نتائج البحث عن
«على ظهر أخيه»· 15 نتيجة
الترتيب:
عن عمر قال إذا اشتَدَّ الزِّحامُ فليسجُدْ أحدُكُمْ على ظَهرِ أخيهِ
عن عمرَ قال إذا زُحِم أحدُكم في صلاتهِ فليسجُدْ على ظهرِ أخيهِ
عن عمرَ رضي اللهُ عنه قال : إذا اشتدَّ الزِّحامُ فليسجدْ أحدُكم على ظهرِ أخيهِ
عن عمرَ رضِيَ اللَّهُ عنهُ قال : أراكُم قد كَثُرتُم في الجُمَعِ فليسجُدْ الرَّجُلُ على ظَهرِ أخيهِ
وعن عمرَ رضيَ اللهُ عنهُ قال إذا اشتدَّ الزِّحامُ فليسجُدْ أحدُكُم على ظهرِ أخيهِ
عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال إذا اشتد الزحام فليسجد أحدكم على ظهر أخيه
عن عمرَ بنِ الخطابِ يخطبُ يقولُ : يا أيها الناسُ إنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بَنَى هذا المسجدَ ونحنُ معَهُ والمهاجرونَ والأنصارُ ، فإذا اشتَدَّ الزحامُ فليسجدِ الرجلُ على ظهرِ أخيهِ . ثم رواهُ من حديثِ سفيانَ عنِ الأعمشِ عنِ المُسَيِّبِ عن زيدِ بنِ وهبٍ ، أنَّ عمرَ قال : إذا اشتَدَّ الحَرُّ فليسجدْ على ثوبِهِ ، وإذا اشتدَّ الزحامُ فليسجدْ أحدكم على ظهرِ أخيهِ
إنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بنى هذا المسجدَ ونحنُ معه المهاجرونَ والأنصارُ فإذا اشتدَّ الزِّحامُ فليسجدْ أحدُكم على ظهْرِ أخيه ورأَى قومًا يصلُّونَ في الطريقِ فقال صلُّوا في المسجِدِ
إنَّ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ بنى هذا المسجدَ ونحنُ معَهُ : المُهاجرونَ والأنصارُ ، فإذا اشتدَّ الزِّحامُ فليسجُدِ الرَّجلُ منكُم على ظَهْرِ أخيهِ . ورأى قومًا يصلُّونَ في الطَّريقِ ، فقالَ : صلُّوا في المسجدِ
إنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بَنى هذا المسجِدَ ونحنُ معَه المُهاجِرونَ والأنصارُ فإذا اشتَدَّ الزِّحامُ فلْيَسجُدِ الرجُلُ منكم على ظهرِ أخيه ورأى قومًا يُصَلُّونَ في الطريقِ فقال صلُّوا في المسجِدِ
خطَبنا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم . . فذكر حديثا طويلًا . . [ وفيه ] : ومنِ اطَّلع إلى بيتِ جارِه فرأى عورةَ رجلٍ أو شَعْرَ امرأةٍ أو شيئًا من جسدِها كان حقًّا على اللهِ – تعالَى – أن يُدخِلَه النَّارَ مع المنافقين الذين كانوا يتَحَيَّنونَ عوراتِ النساءِ ، ولا يَخرجُ من الدنيا حتى يَفضَحَه اللهُ – تعالَى – ويُبدِي للناظرين عَورتَه يومَ القيامةِ ، ومن آذى جارَه من غيرِ حقٍّ حرَّم اللهُ عليه الجنَّةَ ومأواه النَّارُ ، ألا وإنَّ اللهَ – تعالَى – يسألُ – الرجلَ عن جارِه كما يسألُه عن حقِّ أهلِ بيتِه ، فمن يَضَعْ حقَّ جارِه فليس منَّا ، ومن بات وفي قلبِه غشٌّ لأخيه المسلمِ بات وأصبح في سخَطِ اللهِ – تعالَى – حتى يتوبَ ويراجِعَ ، فإن مات على ذلك مات على غيرِ الإسلامِ ، ثم قال صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم : ألا مَن غشَّنا فليس منَّا ، حتى قال ذلك ( ثلاثًا ) ، ومن اغتاب مسلمًا بطُلَ صومُه ونُقِضَ وُضوءُه ، فإن مات وهو كذلك مات كالْمُسْتَحِلِّ ما حرَّم اللهُ – تعالَى – ومن مشى بنميمةٍ بين اثنَينِ سلَّطَ اللهُ عليه في قبرِه نارًا تحرقُه إلى يومِ القيامةِ ، ثم ( يُدخِلُه ) النَّارَ ، ومن عفا عن أخيه المسلمِ وكظم غيظَه أعطاه اللهُ – تعالَى – أجرَ شهيدٍ ، ومن بغى على أخيه وتطاوَل عليه واستحْقَره حشَره اللهُ – تعالَى – يومَ القيامةِ في صورةِ الذَّرِّ ، يَطؤُه العبادُ بأقدامِهم ، ثم يدخُلُ النارَ ، ولم يزَلْ في سخَطِ اللهِ حتى يموتَ ، ومن ردَّ عن أخيه المسلمِ غِيبةً سمعَها تُذكَرُ عنه في مجلسٍ رَدَّ اللهُ – تعالَى – عنه ألفَ بابٍ من الشرِّ في الدنيا والآخرةِ ، فإن هو لم يَرُدَّ عنه وأعجَبه ما قالوا كان عليه مثلُ وِزرهم ، ومن قال لمملوكِه أو مملوكِ غيرِه أو لأحدٍ من المسلمين : لا لبَّيكَ ، ولا سَعدَيك انغمَس في النارِ ، ومن ضارَّ مسلمًا فليس منا ولسنا منه في الدنيا والآخرةِ ، ومن سمع بفاحشةٍ فأفْشاها كان كمن أتاها ، ومن سمع بخيرٍ فأفْشاه كان كمن عملَه ، ومن أكرمَ أخاه المسلمَ فإنما يُكرِمُ ربَّه ، فما ظنُّكم ؟ ومن كان ذا وجهَينِ ولسانَينِ في الدنيا جعل اللهُ له وجهَينِ ولسانَينِ في النَّارِ ، ومن مشى في قطيعةٍ بين اثنَينِ كان عليه من الوزرِ بقَدرِ ما أُعطِيَ من أصلحَ بين اثنَينِ من الأجرِ ، ووجبتْ عليه الَّلعنةُ حتى يدخلَ جهنمَ فيضاعَفُ عليه العذابُ ، ومن مشى في عَونِ أخيه المسلمِ ومنفعَتِه كان له ثوابُ المجاهدِين في سبيلِ اللهِ – تعالَى – ومن مشى في غِيبتِه وبَثَّ عَورتَه كانت أولُ قدَمٍ يخطوها فإنما يضعُها في جهنَّمَ ، وتُكشَفُ عَورتُه يومَ القيامةِ على رءوسِ الخلائقِ ، ومن مشى إلى ذي قرابةٍ أو ذي رَحِمٍ [ لبلاءٍ ] به أو لسَقَمٍ به أعطاه اللهُ – تعالَى – أجرَ مائةِ شهيدٍ ، وإن وصَله مع ذلك كان له بكلِّ خُطوةٍ أربعون ألفِ ألفِ حسنةٍ ، وحُطَّ عنه بها أربعون ألفِ ألفِ سيئةٍ ، ورُفِعَ له أربعون ألفِ ألفِ درجةٍ ، وكأنما عبدَ اللهَ – تعالَى – ( مائةَ ) ألفِ سنةٍ ، ومن مشى في فسادٍ بين القَراباتِ والقطيعةِ بينهم غضِبَ اللهُ عليه ولعنَه ، وكان عليه كوِزرِ مَن قطعَ الرَّحِمَ ، ومن عمل في فُرقةٍ بين امرأةٍ وزوجِها كان عليه لعنةُ اللهِ في الدنيا والآخرةِ ، وحرَّم اللهُ عليه النظرَ إلى وجهِه ، ومن قاد ضريرًا إلى المسجدِ أو إلى منزلِه أو إلى حاجةٍ من حوائجِه كُتِبَ له بكلِّ قدمٍ رفعَها أو وضعَها عِتقُ رقبةٍ ، وصلَّتْ عليه الملائكةُ حتى يُفارِقَه ، ومن مشى بضريرٍ في حاجةٍ حتى يَقضِيَها أعطاه اللهُ – تعالَى – براءةً من النارِ ، وبراءةً من النفاقِ ، وقضى اللهُ – تعالَى – له سبعينَ ألفِ حاجةٍ من حوائج ِالدنيا ، ولم يَزَلْ يخوضُ في الرَّحمةِ حتى يرجِعَ ، ومن مشى لضعيفٍ في حاجةٍ أو منفعةٍ أعطاه اللهُ – تعالَى – كتابَه بيمينِه ، ومن ضَيَّعَ أهلَه وقطعَ رَحِمَه حرَمَه اللهُ حُسنَ الجزاءِ يومَ يَجزي المحسنِينَ ، وحُشِرَ مع الهالِكين حتى يأتيَ بالمخرجِ ، وأنَّى له المخرجُ ؟ ! ومن فرَّج عن أخيه كُربةً من كُرَبِ الدُّنيا فرَّج اللهُ عنه كُرَبَ الدنيا والآخرةِ ، ونظَر إليه نظَر رحمةٍ يَنالُ بها الجنَّةَ ، ومن مشى في صلحِ امرأةٍ وزوجِها كان له أجرُ ألفِ شهيدٍ قُتِلوا في سبيلِ اللهِ حَقًّا ، وكان له بكلِّ خُطوةٍ عبادةُ سبعينَ سنةٍ صيامُها وقيامُها ، ومن صَنع إلى أخيه معروفًا ومَنَّ عليه به أحبَط أجرَه ، وخَيَّبَ سعيَه ، ألا وإنَّ اللهَ – تعالَى – حرَّم الجنَّةَ على المنَّانِ ، والبخيلِ ، والمختالِ ، والقَتَّاتِ ، والجوَّاظِ ، والجَعْظَرِيِّ ، والعُتُلِّ ، والزَّنيمِ ، ومدمنِ الخمرِ ، ومن بنى على ظَهرِ طريقٍ يُؤوِي عابرِي السبيلِ بعثَه اللهُ – تعالَى – يومَ القيامةِ على نَجيبةٍ [ من ] دُرٍّ ، ووجهُه مُضيءٍ لأهلِ الجمعِ حتى يقولوا : هذا مَلَكٌ من الملائكةِ لم يُرَ مثلُه حتى يُزاحِمَ إبراهيمَ – عليه السلامُ – في الجنةِ ، يدخلُ الجنَّةَ بشفاعتِه أربعون ألفِ رجلٍ ، ومن احتفَر بئرًا حتى يَبسُطَ ماؤها ( فبذلها ) للمسلمِين كان له أجرِ من توضَّأ منها وصلَّى ، وله بعدَدِ شعْرِ كلِّ من شَرِب منها حسناتٌ : إنسٌ ، أو جنٌّ ، أو بهيمةٌ ، أو سبعٌ ، أو طائرٌ ، أو غيرَ ذلك ، وله بكلِّ شعرةٍ من ذلك عِتقُ رقبةٍ ، ويُرَدُّ في شفاعتِه يومَ القيامةِ عند الحوضِ حوضِ القُدسِ عددَ نجومِ السماءِ . قيل : يا رسولَ اللهِ ، وما حوضُ القُدس ِ؟ قال صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم : حَوْضي ، حَوْضي ، حَوْضي ، ومن شفَع لأخيه في حاجةٍ له نظر اللهُ إليه ، وحقٌّ على اللهِ – تعالَى – ألا يُعذِّبَ عبدًا نظر إليه ، إذا كان ذلك بطلبٍ منه أن يستغفِرَ له ، فإذا شَفَع له من غيرِ طلَبٍ ؛ له مع ذلك أجرُ سبعين شهيدًا ، ومن زار أخاه المسلمَ فله بكلِّ خطوةٍ حتى يرجِعَ عِتقُ مائةِ ألفِ رقبةٍ ، ومحوُ مائةِ ألفِ سيِّئَةٍ ، ويُكتَبُ له بها مائةُ ألفِ درجةٍ . فقلنا لأبي هريرةَ : أو ليس قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم : من أعتق رقبةً فهي فكاكُه من النَّارِ ؟ قال : نعم ، و ( يُوضَعُ ) له سائرُها في كنوزِ العرشِ عندَ ربِّه – تبارك وتعالى
خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة قبل وفاته ، وهي آخر خطبة خطبها بالمدينة حتى لحق بالله ، فوعظنا فيها موعظة ذرفت منها العيون ، ووجلت منها القلوب ، وتقشعرت منها الجلود ، وتقلقلت منها الأحشاء ، أمر بلالا فنادى الصلاة جامعة قبل أن يتكلم ، فاجتمع الناس إليه ، فارتقى المنبر فقال : باأيها الناس ، ادنوا وأوسعوا لمن خلفكم - ثلاث مرات - فدنا الناس ، وانضم بعضهم إلى بعض ، والتفتوا فلم يروا أحدا ، ثم قال : ادنوا وأوسعوا لمن خلفكم فدنا الناس وانضم بعضهم لبعض ، والتفتوا فلم يروا أحدا ، ثم قال : ادنوا وأوسعوا لمن خلفكم ، فدنوا وانضم بعضهم إلى بعض ، والتفتوا فلم يروا أحدا ، فقام رجل ، فقال : لمن نوسع للملائكة ؟! قال : لا ، إنهم إذا كانوا معكم لم يكونوا بين أيديكم ، ولا خلفكم ، ولكن عن يمينكم وشمائلكم ، فقال : ولم لا يكونون بين أيدينا ، ولا خلفنا ؟ أهم أفضل منا ؟ قال : بل أنتم أفضل من الملائكة ، اجلس فجلس ، ثم خطب ، فقال : الحمد لله أحمده ، ونستعينه ، ونستغفره ، ونؤمن به ، ونتوكل عليه ، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمدا عبده ورسوله ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له أيها الناس : إنه كائن في هذه الأمة ثلاثون كذابا أولهم صاحب اليمامة ، وصاحب صنعاء أيها الناس : إنه من لقي الله وهو يشهد أن لا إله إلا الله مخلصا دخل الجنة فقام علي بن أبي طالب فقال : بأبي وأمي يا رسول الله ، كيف يخلص بها لا يخلط معها غيرها ، بين لنا حتى نعرفه ؟ فقال : حرصا على الدنيا وجمعا لها من غير حلها ، ورضا بها ، وأقوام يقولون أقاويل الأخيار ، ويعلمون عمل الفجار ، فمن لقي الله وليس فيه شيء من هذه الخصال بقوله : لا إله إلا الله دخل الجنة ، ومن اختار الدنيا على الآخرة فله النار ، ومن تولى خصومة قوم ظلمة أو أعانهم عليها نزل به ملك الموت يبشره بلعنة ونار خالدا فيها وبئس المصير ، ومن خف لسلطان جائر في حاجة فهو قرينه في النار ، ومن دل سلطانا على جور قرن مع هامان في النار ، وكان هو وذلك السلطان من أشد الناس عذابا ومن عظم صاحب دنيا ومدحه طمعا في دنياه سخط الله عليه ، وكان في درجة قارون في أسفل جهنم ، ومن بنى بناء رياء وسمعة حمله يوم القيامة مع سبع أرضين يطوقه نارا يوقده في عنقه ، ثم يرمي به النار فقيل : وكيف يبني بناء رياء وسمعة ؟ فقال : يبني فضلا عما يكفيه ويبنيه مباهاة ، ومن ظلم أجيرا أجرة حبط عمله ، وحرم عليه ريح الجنة ، وريحها يوجد من مسيرة خمسمئة عام ، ومن خان جاره شبرا من الأرض طوقه يوم القيامة إلى سبع أرضين نارا حتى تدخله جهنم ، ومن تعلم القرآن ، ثم نسيه متعمدا لقي الله مجذوما معلولا وسلط الله عليه بكل آية حية تنهشه في النار ، ومن تعلم القرآن ، فلم يعمل به ، وآثر عليه حطام الدنيا وزينتها ، استوجب سخط الله ، وكان في درجة اليهود والنصارى الذين نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم ، واشتروا به ثمنا قليلا ، ومن نكح امرأة في دبرها أو رجلا أو صبيا ، حشر يوم القيامة وهو أنتن من الجيفة ، يتأذى به الناس حتى يدخل جهنم وأحبط الله أجره ولا يقبل منه صرفا ولا عدلا ، ويدخل في تابوت من نار ، وتسلط عليه مسامير من حديد حتى تسلك تلك المسامير في جوفه ، فلو وضع عرق من عروقه على أربعمئة أمة لماتوا جميعا ، وهو من أشد أهل النار عذابا يوم القيامة ، ومن زنا بامرأة مسلمة أو غير مسلمة حرة أو أمة ، فتح عليه في قبره ثلاثمئة ألف باب من النار ، يخرج عليه منها حيات وعقارب وشهب من النار ، فهو يعذب إلى يوم القيامة بتلك النار مع ما يلقى من تلك الحيات والعقارب ، ويبعث يوم القيامة يتأذى الناس بنتن فرجه ، ويعرف بذلك حتى يدخل النار ، فيتأذى به أهل النار مع ما هم فيه من العذاب ، لأن الله حرم المحارم ، وليس أحد أغير من الله ، ومن غيرته حرم الفواحش وحد الحدود ومن اطلع إلى بيت جاره فرأى عورة رجل أو شعر امرأة أو شيئا من جسدها كان حقا على الله أن يدخله النار مع المنافقين الذين كانوا يتحينون عورات النساء ، ولا يخرج من الدنيا حتى يفضحه الله ، ويبدي للناظرين عورته يوم القيامة ، ومن سخط رزقه وبث شكواه ، ولم يصبر لم يرفع له إلى الله حسنة ، ولقي الله وهو عليه ساخط ، ومن لبس ثوبا فاختال في ثوبه خسف به من شفير جهنم يتجلجل فيها ما دامت السماوات والأرض ، لأن قارون لبس حلة فاختال ، فخسف به فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة ، ومن نكح امرأة حلالا بمال حلال يريد بذلك الفخر والرياء لم يزده الله بذلك إلا ذلا وهوانا ، وأقامه الله بقدر ما استمتع منها على شفير جهنم حتى يهوي فيها سبعين خريفا ، ومن ظلم امرأة مهرها فهو عند الله زان ، ويقول الله له يوم القيامة : عبدي زوجتك على عهدي فلم توف بعهدي ، فيتولى الله طلب حقها فيستوعب حسناته كلها فما تفي به فيؤمر به إلى النار ، ومن رجع عن شهادة أو كتمها أطعمه الله لحمه على رؤوس الخلائق ، ويدخله النار وهو يلوك لسانه ، ومن كانت له امرأتان فلم يعدل بينهما في القسم من نفسه وماله ، جاء يوم القيامة مغلولا مائلا شقه حتى يدخل النار ، ومن آذى جاره من غير حق حرم الله عليه ريح الجنة ومأواه النار ، ألا وإن الله يسأل الرجل عن جاره كما يسأله عن حق أهل بيته ، فمن ضيع حق جاره فليس منا ومن أهان فقيرا مسلما من أجل فقره فاستخف به ، فقد استخف بحق الله ، ولم يزل في مقت الله وسخطه حتى يرضيه ومن أكرم فقيرا مسلما لقي الله يوم القيامة وهو يضحك إليه ، ومن عرضت له الدنيا والآخرة فاختار الدنيا على الآخرة