نتائج البحث عن
«جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله ، إن قتلت في»· 12 نتيجة
الترتيب:
جاء رجلٌ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقال يا رسولَ اللهِ أرأيتَ إن عُدِي على مالي قال فأنشِدِ اللهَ قال فإن أبَوا عليَّ قال أنشدِ اللهَ قال فإن أبَوا عليَّ قال فأنشدِ اللهَ قال فإن أبَوْ عليَّ قال فقاتِلْ فإن قُتِلْتَ ففي الجنَّةِ وإن قَتَلْتَ ففي النَّارِ
جاءَ رجلٌ إلى رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ فقالَ : يا رسولَ اللَّهِ أرأيتَ إن عُدِيَ على مالي ؟ قالَ : فأنشِدِ اللَّهَ قالَ : فإن أبَوا عليَّ قالَ : أنشِدِ اللَّهَ قالَ : فإن أبوا عليَّ قالَ : فأنشدِ اللَّه قالَ فإن أبوا عليَّ قالَ : فقاتِلْ ، فإن قُتِلتَ ففي الجنَّةِ ، وإن قَتلتَ ففي النَّارِ
أنه قام فيهم فذكر لهم ( أنَّ الجهادَ في سبيلِ اللهِ والإيمانَ باللهِ أفضلُ الأعمالِ ) فقام رجلٌ فقال : يا رسولَ اللهِ ! أرأيتَ إن قُتلتُ في سبيلِ اللهِ تكفَّرُ عني خطاياي ؟ فقال له رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ( نعم . إن قُتِلْتَ في سبيلِ اللهِ ، وأنت صابرٌ مُحتسبٌ ، مُقبلٌ غيرُ مُدبرٍ ) ثم قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ( كيف قلتَ ؟ ) قال : أرأيتَ إن قُتلتُ في سبيلِ اللهِ أَتكفَّرُ عني خطايايَ ؟ فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهِ عليه وسلَّمَ ( نعم . وأنت صابرٌ مُحتسبٌ ، مُقبلٌ غيرُ مُدبرٍ . إلا الدَّينَ . فإنَّ جبريلَ عليه السلامُ ، قال لي ذلك ) . وفي روايةٍ : جاء رجلٌ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ . فقال : أرأيتَ إن قُتلتُ في سبيلِ اللهِ ؟ بمعنى حديثِ اللَّيثِ .
جاء رجلٌ إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسولَ اللهِ ، أرَأَيْتَ إن عدي على مالي ؟ قال : فانشُدْ باللهِ. قال : فإن أَبَوْا عليَّ ؟ قال : فانشُدْ باللهِ. قال : فإن أَبَوْا عليَّ ؟ قال : فانشُدْ باللهِ. قال : فإن أَبَوْا عليَّ ؟ قال : فقَاتِلْ فإن قُتِلْتَ ففي الجنةِ ، وإن قَتَلْتَ ففي النارِ.
جاء رجلٌ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال يا رسولَ اللهِ أرأيتَ إن عُدي على مالي قال فانشُدْ باللهِ قال فإن أبَوْا عليَّ قال فانشُدْ باللهِ قال فإن أبَوْا عليَّ قال فانشُدْ باللهِ قال فإنْ أبَوْا عليَّ قال فقاتِلْ فإن قُتِلتَ ففي الجنَّةِ وإن قَتَلْتَ ففي النَّارِ
جاءَ رجلٌ إلى رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ ، فقالَ : يا رسولَ اللَّهِ ، أرأيتَ إن قُتِلتُ في سبيلِ اللَّهِ صابرًا محتسِبًا مقبلًا غيرَ مدبرٍ ، أيُكَفِّرُ اللَّهُ عنِّي خطايايَ ؟ قالَ : نعَم ، فلمَّا ولَّي الرَّجلُ ، ناداهُ رسولُ اللَّهِ ، أوأمرَ بِهِ فنوديَ لَهُ ، فقالَ رسولُ اللَّهِ : كيفَ قُلتَ ؟ فأعادَ علَيهِ قولَهُ ، فقالَ رسولُ اللَّهِ : نعَم ، إلَّا الدَّينَ ، كذلِكَ قالَ لي جبريلُ
جاء رجلٌ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: فقال: يا رسولَ اللهِ أرأَيْتَ إنْ قُتِلْتُ في سبيلِ اللهِ صابرًا محتسِبًا مُقبِلًا غيرَ مُدبِرٍ يُكفِّرُ اللهُ عنِّي خطاياي ؟ فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: نَعم، فلمَّا أدبَر ناداه رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أو أمَر به فنودي فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ( كيف قُلْتَ ) فأعاد قولَه فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ( نَعم، إلَّا الدَّينَ، كذلك قال لي جبريلُ عليه السَّلامُ )
لما انصرفنا من الأحزاب عن الخندق جمعت رجالا من قريش كانوا يرون مكاني ويسمعون مني فقلت لهم تعلمون والله إني لأرى أمر محمدا صلى الله عليه وسلم يعلو الأمور علوا منكرا وإني قد رأيت أمرا فما ترون فيه قالوا وما رأيت قلت رأيت أن نلحق بالنجاشي فنكون عنده فإن ظهر محمد على قومنا كنا عند النجاشي فإنا أن نكون تحت يديه أحب إلينا من أن نكون تحت يدي محمد وإن ظهر قومنا فنحن من قد عرفوا فلن يأتينا منهم إلا خير قالوا إن هذا الرأي قال قلت لهم فاجمعوا لي ما يهدى إليه وكان أحب ما يهدى إليه من أرضنا الأدم فجمعنا له أدما كثيرا ثم خرجنا حتى قدمنا عليه فوالله إنا لعنده إذ جاء عمرو بن أمية الضمري وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بعثه إليه في شأن جعفر وأصحابه فلما دخل إليه وخرج من عنده قال فقلت لأصحابي هذا عمرو بن أمية لو قد دخلت على النجاشي وسألته إياه فأعطانيه فضربت عنقه فإذا فعلت ذلك رأت قريش أني قد أجزأت عنها حين قتلت رسول محمد صلى الله عليه وسلم قال فدخلت عليه فسجدت له كما كنت أصنع فقال مرحبا بصديقي أهديت لي من بلادك شيئا قال قلت نعم أيها الملك [ ثم قلت أيها الملك ] لقد أهديت لك أدما كثيرا ثم قدمته إليه فأعجبه واشتهاه ثم قلت أيها الملك إني رأيت رجلا خرج من عندك وهو رسول رجل عدو لنا فأعطنيه فأقتله فإنه قد أصاب من أشرافنا وخيارنا قال فغضب ومد يده وضرب بها أنفه ضربة ظننت أنه قد كسره فلو انشقت لي الأرض لدخلت فيها فرقا منه ثم قلت أيها الملك والله لو ظننت أنك تكره هذا ما سألته قال تسألني أن أعطيك رسول رجل يأتيه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى لتقتله قال قلت أيها الملك أكذاك هو قال ويحك يا عمرو أطعني واتبعه فإنه والله لعلى الحق وليظهرن على من خالفه كما ظهر موسى على فرعون وجنوده قال فتبايعني له على الإسلام قال نعم فبسط يده وبايعه على الإسلام ثم خرجت إلى أصحابي وقد حال رأيي عما كنت عليه وكتمت أصحابي إسلامي ثم خرجت عامدا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فلقيت خالد بن الوليد وكان قبيل الفتح وهو مقبل من مكة فقلت يا أبا سليمان قال والله لقد استقام الميسم وإن الرجل نبي اذهب فأسلم فحتى متى قال قلت والله ما جئت إلا لأسلم قال فقدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فتقدم خالد بن الوليد فأسلم وبايع ثم دنوت فقلت يا رسول الله إني أبايعك على أن يغفر لي ما تقدم من ذنبي ولا أذكر ما تأخر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا عمرو بايع فإن الإسلام يجب ما قبله وإن الهجرة تجب ما كان قبلها قال فبايعته ثم انصرفت قال ابن إسحاق وقد حدثني من لا أتهم أن عثمان بن طلحة كان معهما أسلم حين أسلما
لمَّا انصرَفْنا مِنَ الأحزابِ عَنِ الخَندقِ جمَعْتُ رجالًا مِن قريشٍ كانوا يَرون مكاني ويسمَعون منِّي فقلْتُ لهم تعلَمون واللهِ إنِّي لأرى أمرَ محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يعلو الأمورَ عُلُوًّا مُنْكَرًا وإنِّي قد رأيْتُ أمرًا فما تُرونَ فيه قالوا وما رأيْتَ قلْتُ رأيْتُ أن نلحَقَ بالنَّجاشيِّ فنكونَ عندَه فإنْ ظهَر محمَّدٌ على قَومِنا كنَّا عندَ النَّجاشيِّ فإنَّا أن نكونَ تحتَ يدَيه أحبُّ إلينا مِن أن نكونَ تحتَ يدَي محمَّدٍ وإنْ ظهَر قومُنا فنحن مَن قد عرَفوا فلن يأتيَنا منهم إلَّا خيرٌ قالوا إنَّ هذا الرَّأيُ قال قلْتُ لهم فاجمَعوا لي ما يُهْدى إليه وكان أحَبَّ ما يُهدى إليه مِن أرضِنا الأَدَمُ فجمَعْنا له أَدَمًا كثيرًا ثمَّ خرَجْنا حتَّى قدِمْنا عليه فواللهِ إنا لَعِندَه إذ جاء عمرُو بنُ أُمَيَّةَ الضَّمْريُّ وكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قد بعَثَه إليه في شأنِ جعفرٍ وأصحابِه فلمَّا دخَل إليه وخرَج مِن عندِه قال فقلْتُ لأصحابي هذا عمرُو بنُ أُمَيَّةَ لو قد دخَلْتُ على النَّجاشيِّ وسألْتُه إيَّاه فأعطانيه فضرَبْتُ عُنُقَه فإذا فعَلْتُ ذلك رأَتْ قريشٌ أنِّي قد أجزَأْتُ عنها حينَ قتَلْتُ رسولَ محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال فدخَلْتُ عليه فسجَدْتُ له كما كنْتُ أصنَعُ فقال مَرْحَبًا بصديقي أهدَيْتَ لي مِن بلادِك شيئًا قال قلْتُ نعم أيُّها الملِكُ [ ثمَّ قلْتُ أيُّها الملِكُ ] لقد أهدَيْتُ لك أَدَمًا كثيرًا ثمَّ قدَّمْتُه إليه فأعجبه واشتهاه ثمَّ قلْتُ أيُّها الملِكُ إنِّي رأيْتُ رجلًا خرَج مِن عندِك وهو رسولُ رجلٍ عدوٍّ لنا فأعْطِنيه فأقتُلُه فإنَّه قد أصاب مِن أشرافِنا وخِيارِنا قال فغضِبَ ومدَّ يدَه وضرَب بها أنفَه ضَرْبةً ظنَنْتُ أنَّه قد كسَره فلو انشقَّتْ لي الأرضُ لدخَلْتُ فيها فَرَقًا منه ثمَّ قلْتُ أيُّها الملِكُ واللهِ لو ظنَنْتُ أنَّك تكرَهُ هذا ما سألْتُه قال تسألُني أن أُعْطِيَك رسولَ رجلٍ يأتيه النَّاموسُ الأكبرُ الَّذي كان يأتي موسى لِتقتُلَه قال قلْتُ أيُّها الملِكُ أكذاكَ هو قال ويحكَ يا عمرُو أطِعْني واتَّبِعْه فإنَّه واللهِ لَعَلى الحقِّ ولَيَظْهَرَنَّ على مَن خالَفه كما ظهَر موسى على فرعونَ وجنودِه قال فتُبايعُني له على الإسلامِ قال نعم فبسَط يدَه وبايَعَه على الإسلامِ ثمَّ خرَجْتُ إلى أصحابي وقد حال رأيي عما كنْتُ عليه وكتَمْتُ أصحابي إسلامي ثمَّ خرَجْتُ عامدًا لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فلقيتُ خالدَ بنَ الوليدِ وكان قُبَيلَ الفتحِ وهو مُقبِلٌ مِن مكَّةَ فقلْتُ يا أبا سُلَيمانَ قال واللهِ لقد استقام المِيسَمُ وإنَّ الرجلَ نبيٌّ اذهَبْ فأسلِمْ فحتَّى متى قال قلْتُ واللهِ ما جِئْتُ إلَّا لأُسْلِمَ قال فقدِمْنا على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فتقدَّم خالدُ بنُ الوليدِ فأسلَم وبايَع ثمَّ دنَوْتُ فقلْتُ يا رسولَ اللهِ إنِّي أبايعُك على أن يُغفَرَ لي ما تقدَّم مِن ذنبي ولا أذكُرُ ما تأخَّر فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يا عمرُو بايِعْ فإنَّ الإسلامَ يجُبُّ ما قَبلَه وإنَّ الهجرةَ تجُبُّ ما كان قَبلَها قال فبايَعْتُه ثمَّ انصرَفْتُ قال ابنُ إسحاقَ وقد حدَّثَني مَن لا أتَّهِمُ أنَّ عثمانَ بنَ طلحةَ كان معهما أسلَم حينَ أسلَما
