُخْرِجْنَ منهُ شيئًا حتى رفعنَهُ إليها . فلمَّا فتحتْهُ رأتْ فيهِ غلامًا ، فأُلْقِي عليهِ منها محبةً لم يُلْقِ منها على أحدٍ قطُّ ، وأصبحَ فؤادُ أمِّ موسى فارغًا من ذِكْرِ كلِّ شيٍء ، إلا من ذِكْرِ موسى . فلمَّا سمع الذبَّاحونَ بأمرِهِ ، أقبلوا بشِفَارِهِمْ إلى امرأةِ فرعونَ ليذبحوهُ : وذلك من الفُتُونِ يا ابنَ جبيرٍ ، فقالت لهم : أَقِرُّوهُ فإنَّ هذا الواحدَ لا يزيدُ في بني إسرائيلَ حتى آتي فرعونَ فأستوهبُهُ منهُ ، فإن وهبَهُ لي كنتم قد أحسنتم وأجملتم ، وإن أمرَ بذبحِهِ لم أَلُمْكُمْ . فأتت فرعونَ فقالت قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ . فقال فرعونُ : يكونُ لكَ . فأمَّا لي فلا حاجةَ لي فيهِ : فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : والذي يُحْلَفُ بهِ لو أَقَرَّ فرعونُ أن يكونَ قرَّةَ عينٍ لهُ ، كما أَقَرَّتْ امرأتُهُ ، لهداهُ اللهُ كما هداها ، ولكن حَرَمَهُ ذلك . فأرسلتْ إلى من حولها ، إلى كلِّ امرأةٍ لها لبنٌ لتختارَ لهُ ظِئْرًا ، فجعل كلَّما أخذتْهُ امرأةٌ منهنَّ لتُرْضِعَهُ لم يُقْبِلْ على ثديها حتى أشفقتِ امرأةُ فرعونَ أن يمتنعَ من اللبنِ فيموتَ ، فأحزنها ذلك ، فأمرتْ بهِ فأُخْرِجَ إلى السوقِ ومجمعِ الناسِ ، ترجو أن تجدَ لهُ ظِئْرًا تأخذُهُ منها ، فلم يُقْبِلْ ، وأصبحتْ أمُّ موسى والهًا ، فقالت لأختِهِ : قُصِّي أَثَرَهُ واطلبيهِ ، هل تسمعينَ لهُ ذِكْرًا ، أحيٌّ ابني أم قد أكلتْهُ الدوابُّ ؟ ونَسِيَتْ ما كان اللهُ وعدها فيهِ ، فبصرتْ بهِ أختُهُ عن جُنُبٍ وهم لا يشعرونَ – والجُنُبُ : أن يَسْمُو بصرُ الإنسانِ إلى شيٍء بعيدٍ ، وهو إلى جنبِهِ ، وهو لا يشعرُ بهِ – فقالت من الفرحِ حينَ أعياهم الظؤراتُ : أَنَا أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ . فأخذوها فقالوا ما يُدريكِ ؟ وما نُصْحُهُمْ لهُ ؟ هل يعرفونَهُ ؟ حتى شَكُّوا في ذلك ، وذلك من الفُتُونِ يا ابنَ جبيرٍ . فقالت : نُصْحُهُمْ لهُ وشفقتهم عليهِ رغبتهم في ظؤرةِ الملكِ ، ورجاءَ منفعةِ الملكِ . فأرسلوها فانطلقتْ إلى أُمِّهَا ، فأخبرتها الخبرَ . فجاءت أُمُّهُ ، فلمَّا وضعتْهُ في حجرها نَزَا إلى ثديها فمَصَّهُ ، حتى امتلأَ جنباهُ رِيًّا ، وانطلقَ البُشَراءُ إلى امرأةِ فرعونَ يُبَشِّرونها : أن قد وجدنا لابنكِ ظِئْرًا . فأرسلتْ إليها ، فأتتْ بها وبهِ ، فلمَّا رأت ما يصنعُ بها قالت : امْكُثِي تُرْضِعِي ابني هذا ، فإني لم أُحِبَّ شيئًا حُبَّهُ قطُّ . قالت أمُّ موسى : لا أستطيعُ أن أدعَ بيتي وولدي فيضيعُ ، فإن طابت نفسكَ أن تُعطينِيهِ فأذهبُ بهِ إلى بيتي ، فيكونُ معي لا آلوهُ خيرًا فعلتُ ، وإلا فإني غيرُ تاركةٍ بيتي وولدي . وذكرتْ أمُّ موسى ما كان اللهُ وعدها فيهِ ، فتعاسرتْ على امرأةِ فرعونَ ، وأيقنَتْ أنَّ اللهَ مُنْجِزٌ وعدَهُ ، فرجعتْ بهِ إلى بيتها من يومها ، وأنبتَهُ اللهُ نباتًا حسنًا ، وحَفِظَهُ لما قد قضى فيهِ . فلم يزل بنو إسرائيلَ ، وهم في ناحيةِ القريةِ ، ممتنعينَ من السخرةِ والظلمِ ما كان فيهم ، فلمَّا ترعرعَ قالت امرأةُ فرعونَ لأمِّ موسى : أَتُرِيني ابني ؟ فوَعَدَتْهَا يومًا تُرِيها إياهُ فيهِ ، وقالت امرأةُ فرعونَ لخازنها وظؤرها وقَهَارِمَتِهَا لا يَبْقِيَنَّ أحدٌ منكم إلا استقبلَ ابني اليومَ بهديةٍ وكرامةٍ لأرى ذلك ، وأنا باعثةٌ أمينًا يًحْصِي ما يصنعُ كلُّ إنسانٍ منكم ، فلم تزلِ الهدايا والنِّحَلُ والكرامةُ تستقبلُهُ من حينِ خرج من بيتِ أُمِّهِ إلى أن دخل على امرأةِ فرعونَ ، فلمَّا دخل عليها نَحَلَتْهُ وأكرمتْهُ ، وفرحت بهِ ، ونَحَلَتْ أُمَّهُ لحُسْنِ أثرها عليهِ ، ثم قالت : لآتِيَنَّ بهِ فرعونَ فليَنْحَلَنَّهُ وليُكْرِمَنَّهُ ، فلمَّا دخلت بهِ عليهِ جعلَهُ في حجرِهِ ، فتناولَ موسى لِحْيَةَ فرعونَ يَمُدُّها إلى الأرضِ ، فقال الغواةُ من أعداءِ اللهِ لفرعونَ : ألا ترى ما وعد اللهُ إبراهيمَ نبيَّهُ ، إنَّهُ زعم أن يرثِكَ ويعلوكَ ويصرعكَ ، فأرسلَ إلى الذَّبَّاحينَ ليذبحوهُ . وذلك من الفُتُونِ يا ابنَ جبيرٍ بعد كلِّ بلاءٍ ابْتُلِيَ بهِ ، وأُريدَ بهِ . فجاءت امرأةُ فرعونَ فقالت : ما بدا لك في هذا الغلامِ الذي وهبتَهُ لي ؟ فقال : ألا تَرَيْنَهُ يزعمُ أنَّهُ يصرعني ويعلوني . فقالت : اجعلْ بيني وبينك أمرًا يُعْرَفُ فيهِ الحقُّ ، ائتِ بجمرتيْنِ ولؤلؤتيْنِ ، فقرِّبْهُنَّ إليهِ ، فإن بطشَ باللؤلؤتيْنِ واجتنبْ الجمرتيْنِ فاعرفْ أنَّهُ يَعْقِلْ وإن تناولَ الجمرتيْنِ ولم يَرُدَّ اللؤلؤتيْنِ علمتَ أنَّ أحدًا لا يُؤْثِرُ الجمرتيْنِ على اللؤلؤتيْنِ وهو يَعْقِلُ ، فقَرَّبَ إليهِ ، فتناولَ الجمرتيْنِ ، فانتزعهما منهُ مخافةَ أن يحرقا يدَهُ ، فقالت امرأةُ فرعونَ : ألا ترى ؟ فصرفَهُ اللهُ عنهُ بعد ما كان قد همَّ بهِ ، وكان اللهُ بالغًا فيهِ أمرَهُ . فلمَّا بلغ أَشُدَّهُ وكان من الرجالِ ، لم يكن أحدٌ من آلِ فرعونَ يخلصُ إلى أحدٍ من بني إسرائيلَ معهُ بظلمٍ ولا سخرةٍ ، حتى امتنعوا كلَّ الامتناعِ ، فبينما موسى عليهِ السلامُ يمشي في ناحيةِ المدينةِ ، إذ هو برجليْنِ يقتتلانِ ، أحدهما فرعونيٌّ والآخرُ إسرائيليٌّ ، فاستغاثَهُ الإسرائيليُّ على الفرعونيِّ ، فغضب موسى غضبًا شديدًا ، لأنَّهُ تناولَهُ وهو يعلمُ منزلتَهُ من بني إسرائيلَ وحِفْظِهِ لهم ، لا يعلمُ الناسُ إلا أنما ذلك من الرضاعِ ، إلا أمُّ موسى ، إلا أن يكون اللهُ أطلعَ موسى من ذلك على ما لم يُطْلِعْ عليهِ غيرُهُ . فوكزَ موسى الفرعونيَّ ، فقتلَهُ وليس يراهما أحدٌ إلا اللهُ عزَّ وجلَّ والإسرائيليُّ ، فقال موسى حين قتلَ الرجلَ : هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ . ثم قال : رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ، فأصبحَ في المدينةِ خائفًا يترقَّبُ الأخبارَ ، فأُتِيَ فرعونُ ، فقيل لهُ : إنَّ بني إسرائيلَ قتلوا رجلًا من آلِ فرعونَ فخُذْ لنا بحَقِّنَا ولا تُرَخِّصْ لهم . فقال : أبغوني قاتِلَهُ ، ومن يشهدُ عليهِ ، فإنَّ الملكَ وإن كان صَفْوُهُ مع قومِهِ لا يستقيمُ لهُ أن يُقِيدَ بغيرِ بينَةٍ ولا ثَبْتٍ ، فاطلبوا لي عِلْمَ ذلك آخُذُ لكم بحقكم . فبينما هم يطوفونَ ولا يجدون ثَبْتًا ، إذا بموسى من الغدِ قد رأى ذلك الإسرائيليَّ يُقاتِلُ رجلًا من آلِ فرعونَ آخرَ ، فاستغاثَهُ الإسرائيليُّ على الفرعونيِّ ، فصادف موسى قد ندم على ما كان منهُ وكَرِهَ الذي رأى ، فغضب الإسرائيليُّ وهو يريدُ أن يبطشَ بالفرعونيِّ ، فقال للإسرائيليِّ لما فعل بالأمسِ واليومَ : إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ . فنظر الإسرائيليُّ إلى موسى بعد ما قال لهُ ما قال ، فإذا هو غضبانٌ كغضبِهِ بالأمسِ الذي قتلَ فيهِ الفرعونيَّ فخاف أن يكون بعدما قال له إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ أن يكونَ إياهُ أرادَ ، ولم يكن أرادَهُ ، وإنَّما أرادَ الفرعونيَّ ، فخاف الإسرائيليُّ وقال : يا موسى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ وإنما قالَهُ مخافةَ أن يكون إياهُ أراد موسى ليقتلَهُ ، فتتاركا وانطلقَ الفرعونيُّ فأخبرهم بما سمع من الإسرائيليِّ من الخبرِ حين يقولُ أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ فأرسل فرعونُ الذَّبَّاحينَ ليقتلوا موسى ، فأخذ رُسُلُ فرعونَ في الطريقِ الأعظمِ يمشونَ على هيئتهم يطلبونَ موسى وهم لا يخافون أن يفوتهم ، فجاء رجلٌ من شيعةِ موسى من أقصى المدينةِ فاختصرَ طريقًا حتى سبقهم إلى موسى فأخبرَهُ ، وذلك من الفُتُونِ يا ابنَ جبيرٍ . فخرج موسى مُتَوَجِّهًا نحوَ مَدْيَنَ لم يَلْقَ بلاءً قبل ذلك ، وليس لهُ بالطريقِ علمٌ إلا حُسْنُ ظنِّهِ بربهِ عزَّ وجلَّ فإنَّهُ قال عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ، وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ يعني بذلك حابستيْنِ غنمهما فقال لهما : ما خطبكما معتزلتيْنِ لا تسقيانِ مع الناسِ ؟ قالتا : ليس لنا قوةٌ نُزاحِمُ القومَ وإنما ننتظرُ فُضُولَ حياضهم ، فَسَقَى لهما فجعل يغترفُ في الدَّلْوِ ماءً كثيرًا حتى كان أولَ الرُّعَاءِ ، فانصرفتا بغنمهما إلى أبيهما وانصرف موسى عليهِ السلامُ فاستظَلَّ بشجرةٍ وقال رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ واستنكرَ أبوهما سرعةَ صدورهما بغنمهما حُفَّلًا بِطَانًا فقال : إنَّ لكما اليومَ لشأنًا ، فأخبرتاهُ بما صنع موسى ، فأمر إحداهما أن تدعوهُ ، فأتتْ موسى فدعتْهُ فلمَّا كلَّمَهُ قال لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ليس لفرعونَ ولا لقومِهِ علينا سلطانٌ ، ولسنا في مملكتِهِ ، فقالت إحداهما : يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ، إِنَّ خَيْرَ مِنَ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ فاحتملتْهُ الغِيرَةُ على أن قال لها : ما يُدْرِيكِ ما قوتُهُ وما أمانتُهُ ؟ قالت : أما قُوَّتُهُ فما رأيتُ منهُ في الدَّلْوِ حين سقى لنا ، لم أَرَ رجلًا قطُّ أقوى في ذلك السَّقْيِ منهُ ، وأما الأمانةُ فإنَّهُ نظر إلي حينِ أقبلتْ إليهِ وشَخَصَتْ لهُ ، فلمَّا علم أني امرأةٌ صَوَّبَ رأسَهُ فلم يرفعْهُ حتى بَلَّغْتُهُ رسالتكَ ، ثم قال لي : امشي خلفي وانْعُتِي لي الطريقَ ، فلم يفعل هذا إلا وهو أمينٌ ، فسُرِّيَ عن أبيها وصدَّقها وظَنَّ بهِ الذي قالت ، فقال لهُ : هل لكَ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ففعل فكانت على نبيِّ اللهِ موسى ثماني سنينَ واجبةً وكانت سَنَتَانِ عِدَةً منهُ فقضى اللهُ عنهُ عِدَتَهُ فأَتَمَّها عشرًا . قال سعيدٌ هو ابنُ جبيرٍ : فلَقِيَنِي رجلٌ من أهلِ النصرانيةِ من علمائهم قال : هل تدري أيُّ الأجلَيْنِ قضى موسى ؟ قلتُ : لا ، وأنا يومئذٍ لا أدري ، فلقيتُ ابنَ عباسٍ فذكرتُ ذلك لهُ فقال : أما علمتَ أنَّ ثمانيًا كانت على نبيِّ اللهِ واجبةً لم يكن لنبيٍّ أن يَنْقُصَ منها شيئًا ، ويعلمُ أنَّ اللهَ كان قاضيًا عن موسى عِدَتَهُ التي وعدَهُ فعِدَتُهُ التي وعدَهُ فإنَّهُ قضى عشرَ سنينَ ، فلقيتُ النصرانيَّ فأخبرتُهُ ذلك فقال : الذي سألتَهُ فأخبركَ أعلمُ منكَ بذلك قلتُ : أجل وأَوْلَى . فلمَّا سار موسى بأهلِهِ كان من أمرِ النارِ والعصا ويدِهِ ما قَصَّ اللهُ عليك في القرآنِ ، فشكا إلى اللهِ تعالى ما يَتَخَوَّفُ من آلِ فرعونَ في القتيلِ وعُقْدَةِ لسانِهِ ، فإنَّهُ كان في لسانِهِ عُقْدَةً تمنعُهُ من كثيرٍ من الكلامِ ، وسأل ربهُ أن يُعِينَهُ بأخيهِ هارونَ يكونُ لهُ رِدْءًا ويتكلَّمُ عنهُ بكثيرٍ مما لا يُفْصِحُ بهِ لسانُهُ ، فآتاهُ اللهُ سُؤْلَهُ وحلَّ عقدةً من لسانِهِ وأوحى اللهُ إلى هارونَ وأَمَرَهُ أن يلقاهُ ، فاندفع موسى بعصاهُ حتى لَقِيَ هارونَ عليهما السلامُ فانطلقا جميعًا إلى فرعونَ فأقاما على بابِهِ حينًا لا يُؤْذَنُ لهما ، ثم أُذِنَ لهما بعد حجابٍ شديدٍ فقالا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ قال : فمن ربكما ؟ فأخبرَهُ بالذي قَصَّ اللهُ عليكَ في القرآنِ ، قال : فما تريدانِ ؟ وذَكَّرَهُ القتيلَ فاعتذرَ بما قد سمعتَ ، قال : أريدً أن تُؤْمِنَ باللهِ وتُرْسِلَ معيَ بني إسرائيلَ ، فأَبَى عليهِ وقال ائْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ فألقى عصاهُ فإذا هي حيَّةٌ تسعى عظيمةٌ فاغِرَةٌ فاها مسرعةٌ إلى فرعونَ ، فلمَّا رآها قاصدةً إليهِ خافها فاقتحمَ عن سريرِهِ واستغاثَ بموسى أن يَكُفَّهَا عنهُ ففعلَ ، ثم أخرج يدَهُ من جيبِهِ فرآها بيضاءَ من غيرِ سوءٍ يعني من غيرِ بَرَصٍ ثم رَدَّهَا فعادت إلى لونها الأولِ ، فاستشار الملأَ حولَهُ فيما رأى ، فقالوا لهُ : هَذَانِ سَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى يعني مُلْكَهُمْ الذي هم فيهِ والعيشِ ، وأَبَوْا على موسى أن يُعْطُوهُ شيئًا ممَّا طلبَ ، وقالوا لهُ : اجمعْ لهما السحرةَ فإنَّهم بأرضكَ كثيرٌ حتى تَغْلِبَ بسحركَ سحرهما ، فأرسلَ إلى المدائنِ فحُشِرَ لهُ كلُّ ساحرٍ متعالمٍ ، فلمَّا أَتَوْا فرعونَ قالوا : بم يعملُ هذا الساحرُ ؟ قالوا : يعمل بالحَيَّاتِ ، قالوا : فلا واللهِ ما أَحَدٌ في الأرضِ يعملُ بالسحرِ بالحَيَّاتِ والحبالِ والعِصِيِّ الذي نعملُ ، وما أَجْرُنَا إن نحنُ غَلَبْنَا ؟ قال لهم : أنتم أقاربي وخاصَّتي ، وأنا صانعٌ إليكم كلَّ شيٍء أحببتم ، فتواعدوا يومَ الزينةِ وأنْ يُحْشَرَ الناسُ ضحىً ، قال سعيدُ بنُ جبيرٍ : فحدَّثني ابنُ عباسٍ أنَّ يومَ الزينةَ الذي أظهرَ اللهُ فيهِ موسى على فرعونَ والسحرةَ هو يومُ عاشوراءَ . فلمَّا اجتمعوا في صعيدٍ واحدٍ قال الناسُ بعضهم لبعضٍ : انطلقوا فلنحضر هذا الأمرَ لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ يعنون موسى وهارونَ استهزاءً بهما ، فقالوا : يا موسى لقدرتهم بسحرهم إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ، قَالَ: بَلْ أَلْقُوا فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ فرأى موسى من سحرهم ما أوجسَ في نفسِهِ خيفةً ، فأوحى اللهُ إليهِ أن أَلْقِ عصاكَ ، فلمَّا ألقاها صارت ثعبانًا عظيمةً فاغِرَةً فاها ، فجعلتِ العِصِيُّ تلتبسُ بالحبالِ حتى صارت جَزَرًا إلى الثعبانِ ، تدخلُ فيهِ ، حتى ما أبقت عصًا ولا حبالًا إلا ابتلعتْهُ ، فلمَّا عرفتِ السحرةُ ذلك قالوا ، لو كان هذا سحرًا لم يبلغ من سحرنا كلَّ هذا ، ولكنَّهُ أمرٌ من اللهِ عزَّ وجلَّ ، آمَنَّا باللهِ وبما جاء بهِ موسى ، ونتوبُ إلى اللهِ ممَّا كُنَّا عليهِ ، فكسرَ اللهُ ظهرَ فرعونَ في ذلك الموطنِ وأشياعِهِ ، وظَهَرَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ وامرأةُ فرعونَ بارزةٌ متبذلةٌ تدعو اللهَ بالنصرِ لموسى على فرعونَ وأشياعِهِ ، فمن رآها من آلِ فرعونَ ظنَّ أنَّها إنما ابتُذِلَتْ للشفقةِ على فرعونَ وأشياعِهِ ، وإنَّما كان حزنها وهَمُّها لموسى . فلمَّا طال مُكْثُ موسى بمواعيدِ فرعونَ الكاذبةِ ، كلَّما جاء بآيةٍ وعدَهُ عندها أن يُرْسِلَ معهُ بني إسرائيلَ ، فإذا مَضَتْ أخلفَ موعدَهُ وقال : هل يستطيعُ ربكَ أن يصنعَ غيرَ هذا ؟ فأرسلَ اللهُ على قومِهِ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقَمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ ، كلُّ ذلك يشكو إلى موسى ويطلبُ إليهِ أن يَكُفَّها عنهُ ، ويُوَاثِقُهُ على أن يُرْسِلَ معهُ بني إسرائيلَ ، فإذا كَفَّ ذلك عنهُ أخلفَ موعدَهُ ، ونكث عهدَهُ . حتى أمرَ اللهُ موسى بالخروجِ بقومِهِ فخرج بهم ليلًا ، فلمَّا أصبح فرعونُ ورأى أنهم قد مَضَوْا أَرْسَلَ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ ، فتبعَهُ بجنودٍ عظيمةٍ كثيرةٍ ، وأوحى اللهُ إلى البحرِ : إذا ضربكَ عبدي موسى بعصاهُ فانفلِقْ اثنتيْ عشرةَ فِرْقَةً ، حتى يجوزَ موسى ومن معهُ ، ثم التَقِ على من بَقِيَ بعد من فرعونَ وأشياعِهِ . فنسيَ موسى أن يضربَ البحرَ بالعصا وانتهى إلى البحرِ ولهُ قصيفٌ ، مخافةَ أن يضربَهُ موسى بعصاهُ وهو غافلٌ فيصيرُ عاصيًا للهِ . فلمَّا تراءى الجَمْعَانِ وتقاربا قال أصحابُ موسى : إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ، افعلْ ما أمركَ بهِ ربكَ ، فإنَّهُ لم يَكْذِبْ ولم تَكْذِبْ . قال : وعدني أن إذا أتيتُ البحرَ انْفَرَقَ اثنتيْ عشرةَ فِرْقَةً ، حتى أُجَاوِزُهُ : ثم ذكر بعد ذلك العصا فضرب البحرَ بعصاهُ حين دنا أوائلُ جُنْدِ فرعونَ من أواخرِ جُنْدِ موسى ، فانفرقَ البحرُ كما أمرَهُ ربهُ وكما وعد موسى فلمَّا أن جاز موسى وأصحابُهُ كلُّهم البحرَ ، ودخل فرعونُ وأصحابُهُ ، التقى عليهم البحرُ كما أُمِرَ فلمَّا جاوزَ موسى البحرَ قال أصحابُهُ : إنَّا نخافُ أن لا يكون فرعونُ غَرِقَ ولا نُؤْمِنُ بهلاكِهِ . فدعا ربهُ فأخرجَهُ لهُ ببدنِهِ حتى استيقنوا بهلاكِهِ . ثم مَرُّوا بعد ذلك عَلَى قَوْمٍ يَعْكِفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ قد رأيتم من العِبَرِ وسمعتم ما يكفيكم ومضى . فأنزلهم موسى منزلًا وقال : أطيعوا هارونَ فإني قد استخلفتُهُ عليكم ، فإني ذاهبٌ إلى ربي . وأَجَّلَهُمْ ثلاثينَ يومًا أن يرجعَ إليهم فيها ، فلمَّا أتى ربهُ وأرادَ أن يُكَلِّمَهُ في ثلاثينَ يومًا وقد صامهُنَّ ليلهُنَّ ونهارهُنَّ ، وكَرِهَ أن يُكَلِّمَ ربهُ وريحُ فيهِ ، ريحُ فمِ الصائمِ ، فتناولَ موسى من نباتِ الأرضِ شيئًا فمضغَهُ ، فقال لهُ ربهُ حين أتاهُ : لم أفطرتَ ؟ وهو أعلمُ بالذي كان : قال : يا ربِّ ، إني كرهتُ أن أُكَلِّمَكَ إلا وفَمِي طَيِّبُ الرِّيحِ . قال : أوما علمتَ يا موسى أنَّ رِيحَ فمِ الصائمِ أطيبُ من ريحِ المِسْكِ ، ارجع فصُمْ عشرًا ثم ائتني . ففعل موسى عليهِ السلامُ ما أُمِرَ بهِ ، فلمَّا رأى قومُ موسى أنَّهُ لم يرجع إليهم في الأَجَلِ ، ساءهم ذلك : وكان هارونُ قد خطبهم وقال : إنَّكم قد خرجتم من مصرَ ، ولقومِ فرعونَ عندكم عَوَارِيَ وودائعُ ، ولكم فيهم مثلُ ذلك ولا ممسكيهِ لأنفسنا ، فحفرَ حفيرًا ، وأمر كلَّ قومٍ عندهم من ذلك من متاعٍ أو حِلْيَةٍ أن يقذفوهُ في ذلك الحفيرِ ، ثم أوقدَ عليهِ النارَ فأحرقَهُ ، فقال : لا يكونُ لنا ولا لهم . وكان السامريُّ من قومٍ يعبدونَ البقرَ ، جيرانٌ لبني إسرائيلَ ، ولم يكن من بني إسرائيلَ ، فاحتملَ مع موسى وبني إسرائيلَ حينَ احتملوا ، فقضى لهُ أن رأى أَثَرًا فقبضَ منهُ قبضةً ، فمرَّ بهارونَ ، فقال لهُ هارونُ عليهِ السلامُ : يا سامريُّ ، ألا تُلْقِي ما في يدكَ ؟ وهو قابضٌ عليهِ ، لا يراهُ أحدٌ طُوَالَ ذلكَ ، فقال : هذهِ قبضةٌ من أَثَرِ الرسولِ الذي جاوزَ بكمُ البحرَ ، ولا أُلْقِيهَا لشيٍء إلا أن تدعو اللهَ إذا ألقيتُهَا أن يكونَ ما أُريدُ . فألقاها ، ودعا لهُ هارونُ ، فقال : أُريدُ أن يكونَ عِجْلًا . فاجتمعَ ما كان في الحفيرةِ من متاعٍ أو حِلْيَةٍ أو نحاسٍ أو حديدٍ ، فصار عِجْلَا أجوفَ ، ليس فيهِ روحٌ ، ولهُ خُوَارٌ قال ابنُ عباسٍ : لا واللهِ ، ما كان لهُ صوتٌ قطُّ ، إنَّما كانت الريحُ تدخُلُ في دُبُرِهِ وتخرجُ من فيهِ ، فكان ذلك الصوتَ من ذلكَ . فتفرَّقَ بنو إسرائيلَ فِرَقًا ، فقالت فِرْقَةٌ : يا سامريُّ ، ما هذا ؟ وأنتَ أعلمُ بهِ . قال : هذا ربكم ، ولكن موسى أَضَلَّ الطريقَ . وقالت فِرْقَةٌ : لا نُكَذِّبُ بهذا حتى يرجعَ إلينا موسى ، فإن كان ربنا لم نكن ضَيَّعْنَاهُ وعجزنا فيهِ حين رأيناهُ ، وإن لم يكن ربنا فإنَّا نَتَّبِعُ قولَ موسى ، وقالت فِرْقَةٌ : هذا عملُ الشيطانِ ، وليس بربنا ولا نُؤْمِنُ بهِ ولا نُصَدِّقُ ، وأُشْرِبَ فِرْقَةٌ في قلوبهم الصدقَ بما قال السامريُّ في العِجْلِ ، وأعلنوا التكذيبَ بهِ ، فقال لهم هارونُ : يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ، وَإِنَّ رَبَّكَمُ الرَّحْمَنُ . قالوا : فما بالُ موسى وعدنا ثلاثينَ يومًا ثم أخلفنا ؟ هذهِ أربعونَ يومًا قد مضتْ ؟ وقال سفهاؤهم : أخطأَ ربُّهُ فهو يطلبُهُ ويَتْبَعُهُ . فلمَّا كلَّمَ اللهُ موسى وقال لهُ ما قال : أَخْبَرَهُ بما لَقِيَ قومُهُ من بعدِهِ ، فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا فقال لهم ما سمعتم في القرآنِ ، وأخذ برأسِ أخيهِ يَجُرُّهُ إليهِ ، وألقى الألواحَ من الغضبِ ، ثم إنَّهُ عذرَ أخاهُ بعذرِهِ ، واستغفرَ لهُ ، وانصرفَ إلى السامريِّ فقال لهُ : ما حملكَ على ما صنعتَ ؟ قال : قَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ ، وفطنتُ لها وعميتْ عليكم ، فقذفتها وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا ، ولو كان إلهًا لم يُخْلَصْ إلى ذلك منهُ ، فاستيقنَ بنو إسرائيلَ بالفتنةِ ، واغتُبِطَ الذين كان رأيهم فيهِ مثلَ رأي هارونَ ، فقالوا لجماعتهم : يا موسى ، سَلْ لنا ربكَ أن يفتحَ لنا بابَ توبةٍ نصنعها ، فيُكَفِّرْ عنَّا ما عملنا . فاختارَ موسى قومَهُ سبعينَ رجلًا لذلك ، لا يَأْلُو الخيرَ ، خيارَ بني إسرائيلَ ، ومن لم يُشْرِكْ في العِجْلِ ، فانطلقَ بهم يسألُ لهمُ التوبةَ ، فرجفتْ بهمُ الأرضَ ، فاستحيا نبيُّ اللهِ من قومِهِ ومن وفدِهِ حين فُعِلَ بهم ما فُعِلَ ، فقال : ربِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا وفيهم من كان اطَّلَعَ اللهُ منهُ على ما أُشْرِبَ قلبُهُ من حُبِّ العِجْلِ وإيمانٍ بهِ فلذلك رجفتْ بهمُ الأرضُ فقال : رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ فقال : يا ربِّ سألتُكَ التوبةَ لقومي ، فقلتَ : إنَّ رحمتي كتبتُهَا لقومٍ غيرِ قومي فليتَكَ أَخَّرْتَنِي حتى تُخْرِجَنِي في أُمَّةِ ذلك الرجلِ المرحومةِ ، فقال لهُ : إنَّ توبتهم أن يَقْتُلَ كلُّ رجلٍ منهم من لَقِيَ من والدٍ وولدٍ فيقتلُهُ بالسيفِ ولا يُبَالِي من قتلَ في ذلك الموطنِ وتاب أولئكَ الذين كان خَفِيَ على موسى وهارونَ واطَّلَعَ اللهُ من ذنوبهم فاعترفوا بها وفعلوا ما أُمِرُوا وغفرَ اللهُ للقاتلِ والمقتولِ . ثم سار بهم موسى عليهِ السلامُ مُتَوَجِّهًا نحوَ الأرضِ المقدسةِ ، وأخذ الألواحَ بعد ما سكتَ عنهُ الغضبُ فأمرهم بالذي أُمِرَ بهِ أن يُبَلِّغَهُمْ من الوظائفِ ، فثَقُلَ ذلك عليهم وأَبَوْا أن يُقِرُّوا بها ، فنَتَقَ اللهُ عليهمُ الجبلَ كأنَّهُ ظُلَّةٌ ودنا منهم حتى خافوا أن يقعَ عليهم فأَخَذُوا الكتابَ بأيمانهم وهم مُصْغُونَ ينظرونَ إلى الجبلِ والكتابُ بأيديهم ، وهم من وراءِ الجبلِ مخافةَ أن يقعَ عليهم ، ثم مَضَوْا حتى أَتَوْا الأرضَ المقدسةَ فوجدوا مدينةً فيها قومٌ جَبَّارُونَ خَلْقُهُمْ خَلْقٌ مُنْكَرٌ ، وذكروا من ثمارهم أمرًا عجيبًا من عِظَمِهَا ، فقالوا : يا موسى إنَّ فيها قومًا جَبَّارِينَ لا طاقةَ لنا بهم ، ولا ندخلها ماداموا فيها ، فإن يخرجوا منها فإنَّا داخلونَ ، قال رجلانِ من الذينَ يخافونَ قيل ليزيدٍ : هكذا قرأَهُ ؟ قال : نعم ، من الجَبَّارِينَ آمَنَّا بموسى ، وخرجا إليهِ فقالوا : نحنُ أعلمُ بقومنا إن كنتم إنَّما تخافونَ ما رأيتم من أجسامهم وعددهم فإنَّهم لا قلوبَ لهم ولا مَنَعَةَ عندهم فادخلوا عليهمُ البابَ فإذا دخلتموهُ فإنَّكم غالبونَ ، ويقولُ أُناسٌ : إنَّهم من قومِ موسى ، فقال الذينَ يخافونَ بنو إسرائيلَ قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ فأغضبوا موسى فدعا عليهم وسمَّاهم فاسقينَ ، ولم يَدْعُ عليهم قبلَ ذلك ، لِمَا رأى منهم المعصيةَ وإساءتهم حتى كان يومئذٍ ، فاستجاب اللهُ لهُ وسمَّاهم كما سمَّاهم فاسقينَ ، فحرَّمَهَا عليهم أربعينَ سَنَةً يتيهونَ في الأرضِ ، يُصْبِحُونَ كلَّ يومٍ فيسيرونَ ليس لهم قرارٌ ثم ظَلَّلَ عليهمُ الغمامَ في التِّيهِ وأنزلَ عليهمُ المَنَّ والسلوى وجعل لهم ثيابًا لا تَبْلَى ولا تَتَّسِخُ ، وجعل بين ظهرانيهم حَجَرًا مُرَبَّعًا وأمرَ موسى فضربَهُ بعصاهُ فانفجرتْ منهُ اثنتا عشرةَ عينًا في كلِّ ناحيةٍ ثلاثُ أعينٍ ، وأعلمَ كلَّ سِبْطٍ عَيْنُهُمُ التي يشربونَ منها فلا يرتحلونَ من مَنْقَلَةٍ إلا وجدوا ذلك الحَجَرَ معهم بالمكانِ الذي كان فيهِ بالأمسِ
لا مزيد من النتائج