لقي الله لقي الله وليست له حسنة يتقي بها النار ، وإن اختار الآخرة على الدنيا لقي الله وهو عنه راض ، ومن قدر على امرأة أو جارية حراما فتركها مخافة منه أمنه الله من الفزع الأكبر وحرمه على النار وأدخله الجنة ، وإن واقعها حراما حرم الله عليه الجنة وأدخله النار ، ومن كسب مالا حراما لم تقبل له صدقة ، ولا حج ، ولا عمرة ، وكتب الله له بقدر ذلك أوزارا ، وما بقي عند موته كان زاده إلى النار ، ومن أصاب من امرأة نظرة حراما ملأ الله عينيه نارا ثم أمر به إلى النار ، فإن غض بصره عنها أدخل الله في قلبه محبته ورحمته وأمر به إلى الجنة ، ومن صافح امرأة حراما جاء يوم القيامة مغلولة يداه إلى عنقه ، ثم يؤمر به إلى النار ، وإن فاكهها حبس بكل كلمة كلمها في الدنيا ألف عام ، والمرأة إذا طاوعت الرجل حراما فالتزمها ، أو قبلها ، أو باشرها ، أو فاكهها ، أو واقعها فعليها من الوزر مثل ما على الرجل ، فإن غلبها الرجل على نفسها كان عليه وزره ووزرها ، ومن غش مسلما في بيع أو شراء فليس منا ، ويحشر يوم القيامة مع اليهود ، لأنهم أغش الناس للمسلمين ، ومن منع الماعون من جاره إذا احتاج إليه منعه الله فضله ، ووكله إلى نفسه ، ومن وكله إلى نفسه هلك أحر ما عليها ، ولا يقبل له عذر ، وأيما امرأة آذت زوجها لم تقبل صلاتها ، ولا حسنة من عملها حتى تعتبه وترضيه ، ولو صامت الدهر ، وقامته ، وأعتقت الرقاب ، وحملت على الجياد في سبيل الله لكانت أول من يرد النار إذا لم ترضيه وتعتبه وقال : وعلى الرجل مثل ذلك من الوزر والعذاب إذا كان لها مؤذيا ظالما ومن لطم خد مسلم لطمة ، بدد الله عظامه يوم القيامة ، ثم تسلط عليه النار ، ويبعث حين يبعث مغلولا حتى يرد النار ، ومن بات وفي قلبه غش لأخيه المسلم بات وأصبح في سخط الله حتى يتوب ويرجع ، فإن مات على ذلك مات على غير الإسلام ثم قال : ألا إنه من غشنا فليس منا حتى قال ذلك ثلاثا ، ومن يعلق سوطا بين يدي سلطان جائر جعل له الله حية طولها سبعون ألف ذراع فتسلط عليه في نار جهنم خالدا مخلدا ، ومن اغتاب مسلما بطل صومه ونقض وضوءه ، فإن مات وهو كذلك مات كالمستحل ما حرم الله ، ومن مشى بالنميمة بين اثنين سلط الله عليه في قبره نارا تحرقه إلى يوم القيامة ، ثم يدخله النار ، ومن عفا عن أخيه المسلم ، وكظم غيظه أعطاه الله أجر شهيد ومن بغى على أخيه ، وتطاول عليه ، واستحقره حشره الله يوم القيامة في صورة الذرة تطؤه العباد بأقدامهم ، ثم يدخل النار ولم يزل في سخط الله حتى يموت ، ومن يرد عن أخيه المسلم غيبة سمعها تذكر عنه في مجلس رد الله عنه ألف باب من الشر في الدنيا والآخرة ، فإن هو لم يرد عنه وأعجبه ما قالوا كان عليه مثل وزرهم ، ومن رمى محصنا أو محصنة حبط عمله ، وجلد يوم القيامة سبعون ألفا من بين يديه ومن خلفه ، ثم يؤمر به إلى النار ، ومن شرب الخمر في الدنيا سقاه الله من سم الأساود ، وسم العقارب شربة يتساقط لحم وجهه في الإناء قبل أن يشربها ، فإذا شربها تفسخ لحمه وجلده كالجيفة يتأذى به أهل الجمع ، ثم يؤمر به إلى النار ، ألا وشاربها ، وعاصرها ، ومعتصرها ، وبائعها ، ومبتاعها ، وحاملها ، والمحمولة إليه ، وآكل ثمنها سواء في إثمها وعارها ، ولا يقبل الله له صلاة ولا صياما ، ولا حجا ، ولا عمرة حتى يتوب ، فإن مات قبل أن يتوب منها كان حقا على الله أن يسقيه بكل جرعة شربها في الدنيا شربة من صديد جهنم ، ألا وكل مسكر خمر ، وكل مسكر حرام ، ومن أكل الربا ملأ الله بطنه نارا بقدر ما أكل ، وإن كسب منه مالا لم يقبل الله شيئا من عمله ، ولم يزل في لعنة الله وملائكته ما دام عنده منه قيراط ، ومن خان أمانة في الدنيا ولم يؤدها إلى أربابها مات على غير دين الإسلام ، ولقي الله وهو عليه غضبان ، ثم يؤمر به إلى النار ، فيهوي من شفيرها أبد الآبدين ، ومن شهد شهادة زور على مسلم أو كافر علق بلسانه يوم القيامة ، ثم صير مع المنافقين في الدرك الأسفل من النار ، ومن قال لمملوكه أو مملوك غيره أو لأحد من المسلمين : لا لبيك ، ولا سعديك انغمس في النار ، ومن أضر بامرأة حتى تفتدي منه لم يرض الله له بعقوبة دون النار ، لأن الله ، عز وجل ، يغضب للمرأة كما يغضب لليتيم ، ومن سعى بأخيه إلى السلطان أحبط الله عمله كله ، فإن وصل إليه مكروه أو أذى جعله الله مع هامان في درجته في النار ، ومن قرأ القرآن رياء وسمعة أو يريد به الدنيا لقي الله ووجهه عظم ليس عليه لحم ودع القرآن في قفاه حتى يقذفه في النار ، فيهوي فيها مع من هوى ، ومن قرأه ولم يعمل به حشره الله يوم القيامة أعمى ، فيقول : رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا ؟! فيقول : كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى ، ثم يؤمر به إلى النار ، ومن اشترى خيانة وهو يعلم أنها خيانة ، كان كمن خان في عارها وإثمها ومن قاود بين امرأة ورجل حراما حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وساءت مصيرا ومن غش أخاه المسلم نزع الله منه رزقه ، وأفسد عليه معيشته ، ووكله إلى نفسه ومن اشترى سرقة وهو يعلم أنها سرقة كان كمن سرقها في عارها وإثمها ، ومن ضار مسلما فليس منا ولسنا منه في الدنيا والآخرة ، ومن سمع بفاحشة فأفشاها كان كمن أتاها ، ومن سمع بخبر فأفشاه كان كمن عمله ، ومن وصف امرأة لرجل فذكر جمالها ، وحسنها حتى افتتن بها ، فأصاب منها فاحشة خرج من الدنيا مغضوبا عليه ، ومن غضب الله عليه غضبت عليه السماوات السبع والأرضون السبع ، وكان عليه من الوزر مثل وزر الذي أصابها قلنا : فإن تابا وأصلحا ؟ قال : قبل منهما ، ولا يقبل من الذي وصفها ، ومن أطعم طعاما رياء وسمعة أطعمه الله من صديد جهنم ، وكان ذلك الطعام نارا في بطنه حتى يقضى بين الناس ، ومن فجر بامرأة ذات بعل افجر من فرجها واد من صديد مسيرته خمسمئة عام يتأذى به أهل النار من نتن ريحه ، وكان من أشد الناس عذابا يوم القيامة ، واشتد غضب الله على امرأة ذات بعل ملأت عينها من غير زوجها ، أوغير ذي محرم منها ، فإذا فعلت ذلك أحبط الله كل عمل عملته ، فإن أوطأت فراشه غيره كان حقا على الله أن يحرقها بالنار من يوم تموت في قبرها ، وأيما امرأة اختلعت من زوجها لم تزل في لعنة الله ، وملائكته ، وكتبه ، ورسله ، والناس أجمعين ، فإذا نزل بها ملك الموت قال لها : أبشري بالنار . فإذا كان يوم القيامة قيل لها : ادخلي النار مع الداخلين ، ألا وإن الله ورسوله بريئان من المختلعات بغير حق ، ألا وإن الله ورسوله بريئان ممن أضر بامرأة حتى تختلع منه ، ومن أم قوما بإذنهم وهم به راضون فاقتصد بهم في حضوره ، وقراءته ، وركوعه ، وسجوده ، وقعوده , فله مثل أجورهم ، ومن لم يقتصد بهم في ذلك ردت عليه صلاته ، ولم تتجاوز تراقيه ، وكان بمنزلة أمير جائر معتد لم يصلح إلى رعيته ، ولم يقم فيهم بأمر الله فقال علي بن أبي طالب : يا رسول الله بأبي أنت وأمي وما منزلة الأمير الجائر المعتدي الذي لم يصلح لرعيته ، ولم يقم فيهم بأمر الله ؟ قال : هو رابع أربعة وهو أشد الناس عذابا يوم القيامة : إبليس ، وفرعون ، وقابيل قاتل النفس ، والأمير الجائر رابعهم ، ومن احتاج إليه أخوه المسلم في قرض فلم يقرضه وهو عنده حرم الله عليه الجنة يوم يجزي المحسنين ، ومن صبر على سوء خلق امرأته ، واحتسب الأجر من الله أعطاه الله ، عز وجل ، من الثواب مثل ما أعطى أيوب على بلائه ، وكان عليها من الوزر في كل يوم وليلة مثل رمل عالج ، فإن ماتت قبل أن تعتبه ، وترضيه حشرت يوم القيامة منكوسة مع المنافقين في الدرك الأسفل من النار ، ومن كانت له امرأة فلم توافقه ، ولم تصبر على ما رزقه الله ، وشقت عليه ، وحملته ما لا يقدر عليه لم تقبل لها حسنة ، فإن ماتت على ذلك حشرت مع المغضوب عليهم ، ومن أكرم أخاه المسلم ، فإنما يكرم ربه فما ظنكم ؟! ومن تولى عرافة قوم حبس على شفير جهنم لكل يوم ألف سنة ، ويحشر ويده مغلولة إلى عنقه ، فإن كان أقام أمر الله فيهم أطلق ، وإن كان ظالما هوى في جهنم سبعين خريفا ، ومن تحلم ما لم يحلم كان كمن شهد بالزور ، وكلف يوم القيامة أن يعقد بين شعيرتين يعذب حتى يعقدهما ولن يعقدهما ، ومن كان ذا وجهين ولسانين في الدنيا جعل الله له وجهين ولسانين في النار ، ومن استنبط حديثا باطلا فهو كمن حدث به قيل : كيف يستنبطه ؟ قال : هو الرجل يلقى الرجل فيقول : كان ديت وديت فيفتحه فلا يكون أحدكم مفتاحا للشر والباطل ومن مشى في صلح بين اثنين صلت عليه الملائكة حتى يرجع ، وأعطي أجر ليلة القدر ، ومن مشى في قطيعة بين اثنين كان عليه من الوزر بقدر ما أعطي من أصلح بين اثنين من الأجر ، ووجبت عليه اللعنة حتى يدخل جهنم ، فيضاعف عليه العذاب ، ومن مشى في عون أخيه المسلم ومنفعته كان له ثواب المجاهد في سبيل الله ، ومن مشى في غيبته وكشف عورته كانت أول قدم يخطوها كأنما وضعها في جهنم ، وتكشف عورته يوم القيامة على رؤوس الخلائق ، ومن مشى إلى ذي قرابة أو ذي رحم يتسل به أو يسلم عليه أعطاه الله أجر مئة شهيد ، وإن وصله مع ذلك كان له بكل خطوة أربعون ألف حسنة وحط عنه بها أربعون ألف ألف سيئة ، ويرفع له بها أربعون ألف ألف درجة وكأنما عبد الله مائة ألف سنة ، ومن مشى في فساد القرابات ، والقطيعة بينهم غضب الله عليه في الدنيا ، ولعنه وكان عليه كوزر من قطع الرحم ، ومن مشى في تزويج رجل حلالا حتى يجمع بينهما زوجه الله ألف امرأة من الحور العين كل امرأة في قصر من در وياقوت ، وكان له بكل خطوة خطاها أو كلمة تكلم بها في ذلك عبادة سنة قيام ليلها ، وصيام نهارها ، ومن عمل في فرقة بين امرأة وزوجها كان عليه لعنة الله في الدنيا والآخرة ، وحرم الله عليه النظر إلى وجهه ، ومن قاد ضريرا إلى المسجد ، أو إلى منزله ، أو إلى حاجة من حوائجه كتب الله له بكل قدم رفعها أو وضعها عتق رقبة ، وصلت عليه الملائكة حتى يفارقه ، ومن مشى بضرير في حاجة حتى يقضيها أعطاه الله براءتين , براءة من النار ، وبراءة من النفاق ، وقضي له سبعون ألف حاجة من حوائج الدنيا ، ولم يزل يخوض في الرحمة حتى يرجع ومن قام على مريض يوما وليلة بعثه الله مع خليله إبراهيم حتى يجوز على الصراط كالبرق اللامع ، ومن سعى لمريض في حاجة خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه ، فقال رجل من الأنصار : فإن كان المريض قرابته أو بعض أهله ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ومن أعظم أجرا ممن سعى في حاجة أهله ، ومن ضيع أهله ، وقطع رحمه حرمه الله حسن الجزاء يوم يجزي المحسنين ، وصيره مع الهالكين حتى يأتي بالمخرج وأنى له بالمخرج ! ومن مشى لضعيف في حاجة أو منفعة أعطاه الله كتابه بيمينه ، ومن أقرض ملهوفا فأحسن طلبه فليستأنف العمل وله عند الله بكل درهم ألف قنطار في الجنة ، ومن فرج عن أخيه كربة من كرب الدنيا فرج الله عنه كرب الدنيا والآخرة ، ونظر الله إليه نظرة رحمة ينال بها الجنة ، ومن مشى في صلح بين امرأة وزوجها كان له أجر ألف شهيد قتلوا في سبيل الله حقا ، وكان له بكل خطوة وكلمة عبادة سنة صيامها وقيامها ، ومن أقرض أخاه المسلم فله بكل درهم وزن جبل أحد ، وحراء ، وثبير ، وطور سيناء حسنات , فإن رفق به في طلبه بعد حله جرى عليه بكل يوم صدقة ، وجاز على الصراط كالبرق اللامع لا حساب عليه ، ولا عذاب ، ومن مطل طالبه وهو يقدر على قضائه فعليه خطيئة عشار فقام إليه عوف بن مالك الأشجعي فقال : وما خطيئة العشار ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : خطيئة العشار أن عليه في كل يوم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا ، ومن اصطنع إلى أخيه المسلم معروفا ، ثم من به عليه أحبط أجره ، وخيب سعيه ، ألا وإن الله - جل ثناؤه - حرم على المنان والبخيل ، والمختال ، والقتات ، والجواظ ، والجعظري ، والعتل ، والزنيم ، ومدمن الخمر الجنة ومن تصدق صدقة أعطاه الله بوزن كل ذرة منها مثل جبل أحد من نعيم الجنة ، ومن مشى بها إلى مسكين كان له مثل ذلك ولو تداولها أربعون ألف إنسان حتى تصل إلى المسكين كان لكل واحد منهم مثل ذلك الأجر كاملا وما عند الله خير وأبقى للذين اتقوا وأحسنوا ، ومن بنى لله مسجدا أعطاه الله بكل شبر - أو قال بكل ذراع - أربعين ألف ألف مدينة من ذهب ، وفضة ، ودر ، وياقوت ، وزبرجد , ولؤلؤ في كل مدينة أربعون ألف قصر , في كل قصر سبعون ألف ألف دار ، في كل دار أربعون ألف ألف بيت في كل بيت أربعون ألف سرير ، على كل سرير زوجة من الحور العين ، وفي كل بيت أربعون ألف ألف وصيف , وأربعون ألف ألف وصيفة ، وفي كل بيت أربعون ألف ألف مائدة على كل مائدة أربعون ألف ألف قصعة ، في كل قصعة أربعون ألف ألف لون من الطعام ، ويعطي الله وليه من القوة ما يأتي على تلك الأزواج وذلك الطعام والشراب في يوم واحد ، ومن تولى أذان مسجد من مساجد الله يريد بذلك وجه الله أعطاه الله ثواب ألف ألف نبي ، وأربعين ألف ألف صديق ، وأربعين ألف ألف شهيد ، ويدخل في شفاعته أربعون ألف ألف أمة ، في كل أمة أربعون ألف ألف رجل ، وله في كل جنة من الجنان أربعون ألف ألف مدينة ، في كل مدينة أربعون ألف ألف قصر ، في كل قصر أربعون ألف ألف دار ، في كل دار أربعون ألف ألف بيت ، في كل بيت أربعون ألف ألف سرير ، على كل سرير زوجة من الحور العين ، سعة كل بيت منها سعة الدنيا أربعون ألف ألف مرة ، بين يدي كل زوجة أربعون ألف ألف وصيف , وأربعون ألف ألف وصيفة ، في كل بيت أربعون ألف ألف مائدة ، على كل مائدة أربعون ألف ألف قصعة ، في كل قصعة أربعون ألف ألف لون ، لو نزل به الثقلان لأوسعهم بأدنى بيت من بيوته بما شاؤوا من الطعام ، والشراب ، واللباس ، والطيب والثمار ، وألوان التحف ، والطرائف ، والحلي ، والحلل ، كل بيت منها مكتف بما فيه من هذه الأشياء عن البيت الآخر ، فإذا قال المؤذن : أشهد أن لا إله إلا الله اكتنفه سبعون ألف ملك كلهم يصلون عليه ، ويستغفرون له وهو في ظل رحمة الله حتى يفرغ ويكتب ثوابه أربعون ألف ألف ملك ، ثم يصعدون به إلى الله ، ومن مشى إلى مسجد من المساجد ، فله بكل خطوة يخطوها حتى يرجع إلى منزله عشر حسنات ، وتمحى عنه عشر بها سيئات ، ويرفع له بها عشر درجات ومن حافظ على الجماعة حيث كان ومع من كان مر على الصراط كالبرق اللامع في أول زمرة من السابقين ووجهه أضوأ من القمر ليلة البدر ، وكان له بكل يوم وليلة حافظ عليها ثواب شهيد ، ومن حافظ على الصف المقدم ، فأدرك أول تكبيرة من غير أن يؤذي مؤمنا ، أعطاه الله مثل ثواب المؤذن في الدنيا والآخرة ، ومن بنى بناء على ظهر طريق يأوي إليه عابر السبيل بعثه الله يوم القيامة على نجيبة من در ، ووجهه يضيء لأهل الجمع حتى يقول أهل الجمع ، هذا ملك من الملائكة لم ير مثله ، حتى يزاحم إبراهيم في قبته ، ويدخل الجنة بشفاعته أربعون ألف رجل ، ومن شفع لأخيه المسلم في حاجة له نظر الله إليه ، وحق على الله أن لا يعذب عبدا بعد نظره إليه ، إذا كان ذلك بطلب منه إليه أن يشفع له ، فإذا شفع له من غير طلب كان له مع ذلك أجر سبعين شهيدا ، ومن صام رمضان ، وكف عن اللغو والغيبة ، والكذب ، والخوض في الباطل ، وأمسك لسانه إلا عن ذكر الله ، وكف سمعه ، وبصره ، وجميع جوارحه عن محارم الله ، عز وجل ، وعن أذى المسلمين ، كانت له من القربة عند الله أن تمس ركبته ركبة إبراهيم خليله ومن احتفر بئرا حتى ينبسط ماؤها ، فيبذلها للمسلمين كان له أجر من توضأ منها وصلى ، وله بعدد شعر من شرب منها حسنات إنس ، أو جن ، أو بهيمة ، أو سبع ، أو طائر ، أو غير ذلك ، وله بكل شعرة من ذلك عتق رقبة ، ويرد في شفاعته يوم القيامة حوض القدس عدد نجوم السماء قيل يا رسول الله : وما حوض القدس ؟ قال : حوضي حوضي حوضي ومن حفر قبرا لمسلم حرمه الله على النار ، وبوأه بيتا في الجنة لو وضع فيه ما بين صنعاء والحبشة لوسعها ، ومن غسل ميتا ، وأدى الأمانة فيه ، كان له بكل شعرة منه عتق رقبة ، ورفع له بها مئة درجة , فقال عمر بن الخطاب : وكيف يؤدي فيه الأمانة يا رسول الله ؟ قال : يستر عورته ، ويكتم شينه وإن هو لم يستر عورته ، ولم يكتم شينه ، أبدى الله عورته على رؤوس الخلائق ، ومن صلى على ميت صلى عليه جبريل ومعه سبعون ألف ملك ، وغفر له ما تقدم من ذنبه ، وإن أقام حتى يدفن ، وحثى عليه من التراب انقلب وله بكل خطوة حتى يرجع إلى منزله قيراط من الأجر ، والقيراط مثل أحد ، ومن ذرفت عيناه من خشية الله كان له بكل قطرة من دموعه مثل أحد في ميزانه ، وله بكل قطرة عين في الجنة على حافتيها من المدائن والقصور ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب واصف ، ومن عاد مريضا فله بكل خطوة خطاها حتى يرجع إلى منزله سبعون ألف حسنة ومحو سبعين ألف سيئة وترفع له سبعون ألف درجة ويوكل به سبعون ألف ملك يعودونه ، ويستغفرون له إلى يوم القيامة ، ومن تبع جنازة فله بكل خطوة يخطوها حتى يرجع مئة ألف حسنة ، ومحو مئة ألف سيئة ويرفع له مئة ألف درجة ، فإن صلى عليها وكل به سبعون ألف ملك يستغفرون له حتى يرجع ، وإن شهد دفنها استغفروا له حتى يبعث من قبره ، ومن خرج حاجا أو معتمرا فله بكل خطوة حتى يرجع ألف ألف حسنة ، ومحو ألف ألف سيئة ، ورفع له ألف ألف درجة ، وله عند ربه بكل درهم ينفقه ألف ألف درهم ، وبكل دينار ألف ألف دينار ، وبكل حسنة يعملها ألف ألف حسنة ، حتى يرجع وهو في ضمان الله ، فإن توفاه أدخله الجنة ، وإن رجعه رجعه مغفورا له مستجابا له فاغتنموا دعوته إذا قدم قبل أن يصيب الذنوب ، فإنه يشفع في مئة ألف رجل يوم القيامة ، ومن خلف حاجا أو معتمرا في أهله بخير ، كان له مثل أجره كاملا من غير أن ينقص من أجره شيء ، ومن رابط أو جاهد في سبيل الله كان له بكل خطوة حتى يرجع سبعمائة ألف ألف حسنة ، ومحو سبعمائة ألف ألف سيئة ، ورفع له سبعمائة ألف ألف درجة ، وكان في ضمان الله ، فإن توفاه بأي حتف كان ، أدخله الجنة ، وإن رجعه رجعه مغفورا له مستجابا له ، ومن زار أخاه المسلم فله بكل خطوة حتى يرجع عتق مئة ألف رقبة ، ومحو مئة ألف ألف سيئة ، ويكتب له مئة ألف ألف حسنة ويرفع له بها مئة ألف ألف درجة قال : فقلنا لأبي هريرة : أوليس قد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أعتق رقبة فهي فكاكه من النار ؟ قال : بلى ، ويرفع له سائرهم في كنوز العرش عند ربه ، ومن تعلم القرآن ابتغاء وجه الله ، وتفقه في دين الله كان له من الثواب مثل جميع ما أعطي الملائكة ، والأنبياء ، والرسل ، ومن تعلم القرآن رياء وسمعة ليماري به السفهاء ، ويباهي به العلماء ، أو يطلب به الدنيا بدد الله عظامه يوم القيامة ، وكان من أشد أهل النار عذابا ، ولا يبقى فيها نوع من أنواع العذاب إلا عذب به لشدة غضب الله وسخطه عليه ، ومن تعلم العلم وتواضع في العلم ، وعلمه عباد الله يريد بذلك ما عند الله لم يكن في الجنة أفضل ثوابا ، ولا أعظم منزلة منه ، ولم يكن في الجنة منزلة ، ولا درجة رفيعة نفسية إلا وله فيها أوفر نصيب وأوفر المنازل ألا وإن العلم أفضل العبادة ، وملاك الدين الورع ، وإنما العالم من عمل بعلمه ، وإن كان قليل العلم فلا تحقرن من المعاصي شيئا ، وإن صغر في أعينكم ، فإنه لا صغيرة مع الإصرار ، ولا كبيرة مع استغفار ، ألا وإن الله سائلكم عن أعمالكم حتى عن مس أحدكم ثوب أخيه فاعملوا عباد الله أن العبد يبعث يوم القيامة على ما قد مات عليه ، وقد خلق الله الجنة والنار فمن اختار النار على الجنة فأبعده الله ، ألا وإن الله ، عز وجل ، أمرني أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا الله ، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله ، ألا وإن الله لم يدع شيئا مما نهى عنه ، إلا وقد بينه لكم ليهلك من هلك عن بينة ، ويحيا من حي عن بينة ، ألا وإن الله - جل ثناؤه - لا يظلم ، ولا يجوز عليه ظلم وهو بالمرصاد ليجزي الذين أساؤوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى فمن أحسن فلنفسه ، ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد . يا أيها الناس : إنه قد كبرت سني ، ودق عظمي ، وانهد جسمي ، ونعيت إلي نفسي ، واقترب أجلي ، واشتقت إلى ربي ، ألا وإن هذا آخر العهد مني ومنكم ، فما دمت حيا فقد تروني ، فإذا أنا مت فالله خليفتي على كل مسلم . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته . ثم نزل فابتدره رهط من الأنصار قبل أن ينزل من المنبر وقالوا : جعلت أنفسنا فداك يا رسول الله من يقوم بهذه الشدائد ؟ وكيف العيش بعد هذا اليوم ؟ فقال لهم : وأنتم فداكم أبي وأمي نازلت ربي في أمتي ، فقال لي : باب التوبة مفتوح حتى ينفخ في الصور ، ثم قال : من تاب قبل موته بسنة تاب الله عليه ، ثم قال : سنة كثير ، من تاب قبل موته بشهر تاب الله عليه ، ثم قال : شهر كثير ، ومن تاب قبل موته بجمعة تاب الله عليه ، ثم قال : جمعة كثير , من تاب قبل موته بيوم تاب الله عليه . ثم قال : يوم كثير . ثم قال : من تاب قبل موته بساعة تاب الله عليه. ثم قال من تاب قبل أن يغرغر بالموت تاب الله عليه ثم نزل ، فكانت آخر خطبة خطبها صلى الله عليه وسلم
خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة قبل وفاته ، وهي آخر خطبة خطبها بالمدينة حتى لحق بالله ، فوعظنا فيها موعظة ذرفت منها العيون ، ووجلت منها القلوب ، وتقشعرت منها الجلود ، وتقلقلت منها الأحشاء ، أمر بلالا فنادى الصلاة جامعة قبل أن يتكلم ، فاجتمع الناس إليه ، فارتقى المنبر فقال : باأيها الناس ، ادنوا وأوسعوا لمن خلفكم - ثلاث مرات - فدنا الناس ، وانضم بعضهم إلى بعض ، والتفتوا فلم يروا أحدا ، ثم قال : ادنوا وأوسعوا لمن خلفكم فدنا الناس وانضم بعضهم لبعض ، والتفتوا فلم يروا أحدا ، ثم قال : ادنوا وأوسعوا لمن خلفكم ، فدنوا وانضم بعضهم إلى بعض ، والتفتوا فلم يروا أحدا ، فقام رجل ، فقال : لمن نوسع للملائكة ؟! قال : لا ، إنهم إذا كانوا معكم لم يكونوا بين أيديكم ، ولا خلفكم ، ولكن عن يمينكم وشمائلكم ، فقال : ولم لا يكونون بين أيدينا ، ولا خلفنا ؟ أهم أفضل منا ؟ قال : بل أنتم أفضل من الملائكة ، اجلس فجلس ، ثم خطب ، فقال : الحمد لله أحمده ، ونستعينه ، ونستغفره ، ونؤمن به ، ونتوكل عليه ، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمدا عبده ورسوله ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له أيها الناس : إنه كائن في هذه الأمة ثلاثون كذابا أولهم صاحب اليمامة ، وصاحب صنعاء أيها الناس : إنه من لقي الله وهو يشهد أن لا إله إلا الله مخلصا دخل الجنة فقام علي بن أبي طالب فقال : بأبي وأمي يا رسول الله ، كيف يخلص بها لا يخلط معها غيرها ، بين لنا حتى نعرفه ؟ فقال : حرصا على الدنيا وجمعا لها من غير حلها ، ورضا بها ، وأقوام يقولون أقاويل الأخيار ، ويعلمون عمل الفجار ، فمن لقي الله وليس فيه شيء من هذه الخصال بقوله : لا إله إلا الله دخل الجنة ، ومن اختار الدنيا على الآخرة فله النار ، ومن تولى خصومة قوم ظلمة أو أعانهم عليها نزل به ملك الموت يبشره بلعنة ونار خالدا فيها وبئس المصير ، ومن خف لسلطان جائر في حاجة فهو قرينه في النار ، ومن دل سلطانا على جور قرن مع هامان في النار ، وكان هو وذلك السلطان من أشد الناس عذابا ومن عظم صاحب دنيا ومدحه طمعا في دنياه سخط الله عليه ، وكان في درجة قارون في أسفل جهنم ، ومن بنى بناء رياء وسمعة حمله يوم القيامة مع سبع أرضين يطوقه نارا يوقده في عنقه ، ثم يرمي به النار فقيل : وكيف يبني بناء رياء وسمعة ؟ فقال : يبني فضلا عما يكفيه ويبنيه مباهاة ، ومن ظلم أجيرا أجرة حبط عمله ، وحرم عليه ريح الجنة ، وريحها يوجد من مسيرة خمسمئة عام ، ومن خان جاره شبرا من الأرض طوقه يوم القيامة إلى سبع أرضين نارا حتى تدخله جهنم ، ومن تعلم القرآن ، ثم نسيه متعمدا لقي الله مجذوما معلولا وسلط الله عليه بكل آية حية تنهشه في النار ، ومن تعلم القرآن ، فلم يعمل به ، وآثر عليه حطام الدنيا وزينتها ، استوجب سخط الله ، وكان في درجة اليهود والنصارى الذين نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم ، واشتروا به ثمنا قليلا ، ومن نكح امرأة في دبرها أو رجلا أو صبيا ، حشر يوم القيامة وهو أنتن من الجيفة ، يتأذى به الناس حتى يدخل جهنم وأحبط الله أجره ولا يقبل منه صرفا ولا عدلا ، ويدخل في تابوت من نار ، وتسلط عليه مسامير من حديد حتى تسلك تلك المسامير في جوفه ، فلو وضع عرق من عروقه على أربعمئة أمة لماتوا جميعا ، وهو من أشد أهل النار عذابا يوم القيامة ، ومن زنا بامرأة مسلمة أو غير مسلمة حرة أو أمة ، فتح عليه في قبره ثلاثمئة ألف باب من النار ، يخرج عليه منها حيات وعقارب وشهب من النار ، فهو يعذب إلى يوم القيامة بتلك النار مع ما يلقى من تلك الحيات والعقارب ، ويبعث يوم القيامة يتأذى الناس بنتن فرجه ، ويعرف بذلك حتى يدخل النار ، فيتأذى به أهل النار مع ما هم فيه من العذاب ، لأن الله حرم المحارم ، وليس أحد أغير من الله ، ومن غيرته حرم الفواحش وحد الحدود ومن اطلع إلى بيت جاره فرأى عورة رجل أو شعر امرأة أو شيئا من جسدها كان حقا على الله أن يدخله النار مع المنافقين الذين كانوا يتحينون عورات النساء ، ولا يخرج من الدنيا حتى يفضحه الله ، ويبدي للناظرين عورته يوم القيامة ، ومن سخط رزقه وبث شكواه ، ولم يصبر لم يرفع له إلى الله حسنة ، ولقي الله وهو عليه ساخط ، ومن لبس ثوبا فاختال في ثوبه خسف به من شفير جهنم يتجلجل فيها ما دامت السماوات والأرض ، لأن قارون لبس حلة فاختال ، فخسف به فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة ، ومن نكح امرأة حلالا بمال حلال يريد بذلك الفخر والرياء لم يزده الله بذلك إلا ذلا وهوانا ، وأقامه الله بقدر ما استمتع منها على شفير جهنم حتى يهوي فيها سبعين خريفا ، ومن ظلم امرأة مهرها فهو عند الله زان ، ويقول الله له يوم القيامة : عبدي زوجتك على عهدي فلم توف بعهدي ، فيتولى الله طلب حقها فيستوعب حسناته كلها فما تفي به فيؤمر به إلى النار ، ومن رجع عن شهادة أو كتمها أطعمه الله لحمه على رؤوس الخلائق ، ويدخله النار وهو يلوك لسانه ، ومن كانت له امرأتان فلم يعدل بينهما في القسم من نفسه وماله ، جاء يوم القيامة مغلولا مائلا شقه حتى يدخل النار ، ومن آذى جاره من غير حق حرم الله عليه ريح الجنة ومأواه النار ، ألا وإن الله يسأل الرجل عن جاره كما يسأله عن حق أهل بيته ، فمن ضيع حق جاره فليس منا ومن أهان فقيرا مسلما من أجل فقره فاستخف به ، فقد استخف بحق الله ، ولم يزل في مقت الله وسخطه حتى يرضيه ومن أكرم فقيرا مسلما لقي الله يوم القيامة وهو يضحك إليه ، ومن عرضت له الدنيا والآخرة فاختار الدنيا على الآخرة لقي الله لقي الله وليست له حسنة يتقي بها النار ، وإن اختار الآخرة على الدنيا لقي الله وهو عنه راض ، ومن قدر على امرأة أو جارية حراما فتركها مخافة منه أمنه الله من الفزع الأكبر وحرمه على النار وأدخله الجنة ، وإن واقعها حراما حرم الله عليه الجنة وأدخله النار ، ومن كسب مالا حراما لم تقبل له صدقة ، ولا حج ، ولا عمرة ، وكتب الله له بقدر ذلك أوزارا ، وما بقي عند موته كان زاده إلى النار ، ومن أصاب من امرأة نظرة حراما ملأ الله عينيه نارا ثم أمر به إلى النار ، فإن غض بصره عنها أدخل الله في قلبه محبته ورحمته وأمر به إلى الجنة ، ومن صافح امرأة حراما جاء يوم القيامة مغلولة يداه إلى عنقه ، ثم يؤمر به إلى النار ، وإن فاكهها حبس بكل كلمة كلمها في الدنيا ألف عام ، والمرأة إذا طاوعت الرجل حراما فالتزمها ، أو قبلها ، أو باشرها ، أو فاكهها ، أو واقعها فعليها من الوزر مثل ما على الرجل ، فإن غلبها الرجل على نفسها كان عليه وزره ووزرها ، ومن غش مسلما في بيع أو شراء فليس منا ، ويحشر يوم القيامة مع اليهود ، لأنهم