كان من حديث ابن ملجم لعنه الله وأصحابه أن عبد الرحمن بن ملجم والبرك بن عبد الله وعمرو بن بكر التميمي اجتمعوا بمكة فذكروا أمر الناس وعابوا عليهم ولاتهم ثم ذكروا أهل النهروان فترحموا عليهم فقالوا والله ما نصنع بالبقاء بعدهم شيئا إخواننا الذين كانوا دعاة الناس لعبادة ربهم الذين كانوا لا يخافون في الله لومة لائم فلو شرينا أنفسنا فأتينا أئمة الضلالة فالتمسنا قتلهم فأرحنا منهم البلاد وثأرنا بهم إخواننا قال ابن ملجم وكان من أهل مصر أنا أكفيكم علي بن أبي طالب وقال البرك بن عبد الله أنا أكفيكم معاوية بن أبي سفيان وقال عمرو بن بكر التميمي أنا أكفيكم عمرو بن العاص فتعاهدوا وتواثقوا بالله أن لا ينكص رجل منهم عن صاحبه الذي توجه إليه حتى يقتله أو يموت دونه فأخذوا أسيافهم فسموها وتواعدوا لسبع عشرة خلت من شهر رمضان أن يثب كل واحد على صاحبه الذي توجه إليه وأقبل كل رجل منهم إلى المصر الذي فيه صاحبه الذي يطلب فأما ابن ملجم المرادي فأتى أصحابه بالكوفة وكاتمهم أمره كراهية أن يظهروا شيئا من أمره وأنه لقي أصحابه من تيم الرباب وقد قتل علي منهم عدة يوم النهر فذكروا قتلاهم فترحموا عليهم قال ولقي من يومه ذلك امرأة من تيم الرباب يقال لها قطام بنت الشحنة وقد قتل علي بن أبي طالب أباها وأخاها يوم النهر وكانت فائقة الجمال فلما رآها التبست بعقله ونسي حاجته التي جاء لها فخطبها فقالت لا أتزوج حتى تشفيني قال وما تشائين قالت ثلاثة آلاف وعبد وقينة وقتل علي بن أبي طالب فقال هو مهر لك فأما قتل علي بن أبي طالب فما أراك ذكرتيه وأنت تريدينه قالت بلى فالتمس غرته فإن أصبته شفيت نفسك ونفسي ونفعك معي العيش وإن قتلت فما عند الله عز وجل خير من الدنيا وزبرج أهلها فقال ما جاء بي إلى هذا المصر إلا قتل علي قالت ماذا أردت ذلك فأخبرني حتى أطلب لك من يشد ظهرك ويساعدك على أمرك فبعثت إلى رجل من قومها من تيم الرباب يقال له وردان فكلمته فأجابها وأتى ابن ملجم رجلا من أشجع يقال له شبيب بن نجدة فقال له هل لك في شرف الدنيا والآخرة قال وما ذاك قال قتل علي قال ثكلتك أمك لقد جئت شيئا إدا كيف تقدر على قتله قال أكمن له في السحر فإذا خرج إلى صلاة الغداة شددنا عليه فقتلناه فإن نجونا شفينا أنفسنا وأدركنا ثأرنا وإن قتلنا فما عند الله خير من الدنيا وزبرج أهلها قال ويحك لو كان غير علي كان أهون علي قد عرفت بلاءه في الإسلام وسابقته مع النبي صلى الله عليه وسلم وما أجدني أشرح لقتله قال أما تعلم أنه قتل أهل النهروان العباد المصلين قال نعم قال نقتله بما قتل من إخواننا فأجابه فجاؤوا حتى دخلوا على قطام وهي في المسجد الأعظم معتكفة فيه فقالوا لها قد اجتمع رأينا على قتل علي قالت فإذا أردتم ذلك فأتوني ضحى فقال هذه الليلة التي واعدت فيها صاحبي أن يقتل كل واحد منا صاحبه فدعت لهم بالحرير فعصبتهم وأخذوا أسيافهم وجلسوا مقابل السدة التي يخرج منها علي فخرج لصلاة الغداة فجعل يقول الصلاة الصلاة فشد عليه شبيب فضربه بالسيف فوقع السيف بعضادي الباب أو بالطلق فشد عليه ابن ملجم فضربه على قرنه وهرب وردان حتى دخل منزله ودخل رجل من بني أسيد وهو ينزع السيف والحديد عن صدره فقال ما هذا السيف والحديد فأخبره بما كان فذهب إلى منزله فجاء بسيفه فضربه حتى قتله وخرج شبيب نحو أبواب كندة فشد عليه الناس إلا أن رجلا يقال له عويمر ضرب رجله بالسيف فصرعه وجثم عليه الحضرمي فلما رأى الناس قد أقبلوا في طلبه وسيف شبيب في يده خشي على نفسه فتركه فنجا بنفسه ونجا شبيب في غمار الناس وخرج ابن ملجم فشد عليه رجل من همذان يكنى أبا أدما فضرب رجله فصرعه وتأخر علي ودفع في ظهر جعدة بن هبيرة بن أبي وهب فصلى بالناس الغداة وشد عليه الناس من كل جانب وذكروا أن محمد بن حنيف قال والله إني لأصلي تلك الليلة في المسجد الأعظم قريبا من السدة في رجال كثيرة من أهل المصر ما فيهم إلا قيام وركوع وسجود ما يسأمون من أول الليل إلى آخره إذ خرج علي لصلاة الغداة وجعل ينادي أيها الناس الصلاة الصلاة فما أدري أتكلم بهذه الكلمات أو نظرت إلى بريق السيف وسمعت الحكم لله لا لك يا علي ولا لأصحابك فرأيت سيفا ورأيت ناسا وسمعت عليا يقول لا يفوتنكم الرجل وشد عليه الناس من كل جانب فلم أبرح حتى أخذ ابن ملجم فأدخل على علي فدخلت فيمن دخل من الناس فسمعت عليا يقول النفس بالنفس إن هلكت فاقتلوه كما قتلني وإن بقيت رأيت فيه رأيي ولما أدخل ابن ملجم على علي قال له يا عدو الله ألم أحسن إليك ألم أفعل بك قال بلى قال فما حملك على هذا قال شحذته أربعين صباحا فسألت الله أن يقتل به شر خلقه قال له علي ما أراك إلا مقتولا به وما أراك إلا من شر خلق الله عز وجل وكان ابن ملجم مكتوفا بين يدي الحسن إذ نادته أم كلثوم بنت علي وهي تبكي يا عدو الله لا بأس على أبي والله عز وجل مخزيك قال فعلام تبكين والله لقد اشتريته بألف وسممته بألف ولو كانت هذه الضربة لجميع أهل مصر ما بقي منهم أحد ساعة وهذا أبوك باقيا حتى الآن فقال علي للحسن إن بقيت رأيت فيه رأيي ولئن هلكت من ضربتي هذه فاضربه ضربة ولا تمثل به فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن المثلة ولو بالكلب العقور وذكر أن حريث بن عبد الله دخل على علي يسأل به فقال يا أمير المؤمنين إن فقدناك ولا نفقدك فنبايع الحسن قال ما آمركم ولا أنهاكم أنتم أبصر فلما قبض علي رضي الله عنه بعث الحسن إلى ابن ملجم فدخل عليه فقال له ابن ملجم هل لك في خصلة أي والله ما أعطيت الله عهدا إلا وفيت به إني كنت أعطيت الله عهدا أن أقتل عليا ومعاوية أو أموت دونهما فإن شئت خليت بيني وبينه ولك الله على إن لم أقتله أن آتيك حتى أضع يدي في يدك فقال له الحسن لا والله أو تغابن الناس فقدمه فقتله فأخذه الناس فأدرجوه في بوار ثم أحرقوه بالنار وقد كان علي رضي الله عنه قال يا بني عبد المطلب لا ألفينكم تخوضون دماء المسلمين تقولون قتل أمير المؤمنين قتل أمير المؤمنين ألا لا يقتل بي إلا قاتلي وأما البرك بن عبد الله فقعد لمعاوية فخرج لصلاة الغداة فشد عليه بسيفه وأدبر معاوية هاربا فوقع السيف في إليته فقال إن عندي خبرا أبشرك به فإن أخبرتك أنافعي ذلك عندك قال وما هو قال إن أخا لي قتل عليا الليلة قال فلعله لم يقدر عليه قال بلى إن عليا يخرج ليس معه أحد يحرسه فأمر به معاوية فقتل فبعث إلى الساعدي وكان طبيبا فنظر إليه فقال إن ضربتك مسمومة فاختر مني إحدى خصلتين إما أن أحمي حديدة فأضعها في موضع السيف وإما أن أسقيك شربة تقطع منك الولد وتبرأ منها فإن ضربتك مسمومة فقال له معاوية أما النار فلا صبر لي عليها وأما انقطاع الولد فإن في يزيد وعبد الله وولدهما ما تقر به عيني فسقاه تلك الليلة الشربة فبرأ فلم يولد له بعد فأمر معاوية بعد ذلك بالمقصورات وقيام الشرط على رأسه وقال علي للحسن والحسين أي بني أوصيكما بتقوى الله والصلاة لوقتها وإيتاء الزكاة عند محلها وحسن الوضوء فإنه لا تقبل صلاة إلا بطهور وأوصيكم بغفر الذنب وكظم الغيظ وصلة الرحم والحلم عن الجاهل والتفقه في الدين والتثبت في الأمر وتعاهد القرآن وحسن الجوار والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجتناب الفواحش قال ثم نظر إلى محمد بن الحنفية فقال هل حفظت ما أوصيت به أخويك قال نعم قال إني أوصيك بمثله وأوصيك بتوقير أخويك لعظم حقهما عليك وتزيين أمرهما ولا تقطع أمرا دونهما ثم قال لهما أوصيكما به فإنه شقيقكما وابن أبيكما وقد علمتما أن أباكما كان يحبه ثم أوصى فكانت وصيته بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أوصى به علي بن أبي طالب أوصى أن يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ثم إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين ثم أوصيكما يا حسن ويا حسين ويا جميع أهلي وولدي ومن بلغه كتابي بتقوى الله ربكم ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن صلاح ذات البين أعظم من عامة الصلاة والصيام وانظروا إلى ذوي أرحامكم فصلوهم يهون الله عليكم الحساب والله الله في الأيتام لا يضيعن بحضرتكم والله الله في الصلاة فإنها عمود دينكم والله الله في الزكاة فإنها تطفئ غضب الرب والله الله في الفقراء والمساكين فأشركوهم في معايشكم والله الله في القرآن لا يسبقنكم بالعمل به غيركم والله الله في الجهاد في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم والله الله في بيت ربكم لا يخلون ما بقيتم فإنه إن ترك لم