نتائج البحث عن
«جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : إن عندي امرأة من أحب الناس»· 27 نتيجة
الترتيب:
جاء رجل إلى رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فقال : إن عندي امرأة هي من أحب الناس إلي ، وهي لا تمنع يد لامس ! قال : طلقها . قال : لا أصبر عنها قال : استمتع بها
جاء رجلٌ إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فقال إنَّ عندي امرأةٌ هيَ من أحبِّ الناسِ إليّ وهيِ لا تمنعُ يدَ لامسٍ قال طلقهَا قال لا أصبرُ عنهَا قال استمتعْ بِها
جاء رجُلٌ إلى رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وآلِه وسلَّم فقال: إنَّ عِندي امرأةً هي مِن أحبِّ النَّاسِ إليَّ وهي لا تَمنَعُ يدَ لامِسٍ ، قال: طلِّقْها ، قال: لا صبرَ لي عنها ، قال: استَمْتِعْ بِها
جاء رجلٌ إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم فقال : إن عندِي امرأَةٌ هي من أحبّ الناس إليَّ وهيَ لا تمنعُ يدَ لامسٍ ، قال : طلقهَا ، قال : لا صبرَ لي عنْها ، قال : استمتعْ بها
كان في الأسارى يوم بدر أبو العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس ختن رسول الله صلى الله عليه وسلم زوج ابنته وكان أبو العاص من رجال مكة المعدودين مالا وأمانة وكان لهالة بنت خويلد خديخة خالته فسألت خديجة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يزوجه زينب وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يخالفها وكان قبل أن ينزل عليه وكانت تعده بمنزلة ولدها فلما أكرم الله نبيه صلى الله عليه وسلم بالنبوة وآمنت به خديجة وبناته وصدقنه وشهدن أن ما جاء به هو الحق ودن بدينه وثبت أبو العاص على شركه وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد زوج عتبة بن أبي لهب إحدى ابنتيه رقية أو أم كلثوم فلما نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشا بأمر الله ونادوه قال إنكم قد فرغتم محمدا من همه فردوا عليه بناته فاشغلوه بهن فمشوا إلى أبي العاص بن الربيع فقالوا فارق صاحبتك ونحن نزوجك أي امرأة شئت فقال لا هاء الله إذا لا أفارق صاحبتي وما أحب أن لي بامرأتي امرأة من قريش فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يثني عليه في صهره خيرا فيما بلغني فمشوا إلى الفاسق عتبة بن أبي لهب فقالوا طلق امرأتك بنت محمد ونحن نزوجك أي امرأة من قريش فقال إن زوجتموني بنت أبان بن سعيد ففارقها ولم يكن عدو الله دخل بها فأخرجها الله من يده كرامة لها وهوانا له وخلف عثمان بن عفان عليها بعده وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحل بمكة ولا يحرم مغلوبا على أمره وكان الإسلام قد فرق بين زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أبي العاص بن الربيع إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يقدر على أن يفرق بينهما فأقامت معه على إسلامها وهو على شركه حتى هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وهي مقيمة معه بمكة فلما سارت قريش إلى بدر سار معهم أبو العاص بن الربيع فأصيب في الأسارى يوم بدر وكان بالمدينة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ابن إسحاق فحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عباد عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت لما بعث أهل مكة في فداء أسراهم بعثت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في فداء أبي العاص وبعثت فيه بقلادة كانت خديجة أدخلتها بها على أبي العاص حين بنى عليها فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم رق لها رقة شديدة وقال إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا عليها الذي لها فافعلوا فقالوا نعم يا رسول الله فأطلقوه وردوا عليها الذي لها قال وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخذ عليه ووعده ذلك أن يخلي سبيل زينب إليه إذ كان فيما شرط عليه في إطلاقه ولم يظهر ذلك منه ولا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيعلم إلا أنه لما خرج أبو العاص إلى مكة وخلى سبيله بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة ورجلا من الأنصار فقال كونا ببطن ناجح حتى تمر بكما زينب فتصحبانها فتأتياني بها فلما قدم أبو العاص مكة أمرها باللحوق بأبيها فخرجت جهرة قال ابن إسحاق قال عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم حدثت عن زينب أنها قالت بينما أنا أتجهز بمكة للحوق بأبي لقيتني هند بنت عتبة فقالت يا بنت عمي إن كانت لك حاجة بمتاع مما يرفق بك في سفرك أو ما تبلغين به إلى أبيك فلا تضطني منه فإنه لا يدخل بين النساء ما بين الرجال قالت ووالله ما أراها قالت ذلك إلا لتفعل ولكني خفتها فأنكرت أن أكون أريد ذلك فتجهزت فلما فرغت من جهازي قدم إلي حمي كنانة بن الربيع أخو زوجي بعيرا فركبته وأخذ قوسه وكنانته ثم خرج بها نهارا يقود بها وهي في هودجها وتحدثت بذلك رجال قريش فخرجوا في طلبها حتى أدركوها بذي طوى وكان أول من سبق إليها هبار بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى بن قصي ونافع بن عبد القيس الزهري فروعها هبار وهي في هودجها وكانت حاملا فيما يزعمون فلما وقعت ألقت ما في بطنها فبرك حموها ونثر كنانته وقال والله لا يدنو مني رجل إلا وضعت فيه سهما فتكركر الناس عنه وجاء أبو سفيان في جلة من قريش فقال أيها الرجل كف عنا نبلك حتى نكلمك فكف وأقبل أبو سفيان فأقبل عليه فقال إنك لم تصب خرجت بامرأة على رؤوس الناس نهارا وقد علمت مصيبتنا ونكبتنا وما دخل علينا من محمد فيظن الناس إذا خرجت إليه ابنته علانية من بين ظهرانينا أن ذلك من ذل أصابنا عن مصيبتنا التي كانت وأن ذلك منا ضعف ووهن وإنه لعمري ما لنا في حبسها عن أبيها حاجة ولكن أرجع المرأة حتى إذا هدأ الصوت وتحدث الناس أنا قد رددناها فسلها سرا وألحقها بأبيها قال ففعل وأقامت ليالي حتى إذا هدأ الناس خرج بها ليلا فأسلمها إلى زيد بن حارثة وصاحبه فقدمنا بها على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقام أبو العاص بمكة وكانت زينب عند رسول الله صلى الله عليه وسلم قد فرق الإسلام بينهما حتى إذا كان قبيل الفتح خرج أبو العاص تاجرا إلى الشام وكان رجلا مأمونا بأموال له وأموال لقريش أبضعوها معه فلما فرغ من تجارته أقبل قافلا فلحقته سرية رسول الله صلى الله عليه وسلم فأصابوا ما معه وأعجزهم هاربا فلما قدمت السرية بما أصابوا من ماله أقبل أبو العاص بن الربيع تحت الليل حتى دخل على زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم واستجارها فأجارته وجاء في طلب ماله فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى صلاة الصبح كما حدثني يزيد بن رومان فكبر وكبر الناس خرجت زينب من صفة النساء وقالت أيها الناس إني قد أجرت أبا العاص بن الربيع فلما سلم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصلاة أقبل على الناس فقال أيها الناس أسمعتم قالوا نعم قال أما والذي نفسي بيده ما علمت بشيء كان حتى سمعته إنه ليجير على المسلمين أدناهم ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى دخل على ابنته فقال يا بنية أكرمي مثواه ولا يخلص إليك فإنك لا تحلين له قال ابن إسحاق وحدثني عبد الله بن أبي بكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى السرية الذين أصابوا مال أبي العاص بن الربيع إن هذا الرجل منا قد علمتم أصبتم له مالا فإن تحسنوا وتردوا عليه الذي له فإنا نحب ذلك وإن أبيتم فهو فيء الله الذي أفاءه عليكم فأنتم أحق به قالوا يا رسول الله نرده فردوا عليه ماله حتى إن الرجل يأتي بالحبل ويأتي الرجل بالشنة والإداوة حتى إن أحدهم ليأتي بالشظاظ حتى إذا ردوا عليه ماله بأسره لا يفقد منه شيئا احتمل إلى مكة فرد إلى كل ذي مال من قريش ماله ممن كان أبضع معه ثم قال يا معشر قريش هل بقي لأحد منكم عندي مال لم يأخذه قالوا لا وجزاك الله خيرا فقد وجدناك عفيفا كريما قال فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله والله ما منعني من الإسلام عنده إلا تخوف أن تظنوا أني إنما أردت أن آكل أموالكم فأما إذ أداها الله إليكم وفرغت منها أسلمت وخرج حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم
كان في الأُسارى يومَ بدرٍ أبو العاصِ بنُ الربيعِ بنِ عبدِ العُزَّى بنِ عبدِ شمسٍ خَتَنُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم زوجُ ابنتِه وكان أبو العاصِ مِن رجالِ مكَّةَ المعدودين مالًا وأمانةً وكان لهالةَ بنتِ خويلدٍ خديجةُ خالَتُه فسألَتْ خديجةُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن يُزَوِّجَه زينبَ وكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لا يخالِفُها وكان قَبلَ أن يُنزَلَ عليه وكانت تعُدُّه بمنزلةِ ولدِها فلمَّا أكرَم اللهُ نبيَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالنُّبُوَّةِ وآمَنَتْ به خديجةُ وبناتُه وصدَّقْنَه وشهِدْنَ أنَّ ما جاء به هو الحقُّ ودِنَّ بدِينِه وثبَت أبو العاصِ على شِرْكِه وكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قد زوَّج عُتبةَ بنَ أبي لهبٍ إحدى ابنتَيه رُقيةَ أو أمَّ كُلْثومٍ فلمَّا نادى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قُرَيشًا بأمرِ اللهِ ونادَوه قال إنَّكم قد فرَّغْتُم محمَّدًا مِن هَمِّه فرُدُّوا عليه بناتِه فاشْغِلوه بهنَّ فمشَوا إلى أبي العاصِ بنِ الرَّبيعِ فقالوا فارِقْ صاحِبَتَك ونحن نُزَوِّجُك أيَّ امرأةٍ شئْتَ فقال لاها اللهِ إذًا لا أفارِقُ صاحِبَتي وما أحِبُّ أنَّ لي بامرأتي امرأةً مِن قريشٍ فكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُثني عليه في صِهرِه خيرًا فيما بلَغني فمشَوا إلى الفاسقِ عُتبةَ بنِ أبي لهبٍ فقالوا طلِّقِ امرأتَك بنتَ محمَّدٍ ونحن نُزَوِّجُك أيَّ امرأةٍ مِن قريشٍ فقال إنْ زوَّجْتُموني بنتَ أبانِ بنِ سعيدٍ ففارَقَها ولم يكُنْ عدوُّ اللهِ دخَل بها فأخرَجَها اللهُ مِن يدِه كرامةً لها وهوانًا له وخَلَف عثمانُ بنُ عفَّانَ عليها بعدَه وكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لا يُحِلُّ بمكَّةَ ولا يُحْرِمُ مغلوبًا على أمرِه وكان الإسلامُ قد فرَّق بينَ زينبَ بنتِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وبينَ أبي العاصِ بنِ الرَّبيعِ إلَّا أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان لا يَقدِرُ على أن يُفرِّقَ بينهما فأقامت معه على إسلامِها وهو على شِرْكِه حتَّى هاجر رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى المدينةِ وهي مُقيمةٌ معه بمكَّةَ فلمَّا سارت قريشٌ إلى بدرٍ سار معهم أبو العاصِ بنُ الرَّبيعِ فأُصيبَ في الأُسارى يومَ بدرٍ وكان بالمدينةِ عندَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال ابنُ إسحاقَ فحدَّثَني يحيى بنُ عبَّادِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ الزُّبيرِ عن أبيه عبَّادٍ عن عائشةَ زوجِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قالت لمَّا بعَث أهلُ مكَّةَ في فِداء أسْراهم بعَثَتْ زينبُ بنتُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في فِداء أبي العاصِ وبعثَتْ فيه بقِلادةٍ كانت خديجةُ أدخَلَتْها بها على أبي العاصِ حينَ بنى عليها فلمَّا رآها رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم رَقَّ لها رِقَّةً شديدةً وقال إنْ رأيْتُم أن تُطلِقوا لها أسيرَها وترَدُّوا عليها الَّذي لها فافعَلوا فقالوا نعم يا رسولَ اللهِ فأطلَقوه وردُّوا عليها الَّذي لها قال وكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قد أخَذ عليه ووعَده ذلك أن يُخَلِّي سبيلَ زينبَ إليه إذ كان فيما شرَط عليه في إطلاقِه ولم يظهَرْ ذلك منه ولا مِن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فيُعْلَمَ إلَّا أنَّه لمَّا خرَج أبو العاصِ إلى مكَّةَ وخلَّى سبيلَه بعَث رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم زيدَ بنَ حارثةَ ورجلًا مِنَ الأنصارِ فقال كونا ببطنِ ناجحٍ حتَّى تمُرَّ بكما زينبُ فتصحَبانِها فتأتياني بها فلمَّا قدِم أبو العاصِ مكَّةَ أمَرها باللُّحوقِ بأبيها فخرَجَتْ جَهْرةً قال ابنُ إسحاقَ قال عبدُ اللهِ بنُ أبي بكرِ بنِ محمَّدِ بنِ عمرِو بنِ حزمٍ حُدِّثْتُ عن زينبَ أنَّها قالت بينما أنا أتجهَّزُ بمكَّةَ للُّحوقِ بأبي لقِيَتْني هندُ بنتُ عُتبةَ فقالت يا بنتَ عمِّي إنْ كانت لكِ حاجةٌ بمتاعٍ مما يرفُقُ بكِ في سفرِكِ أو ما تبلُغِينَ به إلى أبيكِ فلا تَضْطَنِّي منه فإنَّه لا يدخُلُ بينَ النِّساءِ ما بينَ الرِّجالِ قالت وواللهِ ما أُراها قالت ذلك إلَّا لِتفعَلَ ولكنِّي خِفْتُها فأنكَرْتُ أن أكونَ أُريدُ ذلك فتجهَّزْتُ فلمَّا فرَغْتُ مِن جِهازي قدَّم إليَّ حَمِيِّ كِنانةُ بنُ الرَّبيعِ أخو زوجي بعيرًا فركِبْتُه وأخَذ قوسَه وكِنانتَه ثمَّ خرَج بها نهارًا يقودُ بها وهي في هَودجِها وتحدَّثَتْ بذلك رجالُ قريشٍ فخرَجوا في طَلَبِها حتَّى أدركوها بذي طُوًى وكان أوَّلَ مَن سبَق إليها هَبَّارُ بنُ الأسودِ بنِ المطَّلبِ بنِ أسَدِ بنِ عبدِ العُزَّى بنِ قُصَيٍّ ونافعُ بنُ عبدِ القيسِ الزُّهرِيُّ فروَّعها هَبَّارٌ وهي في هَودَجِها وكانت حاملًا فيما يزعُمون فلمَّا وقَعَتْ ألقَتْ ما في بطنِها فبرَك حَمُوها ونثَر كِنانتَه وقال واللهِ لا يدنو منِّي رجلٌ إلَّا وضَعْتُ فيه سهمًا فتكَرْكَرَ النَّاسُ عنه وجاء أبو سفيانَ في جُلَّةٍ مِن قريشٍ فقال أيُّها الرَّجلُ كُفَّ عنَّا نَبْلَك حتَّى نُكَلِّمَك فكَفَّ وأقبَل أبو سفيانَ فأقبَل عليه فقال إنَّك لم تُصِبْ خرَجْتَ بامرأةٍ على رؤوسِ النَّاسِ نهارًا وقد علِمْتَ مُصيبتَنا ونَكْبَتَنا وما دخَل علينا مِن محمَّدٍ فيظنُّ النَّاسُ إذا خرَجَتْ إليه ابنتُه عَلانِيَةً مِن بينِ ظَهْرانينا أنَّ ذلك مِن ذُلٍّ أصابنا عن مُصيبتِنا الَّتي كانت وأنَّ ذلك مِنَّا ضَعْفٌ ووَهَنٌ وإنَّه لعَمْري ما لنا في حَبْسِها عن أبيها حاجةٌ ولكِنِ ارجِعِ المرأةَ حتَّى إذا هدَأَ الصَّوتُ وتحدَّث النَّاسُ أنَّا قد ردَدْناها فسُلَّها سِرًّا وألحِقْها بأبيها قال ففعَل وأقامت لياليَ حتَّى إذا هدَأ النَّاسُ خرَج بها ليلًا فأسلَمَها إلى زيدِ بنِ حارثةَ وصاحبِه فقَدِمْنا بها على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأقام أبو العاصِ بمكَّةَ وكانت زينبُ عندَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قد فرَّق الإسلامُ بينَهما حتَّى إذا كان قُبَيلَ الفتحِ خرَج أبو العاصِ تاجرًا إلى الشَّامِ وكان رجلًا مأمونًا بأموالٍ له وأموالٍ لقريشٍ أبضَعوها معه فلمَّا فرَغ مِن تجارتِه أقبَل قافِلًا فلحِقَتْه سَرِيَّةُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأصابوا ما معه وأعجَزَهم هاربًا فلمَّا قدِمَتِ السَّريَّةُ بما أصابوا مِن مالِه أقبَل أبو العاصِ بنُ الرَّبيعِ تحتَ اللَّيلِ حتَّى دخَل على زينبَ بنتِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم واستجارَها فأجارَتْه وجاء في طلَبِ مالِه فلمَّا خرَج رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى صلاةِ الصُّبحِ كما حدَّثَني يزيدُ بنُ رُومانَ فكبَّر وكبَّر النَّاسُ خرَجَتْ زينبُ مِن صُفَّةِ النِّساءِ وقالت أيُّها النَّاسُ إنِّي قد أجَرت أبا العاصِ بنَ الرَّبيعِ فلمَّا سلَّم رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن الصَّلاةِ أقبَل على النَّاسِ فقال أيُّها النَّاسُ أسمِعْتُم قالوا نعم قال أمَا والَّذي نفسي بيدِه ما علِمْتُ بشيءٍ كان حتَّى سمِعْتُه إنَّه لَيُجيرُ على المسلمين أدناهم ثمَّ انصرَف رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتَّى دخَل على ابنتِه فقال يا بُنَيَّةُ أكْرِمي مثواه ولا يَخْلُصْ إليكِ فإنَّك لا تحِلِّينَ له قال ابنُ إسحاقَ وحدَّثَني عبدُ اللهِ بنُ أبي بكرٍ أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بعَث إلى السَّريَّةِ الَّذين أصابوا مالَ أبي العاصِ بنِ الرَّبيعِ إنَّ هذا الرَّجلَ منَّا قد علِمْتُم أصَبْتُم له مالًا فإن تُحسِنوا وترُدُّوا عليه الَّذي له فإنَّا نُحِبُّ ذلك وإنْ أبيْتُم فهو فَيءُ اللهِ الَّذي أفاءه عليكم فأنتم أحقُّ به قالوا يا رسولَ اللهِ نردُّه فرَدُّوا عليه مالَه حتَّى إنَّ الرَّجلَ يأتي بالحَبْلِ ويأتي الرَّجلُ بالشَّنَّةِ والإداوةِ حتَّى إنَّ أحدَهم ليأتي بالشِّظَاظِ حتَّى إذا ردُّوا عليه مالَه بأسْرِه لا يُفقِدُ منه شيئًا احتمَل إلى مكَّةَ فردَّ إلى كلِّ ذي مالٍ مِن قريشٍ مالَه ممَّن كان أبضعَ معه ثمَّ قال يا معشرَ قريشٍ هل بقِيَ لأحدٍ منكم عندي مالٌ لم يأخُذْه قالوا لا وجزاكَ اللهُ خيرًا فقد وجَدْناك عفيفًا كريمًا قال فإنِّي أشهَدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ وأشهَدُ أنَّ محمَّدًا عبدُه ورسولُه واللهِ ما منَعَني مِنَ الإسلامِ عندَه إلَّا تخوُّفُ أن تظُنُّوا أنِّي إنَّما أردْتُ أن آكُلَ أموالَكم فأمَّا إذ أدَّاها اللهُ إليكم وفرَغْتُ منها أسلَمْتُ وخرَج حتَّى قدِم على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم
أن عبد الله بن كعب بن مالك، وكان قائد كعب من بنيه حين عمي، قال : سمعت كعب بن مالك يحدث حين تخلف عن قصة تبوك، قال كعب : لم أتخلف عن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في غزوة غزاها الإ في غزوة تبوك، غير أني كنتُ تخلفت في بدر، ولم يعاتب أحدًا تخلف عنها، إنما خرج رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يريد عير قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ليلة العقبة، حين تواثقنا على الإسلام، وما أحب أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها، كان من خبري : أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر حين تخلفت عنه في تلك الغزاة، والله ما اجتمعت عِندَي قبله راحلتان قط، حتى جمعتهما في تلك الغزوة، ولم يكن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يريد غزوة إلا ورى بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة، غزاها رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في حر شديد، واستقبل سفرا بعيدا، ومفازا وعدوا كثيرا، فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم، فأخبرهم بوجهه الذي يريد، والمسلمون مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كثير، ولا يجمعهم كتاب حافظ، يريد الديوان . قال كعب : فما رجلٌ يريد أن يتغيب إلا ظن أن سيخفى له، ما لم ينزل فيه وحي الله، وغزا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟لك الغزوة حين طابت الثمار والظلال، وتجهز رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والمسلمون معه، فطفقت أغدو لكي أتجهز معهم، فأرجع ولم أقضى شيئا، فأقول في نفسي : أنا قادر عليه، فلم يزل يتمادى بي حتى اشتد بالناس الجد، فأصبح رسول صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والمسلمون معه، ولم أقض من جهازي شيئا، فقُلْت أتجهز بعده بيومَ أو يومَين ثم ألحقهم، فغدوت بعد أن فصلوا لأتجهز، فرجعت ولم أقض شيئا، ثم غدوت، ثم رجعت ولم أقض شيئا، فلم يزل بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو، وهممت أن أرتحل فأدركهم، وليتني فعلت، فلم يقدر لي ذلك، فكنتُ إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فطفت فيهم، أحزنني أني لا أرى إلا رجلًا مغموصا عليه النفاق، أو رجلًا ممن عذر الله من الضعفاء، ولم يذكرني رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتى بلغ تبوك، فقال، وهو جالس في القوم بتبوك : ( ما فعل كعب ) . فقال رجلٌ من بني سلمة : يا رسولَ اللهِ، حبسه برداه، ونظره في عطفيه . فقال مُعاذٍ بن جبل : بئس ما قُلْت، والله يا رسولَ اللهِ ما علمنا عليه الإ خيرا . فسكت رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم . قال كعب بن مالك : فلما بلغني أنه توجه قافلا حضرني همي، وطفقت أتذكر الكذب وأقول : بماذا أخرج من سخطه غدا، واستعنت على ذلك بكل ذي رأي من أهلي، فلما قيل : إن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قد أظل قادما زاح عني الباطل، وعرفت أني لن أخرج منه أبدا بشيء فيه كذب، فأجمعت صدقه، وأصبح رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قادما، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد، فيركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس، قُلْما فعل ذلك جاءه المخلفون، فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلًا، فقبل منهم رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم علانيتهم، وبايعهم واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله، فجئته، فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب، ثم قال : ( تعال ) . فجئت أمشي حتى جلست يديه، فقال لي : ( ما خلفك، ألم تكن قد ابتعت ظهرك ) . فقُلْت : بلى، إني والله - يا رسولَ اللهِ - لو جلست عِندَ غيرك من أهل الدنيا، لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أعطيت جدلا، ولكني والله، لقد علمت لئن حدثتك اليومَ حديث كذب ترضى به عني، ليوشكن الله أن يسخطك علي، ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه، إني لأرجو فيه عفو الله، لا والله، ما كان لي من عذر، والله ما كنتُ قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك . فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك ) . فقمت وثار رجال من بني سلمة فاتبعوني، فقالوا لي : والله ما علمناك كنتُ أذنبت ذنبا قبل هذا، ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بما اعتذر إليه المتخلفون، قد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟ك . فوالله ما زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي، ثم قُلْت لهم : هل لقي هذا معي أُحُدٍ ؟ قالوا : نعم، رجلان قالا مثل ما قُلْت، فقيل لهما مثل ما قيل لك، فقُلْت : من هما ؟ قالوا : مرارة بن الربيع العمري وهلال بن أمية الواقفي، فذكروا لي رجلٌين صالحين، قد شهدا بدرا، فيهما أسوة، فمضيت حين ذكروهما لي، ونهى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه، فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا، حتى تنكرت في نفسي الأرض فما هي التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنتُ أشب القوم وأجلدهم، فكنتُ أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أُحُدٍ، وآتي رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي : هل حرك شفتيه برد السلام علي أم لا ؟ ثم أصلي قريبا منه، فأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إلي، وإذا التفت نحوه أعرض عني، حتى إذا طال علي ذلك من جفوة الناس، مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي وأحب الناس إلي، فسلمت عليه، فوالله ما رد علي السلام، فقُلْت : يا أبا قتادة، أنشدك بالله هل تعلمني أحب الله ورسوله ؟ فسكت، فعدت له فنشدته فسكت، فعدت له فنشدته، فقال : الله ورسوله أعلم، ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار . قال : فبينا أنا أمشي بسوق المدينة، إذا نبطي من أنباط أهل الشأم، ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة، يقول : من يدل على كعب بن مالك، فطفق الناس يشيرون له، حتى إذا جاءني دفع إلي كتابا من ملك غسان، فإذا فيه : أما بعد، فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك . فقُلْت لما قرأتها : وهذا أيضا من البلاء، فتيممت بها التنور فسجرته بها، حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين، إذا رسول رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يأتيني فقال : إن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يأمرك أن تعتزل امرأتك، فقُلْت : أطلقها أم ماذا أفعل ؟ قال : لا، بل اعتزلها ولا تقربها . وأرسل إلى صاحبي مثل ذلك، فقُلْت لامرأتي : الحقي بأهلك، فتكوني عِندَهم حتى يقضي الله في هذا الأمر . قال كعب : فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقالتْ : يا رسولَ اللهِ، إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم ، فهل تكره أن أخدمه ؟ قال : ( لا، ولكن لا يقربك ) . قالتْ : إنه والله ما به حركة إلى شيء، والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومَه هذا . فقال لي بعض أهلي : لو استأذنت رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في امرأتك، كما أذن لامرأة هلال بن أميه أن تخدمه ؟ فقُلْت : والله لا أستأذن فيها رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وما يدريني ما يقول رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا استأذنته فيها، وأنا رجلٌ شاب ؟ فلبثت بعد ذلك عشر ليال، حتى كملت لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن كلامنا، فلما صليت صلاة الفجر صبح خمسين ليلة، وأنا على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله، قد ضاقت علي نفسي، وضاقت علي الأرض بما رحبت، سمعت صوت صارخ، أوفى على جبل سلع، بأعلى صوته : يا كعب بن مالك أبشر، قال : فخررت ساجدا، وعرفت أن قد جاء فرج، وآذن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بتوبة الله علينا حين صلَّى صلاة الفجر، فذهب الناس يبشروننا، وذهب قبل صاحبي مبشرون، وركض إلي رجلٌ فرسا، وسعى ساع من أسلم، فأوفى على الجبل، وكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي، فكسوته إياهما ببشراه، والله ما أملك غيرهما يومَئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما، وانطلقت إلى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فيتلقاني الناس فوجا فوجا، يهونني بالتوبة يقولون : لتهنك توبة الله عليك، قال كعب : حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟الس حوله الناس، فقام إلى طلحةَ بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني، والله ما قام إلي رجلٌ من المهاجرين غيره، ولا أنساها لطلحةَ، قال كعب : فلما سلمت على رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وهو يبرق وجهه من السرور : ( أبشر بخير يومَ مر عليك منذ ولدتك أمك ) . قال : قُلْت : أمن عِندَك يا رسولَ اللهِ، أم من عِندَ الله ؟ قال : ( لا، بل من عِندَ الله ) . وكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا سر استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منه، فلما جلست بين يديه قُلْت : يا رسولَ اللهِ، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسول الله، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك ) . قُلْت : فإني أمسك سهمي الذي بخيبر، فقُلْت : يا رسولَ اللهِ، إن الله إنما نجاني بالصدق، وإن من توبتي أن لا أُحُدٍث إلا صدقا مالقيت . فوالله ما أعلم أحدًا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أحسن مما أبلاني، ما تعمدت منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى يومَي هذا كذبا، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقيت . وأنزل الله على رسوله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار - إلى قوله - وكونوا مع الصادقين . فوالله ما أنعم الله علي من نعمة قط، بعد أن هداني للإسلام، أعظم في نفسي من صدقي لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا، فإن الله قال للذين كذبوا - حين أنزل الوحي - شر ما قال لأُحُدٍ، فقال تبارك وتعالى : سيحلفون بالله لكم إذا انقُلْبتم - إلى قوله - فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين . قال كعب : وكنا تخلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حين حلفوا له، فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أمرنا حتى قضى الله فيه، فبذلك قال الله : وعلى الثلاثة الذين خلفوا . وليس الذي ذكر الله مما خلفنا عن الغزو، إنما هو تخليفه إيانا، وإرجاؤه أمرنا، عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه .
أن عبد الله بن كعب بن مالك، وكان قائد كعب من بنيه حين عمي، قال : سمعت كعب بن مالك يحدث حين تخلف عن قصة تبوك، قال كعب : لم أتخلف عن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في غزوة غزاها الإ في غزوة تبوك، غير أني كنتُ تخلفت في بدر، ولم يعاتب أحدًا تخلف عنها، إنما خرج رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يريد عير قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ليلة العقبة، حين تواثقنا على الإسلام، وما أحب أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها، كان من خبري : أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر حين تخلفت عنه في تلك الغزاة، والله ما اجتمعت عِندَي قبله راحلتان قط، حتى جمعتهما في تلك الغزوة، ولم يكن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يريد غزوة إلا ورى بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة، غزاها رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في حر شديد، واستقبل سفرا بعيدا، ومفازا وعدوا كثيرا، فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم، فأخبرهم بوجهه الذي يريد، والمسلمون مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كثير، ولا يجمعهم كتاب حافظ، يريد الديوان . قال كعب : فما رجلٌ يريد أن يتغيب إلا ظن أن سيخفى له، ما لم ينزل فيه وحي الله، وغزا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟لك الغزوة حين طابت الثمار والظلال، وتجهز رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والمسلمون معه، فطفقت أغدو لكي أتجهز معهم، فأرجع ولم أقضى شيئا، فأقول في نفسي : أنا قادر عليه، فلم يزل يتمادى بي حتى اشتد بالناس الجد، فأصبح رسول صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والمسلمون معه، ولم أقض من جهازي شيئا، فقُلْت أتجهز بعده بيومَ أو يومَين ثم ألحقهم، فغدوت بعد أن فصلوا لأتجهز، فرجعت ولم أقض شيئا، ثم غدوت، ثم رجعت ولم أقض شيئا، فلم يزل بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو، وهممت أن أرتحل فأدركهم، وليتني فعلت، فلم يقدر لي ذلك، فكنتُ إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فطفت فيهم، أحزنني أني لا أرى إلا رجلًا مغموصا عليه النفاق، أو رجلًا ممن عذر الله من الضعفاء، ولم يذكرني رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتى بلغ تبوك، فقال، وهو جالس في القوم بتبوك : ( ما فعل كعب ) . فقال رجلٌ من بني سلمة : يا رسولَ اللهِ، حبسه برداه، ونظره في عطفيه . فقال مُعاذٍ بن جبل : بئس ما قُلْت، والله يا رسولَ اللهِ ما علمنا عليه الإ خيرا . فسكت رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم . قال كعب بن مالك : فلما بلغني أنه توجه قافلا حضرني همي، وطفقت أتذكر الكذب وأقول : بماذا أخرج من سخطه غدا، واستعنت على ذلك بكل ذي رأي من أهلي، فلما قيل : إن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قد أظل قادما زاح عني الباطل، وعرفت أني لن أخرج منه أبدا بشيء فيه كذب، فأجمعت صدقه، وأصبح رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قادما، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد، فيركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس، قُلْما فعل ذلك جاءه المخلفون، فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلًا، فقبل منهم رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم علانيتهم، وبايعهم واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله، فجئته، فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب، ثم قال : ( تعال ) . فجئت أمشي حتى جلست يديه، فقال لي : ( ما خلفك، ألم تكن قد ابتعت ظهرك ) . فقُلْت : بلى، إني والله - يا رسولَ اللهِ - لو جلست عِندَ غيرك من أهل الدنيا، لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أعطيت جدلا، ولكني والله، لقد علمت لئن حدثتك اليومَ حديث كذب ترضى به عني، ليوشكن الله أن يسخطك علي، ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه، إني لأرجو فيه عفو الله، لا والله، ما كان لي من عذر، والله ما كنتُ قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك . فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك ) . فقمت وثار رجال من بني سلمة فاتبعوني، فقالوا لي : والله ما علمناك كنتُ أذنبت ذنبا قبل هذا، ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بما اعتذر إليه المتخلفون، قد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟ك . فوالله ما زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي، ثم قُلْت لهم : هل لقي هذا معي أُحُدٍ ؟ قالوا : نعم، رجلان قالا مثل ما قُلْت، فقيل لهما مثل ما قيل لك، فقُلْت : من هما ؟ قالوا : مرارة بن الربيع العمري وهلال بن أمية الواقفي، فذكروا لي رجلٌين صالحين، قد شهدا بدرا، فيهما أسوة، فمضيت حين ذكروهما لي، ونهى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه، فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا، حتى تنكرت في نفسي الأرض فما هي التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنتُ أشب القوم وأجلدهم، فكنتُ أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أُحُدٍ، وآتي رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي : هل حرك شفتيه برد السلام علي أم لا ؟ ثم أصلي قريبا منه، فأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إلي، وإذا التفت نحوه أعرض عني، حتى إذا طال علي ذلك من جفوة الناس، مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي وأحب الناس إلي، فسلمت عليه، فوالله ما رد علي السلام، فقُلْت : يا أبا قتادة، أنشدك بالله هل تعلمني أحب الله ورسوله ؟ فسكت، فعدت له فنشدته فسكت، فعدت له فنشدته، فقال : الله ورسوله أعلم، ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار . قال : فبينا أنا أمشي بسوق المدينة، إذا نبطي من أنباط أهل الشأم، ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة، يقول : من يدل على كعب بن مالك، فطفق الناس يشيرون له، حتى إذا جاءني دفع إلي كتابا من ملك غسان، فإذا فيه : أما بعد، فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك . فقُلْت لما قرأتها : وهذا أيضا من البلاء، فتيممت بها التنور فسجرته بها، حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين، إذا رسول رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يأتيني فقال : إن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يأمرك أن تعتزل امرأتك، فقُلْت : أطلقها أم ماذا أفعل ؟ قال : لا، بل اعتزلها ولا تقربها . وأرسل إلى صاحبي مثل ذلك، فقُلْت لامرأتي : الحقي بأهلك، فتكوني عِندَهم حتى يقضي الله في هذا الأمر . قال كعب : فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقالتْ : يا رسولَ اللهِ، إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه ؟ قال : ( لا، ولكن لا يقربك ) . قالتْ : إنه والله ما به حركة إلى شيء، والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومَه هذا . فقال لي بعض أهلي : لو استأذنت رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في امرأتك، كما أذن لامرأة هلال بن أميه أن تخدمه ؟ فقُلْت : والله لا أستأذن فيها رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وما يدريني ما يقول رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا استأذنته فيها، وأنا رجلٌ شاب ؟ فلبثت بعد ذلك عشر ليال، حتى كملت لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن كلامنا، فلما صليت صلاة الفجر صبح خمسين ليلة، وأنا على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله، قد ضاقت علي نفسي، وضاقت علي الأرض بما رحبت، سمعت صوت صارخ، أوفى على جبل سلع، بأعلى صوته : يا كعب بن مالك أبشر، قال : فخررت ساجدا، وعرفت أن قد جاء فرج ، وآذن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بتوبة الله علينا حين صلَّى صلاة الفجر، فذهب الناس يبشروننا، وذهب قبل صاحبي مبشرون، وركض إلي رجلٌ فرسا، وسعى ساع من أسلم، فأوفى على الجبل، وكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي، فكسوته إياهما ببشراه، والله ما أملك غيرهما يومَئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما، وانطلقت إلى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فيتلقاني الناس فوجا فوجا، يهونني بالتوبة يقولون : لتهنك توبة الله عليك، قال كعب : حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟الس حوله الناس، فقام إلى طلحةَ بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني، والله ما قام إلي رجلٌ من المهاجرين غيره، ولا أنساها لطلحةَ، قال كعب : فلما سلمت على رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وهو يبرق وجهه من السرور : ( أبشر بخير يومَ مر عليك منذ ولدتك أمك ) . قال : قُلْت : أمن عِندَك يا رسولَ اللهِ، أم من عِندَ الله ؟ قال : ( لا، بل من عِندَ الله ) . وكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا سر استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منه، فلما جلست بين يديه قُلْت : يا رسولَ اللهِ، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسول الله، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك ) . قُلْت : فإني أمسك سهمي الذي بخيبر، فقُلْت : يا رسولَ اللهِ، إن الله إنما نجاني بالصدق، وإن من توبتي أن لا أُحُدٍث إلا صدقا مالقيت . فوالله ما أعلم أحدًا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أحسن مما أبلاني، ما تعمدت منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى يومَي هذا كذبا، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقيت . وأنزل الله على رسوله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار - إلى قوله - وكونوا مع الصادقين . فوالله ما أنعم الله علي من نعمة قط، بعد أن هداني للإسلام، أعظم في نفسي من صدقي لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا، فإن الله قال للذين كذبوا - حين أنزل الوحي - شر ما قال لأُحُدٍ، فقال تبارك وتعالى : سيحلفون بالله لكم إذا انقُلْبتم - إلى قوله - فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين . قال كعب : وكنا تخلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حين حلفوا له، فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أمرنا حتى قضى الله فيه، فبذلك قال الله : وعلى الثلاثة الذين خلفوا . وليس الذي ذكر الله مما خلفنا عن الغزو، إنما هو تخليفه إيانا، وإرجاؤه أمرنا، عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه .
أن عبد الله بن كعب بن مالك، وكان قائد كعب من بنيه حين عمي، قال : سمعت كعب بن مالك يحدث حين تخلف عن قصة تبوك ، قال كعب : لم أتخلف عن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في غزوة غزاها الإ في غزوة تبوك ، غير أني كنتُ تخلفت في بدر، ولم يعاتب أحدًا تخلف عنها، إنما خرج رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يريد عير قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ليلة العقبة، حين تواثقنا على الإسلام، وما أحب أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها، كان من خبري : أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر حين تخلفت عنه في تلك الغزاة، والله ما اجتمعت عِندَي قبله راحلتان قط، حتى جمعتهما في تلك الغزوة، ولم يكن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يريد غزوة إلا ورى بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة، غزاها رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في حر شديد، واستقبل سفرا بعيدا، ومفازا وعدوا كثيرا، فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم، فأخبرهم بوجهه الذي يريد، والمسلمون مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كثير، ولا يجمعهم كتاب حافظ، يريد الديوان . قال كعب : فما رجلٌ يريد أن يتغيب إلا ظن أن سيخفى له، ما لم ينزل فيه وحي الله، وغزا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟لك الغزوة حين طابت الثمار والظلال، وتجهز رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والمسلمون معه، فطفقت أغدو لكي أتجهز معهم، فأرجع ولم أقضى شيئا، فأقول في نفسي : أنا قادر عليه، فلم يزل يتمادى بي حتى اشتد بالناس الجد، فأصبح رسول صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والمسلمون معه، ولم أقض من جهازي شيئا، فقُلْت أتجهز بعده بيومَ أو يومَين ثم ألحقهم، فغدوت بعد أن فصلوا لأتجهز، فرجعت ولم أقض شيئا، ثم غدوت، ثم رجعت ولم أقض شيئا، فلم يزل بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو، وهممت أن أرتحل فأدركهم، وليتني فعلت، فلم يقدر لي ذلك، فكنتُ إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فطفت فيهم، أحزنني أني لا أرى إلا رجلًا مغموصا عليه النفاق، أو رجلًا ممن عذر الله من الضعفاء، ولم يذكرني رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتى بلغ تبوك ، فقال، وهو جالس في القوم بتبوك : ( ما فعل كعب ) . فقال رجلٌ من بني سلمة : يا رسولَ اللهِ، حبسه برداه، ونظره في عطفيه . فقال مُعاذٍ بن جبل : بئس ما قُلْت، والله يا رسولَ اللهِ ما علمنا عليه الإ خيرا . فسكت رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم . قال كعب بن مالك : فلما بلغني أنه توجه قافلا حضرني همي، وطفقت أتذكر الكذب وأقول : بماذا أخرج من سخطه غدا، واستعنت على ذلك بكل ذي رأي من أهلي، فلما قيل : إن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قد أظل قادما زاح عني الباطل، وعرفت أني لن أخرج منه أبدا بشيء فيه كذب، فأجمعت صدقه، وأصبح رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قادما، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد، فيركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس، قُلْما فعل ذلك جاءه المخلفون، فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلًا، فقبل منهم رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم علانيتهم، وبايعهم واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله، فجئته، فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب، ثم قال : ( تعال ) . فجئت أمشي حتى جلست يديه، فقال لي : ( ما خلفك، ألم تكن قد ابتعت ظهرك ) . فقُلْت : بلى، إني والله - يا رسولَ اللهِ - لو جلست عِندَ غيرك من أهل الدنيا، لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أعطيت جدلا، ولكني والله، لقد علمت لئن حدثتك اليومَ حديث كذب ترضى به عني، ليوشكن الله أن يسخطك علي، ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه، إني لأرجو فيه عفو الله، لا والله، ما كان لي من عذر، والله ما كنتُ قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك . فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك ) . فقمت وثار رجال من بني سلمة فاتبعوني، فقالوا لي : والله ما علمناك كنتُ أذنبت ذنبا قبل هذا، ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بما اعتذر إليه المتخلفون، قد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟ك . فوالله ما زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي، ثم قُلْت لهم : هل لقي هذا معي أُحُدٍ ؟ قالوا : نعم، رجلان قالا مثل ما قُلْت، فقيل لهما مثل ما قيل لك، فقُلْت : من هما ؟ قالوا : مرارة بن الربيع العمري وهلال بن أمية الواقفي، فذكروا لي رجلٌين صالحين، قد شهدا بدرا، فيهما أسوة، فمضيت حين ذكروهما لي، ونهى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه، فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا، حتى تنكرت في نفسي الأرض فما هي التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنتُ أشب القوم وأجلدهم، فكنتُ أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أُحُدٍ، وآتي رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي : هل حرك شفتيه برد السلام علي أم لا ؟ ثم أصلي قريبا منه، فأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إلي، وإذا التفت نحوه أعرض عني، حتى إذا طال علي ذلك من جفوة الناس، مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي وأحب الناس إلي، فسلمت عليه، فوالله ما رد علي السلام، فقُلْت : يا أبا قتادة، أنشدك بالله هل تعلمني أحب الله ورسوله ؟ فسكت، فعدت له فنشدته فسكت، فعدت له فنشدته، فقال : الله ورسوله أعلم، ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار . قال : فبينا أنا أمشي بسوق المدينة، إذا نبطي من أنباط أهل الشأم، ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة، يقول : من يدل على كعب بن مالك، فطفق الناس يشيرون له، حتى إذا جاءني دفع إلي كتابا من ملك غسان، فإذا فيه : أما بعد، فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك . فقُلْت لما قرأتها : وهذا أيضا من البلاء، فتيممت بها التنور فسجرته بها، حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين، إذا رسول رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يأتيني فقال : إن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يأمرك أن تعتزل امرأتك، فقُلْت : أطلقها أم ماذا أفعل ؟ قال : لا، بل اعتزلها ولا تقربها . وأرسل إلى صاحبي مثل ذلك، فقُلْت لامرأتي : الحقي بأهلك، فتكوني عِندَهم حتى يقضي الله في هذا الأمر . قال كعب : فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقالتْ : يا رسولَ اللهِ، إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه ؟ قال : ( لا، ولكن لا يقربك ) . قالتْ : إنه والله ما به حركة إلى شيء، والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومَه هذا . فقال لي بعض أهلي : لو استأذنت رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في امرأتك، كما أذن لامرأة هلال بن أميه أن تخدمه ؟ فقُلْت : والله لا أستأذن فيها رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وما يدريني ما يقول رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا استأذنته فيها، وأنا رجلٌ شاب ؟ فلبثت بعد ذلك عشر ليال، حتى كملت لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن كلامنا، فلما صليت صلاة الفجر صبح خمسين ليلة، وأنا على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله، قد ضاقت علي نفسي، وضاقت علي الأرض بما رحبت، سمعت صوت صارخ، أوفى على جبل سلع، بأعلى صوته : يا كعب بن مالك أبشر، قال : فخررت ساجدا، وعرفت أن قد جاء فرج، وآذن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بتوبة الله علينا حين صلَّى صلاة الفجر، فذهب الناس يبشروننا، وذهب قبل صاحبي مبشرون، وركض إلي رجلٌ فرسا، وسعى ساع من أسلم، فأوفى على الجبل، وكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي، فكسوته إياهما ببشراه، والله ما أملك غيرهما يومَئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما، وانطلقت إلى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فيتلقاني الناس فوجا فوجا، يهونني بالتوبة يقولون : لتهنك توبة الله عليك، قال كعب : حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟الس حوله الناس، فقام إلى طلحةَ بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني، والله ما قام إلي رجلٌ من المهاجرين غيره، ولا أنساها لطلحةَ، قال كعب : فلما سلمت على رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وهو يبرق وجهه من السرور : ( أبشر بخير يومَ مر عليك منذ ولدتك أمك ) . قال : قُلْت : أمن عِندَك يا رسولَ اللهِ، أم من عِندَ الله ؟ قال : ( لا، بل من عِندَ الله ) . وكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا سر استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منه، فلما جلست بين يديه قُلْت : يا رسولَ اللهِ، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسول الله، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك ) . قُلْت : فإني أمسك سهمي الذي بخيبر، فقُلْت : يا رسولَ اللهِ، إن الله إنما نجاني بالصدق، وإن من توبتي أن لا أُحُدٍث إلا صدقا مالقيت . فوالله ما أعلم أحدًا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أحسن مما أبلاني، ما تعمدت منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى يومَي هذا كذبا، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقيت . وأنزل الله على رسوله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار - إلى قوله - وكونوا مع الصادقين . فوالله ما أنعم الله علي من نعمة قط، بعد أن هداني للإسلام، أعظم في نفسي من صدقي لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا، فإن الله قال للذين كذبوا - حين أنزل الوحي - شر ما قال لأُحُدٍ، فقال تبارك وتعالى : سيحلفون بالله لكم إذا انقُلْبتم - إلى قوله - فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين . قال كعب : وكنا تخلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حين حلفوا له، فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أمرنا حتى قضى الله فيه، فبذلك قال الله : وعلى الثلاثة الذين خلفوا . وليس الذي ذكر الله مما خلفنا عن الغزو، إنما هو تخليفه إيانا، وإرجاؤه أمرنا، عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه .
أن عبد الله بن كعب بن مالك، وكان قائد كعب من بنيه حين عمي، قال : سمعت كعب بن مالك يحدث حين تخلف عن قصة تبوك، قال كعب : لم أتخلف عن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في غزوة غزاها الإ في غزوة تبوك، غير أني كنتُ تخلفت في بدر، ولم يعاتب أحدًا تخلف عنها، إنما خرج رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يريد عير قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ليلة العقبة، حين تواثقنا على الإسلام، وما أحب أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها، كان من خبري : أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر حين تخلفت عنه في تلك الغزاة، والله ما اجتمعت عِندَي قبله راحلتان قط، حتى جمعتهما في تلك الغزوة، ولم يكن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يريد غزوة إلا ورى بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة، غزاها رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في حر شديد، واستقبل سفرا بعيدا، ومفازا وعدوا كثيرا، فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم، فأخبرهم بوجهه الذي يريد، والمسلمون مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كثير، ولا يجمعهم كتاب حافظ، يريد الديوان . قال كعب : فما رجلٌ يريد أن يتغيب إلا ظن أن سيخفى له، ما لم ينزل فيه وحي الله، وغزا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟لك الغزوة حين طابت الثمار والظلال، وتجهز رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والمسلمون معه، فطفقت أغدو لكي أتجهز معهم، فأرجع ولم أقضى شيئا، فأقول في نفسي : أنا قادر عليه، فلم يزل يتمادى بي حتى اشتد بالناس الجد، فأصبح رسول صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والمسلمون معه، ولم أقض من جهازي شيئا، فقُلْت أتجهز بعده بيومَ أو يومَين ثم ألحقهم، فغدوت بعد أن فصلوا لأتجهز، فرجعت ولم أقض شيئا، ثم غدوت، ثم رجعت ولم أقض شيئا، فلم يزل بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو، وهممت أن أرتحل فأدركهم، وليتني فعلت، فلم يقدر لي ذلك، فكنتُ إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فطفت فيهم، أحزنني أني لا أرى إلا رجلًا مغموصا عليه النفاق، أو رجلًا ممن عذر الله من الضعفاء، ولم يذكرني رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتى بلغ تبوك، فقال، وهو جالس في القوم بتبوك : ( ما فعل كعب ) . فقال رجلٌ من بني سلمة : يا رسولَ اللهِ، حبسه برداه، ونظره في عطفيه . فقال مُعاذٍ بن جبل : بئس ما قُلْت، والله يا رسولَ اللهِ ما علمنا عليه الإ خيرا . فسكت رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم . قال كعب بن مالك : فلما بلغني أنه توجه قافلا حضرني همي، وطفقت أتذكر الكذب وأقول : بماذا أخرج من سخطه غدا، واستعنت على ذلك بكل ذي رأي من أهلي، فلما قيل : إن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قد أظل قادما زاح عني الباطل، وعرفت أني لن أخرج منه أبدا بشيء فيه كذب، فأجمعت صدقه، وأصبح رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قادما، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد، فيركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس، قُلْما فعل ذلك جاءه المخلفون، فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلًا، فقبل منهم رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم علانيتهم، وبايعهم واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله، فجئته، فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب، ثم قال : ( تعال ) . فجئت أمشي حتى جلست يديه، فقال لي : ( ما خلفك، ألم تكن قد ابتعت ظهرك ) . فقُلْت : بلى، إني والله - يا رسولَ اللهِ - لو جلست عِندَ غيرك من أهل الدنيا، لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أعطيت جدلا، ولكني والله، لقد علمت لئن حدثتك اليومَ حديث كذب ترضى به عني، ليوشكن الله أن يسخطك علي، ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه، إني لأرجو فيه عفو الله، لا والله، ما كان لي من عذر، والله ما كنتُ قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك . فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك ) . فقمت وثار رجال من بني سلمة فاتبعوني، فقالوا لي : والله ما علمناك كنتُ أذنبت ذنبا قبل هذا، ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بما اعتذر إليه المتخلفون، قد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟ك . فوالله ما زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي، ثم قُلْت لهم : هل لقي هذا معي أُحُدٍ ؟ قالوا : نعم، رجلان قالا مثل ما قُلْت، فقيل لهما مثل ما قيل لك، فقُلْت : من هما ؟ قالوا : مرارة بن الربيع العمري وهلال بن أمية الواقفي، فذكروا لي رجلٌين صالحين، قد شهدا بدرا، فيهما أسوة، فمضيت حين ذكروهما لي، ونهى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه، فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا، حتى تنكرت في نفسي الأرض فما هي التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنتُ أشب القوم وأجلدهم، فكنتُ أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أُحُدٍ، وآتي رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي : هل حرك شفتيه برد السلام علي أم لا ؟ ثم أصلي قريبا منه، فأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إلي، وإذا التفت نحوه أعرض عني، حتى إذا طال علي ذلك من جفوة الناس، مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي وأحب الناس إلي، فسلمت عليه، فوالله ما رد علي السلام، فقُلْت : يا أبا قتادة، أنشدك بالله هل تعلمني أحب الله ورسوله ؟ فسكت، فعدت له فنشدته فسكت، فعدت له فنشدته، فقال : الله ورسوله أعلم، ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار . قال : فبينا أنا أمشي بسوق المدينة، إذا نبطي من أنباط أهل الشأم، ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة، يقول : من يدل على كعب بن مالك، فطفق الناس يشيرون له، حتى إذا جاءني دفع إلي كتابا من ملك غسان، فإذا فيه : أما بعد، فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك . فقُلْت لما قرأتها : وهذا أيضا من البلاء ، فتيممت بها التنور فسجرته بها، حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين، إذا رسول رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يأتيني فقال : إن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يأمرك أن تعتزل امرأتك، فقُلْت : أطلقها أم ماذا أفعل ؟ قال : لا، بل اعتزلها ولا تقربها . وأرسل إلى صاحبي مثل ذلك، فقُلْت لامرأتي : الحقي بأهلك، فتكوني عِندَهم حتى يقضي الله في هذا الأمر . قال كعب : فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقالتْ : يا رسولَ اللهِ، إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه ؟ قال : ( لا، ولكن لا يقربك ) . قالتْ : إنه والله ما به حركة إلى شيء، والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومَه هذا . فقال لي بعض أهلي : لو استأذنت رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في امرأتك، كما أذن لامرأة هلال بن أميه أن تخدمه ؟ فقُلْت : والله لا أستأذن فيها رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وما يدريني ما يقول رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا استأذنته فيها، وأنا رجلٌ شاب ؟ فلبثت بعد ذلك عشر ليال، حتى كملت لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن كلامنا، فلما صليت صلاة الفجر صبح خمسين ليلة، وأنا على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله، قد ضاقت علي نفسي، وضاقت علي الأرض بما رحبت، سمعت صوت صارخ، أوفى على جبل سلع، بأعلى صوته : يا كعب بن مالك أبشر، قال : فخررت ساجدا، وعرفت أن قد جاء فرج، وآذن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بتوبة الله علينا حين صلَّى صلاة الفجر، فذهب الناس يبشروننا، وذهب قبل صاحبي مبشرون، وركض إلي رجلٌ فرسا، وسعى ساع من أسلم، فأوفى على الجبل، وكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي، فكسوته إياهما ببشراه، والله ما أملك غيرهما يومَئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما، وانطلقت إلى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فيتلقاني الناس فوجا فوجا، يهونني بالتوبة يقولون : لتهنك توبة الله عليك، قال كعب : حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟الس حوله الناس، فقام إلى طلحةَ بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني، والله ما قام إلي رجلٌ من المهاجرين غيره، ولا أنساها لطلحةَ، قال كعب : فلما سلمت على رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وهو يبرق وجهه من السرور : ( أبشر بخير يومَ مر عليك منذ ولدتك أمك ) . قال : قُلْت : أمن عِندَك يا رسولَ اللهِ، أم من عِندَ الله ؟ قال : ( لا، بل من عِندَ الله ) . وكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا سر استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منه، فلما جلست بين يديه قُلْت : يا رسولَ اللهِ، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسول الله، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك ) . قُلْت : فإني أمسك سهمي الذي بخيبر، فقُلْت : يا رسولَ اللهِ، إن الله إنما نجاني بالصدق، وإن من توبتي أن لا أُحُدٍث إلا صدقا مالقيت . فوالله ما أعلم أحدًا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أحسن مما أبلاني، ما تعمدت منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى يومَي هذا كذبا، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقيت . وأنزل الله على رسوله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار - إلى قوله - وكونوا مع الصادقين . فوالله ما أنعم الله علي من نعمة قط، بعد أن هداني للإسلام، أعظم في نفسي من صدقي لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا، فإن الله قال للذين كذبوا - حين أنزل الوحي - شر ما قال لأُحُدٍ، فقال تبارك وتعالى : سيحلفون بالله لكم إذا انقُلْبتم - إلى قوله - فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين . قال كعب : وكنا تخلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حين حلفوا له، فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أمرنا حتى قضى الله فيه، فبذلك قال الله : وعلى الثلاثة الذين خلفوا . وليس الذي ذكر الله مما خلفنا عن الغزو، إنما هو تخليفه إيانا، وإرجاؤه أمرنا، عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه .
أن عبد الله بن كعب بن مالك، وكان قائد كعب من بنيه حين عمي، قال : سمعت كعب بن مالك يحدث حين تخلف عن قصة تبوك، قال كعب : لم أتخلف عن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في غزوة غزاها الإ في غزوة تبوك، غير أني كنتُ تخلفت في بدر، ولم يعاتب أحدًا تخلف عنها، إنما خرج رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يريد عير قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ليلة العقبة، حين تواثقنا على الإسلام، وما أحب أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها، كان من خبري : أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر حين تخلفت عنه في تلك الغزاة، والله ما اجتمعت عِندَي قبله راحلتان قط، حتى جمعتهما في تلك الغزوة، ولم يكن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يريد غزوة إلا ورى بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة، غزاها رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في حر شديد، واستقبل سفرا بعيدا، ومفازا وعدوا كثيرا، فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم، فأخبرهم بوجهه الذي يريد، والمسلمون مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كثير، ولا يجمعهم كتاب حافظ، يريد الديوان . قال كعب : فما رجلٌ يريد أن يتغيب إلا ظن أن سيخفى له، ما لم ينزل فيه وحي الله، وغزا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟لك الغزوة حين طابت الثمار والظلال، وتجهز رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والمسلمون معه، فطفقت أغدو لكي أتجهز معهم، فأرجع ولم أقضى شيئا، فأقول في نفسي : أنا قادر عليه، فلم يزل يتمادى بي حتى اشتد بالناس الجد، فأصبح رسول صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والمسلمون معه، ولم أقض من جهازي شيئا، فقُلْت أتجهز بعده بيومَ أو يومَين ثم ألحقهم، فغدوت بعد أن فصلوا لأتجهز، فرجعت ولم أقض شيئا، ثم غدوت، ثم رجعت ولم أقض شيئا، فلم يزل بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو، وهممت أن أرتحل فأدركهم، وليتني فعلت، فلم يقدر لي ذلك، فكنتُ إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فطفت فيهم، أحزنني أني لا أرى إلا رجلًا مغموصا عليه النفاق، أو رجلًا ممن عذر الله من الضعفاء، ولم يذكرني رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتى بلغ تبوك، فقال، وهو جالس في القوم بتبوك : ( ما فعل كعب ) . فقال رجلٌ من بني سلمة : يا رسولَ اللهِ، حبسه برداه، ونظره في عطفيه . فقال مُعاذٍ بن جبل : بئس ما قُلْت، والله يا رسولَ اللهِ ما علمنا عليه الإ خيرا . فسكت رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم . قال كعب بن مالك : فلما بلغني أنه توجه قافلا حضرني همي، وطفقت أتذكر الكذب وأقول : بماذا أخرج من سخطه غدا، واستعنت على ذلك بكل ذي رأي من أهلي، فلما قيل : إن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قد أظل قادما زاح عني الباطل، وعرفت أني لن أخرج منه أبدا بشيء فيه كذب، فأجمعت صدقه، وأصبح رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قادما، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد، فيركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس، قُلْما فعل ذلك جاءه المخلفون، فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلًا، فقبل منهم رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم علانيتهم، وبايعهم واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله، فجئته، فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب، ثم قال : ( تعال ) . فجئت أمشي حتى جلست يديه، فقال لي : ( ما خلفك، ألم تكن قد ابتعت ظهرك ) . فقُلْت : بلى، إني والله - يا رسولَ اللهِ - لو جلست عِندَ غيرك من أهل الدنيا، لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أعطيت جدلا، ولكني والله، لقد علمت لئن حدثتك اليومَ حديث كذب ترضى به عني، ليوشكن الله أن يسخطك علي، ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه، إني لأرجو فيه عفو الله، لا والله، ما كان لي من عذر، والله ما كنتُ قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك . فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك ) . فقمت وثار رجال من بني سلمة فاتبعوني، فقالوا لي : والله ما علمناك كنتُ أذنبت ذنبا قبل هذا، ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بما اعتذر إليه المتخلفون، قد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟ك . فوالله ما زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي، ثم قُلْت لهم : هل لقي هذا معي أُحُدٍ ؟ قالوا : نعم، رجلان قالا مثل ما قُلْت، فقيل لهما مثل ما قيل لك، فقُلْت : من هما ؟ قالوا : مرارة بن الربيع العمري وهلال بن أمية الواقفي، فذكروا لي رجلٌين صالحين، قد شهدا بدرا، فيهما أسوة، فمضيت حين ذكروهما لي، ونهى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه، فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا، حتى تنكرت في نفسي الأرض فما هي التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنتُ أشب القوم وأجلدهم، فكنتُ أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أُحُدٍ، وآتي رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي : هل حرك شفتيه برد السلام علي أم لا ؟ ثم أصلي قريبا منه، فأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إلي، وإذا التفت نحوه أعرض عني، حتى إذا طال علي ذلك من جفوة الناس، مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي وأحب الناس إلي، فسلمت عليه، فوالله ما رد علي السلام، فقُلْت : يا أبا قتادة، أنشدك بالله هل تعلمني أحب الله ورسوله ؟ فسكت، فعدت له فنشدته فسكت، فعدت له فنشدته، فقال : الله ورسوله أعلم، ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار . قال : فبينا أنا أمشي بسوق المدينة، إذا نبطي من أنباط أهل الشأم، ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة، يقول : من يدل على كعب بن مالك، فطفق الناس يشيرون له، حتى إذا جاءني دفع إلي كتابا من ملك غسان، فإذا فيه : أما بعد، فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك . فقُلْت لما قرأتها : وهذا أيضا من البلاء، فتيممت بها التنور فسجرته بها، حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين، إذا رسول رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يأتيني فقال : إن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يأمرك أن تعتزل امرأتك، فقُلْت : أطلقها أم ماذا أفعل ؟ قال : لا، بل اعتزلها ولا تقربها . وأرسل إلى صاحبي مثل ذلك، فقُلْت لامرأتي : الحقي بأهلك، فتكوني عِندَهم حتى يقضي الله في هذا الأمر . قال كعب : فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقالتْ : يا رسولَ اللهِ، إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه ؟ قال : ( لا، ولكن لا يقربك ) . قالتْ : إنه والله ما به حركة إلى شيء، والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومَه هذا . فقال لي بعض أهلي : لو استأذنت رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في امرأتك، كما أذن لامرأة هلال بن أميه أن تخدمه ؟ فقُلْت : والله لا أستأذن فيها رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وما يدريني ما يقول رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا استأذنته فيها، وأنا رجلٌ شاب ؟ فلبثت بعد ذلك عشر ليال، حتى كملت لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن كلامنا، فلما صليت صلاة الفجر صبح خمسين ليلة، وأنا على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله، قد ضاقت علي نفسي، وضاقت علي الأرض بما رحبت، سمعت صوت صارخ، أوفى على جبل سلع، بأعلى صوته : يا كعب بن مالك أبشر، قال : فخررت ساجدا، وعرفت أن قد جاء فرج، وآذن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بتوبة الله علينا حين صلَّى صلاة الفجر ، فذهب الناس يبشروننا، وذهب قبل صاحبي مبشرون، وركض إلي رجلٌ فرسا، وسعى ساع من أسلم، فأوفى على الجبل، وكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي، فكسوته إياهما ببشراه، والله ما أملك غيرهما يومَئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما، وانطلقت إلى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فيتلقاني الناس فوجا فوجا، يهونني بالتوبة يقولون : لتهنك توبة الله عليك، قال كعب : حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟الس حوله الناس، فقام إلى طلحةَ بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني، والله ما قام إلي رجلٌ من المهاجرين غيره، ولا أنساها لطلحةَ، قال كعب : فلما سلمت على رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وهو يبرق وجهه من السرور : ( أبشر بخير يومَ مر عليك منذ ولدتك أمك ) . قال : قُلْت : أمن عِندَك يا رسولَ اللهِ، أم من عِندَ الله ؟ قال : ( لا، بل من عِندَ الله ) . وكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا سر استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منه، فلما جلست بين يديه قُلْت : يا رسولَ اللهِ، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسول الله، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك ) . قُلْت : فإني أمسك سهمي الذي بخيبر، فقُلْت : يا رسولَ اللهِ، إن الله إنما نجاني بالصدق، وإن من توبتي أن لا أُحُدٍث إلا صدقا مالقيت . فوالله ما أعلم أحدًا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أحسن مما أبلاني، ما تعمدت منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى يومَي هذا كذبا، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقيت . وأنزل الله على رسوله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار - إلى قوله - وكونوا مع الصادقين . فوالله ما أنعم الله علي من نعمة قط، بعد أن هداني للإسلام، أعظم في نفسي من صدقي لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا، فإن الله قال للذين كذبوا - حين أنزل الوحي - شر ما قال لأُحُدٍ، فقال تبارك وتعالى : سيحلفون بالله لكم إذا انقُلْبتم - إلى قوله - فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين . قال كعب : وكنا تخلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حين حلفوا له، فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أمرنا حتى قضى الله فيه، فبذلك قال الله : وعلى الثلاثة الذين خلفوا . وليس الذي ذكر الله مما خلفنا عن الغزو، إنما هو تخليفه إيانا، وإرجاؤه أمرنا، عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه .
أن عبد الله بن كعب بن مالك، وكان قائد كعب من بنيه حين عمي، قال : سمعت كعب بن مالك يحدث حين تخلف عن قصة تبوك، قال كعب : لم أتخلف عن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في غزوة غزاها الإ في غزوة تبوك، غير أني كنتُ تخلفت في بدر، ولم يعاتب أحدًا تخلف عنها، إنما خرج رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يريد عير قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ليلة العقبة، حين تواثقنا على الإسلام، وما أحب أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها، كان من خبري : أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر حين تخلفت عنه في تلك الغزاة، والله ما اجتمعت عِندَي قبله راحلتان قط، حتى جمعتهما في تلك الغزوة، ولم يكن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يريد غزوة إلا ورى بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة، غزاها رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في حر شديد، واستقبل سفرا بعيدا، ومفازا وعدوا كثيرا، فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم، فأخبرهم بوجهه الذي يريد، والمسلمون مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كثير، ولا يجمعهم كتاب حافظ، يريد الديوان . قال كعب : فما رجلٌ يريد أن يتغيب إلا ظن أن سيخفى له، ما لم ينزل فيه وحي الله، وغزا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟لك الغزوة حين طابت الثمار والظلال، وتجهز رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والمسلمون معه، فطفقت أغدو لكي أتجهز معهم، فأرجع ولم أقضى شيئا، فأقول في نفسي : أنا قادر عليه، فلم يزل يتمادى بي حتى اشتد بالناس الجد، فأصبح رسول صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والمسلمون معه، ولم أقض من جهازي شيئا، فقُلْت أتجهز بعده بيومَ أو يومَين ثم ألحقهم، فغدوت بعد أن فصلوا لأتجهز، فرجعت ولم أقض شيئا، ثم غدوت، ثم رجعت ولم أقض شيئا، فلم يزل بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو، وهممت أن أرتحل فأدركهم، وليتني فعلت، فلم يقدر لي ذلك، فكنتُ إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فطفت فيهم، أحزنني أني لا أرى إلا رجلًا مغموصا عليه النفاق، أو رجلًا ممن عذر الله من الضعفاء، ولم يذكرني رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتى بلغ تبوك، فقال، وهو جالس في القوم بتبوك : ( ما فعل كعب ) . فقال رجلٌ من بني سلمة : يا رسولَ اللهِ، حبسه برداه، ونظره في عطفيه . فقال مُعاذٍ بن جبل : بئس ما قُلْت، والله يا رسولَ اللهِ ما علمنا عليه الإ خيرا . فسكت رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم . قال كعب بن مالك : فلما بلغني أنه توجه قافلا حضرني همي، وطفقت أتذكر الكذب وأقول : بماذا أخرج من سخطه غدا، واستعنت على ذلك بكل ذي رأي من أهلي، فلما قيل : إن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قد أظل قادما زاح عني الباطل، وعرفت أني لن أخرج منه أبدا بشيء فيه كذب، فأجمعت صدقه، وأصبح رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قادما، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد، فيركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس، قُلْما فعل ذلك جاءه المخلفون، فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلًا، فقبل منهم رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم علانيتهم، وبايعهم واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله، فجئته، فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب، ثم قال : ( تعال ) . فجئت أمشي حتى جلست يديه، فقال لي : ( ما خلفك، ألم تكن قد ابتعت ظهرك ) . فقُلْت : بلى، إني والله - يا رسولَ اللهِ - لو جلست عِندَ غيرك من أهل الدنيا، لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أعطيت جدلا، ولكني والله، لقد علمت لئن حدثتك اليومَ حديث كذب ترضى به عني، ليوشكن الله أن يسخطك علي، ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه، إني لأرجو فيه عفو الله، لا والله، ما كان لي من عذر، والله ما كنتُ قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك . فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك ) . فقمت وثار رجال من بني سلمة فاتبعوني، فقالوا لي : والله ما علمناك كنتُ أذنبت ذنبا قبل هذا، ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بما اعتذر إليه المتخلفون، قد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟ك . فوالله ما زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي، ثم قُلْت لهم : هل لقي هذا معي أُحُدٍ ؟ قالوا : نعم، رجلان قالا مثل ما قُلْت، فقيل لهما مثل ما قيل لك، فقُلْت : من هما ؟ قالوا : مرارة بن الربيع العمري وهلال بن أمية الواقفي، فذكروا لي رجلٌين صالحين، قد شهدا بدرا، فيهما أسوة، فمضيت حين ذكروهما لي، ونهى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه، فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا، حتى تنكرت في نفسي الأرض فما هي التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنتُ أشب القوم وأجلدهم، فكنتُ أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أُحُدٍ، وآتي رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي : هل حرك شفتيه برد السلام علي أم لا ؟ ثم أصلي قريبا منه، فأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إلي، وإذا التفت نحوه أعرض عني، حتى إذا طال علي ذلك من جفوة الناس، مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي وأحب الناس إلي، فسلمت عليه، فوالله ما رد علي السلام، فقُلْت : يا أبا قتادة، أنشدك بالله هل تعلمني أحب الله ورسوله ؟ فسكت، فعدت له فنشدته فسكت، فعدت له فنشدته، فقال : الله ورسوله أعلم، ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار . قال : فبينا أنا أمشي بسوق المدينة، إذا نبطي من أنباط أهل الشأم، ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة، يقول : من يدل على كعب بن مالك، فطفق الناس يشيرون له، حتى إذا جاءني دفع إلي كتابا من ملك غسان، فإذا فيه : أما بعد، فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك . فقُلْت لما قرأتها : وهذا أيضا من البلاء، فتيممت بها التنور فسجرته بها، حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين، إذا رسول رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يأتيني فقال : إن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يأمرك أن تعتزل امرأتك، فقُلْت : أطلقها أم ماذا أفعل ؟ قال : لا، بل اعتزلها ولا تقربها . وأرسل إلى صاحبي مثل ذلك، فقُلْت لامرأتي : الحقي بأهلك، فتكوني عِندَهم حتى يقضي الله في هذا الأمر . قال كعب : فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقالتْ : يا رسولَ اللهِ، إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه ؟ قال : ( لا، ولكن لا يقربك ) . قالتْ : إنه والله ما به حركة إلى شيء، والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومَه هذا . فقال لي بعض أهلي : لو استأذنت رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في امرأتك، كما أذن لامرأة هلال بن أميه أن تخدمه ؟ فقُلْت : والله لا أستأذن فيها رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وما يدريني ما يقول رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا استأذنته فيها، وأنا رجلٌ شاب ؟ فلبثت بعد ذلك عشر ليال، حتى كملت لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن كلامنا، فلما صليت صلاة الفجر صبح خمسين ليلة، وأنا على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله، قد ضاقت علي نفسي، وضاقت علي الأرض بما رحبت، سمعت صوت صارخ، أوفى على جبل سلع، بأعلى صوته : يا كعب بن مالك أبشر، قال : فخررت ساجدا، وعرفت أن قد جاء فرج، وآذن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بتوبة الله علينا حين صلَّى صلاة الفجر، فذهب الناس يبشروننا، وذهب قبل صاحبي مبشرون، وركض إلي رجلٌ فرسا، وسعى ساع من أسلم، فأوفى على الجبل، وكان الصوت أسرع من الفرس ، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي، فكسوته إياهما ببشراه، والله ما أملك غيرهما يومَئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما، وانطلقت إلى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فيتلقاني الناس فوجا فوجا، يهونني بالتوبة يقولون : لتهنك توبة الله عليك، قال كعب : حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟الس حوله الناس، فقام إلى طلحةَ بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني، والله ما قام إلي رجلٌ من المهاجرين غيره، ولا أنساها لطلحةَ، قال كعب : فلما سلمت على رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وهو يبرق وجهه من السرور : ( أبشر بخير يومَ مر عليك منذ ولدتك أمك ) . قال : قُلْت : أمن عِندَك يا رسولَ اللهِ، أم من عِندَ الله ؟ قال : ( لا، بل من عِندَ الله ) . وكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا سر استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منه، فلما جلست بين يديه قُلْت : يا رسولَ اللهِ، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسول الله، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك ) . قُلْت : فإني أمسك سهمي الذي بخيبر، فقُلْت : يا رسولَ اللهِ، إن الله إنما نجاني بالصدق، وإن من توبتي أن لا أُحُدٍث إلا صدقا مالقيت . فوالله ما أعلم أحدًا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أحسن مما أبلاني، ما تعمدت منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى يومَي هذا كذبا، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقيت . وأنزل الله على رسوله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار - إلى قوله - وكونوا مع الصادقين . فوالله ما أنعم الله علي من نعمة قط، بعد أن هداني للإسلام، أعظم في نفسي من صدقي لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا، فإن الله قال للذين كذبوا - حين أنزل الوحي - شر ما قال لأُحُدٍ، فقال تبارك وتعالى : سيحلفون بالله لكم إذا انقُلْبتم - إلى قوله - فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين . قال كعب : وكنا تخلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حين حلفوا له، فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أمرنا حتى قضى الله فيه، فبذلك قال الله : وعلى الثلاثة الذين خلفوا . وليس الذي ذكر الله مما خلفنا عن الغزو، إنما هو تخليفه إيانا، وإرجاؤه أمرنا، عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه .
أن عبد الله بن كعب بن مالك، وكان قائد كعب من بنيه حين عمي، قال : سمعت كعب بن مالك يحدث حين تخلف عن قصة تبوك، قال كعب : لم أتخلف عن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في غزوة غزاها الإ في غزوة تبوك، غير أني كنتُ تخلفت في بدر، ولم يعاتب أحدًا تخلف عنها، إنما خرج رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يريد عير قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ليلة العقبة، حين تواثقنا على الإسلام، وما أحب أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها، كان من خبري : أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر حين تخلفت عنه في تلك الغزاة، والله ما اجتمعت عِندَي قبله راحلتان قط، حتى جمعتهما في تلك الغزوة، ولم يكن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يريد غزوة إلا ورى بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة، غزاها رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في حر شديد، واستقبل سفرا بعيدا، ومفازا وعدوا كثيرا، فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم، فأخبرهم بوجهه الذي يريد، والمسلمون مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كثير، ولا يجمعهم كتاب حافظ، يريد الديوان . قال كعب : فما رجلٌ يريد أن يتغيب إلا ظن أن سيخفى له، ما لم ينزل فيه وحي الله، وغزا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟لك الغزوة حين طابت الثمار والظلال، وتجهز رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والمسلمون معه، فطفقت أغدو لكي أتجهز معهم، فأرجع ولم أقضى شيئا، فأقول في نفسي : أنا قادر عليه، فلم يزل يتمادى بي حتى اشتد بالناس الجد، فأصبح رسول صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والمسلمون معه، ولم أقض من جهازي شيئا، فقُلْت أتجهز بعده بيومَ أو يومَين ثم ألحقهم، فغدوت بعد أن فصلوا لأتجهز، فرجعت ولم أقض شيئا، ثم غدوت، ثم رجعت ولم أقض شيئا، فلم يزل بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو، وهممت أن أرتحل فأدركهم، وليتني فعلت، فلم يقدر لي ذلك، فكنتُ إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فطفت فيهم، أحزنني أني لا أرى إلا رجلًا مغموصا عليه النفاق، أو رجلًا ممن عذر الله من الضعفاء، ولم يذكرني رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتى بلغ تبوك، فقال، وهو جالس في القوم بتبوك : ( ما فعل كعب ) . فقال رجلٌ من بني سلمة : يا رسولَ اللهِ، حبسه برداه، ونظره في عطفيه . فقال مُعاذٍ بن جبل : بئس ما قُلْت، والله يا رسولَ اللهِ ما علمنا عليه الإ خيرا . فسكت رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم . قال كعب بن مالك : فلما بلغني أنه توجه قافلا حضرني همي، وطفقت أتذكر الكذب وأقول : بماذا أخرج من سخطه غدا، واستعنت على ذلك بكل ذي رأي من أهلي، فلما قيل : إن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قد أظل قادما زاح عني الباطل، وعرفت أني لن أخرج منه أبدا بشيء فيه كذب، فأجمعت صدقه، وأصبح رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قادما، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد، فيركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس، قُلْما فعل ذلك جاءه المخلفون، فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلًا، فقبل منهم رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم علانيتهم، وبايعهم واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله، فجئته، فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب، ثم قال : ( تعال ) . فجئت أمشي حتى جلست يديه، فقال لي : ( ما خلفك، ألم تكن قد ابتعت ظهرك ) . فقُلْت : بلى، إني والله - يا رسولَ اللهِ - لو جلست عِندَ غيرك من أهل الدنيا، لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أعطيت جدلا، ولكني والله، لقد علمت لئن حدثتك اليومَ حديث كذب ترضى به عني، ليوشكن الله أن يسخطك علي، ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه، إني لأرجو فيه عفو الله، لا والله، ما كان لي من عذر، والله ما كنتُ قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك . فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك ) . فقمت وثار رجال من بني سلمة فاتبعوني، فقالوا لي : والله ما علمناك كنتُ أذنبت ذنبا قبل هذا، ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بما اعتذر إليه المتخلفون، قد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟ك . فوالله ما زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي، ثم قُلْت لهم : هل لقي هذا معي أُحُدٍ ؟ قالوا : نعم، رجلان قالا مثل ما قُلْت، فقيل لهما مثل ما قيل لك، فقُلْت : من هما ؟ قالوا : مرارة بن الربيع العمري وهلال بن أمية الواقفي، فذكروا لي رجلٌين صالحين، قد شهدا بدرا، فيهما أسوة، فمضيت حين ذكروهما لي، ونهى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه، فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا، حتى تنكرت في نفسي الأرض فما هي التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنتُ أشب القوم وأجلدهم، فكنتُ أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أُحُدٍ، وآتي رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي : هل حرك شفتيه برد السلام علي أم لا ؟ ثم أصلي قريبا منه، فأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إلي، وإذا التفت نحوه أعرض عني، حتى إذا طال علي ذلك من جفوة الناس، مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي وأحب الناس إلي، فسلمت عليه، فوالله ما رد علي السلام، فقُلْت : يا أبا قتادة، أنشدك بالله هل تعلمني أحب الله ورسوله ؟ فسكت، فعدت له فنشدته فسكت، فعدت له فنشدته، فقال : الله ورسوله أعلم، ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار . قال : فبينا أنا أمشي بسوق المدينة، إذا نبطي من أنباط أهل الشأم، ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة، يقول : من يدل على كعب بن مالك، فطفق الناس يشيرون له، حتى إذا جاءني دفع إلي كتابا من ملك غسان، فإذا فيه : أما بعد، فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك . فقُلْت لما قرأتها : وهذا أيضا من البلاء، فتيممت بها التنور فسجرته بها، حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين، إذا رسول رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يأتيني فقال : إن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يأمرك أن تعتزل امرأتك، فقُلْت : أطلقها أم ماذا أفعل ؟ قال : لا، بل اعتزلها ولا تقربها . وأرسل إلى صاحبي مثل ذلك، فقُلْت لامرأتي : الحقي بأهلك، فتكوني عِندَهم حتى يقضي الله في هذا الأمر . قال كعب : فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقالتْ : يا رسولَ اللهِ، إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه ؟ قال : ( لا، ولكن لا يقربك ) . قالتْ : إنه والله ما به حركة إلى شيء، والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومَه هذا . فقال لي بعض أهلي : لو استأذنت رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في امرأتك، كما أذن لامرأة هلال بن أميه أن تخدمه ؟ فقُلْت : والله لا أستأذن فيها رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وما يدريني ما يقول رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا استأذنته فيها، وأنا رجلٌ شاب ؟ فلبثت بعد ذلك عشر ليال، حتى كملت لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن كلامنا، فلما صليت صلاة الفجر صبح خمسين ليلة، وأنا على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله، قد ضاقت علي نفسي، وضاقت علي الأرض بما رحبت، سمعت صوت صارخ، أوفى على جبل سلع، بأعلى صوته : يا كعب بن مالك أبشر، قال : فخررت ساجدا، وعرفت أن قد جاء فرج، وآذن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بتوبة الله علينا حين صلَّى صلاة الفجر، فذهب الناس يبشروننا، وذهب قبل صاحبي مبشرون، وركض إلي رجلٌ فرسا، وسعى ساع من أسلم، فأوفى على الجبل، وكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي، فكسوته إياهما ببشراه، والله ما أملك غيرهما يومَئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما، وانطلقت إلى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فيتلقاني الناس فوجا فوجا، يهونني بالتوبة يقولون : لتهنك توبة الله عليك، قال كعب : حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟الس حوله الناس، فقام إلى طلحةَ بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني، والله ما قام إلي رجلٌ من المهاجرين غيره، ولا أنساها لطلحةَ، قال كعب : فلما سلمت على رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وهو يبرق وجهه من السرور : ( أبشر بخير يومَ مر عليك منذ ولدتك أمك ) . قال : قُلْت : أمن عِندَك يا رسولَ اللهِ، أم من عِندَ الله ؟ قال : ( لا، بل من عِندَ الله ) . وكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا سر استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منه، فلما جلست بين يديه قُلْت : يا رسولَ اللهِ، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسول الله، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك ) . قُلْت : فإني أمسك سهمي الذي بخيبر، فقُلْت : يا رسولَ اللهِ، إن الله إنما نجاني بالصدق، وإن من توبتي أن لا أُحُدٍث إلا صدقا مالقيت . فوالله ما أعلم أحدًا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أحسن مما أبلاني، ما تعمدت منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى يومَي هذا كذبا، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقيت . وأنزل الله على رسوله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار - إلى قوله - وكونوا مع الصادقين . فوالله ما أنعم الله علي من نعمة قط، بعد أن هداني للإسلام، أعظم في نفسي من صدقي لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا، فإن الله قال للذين كذبوا - حين أنزل الوحي - شر ما قال لأُحُدٍ، فقال تبارك وتعالى : سيحلفون بالله لكم إذا انقُلْبتم - إلى قوله - فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين . قال كعب : وكنا تخلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حين حلفوا له، فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أمرنا حتى قضى الله فيه، فبذلك قال الله : وعلى الثلاثة الذين خلفوا . وليس الذي ذكر الله مما خلفنا عن الغزو، إنما هو تخليفه إيانا، وإرجاؤه أمرنا، عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه .
أن عبد الله بن كعب بن مالك، وكان قائد كعب من بنيه حين عمي، قال : سمعت كعب بن مالك يحدث حين تخلف عن قصة تبوك، قال كعب : لم أتخلف عن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في غزوة غزاها الإ في غزوة تبوك، غير أني كنتُ تخلفت في بدر، ولم يعاتب أحدًا تخلف عنها، إنما خرج رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يريد عير قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ليلة العقبة، حين تواثقنا على الإسلام، وما أحب أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها، كان من خبري : أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر حين تخلفت عنه في تلك الغزاة، والله ما اجتمعت عِندَي قبله راحلتان قط، حتى جمعتهما في تلك الغزوة، ولم يكن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يريد غزوة إلا ورى بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة، غزاها رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في حر شديد، واستقبل سفرا بعيدا، ومفازا وعدوا كثيرا، فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم، فأخبرهم بوجهه الذي يريد، والمسلمون مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كثير، ولا يجمعهم كتاب حافظ، يريد الديوان . قال كعب : فما رجلٌ يريد أن يتغيب إلا ظن أن سيخفى له، ما لم ينزل فيه وحي الله ، وغزا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟لك الغزوة حين طابت الثمار والظلال، وتجهز رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والمسلمون معه، فطفقت أغدو لكي أتجهز معهم، فأرجع ولم أقضى شيئا، فأقول في نفسي : أنا قادر عليه، فلم يزل يتمادى بي حتى اشتد بالناس الجد، فأصبح رسول صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والمسلمون معه، ولم أقض من جهازي شيئا، فقُلْت أتجهز بعده بيومَ أو يومَين ثم ألحقهم، فغدوت بعد أن فصلوا لأتجهز، فرجعت ولم أقض شيئا، ثم غدوت، ثم رجعت ولم أقض شيئا، فلم يزل بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو، وهممت أن أرتحل فأدركهم، وليتني فعلت، فلم يقدر لي ذلك، فكنتُ إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فطفت فيهم، أحزنني أني لا أرى إلا رجلًا مغموصا عليه النفاق، أو رجلًا ممن عذر الله من الضعفاء، ولم يذكرني رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتى بلغ تبوك، فقال، وهو جالس في القوم بتبوك : ( ما فعل كعب ) . فقال رجلٌ من بني سلمة : يا رسولَ اللهِ ، حبسه برداه، ونظره في عطفيه . فقال مُعاذٍ بن جبل : بئس ما قُلْت، والله يا رسولَ اللهِ ما علمنا عليه الإ خيرا . فسكت رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم . قال كعب بن مالك : فلما بلغني أنه توجه قافلا حضرني همي، وطفقت أتذكر الكذب وأقول : بماذا أخرج من سخطه غدا، واستعنت على ذلك بكل ذي رأي من أهلي، فلما قيل : إن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قد أظل قادما زاح عني الباطل، وعرفت أني لن أخرج منه أبدا بشيء فيه كذب، فأجمعت صدقه، وأصبح رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قادما، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد، فيركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس، قُلْما فعل ذلك جاءه المخلفون، فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلًا، فقبل منهم رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم علانيتهم، وبايعهم واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله ، فجئته، فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب، ثم قال : ( تعال ) . فجئت أمشي حتى جلست يديه، فقال لي : ( ما خلفك، ألم تكن قد ابتعت ظهرك ) . فقُلْت : بلى، إني والله - يا رسولَ اللهِ - لو جلست عِندَ غيرك من أهل الدنيا، لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أعطيت جدلا، ولكني والله، لقد علمت لئن حدثتك اليومَ حديث كذب ترضى به عني، ليوشكن الله أن يسخطك علي، ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه، إني لأرجو فيه عفو الله ، لا والله، ما كان لي من عذر، والله ما كنتُ قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك . فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك ) . فقمت وثار رجال من بني سلمة فاتبعوني، فقالوا لي : والله ما علمناك كنتُ أذنبت ذنبا قبل هذا، ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بما اعتذر إليه المتخلفون، قد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟ك . فوالله ما زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي، ثم قُلْت لهم : هل لقي هذا معي أُحُدٍ ؟ قالوا : نعم، رجلان قالا مثل ما قُلْت، فقيل لهما مثل ما قيل لك، فقُلْت : من هما ؟ قالوا : مرارة بن الربيع العمري وهلال بن أمية الواقفي، فذكروا لي رجلٌين صالحين، قد شهدا بدرا، فيهما أسوة، فمضيت حين ذكروهما لي، ونهى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه، فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا، حتى تنكرت في نفسي الأرض فما هي التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنتُ أشب القوم وأجلدهم، فكنتُ أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أُحُدٍ، وآتي رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي : هل حرك شفتيه برد السلام علي أم لا ؟ ثم أصلي قريبا منه، فأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إلي، وإذا التفت نحوه أعرض عني، حتى إذا طال علي ذلك من جفوة الناس، مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي وأحب الناس إلي، فسلمت عليه، فوالله ما رد علي السلام، فقُلْت : يا أبا قتادة، أنشدك بالله هل تعلمني أحب الله ورسوله ؟ فسكت، فعدت له فنشدته فسكت، فعدت له فنشدته، فقال : الله ورسوله أعلم، ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار . قال : فبينا أنا أمشي بسوق المدينة، إذا نبطي من أنباط أهل الشأم، ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة، يقول : من يدل على كعب بن مالك، فطفق الناس يشيرون له، حتى إذا جاءني دفع إلي كتابا من ملك غسان، فإذا فيه : أما بعد، فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك . فقُلْت لما قرأتها : وهذا أيضا من البلاء، فتيممت بها التنور فسجرته بها، حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين، إذا رسول رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يأتيني فقال : إن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يأمرك أن تعتزل امرأتك، فقُلْت : أطلقها أم ماذا أفعل ؟ قال : لا، بل اعتزلها ولا تقربها . وأرسل إلى صاحبي مثل ذلك، فقُلْت لامرأتي : الحقي بأهلك، فتكوني عِندَهم حتى يقضي الله في هذا الأمر . قال كعب : فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقالتْ : يا رسولَ اللهِ ، إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه ؟ قال : ( لا، ولكن لا يقربك ) . قالتْ : إنه والله ما به حركة إلى شيء، والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومَه هذا . فقال لي بعض أهلي : لو استأذنت رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في امرأتك، كما أذن لامرأة هلال بن أميه أن تخدمه ؟ فقُلْت : والله لا أستأذن فيها رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وما يدريني ما يقول رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا استأذنته فيها، وأنا رجلٌ شاب ؟ فلبثت بعد ذلك عشر ليال، حتى كملت لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن كلامنا، فلما صليت صلاة الفجر صبح خمسين ليلة، وأنا على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله ، قد ضاقت علي نفسي، وضاقت علي الأرض بما رحبت، سمعت صوت صارخ، أوفى على جبل سلع، بأعلى صوته : يا كعب بن مالك أبشر، قال : فخررت ساجدا، وعرفت أن قد جاء فرج، وآذن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بتوبة الله علينا حين صلَّى صلاة الفجر، فذهب الناس يبشروننا، وذهب قبل صاحبي مبشرون، وركض إلي رجلٌ فرسا، وسعى ساع من أسلم، فأوفى على الجبل، وكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي، فكسوته إياهما ببشراه، والله ما أملك غيرهما يومَئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما، وانطلقت إلى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فيتلقاني الناس فوجا فوجا، يهونني بالتوبة يقولون : لتهنك توبة الله عليك، قال كعب : حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟الس حوله الناس، فقام إلى طلحةَ بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني، والله ما قام إلي رجلٌ من المهاجرين غيره، ولا أنساها لطلحةَ، قال كعب : فلما سلمت على رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وهو يبرق وجهه من السرور : ( أبشر بخير يومَ مر عليك منذ ولدتك أمك ) . قال : قُلْت : أمن عِندَك يا رسولَ اللهِ ، أم من عِندَ الله ؟ قال : ( لا، بل من عِندَ الله ) . وكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا سر استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منه، فلما جلست بين يديه قُلْت : يا رسولَ اللهِ ، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسول الله ، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك ) . قُلْت : فإني أمسك سهمي الذي بخيبر، فقُلْت : يا رسولَ اللهِ ، إن الله إنما نجاني بالصدق، وإن من توبتي أن لا أُحُدٍث إلا صدقا مالقيت . فوالله ما أعلم أحدًا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أحسن مما أبلاني، ما تعمدت منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى يومَي هذا كذبا، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقيت . وأنزل الله على رسوله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار - إلى قوله - وكونوا مع الصادقين . فوالله ما أنعم الله علي من نعمة قط، بعد أن هداني للإسلام، أعظم في نفسي من صدقي لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا، فإن الله قال للذين كذبوا - حين أنزل الوحي - شر ما قال لأُحُدٍ، فقال تبارك وتعالى : سيحلفون بالله لكم إذا انقُلْبتم - إلى قوله - فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين . قال كعب : وكنا تخلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حين حلفوا له، فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أمرنا حتى قضى الله فيه، فبذلك قال الله : وعلى الثلاثة الذين خلفوا . وليس الذي ذكر الله مما خلفنا عن الغزو، إنما هو تخليفه إيانا، وإرجاؤه أمرنا، عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه .
أن عبد الله بن كعب بن مالك، وكان قائد كعب من بنيه حين عمي، قال : سمعت كعب بن مالك يحدث حين تخلف عن قصة تبوك، قال كعب : لم أتخلف عن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في غزوة غزاها الإ في غزوة تبوك، غير أني كنتُ تخلفت في بدر، ولم يعاتب أحدًا تخلف عنها، إنما خرج رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يريد عير قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ليلة العقبة، حين تواثقنا على الإسلام، وما أحب أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها، كان من خبري : أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر حين تخلفت عنه في تلك الغزاة، والله ما اجتمعت عِندَي قبله راحلتان قط، حتى جمعتهما في تلك الغزوة، ولم يكن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يريد غزوة إلا ورى بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة، غزاها رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في حر شديد، واستقبل سفرا بعيدا، ومفازا وعدوا كثيرا، فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم، فأخبرهم بوجهه الذي يريد، والمسلمون مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كثير، ولا يجمعهم كتاب حافظ، يريد الديوان . قال كعب : فما رجلٌ يريد أن يتغيب إلا ظن أن سيخفى له، ما لم ينزل فيه وحي الله، وغزا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟لك الغزوة حين طابت الثمار والظلال، وتجهز رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والمسلمون معه، فطفقت أغدو لكي أتجهز معهم، فأرجع ولم أقضى شيئا، فأقول في نفسي : أنا قادر عليه، فلم يزل يتمادى بي حتى اشتد بالناس الجد، فأصبح رسول صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والمسلمون معه، ولم أقض من جهازي شيئا، فقُلْت أتجهز بعده بيومَ أو يومَين ثم ألحقهم، فغدوت بعد أن فصلوا لأتجهز، فرجعت ولم أقض شيئا، ثم غدوت، ثم رجعت ولم أقض شيئا، فلم يزل بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو، وهممت أن أرتحل فأدركهم، وليتني فعلت، فلم يقدر لي ذلك، فكنتُ إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فطفت فيهم، أحزنني أني لا أرى إلا رجلًا مغموصا عليه النفاق، أو رجلًا ممن عذر الله من الضعفاء، ولم يذكرني رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتى بلغ تبوك، فقال، وهو جالس في القوم بتبوك : ( ما فعل كعب ) . فقال رجلٌ من بني سلمة : يا رسولَ اللهِ، حبسه برداه، ونظره في عطفيه . فقال مُعاذٍ بن جبل : بئس ما قُلْت، والله يا رسولَ اللهِ ما علمنا عليه الإ خيرا . فسكت رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم . قال كعب بن مالك : فلما بلغني أنه توجه قافلا حضرني همي، وطفقت أتذكر الكذب وأقول : بماذا أخرج من سخطه غدا، واستعنت على ذلك بكل ذي رأي من أهلي، فلما قيل : إن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قد أظل قادما زاح عني الباطل، وعرفت أني لن أخرج منه أبدا بشيء فيه كذب، فأجمعت صدقه، وأصبح رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قادما، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد، فيركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس، قُلْما فعل ذلك جاءه المخلفون، فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلًا، فقبل منهم رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم علانيتهم، وبايعهم واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله، فجئته، فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب، ثم قال : ( تعال ) . فجئت أمشي حتى جلست يديه، فقال لي : ( ما خلفك، ألم تكن قد ابتعت ظهرك ) . فقُلْت : بلى، إني والله - يا رسولَ اللهِ - لو جلست عِندَ غيرك من أهل الدنيا، لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أعطيت جدلا، ولكني والله، لقد علمت لئن حدثتك اليومَ حديث كذب ترضى به عني، ليوشكن الله أن يسخطك علي، ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه، إني لأرجو فيه عفو الله، لا والله، ما كان لي من عذر، والله ما كنتُ قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك . فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك ) . فقمت وثار رجال من بني سلمة فاتبعوني، فقالوا لي : والله ما علمناك كنتُ أذنبت ذنبا قبل هذا، ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بما اعتذر إليه المتخلفون، قد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟ك . فوالله ما زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي، ثم قُلْت لهم : هل لقي هذا معي أُحُدٍ ؟ قالوا : نعم، رجلان قالا مثل ما قُلْت، فقيل لهما مثل ما قيل لك، فقُلْت : من هما ؟ قالوا : مرارة بن الربيع العمري وهلال بن أمية الواقفي، فذكروا لي رجلٌين صالحين، قد شهدا بدرا، فيهما أسوة، فمضيت حين ذكروهما لي، ونهى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه، فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا، حتى تنكرت في نفسي الأرض فما هي التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنتُ أشب القوم وأجلدهم، فكنتُ أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أُحُدٍ، وآتي رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي : هل حرك شفتيه برد السلام علي أم لا ؟ ثم أصلي قريبا منه، فأسارقه النظر ، فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إلي، وإذا التفت نحوه أعرض عني، حتى إذا طال علي ذلك من جفوة الناس، مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي وأحب الناس إلي، فسلمت عليه، فوالله ما رد علي السلام، فقُلْت : يا أبا قتادة، أنشدك بالله هل تعلمني أحب الله ورسوله ؟ فسكت، فعدت له فنشدته فسكت، فعدت له فنشدته، فقال : الله ورسوله أعلم، ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار . قال : فبينا أنا أمشي بسوق المدينة، إذا نبطي من أنباط أهل الشأم، ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة، يقول : من يدل على كعب بن مالك، فطفق الناس يشيرون له، حتى إذا جاءني دفع إلي كتابا من ملك غسان، فإذا فيه : أما بعد، فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك . فقُلْت لما قرأتها : وهذا أيضا من البلاء، فتيممت بها التنور فسجرته بها، حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين، إذا رسول رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يأتيني فقال : إن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يأمرك أن تعتزل امرأتك، فقُلْت : أطلقها أم ماذا أفعل ؟ قال : لا، بل اعتزلها ولا تقربها . وأرسل إلى صاحبي مثل ذلك، فقُلْت لامرأتي : الحقي بأهلك، فتكوني عِندَهم حتى يقضي الله في هذا الأمر . قال كعب : فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقالتْ : يا رسولَ اللهِ، إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه ؟ قال : ( لا، ولكن لا يقربك ) . قالتْ : إنه والله ما به حركة إلى شيء، والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومَه هذا . فقال لي بعض أهلي : لو استأذنت رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في امرأتك، كما أذن لامرأة هلال بن أميه أن تخدمه ؟ فقُلْت : والله لا أستأذن فيها رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وما يدريني ما يقول رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا استأذنته فيها، وأنا رجلٌ شاب ؟ فلبثت بعد ذلك عشر ليال، حتى كملت لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن كلامنا، فلما صليت صلاة الفجر صبح خمسين ليلة، وأنا على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله، قد ضاقت علي نفسي، وضاقت علي الأرض بما رحبت، سمعت صوت صارخ، أوفى على جبل سلع، بأعلى صوته : يا كعب بن مالك أبشر، قال : فخررت ساجدا، وعرفت أن قد جاء فرج، وآذن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بتوبة الله علينا حين صلَّى صلاة الفجر، فذهب الناس يبشروننا، وذهب قبل صاحبي مبشرون، وركض إلي رجلٌ فرسا، وسعى ساع من أسلم، فأوفى على الجبل، وكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي، فكسوته إياهما ببشراه، والله ما أملك غيرهما يومَئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما، وانطلقت إلى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فيتلقاني الناس فوجا فوجا، يهونني بالتوبة يقولون : لتهنك توبة الله عليك، قال كعب : حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟الس حوله الناس، فقام إلى طلحةَ بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني، والله ما قام إلي رجلٌ من المهاجرين غيره، ولا أنساها لطلحةَ، قال كعب : فلما سلمت على رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وهو يبرق وجهه من السرور : ( أبشر بخير يومَ مر عليك منذ ولدتك أمك ) . قال : قُلْت : أمن عِندَك يا رسولَ اللهِ، أم من عِندَ الله ؟ قال : ( لا، بل من عِندَ الله ) . وكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا سر استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منه، فلما جلست بين يديه قُلْت : يا رسولَ اللهِ، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسول الله، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك ) . قُلْت : فإني أمسك سهمي الذي بخيبر، فقُلْت : يا رسولَ اللهِ، إن الله إنما نجاني بالصدق، وإن من توبتي أن لا أُحُدٍث إلا صدقا مالقيت . فوالله ما أعلم أحدًا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أحسن مما أبلاني، ما تعمدت منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى يومَي هذا كذبا، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقيت . وأنزل الله على رسوله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار - إلى قوله - وكونوا مع الصادقين . فوالله ما أنعم الله علي من نعمة قط، بعد أن هداني للإسلام، أعظم في نفسي من صدقي لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا، فإن الله قال للذين كذبوا - حين أنزل الوحي - شر ما قال لأُحُدٍ، فقال تبارك وتعالى : سيحلفون بالله لكم إذا انقُلْبتم - إلى قوله - فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين . قال كعب : وكنا تخلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حين حلفوا له، فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أمرنا حتى قضى الله فيه، فبذلك قال الله : وعلى الثلاثة الذين خلفوا . وليس الذي ذكر الله مما خلفنا عن الغزو، إنما هو تخليفه إيانا، وإرجاؤه أمرنا، عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه .
أن عبد الله بن كعب بن مالك، وكان قائد كعب من بنيه حين عمي، قال : سمعت كعب بن مالك يحدث حين تخلف عن قصة تبوك، قال كعب : لم أتخلف عن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في غزوة غزاها الإ في غزوة تبوك، غير أني كنتُ تخلفت في بدر، ولم يعاتب أحدًا تخلف عنها، إنما خرج رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يريد عير قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ليلة العقبة، حين تواثقنا على الإسلام، وما أحب أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها، كان من خبري : أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر حين تخلفت عنه في تلك الغزاة، والله ما اجتمعت عِندَي قبله راحلتان قط، حتى جمعتهما في تلك الغزوة، ولم يكن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يريد غزوة إلا ورى بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة، غزاها رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في حر شديد، واستقبل سفرا بعيدا، ومفازا وعدوا كثيرا، فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم، فأخبرهم بوجهه الذي يريد، والمسلمون مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كثير، ولا يجمعهم كتاب حافظ، يريد الديوان . قال كعب : فما رجلٌ يريد أن يتغيب إلا ظن أن سيخفى له، ما لم ينزل فيه وحي الله، وغزا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟لك الغزوة حين طابت الثمار والظلال، وتجهز رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والمسلمون معه، فطفقت أغدو لكي أتجهز معهم، فأرجع ولم أقضى شيئا، فأقول في نفسي : أنا قادر عليه، فلم يزل يتمادى بي حتى اشتد بالناس الجد، فأصبح رسول صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والمسلمون معه، ولم أقض من جهازي شيئا، فقُلْت أتجهز بعده بيومَ أو يومَين ثم ألحقهم، فغدوت بعد أن فصلوا لأتجهز، فرجعت ولم أقض شيئا، ثم غدوت، ثم رجعت ولم أقض شيئا، فلم يزل بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو، وهممت أن أرتحل فأدركهم، وليتني فعلت، فلم يقدر لي ذلك، فكنتُ إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فطفت فيهم، أحزنني أني لا أرى إلا رجلًا مغموصا عليه النفاق، أو رجلًا ممن عذر الله من الضعفاء، ولم يذكرني رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتى بلغ تبوك، فقال، وهو جالس في القوم بتبوك : ( ما فعل كعب ) . فقال رجلٌ من بني سلمة : يا رسولَ اللهِ، حبسه برداه، ونظره في عطفيه . فقال مُعاذٍ بن جبل : بئس ما قُلْت، والله يا رسولَ اللهِ ما علمنا عليه الإ خيرا . فسكت رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم . قال كعب بن مالك : فلما بلغني أنه توجه قافلا حضرني همي، وطفقت أتذكر الكذب وأقول : بماذا أخرج من سخطه غدا، واستعنت على ذلك بكل ذي رأي من أهلي، فلما قيل : إن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قد أظل قادما زاح عني الباطل ، وعرفت أني لن أخرج منه أبدا بشيء فيه كذب، فأجمعت صدقه، وأصبح رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قادما، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد، فيركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس، قُلْما فعل ذلك جاءه المخلفون، فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلًا، فقبل منهم رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم علانيتهم، وبايعهم واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله، فجئته، فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب، ثم قال : ( تعال ) . فجئت أمشي حتى جلست يديه، فقال لي : ( ما خلفك، ألم تكن قد ابتعت ظهرك ) . فقُلْت : بلى، إني والله - يا رسولَ اللهِ - لو جلست عِندَ غيرك من أهل الدنيا، لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أعطيت جدلا، ولكني والله، لقد علمت لئن حدثتك اليومَ حديث كذب ترضى به عني، ليوشكن الله أن يسخطك علي، ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه، إني لأرجو فيه عفو الله، لا والله، ما كان لي من عذر، والله ما كنتُ قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك . فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك ) . فقمت وثار رجال من بني سلمة فاتبعوني، فقالوا لي : والله ما علمناك كنتُ أذنبت ذنبا قبل هذا، ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بما اعتذر إليه المتخلفون، قد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟ك . فوالله ما زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي، ثم قُلْت لهم : هل لقي هذا معي أُحُدٍ ؟ قالوا : نعم، رجلان قالا مثل ما قُلْت، فقيل لهما مثل ما قيل لك، فقُلْت : من هما ؟ قالوا : مرارة بن الربيع العمري وهلال بن أمية الواقفي، فذكروا لي رجلٌين صالحين، قد شهدا بدرا، فيهما أسوة، فمضيت حين ذكروهما لي، ونهى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه، فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا، حتى تنكرت في نفسي الأرض فما هي التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنتُ أشب القوم وأجلدهم، فكنتُ أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أُحُدٍ، وآتي رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي : هل حرك شفتيه برد السلام علي أم لا ؟ ثم أصلي قريبا منه، فأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إلي، وإذا التفت نحوه أعرض عني، حتى إذا طال علي ذلك من جفوة الناس، مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي وأحب الناس إلي، فسلمت عليه، فوالله ما رد علي السلام، فقُلْت : يا أبا قتادة، أنشدك بالله هل تعلمني أحب الله ورسوله ؟ فسكت، فعدت له فنشدته فسكت، فعدت له فنشدته، فقال : الله ورسوله أعلم، ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار . قال : فبينا أنا أمشي بسوق المدينة، إذا نبطي من أنباط أهل الشأم، ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة، يقول : من يدل على كعب بن مالك، فطفق الناس يشيرون له، حتى إذا جاءني دفع إلي كتابا من ملك غسان، فإذا فيه : أما بعد، فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك . فقُلْت لما قرأتها : وهذا أيضا من البلاء، فتيممت بها التنور فسجرته بها، حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين، إذا رسول رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يأتيني فقال : إن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يأمرك أن تعتزل امرأتك، فقُلْت : أطلقها أم ماذا أفعل ؟ قال : لا، بل اعتزلها ولا تقربها . وأرسل إلى صاحبي مثل ذلك، فقُلْت لامرأتي : الحقي بأهلك، فتكوني عِندَهم حتى يقضي الله في هذا الأمر . قال كعب : فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقالتْ : يا رسولَ اللهِ، إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه ؟ قال : ( لا، ولكن لا يقربك ) . قالتْ : إنه والله ما به حركة إلى شيء، والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومَه هذا . فقال لي بعض أهلي : لو استأذنت رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في امرأتك، كما أذن لامرأة هلال بن أميه أن تخدمه ؟ فقُلْت : والله لا أستأذن فيها رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وما يدريني ما يقول رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا استأذنته فيها، وأنا رجلٌ شاب ؟ فلبثت بعد ذلك عشر ليال، حتى كملت لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن كلامنا، فلما صليت صلاة الفجر صبح خمسين ليلة، وأنا على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله، قد ضاقت علي نفسي، وضاقت علي الأرض بما رحبت، سمعت صوت صارخ، أوفى على جبل سلع، بأعلى صوته : يا كعب بن مالك أبشر، قال : فخررت ساجدا، وعرفت أن قد جاء فرج، وآذن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بتوبة الله علينا حين صلَّى صلاة الفجر، فذهب الناس يبشروننا، وذهب قبل صاحبي مبشرون، وركض إلي رجلٌ فرسا، وسعى ساع من أسلم، فأوفى على الجبل، وكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي، فكسوته إياهما ببشراه، والله ما أملك غيرهما يومَئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما، وانطلقت إلى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فيتلقاني الناس فوجا فوجا، يهونني بالتوبة يقولون : لتهنك توبة الله عليك، قال كعب : حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟الس حوله الناس، فقام إلى طلحةَ بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني، والله ما قام إلي رجلٌ من المهاجرين غيره، ولا أنساها لطلحةَ، قال كعب : فلما سلمت على رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وهو يبرق وجهه من السرور : ( أبشر بخير يومَ مر عليك منذ ولدتك أمك ) . قال : قُلْت : أمن عِندَك يا رسولَ اللهِ، أم من عِندَ الله ؟ قال : ( لا، بل من عِندَ الله ) . وكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا سر استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منه، فلما جلست بين يديه قُلْت : يا رسولَ اللهِ، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسول الله، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك ) . قُلْت : فإني أمسك سهمي الذي بخيبر، فقُلْت : يا رسولَ اللهِ، إن الله إنما نجاني بالصدق، وإن من توبتي أن لا أُحُدٍث إلا صدقا مالقيت . فوالله ما أعلم أحدًا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أحسن مما أبلاني، ما تعمدت منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى يومَي هذا كذبا، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقيت . وأنزل الله على رسوله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار - إلى قوله - وكونوا مع الصادقين . فوالله ما أنعم الله علي من نعمة قط، بعد أن هداني للإسلام، أعظم في نفسي من صدقي لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا، فإن الله قال للذين كذبوا - حين أنزل الوحي - شر ما قال لأُحُدٍ، فقال تبارك وتعالى : سيحلفون بالله لكم إذا انقُلْبتم - إلى قوله - فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين . قال كعب : وكنا تخلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حين حلفوا له، فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أمرنا حتى قضى الله فيه، فبذلك قال الله : وعلى الثلاثة الذين خلفوا . وليس الذي ذكر الله مما خلفنا عن الغزو، إنما هو تخليفه إيانا، وإرجاؤه أمرنا، عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه .
أن عبد الله بن كعب بن مالك، وكان قائد كعب من بنيه حين عمي، قال : سمعت كعب بن مالك يحدث حين تخلف عن قصة تبوك، قال كعب : لم أتخلف عن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في غزوة غزاها الإ في غزوة تبوك، غير أني كنتُ تخلفت في بدر، ولم يعاتب أحدًا تخلف عنها، إنما خرج رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يريد عير قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ليلة العقبة، حين تواثقنا على الإسلام، وما أحب أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها، كان من خبري : أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر حين تخلفت عنه في تلك الغزاة، والله ما اجتمعت عِندَي قبله راحلتان قط، حتى جمعتهما في تلك الغزوة، ولم يكن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يريد غزوة إلا ورى بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة، غزاها رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في حر شديد، واستقبل سفرا بعيدا، ومفازا وعدوا كثيرا، فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم، فأخبرهم بوجهه الذي يريد، والمسلمون مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كثير، ولا يجمعهم كتاب حافظ، يريد الديوان . قال كعب : فما رجلٌ يريد أن يتغيب إلا ظن أن سيخفى له، ما لم ينزل فيه وحي الله، وغزا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟لك الغزوة حين طابت الثمار والظلال، وتجهز رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والمسلمون معه، فطفقت أغدو لكي أتجهز معهم، فأرجع ولم أقضى شيئا، فأقول في نفسي : أنا قادر عليه، فلم يزل يتمادى بي حتى اشتد بالناس الجد، فأصبح رسول صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والمسلمون معه، ولم أقض من جهازي شيئا، فقُلْت أتجهز بعده بيومَ أو يومَين ثم ألحقهم، فغدوت بعد أن فصلوا لأتجهز، فرجعت ولم أقض شيئا، ثم غدوت، ثم رجعت ولم أقض شيئا، فلم يزل بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو، وهممت أن أرتحل فأدركهم، وليتني فعلت، فلم يقدر لي ذلك، فكنتُ إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فطفت فيهم، أحزنني أني لا أرى إلا رجلًا مغموصا عليه النفاق، أو رجلًا ممن عذر الله من الضعفاء، ولم يذكرني رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتى بلغ تبوك، فقال، وهو جالس في القوم بتبوك : ( ما فعل كعب ) . فقال رجلٌ من بني سلمة : يا رسولَ اللهِ، حبسه برداه، ونظره في عطفيه . فقال مُعاذٍ بن جبل : بئس ما قُلْت، والله يا رسولَ اللهِ ما علمنا عليه الإ خيرا . فسكت رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم . قال كعب بن مالك : فلما بلغني أنه توجه قافلا حضرني همي، وطفقت أتذكر الكذب وأقول : بماذا أخرج من سخطه غدا، واستعنت على ذلك بكل ذي رأي من أهلي، فلما قيل : إن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قد أظل قادما زاح عني الباطل، وعرفت أني لن أخرج منه أبدا بشيء فيه كذب، فأجمعت صدقه، وأصبح رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قادما، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد، فيركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس، قُلْما فعل ذلك جاءه المخلفون، فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلًا، فقبل منهم رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم علانيتهم، وبايعهم واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله، فجئته، فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب، ثم قال : ( تعال ) . فجئت أمشي حتى جلست يديه، فقال لي : ( ما خلفك، ألم تكن قد ابتعت ظهرك ) . فقُلْت : بلى، إني والله - يا رسولَ اللهِ - لو جلست عِندَ غيرك من أهل الدنيا، لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أعطيت جدلا، ولكني والله، لقد علمت لئن حدثتك اليومَ حديث كذب ترضى به عني، ليوشكن الله أن يسخطك علي، ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه، إني لأرجو فيه عفو الله، لا والله، ما كان لي من عذر، والله ما كنتُ قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك . فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( أما هذا فقد صدق ، فقم حتى يقضي الله فيك ) . فقمت وثار رجال من بني سلمة فاتبعوني، فقالوا لي : والله ما علمناك كنتُ أذنبت ذنبا قبل هذا، ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بما اعتذر إليه المتخلفون، قد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟ك . فوالله ما زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي، ثم قُلْت لهم : هل لقي هذا معي أُحُدٍ ؟ قالوا : نعم، رجلان قالا مثل ما قُلْت، فقيل لهما مثل ما قيل لك، فقُلْت : من هما ؟ قالوا : مرارة بن الربيع العمري وهلال بن أمية الواقفي، فذكروا لي رجلٌين صالحين، قد شهدا بدرا، فيهما أسوة، فمضيت حين ذكروهما لي، ونهى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه، فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا، حتى تنكرت في نفسي الأرض فما هي التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنتُ أشب القوم وأجلدهم، فكنتُ أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أُحُدٍ، وآتي رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي : هل حرك شفتيه برد السلام علي أم لا ؟ ثم أصلي قريبا منه، فأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إلي، وإذا التفت نحوه أعرض عني، حتى إذا طال علي ذلك من جفوة الناس، مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي وأحب الناس إلي، فسلمت عليه، فوالله ما رد علي السلام، فقُلْت : يا أبا قتادة، أنشدك بالله هل تعلمني أحب الله ورسوله ؟ فسكت، فعدت له فنشدته فسكت، فعدت له فنشدته، فقال : الله ورسوله أعلم، ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار . قال : فبينا أنا أمشي بسوق المدينة، إذا نبطي من أنباط أهل الشأم، ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة، يقول : من يدل على كعب بن مالك، فطفق الناس يشيرون له، حتى إذا جاءني دفع إلي كتابا من ملك غسان، فإذا فيه : أما بعد، فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك . فقُلْت لما قرأتها : وهذا أيضا من البلاء، فتيممت بها التنور فسجرته بها، حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين، إذا رسول رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يأتيني فقال : إن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يأمرك أن تعتزل امرأتك، فقُلْت : أطلقها أم ماذا أفعل ؟ قال : لا، بل اعتزلها ولا تقربها . وأرسل إلى صاحبي مثل ذلك، فقُلْت لامرأتي : الحقي بأهلك، فتكوني عِندَهم حتى يقضي الله في هذا الأمر . قال كعب : فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقالتْ : يا رسولَ اللهِ، إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه ؟ قال : ( لا، ولكن لا يقربك ) . قالتْ : إنه والله ما به حركة إلى شيء، والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومَه هذا . فقال لي بعض أهلي : لو استأذنت رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في امرأتك، كما أذن لامرأة هلال بن أميه أن تخدمه ؟ فقُلْت : والله لا أستأذن فيها رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وما يدريني ما يقول رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا استأذنته فيها، وأنا رجلٌ شاب ؟ فلبثت بعد ذلك عشر ليال، حتى كملت لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن كلامنا، فلما صليت صلاة الفجر صبح خمسين ليلة، وأنا على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله، قد ضاقت علي نفسي، وضاقت علي الأرض بما رحبت، سمعت صوت صارخ، أوفى على جبل سلع، بأعلى صوته : يا كعب بن مالك أبشر، قال : فخررت ساجدا، وعرفت أن قد جاء فرج، وآذن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بتوبة الله علينا حين صلَّى صلاة الفجر، فذهب الناس يبشروننا، وذهب قبل صاحبي مبشرون، وركض إلي رجلٌ فرسا، وسعى ساع من أسلم، فأوفى على الجبل، وكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي، فكسوته إياهما ببشراه، والله ما أملك غيرهما يومَئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما، وانطلقت إلى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فيتلقاني الناس فوجا فوجا، يهونني بالتوبة يقولون : لتهنك توبة الله عليك، قال كعب : حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟الس حوله الناس، فقام إلى طلحةَ بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني، والله ما قام إلي رجلٌ من المهاجرين غيره، ولا أنساها لطلحةَ، قال كعب : فلما سلمت على رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وهو يبرق وجهه من السرور : ( أبشر بخير يومَ مر عليك منذ ولدتك أمك ) . قال : قُلْت : أمن عِندَك يا رسولَ اللهِ، أم من عِندَ الله ؟ قال : ( لا، بل من عِندَ الله ) . وكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا سر استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منه، فلما جلست بين يديه قُلْت : يا رسولَ اللهِ، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسول الله، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك ) . قُلْت : فإني أمسك سهمي الذي بخيبر، فقُلْت : يا رسولَ اللهِ، إن الله إنما نجاني بالصدق، وإن من توبتي أن لا أُحُدٍث إلا صدقا مالقيت . فوالله ما أعلم أحدًا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أحسن مما أبلاني، ما تعمدت منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى يومَي هذا كذبا، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقيت . وأنزل الله على رسوله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار - إلى قوله - وكونوا مع الصادقين . فوالله ما أنعم الله علي من نعمة قط، بعد أن هداني للإسلام، أعظم في نفسي من صدقي لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا، فإن الله قال للذين كذبوا - حين أنزل الوحي - شر ما قال لأُحُدٍ، فقال تبارك وتعالى : سيحلفون بالله لكم إذا انقُلْبتم - إلى قوله - فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين . قال كعب : وكنا تخلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حين حلفوا له، فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أمرنا حتى قضى الله فيه، فبذلك قال الله : وعلى الثلاثة الذين خلفوا . وليس الذي ذكر الله مما خلفنا عن الغزو، إنما هو تخليفه إيانا، وإرجاؤه أمرنا، عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه .
أن عبد الله بن كعب بن مالك، وكان قائد كعب من بنيه حين عمي، قال : سمعت كعب بن مالك يحدث حين تخلف عن قصة تبوك، قال كعب : لم أتخلف عن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في غزوة غزاها الإ في غزوة تبوك، غير أني كنتُ تخلفت في بدر، ولم يعاتب أحدًا تخلف عنها، إنما خرج رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يريد عير قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ليلة العقبة، حين تواثقنا على الإسلام، وما أحب أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها، كان من خبري : أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر حين تخلفت عنه في تلك الغزاة، والله ما اجتمعت عِندَي قبله راحلتان قط، حتى جمعتهما في تلك الغزوة، ولم يكن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يريد غزوة إلا ورى بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة، غزاها رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في حر شديد، واستقبل سفرا بعيدا، ومفازا وعدوا كثيرا، فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم، فأخبرهم بوجهه الذي يريد، والمسلمون مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كثير، ولا يجمعهم كتاب حافظ، يريد الديوان . قال كعب : فما رجلٌ يريد أن يتغيب إلا ظن أن سيخفى له، ما لم ينزل فيه وحي الله، وغزا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟لك الغزوة حين طابت الثمار والظلال، وتجهز رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والمسلمون معه، فطفقت أغدو لكي أتجهز معهم، فأرجع ولم أقضى شيئا، فأقول في نفسي : أنا قادر عليه، فلم يزل يتمادى بي حتى اشتد بالناس الجد، فأصبح رسول صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والمسلمون معه، ولم أقض من جهازي شيئا، فقُلْت أتجهز بعده بيومَ أو يومَين ثم ألحقهم، فغدوت بعد أن فصلوا لأتجهز، فرجعت ولم أقض شيئا، ثم غدوت، ثم رجعت ولم أقض شيئا، فلم يزل بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو، وهممت أن أرتحل فأدركهم، وليتني فعلت، فلم يقدر لي ذلك، فكنتُ إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فطفت فيهم، أحزنني أني لا أرى إلا رجلًا مغموصا عليه النفاق ، أو رجلًا ممن عذر الله من الضعفاء، ولم يذكرني رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتى بلغ تبوك، فقال، وهو جالس في القوم بتبوك : ( ما فعل كعب ) . فقال رجلٌ من بني سلمة : يا رسولَ اللهِ، حبسه برداه، ونظره في عطفيه . فقال مُعاذٍ بن جبل : بئس ما قُلْت، والله يا رسولَ اللهِ ما علمنا عليه الإ خيرا . فسكت رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم . قال كعب بن مالك : فلما بلغني أنه توجه قافلا حضرني همي، وطفقت أتذكر الكذب وأقول : بماذا أخرج من سخطه غدا، واستعنت على ذلك بكل ذي رأي من أهلي، فلما قيل : إن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قد أظل قادما زاح عني الباطل، وعرفت أني لن أخرج منه أبدا بشيء فيه كذب، فأجمعت صدقه، وأصبح رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قادما، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد، فيركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس، قُلْما فعل ذلك جاءه المخلفون، فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلًا، فقبل منهم رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم علانيتهم، وبايعهم واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله، فجئته، فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب، ثم قال : ( تعال ) . فجئت أمشي حتى جلست يديه، فقال لي : ( ما خلفك، ألم تكن قد ابتعت ظهرك ) . فقُلْت : بلى، إني والله - يا رسولَ اللهِ - لو جلست عِندَ غيرك من أهل الدنيا، لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أعطيت جدلا، ولكني والله، لقد علمت لئن حدثتك اليومَ حديث كذب ترضى به عني، ليوشكن الله أن يسخطك علي، ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه، إني لأرجو فيه عفو الله، لا والله، ما كان لي من عذر، والله ما كنتُ قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك . فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك ) . فقمت وثار رجال من بني سلمة فاتبعوني، فقالوا لي : والله ما علمناك كنتُ أذنبت ذنبا قبل هذا، ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بما اعتذر إليه المتخلفون، قد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟ك . فوالله ما زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي، ثم قُلْت لهم : هل لقي هذا معي أُحُدٍ ؟ قالوا : نعم، رجلان قالا مثل ما قُلْت، فقيل لهما مثل ما قيل لك، فقُلْت : من هما ؟ قالوا : مرارة بن الربيع العمري وهلال بن أمية الواقفي، فذكروا لي رجلٌين صالحين، قد شهدا بدرا، فيهما أسوة، فمضيت حين ذكروهما لي، ونهى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه، فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا، حتى تنكرت في نفسي الأرض فما هي التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنتُ أشب القوم وأجلدهم، فكنتُ أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أُحُدٍ، وآتي رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي : هل حرك شفتيه برد السلام علي أم لا ؟ ثم أصلي قريبا منه، فأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إلي، وإذا التفت نحوه أعرض عني، حتى إذا طال علي ذلك من جفوة الناس، مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي وأحب الناس إلي، فسلمت عليه، فوالله ما رد علي السلام، فقُلْت : يا أبا قتادة، أنشدك بالله هل تعلمني أحب الله ورسوله ؟ فسكت، فعدت له فنشدته فسكت، فعدت له فنشدته، فقال : الله ورسوله أعلم، ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار . قال : فبينا أنا أمشي بسوق المدينة، إذا نبطي من أنباط أهل الشأم، ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة، يقول : من يدل على كعب بن مالك، فطفق الناس يشيرون له، حتى إذا جاءني دفع إلي كتابا من ملك غسان، فإذا فيه : أما بعد، فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك . فقُلْت لما قرأتها : وهذا أيضا من البلاء، فتيممت بها التنور فسجرته بها، حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين، إذا رسول رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يأتيني فقال : إن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يأمرك أن تعتزل امرأتك، فقُلْت : أطلقها أم ماذا أفعل ؟ قال : لا، بل اعتزلها ولا تقربها . وأرسل إلى صاحبي مثل ذلك، فقُلْت لامرأتي : الحقي بأهلك، فتكوني عِندَهم حتى يقضي الله في هذا الأمر . قال كعب : فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقالتْ : يا رسولَ اللهِ، إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه ؟ قال : ( لا، ولكن لا يقربك ) . قالتْ : إنه والله ما به حركة إلى شيء، والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومَه هذا . فقال لي بعض أهلي : لو استأذنت رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في امرأتك، كما أذن لامرأة هلال بن أميه أن تخدمه ؟ فقُلْت : والله لا أستأذن فيها رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وما يدريني ما يقول رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا استأذنته فيها، وأنا رجلٌ شاب ؟ فلبثت بعد ذلك عشر ليال، حتى كملت لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن كلامنا، فلما صليت صلاة الفجر صبح خمسين ليلة، وأنا على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله، قد ضاقت علي نفسي، وضاقت علي الأرض بما رحبت، سمعت صوت صارخ، أوفى على جبل سلع، بأعلى صوته : يا كعب بن مالك أبشر، قال : فخررت ساجدا، وعرفت أن قد جاء فرج، وآذن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بتوبة الله علينا حين صلَّى صلاة الفجر، فذهب الناس يبشروننا، وذهب قبل صاحبي مبشرون، وركض إلي رجلٌ فرسا، وسعى ساع من أسلم، فأوفى على الجبل، وكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي، فكسوته إياهما ببشراه، والله ما أملك غيرهما يومَئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما، وانطلقت إلى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فيتلقاني الناس فوجا فوجا، يهونني بالتوبة يقولون : لتهنك توبة الله عليك، قال كعب : حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟الس حوله الناس، فقام إلى طلحةَ بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني، والله ما قام إلي رجلٌ من المهاجرين غيره، ولا أنساها لطلحةَ، قال كعب : فلما سلمت على رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وهو يبرق وجهه من السرور : ( أبشر بخير يومَ مر عليك منذ ولدتك أمك ) . قال : قُلْت : أمن عِندَك يا رسولَ اللهِ، أم من عِندَ الله ؟ قال : ( لا، بل من عِندَ الله ) . وكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا سر استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منه، فلما جلست بين يديه قُلْت : يا رسولَ اللهِ، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسول الله، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك ) . قُلْت : فإني أمسك سهمي الذي بخيبر، فقُلْت : يا رسولَ اللهِ، إن الله إنما نجاني بالصدق، وإن من توبتي أن لا أُحُدٍث إلا صدقا مالقيت . فوالله ما أعلم أحدًا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أحسن مما أبلاني، ما تعمدت منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى يومَي هذا كذبا، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقيت . وأنزل الله على رسوله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار - إلى قوله - وكونوا مع الصادقين . فوالله ما أنعم الله علي من نعمة قط، بعد أن هداني للإسلام، أعظم في نفسي من صدقي لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا، فإن الله قال للذين كذبوا - حين أنزل الوحي - شر ما قال لأُحُدٍ، فقال تبارك وتعالى : سيحلفون بالله لكم إذا انقُلْبتم - إلى قوله - فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين . قال كعب : وكنا تخلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حين حلفوا له، فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أمرنا حتى قضى الله فيه، فبذلك قال الله : وعلى الثلاثة الذين خلفوا . وليس الذي ذكر الله مما خلفنا عن الغزو، إنما هو تخليفه إيانا، وإرجاؤه أمرنا، عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه .
أن عبد الله بن كعب بن مالك، وكان قائد كعب من بنيه حين عمي، قال : سمعت كعب بن مالك يحدث حين تخلف عن قصة تبوك، قال كعب : لم أتخلف عن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في غزوة غزاها الإ في غزوة تبوك، غير أني كنتُ تخلفت في بدر، ولم يعاتب أحدًا تخلف عنها، إنما خرج رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يريد عير قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ليلة العقبة، حين تواثقنا على الإسلام، وما أحب أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها، كان من خبري : أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر حين تخلفت عنه في تلك الغزاة، والله ما اجتمعت عِندَي قبله راحلتان قط، حتى جمعتهما في تلك الغزوة، ولم يكن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يريد غزوة إلا ورى بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة، غزاها رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في حر شديد، واستقبل سفرا بعيدا، ومفازا وعدوا كثيرا، فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم، فأخبرهم بوجهه الذي يريد، والمسلمون مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كثير، ولا يجمعهم كتاب حافظ، يريد الديوان . قال كعب : فما رجلٌ يريد أن يتغيب إلا ظن أن سيخفى له، ما لم ينزل فيه وحي الله، وغزا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟لك الغزوة حين طابت الثمار والظلال، وتجهز رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والمسلمون معه، فطفقت أغدو لكي أتجهز معهم، فأرجع ولم أقضى شيئا، فأقول في نفسي : أنا قادر عليه، فلم يزل يتمادى بي حتى اشتد بالناس الجد، فأصبح رسول صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والمسلمون معه، ولم أقض من جهازي شيئا، فقُلْت أتجهز بعده بيومَ أو يومَين ثم ألحقهم، فغدوت بعد أن فصلوا لأتجهز، فرجعت ولم أقض شيئا، ثم غدوت، ثم رجعت ولم أقض شيئا، فلم يزل بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو، وهممت أن أرتحل فأدركهم، وليتني فعلت، فلم يقدر لي ذلك، فكنتُ إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فطفت فيهم، أحزنني أني لا أرى إلا رجلًا مغموصا عليه النفاق، أو رجلًا ممن عذر الله من الضعفاء، ولم يذكرني رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتى بلغ تبوك، فقال، وهو جالس في القوم بتبوك : ( ما فعل كعب ) . فقال رجلٌ من بني سلمة : يا رسولَ اللهِ، حبسه برداه، ونظره في عطفيه . فقال مُعاذٍ بن جبل : بئس ما قُلْت، والله يا رسولَ اللهِ ما علمنا عليه الإ خيرا . فسكت رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم . قال كعب بن مالك : فلما بلغني أنه توجه قافلا حضرني همي، وطفقت أتذكر الكذب وأقول : بماذا أخرج من سخطه غدا، واستعنت على ذلك بكل ذي رأي من أهلي، فلما قيل : إن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قد أظل قادما زاح عني الباطل، وعرفت أني لن أخرج منه أبدا بشيء فيه كذب، فأجمعت صدقه، وأصبح رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قادما، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد، فيركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس، قُلْما فعل ذلك جاءه المخلفون، فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلًا، فقبل منهم رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم علانيتهم، وبايعهم واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله، فجئته، فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب، ثم قال : ( تعال ) . فجئت أمشي حتى جلست يديه، فقال لي : ( ما خلفك، ألم تكن قد ابتعت ظهرك ) . فقُلْت : بلى، إني والله - يا رسولَ اللهِ - لو جلست عِندَ غيرك من أهل الدنيا، لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أعطيت جدلا، ولكني والله، لقد علمت لئن حدثتك اليومَ حديث كذب ترضى به عني، ليوشكن الله أن يسخطك علي، ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه، إني لأرجو فيه عفو الله، لا والله، ما كان لي من عذر، والله ما كنتُ قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك . فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك ) . فقمت وثار رجال من بني سلمة فاتبعوني، فقالوا لي : والله ما علمناك كنتُ أذنبت ذنبا قبل هذا، ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بما اعتذر إليه المتخلفون، قد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟ك . فوالله ما زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي، ثم قُلْت لهم : هل لقي هذا معي أُحُدٍ ؟ قالوا : نعم، رجلان قالا مثل ما قُلْت، فقيل لهما مثل ما قيل لك، فقُلْت : من هما ؟ قالوا : مرارة بن الربيع العمري وهلال بن أمية الواقفي، فذكروا لي رجلٌين صالحين، قد شهدا بدرا، فيهما أسوة، فمضيت حين ذكروهما لي، ونهى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه، فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا، حتى تنكرت في نفسي الأرض فما هي التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنتُ أشب القوم وأجلدهم، فكنتُ أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أُحُدٍ، وآتي رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي : هل حرك شفتيه برد السلام علي أم لا ؟ ثم أصلي قريبا منه، فأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إلي، وإذا التفت نحوه أعرض عني، حتى إذا طال علي ذلك من جفوة الناس، مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي وأحب الناس إلي، فسلمت عليه، فوالله ما رد علي السلام، فقُلْت : يا أبا قتادة، أنشدك بالله هل تعلمني أحب الله ورسوله ؟ فسكت، فعدت له فنشدته فسكت، فعدت له فنشدته، فقال : الله ورسوله أعلم، ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار . قال : فبينا أنا أمشي بسوق المدينة، إذا نبطي من أنباط أهل الشأم ، ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة، يقول : من يدل على كعب بن مالك، فطفق الناس يشيرون له، حتى إذا جاءني دفع إلي كتابا من ملك غسان، فإذا فيه : أما بعد، فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك . فقُلْت لما قرأتها : وهذا أيضا من البلاء، فتيممت بها التنور فسجرته بها، حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين، إذا رسول رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يأتيني فقال : إن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يأمرك أن تعتزل امرأتك، فقُلْت : أطلقها أم ماذا أفعل ؟ قال : لا، بل اعتزلها ولا تقربها . وأرسل إلى صاحبي مثل ذلك، فقُلْت لامرأتي : الحقي بأهلك، فتكوني عِندَهم حتى يقضي الله في هذا الأمر . قال كعب : فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقالتْ : يا رسولَ اللهِ، إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه ؟ قال : ( لا، ولكن لا يقربك ) . قالتْ : إنه والله ما به حركة إلى شيء، والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومَه هذا . فقال لي بعض أهلي : لو استأذنت رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في امرأتك، كما أذن لامرأة هلال بن أميه أن تخدمه ؟ فقُلْت : والله لا أستأذن فيها رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وما يدريني ما يقول رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا استأذنته فيها، وأنا رجلٌ شاب ؟ فلبثت بعد ذلك عشر ليال، حتى كملت لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن كلامنا، فلما صليت صلاة الفجر صبح خمسين ليلة، وأنا على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله، قد ضاقت علي نفسي، وضاقت علي الأرض بما رحبت، سمعت صوت صارخ، أوفى على جبل سلع، بأعلى صوته : يا كعب بن مالك أبشر، قال : فخررت ساجدا، وعرفت أن قد جاء فرج، وآذن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بتوبة الله علينا حين صلَّى صلاة الفجر، فذهب الناس يبشروننا، وذهب قبل صاحبي مبشرون، وركض إلي رجلٌ فرسا، وسعى ساع من أسلم، فأوفى على الجبل، وكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي، فكسوته إياهما ببشراه، والله ما أملك غيرهما يومَئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما، وانطلقت إلى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فيتلقاني الناس فوجا فوجا، يهونني بالتوبة يقولون : لتهنك توبة الله عليك، قال كعب : حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟الس حوله الناس، فقام إلى طلحةَ بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني، والله ما قام إلي رجلٌ من المهاجرين غيره، ولا أنساها لطلحةَ، قال كعب : فلما سلمت على رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وهو يبرق وجهه من السرور : ( أبشر بخير يومَ مر عليك منذ ولدتك أمك ) . قال : قُلْت : أمن عِندَك يا رسولَ اللهِ، أم من عِندَ الله ؟ قال : ( لا، بل من عِندَ الله ) . وكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا سر استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منه، فلما جلست بين يديه قُلْت : يا رسولَ اللهِ، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسول الله، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك ) . قُلْت : فإني أمسك سهمي الذي بخيبر، فقُلْت : يا رسولَ اللهِ، إن الله إنما نجاني بالصدق، وإن من توبتي أن لا أُحُدٍث إلا صدقا مالقيت . فوالله ما أعلم أحدًا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أحسن مما أبلاني، ما تعمدت منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى يومَي هذا كذبا، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقيت . وأنزل الله على رسوله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار - إلى قوله - وكونوا مع الصادقين . فوالله ما أنعم الله علي من نعمة قط، بعد أن هداني للإسلام، أعظم في نفسي من صدقي لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا، فإن الله قال للذين كذبوا - حين أنزل الوحي - شر ما قال لأُحُدٍ، فقال تبارك وتعالى : سيحلفون بالله لكم إذا انقُلْبتم - إلى قوله - فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين . قال كعب : وكنا تخلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حين حلفوا له، فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أمرنا حتى قضى الله فيه، فبذلك قال الله : وعلى الثلاثة الذين خلفوا . وليس الذي ذكر الله مما خلفنا عن الغزو، إنما هو تخليفه إيانا، وإرجاؤه أمرنا، عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه .
أن عبد الله بن كعب بن مالك، وكان قائد كعب من بنيه حين عمي، قال : سمعت كعب بن مالك يحدث حين تخلف عن قصة تبوك، قال كعب : لم أتخلف عن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في غزوة غزاها الإ في غزوة تبوك، غير أني كنتُ تخلفت في بدر، ولم يعاتب أحدًا تخلف عنها، إنما خرج رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يريد عير قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ليلة العقبة، حين تواثقنا على الإسلام، وما أحب أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها، كان من خبري : أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر حين تخلفت عنه في تلك الغزاة، والله ما اجتمعت عِندَي قبله راحلتان قط، حتى جمعتهما في تلك الغزوة، ولم يكن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يريد غزوة إلا ورى بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة، غزاها رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في حر شديد، واستقبل سفرا بعيدا، ومفازا وعدوا كثيرا، فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم، فأخبرهم بوجهه الذي يريد، والمسلمون مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كثير، ولا يجمعهم كتاب حافظ، يريد الديوان . قال كعب : فما رجلٌ يريد أن يتغيب إلا ظن أن سيخفى له، ما لم ينزل فيه وحي الله، وغزا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟لك الغزوة حين طابت الثمار والظلال، وتجهز رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والمسلمون معه، فطفقت أغدو لكي أتجهز معهم، فأرجع ولم أقضى شيئا، فأقول في نفسي : أنا قادر عليه، فلم يزل يتمادى بي حتى اشتد بالناس الجد، فأصبح رسول صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والمسلمون معه، ولم أقض من جهازي شيئا، فقُلْت أتجهز بعده بيومَ أو يومَين ثم ألحقهم، فغدوت بعد أن فصلوا لأتجهز، فرجعت ولم أقض شيئا، ثم غدوت، ثم رجعت ولم أقض شيئا، فلم يزل بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو، وهممت أن أرتحل فأدركهم، وليتني فعلت، فلم يقدر لي ذلك، فكنتُ إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فطفت فيهم، أحزنني أني لا أرى إلا رجلًا مغموصا عليه النفاق، أو رجلًا ممن عذر الله من الضعفاء، ولم يذكرني رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتى بلغ تبوك، فقال، وهو جالس في القوم بتبوك : ( ما فعل كعب ) . فقال رجلٌ من بني سلمة : يا رسولَ اللهِ، حبسه برداه، ونظره في عطفيه . فقال مُعاذٍ بن جبل : بئس ما قُلْت، والله يا رسولَ اللهِ ما علمنا عليه الإ خيرا . فسكت رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم . قال كعب بن مالك : فلما بلغني أنه توجه قافلا حضرني همي، وطفقت أتذكر الكذب وأقول : بماذا أخرج من سخطه غدا، واستعنت على ذلك بكل ذي رأي من أهلي، فلما قيل : إن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قد أظل قادما زاح عني الباطل، وعرفت أني لن أخرج منه أبدا بشيء فيه كذب، فأجمعت صدقه، وأصبح رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قادما، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد، فيركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس، قُلْما فعل ذلك جاءه المخلفون، فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلًا، فقبل منهم رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم علانيتهم، وبايعهم واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله، فجئته، فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب، ثم قال : ( تعال ) . فجئت أمشي حتى جلست يديه، فقال لي : ( ما خلفك، ألم تكن قد ابتعت ظهرك ) . فقُلْت : بلى، إني والله - يا رسولَ اللهِ - لو جلست عِندَ غيرك من أهل الدنيا، لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أعطيت جدلا، ولكني والله، لقد علمت لئن حدثتك اليومَ حديث كذب ترضى به عني، ليوشكن الله أن يسخطك علي، ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه، إني لأرجو فيه عفو الله، لا والله، ما كان لي من عذر ، والله ما كنتُ قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك . فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك ) . فقمت وثار رجال من بني سلمة فاتبعوني، فقالوا لي : والله ما علمناك كنتُ أذنبت ذنبا قبل هذا، ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بما اعتذر إليه المتخلفون، قد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟ك . فوالله ما زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي، ثم قُلْت لهم : هل لقي هذا معي أُحُدٍ ؟ قالوا : نعم، رجلان قالا مثل ما قُلْت، فقيل لهما مثل ما قيل لك، فقُلْت : من هما ؟ قالوا : مرارة بن الربيع العمري وهلال بن أمية الواقفي، فذكروا لي رجلٌين صالحين، قد شهدا بدرا، فيهما أسوة، فمضيت حين ذكروهما لي، ونهى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه، فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا، حتى تنكرت في نفسي الأرض فما هي التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنتُ أشب القوم وأجلدهم، فكنتُ أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أُحُدٍ، وآتي رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي : هل حرك شفتيه برد السلام علي أم لا ؟ ثم أصلي قريبا منه، فأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إلي، وإذا التفت نحوه أعرض عني، حتى إذا طال علي ذلك من جفوة الناس، مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي وأحب الناس إلي، فسلمت عليه، فوالله ما رد علي السلام، فقُلْت : يا أبا قتادة، أنشدك بالله هل تعلمني أحب الله ورسوله ؟ فسكت، فعدت له فنشدته فسكت، فعدت له فنشدته، فقال : الله ورسوله أعلم، ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار . قال : فبينا أنا أمشي بسوق المدينة، إذا نبطي من أنباط أهل الشأم، ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة، يقول : من يدل على كعب بن مالك، فطفق الناس يشيرون له، حتى إذا جاءني دفع إلي كتابا من ملك غسان، فإذا فيه : أما بعد، فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك . فقُلْت لما قرأتها : وهذا أيضا من البلاء، فتيممت بها التنور فسجرته بها، حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين، إذا رسول رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يأتيني فقال : إن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يأمرك أن تعتزل امرأتك، فقُلْت : أطلقها أم ماذا أفعل ؟ قال : لا، بل اعتزلها ولا تقربها . وأرسل إلى صاحبي مثل ذلك، فقُلْت لامرأتي : الحقي بأهلك، فتكوني عِندَهم حتى يقضي الله في هذا الأمر . قال كعب : فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقالتْ : يا رسولَ اللهِ، إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه ؟ قال : ( لا، ولكن لا يقربك ) . قالتْ : إنه والله ما به حركة إلى شيء، والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومَه هذا . فقال لي بعض أهلي : لو استأذنت رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في امرأتك، كما أذن لامرأة هلال بن أميه أن تخدمه ؟ فقُلْت : والله لا أستأذن فيها رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وما يدريني ما يقول رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا استأذنته فيها، وأنا رجلٌ شاب ؟ فلبثت بعد ذلك عشر ليال، حتى كملت لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن كلامنا، فلما صليت صلاة الفجر صبح خمسين ليلة، وأنا على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله، قد ضاقت علي نفسي، وضاقت علي الأرض بما رحبت، سمعت صوت صارخ، أوفى على جبل سلع، بأعلى صوته : يا كعب بن مالك أبشر، قال : فخررت ساجدا، وعرفت أن قد جاء فرج، وآذن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بتوبة الله علينا حين صلَّى صلاة الفجر، فذهب الناس يبشروننا، وذهب قبل صاحبي مبشرون، وركض إلي رجلٌ فرسا، وسعى ساع من أسلم، فأوفى على الجبل، وكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي، فكسوته إياهما ببشراه، والله ما أملك غيرهما يومَئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما، وانطلقت إلى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فيتلقاني الناس فوجا فوجا، يهونني بالتوبة يقولون : لتهنك توبة الله عليك، قال كعب : حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟الس حوله الناس، فقام إلى طلحةَ بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني، والله ما قام إلي رجلٌ من المهاجرين غيره، ولا أنساها لطلحةَ، قال كعب : فلما سلمت على رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وهو يبرق وجهه من السرور : ( أبشر بخير يومَ مر عليك منذ ولدتك أمك ) . قال : قُلْت : أمن عِندَك يا رسولَ اللهِ، أم من عِندَ الله ؟ قال : ( لا، بل من عِندَ الله ) . وكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا سر استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منه، فلما جلست بين يديه قُلْت : يا رسولَ اللهِ، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسول الله، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك ) . قُلْت : فإني أمسك سهمي الذي بخيبر، فقُلْت : يا رسولَ اللهِ، إن الله إنما نجاني بالصدق، وإن من توبتي أن لا أُحُدٍث إلا صدقا مالقيت . فوالله ما أعلم أحدًا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أحسن مما أبلاني، ما تعمدت منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى يومَي هذا كذبا، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقيت . وأنزل الله على رسوله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار - إلى قوله - وكونوا مع الصادقين . فوالله ما أنعم الله علي من نعمة قط، بعد أن هداني للإسلام، أعظم في نفسي من صدقي لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا، فإن الله قال للذين كذبوا - حين أنزل الوحي - شر ما قال لأُحُدٍ، فقال تبارك وتعالى : سيحلفون بالله لكم إذا انقُلْبتم - إلى قوله - فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين . قال كعب : وكنا تخلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حين حلفوا له، فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أمرنا حتى قضى الله فيه، فبذلك قال الله : وعلى الثلاثة الذين خلفوا . وليس الذي ذكر الله مما خلفنا عن الغزو، إنما هو تخليفه إيانا، وإرجاؤه أمرنا، عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه .
أن عبد الله بن كعب بن مالك، وكان قائد كعب من بنيه حين عمي، قال : سمعت كعب بن مالك يحدث حين تخلف عن قصة تبوك، قال كعب : لم أتخلف عن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في غزوة غزاها الإ في غزوة تبوك، غير أني كنتُ تخلفت في بدر، ولم يعاتب أحدًا تخلف عنها، إنما خرج رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يريد عير قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ليلة العقبة، حين تواثقنا على الإسلام، وما أحب أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها، كان من خبري : أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر حين تخلفت عنه في تلك الغزاة، والله ما اجتمعت عِندَي قبله راحلتان قط، حتى جمعتهما في تلك الغزوة، ولم يكن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يريد غزوة إلا ورى بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة، غزاها رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في حر شديد، واستقبل سفرا بعيدا، ومفازا وعدوا كثيرا، فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم، فأخبرهم بوجهه الذي يريد، والمسلمون مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كثير، ولا يجمعهم كتاب حافظ، يريد الديوان . قال كعب : فما رجلٌ يريد أن يتغيب إلا ظن أن سيخفى له، ما لم ينزل فيه وحي الله ، وغزا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟لك الغزوة حين طابت الثمار والظلال، وتجهز رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والمسلمون معه، فطفقت أغدو لكي أتجهز معهم، فأرجع ولم أقضى شيئا، فأقول في نفسي : أنا قادر عليه، فلم يزل يتمادى بي حتى اشتد بالناس الجد، فأصبح رسول صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والمسلمون معه، ولم أقض من جهازي شيئا، فقُلْت أتجهز بعده بيومَ أو يومَين ثم ألحقهم، فغدوت بعد أن فصلوا لأتجهز، فرجعت ولم أقض شيئا، ثم غدوت، ثم رجعت ولم أقض شيئا، فلم يزل بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو، وهممت أن أرتحل فأدركهم، وليتني فعلت، فلم يقدر لي ذلك، فكنتُ إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فطفت فيهم، أحزنني أني لا أرى إلا رجلًا مغموصا عليه النفاق، أو رجلًا ممن عذر الله من الضعفاء، ولم يذكرني رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتى بلغ تبوك، فقال، وهو جالس في القوم بتبوك : ( ما فعل كعب ) . فقال رجلٌ من بني سلمة : يا رسولَ اللهِ ، حبسه برداه، ونظره في عطفيه . فقال مُعاذٍ بن جبل : بئس ما قُلْت، والله يا رسولَ اللهِ ما علمنا عليه الإ خيرا . فسكت رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم . قال كعب بن مالك : فلما بلغني أنه توجه قافلا حضرني همي، وطفقت أتذكر الكذب وأقول : بماذا أخرج من سخطه غدا، واستعنت على ذلك بكل ذي رأي من أهلي، فلما قيل : إن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قد أظل قادما زاح عني الباطل، وعرفت أني لن أخرج منه أبدا بشيء فيه كذب، فأجمعت صدقه، وأصبح رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قادما، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد، فيركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس، قُلْما فعل ذلك جاءه المخلفون، فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلًا، فقبل منهم رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم علانيتهم، وبايعهم واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله ، فجئته، فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب، ثم قال : ( تعال ) . فجئت أمشي حتى جلست يديه، فقال لي : ( ما خلفك، ألم تكن قد ابتعت ظهرك ) . فقُلْت : بلى، إني والله - يا رسولَ اللهِ - لو جلست عِندَ غيرك من أهل الدنيا، لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أعطيت جدلا، ولكني والله، لقد علمت لئن حدثتك اليومَ حديث كذب ترضى به عني، ليوشكن الله أن يسخطك علي، ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه، إني لأرجو فيه عفو الله ، لا والله، ما كان لي من عذر، والله ما كنتُ قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك . فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك ) . فقمت وثار رجال من بني سلمة فاتبعوني، فقالوا لي : والله ما علمناك كنتُ أذنبت ذنبا قبل هذا، ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بما اعتذر إليه المتخلفون، قد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟ك . فوالله ما زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي، ثم قُلْت لهم : هل لقي هذا معي أُحُدٍ ؟ قالوا : نعم، رجلان قالا مثل ما قُلْت، فقيل لهما مثل ما قيل لك، فقُلْت : من هما ؟ قالوا : مرارة بن الربيع العمري وهلال بن أمية الواقفي، فذكروا لي رجلٌين صالحين، قد شهدا بدرا، فيهما أسوة، فمضيت حين ذكروهما لي، ونهى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه، فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا، حتى تنكرت في نفسي الأرض فما هي التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنتُ أشب القوم وأجلدهم، فكنتُ أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أُحُدٍ، وآتي رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي : هل حرك شفتيه برد السلام علي أم لا ؟ ثم أصلي قريبا منه، فأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إلي، وإذا التفت نحوه أعرض عني، حتى إذا طال علي ذلك من جفوة الناس، مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي وأحب الناس إلي، فسلمت عليه، فوالله ما رد علي السلام، فقُلْت : يا أبا قتادة، أنشدك بالله هل تعلمني أحب الله ورسوله ؟ فسكت ، فعدت له فنشدته فسكت ، فعدت له فنشدته، فقال : الله ورسوله أعلم، ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار . قال : فبينا أنا أمشي بسوق المدينة، إذا نبطي من أنباط أهل الشأم، ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة، يقول : من يدل على كعب بن مالك، فطفق الناس يشيرون له، حتى إذا جاءني دفع إلي كتابا من ملك غسان، فإذا فيه : أما بعد، فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك . فقُلْت لما قرأتها : وهذا أيضا من البلاء، فتيممت بها التنور فسجرته بها، حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين، إذا رسول رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يأتيني فقال : إن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يأمرك أن تعتزل امرأتك، فقُلْت : أطلقها أم ماذا أفعل ؟ قال : لا، بل اعتزلها ولا تقربها . وأرسل إلى صاحبي مثل ذلك، فقُلْت لامرأتي : الحقي بأهلك، فتكوني عِندَهم حتى يقضي الله في هذا الأمر . قال كعب : فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقالتْ : يا رسولَ اللهِ ، إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه ؟ قال : ( لا، ولكن لا يقربك ) . قالتْ : إنه والله ما به حركة إلى شيء، والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومَه هذا . فقال لي بعض أهلي : لو استأذنت رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في امرأتك، كما أذن لامرأة هلال بن أميه أن تخدمه ؟ فقُلْت : والله لا أستأذن فيها رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وما يدريني ما يقول رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا استأذنته فيها، وأنا رجلٌ شاب ؟ فلبثت بعد ذلك عشر ليال، حتى كملت لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن كلامنا، فلما صليت صلاة الفجر صبح خمسين ليلة، وأنا على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله ، قد ضاقت علي نفسي، وضاقت علي الأرض بما رحبت، سمعت صوت صارخ، أوفى على جبل سلع، بأعلى صوته : يا كعب بن مالك أبشر، قال : فخررت ساجدا، وعرفت أن قد جاء فرج، وآذن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بتوبة الله علينا حين صلَّى صلاة الفجر، فذهب الناس يبشروننا، وذهب قبل صاحبي مبشرون، وركض إلي رجلٌ فرسا، وسعى ساع من أسلم، فأوفى على الجبل، وكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي، فكسوته إياهما ببشراه، والله ما أملك غيرهما يومَئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما، وانطلقت إلى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فيتلقاني الناس فوجا فوجا، يهونني بالتوبة يقولون : لتهنك توبة الله عليك، قال كعب : حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟الس حوله الناس، فقام إلى طلحةَ بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني، والله ما قام إلي رجلٌ من المهاجرين غيره، ولا أنساها لطلحةَ، قال كعب : فلما سلمت على رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وهو يبرق وجهه من السرور : ( أبشر بخير يومَ مر عليك منذ ولدتك أمك ) . قال : قُلْت : أمن عِندَك يا رسولَ اللهِ ، أم من عِندَ الله ؟ قال : ( لا، بل من عِندَ الله ) . وكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا سر استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منه، فلما جلست بين يديه قُلْت : يا رسولَ اللهِ ، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسول الله ، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك ) . قُلْت : فإني أمسك سهمي الذي بخيبر، فقُلْت : يا رسولَ اللهِ ، إن الله إنما نجاني بالصدق، وإن من توبتي أن لا أُحُدٍث إلا صدقا مالقيت . فوالله ما أعلم أحدًا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أحسن مما أبلاني، ما تعمدت منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى يومَي هذا كذبا، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقيت . وأنزل الله على رسوله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار - إلى قوله - وكونوا مع الصادقين . فوالله ما أنعم الله علي من نعمة قط، بعد أن هداني للإسلام، أعظم في نفسي من صدقي لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا، فإن الله قال للذين كذبوا - حين أنزل الوحي - شر ما قال لأُحُدٍ، فقال تبارك وتعالى : سيحلفون بالله لكم إذا انقُلْبتم - إلى قوله - فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين . قال كعب : وكنا تخلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حين حلفوا له، فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أمرنا حتى قضى الله فيه، فبذلك قال الله : وعلى الثلاثة الذين خلفوا . وليس الذي ذكر الله مما خلفنا عن الغزو، إنما هو تخليفه إيانا، وإرجاؤه أمرنا، عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه .
أن عبد الله بن كعب بن مالك، وكان قائد كعب من بنيه حين عمي، قال : سمعت كعب بن مالك يحدث حين تخلف عن قصة تبوك، قال كعب : لم أتخلف عن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في غزوة غزاها الإ في غزوة تبوك، غير أني كنتُ تخلفت في بدر، ولم يعاتب أحدًا تخلف عنها، إنما خرج رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يريد عير قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ليلة العقبة، حين تواثقنا على الإسلام، وما أحب أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها، كان من خبري : أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر حين تخلفت عنه في تلك الغزاة، والله ما اجتمعت عِندَي قبله راحلتان قط، حتى جمعتهما في تلك الغزوة، ولم يكن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يريد غزوة إلا ورى بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة، غزاها رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في حر شديد، واستقبل سفرا بعيدا، ومفازا وعدوا كثيرا، فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم، فأخبرهم بوجهه الذي يريد، والمسلمون مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كثير، ولا يجمعهم كتاب حافظ، يريد الديوان . قال كعب : فما رجلٌ يريد أن يتغيب إلا ظن أن سيخفى له، ما لم ينزل فيه وحي الله، وغزا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟لك الغزوة حين طابت الثمار والظلال، وتجهز رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والمسلمون معه، فطفقت أغدو لكي أتجهز معهم، فأرجع ولم أقضى شيئا، فأقول في نفسي : أنا قادر عليه، فلم يزل يتمادى بي حتى اشتد بالناس الجد، فأصبح رسول صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والمسلمون معه، ولم أقض من جهازي شيئا، فقُلْت أتجهز بعده بيومَ أو يومَين ثم ألحقهم، فغدوت بعد أن فصلوا لأتجهز، فرجعت ولم أقض شيئا، ثم غدوت، ثم رجعت ولم أقض شيئا، فلم يزل بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو، وهممت أن أرتحل فأدركهم، وليتني فعلت، فلم يقدر لي ذلك، فكنتُ إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فطفت فيهم، أحزنني أني لا أرى إلا رجلًا مغموصا عليه النفاق، أو رجلًا ممن عذر الله من الضعفاء، ولم يذكرني رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتى بلغ تبوك، فقال، وهو جالس في القوم بتبوك : ( ما فعل كعب ) . فقال رجلٌ من بني سلمة : يا رسولَ اللهِ، حبسه برداه، ونظره في عطفيه . فقال مُعاذٍ بن جبل : بئس ما قُلْت، والله يا رسولَ اللهِ ما علمنا عليه الإ خيرا . فسكت رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم . قال كعب بن مالك : فلما بلغني أنه توجه قافلا حضرني همي، وطفقت أتذكر الكذب وأقول : بماذا أخرج من سخطه غدا، واستعنت على ذلك بكل ذي رأي من أهلي، فلما قيل : إن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قد أظل قادما زاح عني الباطل، وعرفت أني لن أخرج منه أبدا بشيء فيه كذب، فأجمعت صدقه، وأصبح رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قادما، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد، فيركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس، قُلْما فعل ذلك جاءه المخلفون، فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلًا، فقبل منهم رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم علانيتهم، وبايعهم واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله، فجئته، فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب، ثم قال : ( تعال ) . فجئت أمشي حتى جلست يديه، فقال لي : ( ما خلفك، ألم تكن قد ابتعت ظهرك ) . فقُلْت : بلى، إني والله - يا رسولَ اللهِ - لو جلست عِندَ غيرك من أهل الدنيا، لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أعطيت جدلا، ولكني والله، لقد علمت لئن حدثتك اليومَ حديث كذب ترضى به عني، ليوشكن الله أن يسخطك علي، ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه، إني لأرجو فيه عفو الله، لا والله، ما كان لي من عذر، والله ما كنتُ قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك . فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك ) . فقمت وثار رجال من بني سلمة فاتبعوني، فقالوا لي : والله ما علمناك كنتُ أذنبت ذنبا قبل هذا، ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بما اعتذر إليه المتخلفون، قد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟ك . فوالله ما زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي، ثم قُلْت لهم : هل لقي هذا معي أُحُدٍ ؟ قالوا : نعم، رجلان قالا مثل ما قُلْت، فقيل لهما مثل ما قيل لك، فقُلْت : من هما ؟ قالوا : مرارة بن الربيع العمري وهلال بن أمية الواقفي، فذكروا لي رجلٌين صالحين، قد شهدا بدرا، فيهما أسوة، فمضيت حين ذكروهما لي، ونهى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه، فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا، حتى تنكرت في نفسي الأرض فما هي التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنتُ أشب القوم وأجلدهم، فكنتُ أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أُحُدٍ، وآتي رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي : هل حرك شفتيه برد السلام علي أم لا ؟ ثم أصلي قريبا منه، فأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إلي، وإذا التفت نحوه أعرض عني، حتى إذا طال علي ذلك من جفوة الناس، مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي وأحب الناس إلي، فسلمت عليه، فوالله ما رد علي السلام، فقُلْت : يا أبا قتادة، أنشدك بالله هل تعلمني أحب الله ورسوله ؟ فسكت، فعدت له فنشدته فسكت، فعدت له فنشدته، فقال : الله ورسوله أعلم، ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار . قال : فبينا أنا أمشي بسوق المدينة، إذا نبطي من أنباط أهل الشأم، ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة، يقول : من يدل على كعب بن مالك، فطفق الناس يشيرون له، حتى إذا جاءني دفع إلي كتابا من ملك غسان، فإذا فيه : أما بعد، فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك . فقُلْت لما قرأتها : وهذا أيضا من البلاء، فتيممت بها التنور فسجرته بها، حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين، إذا رسول رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يأتيني فقال : إن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يأمرك أن تعتزل امرأتك، فقُلْت : أطلقها أم ماذا أفعل ؟ قال : لا، بل اعتزلها ولا تقربها . وأرسل إلى صاحبي مثل ذلك، فقُلْت لامرأتي : الحقي بأهلك، فتكوني عِندَهم حتى يقضي الله في هذا الأمر . قال كعب : فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقالتْ : يا رسولَ اللهِ، إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه ؟ قال : ( لا، ولكن لا يقربك ) . قالتْ : إنه والله ما به حركة إلى شيء، والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومَه هذا . فقال لي بعض أهلي : لو استأذنت رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في امرأتك، كما أذن لامرأة هلال بن أميه أن تخدمه ؟ فقُلْت : والله لا أستأذن فيها رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وما يدريني ما يقول رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا استأذنته فيها، وأنا رجلٌ شاب ؟ فلبثت بعد ذلك عشر ليال، حتى كملت لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن كلامنا، فلما صليت صلاة الفجر صبح خمسين ليلة، وأنا على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله، قد ضاقت علي نفسي، وضاقت علي الأرض بما رحبت، سمعت صوت صارخ، أوفى على جبل سلع، بأعلى صوته : يا كعب بن مالك أبشر، قال : فخررت ساجدا، وعرفت أن قد جاء فرج، وآذن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بتوبة الله علينا حين صلَّى صلاة الفجر، فذهب الناس يبشروننا، وذهب قبل صاحبي مبشرون، وركض إلي رجلٌ فرسا ، وسعى ساع من أسلم، فأوفى على الجبل، وكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي، فكسوته إياهما ببشراه، والله ما أملك غيرهما يومَئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما، وانطلقت إلى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فيتلقاني الناس فوجا فوجا، يهونني بالتوبة يقولون : لتهنك توبة الله عليك، قال كعب : حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟الس حوله الناس، فقام إلى طلحةَ بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني، والله ما قام إلي رجلٌ من المهاجرين غيره، ولا أنساها لطلحةَ، قال كعب : فلما سلمت على رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وهو يبرق وجهه من السرور : ( أبشر بخير يومَ مر عليك منذ ولدتك أمك ) . قال : قُلْت : أمن عِندَك يا رسولَ اللهِ، أم من عِندَ الله ؟ قال : ( لا، بل من عِندَ الله ) . وكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا سر استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منه، فلما جلست بين يديه قُلْت : يا رسولَ اللهِ، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسول الله، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك ) . قُلْت : فإني أمسك سهمي الذي بخيبر، فقُلْت : يا رسولَ اللهِ، إن الله إنما نجاني بالصدق، وإن من توبتي أن لا أُحُدٍث إلا صدقا مالقيت . فوالله ما أعلم أحدًا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أحسن مما أبلاني، ما تعمدت منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى يومَي هذا كذبا، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقيت . وأنزل الله على رسوله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار - إلى قوله - وكونوا مع الصادقين . فوالله ما أنعم الله علي من نعمة قط، بعد أن هداني للإسلام، أعظم في نفسي من صدقي لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا، فإن الله قال للذين كذبوا - حين أنزل الوحي - شر ما قال لأُحُدٍ، فقال تبارك وتعالى : سيحلفون بالله لكم إذا انقُلْبتم - إلى قوله - فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين . قال كعب : وكنا تخلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حين حلفوا له، فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أمرنا حتى قضى الله فيه، فبذلك قال الله : وعلى الثلاثة الذين خلفوا . وليس الذي ذكر الله مما خلفنا عن الغزو، إنما هو تخليفه إيانا، وإرجاؤه أمرنا، عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه .
أن عبد الله بن كعب بن مالك، وكان قائد كعب من بنيه حين عمي، قال : سمعت كعب بن مالك يحدث حين تخلف عن قصة تبوك، قال كعب : لم أتخلف عن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في غزوة غزاها الإ في غزوة تبوك، غير أني كنتُ تخلفت في بدر، ولم يعاتب أحدًا تخلف عنها، إنما خرج رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يريد عير قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ليلة العقبة، حين تواثقنا على الإسلام، وما أحب أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها، كان من خبري : أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر حين تخلفت عنه في تلك الغزاة، والله ما اجتمعت عِندَي قبله راحلتان قط، حتى جمعتهما في تلك الغزوة، ولم يكن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يريد غزوة إلا ورى بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة، غزاها رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في حر شديد، واستقبل سفرا بعيدا، ومفازا وعدوا كثيرا، فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم، فأخبرهم بوجهه الذي يريد، والمسلمون مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كثير، ولا يجمعهم كتاب حافظ، يريد الديوان . قال كعب : فما رجلٌ يريد أن يتغيب إلا ظن أن سيخفى له، ما لم ينزل فيه وحي الله، وغزا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟لك الغزوة حين طابت الثمار والظلال، وتجهز رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والمسلمون معه، فطفقت أغدو لكي أتجهز معهم، فأرجع ولم أقضى شيئا، فأقول في نفسي : أنا قادر عليه، فلم يزل يتمادى بي حتى اشتد بالناس الجد، فأصبح رسول صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والمسلمون معه، ولم أقض من جهازي شيئا، فقُلْت أتجهز بعده بيومَ أو يومَين ثم ألحقهم، فغدوت بعد أن فصلوا لأتجهز، فرجعت ولم أقض شيئا، ثم غدوت، ثم رجعت ولم أقض شيئا، فلم يزل بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو، وهممت أن أرتحل فأدركهم، وليتني فعلت، فلم يقدر لي ذلك، فكنتُ إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فطفت فيهم، أحزنني أني لا أرى إلا رجلًا مغموصا عليه النفاق، أو رجلًا ممن عذر الله من الضعفاء، ولم يذكرني رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتى بلغ تبوك، فقال، وهو جالس في القوم بتبوك : ( ما فعل كعب ) . فقال رجلٌ من بني سلمة : يا رسولَ اللهِ، حبسه برداه، ونظره في عطفيه . فقال مُعاذٍ بن جبل : بئس ما قُلْت، والله يا رسولَ اللهِ ما علمنا عليه الإ خيرا . فسكت رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم . قال كعب بن مالك : فلما بلغني أنه توجه قافلا حضرني همي، وطفقت أتذكر الكذب وأقول : بماذا أخرج من سخطه غدا، واستعنت على ذلك بكل ذي رأي من أهلي، فلما قيل : إن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قد أظل قادما زاح عني الباطل، وعرفت أني لن أخرج منه أبدا بشيء فيه كذب، فأجمعت صدقه، وأصبح رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قادما، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد، فيركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس، قُلْما فعل ذلك جاءه المخلفون، فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلًا، فقبل منهم رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم علانيتهم، وبايعهم واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله، فجئته، فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب، ثم قال : ( تعال ) . فجئت أمشي حتى جلست يديه، فقال لي : ( ما خلفك، ألم تكن قد ابتعت ظهرك ) . فقُلْت : بلى، إني والله - يا رسولَ اللهِ - لو جلست عِندَ غيرك من أهل الدنيا، لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أعطيت جدلا، ولكني والله، لقد علمت لئن حدثتك اليومَ حديث كذب ترضى به عني، ليوشكن الله أن يسخطك علي، ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه، إني لأرجو فيه عفو الله، لا والله، ما كان لي من عذر، والله ما كنتُ قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك . فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك ) . فقمت وثار رجال من بني سلمة فاتبعوني، فقالوا لي : والله ما علمناك كنتُ أذنبت ذنبا قبل هذا، ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بما اعتذر إليه المتخلفون، قد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟ك . فوالله ما زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي، ثم قُلْت لهم : هل لقي هذا معي أُحُدٍ ؟ قالوا : نعم، رجلان قالا مثل ما قُلْت، فقيل لهما مثل ما قيل لك، فقُلْت : من هما ؟ قالوا : مرارة بن الربيع العمري وهلال بن أمية الواقفي، فذكروا لي رجلٌين صالحين، قد شهدا بدرا، فيهما أسوة، فمضيت حين ذكروهما لي، ونهى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه، فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا، حتى تنكرت في نفسي الأرض فما هي التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنتُ أشب القوم وأجلدهم، فكنتُ أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أُحُدٍ، وآتي رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي : هل حرك شفتيه برد السلام علي أم لا ؟ ثم أصلي قريبا منه، فأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إلي، وإذا التفت نحوه أعرض عني، حتى إذا طال علي ذلك من جفوة الناس، مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي وأحب الناس إلي، فسلمت عليه، فوالله ما رد علي السلام، فقُلْت : يا أبا قتادة، أنشدك بالله هل تعلمني أحب الله ورسوله ؟ فسكت، فعدت له فنشدته فسكت، فعدت له فنشدته، فقال : الله ورسوله أعلم، ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار . قال : فبينا أنا أمشي بسوق المدينة، إذا نبطي من أنباط أهل الشأم، ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة، يقول : من يدل على كعب بن مالك، فطفق الناس يشيرون له، حتى إذا جاءني دفع إلي كتابا من ملك غسان، فإذا فيه : أما بعد، فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك . فقُلْت لما قرأتها : وهذا أيضا من البلاء، فتيممت بها التنور فسجرته بها، حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين، إذا رسول رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يأتيني فقال : إن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يأمرك أن تعتزل امرأتك ، فقُلْت : أطلقها أم ماذا أفعل ؟ قال : لا، بل اعتزلها ولا تقربها . وأرسل إلى صاحبي مثل ذلك، فقُلْت لامرأتي : الحقي بأهلك، فتكوني عِندَهم حتى يقضي الله في هذا الأمر . قال كعب : فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقالتْ : يا رسولَ اللهِ، إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه ؟ قال : ( لا، ولكن لا يقربك ) . قالتْ : إنه والله ما به حركة إلى شيء، والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومَه هذا . فقال لي بعض أهلي : لو استأذنت رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في امرأتك ، كما أذن لامرأة هلال بن أميه أن تخدمه ؟ فقُلْت : والله لا أستأذن فيها رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وما يدريني ما يقول رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا استأذنته فيها، وأنا رجلٌ شاب ؟ فلبثت بعد ذلك عشر ليال، حتى كملت لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن كلامنا، فلما صليت صلاة الفجر صبح خمسين ليلة، وأنا على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله، قد ضاقت علي نفسي، وضاقت علي الأرض بما رحبت، سمعت صوت صارخ، أوفى على جبل سلع، بأعلى صوته : يا كعب بن مالك أبشر، قال : فخررت ساجدا، وعرفت أن قد جاء فرج، وآذن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بتوبة الله علينا حين صلَّى صلاة الفجر، فذهب الناس يبشروننا، وذهب قبل صاحبي مبشرون، وركض إلي رجلٌ فرسا، وسعى ساع من أسلم، فأوفى على الجبل، وكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي، فكسوته إياهما ببشراه، والله ما أملك غيرهما يومَئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما، وانطلقت إلى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فيتلقاني الناس فوجا فوجا، يهونني بالتوبة يقولون : لتهنك توبة الله عليك، قال كعب : حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟الس حوله الناس، فقام إلى طلحةَ بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني، والله ما قام إلي رجلٌ من المهاجرين غيره، ولا أنساها لطلحةَ، قال كعب : فلما سلمت على رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وهو يبرق وجهه من السرور : ( أبشر بخير يومَ مر عليك منذ ولدتك أمك ) . قال : قُلْت : أمن عِندَك يا رسولَ اللهِ، أم من عِندَ الله ؟ قال : ( لا، بل من عِندَ الله ) . وكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا سر استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منه، فلما جلست بين يديه قُلْت : يا رسولَ اللهِ، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسول الله، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك ) . قُلْت : فإني أمسك سهمي الذي بخيبر، فقُلْت : يا رسولَ اللهِ، إن الله إنما نجاني بالصدق، وإن من توبتي أن لا أُحُدٍث إلا صدقا مالقيت . فوالله ما أعلم أحدًا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أحسن مما أبلاني، ما تعمدت منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى يومَي هذا كذبا، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقيت . وأنزل الله على رسوله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار - إلى قوله - وكونوا مع الصادقين . فوالله ما أنعم الله علي من نعمة قط، بعد أن هداني للإسلام، أعظم في نفسي من صدقي لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا، فإن الله قال للذين كذبوا - حين أنزل الوحي - شر ما قال لأُحُدٍ، فقال تبارك وتعالى : سيحلفون بالله لكم إذا انقُلْبتم - إلى قوله - فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين . قال كعب : وكنا تخلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حين حلفوا له، فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أمرنا حتى قضى الله فيه، فبذلك قال الله : وعلى الثلاثة الذين خلفوا . وليس الذي ذكر الله مما خلفنا عن الغزو، إنما هو تخليفه إيانا، وإرجاؤه أمرنا، عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه .
أن عبد الله بن كعب بن مالك، وكان قائد كعب من بنيه حين عمي، قال : سمعت كعب بن مالك يحدث حين تخلف عن قصة تبوك، قال كعب : لم أتخلف عن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في غزوة غزاها الإ في غزوة تبوك، غير أني كنتُ تخلفت في بدر، ولم يعاتب أحدًا تخلف عنها، إنما خرج رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يريد عير قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ليلة العقبة، حين تواثقنا على الإسلام، وما أحب أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها، كان من خبري : أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر حين تخلفت عنه في تلك الغزاة، والله ما اجتمعت عِندَي قبله راحلتان قط، حتى جمعتهما في تلك الغزوة، ولم يكن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يريد غزوة إلا ورى بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة، غزاها رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في حر شديد، واستقبل سفرا بعيدا، ومفازا وعدوا كثيرا، فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم، فأخبرهم بوجهه الذي يريد، والمسلمون مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كثير، ولا يجمعهم كتاب حافظ، يريد الديوان . قال كعب : فما رجلٌ يريد أن يتغيب إلا ظن أن سيخفى له، ما لم ينزل فيه وحي الله، وغزا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟لك الغزوة حين طابت الثمار والظلال، وتجهز رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والمسلمون معه، فطفقت أغدو لكي أتجهز معهم، فأرجع ولم أقضى شيئا، فأقول في نفسي : أنا قادر عليه، فلم يزل يتمادى بي حتى اشتد بالناس الجد، فأصبح رسول صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والمسلمون معه، ولم أقض من جهازي شيئا، فقُلْت أتجهز بعده بيومَ أو يومَين ثم ألحقهم، فغدوت بعد أن فصلوا لأتجهز، فرجعت ولم أقض شيئا، ثم غدوت، ثم رجعت ولم أقض شيئا، فلم يزل بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو، وهممت أن أرتحل فأدركهم، وليتني فعلت، فلم يقدر لي ذلك، فكنتُ إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فطفت فيهم، أحزنني أني لا أرى إلا رجلًا مغموصا عليه النفاق، أو رجلًا ممن عذر الله من الضعفاء، ولم يذكرني رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتى بلغ تبوك، فقال، وهو جالس في القوم بتبوك : ( ما فعل كعب ) . فقال رجلٌ من بني سلمة : يا رسولَ اللهِ، حبسه برداه، ونظره في عطفيه . فقال مُعاذٍ بن جبل : بئس ما قُلْت، والله يا رسولَ اللهِ ما علمنا عليه الإ خيرا . فسكت رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم . قال كعب بن مالك : فلما بلغني أنه توجه قافلا حضرني همي، وطفقت أتذكر الكذب وأقول : بماذا أخرج من سخطه غدا، واستعنت على ذلك بكل ذي رأي من أهلي، فلما قيل : إن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قد أظل قادما زاح عني الباطل، وعرفت أني لن أخرج منه أبدا بشيء فيه كذب، فأجمعت صدقه، وأصبح رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قادما، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد، فيركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس، قُلْما فعل ذلك جاءه المخلفون، فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلًا، فقبل منهم رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم علانيتهم، وبايعهم واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله، فجئته، فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب، ثم قال : ( تعال ) . فجئت أمشي حتى جلست يديه، فقال لي : ( ما خلفك، ألم تكن قد ابتعت ظهرك ) . فقُلْت : بلى، إني والله - يا رسولَ اللهِ - لو جلست عِندَ غيرك من أهل الدنيا، لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أعطيت جدلا، ولكني والله، لقد علمت لئن حدثتك اليومَ حديث كذب ترضى به عني، ليوشكن الله أن يسخطك علي، ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه، إني لأرجو فيه عفو الله، لا والله، ما كان لي من عذر، والله ما كنتُ قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك . فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك ) . فقمت وثار رجال من بني سلمة فاتبعوني، فقالوا لي : والله ما علمناك كنتُ أذنبت ذنبا قبل هذا، ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بما اعتذر إليه المتخلفون، قد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟ك . فوالله ما زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي، ثم قُلْت لهم : هل لقي هذا معي أُحُدٍ ؟ قالوا : نعم، رجلان قالا مثل ما قُلْت، فقيل لهما مثل ما قيل لك، فقُلْت : من هما ؟ قالوا : مرارة بن الربيع العمري وهلال بن أمية الواقفي، فذكروا لي رجلٌين صالحين، قد شهدا بدرا، فيهما أسوة، فمضيت حين ذكروهما لي، ونهى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه، فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا، حتى تنكرت في نفسي الأرض فما هي التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنتُ أشب القوم وأجلدهم، فكنتُ أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أُحُدٍ، وآتي رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي : هل حرك شفتيه برد السلام علي أم لا ؟ ثم أصلي قريبا منه، فأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إلي، وإذا التفت نحوه أعرض عني، حتى إذا طال علي ذلك من جفوة الناس، مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي وأحب الناس إلي، فسلمت عليه، فوالله ما رد علي السلام، فقُلْت : يا أبا قتادة، أنشدك بالله هل تعلمني أحب الله ورسوله ؟ فسكت، فعدت له فنشدته فسكت، فعدت له فنشدته، فقال : الله ورسوله أعلم، ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار . قال : فبينا أنا أمشي بسوق المدينة، إذا نبطي من أنباط أهل الشأم، ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة، يقول : من يدل على كعب بن مالك، فطفق الناس يشيرون له، حتى إذا جاءني دفع إلي كتابا من ملك غسان، فإذا فيه : أما بعد، فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك . فقُلْت لما قرأتها : وهذا أيضا من البلاء، فتيممت بها التنور فسجرته بها، حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين، إذا رسول رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يأتيني فقال : إن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يأمرك أن تعتزل امرأتك، فقُلْت : أطلقها أم ماذا أفعل ؟ قال : لا، بل اعتزلها ولا تقربها . وأرسل إلى صاحبي مثل ذلك، فقُلْت لامرأتي : الحقي بأهلك، فتكوني عِندَهم حتى يقضي الله في هذا الأمر . قال كعب : فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقالتْ : يا رسولَ اللهِ، إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه ؟ قال : ( لا، ولكن لا يقربك ) . قالتْ : إنه والله ما به حركة إلى شيء، والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومَه هذا . فقال لي بعض أهلي : لو استأذنت رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في امرأتك، كما أذن لامرأة هلال بن أميه أن تخدمه ؟ فقُلْت : والله لا أستأذن فيها رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وما يدريني ما يقول رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا استأذنته فيها، وأنا رجلٌ شاب ؟ فلبثت بعد ذلك عشر ليال، حتى كملت لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن كلامنا، فلما صليت صلاة الفجر صبح خمسين ليلة، وأنا على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله، قد ضاقت علي نفسي، وضاقت علي الأرض بما رحبت، سمعت صوت صارخ، أوفى على جبل سلع، بأعلى صوته : يا كعب بن مالك أبشر ، قال : فخررت ساجدا، وعرفت أن قد جاء فرج، وآذن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بتوبة الله علينا حين صلَّى صلاة الفجر، فذهب الناس يبشروننا، وذهب قبل صاحبي مبشرون، وركض إلي رجلٌ فرسا، وسعى ساع من أسلم، فأوفى على الجبل، وكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي، فكسوته إياهما ببشراه، والله ما أملك غيرهما يومَئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما، وانطلقت إلى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فيتلقاني الناس فوجا فوجا، يهونني بالتوبة يقولون : لتهنك توبة الله عليك، قال كعب : حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟الس حوله الناس، فقام إلى طلحةَ بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني، والله ما قام إلي رجلٌ من المهاجرين غيره، ولا أنساها لطلحةَ، قال كعب : فلما سلمت على رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وهو يبرق وجهه من السرور : ( أبشر بخير يومَ مر عليك منذ ولدتك أمك ) . قال : قُلْت : أمن عِندَك يا رسولَ اللهِ، أم من عِندَ الله ؟ قال : ( لا، بل من عِندَ الله ) . وكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا سر استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منه، فلما جلست بين يديه قُلْت : يا رسولَ اللهِ، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسول الله، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك ) . قُلْت : فإني أمسك سهمي الذي بخيبر، فقُلْت : يا رسولَ اللهِ، إن الله إنما نجاني بالصدق، وإن من توبتي أن لا أُحُدٍث إلا صدقا مالقيت . فوالله ما أعلم أحدًا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أحسن مما أبلاني، ما تعمدت منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى يومَي هذا كذبا، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقيت . وأنزل الله على رسوله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار - إلى قوله - وكونوا مع الصادقين . فوالله ما أنعم الله علي من نعمة قط، بعد أن هداني للإسلام، أعظم في نفسي من صدقي لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا، فإن الله قال للذين كذبوا - حين أنزل الوحي - شر ما قال لأُحُدٍ، فقال تبارك وتعالى : سيحلفون بالله لكم إذا انقُلْبتم - إلى قوله - فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين . قال كعب : وكنا تخلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حين حلفوا له، فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أمرنا حتى قضى الله فيه، فبذلك قال الله : وعلى الثلاثة الذين خلفوا . وليس الذي ذكر الله مما خلفنا عن الغزو، إنما هو تخليفه إيانا، وإرجاؤه أمرنا، عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه .
سألت عبد الله بن عباس رضي الله عنهما ، عن قول الله , عز وجل لموسى صلى الله عليه وسلم : وفتناك فتونا ، فسألته عن الفتون ؟ فقال : استأنف النهار يا ابن جبير ، فإن لها حديثا طويلا ، قال : فغدوت على ابن عباس لأنتجز ما وعدني من حديث الفتون ، فقال : تذاكر فرعون وجلساؤه ما كان الله عز وجل وعد إبراهيم صلى الله عليه وسلم من أن يجعل في ذريته أنبياء وملوكا ، فقال بعضهم : إن بني إسرائيل لينتظرون ذلك ما يشكون فيه ، وقد كانوا يظنون يظنون أنه يوسف بن يعقوب عليهما الصلاة والسلام ، فلما هلك قالوا : ليس هكذا كان ، إن الله عز وجل وعد إبراهيم صلى الله عليه وسلم ، قال فرعون : فكيف ترون ؟ فأتمروا ، واجتمعوا أمرهم على أن يبعث رجالا بالشفار ، يطوفون في بني إسرائيل ، فلا يجدون مولودا ذكرا إلا ذبحوه ، ففعلوا ذلك ، فلما أن رأوا أن الكبار في بني إسرائيل ، يموتون بآجالهم ، والصغار يذبحون ، قالوا : أتوشكون أن تفنوا بني إسرائيل ، فتصبروا إلى أن تباشروا من الأعمال ، والخدمة التي كانوا يكفونكم ؟ فاقتلوا عاما كل مولود ذكر ، فيقل نباتهم ، ودعوا عاما ، فلا تقتلوا منهم أحدا فيشب الصغار ، مكان من يموت من الكبار ، فإنهم لن يكثروا بمن تستحيون فتخافوا مكاثرتهم إباكم ولن يفنوا بمن تقتلون فتحتاجون إليهم ، فأجمعوا أمرهم على ذلك ، فحملت أم موسى بهارون عليهما السلام العام الذي لا يذبح فيه الغلمان فولدته علانية ، فلما كان من قابل ، حملت بموسى , عليه السلام ، فوقع في قلبها من الهم والحزن ، فذلك من الفتون يا ابن جبير ، ما دخل عليه في دهو بطن أمه مما يراد به ، فأوحى الله تعالى إليها : ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين ، وأمرها أن إذا ولدت أن تجعله في تابوت ، ثم تلقيه في اليم ، فلما ولدت فعلت ذلك به ، فألقته في اليم ، فلما توارى عنها ابنها أتاها الشيطان فقالت في نفسها : ما فعلت بابني ؟ لو ذبح لبث عندي فرأيته وكفنته كان أحب إلي من أن ألقيه بيدي إلى دواب البحر وحيتانه ، وانتهى الماء به حتى أرفأ به عند فرضة مستقى جواري امرأة فرعون ، فلما رأينه أخذنه ، فهممن أن يفتحن التابوت فقالت بعضهن : إن في هذا مالا ، وإنا إن فتحناه لم تصدقنا امرأة الملك بما وجدنا فيه ، فحملنه بهيئة لم يحركن منه شيئا ، دفعنه إليها ، فلما فتحته رأت فيه غلاما ، فألقى عليه منها محبة لم تلق مثلها على البشر قط ، وأصبح فؤاد أم موسى فارغا من ذكر كل شيء إلا من ذكر موسى عليه السلام ، فلما سمع الذابحون بأمره أقبلوا بشفارهم إلى امرأة فرعون ليذبحوه ، وذلك من الفتون يا ابن جبير ، فقالت للذباحين : أقروه ، فإن هذا الواحد لا يزيد في بني إسرائيل حتى آتي فرعون فأستوهبه منه ، فإن وهبه لي كنتم قد أحسنتم وأجملتم ، وإن أمر بذبحه لم ألمكم ، فأتت به فرعون فقالت : قرة عين لي ولك ، قال فرعون : يكون لك ، فأما لي فلا حاجة لي في ذلك ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : والذي أحلف به ، لو أقر فرعون بأن يكون له قرة عين كما أقرت امرأته ، لهداه الله به كما هدى به امرأته ، ولكن الله حرمه ذلك ، فأرسلت إلى من حولها ، من كل امرأة لها لبن ، تختار لها ظئرا ، فجعل كلما أخذته امرأة منهن فترضعه لم يقبل ثديها ، حتى أشفقت عليه امرأة فرعون أن يمتنع من اللبن فيموت ، فأحزنها ذلك ، فأمرت به فأخرج إلى السوق وتجمع الناس ترجو أن تجد له ظئرا يأخذ منها ، فلم يقبل ، وأصبحت أم موسى والهة ، فقالت لأخته : قصيه ، يعني أثره ، واطلبيه ، هل تسمعين له ذكرا ؟ أحي ابني أم قد أكلته الدواب ؟ ونسيت ما كان الله عز وجل وعدها فيه به ، أخته عن جنب وهم لا يشعرون ، وتخبت أن بصر الإنسان إلى الشيء البعيد وهو إلى جنبه لا يشعر به ، فقالت من الفرح حين أعياهم الظؤارت : أنا أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون ، فأخذوها فقالوا : ما يدريك ما نصحهم له ؟ هل يعرفونه حتى شكوا في ذلك ؟ فذلك من الفتون يا بن جبير ، فقالت : نصيحتهم له وشفقتهم عليه رغبة في ظهور ملك ، ورجاء منفعته ، فأرسلوها ، فانطلقت إلى أمها فأحب بها الخبر ، فجاءت أمه ، فلما وضعته في حجرها ، نزا إلى ثديها فمصه حتى امتلأ جنباه ريا ، وانطلق البشير إلى امرأة فرعون أن قد وجدنا لابنك ، فأرسلت إليها ، فأوتيت بها وبه ، فلما رأت ما يصنع قالت لها : امكثي عندي ترضعي ابني هذا ، فإني لم أحجبه شيئا قط ، فقالت أم موسى : لا أستطيع أن أدع بيتي وولدي فيضيع ، فإن طابت نفسك أن تعطينه فأذهب به إلى منزلي فيكون معي لا آلوه خيرا فعلت ، وإلا فإني غير تاركة بيتي وولدي ، وذكرت أم موسى عليه السلام ما كان الله , عز وجل , وعدها ، فتعاسرت على امرأة فرعون وأيقنت بأن الله عز وجل ينجز موعوده ، فرجعت إلى بيتها بابنها من يومها ، فأنبته الله نباتا حسنا وحفظه لما قد قضى فيه ، فلم يزل بنو إسرائيل وهم في ناحية القرية ممتنعين يمتنعون به من السخرة ما كان فيهم ، فلما ترعرع قالت امرأة فرعون لأم موسى : أريد أن تريني ابني ، فوعدتها يوما تريها فيه إياه ، فقالت امرأة فرعون لخزانها ، وظؤورتها ، وقهارمتها : لا يبقين أحد منكم إلا استقبل ابني اليوم بهدية ، وكرامة ، لأرى ذلك فيه وأنا باعثة أمينا يحصي ما يصنع كل إنسان منكم ، فلم تزل الهدايا ، والكرامة ، والنحلة ، تستقبله من حين خرج من بيت أمه ، إلى أن دخل على امرأة فرعون ، فلما دخل عليها بجلته ، وأكرمته ، وفرحت به ، وأعجبها ، ونحلت أمه لحسن أثره ، ثم قالت : لآتين به فرعون فلينحلنه ، وليكرمنه ، فلما دخلت به عليه ، جعله في حجره ، فتناول موسى لحية فرعون فمدها إلى الأرض ، فقال الغواة من أعداء الله لفرعون : ألا ترى إلى ما وعد الله عز وجل إبراهيم نبيه عليه السلام أنه يرثك ، ويعلوك ، ويصرعك ، فأرسل إلى الذباحين ، وذلك من الفتون يا ابن جبير ، بعد كل بلاء ابتلي به ، أو أريد به فتونا ، فجاءت امرأة فرعون تسعى إلى فرعون ، فقالت : ما بدا لك في هذا الغلام الذي وهبته لي ، قال : ألا ترينه يزعم أنه يصرعني ويعلوني ، قالت : أجعل بيني وبينك أمرا تعرف فيه الحق ، ائت بجمرتين ولؤلؤتين ، فقربهما إليه ، فإن بش باللؤلؤتين واجتنب الجمرتين عرفت أنه يعقل ، وإن تناول الجمرتين ولم يرد اللؤلؤتين ، علمت أن أحدا لا يؤثر الجمرتين على اللؤلؤتين وهو يعقل ، فقرب ذلك إليه فتناول الجمرتين فانتزعوهما من يده وخافت أن يحرقا يديه ، فقالت المرأة : ألا ترى ، فصرفه الله عنه بعد ما كان قد هم به ، وكان الله عز وجل بالغا فيه أمره ، فلما بلغ أشده وصار من الرجال لم يكن أحد من آل فرعون يخلص إلى أحد من بني إسرائيل معه بظلم ، ولا يخرج حتى يمنعوا كل الامتناع ، فبينما موسى عليه السلام يمشي في ناحية المدينة ، إذ هو برجلين يقتتلان أحدهما فرعوني ، والآخر إسرائيلي ، فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني فغضب موسى عليه السلام غضبا شديدا ، لأنه تناول وهو يعلم منزلة موسى عليه السلام من بني إسرائيل وحفظه لهم إلا يعلم الناس ، إلا أنما ذلك من الرضاع إلا أم موسى ، إلا أن يكون الله , عز وجل , أطلع موسى عليه السلام من ذلك على ما لم يطلع عليه غيره ، فوكز موسى , عليه السلام , الفرعوني فقتله ، وليس يراهما أحد إلا الله , عز وجل ، فقال موسى عليه السلام حين قتل الرجل : هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين ، ثم قال : رب إني ظلمت إلى قوله : إنه هو الغفور الرحيم ، فأصبح في المدينة خائفا يترقب الأخبار ، فأتي فرعون فقيل : إن بني إسرائيل قد قتلت رجلا من آل فرعون فخذ لنا بحقنا ، ولا ترخص لهم ، فقال : ابغوني قاتله ومن شهد عليه ، فإن الملك وإن كان صفوه مع قومه لا يستقيم له أن يقيد بغير بينة ، ولا يثبت ، فانظروا في علم ذلك آخذ لكم بحقكم ، فبينا هم يطوفون لا يجدون شيئا ، إذا موسى , عليه السلام , قد رأى في الغد ذلك الإسرائيلي يقتل رجلا من آل فرعون آخر ، فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني ، فصادف موسى , عليه السلام , قد ندم على ما كان منه ، فكره الذي رأى ، فغضب الإسرائيلي وهو يريد أن يبطش بالفرعوني ، فقال الإسرائيلي : لما فعل أمس واليوم إنك لغوي مبين ، فنظر الإسرائيلي إلى موسى عليه السلام بعد ما قال له ما قال ، فإذا هو غضبان كغضبه بالأمس الذي قتل به الفرعوني ، فخاف أن يكون بعد ما قال له : إنك لغوي مبين إياه أراد ، ولم يكن أراده ، إنما أراد الفرعوني ، فخاف الإسرائيلي ، فحاجز الفرعوني ، فقال : يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس وإنما قال ذلك مخافة أن يكون إياه أراد موسى عليه السلام أن يقتله ، فتنازعا ، فانطلق الفرعوني إلى قومه فأخبرهم بما سمع من الإسرائيلي من الخبر حين يقول : أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس ، فأرسل فرعون الذباحين ليقتلوا موسى عليه السلام ، فأخذ رسل فرعون الطريق الأعظم يمشون على هيئهم يطلبون موسى عليه السلام وهم لا يخافون أن يفوتهم ، فجاء رجل من شيعة موسى عليه السلام من أقصى المدينة فاختصر طريقا قريبا حتى سبقهم إلى موسى عليه السلام فأخبره ، فذلك من الفتون يا ابن جبير , فخرج موسى , عليه السلام , متوجها نحو مدين لم يلق بلاء قبل ذلك ، وليس له علم بالطريق إلا حسن الظن بربه عز وجل فإنه قال : عسى ربي أن يهديني سواء السبيل ، ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون إلى تذودان يعني بذلك حابستين غنمهما فقال لهما : ما خطبكما معتزلتين لا تسقيان مع الناس قالتا : ليس لنا قوة نزاحم القوم ، وإنما ننتظر فضول حياضهم ، فسقى لهما فجعل يغرف بالدلو ماء كثيرا ، حتى كانتا أول الرعاء فراغا ، فانصرفتا بغنمهما إلى أبيهما وانصرف موسى عليه السلام فاستظل بشجرة ، وقال : رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير ، فاستنكر أبوهما سرعة صدورهما بغنمهما حفلا باطنا ، فقال : إن لكما اليوم لشأنا ، فأخبرتاه لما صنع موسى عليه السلام ، فأمر إحداهما أن تدعوه له ، فأتت موسى عليه السلام فدعته ، فلما كلمه قال : لا تخف نجوت من القوم الظالمين ليس لفرعون ، ولا لقومه علينا سلطان ، ولسنا في مملكته ، قال : فقالت إحداهما : يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين فاحتملته الغيرة على أن قال : وما يدريك ما قوته ؟ وما أمانته ؟ قالت : أما قوته : فما رأيت في الدلو حين سقى لنا لم أر رجلا قط في ذلك المسقى أقوى منه ، وأما أمانته : فإنه نظر إلي حين أقبلت إليه وشخصت له ، فلما علم أني امرأة ، صوب رأسه لم يرفعه ولم ينظر إلي حتى بلغته رسالتك ، ثم قال لي : امشي خلفي وانعتي لي الطريق ، لم يفعل هذا إلا وهو أمين فسري عن أبيها وصدقها وظن به الذي قالت له ، فقال له : هل لك أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين إلى قوله : من الصالحين ، ففعل ، فكانت على نبي الله موسى , عليه السلام ثماني سنين واجبة ، وكانت سنتان عدة منه ، فقضى الله , عز وجل , عنه عدته فأتمها عشرا ، قال سعيد : فلقيني رجل من أهل النصرانية من علمائهم ، فقال : هل تدري أي الأجلين قضى موسى عليه السلام ؟ قلت : لا وأنا يومئذ لا أدري ، فلقيت ابن عباس فذكرت ذلك له ، فقال : أما علمت أن ثمانيا كانت على نبي الله عليه السلام واجبة ، لم يكن نبي الله لينقص منها شيئا ، وتعلم أن الله عز وجل كان قاضيا عن موسى عليه السلام عدته التي وعد ، فإنه قضى عشر سنين ، فلقيت النصراني ، فأخبرته بذلك ، فقال : الذي سألته فأخبرك أعلم منك بذلك ؟ قلت : أجل ، وأولى فلما سار موسى عليه السلام بأهله كان من أمر النار ما قص الله عليك في القرآن وأمر العصا ويده فشكا إلى ربه عز وجل ما يتخوف من آل فرعون في القتيل وعقدة لسانه ، فأتاه الله , عز وجل سؤله ، وحل عقدة من لسانه ، وأوحى الله عز وجل إلى هارون عليه السلام وأمره أن يلقاه واندفع موسى عليه السلام بعصاه حتى لقي هارون عليه السلام وانطلقا جميعا إلى فرعون ، فأقاما حينا على بابه لا يؤذن لهما فقالا : إنا رسولا ربك قال : فمن ربكما يا موسى فأخبراه بالذي قص الله عز وجل عليك في القرآن قال : فما تريدان ؟ وذكره القتيل واعتذر بما قد سمعت ، وقال : أريد أن تؤمن بالله وأن ترسل معي بني إسرائيل ، فأبى عليه وقال : ائت بآية إن كنت من الصادقين ، فألقى عصاه فإذا هي حية عظيمة فازعة فاغرة فاها مسرعة إلى فرعون ، فلما رآها فرعون قاصدة إليه خافها ، فاقتحم عن سريره واستغاث بموسى عليه السلام أن يكفها عنه ففعل ، ثم أخرج يده من جيبه فرآها بيضاء من غير سوء ، يعني من غير برص ، فردها فعادت إلى لونها الأول ، فاستشار الملأ حوله فيما رأى ، فقالوا له : هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم ... الآية : والمثلى ملكهم الذي هم فيه والعيش ، فأبوا على موسى , عليه السلام , أن يعطوه شيئا مما طلب وقالوا له : اجمع لهما السحرة ، فإنهم بأرضك كثير حتى نغلب سحرهما ، وأرسل في المدائن فحشر له كل ساحر متعالم ، فلما أتوا على فرعون ، قالوا : ما يعمل هذا الساحر ؟ قالوا : يعمل الحيات ، قالوا : فلا والله ما أحد في الأرض يعمل السحر والحيات والحبال والعصي الذي نعمل ، فما أجرنا إن نحن غلبنا ؟ قال لهم : أنتم أقاربي وخاصتي ، وأنا صانع إليكم كل شيء أحببته ، فتواعدوا يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى , قال سعيد : فحدثني ابن عباس ، أن يوم الزينة اليوم الذي أظهر الله عز وجل فيه موسى عليه السلام على فرعون والسحرة هو يوم عاشوراء ، فلما اجتمعوا في صعيد ، قال الناس بعضهم لبعض : انطلقوا فنتخبر هذا الأمر لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين ، يعنون موسى وهارون عليهما السلام استهزاء بهما ، فقالوا : يا موسى ، لقدرتهم في أنفسهم بسحرهم ، إما أن تلقي ، وإما أن نكون نحن الملقين قال : بل ألقوا فألقوا حبالهم وعصيهم ، وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون ، فرأى موسى عليه السلام من سحرهم ما أوجس في نفسه خيفة ، فأوحى الله عز وجل إليه أن ألق عصاك ، فلما ألقاها ، صارت ثعبانا عظيما فاغرة فاها ، فجعلت العصي بدعوة موسي عليه السلام تلتبس بالحبال حتى صارت جرزا إلى الثعبان ، فدخل فيه حتى ما أبقت عصا ، ولا حبلا إلا ابتلعته ، فلما عرف السحرة ذلك ، قالوا : لو كان هذا سحر لم يبلغ من سحرنا كل هذا ، ولكنه أمر من الله ، آمنا بالله ربنا وما جاء به موسى عليه السلام ، ونتوب إلى الله عز وجل مما كنا عليه ، وكسر الله ظهر فرعون في ذلك الموطن وأشياعه ، وأظهر الحق وبطل ما كانوا يعملون ، فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين ، وامرأة فرعون بارزة متبذلة تدعو بالنصر لموسى عليه السلام على فرعون ، فمن رآها من آل فرعون ظن أنها إنما تبذلت لشفقة على فرعون وأشياعه ، وإنما كان حزنها وهمها لموسى عليه السلام ، فلما طال مكث موسى عليه السلام لمواعيد فرعون الكاذبة ، كلما جاءه بآية وعده عندها أن يرسل معه بني إسرائيل ، فإذا مضت ، أخلف موعده وقال : هل يستطيع ربك أن يصنع غير هذا ، فأرسل الله عليه وعلى قومه الطوفان ، والجراد ، والقمل ، والضفادع ، آيات مفصلات ، كل ذلك يشكو إلى موسى عليه السلام ويطلب إليه أن يكفها عنه ، ويواثقه على أن يرسل معه بني إسرائيل ، فإذا كف ذلك عنه ، أخلف موعده ونكث عهده ، فأمر موسى عليه السلام بالخروج بقومه فخرج بهم ليلا ، فلما أصبح فرعون ورأى أنهم قد مضوا ، أرسل في المدائن حاشرين ، فتبعهم بجنود عظيمة كثيرة ، وأوحى الله عز وجل إلى البحر أن إذا ضربك موسى بعصاه فانفرق له اثنتي عشرة فرقة ، حتى يجوز موسى عليه السلام ومن معه ، ثم التئم على من بقي بعد من فرعون وأشياعه ، فنسي موسى عليه السلام أن يضرب البحر بالعصا فانتهى إلى البحر وله قصيف مخافة أن يضرب به موسى عليه السلام ، وهو غافل فيصير عاصيا الله عز وجل ، فلما تراءى الجمعان وتقاربا ، قال أصحاب موسى : إنا لمدركون ، افعل ما أمرك به ربك عز وجل ، فإنك لم تكذب ولم تكذب ، فقال : وعدني ربي عز وجل إذا أتيت البحر انفرق لي اثنتي عشرة فرقة حتى أجاوزه ، ثم ذكر بعد ذلك العصا فضرب البحر بعصاه حين دنا أوائل جند فرعون من أواخر جند موسى عليه السلام ، فانفرق البحر كما أمره الله عز وجل وكما وعد موسى عليه السلام ، فلما أن جاوز موسى عليه السلام وأصحابه البحر ودخل فرعون وأصحابه ، التقى عليهم البحر كما أمر ، فلما جاوز موسى عليه السلام البحر قال أصحابه : إنا نخاف أن لا يكون فرعون قد غرق ، ولا نؤمن هلاكه ، فدعا ربه عز وجل فأخرجه له بيديه حتى استيقنوا بهلاكه ، ثم مروا بعد ذلك على قوم يعكفون على أصنام لهم ، قالوا : يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة ، إلى وباطل ما كانوا يعملون ، قد رأيتم من العبر وسمعتم ما يكفيكم ، ومضى فأنزلهم موسى عليه السلام منزلا ثم قال لهم : أطيعوا هارون عليه السلام فإني قد استخلفته عليكم ، وإني ذاهب إلى ربي عز وجل ، وأجلهم ثلاثين يوما ، أن يرجع إليهم فيها فلما أتى ربه وأراد أن يكلمه ثلاثين يوما وقد صامهن ليلهن ونهارهن ، وكره أن يكلم ربه عز وجل وريح فمه ريح فم الصائم ، فتناول موسى عليه السلام من نبات الأرض شيئا فمضغه ، فقال له ربه عز وجل حين لقاه : لم أفطرت ؟ وهو أعلم بالذي كان ، قال : يا رب ، إني كرهت أن أكلمك إلا وفمي طيب الريح ، قال : أو ما علمت يا موسى أن ريح فم الصائم أطيب عندي من ريح المسك ، ارجع حتى تصوم عشرا ثم ائتني ، ففعل موسى عليه السلام ما أمر به ، فلما رأى قوم موسى عليه السلام أنه لم يرجع إليهم للأجل ساءهم ذلك ، وكان هارون عليه السلام قد خطبهم ، فقال لهم : خرجتم من مصر ولقوم فرعون عندي عواري وودائع ، ولكم فيهم مثل ذلك ، وأنا أرى أن تحتسبوا ما لكم عندهم ، ولا أجل لكم وديعة استودعتموها ، ولا عارية ، ولسنا برادي إليهم شيئا من ذلك ، ولا ممسكيه لأنفسنا ، فحفر حفيرا وأمر كل قوم عليهم شيء من ذلك من متاع ، أو حلية أن يقذفوه في ذلك الحفير ، ثم أوقد عليه النار فأحرقه فقال : لا يكون لنا ، ولا لهم ، وكان السامري رجل من قوم يعبدون البقر جيران لهم ، ولم يكن من بني إسرائيل ، فاحتمل مع موسى عليه السلام وبني إسرائيل حين احتملوا ، فقضى له أن رأى أثرا ، فأخذ منه بقبضته ، فمر بهارون فقال له هارون عليه السلام : يا سامري ، ألا تلقي ما في يديك ؟ وهو قابض عليه لا يراه أحد طوال ذلك فقال : هذه قبضة من أثر الرسول الذي جاوز بكم البحر ، ولا ألقيها لشيء إلا أن تدعو الله إذا ألقيتها أن تكون ما أريد ، فألقاها ودعا الله هارون عليه السلام فقال : أريد أن يكون عجلا ، واجتمع ما كان في الحفرة من متاع له ، أو حلية ، أو نحاس ، أو حديد ، فصار عجلا أجوف ليس فيه روح له خوار , قال ابن عباس : لا والله ما كان له صوت قط ، إنما كانت الريح تدخل من دبره وتخرج من فمه ، فكان ذلك الصوت من ذلك ، فتفرق بنو إسرائيل فرقا ، فقالت فرقة : يا سامري ما هذا فأنت أعلم به ؟ قال : هذا ربكم عز وجل ولكن موسى عليه السلام أضل الطريق ، وقالت فرقة : لا تكذب بهذا حتى يرجع إلينا موسى ، فإن كان ربنا لم نكن ضيعناه وعجزنا فيه حتى رأيناه ، وإن لم يكن ربنا ، فإنا نتبع قول موسى عليه السلام ، وقالت فرقة : هذا علم الشيطان ، وليس بربنا ، ولا نؤمن ، ولا نصدق ، وأشرب فرقة ، في قلوبهم التصديق بما قال السامري في العجل ، وأعلنوا التكذيب ، فقال لهم هارون عليه السلام : يا قوم : إنما فتنتم به ، وإن ربكم ليس هكذا ، قالوا : فما بال موسى عليه السلام وعدنا ثلاثين يوما ثم أخلفنا ، فهذه أربعون قد مضت ، فقال سفهاؤهم : أخطأ ربه فهو يطلبه ويتبعه ، فلما كلم الله عز وجل موسى عليه السلام وقال له ما قال ، أخبره بما لقي قومه بعده ، فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا وقال لهم : ما سمعتم في القرآن وأخذ برأس أخيه ، وألقي الألواح من الغضب ثم عذر أخاه بعذره ، واستغفر له ، وانصرف إلى السامري ، فقال له : ما حملك على ما صنعت ؟ قال : قبضت قبضة من أثر الرسول وفطنت لها ، وعمت عليكم فقذفتها وكذلك سولت لي نفسي قال : فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس وإن لك موعدا لن تخلفه وانظر إلى إلهك إلى قوله : نسفا ، ولو كان إلها لم يخلص إلى ذلك منه ، فاستيقن بنو إسرائيل بالفتنة ، واغتبط الذين كان رأيهم فيه مثل رأي هارون عليه السلام ، فقالوا بجماعتهم لموسى عليه السلام : سل لنا ربك عز وجل أن يفتح لنا باب توبة نصنعها فيكفر عنا ما عملنا ، فاختار موسى عليه السلام قومه سبعين رجلا لذلك ، لا يألوا الخير خيار بني إسرائيل ومن لم يشرك في العجل ، فانطلق بهم ليسأل لهم التوبة فرجفت بهم الأرض ، فاستحيا نبي الله صلى الله عليه وسلم من قومه ، ووفده حين فعل بهم ما فعل فقال : رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا وفيهم من قد كان الله عز وجل اطلع على ما أشرب قلبه من حب العجل وإيمانه به ، فلذلك رجفت بهم الأرض فقال : ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون إلى : في التوراة والإنجيل فقال : رب سألتك التوبة لقومي ، فقلت : إن رحمتي كتبتها لقوم غير قومي ، فليتك أخرتني حين تخرجني حبا في أمة ذلك الرجل المرحومة ، فقال الله له : إن توبتهم أن يقتل كل رجل منهم من لقي من والد ، أو ولد فيقتله بالسيف لا يبالي من قتل في ذلك الموطن ، وتاب أولئك الذين كان خفي على موسى وهارون عليهما السلام ما اطلع الله عليهم من ذنوبهم ، فاعترفوا بها وفعلوا ما أمروا ، وغفر الله للقاتل والمقتول ، ثم سار بهم موسى عليه السلام متوجها نحو الأرض المقدسة ، وأخذ الألواح بعد ما سكت عنه الغضب ، وأمرهم بالذي أمر به أن يبلغهم من الوظائف ، فثقل ذلك عليهم ، وأبوا أن يقروا بها ، فنتق الله عليهم الجبل كأنه ظلة ، ودنا منهم حتى خافوا أن يقع عليهم ، فأخذوا الكتاب بأيمانهم وهم يصغون ينظرون إلى الجبل والأرض ، والكتاب بأيدهم وهم ينظرون إلى الجبل مخافة أن يقع عليهم ثم مضوا إلى الأرض المقدسة ، فوجدوا مدينة قوم جبارين خلقهم منكر ، وذكر من ثمارهم أمرا عجبا من عظمها فقالوا : يا موسى إن فيها قوما جبارين لا طاقة لنا بهم ، ولا ندخلها ما داموا فيها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون ، قال رجلان من الذين يخافون من الجبارين آمنا بموسى عليه السلام ، فخرجا إليه ، فقالا : نحن أعلم بقومنا ، إن كنتم إنما تخافون ما رأيتم من أجسامهم وعددهم ، فإنهم لا قلوب لهم ، ولا منعة عندهم ، فادخلوا عليهم الباب ، فإذا دخلتموه فإنكم غالبون ، ويقول أناس : إنهما من قوم موسى عليه السلام , وزعم سعيد بن جبير أنهما من الجبارين ، آمنا بموسى بقوله : من الذين يخافون ، إنما عنى بذلك من الذين يخافون بني إسرائيل قالوا : يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون فأغضبوا موسى عليه السلام ، فدعا عليهم ، وسماهم فاسقين ، ولم يدع عليهم قبل ذلك ، لما رأى منهم من المعصية وإساءتهم ، حتى كان يومئذ ، فاستجاب الله عز وجل له ، فسماهم كما سماهم موسى عليه السلام فاسقين ، فحرمها عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض يصبحون كل يوم فيسيرون ليس لهم قرار ، ثم ظلل عليهم الغمام في التيه ، وأنزل عليهم المن والسلوى ، وجعل لهم ثيابا لا تبلى ، ولا تتسخ ، وجعل بين ظهرهم حجرا مربعا ، وأمر موسى عليه السلام فضربه بعصاه فانفجر منه اثنتا عشرة عينا ، في كل ناحية ثلاثة أعين ، وأعلم كل سبط عينهم التي يشربون منها ، فلا يرتحلون من منزل إلا وجدوا ذلك الحجر منهم بالمكان الذي كان منه أمس.
