نتائج البحث عن
«صحب المغيرة بن شعبة قوما في الجاهلية ، فقتلهم وأخذ أموالهم ، ثم جاء فأسلم ،»· 15 نتيجة
الترتيب:
خَرجَ النَّبِيُّ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ عامَ الحُدَيبِيَةِ في بِضعِ عَشرَةَ مِائةٍ مِن أَصحابِهِ فلمَّا أتى ذا الحُلَيفَةِ قلَّدَ الهَديَ وأَشعَرَهُ وأحرَمَ مِنها بِعُمرَةٍ وبَعَثَ عَينًا لهُ مِن خُزاعَةَ _ هو يسرُ بنُ سُفيانَ _ وسار النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ حتَّى كانَ بِغديرِ الأُشطاطِ أتاهُ عَينُهُ قالَ إنَّ قُرَيشًا جَمعوا لَكَ جُموعًا وَقَد جَمعوا لكَ الأَحابيشَ _ أخلاطَ القَبائلَ الَّتي حَولَ مَكَّةَ _ وهُمْ مُقاتِلوكَ وصادُّوكَ عَن البَيتِ ومانِعوكَ فَقالَ أَشيروا أيُّها النَّاسُ علَي أَترَونَ أَن أَميلَ إلى عِيالِهِم وذرارِيِّ هؤلاءِ الَّذينَ يُريدونَ أَن يَصدُّونا عَن البَيتِ فَإن يَأتونا كانَ اللَّهُ عزَّ وجَلَّ قَد قَطعَ عَينًا مِنَ المشرِكينَ وإلَّا تَركناهُم مَحروبينَ _ مَسلوبينَ مَحزونينَ _ قال أبو بَكرٍ يا رَسولَ اللهِ خَرجتَ عامِدًا لهذَا البَيتِ لا تُريدُ قَتلَ أَحَدٍ ولا حَربَ أحَدٍ فتوجَّهَ لهُ فَمن صدَّنا عَنهُ قاتَلناهُ قالَ امضوا علَى اسمِ اللهِ قالَ : وسارَ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ حتَّى إذا كانَ بالثَّنيَّةِ الَّتي يَهْبطُ عليهم منها برَكَت بِهِ راحلتُهُ ، فقالَ النَّاسُ : حَلْ ، حَلْ خَلَأَتِ القصواءُ مرَّتينِ ، فقالَ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ : ما خَلأَتْ ، وما ذلِكَ لَها بِخُلُقٍ ، ولَكِن حَبسَها حابِسُ الفيلِ . ثمَّ قالَ : والَّذي نفسي بيدِهِ ، لا يَسأَلوني اليومَ خُطَّةً يُعظِّمونَ بِها حَرَماتِ اللَّهِ إلَّا أعطيتُهُم إيَّاها، ثمَّ زجرَها فوثَبَتْ ، فَعدلَ عَنهُم حتَّى نَزلَ بأَقصى الحُدَيْبيةِ علَى ثَمدٍ قليلِ الماءِ ، فَجاءَهُ بُدَيْلُ بنُ ورقاءَ الخزاعيُّ ، ثمَّ أتاهُ - يَعني عُروةَ بنَ مَسعودٍ - فجَعلَ يُكَلِّمُ النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ ، فَكُلَّما كلَّمَهُ أخذَ بِلحيتِهِ ، والمغيرةُ بنُ شُعبةَ قائمٌ علَى النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ ومعَهُ السَّيفُ وعلَيهِ المِغفرُ ، فضَربَ يدَهُ بِنَعلِ السَّيفِ ، وقالَ : أخِّر يدَكَ عَن لِحيتِهِ ، فرفعَ عروةُ رأسَهُ ، فقالَ : مَن هذا ؟ قالوا : المغيرةُ بنُ شعبةَ ، فقالَ : أي غُدَرُ أوَ لستُ أسعى في غَدرتِكَ ، وَكانَ المغيرةُ صحِبَ قومًا في الجاهليَّةِ فَقتلَهُم وأخذَ أموالَهُم ، ثمَّ جاءَ فأَسلمَ ، فَقالَ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ : أمَّا الإسلامُ فقَد قَبِلنا ، وأمَّا المالُ فإنَّهُ مَالُ غَدرٍ لا حاجةَ لَنا فيه - فذَكَرَ الحديثَ - ( لَمَّا كاتَبَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ سُهيلَ بنَ عَمرٍو يومَ الحُدَيبِيَةِ ، علَى قضيَّةِ المدَّةِ . . . وأبى سُهَيلٍ أن يقاضِيَ رَسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ إلَّا علَى ذلِكَ ، فكَرِهَ المؤمِنونَ ذَلكَ وامتَعَضوا ، فتَكَلَّموا فيهِ ) فقالَ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ : اكتُب هذا ما قاضَى علَيهِ مُحمَّدٌ رسولُ اللَّه وقصَّ الخبَرَ - فقالَ سُهَيْلٌ : وعلَى أنَّهُ لا يَأتيكَ مِنَّا رجُلٌ وإن كانَ على دينِكَ إلَّا رددتَهُ إلَينا ، فلمَّا فرغَ مِن قضيَّةِ الكتابِ قالَ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ لأصحابِهِ : قوموا فانحَروا ، ثمَّ احلِقوا فَردَّ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّمَ أبا جَندَلٍ بنِ سُهَيلٍ ، يَومَئذٍ إلى أبيهِ سُهَيلٍ بنِ عَمرٍو ، ولَم يَأتِ رَسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ أحَدٌ مِن الرِّجالِ ، إلَّا ردَّهُ في تِلكَ المدَّةِ ، وإن كانَ مُسلِمًا ) ثُمَّ جاءَ نِسوَةٌ مُؤمِناتٌ مُهاجِراتٌ ( فَكانَت أمٌّ كُلثومٍ بِنتُ عُقبةَ ابنِ أبي مُعَيطٍ ، مِمَّن خَرجَ إلى رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ وهيَ عاتقٌ ، فَجاءَ أهلُها ، يسأَلونَ رَسولَ اللَّهِ صلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّمَ : أن يرجِعَها إليهِمْ ، حتَّى أنزَلَ اللَّهُ تعالَى في المؤمِناتِ ما أنزَلَ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتِ . . . ) الآيةَ . فنَهاهمُ اللَّهُ أن يردُّوهنَّ وأمرَهُم أن يردُّوا الصَّداقَ ، ثمَّ رجعَ إلى المدينةِ فجاءَه أبو بصيرٍ رجلٌ من قُرَيْشٍ يَعني ، فأرسَلوا في طَلبِهِ فدفعَهُ إلى الرَّجُلَيْنِ ، فخَرجا بِهِ حتَّى إذ بلَغا ذا الحُلَيْفةِ نزَلوا يأكُلونَ مِن تمرٍ لَهُم ، فقالَ أبو بَصيرٍ لأحدِ الرَّجُلَيْنِ : واللَّهِ إنِّي لأَرى سَيفَكَ هذا يا فلانُ جيِّدًا ، فاستلَّهُ الآخرُ فقالَ : أجل قد جرَّبتُ بِهِ . فقالَ أبو بصيرٍ : أرني أنظر إليهِ فأمكنَهُ منهُ ، فضربَهُ حتَّى بردَ ، وفرَّ الآخرُ حتَّى أتى المدينةَ فدخلَ المسجدَ يَعدو فقالَ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ : لَقَد رأى هذَا ذُعرًا . فقالَ : قد قُتِلَ واللَّهِ صاحبي ، وإنِّي لَمقتولٌ ، فجاءَ أبو بصيرٍ فقالَ : قَد أوفى اللَّهُ ذمَّتَكَ فقَد رددتَني إليهِم ، ثمَّ نجَّاني اللَّهُ منهُم ، فقالَ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ : ويلَ أمِّهِ مسعرَ حربٍ لو كانَ لَهُ أحدٌ ، فلمَّا سمعَ ذلِكَ عرفَ أنَّهُ سيردُّهُ إليهم ، فخرجَ حتَّى أتى سيفَ البحرِ وينفلتُ أبو جندلٍ فلحقَ بأبي بصيرٍ حتَّى اجتمعت منهم عصابةٌ
خرج النبي صلى الله عليه وسلم عام الحديبية في بضع عشرة مائة من أصحابه فلما أتى ذا الحليفة قلد الهدي وأشعره وأحرم منها بعمرة وبعث عينا له من خزاعة _ هو يسر بن سفيان _ وسار النبي صلى الله عليه وسلم حتى كان بغدير الأشطاط أتاه عينه قال إن قريشا جمعوا لك جموعا وقد جمعوا لك الأحابيش _ أخلاط القبًائل التي حول مكة _ وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت ومانعوك فقال أشيروا أيها الناس علي أترون أن أميل إلى عيالهم وذراري هؤلاء الذين يريدون أن يصدونا عن البيت فإن يأتونا كان الله عز وجل قد قطع عينا من المشركين وإلا تركناهم محروبين _ مسلوبين محزونين _ قال أبو بكر يا رسول اللهِ خرجت عامدا لهذا البيت لا تريد قتل أحد ولا حرب أحد فتوجه له فمن صدنا عنه قاتلناه قال امضوا على اسم الله قال وسار النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بًالثنية التي يهبط عليهم منها بركت به راحلته فقال الناس حل حل خلأت القصواء مرتين فقال النبي صلى الله عليه وسلم ما خلأت وما ذلك لها بخلق ولكن حبسها حابس الفيل ثم قال والذي نفسي بيده لا يسألوني اليوم خطة يعظمون بها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها ثم زجرها فوثبت فعدل عنهم حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد قليل الماء فجاءه بديل بن ورقاء الخزاعي ثم أتاه يعني عروة ابن مسعود فجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم فكلما كلمه أخذ بلحيته والمغيرة ابن شعبة قائم على النبي صلى الله عليه وسلم ومعه السيف وعليه المغفر فضرب يده بنعل السيف وقال أخر يدك عن لحيته فرفع عروة رأسه فقال من هذا قالوا المغيرة بن شعبة فقال أي غدر أولست أسعى في غدرتك وكان المغيرة صحب قوما في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم ثم جاء فأسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم أما الإسلام فقد قبلنا وأما المال فإنه مال غدر لا حاجة لنا فيه فذكر الحديث ( لما كاتب رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم سهيل بن عمرو يوم الحديبية ، على قضية المدة . . . وأبى سهيل أن يقاضي رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم إلا على ذلك ، فكره المؤمنون ذلك وامتعضوا ، فتكلموا فيه ) فقال النبي صلى الله عليه وسلم اكتب هذا ما قاضى عليه محمد رسول اللهِ وقص الخبر فقال سهيل وعلى أنه لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا فلما فرغ من قضية الكتاب قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه قوموا فانحروا ثم احلقوا ( فرد رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم أبًا جندل بن سهيل ، يومئذ إلى أبيه سهيل بن عمرو ، ولم يأت رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم أحد من الرجال ، إلا رده في تلك المدة ، وإن كان مسلما ) ثم جاء نسوة مؤمنات مهاجرات ( فكانت أم كلثوم بنت عقبة ابن أبي معيط ، ممن خرج إلى رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم وهي عاتق ، فجاء أهلها ، يسألون رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم : أن يرجعها إليهم ، حتى أنزل الله تعالى في المؤمنات ما أنزل { يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات . . . ) الآية فنهاهم الله أن يردوهن وأمرهم أن يردوا الصداق ثم رجع إلى المدينة فجاءه أبو بصير رجل من قريش يعني فأرسلوا في طلبه فدفعه إلى الرجلين فخرجا به حتى إذ بلغا ذا الحليفة نزلوا يأكلون من تمر لهم فقال أبو بصير لأحد الرجلين والله إني لأرى سيفك هذا يا فلان جيدا فاستله الآخر فقال أجل قد جربت به فقال أبو بصير أرني أنظر إليه فأمكنه منه فضربه حتى برد وفر الآخر حتى أتى المدينة فدخل المسجد يعدو فقال النبي صلى الله عليه وسلم لقد رأى هذا ذعرا فقال قد قتل والله صاحبي وإني لمقتول فجاء أبو بصير فقال قد أوفى الله ذمتك فقد رددتني إليهم ثم نجاني الله منهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم ويل أمه مسعر حرب لو كان له أحد فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم فخرج حتى أتى سيف البحر وينفلت أبو جندل فلحق بأبي بصير حتى اجتمعت منهم عصابة
خرَج النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم زمَنَ الحُديبيَةِ في بضعَ عشر مئةً مِن أصحابِه حتَّى إذا كانوا بذي الحُليفةِ قلَّد رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأشعَر ثمَّ أحرَم بالعمرةِ وبعَث بيْنَ يدَيْهِ عينًا له رجُلًا مِن خُزاعةَ يجيئُه بخبرِ قريشٍ وسار رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتَّى إذا كان بغَديرِ الأشطاطِ قريبًا مِن عُسْفانَ أتاه عينُه الخُزاعيُّ فقال: إنِّي ترَكْتُ كعبَ بنَ لُؤيٍّ وعامرَ بنَ لؤيٍّ قد جمَعوا لك الأحابيشَ وجمَعوا لك جموعًا كثيرةً وهم مقاتِلوك وصادُّوك عن البيتِ الحرامِ فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ( أشيروا علَيَّ أترَوْنَ أنْ نميلَ إلى ذراريِّ هؤلاء الَّذين أعانوهم فنُصيبَهم فإنْ قعَدوا قعَدوا مَوتورين محزونين وإنْ نجَوْا يكونوا عُنقًا قطَعها اللهُ أم ترَوْنَ أنْ نؤُمَّ البيتَ فمَن صدَّنا عنه قاتَلْناه ) ؟ فقال أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ رضوانُ اللهِ عليه: اللهُ ورسولُه أعلمُ يا نبيَّ اللهِ إنَّما جِئْنا مُعتمرينَ ولم نجِئْ لقتالِ أَحدٍ ولكنْ مَن حال بينَنا وبيْنَ البيتِ قاتَلْناه فقال النَّبيُّ ـ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ( فرُوحوا إذًا ) قال الزُّهريُّ في حديثِه: وكان أبو هُريرةَ يقولُ: ما رأَيْتُ أحدًا أكثرَ مشاورةً لأصحابِه مِن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال الزُّهريُّ في حديثِه عن عُروةَ عن المِسوَرِ ومَروانَ في حديثِهما: فراحوا حتَّى إذا كانوا ببعضِ الطَّريقِ قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ( إنَّ خالدَ بنَ الوليدِ بالغَميمِ في خيلٍ لقريشٍ طليعةً فخُذوا ذاتَ اليمينِ ) فواللهِ ما شعَر بهم خالدُ بنُ الوليدِ حتَّى إذا هو بقَترةِ الجيشِ فأقبَل يركُضُ نذيرًا لقريشٍ وسار النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتَّى إذا كان بالثَّنيَّةِ الَّتي يُهبَطُ عليهم منها فلمَّا انتهى إليها برَكتْ راحلتُه فقال النَّاسُ: حَلْ حَلْ فألحَّتْ فقالوا: خلَأتِ القصواءُ فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ( ما خلَأتِ القصواءُ وما ذلك لها بخُلُقٍ ولكنْ حبَسها حابسُ الفيلِ ) ثمَّ قال: ( والَّذي نفسي بيدِه لا يسأَلوني خُطَّةً يُعظِّمون فيها حُرماتِ اللهِ إلَّا أعطَيْتُهم إيَّاها ) ثمَّ زجَرها فوثَبتْ به قال: فعدَل عنهم حتَّى نزَل بأقصى الحُديبيَةِ على ثَمَدٍ قليلِ الماءِ إنَّما يتبَرَّضُه النَّاسُ تبرُّضًا فلم يلبَثْ بالنَّاسِ أنْ نزَحوه فشُكي إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم العطشُ فانتزَع سهمًا مِن كِنانتِه ثمَّ أمَرهم أنْ يجعَلوه فيه قال: فما زال يَجيشُ لهم بالرِّيِّ حتَّى صدَروا عنه: فبينما هم كذلك إذ جاءه بُدَيْلُ بنُ ورقاءَ الخزاعيُّ في نفرٍ مِن قومِه مِن خُزاعةَ وكانت عَيْبَةَ نُصحِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن أهلِ تِهامةَ فقال: إنِّي ترَكْتُ كعبَ بنَ لؤيٍّ وعامرَ بنَ لؤيٍّ نزَلوا أعدادَ مياهِ الحُديبيَةِ معهم العُوذُ المَطافيلُ وهم مقاتلوك وصادُّوك عن البيتِ الحرامِ فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ( إنَّا لم نجِئْ لقتالِ أَحدٍ ولكنَّا جِئْنا مُعتمرينَ فإنَّ قريشًا قد نهَكَتْهم الحربُ وأضرَّت بهم فإنْ شاؤوا مادَدْتُهم مدَّةً ويُخلُّوا بيني وبيْنَ النَّاسِ فإنْ ظهَرْنا وشاؤوا أنْ يدخُلوا فيما دخَل فيه النَّاسُ فعَلوا وقد جَمُّوا وإنْ هم أبَوْا فوالَّذي نفسي بيدِه لأُقاتِلَنَّهم على أمري هذا حتَّى تنفرِدَ سالفتي أو لَيُبْدِيَنَّ اللهُ أمرَه ) قال بُدَيْلُ بنُ وَرْقاءَ: سأُبلِغُهم ما تقولُ: فانطلَق حتَّى أتى قريشًا فقال: إنَّا قد جِئْناكم مِن عندِ هذا الرَّجُلِ وسمِعْناه يقولُ قولًا فإنْ شِئْتم أنْ نعرِضَه عليكم فعَلْنا فقال سفهاؤُهم: لا حاجةَ لنا في أنْ تُخبِرونا عنه بشيءٍ وقال ذو الرَّأيِ: هاتِ ما سمِعْتَه يقولُ قال: سمِعْتُه يقولُ كذا وكذا فأخبَرْتُهم بما قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقام عندَ ذلك أبو مسعودٍ عُروةُ بنُ مسعودٍ الثَّقفيُّ فقال: يا قومِ ألَسْتُم بالولدِ ؟ قالوا: بلى قال: ألَسْتُ بالوالدِ ؟ قالوا: بلى قال: فهل تتَّهموني ؟ قالوا: لا قال: ألَسْتُم تعلَمون أنِّي استنفَرْتُ أهلَ عُكاظٍ فلمَّا بلَّحوا عليَّ جِئْتُكم بأهلي وولَدي ومَن أطاعني ؟ قالوا: بلى قال: فإنَّ هذا امرؤٌ عرَض عليكم خُطَّةَ رُشدٍ فاقبَلوها ودعوني آتِهِ قالوا: ائتِه فأتاه قال: فجعَل يُكلِّمُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم نحوًا مِن قولِه لبُدَيْلِ بنِ وَرْقاءَ فقال عروةُ بنُ مسعودٍ عندَ ذلك يا محمَّدُ أرأَيْتَ إنِ استأصَلْتَ قومَك هل سمِعْتَ أحدًا مِن العربِ اجتاح أصلَه قبْلَك وإنْ تكُنِ الأخرى فواللهِ إنِّي أرى وجوهًا وأرى أشوابًا مِن النَّاسِ خُلَقاءَ أنْ يفِرُّوا ويدَعوك فقال أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ رضوانُ اللهِ عليه: امصُصْ ببَظْرِ اللَّاتِ أنحنُ نفِرُّ وندَعُه ؟ فقال أبو مسعودٍ: مَن هذا ؟ قالوا: أبو بكرِ بنُ أبي قُحافةَ فقال: أمَا والَّذي نفسي بيدِه لولا يدٌ كانت لك عندي لم أَجْزِك بها لأجَبْتُك وجعَل يُكلِّمُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فكلَّما كلَّمه أخَذ بلِحيتِه والمغيرةُ بنُ شُعبةَ الثَّقفيُّ قائمٌ على رأسِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وعليه السَّيفُ والمِغفَرُ فكلَّما أهوى عُروةُ بيدِه إلى لحيةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ضرَب يدَه بنَعْلِ السَّيفِ، وقال: أخِّرْ يدَك عن لحيةِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فرفَع عروةُ رأسَه وقال: مَن هذا ؟ فقالوا: المغيرةُ بنُ شُعبةَ الثَّقفيُّ فقال: أيْ غُدَرُ، أولَسْتُ أسعى في غَدرَتِك وكان المغيرةُ بنُ شُعبةَ صحِب قومًا في الجاهليَّةِ فقتَلهم وأخَذ أموالَهم ثمَّ جاء فأسلَم فقال له النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ( أمَّا الإسلامُ فأقبَلُ وأمَّا المالُ فلَسْتُ منه في شيءٍ ) قال: ثمَّ إنَّ عروةَ جعَل يرمُقُ صحابةَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بعينِه فواللهِ ما يتنخَّمُ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم نُخامةً إلَّا وقَعتْ في كفِّ رجُلٍ منهم فدلَك بها وجهَه وجِلدَه وإذا أمَرهم انقادوا لأمرِه وإذا توضَّأ كادوا يقتتلون على وَضوئِه وإذا تكلَّم خفَضوا أصواتَهم عندَه وما يُحِدُّون إليه النَّظرَ تعظيمًا له فرجَع عروةُ بنُ مسعودٍ إلى أصحابِه فقال: أيْ قومِ واللهِ لقد وفَدْتُ إلى الملوكِ ووفَدْتُ إلى كسرى وقيصرَ والنَّجاشيِّ واللهِ ما رأَيْتُ ملِكًا قطُّ يُعظِّمُه أصحابُه ما يُعظِّمُ أصحابُ محمَّدٍ محمَّدًا وواللهِ إنْ يتنخَّمُ نُخامةً إلَّا وقَعت في كفِّ رجُلٍ منهم فدلَك بها وجهَه وجِلْدَه وإذا أمَرهم ابتدَروا أمرَه وإذا توضَّأ اقتتلوا على وَضوئِه وإذا تكلَّم خفَضوا أصواتَهم عندَه وما يُحِدُّون إليه النَّظرَ تعظيمًا له وإنَّه قد عرَض عليكم خُطَّةَ رُشدٍ فاقبَلوها فقال رجُلٌ مِن بني كِنانةَ دعوني آتِه فلمَّا أشرَف على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: هذا فلانٌ مِن قومٍ يُعظِّمون البُدنَ فابعَثوها له قال: فبُعِثَتْ واستقبَله القومُ يُلَبُّون فلمَّا رأى ذلك قال: سُبحانَ اللهِ لا ينبغي لهؤلاء أنْ يُصَدُّوا عن البيتِ فلمَّا رجَع إلى أصحابِه قال: رأَيْتُ البُدْنَ قد قُلِّدتْ وأُشعِرَتْ فما أرى أنْ يُصَدُّوا عن البيتِ فقام رجُلٌ منهم يُقالُ له: مِكرَزٌ فقال: دعوني آتِهِ فقالوا: ائتِه فلمَّا أشرَف عليهم قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ( هذا مِكرَزٌ وهو رجُلٌ فاجرٌ ) فجعَل يُكلِّمُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فبينما هو يُكلِّمُه إذ جاءه سُهيلُ بنُ عمرٍو قال مَعْمَرٌ: فأخبَرني أيُّوبُ السَّخْتِيانيُّ عن عِكرمةَ قال: فلمَّا جاء سُهيلٌ قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ( هذا سُهيلٌ قد سهَّل اللهُ لكم أمرَكم ) قال مَعْمَرٌ في حديثِه عن الزُّهريِّ عن عُروةَ عن المِسوَرِ ومَروانَ: فلمَّا جاء سُهيلٌ قال: هاتِ اكتُبْ بينَنا وبينَكم كتابًا فدعا الكاتبَ فقال: اكتُبْ بِسْمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ فقال سُهيلٌ: أمَّا الرَّحمنُ فلا أدري واللهِ ما هو ولكِنِ اكتُبْ باسمِك اللَّهمَّ ثمَّ قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ( اكتُبْ هذا ما قاضى عليه محمَّدٌ رسولُ اللهِ ) فقال سُهيلُ بنُ عمرٍو: لو كنَّا نعلَمُ أنَّك رسولُ اللهِ ما صدَدْناك عن البيتِ ولا قاتَلْناك ولكِنِ اكتُبْ: محمَّدُ بنُ عبدِ اللهِ فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ( واللهِ إنِّي لَرسولُ اللهِ وإنْ كذَّبْتُموني اكتُبْ محمَّدُ بنُ عبدِ اللهِ ) قال الزُّهريُّ: وذلك لقولِه: لا يسأَلوني خُطَّةً يُعظِّمون فيها حُرماتِ اللهِ إلَّا أعطَيْتُهم إيَّاها وقال في حديثِه عن عُروةَ عنِ المِسوَرِ ومَروانَ فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ( على أنْ تُخَلُّوا بينَنا وبيْنَ البيتِ فنطوفَ به فقال سُهيلُ بنُ عمرٍو: إنَّه لا يتحدَّثُ العربُ أنَّا أُخِذْنا ضُغطةً، ولكِنْ لك مِن العامِ المقبِلِ، فكتَب، فقال سُهيلُ بنُ عمرٍو: على أنَّه لا يأتيك منَّا رجُلٌ وإنْ كان على دِينِك أو يُريدُ دينَك إلَّا ردَدْتَه إلينا فقال المسلِمونَ: سُبحانَ اللهِ كيف يُرَدُّ إلى المشركينَ وقد جاء مسلِمًا فبينما هم على ذلك إذ جاء أبو جَنْدَلِ بنُ سُهيلِ بنِ عمرٍو يرسُفُ في قيودِه قد خرَج مِن أسفلِ مكَّةَ حتى رمى بنفسِه بيْنَ المسلمينَ فقال سُهيلُ بنُ عمرٍو: يا محمَّدُ هذا أوَّلُ مَن نُقاضيك عليه أنْ ترُدَّه إليَّ فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: إنَّا لم نُمضِ الكتابَ بعدُ فقال: واللهِ لا أُصالِحُك على شيءٍ أبدًا فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ( فأَجِزْه لي ) فقال: ما أنا بمُجيزِه لك قال: فافعَلْ قال: ما أنا بفاعلٍ قال مِكرَزٌ: بل قد أجَزْناه لك فقال أبو جَنْدَلِ بنُ سُهيلِ بنِ عمرٍو: يا معشرَ المسلمينَ أُرَدُّ إلى المشركين وقد جِئْتُ مسلِمًا ألا ترَوْنَ إلى ما قد لقيتُ وكان قد عُذِّب عذابًا شديدًا في اللهِ - فقال عمرُ بنُ الخطَّابِ رضوانُ اللهِ عليه: واللهِ ما شكَكْتُ منذُ أسلَمْتُ إلَّا يومَئذٍ فأتَيْتُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقُلْتُ: ألَسْتَ رسولَ اللهِ حقًّا ؟ قال: ( بلى ) قُلْتُ: ألَسْنا على الحقِّ وعدوُّنا على الباطلِ ؟ قال: ( بلى ) قُلْتُ: فلِمَ نُعطي الدَّنيَّةَ في دِيننِا إذًا ؟ قال: ( إنِّي رسولُ اللهِ ولَسْتُ أعصي ربِّي وهو ناصري ) قُلْتُ: أوليسَ كُنْتَ تُحدِّثُنا أنَّا سنأتي البيتَ فنطوفُ به ؟ قال ( بلى فخبَّرْتُك أنَّك تأتيه العامَ ؟ ) قال: لا قال: ( فإنَّك تأتيه فتطوفُ به قال: فأتَيْتُ أبا بكرٍ الصِّدِّيقَ رضوانُ اللهِ عليه فقُلْتُ: يا أبا بكرٍ أليس هذا نبيَّ اللهِ حقًّا ؟ قال: ( بلى ) قُلْتُ: أولَسْنا على الحقِّ وعدوُّنا على الباطلِ ؟ قال: ( بلى ) قُلْتُ: فلِمَ نُعطي الدَّنيَّةَ في دِينِنا إذًا ؟ قال: أيُّها الرَّجلُ إنَّه رسولُ اللهِ وليس يعصي ربَّه وهو ناصرُه فاستمسِكْ بغَرْزِه حتَّى تموتَ فواللهِ إنَّه على الحقِّ قُلْتُ: أوليس كان يُحدِّثُنا أنَّا سنأتي البيتَ ونطوفُ به ؟ قال: بلى قال فأخبَرك أنَّا نأتيه العامَ ؟ قُلْتُ: لا قال: فإنَّك آتيه وتطوفُ به قال عمرُ بنُ الخطَّابِ رضوانُ اللهِ عليه فعمِلْتُ في ذلك أعمالًا - يعني في نقضِ الصَّحيفةِ -
فلمَّا فرَغ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن الكتابِ أمَر رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أصحابَه فقال: ( انحَروا الهَدْيَ واحلِقوا ) قال: فواللهِ ما قام رجُلٌ منهم رجاءَ أنْ يُحدِثَ اللهُ أمرًا فلمَّا لم يقُمْ أحَدٌ منهم قام رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فدخَل على أمِّ سلَمةَ فقال: ما لقيتُ مِن النَّاسِ قالت أمُّ سلَمةَ: أوَتُحِبُّ ذاك، اخرُجْ ولا تُكلِّمَنَّ أحدًا منهم كلمةً حتَّى تنحَرَ بُدنَكَ وتدعوَ حالقَك فقام النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فخرَج ولم يُكلِّمْ أحدًا منهم حتَّى نحَر بُدْنَه ثمَّ دعا حالقَه فحلَقه فلمَّا رأى ذلك النَّاسُ جعَل بعضُهم يحلِقُ بعضًا حتَّى كاد بعضُهم يقتُلُ بعضًا قال: ثمَّ جاء نِسوةٌ مؤمناتٌ فأنزَل اللهُ تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ} [الممتحنة: 10] إلى آخِرِ الآيةِ قال: فطلَّق عمرُ رضوانُ اللهِ عليه امرأتينِ كانتا له في الشِّركِ فتزوَّج إحداهما معاويةُ بنُ أبي سُفيانَ والأخرى صفوانُ بنُ أميَّةَ قال: ثمَّ رجَع صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى المدينةِ فجاءه أبو بَصيرٍ رجُلٌ مِن قريشٍ وهو مسلِمٌ فأرسَلوا في طلبِه رجُلينِ وقالوا: العهدَ الَّذي جعَلْتَ لنا فدفَعه إلى الرَّجُلينِ فخرَجا حتَّى بلَغا به ذا الحليفةِ فنزَلوا يأكُلون مِن تمرٍ لهم فقال أبو بَصيرٍ لأَحدِ الرَّجُلينِ: واللهِ لَأرى سيفَك هذا يا فلانُ جيِّدًا فقال: أجَلْ واللهِ إنَّه لَجيِّدٌ لقد جرَّبْتُ به ثمَّ جرَّبْتُ فقال أبو بَصيرٍ: أَرِني أنظُرْ إليه فأمكَنه منه فضرَبه حتَّى برَد وفرَّ الآخَرُ حتَّى أتى المدينةَ فدخَل المسجدَ يعدو فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: لقد رأى هذا ذُعْرًا فلمَّا انتهى إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: قُتِل واللهِ صاحبي وإنِّي لَمقتولٌ فجاء أبو بَصيرٍ فقال: يا نبيَّ اللهِ قد واللهِ أوفى اللهُ ذمَّتَك قد ردَدْتَني إليهم ثمَّ أنجاني اللهُ منهم فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ويلُ امِّه لو كان معه أحَدٌ فلمَّا سمِع بذلك عرَف أنَّه سيرُدُّه إليهم مرَّةً أخرى فخرَج حتَّى أتى سِيفَ البحرِ قال: وتفلَّت منهم أبو جَنْدَلِ بنُ سُهيلِ بنِ عمرٍو فلحِق بأبي بَصيرٍ فجعَل لا يخرُجُ مِن قريشٍ رجُلٌ أسلَم إلَّا لحِق بأبي بَصيرٍ حتَّى اجتمَعت منهم عصابةٌ قال: فواللهِ ما يسمَعون بِعِيرٍ خرَجتْ لقريشٍ إلى الشَّامِ إلَّا اعترَضوا لها فقتَلوهم وأخَذوا أموالَهم فأرسَلتْ قريشٌ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم تُناشِدُه اللهَ والرَّحِمَ لَمَا أرسَل إليهم ممَّن أتاه فهو آمِنٌ فأرسَل النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إليهم فأنزَل اللهُ جلَّ وعلا: {وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ} [الفتح: 24] حتَّى بلَغ {حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ} [الفتح: 26] وكانت حميَّتُهم أنَّهم لم يُقِرُّوا أنَّه نبيُّ اللهِ ولم يُقِرُّوا ببِسْمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ
خرجَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم زمنَ الحُدَيْبِيَّةِ ، حتى كانوا ببعضِ الطريقِ ، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم : إن خالدَ بنَ الوليدِ بالغَمِيمِ ، في خيلٍ لقريشٍ طليعةٍ ، فخذوا ذاتَ اليمينٍ . فواللهِ ما شَعَرَ بهم خالدٌ حتى إذا هم بقَتَرَةِ الجيشِ ، فانطَلَقَ يَرْكُضُ نذيرًا لقريشٍ ، وسار النبيُّ صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالثَّنِيَّةِ التي يَهْبِطُ عليهم منها ، برَكَتْ به راحلتُه ، فقال الناس : حلْ حلْ . فأَلَحَّتْ، فقالوا خَلَأَتِ القَصْواءُ ، خلَأَتِ القصواءُ ! فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: ما خلَأَتِ القصواءُ ، وما ذاك لها بخُلُقٍ ، ولكن حبَسَها حابسُ الفيلِ . ثم قال: والذي نفسي بيدِه ، لا يَسْأَلُونَنِي خطةً يُعَظِّمون فيها حرماتِ اللهِ إلا أَعْطَيْتُهم إيَّاها . ثم زجَرَها فوثَبَتْ ، قال : فعَدَلَ عنهم حتى نزَلَ بأقصى الحديبيةِ على ثَمَدٍ قليلِ الماءِ ، يَتَبَرَّضُه الناسُ تَبَرُّضًا ، فلم يَلْبَثْه الناسُ حتى نَزَحُوه ، وشُكِيَ إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم العطشُ ، فانتَزَعَ سهمًا مِن كِنانتِه ، ثم أمَرَهم أن يَجْعَلُوه فيه ، فواللهِ، مازالَ يَجِيشُ لهم بالرَّيِّ حتى صدروا عنه ، فبينما هم كذلك إذ جاءَ بُدَيْلُ بنُ وَرْقاءَ الخُزَاعِيُّ في نفرٍ مِن قومِه مِن خُزاعةَ ، وكانوا عَيْبَةَ نصحِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِن أهل تِهامةَ ، فقال : إني تَرَكْتُ كعبَ بنَ لُؤَيٍّ، وعامرَ بنَ لُؤَيٍّ نزلوا أعدادَ مياهِ الحديبيةِ ، ومعهم العوذُ المَطافِيلُ ، وهم مُقاتِلوكَ، وصادُّوك عن البيتِ ، فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: إنا لم نَجِئْ لقتالِ أحدٍ ، ولكنَّا جِئْنَا مُعْتَمِرِين ، وإن قريشًا قد نَهِكَتْهم الحربُ ، وأَضَرَّتْ بهم ، فإن شاؤُوا مادَدْتُهم مدةً ، ويُخَلُّوا بيني وبينَ الناسِ ، فإن أظْهَرَ فإن شاؤوا أن يَدْخُلوا فيما دخَلَ فيه الناسُ فعلوا ؛ وإلا فقد جَمُّوا ، وإن هم أبَوْا ، فوالذي نفسي بيدِه لأُقاتِلَنَّهم على أمري هذا حتى تَنْفَرِدَ سالفتي ، وليَنْقَذَنَّ اللهُ أمرَه . فقال بُدْيلُ : سأُبْلِغُهم ما تقولُ . قال : فانطَلَقَ حتى أتى قريشًا ، قال : إنا قد جِئْنَاكم مِن هذا الرجلِ ، وسَمِعْنَاه يقولُ قولًا ، فإن شِئْتُم أن نَعْرِضَه عليكم فعَلْنَا ، فقال سفهاؤُهم : لا حاجةَ لنا أن تُخْبِرَنا عنه بشيءٍ ، وقال ذَوُو الرأيِ منهم : هاتِ ما سَمِعْتَه يقولُ . قال : سَمِعْتُه يقولُ كذا وكذا ، فحَدَّثَهم بما قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم ، فقام عروةُ بنُ مسعودٍ فقال : أَيْ قومُ ، أَلَسْتُم بالوالدِ ؟ قالوا : بلى. قال : أو لسْتُ بالولدِ ؟ قالوا : بلى. قال : فهل تَتَّهِمُونني ؟ قالوا : لا. قال : ألستم تَعْلَمُون أني استَنْفَرْتُ أهلَ عُكاظٍ ، فلما بَلَّحوا عليَّ جِئْتُكم بأهلي، وولدِي، ومَن أطاعَنِي ؟ قالوا : بلى. قال : فإن هذا قد عَرَضَ لكم خطةَ رُشْدٍ ، اقبلوها ودَعُوني آتِيه ، قالوا : ائْتِه . فأَتَاه ، فجَعل يُكَلِّمُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: نحوًا مِن قولِه لبُدَيْلٍ ، فقال عروةُ عندَ ذلك : أَيْ محمدُ ، أَرَأَيْتَ إن استَأْصَلْتَ أمرَ قومِك ، هل سَمِعْتَ بأحدٍ مِن العربِ اجتاحَ أهلَه قبلَكَ ؟! وإن تَكُنْ الأخرى، فإني واللهِ، لَأَرَىَ وجوهًا ، وإني لَأَرى أشوابًا مِن الناسِ خليقًا أن يَفِرُّوا ويَدَعُوكَ ، فقال له أبو بكرٍ : امْصُصْ ببظرِ اللاتِ! أنَحْنُ نَفِرُّ عنه ونَدَعُه ؟ فقال : مَن ذا ؟ قالوا : أبو بكرٍ . قال: أما والذي نفسي بيدِه ، لولا يدٌ كانت لك عندي لم أُجْزِكْ بها لأَجَبْتُكَ . قال : وجعَلَ يُكَلِّمُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فكلما تكَلَّمَ أخَذَ بلحيتِه ، والمغيرةُ بنُ شعبةَ قائمٌ على رأسِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ، ومعه السيفُ، وعليه المِغْفَرُ ، فكُلَّمَا أهوى عروةُ بيدِه إلى لحيةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ضرَبَ يدَه بنعلِ السيفِ ، وقال له: أَخِّرْ يدَك عن لحيةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ، فرَفَعَ عروةُ رأسَه ، فقال : مَن هذا ؟ قالوا : المغيرةُ بنُ شعبةَ. فقال : أَيْ غُدَرُ ، أَلَسْتُ أَسعى في غَدْرَتِك. وكان المغيرةُ صَحِبَ قومًا في الجاهليةِ فقَتَلَهم ، وأخَذَ أموالَهم ، ثم جاء فأَسْلَمَ ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: أَمَّا الإسلامُ فأَقْبَلُ ، وأَمَّا المالُ فلَسْتُ منه في شيءٍ . ثم إن عروةَ جعَلَ يَرْمُقُ أصحابَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم بعينِه ، قال : فواللهِ، ما تَنَخَّمَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم نُخَامَةَ إلا وقَعَتْ في كفِّ رجلٍ منهم ، فدَلَّكَ بها وجهَه وجلدَه ، وإذا أمَرَهم ابتدروا أمرَه ، وإذا توضأَ كادوا يَقْتَتِلون على وضوئِه ، وإذا تكَلَّمَ خَفَضُوا أصواتَهم عندَه ، وما يُحِدُّون إليه النظرَ؛ تعظيمًا له ، فرجَعَ عروةُ إلى أصحابِه فقال: أَيْ قومُ ، واللهِ، لقد وفَدْتُ على الملوكِ ، ووَفَدْتُ على قَيْصَرَ، وكسرى، والنَجَاشِيِّ ، واللهِ، إن رَأَيْتُ مِلْكًا قطُّ يُعِظِّمُه أصحابُه ما يُعِظِّمُ أصحابُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم محمدًا ، واللهِ، إن تَنَخَّمَ نُخامةً إلا وقَعَتْ في كفِّ رجلٍ منهم فدَلَّك بها وجهَه وجلدَه ، وإذا أَمَرَهم ابتدروا أمرَه ، وإذا توضأَ كادوا يَقْتَتِلون على وضوئِه ، وإذا تكَلَّم خَفَّضُوا أصواتَهم عندَه ، وما يُحِدُّون إليه النظرَ؛ تعظيمًا له، وإنه قد عَرَضَ عليكم خطةَ رُشْدٍ فأَقْبَلُوها . فقال رجلٌ مِن بني كِنانةَ : دَعُوني آتِيه . فقالوا : ائتِه . فلما أَشْرَفَ على النبيِّ صلى الله عليه وسلم وأصحابِه ، قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: هذا فلانٌ ، وهو مِن قوم يُعَظِّمون البُدْنَ ، فابعثُوها له. فبُعِثَتْ له ، واستَقْبَلَه الناسُ يُلَبُّون ، فلما رأى ذلك قال : سبحانَ اللهِ ، ما ينبغي لهؤلاء أن يُصَدُّوا عن البيتِ ، فلما رجَعَ إلى أصحابِه قال : رأَيْتُ قد قُلِّدَتْ وأُشِعْرَتْ ، فما أرى أن يُصَدُّوا عن البيتِ . فقام رجلٌ منهم ، يَقالُ له: مِكْرَزُ بْنُ حفصٍ ، فقال : دعوني آتيه . فقالوا : ائْتِه. فلما أَشْرَفَ عليهم ، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم : هذا مِكْرَزٌ ، وهو رجلٌ فاجرٌ. فجَعَلَ يُكَلِّمُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فبينما هو يُكَلِّمُه؛ إذ جاء سُهَيْلُ بنُ عمرٍو . قال مَعْمَرٌ : فأَخْبَرَني أيوبُ ، عن عَكْرِمَةَ : أنه لما جاءَ سُهَيْلُ بنُ عمرٍو: قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: لقد سَهُلَ لكم مِن أمرِكم. قال مَعْمَرٌ : قال الزهريُّ في حديثِه : فجاءَ سهيلُ بنُ عمرٍو فقال: هاتِ اكتُبْ بينَنَا وبينَكم كتابًا، فدعا النبيُّ صلى الله عليه وسلم الكاتبَ ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ . قال سهيلٌ : أَمَّا الرحمنُ فواللهِ ما أدري ما هو ، ولكن اكتُبْ باسمِك اللهمَّ، كما كنتَ تَكْتُبْ . فقال المسلمون : واللهِ لا نَكْتُبْها إلا بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ . فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: اكتُبْ باسمِك اللهمَّ . ثم قال: هذا ما قاضى عليه محمدٌ رسولُ اللهِ . فقال سهيلٌ : واللهِ، لو كنَّا نَعْلَمُ أنك رسولُ اللهِ ما صَدَدْنَاك عن البيتِ، ولا قاتلْنَاك ، ولكِنْ اكتُبْ : محمدُ بنُ عبدِ اللهِ ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: واللهِ، إني لرسولُ اللهِ وإن كَذَّبْتُموني ، اكتُبْ : محمدُ بنُ عبدِ الله . قال الزُّهْرِيُّ : وذلك لقولِه: لا يَسْأَلُونَنِي خطةً يُعِظِّمون بها حرماتِ اللهِ إلا أَعْطَيْتُهم إيَّاها. فقال له النبيُّ صلى الله عليه وسلم : على أن تُخَلُّوا بينَنا وبينَ البيت فنَطُوفُ به. فقال سهيلٌ : واللهِ، لا تَتَحَدَّثُ العربُ أَنَّا أُخِذْنَا ضُغْطَةً؛ ولكن ذلك مِن العامِ المُقْبِلِ . فكتَبَ ، فقال سهيلٌ : وعلى أنه لا يَأْتِيك منا رجلٌ ، وإن كان على دينِك إلا ردَدْتَه إلينا . قال المسلمون : سبحانَ اللهِ ! كيف يُرَدُّ إلى المشركين وقد جاء مسلمًا! فبينما هم كذلك؛ إذ دخَلَ أبو جَنْدَلٍ بنُ سُهَيْلِ بنِ عمرٍو يَرْسُفُ في قيودِه ، وقد خرَجَ ِمِن أسفلِ مكةَ حتى رَمى بنفسِه بينَ أظهرِ المسلمين ، فقال سهيلٌ : هذا يا محمدُ، أولُ ما أُقاضِيكَ عليه أن تَرُدَّه إليَّ . فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: إنا لم نَقْضِ الكتابَ بعدُ. قال: فواللهِ، إذًا لم أُصَالِحْكَ على شيءٍ أبدًا ، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: فأَجِزْه لي . قال : ما أنا بمجيزِه لكَ . قال: بلى فافْعَلْ . قال : ما أنا بفاعلٍ . قال مِكْرَزٌ : بل قد أَجَزْنَاه لك . قال أبو جندلٍ : أَيْ معشرَ المسلمين ، أُرَدُّ إلى المشركين وقد جِئْتُ مسلمًا ، ألا ترون ما قد لَقِيتُ ؟ وكان قد عُذِّبَ عذابًا شديدًا في اللهِ . قال : فقال عمرُ بنُ الخطابِ : فأَتَيْتُ نبيَّ اللهِ صلى الله عليه وسلم فقُلْتُ : ألستَ نبيَّ اللهِ حقًّا ؟ قال: بلى . قلتُ : أَلَسْنَا على الحقِّ، وعدوُّنَا على الباطلِ ؟ قال: بلى. قلتُ : فلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ في دينِنَا إذًا ؟ قال: إني رسولُ اللهِ ، ولَسْتُ أَعْصِيه ، وهو ناصرِي . قلتُ: أَوَلَيْسَ كنتَ تُحَدِّثُنَا أَنَّا سنأتي البيتَ فنَطُوفُ به ؟ قال : بلى، فأَخْبَرْتُك أَنَّا نَأْتِيه العامَ؟ قال : قلتُ: لا. قال: فإنك آتيه ومُطَوِّفٌ به . قال : فأَتَيْتُ أبا بكرٍ فقُلْتُ : يا أبا بكرٍ ، أليس هذا نبيَّ اللهِ حقًّا ؟ قال: بلى . قلتُ : أَلَسْنَا على الحقِّ، وعدُّونا على الباطلِ ؟ قال : بلى . قلتُ : فلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ في ديننِا إذًا ؟ قال : أيُّها الرجلُ، إنه لرسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، وليس يَعْصِي ربَّه ، وهو ناصرُه ، فاستَمْسِكْ بغرزِه ، فواللهِ إنه على الحقِّ. قلتُ : أليسَ كان يُحَدِّثُنَا أَنَّا سنَأْتِي البيتَ ونَطُوفُ به ؟ قال : بلى ، أَفَأَخْبَرَكَ أَنَّك تَأْتِيه العامَ؟ قلتُ: لا . قال : فإنك آتِيه ومُطَوِّفٌ به . قال الزُّهْرِيُّ : قال عمرُ: فعَمِلْتُ لذلكَ أعمالًا . قال : فلما فَرَغَ مِن قضيةِ الكتابِ ، قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لأصحابِه: قوموا فانحَرُوا ثم احْلِقُوا . قال : فواللهِ، ما قام منهم رجلٌ حتى قال ذلك ثلاثَ مراتٍ ، فلما لم يَقُمْ منهم أحدٌ دخَلَ على أمِّ سَلَمَةَ ، فذَكَرَ لها ما لَقِيَ مِن الناسِ ، فقالت أمُّ سَلَمَةَ : يانبيَّ اللهِ ، أَتَحُبُّ ذلك ، اخرُجْ لا تُكَلِّمْ أحدًا منهم كلمةً ، حتى تَنْحَرَ بُدْنَك ، وتَدْعُوَ حالقَك فيَحْلِقَكَ . فخَرَجَ فلم يُكَلِّمْ أحدًا منهم حتى فعَلَ ذلك ، نحَرَ بُدْنَه ، ودعا حالقَه فحَلَقَه ، فلما رأَوْا ذلك قاموا فنَحَرُوا وجعَلَ بعضُهم يَحْلِقُ بعضًا ، حتى كاد بعضُهم يُقْتَلُ غمًّا ، ثم جاءَه نسوةٌ مُؤْمناتٌ ، فأَنْزَلَ اللهُ تعالى : يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن - حتى بلغ - بعصم الكوافر . فطَلَّقَ عمرُ يومئذٍ امرأتين، كانَتَا له في الشركِ ، فتَزَوَّجَ إحداهما معاويةُ بنُ أبي سفيانَ ، والأخرى صفوانُ بنُ أُمَيَّةَ ، ثم رجَعَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى المدينةِ، فجَاءَه أبو بَصِيرٍ ، رجلٌ مِن قريشٍ وهو مسلمٌ، فأَرْسَلُوا في طلبِه رجلين ، فقالوا : العهدَ الذي جَعَلْتَ لنا . فدَفَعَه إلى الرَّجُلَيْن ، فخَرَجا به حتى إذا بلَغَا ذا الحُلَيْفَةِ ، فنزلوا يَأْكُلون مِن تمرٍ لهم ، فقال أبو بَصِيرٍ لأحدِ الرجلين : والله إني لأَرى سيفَك هذا يا فلانُ جيدًا ، فاستلَّه الآخرُ ، فقال : أجلِ ، والله إنه لجيدٌ ، لقد جَرَّبْتُ به ، ثم جَرَّبْتُ. فقال أبو بِصِيرٍ : أًرِنِي أنظُرْ إليه؟ فأَمْكَنَه منه ، فضَرَبَه حتى بَرَدَ ، وفرَّ الآخرُ حتى أتى المدينةَ ، فدَخَلَ المسجدَ يَعْدُو! فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حين رآه : لقد رأى هذا ذُعْرًا . فلما انتهى إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: قُتِلَ واللهِ صاحبي، وإني لمقتولٌ. فجاء أبو بَصِيرٍ، فقال : يا نبيَّ اللهِ ، قد واللهِ أَوْفَى اللهُ ذمتَك ، قد رَدَدْتَني إليهم ، ثم نَجَّانِي اللهُ منهم . قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: وَيْلَ أمِّه ، مِسْعَرُ حربٍ ، لو كان له أحدٌ . فلما سَمِعَ ذلك عَرَفَ أنه سَيَرُدُّه إليهم ، فخَرَجَ حتى أتى سِيفَ البحرِ ، قال : ويَنْفَلِتُ منهم أبو جندلِ بنِ سهيلٍ ، فلَحِقَ بأبي بَصِيرٍ ، فجَعَلَ لا يَخْرُجُ مِن قريشٍ رجلٌ قد أسَلَمَ إلا لِحِقَ بأبي بَصِيرٍ ، حتى اجتمَعَتْ منهم عِصابةٌ، فواللهِ، ما يَسْمَعُونَ بعِيرٍ خَرَجَتْ لقريشٍ إلى الشَّأْمِ إلا اعترضوا لها ، فقَتَلُوهم وأَخَذُوا أموالَهم ، فأَرْسَلَتْ قريشٌ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم تُنَاشِدُه باللهِ والرَّحِمِ لمَّا أَرْسَلَ : فمَن آتاه فهو آمنٌ ، فأَرْسَلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم إليهم ، فأَنْزَلَ الله تعالى : وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم - حتى بلغ - الحمية حمية الجاهلية . وكانت حمِيَّتُهم أنهم لم يُقِرُّوا أنه نبيُّ اللهِ ، ولم يَقُرِّوا ببسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ ، وحالوا بينَهم وبينَ البيتِ .
خرجَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم زمنَ الحُدَيْبِيَّةِ ، حتى كانوا ببعضِ الطريقِ ، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم : إن خالدَ بنَ الوليدِ بالغَمِيمِ ، في خيلٍ لقريشٍ طليعةٍ ، فخذوا ذاتَ اليمينٍ . فواللهِ ما شَعَرَ بهم خالدٌ حتى إذا هم بقَتَرَةِ الجيشِ ، فانطَلَقَ يَرْكُضُ نذيرًا لقريشٍ ، وسار النبيُّ صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالثَّنِيَّةِ التي يَهْبِطُ عليهم منها ، برَكَتْ به راحلتُه ، فقال الناس : حلْ حلْ . فأَلَحَّتْ، فقالوا خَلَأَتِ القَصْواءُ ، خلَأَتِ القصواءُ ! فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: ما خلَأَتِ القصواءُ ، وما ذاك لها بخُلُقٍ ، ولكن حبَسَها حابسُ الفيلِ . ثم قال: والذي نفسي بيدِه ، لا يَسْأَلُونَنِي خطةً يُعَظِّمون فيها حرماتِ اللهِ إلا أَعْطَيْتُهم إيَّاها . ثم زجَرَها فوثَبَتْ ، قال : فعَدَلَ عنهم حتى نزَلَ بأقصى الحديبيةِ على ثَمَدٍ قليلِ الماءِ ، يَتَبَرَّضُه الناسُ تَبَرُّضًا ، فلم يَلْبَثْه الناسُ حتى نَزَحُوه ، وشُكِيَ إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم العطشُ ، فانتَزَعَ سهمًا مِن كِنانتِه ، ثم أمَرَهم أن يَجْعَلُوه فيه ، فواللهِ، مازالَ يَجِيشُ لهم بالرَّيِّ حتى صدروا عنه ، فبينما هم كذلك إذ جاءَ بُدَيْلُ بنُ وَرْقاءَ الخُزَاعِيُّ في نفرٍ مِن قومِه مِن خُزاعةَ ، وكانوا عَيْبَةَ نصحِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِن أهل تِهامةَ ، فقال : إني تَرَكْتُ كعبَ بنَ لُؤَيٍّ، وعامرَ بنَ لُؤَيٍّ نزلوا أعدادَ مياهِ الحديبيةِ ، ومعهم العوذُ المَطافِيلُ ، وهم مُقاتِلوكَ، وصادُّوك عن البيتِ ، فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: إنا لم نَجِئْ لقتالِ أحدٍ ، ولكنَّا جِئْنَا مُعْتَمِرِين ، وإن قريشًا قد نَهِكَتْهم الحربُ ، وأَضَرَّتْ بهم ، فإن شاؤُوا مادَدْتُهم مدةً ، ويُخَلُّوا بيني وبينَ الناسِ ، فإن أظْهَرَ فإن شاؤوا أن يَدْخُلوا فيما دخَلَ فيه الناسُ فعلوا ؛ وإلا فقد جَمُّوا ، وإن هم أبَوْا ، فوالذي نفسي بيدِه لأُقاتِلَنَّهم على أمري هذا حتى تَنْفَرِدَ سالفتي ، وليَنْقَذَنَّ اللهُ أمرَه . فقال بُدْيلُ : سأُبْلِغُهم ما تقولُ . قال : فانطَلَقَ حتى أتى قريشًا ، قال : إنا قد جِئْنَاكم مِن هذا الرجلِ ، وسَمِعْنَاه يقولُ قولًا ، فإن شِئْتُم أن نَعْرِضَه عليكم فعَلْنَا ، فقال سفهاؤُهم : لا حاجةَ لنا أن تُخْبِرَنا عنه بشيءٍ ، وقال ذَوُو الرأيِ منهم : هاتِ ما سَمِعْتَه يقولُ . قال : سَمِعْتُه يقولُ كذا وكذا ، فحَدَّثَهم بما قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم ، فقام عروةُ بنُ مسعودٍ فقال : أَيْ قومُ ، أَلَسْتُم بالوالدِ ؟ قالوا : بلى. قال : أو لسْتُ بالولدِ ؟ قالوا : بلى. قال : فهل تَتَّهِمُونني ؟ قالوا : لا. قال : ألستم تَعْلَمُون أني استَنْفَرْتُ أهلَ عُكاظٍ ، فلما بَلَّحوا عليَّ جِئْتُكم بأهلي، وولدِي، ومَن أطاعَنِي ؟ قالوا : بلى. قال : فإن هذا قد عَرَضَ لكم خطةَ رُشْدٍ ، اقبلوها ودَعُوني آتِيه ، قالوا : ائْتِه . فأَتَاه ، فجَعل يُكَلِّمُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: نحوًا مِن قولِه لبُدَيْلٍ ، فقال عروةُ عندَ ذلك : أَيْ محمدُ ، أَرَأَيْتَ إن استَأْصَلْتَ أمرَ قومِك ، هل سَمِعْتَ بأحدٍ مِن العربِ اجتاحَ أهلَه قبلَكَ ؟! وإن تَكُنْ الأخرى، فإني واللهِ، لَأَرَىَ وجوهًا ، وإني لَأَرى أشوابًا مِن الناسِ خليقًا أن يَفِرُّوا ويَدَعُوكَ ، فقال له أبو بكرٍ : امْصُصْ ببظرِ اللاتِ! أنَحْنُ نَفِرُّ عنه ونَدَعُه ؟ فقال : مَن ذا ؟ قالوا : أبو بكرٍ . قال: أما والذي نفسي بيدِه ، لولا يدٌ كانت لك عندي لم أُجْزِكْ بها لأَجَبْتُكَ . قال : وجعَلَ يُكَلِّمُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فكلما تكَلَّمَ أخَذَ بلحيتِه ، والمغيرةُ بنُ شعبةَ قائمٌ على رأسِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ، ومعه السيفُ، وعليه المِغْفَرُ ، فكُلَّمَا أهوى عروةُ بيدِه إلى لحيةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ضرَبَ يدَه بنعلِ السيفِ ، وقال له: أَخِّرْ يدَك عن لحيةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ، فرَفَعَ عروةُ رأسَه ، فقال : مَن هذا ؟ قالوا : المغيرةُ بنُ شعبةَ . فقال : أَيْ غُدَرُ ، أَلَسْتُ أَسعى في غَدْرَتِك. وكان المغيرةُ صَحِبَ قومًا في الجاهليةِ فقَتَلَهم ، وأخَذَ أموالَهم ، ثم جاء فأَسْلَمَ ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: أَمَّا الإسلامُ فأَقْبَلُ ، وأَمَّا المالُ فلَسْتُ منه في شيءٍ . ثم إن عروةَ جعَلَ يَرْمُقُ أصحابَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم بعينِه ، قال : فواللهِ، ما تَنَخَّمَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم نُخَامَةَ إلا وقَعَتْ في كفِّ رجلٍ منهم ، فدَلَّكَ بها وجهَه وجلدَه ، وإذا أمَرَهم ابتدروا أمرَه ، وإذا توضأَ كادوا يَقْتَتِلون على وضوئِه ، وإذا تكَلَّمَ خَفَضُوا أصواتَهم عندَه ، وما يُحِدُّون إليه النظرَ؛ تعظيمًا له ، فرجَعَ عروةُ إلى أصحابِه فقال: أَيْ قومُ ، واللهِ، لقد وفَدْتُ على الملوكِ ، ووَفَدْتُ على قَيْصَرَ، وكسرى، والنَجَاشِيِّ ، واللهِ، إن رَأَيْتُ مِلْكًا قطُّ يُعِظِّمُه أصحابُه ما يُعِظِّمُ أصحابُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم محمدًا ، واللهِ، إن تَنَخَّمَ نُخامةً إلا وقَعَتْ في كفِّ رجلٍ منهم فدَلَّك بها وجهَه وجلدَه ، وإذا أَمَرَهم ابتدروا أمرَه ، وإذا توضأَ كادوا يَقْتَتِلون على وضوئِه ، وإذا تكَلَّم خَفَّضُوا أصواتَهم عندَه ، وما يُحِدُّون إليه النظرَ؛ تعظيمًا له، وإنه قد عَرَضَ عليكم خطةَ رُشْدٍ فأَقْبَلُوها . فقال رجلٌ مِن بني كِنانةَ : دَعُوني آتِيه . فقالوا : ائتِه . فلما أَشْرَفَ على النبيِّ صلى الله عليه وسلم وأصحابِه ، قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: هذا فلانٌ ، وهو مِن قوم يُعَظِّمون البُدْنَ ، فابعثُوها له. فبُعِثَتْ له ، واستَقْبَلَه الناسُ يُلَبُّون ، فلما رأى ذلك قال : سبحانَ اللهِ ، ما ينبغي لهؤلاء أن يُصَدُّوا عن البيتِ ، فلما رجَعَ إلى أصحابِه قال : رأَيْتُ قد قُلِّدَتْ وأُشِعْرَتْ ، فما أرى أن يُصَدُّوا عن البيتِ . فقام رجلٌ منهم ، يَقالُ له: مِكْرَزُ بْنُ حفصٍ ، فقال : دعوني آتيه . فقالوا : ائْتِه. فلما أَشْرَفَ عليهم ، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم : هذا مِكْرَزٌ ، وهو رجلٌ فاجرٌ. فجَعَلَ يُكَلِّمُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فبينما هو يُكَلِّمُه؛ إذ جاء سُهَيْلُ بنُ عمرٍو . قال مَعْمَرٌ : فأَخْبَرَني أيوبُ ، عن عَكْرِمَةَ : أنه لما جاءَ سُهَيْلُ بنُ عمرٍو: قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: لقد سَهُلَ لكم مِن أمرِكم. قال مَعْمَرٌ : قال الزهريُّ في حديثِه : فجاءَ سهيلُ بنُ عمرٍو فقال: هاتِ اكتُبْ بينَنَا وبينَكم كتابًا، فدعا النبيُّ صلى الله عليه وسلم الكاتبَ ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ . قال سهيلٌ : أَمَّا الرحمنُ فواللهِ ما أدري ما هو ، ولكن اكتُبْ باسمِك اللهمَّ، كما كنتَ تَكْتُبْ . فقال المسلمون : واللهِ لا نَكْتُبْها إلا بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ . فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: اكتُبْ باسمِك اللهمَّ . ثم قال: هذا ما قاضى عليه محمدٌ رسولُ اللهِ . فقال سهيلٌ : واللهِ، لو كنَّا نَعْلَمُ أنك رسولُ اللهِ ما صَدَدْنَاك عن البيتِ، ولا قاتلْنَاك ، ولكِنْ اكتُبْ : محمدُ بنُ عبدِ اللهِ ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: واللهِ، إني لرسولُ اللهِ وإن كَذَّبْتُموني ، اكتُبْ : محمدُ بنُ عبدِ الله . قال الزُّهْرِيُّ : وذلك لقولِه: لا يَسْأَلُونَنِي خطةً يُعِظِّمون بها حرماتِ اللهِ إلا أَعْطَيْتُهم إيَّاها. فقال له النبيُّ صلى الله عليه وسلم : على أن تُخَلُّوا بينَنا وبينَ البيت فنَطُوفُ به. فقال سهيلٌ : واللهِ، لا تَتَحَدَّثُ العربُ أَنَّا أُخِذْنَا ضُغْطَةً؛ ولكن ذلك مِن العامِ المُقْبِلِ . فكتَبَ ، فقال سهيلٌ : وعلى أنه لا يَأْتِيك منا رجلٌ ، وإن كان على دينِك إلا ردَدْتَه إلينا . قال المسلمون : سبحانَ اللهِ ! كيف يُرَدُّ إلى المشركين وقد جاء مسلمًا! فبينما هم كذلك؛ إذ دخَلَ أبو جَنْدَلٍ بنُ سُهَيْلِ بنِ عمرٍو يَرْسُفُ في قيودِه ، وقد خرَجَ ِمِن أسفلِ مكةَ حتى رَمى بنفسِه بينَ أظهرِ المسلمين ، فقال سهيلٌ : هذا يا محمدُ، أولُ ما أُقاضِيكَ عليه أن تَرُدَّه إليَّ . فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: إنا لم نَقْضِ الكتابَ بعدُ. قال: فواللهِ، إذًا لم أُصَالِحْكَ على شيءٍ أبدًا ، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: فأَجِزْه لي . قال : ما أنا بمجيزِه لكَ . قال: بلى فافْعَلْ . قال : ما أنا بفاعلٍ . قال مِكْرَزٌ : بل قد أَجَزْنَاه لك . قال أبو جندلٍ : أَيْ معشرَ المسلمين ، أُرَدُّ إلى المشركين وقد جِئْتُ مسلمًا ، ألا ترون ما قد لَقِيتُ ؟ وكان قد عُذِّبَ عذابًا شديدًا في اللهِ . قال : فقال عمرُ بنُ الخطابِ : فأَتَيْتُ نبيَّ اللهِ صلى الله عليه وسلم فقُلْتُ : ألستَ نبيَّ اللهِ حقًّا ؟ قال: بلى . قلتُ : أَلَسْنَا على الحقِّ، وعدوُّنَا على الباطلِ ؟ قال: بلى. قلتُ : فلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ في دينِنَا إذًا ؟ قال: إني رسولُ اللهِ ، ولَسْتُ أَعْصِيه ، وهو ناصرِي . قلتُ: أَوَلَيْسَ كنتَ تُحَدِّثُنَا أَنَّا سنأتي البيتَ فنَطُوفُ به ؟ قال : بلى، فأَخْبَرْتُك أَنَّا نَأْتِيه العامَ؟ قال : قلتُ: لا. قال: فإنك آتيه ومُطَوِّفٌ به . قال : فأَتَيْتُ أبا بكرٍ فقُلْتُ : يا أبا بكرٍ ، أليس هذا نبيَّ اللهِ حقًّا ؟ قال: بلى . قلتُ : أَلَسْنَا على الحقِّ، وعدُّونا على الباطلِ ؟ قال : بلى . قلتُ : فلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ في ديننِا إذًا ؟ قال : أيُّها الرجلُ، إنه لرسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، وليس يَعْصِي ربَّه ، وهو ناصرُه ، فاستَمْسِكْ بغرزِه ، فواللهِ إنه على الحقِّ. قلتُ : أليسَ كان يُحَدِّثُنَا أَنَّا سنَأْتِي البيتَ ونَطُوفُ به ؟ قال : بلى ، أَفَأَخْبَرَكَ أَنَّك تَأْتِيه العامَ؟ قلتُ: لا . قال : فإنك آتِيه ومُطَوِّفٌ به . قال الزُّهْرِيُّ : قال عمرُ: فعَمِلْتُ لذلكَ أعمالًا . قال : فلما فَرَغَ مِن قضيةِ الكتابِ ، قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لأصحابِه: قوموا فانحَرُوا ثم احْلِقُوا . قال : فواللهِ، ما قام منهم رجلٌ حتى قال ذلك ثلاثَ مراتٍ ، فلما لم يَقُمْ منهم أحدٌ دخَلَ على أمِّ سَلَمَةَ ، فذَكَرَ لها ما لَقِيَ مِن الناسِ ، فقالت أمُّ سَلَمَةَ : يانبيَّ اللهِ ، أَتَحُبُّ ذلك ، اخرُجْ لا تُكَلِّمْ أحدًا منهم كلمةً ، حتى تَنْحَرَ بُدْنَك ، وتَدْعُوَ حالقَك فيَحْلِقَكَ . فخَرَجَ فلم يُكَلِّمْ أحدًا منهم حتى فعَلَ ذلك ، نحَرَ بُدْنَه ، ودعا حالقَه فحَلَقَه ، فلما رأَوْا ذلك قاموا فنَحَرُوا وجعَلَ بعضُهم يَحْلِقُ بعضًا ، حتى كاد بعضُهم يُقْتَلُ غمًّا ، ثم جاءَه نسوةٌ مُؤْمناتٌ ، فأَنْزَلَ اللهُ تعالى : يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن - حتى بلغ - بعصم الكوافر . فطَلَّقَ عمرُ يومئذٍ امرأتين، كانَتَا له في الشركِ ، فتَزَوَّجَ إحداهما معاويةُ بنُ أبي سفيانَ ، والأخرى صفوانُ بنُ أُمَيَّةَ ، ثم رجَعَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى المدينةِ، فجَاءَه أبو بَصِيرٍ ، رجلٌ مِن قريشٍ وهو مسلمٌ، فأَرْسَلُوا في طلبِه رجلين ، فقالوا : العهدَ الذي جَعَلْتَ لنا . فدَفَعَه إلى الرَّجُلَيْن ، فخَرَجا به حتى إذا بلَغَا ذا الحُلَيْفَةِ ، فنزلوا يَأْكُلون مِن تمرٍ لهم ، فقال أبو بَصِيرٍ لأحدِ الرجلين : والله إني لأَرى سيفَك هذا يا فلانُ جيدًا ، فاستلَّه الآخرُ ، فقال : أجلِ ، والله إنه لجيدٌ ، لقد جَرَّبْتُ به ، ثم جَرَّبْتُ. فقال أبو بِصِيرٍ : أًرِنِي أنظُرْ إليه؟ فأَمْكَنَه منه ، فضَرَبَه حتى بَرَدَ ، وفرَّ الآخرُ حتى أتى المدينةَ ، فدَخَلَ المسجدَ يَعْدُو! فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حين رآه : لقد رأى هذا ذُعْرًا . فلما انتهى إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: قُتِلَ واللهِ صاحبي، وإني لمقتولٌ. فجاء أبو بَصِيرٍ، فقال : يا نبيَّ اللهِ ، قد واللهِ أَوْفَى اللهُ ذمتَك ، قد رَدَدْتَني إليهم ، ثم نَجَّانِي اللهُ منهم . قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: وَيْلَ أمِّه ، مِسْعَرُ حربٍ ، لو كان له أحدٌ . فلما سَمِعَ ذلك عَرَفَ أنه سَيَرُدُّه إليهم ، فخَرَجَ حتى أتى سِيفَ البحرِ ، قال : ويَنْفَلِتُ منهم أبو جندلِ بنِ سهيلٍ ، فلَحِقَ بأبي بَصِيرٍ ، فجَعَلَ لا يَخْرُجُ مِن قريشٍ رجلٌ قد أسَلَمَ إلا لِحِقَ بأبي بَصِيرٍ ، حتى اجتمَعَتْ منهم عِصابةٌ، فواللهِ، ما يَسْمَعُونَ بعِيرٍ خَرَجَتْ لقريشٍ إلى الشَّأْمِ إلا اعترضوا لها ، فقَتَلُوهم وأَخَذُوا أموالَهم ، فأَرْسَلَتْ قريشٌ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم تُنَاشِدُه باللهِ والرَّحِمِ لمَّا أَرْسَلَ : فمَن آتاه فهو آمنٌ ، فأَرْسَلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم إليهم ، فأَنْزَلَ الله تعالى : وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم - حتى بلغ - الحمية حمية الجاهلية . وكانت حمِيَّتُهم أنهم لم يُقِرُّوا أنه نبيُّ اللهِ ، ولم يَقُرِّوا ببسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ ، وحالوا بينَهم وبينَ البيتِ .
خرجَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم زمنَ الحُدَيْبِيَّةِ ، حتى كانوا ببعضِ الطريقِ ، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم : إن خالدَ بنَ الوليدِ بالغَمِيمِ ، في خيلٍ لقريشٍ طليعةٍ ، فخذوا ذاتَ اليمينٍ . فواللهِ ما شَعَرَ بهم خالدٌ حتى إذا هم بقَتَرَةِ الجيشِ ، فانطَلَقَ يَرْكُضُ نذيرًا لقريشٍ ، وسار النبيُّ صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالثَّنِيَّةِ التي يَهْبِطُ عليهم منها ، برَكَتْ به راحلتُه ، فقال الناس : حلْ حلْ . فأَلَحَّتْ، فقالوا خَلَأَتِ القَصْواءُ ، خلَأَتِ القصواءُ ! فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: ما خلَأَتِ القصواءُ ، وما ذاك لها بخُلُقٍ ، ولكن حبَسَها حابسُ الفيلِ . ثم قال: والذي نفسي بيدِه ، لا يَسْأَلُونَنِي خطةً يُعَظِّمون فيها حرماتِ اللهِ إلا أَعْطَيْتُهم إيَّاها . ثم زجَرَها فوثَبَتْ ، قال : فعَدَلَ عنهم حتى نزَلَ بأقصى الحديبيةِ على ثَمَدٍ قليلِ الماءِ ، يَتَبَرَّضُه الناسُ تَبَرُّضًا ، فلم يَلْبَثْه الناسُ حتى نَزَحُوه ، وشُكِيَ إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم العطشُ ، فانتَزَعَ سهمًا مِن كِنانتِه ، ثم أمَرَهم أن يَجْعَلُوه فيه ، فواللهِ، مازالَ يَجِيشُ لهم بالرَّيِّ حتى صدروا عنه ، فبينما هم كذلك إذ جاءَ بُدَيْلُ بنُ وَرْقاءَ الخُزَاعِيُّ في نفرٍ مِن قومِه مِن خُزاعةَ ، وكانوا عَيْبَةَ نصحِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِن أهل تِهامةَ ، فقال : إني تَرَكْتُ كعبَ بنَ لُؤَيٍّ، وعامرَ بنَ لُؤَيٍّ نزلوا أعدادَ مياهِ الحديبيةِ ، ومعهم العوذُ المَطافِيلُ ، وهم مُقاتِلوكَ، وصادُّوك عن البيتِ ، فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: إنا لم نَجِئْ لقتالِ أحدٍ ، ولكنَّا جِئْنَا مُعْتَمِرِين ، وإن قريشًا قد نَهِكَتْهم الحربُ ، وأَضَرَّتْ بهم ، فإن شاؤُوا مادَدْتُهم مدةً ، ويُخَلُّوا بيني وبينَ الناسِ ، فإن أظْهَرَ فإن شاؤوا أن يَدْخُلوا فيما دخَلَ فيه الناسُ فعلوا ؛ وإلا فقد جَمُّوا ، وإن هم أبَوْا ، فوالذي نفسي بيدِه لأُقاتِلَنَّهم على أمري هذا حتى تَنْفَرِدَ سالفتي ، وليَنْقَذَنَّ اللهُ أمرَه . فقال بُدْيلُ : سأُبْلِغُهم ما تقولُ . قال : فانطَلَقَ حتى أتى قريشًا ، قال : إنا قد جِئْنَاكم مِن هذا الرجلِ ، وسَمِعْنَاه يقولُ قولًا ، فإن شِئْتُم أن نَعْرِضَه عليكم فعَلْنَا ، فقال سفهاؤُهم : لا حاجةَ لنا أن تُخْبِرَنا عنه بشيءٍ ، وقال ذَوُو الرأيِ منهم : هاتِ ما سَمِعْتَه يقولُ . قال : سَمِعْتُه يقولُ كذا وكذا ، فحَدَّثَهم بما قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم ، فقام عروةُ بنُ مسعودٍ فقال : أَيْ قومُ ، أَلَسْتُم بالوالدِ ؟ قالوا : بلى. قال : أو لسْتُ بالولدِ ؟ قالوا : بلى. قال : فهل تَتَّهِمُونني ؟ قالوا : لا. قال : ألستم تَعْلَمُون أني استَنْفَرْتُ أهلَ عُكاظٍ ، فلما بَلَّحوا عليَّ جِئْتُكم بأهلي، وولدِي، ومَن أطاعَنِي ؟ قالوا : بلى. قال : فإن هذا قد عَرَضَ لكم خطةَ رُشْدٍ ، اقبلوها ودَعُوني آتِيه ، قالوا : ائْتِه . فأَتَاه ، فجَعل يُكَلِّمُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: نحوًا مِن قولِه لبُدَيْلٍ ، فقال عروةُ عندَ ذلك : أَيْ محمدُ ، أَرَأَيْتَ إن استَأْصَلْتَ أمرَ قومِك ، هل سَمِعْتَ بأحدٍ مِن العربِ اجتاحَ أهلَه قبلَكَ ؟! وإن تَكُنْ الأخرى، فإني واللهِ، لَأَرَىَ وجوهًا ، وإني لَأَرى أشوابًا مِن الناسِ خليقًا أن يَفِرُّوا ويَدَعُوكَ ، فقال له أبو بكرٍ : امْصُصْ ببظرِ اللاتِ! أنَحْنُ نَفِرُّ عنه ونَدَعُه ؟ فقال : مَن ذا ؟ قالوا : أبو بكرٍ . قال: أما والذي نفسي بيدِه ، لولا يدٌ كانت لك عندي لم أُجْزِكْ بها لأَجَبْتُكَ . قال : وجعَلَ يُكَلِّمُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فكلما تكَلَّمَ أخَذَ بلحيتِه ، والمغيرةُ بنُ شعبةَ قائمٌ على رأسِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ، ومعه السيفُ، وعليه المِغْفَرُ ، فكُلَّمَا أهوى عروةُ بيدِه إلى لحيةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ضرَبَ يدَه بنعلِ السيفِ ، وقال له: أَخِّرْ يدَك عن لحيةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ، فرَفَعَ عروةُ رأسَه ، فقال : مَن هذا ؟ قالوا : المغيرةُ بنُ شعبةَ. فقال : أَيْ غُدَرُ ، أَلَسْتُ أَسعى في غَدْرَتِك. وكان المغيرةُ صَحِبَ قومًا في الجاهليةِ فقَتَلَهم ، وأخَذَ أموالَهم ، ثم جاء فأَسْلَمَ ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: أَمَّا الإسلامُ فأَقْبَلُ ، وأَمَّا المالُ فلَسْتُ منه في شيءٍ . ثم إن عروةَ جعَلَ يَرْمُقُ أصحابَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم بعينِه ، قال : فواللهِ، ما تَنَخَّمَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم نُخَامَةَ إلا وقَعَتْ في كفِّ رجلٍ منهم ، فدَلَّكَ بها وجهَه وجلدَه ، وإذا أمَرَهم ابتدروا أمرَه ، وإذا توضأَ كادوا يَقْتَتِلون على وضوئِه ، وإذا تكَلَّمَ خَفَضُوا أصواتَهم عندَه ، وما يُحِدُّون إليه النظرَ؛ تعظيمًا له ، فرجَعَ عروةُ إلى أصحابِه فقال: أَيْ قومُ ، واللهِ، لقد وفَدْتُ على الملوكِ ، ووَفَدْتُ على قَيْصَرَ، وكسرى، والنَجَاشِيِّ ، واللهِ، إن رَأَيْتُ مِلْكًا قطُّ يُعِظِّمُه أصحابُه ما يُعِظِّمُ أصحابُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم محمدًا ، واللهِ، إن تَنَخَّمَ نُخامةً إلا وقَعَتْ في كفِّ رجلٍ منهم فدَلَّك بها وجهَه وجلدَه ، وإذا أَمَرَهم ابتدروا أمرَه ، وإذا توضأَ كادوا يَقْتَتِلون على وضوئِه ، وإذا تكَلَّم خَفَّضُوا أصواتَهم عندَه ، وما يُحِدُّون إليه النظرَ؛ تعظيمًا له، وإنه قد عَرَضَ عليكم خطةَ رُشْدٍ فأَقْبَلُوها . فقال رجلٌ مِن بني كِنانةَ : دَعُوني آتِيه . فقالوا : ائتِه . فلما أَشْرَفَ على النبيِّ صلى الله عليه وسلم وأصحابِه ، قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: هذا فلانٌ ، وهو مِن قوم يُعَظِّمون البُدْنَ ، فابعثُوها له. فبُعِثَتْ له ، واستَقْبَلَه الناسُ يُلَبُّون ، فلما رأى ذلك قال : سبحانَ اللهِ ، ما ينبغي لهؤلاء أن يُصَدُّوا عن البيتِ ، فلما رجَعَ إلى أصحابِه قال : رأَيْتُ قد قُلِّدَتْ وأُشِعْرَتْ ، فما أرى أن يُصَدُّوا عن البيتِ . فقام رجلٌ منهم ، يَقالُ له: مِكْرَزُ بْنُ حفصٍ ، فقال : دعوني آتيه . فقالوا : ائْتِه. فلما أَشْرَفَ عليهم ، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم : هذا مِكْرَزٌ ، وهو رجلٌ فاجرٌ. فجَعَلَ يُكَلِّمُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فبينما هو يُكَلِّمُه؛ إذ جاء سُهَيْلُ بنُ عمرٍو . قال مَعْمَرٌ : فأَخْبَرَني أيوبُ ، عن عَكْرِمَةَ : أنه لما جاءَ سُهَيْلُ بنُ عمرٍو: قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: لقد سَهُلَ لكم مِن أمرِكم . قال مَعْمَرٌ : قال الزهريُّ في حديثِه : فجاءَ سهيلُ بنُ عمرٍو فقال: هاتِ اكتُبْ بينَنَا وبينَكم كتابًا، فدعا النبيُّ صلى الله عليه وسلم الكاتبَ ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ . قال سهيلٌ : أَمَّا الرحمنُ فواللهِ ما أدري ما هو ، ولكن اكتُبْ باسمِك اللهمَّ، كما كنتَ تَكْتُبْ . فقال المسلمون : واللهِ لا نَكْتُبْها إلا بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ . فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: اكتُبْ باسمِك اللهمَّ . ثم قال: هذا ما قاضى عليه محمدٌ رسولُ اللهِ . فقال سهيلٌ : واللهِ، لو كنَّا نَعْلَمُ أنك رسولُ اللهِ ما صَدَدْنَاك عن البيتِ، ولا قاتلْنَاك ، ولكِنْ اكتُبْ : محمدُ بنُ عبدِ اللهِ ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: واللهِ، إني لرسولُ اللهِ وإن كَذَّبْتُموني ، اكتُبْ : محمدُ بنُ عبدِ الله . قال الزُّهْرِيُّ : وذلك لقولِه: لا يَسْأَلُونَنِي خطةً يُعِظِّمون بها حرماتِ اللهِ إلا أَعْطَيْتُهم إيَّاها. فقال له النبيُّ صلى الله عليه وسلم : على أن تُخَلُّوا بينَنا وبينَ البيت فنَطُوفُ به. فقال سهيلٌ : واللهِ، لا تَتَحَدَّثُ العربُ أَنَّا أُخِذْنَا ضُغْطَةً؛ ولكن ذلك مِن العامِ المُقْبِلِ . فكتَبَ ، فقال سهيلٌ : وعلى أنه لا يَأْتِيك منا رجلٌ ، وإن كان على دينِك إلا ردَدْتَه إلينا . قال المسلمون : سبحانَ اللهِ ! كيف يُرَدُّ إلى المشركين وقد جاء مسلمًا! فبينما هم كذلك؛ إذ دخَلَ أبو جَنْدَلٍ بنُ سُهَيْلِ بنِ عمرٍو يَرْسُفُ في قيودِه ، وقد خرَجَ ِمِن أسفلِ مكةَ حتى رَمى بنفسِه بينَ أظهرِ المسلمين ، فقال سهيلٌ : هذا يا محمدُ، أولُ ما أُقاضِيكَ عليه أن تَرُدَّه إليَّ . فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: إنا لم نَقْضِ الكتابَ بعدُ. قال: فواللهِ، إذًا لم أُصَالِحْكَ على شيءٍ أبدًا ، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: فأَجِزْه لي . قال : ما أنا بمجيزِه لكَ . قال: بلى فافْعَلْ . قال : ما أنا بفاعلٍ . قال مِكْرَزٌ : بل قد أَجَزْنَاه لك . قال أبو جندلٍ : أَيْ معشرَ المسلمين ، أُرَدُّ إلى المشركين وقد جِئْتُ مسلمًا ، ألا ترون ما قد لَقِيتُ ؟ وكان قد عُذِّبَ عذابًا شديدًا في اللهِ . قال : فقال عمرُ بنُ الخطابِ : فأَتَيْتُ نبيَّ اللهِ صلى الله عليه وسلم فقُلْتُ : ألستَ نبيَّ اللهِ حقًّا ؟ قال: بلى . قلتُ : أَلَسْنَا على الحقِّ، وعدوُّنَا على الباطلِ ؟ قال: بلى. قلتُ : فلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ في دينِنَا إذًا ؟ قال: إني رسولُ اللهِ ، ولَسْتُ أَعْصِيه ، وهو ناصرِي . قلتُ: أَوَلَيْسَ كنتَ تُحَدِّثُنَا أَنَّا سنأتي البيتَ فنَطُوفُ به ؟ قال : بلى، فأَخْبَرْتُك أَنَّا نَأْتِيه العامَ؟ قال : قلتُ: لا. قال: فإنك آتيه ومُطَوِّفٌ به . قال : فأَتَيْتُ أبا بكرٍ فقُلْتُ : يا أبا بكرٍ ، أليس هذا نبيَّ اللهِ حقًّا ؟ قال: بلى . قلتُ : أَلَسْنَا على الحقِّ، وعدُّونا على الباطلِ ؟ قال : بلى . قلتُ : فلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ في ديننِا إذًا ؟ قال : أيُّها الرجلُ، إنه لرسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، وليس يَعْصِي ربَّه ، وهو ناصرُه ، فاستَمْسِكْ بغرزِه ، فواللهِ إنه على الحقِّ. قلتُ : أليسَ كان يُحَدِّثُنَا أَنَّا سنَأْتِي البيتَ ونَطُوفُ به ؟ قال : بلى ، أَفَأَخْبَرَكَ أَنَّك تَأْتِيه العامَ؟ قلتُ: لا . قال : فإنك آتِيه ومُطَوِّفٌ به . قال الزُّهْرِيُّ : قال عمرُ: فعَمِلْتُ لذلكَ أعمالًا . قال : فلما فَرَغَ مِن قضيةِ الكتابِ ، قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لأصحابِه: قوموا فانحَرُوا ثم احْلِقُوا . قال : فواللهِ، ما قام منهم رجلٌ حتى قال ذلك ثلاثَ مراتٍ ، فلما لم يَقُمْ منهم أحدٌ دخَلَ على أمِّ سَلَمَةَ ، فذَكَرَ لها ما لَقِيَ مِن الناسِ ، فقالت أمُّ سَلَمَةَ : يانبيَّ اللهِ ، أَتَحُبُّ ذلك ، اخرُجْ لا تُكَلِّمْ أحدًا منهم كلمةً ، حتى تَنْحَرَ بُدْنَك ، وتَدْعُوَ حالقَك فيَحْلِقَكَ . فخَرَجَ فلم يُكَلِّمْ أحدًا منهم حتى فعَلَ ذلك ، نحَرَ بُدْنَه ، ودعا حالقَه فحَلَقَه ، فلما رأَوْا ذلك قاموا فنَحَرُوا وجعَلَ بعضُهم يَحْلِقُ بعضًا ، حتى كاد بعضُهم يُقْتَلُ غمًّا ، ثم جاءَه نسوةٌ مُؤْمناتٌ ، فأَنْزَلَ اللهُ تعالى : يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن - حتى بلغ - بعصم الكوافر . فطَلَّقَ عمرُ يومئذٍ امرأتين، كانَتَا له في الشركِ ، فتَزَوَّجَ إحداهما معاويةُ بنُ أبي سفيانَ ، والأخرى صفوانُ بنُ أُمَيَّةَ ، ثم رجَعَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى المدينةِ، فجَاءَه أبو بَصِيرٍ ، رجلٌ مِن قريشٍ وهو مسلمٌ، فأَرْسَلُوا في طلبِه رجلين ، فقالوا : العهدَ الذي جَعَلْتَ لنا . فدَفَعَه إلى الرَّجُلَيْن ، فخَرَجا به حتى إذا بلَغَا ذا الحُلَيْفَةِ ، فنزلوا يَأْكُلون مِن تمرٍ لهم ، فقال أبو بَصِيرٍ لأحدِ الرجلين : والله إني لأَرى سيفَك هذا يا فلانُ جيدًا ، فاستلَّه الآخرُ ، فقال : أجلِ ، والله إنه لجيدٌ ، لقد جَرَّبْتُ به ، ثم جَرَّبْتُ. فقال أبو بِصِيرٍ : أًرِنِي أنظُرْ إليه؟ فأَمْكَنَه منه ، فضَرَبَه حتى بَرَدَ ، وفرَّ الآخرُ حتى أتى المدينةَ ، فدَخَلَ المسجدَ يَعْدُو! فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حين رآه : لقد رأى هذا ذُعْرًا . فلما انتهى إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: قُتِلَ واللهِ صاحبي، وإني لمقتولٌ. فجاء أبو بَصِيرٍ، فقال : يا نبيَّ اللهِ ، قد واللهِ أَوْفَى اللهُ ذمتَك ، قد رَدَدْتَني إليهم ، ثم نَجَّانِي اللهُ منهم . قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: وَيْلَ أمِّه ، مِسْعَرُ حربٍ ، لو كان له أحدٌ . فلما سَمِعَ ذلك عَرَفَ أنه سَيَرُدُّه إليهم ، فخَرَجَ حتى أتى سِيفَ البحرِ ، قال : ويَنْفَلِتُ منهم أبو جندلِ بنِ سهيلٍ ، فلَحِقَ بأبي بَصِيرٍ ، فجَعَلَ لا يَخْرُجُ مِن قريشٍ رجلٌ قد أسَلَمَ إلا لِحِقَ بأبي بَصِيرٍ ، حتى اجتمَعَتْ منهم عِصابةٌ، فواللهِ، ما يَسْمَعُونَ بعِيرٍ خَرَجَتْ لقريشٍ إلى الشَّأْمِ إلا اعترضوا لها ، فقَتَلُوهم وأَخَذُوا أموالَهم ، فأَرْسَلَتْ قريشٌ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم تُنَاشِدُه باللهِ والرَّحِمِ لمَّا أَرْسَلَ : فمَن آتاه فهو آمنٌ ، فأَرْسَلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم إليهم ، فأَنْزَلَ الله تعالى : وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم - حتى بلغ - الحمية حمية الجاهلية . وكانت حمِيَّتُهم أنهم لم يُقِرُّوا أنه نبيُّ اللهِ ، ولم يَقُرِّوا ببسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ ، وحالوا بينَهم وبينَ البيتِ .
خرجَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم زمنَ الحُدَيْبِيَّةِ ، حتى كانوا ببعضِ الطريقِ ، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم : إن خالدَ بنَ الوليدِ بالغَمِيمِ ، في خيلٍ لقريشٍ طليعةٍ ، فخذوا ذاتَ اليمينٍ . فواللهِ ما شَعَرَ بهم خالدٌ حتى إذا هم بقَتَرَةِ الجيشِ ، فانطَلَقَ يَرْكُضُ نذيرًا لقريشٍ ، وسار النبيُّ صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالثَّنِيَّةِ التي يَهْبِطُ عليهم منها ، برَكَتْ به راحلتُه ، فقال الناس : حلْ حلْ . فأَلَحَّتْ، فقالوا خَلَأَتِ القَصْواءُ ، خلَأَتِ القصواءُ ! فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: ما خلَأَتِ القصواءُ ، وما ذاك لها بخُلُقٍ ، ولكن حبَسَها حابسُ الفيلِ . ثم قال: والذي نفسي بيدِه ، لا يَسْأَلُونَنِي خطةً يُعَظِّمون فيها حرماتِ اللهِ إلا أَعْطَيْتُهم إيَّاها . ثم زجَرَها فوثَبَتْ ، قال : فعَدَلَ عنهم حتى نزَلَ بأقصى الحديبيةِ على ثَمَدٍ قليلِ الماءِ ، يَتَبَرَّضُه الناسُ تَبَرُّضًا ، فلم يَلْبَثْه الناسُ حتى نَزَحُوه ، وشُكِيَ إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم العطشُ ، فانتَزَعَ سهمًا مِن كِنانتِه ، ثم أمَرَهم أن يَجْعَلُوه فيه ، فواللهِ، مازالَ يَجِيشُ لهم بالرَّيِّ حتى صدروا عنه ، فبينما هم كذلك إذ جاءَ بُدَيْلُ بنُ وَرْقاءَ الخُزَاعِيُّ في نفرٍ مِن قومِه مِن خُزاعةَ ، وكانوا عَيْبَةَ نصحِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِن أهل تِهامةَ ، فقال : إني تَرَكْتُ كعبَ بنَ لُؤَيٍّ، وعامرَ بنَ لُؤَيٍّ نزلوا أعدادَ مياهِ الحديبيةِ ، ومعهم العوذُ المَطافِيلُ ، وهم مُقاتِلوكَ، وصادُّوك عن البيتِ ، فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: إنا لم نَجِئْ لقتالِ أحدٍ ، ولكنَّا جِئْنَا مُعْتَمِرِين ، وإن قريشًا قد نَهِكَتْهم الحربُ ، وأَضَرَّتْ بهم ، فإن شاؤُوا مادَدْتُهم مدةً ، ويُخَلُّوا بيني وبينَ الناسِ ، فإن أظْهَرَ فإن شاؤوا أن يَدْخُلوا فيما دخَلَ فيه الناسُ فعلوا ؛ وإلا فقد جَمُّوا ، وإن هم أبَوْا ، فوالذي نفسي بيدِه لأُقاتِلَنَّهم على أمري هذا حتى تَنْفَرِدَ سالفتي ، وليَنْقَذَنَّ اللهُ أمرَه . فقال بُدْيلُ : سأُبْلِغُهم ما تقولُ . قال : فانطَلَقَ حتى أتى قريشًا ، قال : إنا قد جِئْنَاكم مِن هذا الرجلِ ، وسَمِعْنَاه يقولُ قولًا ، فإن شِئْتُم أن نَعْرِضَه عليكم فعَلْنَا ، فقال سفهاؤُهم : لا حاجةَ لنا أن تُخْبِرَنا عنه بشيءٍ ، وقال ذَوُو الرأيِ منهم : هاتِ ما سَمِعْتَه يقولُ . قال : سَمِعْتُه يقولُ كذا وكذا ، فحَدَّثَهم بما قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم ، فقام عروةُ بنُ مسعودٍ فقال : أَيْ قومُ ، أَلَسْتُم بالوالدِ ؟ قالوا : بلى. قال : أو لسْتُ بالولدِ ؟ قالوا : بلى. قال : فهل تَتَّهِمُونني ؟ قالوا : لا. قال : ألستم تَعْلَمُون أني استَنْفَرْتُ أهلَ عُكاظٍ ، فلما بَلَّحوا عليَّ جِئْتُكم بأهلي، وولدِي، ومَن أطاعَنِي ؟ قالوا : بلى. قال : فإن هذا قد عَرَضَ لكم خطةَ رُشْدٍ ، اقبلوها ودَعُوني آتِيه ، قالوا : ائْتِه . فأَتَاه ، فجَعل يُكَلِّمُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: نحوًا مِن قولِه لبُدَيْلٍ ، فقال عروةُ عندَ ذلك : أَيْ محمدُ ، أَرَأَيْتَ إن استَأْصَلْتَ أمرَ قومِك ، هل سَمِعْتَ بأحدٍ مِن العربِ اجتاحَ أهلَه قبلَكَ ؟! وإن تَكُنْ الأخرى، فإني واللهِ، لَأَرَىَ وجوهًا ، وإني لَأَرى أشوابًا مِن الناسِ خليقًا أن يَفِرُّوا ويَدَعُوكَ ، فقال له أبو بكرٍ : امْصُصْ ببظرِ اللاتِ! أنَحْنُ نَفِرُّ عنه ونَدَعُه ؟ فقال : مَن ذا ؟ قالوا : أبو بكرٍ . قال: أما والذي نفسي بيدِه ، لولا يدٌ كانت لك عندي لم أُجْزِكْ بها لأَجَبْتُكَ . قال : وجعَلَ يُكَلِّمُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فكلما تكَلَّمَ أخَذَ بلحيتِه ، والمغيرةُ بنُ شعبةَ قائمٌ على رأسِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ، ومعه السيفُ ، وعليه المِغْفَرُ ، فكُلَّمَا أهوى عروةُ بيدِه إلى لحيةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ضرَبَ يدَه بنعلِ السيفِ ، وقال له: أَخِّرْ يدَك عن لحيةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ، فرَفَعَ عروةُ رأسَه ، فقال : مَن هذا ؟ قالوا : المغيرةُ بنُ شعبةَ. فقال : أَيْ غُدَرُ ، أَلَسْتُ أَسعى في غَدْرَتِك. وكان المغيرةُ صَحِبَ قومًا في الجاهليةِ فقَتَلَهم ، وأخَذَ أموالَهم ، ثم جاء فأَسْلَمَ ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: أَمَّا الإسلامُ فأَقْبَلُ ، وأَمَّا المالُ فلَسْتُ منه في شيءٍ . ثم إن عروةَ جعَلَ يَرْمُقُ أصحابَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم بعينِه ، قال : فواللهِ، ما تَنَخَّمَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم نُخَامَةَ إلا وقَعَتْ في كفِّ رجلٍ منهم ، فدَلَّكَ بها وجهَه وجلدَه ، وإذا أمَرَهم ابتدروا أمرَه ، وإذا توضأَ كادوا يَقْتَتِلون على وضوئِه ، وإذا تكَلَّمَ خَفَضُوا أصواتَهم عندَه ، وما يُحِدُّون إليه النظرَ؛ تعظيمًا له ، فرجَعَ عروةُ إلى أصحابِه فقال: أَيْ قومُ ، واللهِ، لقد وفَدْتُ على الملوكِ ، ووَفَدْتُ على قَيْصَرَ، وكسرى، والنَجَاشِيِّ ، واللهِ، إن رَأَيْتُ مِلْكًا قطُّ يُعِظِّمُه أصحابُه ما يُعِظِّمُ أصحابُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم محمدًا ، واللهِ، إن تَنَخَّمَ نُخامةً إلا وقَعَتْ في كفِّ رجلٍ منهم فدَلَّك بها وجهَه وجلدَه ، وإذا أَمَرَهم ابتدروا أمرَه ، وإذا توضأَ كادوا يَقْتَتِلون على وضوئِه ، وإذا تكَلَّم خَفَّضُوا أصواتَهم عندَه ، وما يُحِدُّون إليه النظرَ؛ تعظيمًا له، وإنه قد عَرَضَ عليكم خطةَ رُشْدٍ فأَقْبَلُوها . فقال رجلٌ مِن بني كِنانةَ : دَعُوني آتِيه . فقالوا : ائتِه . فلما أَشْرَفَ على النبيِّ صلى الله عليه وسلم وأصحابِه ، قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: هذا فلانٌ ، وهو مِن قوم يُعَظِّمون البُدْنَ ، فابعثُوها له. فبُعِثَتْ له ، واستَقْبَلَه الناسُ يُلَبُّون ، فلما رأى ذلك قال : سبحانَ اللهِ ، ما ينبغي لهؤلاء أن يُصَدُّوا عن البيتِ ، فلما رجَعَ إلى أصحابِه قال : رأَيْتُ قد قُلِّدَتْ وأُشِعْرَتْ ، فما أرى أن يُصَدُّوا عن البيتِ . فقام رجلٌ منهم ، يَقالُ له: مِكْرَزُ بْنُ حفصٍ ، فقال : دعوني آتيه . فقالوا : ائْتِه. فلما أَشْرَفَ عليهم ، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم : هذا مِكْرَزٌ ، وهو رجلٌ فاجرٌ. فجَعَلَ يُكَلِّمُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فبينما هو يُكَلِّمُه؛ إذ جاء سُهَيْلُ بنُ عمرٍو . قال مَعْمَرٌ : فأَخْبَرَني أيوبُ ، عن عَكْرِمَةَ : أنه لما جاءَ سُهَيْلُ بنُ عمرٍو: قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: لقد سَهُلَ لكم مِن أمرِكم. قال مَعْمَرٌ : قال الزهريُّ في حديثِه : فجاءَ سهيلُ بنُ عمرٍو فقال: هاتِ اكتُبْ بينَنَا وبينَكم كتابًا، فدعا النبيُّ صلى الله عليه وسلم الكاتبَ ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ . قال سهيلٌ : أَمَّا الرحمنُ فواللهِ ما أدري ما هو ، ولكن اكتُبْ باسمِك اللهمَّ، كما كنتَ تَكْتُبْ . فقال المسلمون : واللهِ لا نَكْتُبْها إلا بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ . فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: اكتُبْ باسمِك اللهمَّ . ثم قال: هذا ما قاضى عليه محمدٌ رسولُ اللهِ . فقال سهيلٌ : واللهِ، لو كنَّا نَعْلَمُ أنك رسولُ اللهِ ما صَدَدْنَاك عن البيتِ، ولا قاتلْنَاك ، ولكِنْ اكتُبْ : محمدُ بنُ عبدِ اللهِ ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: واللهِ، إني لرسولُ اللهِ وإن كَذَّبْتُموني ، اكتُبْ : محمدُ بنُ عبدِ الله . قال الزُّهْرِيُّ : وذلك لقولِه: لا يَسْأَلُونَنِي خطةً يُعِظِّمون بها حرماتِ اللهِ إلا أَعْطَيْتُهم إيَّاها. فقال له النبيُّ صلى الله عليه وسلم : على أن تُخَلُّوا بينَنا وبينَ البيت فنَطُوفُ به. فقال سهيلٌ : واللهِ، لا تَتَحَدَّثُ العربُ أَنَّا أُخِذْنَا ضُغْطَةً؛ ولكن ذلك مِن العامِ المُقْبِلِ . فكتَبَ ، فقال سهيلٌ : وعلى أنه لا يَأْتِيك منا رجلٌ ، وإن كان على دينِك إلا ردَدْتَه إلينا . قال المسلمون : سبحانَ اللهِ ! كيف يُرَدُّ إلى المشركين وقد جاء مسلمًا! فبينما هم كذلك؛ إذ دخَلَ أبو جَنْدَلٍ بنُ سُهَيْلِ بنِ عمرٍو يَرْسُفُ في قيودِه ، وقد خرَجَ ِمِن أسفلِ مكةَ حتى رَمى بنفسِه بينَ أظهرِ المسلمين ، فقال سهيلٌ : هذا يا محمدُ، أولُ ما أُقاضِيكَ عليه أن تَرُدَّه إليَّ . فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: إنا لم نَقْضِ الكتابَ بعدُ. قال: فواللهِ، إذًا لم أُصَالِحْكَ على شيءٍ أبدًا ، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: فأَجِزْه لي . قال : ما أنا بمجيزِه لكَ . قال: بلى فافْعَلْ . قال : ما أنا بفاعلٍ . قال مِكْرَزٌ : بل قد أَجَزْنَاه لك . قال أبو جندلٍ : أَيْ معشرَ المسلمين ، أُرَدُّ إلى المشركين وقد جِئْتُ مسلمًا ، ألا ترون ما قد لَقِيتُ ؟ وكان قد عُذِّبَ عذابًا شديدًا في اللهِ . قال : فقال عمرُ بنُ الخطابِ : فأَتَيْتُ نبيَّ اللهِ صلى الله عليه وسلم فقُلْتُ : ألستَ نبيَّ اللهِ حقًّا ؟ قال: بلى . قلتُ : أَلَسْنَا على الحقِّ، وعدوُّنَا على الباطلِ ؟ قال: بلى. قلتُ : فلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ في دينِنَا إذًا ؟ قال: إني رسولُ اللهِ ، ولَسْتُ أَعْصِيه ، وهو ناصرِي . قلتُ: أَوَلَيْسَ كنتَ تُحَدِّثُنَا أَنَّا سنأتي البيتَ فنَطُوفُ به ؟ قال : بلى، فأَخْبَرْتُك أَنَّا نَأْتِيه العامَ؟ قال : قلتُ: لا. قال: فإنك آتيه ومُطَوِّفٌ به . قال : فأَتَيْتُ أبا بكرٍ فقُلْتُ : يا أبا بكرٍ ، أليس هذا نبيَّ اللهِ حقًّا ؟ قال: بلى . قلتُ : أَلَسْنَا على الحقِّ، وعدُّونا على الباطلِ ؟ قال : بلى . قلتُ : فلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ في ديننِا إذًا ؟ قال : أيُّها الرجلُ، إنه لرسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، وليس يَعْصِي ربَّه ، وهو ناصرُه ، فاستَمْسِكْ بغرزِه ، فواللهِ إنه على الحقِّ. قلتُ : أليسَ كان يُحَدِّثُنَا أَنَّا سنَأْتِي البيتَ ونَطُوفُ به ؟ قال : بلى ، أَفَأَخْبَرَكَ أَنَّك تَأْتِيه العامَ؟ قلتُ: لا . قال : فإنك آتِيه ومُطَوِّفٌ به . قال الزُّهْرِيُّ : قال عمرُ: فعَمِلْتُ لذلكَ أعمالًا . قال : فلما فَرَغَ مِن قضيةِ الكتابِ ، قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لأصحابِه: قوموا فانحَرُوا ثم احْلِقُوا . قال : فواللهِ، ما قام منهم رجلٌ حتى قال ذلك ثلاثَ مراتٍ ، فلما لم يَقُمْ منهم أحدٌ دخَلَ على أمِّ سَلَمَةَ ، فذَكَرَ لها ما لَقِيَ مِن الناسِ ، فقالت أمُّ سَلَمَةَ : يانبيَّ اللهِ ، أَتَحُبُّ ذلك ، اخرُجْ لا تُكَلِّمْ أحدًا منهم كلمةً ، حتى تَنْحَرَ بُدْنَك ، وتَدْعُوَ حالقَك فيَحْلِقَكَ . فخَرَجَ فلم يُكَلِّمْ أحدًا منهم حتى فعَلَ ذلك ، نحَرَ بُدْنَه ، ودعا حالقَه فحَلَقَه ، فلما رأَوْا ذلك قاموا فنَحَرُوا وجعَلَ بعضُهم يَحْلِقُ بعضًا ، حتى كاد بعضُهم يُقْتَلُ غمًّا ، ثم جاءَه نسوةٌ مُؤْمناتٌ ، فأَنْزَلَ اللهُ تعالى : يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن - حتى بلغ - بعصم الكوافر . فطَلَّقَ عمرُ يومئذٍ امرأتين، كانَتَا له في الشركِ ، فتَزَوَّجَ إحداهما معاويةُ بنُ أبي سفيانَ ، والأخرى صفوانُ بنُ أُمَيَّةَ ، ثم رجَعَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى المدينةِ، فجَاءَه أبو بَصِيرٍ ، رجلٌ مِن قريشٍ وهو مسلمٌ، فأَرْسَلُوا في طلبِه رجلين ، فقالوا : العهدَ الذي جَعَلْتَ لنا . فدَفَعَه إلى الرَّجُلَيْن ، فخَرَجا به حتى إذا بلَغَا ذا الحُلَيْفَةِ ، فنزلوا يَأْكُلون مِن تمرٍ لهم ، فقال أبو بَصِيرٍ لأحدِ الرجلين : والله إني لأَرى سيفَك هذا يا فلانُ جيدًا ، فاستلَّه الآخرُ ، فقال : أجلِ ، والله إنه لجيدٌ ، لقد جَرَّبْتُ به ، ثم جَرَّبْتُ. فقال أبو بِصِيرٍ : أًرِنِي أنظُرْ إليه؟ فأَمْكَنَه منه ، فضَرَبَه حتى بَرَدَ ، وفرَّ الآخرُ حتى أتى المدينةَ ، فدَخَلَ المسجدَ يَعْدُو! فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حين رآه : لقد رأى هذا ذُعْرًا . فلما انتهى إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: قُتِلَ واللهِ صاحبي، وإني لمقتولٌ. فجاء أبو بَصِيرٍ، فقال : يا نبيَّ اللهِ ، قد واللهِ أَوْفَى اللهُ ذمتَك ، قد رَدَدْتَني إليهم ، ثم نَجَّانِي اللهُ منهم . قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: وَيْلَ أمِّه ، مِسْعَرُ حربٍ ، لو كان له أحدٌ . فلما سَمِعَ ذلك عَرَفَ أنه سَيَرُدُّه إليهم ، فخَرَجَ حتى أتى سِيفَ البحرِ ، قال : ويَنْفَلِتُ منهم أبو جندلِ بنِ سهيلٍ ، فلَحِقَ بأبي بَصِيرٍ ، فجَعَلَ لا يَخْرُجُ مِن قريشٍ رجلٌ قد أسَلَمَ إلا لِحِقَ بأبي بَصِيرٍ ، حتى اجتمَعَتْ منهم عِصابةٌ، فواللهِ، ما يَسْمَعُونَ بعِيرٍ خَرَجَتْ لقريشٍ إلى الشَّأْمِ إلا اعترضوا لها ، فقَتَلُوهم وأَخَذُوا أموالَهم ، فأَرْسَلَتْ قريشٌ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم تُنَاشِدُه باللهِ والرَّحِمِ لمَّا أَرْسَلَ : فمَن آتاه فهو آمنٌ ، فأَرْسَلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم إليهم ، فأَنْزَلَ الله تعالى : وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم - حتى بلغ - الحمية حمية الجاهلية . وكانت حمِيَّتُهم أنهم لم يُقِرُّوا أنه نبيُّ اللهِ ، ولم يَقُرِّوا ببسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ ، وحالوا بينَهم وبينَ البيتِ .
خرجَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم زمنَ الحُدَيْبِيَّةِ ، حتى كانوا ببعضِ الطريقِ ، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم : إن خالدَ بنَ الوليدِ بالغَمِيمِ ، في خيلٍ لقريشٍ طليعةٍ ، فخذوا ذاتَ اليمينٍ . فواللهِ ما شَعَرَ بهم خالدٌ حتى إذا هم بقَتَرَةِ الجيشِ ، فانطَلَقَ يَرْكُضُ نذيرًا لقريشٍ ، وسار النبيُّ صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالثَّنِيَّةِ التي يَهْبِطُ عليهم منها ، برَكَتْ به راحلتُه ، فقال الناس : حلْ حلْ . فأَلَحَّتْ، فقالوا خَلَأَتِ القَصْواءُ ، خلَأَتِ القصواءُ ! فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: ما خلَأَتِ القصواءُ ، وما ذاك لها بخُلُقٍ ، ولكن حبَسَها حابسُ الفيلِ . ثم قال: والذي نفسي بيدِه ، لا يَسْأَلُونَنِي خطةً يُعَظِّمون فيها حرماتِ اللهِ إلا أَعْطَيْتُهم إيَّاها . ثم زجَرَها فوثَبَتْ ، قال : فعَدَلَ عنهم حتى نزَلَ بأقصى الحديبيةِ على ثَمَدٍ قليلِ الماءِ ، يَتَبَرَّضُه الناسُ تَبَرُّضًا ، فلم يَلْبَثْه الناسُ حتى نَزَحُوه ، وشُكِيَ إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم العطشُ ، فانتَزَعَ سهمًا مِن كِنانتِه ، ثم أمَرَهم أن يَجْعَلُوه فيه ، فواللهِ، مازالَ يَجِيشُ لهم بالرَّيِّ حتى صدروا عنه ، فبينما هم كذلك إذ جاءَ بُدَيْلُ بنُ وَرْقاءَ الخُزَاعِيُّ في نفرٍ مِن قومِه مِن خُزاعةَ ، وكانوا عَيْبَةَ نصحِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِن أهل تِهامةَ ، فقال : إني تَرَكْتُ كعبَ بنَ لُؤَيٍّ، وعامرَ بنَ لُؤَيٍّ نزلوا أعدادَ مياهِ الحديبيةِ ، ومعهم العوذُ المَطافِيلُ ، وهم مُقاتِلوكَ، وصادُّوك عن البيتِ ، فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: إنا لم نَجِئْ لقتالِ أحدٍ ، ولكنَّا جِئْنَا مُعْتَمِرِين ، وإن قريشًا قد نَهِكَتْهم الحربُ ، وأَضَرَّتْ بهم ، فإن شاؤُوا مادَدْتُهم مدةً ، ويُخَلُّوا بيني وبينَ الناسِ ، فإن أظْهَرَ فإن شاؤوا أن يَدْخُلوا فيما دخَلَ فيه الناسُ فعلوا ؛ وإلا فقد جَمُّوا ، وإن هم أبَوْا ، فوالذي نفسي بيدِه لأُقاتِلَنَّهم على أمري هذا حتى تَنْفَرِدَ سالفتي ، وليَنْقَذَنَّ اللهُ أمرَه . فقال بُدْيلُ : سأُبْلِغُهم ما تقولُ . قال : فانطَلَقَ حتى أتى قريشًا ، قال : إنا قد جِئْنَاكم مِن هذا الرجلِ ، وسَمِعْنَاه يقولُ قولًا ، فإن شِئْتُم أن نَعْرِضَه عليكم فعَلْنَا ، فقال سفهاؤُهم : لا حاجةَ لنا أن تُخْبِرَنا عنه بشيءٍ ، وقال ذَوُو الرأيِ منهم : هاتِ ما سَمِعْتَه يقولُ . قال : سَمِعْتُه يقولُ كذا وكذا ، فحَدَّثَهم بما قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم ، فقام عروةُ بنُ مسعودٍ فقال : أَيْ قومُ ، أَلَسْتُم بالوالدِ ؟ قالوا : بلى. قال : أو لسْتُ بالولدِ ؟ قالوا : بلى. قال : فهل تَتَّهِمُونني ؟ قالوا : لا. قال : ألستم تَعْلَمُون أني استَنْفَرْتُ أهلَ عُكاظٍ ، فلما بَلَّحوا عليَّ جِئْتُكم بأهلي، وولدِي، ومَن أطاعَنِي ؟ قالوا : بلى. قال : فإن هذا قد عَرَضَ لكم خطةَ رُشْدٍ ، اقبلوها ودَعُوني آتِيه ، قالوا : ائْتِه . فأَتَاه ، فجَعل يُكَلِّمُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: نحوًا مِن قولِه لبُدَيْلٍ ، فقال عروةُ عندَ ذلك : أَيْ محمدُ ، أَرَأَيْتَ إن استَأْصَلْتَ أمرَ قومِك ، هل سَمِعْتَ بأحدٍ مِن العربِ اجتاحَ أهلَه قبلَكَ ؟! وإن تَكُنْ الأخرى، فإني واللهِ، لَأَرَىَ وجوهًا ، وإني لَأَرى أشوابًا مِن الناسِ خليقًا أن يَفِرُّوا ويَدَعُوكَ ، فقال له أبو بكرٍ : امْصُصْ ببظرِ اللاتِ! أنَحْنُ نَفِرُّ عنه ونَدَعُه ؟ فقال : مَن ذا ؟ قالوا : أبو بكرٍ . قال: أما والذي نفسي بيدِه ، لولا يدٌ كانت لك عندي لم أُجْزِكْ بها لأَجَبْتُكَ . قال : وجعَلَ يُكَلِّمُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فكلما تكَلَّمَ أخَذَ بلحيتِه ، والمغيرةُ بنُ شعبةَ قائمٌ على رأسِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ، ومعه السيفُ، وعليه المِغْفَرُ ، فكُلَّمَا أهوى عروةُ بيدِه إلى لحيةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ضرَبَ يدَه بنعلِ السيفِ ، وقال له: أَخِّرْ يدَك عن لحيةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ، فرَفَعَ عروةُ رأسَه ، فقال : مَن هذا ؟ قالوا : المغيرةُ بنُ شعبةَ. فقال : أَيْ غُدَرُ ، أَلَسْتُ أَسعى في غَدْرَتِك. وكان المغيرةُ صَحِبَ قومًا في الجاهليةِ فقَتَلَهم ، وأخَذَ أموالَهم ، ثم جاء فأَسْلَمَ ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: أَمَّا الإسلامُ فأَقْبَلُ ، وأَمَّا المالُ فلَسْتُ منه في شيءٍ . ثم إن عروةَ جعَلَ يَرْمُقُ أصحابَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم بعينِه ، قال : فواللهِ، ما تَنَخَّمَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم نُخَامَةَ إلا وقَعَتْ في كفِّ رجلٍ منهم ، فدَلَّكَ بها وجهَه وجلدَه ، وإذا أمَرَهم ابتدروا أمرَه ، وإذا توضأَ كادوا يَقْتَتِلون على وضوئِه ، وإذا تكَلَّمَ خَفَضُوا أصواتَهم عندَه ، وما يُحِدُّون إليه النظرَ؛ تعظيمًا له ، فرجَعَ عروةُ إلى أصحابِه فقال: أَيْ قومُ ، واللهِ، لقد وفَدْتُ على الملوكِ ، ووَفَدْتُ على قَيْصَرَ، وكسرى، والنَجَاشِيِّ ، واللهِ، إن رَأَيْتُ مِلْكًا قطُّ يُعِظِّمُه أصحابُه ما يُعِظِّمُ أصحابُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم محمدًا ، واللهِ، إن تَنَخَّمَ نُخامةً إلا وقَعَتْ في كفِّ رجلٍ منهم فدَلَّك بها وجهَه وجلدَه ، وإذا أَمَرَهم ابتدروا أمرَه ، وإذا توضأَ كادوا يَقْتَتِلون على وضوئِه ، وإذا تكَلَّم خَفَّضُوا أصواتَهم عندَه ، وما يُحِدُّون إليه النظرَ؛ تعظيمًا له، وإنه قد عَرَضَ عليكم خطةَ رُشْدٍ فأَقْبَلُوها . فقال رجلٌ مِن بني كِنانةَ : دَعُوني آتِيه . فقالوا : ائتِه . فلما أَشْرَفَ على النبيِّ صلى الله عليه وسلم وأصحابِه ، قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: هذا فلانٌ ، وهو مِن قوم يُعَظِّمون البُدْنَ ، فابعثُوها له. فبُعِثَتْ له ، واستَقْبَلَه الناسُ يُلَبُّون ، فلما رأى ذلك قال : سبحانَ اللهِ ، ما ينبغي لهؤلاء أن يُصَدُّوا عن البيتِ ، فلما رجَعَ إلى أصحابِه قال : رأَيْتُ قد قُلِّدَتْ وأُشِعْرَتْ ، فما أرى أن يُصَدُّوا عن البيتِ . فقام رجلٌ منهم ، يَقالُ له: مِكْرَزُ بْنُ حفصٍ ، فقال : دعوني آتيه . فقالوا : ائْتِه. فلما أَشْرَفَ عليهم ، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم : هذا مِكْرَزٌ ، وهو رجلٌ فاجرٌ. فجَعَلَ يُكَلِّمُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فبينما هو يُكَلِّمُه؛ إذ جاء سُهَيْلُ بنُ عمرٍو . قال مَعْمَرٌ : فأَخْبَرَني أيوبُ ، عن عَكْرِمَةَ : أنه لما جاءَ سُهَيْلُ بنُ عمرٍو: قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: لقد سَهُلَ لكم مِن أمرِكم. قال مَعْمَرٌ : قال الزهريُّ في حديثِه : فجاءَ سهيلُ بنُ عمرٍو فقال: هاتِ اكتُبْ بينَنَا وبينَكم كتابًا، فدعا النبيُّ صلى الله عليه وسلم الكاتبَ ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ . قال سهيلٌ : أَمَّا الرحمنُ فواللهِ ما أدري ما هو ، ولكن اكتُبْ باسمِك اللهمَّ، كما كنتَ تَكْتُبْ . فقال المسلمون : واللهِ لا نَكْتُبْها إلا بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ . فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: اكتُبْ باسمِك اللهمَّ . ثم قال: هذا ما قاضى عليه محمدٌ رسولُ اللهِ . فقال سهيلٌ : واللهِ، لو كنَّا نَعْلَمُ أنك رسولُ اللهِ ما صَدَدْنَاك عن البيتِ، ولا قاتلْنَاك ، ولكِنْ اكتُبْ : محمدُ بنُ عبدِ اللهِ ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: واللهِ، إني لرسولُ اللهِ وإن كَذَّبْتُموني ، اكتُبْ : محمدُ بنُ عبدِ الله . قال الزُّهْرِيُّ : وذلك لقولِه: لا يَسْأَلُونَنِي خطةً يُعِظِّمون بها حرماتِ اللهِ إلا أَعْطَيْتُهم إيَّاها. فقال له النبيُّ صلى الله عليه وسلم : على أن تُخَلُّوا بينَنا وبينَ البيت فنَطُوفُ به. فقال سهيلٌ : واللهِ، لا تَتَحَدَّثُ العربُ أَنَّا أُخِذْنَا ضُغْطَةً؛ ولكن ذلك مِن العامِ المُقْبِلِ . فكتَبَ ، فقال سهيلٌ : وعلى أنه لا يَأْتِيك منا رجلٌ ، وإن كان على دينِك إلا ردَدْتَه إلينا . قال المسلمون : سبحانَ اللهِ ! كيف يُرَدُّ إلى المشركين وقد جاء مسلمًا! فبينما هم كذلك؛ إذ دخَلَ أبو جَنْدَلٍ بنُ سُهَيْلِ بنِ عمرٍو يَرْسُفُ في قيودِه ، وقد خرَجَ ِمِن أسفلِ مكةَ حتى رَمى بنفسِه بينَ أظهرِ المسلمين ، فقال سهيلٌ : هذا يا محمدُ، أولُ ما أُقاضِيكَ عليه أن تَرُدَّه إليَّ . فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: إنا لم نَقْضِ الكتابَ بعدُ. قال: فواللهِ، إذًا لم أُصَالِحْكَ على شيءٍ أبدًا ، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: فأَجِزْه لي . قال : ما أنا بمجيزِه لكَ . قال: بلى فافْعَلْ . قال : ما أنا بفاعلٍ . قال مِكْرَزٌ : بل قد أَجَزْنَاه لك . قال أبو جندلٍ : أَيْ معشرَ المسلمين ، أُرَدُّ إلى المشركين وقد جِئْتُ مسلمًا ، ألا ترون ما قد لَقِيتُ ؟ وكان قد عُذِّبَ عذابًا شديدًا في اللهِ . قال : فقال عمرُ بنُ الخطابِ : فأَتَيْتُ نبيَّ اللهِ صلى الله عليه وسلم فقُلْتُ : ألستَ نبيَّ اللهِ حقًّا ؟ قال: بلى . قلتُ : أَلَسْنَا على الحقِّ، وعدوُّنَا على الباطلِ ؟ قال: بلى. قلتُ : فلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ في دينِنَا إذًا ؟ قال: إني رسولُ اللهِ ، ولَسْتُ أَعْصِيه ، وهو ناصرِي . قلتُ: أَوَلَيْسَ كنتَ تُحَدِّثُنَا أَنَّا سنأتي البيتَ فنَطُوفُ به ؟ قال : بلى، فأَخْبَرْتُك أَنَّا نَأْتِيه العامَ؟ قال : قلتُ: لا. قال: فإنك آتيه ومُطَوِّفٌ به . قال : فأَتَيْتُ أبا بكرٍ فقُلْتُ : يا أبا بكرٍ ، أليس هذا نبيَّ اللهِ حقًّا ؟ قال: بلى . قلتُ : أَلَسْنَا على الحقِّ، وعدُّونا على الباطلِ ؟ قال : بلى . قلتُ : فلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ في ديننِا إذًا ؟ قال : أيُّها الرجلُ، إنه لرسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، وليس يَعْصِي ربَّه ، وهو ناصرُه ، فاستَمْسِكْ بغرزِه ، فواللهِ إنه على الحقِّ. قلتُ : أليسَ كان يُحَدِّثُنَا أَنَّا سنَأْتِي البيتَ ونَطُوفُ به ؟ قال : بلى ، أَفَأَخْبَرَكَ أَنَّك تَأْتِيه العامَ؟ قلتُ: لا . قال : فإنك آتِيه ومُطَوِّفٌ به . قال الزُّهْرِيُّ : قال عمرُ: فعَمِلْتُ لذلكَ أعمالًا . قال : فلما فَرَغَ مِن قضيةِ الكتابِ ، قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لأصحابِه: قوموا فانحَرُوا ثم احْلِقُوا . قال : فواللهِ، ما قام منهم رجلٌ حتى قال ذلك ثلاثَ مراتٍ ، فلما لم يَقُمْ منهم أحدٌ دخَلَ على أمِّ سَلَمَةَ ، فذَكَرَ لها ما لَقِيَ مِن الناسِ ، فقالت أمُّ سَلَمَةَ : يانبيَّ اللهِ ، أَتَحُبُّ ذلك ، اخرُجْ لا تُكَلِّمْ أحدًا منهم كلمةً ، حتى تَنْحَرَ بُدْنَك ، وتَدْعُوَ حالقَك فيَحْلِقَكَ . فخَرَجَ فلم يُكَلِّمْ أحدًا منهم حتى فعَلَ ذلك ، نحَرَ بُدْنَه ، ودعا حالقَه فحَلَقَه ، فلما رأَوْا ذلك قاموا فنَحَرُوا وجعَلَ بعضُهم يَحْلِقُ بعضًا ، حتى كاد بعضُهم يُقْتَلُ غمًّا ، ثم جاءَه نسوةٌ مُؤْمناتٌ ، فأَنْزَلَ اللهُ تعالى : يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن - حتى بلغ - بعصم الكوافر . فطَلَّقَ عمرُ يومئذٍ امرأتين، كانَتَا له في الشركِ ، فتَزَوَّجَ إحداهما معاويةُ بنُ أبي سفيانَ ، والأخرى صفوانُ بنُ أُمَيَّةَ ، ثم رجَعَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى المدينةِ، فجَاءَه أبو بَصِيرٍ ، رجلٌ مِن قريشٍ وهو مسلمٌ، فأَرْسَلُوا في طلبِه رجلين ، فقالوا : العهدَ الذي جَعَلْتَ لنا . فدَفَعَه إلى الرَّجُلَيْن ، فخَرَجا به حتى إذا بلَغَا ذا الحُلَيْفَةِ ، فنزلوا يَأْكُلون مِن تمرٍ لهم ، فقال أبو بَصِيرٍ لأحدِ الرجلين : والله إني لأَرى سيفَك هذا يا فلانُ جيدًا ، فاستلَّه الآخرُ ، فقال : أجلِ ، والله إنه لجيدٌ ، لقد جَرَّبْتُ به ، ثم جَرَّبْتُ. فقال أبو بِصِيرٍ : أًرِنِي أنظُرْ إليه؟ فأَمْكَنَه منه ، فضَرَبَه حتى بَرَدَ ، وفرَّ الآخرُ حتى أتى المدينةَ ، فدَخَلَ المسجدَ يَعْدُو! فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حين رآه : لقد رأى هذا ذُعْرًا . فلما انتهى إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: قُتِلَ واللهِ صاحبي، وإني لمقتولٌ. فجاء أبو بَصِيرٍ، فقال : يا نبيَّ اللهِ ، قد واللهِ أَوْفَى اللهُ ذمتَك ، قد رَدَدْتَني إليهم ، ثم نَجَّانِي اللهُ منهم . قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: وَيْلَ أمِّه ، مِسْعَرُ حربٍ ، لو كان له أحدٌ . فلما سَمِعَ ذلك عَرَفَ أنه سَيَرُدُّه إليهم ، فخَرَجَ حتى أتى سِيفَ البحرِ ، قال : ويَنْفَلِتُ منهم أبو جندلِ بنِ سهيلٍ ، فلَحِقَ بأبي بَصِيرٍ ، فجَعَلَ لا يَخْرُجُ مِن قريشٍ رجلٌ قد أسَلَمَ إلا لِحِقَ بأبي بَصِيرٍ ، حتى اجتمَعَتْ منهم عِصابةٌ ، فواللهِ، ما يَسْمَعُونَ بعِيرٍ خَرَجَتْ لقريشٍ إلى الشَّأْمِ إلا اعترضوا لها ، فقَتَلُوهم وأَخَذُوا أموالَهم ، فأَرْسَلَتْ قريشٌ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم تُنَاشِدُه باللهِ والرَّحِمِ لمَّا أَرْسَلَ : فمَن آتاه فهو آمنٌ ، فأَرْسَلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم إليهم ، فأَنْزَلَ الله تعالى : وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم - حتى بلغ - الحمية حمية الجاهلية . وكانت حمِيَّتُهم أنهم لم يُقِرُّوا أنه نبيُّ اللهِ ، ولم يَقُرِّوا ببسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ ، وحالوا بينَهم وبينَ البيتِ .
خرجَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم زمنَ الحُدَيْبِيَّةِ ، حتى كانوا ببعضِ الطريقِ ، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم : إن خالدَ بنَ الوليدِ بالغَمِيمِ ، في خيلٍ لقريشٍ طليعةٍ ، فخذوا ذاتَ اليمينٍ . فواللهِ ما شَعَرَ بهم خالدٌ حتى إذا هم بقَتَرَةِ الجيشِ ، فانطَلَقَ يَرْكُضُ نذيرًا لقريشٍ ، وسار النبيُّ صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالثَّنِيَّةِ التي يَهْبِطُ عليهم منها ، برَكَتْ به راحلتُه ، فقال الناس : حلْ حلْ . فأَلَحَّتْ، فقالوا خَلَأَتِ القَصْواءُ ، خلَأَتِ القصواءُ ! فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: ما خلَأَتِ القصواءُ ، وما ذاك لها بخُلُقٍ ، ولكن حبَسَها حابسُ الفيلِ . ثم قال: والذي نفسي بيدِه ، لا يَسْأَلُونَنِي خطةً يُعَظِّمون فيها حرماتِ اللهِ إلا أَعْطَيْتُهم إيَّاها . ثم زجَرَها فوثَبَتْ ، قال : فعَدَلَ عنهم حتى نزَلَ بأقصى الحديبيةِ على ثَمَدٍ قليلِ الماءِ ، يَتَبَرَّضُه الناسُ تَبَرُّضًا ، فلم يَلْبَثْه الناسُ حتى نَزَحُوه ، وشُكِيَ إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم العطشُ ، فانتَزَعَ سهمًا مِن كِنانتِه ، ثم أمَرَهم أن يَجْعَلُوه فيه ، فواللهِ، مازالَ يَجِيشُ لهم بالرَّيِّ حتى صدروا عنه ، فبينما هم كذلك إذ جاءَ بُدَيْلُ بنُ وَرْقاءَ الخُزَاعِيُّ في نفرٍ مِن قومِه مِن خُزاعةَ ، وكانوا عَيْبَةَ نصحِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِن أهل تِهامةَ ، فقال : إني تَرَكْتُ كعبَ بنَ لُؤَيٍّ، وعامرَ بنَ لُؤَيٍّ نزلوا أعدادَ مياهِ الحديبيةِ ، ومعهم العوذُ المَطافِيلُ ، وهم مُقاتِلوكَ، وصادُّوك عن البيتِ ، فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: إنا لم نَجِئْ لقتالِ أحدٍ ، ولكنَّا جِئْنَا مُعْتَمِرِين ، وإن قريشًا قد نَهِكَتْهم الحربُ ، وأَضَرَّتْ بهم ، فإن شاؤُوا مادَدْتُهم مدةً ، ويُخَلُّوا بيني وبينَ الناسِ ، فإن أظْهَرَ فإن شاؤوا أن يَدْخُلوا فيما دخَلَ فيه الناسُ فعلوا ؛ وإلا فقد جَمُّوا ، وإن هم أبَوْا ، فوالذي نفسي بيدِه لأُقاتِلَنَّهم على أمري هذا حتى تَنْفَرِدَ سالفتي ، وليَنْقَذَنَّ اللهُ أمرَه . فقال بُدْيلُ : سأُبْلِغُهم ما تقولُ . قال : فانطَلَقَ حتى أتى قريشًا ، قال : إنا قد جِئْنَاكم مِن هذا الرجلِ ، وسَمِعْنَاه يقولُ قولًا ، فإن شِئْتُم أن نَعْرِضَه عليكم فعَلْنَا ، فقال سفهاؤُهم : لا حاجةَ لنا أن تُخْبِرَنا عنه بشيءٍ ، وقال ذَوُو الرأيِ منهم : هاتِ ما سَمِعْتَه يقولُ . قال : سَمِعْتُه يقولُ كذا وكذا ، فحَدَّثَهم بما قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم ، فقام عروةُ بنُ مسعودٍ فقال : أَيْ قومُ ، أَلَسْتُم بالوالدِ ؟ قالوا : بلى. قال : أو لسْتُ بالولدِ ؟ قالوا : بلى. قال : فهل تَتَّهِمُونني ؟ قالوا : لا. قال : ألستم تَعْلَمُون أني استَنْفَرْتُ أهلَ عُكاظٍ ، فلما بَلَّحوا عليَّ جِئْتُكم بأهلي، وولدِي، ومَن أطاعَنِي ؟ قالوا : بلى. قال : فإن هذا قد عَرَضَ لكم خطةَ رُشْدٍ ، اقبلوها ودَعُوني آتِيه ، قالوا : ائْتِه . فأَتَاه ، فجَعل يُكَلِّمُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: نحوًا مِن قولِه لبُدَيْلٍ ، فقال عروةُ عندَ ذلك : أَيْ محمدُ ، أَرَأَيْتَ إن استَأْصَلْتَ أمرَ قومِك ، هل سَمِعْتَ بأحدٍ مِن العربِ اجتاحَ أهلَه قبلَكَ ؟! وإن تَكُنْ الأخرى، فإني واللهِ، لَأَرَىَ وجوهًا ، وإني لَأَرى أشوابًا مِن الناسِ خليقًا أن يَفِرُّوا ويَدَعُوكَ ، فقال له أبو بكرٍ : امْصُصْ ببظرِ اللاتِ! أنَحْنُ نَفِرُّ عنه ونَدَعُه ؟ فقال : مَن ذا ؟ قالوا : أبو بكرٍ . قال: أما والذي نفسي بيدِه ، لولا يدٌ كانت لك عندي لم أُجْزِكْ بها لأَجَبْتُكَ . قال : وجعَلَ يُكَلِّمُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فكلما تكَلَّمَ أخَذَ بلحيتِه ، والمغيرةُ بنُ شعبةَ قائمٌ على رأسِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ، ومعه السيفُ، وعليه المِغْفَرُ ، فكُلَّمَا أهوى عروةُ بيدِه إلى لحيةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ضرَبَ يدَه بنعلِ السيفِ ، وقال له: أَخِّرْ يدَك عن لحيةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ، فرَفَعَ عروةُ رأسَه ، فقال : مَن هذا ؟ قالوا : المغيرةُ بنُ شعبةَ. فقال : أَيْ غُدَرُ ، أَلَسْتُ أَسعى في غَدْرَتِك. وكان المغيرةُ صَحِبَ قومًا في الجاهليةِ فقَتَلَهم ، وأخَذَ أموالَهم ، ثم جاء فأَسْلَمَ ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: أَمَّا الإسلامُ فأَقْبَلُ ، وأَمَّا المالُ فلَسْتُ منه في شيءٍ . ثم إن عروةَ جعَلَ يَرْمُقُ أصحابَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم بعينِه ، قال : فواللهِ، ما تَنَخَّمَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم نُخَامَةَ إلا وقَعَتْ في كفِّ رجلٍ منهم ، فدَلَّكَ بها وجهَه وجلدَه ، وإذا أمَرَهم ابتدروا أمرَه ، وإذا توضأَ كادوا يَقْتَتِلون على وضوئِه ، وإذا تكَلَّمَ خَفَضُوا أصواتَهم عندَه ، وما يُحِدُّون إليه النظرَ ؛ تعظيمًا له ، فرجَعَ عروةُ إلى أصحابِه فقال: أَيْ قومُ ، واللهِ، لقد وفَدْتُ على الملوكِ ، ووَفَدْتُ على قَيْصَرَ، وكسرى، والنَجَاشِيِّ ، واللهِ، إن رَأَيْتُ مِلْكًا قطُّ يُعِظِّمُه أصحابُه ما يُعِظِّمُ أصحابُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم محمدًا ، واللهِ، إن تَنَخَّمَ نُخامةً إلا وقَعَتْ في كفِّ رجلٍ منهم فدَلَّك بها وجهَه وجلدَه ، وإذا أَمَرَهم ابتدروا أمرَه ، وإذا توضأَ كادوا يَقْتَتِلون على وضوئِه ، وإذا تكَلَّم خَفَّضُوا أصواتَهم عندَه ، وما يُحِدُّون إليه النظرَ ؛ تعظيمًا له، وإنه قد عَرَضَ عليكم خطةَ رُشْدٍ فأَقْبَلُوها . فقال رجلٌ مِن بني كِنانةَ : دَعُوني آتِيه . فقالوا : ائتِه . فلما أَشْرَفَ على النبيِّ صلى الله عليه وسلم وأصحابِه ، قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: هذا فلانٌ ، وهو مِن قوم يُعَظِّمون البُدْنَ ، فابعثُوها له. فبُعِثَتْ له ، واستَقْبَلَه الناسُ يُلَبُّون ، فلما رأى ذلك قال : سبحانَ اللهِ ، ما ينبغي لهؤلاء أن يُصَدُّوا عن البيتِ ، فلما رجَعَ إلى أصحابِه قال : رأَيْتُ قد قُلِّدَتْ وأُشِعْرَتْ ، فما أرى أن يُصَدُّوا عن البيتِ . فقام رجلٌ منهم ، يَقالُ له: مِكْرَزُ بْنُ حفصٍ ، فقال : دعوني آتيه . فقالوا : ائْتِه. فلما أَشْرَفَ عليهم ، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم : هذا مِكْرَزٌ ، وهو رجلٌ فاجرٌ. فجَعَلَ يُكَلِّمُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فبينما هو يُكَلِّمُه؛ إذ جاء سُهَيْلُ بنُ عمرٍو . قال مَعْمَرٌ : فأَخْبَرَني أيوبُ ، عن عَكْرِمَةَ : أنه لما جاءَ سُهَيْلُ بنُ عمرٍو: قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: لقد سَهُلَ لكم مِن أمرِكم. قال مَعْمَرٌ : قال الزهريُّ في حديثِه : فجاءَ سهيلُ بنُ عمرٍو فقال: هاتِ اكتُبْ بينَنَا وبينَكم كتابًا، فدعا النبيُّ صلى الله عليه وسلم الكاتبَ ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ . قال سهيلٌ : أَمَّا الرحمنُ فواللهِ ما أدري ما هو ، ولكن اكتُبْ باسمِك اللهمَّ، كما كنتَ تَكْتُبْ . فقال المسلمون : واللهِ لا نَكْتُبْها إلا بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ . فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: اكتُبْ باسمِك اللهمَّ . ثم قال: هذا ما قاضى عليه محمدٌ رسولُ اللهِ . فقال سهيلٌ : واللهِ، لو كنَّا نَعْلَمُ أنك رسولُ اللهِ ما صَدَدْنَاك عن البيتِ، ولا قاتلْنَاك ، ولكِنْ اكتُبْ : محمدُ بنُ عبدِ اللهِ ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: واللهِ، إني لرسولُ اللهِ وإن كَذَّبْتُموني ، اكتُبْ : محمدُ بنُ عبدِ الله . قال الزُّهْرِيُّ : وذلك لقولِه: لا يَسْأَلُونَنِي خطةً يُعِظِّمون بها حرماتِ اللهِ إلا أَعْطَيْتُهم إيَّاها. فقال له النبيُّ صلى الله عليه وسلم : على أن تُخَلُّوا بينَنا وبينَ البيت فنَطُوفُ به. فقال سهيلٌ : واللهِ، لا تَتَحَدَّثُ العربُ أَنَّا أُخِذْنَا ضُغْطَةً؛ ولكن ذلك مِن العامِ المُقْبِلِ . فكتَبَ ، فقال سهيلٌ : وعلى أنه لا يَأْتِيك منا رجلٌ ، وإن كان على دينِك إلا ردَدْتَه إلينا . قال المسلمون : سبحانَ اللهِ ! كيف يُرَدُّ إلى المشركين وقد جاء مسلمًا! فبينما هم كذلك؛ إذ دخَلَ أبو جَنْدَلٍ بنُ سُهَيْلِ بنِ عمرٍو يَرْسُفُ في قيودِه ، وقد خرَجَ ِمِن أسفلِ مكةَ حتى رَمى بنفسِه بينَ أظهرِ المسلمين ، فقال سهيلٌ : هذا يا محمدُ، أولُ ما أُقاضِيكَ عليه أن تَرُدَّه إليَّ . فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: إنا لم نَقْضِ الكتابَ بعدُ. قال: فواللهِ، إذًا لم أُصَالِحْكَ على شيءٍ أبدًا ، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: فأَجِزْه لي . قال : ما أنا بمجيزِه لكَ . قال: بلى فافْعَلْ . قال : ما أنا بفاعلٍ . قال مِكْرَزٌ : بل قد أَجَزْنَاه لك . قال أبو جندلٍ : أَيْ معشرَ المسلمين ، أُرَدُّ إلى المشركين وقد جِئْتُ مسلمًا ، ألا ترون ما قد لَقِيتُ ؟ وكان قد عُذِّبَ عذابًا شديدًا في اللهِ . قال : فقال عمرُ بنُ الخطابِ : فأَتَيْتُ نبيَّ اللهِ صلى الله عليه وسلم فقُلْتُ : ألستَ نبيَّ اللهِ حقًّا ؟ قال: بلى . قلتُ : أَلَسْنَا على الحقِّ، وعدوُّنَا على الباطلِ ؟ قال: بلى. قلتُ : فلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ في دينِنَا إذًا ؟ قال: إني رسولُ اللهِ ، ولَسْتُ أَعْصِيه ، وهو ناصرِي . قلتُ: أَوَلَيْسَ كنتَ تُحَدِّثُنَا أَنَّا سنأتي البيتَ فنَطُوفُ به ؟ قال : بلى، فأَخْبَرْتُك أَنَّا نَأْتِيه العامَ؟ قال : قلتُ: لا. قال: فإنك آتيه ومُطَوِّفٌ به . قال : فأَتَيْتُ أبا بكرٍ فقُلْتُ : يا أبا بكرٍ ، أليس هذا نبيَّ اللهِ حقًّا ؟ قال: بلى . قلتُ : أَلَسْنَا على الحقِّ، وعدُّونا على الباطلِ ؟ قال : بلى . قلتُ : فلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ في ديننِا إذًا ؟ قال : أيُّها الرجلُ، إنه لرسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، وليس يَعْصِي ربَّه ، وهو ناصرُه ، فاستَمْسِكْ بغرزِه ، فواللهِ إنه على الحقِّ. قلتُ : أليسَ كان يُحَدِّثُنَا أَنَّا سنَأْتِي البيتَ ونَطُوفُ به ؟ قال : بلى ، أَفَأَخْبَرَكَ أَنَّك تَأْتِيه العامَ؟ قلتُ: لا . قال : فإنك آتِيه ومُطَوِّفٌ به . قال الزُّهْرِيُّ : قال عمرُ: فعَمِلْتُ لذلكَ أعمالًا . قال : فلما فَرَغَ مِن قضيةِ الكتابِ ، قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لأصحابِه: قوموا فانحَرُوا ثم احْلِقُوا . قال : فواللهِ، ما قام منهم رجلٌ حتى قال ذلك ثلاثَ مراتٍ ، فلما لم يَقُمْ منهم أحدٌ دخَلَ على أمِّ سَلَمَةَ ، فذَكَرَ لها ما لَقِيَ مِن الناسِ ، فقالت أمُّ سَلَمَةَ : يانبيَّ اللهِ ، أَتَحُبُّ ذلك ، اخرُجْ لا تُكَلِّمْ أحدًا منهم كلمةً ، حتى تَنْحَرَ بُدْنَك ، وتَدْعُوَ حالقَك فيَحْلِقَكَ . فخَرَجَ فلم يُكَلِّمْ أحدًا منهم حتى فعَلَ ذلك ، نحَرَ بُدْنَه ، ودعا حالقَه فحَلَقَه ، فلما رأَوْا ذلك قاموا فنَحَرُوا وجعَلَ بعضُهم يَحْلِقُ بعضًا ، حتى كاد بعضُهم يُقْتَلُ غمًّا ، ثم جاءَه نسوةٌ مُؤْمناتٌ ، فأَنْزَلَ اللهُ تعالى : يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن - حتى بلغ - بعصم الكوافر . فطَلَّقَ عمرُ يومئذٍ امرأتين، كانَتَا له في الشركِ ، فتَزَوَّجَ إحداهما معاويةُ بنُ أبي سفيانَ ، والأخرى صفوانُ بنُ أُمَيَّةَ ، ثم رجَعَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى المدينةِ، فجَاءَه أبو بَصِيرٍ ، رجلٌ مِن قريشٍ وهو مسلمٌ، فأَرْسَلُوا في طلبِه رجلين ، فقالوا : العهدَ الذي جَعَلْتَ لنا . فدَفَعَه إلى الرَّجُلَيْن ، فخَرَجا به حتى إذا بلَغَا ذا الحُلَيْفَةِ ، فنزلوا يَأْكُلون مِن تمرٍ لهم ، فقال أبو بَصِيرٍ لأحدِ الرجلين : والله إني لأَرى سيفَك هذا يا فلانُ جيدًا ، فاستلَّه الآخرُ ، فقال : أجلِ ، والله إنه لجيدٌ ، لقد جَرَّبْتُ به ، ثم جَرَّبْتُ. فقال أبو بِصِيرٍ : أًرِنِي أنظُرْ إليه؟ فأَمْكَنَه منه ، فضَرَبَه حتى بَرَدَ ، وفرَّ الآخرُ حتى أتى المدينةَ ، فدَخَلَ المسجدَ يَعْدُو! فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حين رآه : لقد رأى هذا ذُعْرًا . فلما انتهى إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: قُتِلَ واللهِ صاحبي، وإني لمقتولٌ. فجاء أبو بَصِيرٍ، فقال : يا نبيَّ اللهِ ، قد واللهِ أَوْفَى اللهُ ذمتَك ، قد رَدَدْتَني إليهم ، ثم نَجَّانِي اللهُ منهم . قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: وَيْلَ أمِّه ، مِسْعَرُ حربٍ ، لو كان له أحدٌ . فلما سَمِعَ ذلك عَرَفَ أنه سَيَرُدُّه إليهم ، فخَرَجَ حتى أتى سِيفَ البحرِ ، قال : ويَنْفَلِتُ منهم أبو جندلِ بنِ سهيلٍ ، فلَحِقَ بأبي بَصِيرٍ ، فجَعَلَ لا يَخْرُجُ مِن قريشٍ رجلٌ قد أسَلَمَ إلا لِحِقَ بأبي بَصِيرٍ ، حتى اجتمَعَتْ منهم عِصابةٌ، فواللهِ، ما يَسْمَعُونَ بعِيرٍ خَرَجَتْ لقريشٍ إلى الشَّأْمِ إلا اعترضوا لها ، فقَتَلُوهم وأَخَذُوا أموالَهم ، فأَرْسَلَتْ قريشٌ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم تُنَاشِدُه باللهِ والرَّحِمِ لمَّا أَرْسَلَ : فمَن آتاه فهو آمنٌ ، فأَرْسَلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم إليهم ، فأَنْزَلَ الله تعالى : وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم - حتى بلغ - الحمية حمية الجاهلية . وكانت حمِيَّتُهم أنهم لم يُقِرُّوا أنه نبيُّ اللهِ ، ولم يَقُرِّوا ببسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ ، وحالوا بينَهم وبينَ البيتِ .
خرجَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم زمنَ الحُدَيْبِيَّةِ ، حتى كانوا ببعضِ الطريقِ ، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم : إن خالدَ بنَ الوليدِ بالغَمِيمِ ، في خيلٍ لقريشٍ طليعةٍ ، فخذوا ذاتَ اليمينٍ . فواللهِ ما شَعَرَ بهم خالدٌ حتى إذا هم بقَتَرَةِ الجيشِ ، فانطَلَقَ يَرْكُضُ نذيرًا لقريشٍ ، وسار النبيُّ صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالثَّنِيَّةِ التي يَهْبِطُ عليهم منها ، برَكَتْ به راحلتُه ، فقال الناس : حلْ حلْ . فأَلَحَّتْ، فقالوا خَلَأَتِ القَصْواءُ ، خلَأَتِ القصواءُ ! فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: ما خلَأَتِ القصواءُ ، وما ذاك لها بخُلُقٍ ، ولكن حبَسَها حابسُ الفيلِ . ثم قال: والذي نفسي بيدِه ، لا يَسْأَلُونَنِي خطةً يُعَظِّمون فيها حرماتِ اللهِ إلا أَعْطَيْتُهم إيَّاها . ثم زجَرَها فوثَبَتْ ، قال : فعَدَلَ عنهم حتى نزَلَ بأقصى الحديبيةِ على ثَمَدٍ قليلِ الماءِ ، يَتَبَرَّضُه الناسُ تَبَرُّضًا ، فلم يَلْبَثْه الناسُ حتى نَزَحُوه ، وشُكِيَ إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم العطشُ ، فانتَزَعَ سهمًا مِن كِنانتِه ، ثم أمَرَهم أن يَجْعَلُوه فيه ، فواللهِ، مازالَ يَجِيشُ لهم بالرَّيِّ حتى صدروا عنه ، فبينما هم كذلك إذ جاءَ بُدَيْلُ بنُ وَرْقاءَ الخُزَاعِيُّ في نفرٍ مِن قومِه مِن خُزاعةَ ، وكانوا عَيْبَةَ نصحِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِن أهل تِهامةَ ، فقال : إني تَرَكْتُ كعبَ بنَ لُؤَيٍّ، وعامرَ بنَ لُؤَيٍّ نزلوا أعدادَ مياهِ الحديبيةِ ، ومعهم العوذُ المَطافِيلُ ، وهم مُقاتِلوكَ، وصادُّوك عن البيتِ ، فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: إنا لم نَجِئْ لقتالِ أحدٍ ، ولكنَّا جِئْنَا مُعْتَمِرِين ، وإن قريشًا قد نَهِكَتْهم الحربُ ، وأَضَرَّتْ بهم ، فإن شاؤُوا مادَدْتُهم مدةً ، ويُخَلُّوا بيني وبينَ الناسِ ، فإن أظْهَرَ فإن شاؤوا أن يَدْخُلوا فيما دخَلَ فيه الناسُ فعلوا ؛ وإلا فقد جَمُّوا ، وإن هم أبَوْا ، فوالذي نفسي بيدِه لأُقاتِلَنَّهم على أمري هذا حتى تَنْفَرِدَ سالفتي ، وليَنْقَذَنَّ اللهُ أمرَه . فقال بُدْيلُ : سأُبْلِغُهم ما تقولُ . قال : فانطَلَقَ حتى أتى قريشًا ، قال : إنا قد جِئْنَاكم مِن هذا الرجلِ ، وسَمِعْنَاه يقولُ قولًا ، فإن شِئْتُم أن نَعْرِضَه عليكم فعَلْنَا ، فقال سفهاؤُهم : لا حاجةَ لنا أن تُخْبِرَنا عنه بشيءٍ ، وقال ذَوُو الرأيِ منهم : هاتِ ما سَمِعْتَه يقولُ . قال : سَمِعْتُه يقولُ كذا وكذا ، فحَدَّثَهم بما قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم ، فقام عروةُ بنُ مسعودٍ فقال : أَيْ قومُ ، أَلَسْتُم بالوالدِ ؟ قالوا : بلى. قال : أو لسْتُ بالولدِ ؟ قالوا : بلى. قال : فهل تَتَّهِمُونني ؟ قالوا : لا. قال : ألستم تَعْلَمُون أني استَنْفَرْتُ أهلَ عُكاظٍ ، فلما بَلَّحوا عليَّ جِئْتُكم بأهلي، وولدِي، ومَن أطاعَنِي ؟ قالوا : بلى. قال : فإن هذا قد عَرَضَ لكم خطةَ رُشْدٍ ، اقبلوها ودَعُوني آتِيه ، قالوا : ائْتِه . فأَتَاه ، فجَعل يُكَلِّمُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: نحوًا مِن قولِه لبُدَيْلٍ ، فقال عروةُ عندَ ذلك : أَيْ محمدُ ، أَرَأَيْتَ إن استَأْصَلْتَ أمرَ قومِك ، هل سَمِعْتَ بأحدٍ مِن العربِ اجتاحَ أهلَه قبلَكَ ؟! وإن تَكُنْ الأخرى، فإني واللهِ، لَأَرَىَ وجوهًا ، وإني لَأَرى أشوابًا مِن الناسِ خليقًا أن يَفِرُّوا ويَدَعُوكَ ، فقال له أبو بكرٍ : امْصُصْ ببظرِ اللاتِ! أنَحْنُ نَفِرُّ عنه ونَدَعُه ؟ فقال : مَن ذا ؟ قالوا : أبو بكرٍ . قال: أما والذي نفسي بيدِه ، لولا يدٌ كانت لك عندي لم أُجْزِكْ بها لأَجَبْتُكَ . قال : وجعَلَ يُكَلِّمُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فكلما تكَلَّمَ أخَذَ بلحيتِه ، والمغيرةُ بنُ شعبةَ قائمٌ على رأسِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ، ومعه السيفُ، وعليه المِغْفَرُ ، فكُلَّمَا أهوى عروةُ بيدِه إلى لحيةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ضرَبَ يدَه بنعلِ السيفِ ، وقال له: أَخِّرْ يدَك عن لحيةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ، فرَفَعَ عروةُ رأسَه ، فقال : مَن هذا ؟ قالوا : المغيرةُ بنُ شعبةَ. فقال : أَيْ غُدَرُ ، أَلَسْتُ أَسعى في غَدْرَتِك. وكان المغيرةُ صَحِبَ قومًا في الجاهليةِ فقَتَلَهم ، وأخَذَ أموالَهم ، ثم جاء فأَسْلَمَ ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: أَمَّا الإسلامُ فأَقْبَلُ ، وأَمَّا المالُ فلَسْتُ منه في شيءٍ . ثم إن عروةَ جعَلَ يَرْمُقُ أصحابَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم بعينِه ، قال : فواللهِ، ما تَنَخَّمَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم نُخَامَةَ إلا وقَعَتْ في كفِّ رجلٍ منهم ، فدَلَّكَ بها وجهَه وجلدَه ، وإذا أمَرَهم ابتدروا أمرَه ، وإذا توضأَ كادوا يَقْتَتِلون على وضوئِه ، وإذا تكَلَّمَ خَفَضُوا أصواتَهم عندَه ، وما يُحِدُّون إليه النظرَ؛ تعظيمًا له ، فرجَعَ عروةُ إلى أصحابِه فقال: أَيْ قومُ ، واللهِ، لقد وفَدْتُ على الملوكِ ، ووَفَدْتُ على قَيْصَرَ ، وكسرى، والنَجَاشِيِّ ، واللهِ، إن رَأَيْتُ مِلْكًا قطُّ يُعِظِّمُه أصحابُه ما يُعِظِّمُ أصحابُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم محمدًا ، واللهِ، إن تَنَخَّمَ نُخامةً إلا وقَعَتْ في كفِّ رجلٍ منهم فدَلَّك بها وجهَه وجلدَه ، وإذا أَمَرَهم ابتدروا أمرَه ، وإذا توضأَ كادوا يَقْتَتِلون على وضوئِه ، وإذا تكَلَّم خَفَّضُوا أصواتَهم عندَه ، وما يُحِدُّون إليه النظرَ؛ تعظيمًا له، وإنه قد عَرَضَ عليكم خطةَ رُشْدٍ فأَقْبَلُوها . فقال رجلٌ مِن بني كِنانةَ : دَعُوني آتِيه . فقالوا : ائتِه . فلما أَشْرَفَ على النبيِّ صلى الله عليه وسلم وأصحابِه ، قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: هذا فلانٌ ، وهو مِن قوم يُعَظِّمون البُدْنَ ، فابعثُوها له. فبُعِثَتْ له ، واستَقْبَلَه الناسُ يُلَبُّون ، فلما رأى ذلك قال : سبحانَ اللهِ ، ما ينبغي لهؤلاء أن يُصَدُّوا عن البيتِ ، فلما رجَعَ إلى أصحابِه قال : رأَيْتُ قد قُلِّدَتْ وأُشِعْرَتْ ، فما أرى أن يُصَدُّوا عن البيتِ . فقام رجلٌ منهم ، يَقالُ له: مِكْرَزُ بْنُ حفصٍ ، فقال : دعوني آتيه . فقالوا : ائْتِه. فلما أَشْرَفَ عليهم ، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم : هذا مِكْرَزٌ ، وهو رجلٌ فاجرٌ. فجَعَلَ يُكَلِّمُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فبينما هو يُكَلِّمُه؛ إذ جاء سُهَيْلُ بنُ عمرٍو . قال مَعْمَرٌ : فأَخْبَرَني أيوبُ ، عن عَكْرِمَةَ : أنه لما جاءَ سُهَيْلُ بنُ عمرٍو: قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: لقد سَهُلَ لكم مِن أمرِكم. قال مَعْمَرٌ : قال الزهريُّ في حديثِه : فجاءَ سهيلُ بنُ عمرٍو فقال: هاتِ اكتُبْ بينَنَا وبينَكم كتابًا، فدعا النبيُّ صلى الله عليه وسلم الكاتبَ ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ . قال سهيلٌ : أَمَّا الرحمنُ فواللهِ ما أدري ما هو ، ولكن اكتُبْ باسمِك اللهمَّ، كما كنتَ تَكْتُبْ . فقال المسلمون : واللهِ لا نَكْتُبْها إلا بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ . فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: اكتُبْ باسمِك اللهمَّ . ثم قال: هذا ما قاضى عليه محمدٌ رسولُ اللهِ . فقال سهيلٌ : واللهِ، لو كنَّا نَعْلَمُ أنك رسولُ اللهِ ما صَدَدْنَاك عن البيتِ، ولا قاتلْنَاك ، ولكِنْ اكتُبْ : محمدُ بنُ عبدِ اللهِ ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: واللهِ، إني لرسولُ اللهِ وإن كَذَّبْتُموني ، اكتُبْ : محمدُ بنُ عبدِ الله . قال الزُّهْرِيُّ : وذلك لقولِه: لا يَسْأَلُونَنِي خطةً يُعِظِّمون بها حرماتِ اللهِ إلا أَعْطَيْتُهم إيَّاها. فقال له النبيُّ صلى الله عليه وسلم : على أن تُخَلُّوا بينَنا وبينَ البيت فنَطُوفُ به. فقال سهيلٌ : واللهِ، لا تَتَحَدَّثُ العربُ أَنَّا أُخِذْنَا ضُغْطَةً؛ ولكن ذلك مِن العامِ المُقْبِلِ . فكتَبَ ، فقال سهيلٌ : وعلى أنه لا يَأْتِيك منا رجلٌ ، وإن كان على دينِك إلا ردَدْتَه إلينا . قال المسلمون : سبحانَ اللهِ ! كيف يُرَدُّ إلى المشركين وقد جاء مسلمًا! فبينما هم كذلك؛ إذ دخَلَ أبو جَنْدَلٍ بنُ سُهَيْلِ بنِ عمرٍو يَرْسُفُ في قيودِه ، وقد خرَجَ ِمِن أسفلِ مكةَ حتى رَمى بنفسِه بينَ أظهرِ المسلمين ، فقال سهيلٌ : هذا يا محمدُ، أولُ ما أُقاضِيكَ عليه أن تَرُدَّه إليَّ . فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: إنا لم نَقْضِ الكتابَ بعدُ. قال: فواللهِ، إذًا لم أُصَالِحْكَ على شيءٍ أبدًا ، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: فأَجِزْه لي . قال : ما أنا بمجيزِه لكَ . قال: بلى فافْعَلْ . قال : ما أنا بفاعلٍ . قال مِكْرَزٌ : بل قد أَجَزْنَاه لك . قال أبو جندلٍ : أَيْ معشرَ المسلمين ، أُرَدُّ إلى المشركين وقد جِئْتُ مسلمًا ، ألا ترون ما قد لَقِيتُ ؟ وكان قد عُذِّبَ عذابًا شديدًا في اللهِ . قال : فقال عمرُ بنُ الخطابِ : فأَتَيْتُ نبيَّ اللهِ صلى الله عليه وسلم فقُلْتُ : ألستَ نبيَّ اللهِ حقًّا ؟ قال: بلى . قلتُ : أَلَسْنَا على الحقِّ، وعدوُّنَا على الباطلِ ؟ قال: بلى. قلتُ : فلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ في دينِنَا إذًا ؟ قال: إني رسولُ اللهِ ، ولَسْتُ أَعْصِيه ، وهو ناصرِي . قلتُ: أَوَلَيْسَ كنتَ تُحَدِّثُنَا أَنَّا سنأتي البيتَ فنَطُوفُ به ؟ قال : بلى، فأَخْبَرْتُك أَنَّا نَأْتِيه العامَ؟ قال : قلتُ: لا. قال: فإنك آتيه ومُطَوِّفٌ به . قال : فأَتَيْتُ أبا بكرٍ فقُلْتُ : يا أبا بكرٍ ، أليس هذا نبيَّ اللهِ حقًّا ؟ قال: بلى . قلتُ : أَلَسْنَا على الحقِّ، وعدُّونا على الباطلِ ؟ قال : بلى . قلتُ : فلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ في ديننِا إذًا ؟ قال : أيُّها الرجلُ، إنه لرسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، وليس يَعْصِي ربَّه ، وهو ناصرُه ، فاستَمْسِكْ بغرزِه ، فواللهِ إنه على الحقِّ. قلتُ : أليسَ كان يُحَدِّثُنَا أَنَّا سنَأْتِي البيتَ ونَطُوفُ به ؟ قال : بلى ، أَفَأَخْبَرَكَ أَنَّك تَأْتِيه العامَ؟ قلتُ: لا . قال : فإنك آتِيه ومُطَوِّفٌ به . قال الزُّهْرِيُّ : قال عمرُ: فعَمِلْتُ لذلكَ أعمالًا . قال : فلما فَرَغَ مِن قضيةِ الكتابِ ، قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لأصحابِه: قوموا فانحَرُوا ثم احْلِقُوا . قال : فواللهِ، ما قام منهم رجلٌ حتى قال ذلك ثلاثَ مراتٍ ، فلما لم يَقُمْ منهم أحدٌ دخَلَ على أمِّ سَلَمَةَ ، فذَكَرَ لها ما لَقِيَ مِن الناسِ ، فقالت أمُّ سَلَمَةَ : يانبيَّ اللهِ ، أَتَحُبُّ ذلك ، اخرُجْ لا تُكَلِّمْ أحدًا منهم كلمةً ، حتى تَنْحَرَ بُدْنَك ، وتَدْعُوَ حالقَك فيَحْلِقَكَ . فخَرَجَ فلم يُكَلِّمْ أحدًا منهم حتى فعَلَ ذلك ، نحَرَ بُدْنَه ، ودعا حالقَه فحَلَقَه ، فلما رأَوْا ذلك قاموا فنَحَرُوا وجعَلَ بعضُهم يَحْلِقُ بعضًا ، حتى كاد بعضُهم يُقْتَلُ غمًّا ، ثم جاءَه نسوةٌ مُؤْمناتٌ ، فأَنْزَلَ اللهُ تعالى : يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن - حتى بلغ - بعصم الكوافر . فطَلَّقَ عمرُ يومئذٍ امرأتين، كانَتَا له في الشركِ ، فتَزَوَّجَ إحداهما معاويةُ بنُ أبي سفيانَ ، والأخرى صفوانُ بنُ أُمَيَّةَ ، ثم رجَعَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى المدينةِ، فجَاءَه أبو بَصِيرٍ ، رجلٌ مِن قريشٍ وهو مسلمٌ، فأَرْسَلُوا في طلبِه رجلين ، فقالوا : العهدَ الذي جَعَلْتَ لنا . فدَفَعَه إلى الرَّجُلَيْن ، فخَرَجا به حتى إذا بلَغَا ذا الحُلَيْفَةِ ، فنزلوا يَأْكُلون مِن تمرٍ لهم ، فقال أبو بَصِيرٍ لأحدِ الرجلين : والله إني لأَرى سيفَك هذا يا فلانُ جيدًا ، فاستلَّه الآخرُ ، فقال : أجلِ ، والله إنه لجيدٌ ، لقد جَرَّبْتُ به ، ثم جَرَّبْتُ. فقال أبو بِصِيرٍ : أًرِنِي أنظُرْ إليه؟ فأَمْكَنَه منه ، فضَرَبَه حتى بَرَدَ ، وفرَّ الآخرُ حتى أتى المدينةَ ، فدَخَلَ المسجدَ يَعْدُو! فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حين رآه : لقد رأى هذا ذُعْرًا . فلما انتهى إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: قُتِلَ واللهِ صاحبي، وإني لمقتولٌ. فجاء أبو بَصِيرٍ، فقال : يا نبيَّ اللهِ ، قد واللهِ أَوْفَى اللهُ ذمتَك ، قد رَدَدْتَني إليهم ، ثم نَجَّانِي اللهُ منهم . قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: وَيْلَ أمِّه ، مِسْعَرُ حربٍ ، لو كان له أحدٌ . فلما سَمِعَ ذلك عَرَفَ أنه سَيَرُدُّه إليهم ، فخَرَجَ حتى أتى سِيفَ البحرِ ، قال : ويَنْفَلِتُ منهم أبو جندلِ بنِ سهيلٍ ، فلَحِقَ بأبي بَصِيرٍ ، فجَعَلَ لا يَخْرُجُ مِن قريشٍ رجلٌ قد أسَلَمَ إلا لِحِقَ بأبي بَصِيرٍ ، حتى اجتمَعَتْ منهم عِصابةٌ، فواللهِ، ما يَسْمَعُونَ بعِيرٍ خَرَجَتْ لقريشٍ إلى الشَّأْمِ إلا اعترضوا لها ، فقَتَلُوهم وأَخَذُوا أموالَهم ، فأَرْسَلَتْ قريشٌ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم تُنَاشِدُه باللهِ والرَّحِمِ لمَّا أَرْسَلَ : فمَن آتاه فهو آمنٌ ، فأَرْسَلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم إليهم ، فأَنْزَلَ الله تعالى : وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم - حتى بلغ - الحمية حمية الجاهلية . وكانت حمِيَّتُهم أنهم لم يُقِرُّوا أنه نبيُّ اللهِ ، ولم يَقُرِّوا ببسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ ، وحالوا بينَهم وبينَ البيتِ .
خرجَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم زمنَ الحُدَيْبِيَّةِ ، حتى كانوا ببعضِ الطريقِ ، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم : إن خالدَ بنَ الوليدِ بالغَمِيمِ ، في خيلٍ لقريشٍ طليعةٍ ، فخذوا ذاتَ اليمينٍ . فواللهِ ما شَعَرَ بهم خالدٌ حتى إذا هم بقَتَرَةِ الجيشِ ، فانطَلَقَ يَرْكُضُ نذيرًا لقريشٍ ، وسار النبيُّ صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالثَّنِيَّةِ التي يَهْبِطُ عليهم منها ، برَكَتْ به راحلتُه ، فقال الناس : حلْ حلْ . فأَلَحَّتْ، فقالوا خَلَأَتِ القَصْواءُ ، خلَأَتِ القصواءُ ! فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: ما خلَأَتِ القصواءُ ، وما ذاك لها بخُلُقٍ ، ولكن حبَسَها حابسُ الفيلِ . ثم قال: والذي نفسي بيدِه ، لا يَسْأَلُونَنِي خطةً يُعَظِّمون فيها حرماتِ اللهِ إلا أَعْطَيْتُهم إيَّاها . ثم زجَرَها فوثَبَتْ ، قال : فعَدَلَ عنهم حتى نزَلَ بأقصى الحديبيةِ على ثَمَدٍ قليلِ الماءِ ، يَتَبَرَّضُه الناسُ تَبَرُّضًا ، فلم يَلْبَثْه الناسُ حتى نَزَحُوه ، وشُكِيَ إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم العطشُ ، فانتَزَعَ سهمًا مِن كِنانتِه ، ثم أمَرَهم أن يَجْعَلُوه فيه ، فواللهِ، مازالَ يَجِيشُ لهم بالرَّيِّ حتى صدروا عنه ، فبينما هم كذلك إذ جاءَ بُدَيْلُ بنُ وَرْقاءَ الخُزَاعِيُّ في نفرٍ مِن قومِه مِن خُزاعةَ ، وكانوا عَيْبَةَ نصحِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِن أهل تِهامةَ ، فقال : إني تَرَكْتُ كعبَ بنَ لُؤَيٍّ، وعامرَ بنَ لُؤَيٍّ نزلوا أعدادَ مياهِ الحديبيةِ ، ومعهم العوذُ المَطافِيلُ ، وهم مُقاتِلوكَ، وصادُّوك عن البيتِ ، فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: إنا لم نَجِئْ لقتالِ أحدٍ ، ولكنَّا جِئْنَا مُعْتَمِرِين ، وإن قريشًا قد نَهِكَتْهم الحربُ ، وأَضَرَّتْ بهم ، فإن شاؤُوا مادَدْتُهم مدةً ، ويُخَلُّوا بيني وبينَ الناسِ ، فإن أظْهَرَ فإن شاؤوا أن يَدْخُلوا فيما دخَلَ فيه الناسُ فعلوا ؛ وإلا فقد جَمُّوا ، وإن هم أبَوْا ، فوالذي نفسي بيدِه لأُقاتِلَنَّهم على أمري هذا حتى تَنْفَرِدَ سالفتي ، وليَنْقَذَنَّ اللهُ أمرَه . فقال بُدْيلُ : سأُبْلِغُهم ما تقولُ . قال : فانطَلَقَ حتى أتى قريشًا ، قال : إنا قد جِئْنَاكم مِن هذا الرجلِ ، وسَمِعْنَاه يقولُ قولًا ، فإن شِئْتُم أن نَعْرِضَه عليكم فعَلْنَا ، فقال سفهاؤُهم : لا حاجةَ لنا أن تُخْبِرَنا عنه بشيءٍ ، وقال ذَوُو الرأيِ منهم : هاتِ ما سَمِعْتَه يقولُ . قال : سَمِعْتُه يقولُ كذا وكذا ، فحَدَّثَهم بما قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم ، فقام عروةُ بنُ مسعودٍ فقال : أَيْ قومُ ، أَلَسْتُم بالوالدِ ؟ قالوا : بلى. قال : أو لسْتُ بالولدِ ؟ قالوا : بلى. قال : فهل تَتَّهِمُونني ؟ قالوا : لا. قال : ألستم تَعْلَمُون أني استَنْفَرْتُ أهلَ عُكاظٍ ، فلما بَلَّحوا عليَّ جِئْتُكم بأهلي، وولدِي، ومَن أطاعَنِي ؟ قالوا : بلى. قال : فإن هذا قد عَرَضَ لكم خطةَ رُشْدٍ ، اقبلوها ودَعُوني آتِيه ، قالوا : ائْتِه . فأَتَاه ، فجَعل يُكَلِّمُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: نحوًا مِن قولِه لبُدَيْلٍ ، فقال عروةُ عندَ ذلك : أَيْ محمدُ ، أَرَأَيْتَ إن استَأْصَلْتَ أمرَ قومِك ، هل سَمِعْتَ بأحدٍ مِن العربِ اجتاحَ أهلَه قبلَكَ ؟! وإن تَكُنْ الأخرى، فإني واللهِ، لَأَرَىَ وجوهًا ، وإني لَأَرى أشوابًا مِن الناسِ خليقًا أن يَفِرُّوا ويَدَعُوكَ ، فقال له أبو بكرٍ : امْصُصْ ببظرِ اللاتِ! أنَحْنُ نَفِرُّ عنه ونَدَعُه ؟ فقال : مَن ذا ؟ قالوا : أبو بكرٍ . قال: أما والذي نفسي بيدِه ، لولا يدٌ كانت لك عندي لم أُجْزِكْ بها لأَجَبْتُكَ . قال : وجعَلَ يُكَلِّمُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فكلما تكَلَّمَ أخَذَ بلحيتِه ، والمغيرةُ بنُ شعبةَ قائمٌ على رأسِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ، ومعه السيفُ، وعليه المِغْفَرُ ، فكُلَّمَا أهوى عروةُ بيدِه إلى لحيةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ضرَبَ يدَه بنعلِ السيفِ ، وقال له: أَخِّرْ يدَك عن لحيةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ، فرَفَعَ عروةُ رأسَه ، فقال : مَن هذا ؟ قالوا : المغيرةُ بنُ شعبةَ. فقال : أَيْ غُدَرُ ، أَلَسْتُ أَسعى في غَدْرَتِك. وكان المغيرةُ صَحِبَ قومًا في الجاهليةِ فقَتَلَهم ، وأخَذَ أموالَهم ، ثم جاء فأَسْلَمَ ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: أَمَّا الإسلامُ فأَقْبَلُ ، وأَمَّا المالُ فلَسْتُ منه في شيءٍ . ثم إن عروةَ جعَلَ يَرْمُقُ أصحابَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم بعينِه ، قال : فواللهِ، ما تَنَخَّمَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم نُخَامَةَ إلا وقَعَتْ في كفِّ رجلٍ منهم ، فدَلَّكَ بها وجهَه وجلدَه ، وإذا أمَرَهم ابتدروا أمرَه ، وإذا توضأَ كادوا يَقْتَتِلون على وضوئِه ، وإذا تكَلَّمَ خَفَضُوا أصواتَهم عندَه ، وما يُحِدُّون إليه النظرَ؛ تعظيمًا له ، فرجَعَ عروةُ إلى أصحابِه فقال: أَيْ قومُ ، واللهِ، لقد وفَدْتُ على الملوكِ ، ووَفَدْتُ على قَيْصَرَ، وكسرى، والنَجَاشِيِّ ، واللهِ، إن رَأَيْتُ مِلْكًا قطُّ يُعِظِّمُه أصحابُه ما يُعِظِّمُ أصحابُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم محمدًا ، واللهِ، إن تَنَخَّمَ نُخامةً إلا وقَعَتْ في كفِّ رجلٍ منهم فدَلَّك بها وجهَه وجلدَه ، وإذا أَمَرَهم ابتدروا أمرَه ، وإذا توضأَ كادوا يَقْتَتِلون على وضوئِه ، وإذا تكَلَّم خَفَّضُوا أصواتَهم عندَه ، وما يُحِدُّون إليه النظرَ؛ تعظيمًا له، وإنه قد عَرَضَ عليكم خطةَ رُشْدٍ فأَقْبَلُوها . فقال رجلٌ مِن بني كِنانةَ : دَعُوني آتِيه . فقالوا : ائتِه . فلما أَشْرَفَ على النبيِّ صلى الله عليه وسلم وأصحابِه ، قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: هذا فلانٌ ، وهو مِن قوم يُعَظِّمون البُدْنَ ، فابعثُوها له. فبُعِثَتْ له ، واستَقْبَلَه الناسُ يُلَبُّون ، فلما رأى ذلك قال : سبحانَ اللهِ ، ما ينبغي لهؤلاء أن يُصَدُّوا عن البيتِ ، فلما رجَعَ إلى أصحابِه قال : رأَيْتُ قد قُلِّدَتْ وأُشِعْرَتْ ، فما أرى أن يُصَدُّوا عن البيتِ . فقام رجلٌ منهم ، يَقالُ له: مِكْرَزُ بْنُ حفصٍ ، فقال : دعوني آتيه . فقالوا : ائْتِه. فلما أَشْرَفَ عليهم ، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم : هذا مِكْرَزٌ ، وهو رجلٌ فاجرٌ. فجَعَلَ يُكَلِّمُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فبينما هو يُكَلِّمُه؛ إذ جاء سُهَيْلُ بنُ عمرٍو . قال مَعْمَرٌ : فأَخْبَرَني أيوبُ ، عن عَكْرِمَةَ : أنه لما جاءَ سُهَيْلُ بنُ عمرٍو: قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: لقد سَهُلَ لكم مِن أمرِكم. قال مَعْمَرٌ : قال الزهريُّ في حديثِه : فجاءَ سهيلُ بنُ عمرٍو فقال: هاتِ اكتُبْ بينَنَا وبينَكم كتابًا، فدعا النبيُّ صلى الله عليه وسلم الكاتبَ ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ . قال سهيلٌ : أَمَّا الرحمنُ فواللهِ ما أدري ما هو ، ولكن اكتُبْ باسمِك اللهمَّ، كما كنتَ تَكْتُبْ . فقال المسلمون : واللهِ لا نَكْتُبْها إلا بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ . فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: اكتُبْ باسمِك اللهمَّ . ثم قال: هذا ما قاضى عليه محمدٌ رسولُ اللهِ . فقال سهيلٌ : واللهِ، لو كنَّا نَعْلَمُ أنك رسولُ اللهِ ما صَدَدْنَاك عن البيتِ، ولا قاتلْنَاك ، ولكِنْ اكتُبْ : محمدُ بنُ عبدِ اللهِ ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: واللهِ، إني لرسولُ اللهِ وإن كَذَّبْتُموني ، اكتُبْ : محمدُ بنُ عبدِ الله . قال الزُّهْرِيُّ : وذلك لقولِه: لا يَسْأَلُونَنِي خطةً يُعِظِّمون بها حرماتِ اللهِ إلا أَعْطَيْتُهم إيَّاها. فقال له النبيُّ صلى الله عليه وسلم : على أن تُخَلُّوا بينَنا وبينَ البيت فنَطُوفُ به. فقال سهيلٌ : واللهِ، لا تَتَحَدَّثُ العربُ أَنَّا أُخِذْنَا ضُغْطَةً؛ ولكن ذلك مِن العامِ المُقْبِلِ . فكتَبَ ، فقال سهيلٌ : وعلى أنه لا يَأْتِيك منا رجلٌ ، وإن كان على دينِك إلا ردَدْتَه إلينا . قال المسلمون : سبحانَ اللهِ ! كيف يُرَدُّ إلى المشركين وقد جاء مسلمًا! فبينما هم كذلك؛ إذ دخَلَ أبو جَنْدَلٍ بنُ سُهَيْلِ بنِ عمرٍو يَرْسُفُ في قيودِه ، وقد خرَجَ ِمِن أسفلِ مكةَ حتى رَمى بنفسِه بينَ أظهرِ المسلمين ، فقال سهيلٌ : هذا يا محمدُ ، أولُ ما أُقاضِيكَ عليه أن تَرُدَّه إليَّ . فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: إنا لم نَقْضِ الكتابَ بعدُ. قال: فواللهِ، إذًا لم أُصَالِحْكَ على شيءٍ أبدًا ، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: فأَجِزْه لي . قال : ما أنا بمجيزِه لكَ . قال: بلى فافْعَلْ . قال : ما أنا بفاعلٍ . قال مِكْرَزٌ : بل قد أَجَزْنَاه لك . قال أبو جندلٍ : أَيْ معشرَ المسلمين ، أُرَدُّ إلى المشركين وقد جِئْتُ مسلمًا ، ألا ترون ما قد لَقِيتُ ؟ وكان قد عُذِّبَ عذابًا شديدًا في اللهِ . قال : فقال عمرُ بنُ الخطابِ : فأَتَيْتُ نبيَّ اللهِ صلى الله عليه وسلم فقُلْتُ : ألستَ نبيَّ اللهِ حقًّا ؟ قال: بلى . قلتُ : أَلَسْنَا على الحقِّ، وعدوُّنَا على الباطلِ ؟ قال: بلى. قلتُ : فلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ في دينِنَا إذًا ؟ قال: إني رسولُ اللهِ ، ولَسْتُ أَعْصِيه ، وهو ناصرِي . قلتُ: أَوَلَيْسَ كنتَ تُحَدِّثُنَا أَنَّا سنأتي البيتَ فنَطُوفُ به ؟ قال : بلى، فأَخْبَرْتُك أَنَّا نَأْتِيه العامَ؟ قال : قلتُ: لا. قال: فإنك آتيه ومُطَوِّفٌ به . قال : فأَتَيْتُ أبا بكرٍ فقُلْتُ : يا أبا بكرٍ ، أليس هذا نبيَّ اللهِ حقًّا ؟ قال: بلى . قلتُ : أَلَسْنَا على الحقِّ، وعدُّونا على الباطلِ ؟ قال : بلى . قلتُ : فلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ في ديننِا إذًا ؟ قال : أيُّها الرجلُ، إنه لرسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، وليس يَعْصِي ربَّه ، وهو ناصرُه ، فاستَمْسِكْ بغرزِه ، فواللهِ إنه على الحقِّ. قلتُ : أليسَ كان يُحَدِّثُنَا أَنَّا سنَأْتِي البيتَ ونَطُوفُ به ؟ قال : بلى ، أَفَأَخْبَرَكَ أَنَّك تَأْتِيه العامَ؟ قلتُ: لا . قال : فإنك آتِيه ومُطَوِّفٌ به . قال الزُّهْرِيُّ : قال عمرُ: فعَمِلْتُ لذلكَ أعمالًا . قال : فلما فَرَغَ مِن قضيةِ الكتابِ ، قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لأصحابِه: قوموا فانحَرُوا ثم احْلِقُوا . قال : فواللهِ، ما قام منهم رجلٌ حتى قال ذلك ثلاثَ مراتٍ ، فلما لم يَقُمْ منهم أحدٌ دخَلَ على أمِّ سَلَمَةَ ، فذَكَرَ لها ما لَقِيَ مِن الناسِ ، فقالت أمُّ سَلَمَةَ : يانبيَّ اللهِ ، أَتَحُبُّ ذلك ، اخرُجْ لا تُكَلِّمْ أحدًا منهم كلمةً ، حتى تَنْحَرَ بُدْنَك ، وتَدْعُوَ حالقَك فيَحْلِقَكَ . فخَرَجَ فلم يُكَلِّمْ أحدًا منهم حتى فعَلَ ذلك ، نحَرَ بُدْنَه ، ودعا حالقَه فحَلَقَه ، فلما رأَوْا ذلك قاموا فنَحَرُوا وجعَلَ بعضُهم يَحْلِقُ بعضًا ، حتى كاد بعضُهم يُقْتَلُ غمًّا ، ثم جاءَه نسوةٌ مُؤْمناتٌ ، فأَنْزَلَ اللهُ تعالى : يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن - حتى بلغ - بعصم الكوافر . فطَلَّقَ عمرُ يومئذٍ امرأتين، كانَتَا له في الشركِ ، فتَزَوَّجَ إحداهما معاويةُ بنُ أبي سفيانَ ، والأخرى صفوانُ بنُ أُمَيَّةَ ، ثم رجَعَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى المدينةِ، فجَاءَه أبو بَصِيرٍ ، رجلٌ مِن قريشٍ وهو مسلمٌ، فأَرْسَلُوا في طلبِه رجلين ، فقالوا : العهدَ الذي جَعَلْتَ لنا . فدَفَعَه إلى الرَّجُلَيْن ، فخَرَجا به حتى إذا بلَغَا ذا الحُلَيْفَةِ ، فنزلوا يَأْكُلون مِن تمرٍ لهم ، فقال أبو بَصِيرٍ لأحدِ الرجلين : والله إني لأَرى سيفَك هذا يا فلانُ جيدًا ، فاستلَّه الآخرُ ، فقال : أجلِ ، والله إنه لجيدٌ ، لقد جَرَّبْتُ به ، ثم جَرَّبْتُ. فقال أبو بِصِيرٍ : أًرِنِي أنظُرْ إليه؟ فأَمْكَنَه منه ، فضَرَبَه حتى بَرَدَ ، وفرَّ الآخرُ حتى أتى المدينةَ ، فدَخَلَ المسجدَ يَعْدُو! فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حين رآه : لقد رأى هذا ذُعْرًا . فلما انتهى إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: قُتِلَ واللهِ صاحبي، وإني لمقتولٌ. فجاء أبو بَصِيرٍ، فقال : يا نبيَّ اللهِ ، قد واللهِ أَوْفَى اللهُ ذمتَك ، قد رَدَدْتَني إليهم ، ثم نَجَّانِي اللهُ منهم . قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: وَيْلَ أمِّه ، مِسْعَرُ حربٍ ، لو كان له أحدٌ . فلما سَمِعَ ذلك عَرَفَ أنه سَيَرُدُّه إليهم ، فخَرَجَ حتى أتى سِيفَ البحرِ ، قال : ويَنْفَلِتُ منهم أبو جندلِ بنِ سهيلٍ ، فلَحِقَ بأبي بَصِيرٍ ، فجَعَلَ لا يَخْرُجُ مِن قريشٍ رجلٌ قد أسَلَمَ إلا لِحِقَ بأبي بَصِيرٍ ، حتى اجتمَعَتْ منهم عِصابةٌ، فواللهِ، ما يَسْمَعُونَ بعِيرٍ خَرَجَتْ لقريشٍ إلى الشَّأْمِ إلا اعترضوا لها ، فقَتَلُوهم وأَخَذُوا أموالَهم ، فأَرْسَلَتْ قريشٌ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم تُنَاشِدُه باللهِ والرَّحِمِ لمَّا أَرْسَلَ : فمَن آتاه فهو آمنٌ ، فأَرْسَلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم إليهم ، فأَنْزَلَ الله تعالى : وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم - حتى بلغ - الحمية حمية الجاهلية . وكانت حمِيَّتُهم أنهم لم يُقِرُّوا أنه نبيُّ اللهِ ، ولم يَقُرِّوا ببسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ ، وحالوا بينَهم وبينَ البيتِ .
خرجَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم زمنَ الحُدَيْبِيَّةِ ، حتى كانوا ببعضِ الطريقِ ، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم : إن خالدَ بنَ الوليدِ بالغَمِيمِ ، في خيلٍ لقريشٍ طليعةٍ ، فخذوا ذاتَ اليمينٍ . فواللهِ ما شَعَرَ بهم خالدٌ حتى إذا هم بقَتَرَةِ الجيشِ ، فانطَلَقَ يَرْكُضُ نذيرًا لقريشٍ ، وسار النبيُّ صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالثَّنِيَّةِ التي يَهْبِطُ عليهم منها ، برَكَتْ به راحلتُه ، فقال الناس : حلْ حلْ . فأَلَحَّتْ، فقالوا خَلَأَتِ القَصْواءُ ، خلَأَتِ القصواءُ ! فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: ما خلَأَتِ القصواءُ ، وما ذاك لها بخُلُقٍ ، ولكن حبَسَها حابسُ الفيلِ . ثم قال: والذي نفسي بيدِه ، لا يَسْأَلُونَنِي خطةً يُعَظِّمون فيها حرماتِ اللهِ إلا أَعْطَيْتُهم إيَّاها . ثم زجَرَها فوثَبَتْ ، قال : فعَدَلَ عنهم حتى نزَلَ بأقصى الحديبيةِ على ثَمَدٍ قليلِ الماءِ ، يَتَبَرَّضُه الناسُ تَبَرُّضًا ، فلم يَلْبَثْه الناسُ حتى نَزَحُوه ، وشُكِيَ إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم العطشُ ، فانتَزَعَ سهمًا مِن كِنانتِه ، ثم أمَرَهم أن يَجْعَلُوه فيه ، فواللهِ، مازالَ يَجِيشُ لهم بالرَّيِّ حتى صدروا عنه ، فبينما هم كذلك إذ جاءَ بُدَيْلُ بنُ وَرْقاءَ الخُزَاعِيُّ في نفرٍ مِن قومِه مِن خُزاعةَ ، وكانوا عَيْبَةَ نصحِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِن أهل تِهامةَ ، فقال : إني تَرَكْتُ كعبَ بنَ لُؤَيٍّ، وعامرَ بنَ لُؤَيٍّ نزلوا أعدادَ مياهِ الحديبيةِ ، ومعهم العوذُ المَطافِيلُ ، وهم مُقاتِلوكَ، وصادُّوك عن البيتِ ، فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: إنا لم نَجِئْ لقتالِ أحدٍ ، ولكنَّا جِئْنَا مُعْتَمِرِين ، وإن قريشًا قد نَهِكَتْهم الحربُ ، وأَضَرَّتْ بهم ، فإن شاؤُوا مادَدْتُهم مدةً ، ويُخَلُّوا بيني وبينَ الناسِ ، فإن أظْهَرَ فإن شاؤوا أن يَدْخُلوا فيما دخَلَ فيه الناسُ فعلوا ؛ وإلا فقد جَمُّوا ، وإن هم أبَوْا ، فوالذي نفسي بيدِه لأُقاتِلَنَّهم على أمري هذا حتى تَنْفَرِدَ سالفتي ، وليَنْقَذَنَّ اللهُ أمرَه . فقال بُدْيلُ : سأُبْلِغُهم ما تقولُ . قال : فانطَلَقَ حتى أتى قريشًا ، قال : إنا قد جِئْنَاكم مِن هذا الرجلِ ، وسَمِعْنَاه يقولُ قولًا ، فإن شِئْتُم أن نَعْرِضَه عليكم فعَلْنَا ، فقال سفهاؤُهم : لا حاجةَ لنا أن تُخْبِرَنا عنه بشيءٍ ، وقال ذَوُو الرأيِ منهم : هاتِ ما سَمِعْتَه يقولُ . قال : سَمِعْتُه يقولُ كذا وكذا ، فحَدَّثَهم بما قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم ، فقام عروةُ بنُ مسعودٍ فقال : أَيْ قومُ ، أَلَسْتُم بالوالدِ ؟ قالوا : بلى. قال : أو لسْتُ بالولدِ ؟ قالوا : بلى. قال : فهل تَتَّهِمُونني ؟ قالوا : لا. قال : ألستم تَعْلَمُون أني استَنْفَرْتُ أهلَ عُكاظٍ ، فلما بَلَّحوا عليَّ جِئْتُكم بأهلي، وولدِي، ومَن أطاعَنِي ؟ قالوا : بلى. قال : فإن هذا قد عَرَضَ لكم خطةَ رُشْدٍ ، اقبلوها ودَعُوني آتِيه ، قالوا : ائْتِه . فأَتَاه ، فجَعل يُكَلِّمُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: نحوًا مِن قولِه لبُدَيْلٍ ، فقال عروةُ عندَ ذلك : أَيْ محمدُ ، أَرَأَيْتَ إن استَأْصَلْتَ أمرَ قومِك ، هل سَمِعْتَ بأحدٍ مِن العربِ اجتاحَ أهلَه قبلَكَ ؟! وإن تَكُنْ الأخرى، فإني واللهِ، لَأَرَىَ وجوهًا ، وإني لَأَرى أشوابًا مِن الناسِ خليقًا أن يَفِرُّوا ويَدَعُوكَ ، فقال له أبو بكرٍ : امْصُصْ ببظرِ اللاتِ! أنَحْنُ نَفِرُّ عنه ونَدَعُه ؟ فقال : مَن ذا ؟ قالوا : أبو بكرٍ . قال: أما والذي نفسي بيدِه ، لولا يدٌ كانت لك عندي لم أُجْزِكْ بها لأَجَبْتُكَ . قال : وجعَلَ يُكَلِّمُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فكلما تكَلَّمَ أخَذَ بلحيتِه ، والمغيرةُ بنُ شعبةَ قائمٌ على رأسِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ، ومعه السيفُ، وعليه المِغْفَرُ ، فكُلَّمَا أهوى عروةُ بيدِه إلى لحيةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ضرَبَ يدَه بنعلِ السيفِ ، وقال له: أَخِّرْ يدَك عن لحيةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ، فرَفَعَ عروةُ رأسَه ، فقال : مَن هذا ؟ قالوا : المغيرةُ بنُ شعبةَ. فقال : أَيْ غُدَرُ ، أَلَسْتُ أَسعى في غَدْرَتِك. وكان المغيرةُ صَحِبَ قومًا في الجاهليةِ فقَتَلَهم ، وأخَذَ أموالَهم ، ثم جاء فأَسْلَمَ ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: أَمَّا الإسلامُ فأَقْبَلُ ، وأَمَّا المالُ فلَسْتُ منه في شيءٍ . ثم إن عروةَ جعَلَ يَرْمُقُ أصحابَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم بعينِه ، قال : فواللهِ، ما تَنَخَّمَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم نُخَامَةَ إلا وقَعَتْ في كفِّ رجلٍ منهم ، فدَلَّكَ بها وجهَه وجلدَه ، وإذا أمَرَهم ابتدروا أمرَه ، وإذا توضأَ كادوا يَقْتَتِلون على وضوئِه ، وإذا تكَلَّمَ خَفَضُوا أصواتَهم عندَه ، وما يُحِدُّون إليه النظرَ؛ تعظيمًا له ، فرجَعَ عروةُ إلى أصحابِه فقال : أَيْ قومُ ، واللهِ، لقد وفَدْتُ على الملوكِ ، ووَفَدْتُ على قَيْصَرَ، وكسرى، والنَجَاشِيِّ ، واللهِ، إن رَأَيْتُ مِلْكًا قطُّ يُعِظِّمُه أصحابُه ما يُعِظِّمُ أصحابُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم محمدًا ، واللهِ، إن تَنَخَّمَ نُخامةً إلا وقَعَتْ في كفِّ رجلٍ منهم فدَلَّك بها وجهَه وجلدَه ، وإذا أَمَرَهم ابتدروا أمرَه ، وإذا توضأَ كادوا يَقْتَتِلون على وضوئِه ، وإذا تكَلَّم خَفَّضُوا أصواتَهم عندَه ، وما يُحِدُّون إليه النظرَ؛ تعظيمًا له، وإنه قد عَرَضَ عليكم خطةَ رُشْدٍ فأَقْبَلُوها . فقال رجلٌ مِن بني كِنانةَ : دَعُوني آتِيه . فقالوا : ائتِه . فلما أَشْرَفَ على النبيِّ صلى الله عليه وسلم وأصحابِه ، قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: هذا فلانٌ ، وهو مِن قوم يُعَظِّمون البُدْنَ ، فابعثُوها له. فبُعِثَتْ له ، واستَقْبَلَه الناسُ يُلَبُّون ، فلما رأى ذلك قال : سبحانَ اللهِ ، ما ينبغي لهؤلاء أن يُصَدُّوا عن البيتِ ، فلما رجَعَ إلى أصحابِه قال : رأَيْتُ قد قُلِّدَتْ وأُشِعْرَتْ ، فما أرى أن يُصَدُّوا عن البيتِ . فقام رجلٌ منهم ، يَقالُ له: مِكْرَزُ بْنُ حفصٍ ، فقال : دعوني آتيه . فقالوا : ائْتِه. فلما أَشْرَفَ عليهم ، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم : هذا مِكْرَزٌ ، وهو رجلٌ فاجرٌ. فجَعَلَ يُكَلِّمُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فبينما هو يُكَلِّمُه؛ إذ جاء سُهَيْلُ بنُ عمرٍو . قال مَعْمَرٌ : فأَخْبَرَني أيوبُ ، عن عَكْرِمَةَ : أنه لما جاءَ سُهَيْلُ بنُ عمرٍو: قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: لقد سَهُلَ لكم مِن أمرِكم. قال مَعْمَرٌ : قال الزهريُّ في حديثِه : فجاءَ سهيلُ بنُ عمرٍو فقال : هاتِ اكتُبْ بينَنَا وبينَكم كتابًا، فدعا النبيُّ صلى الله عليه وسلم الكاتبَ ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ . قال سهيلٌ : أَمَّا الرحمنُ فواللهِ ما أدري ما هو ، ولكن اكتُبْ باسمِك اللهمَّ، كما كنتَ تَكْتُبْ . فقال المسلمون : واللهِ لا نَكْتُبْها إلا بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ . فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: اكتُبْ باسمِك اللهمَّ . ثم قال: هذا ما قاضى عليه محمدٌ رسولُ اللهِ . فقال سهيلٌ : واللهِ، لو كنَّا نَعْلَمُ أنك رسولُ اللهِ ما صَدَدْنَاك عن البيتِ، ولا قاتلْنَاك ، ولكِنْ اكتُبْ : محمدُ بنُ عبدِ اللهِ ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: واللهِ، إني لرسولُ اللهِ وإن كَذَّبْتُموني ، اكتُبْ : محمدُ بنُ عبدِ الله . قال الزُّهْرِيُّ : وذلك لقولِه: لا يَسْأَلُونَنِي خطةً يُعِظِّمون بها حرماتِ اللهِ إلا أَعْطَيْتُهم إيَّاها. فقال له النبيُّ صلى الله عليه وسلم : على أن تُخَلُّوا بينَنا وبينَ البيت فنَطُوفُ به. فقال سهيلٌ : واللهِ، لا تَتَحَدَّثُ العربُ أَنَّا أُخِذْنَا ضُغْطَةً؛ ولكن ذلك مِن العامِ المُقْبِلِ . فكتَبَ ، فقال سهيلٌ : وعلى أنه لا يَأْتِيك منا رجلٌ ، وإن كان على دينِك إلا ردَدْتَه إلينا . قال المسلمون : سبحانَ اللهِ ! كيف يُرَدُّ إلى المشركين وقد جاء مسلمًا! فبينما هم كذلك؛ إذ دخَلَ أبو جَنْدَلٍ بنُ سُهَيْلِ بنِ عمرٍو يَرْسُفُ في قيودِه ، وقد خرَجَ ِمِن أسفلِ مكةَ حتى رَمى بنفسِه بينَ أظهرِ المسلمين ، فقال سهيلٌ : هذا يا محمدُ، أولُ ما أُقاضِيكَ عليه أن تَرُدَّه إليَّ . فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: إنا لم نَقْضِ الكتابَ بعدُ. قال: فواللهِ، إذًا لم أُصَالِحْكَ على شيءٍ أبدًا ، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: فأَجِزْه لي . قال : ما أنا بمجيزِه لكَ . قال: بلى فافْعَلْ . قال : ما أنا بفاعلٍ . قال مِكْرَزٌ : بل قد أَجَزْنَاه لك . قال أبو جندلٍ : أَيْ معشرَ المسلمين ، أُرَدُّ إلى المشركين وقد جِئْتُ مسلمًا ، ألا ترون ما قد لَقِيتُ ؟ وكان قد عُذِّبَ عذابًا شديدًا في اللهِ . قال : فقال عمرُ بنُ الخطابِ : فأَتَيْتُ نبيَّ اللهِ صلى الله عليه وسلم فقُلْتُ : ألستَ نبيَّ اللهِ حقًّا ؟ قال: بلى . قلتُ : أَلَسْنَا على الحقِّ، وعدوُّنَا على الباطلِ ؟ قال: بلى. قلتُ : فلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ في دينِنَا إذًا ؟ قال: إني رسولُ اللهِ ، ولَسْتُ أَعْصِيه ، وهو ناصرِي . قلتُ: أَوَلَيْسَ كنتَ تُحَدِّثُنَا أَنَّا سنأتي البيتَ فنَطُوفُ به ؟ قال : بلى، فأَخْبَرْتُك أَنَّا نَأْتِيه العامَ؟ قال : قلتُ: لا. قال: فإنك آتيه ومُطَوِّفٌ به . قال : فأَتَيْتُ أبا بكرٍ فقُلْتُ : يا أبا بكرٍ ، أليس هذا نبيَّ اللهِ حقًّا ؟ قال: بلى . قلتُ : أَلَسْنَا على الحقِّ، وعدُّونا على الباطلِ ؟ قال : بلى . قلتُ : فلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ في ديننِا إذًا ؟ قال : أيُّها الرجلُ، إنه لرسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، وليس يَعْصِي ربَّه ، وهو ناصرُه ، فاستَمْسِكْ بغرزِه ، فواللهِ إنه على الحقِّ. قلتُ : أليسَ كان يُحَدِّثُنَا أَنَّا سنَأْتِي البيتَ ونَطُوفُ به ؟ قال : بلى ، أَفَأَخْبَرَكَ أَنَّك تَأْتِيه العامَ؟ قلتُ: لا . قال : فإنك آتِيه ومُطَوِّفٌ به . قال الزُّهْرِيُّ : قال عمرُ: فعَمِلْتُ لذلكَ أعمالًا . قال : فلما فَرَغَ مِن قضيةِ الكتابِ ، قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لأصحابِه: قوموا فانحَرُوا ثم احْلِقُوا . قال : فواللهِ، ما قام منهم رجلٌ حتى قال ذلك ثلاثَ مراتٍ ، فلما لم يَقُمْ منهم أحدٌ دخَلَ على أمِّ سَلَمَةَ ، فذَكَرَ لها ما لَقِيَ مِن الناسِ ، فقالت أمُّ سَلَمَةَ : يانبيَّ اللهِ ، أَتَحُبُّ ذلك ، اخرُجْ لا تُكَلِّمْ أحدًا منهم كلمةً ، حتى تَنْحَرَ بُدْنَك ، وتَدْعُوَ حالقَك فيَحْلِقَكَ . فخَرَجَ فلم يُكَلِّمْ أحدًا منهم حتى فعَلَ ذلك ، نحَرَ بُدْنَه ، ودعا حالقَه فحَلَقَه ، فلما رأَوْا ذلك قاموا فنَحَرُوا وجعَلَ بعضُهم يَحْلِقُ بعضًا ، حتى كاد بعضُهم يُقْتَلُ غمًّا ، ثم جاءَه نسوةٌ مُؤْمناتٌ ، فأَنْزَلَ اللهُ تعالى : يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن - حتى بلغ - بعصم الكوافر . فطَلَّقَ عمرُ يومئذٍ امرأتين، كانَتَا له في الشركِ ، فتَزَوَّجَ إحداهما معاويةُ بنُ أبي سفيانَ ، والأخرى صفوانُ بنُ أُمَيَّةَ ، ثم رجَعَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى المدينةِ، فجَاءَه أبو بَصِيرٍ ، رجلٌ مِن قريشٍ وهو مسلمٌ، فأَرْسَلُوا في طلبِه رجلين ، فقالوا : العهدَ الذي جَعَلْتَ لنا . فدَفَعَه إلى الرَّجُلَيْن ، فخَرَجا به حتى إذا بلَغَا ذا الحُلَيْفَةِ ، فنزلوا يَأْكُلون مِن تمرٍ لهم ، فقال أبو بَصِيرٍ لأحدِ الرجلين : والله إني لأَرى سيفَك هذا يا فلانُ جيدًا ، فاستلَّه الآخرُ ، فقال : أجلِ ، والله إنه لجيدٌ ، لقد جَرَّبْتُ به ، ثم جَرَّبْتُ. فقال أبو بِصِيرٍ : أًرِنِي أنظُرْ إليه؟ فأَمْكَنَه منه ، فضَرَبَه حتى بَرَدَ ، وفرَّ الآخرُ حتى أتى المدينةَ ، فدَخَلَ المسجدَ يَعْدُو! فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حين رآه : لقد رأى هذا ذُعْرًا . فلما انتهى إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: قُتِلَ واللهِ صاحبي، وإني لمقتولٌ. فجاء أبو بَصِيرٍ، فقال : يا نبيَّ اللهِ ، قد واللهِ أَوْفَى اللهُ ذمتَك ، قد رَدَدْتَني إليهم ، ثم نَجَّانِي اللهُ منهم . قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: وَيْلَ أمِّه ، مِسْعَرُ حربٍ ، لو كان له أحدٌ . فلما سَمِعَ ذلك عَرَفَ أنه سَيَرُدُّه إليهم ، فخَرَجَ حتى أتى سِيفَ البحرِ ، قال : ويَنْفَلِتُ منهم أبو جندلِ بنِ سهيلٍ ، فلَحِقَ بأبي بَصِيرٍ ، فجَعَلَ لا يَخْرُجُ مِن قريشٍ رجلٌ قد أسَلَمَ إلا لِحِقَ بأبي بَصِيرٍ ، حتى اجتمَعَتْ منهم عِصابةٌ، فواللهِ، ما يَسْمَعُونَ بعِيرٍ خَرَجَتْ لقريشٍ إلى الشَّأْمِ إلا اعترضوا لها ، فقَتَلُوهم وأَخَذُوا أموالَهم ، فأَرْسَلَتْ قريشٌ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم تُنَاشِدُه باللهِ والرَّحِمِ لمَّا أَرْسَلَ : فمَن آتاه فهو آمنٌ ، فأَرْسَلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم إليهم ، فأَنْزَلَ الله تعالى : وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم - حتى بلغ - الحمية حمية الجاهلية . وكانت حمِيَّتُهم أنهم لم يُقِرُّوا أنه نبيُّ اللهِ ، ولم يَقُرِّوا ببسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ ، وحالوا بينَهم وبينَ البيتِ .
خرجَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم زمنَ الحُدَيْبِيَّةِ ، حتى كانوا ببعضِ الطريقِ ، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم : إن خالدَ بنَ الوليدِ بالغَمِيمِ ، في خيلٍ لقريشٍ طليعةٍ ، فخذوا ذاتَ اليمينٍ . فواللهِ ما شَعَرَ بهم خالدٌ حتى إذا هم بقَتَرَةِ الجيشِ ، فانطَلَقَ يَرْكُضُ نذيرًا لقريشٍ ، وسار النبيُّ صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالثَّنِيَّةِ التي يَهْبِطُ عليهم منها ، برَكَتْ به راحلتُه ، فقال الناس : حلْ حلْ . فأَلَحَّتْ، فقالوا خَلَأَتِ القَصْواءُ ، خلَأَتِ القصواءُ ! فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: ما خلَأَتِ القصواءُ ، وما ذاك لها بخُلُقٍ ، ولكن حبَسَها حابسُ الفيلِ . ثم قال: والذي نفسي بيدِه ، لا يَسْأَلُونَنِي خطةً يُعَظِّمون فيها حرماتِ اللهِ إلا أَعْطَيْتُهم إيَّاها . ثم زجَرَها فوثَبَتْ ، قال : فعَدَلَ عنهم حتى نزَلَ بأقصى الحديبيةِ على ثَمَدٍ قليلِ الماءِ ، يَتَبَرَّضُه الناسُ تَبَرُّضًا ، فلم يَلْبَثْه الناسُ حتى نَزَحُوه ، وشُكِيَ إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم العطشُ ، فانتَزَعَ سهمًا مِن كِنانتِه ، ثم أمَرَهم أن يَجْعَلُوه فيه ، فواللهِ، مازالَ يَجِيشُ لهم بالرَّيِّ حتى صدروا عنه ، فبينما هم كذلك إذ جاءَ بُدَيْلُ بنُ وَرْقاءَ الخُزَاعِيُّ في نفرٍ مِن قومِه مِن خُزاعةَ ، وكانوا عَيْبَةَ نصحِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِن أهل تِهامةَ ، فقال : إني تَرَكْتُ كعبَ بنَ لُؤَيٍّ، وعامرَ بنَ لُؤَيٍّ نزلوا أعدادَ مياهِ الحديبيةِ ، ومعهم العوذُ المَطافِيلُ ، وهم مُقاتِلوكَ، وصادُّوك عن البيتِ ، فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: إنا لم نَجِئْ لقتالِ أحدٍ ، ولكنَّا جِئْنَا مُعْتَمِرِين ، وإن قريشًا قد نَهِكَتْهم الحربُ ، وأَضَرَّتْ بهم ، فإن شاؤُوا مادَدْتُهم مدةً ، ويُخَلُّوا بيني وبينَ الناسِ ، فإن أظْهَرَ فإن شاؤوا أن يَدْخُلوا فيما دخَلَ فيه الناسُ فعلوا ؛ وإلا فقد جَمُّوا ، وإن هم أبَوْا ، فوالذي نفسي بيدِه لأُقاتِلَنَّهم على أمري هذا حتى تَنْفَرِدَ سالفتي ، وليَنْقَذَنَّ اللهُ أمرَه . فقال بُدْيلُ : سأُبْلِغُهم ما تقولُ . قال : فانطَلَقَ حتى أتى قريشًا ، قال : إنا قد جِئْنَاكم مِن هذا الرجلِ ، وسَمِعْنَاه يقولُ قولًا ، فإن شِئْتُم أن نَعْرِضَه عليكم فعَلْنَا ، فقال سفهاؤُهم : لا حاجةَ لنا أن تُخْبِرَنا عنه بشيءٍ ، وقال ذَوُو الرأيِ منهم : هاتِ ما سَمِعْتَه يقولُ . قال : سَمِعْتُه يقولُ كذا وكذا ، فحَدَّثَهم بما قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم ، فقام عروةُ بنُ مسعودٍ فقال : أَيْ قومُ ، أَلَسْتُم بالوالدِ ؟ قالوا : بلى. قال : أو لسْتُ بالولدِ ؟ قالوا : بلى. قال : فهل تَتَّهِمُونني ؟ قالوا : لا. قال : ألستم تَعْلَمُون أني استَنْفَرْتُ أهلَ عُكاظٍ ، فلما بَلَّحوا عليَّ جِئْتُكم بأهلي، وولدِي، ومَن أطاعَنِي ؟ قالوا : بلى. قال : فإن هذا قد عَرَضَ لكم خطةَ رُشْدٍ ، اقبلوها ودَعُوني آتِيه ، قالوا : ائْتِه . فأَتَاه ، فجَعل يُكَلِّمُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: نحوًا مِن قولِه لبُدَيْلٍ ، فقال عروةُ عندَ ذلك : أَيْ محمدُ ، أَرَأَيْتَ إن استَأْصَلْتَ أمرَ قومِك ، هل سَمِعْتَ بأحدٍ مِن العربِ اجتاحَ أهلَه قبلَكَ ؟! وإن تَكُنْ الأخرى، فإني واللهِ ، لَأَرَىَ وجوهًا ، وإني لَأَرى أشوابًا مِن الناسِ خليقًا أن يَفِرُّوا ويَدَعُوكَ ، فقال له أبو بكرٍ : امْصُصْ ببظرِ اللاتِ! أنَحْنُ نَفِرُّ عنه ونَدَعُه ؟ فقال : مَن ذا ؟ قالوا : أبو بكرٍ . قال: أما والذي نفسي بيدِه ، لولا يدٌ كانت لك عندي لم أُجْزِكْ بها لأَجَبْتُكَ . قال : وجعَلَ يُكَلِّمُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فكلما تكَلَّمَ أخَذَ بلحيتِه ، والمغيرةُ بنُ شعبةَ قائمٌ على رأسِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ، ومعه السيفُ، وعليه المِغْفَرُ ، فكُلَّمَا أهوى عروةُ بيدِه إلى لحيةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ضرَبَ يدَه بنعلِ السيفِ ، وقال له: أَخِّرْ يدَك عن لحيةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ، فرَفَعَ عروةُ رأسَه ، فقال : مَن هذا ؟ قالوا : المغيرةُ بنُ شعبةَ. فقال : أَيْ غُدَرُ ، أَلَسْتُ أَسعى في غَدْرَتِك. وكان المغيرةُ صَحِبَ قومًا في الجاهليةِ فقَتَلَهم ، وأخَذَ أموالَهم ، ثم جاء فأَسْلَمَ ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: أَمَّا الإسلامُ فأَقْبَلُ ، وأَمَّا المالُ فلَسْتُ منه في شيءٍ . ثم إن عروةَ جعَلَ يَرْمُقُ أصحابَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم بعينِه ، قال : فواللهِ، ما تَنَخَّمَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم نُخَامَةَ إلا وقَعَتْ في كفِّ رجلٍ منهم ، فدَلَّكَ بها وجهَه وجلدَه ، وإذا أمَرَهم ابتدروا أمرَه ، وإذا توضأَ كادوا يَقْتَتِلون على وضوئِه ، وإذا تكَلَّمَ خَفَضُوا أصواتَهم عندَه ، وما يُحِدُّون إليه النظرَ؛ تعظيمًا له ، فرجَعَ عروةُ إلى أصحابِه فقال: أَيْ قومُ ، واللهِ ، لقد وفَدْتُ على الملوكِ ، ووَفَدْتُ على قَيْصَرَ، وكسرى، والنَجَاشِيِّ ، واللهِ ، إن رَأَيْتُ مِلْكًا قطُّ يُعِظِّمُه أصحابُه ما يُعِظِّمُ أصحابُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم محمدًا ، واللهِ ، إن تَنَخَّمَ نُخامةً إلا وقَعَتْ في كفِّ رجلٍ منهم فدَلَّك بها وجهَه وجلدَه ، وإذا أَمَرَهم ابتدروا أمرَه ، وإذا توضأَ كادوا يَقْتَتِلون على وضوئِه ، وإذا تكَلَّم خَفَّضُوا أصواتَهم عندَه ، وما يُحِدُّون إليه النظرَ؛ تعظيمًا له، وإنه قد عَرَضَ عليكم خطةَ رُشْدٍ فأَقْبَلُوها . فقال رجلٌ مِن بني كِنانةَ : دَعُوني آتِيه . فقالوا : ائتِه . فلما أَشْرَفَ على النبيِّ صلى الله عليه وسلم وأصحابِه ، قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: هذا فلانٌ ، وهو مِن قوم يُعَظِّمون البُدْنَ ، فابعثُوها له. فبُعِثَتْ له ، واستَقْبَلَه الناسُ يُلَبُّون ، فلما رأى ذلك قال : سبحانَ اللهِ ، ما ينبغي لهؤلاء أن يُصَدُّوا عن البيتِ ، فلما رجَعَ إلى أصحابِه قال : رأَيْتُ قد قُلِّدَتْ وأُشِعْرَتْ ، فما أرى أن يُصَدُّوا عن البيتِ . فقام رجلٌ منهم ، يَقالُ له: مِكْرَزُ بْنُ حفصٍ ، فقال : دعوني آتيه . فقالوا : ائْتِه. فلما أَشْرَفَ عليهم ، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم : هذا مِكْرَزٌ ، وهو رجلٌ فاجرٌ. فجَعَلَ يُكَلِّمُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فبينما هو يُكَلِّمُه؛ إذ جاء سُهَيْلُ بنُ عمرٍو . قال مَعْمَرٌ : فأَخْبَرَني أيوبُ ، عن عَكْرِمَةَ : أنه لما جاءَ سُهَيْلُ بنُ عمرٍو: قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: لقد سَهُلَ لكم مِن أمرِكم. قال مَعْمَرٌ : قال الزهريُّ في حديثِه : فجاءَ سهيلُ بنُ عمرٍو فقال: هاتِ اكتُبْ بينَنَا وبينَكم كتابًا، فدعا النبيُّ صلى الله عليه وسلم الكاتبَ ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ . قال سهيلٌ : أَمَّا الرحمنُ فواللهِ ما أدري ما هو ، ولكن اكتُبْ باسمِك اللهمَّ، كما كنتَ تَكْتُبْ . فقال المسلمون : واللهِ لا نَكْتُبْها إلا بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ . فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: اكتُبْ باسمِك اللهمَّ . ثم قال: هذا ما قاضى عليه محمدٌ رسولُ اللهِ . فقال سهيلٌ : واللهِ ، لو كنَّا نَعْلَمُ أنك رسولُ اللهِ ما صَدَدْنَاك عن البيتِ، ولا قاتلْنَاك ، ولكِنْ اكتُبْ : محمدُ بنُ عبدِ اللهِ ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: واللهِ ، إني لرسولُ اللهِ وإن كَذَّبْتُموني ، اكتُبْ : محمدُ بنُ عبدِ الله . قال الزُّهْرِيُّ : وذلك لقولِه: لا يَسْأَلُونَنِي خطةً يُعِظِّمون بها حرماتِ اللهِ إلا أَعْطَيْتُهم إيَّاها. فقال له النبيُّ صلى الله عليه وسلم : على أن تُخَلُّوا بينَنا وبينَ البيت فنَطُوفُ به. فقال سهيلٌ : واللهِ ، لا تَتَحَدَّثُ العربُ أَنَّا أُخِذْنَا ضُغْطَةً؛ ولكن ذلك مِن العامِ المُقْبِلِ . فكتَبَ ، فقال سهيلٌ : وعلى أنه لا يَأْتِيك منا رجلٌ ، وإن كان على دينِك إلا ردَدْتَه إلينا . قال المسلمون : سبحانَ اللهِ ! كيف يُرَدُّ إلى المشركين وقد جاء مسلمًا! فبينما هم كذلك؛ إذ دخَلَ أبو جَنْدَلٍ بنُ سُهَيْلِ بنِ عمرٍو يَرْسُفُ في قيودِه ، وقد خرَجَ ِمِن أسفلِ مكةَ حتى رَمى بنفسِه بينَ أظهرِ المسلمين ، فقال سهيلٌ : هذا يا محمدُ، أولُ ما أُقاضِيكَ عليه أن تَرُدَّه إليَّ . فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: إنا لم نَقْضِ الكتابَ بعدُ. قال: فواللهِ، إذًا لم أُصَالِحْكَ على شيءٍ أبدًا ، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: فأَجِزْه لي . قال : ما أنا بمجيزِه لكَ . قال: بلى فافْعَلْ . قال : ما أنا بفاعلٍ . قال مِكْرَزٌ : بل قد أَجَزْنَاه لك . قال أبو جندلٍ : أَيْ معشرَ المسلمين ، أُرَدُّ إلى المشركين وقد جِئْتُ مسلمًا ، ألا ترون ما قد لَقِيتُ ؟ وكان قد عُذِّبَ عذابًا شديدًا في اللهِ . قال : فقال عمرُ بنُ الخطابِ : فأَتَيْتُ نبيَّ اللهِ صلى الله عليه وسلم فقُلْتُ : ألستَ نبيَّ اللهِ حقًّا ؟ قال: بلى . قلتُ : أَلَسْنَا على الحقِّ، وعدوُّنَا على الباطلِ ؟ قال: بلى. قلتُ : فلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ في دينِنَا إذًا ؟ قال: إني رسولُ اللهِ ، ولَسْتُ أَعْصِيه ، وهو ناصرِي . قلتُ: أَوَلَيْسَ كنتَ تُحَدِّثُنَا أَنَّا سنأتي البيتَ فنَطُوفُ به ؟ قال : بلى، فأَخْبَرْتُك أَنَّا نَأْتِيه العامَ؟ قال : قلتُ: لا. قال: فإنك آتيه ومُطَوِّفٌ به . قال : فأَتَيْتُ أبا بكرٍ فقُلْتُ : يا أبا بكرٍ ، أليس هذا نبيَّ اللهِ حقًّا ؟ قال: بلى . قلتُ : أَلَسْنَا على الحقِّ، وعدُّونا على الباطلِ ؟ قال : بلى . قلتُ : فلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ في ديننِا إذًا ؟ قال : أيُّها الرجلُ، إنه لرسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، وليس يَعْصِي ربَّه ، وهو ناصرُه ، فاستَمْسِكْ بغرزِه ، فواللهِ إنه على الحقِّ. قلتُ : أليسَ كان يُحَدِّثُنَا أَنَّا سنَأْتِي البيتَ ونَطُوفُ به ؟ قال : بلى ، أَفَأَخْبَرَكَ أَنَّك تَأْتِيه العامَ؟ قلتُ: لا . قال : فإنك آتِيه ومُطَوِّفٌ به . قال الزُّهْرِيُّ : قال عمرُ: فعَمِلْتُ لذلكَ أعمالًا . قال : فلما فَرَغَ مِن قضيةِ الكتابِ ، قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لأصحابِه: قوموا فانحَرُوا ثم احْلِقُوا . قال : فواللهِ، ما قام منهم رجلٌ حتى قال ذلك ثلاثَ مراتٍ ، فلما لم يَقُمْ منهم أحدٌ دخَلَ على أمِّ سَلَمَةَ ، فذَكَرَ لها ما لَقِيَ مِن الناسِ ، فقالت أمُّ سَلَمَةَ : يانبيَّ اللهِ ، أَتَحُبُّ ذلك ، اخرُجْ لا تُكَلِّمْ أحدًا منهم كلمةً ، حتى تَنْحَرَ بُدْنَك ، وتَدْعُوَ حالقَك فيَحْلِقَكَ . فخَرَجَ فلم يُكَلِّمْ أحدًا منهم حتى فعَلَ ذلك ، نحَرَ بُدْنَه ، ودعا حالقَه فحَلَقَه ، فلما رأَوْا ذلك قاموا فنَحَرُوا وجعَلَ بعضُهم يَحْلِقُ بعضًا ، حتى كاد بعضُهم يُقْتَلُ غمًّا ، ثم جاءَه نسوةٌ مُؤْمناتٌ ، فأَنْزَلَ اللهُ تعالى : يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن - حتى بلغ - بعصم الكوافر . فطَلَّقَ عمرُ يومئذٍ امرأتين، كانَتَا له في الشركِ ، فتَزَوَّجَ إحداهما معاويةُ بنُ أبي سفيانَ ، والأخرى صفوانُ بنُ أُمَيَّةَ ، ثم رجَعَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى المدينةِ، فجَاءَه أبو بَصِيرٍ ، رجلٌ مِن قريشٍ وهو مسلمٌ، فأَرْسَلُوا في طلبِه رجلين ، فقالوا : العهدَ الذي جَعَلْتَ لنا . فدَفَعَه إلى الرَّجُلَيْن ، فخَرَجا به حتى إذا بلَغَا ذا الحُلَيْفَةِ ، فنزلوا يَأْكُلون مِن تمرٍ لهم ، فقال أبو بَصِيرٍ لأحدِ الرجلين : والله إني لأَرى سيفَك هذا يا فلانُ جيدًا ، فاستلَّه الآخرُ ، فقال : أجلِ ، والله إنه لجيدٌ ، لقد جَرَّبْتُ به ، ثم جَرَّبْتُ. فقال أبو بِصِيرٍ : أًرِنِي أنظُرْ إليه؟ فأَمْكَنَه منه ، فضَرَبَه حتى بَرَدَ ، وفرَّ الآخرُ حتى أتى المدينةَ ، فدَخَلَ المسجدَ يَعْدُو! فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حين رآه : لقد رأى هذا ذُعْرًا . فلما انتهى إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: قُتِلَ واللهِ صاحبي، وإني لمقتولٌ. فجاء أبو بَصِيرٍ، فقال : يا نبيَّ اللهِ ، قد واللهِ أَوْفَى اللهُ ذمتَك ، قد رَدَدْتَني إليهم ، ثم نَجَّانِي اللهُ منهم . قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: وَيْلَ أمِّه ، مِسْعَرُ حربٍ ، لو كان له أحدٌ . فلما سَمِعَ ذلك عَرَفَ أنه سَيَرُدُّه إليهم ، فخَرَجَ حتى أتى سِيفَ البحرِ ، قال : ويَنْفَلِتُ منهم أبو جندلِ بنِ سهيلٍ ، فلَحِقَ بأبي بَصِيرٍ ، فجَعَلَ لا يَخْرُجُ مِن قريشٍ رجلٌ قد أسَلَمَ إلا لِحِقَ بأبي بَصِيرٍ ، حتى اجتمَعَتْ منهم عِصابةٌ، فواللهِ، ما يَسْمَعُونَ بعِيرٍ خَرَجَتْ لقريشٍ إلى الشَّأْمِ إلا اعترضوا لها ، فقَتَلُوهم وأَخَذُوا أموالَهم ، فأَرْسَلَتْ قريشٌ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم تُنَاشِدُه باللهِ والرَّحِمِ لمَّا أَرْسَلَ : فمَن آتاه فهو آمنٌ ، فأَرْسَلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم إليهم ، فأَنْزَلَ الله تعالى : وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم - حتى بلغ - الحمية حمية الجاهلية . وكانت حمِيَّتُهم أنهم لم يُقِرُّوا أنه نبيُّ اللهِ ، ولم يَقُرِّوا ببسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ ، وحالوا بينَهم وبينَ البيتِ .
خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية في بضع عشرة مائة من أصحابه حتى إذا كانوا بذي الحليفة قلد رسول الله صلى الله عليه وسلم الهدي وأشعره وأحرم بالعمرة وبعث بين يديه عينا له من خزاعة يخبره عن قريش ، وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بغدير الأشطاط قريبا من عسفان أتاه عيينة الخزاعي فقال : إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي قد جمعوا لك الأحابيش وجمعوا لك جموعا وهم قاتلوك أو مقاتلوك ، وقال أبو أحمد بن زياد : وهم مقاتلوك قالا جميعا : وصادوك عن البيت فقال النبي صلى الله عليه وسلم أشيروا علي أترون أن نميل إلى ذراري هؤلاء الذين أعانوهم فنصيبهم ، فإن قعدوا قعدوا موتورين محروبين ، وإن نجوا تكن عنقا قطعها الله ، أم ترون أن نؤم البيت فمن صدنا عنه قاتلناه ؟ قال أبو بكر رضي الله عنه : الله ورسوله أعلم ، إنما جئنا معتمرين ولم نجئ لقتال أحد ولكن من حال بيننا وبين البيت قاتلناه ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : فروحوا إذا . قال الزهري في حديثه : فراحوا حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال النبي صلى الله عليه وسلم : إن خالد بن الوليد بالغميم في خيل لقريش طليعة فخذوا ذات اليمين ، فو الله ما شعر بهم خالد حتى إذا هو بقترة الجيش فانطلق يركض نذيرا لقريش ، وسار النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها بركت راحلته ، فقال الناس : حل حل ، فألحت ، فقالوا : خلأت القصواء خلأت القصواء . قال أبو أحمد بن زياد في حديثه : لما بلغ قوله فقال النبي صلى الله عليه وسلم : فروحوا إذا قال الزهري قال أبو هريرة : ما رأيت أحدا كان أكثر مشاورة لأصحابه من رسول صلى الله عليه وسلم . قال المسور ومروان في حديثهما : فراحوا حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال النبي صلى الله عليه وسلم : إن خالد بن الوليد بالغميم في خيل لقريش - رجع الحديث إلى موضعه - فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ما خلأت القصواء ، وما ذلك لها بخلق ولكن حبسها حابس الفيل ، ثم قال : والذي نفسي بيده ! لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها ، ثم زجرها فوثبت به ، قال : فعدل حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد قليل الماء إنما يتبرضه الناس تبرضا ، فلم يلبثه الناس أن نزحوه ، فشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العطش فانتزع سهما من كنانته ثم أمرهم أن يجعلوه فيه . قال : فو الله ما زال يجيش لهم بالرمي حتى صدروا عنه ، فبينما هم كذلك إذ جاءه بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من خزاعة وكانوا عيبة نصح رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل تهامة ، فقال : إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي نزلوا أعداد مياه الحديبية ، معهم العوذ المطافيل ، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنا لم نجئ لقتال أحد ، ولكنا جئنا معتمرين ، وإن قريشا قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم ، فإن شاءوا ماددتهم مدة ويخلوا ، بيني وبين الناس ، فإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا وإلا فقد جموا ، وإن هم أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي ، أو لينفذن الله عز وجل أمره . فقال بديل : سأبلغهم ما تقول ، فانطلق حتى أتى قريشا فقال : إنا قد جئناكم من عند هذا الرجل وسمعناه يقول قولا ، فإن شئتم نعرض عليكم فعلنا ، فقال سفهاؤهم : لا حاجة لنا في أن تحدثنا عنه بشيء ، وقال ذو الرأي منهم : هات ما سمعته . يقول : قال : سمعته يقول كذا وكذا ، فحدثهم بما قال النبي صلى الله عليه وسلم ، فقام عروة بن مسعود الثقفي فقال : أي قوم ! ألستم بالوالد ؟ قالوا : بلى . قال : ألست بالولد ؟ قالوا : بلى . قال : هل تتهموني ؟ قالوا : لا . قال : ألستم تعلمون أني استنفرت أهل عكاظ فلما بلحوا علي جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني ؟ قالوا : بلى . قال : فإن هذا قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها ودعوني آتيه قالوا : ائته . فأتاه فجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم نحوا من قوله لبديل ، فقال عروة عن ذلك : أي محمد ! أرأيت إن استأصلت قومك هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أصله قبلك وإن تكن الأخرى ؟ فوالله إني لأرى وجوها وأرى أو شابا من الناس خلقاء أن يفروا ويدعوك ، فقال له أبو بكر رضي الله عنه : امصص بظر اللات ، أنحن نفر عنه وندعه ؟ قال : من ذا ؟ قال : أبو بكر ، أما والذي نفسي بيده لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك ، قال : وجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم كلما كلمه أخذ بلحيته والمغيرة بن شعبة قائم على رأس النبي صلى الله عليه وسلم ومعه السيف وعليه المغفر ، فكلما أهوى عروة إلى لحية النبي صلى الله عليه وسلم ضرب يده بنعل السيف وقال : أخر يدك عن لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فرفع عروة رأسه فقال : من هذا ؟ قالوا : المغيرة بن شعبة . قال : أي غدر ! أو لست أسعى في غدرتك ؟ قال : وكان المغيرة صحب قوما في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم ثم جاء فأسلم . قال النبي صلى الله عليه وسلم : أما الإسلام فأقبل ، وأما المال فلست منه في شيء ، ثم إن عروة جعل يرمق صحابة النبي صلى الله عليه وسلم فوالله ما تنخم رسول الله صلى الله عليه وسلم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم يدلك بها وجهه وجلده ، وإذا أمرهم ابتدروا لأمره ، وإذا توضأ ثاروا يقتتلون على وضوئه ، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده ، وما يجدن إليه النظر تعظيما له . قال : فرجع عروة إلى أصحابه فقال : أي قوم ! والله لقد وفدت على الملوك ؛ وفدت على قيصر وكسرى والنجاشي ، والله إن رأيت ملكا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدا ، والله إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده ، وإذا أمرهم ابتدروا أمره ، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه ، وإذا تكلموا خفضوا أصواتهم عنده ، وما يحدون إليه النظر تعظيما له ، وأنه قد عرض عليكم خطة رشد فأقبلوه ، فقال رجل من بني كنانة : دعوني آته ، فقالوا : ائتيه ، فلما أشرف على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هذا فلان وهو من قوم يعظمون البدن فابعثوها له ، فبعث له فاستقبله القوم يلبون ، فلما رأى ذلك قال : سبحان الله ! ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت فرجع لأصحابه فقال : رأيت البدن قد قلدت وأشعرت ، فما أرى أن يصدوا عن البيت ، فقام رجل منهم يقال له مكرز بن حفص فقال : دعوني آته ، قالوا : ائتيه ، فلما أشرف عليهم قال النبي صلى الله عليه وسلم : هذا مكرز وهو رجل فاجر فجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم فبينما هو يكلمه إذ جاء سهيل بن عمرو . قال معمر : وأخبرني أيوب عن عكرمة : أنه لما جاء سهيل قال النبي صلى الله عليه وسلم : قد سهل لكم من أمركم . قال الزهري في حديثه : فجاء سهيل بن عمرو فقال : هات اكتب بيننا وبينك كتابا ، فدعا الكاتب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اكتب بسم الله الرحمن الرحيم . فقال سهيل : أما الرحمن فوالله ما أدري ما هو ولكن باسمك اللهم كما كنت تكتب ، فقال المسلمون : والله لا نكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : اكتب باسمك اللهم ، ثم قال : هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله . فقال سهيل : والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولكن أكتب محمد بن عبد الله . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إني لرسول الله وإن كذبتموني ، اكتب محمد بن عبد الله . قال الزهري : وذلك لقوله : لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف ، فقال سهيل : والله لا تتحدث العرب أنا أخذنا ضغطة ولكن لك من العام المقبل فكتب ، فقال سهيل : على أنه لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا ، فقال المسلمون : سبحان الله ! كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلما ؟ فبينا هم كذلك إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في قيوده قد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين ، فقال سهيل : هذا يا محمد أول من أقاضيك عليه أن ترده ، قال : فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إنا لم نقض الكتاب بعد ، قال : فوالله إذا لا نصالحك على شيء أبدا ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : فأجره لي ، قال : ما أنا بمجيره لك ، قال : بلى فافعل ، قال : ما أنا بفاعل ، قال مكرز : بلى قد أجرناه . قال أبو جندل : معاشر المسلمين ! أأرد إلى المشركين وقد جئت مسلما ، ألا ترون ما قد لقيت ؟ وكان قد عذب عذابا شديدا في الله ، فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : والله ما شككت منذ أسلمت إلا يومئذ ، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت : يا رسول الله ! ألست نبي الله ؟ قال : بلى . قلت : ألسنا على الحق وعدونا على الباطل ؟ قال : بلى . قال : فلم نعطي الدنية في ديننا إذا ؟ قال : إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري ، قلت : أولست كنت تحدثنا إنا سنأتي البيت فنطوف حقا ؟ قال : بلى ، أنا أخبرتك أنك تأتيه العام ؟ قلت : لا . قال : فإنك آتيه وتطوف به ، قال : فأتيت أبا بكر رضي الله عنه ، فقلت : يا أبا بكر ! أليس هذا نبي الله حقا ؟ قال : بلى . قلت : ألسنا على الحق وعدونا على الباطل ؟ قال : بلى . قلت : فلم نعط الدنية في ديننا إذا ؟ قال : أيها الرجل ، إنه رسول الله وليس يعصي ربه وهو ناصره ، فاستمسك بغرزه حتى تموت ، فوالله إنه لعلى الحق ، قلت : أوليس كان يحدثنا أنه سيأتي البيت ويطوف به ؟ قال : بلى . أفأخبرك أنك تأتيه العام ؟ قلت : لا . قال : فإنك آتيه وتطوف به . قال الزهري : قال عمر : فعملت لذلك أعمالا ، فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قوموا فانحروا ثم احلقوا ، قال فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ثلاث مرار ، فلما لم يقم منهم أحد قام فدخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس ، فقالت أم سلمة : يا نبي الله ! أتحب ذلك ؟ اخرج ثم لا تكلم أحدا كلمة حتى تنحر بدنك وتدعو بحالقك فيحلقك . فقام فخرج فلم يكلم أحدا منهم حتى فعل ذلك ؛ نحر بدنه ودعا حالقه فحلقه ، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضا حتى كاد بعضهم يقتل بعضا غما ، ثم جاءه نسوة مؤمنات وأنزل الله عز وجل ? يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات? حتى بلغ ? بعصم الكوافر? فطلق عمر يومئذ امرأتين كانتا له في الشرك ، فتزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان والأخرى صفوان بن أمية ، ثم رجع إلى المدينة فجاءه أبو بصير ؛ رجل من قريش وهو مسلم فأرسلوا في طلبه رجلين ، فقالوا : العهد الذي جعلت لنا ، فدفعه إلى الرجلين فخرجا به حتى بلغ به ذا الحليفة ، فنزلوا يأكلون من ثمر لهم ، فقال أبو بصير لأحد الرجلين : والله إني لأرى سيفك جيد جدا ، فاستله الآخر فقال : أجل والله إنه لجيد ، لقد جربت به ثم جربت ، فقال أبو بصير : أرني أنظر إليه ، فأمكنه منه ، فضربه حتى برد ، وفر الآخر حتى بلغ المدينة ، فدخل المسجد يعدو ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رآه : لقد رأى هذا ذعرا ، فلما انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال : قتل والله صاحبي وإني لمقتول ، قال : فجاء أبو بصير فقال : يا نبي الله ! قد والله أوفى الله ذمتك ، قد رددتني إليهم ثم أنجاني الله منهم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ويل أمه مسعر حرب لو كان له أحد ، فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم ، فخرج حتى أتى سيف البحر ويتفلت منهم أبو جندل بن سهيل فلحق بأبي بصير فلا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير حتى اجتمعت منهم عصابة . قال : فوالله لا يسمعون بعير لقريش خرجت إلى الشام إلا اعترضوا لها فقتلوهم وأخذوا أموالهم ، فأرسلت قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم تناشده الله والرحم لما أرسل إليهم من أتاه منهم ، فهو آمن فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إليهم فأنزل ?وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم? حتى بلغ ?حمية الجاهلية? وكانت حميتهم أنهم لم يقروا بنبي الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يقروا ببسم الله الرحمن الرحيم ، وحالوا بينهم وبين البيت
خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية في بضع عشرة مائة من أصحابه حتى إذا كانوا بذي الحليفة قلد رسول الله صلى الله عليه وسلم الهدي وأشعره وأحرم بالعمرة وبعث بين يديه عينا له من خزاعة يخبره عن قريش ، وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بغدير الأشطاط قريبا من عسفان أتاه عيينة الخزاعي فقال : إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي قد جمعوا لك الأحابيش وجمعوا لك جموعا وهم قاتلوك أو مقاتلوك ، وقال أبو أحمد بن زياد : وهم مقاتلوك قالا جميعا : وصادوك عن البيت فقال النبي صلى الله عليه وسلم أشيروا علي أترون أن نميل إلى ذراري هؤلاء الذين أعانوهم فنصيبهم ، فإن قعدوا قعدوا موتورين محروبين ، وإن نجوا تكن عنقا قطعها الله ، أم ترون أن نؤم البيت فمن صدنا عنه قاتلناه ؟ قال أبو بكر رضي الله عنه : الله ورسوله أعلم ، إنما جئنا معتمرين ولم نجئ لقتال أحد ولكن من حال بيننا وبين البيت قاتلناه ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : فروحوا إذا . قال الزهري في حديثه : فراحوا حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال النبي صلى الله عليه وسلم : إن خالد بن الوليد بالغميم في خيل لقريش طليعة فخذوا ذات اليمين ، فو الله ما شعر بهم خالد حتى إذا هو بقترة الجيش فانطلق يركض نذيرا لقريش ، وسار النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها بركت راحلته ، فقال الناس : حل حل ، فألحت ، فقالوا : خلأت القصواء خلأت القصواء . قال أبو أحمد بن زياد في حديثه : لما بلغ قوله فقال النبي صلى الله عليه وسلم : فروحوا إذا قال الزهري قال أبو هريرة : ما رأيت أحدا كان أكثر مشاورة لأصحابه من رسول صلى الله عليه وسلم . قال المسور ومروان في حديثهما : فراحوا حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال النبي صلى الله عليه وسلم : إن خالد بن الوليد بالغميم في خيل لقريش - رجع الحديث إلى موضعه - فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ما خلأت القصواء ، وما ذلك لها بخلق ولكن حبسها حابس الفيل ، ثم قال : والذي نفسي بيده ! لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها ، ثم زجرها فوثبت به ، قال : فعدل حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد قليل الماء إنما يتبرضه الناس تبرضا ، فلم يلبثه الناس أن نزحوه ، فشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العطش فانتزع سهما من كنانته ثم أمرهم أن يجعلوه فيه . قال : فو الله ما زال يجيش لهم بالرمي حتى صدروا عنه ، فبينما هم كذلك إذ جاءه بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من خزاعة وكانوا عيبة نصح رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل تهامة ، فقال : إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي نزلوا أعداد مياه الحديبية ، معهم العوذ المطافيل ، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنا لم نجئ لقتال أحد ، ولكنا جئنا معتمرين ، وإن قريشا قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم ، فإن شاءوا ماددتهم مدة ويخلوا ، بيني وبين الناس ، فإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا وإلا فقد جموا ، وإن هم أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي ، أو لينفذن الله عز وجل أمره . فقال بديل : سأبلغهم ما تقول ، فانطلق حتى أتى قريشا فقال : إنا قد جئناكم من عند هذا الرجل وسمعناه يقول قولا ، فإن شئتم نعرض عليكم فعلنا ، فقال سفهاؤهم : لا حاجة لنا في أن تحدثنا عنه بشيء ، وقال ذو الرأي منهم : هات ما سمعته . يقول : قال : سمعته يقول كذا وكذا ، فحدثهم بما قال النبي صلى الله عليه وسلم ، فقام عروة بن مسعود الثقفي فقال : أي قوم ! ألستم بالوالد ؟ قالوا : بلى . قال : ألست بالولد ؟ قالوا : بلى . قال : هل تتهموني ؟ قالوا : لا . قال : ألستم تعلمون أني استنفرت أهل عكاظ فلما بلحوا علي جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني ؟ قالوا : بلى . قال : فإن هذا قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها ودعوني آتيه قالوا : ائته . فأتاه فجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم نحوا من قوله لبديل ، فقال عروة عن ذلك : أي محمد ! أرأيت إن استأصلت قومك هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أصله قبلك وإن تكن الأخرى ؟ فوالله إني لأرى وجوها وأرى أو شابا من الناس خلقاء أن يفروا ويدعوك ، فقال له أبو بكر رضي الله عنه : امصص بظر اللات ، أنحن نفر عنه وندعه ؟ قال : من ذا ؟ قال : أبو بكر ، أما والذي نفسي بيده لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك ، قال : وجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم كلما كلمه أخذ بلحيته والمغيرة بن شعبة قائم على رأس النبي صلى الله عليه وسلم ومعه السيف وعليه المغفر ، فكلما أهوى عروة إلى لحية النبي صلى الله عليه وسلم ضرب يده بنعل السيف وقال : أخر يدك عن لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فرفع عروة رأسه فقال : من هذا ؟ قالوا : المغيرة بن شعبة . قال : أي غدر ! أو لست أسعى في غدرتك ؟ قال : وكان المغيرة صحب قوما في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم ثم جاء فأسلم . قال النبي صلى الله عليه وسلم : أما الإسلام فأقبل ، وأما المال فلست منه في شيء ، ثم إن عروة جعل يرمق صحابة النبي صلى الله عليه وسلم فوالله ما تنخم رسول الله صلى الله عليه وسلم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم يدلك بها وجهه وجلده ، وإذا أمرهم ابتدروا لأمره ، وإذا توضأ ثاروا يقتتلون على وضوئه ، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده ، وما يجدن إليه النظر تعظيما له . قال : فرجع عروة إلى أصحابه فقال : أي قوم ! والله لقد وفدت على الملوك ؛ وفدت على قيصر وكسرى والنجاشي ، والله إن رأيت ملكا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدا ، والله إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده ، وإذا أمرهم ابتدروا أمره ، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه ، وإذا تكلموا خفضوا أصواتهم عنده ، وما يحدون إليه النظر تعظيما له ، وأنه قد عرض عليكم خطة رشد فأقبلوه ، فقال رجل من بني كنانة : دعوني آته ، فقالوا : ائتيه ، فلما أشرف على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هذا فلان وهو من قوم يعظمون البدن فابعثوها له ، فبعث له فاستقبله القوم يلبون ، فلما رأى ذلك قال : سبحان الله ! ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت فرجع لأصحابه فقال : رأيت البدن قد قلدت وأشعرت ، فما أرى أن يصدوا عن البيت ، فقام رجل منهم يقال له مكرز بن حفص فقال : دعوني آته ، قالوا : ائتيه ، فلما أشرف عليهم قال النبي صلى الله عليه وسلم : هذا مكرز وهو رجل فاجر فجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم فبينما هو يكلمه إذ جاء سهيل بن عمرو . قال معمر : وأخبرني أيوب عن عكرمة : أنه لما جاء سهيل قال النبي صلى الله عليه وسلم : قد سهل لكم من أمركم . قال الزهري في حديثه : فجاء سهيل بن عمرو فقال : هات اكتب بيننا وبينك كتابا ، فدعا الكاتب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اكتب بسم الله الرحمن الرحيم . فقال سهيل : أما الرحمن فوالله ما أدري ما هو ولكن باسمك اللهم كما كنت تكتب ، فقال المسلمون : والله لا نكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : اكتب باسمك اللهم ، ثم قال : هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله . فقال سهيل : والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولكن أكتب محمد بن عبد الله . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إني لرسول الله وإن كذبتموني ، اكتب محمد بن عبد الله . قال الزهري : وذلك لقوله : لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف ، فقال سهيل : والله لا تتحدث العرب أنا أخذنا ضغطة ولكن لك من العام المقبل فكتب ، فقال سهيل : على أنه لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا ، فقال المسلمون : سبحان الله ! كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلما ؟ فبينا هم كذلك إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في قيوده قد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين ، فقال سهيل : هذا يا محمد أول من أقاضيك عليه أن ترده ، قال : فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إنا لم نقض الكتاب بعد ، قال : فوالله إذا لا نصالحك على شيء أبدا ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : فأجره لي ، قال : ما أنا بمجيره لك ، قال : بلى فافعل ، قال : ما أنا بفاعل ، قال مكرز : بلى قد أجرناه . قال أبو جندل : معاشر المسلمين ! أأرد إلى المشركين وقد جئت مسلما ، ألا ترون ما قد لقيت ؟ وكان قد عذب عذابا شديدا في الله ، فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : والله ما شككت منذ أسلمت إلا يومئذ ، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت : يا رسول الله ! ألست نبي الله ؟ قال : بلى . قلت : ألسنا على الحق وعدونا على الباطل ؟ قال : بلى . قال : فلم نعطي الدنية في ديننا إذا ؟ قال : إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري ، قلت : أولست كنت تحدثنا إنا سنأتي البيت فنطوف حقا ؟ قال : بلى ، أنا أخبرتك أنك تأتيه العام ؟ قلت : لا . قال : فإنك آتيه وتطوف به ، قال : فأتيت أبا بكر رضي الله عنه ، فقلت : يا أبا بكر ! أليس هذا نبي الله حقا ؟ قال : بلى . قلت : ألسنا على الحق وعدونا على الباطل ؟ قال : بلى . قلت : فلم نعط الدنية في ديننا إذا ؟ قال : أيها الرجل ، إنه رسول الله وليس يعصي ربه وهو ناصره ، فاستمسك بغرزه حتى تموت ، فوالله إنه لعلى الحق ، قلت : أوليس كان يحدثنا أنه سيأتي البيت ويطوف به ؟ قال : بلى . أفأخبرك أنك تأتيه العام ؟ قلت : لا . قال : فإنك آتيه وتطوف به . قال الزهري : قال عمر : فعملت لذلك أعمالا ، فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قوموا فانحروا ثم احلقوا ، قال فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ثلاث مرار ، فلما لم يقم منهم أحد قام فدخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس ، فقالت أم سلمة : يا نبي الله ! أتحب ذلك ؟ اخرج ثم لا تكلم أحدا كلمة حتى تنحر بدنك وتدعو بحالقك فيحلقك . فقام فخرج فلم يكلم أحدا منهم حتى فعل ذلك ؛ نحر بدنه ودعا حالقه فحلقه ، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضا حتى كاد بعضهم يقتل بعضا غما ، ثم جاءه نسوة مؤمنات وأنزل الله عز وجل ? يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات? حتى بلغ ? بعصم الكوافر? فطلق عمر يومئذ امرأتين كانتا له في الشرك ، فتزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان والأخرى صفوان بن أمية ، ثم رجع إلى المدينة فجاءه أبو بصير ؛ رجل من قريش وهو مسلم فأرسلوا في طلبه رجلين ، فقالوا : العهد الذي جعلت لنا ، فدفعه إلى الرجلين فخرجا به حتى بلغ به ذا الحليفة ، فنزلوا يأكلون من ثمر لهم ، فقال أبو بصير لأحد الرجلين : والله إني لأرى سيفك جيد جدا ، فاستله الآخر فقال : أجل والله إنه لجيد ، لقد جربت به ثم جربت ، فقال أبو بصير : أرني أنظر إليه ، فأمكنه منه ، فضربه حتى برد ، وفر الآخر حتى بلغ المدينة ، فدخل المسجد يعدو ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رآه : لقد رأى هذا ذعرا ، فلما انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال : قتل والله صاحبي وإني لمقتول ، قال : فجاء أبو بصير فقال : يا نبي الله ! قد والله أوفى الله ذمتك ، قد رددتني إليهم ثم أنجاني الله منهم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ويل أمه مسعر حرب لو كان له أحد ، فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم ، فخرج حتى أتى سيف البحر ويتفلت منهم أبو جندل بن سهيل فلحق بأبي بصير فلا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير حتى اجتمعت منهم عصابة . قال : فوالله لا يسمعون بعير لقريش خرجت إلى الشام إلا اعترضوا لها فقتلوهم وأخذوا أموالهم ، فأرسلت قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم تناشده الله والرحم لما أرسل إليهم من أتاه منهم ، فهو آمن فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إليهم فأنزل ?وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم? حتى بلغ ?حمية الجاهلية ? وكانت حميتهم أنهم لم يقروا بنبي الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يقروا ببسم الله الرحمن الرحيم ، وحالوا بينهم وبين البيت
لا مزيد من النتائج