تناظروا والله الله في ذمة نبيكم صلى الله عليه وسلم فلا تظلمن بين ظهرانيكم والله الله في جيرانكم فإنهم وصية نبيكم صلى الله عليه وسلم قال ما زال جبريل يوصيني بهم حتى ظننت أنه سيورثهم الله الله في أصحاب نبيكم صلى الله عليه وسلم فإنه أوصى بهم والله الله في الضعيفين من النساء وما ملكت أيمانكم الصلاة الصلاة لا تخافن في الله لومة لائم الله يكفيكم من أرادكم وبغى عليكم { وقولوا للناس حسنا } كما أمركم الله ولا تتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيولى أمركم شراركم ثم تدعون ولا يستجاب لكم عليكم بالتواصل والتبادل إياكم والتقاطع والتدابر والتفرق { وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب } حفظكم الله من أهل بيت وحفظ فيكم نبيكم صلى الله عليه وسلم أستودعكم الله وأقرأ عليكم السلام ثم لم ينطق إلا بلا إله إلا الله حتى قبض في شهر رمضان في سنة أربعين وغسله الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر وكفن في ثلاثة أثواب ليس فيها قميص وكبر عليه الحسن تسع تكبيرات وولي الحسن عمله ستة أشهر وكان ابن ملجم قبل أن يضرب عليا قعد في بني بكر بن وائل إذ مر عليه بجنازة أبجر بن جابر العجلي أبي حجار وكان نصرانيا والنصارى حوله وناس مع حجار بمنزلته يمشون بجانب إمامهم شقيق بن ثور السلمي فلما رآهم قال من هؤلاء فأخبر ثم أنشأ يقول لئن كان حجار بن أبجر مسلما لقد بوعدت منه جنازة أبجر وإن كان حجار بن أبجر كافرا فما مثل هذا من كفور بمنكر أترضون هذا إن قسا ومسلما جميعا لدى نعش فيا قبح منظر وقال ابن عباس المرادي ولم أر مهرا ساقه ذو سماحة كمهر قطام من فصيح وأعجم ثلاثة آلاف وعبد وقينة وضرب علي بالحسام المصمم ولا مهر أغلى من علي وإن غلا ولا قتل إلا دون قتل ابن ملجم وقال أبو الأسود الدؤلي ألا أبلغ معاوية بن حرب فلا قرت عيون الشامتينا أفي الشهر الحرام فجعتمونا بخير الناس طرا أجمعينا قتلتم خير من ركب المطايا وحسنها ومن ركب السفينا ومن لبس النعال ومن حذاها ومن قرأ المثاني والمئينا لقد علمت قريش حين كانت بأنك خيرها حسبا ودينا وأما عمرو بن بكر فقعد لعمرو بن العاص في تلك الليلة التي ضرب فيها معاوية فلم يخرج واشتكى فيها بطنه فأمر خارجة بن حبيب وكان صاحب شرطته وكان من بني عامر بن لؤي فخرج يصلي بالناس فشد عليه وهو يرى أنه عمرو بن العاص فضربه بالسيف فقتله وأدخل على عمرو فلما رآهم يسلمون عليه بالأمرة فقال من هذا قالوا عمرو بن العاص قال من قتلت قالوا خارجة قال أما والله يا فاسق ما حمدت غيرك قال عمرو أردتني والله أراد خارجة وقدمه وقتله فبلغ ذلك معاوية فكتب إليه وقتك وأسباب الأمور كثيرة مسبة ساع من لؤي بن غالب فيا عمرو مهلا إنما أنت عمه وصاحبه دون الرجال الأقارب نجوت وقد بل المرادي سيفه من ابن أبي شيخ الأباطح طالب ويضربني بالسيف آخر مثله فكانت عليه تلك ضربة لازب وأنت تباغي كل يوم وليلة بمصرك بيضا كالظباء الشوارب وكان الذي ذهب ببيعته سفيان بن عبد شمس بن أبي وقاص الزهري وكان الحسن قد بعث قيس بن سعد بن عبادة على مقدمته في اثني عشر ألفا وخرج معاوية حتى نزل بايلياء في ذلك العام وخرج الحسن حتى نزل في القصور البيض في المدائن وخرج معاوية حتى نزل مسكن وكان على المدائن عم المختار بن أبي عبيد وكان يقال له سعد بن مسعود فقال له المختار وهو يومئذ غلام شاب هل لك في الغنى والشرف قال وما ذاك قال توثق الحسن وتستأمر به إلى معاوية فقال له سعد عليك لعنة الله أأثب على ابن ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فأوثقه فلما رأى الحسن تفرق الناس عنه بعث إلى معاوية يطلب الصلح فبعث إليه معاوية عبد الله بن عامر وعبد الله بن سمرة بن حبيب بن عبد شمس فقدما على الحسن بالمدائن فأعطياه ما أراد وصالحاه ثم قام الحسن في الناس فقال يا أهل العراق إنما يستحى بنفسي عليكم ثلاث قتلكم أبي وطعنكم إياي وانتهابكم متاعي ودخل في طاعة معاوية ودخل الكوفة فبايعه الناس
سألت عبد الله بن عباس رضي الله عنهما ، عن قول الله , عز وجل لموسى صلى الله عليه وسلم : وفتناك فتونا ، فسألته عن الفتون ؟ فقال : استأنف النهار يا ابن جبير ، فإن لها حديثا طويلا ، قال : فغدوت على ابن عباس لأنتجز ما وعدني من حديث الفتون ، فقال : تذاكر فرعون وجلساؤه ما كان الله عز وجل وعد إبراهيم صلى الله عليه وسلم من أن يجعل في ذريته أنبياء وملوكا ، فقال بعضهم : إن بني إسرائيل لينتظرون ذلك ما يشكون فيه ، وقد كانوا يظنون يظنون أنه يوسف بن يعقوب عليهما الصلاة والسلام ، فلما هلك قالوا : ليس هكذا كان ، إن الله عز وجل وعد إبراهيم صلى الله عليه وسلم ، قال فرعون : فكيف ترون ؟ فأتمروا ، واجتمعوا أمرهم على أن يبعث رجالا بالشفار ، يطوفون في بني إسرائيل ، فلا يجدون مولودا ذكرا إلا ذبحوه ، ففعلوا ذلك ، فلما أن رأوا أن الكبار في بني إسرائيل ، يموتون بآجالهم ، والصغار يذبحون ، قالوا : أتوشكون أن تفنوا بني إسرائيل ، فتصبروا إلى أن تباشروا من الأعمال ، والخدمة التي كانوا يكفونكم ؟ فاقتلوا عاما كل مولود ذكر ، فيقل نباتهم ، ودعوا عاما ، فلا تقتلوا منهم أحدا فيشب الصغار ، مكان من يموت من الكبار ، فإنهم لن يكثروا بمن تستحيون فتخافوا مكاثرتهم إباكم ولن يفنوا بمن تقتلون فتحتاجون إليهم ، فأجمعوا أمرهم على ذلك ، فحملت أم موسى بهارون عليهما السلام العام الذي لا يذبح فيه الغلمان فولدته علانية ، فلما كان من قابل ، حملت بموسى , عليه السلام ، فوقع في قلبها من الهم والحزن ، فذلك من الفتون يا ابن جبير ، ما دخل عليه في دهو بطن أمه مما يراد به ، فأوحى الله تعالى إليها : ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين ، وأمرها أن إذا ولدت أن تجعله في تابوت ، ثم تلقيه في اليم ، فلما ولدت فعلت ذلك به ، فألقته في اليم ، فلما توارى عنها ابنها أتاها الشيطان فقالت في نفسها : ما فعلت بابني ؟ لو ذبح لبث عندي فرأيته وكفنته كان أحب إلي من أن ألقيه بيدي إلى دواب البحر وحيتانه ، وانتهى الماء به حتى أرفأ به عند فرضة مستقى جواري امرأة فرعون ، فلما رأينه أخذنه ، فهممن أن يفتحن التابوت فقالت بعضهن : إن في هذا مالا ، وإنا إن فتحناه لم تصدقنا امرأة الملك بما وجدنا فيه ، فحملنه بهيئة لم يحركن منه شيئا ، دفعنه إليها ، فلما فتحته رأت فيه غلاما ، فألقى عليه منها محبة لم تلق مثلها على البشر قط ، وأصبح فؤاد أم موسى فارغا من ذكر كل شيء إلا من ذكر موسى عليه السلام ، فلما سمع الذابحون بأمره أقبلوا بشفارهم إلى امرأة فرعون ليذبحوه ، وذلك من الفتون يا ابن جبير ، فقالت للذباحين : أقروه ، فإن هذا الواحد لا يزيد في بني إسرائيل حتى آتي فرعون فأستوهبه منه ، فإن وهبه لي كنتم قد أحسنتم وأجملتم ، وإن أمر بذبحه لم ألمكم ، فأتت به فرعون فقالت : قرة عين لي ولك ، قال فرعون : يكون لك ، فأما لي فلا حاجة لي في ذلك ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : والذي أحلف به ، لو أقر فرعون بأن يكون له قرة عين كما أقرت امرأته ، لهداه الله به كما هدى به امرأته ، ولكن الله حرمه ذلك ، فأرسلت إلى من حولها ، من كل امرأة لها لبن ، تختار لها ظئرا ، فجعل كلما أخذته امرأة منهن فترضعه لم يقبل ثديها ، حتى أشفقت عليه امرأة فرعون أن يمتنع من اللبن فيموت ، فأحزنها ذلك ، فأمرت به فأخرج إلى السوق وتجمع الناس ترجو أن تجد له ظئرا يأخذ منها ، فلم يقبل ، وأصبحت أم موسى والهة ، فقالت لأخته : قصيه ، يعني أثره ، واطلبيه ، هل تسمعين له ذكرا ؟ أحي ابني أم قد أكلته الدواب ؟ ونسيت ما كان الله عز وجل وعدها فيه به ، أخته عن جنب وهم لا يشعرون ، وتخبت أن بصر الإنسان إلى الشيء البعيد وهو إلى جنبه لا يشعر به ، فقالت من الفرح حين أعياهم الظؤارت : أنا أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون ، فأخذوها فقالوا : ما يدريك ما نصحهم له ؟ هل يعرفونه حتى شكوا في ذلك ؟ فذلك من الفتون يا بن جبير ، فقالت : نصيحتهم له وشفقتهم عليه رغبة في ظهور ملك ، ورجاء منفعته ، فأرسلوها ، فانطلقت إلى أمها فأحب بها الخبر ، فجاءت أمه ، فلما وضعته في حجرها ، نزا إلى ثديها فمصه حتى امتلأ جنباه ريا ، وانطلق البشير إلى امرأة فرعون أن قد وجدنا لابنك ، فأرسلت إليها ، فأوتيت بها وبه ، فلما رأت ما يصنع قالت لها : امكثي عندي ترضعي ابني هذا ، فإني لم أحجبه شيئا قط ، فقالت أم موسى : لا أستطيع أن أدع بيتي وولدي فيضيع ، فإن طابت نفسك أن تعطينه فأذهب به إلى منزلي فيكون معي لا آلوه خيرا فعلت ، وإلا فإني غير تاركة بيتي وولدي ، وذكرت أم موسى عليه السلام ما كان الله , عز وجل , وعدها ، فتعاسرت على امرأة فرعون وأيقنت بأن الله عز وجل ينجز موعوده ، فرجعت إلى بيتها بابنها من يومها ، فأنبته الله نباتا حسنا وحفظه لما قد قضى فيه ، فلم يزل بنو إسرائيل وهم في ناحية القرية ممتنعين يمتنعون به من السخرة ما كان فيهم ، فلما ترعرع قالت امرأة فرعون لأم موسى : أريد أن تريني ابني ، فوعدتها يوما تريها فيه إياه ، فقالت امرأة فرعون لخزانها ، وظؤورتها ، وقهارمتها : لا يبقين أحد منكم إلا استقبل ابني اليوم بهدية ، وكرامة ، لأرى ذلك فيه وأنا باعثة أمينا يحصي ما يصنع كل إنسان منكم ، فلم تزل الهدايا ، والكرامة ، والنحلة ، تستقبله من حين خرج من بيت أمه ، إلى أن دخل على امرأة فرعون ، فلما دخل عليها بجلته ، وأكرمته ، وفرحت به ، وأعجبها ، ونحلت أمه لحسن أثره ، ثم قالت : لآتين به فرعون فلينحلنه ، وليكرمنه ، فلما دخلت به عليه ، جعله في حجره ، فتناول موسى لحية فرعون فمدها إلى الأرض ، فقال الغواة من أعداء الله لفرعون : ألا ترى إلى ما وعد الله عز وجل إبراهيم نبيه عليه السلام أنه يرثك ، ويعلوك ، ويصرعك ، فأرسل إلى الذباحين ، وذلك من الفتون يا ابن جبير ، بعد كل بلاء ابتلي به ، أو أريد به فتونا ، فجاءت امرأة فرعون تسعى إلى فرعون ، فقالت : ما بدا لك في هذا الغلام الذي وهبته لي ، قال : ألا ترينه يزعم أنه يصرعني ويعلوني ، قالت : أجعل بيني وبينك أمرا تعرف فيه الحق ، ائت بجمرتين ولؤلؤتين ، فقربهما إليه ، فإن بش باللؤلؤتين واجتنب الجمرتين عرفت أنه يعقل ، وإن تناول الجمرتين ولم يرد اللؤلؤتين ، علمت أن أحدا لا يؤثر الجمرتين على اللؤلؤتين وهو يعقل ، فقرب ذلك إليه فتناول الجمرتين فانتزعوهما من يده وخافت أن يحرقا يديه ، فقالت المرأة : ألا ترى ، فصرفه الله عنه بعد ما كان قد هم به ، وكان الله عز وجل بالغا فيه أمره ، فلما بلغ أشده وصار من الرجال لم يكن أحد من آل فرعون يخلص إلى أحد من بني إسرائيل معه بظلم ، ولا يخرج حتى يمنعوا كل الامتناع ، فبينما موسى عليه السلام يمشي في ناحية المدينة ، إذ هو برجلين يقتتلان أحدهما فرعوني ، والآخر إسرائيلي ، فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني فغضب موسى عليه السلام غضبا شديدا ، لأنه تناول وهو يعلم منزلة موسى عليه السلام من بني إسرائيل وحفظه لهم إلا يعلم الناس ، إلا أنما ذلك من الرضاع إلا أم موسى ، إلا أن يكون الله , عز وجل , أطلع موسى عليه السلام من ذلك على ما لم يطلع عليه غيره ، فوكز موسى , عليه السلام , الفرعوني فقتله ، وليس يراهما أحد إلا الله , عز وجل ، فقال موسى عليه السلام حين قتل الرجل : هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين ، ثم قال : رب إني ظلمت إلى قوله : إنه هو الغفور الرحيم ، فأصبح في المدينة خائفا يترقب الأخبار ، فأتي فرعون فقيل : إن بني إسرائيل قد قتلت رجلا من آل فرعون فخذ لنا بحقنا ، ولا ترخص لهم ، فقال : ابغوني قاتله ومن شهد عليه ، فإن الملك وإن كان صفوه مع قومه لا يستقيم له أن يقيد بغير بينة ، ولا يثبت ، فانظروا في علم ذلك آخذ لكم بحقكم ، فبينا هم يطوفون لا يجدون شيئا ، إذا موسى , عليه السلام , قد رأى في الغد ذلك الإسرائيلي يقتل رجلا من آل فرعون آخر ، فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني ، فصادف موسى , عليه السلام , قد ندم على ما كان منه ، فكره الذي رأى ، فغضب الإسرائيلي وهو يريد أن يبطش بالفرعوني ، فقال الإسرائيلي : لما فعل أمس واليوم إنك لغوي مبين ، فنظر الإسرائيلي إلى موسى عليه السلام بعد ما قال له ما قال ، فإذا هو غضبان كغضبه بالأمس الذي قتل به الفرعوني ، فخاف أن يكون بعد ما قال له : إنك لغوي مبين إياه أراد ، ولم يكن أراده ، إنما أراد الفرعوني ، فخاف الإسرائيلي ، فحاجز الفرعوني ، فقال : يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس وإنما قال ذلك مخافة أن يكون إياه أراد موسى عليه السلام أن يقتله ، فتنازعا ، فانطلق الفرعوني إلى قومه فأخبرهم بما سمع من الإسرائيلي من الخبر حين يقول : أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس ، فأرسل فرعون الذباحين ليقتلوا موسى عليه السلام ، فأخذ رسل فرعون الطريق الأعظم يمشون على هيئهم يطلبون موسى عليه السلام وهم لا يخافون أن يفوتهم ، فجاء رجل من شيعة موسى عليه السلام من أقصى المدينة فاختصر طريقا قريبا حتى سبقهم إلى موسى عليه السلام فأخبره ، فذلك من الفتون يا ابن جبير , فخرج موسى , عليه السلام , متوجها نحو مدين لم يلق بلاء قبل ذلك ، وليس له علم بالطريق إلا حسن الظن بربه عز وجل فإنه قال : عسى ربي أن يهديني سواء السبيل ، ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون إلى تذودان يعني بذلك حابستين غنمهما فقال لهما : ما خطبكما معتزلتين لا تسقيان مع الناس قالتا : ليس لنا قوة نزاحم القوم ، وإنما ننتظر فضول حياضهم ، فسقى لهما فجعل يغرف بالدلو ماء كثيرا ، حتى كانتا أول الرعاء فراغا ، فانصرفتا بغنمهما إلى أبيهما وانصرف موسى عليه السلام فاستظل بشجرة ، وقال : رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير ، فاستنكر أبوهما سرعة صدورهما بغنمهما حفلا باطنا ، فقال : إن لكما اليوم لشأنا ، فأخبرتاه لما صنع موسى عليه السلام ، فأمر إحداهما أن تدعوه له ، فأتت موسى عليه السلام فدعته ، فلما كلمه قال : لا تخف نجوت من القوم الظالمين ليس لفرعون ، ولا لقومه علينا سلطان ، ولسنا في مملكته ، قال : فقالت إحداهما : يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين فاحتملته الغيرة على أن قال : وما يدريك ما قوته ؟ وما أمانته ؟ قالت : أما قوته : فما رأيت في الدلو حين سقى لنا لم أر رجلا قط في ذلك المسقى أقوى منه ، وأما أمانته : فإنه نظر إلي حين أقبلت إليه وشخصت له ، فلما علم أني امرأة ، صوب رأسه لم يرفعه ولم ينظر إلي حتى بلغته رسالتك ، ثم قال لي : امشي خلفي وانعتي لي الطريق ، لم يفعل هذا إلا وهو أمين فسري عن أبيها وصدقها وظن به الذي قالت له ، فقال له : هل لك أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين إلى قوله : من الصالحين ، ففعل ، فكانت على نبي الله موسى , عليه السلام ثماني سنين واجبة ، وكانت سنتان عدة منه ، فقضى الله , عز وجل , عنه عدته فأتمها عشرا ، قال سعيد : فلقيني رجل من أهل النصرانية من علمائهم ، فقال : هل تدري أي الأجلين قضى موسى عليه السلام ؟ قلت : لا وأنا يومئذ لا أدري ، فلقيت ابن عباس فذكرت ذلك له ، فقال : أما علمت أن ثمانيا كانت على نبي الله عليه السلام واجبة ، لم يكن نبي الله لينقص منها شيئا ، وتعلم أن الله عز وجل كان قاضيا عن موسى عليه السلام عدته التي وعد ، فإنه قضى عشر سنين ، فلقيت النصراني ، فأخبرته بذلك ، فقال : الذي سألته فأخبرك أعلم منك بذلك ؟ قلت : أجل ، وأولى فلما سار موسى عليه السلام بأهله كان من أمر النار ما قص الله عليك في القرآن وأمر العصا ويده فشكا إلى ربه عز وجل ما يتخوف من آل فرعون في القتيل وعقدة لسانه ، فأتاه الله , عز وجل سؤله ، وحل عقدة من لسانه ، وأوحى الله عز وجل إلى هارون عليه السلام وأمره أن يلقاه واندفع موسى عليه السلام بعصاه حتى لقي هارون عليه السلام وانطلقا جميعا إلى فرعون ، فأقاما حينا على بابه لا يؤذن لهما فقالا : إنا رسولا ربك قال : فمن ربكما يا موسى فأخبراه بالذي قص الله عز وجل عليك في القرآن قال : فما تريدان ؟ وذكره القتيل واعتذر بما قد سمعت ، وقال : أريد أن تؤمن بالله وأن ترسل معي بني إسرائيل ، فأبى عليه وقال : ائت بآية إن كنت من الصادقين ، فألقى عصاه فإذا هي حية عظيمة فازعة فاغرة فاها مسرعة إلى فرعون ، فلما رآها فرعون قاصدة إليه خافها ، فاقتحم عن سريره واستغاث بموسى عليه السلام أن يكفها عنه ففعل ، ثم أخرج يده من جيبه فرآها بيضاء من غير سوء ، يعني من غير برص ، فردها فعادت إلى لونها الأول ، فاستشار الملأ حوله فيما رأى ، فقالوا له : هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم ... الآية : والمثلى ملكهم الذي هم فيه والعيش ، فأبوا على موسى , عليه السلام , أن يعطوه شيئا مما طلب وقالوا له : اجمع لهما السحرة ، فإنهم بأرضك كثير حتى نغلب سحرهما ، وأرسل في المدائن فحشر له كل ساحر متعالم ، فلما أتوا على فرعون ، قالوا : ما يعمل هذا الساحر ؟ قالوا : يعمل الحيات ، قالوا : فلا والله ما أحد في الأرض يعمل السحر والحيات والحبال والعصي الذي نعمل ، فما أجرنا إن نحن غلبنا ؟ قال لهم : أنتم أقاربي وخاصتي ، وأنا صانع إليكم كل شيء أحببته ، فتواعدوا يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى , قال سعيد : فحدثني ابن عباس ، أن يوم الزينة اليوم الذي أظهر الله عز وجل فيه موسى عليه السلام على فرعون والسحرة هو يوم عاشوراء ، فلما اجتمعوا في صعيد ، قال الناس بعضهم لبعض : انطلقوا فنتخبر هذا الأمر لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين ، يعنون موسى وهارون عليهما السلام استهزاء بهما ، فقالوا : يا موسى ، لقدرتهم في أنفسهم بسحرهم ، إما أن تلقي ، وإما أن نكون نحن الملقين قال : بل ألقوا فألقوا حبالهم وعصيهم ، وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون ، فرأى موسى عليه السلام من سحرهم ما أوجس في نفسه خيفة ، فأوحى الله عز وجل إليه أن ألق عصاك ، فلما ألقاها ، صارت ثعبانا عظيما فاغرة فاها ، فجعلت العصي بدعوة موسي عليه السلام تلتبس بالحبال حتى صارت جرزا إلى الثعبان ، فدخل فيه حتى ما أبقت عصا ، ولا حبلا إلا ابتلعته ، فلما عرف السحرة ذلك ، قالوا : لو كان هذا سحر لم يبلغ من سحرنا كل هذا ، ولكنه أمر من الله ، آمنا بالله ربنا وما جاء به موسى عليه السلام ، ونتوب إلى الله عز وجل مما كنا عليه ، وكسر الله ظهر فرعون في ذلك الموطن وأشياعه ، وأظهر الحق وبطل ما كانوا يعملون ، فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين ، وامرأة فرعون بارزة متبذلة تدعو بالنصر لموسى عليه السلام على فرعون ، فمن رآها من آل فرعون ظن أنها إنما تبذلت لشفقة على فرعون وأشياعه ، وإنما كان حزنها وهمها لموسى عليه السلام ، فلما طال مكث موسى عليه السلام لمواعيد فرعون الكاذبة ، كلما جاءه بآية وعده عندها أن يرسل معه بني إسرائيل ، فإذا مضت ، أخلف موعده وقال : هل يستطيع ربك أن يصنع غير هذا ، فأرسل الله عليه وعلى قومه الطوفان ، والجراد ، والقمل ، والضفادع ، آيات مفصلات ، كل ذلك يشكو إلى موسى عليه السلام ويطلب إليه أن يكفها عنه ، ويواثقه على أن يرسل معه بني إسرائيل ، فإذا كف ذلك عنه ، أخلف موعده ونكث عهده ، فأمر موسى عليه السلام بالخروج بقومه فخرج بهم ليلا ، فلما أصبح فرعون ورأى أنهم قد مضوا ، أرسل في المدائن حاشرين ، فتبعهم بجنود عظيمة كثيرة ، وأوحى الله عز وجل إلى البحر أن إذا ضربك موسى بعصاه فانفرق له اثنتي عشرة فرقة ، حتى يجوز موسى عليه السلام ومن معه ، ثم التئم على من بقي بعد من فرعون وأشياعه ، فنسي موسى عليه السلام أن يضرب البحر بالعصا فانتهى إلى البحر وله قصيف مخافة أن يضرب به موسى عليه السلام ، وهو غافل فيصير عاصيا الله عز وجل ، فلما تراءى الجمعان وتقاربا ، قال أصحاب موسى : إنا لمدركون ، افعل ما أمرك به ربك عز وجل ، فإنك لم تكذب ولم تكذب ، فقال : وعدني ربي عز وجل إذا أتيت البحر انفرق لي اثنتي عشرة فرقة حتى أجاوزه ، ثم ذكر بعد ذلك العصا فضرب البحر بعصاه حين دنا أوائل جند فرعون من أواخر جند موسى عليه السلام ، فانفرق البحر كما أمره الله عز وجل وكما وعد موسى عليه السلام ، فلما أن جاوز موسى عليه السلام وأصحابه البحر ودخل فرعون وأصحابه ، التقى عليهم البحر كما أمر ، فلما جاوز موسى عليه السلام البحر قال أصحابه : إنا نخاف أن لا يكون فرعون قد غرق ، ولا نؤمن هلاكه ، فدعا ربه عز وجل فأخرجه له بيديه حتى استيقنوا بهلاكه ، ثم مروا بعد ذلك على قوم يعكفون على أصنام لهم ، قالوا : يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة ، إلى وباطل ما كانوا يعملون ، قد رأيتم من العبر وسمعتم ما يكفيكم ، ومضى فأنزلهم موسى عليه السلام منزلا ثم قال لهم : أطيعوا هارون عليه السلام فإني قد استخلفته عليكم ، وإني ذاهب إلى ربي عز وجل ، وأجلهم ثلاثين يوما ، أن يرجع إليهم فيها فلما أتى ربه وأراد أن يكلمه ثلاثين يوما وقد صامهن ليلهن ونهارهن ، وكره أن يكلم ربه عز وجل وريح فمه ريح فم الصائم ، فتناول موسى عليه السلام من نبات الأرض شيئا فمضغه ، فقال له ربه عز وجل حين لقاه : لم أفطرت ؟ وهو أعلم بالذي كان ، قال : يا رب ، إني كرهت أن أكلمك إلا وفمي طيب الريح ، قال : أو ما علمت يا موسى أن ريح فم الصائم أطيب عندي من ريح المسك ، ارجع حتى تصوم عشرا ثم ائتني ، ففعل موسى عليه السلام ما أمر به ، فلما رأى قوم موسى عليه السلام أنه لم يرجع إليهم للأجل ساءهم ذلك ، وكان هارون عليه السلام قد خطبهم ، فقال لهم : خرجتم من مصر ولقوم فرعون عندي عواري وودائع ، ولكم فيهم مثل ذلك ، وأنا أرى أن تحتسبوا ما لكم عندهم ، ولا أجل لكم وديعة استودعتموها ، ولا عارية ، ولسنا برادي إليهم شيئا من ذلك ، ولا ممسكيه لأنفسنا ، فحفر حفيرا وأمر كل قوم عليهم شيء من ذلك من متاع ، أو حلية أن يقذفوه في ذلك الحفير ، ثم أوقد عليه النار فأحرقه فقال : لا يكون لنا ، ولا لهم ، وكان السامري رجل من قوم يعبدون البقر جيران لهم ، ولم يكن من بني إسرائيل ، فاحتمل مع موسى عليه السلام وبني إسرائيل حين احتملوا ، فقضى له أن رأى أثرا ، فأخذ منه بقبضته ، فمر بهارون فقال له هارون عليه السلام : يا سامري ، ألا تلقي ما في يديك ؟ وهو قابض عليه لا يراه أحد طوال ذلك فقال : هذه قبضة من أثر الرسول الذي جاوز بكم البحر ، ولا ألقيها لشيء إلا أن تدعو الله إذا ألقيتها أن تكون ما أريد ، فألقاها ودعا الله هارون عليه السلام فقال : أريد أن يكون عجلا ، واجتمع ما كان في الحفرة من متاع له ، أو حلية ، أو نحاس ، أو حديد ، فصار عجلا أجوف ليس فيه روح له خوار , قال ابن عباس : لا والله ما كان له صوت قط ، إنما كانت الريح تدخل من دبره وتخرج من فمه ، فكان ذلك الصوت من ذلك ، فتفرق بنو إسرائيل فرقا ، فقالت فرقة : يا سامري ما هذا فأنت أعلم به ؟ قال : هذا ربكم عز وجل ولكن موسى عليه السلام أضل الطريق ، وقالت فرقة : لا تكذب بهذا حتى يرجع إلينا موسى ، فإن كان ربنا لم نكن ضيعناه وعجزنا فيه حتى رأيناه ، وإن لم يكن ربنا ، فإنا نتبع قول موسى عليه السلام ، وقالت فرقة : هذا علم الشيطان ، وليس بربنا ، ولا نؤمن ، ولا نصدق ، وأشرب فرقة ، في قلوبهم التصديق بما قال السامري في العجل ، وأعلنوا التكذيب ، فقال لهم هارون عليه السلام : يا قوم : إنما فتنتم به ، وإن ربكم ليس هكذا ، قالوا : فما بال موسى عليه السلام وعدنا ثلاثين يوما ثم أخلفنا ، فهذه أربعون قد مضت ، فقال سفهاؤهم : أخطأ ربه فهو يطلبه ويتبعه ، فلما كلم الله عز وجل موسى عليه السلام وقال له ما قال ، أخبره بما لقي قومه بعده ، فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا وقال لهم : ما سمعتم في القرآن وأخذ برأس أخيه ، وألقي الألواح من الغضب ثم عذر أخاه بعذره ، واستغفر له ، وانصرف إلى السامري ، فقال له : ما حملك على ما صنعت ؟ قال : قبضت قبضة من أثر الرسول وفطنت لها ، وعمت عليكم فقذفتها وكذلك سولت لي نفسي قال : فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس وإن لك موعدا لن تخلفه وانظر إلى إلهك إلى قوله : نسفا ، ولو كان إلها لم يخلص إلى ذلك منه ، فاستيقن بنو إسرائيل بالفتنة ، واغتبط الذين كان رأيهم فيه مثل رأي هارون عليه السلام ، فقالوا بجماعتهم لموسى عليه السلام : سل لنا ربك عز وجل أن يفتح لنا باب توبة نصنعها فيكفر عنا ما عملنا ، فاختار موسى عليه السلام قومه سبعين رجلا لذلك ، لا يألوا الخير خيار بني إسرائيل ومن لم يشرك في العجل ، فانطلق بهم ليسأل لهم التوبة فرجفت بهم الأرض ، فاستحيا نبي الله صلى الله عليه وسلم من قومه ، ووفده حين فعل بهم ما فعل فقال : رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا وفيهم من قد كان الله عز وجل اطلع على ما أشرب قلبه من حب العجل وإيمانه به ، فلذلك رجفت بهم الأرض فقال : ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون إلى : في التوراة والإنجيل فقال : رب سألتك التوبة لقومي ، فقلت : إن رحمتي كتبتها لقوم غير قومي ، فليتك أخرتني حين تخرجني حبا في أمة ذلك الرجل المرحومة ، فقال الله له : إن توبتهم أن يقتل كل رجل منهم من لقي من والد ، أو ولد فيقتله بالسيف لا يبالي من قتل في ذلك الموطن ، وتاب أولئك الذين كان خفي على موسى وهارون عليهما السلام ما اطلع الله عليهم من ذنوبهم ، فاعترفوا بها وفعلوا ما أمروا ، وغفر الله للقاتل والمقتول ، ثم سار بهم موسى عليه السلام متوجها نحو الأرض المقدسة ، وأخذ الألواح بعد ما سكت عنه الغضب ، وأمرهم بالذي أمر به أن يبلغهم من الوظائف ، فثقل ذلك عليهم ، وأبوا أن يقروا بها ، فنتق الله عليهم الجبل كأنه ظلة ، ودنا منهم حتى خافوا أن يقع عليهم ، فأخذوا الكتاب بأيمانهم وهم يصغون ينظرون إلى الجبل والأرض ، والكتاب بأيدهم وهم ينظرون إلى الجبل مخافة أن يقع عليهم ثم مضوا إلى الأرض المقدسة ، فوجدوا مدينة قوم جبارين خلقهم منكر ، وذكر من ثمارهم أمرا عجبا من عظمها فقالوا : يا موسى إن فيها قوما جبارين لا طاقة لنا بهم ، ولا ندخلها ما داموا فيها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون ، قال رجلان من الذين يخافون من الجبارين آمنا بموسى عليه السلام ، فخرجا إليه ، فقالا : نحن أعلم بقومنا ، إن كنتم إنما تخافون ما رأيتم من أجسامهم وعددهم ، فإنهم لا قلوب لهم ، ولا منعة عندهم ، فادخلوا عليهم الباب ، فإذا دخلتموه فإنكم غالبون ، ويقول أناس : إنهما من قوم موسى عليه السلام , وزعم سعيد بن جبير أنهما من الجبارين ، آمنا بموسى بقوله : من الذين يخافون ، إنما عنى بذلك من الذين يخافون بني إسرائيل قالوا : يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون فأغضبوا موسى عليه السلام ، فدعا عليهم ، وسماهم فاسقين ، ولم يدع عليهم قبل ذلك ، لما رأى منهم من المعصية وإساءتهم ، حتى كان يومئذ ، فاستجاب الله عز وجل له ، فسماهم كما سماهم موسى عليه السلام فاسقين ، فحرمها عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض يصبحون كل يوم فيسيرون ليس لهم قرار ، ثم ظلل عليهم الغمام في التيه ، وأنزل عليهم المن والسلوى ، وجعل لهم ثيابا لا تبلى ، ولا تتسخ ، وجعل بين ظهرهم حجرا مربعا ، وأمر موسى عليه السلام فضربه بعصاه فانفجر منه اثنتا عشرة عينا ، في كل ناحية ثلاثة أعين ، وأعلم كل سبط عينهم التي يشربون منها ، فلا يرتحلون من منزل إلا وجدوا ذلك الحجر منهم بالمكان الذي كان منه أمس.