أغش الناس للمسلمين ، ومن منع الماعون من جاره إذا احتاج إليه منعه الله فضله ، ووكله إلى نفسه ، ومن وكله إلى نفسه هلك أحر ما عليها ، ولا يقبل له عذر ، وأيما امرأة آذت زوجها لم تقبل صلاتها ، ولا حسنة من عملها حتى تعتبه وترضيه ، ولو صامت الدهر ، وقامته ، وأعتقت الرقاب ، وحملت على الجياد في سبيل الله لكانت أول من يرد النار إذا لم ترضيه وتعتبه وقال : وعلى الرجل مثل ذلك من الوزر والعذاب إذا كان لها مؤذيا ظالما ومن لطم خد مسلم لطمة ، بدد الله عظامه يوم القيامة ، ثم تسلط عليه النار ، ويبعث حين يبعث مغلولا حتى يرد النار ، ومن بات وفي قلبه غش لأخيه المسلم بات وأصبح في سخط الله حتى يتوب ويرجع ، فإن مات على ذلك مات على غير الإسلام ثم قال : ألا إنه من غشنا فليس منا حتى قال ذلك ثلاثا ، ومن يعلق سوطا بين يدي سلطان جائر جعل له الله حية طولها سبعون ألف ذراع فتسلط عليه في نار جهنم خالدا مخلدا ، ومن اغتاب مسلما بطل صومه ونقض وضوءه ، فإن مات وهو كذلك مات كالمستحل ما حرم الله ، ومن مشى بالنميمة بين اثنين سلط الله عليه في قبره نارا تحرقه إلى يوم القيامة ، ثم يدخله النار ، ومن عفا عن أخيه المسلم ، وكظم غيظه أعطاه الله أجر شهيد ومن بغى على أخيه ، وتطاول عليه ، واستحقره حشره الله يوم القيامة في صورة الذرة تطؤه العباد بأقدامهم ، ثم يدخل النار ولم يزل في سخط الله حتى يموت ، ومن يرد عن أخيه المسلم غيبة سمعها تذكر عنه في مجلس رد الله عنه ألف باب من الشر في الدنيا والآخرة ، فإن هو لم يرد عنه وأعجبه ما قالوا كان عليه مثل وزرهم ، ومن رمى محصنا أو محصنة حبط عمله ، وجلد يوم القيامة سبعون ألفا من بين يديه ومن خلفه ، ثم يؤمر به إلى النار ، ومن شرب الخمر في الدنيا سقاه الله من سم الأساود ، وسم العقارب شربة يتساقط لحم وجهه في الإناء قبل أن يشربها ، فإذا شربها تفسخ لحمه وجلده كالجيفة يتأذى به أهل الجمع ، ثم يؤمر به إلى النار ، ألا وشاربها ، وعاصرها ، ومعتصرها ، وبائعها ، ومبتاعها ، وحاملها ، والمحمولة إليه ، وآكل ثمنها سواء في إثمها وعارها ، ولا يقبل الله له صلاة ولا صياما ، ولا حجا ، ولا عمرة حتى يتوب ، فإن مات قبل أن يتوب منها كان حقا على الله أن يسقيه بكل جرعة شربها في الدنيا شربة من صديد جهنم ، ألا وكل مسكر خمر ، وكل مسكر حرام ، ومن أكل الربا ملأ الله بطنه نارا بقدر ما أكل ، وإن كسب منه مالا لم يقبل الله شيئا من عمله ، ولم يزل في لعنة الله وملائكته ما دام عنده منه قيراط ، ومن خان أمانة في الدنيا ولم يؤدها إلى أربابها مات على غير دين الإسلام ، ولقي الله وهو عليه غضبان ، ثم يؤمر به إلى النار ، فيهوي من شفيرها أبد الآبدين ، ومن شهد شهادة زور على مسلم أو كافر علق بلسانه يوم القيامة ، ثم صير مع المنافقين في الدرك الأسفل من النار ، ومن قال لمملوكه أو مملوك غيره أو لأحد من المسلمين : لا لبيك ، ولا سعديك انغمس في النار ، ومن أضر بامرأة حتى تفتدي منه لم يرض الله له بعقوبة دون النار ، لأن الله ، عز وجل ، يغضب للمرأة كما يغضب لليتيم ، ومن سعى بأخيه إلى السلطان أحبط الله عمله كله ، فإن وصل إليه مكروه أو أذى جعله الله مع هامان في درجته في النار ، ومن قرأ القرآن رياء وسمعة أو يريد به الدنيا لقي الله ووجهه عظم ليس عليه لحم ودع القرآن في قفاه حتى يقذفه في النار ، فيهوي فيها مع من هوى ، ومن قرأه ولم يعمل به حشره الله يوم القيامة أعمى ، فيقول : رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا ؟! فيقول : كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى ، ثم يؤمر به إلى النار ، ومن اشترى خيانة وهو يعلم أنها خيانة ، كان كمن خان في عارها وإثمها ومن قاود بين امرأة ورجل حراما حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وساءت مصيرا ومن غش أخاه المسلم نزع الله منه رزقه ، وأفسد عليه معيشته ، ووكله إلى نفسه ومن اشترى سرقة وهو يعلم أنها سرقة كان كمن سرقها في عارها وإثمها ، ومن ضار مسلما فليس منا ولسنا منه في الدنيا والآخرة ، ومن سمع بفاحشة فأفشاها كان كمن أتاها ، ومن سمع بخبر فأفشاه كان كمن عمله ، ومن وصف امرأة لرجل فذكر جمالها ، وحسنها حتى افتتن بها ، فأصاب منها فاحشة خرج من الدنيا مغضوبا عليه ، ومن غضب الله عليه غضبت عليه السماوات السبع والأرضون السبع ، وكان عليه من الوزر مثل وزر الذي أصابها قلنا : فإن تابا وأصلحا ؟ قال : قبل منهما ، ولا يقبل من الذي وصفها ، ومن أطعم طعاما رياء وسمعة أطعمه الله من صديد جهنم ، وكان ذلك الطعام نارا في بطنه حتى يقضى بين الناس ، ومن فجر بامرأة ذات بعل افجر من فرجها واد من صديد مسيرته خمسمئة عام يتأذى به أهل النار من نتن ريحه ، وكان من أشد الناس عذابا يوم القيامة ، واشتد غضب الله على امرأة ذات بعل ملأت عينها من غير زوجها ، أوغير ذي محرم منها ، فإذا فعلت ذلك أحبط الله كل عمل عملته ، فإن أوطأت فراشه غيره كان حقا على الله أن يحرقها بالنار من يوم تموت في قبرها ، وأيما امرأة اختلعت من زوجها لم تزل في لعنة الله ، وملائكته ، وكتبه ، ورسله ، والناس أجمعين ، فإذا نزل بها ملك الموت قال لها : أبشري بالنار . فإذا كان يوم القيامة قيل لها : ادخلي النار مع الداخلين ، ألا وإن الله ورسوله بريئان من المختلعات بغير حق ، ألا وإن الله ورسوله بريئان ممن أضر بامرأة حتى تختلع منه ، ومن أم قوما بإذنهم وهم به راضون فاقتصد بهم في حضوره ، وقراءته ، وركوعه ، وسجوده ، وقعوده , فله مثل أجورهم ، ومن لم يقتصد بهم في ذلك ردت عليه صلاته ، ولم تتجاوز تراقيه ، وكان بمنزلة أمير جائر معتد لم يصلح إلى رعيته ، ولم يقم فيهم بأمر الله فقال علي بن أبي طالب : يا رسول الله بأبي أنت وأمي وما منزلة الأمير الجائر المعتدي الذي لم يصلح لرعيته ، ولم يقم فيهم بأمر الله ؟ قال : هو رابع أربعة وهو أشد الناس عذابا يوم القيامة : إبليس ، وفرعون ، وقابيل قاتل النفس ، والأمير الجائر رابعهم ، ومن احتاج إليه أخوه المسلم في قرض فلم يقرضه وهو عنده حرم الله عليه الجنة يوم يجزي المحسنين ، ومن صبر على سوء خلق امرأته ، واحتسب الأجر من الله أعطاه الله ، عز وجل ، من الثواب مثل ما أعطى أيوب على بلائه ، وكان عليها من الوزر في كل يوم وليلة مثل رمل عالج ، فإن ماتت قبل أن تعتبه ، وترضيه حشرت يوم القيامة منكوسة مع المنافقين في الدرك الأسفل من النار ، ومن كانت له امرأة فلم توافقه ، ولم تصبر على ما رزقه الله ، وشقت عليه ، وحملته ما لا يقدر عليه لم تقبل لها حسنة ، فإن ماتت على ذلك حشرت مع المغضوب عليهم ، ومن أكرم أخاه المسلم ، فإنما يكرم ربه فما ظنكم ؟! ومن تولى عرافة قوم حبس على شفير جهنم لكل يوم ألف سنة ، ويحشر ويده مغلولة إلى عنقه ، فإن كان أقام أمر الله فيهم أطلق ، وإن كان ظالما هوى في جهنم سبعين خريفا ، ومن تحلم ما لم يحلم كان كمن شهد بالزور ، وكلف يوم القيامة أن يعقد بين شعيرتين يعذب حتى يعقدهما ولن يعقدهما ، ومن كان ذا وجهين ولسانين في الدنيا جعل الله له وجهين ولسانين في النار ، ومن استنبط حديثا باطلا فهو كمن حدث به قيل : كيف يستنبطه ؟ قال : هو الرجل يلقى الرجل فيقول : كان ديت وديت فيفتحه فلا يكون أحدكم مفتاحا للشر والباطل ومن مشى في صلح بين اثنين صلت عليه الملائكة حتى يرجع ، وأعطي أجر ليلة القدر ، ومن مشى في قطيعة بين اثنين كان عليه من الوزر بقدر ما أعطي من أصلح بين اثنين من الأجر ، ووجبت عليه اللعنة حتى يدخل جهنم ، فيضاعف عليه العذاب ، ومن مشى في عون أخيه المسلم ومنفعته كان له ثواب المجاهد في سبيل الله ، ومن مشى في غيبته وكشف عورته كانت أول قدم يخطوها كأنما وضعها في جهنم ، وتكشف عورته يوم القيامة على رؤوس الخلائق ، ومن مشى إلى ذي قرابة أو ذي رحم يتسل به أو يسلم عليه أعطاه الله أجر مئة شهيد ، وإن وصله مع ذلك كان له بكل خطوة أربعون ألف حسنة وحط عنه بها أربعون ألف ألف سيئة ، ويرفع له بها أربعون ألف ألف درجة وكأنما عبد الله مائة ألف سنة ، ومن مشى في فساد القرابات ، والقطيعة بينهم غضب الله عليه في الدنيا ، ولعنه وكان عليه كوزر من قطع الرحم ، ومن مشى في تزويج رجل حلالا حتى يجمع بينهما زوجه الله ألف امرأة من الحور العين كل امرأة في قصر من در وياقوت ، وكان له بكل خطوة خطاها أو كلمة تكلم بها في ذلك عبادة سنة قيام ليلها ، وصيام نهارها ، ومن عمل في فرقة بين امرأة وزوجها كان عليه لعنة الله في الدنيا والآخرة ، وحرم الله عليه النظر إلى وجهه ، ومن قاد ضريرا إلى المسجد ، أو إلى منزله ، أو إلى حاجة من حوائجه كتب الله له بكل قدم رفعها أو وضعها عتق رقبة ، وصلت عليه الملائكة حتى يفارقه ، ومن مشى بضرير في حاجة حتى يقضيها أعطاه الله براءتين , براءة من النار ، وبراءة من النفاق ، وقضي له سبعون ألف حاجة من حوائج الدنيا ، ولم يزل يخوض في الرحمة حتى يرجع ومن قام على مريض يوما وليلة بعثه الله مع خليله إبراهيم حتى يجوز على الصراط كالبرق اللامع ، ومن سعى لمريض في حاجة خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه ، فقال رجل من الأنصار : فإن كان المريض قرابته أو بعض أهله ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ومن أعظم أجرا ممن سعى في حاجة أهله ، ومن ضيع أهله ، وقطع رحمه حرمه الله حسن الجزاء يوم يجزي المحسنين ، وصيره مع الهالكين حتى يأتي بالمخرج وأنى له بالمخرج ! ومن مشى لضعيف في حاجة أو منفعة أعطاه الله كتابه بيمينه ، ومن أقرض ملهوفا فأحسن طلبه فليستأنف العمل وله عند الله بكل درهم ألف قنطار في الجنة ، ومن فرج عن أخيه كربة من كرب الدنيا فرج الله عنه كرب الدنيا والآخرة ، ونظر الله إليه نظرة رحمة ينال بها الجنة ، ومن مشى في صلح بين امرأة وزوجها كان له أجر ألف شهيد قتلوا في سبيل الله حقا ، وكان له بكل خطوة وكلمة عبادة سنة صيامها وقيامها ، ومن أقرض أخاه المسلم فله بكل درهم وزن جبل أحد ، وحراء ، وثبير ، وطور سيناء حسنات , فإن رفق به في طلبه بعد حله جرى عليه بكل يوم صدقة ، وجاز على الصراط كالبرق اللامع لا حساب عليه ، ولا عذاب ، ومن مطل طالبه وهو يقدر على قضائه فعليه خطيئة عشار فقام إليه عوف بن مالك الأشجعي فقال : وما خطيئة العشار ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : خطيئة العشار أن عليه في كل يوم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا ، ومن اصطنع إلى أخيه المسلم معروفا ، ثم من به عليه أحبط أجره ، وخيب سعيه ، ألا وإن الله - جل ثناؤه - حرم على المنان والبخيل ، والمختال ، والقتات ، والجواظ ، والجعظري ، والعتل ، والزنيم ، ومدمن الخمر الجنة ومن تصدق صدقة أعطاه الله بوزن كل ذرة منها مثل جبل أحد من نعيم الجنة ، ومن مشى بها إلى مسكين كان له مثل ذلك ولو تداولها أربعون ألف إنسان حتى تصل إلى المسكين كان لكل واحد منهم مثل ذلك الأجر كاملا وما عند الله خير وأبقى للذين اتقوا وأحسنوا ، ومن بنى لله مسجدا أعطاه الله بكل شبر - أو قال بكل ذراع - أربعين ألف ألف مدينة من ذهب ، وفضة ، ودر ، وياقوت ، وزبرجد , ولؤلؤ في كل مدينة أربعون ألف قصر , في كل قصر سبعون ألف ألف دار ، في كل دار أربعون ألف ألف بيت في كل بيت أربعون ألف سرير ، على كل سرير زوجة من الحور العين ، وفي كل بيت أربعون ألف ألف وصيف , وأربعون ألف ألف وصيفة ، وفي كل بيت أربعون ألف ألف مائدة على كل مائدة أربعون ألف ألف قصعة ، في كل قصعة أربعون ألف ألف لون من الطعام ، ويعطي الله وليه من القوة ما يأتي على تلك الأزواج وذلك الطعام والشراب في يوم واحد ، ومن تولى أذان مسجد من مساجد الله يريد بذلك وجه الله أعطاه الله ثواب ألف ألف نبي ، وأربعين ألف ألف صديق ، وأربعين ألف ألف شهيد ، ويدخل في شفاعته أربعون ألف ألف أمة ، في كل أمة أربعون ألف ألف رجل ، وله في كل جنة من الجنان أربعون ألف ألف مدينة ، في كل مدينة أربعون ألف ألف قصر ، في كل قصر أربعون ألف ألف دار ، في كل دار أربعون ألف ألف بيت ، في كل بيت أربعون ألف ألف سرير ، على كل سرير زوجة من الحور العين ، سعة كل بيت منها سعة الدنيا أربعون ألف ألف مرة ، بين يدي كل زوجة أربعون ألف ألف وصيف , وأربعون ألف ألف وصيفة ، في كل بيت أربعون ألف ألف مائدة ، على كل مائدة أربعون ألف ألف قصعة ، في كل قصعة أربعون ألف ألف لون ، لو نزل به الثقلان لأوسعهم بأدنى بيت من بيوته بما شاؤوا من الطعام ، والشراب ، واللباس ، والطيب والثمار ، وألوان التحف ، والطرائف ، والحلي ، والحلل ، كل بيت منها مكتف بما فيه من هذه الأشياء عن البيت الآخر ، فإذا قال المؤذن : أشهد أن لا إله إلا الله اكتنفه سبعون ألف ملك كلهم يصلون عليه ، ويستغفرون له وهو في ظل رحمة الله حتى يفرغ ويكتب ثوابه أربعون ألف ألف ملك ، ثم يصعدون به إلى الله ، ومن مشى إلى مسجد من المساجد ، فله بكل خطوة يخطوها حتى يرجع إلى منزله عشر حسنات ، وتمحى عنه عشر بها سيئات ، ويرفع له بها عشر درجات ومن حافظ على الجماعة حيث كان ومع من كان مر على الصراط كالبرق اللامع في أول زمرة من السابقين ووجهه أضوأ من القمر ليلة البدر ، وكان له بكل يوم وليلة حافظ عليها ثواب شهيد ، ومن حافظ على الصف المقدم ، فأدرك أول تكبيرة من غير أن يؤذي مؤمنا ، أعطاه الله مثل ثواب المؤذن في الدنيا والآخرة ، ومن بنى بناء على ظهر طريق يأوي إليه عابر السبيل بعثه الله يوم القيامة على نجيبة من در ، ووجهه يضيء لأهل الجمع حتى يقول أهل الجمع ، هذا ملك من الملائكة لم ير مثله ، حتى يزاحم إبراهيم في قبته ، ويدخل الجنة بشفاعته أربعون ألف رجل ، ومن شفع لأخيه المسلم في حاجة له نظر الله إليه ، وحق على الله أن لا يعذب عبدا بعد نظره إليه ، إذا كان ذلك بطلب منه إليه أن يشفع له ، فإذا شفع له من غير طلب كان له مع ذلك أجر سبعين شهيدا ، ومن صام رمضان ، وكف عن اللغو والغيبة ، والكذب ، والخوض في الباطل ، وأمسك لسانه إلا عن ذكر الله ، وكف سمعه ، وبصره ، وجميع جوارحه عن محارم الله ، عز وجل ، وعن أذى المسلمين ، كانت له من القربة عند الله أن تمس ركبته ركبة إبراهيم خليله ومن احتفر بئرا حتى ينبسط ماؤها ، فيبذلها للمسلمين كان له أجر من توضأ منها وصلى ، وله بعدد شعر من شرب منها حسنات إنس ، أو جن ، أو بهيمة ، أو سبع ، أو طائر ، أو غير ذلك ، وله بكل شعرة من ذلك عتق رقبة ، ويرد في شفاعته يوم القيامة حوض القدس عدد نجوم السماء قيل يا رسول الله : وما حوض القدس ؟ قال : حوضي حوضي حوضي ومن حفر قبرا لمسلم حرمه الله على النار ، وبوأه بيتا في الجنة لو وضع فيه ما بين صنعاء والحبشة لوسعها ، ومن غسل ميتا ، وأدى الأمانة فيه ، كان له بكل شعرة منه عتق رقبة ، ورفع له بها مئة درجة , فقال عمر بن الخطاب : وكيف يؤدي فيه الأمانة يا رسول الله ؟ قال : يستر عورته ، ويكتم شينه وإن هو لم يستر عورته ، ولم يكتم شينه ، أبدى الله عورته على رؤوس الخلائق ، ومن صلى على ميت صلى عليه جبريل ومعه سبعون ألف ملك ، وغفر له ما تقدم من ذنبه ، وإن أقام حتى يدفن ، وحثى عليه من التراب انقلب وله بكل خطوة حتى يرجع إلى منزله قيراط من الأجر ، والقيراط مثل أحد ، ومن ذرفت عيناه من خشية الله كان له بكل قطرة من دموعه مثل أحد في ميزانه ، وله بكل قطرة عين في الجنة على حافتيها من المدائن والقصور ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب واصف ، ومن عاد مريضا فله بكل خطوة خطاها حتى يرجع إلى منزله سبعون ألف حسنة ومحو سبعين ألف سيئة وترفع له سبعون ألف درجة ويوكل به سبعون ألف ملك يعودونه ، ويستغفرون له إلى يوم القيامة ، ومن تبع جنازة فله بكل خطوة يخطوها حتى يرجع مئة ألف حسنة ، ومحو مئة ألف سيئة ويرفع له مئة ألف درجة ، فإن صلى عليها وكل به سبعون ألف ملك يستغفرون له حتى يرجع ، وإن شهد دفنها استغفروا له حتى يبعث من قبره ، ومن خرج حاجا أو معتمرا فله بكل خطوة حتى يرجع ألف ألف حسنة ، ومحو ألف ألف سيئة ، ورفع له ألف ألف درجة ، وله عند ربه بكل درهم ينفقه ألف ألف درهم ، وبكل دينار ألف ألف دينار ، وبكل حسنة يعملها ألف ألف حسنة ، حتى يرجع وهو في ضمان الله ، فإن توفاه أدخله الجنة ، وإن رجعه رجعه مغفورا له مستجابا له فاغتنموا دعوته إذا قدم قبل أن يصيب الذنوب ، فإنه يشفع في مئة ألف رجل يوم القيامة ، ومن خلف حاجا أو معتمرا في أهله بخير ، كان له مثل أجره كاملا من غير أن ينقص من أجره شيء ، ومن رابط أو جاهد في سبيل الله كان له بكل خطوة حتى يرجع سبعمائة ألف ألف حسنة ، ومحو سبعمائة ألف ألف سيئة ، ورفع له سبعمائة ألف ألف درجة ، وكان في ضمان الله ، فإن توفاه بأي حتف كان ، أدخله الجنة ، وإن رجعه رجعه مغفورا له مستجابا له ، ومن زار أخاه المسلم فله بكل خطوة حتى يرجع عتق مئة ألف رقبة ، ومحو مئة ألف ألف سيئة ، ويكتب له مئة ألف ألف حسنة ويرفع له بها مئة ألف ألف درجة قال : فقلنا لأبي هريرة : أوليس قد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أعتق رقبة فهي فكاكه من النار ؟ قال : بلى ، ويرفع له سائرهم في كنوز العرش عند ربه ، ومن تعلم القرآن ابتغاء وجه الله ، وتفقه في دين الله كان له من الثواب مثل جميع ما أعطي الملائكة ، والأنبياء ، والرسل ، ومن تعلم القرآن رياء وسمعة ليماري به السفهاء ، ويباهي به العلماء ، أو يطلب به الدنيا بدد الله عظامه يوم القيامة ، وكان من أشد أهل النار عذابا ، ولا يبقى فيها نوع من أنواع العذاب إلا عذب به لشدة غضب الله وسخطه عليه ، ومن تعلم العلم وتواضع في العلم ، وعلمه عباد الله يريد بذلك ما عند الله لم يكن في الجنة أفضل ثوابا ، ولا أعظم منزلة منه ، ولم يكن في الجنة منزلة ، ولا درجة رفيعة نفسية إلا وله فيها أوفر نصيب وأوفر المنازل ألا وإن العلم أفضل العبادة ، وملاك الدين الورع ، وإنما العالم من عمل بعلمه ، وإن كان قليل العلم فلا تحقرن من المعاصي شيئا ، وإن صغر في أعينكم ، فإنه لا صغيرة مع الإصرار ، ولا كبيرة مع استغفار ، ألا وإن الله سائلكم عن أعمالكم حتى عن مس أحدكم ثوب أخيه فاعملوا عباد الله أن العبد يبعث يوم القيامة على ما قد مات عليه ، وقد خلق الله الجنة والنار فمن اختار النار على الجنة فأبعده الله ، ألا وإن الله ، عز وجل ، أمرني أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا الله ، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله ، ألا وإن الله لم يدع شيئا مما نهى عنه ، إلا وقد بينه لكم ليهلك من هلك عن بينة ، ويحيا من حي عن بينة ، ألا وإن الله - جل ثناؤه - لا يظلم ، ولا يجوز عليه ظلم وهو بالمرصاد ليجزي الذين أساؤوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى فمن أحسن فلنفسه ، ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد . يا أيها الناس : إنه قد كبرت سني ، ودق عظمي ، وانهد جسمي ، ونعيت إلي نفسي ، واقترب أجلي ، واشتقت إلى ربي ، ألا وإن هذا آخر العهد مني ومنكم ، فما دمت حيا فقد تروني ، فإذا أنا مت فالله خليفتي على كل مسلم . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته . ثم نزل فابتدره رهط من الأنصار قبل أن ينزل من المنبر وقالوا : جعلت أنفسنا فداك يا رسول الله من يقوم بهذه الشدائد ؟ وكيف العيش بعد هذا اليوم ؟ فقال لهم : وأنتم فداكم أبي وأمي نازلت ربي في أمتي ، فقال لي : باب التوبة مفتوح حتى ينفخ في الصور ، ثم قال : من تاب قبل موته بسنة تاب الله عليه ، ثم قال : سنة كثير ، من تاب قبل موته بشهر تاب الله عليه ، ثم قال : شهر كثير ، ومن تاب قبل موته بجمعة تاب الله عليه ، ثم قال : جمعة كثير , من تاب قبل موته بيوم تاب الله عليه . ثم قال : يوم كثير . ثم قال : من تاب قبل موته بساعة تاب الله عليه . ثم قال من تاب قبل أن يغرغر بالموت تاب الله عليه ثم نزل ، فكانت آخر خطبة خطبها صلى الله عليه وسلم
سألتُ عبدَ اللهِ بنَ عباسٍ عن قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ لموسى عليهِ السلامُ : وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا ، فسألتُهُ عن الفُتُونِ ما هوَ ؟ قال : استأنِفِ النهارَ يا ابنَ جبيرٍ فإنَّ لها حديثًا طويلًا : فلمَّا أصبحتُ غدوتُ إلى ابنِ عباسٍ لأنتجزَ منهُ ما وعدني من حديثِ الفُتُونِ ، فقال : تذاكَرَ فرعونُ وجلساؤُهُ ما كان اللهُ وعدَ إبراهيمَ عليهِ السلامُ أن يجعلَ في ذريتِهِ أنبياءَ وملوكًا ، فقال بعضهم : إنَّ بني إسرائيلَ ينتظرونَ ذلك ، ما يَشُكُّونَ فيهِ ، وكانوا يظنُّونَ أنَّهُ يوسفُ بنُ يعقوبَ ، فلمَّا هلك قالوا : ليس هكذا كان وعدُ إبراهيمَ ، فقال فرعونُ : فكيف تَرَوْنَ ؟ فائتمروا وأجمعوا أمرهم على أن يبعثَ رجالًا معهم الشِّفَارُ ، يطوفونَ في بني إسرائيلَ ، فلا يجدونَ ، مولودًا ذكرًا إلا ذبحوهُ ، ففعلوا ذلك ، فلمَّا رَأَوْا أنَّ الكبارَ من بني إسرائيلَ يموتونَ بآجالهم ، والصغارَ يُذْبَحُونَ ، قالوا : يُوشِكُ أن تُفْنُوا بني إسرائيلَ ، فتصيروا أن تُبَاشِرُوا من الأعمالِ والخدمةِ التي كانوا يَكْفُونَكُمْ ، فاقتلوا عامًا كلَّ مولودٍ ذكرٍ ، فيَقِلُّ أبناؤهم ، ودعوا عامًا فلا تقتلوا منهم أحدًا ، فيَشِبُّ الصغارُ مكان من يموتُ من الكبارِ ، فإنَّهم لن يكثروا بمن تستحيونَ منهم فتخافوا مكاثرتهم إياكم ، ولن يَفْنَوا بمن تقتلونَ وتحتاجونَ إليهم . فأَجْمَعُوا أمرهم على ذلك . فحملتْ أمُّ موسى بهارونَ في العامِ الذي لا يُذْبَحُ فيهِ الغلمانُ ، فولدتْهُ علانيةً آمنةً . فلمَّا كان من قابلٍ حملتْ بموسى عليهِ السلامُ ، فوقع في قلبها الهمُّ والحزنُ ، وذلك من الفُتُونِ يا ابنَ جبيرٍ ما دخل عليهِ في بطنِ أُمِّهِ ، ممَّا يُرادُ بهِ . فأوحى اللهُ إليها أن : وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ . فأمرها إذا ولدتْ أن تجعلَهُ في تابوتٍ ثم تُلْقِيهِ في اليمِّ . فلمَّا ولدتْ فعلتْ ذلك ، فلمَّا تَوارَى عنها ابنها أتاها الشيطانُ ، فقالت في نفسها : ما فعلتُ بابني ، لو ذُبِحَ عندي فواريتُهُ وكفَّنتُهُ كان أحبُّ إليَّ من أن أُلْقِيهِ إلى دوابِّ البحرِ وحيتانِهِ . فانتهى الماءُ بهِ حتى أوفى بهِ عند فُرْضَةِ مُسْتَقَى جواري امرأةِ فرعونَ فلمَّا رأينَهُ أخذنَهُ فهممن أن يفتحْنَ التابوتَ فقال بعضهنَّ : إنَّ في هذا مالًا ، وإنَّا إن فتحناهُ لم تُصَدِّقنا امرأةُ المَلِكِ بما وجدنا فيهِ ، فحملنَهُ كهيئتِهِ لم يُخْرِجْنَ منهُ شيئًا حتى رفعنَهُ إليها . فلمَّا فتحتْهُ رأتْ فيهِ غلامًا ، فأُلْقِي عليهِ منها محبةً لم يُلْقِ منها على أحدٍ قطُّ ، وأصبحَ فؤادُ أمِّ موسى فارغًا من ذِكْرِ كلِّ شيٍء ، إلا من ذِكْرِ موسى . فلمَّا سمع الذبَّاحونَ بأمرِهِ ، أقبلوا بشِفَارِهِمْ إلى امرأةِ فرعونَ ليذبحوهُ : وذلك من الفُتُونِ يا ابنَ جبيرٍ ، فقالت لهم : أَقِرُّوهُ فإنَّ هذا الواحدَ لا يزيدُ في بني إسرائيلَ حتى آتي فرعونَ فأستوهبُهُ منهُ ، فإن وهبَهُ لي كنتم قد أحسنتم وأجملتم ، وإن أمرَ بذبحِهِ لم أَلُمْكُمْ . فأتت فرعونَ فقالت قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ . فقال فرعونُ : يكونُ لكَ . فأمَّا لي فلا حاجةَ لي فيهِ : فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : والذي يُحْلَفُ بهِ لو أَقَرَّ فرعونُ أن يكونَ قرَّةَ عينٍ لهُ ، كما أَقَرَّتْ امرأتُهُ ، لهداهُ اللهُ كما هداها ، ولكن حَرَمَهُ ذلك . فأرسلتْ إلى من حولها ، إلى كلِّ امرأةٍ لها لبنٌ لتختارَ لهُ ظِئْرًا ، فجعل كلَّما أخذتْهُ امرأةٌ منهنَّ لتُرْضِعَهُ لم يُقْبِلْ على ثديها حتى أشفقتِ امرأةُ فرعونَ أن يمتنعَ من اللبنِ فيموتَ ، فأحزنها ذلك ، فأمرتْ بهِ فأُخْرِجَ إلى السوقِ ومجمعِ الناسِ ، ترجو أن تجدَ لهُ ظِئْرًا تأخذُهُ منها ، فلم يُقْبِلْ ، وأصبحتْ أمُّ موسى والهًا ، فقالت لأختِهِ : قُصِّي أَثَرَهُ واطلبيهِ ، هل تسمعينَ لهُ ذِكْرًا ، أحيٌّ ابني أم قد أكلتْهُ الدوابُّ ؟ ونَسِيَتْ ما كان اللهُ وعدها فيهِ ، فبصرتْ بهِ أختُهُ عن جُنُبٍ وهم لا يشعرونَ – والجُنُبُ : أن يَسْمُو بصرُ الإنسانِ إلى شيٍء بعيدٍ ، وهو إلى جنبِهِ ، وهو لا يشعرُ بهِ – فقالت من الفرحِ حينَ أعياهم الظؤراتُ : أَنَا أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ . فأخذوها فقالوا ما يُدريكِ ؟ وما نُصْحُهُمْ لهُ ؟ هل يعرفونَهُ ؟ حتى شَكُّوا في ذلك ، وذلك من الفُتُونِ يا ابنَ جبيرٍ . فقالت : نُصْحُهُمْ لهُ وشفقتهم عليهِ رغبتهم في ظؤرةِ الملكِ ، ورجاءَ منفعةِ الملكِ . فأرسلوها فانطلقتْ إلى أُمِّهَا ، فأخبرتها الخبرَ . فجاءت أُمُّهُ ، فلمَّا وضعتْهُ في حجرها نَزَا إلى ثديها فمَصَّهُ ، حتى امتلأَ جنباهُ رِيًّا ، وانطلقَ البُشَراءُ إلى امرأةِ فرعونَ يُبَشِّرونها : أن قد وجدنا لابنكِ ظِئْرًا . فأرسلتْ إليها ، فأتتْ بها وبهِ ، فلمَّا رأت ما يصنعُ بها قالت : امْكُثِي تُرْضِعِي ابني هذا ، فإني لم أُحِبَّ شيئًا حُبَّهُ قطُّ . قالت أمُّ موسى : لا أستطيعُ أن أدعَ بيتي وولدي فيضيعُ ، فإن طابت نفسكَ أن تُعطينِيهِ فأذهبُ بهِ إلى بيتي ، فيكونُ معي لا آلوهُ خيرًا فعلتُ ، وإلا فإني غيرُ تاركةٍ بيتي وولدي . وذكرتْ أمُّ موسى ما كان اللهُ وعدها فيهِ ، فتعاسرتْ على امرأةِ فرعونَ ، وأيقنَتْ أنَّ اللهَ مُنْجِزٌ وعدَهُ ، فرجعتْ بهِ إلى بيتها من يومها ، وأنبتَهُ اللهُ نباتًا حسنًا ، وحَفِظَهُ لما قد قضى فيهِ . فلم يزل بنو إسرائيلَ ، وهم في ناحيةِ القريةِ ، ممتنعينَ من السخرةِ والظلمِ ما كان فيهم ، فلمَّا ترعرعَ قالت امرأةُ فرعونَ لأمِّ موسى : أَتُرِيني ابني ؟ فوَعَدَتْهَا يومًا تُرِيها إياهُ فيهِ ، وقالت امرأةُ فرعونَ لخازنها وظؤرها وقَهَارِمَتِهَا لا يَبْقِيَنَّ أحدٌ منكم إلا استقبلَ ابني اليومَ بهديةٍ وكرامةٍ لأرى ذلك ، وأنا باعثةٌ أمينًا يًحْصِي ما يصنعُ كلُّ إنسانٍ منكم ، فلم تزلِ الهدايا والنِّحَلُ والكرامةُ تستقبلُهُ من حينِ خرج من بيتِ أُمِّهِ إلى أن دخل على امرأةِ فرعونَ ، فلمَّا دخل عليها نَحَلَتْهُ وأكرمتْهُ ، وفرحت بهِ ، ونَحَلَتْ أُمَّهُ لحُسْنِ أثرها عليهِ ، ثم قالت : لآتِيَنَّ بهِ فرعونَ فليَنْحَلَنَّهُ وليُكْرِمَنَّهُ ، فلمَّا دخلت بهِ عليهِ جعلَهُ في حجرِهِ ، فتناولَ موسى لِحْيَةَ فرعونَ يَمُدُّها إلى الأرضِ ، فقال الغواةُ من أعداءِ اللهِ لفرعونَ : ألا ترى ما وعد اللهُ إبراهيمَ نبيَّهُ ، إنَّهُ زعم أن يرثِكَ ويعلوكَ ويصرعكَ ، فأرسلَ إلى الذَّبَّاحينَ ليذبحوهُ . وذلك من الفُتُونِ يا ابنَ جبيرٍ بعد كلِّ بلاءٍ ابْتُلِيَ بهِ ، وأُريدَ بهِ . فجاءت امرأةُ فرعونَ فقالت : ما بدا لك في هذا الغلامِ الذي وهبتَهُ لي ؟ فقال : ألا تَرَيْنَهُ يزعمُ أنَّهُ يصرعني ويعلوني . فقالت : اجعلْ بيني وبينك أمرًا يُعْرَفُ فيهِ الحقُّ ، ائتِ بجمرتيْنِ ولؤلؤتيْنِ ، فقرِّبْهُنَّ إليهِ ، فإن بطشَ باللؤلؤتيْنِ واجتنبْ الجمرتيْنِ فاعرفْ أنَّهُ يَعْقِلْ وإن تناولَ الجمرتيْنِ ولم يَرُدَّ اللؤلؤتيْنِ علمتَ أنَّ أحدًا لا يُؤْثِرُ الجمرتيْنِ على اللؤلؤتيْنِ وهو يَعْقِلُ ، فقَرَّبَ إليهِ ، فتناولَ الجمرتيْنِ ، فانتزعهما منهُ مخافةَ أن يحرقا يدَهُ ، فقالت امرأةُ فرعونَ : ألا ترى ؟ فصرفَهُ اللهُ عنهُ بعد ما كان قد همَّ بهِ ، وكان اللهُ بالغًا فيهِ أمرَهُ . فلمَّا بلغ أَشُدَّهُ وكان من الرجالِ ، لم يكن أحدٌ من آلِ فرعونَ يخلصُ إلى أحدٍ من بني إسرائيلَ معهُ بظلمٍ ولا سخرةٍ ، حتى امتنعوا كلَّ الامتناعِ ، فبينما موسى عليهِ السلامُ يمشي في ناحيةِ المدينةِ ، إذ هو برجليْنِ يقتتلانِ ، أحدهما فرعونيٌّ والآخرُ إسرائيليٌّ ، فاستغاثَهُ الإسرائيليُّ على الفرعونيِّ ، فغضب موسى غضبًا شديدًا ، لأنَّهُ تناولَهُ وهو يعلمُ منزلتَهُ من بني إسرائيلَ وحِفْظِهِ لهم ، لا يعلمُ الناسُ إلا أنما ذلك من الرضاعِ ، إلا أمُّ موسى ، إلا أن يكون اللهُ أطلعَ موسى من ذلك على ما لم يُطْلِعْ عليهِ غيرُهُ . فوكزَ موسى الفرعونيَّ ، فقتلَهُ وليس يراهما أحدٌ إلا اللهُ عزَّ وجلَّ والإسرائيليُّ ، فقال موسى حين قتلَ الرجلَ : هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ . ثم قال : رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ، فأصبحَ في المدينةِ خائفًا يترقَّبُ الأخبارَ ، فأُتِيَ فرعونُ ، فقيل لهُ : إنَّ بني إسرائيلَ قتلوا رجلًا من آلِ فرعونَ فخُذْ لنا بحَقِّنَا ولا تُرَخِّصْ لهم . فقال : أبغوني قاتِلَهُ ، ومن يشهدُ عليهِ ، فإنَّ الملكَ وإن كان صَفْوُهُ مع قومِهِ لا يستقيمُ لهُ أن يُقِيدَ بغيرِ بينَةٍ ولا ثَبْتٍ ، فاطلبوا لي عِلْمَ ذلك آخُذُ لكم بحقكم . فبينما هم يطوفونَ ولا يجدون ثَبْتًا ، إذا بموسى من الغدِ قد رأى ذلك الإسرائيليَّ يُقاتِلُ رجلًا من آلِ فرعونَ آخرَ ، فاستغاثَهُ الإسرائيليُّ على الفرعونيِّ ، فصادف موسى قد ندم على ما كان منهُ وكَرِهَ الذي رأى ، فغضب الإسرائيليُّ وهو يريدُ أن يبطشَ بالفرعونيِّ ، فقال للإسرائيليِّ لما فعل بالأمسِ واليومَ : إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ . فنظر الإسرائيليُّ إلى موسى بعد ما قال لهُ ما قال ، فإذا هو غضبانٌ كغضبِهِ بالأمسِ الذي قتلَ فيهِ الفرعونيَّ فخاف أن يكون بعدما قال له إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ أن يكونَ إياهُ أرادَ ، ولم يكن أرادَهُ ، وإنَّما أرادَ الفرعونيَّ ، فخاف الإسرائيليُّ وقال : يا موسى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ وإنما قالَهُ مخافةَ أن يكون إياهُ أراد موسى ليقتلَهُ ، فتتاركا وانطلقَ الفرعونيُّ فأخبرهم بما سمع من الإسرائيليِّ من الخبرِ حين يقولُ أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ فأرسل فرعونُ الذَّبَّاحينَ ليقتلوا موسى ، فأخذ رُسُلُ فرعونَ في الطريقِ الأعظمِ يمشونَ على هيئتهم يطلبونَ موسى وهم لا يخافون أن يفوتهم ، فجاء رجلٌ من شيعةِ موسى من أقصى المدينةِ فاختصرَ طريقًا حتى سبقهم إلى موسى فأخبرَهُ ، وذلك من الفُتُونِ يا ابنَ جبيرٍ . فخرج موسى مُتَوَجِّهًا نحوَ مَدْيَنَ لم يَلْقَ بلاءً قبل ذلك ، وليس لهُ بالطريقِ علمٌ إلا حُسْنُ ظنِّهِ بربهِ عزَّ وجلَّ فإنَّهُ قال عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ، وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ يعني بذلك حابستيْنِ غنمهما فقال لهما : ما خطبكما معتزلتيْنِ لا تسقيانِ مع الناسِ ؟ قالتا : ليس لنا قوةٌ نُزاحِمُ القومَ وإنما ننتظرُ فُضُولَ حياضهم ، فَسَقَى لهما فجعل يغترفُ في الدَّلْوِ ماءً كثيرًا حتى كان أولَ الرُّعَاءِ ، فانصرفتا بغنمهما إلى أبيهما وانصرف موسى عليهِ السلامُ فاستظَلَّ بشجرةٍ وقال رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ واستنكرَ أبوهما سرعةَ صدورهما بغنمهما حُفَّلًا بِطَانًا فقال : إنَّ لكما اليومَ لشأنًا ، فأخبرتاهُ بما صنع موسى ، فأمر إحداهما أن تدعوهُ ، فأتتْ موسى فدعتْهُ فلمَّا كلَّمَهُ قال لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ليس لفرعونَ ولا لقومِهِ علينا سلطانٌ ، ولسنا في مملكتِهِ ، فقالت إحداهما : يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ، إِنَّ خَيْرَ مِنَ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ فاحتملتْهُ الغِيرَةُ على أن قال لها : ما يُدْرِيكِ ما قوتُهُ وما أمانتُهُ ؟ قالت : أما قُوَّتُهُ فما رأيتُ منهُ في الدَّلْوِ حين سقى لنا ، لم أَرَ رجلًا قطُّ أقوى في ذلك السَّقْيِ منهُ ، وأما الأمانةُ فإنَّهُ نظر إلي حينِ أقبلتْ إليهِ وشَخَصَتْ لهُ ، فلمَّا علم أني امرأةٌ صَوَّبَ رأسَهُ فلم يرفعْهُ حتى بَلَّغْتُهُ رسالتكَ ، ثم قال لي : امشي خلفي وانْعُتِي لي الطريقَ ، فلم يفعل هذا إلا وهو أمينٌ ، فسُرِّيَ عن أبيها وصدَّقها وظَنَّ بهِ الذي قالت ، فقال لهُ : هل لكَ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ففعل فكانت على نبيِّ اللهِ موسى ثماني سنينَ واجبةً وكانت سَنَتَانِ عِدَةً منهُ فقضى اللهُ عنهُ عِدَتَهُ فأَتَمَّها عشرًا . قال سعيدٌ هو ابنُ جبيرٍ : فلَقِيَنِي رجلٌ من أهلِ النصرانيةِ من علمائهم قال : هل تدري أيُّ الأجلَيْنِ قضى موسى ؟ قلتُ : لا ، وأنا يومئذٍ لا أدري ، فلقيتُ ابنَ عباسٍ فذكرتُ ذلك لهُ فقال : أما علمتَ أنَّ ثمانيًا كانت على نبيِّ اللهِ واجبةً لم يكن لنبيٍّ أن يَنْقُصَ منها شيئًا ، ويعلمُ أنَّ اللهَ كان قاضيًا عن موسى عِدَتَهُ التي وعدَهُ فعِدَتُهُ التي وعدَهُ فإنَّهُ قضى عشرَ سنينَ ، فلقيتُ النصرانيَّ فأخبرتُهُ ذلك فقال : الذي سألتَهُ فأخبركَ أعلمُ منكَ بذلك قلتُ : أجل وأَوْلَى . فلمَّا سار موسى بأهلِهِ كان من أمرِ النارِ والعصا ويدِهِ ما قَصَّ اللهُ عليك في القرآنِ ، فشكا إلى اللهِ تعالى ما يَتَخَوَّفُ من آلِ فرعونَ في القتيلِ وعُقْدَةِ لسانِهِ ، فإنَّهُ كان في لسانِهِ عُقْدَةً تمنعُهُ من كثيرٍ من الكلامِ ، وسأل ربهُ أن يُعِينَهُ بأخيهِ هارونَ يكونُ لهُ رِدْءًا ويتكلَّمُ عنهُ بكثيرٍ مما لا يُفْصِحُ بهِ لسانُهُ ، فآتاهُ اللهُ سُؤْلَهُ وحلَّ عقدةً من لسانِهِ وأوحى اللهُ إلى هارونَ وأَمَرَهُ أن يلقاهُ ، فاندفع موسى بعصاهُ حتى لَقِيَ هارونَ عليهما السلامُ فانطلقا جميعًا إلى فرعونَ فأقاما على بابِهِ حينًا لا يُؤْذَنُ لهما ، ثم أُذِنَ لهما بعد حجابٍ شديدٍ فقالا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ قال : فمن ربكما ؟ فأخبرَهُ بالذي قَصَّ اللهُ عليكَ في القرآنِ ، قال : فما تريدانِ ؟ وذَكَّرَهُ القتيلَ فاعتذرَ بما قد سمعتَ ، قال : أريدً أن تُؤْمِنَ باللهِ وتُرْسِلَ معيَ بني إسرائيلَ ، فأَبَى عليهِ وقال ائْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ فألقى عصاهُ فإذا هي حيَّةٌ تسعى عظيمةٌ فاغِرَةٌ فاها مسرعةٌ إلى فرعونَ ، فلمَّا رآها قاصدةً إليهِ خافها فاقتحمَ عن سريرِهِ واستغاثَ بموسى أن يَكُفَّهَا عنهُ ففعلَ ، ثم أخرج يدَهُ من جيبِهِ فرآها بيضاءَ من غيرِ سوءٍ يعني من غيرِ بَرَصٍ ثم رَدَّهَا فعادت إلى لونها الأولِ ، فاستشار الملأَ حولَهُ فيما رأى ، فقالوا لهُ : هَذَانِ سَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى يعني مُلْكَهُمْ الذي هم فيهِ والعيشِ ، وأَبَوْا على موسى أن يُعْطُوهُ شيئًا ممَّا طلبَ ، وقالوا لهُ : اجمعْ لهما السحرةَ فإنَّهم بأرضكَ كثيرٌ حتى تَغْلِبَ بسحركَ سحرهما ، فأرسلَ إلى المدائنِ فحُشِرَ لهُ كلُّ ساحرٍ متعالمٍ ، فلمَّا أَتَوْا فرعونَ قالوا : بم يعملُ هذا الساحرُ ؟ قالوا : يعمل بالحَيَّاتِ ، قالوا : فلا واللهِ ما أَحَدٌ في الأرضِ يعملُ بالسحرِ بالحَيَّاتِ والحبالِ والعِصِيِّ الذي نعملُ ، وما أَجْرُنَا إن نحنُ غَلَبْنَا ؟ قال لهم : أنتم أقاربي وخاصَّتي ، وأنا صانعٌ إليكم كلَّ شيٍء أحببتم ، فتواعدوا يومَ الزينةِ وأنْ يُحْشَرَ الناسُ ضحىً ، قال سعيدُ بنُ جبيرٍ : فحدَّثني ابنُ عباسٍ أنَّ يومَ الزينةَ الذي أظهرَ اللهُ فيهِ موسى على فرعونَ والسحرةَ هو يومُ عاشوراءَ . فلمَّا اجتمعوا في صعيدٍ واحدٍ قال الناسُ بعضهم لبعضٍ : انطلقوا فلنحضر هذا الأمرَ لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ يعنون موسى وهارونَ استهزاءً بهما ، فقالوا : يا موسى لقدرتهم بسحرهم إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ، قَالَ: بَلْ أَلْقُوا فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ فرأى موسى من سحرهم ما أوجسَ في نفسِهِ خيفةً ، فأوحى اللهُ إليهِ أن أَلْقِ عصاكَ ، فلمَّا ألقاها صارت ثعبانًا عظيمةً فاغِرَةً فاها ، فجعلتِ العِصِيُّ تلتبسُ بالحبالِ حتى صارت جَزَرًا إلى الثعبانِ ، تدخلُ فيهِ ، حتى ما أبقت عصًا ولا حبالًا إلا ابتلعتْهُ ، فلمَّا عرفتِ السحرةُ ذلك قالوا ، لو كان هذا سحرًا لم يبلغ من سحرنا كلَّ هذا ، ولكنَّهُ أمرٌ من اللهِ عزَّ وجلَّ ، آمَنَّا باللهِ وبما جاء بهِ موسى ، ونتوبُ إلى اللهِ ممَّا كُنَّا عليهِ ، فكسرَ اللهُ ظهرَ فرعونَ في ذلك الموطنِ وأشياعِهِ ، وظَهَرَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ وامرأةُ فرعونَ بارزةٌ متبذلةٌ تدعو اللهَ بالنصرِ لموسى على فرعونَ وأشياعِهِ ، فمن رآها من آلِ فرعونَ ظنَّ أنَّها إنما ابتُذِلَتْ للشفقةِ على فرعونَ وأشياعِهِ ، وإنَّما كان حزنها وهَمُّها لموسى . فلمَّا طال مُكْثُ موسى بمواعيدِ فرعونَ الكاذبةِ ، كلَّما جاء بآيةٍ وعدَهُ عندها أن يُرْسِلَ معهُ بني إسرائيلَ ، فإذا مَضَتْ أخلفَ موعدَهُ وقال : هل يستطيعُ ربكَ أن يصنعَ غيرَ هذا ؟ فأرسلَ اللهُ على قومِهِ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقَمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ ، كلُّ ذلك يشكو إلى موسى ويطلبُ إليهِ أن يَكُفَّها عنهُ ، ويُوَاثِقُهُ على أن يُرْسِلَ معهُ بني إسرائيلَ ، فإذا كَفَّ ذلك عنهُ أخلفَ موعدَهُ ، ونكث عهدَهُ . حتى أمرَ اللهُ موسى بالخروجِ بقومِهِ فخرج بهم ليلًا ، فلمَّا أصبح فرعونُ ورأى أنهم قد مَضَوْا أَرْسَلَ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ ، فتبعَهُ بجنودٍ عظيمةٍ كثيرةٍ ، وأوحى اللهُ إلى البحرِ : إذا ضربكَ عبدي موسى بعصاهُ فانفلِقْ اثنتيْ عشرةَ فِرْقَةً ، حتى يجوزَ موسى ومن معهُ ، ثم التَقِ على من بَقِيَ بعد من فرعونَ وأشياعِهِ . فنسيَ موسى أن يضربَ البحرَ بالعصا وانتهى إلى البحرِ ولهُ قصيفٌ ، مخافةَ أن يضربَهُ موسى بعصاهُ وهو غافلٌ فيصيرُ عاصيًا للهِ . فلمَّا تراءى الجَمْعَانِ وتقاربا قال أصحابُ موسى : إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ، افعلْ ما أمركَ بهِ ربكَ ، فإنَّهُ لم يَكْذِبْ ولم تَكْذِبْ . قال : وعدني أن إذا أتيتُ البحرَ انْفَرَقَ اثنتيْ عشرةَ فِرْقَةً ، حتى أُجَاوِزُهُ : ثم ذكر بعد ذلك العصا فضرب البحرَ بعصاهُ حين دنا أوائلُ جُنْدِ فرعونَ من أواخرِ جُنْدِ موسى ، فانفرقَ البحرُ كما أمرَهُ ربهُ وكما وعد موسى فلمَّا أن جاز موسى وأصحابُهُ كلُّهم البحرَ ، ودخل فرعونُ وأصحابُهُ ، التقى عليهم البحرُ كما أُمِرَ فلمَّا جاوزَ موسى البحرَ قال أصحابُهُ : إنَّا نخافُ أن لا يكون فرعونُ غَرِقَ ولا نُؤْمِنُ بهلاكِهِ . فدعا ربهُ فأخرجَهُ لهُ ببدنِهِ حتى استيقنوا بهلاكِهِ . ثم مَرُّوا بعد ذلك عَلَى قَوْمٍ يَعْكِفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ قد رأيتم من العِبَرِ وسمعتم ما يكفيكم ومضى . فأنزلهم موسى منزلًا وقال : أطيعوا هارونَ فإني قد استخلفتُهُ عليكم ، فإني ذاهبٌ إلى ربي . وأَجَّلَهُمْ ثلاثينَ يومًا أن يرجعَ إليهم فيها ، فلمَّا أتى ربهُ وأرادَ أن يُكَلِّمَهُ في ثلاثينَ يومًا وقد صامهُنَّ ليلهُنَّ ونهارهُنَّ ، وكَرِهَ أن يُكَلِّمَ ربهُ وريحُ فيهِ ، ريحُ فمِ الصائمِ ، فتناولَ موسى من نباتِ الأرضِ شيئًا فمضغَهُ ، فقال لهُ ربهُ حين أتاهُ : لم أفطرتَ ؟ وهو أعلمُ بالذي كان : قال : يا ربِّ ، إني كرهتُ أن أُكَلِّمَكَ إلا وفَمِي طَيِّبُ الرِّيحِ . قال : أوما علمتَ يا موسى أنَّ رِيحَ فمِ الصائمِ أطيبُ من ريحِ المِسْكِ ، ارجع فصُمْ عشرًا ثم ائتني . ففعل موسى عليهِ السلامُ ما أُمِرَ بهِ ، فلمَّا رأى قومُ موسى أنَّهُ لم يرجع إليهم في الأَجَلِ ، ساءهم ذلك : وكان هارونُ قد خطبهم وقال : إنَّكم قد خرجتم من مصرَ ، ولقومِ فرعونَ عندكم عَوَارِيَ وودائعُ ، ولكم فيهم مثلُ ذلك ولا ممسكيهِ لأنفسنا ، فحفرَ حفيرًا ، وأمر كلَّ قومٍ عندهم من ذلك من متاعٍ أو حِلْيَةٍ أن يقذفوهُ في ذلك الحفيرِ ، ثم أوقدَ عليهِ النارَ فأحرقَهُ ، فقال : لا يكونُ لنا ولا لهم . وكان السامريُّ من قومٍ يعبدونَ البقرَ ، جيرانٌ لبني إسرائيلَ ، ولم يكن من بني إسرائيلَ ، فاحتملَ مع موسى وبني إسرائيلَ حينَ احتملوا ، فقضى لهُ أن رأى أَثَرًا فقبضَ منهُ قبضةً ، فمرَّ بهارونَ ، فقال لهُ هارونُ عليهِ السلامُ : يا سامريُّ ، ألا تُلْقِي ما في يدكَ ؟ وهو قابضٌ عليهِ ، لا يراهُ أحدٌ طُوَالَ ذلكَ ، فقال : هذهِ قبضةٌ من أَثَرِ الرسولِ الذي جاوزَ بكمُ البحرَ ، ولا أُلْقِيهَا لشيٍء إلا أن تدعو اللهَ إذا ألقيتُهَا أن يكونَ ما أُريدُ . فألقاها ، ودعا لهُ هارونُ ، فقال : أُريدُ أن يكونَ عِجْلًا . فاجتمعَ ما كان في الحفيرةِ من متاعٍ أو حِلْيَةٍ أو نحاسٍ أو حديدٍ ، فصار عِجْلَا أجوفَ ، ليس فيهِ روحٌ ، ولهُ خُوَارٌ قال ابنُ عباسٍ : لا واللهِ ، ما كان لهُ صوتٌ قطُّ ، إنَّما كانت الريحُ تدخُلُ في دُبُرِهِ وتخرجُ من فيهِ ، فكان ذلك الصوتَ من ذلكَ . فتفرَّقَ بنو إسرائيلَ فِرَقًا ، فقالت فِرْقَةٌ : يا سامريُّ ، ما هذا ؟ وأنتَ أعلمُ بهِ . قال : هذا ربكم ، ولكن موسى أَضَلَّ الطريقَ . وقالت فِرْقَةٌ : لا نُكَذِّبُ بهذا حتى يرجعَ إلينا موسى ، فإن كان ربنا لم نكن ضَيَّعْنَاهُ وعجزنا فيهِ حين رأيناهُ ، وإن لم يكن ربنا فإنَّا نَتَّبِعُ قولَ موسى ، وقالت فِرْقَةٌ : هذا عملُ الشيطانِ ، وليس بربنا ولا نُؤْمِنُ بهِ ولا نُصَدِّقُ ، وأُشْرِبَ فِرْقَةٌ في قلوبهم الصدقَ بما قال السامريُّ في العِجْلِ ، وأعلنوا التكذيبَ بهِ ، فقال لهم هارونُ : يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ، وَإِنَّ رَبَّكَمُ الرَّحْمَنُ . قالوا : فما بالُ موسى وعدنا ثلاثينَ يومًا ثم أخلفنا ؟ هذهِ أربعونَ يومًا قد مضتْ ؟ وقال سفهاؤهم : أخطأَ ربُّهُ فهو يطلبُهُ ويَتْبَعُهُ . فلمَّا كلَّمَ اللهُ موسى وقال لهُ ما قال : أَخْبَرَهُ بما لَقِيَ قومُهُ من بعدِهِ ، فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا فقال لهم ما سمعتم في القرآنِ ، وأخذ برأسِ أخيهِ يَجُرُّهُ إليهِ ، وألقى الألواحَ من الغضبِ ، ثم إنَّهُ عذرَ أخاهُ بعذرِهِ ، واستغفرَ لهُ ، وانصرفَ إلى السامريِّ فقال لهُ : ما حملكَ على ما صنعتَ ؟ قال : قَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ ، وفطنتُ لها وعميتْ عليكم ، فقذفتها وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا ، ولو كان إلهًا لم يُخْلَصْ إلى ذلك منهُ ، فاستيقنَ بنو إسرائيلَ بالفتنةِ ، واغتُبِطَ الذين كان رأيهم فيهِ مثلَ رأي هارونَ ، فقالوا لجماعتهم : يا موسى ، سَلْ لنا ربكَ أن يفتحَ لنا بابَ توبةٍ نصنعها ، فيُكَفِّرْ عنَّا ما عملنا . فاختارَ موسى قومَهُ سبعينَ رجلًا لذلك ، لا يَأْلُو الخيرَ ، خيارَ بني إسرائيلَ ، ومن لم يُشْرِكْ في العِجْلِ ، فانطلقَ بهم يسألُ لهمُ التوبةَ ، فرجفتْ بهمُ الأرضَ ، فاستحيا نبيُّ اللهِ من قومِهِ ومن وفدِهِ حين فُعِلَ بهم ما فُعِلَ ، فقال : ربِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا وفيهم من كان اطَّلَعَ اللهُ منهُ على ما أُشْرِبَ قلبُهُ من حُبِّ العِجْلِ وإيمانٍ بهِ فلذلك رجفتْ بهمُ الأرضُ فقال : رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ فقال : يا ربِّ سألتُكَ التوبةَ لقومي ، فقلتَ : إنَّ رحمتي كتبتُهَا لقومٍ غيرِ قومي فليتَكَ أَخَّرْتَنِي حتى تُخْرِجَنِي في أُمَّةِ ذلك الرجلِ المرحومةِ ، فقال لهُ : إنَّ توبتهم أن يَقْتُلَ كلُّ رجلٍ منهم من لَقِيَ من والدٍ وولدٍ فيقتلُهُ بالسيفِ ولا يُبَالِي من قتلَ في ذلك الموطنِ وتاب أولئكَ الذين كان خَفِيَ على موسى وهارونَ واطَّلَعَ اللهُ من ذنوبهم فاعترفوا بها وفعلوا ما أُمِرُوا وغفرَ اللهُ للقاتلِ والمقتولِ . ثم سار بهم موسى عليهِ السلامُ مُتَوَجِّهًا نحوَ الأرضِ المقدسةِ ، وأخذ الألواحَ بعد ما سكتَ عنهُ الغضبُ فأمرهم بالذي أُمِرَ بهِ أن يُبَلِّغَهُمْ من الوظائفِ ، فثَقُلَ ذلك عليهم وأَبَوْا أن يُقِرُّوا بها ، فنَتَقَ اللهُ عليهمُ الجبلَ كأنَّهُ ظُلَّةٌ ودنا منهم حتى خافوا أن يقعَ عليهم فأَخَذُوا الكتابَ بأيمانهم وهم مُصْغُونَ ينظرونَ إلى الجبلِ والكتابُ بأيديهم ، وهم من وراءِ الجبلِ مخافةَ أن يقعَ عليهم ، ثم مَضَوْا حتى أَتَوْا الأرضَ المقدسةَ فوجدوا مدينةً فيها قومٌ جَبَّارُونَ خَلْقُهُمْ خَلْقٌ مُنْكَرٌ ، وذكروا من ثمارهم أمرًا عجيبًا من عِظَمِهَا ، فقالوا : يا موسى إنَّ فيها قومًا جَبَّارِينَ لا طاقةَ لنا بهم ، ولا ندخلها ماداموا فيها ، فإن يخرجوا منها فإنَّا داخلونَ ، قال رجلانِ من الذينَ يخافونَ قيل ليزيدٍ : هكذا قرأَهُ ؟ قال : نعم ، من الجَبَّارِينَ آمَنَّا بموسى ، وخرجا إليهِ فقالوا : نحنُ أعلمُ بقومنا إن كنتم إنَّما تخافونَ ما رأيتم من أجسامهم وعددهم فإنَّهم لا قلوبَ لهم ولا مَنَعَةَ عندهم فادخلوا عليهمُ البابَ فإذا دخلتموهُ فإنَّكم غالبونَ ، ويقولُ أُناسٌ : إنَّهم من قومِ موسى ، فقال الذينَ يخافونَ بنو إسرائيلَ قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ فأغضبوا موسى فدعا عليهم وسمَّاهم فاسقينَ ، ولم يَدْعُ عليهم قبلَ ذلك ، لِمَا رأى منهم المعصيةَ وإساءتهم حتى كان يومئذٍ ، فاستجاب اللهُ لهُ وسمَّاهم كما سمَّاهم فاسقينَ ، فحرَّمَهَا عليهم أربعينَ سَنَةً يتيهونَ في الأرضِ ، يُصْبِحُونَ كلَّ يومٍ فيسيرونَ ليس لهم قرارٌ ثم ظَلَّلَ عليهمُ الغمامَ في التِّيهِ وأنزلَ عليهمُ المَنَّ والسلوى وجعل لهم ثيابًا لا تَبْلَى ولا تَتَّسِخُ ، وجعل بين ظهرانيهم حَجَرًا مُرَبَّعًا وأمرَ موسى فضربَهُ بعصاهُ فانفجرتْ منهُ اثنتا عشرةَ عينًا في كلِّ ناحيةٍ ثلاثُ أعينٍ ، وأعلمَ كلَّ سِبْطٍ عَيْنُهُمُ التي يشربونَ منها فلا يرتحلونَ من مَنْقَلَةٍ إلا وجدوا ذلك الحَجَرَ معهم بالمكانِ الذي كان فيهِ بالأمسِ
سألت عبد الله بن عباس رضي الله عنهما ، عن قول الله , عز وجل لموسى صلى الله عليه وسلم : وفتناك فتونا ، فسألته عن الفتون ؟ فقال : استأنف النهار يا ابن جبير ، فإن لها حديثا طويلا ، قال : فغدوت على ابن عباس لأنتجز ما وعدني من حديث الفتون ، فقال : تذاكر فرعون وجلساؤه ما كان الله عز وجل وعد إبراهيم صلى الله عليه وسلم من أن يجعل في ذريته أنبياء وملوكا ، فقال بعضهم : إن بني إسرائيل لينتظرون ذلك ما يشكون فيه ، وقد كانوا يظنون يظنون أنه يوسف بن يعقوب عليهما الصلاة والسلام ، فلما هلك قالوا : ليس هكذا كان ، إن الله عز وجل وعد إبراهيم صلى الله عليه وسلم ، قال فرعون : فكيف ترون ؟ فأتمروا ، واجتمعوا أمرهم على أن يبعث رجالا بالشفار ، يطوفون في بني إسرائيل ، فلا يجدون مولودا ذكرا إلا ذبحوه ، ففعلوا ذلك ، فلما أن رأوا أن الكبار في بني إسرائيل ، يموتون بآجالهم ، والصغار يذبحون ، قالوا : أتوشكون أن تفنوا بني إسرائيل ، فتصبروا إلى أن تباشروا من الأعمال ، والخدمة التي كانوا يكفونكم ؟ فاقتلوا عاما كل مولود ذكر ، فيقل نباتهم ، ودعوا عاما ، فلا تقتلوا منهم أحدا فيشب الصغار ، مكان من يموت من الكبار ، فإنهم لن يكثروا بمن تستحيون فتخافوا مكاثرتهم إباكم ولن يفنوا بمن تقتلون فتحتاجون إليهم ، فأجمعوا أمرهم على ذلك ، فحملت أم موسى بهارون عليهما السلام العام الذي لا يذبح فيه الغلمان فولدته علانية ، فلما كان من قابل ، حملت بموسى , عليه السلام ، فوقع في قلبها من الهم والحزن ، فذلك من الفتون يا ابن جبير ، ما دخل عليه في دهو بطن أمه مما يراد به ، فأوحى الله تعالى إليها : ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين ، وأمرها أن إذا ولدت أن تجعله في تابوت ، ثم تلقيه في اليم ، فلما ولدت فعلت ذلك به ، فألقته في اليم ، فلما توارى عنها ابنها أتاها الشيطان فقالت في نفسها : ما فعلت بابني ؟ لو ذبح لبث عندي فرأيته وكفنته كان أحب إلي من أن ألقيه بيدي إلى دواب البحر وحيتانه ، وانتهى الماء به حتى أرفأ به عند فرضة مستقى جواري امرأة فرعون ، فلما رأينه أخذنه ، فهممن أن يفتحن التابوت فقالت بعضهن : إن في هذا مالا ، وإنا إن فتحناه لم تصدقنا امرأة الملك بما وجدنا فيه ، فحملنه بهيئة لم يحركن منه شيئا ، دفعنه إليها ، فلما فتحته رأت فيه غلاما ، فألقى عليه منها محبة لم تلق مثلها على البشر قط ، وأصبح فؤاد أم موسى فارغا من ذكر كل شيء إلا من ذكر موسى عليه السلام ، فلما سمع الذابحون بأمره أقبلوا بشفارهم إلى امرأة فرعون ليذبحوه ، وذلك من الفتون يا ابن جبير ، فقالت للذباحين : أقروه ، فإن هذا الواحد لا يزيد في بني إسرائيل حتى آتي فرعون فأستوهبه منه ، فإن وهبه لي كنتم قد أحسنتم وأجملتم ، وإن أمر بذبحه لم ألمكم ، فأتت به فرعون فقالت : قرة عين لي ولك ، قال فرعون : يكون لك ، فأما لي فلا حاجة لي في ذلك ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : والذي أحلف به ، لو أقر فرعون بأن يكون له قرة عين كما أقرت امرأته ، لهداه الله به كما هدى به امرأته ، ولكن الله حرمه ذلك ، فأرسلت إلى من حولها ، من كل امرأة لها لبن ، تختار لها ظئرا ، فجعل كلما أخذته امرأة منهن فترضعه لم يقبل ثديها ، حتى أشفقت عليه امرأة فرعون أن يمتنع من اللبن فيموت ، فأحزنها ذلك ، فأمرت به فأخرج إلى السوق وتجمع الناس ترجو أن تجد له ظئرا يأخذ منها ، فلم يقبل ، وأصبحت أم موسى والهة ، فقالت لأخته : قصيه ، يعني أثره ، واطلبيه ، هل تسمعين له ذكرا ؟ أحي ابني أم قد أكلته الدواب ؟ ونسيت ما كان الله عز وجل وعدها فيه به ، أخته عن جنب وهم لا يشعرون ، وتخبت أن بصر الإنسان إلى الشيء البعيد وهو إلى جنبه لا يشعر به ، فقالت من الفرح حين أعياهم الظؤارت : أنا أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون ، فأخذوها فقالوا : ما يدريك ما نصحهم له ؟ هل يعرفونه حتى شكوا في ذلك ؟ فذلك من الفتون يا بن جبير ، فقالت : نصيحتهم له وشفقتهم عليه رغبة في ظهور ملك ، ورجاء منفعته ، فأرسلوها ، فانطلقت إلى أمها فأحب بها الخبر ، فجاءت أمه ، فلما وضعته في حجرها ، نزا إلى ثديها فمصه حتى امتلأ جنباه ريا ، وانطلق البشير إلى امرأة فرعون أن قد وجدنا لابنك ، فأرسلت إليها ، فأوتيت بها وبه ، فلما رأت ما يصنع قالت لها : امكثي عندي ترضعي ابني هذا ، فإني لم أحجبه شيئا قط ، فقالت أم موسى : لا أستطيع أن أدع بيتي وولدي فيضيع ، فإن طابت نفسك أن تعطينه فأذهب به إلى منزلي فيكون معي لا آلوه خيرا فعلت ، وإلا فإني غير تاركة بيتي وولدي ، وذكرت أم موسى عليه السلام ما كان الله , عز وجل , وعدها ، فتعاسرت على امرأة فرعون وأيقنت بأن الله عز وجل ينجز موعوده ، فرجعت إلى بيتها بابنها من يومها ، فأنبته الله نباتا حسنا وحفظه لما قد قضى فيه ، فلم يزل بنو إسرائيل وهم في ناحية القرية ممتنعين يمتنعون به من السخرة ما كان فيهم ، فلما ترعرع قالت امرأة فرعون لأم موسى : أريد أن تريني ابني ، فوعدتها يوما تريها فيه إياه ، فقالت امرأة فرعون لخزانها ، وظؤورتها ، وقهارمتها : لا يبقين أحد منكم إلا استقبل ابني اليوم بهدية ، وكرامة ، لأرى ذلك فيه وأنا باعثة أمينا يحصي ما يصنع كل إنسان منكم ، فلم تزل الهدايا ، والكرامة ، والنحلة ، تستقبله من حين خرج من بيت أمه ، إلى أن دخل على امرأة فرعون ، فلما دخل عليها بجلته ، وأكرمته ، وفرحت به ، وأعجبها ، ونحلت أمه لحسن أثره ، ثم قالت : لآتين به فرعون فلينحلنه ، وليكرمنه ، فلما دخلت به عليه ، جعله في حجره ، فتناول موسى لحية فرعون فمدها إلى الأرض ، فقال الغواة من أعداء الله لفرعون : ألا ترى إلى ما وعد الله عز وجل إبراهيم نبيه عليه السلام أنه يرثك ، ويعلوك ، ويصرعك ، فأرسل إلى الذباحين ، وذلك من الفتون يا ابن جبير ، بعد كل بلاء ابتلي به ، أو أريد به فتونا ، فجاءت امرأة فرعون تسعى إلى فرعون ، فقالت : ما بدا لك في هذا الغلام الذي وهبته لي ، قال : ألا ترينه يزعم أنه يصرعني ويعلوني ، قالت : أجعل بيني وبينك أمرا تعرف فيه الحق ، ائت بجمرتين ولؤلؤتين ، فقربهما إليه ، فإن بش باللؤلؤتين واجتنب الجمرتين عرفت أنه يعقل ، وإن تناول الجمرتين ولم يرد اللؤلؤتين ، علمت أن أحدا لا يؤثر الجمرتين على اللؤلؤتين وهو يعقل ، فقرب ذلك إليه فتناول الجمرتين فانتزعوهما من يده وخافت أن يحرقا يديه ، فقالت المرأة : ألا ترى ، فصرفه الله عنه بعد ما كان قد هم به ، وكان الله عز وجل بالغا فيه أمره ، فلما بلغ أشده وصار من الرجال لم يكن أحد من آل فرعون يخلص إلى أحد من بني إسرائيل معه بظلم ، ولا يخرج حتى يمنعوا كل الامتناع ، فبينما موسى عليه السلام يمشي في ناحية المدينة ، إذ هو برجلين يقتتلان أحدهما فرعوني ، والآخر إسرائيلي ، فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني فغضب موسى عليه السلام غضبا شديدا ، لأنه تناول وهو يعلم منزلة موسى عليه السلام من بني إسرائيل وحفظه لهم إلا يعلم الناس ، إلا أنما ذلك من الرضاع إلا أم موسى ، إلا أن يكون الله , عز وجل , أطلع موسى عليه السلام من ذلك على ما لم يطلع عليه غيره ، فوكز موسى , عليه السلام , الفرعوني فقتله ، وليس يراهما أحد إلا الله , عز وجل ، فقال موسى عليه السلام حين قتل الرجل : هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين ، ثم قال : رب إني ظلمت إلى قوله : إنه هو الغفور الرحيم ، فأصبح في المدينة خائفا يترقب الأخبار ، فأتي فرعون فقيل : إن بني إسرائيل قد قتلت رجلا من آل فرعون فخذ لنا بحقنا ، ولا ترخص لهم ، فقال : ابغوني قاتله ومن شهد عليه ، فإن الملك وإن كان صفوه مع قومه لا يستقيم له أن يقيد بغير بينة ، ولا يثبت ، فانظروا في علم ذلك آخذ لكم بحقكم ، فبينا هم يطوفون لا يجدون شيئا ، إذا موسى , عليه السلام , قد رأى في الغد ذلك الإسرائيلي يقتل رجلا من آل فرعون آخر ، فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني ، فصادف موسى , عليه السلام , قد ندم على ما كان منه ، فكره الذي رأى ، فغضب الإسرائيلي وهو يريد أن يبطش بالفرعوني ، فقال الإسرائيلي : لما فعل أمس واليوم إنك لغوي مبين ، فنظر الإسرائيلي إلى موسى عليه السلام بعد ما قال له ما قال ، فإذا هو غضبان كغضبه بالأمس الذي قتل به الفرعوني ، فخاف أن يكون بعد ما قال له : إنك لغوي مبين إياه أراد ، ولم يكن أراده ، إنما أراد الفرعوني ، فخاف الإسرائيلي ، فحاجز الفرعوني ، فقال : يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس وإنما قال ذلك مخافة أن يكون إياه أراد موسى عليه السلام أن يقتله ، فتنازعا ، فانطلق الفرعوني إلى قومه فأخبرهم بما سمع من الإسرائيلي من الخبر حين يقول : أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس ، فأرسل فرعون الذباحين ليقتلوا موسى عليه السلام ، فأخذ رسل فرعون الطريق الأعظم يمشون على هيئهم يطلبون موسى عليه السلام وهم لا يخافون أن يفوتهم ، فجاء رجل من شيعة موسى عليه السلام من أقصى المدينة فاختصر طريقا قريبا حتى سبقهم إلى موسى عليه السلام فأخبره ، فذلك من الفتون يا ابن جبير , فخرج موسى , عليه السلام , متوجها نحو مدين لم يلق بلاء قبل ذلك ، وليس له علم بالطريق إلا حسن الظن بربه عز وجل فإنه قال : عسى ربي أن يهديني سواء السبيل ، ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون إلى تذودان يعني بذلك حابستين غنمهما فقال لهما : ما خطبكما معتزلتين لا تسقيان مع الناس قالتا : ليس لنا قوة نزاحم القوم ، وإنما ننتظر فضول حياضهم ، فسقى لهما فجعل يغرف بالدلو ماء كثيرا ، حتى كانتا أول الرعاء فراغا ، فانصرفتا بغنمهما إلى أبيهما وانصرف موسى عليه السلام فاستظل بشجرة ، وقال : رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير ، فاستنكر أبوهما سرعة صدورهما بغنمهما حفلا باطنا ، فقال : إن لكما اليوم لشأنا ، فأخبرتاه لما صنع موسى عليه السلام ، فأمر إحداهما أن تدعوه له ، فأتت موسى عليه السلام فدعته ، فلما كلمه قال : لا تخف نجوت من القوم الظالمين ليس لفرعون ، ولا لقومه علينا سلطان ، ولسنا في مملكته ، قال : فقالت إحداهما : يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين فاحتملته الغيرة على أن قال : وما يدريك ما قوته ؟ وما أمانته ؟ قالت : أما قوته : فما رأيت في الدلو حين سقى لنا لم أر رجلا قط في ذلك المسقى أقوى منه ، وأما أمانته : فإنه نظر إلي حين أقبلت إليه وشخصت له ، فلما علم أني امرأة ، صوب رأسه لم يرفعه ولم ينظر إلي حتى بلغته رسالتك ، ثم قال لي : امشي خلفي وانعتي لي الطريق ، لم يفعل هذا إلا وهو أمين فسري عن أبيها وصدقها وظن به الذي قالت له ، فقال له : هل لك أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين إلى قوله : من الصالحين ، ففعل ، فكانت على نبي الله موسى , عليه السلام ثماني سنين واجبة ، وكانت سنتان عدة منه ، فقضى الله , عز وجل , عنه عدته فأتمها عشرا ، قال سعيد : فلقيني رجل من أهل النصرانية من علمائهم ، فقال : هل تدري أي الأجلين قضى موسى عليه السلام ؟ قلت : لا وأنا يومئذ لا أدري ، فلقيت ابن عباس فذكرت ذلك له ، فقال : أما علمت أن ثمانيا كانت على نبي الله عليه السلام واجبة ، لم يكن نبي الله لينقص منها شيئا ، وتعلم أن الله عز وجل كان قاضيا عن موسى عليه السلام عدته التي وعد ، فإنه قضى عشر سنين ، فلقيت النصراني ، فأخبرته بذلك ، فقال : الذي سألته فأخبرك أعلم منك بذلك ؟ قلت : أجل ، وأولى فلما سار موسى عليه السلام بأهله كان من أمر النار ما قص الله عليك في القرآن وأمر العصا ويده فشكا إلى ربه عز وجل ما يتخوف من آل فرعون في القتيل وعقدة لسانه ، فأتاه الله , عز وجل سؤله ، وحل عقدة من لسانه ، وأوحى الله عز وجل إلى هارون عليه السلام وأمره أن يلقاه واندفع موسى عليه السلام بعصاه حتى لقي هارون عليه السلام وانطلقا جميعا إلى فرعون ، فأقاما حينا على بابه لا يؤذن لهما فقالا : إنا رسولا ربك قال : فمن ربكما يا موسى فأخبراه بالذي قص الله عز وجل عليك في القرآن قال : فما تريدان ؟ وذكره القتيل واعتذر بما قد سمعت ، وقال : أريد أن تؤمن بالله وأن ترسل معي بني إسرائيل ، فأبى عليه وقال : ائت بآية إن كنت من الصادقين ، فألقى عصاه فإذا هي حية عظيمة فازعة فاغرة فاها مسرعة إلى فرعون ، فلما رآها فرعون قاصدة إليه خافها ، فاقتحم عن سريره واستغاث بموسى عليه السلام أن يكفها عنه ففعل ، ثم أخرج يده من جيبه فرآها بيضاء من غير سوء ، يعني من غير برص ، فردها فعادت إلى لونها الأول ، فاستشار الملأ حوله فيما رأى ، فقالوا له : هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم ... الآية : والمثلى ملكهم الذي هم فيه والعيش ، فأبوا على موسى , عليه السلام , أن يعطوه شيئا مما طلب وقالوا له : اجمع لهما السحرة ، فإنهم بأرضك كثير حتى نغلب سحرهما ، وأرسل في المدائن فحشر له كل ساحر متعالم ، فلما أتوا على فرعون ، قالوا : ما يعمل هذا الساحر ؟ قالوا : يعمل الحيات ، قالوا : فلا والله ما أحد في الأرض يعمل السحر والحيات والحبال والعصي الذي نعمل ، فما أجرنا إن نحن غلبنا ؟ قال لهم : أنتم أقاربي وخاصتي ، وأنا صانع إليكم كل شيء أحببته ، فتواعدوا يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى , قال سعيد : فحدثني ابن عباس ، أن يوم الزينة اليوم الذي أظهر الله عز وجل فيه موسى عليه السلام على فرعون والسحرة هو يوم عاشوراء ، فلما اجتمعوا في صعيد ، قال الناس بعضهم لبعض : انطلقوا فنتخبر هذا الأمر لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين ، يعنون موسى وهارون عليهما السلام استهزاء بهما ، فقالوا : يا موسى ، لقدرتهم في أنفسهم بسحرهم ، إما أن تلقي ، وإما أن نكون نحن الملقين قال : بل ألقوا فألقوا حبالهم وعصيهم ، وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون ، فرأى موسى عليه السلام من سحرهم ما أوجس في نفسه خيفة ، فأوحى الله عز وجل إليه أن ألق عصاك ، فلما ألقاها ، صارت ثعبانا عظيما فاغرة فاها ، فجعلت العصي بدعوة موسي عليه السلام تلتبس بالحبال حتى صارت جرزا إلى الثعبان ، فدخل فيه حتى ما أبقت عصا ، ولا حبلا إلا ابتلعته ، فلما عرف السحرة ذلك ، قالوا : لو كان هذا سحر لم يبلغ من سحرنا كل هذا ، ولكنه أمر من الله ، آمنا بالله ربنا وما جاء به موسى عليه السلام ، ونتوب إلى الله عز وجل مما كنا عليه ، وكسر الله ظهر فرعون في ذلك الموطن وأشياعه ، وأظهر الحق وبطل ما كانوا يعملون ، فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين ، وامرأة فرعون بارزة متبذلة تدعو بالنصر لموسى عليه السلام على فرعون ، فمن رآها من آل فرعون ظن أنها إنما تبذلت لشفقة على فرعون وأشياعه ، وإنما كان حزنها وهمها لموسى عليه السلام ، فلما طال مكث موسى عليه السلام لمواعيد فرعون الكاذبة ، كلما جاءه بآية وعده عندها أن يرسل معه بني إسرائيل ، فإذا مضت ، أخلف موعده وقال : هل يستطيع ربك أن يصنع غير هذا ، فأرسل الله عليه وعلى قومه الطوفان ، والجراد ، والقمل ، والضفادع ، آيات مفصلات ، كل ذلك يشكو إلى موسى عليه السلام ويطلب إليه أن يكفها عنه ، ويواثقه على أن يرسل معه بني إسرائيل ، فإذا كف ذلك عنه ، أخلف موعده ونكث عهده ، فأمر موسى عليه السلام بالخروج بقومه فخرج بهم ليلا ، فلما أصبح فرعون ورأى أنهم قد مضوا ، أرسل في المدائن حاشرين ، فتبعهم بجنود عظيمة كثيرة ، وأوحى الله عز وجل إلى البحر أن إذا ضربك موسى بعصاه فانفرق له اثنتي عشرة فرقة ، حتى يجوز موسى عليه السلام ومن معه ، ثم التئم على من بقي بعد من فرعون وأشياعه ، فنسي موسى عليه السلام أن يضرب البحر بالعصا فانتهى إلى البحر وله قصيف مخافة أن يضرب به موسى عليه السلام ، وهو غافل فيصير عاصيا الله عز وجل ، فلما تراءى الجمعان وتقاربا ، قال أصحاب موسى : إنا لمدركون ، افعل ما أمرك به ربك عز وجل ، فإنك لم تكذب ولم تكذب ، فقال : وعدني ربي عز وجل إذا أتيت البحر انفرق لي اثنتي عشرة فرقة حتى أجاوزه ، ثم ذكر بعد ذلك العصا فضرب البحر بعصاه حين دنا أوائل جند فرعون من أواخر جند موسى عليه السلام ، فانفرق البحر كما أمره الله عز وجل وكما وعد موسى عليه السلام ، فلما أن جاوز موسى عليه السلام وأصحابه البحر ودخل فرعون وأصحابه ، التقى عليهم البحر كما أمر ، فلما جاوز موسى عليه السلام البحر قال أصحابه : إنا نخاف أن لا يكون فرعون قد غرق ، ولا نؤمن هلاكه ، فدعا ربه عز وجل فأخرجه له بيديه حتى استيقنوا بهلاكه ، ثم مروا بعد ذلك على قوم يعكفون على أصنام لهم ، قالوا : يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة ، إلى وباطل ما كانوا يعملون ، قد رأيتم من العبر وسمعتم ما يكفيكم ، ومضى فأنزلهم موسى عليه السلام منزلا ثم قال لهم : أطيعوا هارون عليه السلام فإني قد استخلفته عليكم ، وإني ذاهب إلى ربي عز وجل ، وأجلهم ثلاثين يوما ، أن يرجع إليهم فيها فلما أتى ربه وأراد أن يكلمه ثلاثين يوما وقد صامهن ليلهن ونهارهن ، وكره أن يكلم ربه عز وجل وريح فمه ريح فم الصائم ، فتناول موسى عليه السلام من نبات الأرض شيئا فمضغه ، فقال له ربه عز وجل حين لقاه : لم أفطرت ؟ وهو أعلم بالذي كان ، قال : يا رب ، إني كرهت أن أكلمك إلا وفمي طيب الريح ، قال : أو ما علمت يا موسى أن ريح فم الصائم أطيب عندي من ريح المسك ، ارجع حتى تصوم عشرا ثم ائتني ، ففعل موسى عليه السلام ما أمر به ، فلما رأى قوم موسى عليه السلام أنه لم يرجع إليهم للأجل ساءهم ذلك ، وكان هارون عليه السلام قد خطبهم ، فقال لهم : خرجتم من مصر ولقوم فرعون عندي عواري وودائع ، ولكم فيهم مثل ذلك ، وأنا أرى أن تحتسبوا ما لكم عندهم ، ولا أجل لكم وديعة استودعتموها ، ولا عارية ، ولسنا برادي إليهم شيئا من ذلك ، ولا ممسكيه لأنفسنا ، فحفر حفيرا وأمر كل قوم عليهم شيء من ذلك من متاع ، أو حلية أن يقذفوه في ذلك الحفير ، ثم أوقد عليه النار فأحرقه فقال : لا يكون لنا ، ولا لهم ، وكان السامري رجل من قوم يعبدون البقر جيران لهم ، ولم يكن من بني إسرائيل ، فاحتمل مع موسى عليه السلام وبني إسرائيل حين احتملوا ، فقضى له أن رأى أثرا ، فأخذ منه بقبضته ، فمر بهارون فقال له هارون عليه السلام : يا سامري ، ألا تلقي ما في يديك ؟ وهو قابض عليه لا يراه أحد طوال ذلك فقال : هذه قبضة من أثر الرسول الذي جاوز بكم البحر ، ولا ألقيها لشيء إلا أن تدعو الله إذا ألقيتها أن تكون ما أريد ، فألقاها ودعا الله هارون عليه السلام فقال : أريد أن يكون عجلا ، واجتمع ما كان في الحفرة من متاع له ، أو حلية ، أو نحاس ، أو حديد ، فصار عجلا أجوف ليس فيه روح له خوار , قال ابن عباس : لا والله ما كان له صوت قط ، إنما كانت الريح تدخل من دبره وتخرج من فمه ، فكان ذلك الصوت من ذلك ، فتفرق بنو إسرائيل فرقا ، فقالت فرقة : يا سامري ما هذا فأنت أعلم به ؟ قال : هذا ربكم عز وجل ولكن موسى عليه السلام أضل الطريق ، وقالت فرقة : لا تكذب بهذا حتى يرجع إلينا موسى ، فإن كان ربنا لم نكن ضيعناه وعجزنا فيه حتى رأيناه ، وإن لم يكن ربنا ، فإنا نتبع قول موسى عليه السلام ، وقالت فرقة : هذا علم الشيطان ، وليس بربنا ، ولا نؤمن ، ولا نصدق ، وأشرب فرقة ، في قلوبهم التصديق بما قال السامري في العجل ، وأعلنوا التكذيب ، فقال لهم هارون عليه السلام : يا قوم : إنما فتنتم به ، وإن ربكم ليس هكذا ، قالوا : فما بال موسى عليه السلام وعدنا ثلاثين يوما ثم أخلفنا ، فهذه أربعون قد مضت ، فقال سفهاؤهم : أخطأ ربه فهو يطلبه ويتبعه ، فلما كلم الله عز وجل موسى عليه السلام وقال له ما قال ، أخبره بما لقي قومه بعده ، فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا وقال لهم : ما سمعتم في القرآن وأخذ برأس أخيه ، وألقي الألواح من الغضب ثم عذر أخاه بعذره ، واستغفر له ، وانصرف إلى السامري ، فقال له : ما حملك على ما صنعت ؟ قال : قبضت قبضة من أثر الرسول وفطنت لها ، وعمت عليكم فقذفتها وكذلك سولت لي نفسي قال : فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس وإن لك موعدا لن تخلفه وانظر إلى إلهك إلى قوله : نسفا ، ولو كان إلها لم يخلص إلى ذلك منه ، فاستيقن بنو إسرائيل بالفتنة ، واغتبط الذين كان رأيهم فيه مثل رأي هارون عليه السلام ، فقالوا بجماعتهم لموسى عليه السلام : سل لنا ربك عز وجل أن يفتح لنا باب توبة نصنعها فيكفر عنا ما عملنا ، فاختار موسى عليه السلام قومه سبعين رجلا لذلك ، لا يألوا الخير خيار بني إسرائيل ومن لم يشرك في العجل ، فانطلق بهم ليسأل لهم التوبة فرجفت بهم الأرض ، فاستحيا نبي الله صلى الله عليه وسلم من قومه ، ووفده حين فعل بهم ما فعل فقال : رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا وفيهم من قد كان الله عز وجل اطلع على ما أشرب قلبه من حب العجل وإيمانه به ، فلذلك رجفت بهم الأرض فقال : ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون إلى : في التوراة والإنجيل فقال : رب سألتك التوبة لقومي ، فقلت : إن رحمتي كتبتها لقوم غير قومي ، فليتك أخرتني حين تخرجني حبا في أمة ذلك الرجل المرحومة ، فقال الله له : إن توبتهم أن يقتل كل رجل منهم من لقي من والد ، أو ولد فيقتله بالسيف لا يبالي من قتل في ذلك الموطن ، وتاب أولئك الذين كان خفي على موسى وهارون عليهما السلام ما اطلع الله عليهم من ذنوبهم ، فاعترفوا بها وفعلوا ما أمروا ، وغفر الله للقاتل والمقتول ، ثم سار بهم موسى عليه السلام متوجها نحو الأرض المقدسة ، وأخذ الألواح بعد ما سكت عنه الغضب ، وأمرهم بالذي أمر به أن يبلغهم من الوظائف ، فثقل ذلك عليهم ، وأبوا أن يقروا بها ، فنتق الله عليهم الجبل كأنه ظلة ، ودنا منهم حتى خافوا أن يقع عليهم ، فأخذوا الكتاب بأيمانهم وهم يصغون ينظرون إلى الجبل والأرض ، والكتاب بأيدهم وهم ينظرون إلى الجبل مخافة أن يقع عليهم ثم مضوا إلى الأرض المقدسة ، فوجدوا مدينة قوم جبارين خلقهم منكر ، وذكر من ثمارهم أمرا عجبا من عظمها فقالوا : يا موسى إن فيها قوما جبارين لا طاقة لنا بهم ، ولا ندخلها ما داموا فيها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون ، قال رجلان من الذين يخافون من الجبارين آمنا بموسى عليه السلام ، فخرجا إليه ، فقالا : نحن أعلم بقومنا ، إن كنتم إنما تخافون ما رأيتم من أجسامهم وعددهم ، فإنهم لا قلوب لهم ، ولا منعة عندهم ، فادخلوا عليهم الباب ، فإذا دخلتموه فإنكم غالبون ، ويقول أناس : إنهما من قوم موسى عليه السلام , وزعم سعيد بن جبير أنهما من الجبارين ، آمنا بموسى بقوله : من الذين يخافون ، إنما عنى بذلك من الذين يخافون بني إسرائيل قالوا : يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون فأغضبوا موسى عليه السلام ، فدعا عليهم ، وسماهم فاسقين ، ولم يدع عليهم قبل ذلك ، لما رأى منهم من المعصية وإساءتهم ، حتى كان يومئذ ، فاستجاب الله عز وجل له ، فسماهم كما سماهم موسى عليه السلام فاسقين ، فحرمها عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض يصبحون كل يوم فيسيرون ليس لهم قرار ، ثم ظلل عليهم الغمام في التيه ، وأنزل عليهم المن والسلوى ، وجعل لهم ثيابا لا تبلى ، ولا تتسخ ، وجعل بين ظهرهم حجرا مربعا ، وأمر موسى عليه السلام فضربه بعصاه فانفجر منه اثنتا عشرة عينا ، في كل ناحية ثلاثة أعين ، وأعلم كل سبط عينهم التي يشربون منها ، فلا يرتحلون من منزل إلا وجدوا ذلك الحجر منهم بالمكان الذي كان منه أمس.
لا مزيد من النتائج