سألتُ عبدَ اللهِ بنَ عباسٍ عن قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ لموسى عليهِ السلامُ : وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا ، فسألتُهُ عن الفُتُونِ ما هوَ ؟ قال : استأنِفِ النهارَ يا ابنَ جبيرٍ فإنَّ لها حديثًا طويلًا : فلمَّا أصبحتُ غدوتُ إلى ابنِ عباسٍ لأنتجزَ منهُ ما وعدني من حديثِ الفُتُونِ ، فقال : تذاكَرَ فرعونُ وجلساؤُهُ ما كان اللهُ وعدَ إبراهيمَ عليهِ السلامُ أن يجعلَ في ذريتِهِ أنبياءَ وملوكًا ، فقال بعضهم : إنَّ بني إسرائيلَ ينتظرونَ ذلك ، ما يَشُكُّونَ فيهِ ، وكانوا يظنُّونَ أنَّهُ يوسفُ بنُ يعقوبَ ، فلمَّا هلك قالوا : ليس هكذا كان وعدُ إبراهيمَ ، فقال فرعونُ : فكيف تَرَوْنَ ؟ فائتمروا وأجمعوا أمرهم على أن يبعثَ رجالًا معهم الشِّفَارُ ، يطوفونَ في بني إسرائيلَ ، فلا يجدونَ ، مولودًا ذكرًا إلا ذبحوهُ ، ففعلوا ذلك ، فلمَّا رَأَوْا أنَّ الكبارَ من بني إسرائيلَ يموتونَ بآجالهم ، والصغارَ يُذْبَحُونَ ، قالوا : يُوشِكُ أن تُفْنُوا بني إسرائيلَ ، فتصيروا أن تُبَاشِرُوا من الأعمالِ والخدمةِ التي كانوا يَكْفُونَكُمْ ، فاقتلوا عامًا كلَّ مولودٍ ذكرٍ ، فيَقِلُّ أبناؤهم ، ودعوا عامًا فلا تقتلوا منهم أحدًا ، فيَشِبُّ الصغارُ مكان من يموتُ من الكبارِ ، فإنَّهم لن يكثروا بمن تستحيونَ منهم فتخافوا مكاثرتهم إياكم ، ولن يَفْنَوا بمن تقتلونَ وتحتاجونَ إليهم . فأَجْمَعُوا أمرهم على ذلك . فحملتْ أمُّ موسى بهارونَ في العامِ الذي لا يُذْبَحُ فيهِ الغلمانُ ، فولدتْهُ علانيةً آمنةً . فلمَّا كان من قابلٍ حملتْ بموسى عليهِ السلامُ ، فوقع في قلبها الهمُّ والحزنُ ، وذلك من الفُتُونِ يا ابنَ جبيرٍ ما دخل عليهِ في بطنِ أُمِّهِ ، ممَّا يُرادُ بهِ . فأوحى اللهُ إليها أن : وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ . فأمرها إذا ولدتْ أن تجعلَهُ في تابوتٍ ثم تُلْقِيهِ في اليمِّ . فلمَّا ولدتْ فعلتْ ذلك ، فلمَّا تَوارَى عنها ابنها أتاها الشيطانُ ، فقالت في نفسها : ما فعلتُ بابني ، لو ذُبِحَ عندي فواريتُهُ وكفَّنتُهُ كان أحبُّ إليَّ من أن أُلْقِيهِ إلى دوابِّ البحرِ وحيتانِهِ . فانتهى الماءُ بهِ حتى أوفى بهِ عند فُرْضَةِ مُسْتَقَى جواري امرأةِ فرعونَ فلمَّا رأينَهُ أخذنَهُ فهممن أن يفتحْنَ التابوتَ فقال بعضهنَّ : إنَّ في هذا مالًا ، وإنَّا إن فتحناهُ لم تُصَدِّقنا امرأةُ المَلِكِ بما وجدنا فيهِ ، فحملنَهُ كهيئتِهِ لم يُخْرِجْنَ منهُ شيئًا حتى رفعنَهُ إليها . فلمَّا فتحتْهُ رأتْ فيهِ غلامًا ، فأُلْقِي عليهِ منها محبةً لم يُلْقِ منها على أحدٍ قطُّ ، وأصبحَ فؤادُ أمِّ موسى فارغًا من ذِكْرِ كلِّ شيٍء ، إلا من ذِكْرِ موسى . فلمَّا سمع الذبَّاحونَ بأمرِهِ ، أقبلوا بشِفَارِهِمْ إلى امرأةِ فرعونَ ليذبحوهُ : وذلك من الفُتُونِ يا ابنَ جبيرٍ ، فقالت لهم : أَقِرُّوهُ فإنَّ هذا الواحدَ لا يزيدُ في بني إسرائيلَ حتى آتي فرعونَ فأستوهبُهُ منهُ ، فإن وهبَهُ لي كنتم قد أحسنتم وأجملتم ، وإن أمرَ بذبحِهِ لم أَلُمْكُمْ . فأتت فرعونَ فقالت قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ . فقال فرعونُ : يكونُ لكَ . فأمَّا لي فلا حاجةَ لي فيهِ : فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : والذي يُحْلَفُ بهِ لو أَقَرَّ فرعونُ أن يكونَ قرَّةَ عينٍ لهُ ، كما أَقَرَّتْ امرأتُهُ ، لهداهُ اللهُ كما هداها ، ولكن حَرَمَهُ ذلك . فأرسلتْ إلى من حولها ، إلى كلِّ امرأةٍ لها لبنٌ لتختارَ لهُ ظِئْرًا ، فجعل كلَّما أخذتْهُ امرأةٌ منهنَّ لتُرْضِعَهُ لم يُقْبِلْ على ثديها حتى أشفقتِ امرأةُ فرعونَ أن يمتنعَ من اللبنِ فيموتَ ، فأحزنها ذلك ، فأمرتْ بهِ فأُخْرِجَ إلى السوقِ ومجمعِ الناسِ ، ترجو أن تجدَ لهُ ظِئْرًا تأخذُهُ منها ، فلم يُقْبِلْ ، وأصبحتْ أمُّ موسى والهًا ، فقالت لأختِهِ : قُصِّي أَثَرَهُ واطلبيهِ ، هل تسمعينَ لهُ ذِكْرًا ، أحيٌّ ابني أم قد أكلتْهُ الدوابُّ ؟ ونَسِيَتْ ما كان اللهُ وعدها فيهِ ، فبصرتْ بهِ أختُهُ عن جُنُبٍ وهم لا يشعرونَ – والجُنُبُ : أن يَسْمُو بصرُ الإنسانِ إلى شيٍء بعيدٍ ، وهو إلى جنبِهِ ، وهو لا يشعرُ بهِ – فقالت من الفرحِ حينَ أعياهم الظؤراتُ : أَنَا أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ . فأخذوها فقالوا ما يُدريكِ ؟ وما نُصْحُهُمْ لهُ ؟ هل يعرفونَهُ ؟ حتى شَكُّوا في ذلك ، وذلك من الفُتُونِ يا ابنَ جبيرٍ . فقالت : نُصْحُهُمْ لهُ وشفقتهم عليهِ رغبتهم في ظؤرةِ الملكِ ، ورجاءَ منفعةِ الملكِ . فأرسلوها فانطلقتْ إلى أُمِّهَا ، فأخبرتها الخبرَ . فجاءت أُمُّهُ ، فلمَّا وضعتْهُ في حجرها نَزَا إلى ثديها فمَصَّهُ ، حتى امتلأَ جنباهُ رِيًّا ، وانطلقَ البُشَراءُ إلى امرأةِ فرعونَ يُبَشِّرونها : أن قد وجدنا لابنكِ ظِئْرًا . فأرسلتْ إليها ، فأتتْ بها وبهِ ، فلمَّا رأت ما يصنعُ بها قالت : امْكُثِي تُرْضِعِي ابني هذا ، فإني لم أُحِبَّ شيئًا حُبَّهُ قطُّ . قالت أمُّ موسى : لا أستطيعُ أن أدعَ بيتي وولدي فيضيعُ ، فإن طابت نفسكَ أن تُعطينِيهِ فأذهبُ بهِ إلى بيتي ، فيكونُ معي لا آلوهُ خيرًا فعلتُ ، وإلا فإني غيرُ تاركةٍ بيتي وولدي . وذكرتْ أمُّ موسى ما كان اللهُ وعدها فيهِ ، فتعاسرتْ على امرأةِ فرعونَ ، وأيقنَتْ أنَّ اللهَ مُنْجِزٌ وعدَهُ ، فرجعتْ بهِ إلى بيتها من يومها ، وأنبتَهُ اللهُ نباتًا حسنًا ، وحَفِظَهُ لما قد قضى فيهِ . فلم يزل بنو إسرائيلَ ، وهم في ناحيةِ القريةِ ، ممتنعينَ من السخرةِ والظلمِ ما كان فيهم ، فلمَّا ترعرعَ قالت امرأةُ فرعونَ لأمِّ موسى : أَتُرِيني ابني ؟ فوَعَدَتْهَا يومًا تُرِيها إياهُ فيهِ ، وقالت امرأةُ فرعونَ لخازنها وظؤرها وقَهَارِمَتِهَا لا يَبْقِيَنَّ أحدٌ منكم إلا استقبلَ ابني اليومَ بهديةٍ وكرامةٍ لأرى ذلك ، وأنا باعثةٌ أمينًا يًحْصِي ما يصنعُ كلُّ إنسانٍ منكم ، فلم تزلِ الهدايا والنِّحَلُ والكرامةُ تستقبلُهُ من حينِ خرج من بيتِ أُمِّهِ إلى أن دخل على امرأةِ فرعونَ ، فلمَّا دخل عليها نَحَلَتْهُ وأكرمتْهُ ، وفرحت بهِ ، ونَحَلَتْ أُمَّهُ لحُسْنِ أثرها عليهِ ، ثم قالت : لآتِيَنَّ بهِ فرعونَ فليَنْحَلَنَّهُ وليُكْرِمَنَّهُ ، فلمَّا دخلت بهِ عليهِ جعلَهُ في حجرِهِ ، فتناولَ موسى لِحْيَةَ فرعونَ يَمُدُّها إلى الأرضِ ، فقال الغواةُ من أعداءِ اللهِ لفرعونَ : ألا ترى ما وعد اللهُ إبراهيمَ نبيَّهُ ، إنَّهُ زعم أن يرثِكَ ويعلوكَ ويصرعكَ ، فأرسلَ إلى الذَّبَّاحينَ ليذبحوهُ . وذلك من الفُتُونِ يا ابنَ جبيرٍ بعد كلِّ بلاءٍ ابْتُلِيَ بهِ ، وأُريدَ بهِ . فجاءت امرأةُ فرعونَ فقالت : ما بدا لك في هذا الغلامِ الذي وهبتَهُ لي ؟ فقال : ألا تَرَيْنَهُ يزعمُ أنَّهُ يصرعني ويعلوني . فقالت : اجعلْ بيني وبينك أمرًا يُعْرَفُ فيهِ الحقُّ ، ائتِ بجمرتيْنِ ولؤلؤتيْنِ ، فقرِّبْهُنَّ إليهِ ، فإن بطشَ باللؤلؤتيْنِ واجتنبْ الجمرتيْنِ فاعرفْ أنَّهُ يَعْقِلْ وإن تناولَ الجمرتيْنِ ولم يَرُدَّ اللؤلؤتيْنِ علمتَ أنَّ أحدًا لا يُؤْثِرُ الجمرتيْنِ على اللؤلؤتيْنِ وهو يَعْقِلُ ، فقَرَّبَ إليهِ ، فتناولَ الجمرتيْنِ ، فانتزعهما منهُ مخافةَ أن يحرقا يدَهُ ، فقالت امرأةُ فرعونَ : ألا ترى ؟ فصرفَهُ اللهُ عنهُ بعد ما كان قد همَّ بهِ ، وكان اللهُ بالغًا فيهِ أمرَهُ . فلمَّا بلغ أَشُدَّهُ وكان من الرجالِ ، لم يكن أحدٌ من آلِ فرعونَ يخلصُ إلى أحدٍ من بني إسرائيلَ معهُ بظلمٍ ولا سخرةٍ ، حتى امتنعوا كلَّ الامتناعِ ، فبينما موسى عليهِ السلامُ يمشي في ناحيةِ المدينةِ ، إذ هو برجليْنِ يقتتلانِ ، أحدهما فرعونيٌّ والآخرُ إسرائيليٌّ ، فاستغاثَهُ الإسرائيليُّ على الفرعونيِّ ، فغضب موسى غضبًا شديدًا ، لأنَّهُ تناولَهُ وهو يعلمُ منزلتَهُ من بني إسرائيلَ وحِفْظِهِ لهم ، لا يعلمُ الناسُ إلا أنما ذلك من الرضاعِ ، إلا أمُّ موسى ، إلا أن يكون اللهُ أطلعَ موسى من ذلك على ما لم يُطْلِعْ عليهِ غيرُهُ . فوكزَ موسى الفرعونيَّ ، فقتلَهُ وليس يراهما أحدٌ إلا اللهُ عزَّ وجلَّ والإسرائيليُّ ، فقال موسى حين قتلَ الرجلَ : هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ . ثم قال : رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ، فأصبحَ في المدينةِ خائفًا يترقَّبُ الأخبارَ ، فأُتِيَ فرعونُ ، فقيل لهُ : إنَّ بني إسرائيلَ قتلوا رجلًا من آلِ فرعونَ فخُذْ لنا بحَقِّنَا ولا تُرَخِّصْ لهم . فقال : أبغوني قاتِلَهُ ، ومن يشهدُ عليهِ ، فإنَّ الملكَ وإن كان صَفْوُهُ مع قومِهِ لا يستقيمُ لهُ أن يُقِيدَ بغيرِ بينَةٍ ولا ثَبْتٍ ، فاطلبوا لي عِلْمَ ذلك آخُذُ لكم بحقكم . فبينما هم يطوفونَ ولا يجدون ثَبْتًا ، إذا بموسى من الغدِ قد رأى ذلك الإسرائيليَّ يُقاتِلُ رجلًا من آلِ فرعونَ آخرَ ، فاستغاثَهُ الإسرائيليُّ على الفرعونيِّ ، فصادف موسى قد ندم على ما كان منهُ وكَرِهَ الذي رأى ، فغضب الإسرائيليُّ وهو يريدُ أن يبطشَ بالفرعونيِّ ، فقال للإسرائيليِّ لما فعل بالأمسِ واليومَ : إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ . فنظر الإسرائيليُّ إلى موسى بعد ما قال لهُ ما قال ، فإذا هو غضبانٌ كغضبِهِ بالأمسِ الذي قتلَ فيهِ الفرعونيَّ فخاف أن يكون بعدما قال له إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ أن يكونَ إياهُ أرادَ ، ولم يكن أرادَهُ ، وإنَّما أرادَ الفرعونيَّ ، فخاف الإسرائيليُّ وقال : يا موسى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ وإنما قالَهُ مخافةَ أن يكون إياهُ أراد موسى ليقتلَهُ ، فتتاركا وانطلقَ الفرعونيُّ فأخبرهم بما سمع من الإسرائيليِّ من الخبرِ حين يقولُ أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ فأرسل فرعونُ الذَّبَّاحينَ ليقتلوا موسى ، فأخذ رُسُلُ فرعونَ في الطريقِ الأعظمِ يمشونَ على هيئتهم يطلبونَ موسى وهم لا يخافون أن يفوتهم ، فجاء رجلٌ من شيعةِ موسى من أقصى المدينةِ فاختصرَ طريقًا حتى سبقهم إلى موسى فأخبرَهُ ، وذلك من الفُتُونِ يا ابنَ جبيرٍ . فخرج موسى مُتَوَجِّهًا نحوَ مَدْيَنَ لم يَلْقَ بلاءً قبل ذلك ، وليس لهُ بالطريقِ علمٌ إلا حُسْنُ ظنِّهِ بربهِ عزَّ وجلَّ فإنَّهُ قال عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ، وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ يعني بذلك حابستيْنِ غنمهما فقال لهما : ما خطبكما معتزلتيْنِ لا تسقيانِ مع الناسِ ؟ قالتا : ليس لنا قوةٌ نُزاحِمُ القومَ وإنما ننتظرُ فُضُولَ حياضهم ، فَسَقَى لهما فجعل يغترفُ في الدَّلْوِ ماءً كثيرًا حتى كان أولَ الرُّعَاءِ ، فانصرفتا بغنمهما إلى أبيهما وانصرف موسى عليهِ السلامُ فاستظَلَّ بشجرةٍ وقال رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ واستنكرَ أبوهما سرعةَ صدورهما بغنمهما حُفَّلًا بِطَانًا فقال : إنَّ لكما اليومَ لشأنًا ، فأخبرتاهُ بما صنع موسى ، فأمر إحداهما أن تدعوهُ ، فأتتْ موسى فدعتْهُ فلمَّا كلَّمَهُ قال لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ليس لفرعونَ ولا لقومِهِ علينا سلطانٌ ، ولسنا في مملكتِهِ ، فقالت إحداهما : يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ، إِنَّ خَيْرَ مِنَ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ فاحتملتْهُ الغِيرَةُ على أن قال لها : ما يُدْرِيكِ ما قوتُهُ وما أمانتُهُ ؟ قالت : أما قُوَّتُهُ فما رأيتُ منهُ في الدَّلْوِ حين سقى لنا ، لم أَرَ رجلًا قطُّ أقوى في ذلك السَّقْيِ منهُ ، وأما الأمانةُ فإنَّهُ نظر إلي حينِ أقبلتْ إليهِ وشَخَصَتْ لهُ ، فلمَّا علم أني امرأةٌ صَوَّبَ رأسَهُ فلم يرفعْهُ حتى بَلَّغْتُهُ رسالتكَ ، ثم قال لي : امشي خلفي وانْعُتِي لي الطريقَ ، فلم يفعل هذا إلا وهو أمينٌ ، فسُرِّيَ عن أبيها وصدَّقها وظَنَّ بهِ الذي قالت ، فقال لهُ : هل لكَ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ففعل فكانت على نبيِّ اللهِ موسى ثماني سنينَ واجبةً وكانت سَنَتَانِ عِدَةً منهُ فقضى اللهُ عنهُ عِدَتَهُ فأَتَمَّها عشرًا . قال سعيدٌ هو ابنُ جبيرٍ : فلَقِيَنِي رجلٌ من أهلِ النصرانيةِ من علمائهم قال : هل تدري أيُّ الأجلَيْنِ قضى موسى ؟ قلتُ : لا ، وأنا يومئذٍ لا أدري ، فلقيتُ ابنَ عباسٍ فذكرتُ ذلك لهُ فقال : أما علمتَ أنَّ ثمانيًا كانت على نبيِّ اللهِ واجبةً لم يكن لنبيٍّ أن يَنْقُصَ منها شيئًا ، ويعلمُ أنَّ اللهَ كان قاضيًا عن موسى عِدَتَهُ التي وعدَهُ فعِدَتُهُ التي وعدَهُ فإنَّهُ قضى عشرَ سنينَ ، فلقيتُ النصرانيَّ فأخبرتُهُ ذلك فقال : الذي سألتَهُ فأخبركَ أعلمُ منكَ بذلك قلتُ : أجل وأَوْلَى . فلمَّا سار موسى بأهلِهِ كان من أمرِ النارِ والعصا ويدِهِ ما قَصَّ اللهُ عليك في القرآنِ ، فشكا إلى اللهِ تعالى ما يَتَخَوَّفُ من آلِ فرعونَ في القتيلِ وعُقْدَةِ لسانِهِ ، فإنَّهُ كان في لسانِهِ عُقْدَةً تمنعُهُ من كثيرٍ من الكلامِ ، وسأل ربهُ أن يُعِينَهُ بأخيهِ هارونَ يكونُ لهُ رِدْءًا ويتكلَّمُ عنهُ بكثيرٍ مما لا يُفْصِحُ بهِ لسانُهُ ، فآتاهُ اللهُ سُؤْلَهُ وحلَّ عقدةً من لسانِهِ وأوحى اللهُ إلى هارونَ وأَمَرَهُ أن يلقاهُ ، فاندفع موسى بعصاهُ حتى لَقِيَ هارونَ عليهما السلامُ فانطلقا جميعًا إلى فرعونَ فأقاما على بابِهِ حينًا لا يُؤْذَنُ لهما ، ثم أُذِنَ لهما بعد حجابٍ شديدٍ فقالا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ قال : فمن ربكما ؟ فأخبرَهُ بالذي قَصَّ اللهُ عليكَ في القرآنِ ، قال : فما تريدانِ ؟ وذَكَّرَهُ القتيلَ فاعتذرَ بما قد سمعتَ ، قال : أريدً أن تُؤْمِنَ باللهِ وتُرْسِلَ معيَ بني إسرائيلَ ، فأَبَى عليهِ وقال ائْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ فألقى عصاهُ فإذا هي حيَّةٌ تسعى عظيمةٌ فاغِرَةٌ فاها مسرعةٌ إلى فرعونَ ، فلمَّا رآها قاصدةً إليهِ خافها فاقتحمَ عن سريرِهِ واستغاثَ بموسى أن يَكُفَّهَا عنهُ ففعلَ ، ثم أخرج يدَهُ من جيبِهِ فرآها بيضاءَ من غيرِ سوءٍ يعني من غيرِ بَرَصٍ ثم رَدَّهَا فعادت إلى لونها الأولِ ، فاستشار الملأَ حولَهُ فيما رأى ، فقالوا لهُ : هَذَانِ سَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى يعني مُلْكَهُمْ الذي هم فيهِ والعيشِ ، وأَبَوْا على موسى أن يُعْطُوهُ شيئًا ممَّا طلبَ ، وقالوا لهُ : اجمعْ لهما السحرةَ فإنَّهم بأرضكَ كثيرٌ حتى تَغْلِبَ بسحركَ سحرهما ، فأرسلَ إلى المدائنِ فحُشِرَ لهُ كلُّ ساحرٍ متعالمٍ ، فلمَّا أَتَوْا فرعونَ قالوا : بم يعملُ هذا الساحرُ ؟ قالوا : يعمل بالحَيَّاتِ ، قالوا : فلا واللهِ ما أَحَدٌ في الأرضِ يعملُ بالسحرِ بالحَيَّاتِ والحبالِ والعِصِيِّ الذي نعملُ ، وما أَجْرُنَا إن نحنُ غَلَبْنَا ؟ قال لهم : أنتم أقاربي وخاصَّتي ، وأنا صانعٌ إليكم كلَّ شيٍء أحببتم ، فتواعدوا يومَ الزينةِ وأنْ يُحْشَرَ الناسُ ضحىً ، قال سعيدُ بنُ جبيرٍ : فحدَّثني ابنُ عباسٍ أنَّ يومَ الزينةَ الذي أظهرَ اللهُ فيهِ موسى على فرعونَ والسحرةَ هو يومُ عاشوراءَ . فلمَّا اجتمعوا في صعيدٍ واحدٍ قال الناسُ بعضهم لبعضٍ : انطلقوا فلنحضر هذا الأمرَ لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ يعنون موسى وهارونَ استهزاءً بهما ، فقالوا : يا موسى لقدرتهم بسحرهم إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ، قَالَ: بَلْ أَلْقُوا فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ فرأى موسى من سحرهم ما أوجسَ في نفسِهِ خيفةً ، فأوحى اللهُ إليهِ أن أَلْقِ عصاكَ ، فلمَّا ألقاها صارت ثعبانًا عظيمةً فاغِرَةً فاها ، فجعلتِ العِصِيُّ تلتبسُ بالحبالِ حتى صارت جَزَرًا إلى الثعبانِ ، تدخلُ فيهِ ، حتى ما أبقت عصًا ولا حبالًا إلا ابتلعتْهُ ، فلمَّا عرفتِ السحرةُ ذلك قالوا ، لو كان هذا سحرًا لم يبلغ من سحرنا كلَّ هذا ، ولكنَّهُ أمرٌ من اللهِ عزَّ وجلَّ ، آمَنَّا باللهِ وبما جاء بهِ موسى ، ونتوبُ إلى اللهِ ممَّا كُنَّا عليهِ ، فكسرَ اللهُ ظهرَ فرعونَ في ذلك الموطنِ وأشياعِهِ ، وظَهَرَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ وامرأةُ فرعونَ بارزةٌ متبذلةٌ تدعو اللهَ بالنصرِ لموسى على فرعونَ وأشياعِهِ ، فمن رآها من آلِ فرعونَ ظنَّ أنَّها إنما ابتُذِلَتْ للشفقةِ على فرعونَ وأشياعِهِ ، وإنَّما كان حزنها وهَمُّها لموسى . فلمَّا طال مُكْثُ موسى بمواعيدِ فرعونَ الكاذبةِ ، كلَّما جاء بآيةٍ وعدَهُ عندها أن يُرْسِلَ معهُ بني إسرائيلَ ، فإذا مَضَتْ أخلفَ موعدَهُ وقال : هل يستطيعُ ربكَ أن يصنعَ غيرَ هذا ؟ فأرسلَ اللهُ على قومِهِ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقَمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ ، كلُّ ذلك يشكو إلى موسى ويطلبُ إليهِ أن يَكُفَّها عنهُ ، ويُوَاثِقُهُ على أن يُرْسِلَ معهُ بني إسرائيلَ ، فإذا كَفَّ ذلك عنهُ أخلفَ موعدَهُ ، ونكث عهدَهُ . حتى أمرَ اللهُ موسى بالخروجِ بقومِهِ فخرج بهم ليلًا ، فلمَّا أصبح فرعونُ ورأى أنهم قد مَضَوْا أَرْسَلَ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ ، فتبعَهُ بجنودٍ عظيمةٍ كثيرةٍ ، وأوحى اللهُ إلى البحرِ : إذا ضربكَ عبدي موسى بعصاهُ فانفلِقْ اثنتيْ عشرةَ فِرْقَةً ، حتى يجوزَ موسى ومن معهُ ، ثم التَقِ على من بَقِيَ بعد من فرعونَ وأشياعِهِ . فنسيَ موسى أن يضربَ البحرَ بالعصا وانتهى إلى البحرِ ولهُ قصيفٌ ، مخافةَ أن يضربَهُ موسى بعصاهُ وهو غافلٌ فيصيرُ عاصيًا للهِ . فلمَّا تراءى الجَمْعَانِ وتقاربا قال أصحابُ موسى : إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ، افعلْ ما أمركَ بهِ ربكَ ، فإنَّهُ لم يَكْذِبْ ولم تَكْذِبْ . قال : وعدني أن إذا أتيتُ البحرَ انْفَرَقَ اثنتيْ عشرةَ فِرْقَةً ، حتى أُجَاوِزُهُ : ثم ذكر بعد ذلك العصا فضرب البحرَ بعصاهُ حين دنا أوائلُ جُنْدِ فرعونَ من أواخرِ جُنْدِ موسى ، فانفرقَ البحرُ كما أمرَهُ ربهُ وكما وعد موسى فلمَّا أن جاز موسى وأصحابُهُ كلُّهم البحرَ ، ودخل فرعونُ وأصحابُهُ ، التقى عليهم البحرُ كما أُمِرَ فلمَّا جاوزَ موسى البحرَ قال أصحابُهُ : إنَّا نخافُ أن لا يكون فرعونُ غَرِقَ ولا نُؤْمِنُ بهلاكِهِ . فدعا ربهُ فأخرجَهُ لهُ ببدنِهِ حتى استيقنوا بهلاكِهِ . ثم مَرُّوا بعد ذلك عَلَى قَوْمٍ يَعْكِفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ قد رأيتم من العِبَرِ وسمعتم ما يكفيكم ومضى . فأنزلهم موسى منزلًا وقال : أطيعوا هارونَ فإني قد استخلفتُهُ عليكم ، فإني ذاهبٌ إلى ربي . وأَجَّلَهُمْ ثلاثينَ يومًا أن يرجعَ إليهم فيها ، فلمَّا أتى ربهُ وأرادَ أن يُكَلِّمَهُ في ثلاثينَ يومًا وقد صامهُنَّ ليلهُنَّ ونهارهُنَّ ، وكَرِهَ أن يُكَلِّمَ ربهُ وريحُ فيهِ ، ريحُ فمِ الصائمِ ، فتناولَ موسى من نباتِ الأرضِ شيئًا فمضغَهُ ، فقال لهُ ربهُ حين أتاهُ : لم أفطرتَ ؟ وهو أعلمُ بالذي كان : قال : يا ربِّ ، إني كرهتُ أن أُكَلِّمَكَ إلا وفَمِي طَيِّبُ الرِّيحِ . قال : أوما علمتَ يا موسى أنَّ رِيحَ فمِ الصائمِ أطيبُ من ريحِ المِسْكِ ، ارجع فصُمْ عشرًا ثم ائتني . ففعل موسى عليهِ السلامُ ما أُمِرَ بهِ ، فلمَّا رأى قومُ موسى أنَّهُ لم يرجع إليهم في الأَجَلِ ، ساءهم ذلك : وكان هارونُ قد خطبهم وقال : إنَّكم قد خرجتم من مصرَ ، ولقومِ فرعونَ عندكم عَوَارِيَ وودائعُ ، ولكم فيهم مثلُ ذلك ولا ممسكيهِ لأنفسنا ، فحفرَ حفيرًا ، وأمر كلَّ قومٍ عندهم من ذلك من متاعٍ أو حِلْيَةٍ أن يقذفوهُ في ذلك الحفيرِ ، ثم أوقدَ عليهِ النارَ فأحرقَهُ ، فقال : لا يكونُ لنا ولا لهم . وكان السامريُّ من قومٍ يعبدونَ البقرَ ، جيرانٌ لبني إسرائيلَ ، ولم يكن من بني إسرائيلَ ، فاحتملَ مع موسى وبني إسرائيلَ حينَ احتملوا ، فقضى لهُ أن رأى أَثَرًا فقبضَ منهُ قبضةً ، فمرَّ بهارونَ ، فقال لهُ هارونُ عليهِ السلامُ : يا سامريُّ ، ألا تُلْقِي ما في يدكَ ؟ وهو قابضٌ عليهِ ، لا يراهُ أحدٌ طُوَالَ ذلكَ ، فقال : هذهِ قبضةٌ من أَثَرِ الرسولِ الذي جاوزَ بكمُ البحرَ ، ولا أُلْقِيهَا لشيٍء إلا أن تدعو اللهَ إذا ألقيتُهَا أن يكونَ ما أُريدُ . فألقاها ، ودعا لهُ هارونُ ، فقال : أُريدُ أن يكونَ عِجْلًا . فاجتمعَ ما كان في الحفيرةِ من متاعٍ أو حِلْيَةٍ أو نحاسٍ أو حديدٍ ، فصار عِجْلَا أجوفَ ، ليس فيهِ روحٌ ، ولهُ خُوَارٌ قال ابنُ عباسٍ : لا واللهِ ، ما كان لهُ صوتٌ قطُّ ، إنَّما كانت الريحُ تدخُلُ في دُبُرِهِ وتخرجُ من فيهِ ، فكان ذلك الصوتَ من ذلكَ . فتفرَّقَ بنو إسرائيلَ فِرَقًا ، فقالت فِرْقَةٌ : يا سامريُّ ، ما هذا ؟ وأنتَ أعلمُ بهِ . قال : هذا ربكم ، ولكن موسى أَضَلَّ الطريقَ . وقالت فِرْقَةٌ : لا نُكَذِّبُ بهذا حتى يرجعَ إلينا موسى ، فإن كان ربنا لم نكن ضَيَّعْنَاهُ وعجزنا فيهِ حين رأيناهُ ، وإن لم يكن ربنا فإنَّا نَتَّبِعُ قولَ موسى ، وقالت فِرْقَةٌ : هذا عملُ الشيطانِ ، وليس بربنا ولا نُؤْمِنُ بهِ ولا نُصَدِّقُ ، وأُشْرِبَ فِرْقَةٌ في قلوبهم الصدقَ بما قال السامريُّ في العِجْلِ ، وأعلنوا التكذيبَ بهِ ، فقال لهم هارونُ : يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ، وَإِنَّ رَبَّكَمُ الرَّحْمَنُ . قالوا : فما بالُ موسى وعدنا ثلاثينَ يومًا ثم أخلفنا ؟ هذهِ أربعونَ يومًا قد مضتْ ؟ وقال سفهاؤهم : أخطأَ ربُّهُ فهو يطلبُهُ ويَتْبَعُهُ . فلمَّا كلَّمَ اللهُ موسى وقال لهُ ما قال : أَخْبَرَهُ بما لَقِيَ قومُهُ من بعدِهِ ، فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا فقال لهم ما سمعتم في القرآنِ ، وأخذ برأسِ أخيهِ يَجُرُّهُ إليهِ ، وألقى الألواحَ من الغضبِ ، ثم إنَّهُ عذرَ أخاهُ بعذرِهِ ، واستغفرَ لهُ ، وانصرفَ إلى السامريِّ فقال لهُ : ما حملكَ على ما صنعتَ ؟ قال : قَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ ، وفطنتُ لها وعميتْ عليكم ، فقذفتها وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا ، ولو كان إلهًا لم يُخْلَصْ إلى ذلك منهُ ، فاستيقنَ بنو إسرائيلَ بالفتنةِ ، واغتُبِطَ الذين كان رأيهم فيهِ مثلَ رأي هارونَ ، فقالوا لجماعتهم : يا موسى ، سَلْ لنا ربكَ أن يفتحَ لنا بابَ توبةٍ نصنعها ، فيُكَفِّرْ عنَّا ما عملنا . فاختارَ موسى قومَهُ سبعينَ رجلًا لذلك ، لا يَأْلُو الخيرَ ، خيارَ بني إسرائيلَ ، ومن لم يُشْرِكْ في العِجْلِ ، فانطلقَ بهم يسألُ لهمُ التوبةَ ، فرجفتْ بهمُ الأرضَ ، فاستحيا نبيُّ اللهِ من قومِهِ ومن وفدِهِ حين فُعِلَ بهم ما فُعِلَ ، فقال : ربِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا وفيهم من كان اطَّلَعَ اللهُ منهُ على ما أُشْرِبَ قلبُهُ من حُبِّ العِجْلِ وإيمانٍ بهِ فلذلك رجفتْ بهمُ الأرضُ فقال : رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ فقال : يا ربِّ سألتُكَ التوبةَ لقومي ، فقلتَ : إنَّ رحمتي كتبتُهَا لقومٍ غيرِ قومي فليتَكَ أَخَّرْتَنِي حتى تُخْرِجَنِي في أُمَّةِ ذلك الرجلِ المرحومةِ ، فقال لهُ : إنَّ توبتهم أن يَقْتُلَ كلُّ رجلٍ منهم من لَقِيَ من والدٍ وولدٍ فيقتلُهُ بالسيفِ ولا يُبَالِي من قتلَ في ذلك الموطنِ وتاب أولئكَ الذين كان خَفِيَ على موسى وهارونَ واطَّلَعَ اللهُ من ذنوبهم فاعترفوا بها وفعلوا ما أُمِرُوا وغفرَ اللهُ للقاتلِ والمقتولِ . ثم سار بهم موسى عليهِ السلامُ مُتَوَجِّهًا نحوَ الأرضِ المقدسةِ ، وأخذ الألواحَ بعد ما سكتَ عنهُ الغضبُ فأمرهم بالذي أُمِرَ بهِ أن يُبَلِّغَهُمْ من الوظائفِ ، فثَقُلَ ذلك عليهم وأَبَوْا أن يُقِرُّوا بها ، فنَتَقَ اللهُ عليهمُ الجبلَ كأنَّهُ ظُلَّةٌ ودنا منهم حتى خافوا أن يقعَ عليهم فأَخَذُوا الكتابَ بأيمانهم وهم مُصْغُونَ ينظرونَ إلى الجبلِ والكتابُ بأيديهم ، وهم من وراءِ الجبلِ مخافةَ أن يقعَ عليهم ، ثم مَضَوْا حتى أَتَوْا الأرضَ المقدسةَ فوجدوا مدينةً فيها قومٌ جَبَّارُونَ خَلْقُهُمْ خَلْقٌ مُنْكَرٌ ، وذكروا من ثمارهم أمرًا عجيبًا من عِظَمِهَا ، فقالوا : يا موسى إنَّ فيها قومًا جَبَّارِينَ لا طاقةَ لنا بهم ، ولا ندخلها ماداموا فيها ، فإن يخرجوا منها فإنَّا داخلونَ ، قال رجلانِ من الذينَ يخافونَ قيل ليزيدٍ : هكذا قرأَهُ ؟ قال : نعم ، من الجَبَّارِينَ آمَنَّا بموسى ، وخرجا إليهِ فقالوا : نحنُ أعلمُ بقومنا إن كنتم إنَّما تخافونَ ما رأيتم من أجسامهم وعددهم فإنَّهم لا قلوبَ لهم ولا مَنَعَةَ عندهم فادخلوا عليهمُ البابَ فإذا دخلتموهُ فإنَّكم غالبونَ ، ويقولُ أُناسٌ : إنَّهم من قومِ موسى ، فقال الذينَ يخافونَ بنو إسرائيلَ قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ فأغضبوا موسى فدعا عليهم وسمَّاهم فاسقينَ ، ولم يَدْعُ عليهم قبلَ ذلك ، لِمَا رأى منهم المعصيةَ وإساءتهم حتى كان يومئذٍ ، فاستجاب اللهُ لهُ وسمَّاهم كما سمَّاهم فاسقينَ ، فحرَّمَهَا عليهم أربعينَ سَنَةً يتيهونَ في الأرضِ ، يُصْبِحُونَ كلَّ يومٍ فيسيرونَ ليس لهم قرارٌ ثم ظَلَّلَ عليهمُ الغمامَ في التِّيهِ وأنزلَ عليهمُ المَنَّ والسلوى وجعل لهم ثيابًا لا تَبْلَى ولا تَتَّسِخُ ، وجعل بين ظهرانيهم حَجَرًا مُرَبَّعًا وأمرَ موسى فضربَهُ بعصاهُ فانفجرتْ منهُ اثنتا عشرةَ عينًا في كلِّ ناحيةٍ ثلاثُ أعينٍ ، وأعلمَ كلَّ سِبْطٍ عَيْنُهُمُ التي يشربونَ منها فلا يرتحلونَ من مَنْقَلَةٍ إلا وجدوا ذلك الحَجَرَ معهم بالمكانِ الذي كان فيهِ بالأمسِ
أنَّ رجُلَيْنِ من أَهْلِ الكوفةِ كانا صديقينِ لزَيدِ بنِ صوحانَ أتياهُ ليُكَلِّمَ لَهُما سَلمانَ أن يحدِّثَهُما حديثَهُ كيفَ كانَ إسلامُهُ فأقبلا معَهُ حتَّى لقَوا سَلمانَ ، وَهوَ بالمدائنِ أميرًا عليها ، وإذا هوَ على كرسيٍّ قاعدٍ ، وإذا خوصٌ بينَ يديهِ وَهوَ يسُفُّهُ ، قالا : فسلَّمنا وقَعدنا ، فقالَ لَهُ زيدٌ : يا أبا عبدِ اللَّهِ ، إنَّ هذينِ لي صديقانِ ولَهُما أخٌ ، وقد أحبَّا أن يسمَعا حديثَكَ كيفَ كانَ بَدؤُ إسلامِكَ ؟ قالَ : فقالَ سلمانُ : كنتُ يتيمًا من رامَ هُرمزَ ، وَكانَ ابنُ دِهْقانَ هُرمزَ يختلفُ إلى مُعلَّمٍ يعلِّمُهُ ، فلَزِمْتُهُ لأَكونَ في كَنفِهِ ، وَكانَ لي أخٌ أَكْبرَ منِّي وَكانَ مُستغنيًا بنفسِهِ ، وَكُنتُ غلامًا قصيرًا ، وَكانَ إذا قامَ مِن مَجلسِهِ تفرَّقَ مَن يحفِّظُهُم ، فإذا تفرَّقوا خَرجَ فيضعُ بثوبِهِ ، ثمَّ صعِدَ الجبلَ ، وَكانَ يفعلُ ذلِكَ غيرَ مرَّةٍ متنَكِّرًا ، قالَ : فقلتُ لَهُ : إنَّكَ تفعلُ كذا وَكَذا ، فلِمَ لا تَذهبُ بي معَكَ ؟ قالَ : أنتَ غلامٌ ، وأخافُ أن يظهرَ منكَ شيءٌ ، قالَ : قُلتُ : لا تخَفْ ، قالَ : فإنَّ في هذا الجبلِ قومًا في بِرطيلِهِم لَهُم عبادةٌ ، ولَهُم صلاحٌ يذكُرونَ اللَّهَ تعالى ، ويذكُرونَ الآخرةَ ، ويزعُمونَنا عبَدةَ النِّيرانِ ، وعَبدةَ الأوثانِ ، وأَنا على دينِهِم ، قالَ : قلتُ فاذهب بي معَكَ إليهم ، قالَ : لا أقدرُ على ذلِكَ حتَّى أستأمرُهُم ، وأَنا أخافُ أن يظهرَ منكَ شيءٌ ، فيعلمُ أبي فيقتلُ القومَ فيَكونُ هلاكُهُم عَلى يَدي ، قالَ : قلتُ : لن يظهرَ منِّي ذلِكَ ، فاستَأمِرْهُم منِّي فاستأمرَهُم فأتاهُم ، فقالَ : غلامٌ عندي يتيمٌ فأحبَّ أن يأتيَكُم ويسمعَ كلامَكُم ، قالوا : إن كُنتَ تثقُ بِهِ ، قالَ : أرجو أن لا يجيءَ منهُ إلَّا ما أحبُّ ، قالوا : فجيءَ بِهِ ، فقالَ لي : لقدِ استأذنتُ في أن تجيءَ مَعي ، فإذا كانتِ السَّاعةُ الَّتي رأيتَني أخرجُ فيها فأتِني ، ولا يعلمْ بِكَ أحدٌ ، فإنَّ أبي إن علمَ بِهِم قتلَهُم ، قالَ : فلمَّا كانتِ السَّاعةُ الَّتي يخرجُ تَبِعْتُهُ فصعِدنا الجبلَ ، فانتَهَينا إليهِم ، فإذا هم في برطيلِهِم قالَ عليٌّ : وأُراهُ ، قالَ : وَهُم ستَّةٌ أو سبعةٌ ، وقالَ : وَكَأنَّ الرُّوحَ قد خرجَ منهم منَ العبادةِ يصومونَ النَّهارَ ، ويقومونَ اللَّيلَ ، ويأكُلونَ عندَ السَّحرِ ، ما وجَدوا ، فقَعدنا إليهِم ، فأثنى الدِّهقانُ على حَبرٍ ، فتَكَلَّموا ، فحَمِدوا اللَّهَ ، وأثنَوا عليهِ ، وذَكَروا مَن مضى منَ الرُّسلِ والأنبياءِ حتَّى خلَصوا إلى ذِكْرِ عِيسى بنِ مريمَ عليهِما السَّلامُ ، فقالوا : بعثَ اللَّهُ تعالى عيسى عليهِ السَّلامُ رسولًا وسخَّرَ لَهُ ما كانَ يفعلُ من إحياءِ المَوتى ، وخَلقِ الطَّيرِ ، وإبراءِ الأَكْمَهِ ، والأبرصِ ، والأعمَى ، فَكَفرَ بِهِ قومٌ وتبعَهُ قومٌ ، وإنَّما كانَ عبدَ اللَّهِ ورسولَهُ ابتَلى بِهِ خلقَهُ ، قالَ : وقالوا قبلَ ذلِكَ : يا غلامُ ، إنَّ لَكَ لَربًّا ، وإنَّ لَكَ معادًا ، وإنَّ بينَ يديكَ جنَّةً وَنارًا ، إليهِما تَصيرونَ ، وإنَّ هؤلاءِ القومَ الَّذينَ يعبُدونَ النِّيرانَ أَهْلُ كُفرٍ وضلالةٍ لا يرضى اللَّهُ ما يَصنعونَ وليسوا على دينٍ ، فلمَّا حَضرتِ السَّاعةُ الَّتي ينصرِفُ فيها الغلامُ انصرفَ وانصرفتُ معَهُ ، ثمَّ غدونا إليهم فقالوا مثلَ ذلِكَ وأحسنَ ، ولَزِمْتُهم فقالوا لي يا سلمانُ : إنَّكَ غلامٌ ، وإنَّكَ لا تَستطيعُ أن تصنعَ كما نصنعُ فصلِّ ونم وَكُل واشرَب ، قالَ : فاطَّلعَ الملِكُ على صَنيعِ ابنِهِ فرَكِبَ في الخيلِ حتَّى أتاهُم في برطيلِهِم ، فقالَ : يا هؤلاءِ ، قد جاوَرتُموني فأحسَنتُ جوارَكُم ، ولم تَروا منِّي سوءًا فعَمدتُمْ إلى ابني فأفسدتُموهُ عليَّ قد أجَّلتُكُم ثلاثًا ، فإن قدَرتُ عليكُم بعدَ ثلاثٍ أحرقتُ عليكُم برطيلَكُم هذا ، فالحقوا ببلادِكُم ، فإنِّي أَكْرَهُ أن يَكونَ منِّي إليكم سوءٌ ، قالوا : نعَم ، ما تعمَّدنا مساءتَكَ ، ولا أردنا إلَّا الخيرَ ، فَكَفَّ ابنُهُ عن إتيانِهِم . فقُلتُ لَهُ : اتَّقِ اللَّهِ ، فإنَّكَ تعرفُ أنَّ هذا الدِّينَ دينُ اللَّهِ ، وأنَّ أباكَ ونحنُ على غيرِ دينٍ إنَّما هُم عبدةُ النَّارِ لا يعبُدونَ اللَّهَ ، فلا تبِع آخرتَكَ بدينِ غيرِكَ ، قالَ : يا سَلمانُ ، هوَ كما تقولُ : وإنَّما أتخلَّفُ عنِ القومِ بغيًا عليهِم إن تَبِعْتُ القومَ طلبَني أبي في الجبَلِ وقد خرجَ في إتياني إيَّاهم حتَّى طردَهُم ، وقد أعرفُ أنَّ الحقَّ في أيديهِم فأتيتُهُم في اليومِ الَّذي أرادوا أن يرتَحلوا فيهِ ، فقالوا : يا سلمانُ : قد كنَّا نحذرُ مَكانَ ما رأيتَ فاتَّقِ اللَّهَ تعالى واعلَم أنَّ الدِّينَ ما أوصيناكَ بِهِ ، وأنَّ هؤلاءِ عبدةُ النِّيرانِ لا يعرفونَ اللَّهَ تعالى ولا يذكرونَهُ ، فلا يخدعنَّكَ أحدٌ عن دينِكَ قلتُ : ما أَنا بمفارقُكُم ، قالوا : أنتَ لا تقدرُ أن تَكونَ معَنا نصومُ النَّهارَ ، ونقومُ اللَّيلَ وَنَأْكلُ عندَ السَّحرِ ما أصبنا وأنتَ لا تستطيعُ ذلِكَ ، قالَ : فقلتُ : لا أفارقَكُم ، قالوا : أنتَ أعلمُ وقد أعلمناكَ حالَنا ، فإذا أتيتَ خذ مقدارَ حملٍ يَكونُ معَكَ شيءٌ تأكلُهُ ، فإنَّكَ لا تستطيعُ ما نستطيعُ بحقٍّ قالَ : ففعلتُ ولقيَنا أخي فعرَضتُ عليهِ ، ثمَّ أتيتُهُم يمشونَ وأمشي معَهُم فرزقَ اللَّهُ السَّلامةَ حتَّى قدِمنا الموصِلَ فأتينا بيعةً بالموصِلِ ، فلمَّا دخلوا احتفُّوا بِهِم وقالوا : أينَ كنتُمْ ؟ قالوا : كنَّا في بلادٍ لا يذكُرونَ اللَّهَ تعالى فيها عبدةُ النِّيرانِ ، وَكُنَّا نعبدُ اللَّهَ فطرَدونا ، فقالوا : ما هذا الغلامُ ؟ فطفِقوا يُثنونَ عليَّ ، وقالوا : صحِبَنا من تلكَ البلادِ فلم نرَ منهُ إلَّا خيرًا ، قالَ سَلمانُ فوَ اللَّهِ : إنَّهم لَكَذلِكَ إذا طلعَ عليهم رجلٌ من كَهْفِ جبلٍ ، قالَ : فجاءَ حتَّى سلَّمَ وجلسَ فحفُّوا بِهِ وعظَّموهُ أصحابي الَّذينَ كنتُ معَهُم وأحدَقوا بِهِ ، فقالَ : أينَ كنتُمْ ؟ فأخبروهُ ، فقالَ : ما هذا الغلامُ معَكُم ؟ فأثنوا عليَّ خيرًا وأخبروهُ باتِّباعي إيَّاهم ، ولم أرَ مثلَ إعظامِهِم إيَّاهُ ، فحمدَ اللَّهَ وأثنى عليهِ ، ثمَّ ذَكَرَ من رسلِهِ وأنبيائِهِ وما لقوا ، وما صنعَ بِهِ وذَكَرَ مولدَ عيسى بنِ مريمَ عليهِ السَّلامُ ، وأنَّهُ ولدَ بغيرِ ذَكَرٍ فبعثَهُ اللَّهُ عزَّ وجلَّ رسولًا ، وأحيى على يديهِ الموتى ، وأنَّهُ يخلقُ منَ الطِّينِ كَهَيئةِ الطَّيرِ ، فينفخُ فيهِ فيَكونُ طيرًا بإذنِ اللَّهِ وأنزلَ عليهِ الإنجيلَ وعلَّمَهُ التَّوراةَ ، وبعثَهُ رسولًا إلى بَني إسرائيلَ فَكَفرَ بِهِ قومٌ وآمنَ بِهِ قومٌ ، وذَكَرَ بعضَ ما لقيَ عيسى ابنُ مريمَ ، وأنَّهُ كانَ عبدَ اللَّهِ أنعمَ اللَّهُ عليهِ فشَكَرَ ذلِكَ لَهُ ورضيَ اللَّهُ عنهُ حتَّى قبضَهُ اللَّهُ عزَّ وجلَّ وَهوَ يعظُهُم ويقولُ : اتَّقوا اللَّهَ والزَموا ما جاءَ بِهِ عيسى عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ، ولا تخالِفوا فيخالفُ بِكُم ، ثمَّ قالَ : مَن أرادَ أن يأخذَ من هذا شيئًا ، فليأخذ فجعلَ الرَّجلُ يقومُ فيأخذُ الجرَّةَ منَ الماءِ والطَّعامِ فقامَ أصحابي الَّذينَ جئتُ فسلَّموا عليهِ وعظَّموهُ وقالَ لَهُمُ : الزَموا هذا الدِّينَ وإيَّاكم أن تفرَّقوا واستَوصوا بِهَذا الغلامِ خيرًا ، وقالَ لي : يا غلامُ هذا دينُ اللَّهِ الَّذي تَسمعُني أقولُهُ وما سواهُ الكفرُ ، قالَ : قلتُ : ما أَنا بِمفارقِكَ ، قالَ : إنَّكَ لا تستطيعُ أن تَكونَ معي إنِّي لا أخرجُ من كَهْفي هذا إلَّا كلَّ يومِ أحَدٍ ، ولا تقدرُ على الكَينونةِ معي ، قالَ : وأقبلَ علَى أصحابِهِ ، فقالوا : يا غلامُ ، إنَّكَ لا تَستطيعُ أن تَكونَ معَهُ ، قلتُ : ما أَنا بمفارقِكَ ، قالَ لَهُ أصحابُهُ : يا فلانُ ، إنَّ هذا غلامٌ ويخافُ عليهِ ، فقالَ لي : أنتَ أعلمُ ، قلتُ : فإنِّي لا أفارقُكَ ، فبَكَى أصحابي الأوَّلونَ الَّذينَ كنتُ معَهُم عندَ فراقِهِم إيَّايَ ، فقالَ : يا غُلامُ ، خُذ من هذا الطَّعامِ ما ترى أنَّهُ يَكْفيكَ إلى الأحَدِ الآخرِ ، وخذ منَ الماءِ ما تَكْتفي بِهِ ، ففعلتُ فما رأيتُهُ نائمًا ولا طاعمًا إلَّا راكعًا وساجدًا إلى الأحَدِ الآخرِ ، فلمَّا أصبَحنا ، قالَ لي : خذ جَرَّتَكَ هذِهِ وانطلِق فخرجتُ معَهُ أتبعُهُ حتَّى انتَهَينا إلى الصَّخرةِ ، وإذا هم قد خرَجوا من تلكَ الجبالِ ينتَظرونَ خروجَهُ فقَعدوا وعادَ في حديثِهِ نحوَ المرَّةِ الأولى ، فقالَ : الزَموا هذا الدِّينَ ولا تفرَّقوا ، واذكُروا اللَّهَ واعلَموا أنَّ عيسى ابنَ مريمَ عليهما الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ عبدَ اللَّهِ تعالى أنعمَ اللَّهُ عليهِ ، ثمَّ ذَكَرَني ، فقالوا لَهُ : يا فلانُ كيفَ وجدتَ هذا الغلامَ ؟ فأثنَى عليَّ ، وقالَ خيرًا : فحمِدوا اللَّهَ تعالى ، وإذا خبزٌ كثيرٌ ، وماءٌ كثيرٌ فأخَذوا وجعلَ الرَّجلُ يأخذُ ما يَكْتفي بِهِ ، وفعَلتُ فتفرَّقوا في تلكَ الجبالِ ورجعَ إلى كَهْفِهِ ورجعتُ معَهُ فلبِثنا ما شاءَ اللَّهُ يخرجُ في كلِّ يومٍ أحدٍ ، ويخرجونَ معَهُ ويحفُّونَ بِهِ ويوصيهِم بما كانَ يوصيهم بِهِ فخرجَ في أَحدٍ ، فلمَّا اجتمعوا حمدَ اللَّهَ تعالى ووعظَهُم وقالَ : مثلَ ما كانَ يقولُ لَهُم ، ثمَّ قالَ لَهُم آخرَ ذلِكَ : يا هؤلاءِ إنَّهُ قد كبِرَ سنِّي ، ورقَّ عَظمي ، وقرُبَ أجلي ، وأنَّهُ لا عَهْدَ لي بِهَذا البيتِ منذُ كذا وَكَذا ، ولا بدَّ من إتيانِهِ فاستَوصوا بِهَذا الغلامِ خيرًا ، فإنِّي رأيتُهُ لا بأسَ بِهِ ، قالَ : فجزِعَ القومُ فما رأيتُ مثلَ جزعِهِم ، وقالوا : يا فلانُ ، أنتَ كبيرٌ فأنتَ وحدَكَ ، ولا تَأمنُ مِن أن يصيبَكَ شيءٌ يساعدُكَ أحوَجُ ما كنَّا إليكَ ، قالَ : لا تراجِعوني ، لا بدَّ منَ اتِّباعِهِ ، ولَكِنِ استَوصوا بِهَذا الغلامِ خيرًا وافعَلوا وافعَلوا ، قالَ : فقلتُ : ما أَنا بمفارقِكَ ، قالَ : يا سلمانُ قد رأيتَ حالي وما كنتُ عليهِ وليسَ هذا كذلِكَ أَنا أمشي أصومُ النَّهارَ وأقومُ اللَّيلَ ، ولا أستَطيعُ أن أحملَ معي زادًا ولا غيرَهُ وأنتَ لا تقدرُ على هذا قلتُ ما أَنا بمفارقِكَ ، قالَ : أنتَ أعلَمُ ، قالَ : فقالوا : يا فلانُ ، فإنَّا نخافُ على هذا الغلامِ ، قالَ : فَهوَ أعلمُ قد أعلَمتَهُ الحالَ وقد رأَى ما كانَ قبلَ هذا قلتُ : لا أفارقُكَ ، قالَ : فبَكَوا وودَّعوهُ وقالَ لَهُمُ : اتَّقوا اللَّهَ وَكونوا على ما أوصيتُكُم بِهِ فإن أعِش فعليَّ أرجعُ إليكم ، وإن متُّ فإنَّ اللَّهَ حيٌّ لا يموتُ فسلَّمَ عليهم وخرَجَ وخرجتُ معَهُ ، وقالَ لي : أحملُ معَكَ من هذا الخبزِ شيئًا تأكلُهُ فخرجَ وخرجتُ معَهُ يمشي وأتَّبعُهُ بذكرِ اللَّهَ تعالى ولا يلتفتُ ولا يقِفُ على شيءٍ حتَّى إذا أمسَينا ، قالَ : يا سلمانُ ، صلِّ أنتَ ونم وَكُل واشرب ثمَّ قامَ وَهوَ يصلِّي حتَّى انتَهَيا إلى بيتِ المقدسِ ، وَكانَ لا يرفعُ طرفَهُ إلى السَّماءِ حتَّى أتينا إلى بابِ المسجدِ ، وإذا على البابِ مُقعدٌ ، فقالَ : يا عبدَ اللَّهِ ، قد ترى حالي فتصدَّقْ عليَّ بشيءٍ فلم يلتفِت إليهِ ودخلَ المسجدَ ودخلتُ معَهُ فجعلَ يتبعُ أمكِنةً منَ المسجدِ فصلَّى فيها ، فقالَ : يا سلمانُ إنِّي لم أنَم منذُ كذا وَكَذا ولم أجِد طعمَ النَّومِ ، فإن فعلتَ أن توقظَني إذا بلغَ الظِّلُّ مَكانَ كذا وَكَذا نِمتُ ، فإنِّي أحبُّ أن أَنامَ في هذا المسجدِ وإلَّا لم أنَم ، قالَ : قلتُ فإنِّي أفعلُ ، قالَ : فإذا بلغَ الظِّلُّ مَكانَ كذا وَكَذا فأيقِظني إذا غلبَتني عَيني فَنامَ فقلتُ في نفسي : هذا لم ينَم مذ كذا وَكَذا وقد رأيتُ بعضَ ذلِكَ لأدعنَّهُ يَنامُ حتَّى يَشتفيَ منَ النَّومِ ، قالَ : وَكانَ فيما يمشي وأَنا معَهُ يقبلُ عليَّ فيعطيني ويخبرُني أنَّ لي ربًّا وبينَ يديَّ جنَّةً وَنارًا وحسابًا ويعلِّمُني ويذكرُ نحوَ ما يذكرُ القومُ يومَ الأحَدِ حتَّى قالَ فيما يقولُ : يا سلمانُ إنَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ سوفَ يبعثُ رسولًا اسمُهُ أحمدُ يخرجُ بتُهْمةَ - وَكانَ رجلًا أعجمٍيًّا لا يحسِنُ القولَ - علامتُهُ أنَّهُ يأكلُ الهديَّةَ ولا يأكلُ الصَّدقةَ بينَ كتفيهِ خاتمٌ وَهَذا زمانُهُ الَّذي يخرُجُ فيهِ قد تقاربَ فأمَّا أَنا فإنِّي شيخٌ كبيرٌ ولا أحسَبُني أدرِكُهُ فإن أدرَكْتَهُ أنتَ فصدِّقهُ واتَّبِعْهُ ، قالَ : قلتُ وإن أمرَني بتَركِ دينِكَ وما أنتَ عليهِ ، قالَ : اترُكْهُ فإنَّ الحقَّ فيما يأمرُ بِهِ ورِضى الرَّحمنِ فيما قالَ : فلم يمضِ إلَّا يسيرًا حتَّى استَيقظَ فزعًا يذكرُ اللَّهَ تعالى ، فقالَ لي : يا سلمانُ ، مضَى الفيءُ من هذا المَكانِ ولم أذكُر أينَ ما كنتَ جعلتَ على نفسِكَ ، قالَ : أخبرتَني أنَّكَ لم تنَم منذُ كذا وَكَذا وقد رأيتُ بعضَ ذلِكَ فأحبَبتُ أن تشتفيَ منَ النَّومِ فحمِدَ اللَّهَ تعالى وقامَ فخرجَ وتَبِعْتُهُ فمرَّ بالمُقعدِ ، فقالَ المُقعدُ : يا عبدَ اللَّهِ دخلتَ فسألتُكَ فلم تُعطِني وخرجتَ فسألتُكَ فلم تُعطِني فقامَ ينظرُ هل يَرى أحدًا فلَم يرَهُ فدَنا منهُ فقالَ لَهُ : ناوِلني فَناولَهُ ، فقالَ : بِسمِ اللَّهِ فقامَ كأنَّهُ أُنشِطَ من عقالٍ صحيحًا لا عَيبَ بِهِ فخلا عَن بعدِهِ ، فانطلقَ ذاهبًا فَكانَ لا يلوي علَى أحدٍ ولا يقومُ عليهِ ، فقالَ لي المُقعدُ : يا غلامُ احمل عليَّ ثيابي حتَّى أنطلقَ فأسيرَ إلى أَهْلي فحملتُ عليهِ ثيابَهُ وانطلقَ لا يَلوي عليَّ فخرجتُ في أثرِهِ أطلبُهُ ، فَكُلَّما سألتُ عنهُ قالوا : أمامَكَ حتَّى لقيَني رَكْبٌ من كَلبٍ ، فسألتُهُم : فلمَّا سَمعوا الفتَى أَناخَ رجلٌ منهم لي بعيرَهُ فحملَني خلفَهُ حتَّى أتوا بلادَهُم فباعوني فاشتَرتني امرأةٌ منَ الأنصارِ فجعَلتني في حائطٍ بِها وقدِمَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ ، فأخبرتُ بِهِ فأخذتُ شيئًا من تمرِ حائطي فجعلتُهُ علَى شيءٍ ، ثمَّ أتيتُهُ فوجدتُ عندَهُ ناسًا ، وإذا أبو بَكْرٍ أقربُ النَّاسِ إليهِ فوضعتُهُ بينَ يديهِ ، وقالَ ما هذا ؟ قلتُ : صدقةٌ ، قالَ للقومِ : كُلوا ، ولم يأكُلْ ، ثمَّ لَبِثْتُ ما شاءَ اللَّهُ ، ثمَّ أخذتُ مثلَ ذلِكَ فجَعلتُ على شيءٍ ، ثمَّ أتيتُهُ فوجدتُ عندَهُ ناسًا ، وإذا أبو بَكْرٍ أقربُ القومِ منهُ فوضعتُهُ بينَ يديهِ ، فقالَ لي : ما هذا ؟ قلتُ : هديَّةٌ ، قالَ : بسمِ اللَّهِ ، وأَكَلَ وأَكَلَ القومُ قُلتُ : في نفسي هذِهِ من آياتِهِ كانَ صاحبي رجلًا أعجميٌّ لم يحسِن أن ، يقولَ : تِهامةً ، فقالَ : تُهْمةٌ وقالَ : اسمُهُ أحمدُ فدُرتُ خلفَهُ ففَطنَ بي فأرخى ثوبًا فإذا الخاتمُ في ناحيةِ كتفِهِ الأيسرِ فتبيَّنتُهُ ، ثمَّ درتُ حتَّى جلستُ بينَ يديهِ فقلتُ : أشهدُ أنَّ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، وأنَّكَ رسولُ اللَّهِ ، فقالَ : مَن أنتَ قلتُ مَملوكٌ ، قالَ : فحدَّثتُهُ حَديثي وحديثُ الرَّجلِ الَّذي كنتُ معَهُ وما أمرَني بِهِ ، قالَ : لمن أنتَ ؟ قلتُ : لامرأةٍ منَ الأنصارِ جَعلتَني في حائطٍ لَها ، قالَ : يا أبا بَكْرٍ ، قالَ : لبَّيكَ ، قالَ : اشترِهِ فاشتراني أبو بَكْرٍ رضيَ اللَّهُ عنهُ فأعتقَني فلَبِثْتُ ما شاءَ اللَّهُ أن ألبَثَ فسلَّمتُ عليهِ وقعدتُ بينَ يديهِ فقلتُ : يا رسولَ اللَّهِ ما تقولُ في دينِ النَّصارى ، قالَ : لا خيرَ فيهم ولا في دينِهِم فدخَلَني أمرٌ عظيمٌ فقلتُ : في نفسي هذا الَّذي كنتُ معَهُ ورأيتُ ما رأيتُهُ ثمَّ رأيتُهُ أخذَ بيدِ المقعدِ فأقامَهُ اللَّهُ على يديهِ وقالَ : لا خيرَ في هؤلاءِ ، ولا في دينِهِم فانصَرفتُ وفي نَفسي ما شاءَ اللَّهُ ، فأنزلَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ على النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ إلى آخرِ الآيةِ ، فقالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ : عليَّ بسلمانَ ، فأتيتُ الرَّسولَ وأَنا خائفٌ فَجِئْتُ حتَّى قعدتُ بينَ يديهِ فقرأَ بسمِ اللَّهِ الرَّحمنِ ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ إلى آخرِ الآيةِ يا سلمانُ إنَّ أولئِكَ الَّذينَ كنتَ معَهُم وصاحبُكَ لم يَكونوا نصارَى ، إنَّما كانوا مُسْلِمَينِ فقلتُ : يا رسولَ اللَّهِ ، والَّذي بعثَكَ بالحقِّ لَهوَ الَّذي أمرَني باتِّباعِكَ ، فقلتُ لَهُ : وإن أمرَني بتَركِ دينِكَ وما أنتَ عليهِ ، قالَ : فاترُكْهُ ، فإنَّ الحقَّ وما يجبُ فيما يأمرُكَ بِهِ
لا مزيد من النتائج