سألتُ عبدَ اللهِ بنَ عباسٍ عن قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ لموسى عليهِ السلامُ : وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا ، فسألتُهُ عن الفُتُونِ ما هوَ ؟ قال : استأنِفِ النهارَ يا ابنَ جبيرٍ فإنَّ لها حديثًا طويلًا : فلمَّا أصبحتُ غدوتُ إلى ابنِ عباسٍ لأنتجزَ منهُ ما وعدني من حديثِ الفُتُونِ ، فقال : تذاكَرَ فرعونُ وجلساؤُهُ ما كان اللهُ وعدَ إبراهيمَ عليهِ السلامُ أن يجعلَ في ذريتِهِ أنبياءَ وملوكًا ، فقال بعضهم : إنَّ بني إسرائيلَ ينتظرونَ ذلك ، ما يَشُكُّونَ فيهِ ، وكانوا يظنُّونَ أنَّهُ يوسفُ بنُ يعقوبَ ، فلمَّا هلك قالوا : ليس هكذا كان وعدُ إبراهيمَ ، فقال فرعونُ : فكيف تَرَوْنَ ؟ فائتمروا وأجمعوا أمرهم على أن يبعثَ رجالًا معهم الشِّفَارُ ، يطوفونَ في بني إسرائيلَ ، فلا يجدونَ ، مولودًا ذكرًا إلا ذبحوهُ ، ففعلوا ذلك ، فلمَّا رَأَوْا أنَّ الكبارَ من بني إسرائيلَ يموتونَ بآجالهم ، والصغارَ يُذْبَحُونَ ، قالوا : يُوشِكُ أن تُفْنُوا بني إسرائيلَ ، فتصيروا أن تُبَاشِرُوا من الأعمالِ والخدمةِ التي كانوا يَكْفُونَكُمْ ، فاقتلوا عامًا كلَّ مولودٍ ذكرٍ ، فيَقِلُّ أبناؤهم ، ودعوا عامًا فلا تقتلوا منهم أحدًا ، فيَشِبُّ الصغارُ مكان من يموتُ من الكبارِ ، فإنَّهم لن يكثروا بمن تستحيونَ منهم فتخافوا مكاثرتهم إياكم ، ولن يَفْنَوا بمن تقتلونَ وتحتاجونَ إليهم . فأَجْمَعُوا أمرهم على ذلك . فحملتْ أمُّ موسى بهارونَ في العامِ الذي لا يُذْبَحُ فيهِ الغلمانُ ، فولدتْهُ علانيةً آمنةً . فلمَّا كان من قابلٍ حملتْ بموسى عليهِ السلامُ ، فوقع في قلبها الهمُّ والحزنُ ، وذلك من الفُتُونِ يا ابنَ جبيرٍ ما دخل عليهِ في بطنِ أُمِّهِ ، ممَّا يُرادُ بهِ . فأوحى اللهُ إليها أن : وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ . فأمرها إذا ولدتْ أن تجعلَهُ في تابوتٍ ثم تُلْقِيهِ في اليمِّ . فلمَّا ولدتْ فعلتْ ذلك ، فلمَّا تَوارَى عنها ابنها أتاها الشيطانُ ، فقالت في نفسها : ما فعلتُ بابني ، لو ذُبِحَ عندي فواريتُهُ وكفَّنتُهُ كان أحبُّ إليَّ من أن أُلْقِيهِ إلى دوابِّ البحرِ وحيتانِهِ . فانتهى الماءُ بهِ حتى أوفى بهِ عند فُرْضَةِ مُسْتَقَى جواري امرأةِ فرعونَ فلمَّا رأينَهُ أخذنَهُ فهممن أن يفتحْنَ التابوتَ فقال بعضهنَّ : إنَّ في هذا مالًا ، وإنَّا إن فتحناهُ لم تُصَدِّقنا امرأةُ المَلِكِ بما وجدنا فيهِ ، فحملنَهُ كهيئتِهِ لم يُخْرِجْنَ منهُ شيئًا حتى رفعنَهُ إليها . فلمَّا فتحتْهُ رأتْ فيهِ غلامًا ، فأُلْقِي عليهِ منها محبةً لم يُلْقِ منها على أحدٍ قطُّ ، وأصبحَ فؤادُ أمِّ موسى فارغًا من ذِكْرِ كلِّ شيٍء ، إلا من ذِكْرِ موسى . فلمَّا سمع الذبَّاحونَ بأمرِهِ ، أقبلوا بشِفَارِهِمْ إلى امرأةِ فرعونَ ليذبحوهُ : وذلك من الفُتُونِ يا ابنَ جبيرٍ ، فقالت لهم : أَقِرُّوهُ فإنَّ هذا الواحدَ لا يزيدُ في بني إسرائيلَ حتى آتي فرعونَ فأستوهبُهُ منهُ ، فإن وهبَهُ لي كنتم قد أحسنتم وأجملتم ، وإن أمرَ بذبحِهِ لم أَلُمْكُمْ . فأتت فرعونَ فقالت قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ . فقال فرعونُ : يكونُ لكَ . فأمَّا لي فلا حاجةَ لي فيهِ : فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : والذي يُحْلَفُ بهِ لو أَقَرَّ فرعونُ أن يكونَ قرَّةَ عينٍ لهُ ، كما أَقَرَّتْ امرأتُهُ ، لهداهُ اللهُ كما هداها ، ولكن حَرَمَهُ ذلك . فأرسلتْ إلى من حولها ، إلى كلِّ امرأةٍ لها لبنٌ لتختارَ لهُ ظِئْرًا ، فجعل كلَّما أخذتْهُ امرأةٌ منهنَّ لتُرْضِعَهُ لم يُقْبِلْ على ثديها حتى أشفقتِ امرأةُ فرعونَ أن يمتنعَ من اللبنِ فيموتَ ، فأحزنها ذلك ، فأمرتْ بهِ فأُخْرِجَ إلى السوقِ ومجمعِ الناسِ ، ترجو أن تجدَ لهُ ظِئْرًا تأخذُهُ منها ، فلم يُقْبِلْ ، وأصبحتْ أمُّ موسى والهًا ، فقالت لأختِهِ : قُصِّي أَثَرَهُ واطلبيهِ ، هل تسمعينَ لهُ ذِكْرًا ، أحيٌّ ابني أم قد أكلتْهُ الدوابُّ ؟ ونَسِيَتْ ما كان اللهُ وعدها فيهِ ، فبصرتْ بهِ أختُهُ عن جُنُبٍ وهم لا يشعرونَ – والجُنُبُ : أن يَسْمُو بصرُ الإنسانِ إلى شيٍء بعيدٍ ، وهو إلى جنبِهِ ، وهو لا يشعرُ بهِ – فقالت من الفرحِ حينَ أعياهم الظؤراتُ : أَنَا أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ . فأخذوها فقالوا ما يُدريكِ ؟ وما نُصْحُهُمْ لهُ ؟ هل يعرفونَهُ ؟ حتى شَكُّوا في ذلك ، وذلك من الفُتُونِ يا ابنَ جبيرٍ . فقالت : نُصْحُهُمْ لهُ وشفقتهم عليهِ رغبتهم في ظؤرةِ الملكِ ، ورجاءَ منفعةِ الملكِ . فأرسلوها فانطلقتْ إلى أُمِّهَا ، فأخبرتها الخبرَ . فجاءت أُمُّهُ ، فلمَّا وضعتْهُ في حجرها نَزَا إلى ثديها فمَصَّهُ ، حتى امتلأَ جنباهُ رِيًّا ، وانطلقَ البُشَراءُ إلى امرأةِ فرعونَ يُبَشِّرونها : أن قد وجدنا لابنكِ ظِئْرًا . فأرسلتْ إليها ، فأتتْ بها وبهِ ، فلمَّا رأت ما يصنعُ بها قالت : امْكُثِي تُرْضِعِي ابني هذا ، فإني لم أُحِبَّ شيئًا حُبَّهُ قطُّ . قالت أمُّ موسى : لا أستطيعُ أن أدعَ بيتي وولدي فيضيعُ ، فإن طابت نفسكَ أن تُعطينِيهِ فأذهبُ بهِ إلى بيتي ، فيكونُ معي لا آلوهُ خيرًا فعلتُ ، وإلا فإني غيرُ تاركةٍ بيتي وولدي . وذكرتْ أمُّ موسى ما كان اللهُ وعدها فيهِ ، فتعاسرتْ على امرأةِ فرعونَ ، وأيقنَتْ أنَّ اللهَ مُنْجِزٌ وعدَهُ ، فرجعتْ بهِ إلى بيتها من يومها ، وأنبتَهُ اللهُ نباتًا حسنًا ، وحَفِظَهُ لما قد قضى فيهِ . فلم يزل بنو إسرائيلَ ، وهم في ناحيةِ القريةِ ، ممتنعينَ من السخرةِ والظلمِ ما كان فيهم ، فلمَّا ترعرعَ قالت امرأةُ فرعونَ لأمِّ موسى : أَتُرِيني ابني ؟ فوَعَدَتْهَا يومًا تُرِيها إياهُ فيهِ ، وقالت امرأةُ فرعونَ لخازنها وظؤرها وقَهَارِمَتِهَا لا يَبْقِيَنَّ أحدٌ منكم إلا استقبلَ ابني اليومَ بهديةٍ وكرامةٍ لأرى ذلك ، وأنا باعثةٌ أمينًا يًحْصِي ما يصنعُ كلُّ إنسانٍ منكم ، فلم تزلِ الهدايا والنِّحَلُ والكرامةُ تستقبلُهُ من حينِ خرج من بيتِ أُمِّهِ إلى أن دخل على امرأةِ فرعونَ ، فلمَّا دخل عليها نَحَلَتْهُ وأكرمتْهُ ، وفرحت بهِ ، ونَحَلَتْ أُمَّهُ لحُسْنِ أثرها عليهِ ، ثم قالت : لآتِيَنَّ بهِ فرعونَ فليَنْحَلَنَّهُ وليُكْرِمَنَّهُ ، فلمَّا دخلت بهِ عليهِ جعلَهُ في حجرِهِ ، فتناولَ موسى لِحْيَةَ فرعونَ يَمُدُّها إلى الأرضِ ، فقال الغواةُ من أعداءِ اللهِ لفرعونَ : ألا ترى ما وعد اللهُ إبراهيمَ نبيَّهُ ، إنَّهُ زعم أن يرثِكَ ويعلوكَ ويصرعكَ ، فأرسلَ إلى الذَّبَّاحينَ ليذبحوهُ . وذلك من الفُتُونِ يا ابنَ جبيرٍ بعد كلِّ بلاءٍ ابْتُلِيَ بهِ ، وأُريدَ بهِ . فجاءت امرأةُ فرعونَ فقالت : ما بدا لك في هذا الغلامِ الذي وهبتَهُ لي ؟ فقال : ألا تَرَيْنَهُ يزعمُ أنَّهُ يصرعني ويعلوني . فقالت : اجعلْ بيني وبينك أمرًا يُعْرَفُ فيهِ الحقُّ ، ائتِ بجمرتيْنِ ولؤلؤتيْنِ ، فقرِّبْهُنَّ إليهِ ، فإن بطشَ باللؤلؤتيْنِ واجتنبْ الجمرتيْنِ فاعرفْ أنَّهُ يَعْقِلْ وإن تناولَ الجمرتيْنِ ولم يَرُدَّ اللؤلؤتيْنِ علمتَ أنَّ أحدًا لا يُؤْثِرُ الجمرتيْنِ على اللؤلؤتيْنِ وهو يَعْقِلُ ، فقَرَّبَ إليهِ ، فتناولَ الجمرتيْنِ ، فانتزعهما منهُ مخافةَ أن يحرقا يدَهُ ، فقالت امرأةُ فرعونَ : ألا ترى ؟ فصرفَهُ اللهُ عنهُ بعد ما كان قد همَّ بهِ ، وكان اللهُ بالغًا فيهِ أمرَهُ . فلمَّا بلغ أَشُدَّهُ وكان من الرجالِ ، لم يكن أحدٌ من آلِ فرعونَ يخلصُ إلى أحدٍ من بني إسرائيلَ معهُ بظلمٍ ولا سخرةٍ ، حتى امتنعوا كلَّ الامتناعِ ، فبينما موسى عليهِ السلامُ يمشي في ناحيةِ المدينةِ ، إذ هو برجليْنِ يقتتلانِ ، أحدهما فرعونيٌّ والآخرُ إسرائيليٌّ ، فاستغاثَهُ الإسرائيليُّ على الفرعونيِّ ، فغضب موسى غضبًا شديدًا ، لأنَّهُ تناولَهُ وهو يعلمُ منزلتَهُ من بني إسرائيلَ وحِفْظِهِ لهم ، لا يعلمُ الناسُ إلا أنما ذلك من الرضاعِ ، إلا أمُّ موسى ، إلا أن يكون اللهُ أطلعَ موسى من ذلك على ما لم يُطْلِعْ عليهِ غيرُهُ . فوكزَ موسى الفرعونيَّ ، فقتلَهُ وليس يراهما أحدٌ إلا اللهُ عزَّ وجلَّ والإسرائيليُّ ، فقال موسى حين قتلَ الرجلَ : هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ . ثم قال : رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ، فأصبحَ في المدينةِ خائفًا يترقَّبُ الأخبارَ ، فأُتِيَ فرعونُ ، فقيل لهُ : إنَّ بني إسرائيلَ قتلوا رجلًا من آلِ فرعونَ فخُذْ لنا بحَقِّنَا ولا تُرَخِّصْ لهم . فقال : أبغوني قاتِلَهُ ، ومن يشهدُ عليهِ ، فإنَّ الملكَ وإن كان صَفْوُهُ مع قومِهِ لا يستقيمُ لهُ أن يُقِيدَ بغيرِ بينَةٍ ولا ثَبْتٍ ، فاطلبوا لي عِلْمَ ذلك آخُذُ لكم بحقكم . فبينما هم يطوفونَ ولا يجدون ثَبْتًا ، إذا بموسى من الغدِ قد رأى ذلك الإسرائيليَّ يُقاتِلُ رجلًا من آلِ فرعونَ آخرَ ، فاستغاثَهُ الإسرائيليُّ على الفرعونيِّ ، فصادف موسى قد ندم على ما كان منهُ وكَرِهَ الذي رأى ، فغضب الإسرائيليُّ وهو يريدُ أن يبطشَ بالفرعونيِّ ، فقال للإسرائيليِّ لما فعل بالأمسِ واليومَ : إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ . فنظر الإسرائيليُّ إلى موسى بعد ما قال لهُ ما قال ، فإذا هو غضبانٌ كغضبِهِ بالأمسِ الذي قتلَ فيهِ الفرعونيَّ فخاف أن يكون بعدما قال له إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ أن يكونَ إياهُ أرادَ ، ولم يكن أرادَهُ ، وإنَّما أرادَ الفرعونيَّ ، فخاف الإسرائيليُّ وقال : يا موسى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ وإنما قالَهُ مخافةَ أن يكون إياهُ أراد موسى ليقتلَهُ ، فتتاركا وانطلقَ الفرعونيُّ فأخبرهم بما سمع من الإسرائيليِّ من الخبرِ حين يقولُ أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ فأرسل فرعونُ الذَّبَّاحينَ ليقتلوا موسى ، فأخذ رُسُلُ فرعونَ في الطريقِ الأعظمِ يمشونَ على هيئتهم يطلبونَ موسى وهم لا يخافون أن يفوتهم ، فجاء رجلٌ من شيعةِ موسى من أقصى المدينةِ فاختصرَ طريقًا حتى سبقهم إلى موسى فأخبرَهُ ، وذلك من الفُتُونِ يا ابنَ جبيرٍ . فخرج موسى مُتَوَجِّهًا نحوَ مَدْيَنَ لم يَلْقَ بلاءً قبل ذلك ، وليس لهُ بالطريقِ علمٌ إلا حُسْنُ ظنِّهِ بربهِ عزَّ وجلَّ فإنَّهُ قال عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ، وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ يعني بذلك حابستيْنِ غنمهما فقال لهما : ما خطبكما معتزلتيْنِ لا تسقيانِ مع الناسِ ؟ قالتا : ليس لنا قوةٌ نُزاحِمُ القومَ وإنما ننتظرُ فُضُولَ حياضهم ، فَسَقَى لهما فجعل يغترفُ في الدَّلْوِ ماءً كثيرًا حتى كان أولَ الرُّعَاءِ ، فانصرفتا بغنمهما إلى أبيهما وانصرف موسى عليهِ السلامُ فاستظَلَّ بشجرةٍ وقال رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ واستنكرَ أبوهما سرعةَ صدورهما بغنمهما حُفَّلًا بِطَانًا فقال : إنَّ لكما اليومَ لشأنًا ، فأخبرتاهُ بما صنع موسى ، فأمر إحداهما أن تدعوهُ ، فأتتْ موسى فدعتْهُ فلمَّا كلَّمَهُ قال لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ليس لفرعونَ ولا لقومِهِ علينا سلطانٌ ، ولسنا في مملكتِهِ ، فقالت إحداهما : يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ، إِنَّ خَيْرَ مِنَ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ فاحتملتْهُ الغِيرَةُ على أن قال لها : ما يُدْرِيكِ ما قوتُهُ وما أمانتُهُ ؟ قالت : أما قُوَّتُهُ فما رأيتُ منهُ في الدَّلْوِ حين سقى لنا ، لم أَرَ رجلًا قطُّ أقوى في ذلك السَّقْيِ منهُ ، وأما الأمانةُ فإنَّهُ نظر إلي حينِ أقبلتْ إليهِ وشَخَصَتْ لهُ ، فلمَّا علم أني امرأةٌ صَوَّبَ رأسَهُ فلم يرفعْهُ حتى بَلَّغْتُهُ رسالتكَ ، ثم قال لي : امشي خلفي وانْعُتِي لي الطريقَ ، فلم يفعل هذا إلا وهو أمينٌ ، فسُرِّيَ عن أبيها وصدَّقها وظَنَّ بهِ الذي قالت ، فقال لهُ : هل لكَ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ففعل فكانت على نبيِّ اللهِ موسى ثماني سنينَ واجبةً وكانت سَنَتَانِ عِدَةً منهُ فقضى اللهُ عنهُ عِدَتَهُ فأَتَمَّها عشرًا . قال سعيدٌ هو ابنُ جبيرٍ : فلَقِيَنِي رجلٌ من أهلِ النصرانيةِ من علمائهم قال : هل تدري أيُّ الأجلَيْنِ قضى موسى ؟ قلتُ : لا ، وأنا يومئذٍ لا أدري ، فلقيتُ ابنَ عباسٍ فذكرتُ ذلك لهُ فقال : أما علمتَ أنَّ ثمانيًا كانت على نبيِّ اللهِ واجبةً لم يكن لنبيٍّ أن يَنْقُصَ منها شيئًا ، ويعلمُ أنَّ اللهَ كان قاضيًا عن موسى عِدَتَهُ التي وعدَهُ فعِدَتُهُ التي وعدَهُ فإنَّهُ قضى عشرَ سنينَ ، فلقيتُ النصرانيَّ فأخبرتُهُ ذلك فقال : الذي سألتَهُ فأخبركَ أعلمُ منكَ بذلك قلتُ : أجل وأَوْلَى . فلمَّا سار موسى بأهلِهِ كان من أمرِ النارِ والعصا ويدِهِ ما قَصَّ اللهُ عليك في القرآنِ ، فشكا إلى اللهِ تعالى ما يَتَخَوَّفُ من آلِ فرعونَ في القتيلِ وعُقْدَةِ لسانِهِ ، فإنَّهُ كان في لسانِهِ عُقْدَةً تمنعُهُ من كثيرٍ من الكلامِ ، وسأل ربهُ أن يُعِينَهُ بأخيهِ هارونَ يكونُ لهُ رِدْءًا ويتكلَّمُ عنهُ بكثيرٍ مما لا يُفْصِحُ بهِ لسانُهُ ، فآتاهُ اللهُ سُؤْلَهُ وحلَّ عقدةً من لسانِهِ وأوحى اللهُ إلى هارونَ وأَمَرَهُ أن يلقاهُ ، فاندفع موسى بعصاهُ حتى لَقِيَ هارونَ عليهما السلامُ فانطلقا جميعًا إلى فرعونَ فأقاما على بابِهِ حينًا لا يُؤْذَنُ لهما ، ثم أُذِنَ لهما بعد حجابٍ شديدٍ فقالا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ قال : فمن ربكما ؟ فأخبرَهُ بالذي قَصَّ اللهُ عليكَ في القرآنِ ، قال : فما تريدانِ ؟ وذَكَّرَهُ القتيلَ فاعتذرَ بما قد سمعتَ ، قال : أريدً أن تُؤْمِنَ باللهِ وتُرْسِلَ معيَ بني إسرائيلَ ، فأَبَى عليهِ وقال ائْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ فألقى عصاهُ فإذا هي حيَّةٌ تسعى عظيمةٌ فاغِرَةٌ فاها مسرعةٌ إلى فرعونَ ، فلمَّا رآها قاصدةً إليهِ خافها فاقتحمَ عن سريرِهِ واستغاثَ بموسى أن يَكُفَّهَا عنهُ ففعلَ ، ثم أخرج يدَهُ من جيبِهِ فرآها بيضاءَ من غيرِ سوءٍ يعني من غيرِ بَرَصٍ ثم رَدَّهَا فعادت إلى لونها الأولِ ، فاستشار الملأَ حولَهُ فيما رأى ، فقالوا لهُ : هَذَانِ سَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى يعني مُلْكَهُمْ الذي هم فيهِ والعيشِ ، وأَبَوْا على موسى أن يُعْطُوهُ شيئًا ممَّا طلبَ ، وقالوا لهُ : اجمعْ لهما السحرةَ فإنَّهم بأرضكَ كثيرٌ حتى تَغْلِبَ بسحركَ سحرهما ، فأرسلَ إلى المدائنِ فحُشِرَ لهُ كلُّ ساحرٍ متعالمٍ ، فلمَّا أَتَوْا فرعونَ قالوا : بم يعملُ هذا الساحرُ ؟ قالوا : يعمل بالحَيَّاتِ ، قالوا : فلا واللهِ ما أَحَدٌ في الأرضِ يعملُ بالسحرِ بالحَيَّاتِ والحبالِ والعِصِيِّ الذي نعملُ ، وما أَجْرُنَا إن نحنُ غَلَبْنَا ؟ قال لهم : أنتم أقاربي وخاصَّتي ، وأنا صانعٌ إليكم كلَّ شيٍء أحببتم ، فتواعدوا يومَ الزينةِ وأنْ يُحْشَرَ الناسُ ضحىً ، قال سعيدُ بنُ جبيرٍ : فحدَّثني ابنُ عباسٍ أنَّ يومَ الزينةَ الذي أظهرَ اللهُ فيهِ موسى على فرعونَ والسحرةَ هو يومُ عاشوراءَ . فلمَّا اجتمعوا في صعيدٍ واحدٍ قال الناسُ بعضهم لبعضٍ : انطلقوا فلنحضر هذا الأمرَ لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ يعنون موسى وهارونَ استهزاءً بهما ، فقالوا : يا موسى لقدرتهم بسحرهم إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ، قَالَ: بَلْ أَلْقُوا فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ فرأى موسى من سحرهم ما أوجسَ في نفسِهِ خيفةً ، فأوحى اللهُ إليهِ أن أَلْقِ عصاكَ ، فلمَّا ألقاها صارت ثعبانًا عظيمةً فاغِرَةً فاها ، فجعلتِ العِصِيُّ تلتبسُ بالحبالِ حتى صارت جَزَرًا إلى الثعبانِ ، تدخلُ فيهِ ، حتى ما أبقت عصًا ولا حبالًا إلا ابتلعتْهُ ، فلمَّا عرفتِ السحرةُ ذلك قالوا ، لو كان هذا سحرًا لم يبلغ من سحرنا كلَّ هذا ، ولكنَّهُ أمرٌ من اللهِ عزَّ وجلَّ ، آمَنَّا باللهِ وبما جاء بهِ موسى ، ونتوبُ إلى اللهِ ممَّا كُنَّا عليهِ ، فكسرَ اللهُ ظهرَ فرعونَ في ذلك الموطنِ وأشياعِهِ ، وظَهَرَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ وامرأةُ فرعونَ بارزةٌ متبذلةٌ تدعو اللهَ بالنصرِ لموسى على فرعونَ وأشياعِهِ ، فمن رآها من آلِ فرعونَ ظنَّ أنَّها إنما ابتُذِلَتْ للشفقةِ على فرعونَ وأشياعِهِ ، وإنَّما كان حزنها وهَمُّها لموسى . فلمَّا طال مُكْثُ موسى بمواعيدِ فرعونَ الكاذبةِ ، كلَّما جاء بآيةٍ وعدَهُ عندها أن يُرْسِلَ معهُ بني إسرائيلَ ، فإذا مَضَتْ أخلفَ موعدَهُ وقال : هل يستطيعُ ربكَ أن يصنعَ غيرَ هذا ؟ فأرسلَ اللهُ على قومِهِ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقَمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ ، كلُّ ذلك يشكو إلى موسى ويطلبُ إليهِ أن يَكُفَّها عنهُ ، ويُوَاثِقُهُ على أن يُرْسِلَ معهُ بني إسرائيلَ ، فإذا كَفَّ ذلك عنهُ أخلفَ موعدَهُ ، ونكث عهدَهُ . حتى أمرَ اللهُ موسى بالخروجِ بقومِهِ فخرج بهم ليلًا ، فلمَّا أصبح فرعونُ ورأى أنهم قد مَضَوْا أَرْسَلَ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ ، فتبعَهُ بجنودٍ عظيمةٍ كثيرةٍ ، وأوحى اللهُ إلى البحرِ : إذا ضربكَ عبدي موسى بعصاهُ فانفلِقْ اثنتيْ عشرةَ فِرْقَةً ، حتى يجوزَ موسى ومن معهُ ، ثم التَقِ على من بَقِيَ بعد من فرعونَ وأشياعِهِ . فنسيَ موسى أن يضربَ البحرَ بالعصا وانتهى إلى البحرِ ولهُ قصيفٌ ، مخافةَ أن يضربَهُ موسى بعصاهُ وهو غافلٌ فيصيرُ عاصيًا للهِ . فلمَّا تراءى الجَمْعَانِ وتقاربا قال أصحابُ موسى : إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ، افعلْ ما أمركَ بهِ ربكَ ، فإنَّهُ لم يَكْذِبْ ولم تَكْذِبْ . قال : وعدني أن إذا أتيتُ البحرَ انْفَرَقَ اثنتيْ عشرةَ فِرْقَةً ، حتى أُجَاوِزُهُ : ثم ذكر بعد ذلك العصا فضرب البحرَ بعصاهُ حين دنا أوائلُ جُنْدِ فرعونَ من أواخرِ جُنْدِ موسى ، فانفرقَ البحرُ كما أمرَهُ ربهُ وكما وعد موسى فلمَّا أن جاز موسى وأصحابُهُ كلُّهم البحرَ ، ودخل فرعونُ وأصحابُهُ ، التقى عليهم البحرُ كما أُمِرَ فلمَّا جاوزَ موسى البحرَ قال أصحابُهُ : إنَّا نخافُ أن لا يكون فرعونُ غَرِقَ ولا نُؤْمِنُ بهلاكِهِ . فدعا ربهُ فأخرجَهُ لهُ ببدنِهِ حتى استيقنوا بهلاكِهِ . ثم مَرُّوا بعد ذلك عَلَى قَوْمٍ يَعْكِفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ قد رأيتم من العِبَرِ وسمعتم ما يكفيكم ومضى . فأنزلهم موسى منزلًا وقال : أطيعوا هارونَ فإني قد استخلفتُهُ عليكم ، فإني ذاهبٌ إلى ربي . وأَجَّلَهُمْ ثلاثينَ يومًا أن يرجعَ إليهم فيها ، فلمَّا أتى ربهُ وأرادَ أن يُكَلِّمَهُ في ثلاثينَ يومًا وقد صامهُنَّ ليلهُنَّ ونهارهُنَّ ، وكَرِهَ أن يُكَلِّمَ ربهُ وريحُ فيهِ ، ريحُ فمِ الصائمِ ، فتناولَ موسى من نباتِ الأرضِ شيئًا فمضغَهُ ، فقال لهُ ربهُ حين أتاهُ : لم أفطرتَ ؟ وهو أعلمُ بالذي كان : قال : يا ربِّ ، إني كرهتُ أن أُكَلِّمَكَ إلا وفَمِي طَيِّبُ الرِّيحِ . قال : أوما علمتَ يا موسى أنَّ رِيحَ فمِ الصائمِ أطيبُ من ريحِ المِسْكِ ، ارجع فصُمْ عشرًا ثم ائتني . ففعل موسى عليهِ السلامُ ما أُمِرَ بهِ ، فلمَّا رأى قومُ موسى أنَّهُ لم يرجع إليهم في الأَجَلِ ، ساءهم ذلك : وكان هارونُ قد خطبهم وقال : إنَّكم قد خرجتم من مصرَ ، ولقومِ فرعونَ عندكم عَوَارِيَ وودائعُ ، ولكم فيهم مثلُ ذلك ولا ممسكيهِ لأنفسنا ، فحفرَ حفيرًا ، وأمر كلَّ قومٍ عندهم من ذلك من متاعٍ أو حِلْيَةٍ أن يقذفوهُ في ذلك الحفيرِ ، ثم أوقدَ عليهِ النارَ فأحرقَهُ ، فقال : لا يكونُ لنا ولا لهم . وكان السامريُّ من قومٍ يعبدونَ البقرَ ، جيرانٌ لبني إسرائيلَ ، ولم يكن من بني إسرائيلَ ، فاحتملَ مع موسى وبني إسرائيلَ حينَ احتملوا ، فقضى لهُ أن رأى أَثَرًا فقبضَ منهُ قبضةً ، فمرَّ بهارونَ ، فقال لهُ هارونُ عليهِ السلامُ : يا سامريُّ ، ألا تُلْقِي ما في يدكَ ؟ وهو قابضٌ عليهِ ، لا يراهُ أحدٌ طُوَالَ ذلكَ ، فقال : هذهِ قبضةٌ من أَثَرِ الرسولِ الذي جاوزَ بكمُ البحرَ ، ولا أُلْقِيهَا لشيٍء إلا أن تدعو اللهَ إذا ألقيتُهَا أن يكونَ ما أُريدُ . فألقاها ، ودعا لهُ هارونُ ، فقال : أُريدُ أن يكونَ عِجْلًا . فاجتمعَ ما كان في الحفيرةِ من متاعٍ أو حِلْيَةٍ أو نحاسٍ أو حديدٍ ، فصار عِجْلَا أجوفَ ، ليس فيهِ روحٌ ، ولهُ خُوَارٌ قال ابنُ عباسٍ : لا واللهِ ، ما كان لهُ صوتٌ قطُّ ، إنَّما كانت الريحُ تدخُلُ في دُبُرِهِ وتخرجُ من فيهِ ، فكان ذلك الصوتَ من ذلكَ . فتفرَّقَ بنو إسرائيلَ فِرَقًا ، فقالت فِرْقَةٌ : يا سامريُّ ، ما هذا ؟ وأنتَ أعلمُ بهِ . قال : هذا ربكم ، ولكن موسى أَضَلَّ الطريقَ . وقالت فِرْقَةٌ : لا نُكَذِّبُ بهذا حتى يرجعَ إلينا موسى ، فإن كان ربنا لم نكن ضَيَّعْنَاهُ وعجزنا فيهِ حين رأيناهُ ، وإن لم يكن ربنا فإنَّا نَتَّبِعُ قولَ موسى ، وقالت فِرْقَةٌ : هذا عملُ الشيطانِ ، وليس بربنا ولا نُؤْمِنُ بهِ ولا نُصَدِّقُ ، وأُشْرِبَ فِرْقَةٌ في قلوبهم الصدقَ بما قال السامريُّ في العِجْلِ ، وأعلنوا التكذيبَ بهِ ، فقال لهم هارونُ : يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ، وَإِنَّ رَبَّكَمُ الرَّحْمَنُ . قالوا : فما بالُ موسى وعدنا ثلاثينَ يومًا ثم أخلفنا ؟ هذهِ أربعونَ يومًا قد مضتْ ؟ وقال سفهاؤهم : أخطأَ ربُّهُ فهو يطلبُهُ ويَتْبَعُهُ . فلمَّا كلَّمَ اللهُ موسى وقال لهُ ما قال : أَخْبَرَهُ بما لَقِيَ قومُهُ من بعدِهِ ، فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا فقال لهم ما سمعتم في القرآنِ ، وأخذ برأسِ أخيهِ يَجُرُّهُ إليهِ ، وألقى الألواحَ من الغضبِ ، ثم إنَّهُ عذرَ أخاهُ بعذرِهِ ، واستغفرَ لهُ ، وانصرفَ إلى السامريِّ فقال لهُ : ما حملكَ على ما صنعتَ ؟ قال : قَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ ، وفطنتُ لها وعميتْ عليكم ، فقذفتها وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا ، ولو كان إلهًا لم يُخْلَصْ إلى ذلك منهُ ، فاستيقنَ بنو إسرائيلَ بالفتنةِ ، واغتُبِطَ الذين كان رأيهم فيهِ مثلَ رأي هارونَ ، فقالوا لجماعتهم : يا موسى ، سَلْ لنا ربكَ أن يفتحَ لنا بابَ توبةٍ نصنعها ، فيُكَفِّرْ عنَّا ما عملنا . فاختارَ موسى قومَهُ سبعينَ رجلًا لذلك ، لا يَأْلُو الخيرَ ، خيارَ بني إسرائيلَ ، ومن لم يُشْرِكْ في العِجْلِ ، فانطلقَ بهم يسألُ لهمُ التوبةَ ، فرجفتْ بهمُ الأرضَ ، فاستحيا نبيُّ اللهِ من قومِهِ ومن وفدِهِ حين فُعِلَ بهم ما فُعِلَ ، فقال : ربِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا وفيهم من كان اطَّلَعَ اللهُ منهُ على ما أُشْرِبَ قلبُهُ من حُبِّ العِجْلِ وإيمانٍ بهِ فلذلك رجفتْ بهمُ الأرضُ فقال : رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ فقال : يا ربِّ سألتُكَ التوبةَ لقومي ، فقلتَ : إنَّ رحمتي كتبتُهَا لقومٍ غيرِ قومي فليتَكَ أَخَّرْتَنِي حتى تُخْرِجَنِي في أُمَّةِ ذلك الرجلِ المرحومةِ ، فقال لهُ : إنَّ توبتهم أن يَقْتُلَ كلُّ رجلٍ منهم من لَقِيَ من والدٍ وولدٍ فيقتلُهُ بالسيفِ ولا يُبَالِي من قتلَ في ذلك الموطنِ وتاب أولئكَ الذين كان خَفِيَ على موسى وهارونَ واطَّلَعَ اللهُ من ذنوبهم فاعترفوا بها وفعلوا ما أُمِرُوا وغفرَ اللهُ للقاتلِ والمقتولِ . ثم سار بهم موسى عليهِ السلامُ مُتَوَجِّهًا نحوَ الأرضِ المقدسةِ ، وأخذ الألواحَ بعد ما سكتَ عنهُ الغضبُ فأمرهم بالذي أُمِرَ بهِ أن يُبَلِّغَهُمْ من الوظائفِ ، فثَقُلَ ذلك عليهم وأَبَوْا أن يُقِرُّوا بها ، فنَتَقَ اللهُ عليهمُ الجبلَ كأنَّهُ ظُلَّةٌ ودنا منهم حتى خافوا أن يقعَ عليهم فأَخَذُوا الكتابَ بأيمانهم وهم مُصْغُونَ ينظرونَ إلى الجبلِ والكتابُ بأيديهم ، وهم من وراءِ الجبلِ مخافةَ أن يقعَ عليهم ، ثم مَضَوْا حتى أَتَوْا الأرضَ المقدسةَ فوجدوا مدينةً فيها قومٌ جَبَّارُونَ خَلْقُهُمْ خَلْقٌ مُنْكَرٌ ، وذكروا من ثمارهم أمرًا عجيبًا من عِظَمِهَا ، فقالوا : يا موسى إنَّ فيها قومًا جَبَّارِينَ لا طاقةَ لنا بهم ، ولا ندخلها ماداموا فيها ، فإن يخرجوا منها فإنَّا داخلونَ ، قال رجلانِ من الذينَ يخافونَ قيل ليزيدٍ : هكذا قرأَهُ ؟ قال : نعم ، من الجَبَّارِينَ آمَنَّا بموسى ، وخرجا إليهِ فقالوا : نحنُ أعلمُ بقومنا إن كنتم إنَّما تخافونَ ما رأيتم من أجسامهم وعددهم فإنَّهم لا قلوبَ لهم ولا مَنَعَةَ عندهم فادخلوا عليهمُ البابَ فإذا دخلتموهُ فإنَّكم غالبونَ ، ويقولُ أُناسٌ : إنَّهم من قومِ موسى ، فقال الذينَ يخافونَ بنو إسرائيلَ قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ فأغضبوا موسى فدعا عليهم وسمَّاهم فاسقينَ ، ولم يَدْعُ عليهم قبلَ ذلك ، لِمَا رأى منهم المعصيةَ وإساءتهم حتى كان يومئذٍ ، فاستجاب اللهُ لهُ وسمَّاهم كما سمَّاهم فاسقينَ ، فحرَّمَهَا عليهم أربعينَ سَنَةً يتيهونَ في الأرضِ ، يُصْبِحُونَ كلَّ يومٍ فيسيرونَ ليس لهم قرارٌ ثم ظَلَّلَ عليهمُ الغمامَ في التِّيهِ وأنزلَ عليهمُ المَنَّ والسلوى وجعل لهم ثيابًا لا تَبْلَى ولا تَتَّسِخُ ، وجعل بين ظهرانيهم حَجَرًا مُرَبَّعًا وأمرَ موسى فضربَهُ بعصاهُ فانفجرتْ منهُ اثنتا عشرةَ عينًا في كلِّ ناحيةٍ ثلاثُ أعينٍ ، وأعلمَ كلَّ سِبْطٍ عَيْنُهُمُ التي يشربونَ منها فلا يرتحلونَ من مَنْقَلَةٍ إلا وجدوا ذلك الحَجَرَ معهم بالمكانِ الذي كان فيهِ بالأمسِ
لا مزيد من النتائج