نتائج البحث عن
«كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يحدث رجلا ، فلما قام قال : يا أم سلمة من هذا ؟»· 20 نتيجة
الترتيب:
خرَج النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم زمَنَ الحُديبيَةِ في بضعَ عشر مئةً مِن أصحابِه حتَّى إذا كانوا بذي الحُليفةِ قلَّد رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأشعَر ثمَّ أحرَم بالعمرةِ وبعَث بيْنَ يدَيْهِ عينًا له رجُلًا مِن خُزاعةَ يجيئُه بخبرِ قريشٍ وسار رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتَّى إذا كان بغَديرِ الأشطاطِ قريبًا مِن عُسْفانَ أتاه عينُه الخُزاعيُّ فقال: إنِّي ترَكْتُ كعبَ بنَ لُؤيٍّ وعامرَ بنَ لؤيٍّ قد جمَعوا لك الأحابيشَ وجمَعوا لك جموعًا كثيرةً وهم مقاتِلوك وصادُّوك عن البيتِ الحرامِ فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ( أشيروا علَيَّ أترَوْنَ أنْ نميلَ إلى ذراريِّ هؤلاء الَّذين أعانوهم فنُصيبَهم فإنْ قعَدوا قعَدوا مَوتورين محزونين وإنْ نجَوْا يكونوا عُنقًا قطَعها اللهُ أم ترَوْنَ أنْ نؤُمَّ البيتَ فمَن صدَّنا عنه قاتَلْناه ) ؟ فقال أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ رضوانُ اللهِ عليه: اللهُ ورسولُه أعلمُ يا نبيَّ اللهِ إنَّما جِئْنا مُعتمرينَ ولم نجِئْ لقتالِ أَحدٍ ولكنْ مَن حال بينَنا وبيْنَ البيتِ قاتَلْناه فقال النَّبيُّ ـ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ( فرُوحوا إذًا ) قال الزُّهريُّ في حديثِه: وكان أبو هُريرةَ يقولُ: ما رأَيْتُ أحدًا أكثرَ مشاورةً لأصحابِه مِن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال الزُّهريُّ في حديثِه عن عُروةَ عن المِسوَرِ ومَروانَ في حديثِهما: فراحوا حتَّى إذا كانوا ببعضِ الطَّريقِ قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ( إنَّ خالدَ بنَ الوليدِ بالغَميمِ في خيلٍ لقريشٍ طليعةً فخُذوا ذاتَ اليمينِ ) فواللهِ ما شعَر بهم خالدُ بنُ الوليدِ حتَّى إذا هو بقَترةِ الجيشِ فأقبَل يركُضُ نذيرًا لقريشٍ وسار النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتَّى إذا كان بالثَّنيَّةِ الَّتي يُهبَطُ عليهم منها فلمَّا انتهى إليها برَكتْ راحلتُه فقال النَّاسُ: حَلْ حَلْ فألحَّتْ فقالوا: خلَأتِ القصواءُ فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ( ما خلَأتِ القصواءُ وما ذلك لها بخُلُقٍ ولكنْ حبَسها حابسُ الفيلِ ) ثمَّ قال: ( والَّذي نفسي بيدِه لا يسأَلوني خُطَّةً يُعظِّمون فيها حُرماتِ اللهِ إلَّا أعطَيْتُهم إيَّاها ) ثمَّ زجَرها فوثَبتْ به قال: فعدَل عنهم حتَّى نزَل بأقصى الحُديبيَةِ على ثَمَدٍ قليلِ الماءِ إنَّما يتبَرَّضُه النَّاسُ تبرُّضًا فلم يلبَثْ بالنَّاسِ أنْ نزَحوه فشُكي إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم العطشُ فانتزَع سهمًا مِن كِنانتِه ثمَّ أمَرهم أنْ يجعَلوه فيه قال: فما زال يَجيشُ لهم بالرِّيِّ حتَّى صدَروا عنه: فبينما هم كذلك إذ جاءه بُدَيْلُ بنُ ورقاءَ الخزاعيُّ في نفرٍ مِن قومِه مِن خُزاعةَ وكانت عَيْبَةَ نُصحِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن أهلِ تِهامةَ فقال: إنِّي ترَكْتُ كعبَ بنَ لؤيٍّ وعامرَ بنَ لؤيٍّ نزَلوا أعدادَ مياهِ الحُديبيَةِ معهم العُوذُ المَطافيلُ وهم مقاتلوك وصادُّوك عن البيتِ الحرامِ فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ( إنَّا لم نجِئْ لقتالِ أَحدٍ ولكنَّا جِئْنا مُعتمرينَ فإنَّ قريشًا قد نهَكَتْهم الحربُ وأضرَّت بهم فإنْ شاؤوا مادَدْتُهم مدَّةً ويُخلُّوا بيني وبيْنَ النَّاسِ فإنْ ظهَرْنا وشاؤوا أنْ يدخُلوا فيما دخَل فيه النَّاسُ فعَلوا وقد جَمُّوا وإنْ هم أبَوْا فوالَّذي نفسي بيدِه لأُقاتِلَنَّهم على أمري هذا حتَّى تنفرِدَ سالفتي أو لَيُبْدِيَنَّ اللهُ أمرَه ) قال بُدَيْلُ بنُ وَرْقاءَ: سأُبلِغُهم ما تقولُ: فانطلَق حتَّى أتى قريشًا فقال: إنَّا قد جِئْناكم مِن عندِ هذا الرَّجُلِ وسمِعْناه يقولُ قولًا فإنْ شِئْتم أنْ نعرِضَه عليكم فعَلْنا فقال سفهاؤُهم: لا حاجةَ لنا في أنْ تُخبِرونا عنه بشيءٍ وقال ذو الرَّأيِ: هاتِ ما سمِعْتَه يقولُ قال: سمِعْتُه يقولُ كذا وكذا فأخبَرْتُهم بما قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقام عندَ ذلك أبو مسعودٍ عُروةُ بنُ مسعودٍ الثَّقفيُّ فقال: يا قومِ ألَسْتُم بالولدِ ؟ قالوا: بلى قال: ألَسْتُ بالوالدِ ؟ قالوا: بلى قال: فهل تتَّهموني ؟ قالوا: لا قال: ألَسْتُم تعلَمون أنِّي استنفَرْتُ أهلَ عُكاظٍ فلمَّا بلَّحوا عليَّ جِئْتُكم بأهلي وولَدي ومَن أطاعني ؟ قالوا: بلى قال: فإنَّ هذا امرؤٌ عرَض عليكم خُطَّةَ رُشدٍ فاقبَلوها ودعوني آتِهِ قالوا: ائتِه فأتاه قال: فجعَل يُكلِّمُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم نحوًا مِن قولِه لبُدَيْلِ بنِ وَرْقاءَ فقال عروةُ بنُ مسعودٍ عندَ ذلك يا محمَّدُ أرأَيْتَ إنِ استأصَلْتَ قومَك هل سمِعْتَ أحدًا مِن العربِ اجتاح أصلَه قبْلَك وإنْ تكُنِ الأخرى فواللهِ إنِّي أرى وجوهًا وأرى أشوابًا مِن النَّاسِ خُلَقاءَ أنْ يفِرُّوا ويدَعوك فقال أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ رضوانُ اللهِ عليه: امصُصْ ببَظْرِ اللَّاتِ أنحنُ نفِرُّ وندَعُه ؟ فقال أبو مسعودٍ: مَن هذا ؟ قالوا: أبو بكرِ بنُ أبي قُحافةَ فقال: أمَا والَّذي نفسي بيدِه لولا يدٌ كانت لك عندي لم أَجْزِك بها لأجَبْتُك وجعَل يُكلِّمُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فكلَّما كلَّمه أخَذ بلِحيتِه والمغيرةُ بنُ شُعبةَ الثَّقفيُّ قائمٌ على رأسِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وعليه السَّيفُ والمِغفَرُ فكلَّما أهوى عُروةُ بيدِه إلى لحيةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ضرَب يدَه بنَعْلِ السَّيفِ، وقال: أخِّرْ يدَك عن لحيةِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فرفَع عروةُ رأسَه وقال: مَن هذا ؟ فقالوا: المغيرةُ بنُ شُعبةَ الثَّقفيُّ فقال: أيْ غُدَرُ، أولَسْتُ أسعى في غَدرَتِك وكان المغيرةُ بنُ شُعبةَ صحِب قومًا في الجاهليَّةِ فقتَلهم وأخَذ أموالَهم ثمَّ جاء فأسلَم فقال له النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ( أمَّا الإسلامُ فأقبَلُ وأمَّا المالُ فلَسْتُ منه في شيءٍ ) قال: ثمَّ إنَّ عروةَ جعَل يرمُقُ صحابةَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بعينِه فواللهِ ما يتنخَّمُ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم نُخامةً إلَّا وقَعتْ في كفِّ رجُلٍ منهم فدلَك بها وجهَه وجِلدَه وإذا أمَرهم انقادوا لأمرِه وإذا توضَّأ كادوا يقتتلون على وَضوئِه وإذا تكلَّم خفَضوا أصواتَهم عندَه وما يُحِدُّون إليه النَّظرَ تعظيمًا له فرجَع عروةُ بنُ مسعودٍ إلى أصحابِه فقال: أيْ قومِ واللهِ لقد وفَدْتُ إلى الملوكِ ووفَدْتُ إلى كسرى وقيصرَ والنَّجاشيِّ واللهِ ما رأَيْتُ ملِكًا قطُّ يُعظِّمُه أصحابُه ما يُعظِّمُ أصحابُ محمَّدٍ محمَّدًا وواللهِ إنْ يتنخَّمُ نُخامةً إلَّا وقَعت في كفِّ رجُلٍ منهم فدلَك بها وجهَه وجِلْدَه وإذا أمَرهم ابتدَروا أمرَه وإذا توضَّأ اقتتلوا على وَضوئِه وإذا تكلَّم خفَضوا أصواتَهم عندَه وما يُحِدُّون إليه النَّظرَ تعظيمًا له وإنَّه قد عرَض عليكم خُطَّةَ رُشدٍ فاقبَلوها فقال رجُلٌ مِن بني كِنانةَ دعوني آتِه فلمَّا أشرَف على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: هذا فلانٌ مِن قومٍ يُعظِّمون البُدنَ فابعَثوها له قال: فبُعِثَتْ واستقبَله القومُ يُلَبُّون فلمَّا رأى ذلك قال: سُبحانَ اللهِ لا ينبغي لهؤلاء أنْ يُصَدُّوا عن البيتِ فلمَّا رجَع إلى أصحابِه قال: رأَيْتُ البُدْنَ قد قُلِّدتْ وأُشعِرَتْ فما أرى أنْ يُصَدُّوا عن البيتِ فقام رجُلٌ منهم يُقالُ له: مِكرَزٌ فقال: دعوني آتِهِ فقالوا: ائتِه فلمَّا أشرَف عليهم قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ( هذا مِكرَزٌ وهو رجُلٌ فاجرٌ ) فجعَل يُكلِّمُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فبينما هو يُكلِّمُه إذ جاءه سُهيلُ بنُ عمرٍو قال مَعْمَرٌ: فأخبَرني أيُّوبُ السَّخْتِيانيُّ عن عِكرمةَ قال: فلمَّا جاء سُهيلٌ قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ( هذا سُهيلٌ قد سهَّل اللهُ لكم أمرَكم ) قال مَعْمَرٌ في حديثِه عن الزُّهريِّ عن عُروةَ عن المِسوَرِ ومَروانَ: فلمَّا جاء سُهيلٌ قال: هاتِ اكتُبْ بينَنا وبينَكم كتابًا فدعا الكاتبَ فقال: اكتُبْ بِسْمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ فقال سُهيلٌ: أمَّا الرَّحمنُ فلا أدري واللهِ ما هو ولكِنِ اكتُبْ باسمِك اللَّهمَّ ثمَّ قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ( اكتُبْ هذا ما قاضى عليه محمَّدٌ رسولُ اللهِ ) فقال سُهيلُ بنُ عمرٍو: لو كنَّا نعلَمُ أنَّك رسولُ اللهِ ما صدَدْناك عن البيتِ ولا قاتَلْناك ولكِنِ اكتُبْ: محمَّدُ بنُ عبدِ اللهِ فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ( واللهِ إنِّي لَرسولُ اللهِ وإنْ كذَّبْتُموني اكتُبْ محمَّدُ بنُ عبدِ اللهِ ) قال الزُّهريُّ: وذلك لقولِه: لا يسأَلوني خُطَّةً يُعظِّمون فيها حُرماتِ اللهِ إلَّا أعطَيْتُهم إيَّاها وقال في حديثِه عن عُروةَ عنِ المِسوَرِ ومَروانَ فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ( على أنْ تُخَلُّوا بينَنا وبيْنَ البيتِ فنطوفَ به فقال سُهيلُ بنُ عمرٍو: إنَّه لا يتحدَّثُ العربُ أنَّا أُخِذْنا ضُغطةً، ولكِنْ لك مِن العامِ المقبِلِ، فكتَب، فقال سُهيلُ بنُ عمرٍو: على أنَّه لا يأتيك منَّا رجُلٌ وإنْ كان على دِينِك أو يُريدُ دينَك إلَّا ردَدْتَه إلينا فقال المسلِمونَ: سُبحانَ اللهِ كيف يُرَدُّ إلى المشركينَ وقد جاء مسلِمًا فبينما هم على ذلك إذ جاء أبو جَنْدَلِ بنُ سُهيلِ بنِ عمرٍو يرسُفُ في قيودِه قد خرَج مِن أسفلِ مكَّةَ حتى رمى بنفسِه بيْنَ المسلمينَ فقال سُهيلُ بنُ عمرٍو: يا محمَّدُ هذا أوَّلُ مَن نُقاضيك عليه أنْ ترُدَّه إليَّ فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: إنَّا لم نُمضِ الكتابَ بعدُ فقال: واللهِ لا أُصالِحُك على شيءٍ أبدًا فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ( فأَجِزْه لي ) فقال: ما أنا بمُجيزِه لك قال: فافعَلْ قال: ما أنا بفاعلٍ قال مِكرَزٌ: بل قد أجَزْناه لك فقال أبو جَنْدَلِ بنُ سُهيلِ بنِ عمرٍو: يا معشرَ المسلمينَ أُرَدُّ إلى المشركين وقد جِئْتُ مسلِمًا ألا ترَوْنَ إلى ما قد لقيتُ وكان قد عُذِّب عذابًا شديدًا في اللهِ - فقال عمرُ بنُ الخطَّابِ رضوانُ اللهِ عليه: واللهِ ما شكَكْتُ منذُ أسلَمْتُ إلَّا يومَئذٍ فأتَيْتُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقُلْتُ: ألَسْتَ رسولَ اللهِ حقًّا ؟ قال: ( بلى ) قُلْتُ: ألَسْنا على الحقِّ وعدوُّنا على الباطلِ ؟ قال: ( بلى ) قُلْتُ: فلِمَ نُعطي الدَّنيَّةَ في دِيننِا إذًا ؟ قال: ( إنِّي رسولُ اللهِ ولَسْتُ أعصي ربِّي وهو ناصري ) قُلْتُ: أوليسَ كُنْتَ تُحدِّثُنا أنَّا سنأتي البيتَ فنطوفُ به ؟ قال ( بلى فخبَّرْتُك أنَّك تأتيه العامَ ؟ ) قال: لا قال: ( فإنَّك تأتيه فتطوفُ به قال: فأتَيْتُ أبا بكرٍ الصِّدِّيقَ رضوانُ اللهِ عليه فقُلْتُ: يا أبا بكرٍ أليس هذا نبيَّ اللهِ حقًّا ؟ قال: ( بلى ) قُلْتُ: أولَسْنا على الحقِّ وعدوُّنا على الباطلِ ؟ قال: ( بلى ) قُلْتُ: فلِمَ نُعطي الدَّنيَّةَ في دِينِنا إذًا ؟ قال: أيُّها الرَّجلُ إنَّه رسولُ اللهِ وليس يعصي ربَّه وهو ناصرُه فاستمسِكْ بغَرْزِه حتَّى تموتَ فواللهِ إنَّه على الحقِّ قُلْتُ: أوليس كان يُحدِّثُنا أنَّا سنأتي البيتَ ونطوفُ به ؟ قال: بلى قال فأخبَرك أنَّا نأتيه العامَ ؟ قُلْتُ: لا قال: فإنَّك آتيه وتطوفُ به قال عمرُ بنُ الخطَّابِ رضوانُ اللهِ عليه فعمِلْتُ في ذلك أعمالًا - يعني في نقضِ الصَّحيفةِ -
فلمَّا فرَغ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن الكتابِ أمَر رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أصحابَه فقال: ( انحَروا الهَدْيَ واحلِقوا ) قال: فواللهِ ما قام رجُلٌ منهم رجاءَ أنْ يُحدِثَ اللهُ أمرًا فلمَّا لم يقُمْ أحَدٌ منهم قام رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فدخَل على أمِّ سلَمةَ فقال: ما لقيتُ مِن النَّاسِ قالت أمُّ سلَمةَ: أوَتُحِبُّ ذاك، اخرُجْ ولا تُكلِّمَنَّ أحدًا منهم كلمةً حتَّى تنحَرَ بُدنَكَ وتدعوَ حالقَك فقام النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فخرَج ولم يُكلِّمْ أحدًا منهم حتَّى نحَر بُدْنَه ثمَّ دعا حالقَه فحلَقه فلمَّا رأى ذلك النَّاسُ جعَل بعضُهم يحلِقُ بعضًا حتَّى كاد بعضُهم يقتُلُ بعضًا قال: ثمَّ جاء نِسوةٌ مؤمناتٌ فأنزَل اللهُ تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ} [الممتحنة: 10] إلى آخِرِ الآيةِ قال: فطلَّق عمرُ رضوانُ اللهِ عليه امرأتينِ كانتا له في الشِّركِ فتزوَّج إحداهما معاويةُ بنُ أبي سُفيانَ والأخرى صفوانُ بنُ أميَّةَ قال: ثمَّ رجَع صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى المدينةِ فجاءه أبو بَصيرٍ رجُلٌ مِن قريشٍ وهو مسلِمٌ فأرسَلوا في طلبِه رجُلينِ وقالوا: العهدَ الَّذي جعَلْتَ لنا فدفَعه إلى الرَّجُلينِ فخرَجا حتَّى بلَغا به ذا الحليفةِ فنزَلوا يأكُلون مِن تمرٍ لهم فقال أبو بَصيرٍ لأَحدِ الرَّجُلينِ: واللهِ لَأرى سيفَك هذا يا فلانُ جيِّدًا فقال: أجَلْ واللهِ إنَّه لَجيِّدٌ لقد جرَّبْتُ به ثمَّ جرَّبْتُ فقال أبو بَصيرٍ: أَرِني أنظُرْ إليه فأمكَنه منه فضرَبه حتَّى برَد وفرَّ الآخَرُ حتَّى أتى المدينةَ فدخَل المسجدَ يعدو فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: لقد رأى هذا ذُعْرًا فلمَّا انتهى إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: قُتِل واللهِ صاحبي وإنِّي لَمقتولٌ فجاء أبو بَصيرٍ فقال: يا نبيَّ اللهِ قد واللهِ أوفى اللهُ ذمَّتَك قد ردَدْتَني إليهم ثمَّ أنجاني اللهُ منهم فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ويلُ امِّه لو كان معه أحَدٌ فلمَّا سمِع بذلك عرَف أنَّه سيرُدُّه إليهم مرَّةً أخرى فخرَج حتَّى أتى سِيفَ البحرِ قال: وتفلَّت منهم أبو جَنْدَلِ بنُ سُهيلِ بنِ عمرٍو فلحِق بأبي بَصيرٍ فجعَل لا يخرُجُ مِن قريشٍ رجُلٌ أسلَم إلَّا لحِق بأبي بَصيرٍ حتَّى اجتمَعت منهم عصابةٌ قال: فواللهِ ما يسمَعون بِعِيرٍ خرَجتْ لقريشٍ إلى الشَّامِ إلَّا اعترَضوا لها فقتَلوهم وأخَذوا أموالَهم فأرسَلتْ قريشٌ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم تُناشِدُه اللهَ والرَّحِمَ لَمَا أرسَل إليهم ممَّن أتاه فهو آمِنٌ فأرسَل النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إليهم فأنزَل اللهُ جلَّ وعلا: {وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ} [الفتح: 24] حتَّى بلَغ {حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ} [الفتح: 26] وكانت حميَّتُهم أنَّهم لم يُقِرُّوا أنَّه نبيُّ اللهِ ولم يُقِرُّوا ببِسْمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ
ثم غزا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ غزوةَ تبوكَ . وهو يريد الرُّومَ ونصارى العربِ بالشامِ . قال ابنُ شهابٍ : فأخبرني عبدُالرحمنِ بنُ عبدِالله بنِ كعبِ بنِ مالكٍ ؛ أنَّ عبدَ اللهِ بنَ كعبٍ كان قائدَ كعبٍ ، من بنيه ، حين عَمِيَ . قال : سمعتُ كعبَ بنَ مالكٍ يحدِّثُ حديثَه حين تخلَّفَ عن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في غزوةِ تبوكَ . قال كعبُ بنُ مالكٍ : لم أتخلَّفْ عن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في غزوةٍ غزاها قطُّ . إلا في غزوةِ تبوكَ . غيرَ أني قد تخلَّفتُ في غزوةِ بدرٍ . ولم يعاتِبْ أحدًا تخلَّفَ عنه . إنما خرج رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ والمسلمون يريدون عِيرَ قريشٍ . حتى جمع اللهُ بينهم وبين عدوِّهم ، على غيرِ مِيعادٍ . ولقد شهدتُ مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ليلةَ العقبةِ . حين تواثقْنا على الإسلامِ . وما أحبُّ أنَّ لي بها مَشهدَ بدرٍ . وإن كانت بدرٌ أذكرُ في الناس منها . وكان من خبري ، حين تخلَّفتُ عن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ، في غزوةِ تبوكَ ، أني لم أكن قط أقْوى ولا أيسرَ مني حين تخلَّفتُ عنه في تلك الغزوةِ . واللهِ ! ما جمعتُ قبلَها راحلتَين قطُّ . حتى جمعتُهما في تلك الغزوةِ . فغزاها رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في حرٍّ شديد ٍ. واستقبل سفرًا بعيدًا ومفازًا . واستقبل عدوًّا كثيرًا . فجلَّا للمسلمين أمرَهم ليتأهَّبوا أُهبَةَ غَزوِهم . فأخبرهم بوجهِهم الذي يريدُ . والمسلمون مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كثيرٌ . ولا يجمعهم كتابٌ حافظٌ ( يريد ، بذلك ، الدِّيوانَ ) . قال كعبٌ : فقلَّ رجلٌ يريد أن يتغيَّبَ ، يظن أنَّ ذلك سيخفى له ، ما لم ينزل فيه وحيٌ من اللهِ عزَّ وجلَّ . وغزا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ تلك الغزوةِ حين طابت الثمارُ والظِّلالُ . فأنا إليها أصعرُ . فتجهَّز رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ والمسلمون معه . وطفِقتُ أغدو لكي أتجهزَ معهم . فأرجعْ ولم أقضِ شيئًا . وأقول في نفسي : أنا قادرٌ على ذلك ، إذا أردتُ . فلم يزلْ ذلك يتمادى بي حتى استمرَّ بالناس الجِدُّ . فأصبح رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ غاديًا والمسلمون معه . ولم أقضِ من جهازي شيئًا . ثم غدوتُ فرجعتُ ولم أقضِ شيئًا . فلم يزلْ ذلك يتمادَى بي حتى أسرعوا وتفارط الغزوُ . فهممتُ أن أرتحلَ فأدركَهم . فيا ليتني فعلتُ . ثم لم يُقَدَّرْ ذلك لي . فطفقتُ ، إذا خرجتُ في الناس ، بعد خروج رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ، يُحزِنُني أني لا أرى لي أُسوةً . إلا رجلًا مغموصًا عليه في النِّفاقِ . أو رجلًا ممن عذَر اللهُ من الضُّعفاءِ . ولم يَذكرْني رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حتى بلغ تبوكًا فقال ، وهو جالسٌ في القومِ بتبوكَ " ما فعل كعبُ بنُ مالكٍ ؟ " قال رجلٌ من بني سلمةَ : يا رسولَ اللهِ ! حبَسه بُرداه والنظرُ في عَطِفَيه . فقال له معاذُ بنُ جبلٍ : بئسَ ما قلتَ . واللهِ ! يا رسولَ اللهِ ! ما علِمْنا عليه إلا خيرًا . فسكت رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ . فبينما هو على ذلك رأى رجلًا مبيضًا يزول به السَّرابُ فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ " كُن أبا خَيثمةَ " ، فإذا هو أبو خيثمةَ الأنصاريُّ . وهو الذي تصدَّق بصاعِ التمرِ حين لمَزه المنافقون . فقال كعبُ بنُ مالكٍ : فلما بلغني أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قد توجَّه قافلًا من تبوكَ ، حضرني بثِّي . فطفقتُ أتذكَّر الكذبَ وأقول : بم أَخرجُ من سخَطِه غدًا ؟ وأستعينُ على ذلك كلَّ ذي رأيٍ من أهلي . فلما قيل لي : إنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قد أظلَّ قادمًا ، زاح عني الباطلُ . حتى عرفتُ أني لن أنجوَ منه بشيءٍ أبدًا . فأجمعتُ صدقةً . وصبَّح رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قادمًا . وكان ، إذا قدِم من سفرٍ ، بدأ بالمسجدِ فركع فيه ركعتَين . ثم جلس للناس . فلما فعل ذلك جاءه المُخلَّفون . فطفِقوا يعتذرون إليه . ويحلِفون له . وكانوا بِضعةً وثمانين رجلًا . فقبِل منهم رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ علانيتَهم . وبايعَهم واستغفرَ لهم . ووكَل سرائرَهم إلى الله . حتى جئتُ . فلما سلمتُ ، تبسَّم تبسُّمَ المُغضَبِ ثم قال " تعالِ " فجئتُ أمشي حتى جلستُ بين يدَيه . فقال لي " ما خلَّفك ؟ ألم تكن قد ابتعتَ ظهرَك ؟ " قال قلتُ : يا رسولَ اللهِ ! إني ، واللهِ ! لو جلستُ عند غيرِك من أهلِ الدنيا ، لرأيتُ أني سأخرج من سَخَطِه بعُذرٍ . ولقد أعطيتُ جَدلًا . ولكني ، واللهِ ! لقد علمتَ ، لئن حدَّثتُك اليومَ حديثَ كذبٍ ترضَى به عني ، ليوشِكنَّ اللهُ أن يُسخِطَك عليَّ . ولئن حدَّثتُك حديثَ صدقٍ تجِد عليَّ فيه ، إني لأرجو فيه عُقبى اللهِ . واللهِ ! ما كان لي عذرٌ . واللهِ ! ما كنتُ قطُّ أقوى ولا أيسرَ مني حين تخلَّفتُ عنك . قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ " أما هذا ، فقد صدق . فقُمْ حتى يقضيَ اللهُ فيك " فقمتُ . وثار رجالٌ من بني سلمةَ فاتَّبعوني . فقالوا لي : واللهِ ! ما علِمناك أذنبتَ ذنبًا قبلَ هذا . لقد عجزتَ في أن لا تكون اعتذرتَ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ، بما اعتذر به إليه المُخلَّفون . فقد كان كافيك ذنبَك ، استغفارُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لك . قال : فواللهِ ! ما زالوا يُؤنِّبونني حتى أردتُ أن أرجعَ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ . فأُكذِّبُ نفسي قال ثم قلتُ لهم : هل لقِيَ هذا معي من أحدٍ ؟ قالوا : نعم . لقِيه معك رجلان ِ. قالا مثلَ ما قلتَ . فقيل لهما مثلُ ما قيل لك . قال قلتُ : من هما ؟ قالوا : مرارةُ بنُ ربيعةَ العامريِّ ، وهلالُ بنُ أميةَ الواقفيُّ . قال فذكروا لي رجلَين صالحَين قد شهدا بدرًا فيهما أُسوةٌ . قال فمضيتُ حين ذكروهما لي . قال ونهى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ المسلمين عن كلامِنا ، أيها الثلاثةَ ، من بين من تخلَّف عنه . قال ، فاجتنبَنا الناسُ . وقال ، تغيَّروا لنا حتى تنكَّرتْ لي في نفسي الأرضُ . فما هي بالأرضِ التي أعرفُ . فلبثْنا على ذلك خمسين ليلةً . فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتِهما يبكيان . وأما أنا فكنتُ أشَبَّ القومِ وأجلدَهم . فكنت أخرج فأَشهد الصلاةَ وأطوفُ في الأسواقِ ولا يكلِّمني أحدٌ . وآتي رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فأسلِّم عليه ، وهو في مجلسِه بعد الصلاةِ . فأقول في نفسي : هل حرَّك شفتَيه بردِّ السلامِ ، أم لا ؟ ثم أصلِّي قريبًا منه وأسارقُه النظرُ . فإذا أقبلتُ على صلاتي نظر إليَّ . وإذا التفتُّ نحوه أعرض عني . حتى إذا طال ذلك علي من جفوةِ المسلمين ، مشيتُ حتى تسوَّرتُ جدارَ حائطِ أبي قتادةَ ، وهو ابنُ عمي ، وأحبُّ الناسِ إليَّ . فسلَّمتُ عليه . فواللهِ ! ما ردَّ عليَّ السلامَ . فقلتُ له : يا أبا قتادةَ ! أنشُدك بالله ! هل تعلمنَّ أني أحبُّ اللهَ رسولَه ؟ قال فسكتَ . فعدتُ فناشدتُه . فسكت فعدتُ فنا شدتُه . فقال : اللهُ ورسولُه أعلمُ . ففاضت عينايَ ، وتولَّيتُ ، حتى تسوّرتُ الجدارَ . فبينا أنا أمشي في سوقِ المدينةِ ، إذا نِبطيٌّ من نَبطِ أهلِ الشامِ ، ممن قدم بالطعامِ يبيعُه بالمدينة . يقول : من يدلُّ على كعبِ بنِ مالكٍ . قال فطفِق الناسُ يشيرون له إليَّ . حتى جاءني فدفع إلي َّكتابًا من ملِك غسَّانَ . وكنتُ كاتبًا . فقرأتُه فإذا فيه : أما بعد . فإنه قد بلغنا أنَّ صاحبَك قد جفاك . ولم يجعلك اللهُ بدارِ هوانٍ ولا مَضِيعةٍ . فالحَقْ بنا نُواسِك . قال فقلتُ ، حين قرأتُها : وهذه أيضًا من البلاءِ . فتيامَمتُ بها التَّنُّورَ فسجَرتُها بها . حتى إذا مضت أربعون من الخمسين ، واستلبثَ الوحيُ ، إذا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يأتيني فقال : إن رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يأمرك أن تعتزلَ امرأتَك . قال فقلتُ : أُطلِّقُها أم ماذا أفعل ؟ قال : لا . بل اعتزِلْها . فلا تقرَبنَّها . قال فأرسل إلى صاحبي بمثلِ ذلك . قال فقلتُ لامرأتي : الْحَقي بأهلِك فكوني عندهم حتى يقضي اللهُ في هذا الأمرِ . قال فجاءت امرأةُ هلال ِبنِ أميَّةَ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ . فقالت له : يا رسولَ الله ِ! إنَّ هلالَ بنَ أميَّةَ شيخٌ ضائعٌ ليس له خادمٌ . فهل تكره أن أخدمَه ؟ قال " لا . ولكن لا يَقربنَّكِ " فقالت : إنه ، واللهِ ! ما به حركةٌ إلى شيءٍ . وواللهِ ! ما زال يبكي منذ كان من أمرِه ما كان . إلى يومه هذا . قال فقال لي بعضُ أهلي : لو استأذنتَ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في امرأتِك ؟ فقد أذِن لامرأةِ هلالِ بنِ أميَّةَ أن تخدمَه . قال فقلتُ : لا أستأذنُ فيها رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ . وما يُدريني ماذا يقول رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ، إذا استأذنتُه فيها ، وأنا رجلٌ شابٌّ . قال فلبثتُ بذلك عشرَ ليالٍ . فكمل لنا خمسون ليلةً من حين نُهِيَ عن كلامِنا . قال ثم صليتُ صلاة َالفجرِ صباح خمسينَ ليلةٍ ، على ظهرِ بيتٍ من بيوتِنا . فبينا أنا جالسٌ على الحالِ التي ذكر اللهُ عزَّ وجلَّ منا . قد ضاقَت علي نفسي وضاقت عليَّ الأرضُ بما رَحُبَتْ ، سمعتُ صوتَ صارخٍ أَوفَى على سَلعٍ يقول ، بأعلى صوتِه : يا كعبُ بنَ مالكٍ ! أبشِرْ . قال فخررتُ ساجدًا . وعرفتُ أن قد جاء فرجٌ . قال فآذَنَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ الناسَ بتوبةِ اللهِ علينا ، حين صلَّى صلاةَ الفجرِ . فذهب الناسُ يبَشِّروننا . فذهب قبل صاحبي مُبشِّرون . وركض رجلٌ إليَّ فرسًا . وسعى ساعٍ من أسلمَ قبلي . وأوفى الجبلَ . فكان الصوتُ أسرعَ من الفرسِ . فلما جاءني الذي سمعتُ صوتَه يُبشِّرُني . فنزعتُ له ثوبي فكسوتُهما إياه ببشارتِه . واللهِ ! ما أملِك غيرهما يومئذٍ . واستعرتُ ثوبَين فلبستُهما . فانطلقتُ أتأمَّمُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ . يتلقَّاني الناسُ فوجًا فوجًا ، يُهنِّئونني بالتوبةِ ويقولون : لِتُهنِئَك توبةَ اللهِ عليك . حتى دخلتُ المسجدَ ، فإذا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ جالسٌ في المسجدِ ، وحولَه الناسُ . فقام طلحةُ بنُ عُبيدِالله ِيهرولُ حتى صافحَني وهنَّأني . واللهِ ! ما قام رجلٌ من المهاجرين غيرُه . قال فكان كعبٌ لا ينساها لطلحةَ . قال كعبٌ : فلما سلّمتُ على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال ، وهو يبرق وجهُه من السُّرورِ ويقول " أبشِرْ بخيرِ يومٍ مرَّ عليك منذُ ولدتْك أمُّك " قال فقلتُ : أمِن عندك ؟ يا رسولَ اللهِ ! أم من عندِ اللهِ ؟ فقال " لا . بل من عندِ اللهِ " وكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إذا سُرَّ استنار وجهُه . كأنَّ وجهَه قطعةُ قمَرٍ . قال وكنا نعرف ذلك . قال فلما جلستُ بين يدَيه قلتُ : يا رسولَ اللهِ ! إنَّ من توبتي أن أنخلعَ من مالي صدقةً إلى اللهِ وإلى رسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ . " فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ " أمسِكْ بعضَ مالِك . فهو خيرٌ لك " قال فقلتُ : فإني أُمسِكُ سَهمي الذي بخَيبرَ . قال وقلتُ : يا رسولَ اللهِ ! إنَّ اللهَ إنما أنجاني بالصِّدقِ . وإنَّ من توبتي أن لا أُحدِّثَ إلا صدقًا ما بقِيتُ . قال فواللهِ ! ما علمتُ أن أحدًا من المسلمين أبلاه اللهُ في صدقِ الحديثِ ، منذ ذكرتُ ذلك لرسولِ اللهِ صلّى اللهُ عليه وسلَّمَ إلى يومي هذا ، أحسنَ مما أبلاني اللهُ به . واللهِ ! ما تعمَّدتُ كذبةً منذُ قلتُ ذلك لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ، إلى يومي هذا . وإني لأرجو أن يحفظَني اللهُ فيما بقِيَ . قال : فأنزل اللهُ عزَّ وجلَّ : لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (117) وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [ 9 / التوبة / 117 و - 118 ] حتى بلغ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [ 9 / التوبة / 119 ] . قال كعبٌ : واللهِ ! ما أنعم اللهُ عليَّ من نعمةٍ قطُّ ، بعد إذ هداني اللهُ للإسلام ، أعظمُ في نفسي ، من صِدقي رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ . أن لا أكون كذَبتُه فأهلِك كما هلك الذين كذبوا . إنَّ اللهَ قال للذين كذبوا ، حين أنزل الوحيُ ، شرَّ ما قال لأحدٍ . وقال اللهُ : سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (95) يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ[ 9 / التوبة / 95 و - 96 ] . قال كعب : كنا خُلِّفْنا ، أيها الثلاثة ، عن أمرِ أولئك الذين قبِلَ منهم رسولُ اللهِ صلّى اللهُ عليه وسلَّمَ حين حلفوا له . فبايعَهم واستغفَر لهم . وأرجأ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أمرَنا حتى قضى اللهُ فيه . فبذلك قال اللهُ عزَّ وجلَّ : وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا . وليس الذي ذكر اللهُ مما خلَّفنا ، تخلَّفنا عن الغزوِ . وإنما هو تخليفُه إيانا ، وإرجاؤه أمرَنا ، عمن حلف له واعتذرَ إليه فقبل منه . وفي رواية : أنَّ عُبيدَاللهِ بنَ كعبِ بنِ مالكٍ ، وكان قائدَ كعبٍ حين عَمِ] ، قال : سمعتُ كعبَ بنَ مالك ٍيحدثُ حديثَه ، حين تخلَّفَ عن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في غزوةِ تبوك َ. وساق الحديثَ . وزاد فيه ، على يونس : فكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قلَّما يريد غزوة ًإلا ورَّى بغيرِها . حتى كانت تلك الغزوةُ . ولم يذكر ، في حديثِ ابن أخي الزهريِّ ، أبا خَيثمةَ ولحوقَه بالنبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ .
أن عبد الله بن كعب بن مالك، وكان قائد كعب من بنيه حين عمي، قال : سمعت كعب بن مالك يحدث حين تخلف عن قصة تبوك، قال كعب : لم أتخلف عن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في غزوة غزاها الإ في غزوة تبوك، غير أني كنتُ تخلفت في بدر، ولم يعاتب أحدًا تخلف عنها، إنما خرج رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يريد عير قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ليلة العقبة، حين تواثقنا على الإسلام، وما أحب أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها، كان من خبري : أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر حين تخلفت عنه في تلك الغزاة، والله ما اجتمعت عِندَي قبله راحلتان قط، حتى جمعتهما في تلك الغزوة، ولم يكن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يريد غزوة إلا ورى بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة، غزاها رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في حر شديد، واستقبل سفرا بعيدا، ومفازا وعدوا كثيرا، فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم، فأخبرهم بوجهه الذي يريد، والمسلمون مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كثير، ولا يجمعهم كتاب حافظ، يريد الديوان . قال كعب : فما رجلٌ يريد أن يتغيب إلا ظن أن سيخفى له، ما لم ينزل فيه وحي الله، وغزا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟لك الغزوة حين طابت الثمار والظلال، وتجهز رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والمسلمون معه، فطفقت أغدو لكي أتجهز معهم، فأرجع ولم أقضى شيئا، فأقول في نفسي : أنا قادر عليه، فلم يزل يتمادى بي حتى اشتد بالناس الجد، فأصبح رسول صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والمسلمون معه، ولم أقض من جهازي شيئا، فقُلْت أتجهز بعده بيومَ أو يومَين ثم ألحقهم، فغدوت بعد أن فصلوا لأتجهز، فرجعت ولم أقض شيئا، ثم غدوت، ثم رجعت ولم أقض شيئا، فلم يزل بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو، وهممت أن أرتحل فأدركهم، وليتني فعلت، فلم يقدر لي ذلك، فكنتُ إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فطفت فيهم، أحزنني أني لا أرى إلا رجلًا مغموصا عليه النفاق، أو رجلًا ممن عذر الله من الضعفاء، ولم يذكرني رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتى بلغ تبوك، فقال، وهو جالس في القوم بتبوك : ( ما فعل كعب ) . فقال رجلٌ من بني سلمة : يا رسولَ اللهِ، حبسه برداه، ونظره في عطفيه . فقال مُعاذٍ بن جبل : بئس ما قُلْت، والله يا رسولَ اللهِ ما علمنا عليه الإ خيرا . فسكت رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم . قال كعب بن مالك : فلما بلغني أنه توجه قافلا حضرني همي، وطفقت أتذكر الكذب وأقول : بماذا أخرج من سخطه غدا، واستعنت على ذلك بكل ذي رأي من أهلي، فلما قيل : إن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قد أظل قادما زاح عني الباطل، وعرفت أني لن أخرج منه أبدا بشيء فيه كذب، فأجمعت صدقه، وأصبح رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قادما، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد، فيركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس، قُلْما فعل ذلك جاءه المخلفون، فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلًا، فقبل منهم رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم علانيتهم، وبايعهم واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله، فجئته، فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب، ثم قال : ( تعال ) . فجئت أمشي حتى جلست يديه، فقال لي : ( ما خلفك، ألم تكن قد ابتعت ظهرك ) . فقُلْت : بلى، إني والله - يا رسولَ اللهِ - لو جلست عِندَ غيرك من أهل الدنيا، لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أعطيت جدلا، ولكني والله، لقد علمت لئن حدثتك اليومَ حديث كذب ترضى به عني، ليوشكن الله أن يسخطك علي، ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه، إني لأرجو فيه عفو الله، لا والله، ما كان لي من عذر، والله ما كنتُ قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك . فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك ) . فقمت وثار رجال من بني سلمة فاتبعوني، فقالوا لي : والله ما علمناك كنتُ أذنبت ذنبا قبل هذا، ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بما اعتذر إليه المتخلفون، قد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟ك . فوالله ما زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي، ثم قُلْت لهم : هل لقي هذا معي أُحُدٍ ؟ قالوا : نعم، رجلان قالا مثل ما قُلْت، فقيل لهما مثل ما قيل لك، فقُلْت : من هما ؟ قالوا : مرارة بن الربيع العمري وهلال بن أمية الواقفي، فذكروا لي رجلٌين صالحين، قد شهدا بدرا، فيهما أسوة، فمضيت حين ذكروهما لي، ونهى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه، فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا، حتى تنكرت في نفسي الأرض فما هي التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنتُ أشب القوم وأجلدهم، فكنتُ أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أُحُدٍ، وآتي رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي : هل حرك شفتيه برد السلام علي أم لا ؟ ثم أصلي قريبا منه، فأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إلي، وإذا التفت نحوه أعرض عني، حتى إذا طال علي ذلك من جفوة الناس، مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي وأحب الناس إلي، فسلمت عليه، فوالله ما رد علي السلام، فقُلْت : يا أبا قتادة، أنشدك بالله هل تعلمني أحب الله ورسوله ؟ فسكت، فعدت له فنشدته فسكت، فعدت له فنشدته، فقال : الله ورسوله أعلم، ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار . قال : فبينا أنا أمشي بسوق المدينة، إذا نبطي من أنباط أهل الشأم، ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة، يقول : من يدل على كعب بن مالك، فطفق الناس يشيرون له، حتى إذا جاءني دفع إلي كتابا من ملك غسان، فإذا فيه : أما بعد، فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك . فقُلْت لما قرأتها : وهذا أيضا من البلاء، فتيممت بها التنور فسجرته بها، حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين، إذا رسول رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يأتيني فقال : إن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يأمرك أن تعتزل امرأتك، فقُلْت : أطلقها أم ماذا أفعل ؟ قال : لا، بل اعتزلها ولا تقربها . وأرسل إلى صاحبي مثل ذلك، فقُلْت لامرأتي : الحقي بأهلك، فتكوني عِندَهم حتى يقضي الله في هذا الأمر . قال كعب : فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقالتْ : يا رسولَ اللهِ، إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم ، فهل تكره أن أخدمه ؟ قال : ( لا، ولكن لا يقربك ) . قالتْ : إنه والله ما به حركة إلى شيء، والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومَه هذا . فقال لي بعض أهلي : لو استأذنت رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في امرأتك، كما أذن لامرأة هلال بن أميه أن تخدمه ؟ فقُلْت : والله لا أستأذن فيها رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وما يدريني ما يقول رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا استأذنته فيها، وأنا رجلٌ شاب ؟ فلبثت بعد ذلك عشر ليال، حتى كملت لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن كلامنا، فلما صليت صلاة الفجر صبح خمسين ليلة، وأنا على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله، قد ضاقت علي نفسي، وضاقت علي الأرض بما رحبت، سمعت صوت صارخ، أوفى على جبل سلع، بأعلى صوته : يا كعب بن مالك أبشر، قال : فخررت ساجدا، وعرفت أن قد جاء فرج، وآذن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بتوبة الله علينا حين صلَّى صلاة الفجر، فذهب الناس يبشروننا، وذهب قبل صاحبي مبشرون، وركض إلي رجلٌ فرسا، وسعى ساع من أسلم، فأوفى على الجبل، وكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي، فكسوته إياهما ببشراه، والله ما أملك غيرهما يومَئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما، وانطلقت إلى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فيتلقاني الناس فوجا فوجا، يهونني بالتوبة يقولون : لتهنك توبة الله عليك، قال كعب : حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟الس حوله الناس، فقام إلى طلحةَ بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني، والله ما قام إلي رجلٌ من المهاجرين غيره، ولا أنساها لطلحةَ، قال كعب : فلما سلمت على رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وهو يبرق وجهه من السرور : ( أبشر بخير يومَ مر عليك منذ ولدتك أمك ) . قال : قُلْت : أمن عِندَك يا رسولَ اللهِ، أم من عِندَ الله ؟ قال : ( لا، بل من عِندَ الله ) . وكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا سر استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منه، فلما جلست بين يديه قُلْت : يا رسولَ اللهِ، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسول الله، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك ) . قُلْت : فإني أمسك سهمي الذي بخيبر، فقُلْت : يا رسولَ اللهِ، إن الله إنما نجاني بالصدق، وإن من توبتي أن لا أُحُدٍث إلا صدقا مالقيت . فوالله ما أعلم أحدًا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أحسن مما أبلاني، ما تعمدت منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى يومَي هذا كذبا، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقيت . وأنزل الله على رسوله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار - إلى قوله - وكونوا مع الصادقين . فوالله ما أنعم الله علي من نعمة قط، بعد أن هداني للإسلام، أعظم في نفسي من صدقي لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا، فإن الله قال للذين كذبوا - حين أنزل الوحي - شر ما قال لأُحُدٍ، فقال تبارك وتعالى : سيحلفون بالله لكم إذا انقُلْبتم - إلى قوله - فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين . قال كعب : وكنا تخلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حين حلفوا له، فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أمرنا حتى قضى الله فيه، فبذلك قال الله : وعلى الثلاثة الذين خلفوا . وليس الذي ذكر الله مما خلفنا عن الغزو، إنما هو تخليفه إيانا، وإرجاؤه أمرنا، عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه .
أن عبد الله بن كعب بن مالك، وكان قائد كعب من بنيه حين عمي، قال : سمعت كعب بن مالك يحدث حين تخلف عن قصة تبوك، قال كعب : لم أتخلف عن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في غزوة غزاها الإ في غزوة تبوك، غير أني كنتُ تخلفت في بدر، ولم يعاتب أحدًا تخلف عنها، إنما خرج رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يريد عير قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ليلة العقبة، حين تواثقنا على الإسلام، وما أحب أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها، كان من خبري : أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر حين تخلفت عنه في تلك الغزاة، والله ما اجتمعت عِندَي قبله راحلتان قط، حتى جمعتهما في تلك الغزوة، ولم يكن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يريد غزوة إلا ورى بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة، غزاها رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في حر شديد، واستقبل سفرا بعيدا، ومفازا وعدوا كثيرا، فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم، فأخبرهم بوجهه الذي يريد، والمسلمون مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كثير، ولا يجمعهم كتاب حافظ، يريد الديوان . قال كعب : فما رجلٌ يريد أن يتغيب إلا ظن أن سيخفى له، ما لم ينزل فيه وحي الله، وغزا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟لك الغزوة حين طابت الثمار والظلال، وتجهز رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والمسلمون معه، فطفقت أغدو لكي أتجهز معهم، فأرجع ولم أقضى شيئا، فأقول في نفسي : أنا قادر عليه، فلم يزل يتمادى بي حتى اشتد بالناس الجد، فأصبح رسول صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والمسلمون معه، ولم أقض من جهازي شيئا، فقُلْت أتجهز بعده بيومَ أو يومَين ثم ألحقهم، فغدوت بعد أن فصلوا لأتجهز، فرجعت ولم أقض شيئا، ثم غدوت، ثم رجعت ولم أقض شيئا، فلم يزل بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو، وهممت أن أرتحل فأدركهم، وليتني فعلت، فلم يقدر لي ذلك، فكنتُ إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فطفت فيهم، أحزنني أني لا أرى إلا رجلًا مغموصا عليه النفاق، أو رجلًا ممن عذر الله من الضعفاء، ولم يذكرني رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتى بلغ تبوك، فقال، وهو جالس في القوم بتبوك : ( ما فعل كعب ) . فقال رجلٌ من بني سلمة : يا رسولَ اللهِ، حبسه برداه، ونظره في عطفيه . فقال مُعاذٍ بن جبل : بئس ما قُلْت، والله يا رسولَ اللهِ ما علمنا عليه الإ خيرا . فسكت رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم . قال كعب بن مالك : فلما بلغني أنه توجه قافلا حضرني همي، وطفقت أتذكر الكذب وأقول : بماذا أخرج من سخطه غدا، واستعنت على ذلك بكل ذي رأي من أهلي، فلما قيل : إن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قد أظل قادما زاح عني الباطل، وعرفت أني لن أخرج منه أبدا بشيء فيه كذب، فأجمعت صدقه، وأصبح رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قادما، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد، فيركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس، قُلْما فعل ذلك جاءه المخلفون، فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلًا، فقبل منهم رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم علانيتهم، وبايعهم واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله، فجئته، فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب، ثم قال : ( تعال ) . فجئت أمشي حتى جلست يديه، فقال لي : ( ما خلفك، ألم تكن قد ابتعت ظهرك ) . فقُلْت : بلى، إني والله - يا رسولَ اللهِ - لو جلست عِندَ غيرك من أهل الدنيا، لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أعطيت جدلا، ولكني والله، لقد علمت لئن حدثتك اليومَ حديث كذب ترضى به عني، ليوشكن الله أن يسخطك علي، ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه، إني لأرجو فيه عفو الله، لا والله، ما كان لي من عذر، والله ما كنتُ قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك . فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك ) . فقمت وثار رجال من بني سلمة فاتبعوني، فقالوا لي : والله ما علمناك كنتُ أذنبت ذنبا قبل هذا، ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بما اعتذر إليه المتخلفون، قد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟ك . فوالله ما زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي، ثم قُلْت لهم : هل لقي هذا معي أُحُدٍ ؟ قالوا : نعم، رجلان قالا مثل ما قُلْت، فقيل لهما مثل ما قيل لك، فقُلْت : من هما ؟ قالوا : مرارة بن الربيع العمري وهلال بن أمية الواقفي، فذكروا لي رجلٌين صالحين، قد شهدا بدرا، فيهما أسوة، فمضيت حين ذكروهما لي، ونهى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه، فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا، حتى تنكرت في نفسي الأرض فما هي التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنتُ أشب القوم وأجلدهم، فكنتُ أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أُحُدٍ، وآتي رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي : هل حرك شفتيه برد السلام علي أم لا ؟ ثم أصلي قريبا منه، فأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إلي، وإذا التفت نحوه أعرض عني، حتى إذا طال علي ذلك من جفوة الناس، مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي وأحب الناس إلي، فسلمت عليه، فوالله ما رد علي السلام، فقُلْت : يا أبا قتادة، أنشدك بالله هل تعلمني أحب الله ورسوله ؟ فسكت، فعدت له فنشدته فسكت، فعدت له فنشدته، فقال : الله ورسوله أعلم، ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار . قال : فبينا أنا أمشي بسوق المدينة، إذا نبطي من أنباط أهل الشأم، ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة، يقول : من يدل على كعب بن مالك، فطفق الناس يشيرون له، حتى إذا جاءني دفع إلي كتابا من ملك غسان، فإذا فيه : أما بعد، فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك . فقُلْت لما قرأتها : وهذا أيضا من البلاء، فتيممت بها التنور فسجرته بها، حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين، إذا رسول رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يأتيني فقال : إن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يأمرك أن تعتزل امرأتك، فقُلْت : أطلقها أم ماذا أفعل ؟ قال : لا، بل اعتزلها ولا تقربها . وأرسل إلى صاحبي مثل ذلك، فقُلْت لامرأتي : الحقي بأهلك، فتكوني عِندَهم حتى يقضي الله في هذا الأمر . قال كعب : فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقالتْ : يا رسولَ اللهِ، إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه ؟ قال : ( لا، ولكن لا يقربك ) . قالتْ : إنه والله ما به حركة إلى شيء، والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومَه هذا . فقال لي بعض أهلي : لو استأذنت رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في امرأتك، كما أذن لامرأة هلال بن أميه أن تخدمه ؟ فقُلْت : والله لا أستأذن فيها رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وما يدريني ما يقول رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا استأذنته فيها، وأنا رجلٌ شاب ؟ فلبثت بعد ذلك عشر ليال، حتى كملت لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن كلامنا، فلما صليت صلاة الفجر صبح خمسين ليلة، وأنا على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله، قد ضاقت علي نفسي، وضاقت علي الأرض بما رحبت، سمعت صوت صارخ، أوفى على جبل سلع، بأعلى صوته : يا كعب بن مالك أبشر، قال : فخررت ساجدا، وعرفت أن قد جاء فرج ، وآذن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بتوبة الله علينا حين صلَّى صلاة الفجر، فذهب الناس يبشروننا، وذهب قبل صاحبي مبشرون، وركض إلي رجلٌ فرسا، وسعى ساع من أسلم، فأوفى على الجبل، وكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي، فكسوته إياهما ببشراه، والله ما أملك غيرهما يومَئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما، وانطلقت إلى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فيتلقاني الناس فوجا فوجا، يهونني بالتوبة يقولون : لتهنك توبة الله عليك، قال كعب : حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟الس حوله الناس، فقام إلى طلحةَ بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني، والله ما قام إلي رجلٌ من المهاجرين غيره، ولا أنساها لطلحةَ، قال كعب : فلما سلمت على رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وهو يبرق وجهه من السرور : ( أبشر بخير يومَ مر عليك منذ ولدتك أمك ) . قال : قُلْت : أمن عِندَك يا رسولَ اللهِ، أم من عِندَ الله ؟ قال : ( لا، بل من عِندَ الله ) . وكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا سر استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منه، فلما جلست بين يديه قُلْت : يا رسولَ اللهِ، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسول الله، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك ) . قُلْت : فإني أمسك سهمي الذي بخيبر، فقُلْت : يا رسولَ اللهِ، إن الله إنما نجاني بالصدق، وإن من توبتي أن لا أُحُدٍث إلا صدقا مالقيت . فوالله ما أعلم أحدًا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أحسن مما أبلاني، ما تعمدت منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى يومَي هذا كذبا، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقيت . وأنزل الله على رسوله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار - إلى قوله - وكونوا مع الصادقين . فوالله ما أنعم الله علي من نعمة قط، بعد أن هداني للإسلام، أعظم في نفسي من صدقي لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا، فإن الله قال للذين كذبوا - حين أنزل الوحي - شر ما قال لأُحُدٍ، فقال تبارك وتعالى : سيحلفون بالله لكم إذا انقُلْبتم - إلى قوله - فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين . قال كعب : وكنا تخلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حين حلفوا له، فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أمرنا حتى قضى الله فيه، فبذلك قال الله : وعلى الثلاثة الذين خلفوا . وليس الذي ذكر الله مما خلفنا عن الغزو، إنما هو تخليفه إيانا، وإرجاؤه أمرنا، عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه .
أن عبد الله بن كعب بن مالك، وكان قائد كعب من بنيه حين عمي، قال : سمعت كعب بن مالك يحدث حين تخلف عن قصة تبوك ، قال كعب : لم أتخلف عن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في غزوة غزاها الإ في غزوة تبوك ، غير أني كنتُ تخلفت في بدر، ولم يعاتب أحدًا تخلف عنها، إنما خرج رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يريد عير قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ليلة العقبة، حين تواثقنا على الإسلام، وما أحب أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها، كان من خبري : أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر حين تخلفت عنه في تلك الغزاة، والله ما اجتمعت عِندَي قبله راحلتان قط، حتى جمعتهما في تلك الغزوة، ولم يكن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يريد غزوة إلا ورى بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة، غزاها رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في حر شديد، واستقبل سفرا بعيدا، ومفازا وعدوا كثيرا، فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم، فأخبرهم بوجهه الذي يريد، والمسلمون مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كثير، ولا يجمعهم كتاب حافظ، يريد الديوان . قال كعب : فما رجلٌ يريد أن يتغيب إلا ظن أن سيخفى له، ما لم ينزل فيه وحي الله، وغزا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟لك الغزوة حين طابت الثمار والظلال، وتجهز رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والمسلمون معه، فطفقت أغدو لكي أتجهز معهم، فأرجع ولم أقضى شيئا، فأقول في نفسي : أنا قادر عليه، فلم يزل يتمادى بي حتى اشتد بالناس الجد، فأصبح رسول صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والمسلمون معه، ولم أقض من جهازي شيئا، فقُلْت أتجهز بعده بيومَ أو يومَين ثم ألحقهم، فغدوت بعد أن فصلوا لأتجهز، فرجعت ولم أقض شيئا، ثم غدوت، ثم رجعت ولم أقض شيئا، فلم يزل بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو، وهممت أن أرتحل فأدركهم، وليتني فعلت، فلم يقدر لي ذلك، فكنتُ إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فطفت فيهم، أحزنني أني لا أرى إلا رجلًا مغموصا عليه النفاق، أو رجلًا ممن عذر الله من الضعفاء، ولم يذكرني رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتى بلغ تبوك ، فقال، وهو جالس في القوم بتبوك : ( ما فعل كعب ) . فقال رجلٌ من بني سلمة : يا رسولَ اللهِ، حبسه برداه، ونظره في عطفيه . فقال مُعاذٍ بن جبل : بئس ما قُلْت، والله يا رسولَ اللهِ ما علمنا عليه الإ خيرا . فسكت رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم . قال كعب بن مالك : فلما بلغني أنه توجه قافلا حضرني همي، وطفقت أتذكر الكذب وأقول : بماذا أخرج من سخطه غدا، واستعنت على ذلك بكل ذي رأي من أهلي، فلما قيل : إن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قد أظل قادما زاح عني الباطل، وعرفت أني لن أخرج منه أبدا بشيء فيه كذب، فأجمعت صدقه، وأصبح رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قادما، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد، فيركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس، قُلْما فعل ذلك جاءه المخلفون، فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلًا، فقبل منهم رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم علانيتهم، وبايعهم واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله، فجئته، فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب، ثم قال : ( تعال ) . فجئت أمشي حتى جلست يديه، فقال لي : ( ما خلفك، ألم تكن قد ابتعت ظهرك ) . فقُلْت : بلى، إني والله - يا رسولَ اللهِ - لو جلست عِندَ غيرك من أهل الدنيا، لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أعطيت جدلا، ولكني والله، لقد علمت لئن حدثتك اليومَ حديث كذب ترضى به عني، ليوشكن الله أن يسخطك علي، ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه، إني لأرجو فيه عفو الله، لا والله، ما كان لي من عذر، والله ما كنتُ قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك . فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك ) . فقمت وثار رجال من بني سلمة فاتبعوني، فقالوا لي : والله ما علمناك كنتُ أذنبت ذنبا قبل هذا، ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بما اعتذر إليه المتخلفون، قد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟ك . فوالله ما زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي، ثم قُلْت لهم : هل لقي هذا معي أُحُدٍ ؟ قالوا : نعم، رجلان قالا مثل ما قُلْت، فقيل لهما مثل ما قيل لك، فقُلْت : من هما ؟ قالوا : مرارة بن الربيع العمري وهلال بن أمية الواقفي، فذكروا لي رجلٌين صالحين، قد شهدا بدرا، فيهما أسوة، فمضيت حين ذكروهما لي، ونهى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه، فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا، حتى تنكرت في نفسي الأرض فما هي التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنتُ أشب القوم وأجلدهم، فكنتُ أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أُحُدٍ، وآتي رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي : هل حرك شفتيه برد السلام علي أم لا ؟ ثم أصلي قريبا منه، فأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إلي، وإذا التفت نحوه أعرض عني، حتى إذا طال علي ذلك من جفوة الناس، مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي وأحب الناس إلي، فسلمت عليه، فوالله ما رد علي السلام، فقُلْت : يا أبا قتادة، أنشدك بالله هل تعلمني أحب الله ورسوله ؟ فسكت، فعدت له فنشدته فسكت، فعدت له فنشدته، فقال : الله ورسوله أعلم، ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار . قال : فبينا أنا أمشي بسوق المدينة، إذا نبطي من أنباط أهل الشأم، ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة، يقول : من يدل على كعب بن مالك، فطفق الناس يشيرون له، حتى إذا جاءني دفع إلي كتابا من ملك غسان، فإذا فيه : أما بعد، فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك . فقُلْت لما قرأتها : وهذا أيضا من البلاء، فتيممت بها التنور فسجرته بها، حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين، إذا رسول رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يأتيني فقال : إن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يأمرك أن تعتزل امرأتك، فقُلْت : أطلقها أم ماذا أفعل ؟ قال : لا، بل اعتزلها ولا تقربها . وأرسل إلى صاحبي مثل ذلك، فقُلْت لامرأتي : الحقي بأهلك، فتكوني عِندَهم حتى يقضي الله في هذا الأمر . قال كعب : فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقالتْ : يا رسولَ اللهِ، إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه ؟ قال : ( لا، ولكن لا يقربك ) . قالتْ : إنه والله ما به حركة إلى شيء، والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومَه هذا . فقال لي بعض أهلي : لو استأذنت رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في امرأتك، كما أذن لامرأة هلال بن أميه أن تخدمه ؟ فقُلْت : والله لا أستأذن فيها رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وما يدريني ما يقول رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا استأذنته فيها، وأنا رجلٌ شاب ؟ فلبثت بعد ذلك عشر ليال، حتى كملت لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن كلامنا، فلما صليت صلاة الفجر صبح خمسين ليلة، وأنا على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله، قد ضاقت علي نفسي، وضاقت علي الأرض بما رحبت، سمعت صوت صارخ، أوفى على جبل سلع، بأعلى صوته : يا كعب بن مالك أبشر، قال : فخررت ساجدا، وعرفت أن قد جاء فرج، وآذن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بتوبة الله علينا حين صلَّى صلاة الفجر، فذهب الناس يبشروننا، وذهب قبل صاحبي مبشرون، وركض إلي رجلٌ فرسا، وسعى ساع من أسلم، فأوفى على الجبل، وكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي، فكسوته إياهما ببشراه، والله ما أملك غيرهما يومَئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما، وانطلقت إلى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فيتلقاني الناس فوجا فوجا، يهونني بالتوبة يقولون : لتهنك توبة الله عليك، قال كعب : حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟الس حوله الناس، فقام إلى طلحةَ بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني، والله ما قام إلي رجلٌ من المهاجرين غيره، ولا أنساها لطلحةَ، قال كعب : فلما سلمت على رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وهو يبرق وجهه من السرور : ( أبشر بخير يومَ مر عليك منذ ولدتك أمك ) . قال : قُلْت : أمن عِندَك يا رسولَ اللهِ، أم من عِندَ الله ؟ قال : ( لا، بل من عِندَ الله ) . وكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا سر استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منه، فلما جلست بين يديه قُلْت : يا رسولَ اللهِ، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسول الله، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك ) . قُلْت : فإني أمسك سهمي الذي بخيبر، فقُلْت : يا رسولَ اللهِ، إن الله إنما نجاني بالصدق، وإن من توبتي أن لا أُحُدٍث إلا صدقا مالقيت . فوالله ما أعلم أحدًا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أحسن مما أبلاني، ما تعمدت منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى يومَي هذا كذبا، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقيت . وأنزل الله على رسوله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار - إلى قوله - وكونوا مع الصادقين . فوالله ما أنعم الله علي من نعمة قط، بعد أن هداني للإسلام، أعظم في نفسي من صدقي لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا، فإن الله قال للذين كذبوا - حين أنزل الوحي - شر ما قال لأُحُدٍ، فقال تبارك وتعالى : سيحلفون بالله لكم إذا انقُلْبتم - إلى قوله - فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين . قال كعب : وكنا تخلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حين حلفوا له، فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أمرنا حتى قضى الله فيه، فبذلك قال الله : وعلى الثلاثة الذين خلفوا . وليس الذي ذكر الله مما خلفنا عن الغزو، إنما هو تخليفه إيانا، وإرجاؤه أمرنا، عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه .
أن عبد الله بن كعب بن مالك، وكان قائد كعب من بنيه حين عمي، قال : سمعت كعب بن مالك يحدث حين تخلف عن قصة تبوك، قال كعب : لم أتخلف عن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في غزوة غزاها الإ في غزوة تبوك، غير أني كنتُ تخلفت في بدر، ولم يعاتب أحدًا تخلف عنها، إنما خرج رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يريد عير قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ليلة العقبة، حين تواثقنا على الإسلام، وما أحب أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها، كان من خبري : أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر حين تخلفت عنه في تلك الغزاة، والله ما اجتمعت عِندَي قبله راحلتان قط، حتى جمعتهما في تلك الغزوة، ولم يكن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يريد غزوة إلا ورى بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة، غزاها رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في حر شديد، واستقبل سفرا بعيدا، ومفازا وعدوا كثيرا، فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم، فأخبرهم بوجهه الذي يريد، والمسلمون مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كثير، ولا يجمعهم كتاب حافظ، يريد الديوان . قال كعب : فما رجلٌ يريد أن يتغيب إلا ظن أن سيخفى له، ما لم ينزل فيه وحي الله، وغزا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟لك الغزوة حين طابت الثمار والظلال، وتجهز رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والمسلمون معه، فطفقت أغدو لكي أتجهز معهم، فأرجع ولم أقضى شيئا، فأقول في نفسي : أنا قادر عليه، فلم يزل يتمادى بي حتى اشتد بالناس الجد، فأصبح رسول صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والمسلمون معه، ولم أقض من جهازي شيئا، فقُلْت أتجهز بعده بيومَ أو يومَين ثم ألحقهم، فغدوت بعد أن فصلوا لأتجهز، فرجعت ولم أقض شيئا، ثم غدوت، ثم رجعت ولم أقض شيئا، فلم يزل بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو، وهممت أن أرتحل فأدركهم، وليتني فعلت، فلم يقدر لي ذلك، فكنتُ إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فطفت فيهم، أحزنني أني لا أرى إلا رجلًا مغموصا عليه النفاق، أو رجلًا ممن عذر الله من الضعفاء، ولم يذكرني رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتى بلغ تبوك، فقال، وهو جالس في القوم بتبوك : ( ما فعل كعب ) . فقال رجلٌ من بني سلمة : يا رسولَ اللهِ، حبسه برداه، ونظره في عطفيه . فقال مُعاذٍ بن جبل : بئس ما قُلْت، والله يا رسولَ اللهِ ما علمنا عليه الإ خيرا . فسكت رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم . قال كعب بن مالك : فلما بلغني أنه توجه قافلا حضرني همي، وطفقت أتذكر الكذب وأقول : بماذا أخرج من سخطه غدا، واستعنت على ذلك بكل ذي رأي من أهلي، فلما قيل : إن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قد أظل قادما زاح عني الباطل، وعرفت أني لن أخرج منه أبدا بشيء فيه كذب، فأجمعت صدقه، وأصبح رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قادما، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد، فيركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس، قُلْما فعل ذلك جاءه المخلفون، فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلًا، فقبل منهم رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم علانيتهم، وبايعهم واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله، فجئته، فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب، ثم قال : ( تعال ) . فجئت أمشي حتى جلست يديه، فقال لي : ( ما خلفك، ألم تكن قد ابتعت ظهرك ) . فقُلْت : بلى، إني والله - يا رسولَ اللهِ - لو جلست عِندَ غيرك من أهل الدنيا، لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أعطيت جدلا، ولكني والله، لقد علمت لئن حدثتك اليومَ حديث كذب ترضى به عني، ليوشكن الله أن يسخطك علي، ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه، إني لأرجو فيه عفو الله، لا والله، ما كان لي من عذر، والله ما كنتُ قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك . فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك ) . فقمت وثار رجال من بني سلمة فاتبعوني، فقالوا لي : والله ما علمناك كنتُ أذنبت ذنبا قبل هذا، ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بما اعتذر إليه المتخلفون، قد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟ك . فوالله ما زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي، ثم قُلْت لهم : هل لقي هذا معي أُحُدٍ ؟ قالوا : نعم، رجلان قالا مثل ما قُلْت، فقيل لهما مثل ما قيل لك، فقُلْت : من هما ؟ قالوا : مرارة بن الربيع العمري وهلال بن أمية الواقفي، فذكروا لي رجلٌين صالحين، قد شهدا بدرا، فيهما أسوة، فمضيت حين ذكروهما لي، ونهى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه، فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا، حتى تنكرت في نفسي الأرض فما هي التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنتُ أشب القوم وأجلدهم، فكنتُ أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أُحُدٍ، وآتي رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي : هل حرك شفتيه برد السلام علي أم لا ؟ ثم أصلي قريبا منه، فأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إلي، وإذا التفت نحوه أعرض عني، حتى إذا طال علي ذلك من جفوة الناس، مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي وأحب الناس إلي، فسلمت عليه، فوالله ما رد علي السلام، فقُلْت : يا أبا قتادة، أنشدك بالله هل تعلمني أحب الله ورسوله ؟ فسكت، فعدت له فنشدته فسكت، فعدت له فنشدته، فقال : الله ورسوله أعلم، ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار . قال : فبينا أنا أمشي بسوق المدينة، إذا نبطي من أنباط أهل الشأم، ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة، يقول : من يدل على كعب بن مالك، فطفق الناس يشيرون له، حتى إذا جاءني دفع إلي كتابا من ملك غسان، فإذا فيه : أما بعد، فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك . فقُلْت لما قرأتها : وهذا أيضا من البلاء ، فتيممت بها التنور فسجرته بها، حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين، إذا رسول رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يأتيني فقال : إن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يأمرك أن تعتزل امرأتك، فقُلْت : أطلقها أم ماذا أفعل ؟ قال : لا، بل اعتزلها ولا تقربها . وأرسل إلى صاحبي مثل ذلك، فقُلْت لامرأتي : الحقي بأهلك، فتكوني عِندَهم حتى يقضي الله في هذا الأمر . قال كعب : فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقالتْ : يا رسولَ اللهِ، إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه ؟ قال : ( لا، ولكن لا يقربك ) . قالتْ : إنه والله ما به حركة إلى شيء، والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومَه هذا . فقال لي بعض أهلي : لو استأذنت رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في امرأتك، كما أذن لامرأة هلال بن أميه أن تخدمه ؟ فقُلْت : والله لا أستأذن فيها رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وما يدريني ما يقول رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا استأذنته فيها، وأنا رجلٌ شاب ؟ فلبثت بعد ذلك عشر ليال، حتى كملت لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن كلامنا، فلما صليت صلاة الفجر صبح خمسين ليلة، وأنا على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله، قد ضاقت علي نفسي، وضاقت علي الأرض بما رحبت، سمعت صوت صارخ، أوفى على جبل سلع، بأعلى صوته : يا كعب بن مالك أبشر، قال : فخررت ساجدا، وعرفت أن قد جاء فرج، وآذن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بتوبة الله علينا حين صلَّى صلاة الفجر، فذهب الناس يبشروننا، وذهب قبل صاحبي مبشرون، وركض إلي رجلٌ فرسا، وسعى ساع من أسلم، فأوفى على الجبل، وكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي، فكسوته إياهما ببشراه، والله ما أملك غيرهما يومَئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما، وانطلقت إلى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فيتلقاني الناس فوجا فوجا، يهونني بالتوبة يقولون : لتهنك توبة الله عليك، قال كعب : حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟الس حوله الناس، فقام إلى طلحةَ بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني، والله ما قام إلي رجلٌ من المهاجرين غيره، ولا أنساها لطلحةَ، قال كعب : فلما سلمت على رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وهو يبرق وجهه من السرور : ( أبشر بخير يومَ مر عليك منذ ولدتك أمك ) . قال : قُلْت : أمن عِندَك يا رسولَ اللهِ، أم من عِندَ الله ؟ قال : ( لا، بل من عِندَ الله ) . وكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا سر استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منه، فلما جلست بين يديه قُلْت : يا رسولَ اللهِ، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسول الله، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك ) . قُلْت : فإني أمسك سهمي الذي بخيبر، فقُلْت : يا رسولَ اللهِ، إن الله إنما نجاني بالصدق، وإن من توبتي أن لا أُحُدٍث إلا صدقا مالقيت . فوالله ما أعلم أحدًا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أحسن مما أبلاني، ما تعمدت منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى يومَي هذا كذبا، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقيت . وأنزل الله على رسوله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار - إلى قوله - وكونوا مع الصادقين . فوالله ما أنعم الله علي من نعمة قط، بعد أن هداني للإسلام، أعظم في نفسي من صدقي لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا، فإن الله قال للذين كذبوا - حين أنزل الوحي - شر ما قال لأُحُدٍ، فقال تبارك وتعالى : سيحلفون بالله لكم إذا انقُلْبتم - إلى قوله - فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين . قال كعب : وكنا تخلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حين حلفوا له، فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أمرنا حتى قضى الله فيه، فبذلك قال الله : وعلى الثلاثة الذين خلفوا . وليس الذي ذكر الله مما خلفنا عن الغزو، إنما هو تخليفه إيانا، وإرجاؤه أمرنا، عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه .
أن عبد الله بن كعب بن مالك، وكان قائد كعب من بنيه حين عمي، قال : سمعت كعب بن مالك يحدث حين تخلف عن قصة تبوك، قال كعب : لم أتخلف عن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في غزوة غزاها الإ في غزوة تبوك، غير أني كنتُ تخلفت في بدر، ولم يعاتب أحدًا تخلف عنها، إنما خرج رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يريد عير قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ليلة العقبة، حين تواثقنا على الإسلام، وما أحب أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها، كان من خبري : أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر حين تخلفت عنه في تلك الغزاة، والله ما اجتمعت عِندَي قبله راحلتان قط، حتى جمعتهما في تلك الغزوة، ولم يكن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يريد غزوة إلا ورى بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة، غزاها رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في حر شديد، واستقبل سفرا بعيدا، ومفازا وعدوا كثيرا، فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم، فأخبرهم بوجهه الذي يريد، والمسلمون مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كثير، ولا يجمعهم كتاب حافظ، يريد الديوان . قال كعب : فما رجلٌ يريد أن يتغيب إلا ظن أن سيخفى له، ما لم ينزل فيه وحي الله، وغزا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟لك الغزوة حين طابت الثمار والظلال، وتجهز رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والمسلمون معه، فطفقت أغدو لكي أتجهز معهم، فأرجع ولم أقضى شيئا، فأقول في نفسي : أنا قادر عليه، فلم يزل يتمادى بي حتى اشتد بالناس الجد، فأصبح رسول صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والمسلمون معه، ولم أقض من جهازي شيئا، فقُلْت أتجهز بعده بيومَ أو يومَين ثم ألحقهم، فغدوت بعد أن فصلوا لأتجهز، فرجعت ولم أقض شيئا، ثم غدوت، ثم رجعت ولم أقض شيئا، فلم يزل بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو، وهممت أن أرتحل فأدركهم، وليتني فعلت، فلم يقدر لي ذلك، فكنتُ إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فطفت فيهم، أحزنني أني لا أرى إلا رجلًا مغموصا عليه النفاق، أو رجلًا ممن عذر الله من الضعفاء، ولم يذكرني رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتى بلغ تبوك، فقال، وهو جالس في القوم بتبوك : ( ما فعل كعب ) . فقال رجلٌ من بني سلمة : يا رسولَ اللهِ، حبسه برداه، ونظره في عطفيه . فقال مُعاذٍ بن جبل : بئس ما قُلْت، والله يا رسولَ اللهِ ما علمنا عليه الإ خيرا . فسكت رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم . قال كعب بن مالك : فلما بلغني أنه توجه قافلا حضرني همي، وطفقت أتذكر الكذب وأقول : بماذا أخرج من سخطه غدا، واستعنت على ذلك بكل ذي رأي من أهلي، فلما قيل : إن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قد أظل قادما زاح عني الباطل، وعرفت أني لن أخرج منه أبدا بشيء فيه كذب، فأجمعت صدقه، وأصبح رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قادما، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد، فيركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس، قُلْما فعل ذلك جاءه المخلفون، فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلًا، فقبل منهم رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم علانيتهم، وبايعهم واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله، فجئته، فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب، ثم قال : ( تعال ) . فجئت أمشي حتى جلست يديه، فقال لي : ( ما خلفك، ألم تكن قد ابتعت ظهرك ) . فقُلْت : بلى، إني والله - يا رسولَ اللهِ - لو جلست عِندَ غيرك من أهل الدنيا، لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أعطيت جدلا، ولكني والله، لقد علمت لئن حدثتك اليومَ حديث كذب ترضى به عني، ليوشكن الله أن يسخطك علي، ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه، إني لأرجو فيه عفو الله، لا والله، ما كان لي من عذر، والله ما كنتُ قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك . فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك ) . فقمت وثار رجال من بني سلمة فاتبعوني، فقالوا لي : والله ما علمناك كنتُ أذنبت ذنبا قبل هذا، ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بما اعتذر إليه المتخلفون، قد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟ك . فوالله ما زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي، ثم قُلْت لهم : هل لقي هذا معي أُحُدٍ ؟ قالوا : نعم، رجلان قالا مثل ما قُلْت، فقيل لهما مثل ما قيل لك، فقُلْت : من هما ؟ قالوا : مرارة بن الربيع العمري وهلال بن أمية الواقفي، فذكروا لي رجلٌين صالحين، قد شهدا بدرا، فيهما أسوة، فمضيت حين ذكروهما لي، ونهى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه، فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا، حتى تنكرت في نفسي الأرض فما هي التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنتُ أشب القوم وأجلدهم، فكنتُ أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أُحُدٍ، وآتي رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي : هل حرك شفتيه برد السلام علي أم لا ؟ ثم أصلي قريبا منه، فأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إلي، وإذا التفت نحوه أعرض عني، حتى إذا طال علي ذلك من جفوة الناس، مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي وأحب الناس إلي، فسلمت عليه، فوالله ما رد علي السلام، فقُلْت : يا أبا قتادة، أنشدك بالله هل تعلمني أحب الله ورسوله ؟ فسكت، فعدت له فنشدته فسكت، فعدت له فنشدته، فقال : الله ورسوله أعلم، ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار . قال : فبينا أنا أمشي بسوق المدينة، إذا نبطي من أنباط أهل الشأم، ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة، يقول : من يدل على كعب بن مالك، فطفق الناس يشيرون له، حتى إذا جاءني دفع إلي كتابا من ملك غسان، فإذا فيه : أما بعد، فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك . فقُلْت لما قرأتها : وهذا أيضا من البلاء، فتيممت بها التنور فسجرته بها، حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين، إذا رسول رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يأتيني فقال : إن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يأمرك أن تعتزل امرأتك، فقُلْت : أطلقها أم ماذا أفعل ؟ قال : لا، بل اعتزلها ولا تقربها . وأرسل إلى صاحبي مثل ذلك، فقُلْت لامرأتي : الحقي بأهلك، فتكوني عِندَهم حتى يقضي الله في هذا الأمر . قال كعب : فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقالتْ : يا رسولَ اللهِ، إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه ؟ قال : ( لا، ولكن لا يقربك ) . قالتْ : إنه والله ما به حركة إلى شيء، والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومَه هذا . فقال لي بعض أهلي : لو استأذنت رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في امرأتك، كما أذن لامرأة هلال بن أميه أن تخدمه ؟ فقُلْت : والله لا أستأذن فيها رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وما يدريني ما يقول رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا استأذنته فيها، وأنا رجلٌ شاب ؟ فلبثت بعد ذلك عشر ليال، حتى كملت لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن كلامنا، فلما صليت صلاة الفجر صبح خمسين ليلة، وأنا على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله، قد ضاقت علي نفسي، وضاقت علي الأرض بما رحبت، سمعت صوت صارخ، أوفى على جبل سلع، بأعلى صوته : يا كعب بن مالك أبشر، قال : فخررت ساجدا، وعرفت أن قد جاء فرج، وآذن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بتوبة الله علينا حين صلَّى صلاة الفجر ، فذهب الناس يبشروننا، وذهب قبل صاحبي مبشرون، وركض إلي رجلٌ فرسا، وسعى ساع من أسلم، فأوفى على الجبل، وكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي، فكسوته إياهما ببشراه، والله ما أملك غيرهما يومَئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما، وانطلقت إلى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فيتلقاني الناس فوجا فوجا، يهونني بالتوبة يقولون : لتهنك توبة الله عليك، قال كعب : حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟الس حوله الناس، فقام إلى طلحةَ بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني، والله ما قام إلي رجلٌ من المهاجرين غيره، ولا أنساها لطلحةَ، قال كعب : فلما سلمت على رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وهو يبرق وجهه من السرور : ( أبشر بخير يومَ مر عليك منذ ولدتك أمك ) . قال : قُلْت : أمن عِندَك يا رسولَ اللهِ، أم من عِندَ الله ؟ قال : ( لا، بل من عِندَ الله ) . وكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا سر استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منه، فلما جلست بين يديه قُلْت : يا رسولَ اللهِ، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسول الله، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك ) . قُلْت : فإني أمسك سهمي الذي بخيبر، فقُلْت : يا رسولَ اللهِ، إن الله إنما نجاني بالصدق، وإن من توبتي أن لا أُحُدٍث إلا صدقا مالقيت . فوالله ما أعلم أحدًا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أحسن مما أبلاني، ما تعمدت منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى يومَي هذا كذبا، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقيت . وأنزل الله على رسوله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار - إلى قوله - وكونوا مع الصادقين . فوالله ما أنعم الله علي من نعمة قط، بعد أن هداني للإسلام، أعظم في نفسي من صدقي لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا، فإن الله قال للذين كذبوا - حين أنزل الوحي - شر ما قال لأُحُدٍ، فقال تبارك وتعالى : سيحلفون بالله لكم إذا انقُلْبتم - إلى قوله - فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين . قال كعب : وكنا تخلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حين حلفوا له، فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أمرنا حتى قضى الله فيه، فبذلك قال الله : وعلى الثلاثة الذين خلفوا . وليس الذي ذكر الله مما خلفنا عن الغزو، إنما هو تخليفه إيانا، وإرجاؤه أمرنا، عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه .
أن عبد الله بن كعب بن مالك، وكان قائد كعب من بنيه حين عمي، قال : سمعت كعب بن مالك يحدث حين تخلف عن قصة تبوك، قال كعب : لم أتخلف عن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في غزوة غزاها الإ في غزوة تبوك، غير أني كنتُ تخلفت في بدر، ولم يعاتب أحدًا تخلف عنها، إنما خرج رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يريد عير قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ليلة العقبة، حين تواثقنا على الإسلام، وما أحب أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها، كان من خبري : أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر حين تخلفت عنه في تلك الغزاة، والله ما اجتمعت عِندَي قبله راحلتان قط، حتى جمعتهما في تلك الغزوة، ولم يكن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يريد غزوة إلا ورى بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة، غزاها رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في حر شديد، واستقبل سفرا بعيدا، ومفازا وعدوا كثيرا، فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم، فأخبرهم بوجهه الذي يريد، والمسلمون مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كثير، ولا يجمعهم كتاب حافظ، يريد الديوان . قال كعب : فما رجلٌ يريد أن يتغيب إلا ظن أن سيخفى له، ما لم ينزل فيه وحي الله، وغزا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟لك الغزوة حين طابت الثمار والظلال، وتجهز رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والمسلمون معه، فطفقت أغدو لكي أتجهز معهم، فأرجع ولم أقضى شيئا، فأقول في نفسي : أنا قادر عليه، فلم يزل يتمادى بي حتى اشتد بالناس الجد، فأصبح رسول صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والمسلمون معه، ولم أقض من جهازي شيئا، فقُلْت أتجهز بعده بيومَ أو يومَين ثم ألحقهم، فغدوت بعد أن فصلوا لأتجهز، فرجعت ولم أقض شيئا، ثم غدوت، ثم رجعت ولم أقض شيئا، فلم يزل بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو، وهممت أن أرتحل فأدركهم، وليتني فعلت، فلم يقدر لي ذلك، فكنتُ إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فطفت فيهم، أحزنني أني لا أرى إلا رجلًا مغموصا عليه النفاق، أو رجلًا ممن عذر الله من الضعفاء، ولم يذكرني رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتى بلغ تبوك، فقال، وهو جالس في القوم بتبوك : ( ما فعل كعب ) . فقال رجلٌ من بني سلمة : يا رسولَ اللهِ، حبسه برداه، ونظره في عطفيه . فقال مُعاذٍ بن جبل : بئس ما قُلْت، والله يا رسولَ اللهِ ما علمنا عليه الإ خيرا . فسكت رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم . قال كعب بن مالك : فلما بلغني أنه توجه قافلا حضرني همي، وطفقت أتذكر الكذب وأقول : بماذا أخرج من سخطه غدا، واستعنت على ذلك بكل ذي رأي من أهلي، فلما قيل : إن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قد أظل قادما زاح عني الباطل، وعرفت أني لن أخرج منه أبدا بشيء فيه كذب، فأجمعت صدقه، وأصبح رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قادما، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد، فيركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس، قُلْما فعل ذلك جاءه المخلفون، فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلًا، فقبل منهم رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم علانيتهم، وبايعهم واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله، فجئته، فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب، ثم قال : ( تعال ) . فجئت أمشي حتى جلست يديه، فقال لي : ( ما خلفك، ألم تكن قد ابتعت ظهرك ) . فقُلْت : بلى، إني والله - يا رسولَ اللهِ - لو جلست عِندَ غيرك من أهل الدنيا، لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أعطيت جدلا، ولكني والله، لقد علمت لئن حدثتك اليومَ حديث كذب ترضى به عني، ليوشكن الله أن يسخطك علي، ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه، إني لأرجو فيه عفو الله، لا والله، ما كان لي من عذر، والله ما كنتُ قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك . فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك ) . فقمت وثار رجال من بني سلمة فاتبعوني، فقالوا لي : والله ما علمناك كنتُ أذنبت ذنبا قبل هذا، ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بما اعتذر إليه المتخلفون، قد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟ك . فوالله ما زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي، ثم قُلْت لهم : هل لقي هذا معي أُحُدٍ ؟ قالوا : نعم، رجلان قالا مثل ما قُلْت، فقيل لهما مثل ما قيل لك، فقُلْت : من هما ؟ قالوا : مرارة بن الربيع العمري وهلال بن أمية الواقفي، فذكروا لي رجلٌين صالحين، قد شهدا بدرا، فيهما أسوة، فمضيت حين ذكروهما لي، ونهى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه، فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا، حتى تنكرت في نفسي الأرض فما هي التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنتُ أشب القوم وأجلدهم، فكنتُ أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أُحُدٍ، وآتي رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي : هل حرك شفتيه برد السلام علي أم لا ؟ ثم أصلي قريبا منه، فأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إلي، وإذا التفت نحوه أعرض عني، حتى إذا طال علي ذلك من جفوة الناس، مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي وأحب الناس إلي، فسلمت عليه، فوالله ما رد علي السلام، فقُلْت : يا أبا قتادة، أنشدك بالله هل تعلمني أحب الله ورسوله ؟ فسكت، فعدت له فنشدته فسكت، فعدت له فنشدته، فقال : الله ورسوله أعلم، ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار . قال : فبينا أنا أمشي بسوق المدينة، إذا نبطي من أنباط أهل الشأم، ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة، يقول : من يدل على كعب بن مالك، فطفق الناس يشيرون له، حتى إذا جاءني دفع إلي كتابا من ملك غسان، فإذا فيه : أما بعد، فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك . فقُلْت لما قرأتها : وهذا أيضا من البلاء، فتيممت بها التنور فسجرته بها، حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين، إذا رسول رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يأتيني فقال : إن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يأمرك أن تعتزل امرأتك، فقُلْت : أطلقها أم ماذا أفعل ؟ قال : لا، بل اعتزلها ولا تقربها . وأرسل إلى صاحبي مثل ذلك، فقُلْت لامرأتي : الحقي بأهلك، فتكوني عِندَهم حتى يقضي الله في هذا الأمر . قال كعب : فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقالتْ : يا رسولَ اللهِ، إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه ؟ قال : ( لا، ولكن لا يقربك ) . قالتْ : إنه والله ما به حركة إلى شيء، والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومَه هذا . فقال لي بعض أهلي : لو استأذنت رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في امرأتك، كما أذن لامرأة هلال بن أميه أن تخدمه ؟ فقُلْت : والله لا أستأذن فيها رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وما يدريني ما يقول رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا استأذنته فيها، وأنا رجلٌ شاب ؟ فلبثت بعد ذلك عشر ليال، حتى كملت لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن كلامنا، فلما صليت صلاة الفجر صبح خمسين ليلة، وأنا على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله، قد ضاقت علي نفسي، وضاقت علي الأرض بما رحبت، سمعت صوت صارخ، أوفى على جبل سلع، بأعلى صوته : يا كعب بن مالك أبشر، قال : فخررت ساجدا، وعرفت أن قد جاء فرج، وآذن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بتوبة الله علينا حين صلَّى صلاة الفجر، فذهب الناس يبشروننا، وذهب قبل صاحبي مبشرون، وركض إلي رجلٌ فرسا، وسعى ساع من أسلم، فأوفى على الجبل، وكان الصوت أسرع من الفرس ، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي، فكسوته إياهما ببشراه، والله ما أملك غيرهما يومَئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما، وانطلقت إلى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فيتلقاني الناس فوجا فوجا، يهونني بالتوبة يقولون : لتهنك توبة الله عليك، قال كعب : حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟الس حوله الناس، فقام إلى طلحةَ بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني، والله ما قام إلي رجلٌ من المهاجرين غيره، ولا أنساها لطلحةَ، قال كعب : فلما سلمت على رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وهو يبرق وجهه من السرور : ( أبشر بخير يومَ مر عليك منذ ولدتك أمك ) . قال : قُلْت : أمن عِندَك يا رسولَ اللهِ، أم من عِندَ الله ؟ قال : ( لا، بل من عِندَ الله ) . وكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا سر استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منه، فلما جلست بين يديه قُلْت : يا رسولَ اللهِ، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسول الله، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك ) . قُلْت : فإني أمسك سهمي الذي بخيبر، فقُلْت : يا رسولَ اللهِ، إن الله إنما نجاني بالصدق، وإن من توبتي أن لا أُحُدٍث إلا صدقا مالقيت . فوالله ما أعلم أحدًا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أحسن مما أبلاني، ما تعمدت منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى يومَي هذا كذبا، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقيت . وأنزل الله على رسوله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار - إلى قوله - وكونوا مع الصادقين . فوالله ما أنعم الله علي من نعمة قط، بعد أن هداني للإسلام، أعظم في نفسي من صدقي لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا، فإن الله قال للذين كذبوا - حين أنزل الوحي - شر ما قال لأُحُدٍ، فقال تبارك وتعالى : سيحلفون بالله لكم إذا انقُلْبتم - إلى قوله - فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين . قال كعب : وكنا تخلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حين حلفوا له، فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أمرنا حتى قضى الله فيه، فبذلك قال الله : وعلى الثلاثة الذين خلفوا . وليس الذي ذكر الله مما خلفنا عن الغزو، إنما هو تخليفه إيانا، وإرجاؤه أمرنا، عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه .
أن عبد الله بن كعب بن مالك، وكان قائد كعب من بنيه حين عمي، قال : سمعت كعب بن مالك يحدث حين تخلف عن قصة تبوك، قال كعب : لم أتخلف عن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في غزوة غزاها الإ في غزوة تبوك، غير أني كنتُ تخلفت في بدر، ولم يعاتب أحدًا تخلف عنها، إنما خرج رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يريد عير قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ليلة العقبة، حين تواثقنا على الإسلام، وما أحب أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها، كان من خبري : أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر حين تخلفت عنه في تلك الغزاة، والله ما اجتمعت عِندَي قبله راحلتان قط، حتى جمعتهما في تلك الغزوة، ولم يكن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يريد غزوة إلا ورى بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة، غزاها رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في حر شديد، واستقبل سفرا بعيدا، ومفازا وعدوا كثيرا، فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم، فأخبرهم بوجهه الذي يريد، والمسلمون مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كثير، ولا يجمعهم كتاب حافظ، يريد الديوان . قال كعب : فما رجلٌ يريد أن يتغيب إلا ظن أن سيخفى له، ما لم ينزل فيه وحي الله، وغزا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟لك الغزوة حين طابت الثمار والظلال، وتجهز رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والمسلمون معه، فطفقت أغدو لكي أتجهز معهم، فأرجع ولم أقضى شيئا، فأقول في نفسي : أنا قادر عليه، فلم يزل يتمادى بي حتى اشتد بالناس الجد، فأصبح رسول صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والمسلمون معه، ولم أقض من جهازي شيئا، فقُلْت أتجهز بعده بيومَ أو يومَين ثم ألحقهم، فغدوت بعد أن فصلوا لأتجهز، فرجعت ولم أقض شيئا، ثم غدوت، ثم رجعت ولم أقض شيئا، فلم يزل بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو، وهممت أن أرتحل فأدركهم، وليتني فعلت، فلم يقدر لي ذلك، فكنتُ إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فطفت فيهم، أحزنني أني لا أرى إلا رجلًا مغموصا عليه النفاق، أو رجلًا ممن عذر الله من الضعفاء، ولم يذكرني رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتى بلغ تبوك، فقال، وهو جالس في القوم بتبوك : ( ما فعل كعب ) . فقال رجلٌ من بني سلمة : يا رسولَ اللهِ، حبسه برداه، ونظره في عطفيه . فقال مُعاذٍ بن جبل : بئس ما قُلْت، والله يا رسولَ اللهِ ما علمنا عليه الإ خيرا . فسكت رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم . قال كعب بن مالك : فلما بلغني أنه توجه قافلا حضرني همي، وطفقت أتذكر الكذب وأقول : بماذا أخرج من سخطه غدا، واستعنت على ذلك بكل ذي رأي من أهلي، فلما قيل : إن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قد أظل قادما زاح عني الباطل، وعرفت أني لن أخرج منه أبدا بشيء فيه كذب، فأجمعت صدقه، وأصبح رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قادما، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد، فيركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس، قُلْما فعل ذلك جاءه المخلفون، فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلًا، فقبل منهم رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم علانيتهم، وبايعهم واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله، فجئته، فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب، ثم قال : ( تعال ) . فجئت أمشي حتى جلست يديه، فقال لي : ( ما خلفك، ألم تكن قد ابتعت ظهرك ) . فقُلْت : بلى، إني والله - يا رسولَ اللهِ - لو جلست عِندَ غيرك من أهل الدنيا، لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أعطيت جدلا، ولكني والله، لقد علمت لئن حدثتك اليومَ حديث كذب ترضى به عني، ليوشكن الله أن يسخطك علي، ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه، إني لأرجو فيه عفو الله، لا والله، ما كان لي من عذر، والله ما كنتُ قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك . فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك ) . فقمت وثار رجال من بني سلمة فاتبعوني، فقالوا لي : والله ما علمناك كنتُ أذنبت ذنبا قبل هذا، ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بما اعتذر إليه المتخلفون، قد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟ك . فوالله ما زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي، ثم قُلْت لهم : هل لقي هذا معي أُحُدٍ ؟ قالوا : نعم، رجلان قالا مثل ما قُلْت، فقيل لهما مثل ما قيل لك، فقُلْت : من هما ؟ قالوا : مرارة بن الربيع العمري وهلال بن أمية الواقفي، فذكروا لي رجلٌين صالحين، قد شهدا بدرا، فيهما أسوة، فمضيت حين ذكروهما لي، ونهى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه، فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا، حتى تنكرت في نفسي الأرض فما هي التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنتُ أشب القوم وأجلدهم، فكنتُ أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أُحُدٍ، وآتي رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي : هل حرك شفتيه برد السلام علي أم لا ؟ ثم أصلي قريبا منه، فأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إلي، وإذا التفت نحوه أعرض عني، حتى إذا طال علي ذلك من جفوة الناس، مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي وأحب الناس إلي، فسلمت عليه، فوالله ما رد علي السلام، فقُلْت : يا أبا قتادة، أنشدك بالله هل تعلمني أحب الله ورسوله ؟ فسكت، فعدت له فنشدته فسكت، فعدت له فنشدته، فقال : الله ورسوله أعلم، ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار . قال : فبينا أنا أمشي بسوق المدينة، إذا نبطي من أنباط أهل الشأم، ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة، يقول : من يدل على كعب بن مالك، فطفق الناس يشيرون له، حتى إذا جاءني دفع إلي كتابا من ملك غسان، فإذا فيه : أما بعد، فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك . فقُلْت لما قرأتها : وهذا أيضا من البلاء، فتيممت بها التنور فسجرته بها، حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين، إذا رسول رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يأتيني فقال : إن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يأمرك أن تعتزل امرأتك، فقُلْت : أطلقها أم ماذا أفعل ؟ قال : لا، بل اعتزلها ولا تقربها . وأرسل إلى صاحبي مثل ذلك، فقُلْت لامرأتي : الحقي بأهلك، فتكوني عِندَهم حتى يقضي الله في هذا الأمر . قال كعب : فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقالتْ : يا رسولَ اللهِ، إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه ؟ قال : ( لا، ولكن لا يقربك ) . قالتْ : إنه والله ما به حركة إلى شيء، والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومَه هذا . فقال لي بعض أهلي : لو استأذنت رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في امرأتك، كما أذن لامرأة هلال بن أميه أن تخدمه ؟ فقُلْت : والله لا أستأذن فيها رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وما يدريني ما يقول رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا استأذنته فيها، وأنا رجلٌ شاب ؟ فلبثت بعد ذلك عشر ليال، حتى كملت لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن كلامنا، فلما صليت صلاة الفجر صبح خمسين ليلة، وأنا على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله، قد ضاقت علي نفسي، وضاقت علي الأرض بما رحبت، سمعت صوت صارخ، أوفى على جبل سلع، بأعلى صوته : يا كعب بن مالك أبشر، قال : فخررت ساجدا، وعرفت أن قد جاء فرج، وآذن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بتوبة الله علينا حين صلَّى صلاة الفجر، فذهب الناس يبشروننا، وذهب قبل صاحبي مبشرون، وركض إلي رجلٌ فرسا، وسعى ساع من أسلم، فأوفى على الجبل، وكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي، فكسوته إياهما ببشراه، والله ما أملك غيرهما يومَئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما، وانطلقت إلى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فيتلقاني الناس فوجا فوجا، يهونني بالتوبة يقولون : لتهنك توبة الله عليك، قال كعب : حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟الس حوله الناس، فقام إلى طلحةَ بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني، والله ما قام إلي رجلٌ من المهاجرين غيره، ولا أنساها لطلحةَ، قال كعب : فلما سلمت على رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وهو يبرق وجهه من السرور : ( أبشر بخير يومَ مر عليك منذ ولدتك أمك ) . قال : قُلْت : أمن عِندَك يا رسولَ اللهِ، أم من عِندَ الله ؟ قال : ( لا، بل من عِندَ الله ) . وكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا سر استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منه، فلما جلست بين يديه قُلْت : يا رسولَ اللهِ، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسول الله، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك ) . قُلْت : فإني أمسك سهمي الذي بخيبر، فقُلْت : يا رسولَ اللهِ، إن الله إنما نجاني بالصدق، وإن من توبتي أن لا أُحُدٍث إلا صدقا مالقيت . فوالله ما أعلم أحدًا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أحسن مما أبلاني، ما تعمدت منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى يومَي هذا كذبا، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقيت . وأنزل الله على رسوله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار - إلى قوله - وكونوا مع الصادقين . فوالله ما أنعم الله علي من نعمة قط، بعد أن هداني للإسلام، أعظم في نفسي من صدقي لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا، فإن الله قال للذين كذبوا - حين أنزل الوحي - شر ما قال لأُحُدٍ، فقال تبارك وتعالى : سيحلفون بالله لكم إذا انقُلْبتم - إلى قوله - فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين . قال كعب : وكنا تخلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حين حلفوا له، فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أمرنا حتى قضى الله فيه، فبذلك قال الله : وعلى الثلاثة الذين خلفوا . وليس الذي ذكر الله مما خلفنا عن الغزو، إنما هو تخليفه إيانا، وإرجاؤه أمرنا، عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه .
أن عبد الله بن كعب بن مالك، وكان قائد كعب من بنيه حين عمي، قال : سمعت كعب بن مالك يحدث حين تخلف عن قصة تبوك، قال كعب : لم أتخلف عن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في غزوة غزاها الإ في غزوة تبوك، غير أني كنتُ تخلفت في بدر، ولم يعاتب أحدًا تخلف عنها، إنما خرج رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يريد عير قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ليلة العقبة، حين تواثقنا على الإسلام، وما أحب أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها، كان من خبري : أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر حين تخلفت عنه في تلك الغزاة، والله ما اجتمعت عِندَي قبله راحلتان قط، حتى جمعتهما في تلك الغزوة، ولم يكن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يريد غزوة إلا ورى بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة، غزاها رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في حر شديد، واستقبل سفرا بعيدا، ومفازا وعدوا كثيرا، فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم، فأخبرهم بوجهه الذي يريد، والمسلمون مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كثير، ولا يجمعهم كتاب حافظ، يريد الديوان . قال كعب : فما رجلٌ يريد أن يتغيب إلا ظن أن سيخفى له، ما لم ينزل فيه وحي الله ، وغزا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟لك الغزوة حين طابت الثمار والظلال، وتجهز رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والمسلمون معه، فطفقت أغدو لكي أتجهز معهم، فأرجع ولم أقضى شيئا، فأقول في نفسي : أنا قادر عليه، فلم يزل يتمادى بي حتى اشتد بالناس الجد، فأصبح رسول صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والمسلمون معه، ولم أقض من جهازي شيئا، فقُلْت أتجهز بعده بيومَ أو يومَين ثم ألحقهم، فغدوت بعد أن فصلوا لأتجهز، فرجعت ولم أقض شيئا، ثم غدوت، ثم رجعت ولم أقض شيئا، فلم يزل بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو، وهممت أن أرتحل فأدركهم، وليتني فعلت، فلم يقدر لي ذلك، فكنتُ إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فطفت فيهم، أحزنني أني لا أرى إلا رجلًا مغموصا عليه النفاق، أو رجلًا ممن عذر الله من الضعفاء، ولم يذكرني رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتى بلغ تبوك، فقال، وهو جالس في القوم بتبوك : ( ما فعل كعب ) . فقال رجلٌ من بني سلمة : يا رسولَ اللهِ ، حبسه برداه، ونظره في عطفيه . فقال مُعاذٍ بن جبل : بئس ما قُلْت، والله يا رسولَ اللهِ ما علمنا عليه الإ خيرا . فسكت رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم . قال كعب بن مالك : فلما بلغني أنه توجه قافلا حضرني همي، وطفقت أتذكر الكذب وأقول : بماذا أخرج من سخطه غدا، واستعنت على ذلك بكل ذي رأي من أهلي، فلما قيل : إن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قد أظل قادما زاح عني الباطل، وعرفت أني لن أخرج منه أبدا بشيء فيه كذب، فأجمعت صدقه، وأصبح رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قادما، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد، فيركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس، قُلْما فعل ذلك جاءه المخلفون، فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلًا، فقبل منهم رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم علانيتهم، وبايعهم واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله ، فجئته، فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب، ثم قال : ( تعال ) . فجئت أمشي حتى جلست يديه، فقال لي : ( ما خلفك، ألم تكن قد ابتعت ظهرك ) . فقُلْت : بلى، إني والله - يا رسولَ اللهِ - لو جلست عِندَ غيرك من أهل الدنيا، لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أعطيت جدلا، ولكني والله، لقد علمت لئن حدثتك اليومَ حديث كذب ترضى به عني، ليوشكن الله أن يسخطك علي، ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه، إني لأرجو فيه عفو الله ، لا والله، ما كان لي من عذر، والله ما كنتُ قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك . فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك ) . فقمت وثار رجال من بني سلمة فاتبعوني، فقالوا لي : والله ما علمناك كنتُ أذنبت ذنبا قبل هذا، ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بما اعتذر إليه المتخلفون، قد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟ك . فوالله ما زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي، ثم قُلْت لهم : هل لقي هذا معي أُحُدٍ ؟ قالوا : نعم، رجلان قالا مثل ما قُلْت، فقيل لهما مثل ما قيل لك، فقُلْت : من هما ؟ قالوا : مرارة بن الربيع العمري وهلال بن أمية الواقفي، فذكروا لي رجلٌين صالحين، قد شهدا بدرا، فيهما أسوة، فمضيت حين ذكروهما لي، ونهى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه، فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا، حتى تنكرت في نفسي الأرض فما هي التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنتُ أشب القوم وأجلدهم، فكنتُ أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أُحُدٍ، وآتي رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي : هل حرك شفتيه برد السلام علي أم لا ؟ ثم أصلي قريبا منه، فأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إلي، وإذا التفت نحوه أعرض عني، حتى إذا طال علي ذلك من جفوة الناس، مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي وأحب الناس إلي، فسلمت عليه، فوالله ما رد علي السلام، فقُلْت : يا أبا قتادة، أنشدك بالله هل تعلمني أحب الله ورسوله ؟ فسكت، فعدت له فنشدته فسكت، فعدت له فنشدته، فقال : الله ورسوله أعلم، ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار . قال : فبينا أنا أمشي بسوق المدينة، إذا نبطي من أنباط أهل الشأم، ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة، يقول : من يدل على كعب بن مالك، فطفق الناس يشيرون له، حتى إذا جاءني دفع إلي كتابا من ملك غسان، فإذا فيه : أما بعد، فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك . فقُلْت لما قرأتها : وهذا أيضا من البلاء، فتيممت بها التنور فسجرته بها، حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين، إذا رسول رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يأتيني فقال : إن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يأمرك أن تعتزل امرأتك، فقُلْت : أطلقها أم ماذا أفعل ؟ قال : لا، بل اعتزلها ولا تقربها . وأرسل إلى صاحبي مثل ذلك، فقُلْت لامرأتي : الحقي بأهلك، فتكوني عِندَهم حتى يقضي الله في هذا الأمر . قال كعب : فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقالتْ : يا رسولَ اللهِ ، إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه ؟ قال : ( لا، ولكن لا يقربك ) . قالتْ : إنه والله ما به حركة إلى شيء، والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومَه هذا . فقال لي بعض أهلي : لو استأذنت رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في امرأتك، كما أذن لامرأة هلال بن أميه أن تخدمه ؟ فقُلْت : والله لا أستأذن فيها رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وما يدريني ما يقول رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا استأذنته فيها، وأنا رجلٌ شاب ؟ فلبثت بعد ذلك عشر ليال، حتى كملت لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن كلامنا، فلما صليت صلاة الفجر صبح خمسين ليلة، وأنا على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله ، قد ضاقت علي نفسي، وضاقت علي الأرض بما رحبت، سمعت صوت صارخ، أوفى على جبل سلع، بأعلى صوته : يا كعب بن مالك أبشر، قال : فخررت ساجدا، وعرفت أن قد جاء فرج، وآذن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بتوبة الله علينا حين صلَّى صلاة الفجر، فذهب الناس يبشروننا، وذهب قبل صاحبي مبشرون، وركض إلي رجلٌ فرسا، وسعى ساع من أسلم، فأوفى على الجبل، وكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي، فكسوته إياهما ببشراه، والله ما أملك غيرهما يومَئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما، وانطلقت إلى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فيتلقاني الناس فوجا فوجا، يهونني بالتوبة يقولون : لتهنك توبة الله عليك، قال كعب : حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟الس حوله الناس، فقام إلى طلحةَ بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني، والله ما قام إلي رجلٌ من المهاجرين غيره، ولا أنساها لطلحةَ، قال كعب : فلما سلمت على رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وهو يبرق وجهه من السرور : ( أبشر بخير يومَ مر عليك منذ ولدتك أمك ) . قال : قُلْت : أمن عِندَك يا رسولَ اللهِ ، أم من عِندَ الله ؟ قال : ( لا، بل من عِندَ الله ) . وكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا سر استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منه، فلما جلست بين يديه قُلْت : يا رسولَ اللهِ ، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسول الله ، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك ) . قُلْت : فإني أمسك سهمي الذي بخيبر، فقُلْت : يا رسولَ اللهِ ، إن الله إنما نجاني بالصدق، وإن من توبتي أن لا أُحُدٍث إلا صدقا مالقيت . فوالله ما أعلم أحدًا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أحسن مما أبلاني، ما تعمدت منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى يومَي هذا كذبا، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقيت . وأنزل الله على رسوله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار - إلى قوله - وكونوا مع الصادقين . فوالله ما أنعم الله علي من نعمة قط، بعد أن هداني للإسلام، أعظم في نفسي من صدقي لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا، فإن الله قال للذين كذبوا - حين أنزل الوحي - شر ما قال لأُحُدٍ، فقال تبارك وتعالى : سيحلفون بالله لكم إذا انقُلْبتم - إلى قوله - فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين . قال كعب : وكنا تخلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حين حلفوا له، فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أمرنا حتى قضى الله فيه، فبذلك قال الله : وعلى الثلاثة الذين خلفوا . وليس الذي ذكر الله مما خلفنا عن الغزو، إنما هو تخليفه إيانا، وإرجاؤه أمرنا، عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه .
أن عبد الله بن كعب بن مالك، وكان قائد كعب من بنيه حين عمي، قال : سمعت كعب بن مالك يحدث حين تخلف عن قصة تبوك، قال كعب : لم أتخلف عن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في غزوة غزاها الإ في غزوة تبوك، غير أني كنتُ تخلفت في بدر، ولم يعاتب أحدًا تخلف عنها، إنما خرج رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يريد عير قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ليلة العقبة، حين تواثقنا على الإسلام، وما أحب أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها، كان من خبري : أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر حين تخلفت عنه في تلك الغزاة، والله ما اجتمعت عِندَي قبله راحلتان قط، حتى جمعتهما في تلك الغزوة، ولم يكن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يريد غزوة إلا ورى بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة، غزاها رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في حر شديد، واستقبل سفرا بعيدا، ومفازا وعدوا كثيرا، فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم، فأخبرهم بوجهه الذي يريد، والمسلمون مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كثير، ولا يجمعهم كتاب حافظ، يريد الديوان . قال كعب : فما رجلٌ يريد أن يتغيب إلا ظن أن سيخفى له، ما لم ينزل فيه وحي الله، وغزا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟لك الغزوة حين طابت الثمار والظلال، وتجهز رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والمسلمون معه، فطفقت أغدو لكي أتجهز معهم، فأرجع ولم أقضى شيئا، فأقول في نفسي : أنا قادر عليه، فلم يزل يتمادى بي حتى اشتد بالناس الجد، فأصبح رسول صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والمسلمون معه، ولم أقض من جهازي شيئا، فقُلْت أتجهز بعده بيومَ أو يومَين ثم ألحقهم، فغدوت بعد أن فصلوا لأتجهز، فرجعت ولم أقض شيئا، ثم غدوت، ثم رجعت ولم أقض شيئا، فلم يزل بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو، وهممت أن أرتحل فأدركهم، وليتني فعلت، فلم يقدر لي ذلك، فكنتُ إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فطفت فيهم، أحزنني أني لا أرى إلا رجلًا مغموصا عليه النفاق، أو رجلًا ممن عذر الله من الضعفاء، ولم يذكرني رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتى بلغ تبوك، فقال، وهو جالس في القوم بتبوك : ( ما فعل كعب ) . فقال رجلٌ من بني سلمة : يا رسولَ اللهِ، حبسه برداه، ونظره في عطفيه . فقال مُعاذٍ بن جبل : بئس ما قُلْت، والله يا رسولَ اللهِ ما علمنا عليه الإ خيرا . فسكت رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم . قال كعب بن مالك : فلما بلغني أنه توجه قافلا حضرني همي، وطفقت أتذكر الكذب وأقول : بماذا أخرج من سخطه غدا، واستعنت على ذلك بكل ذي رأي من أهلي، فلما قيل : إن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قد أظل قادما زاح عني الباطل، وعرفت أني لن أخرج منه أبدا بشيء فيه كذب، فأجمعت صدقه، وأصبح رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قادما، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد، فيركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس، قُلْما فعل ذلك جاءه المخلفون، فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلًا، فقبل منهم رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم علانيتهم، وبايعهم واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله، فجئته، فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب، ثم قال : ( تعال ) . فجئت أمشي حتى جلست يديه، فقال لي : ( ما خلفك، ألم تكن قد ابتعت ظهرك ) . فقُلْت : بلى، إني والله - يا رسولَ اللهِ - لو جلست عِندَ غيرك من أهل الدنيا، لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أعطيت جدلا، ولكني والله، لقد علمت لئن حدثتك اليومَ حديث كذب ترضى به عني، ليوشكن الله أن يسخطك علي، ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه، إني لأرجو فيه عفو الله، لا والله، ما كان لي من عذر، والله ما كنتُ قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك . فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك ) . فقمت وثار رجال من بني سلمة فاتبعوني، فقالوا لي : والله ما علمناك كنتُ أذنبت ذنبا قبل هذا، ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بما اعتذر إليه المتخلفون، قد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟ك . فوالله ما زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي، ثم قُلْت لهم : هل لقي هذا معي أُحُدٍ ؟ قالوا : نعم، رجلان قالا مثل ما قُلْت، فقيل لهما مثل ما قيل لك، فقُلْت : من هما ؟ قالوا : مرارة بن الربيع العمري وهلال بن أمية الواقفي، فذكروا لي رجلٌين صالحين، قد شهدا بدرا، فيهما أسوة، فمضيت حين ذكروهما لي، ونهى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه، فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا، حتى تنكرت في نفسي الأرض فما هي التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنتُ أشب القوم وأجلدهم، فكنتُ أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أُحُدٍ، وآتي رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي : هل حرك شفتيه برد السلام علي أم لا ؟ ثم أصلي قريبا منه، فأسارقه النظر ، فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إلي، وإذا التفت نحوه أعرض عني، حتى إذا طال علي ذلك من جفوة الناس، مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي وأحب الناس إلي، فسلمت عليه، فوالله ما رد علي السلام، فقُلْت : يا أبا قتادة، أنشدك بالله هل تعلمني أحب الله ورسوله ؟ فسكت، فعدت له فنشدته فسكت، فعدت له فنشدته، فقال : الله ورسوله أعلم، ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار . قال : فبينا أنا أمشي بسوق المدينة، إذا نبطي من أنباط أهل الشأم، ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة، يقول : من يدل على كعب بن مالك، فطفق الناس يشيرون له، حتى إذا جاءني دفع إلي كتابا من ملك غسان، فإذا فيه : أما بعد، فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك . فقُلْت لما قرأتها : وهذا أيضا من البلاء، فتيممت بها التنور فسجرته بها، حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين، إذا رسول رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يأتيني فقال : إن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يأمرك أن تعتزل امرأتك، فقُلْت : أطلقها أم ماذا أفعل ؟ قال : لا، بل اعتزلها ولا تقربها . وأرسل إلى صاحبي مثل ذلك، فقُلْت لامرأتي : الحقي بأهلك، فتكوني عِندَهم حتى يقضي الله في هذا الأمر . قال كعب : فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقالتْ : يا رسولَ اللهِ، إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه ؟ قال : ( لا، ولكن لا يقربك ) . قالتْ : إنه والله ما به حركة إلى شيء، والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومَه هذا . فقال لي بعض أهلي : لو استأذنت رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في امرأتك، كما أذن لامرأة هلال بن أميه أن تخدمه ؟ فقُلْت : والله لا أستأذن فيها رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وما يدريني ما يقول رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا استأذنته فيها، وأنا رجلٌ شاب ؟ فلبثت بعد ذلك عشر ليال، حتى كملت لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن كلامنا، فلما صليت صلاة الفجر صبح خمسين ليلة، وأنا على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله، قد ضاقت علي نفسي، وضاقت علي الأرض بما رحبت، سمعت صوت صارخ، أوفى على جبل سلع، بأعلى صوته : يا كعب بن مالك أبشر، قال : فخررت ساجدا، وعرفت أن قد جاء فرج، وآذن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بتوبة الله علينا حين صلَّى صلاة الفجر، فذهب الناس يبشروننا، وذهب قبل صاحبي مبشرون، وركض إلي رجلٌ فرسا، وسعى ساع من أسلم، فأوفى على الجبل، وكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي، فكسوته إياهما ببشراه، والله ما أملك غيرهما يومَئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما، وانطلقت إلى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فيتلقاني الناس فوجا فوجا، يهونني بالتوبة يقولون : لتهنك توبة الله عليك، قال كعب : حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟الس حوله الناس، فقام إلى طلحةَ بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني، والله ما قام إلي رجلٌ من المهاجرين غيره، ولا أنساها لطلحةَ، قال كعب : فلما سلمت على رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وهو يبرق وجهه من السرور : ( أبشر بخير يومَ مر عليك منذ ولدتك أمك ) . قال : قُلْت : أمن عِندَك يا رسولَ اللهِ، أم من عِندَ الله ؟ قال : ( لا، بل من عِندَ الله ) . وكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا سر استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منه، فلما جلست بين يديه قُلْت : يا رسولَ اللهِ، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسول الله، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك ) . قُلْت : فإني أمسك سهمي الذي بخيبر، فقُلْت : يا رسولَ اللهِ، إن الله إنما نجاني بالصدق، وإن من توبتي أن لا أُحُدٍث إلا صدقا مالقيت . فوالله ما أعلم أحدًا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أحسن مما أبلاني، ما تعمدت منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى يومَي هذا كذبا، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقيت . وأنزل الله على رسوله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار - إلى قوله - وكونوا مع الصادقين . فوالله ما أنعم الله علي من نعمة قط، بعد أن هداني للإسلام، أعظم في نفسي من صدقي لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا، فإن الله قال للذين كذبوا - حين أنزل الوحي - شر ما قال لأُحُدٍ، فقال تبارك وتعالى : سيحلفون بالله لكم إذا انقُلْبتم - إلى قوله - فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين . قال كعب : وكنا تخلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حين حلفوا له، فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أمرنا حتى قضى الله فيه، فبذلك قال الله : وعلى الثلاثة الذين خلفوا . وليس الذي ذكر الله مما خلفنا عن الغزو، إنما هو تخليفه إيانا، وإرجاؤه أمرنا، عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه .
أن عبد الله بن كعب بن مالك، وكان قائد كعب من بنيه حين عمي، قال : سمعت كعب بن مالك يحدث حين تخلف عن قصة تبوك، قال كعب : لم أتخلف عن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في غزوة غزاها الإ في غزوة تبوك، غير أني كنتُ تخلفت في بدر، ولم يعاتب أحدًا تخلف عنها، إنما خرج رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يريد عير قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ليلة العقبة، حين تواثقنا على الإسلام، وما أحب أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها، كان من خبري : أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر حين تخلفت عنه في تلك الغزاة، والله ما اجتمعت عِندَي قبله راحلتان قط، حتى جمعتهما في تلك الغزوة، ولم يكن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يريد غزوة إلا ورى بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة، غزاها رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في حر شديد، واستقبل سفرا بعيدا، ومفازا وعدوا كثيرا، فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم، فأخبرهم بوجهه الذي يريد، والمسلمون مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كثير، ولا يجمعهم كتاب حافظ، يريد الديوان . قال كعب : فما رجلٌ يريد أن يتغيب إلا ظن أن سيخفى له، ما لم ينزل فيه وحي الله، وغزا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟لك الغزوة حين طابت الثمار والظلال، وتجهز رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والمسلمون معه، فطفقت أغدو لكي أتجهز معهم، فأرجع ولم أقضى شيئا، فأقول في نفسي : أنا قادر عليه، فلم يزل يتمادى بي حتى اشتد بالناس الجد، فأصبح رسول صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والمسلمون معه، ولم أقض من جهازي شيئا، فقُلْت أتجهز بعده بيومَ أو يومَين ثم ألحقهم، فغدوت بعد أن فصلوا لأتجهز، فرجعت ولم أقض شيئا، ثم غدوت، ثم رجعت ولم أقض شيئا، فلم يزل بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو، وهممت أن أرتحل فأدركهم، وليتني فعلت، فلم يقدر لي ذلك، فكنتُ إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فطفت فيهم، أحزنني أني لا أرى إلا رجلًا مغموصا عليه النفاق، أو رجلًا ممن عذر الله من الضعفاء، ولم يذكرني رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتى بلغ تبوك، فقال، وهو جالس في القوم بتبوك : ( ما فعل كعب ) . فقال رجلٌ من بني سلمة : يا رسولَ اللهِ، حبسه برداه، ونظره في عطفيه . فقال مُعاذٍ بن جبل : بئس ما قُلْت، والله يا رسولَ اللهِ ما علمنا عليه الإ خيرا . فسكت رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم . قال كعب بن مالك : فلما بلغني أنه توجه قافلا حضرني همي، وطفقت أتذكر الكذب وأقول : بماذا أخرج من سخطه غدا، واستعنت على ذلك بكل ذي رأي من أهلي، فلما قيل : إن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قد أظل قادما زاح عني الباطل ، وعرفت أني لن أخرج منه أبدا بشيء فيه كذب، فأجمعت صدقه، وأصبح رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قادما، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد، فيركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس، قُلْما فعل ذلك جاءه المخلفون، فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلًا، فقبل منهم رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم علانيتهم، وبايعهم واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله، فجئته، فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب، ثم قال : ( تعال ) . فجئت أمشي حتى جلست يديه، فقال لي : ( ما خلفك، ألم تكن قد ابتعت ظهرك ) . فقُلْت : بلى، إني والله - يا رسولَ اللهِ - لو جلست عِندَ غيرك من أهل الدنيا، لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أعطيت جدلا، ولكني والله، لقد علمت لئن حدثتك اليومَ حديث كذب ترضى به عني، ليوشكن الله أن يسخطك علي، ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه، إني لأرجو فيه عفو الله، لا والله، ما كان لي من عذر، والله ما كنتُ قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك . فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك ) . فقمت وثار رجال من بني سلمة فاتبعوني، فقالوا لي : والله ما علمناك كنتُ أذنبت ذنبا قبل هذا، ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بما اعتذر إليه المتخلفون، قد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟ك . فوالله ما زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي، ثم قُلْت لهم : هل لقي هذا معي أُحُدٍ ؟ قالوا : نعم، رجلان قالا مثل ما قُلْت، فقيل لهما مثل ما قيل لك، فقُلْت : من هما ؟ قالوا : مرارة بن الربيع العمري وهلال بن أمية الواقفي، فذكروا لي رجلٌين صالحين، قد شهدا بدرا، فيهما أسوة، فمضيت حين ذكروهما لي، ونهى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه، فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا، حتى تنكرت في نفسي الأرض فما هي التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنتُ أشب القوم وأجلدهم، فكنتُ أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أُحُدٍ، وآتي رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي : هل حرك شفتيه برد السلام علي أم لا ؟ ثم أصلي قريبا منه، فأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إلي، وإذا التفت نحوه أعرض عني، حتى إذا طال علي ذلك من جفوة الناس، مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي وأحب الناس إلي، فسلمت عليه، فوالله ما رد علي السلام، فقُلْت : يا أبا قتادة، أنشدك بالله هل تعلمني أحب الله ورسوله ؟ فسكت، فعدت له فنشدته فسكت، فعدت له فنشدته، فقال : الله ورسوله أعلم، ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار . قال : فبينا أنا أمشي بسوق المدينة، إذا نبطي من أنباط أهل الشأم، ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة، يقول : من يدل على كعب بن مالك، فطفق الناس يشيرون له، حتى إذا جاءني دفع إلي كتابا من ملك غسان، فإذا فيه : أما بعد، فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك . فقُلْت لما قرأتها : وهذا أيضا من البلاء، فتيممت بها التنور فسجرته بها، حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين، إذا رسول رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يأتيني فقال : إن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يأمرك أن تعتزل امرأتك، فقُلْت : أطلقها أم ماذا أفعل ؟ قال : لا، بل اعتزلها ولا تقربها . وأرسل إلى صاحبي مثل ذلك، فقُلْت لامرأتي : الحقي بأهلك، فتكوني عِندَهم حتى يقضي الله في هذا الأمر . قال كعب : فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقالتْ : يا رسولَ اللهِ، إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه ؟ قال : ( لا، ولكن لا يقربك ) . قالتْ : إنه والله ما به حركة إلى شيء، والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومَه هذا . فقال لي بعض أهلي : لو استأذنت رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في امرأتك، كما أذن لامرأة هلال بن أميه أن تخدمه ؟ فقُلْت : والله لا أستأذن فيها رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وما يدريني ما يقول رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا استأذنته فيها، وأنا رجلٌ شاب ؟ فلبثت بعد ذلك عشر ليال، حتى كملت لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن كلامنا، فلما صليت صلاة الفجر صبح خمسين ليلة، وأنا على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله، قد ضاقت علي نفسي، وضاقت علي الأرض بما رحبت، سمعت صوت صارخ، أوفى على جبل سلع، بأعلى صوته : يا كعب بن مالك أبشر، قال : فخررت ساجدا، وعرفت أن قد جاء فرج، وآذن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بتوبة الله علينا حين صلَّى صلاة الفجر، فذهب الناس يبشروننا، وذهب قبل صاحبي مبشرون، وركض إلي رجلٌ فرسا، وسعى ساع من أسلم، فأوفى على الجبل، وكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي، فكسوته إياهما ببشراه، والله ما أملك غيرهما يومَئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما، وانطلقت إلى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فيتلقاني الناس فوجا فوجا، يهونني بالتوبة يقولون : لتهنك توبة الله عليك، قال كعب : حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟الس حوله الناس، فقام إلى طلحةَ بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني، والله ما قام إلي رجلٌ من المهاجرين غيره، ولا أنساها لطلحةَ، قال كعب : فلما سلمت على رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وهو يبرق وجهه من السرور : ( أبشر بخير يومَ مر عليك منذ ولدتك أمك ) . قال : قُلْت : أمن عِندَك يا رسولَ اللهِ، أم من عِندَ الله ؟ قال : ( لا، بل من عِندَ الله ) . وكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا سر استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منه، فلما جلست بين يديه قُلْت : يا رسولَ اللهِ، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسول الله، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك ) . قُلْت : فإني أمسك سهمي الذي بخيبر، فقُلْت : يا رسولَ اللهِ، إن الله إنما نجاني بالصدق، وإن من توبتي أن لا أُحُدٍث إلا صدقا مالقيت . فوالله ما أعلم أحدًا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أحسن مما أبلاني، ما تعمدت منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى يومَي هذا كذبا، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقيت . وأنزل الله على رسوله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار - إلى قوله - وكونوا مع الصادقين . فوالله ما أنعم الله علي من نعمة قط، بعد أن هداني للإسلام، أعظم في نفسي من صدقي لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا، فإن الله قال للذين كذبوا - حين أنزل الوحي - شر ما قال لأُحُدٍ، فقال تبارك وتعالى : سيحلفون بالله لكم إذا انقُلْبتم - إلى قوله - فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين . قال كعب : وكنا تخلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حين حلفوا له، فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أمرنا حتى قضى الله فيه، فبذلك قال الله : وعلى الثلاثة الذين خلفوا . وليس الذي ذكر الله مما خلفنا عن الغزو، إنما هو تخليفه إيانا، وإرجاؤه أمرنا، عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه .
أن عبد الله بن كعب بن مالك، وكان قائد كعب من بنيه حين عمي، قال : سمعت كعب بن مالك يحدث حين تخلف عن قصة تبوك، قال كعب : لم أتخلف عن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في غزوة غزاها الإ في غزوة تبوك، غير أني كنتُ تخلفت في بدر، ولم يعاتب أحدًا تخلف عنها، إنما خرج رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يريد عير قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ليلة العقبة، حين تواثقنا على الإسلام، وما أحب أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها، كان من خبري : أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر حين تخلفت عنه في تلك الغزاة، والله ما اجتمعت عِندَي قبله راحلتان قط، حتى جمعتهما في تلك الغزوة، ولم يكن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يريد غزوة إلا ورى بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة، غزاها رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في حر شديد، واستقبل سفرا بعيدا، ومفازا وعدوا كثيرا، فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم، فأخبرهم بوجهه الذي يريد، والمسلمون مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كثير، ولا يجمعهم كتاب حافظ، يريد الديوان . قال كعب : فما رجلٌ يريد أن يتغيب إلا ظن أن سيخفى له، ما لم ينزل فيه وحي الله، وغزا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟لك الغزوة حين طابت الثمار والظلال، وتجهز رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والمسلمون معه، فطفقت أغدو لكي أتجهز معهم، فأرجع ولم أقضى شيئا، فأقول في نفسي : أنا قادر عليه، فلم يزل يتمادى بي حتى اشتد بالناس الجد، فأصبح رسول صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والمسلمون معه، ولم أقض من جهازي شيئا، فقُلْت أتجهز بعده بيومَ أو يومَين ثم ألحقهم، فغدوت بعد أن فصلوا لأتجهز، فرجعت ولم أقض شيئا، ثم غدوت، ثم رجعت ولم أقض شيئا، فلم يزل بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو، وهممت أن أرتحل فأدركهم، وليتني فعلت، فلم يقدر لي ذلك، فكنتُ إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فطفت فيهم، أحزنني أني لا أرى إلا رجلًا مغموصا عليه النفاق، أو رجلًا ممن عذر الله من الضعفاء، ولم يذكرني رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتى بلغ تبوك، فقال، وهو جالس في القوم بتبوك : ( ما فعل كعب ) . فقال رجلٌ من بني سلمة : يا رسولَ اللهِ، حبسه برداه، ونظره في عطفيه . فقال مُعاذٍ بن جبل : بئس ما قُلْت، والله يا رسولَ اللهِ ما علمنا عليه الإ خيرا . فسكت رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم . قال كعب بن مالك : فلما بلغني أنه توجه قافلا حضرني همي، وطفقت أتذكر الكذب وأقول : بماذا أخرج من سخطه غدا، واستعنت على ذلك بكل ذي رأي من أهلي، فلما قيل : إن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قد أظل قادما زاح عني الباطل، وعرفت أني لن أخرج منه أبدا بشيء فيه كذب، فأجمعت صدقه، وأصبح رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قادما، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد، فيركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس، قُلْما فعل ذلك جاءه المخلفون، فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلًا، فقبل منهم رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم علانيتهم، وبايعهم واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله، فجئته، فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب، ثم قال : ( تعال ) . فجئت أمشي حتى جلست يديه، فقال لي : ( ما خلفك، ألم تكن قد ابتعت ظهرك ) . فقُلْت : بلى، إني والله - يا رسولَ اللهِ - لو جلست عِندَ غيرك من أهل الدنيا، لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أعطيت جدلا، ولكني والله، لقد علمت لئن حدثتك اليومَ حديث كذب ترضى به عني، ليوشكن الله أن يسخطك علي، ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه، إني لأرجو فيه عفو الله، لا والله، ما كان لي من عذر، والله ما كنتُ قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك . فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( أما هذا فقد صدق ، فقم حتى يقضي الله فيك ) . فقمت وثار رجال من بني سلمة فاتبعوني، فقالوا لي : والله ما علمناك كنتُ أذنبت ذنبا قبل هذا، ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بما اعتذر إليه المتخلفون، قد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟ك . فوالله ما زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي، ثم قُلْت لهم : هل لقي هذا معي أُحُدٍ ؟ قالوا : نعم، رجلان قالا مثل ما قُلْت، فقيل لهما مثل ما قيل لك، فقُلْت : من هما ؟ قالوا : مرارة بن الربيع العمري وهلال بن أمية الواقفي، فذكروا لي رجلٌين صالحين، قد شهدا بدرا، فيهما أسوة، فمضيت حين ذكروهما لي، ونهى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه، فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا، حتى تنكرت في نفسي الأرض فما هي التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنتُ أشب القوم وأجلدهم، فكنتُ أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أُحُدٍ، وآتي رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي : هل حرك شفتيه برد السلام علي أم لا ؟ ثم أصلي قريبا منه، فأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إلي، وإذا التفت نحوه أعرض عني، حتى إذا طال علي ذلك من جفوة الناس، مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي وأحب الناس إلي، فسلمت عليه، فوالله ما رد علي السلام، فقُلْت : يا أبا قتادة، أنشدك بالله هل تعلمني أحب الله ورسوله ؟ فسكت، فعدت له فنشدته فسكت، فعدت له فنشدته، فقال : الله ورسوله أعلم، ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار . قال : فبينا أنا أمشي بسوق المدينة، إذا نبطي من أنباط أهل الشأم، ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة، يقول : من يدل على كعب بن مالك، فطفق الناس يشيرون له، حتى إذا جاءني دفع إلي كتابا من ملك غسان، فإذا فيه : أما بعد، فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك . فقُلْت لما قرأتها : وهذا أيضا من البلاء، فتيممت بها التنور فسجرته بها، حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين، إذا رسول رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يأتيني فقال : إن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يأمرك أن تعتزل امرأتك، فقُلْت : أطلقها أم ماذا أفعل ؟ قال : لا، بل اعتزلها ولا تقربها . وأرسل إلى صاحبي مثل ذلك، فقُلْت لامرأتي : الحقي بأهلك، فتكوني عِندَهم حتى يقضي الله في هذا الأمر . قال كعب : فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقالتْ : يا رسولَ اللهِ، إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه ؟ قال : ( لا، ولكن لا يقربك ) . قالتْ : إنه والله ما به حركة إلى شيء، والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومَه هذا . فقال لي بعض أهلي : لو استأذنت رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في امرأتك، كما أذن لامرأة هلال بن أميه أن تخدمه ؟ فقُلْت : والله لا أستأذن فيها رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وما يدريني ما يقول رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا استأذنته فيها، وأنا رجلٌ شاب ؟ فلبثت بعد ذلك عشر ليال، حتى كملت لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن كلامنا، فلما صليت صلاة الفجر صبح خمسين ليلة، وأنا على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله، قد ضاقت علي نفسي، وضاقت علي الأرض بما رحبت، سمعت صوت صارخ، أوفى على جبل سلع، بأعلى صوته : يا كعب بن مالك أبشر، قال : فخررت ساجدا، وعرفت أن قد جاء فرج، وآذن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بتوبة الله علينا حين صلَّى صلاة الفجر، فذهب الناس يبشروننا، وذهب قبل صاحبي مبشرون، وركض إلي رجلٌ فرسا، وسعى ساع من أسلم، فأوفى على الجبل، وكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي، فكسوته إياهما ببشراه، والله ما أملك غيرهما يومَئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما، وانطلقت إلى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فيتلقاني الناس فوجا فوجا، يهونني بالتوبة يقولون : لتهنك توبة الله عليك، قال كعب : حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟الس حوله الناس، فقام إلى طلحةَ بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني، والله ما قام إلي رجلٌ من المهاجرين غيره، ولا أنساها لطلحةَ، قال كعب : فلما سلمت على رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وهو يبرق وجهه من السرور : ( أبشر بخير يومَ مر عليك منذ ولدتك أمك ) . قال : قُلْت : أمن عِندَك يا رسولَ اللهِ، أم من عِندَ الله ؟ قال : ( لا، بل من عِندَ الله ) . وكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا سر استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منه، فلما جلست بين يديه قُلْت : يا رسولَ اللهِ، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسول الله، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك ) . قُلْت : فإني أمسك سهمي الذي بخيبر، فقُلْت : يا رسولَ اللهِ، إن الله إنما نجاني بالصدق، وإن من توبتي أن لا أُحُدٍث إلا صدقا مالقيت . فوالله ما أعلم أحدًا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أحسن مما أبلاني، ما تعمدت منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى يومَي هذا كذبا، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقيت . وأنزل الله على رسوله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار - إلى قوله - وكونوا مع الصادقين . فوالله ما أنعم الله علي من نعمة قط، بعد أن هداني للإسلام، أعظم في نفسي من صدقي لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا، فإن الله قال للذين كذبوا - حين أنزل الوحي - شر ما قال لأُحُدٍ، فقال تبارك وتعالى : سيحلفون بالله لكم إذا انقُلْبتم - إلى قوله - فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين . قال كعب : وكنا تخلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حين حلفوا له، فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أمرنا حتى قضى الله فيه، فبذلك قال الله : وعلى الثلاثة الذين خلفوا . وليس الذي ذكر الله مما خلفنا عن الغزو، إنما هو تخليفه إيانا، وإرجاؤه أمرنا، عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه .
أن عبد الله بن كعب بن مالك، وكان قائد كعب من بنيه حين عمي، قال : سمعت كعب بن مالك يحدث حين تخلف عن قصة تبوك، قال كعب : لم أتخلف عن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في غزوة غزاها الإ في غزوة تبوك، غير أني كنتُ تخلفت في بدر، ولم يعاتب أحدًا تخلف عنها، إنما خرج رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يريد عير قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ليلة العقبة، حين تواثقنا على الإسلام، وما أحب أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها، كان من خبري : أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر حين تخلفت عنه في تلك الغزاة، والله ما اجتمعت عِندَي قبله راحلتان قط، حتى جمعتهما في تلك الغزوة، ولم يكن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يريد غزوة إلا ورى بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة، غزاها رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في حر شديد، واستقبل سفرا بعيدا، ومفازا وعدوا كثيرا، فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم، فأخبرهم بوجهه الذي يريد، والمسلمون مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كثير، ولا يجمعهم كتاب حافظ، يريد الديوان . قال كعب : فما رجلٌ يريد أن يتغيب إلا ظن أن سيخفى له، ما لم ينزل فيه وحي الله، وغزا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟لك الغزوة حين طابت الثمار والظلال، وتجهز رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والمسلمون معه، فطفقت أغدو لكي أتجهز معهم، فأرجع ولم أقضى شيئا، فأقول في نفسي : أنا قادر عليه، فلم يزل يتمادى بي حتى اشتد بالناس الجد، فأصبح رسول صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والمسلمون معه، ولم أقض من جهازي شيئا، فقُلْت أتجهز بعده بيومَ أو يومَين ثم ألحقهم، فغدوت بعد أن فصلوا لأتجهز، فرجعت ولم أقض شيئا، ثم غدوت، ثم رجعت ولم أقض شيئا، فلم يزل بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو، وهممت أن أرتحل فأدركهم، وليتني فعلت، فلم يقدر لي ذلك، فكنتُ إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فطفت فيهم، أحزنني أني لا أرى إلا رجلًا مغموصا عليه النفاق ، أو رجلًا ممن عذر الله من الضعفاء، ولم يذكرني رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتى بلغ تبوك، فقال، وهو جالس في القوم بتبوك : ( ما فعل كعب ) . فقال رجلٌ من بني سلمة : يا رسولَ اللهِ، حبسه برداه، ونظره في عطفيه . فقال مُعاذٍ بن جبل : بئس ما قُلْت، والله يا رسولَ اللهِ ما علمنا عليه الإ خيرا . فسكت رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم . قال كعب بن مالك : فلما بلغني أنه توجه قافلا حضرني همي، وطفقت أتذكر الكذب وأقول : بماذا أخرج من سخطه غدا، واستعنت على ذلك بكل ذي رأي من أهلي، فلما قيل : إن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قد أظل قادما زاح عني الباطل، وعرفت أني لن أخرج منه أبدا بشيء فيه كذب، فأجمعت صدقه، وأصبح رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قادما، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد، فيركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس، قُلْما فعل ذلك جاءه المخلفون، فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلًا، فقبل منهم رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم علانيتهم، وبايعهم واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله، فجئته، فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب، ثم قال : ( تعال ) . فجئت أمشي حتى جلست يديه، فقال لي : ( ما خلفك، ألم تكن قد ابتعت ظهرك ) . فقُلْت : بلى، إني والله - يا رسولَ اللهِ - لو جلست عِندَ غيرك من أهل الدنيا، لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أعطيت جدلا، ولكني والله، لقد علمت لئن حدثتك اليومَ حديث كذب ترضى به عني، ليوشكن الله أن يسخطك علي، ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه، إني لأرجو فيه عفو الله، لا والله، ما كان لي من عذر، والله ما كنتُ قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك . فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك ) . فقمت وثار رجال من بني سلمة فاتبعوني، فقالوا لي : والله ما علمناك كنتُ أذنبت ذنبا قبل هذا، ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بما اعتذر إليه المتخلفون، قد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟ك . فوالله ما زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي، ثم قُلْت لهم : هل لقي هذا معي أُحُدٍ ؟ قالوا : نعم، رجلان قالا مثل ما قُلْت، فقيل لهما مثل ما قيل لك، فقُلْت : من هما ؟ قالوا : مرارة بن الربيع العمري وهلال بن أمية الواقفي، فذكروا لي رجلٌين صالحين، قد شهدا بدرا، فيهما أسوة، فمضيت حين ذكروهما لي، ونهى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه، فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا، حتى تنكرت في نفسي الأرض فما هي التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنتُ أشب القوم وأجلدهم، فكنتُ أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أُحُدٍ، وآتي رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي : هل حرك شفتيه برد السلام علي أم لا ؟ ثم أصلي قريبا منه، فأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إلي، وإذا التفت نحوه أعرض عني، حتى إذا طال علي ذلك من جفوة الناس، مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي وأحب الناس إلي، فسلمت عليه، فوالله ما رد علي السلام، فقُلْت : يا أبا قتادة، أنشدك بالله هل تعلمني أحب الله ورسوله ؟ فسكت، فعدت له فنشدته فسكت، فعدت له فنشدته، فقال : الله ورسوله أعلم، ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار . قال : فبينا أنا أمشي بسوق المدينة، إذا نبطي من أنباط أهل الشأم، ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة، يقول : من يدل على كعب بن مالك، فطفق الناس يشيرون له، حتى إذا جاءني دفع إلي كتابا من ملك غسان، فإذا فيه : أما بعد، فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك . فقُلْت لما قرأتها : وهذا أيضا من البلاء، فتيممت بها التنور فسجرته بها، حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين، إذا رسول رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يأتيني فقال : إن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يأمرك أن تعتزل امرأتك، فقُلْت : أطلقها أم ماذا أفعل ؟ قال : لا، بل اعتزلها ولا تقربها . وأرسل إلى صاحبي مثل ذلك، فقُلْت لامرأتي : الحقي بأهلك، فتكوني عِندَهم حتى يقضي الله في هذا الأمر . قال كعب : فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقالتْ : يا رسولَ اللهِ، إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه ؟ قال : ( لا، ولكن لا يقربك ) . قالتْ : إنه والله ما به حركة إلى شيء، والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومَه هذا . فقال لي بعض أهلي : لو استأذنت رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في امرأتك، كما أذن لامرأة هلال بن أميه أن تخدمه ؟ فقُلْت : والله لا أستأذن فيها رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وما يدريني ما يقول رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا استأذنته فيها، وأنا رجلٌ شاب ؟ فلبثت بعد ذلك عشر ليال، حتى كملت لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن كلامنا، فلما صليت صلاة الفجر صبح خمسين ليلة، وأنا على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله، قد ضاقت علي نفسي، وضاقت علي الأرض بما رحبت، سمعت صوت صارخ، أوفى على جبل سلع، بأعلى صوته : يا كعب بن مالك أبشر، قال : فخررت ساجدا، وعرفت أن قد جاء فرج، وآذن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بتوبة الله علينا حين صلَّى صلاة الفجر، فذهب الناس يبشروننا، وذهب قبل صاحبي مبشرون، وركض إلي رجلٌ فرسا، وسعى ساع من أسلم، فأوفى على الجبل، وكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي، فكسوته إياهما ببشراه، والله ما أملك غيرهما يومَئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما، وانطلقت إلى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فيتلقاني الناس فوجا فوجا، يهونني بالتوبة يقولون : لتهنك توبة الله عليك، قال كعب : حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟الس حوله الناس، فقام إلى طلحةَ بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني، والله ما قام إلي رجلٌ من المهاجرين غيره، ولا أنساها لطلحةَ، قال كعب : فلما سلمت على رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وهو يبرق وجهه من السرور : ( أبشر بخير يومَ مر عليك منذ ولدتك أمك ) . قال : قُلْت : أمن عِندَك يا رسولَ اللهِ، أم من عِندَ الله ؟ قال : ( لا، بل من عِندَ الله ) . وكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا سر استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منه، فلما جلست بين يديه قُلْت : يا رسولَ اللهِ، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسول الله، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك ) . قُلْت : فإني أمسك سهمي الذي بخيبر، فقُلْت : يا رسولَ اللهِ، إن الله إنما نجاني بالصدق، وإن من توبتي أن لا أُحُدٍث إلا صدقا مالقيت . فوالله ما أعلم أحدًا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أحسن مما أبلاني، ما تعمدت منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى يومَي هذا كذبا، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقيت . وأنزل الله على رسوله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار - إلى قوله - وكونوا مع الصادقين . فوالله ما أنعم الله علي من نعمة قط، بعد أن هداني للإسلام، أعظم في نفسي من صدقي لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا، فإن الله قال للذين كذبوا - حين أنزل الوحي - شر ما قال لأُحُدٍ، فقال تبارك وتعالى : سيحلفون بالله لكم إذا انقُلْبتم - إلى قوله - فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين . قال كعب : وكنا تخلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حين حلفوا له، فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أمرنا حتى قضى الله فيه، فبذلك قال الله : وعلى الثلاثة الذين خلفوا . وليس الذي ذكر الله مما خلفنا عن الغزو، إنما هو تخليفه إيانا، وإرجاؤه أمرنا، عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه .
أن عبد الله بن كعب بن مالك، وكان قائد كعب من بنيه حين عمي، قال : سمعت كعب بن مالك يحدث حين تخلف عن قصة تبوك، قال كعب : لم أتخلف عن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في غزوة غزاها الإ في غزوة تبوك، غير أني كنتُ تخلفت في بدر، ولم يعاتب أحدًا تخلف عنها، إنما خرج رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يريد عير قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ليلة العقبة، حين تواثقنا على الإسلام، وما أحب أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها، كان من خبري : أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر حين تخلفت عنه في تلك الغزاة، والله ما اجتمعت عِندَي قبله راحلتان قط، حتى جمعتهما في تلك الغزوة، ولم يكن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يريد غزوة إلا ورى بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة، غزاها رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في حر شديد، واستقبل سفرا بعيدا، ومفازا وعدوا كثيرا، فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم، فأخبرهم بوجهه الذي يريد، والمسلمون مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كثير، ولا يجمعهم كتاب حافظ، يريد الديوان . قال كعب : فما رجلٌ يريد أن يتغيب إلا ظن أن سيخفى له، ما لم ينزل فيه وحي الله، وغزا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟لك الغزوة حين طابت الثمار والظلال، وتجهز رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والمسلمون معه، فطفقت أغدو لكي أتجهز معهم، فأرجع ولم أقضى شيئا، فأقول في نفسي : أنا قادر عليه، فلم يزل يتمادى بي حتى اشتد بالناس الجد، فأصبح رسول صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والمسلمون معه، ولم أقض من جهازي شيئا، فقُلْت أتجهز بعده بيومَ أو يومَين ثم ألحقهم، فغدوت بعد أن فصلوا لأتجهز، فرجعت ولم أقض شيئا، ثم غدوت، ثم رجعت ولم أقض شيئا، فلم يزل بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو، وهممت أن أرتحل فأدركهم، وليتني فعلت، فلم يقدر لي ذلك، فكنتُ إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فطفت فيهم، أحزنني أني لا أرى إلا رجلًا مغموصا عليه النفاق، أو رجلًا ممن عذر الله من الضعفاء، ولم يذكرني رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتى بلغ تبوك، فقال، وهو جالس في القوم بتبوك : ( ما فعل كعب ) . فقال رجلٌ من بني سلمة : يا رسولَ اللهِ، حبسه برداه، ونظره في عطفيه . فقال مُعاذٍ بن جبل : بئس ما قُلْت، والله يا رسولَ اللهِ ما علمنا عليه الإ خيرا . فسكت رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم . قال كعب بن مالك : فلما بلغني أنه توجه قافلا حضرني همي، وطفقت أتذكر الكذب وأقول : بماذا أخرج من سخطه غدا، واستعنت على ذلك بكل ذي رأي من أهلي، فلما قيل : إن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قد أظل قادما زاح عني الباطل، وعرفت أني لن أخرج منه أبدا بشيء فيه كذب، فأجمعت صدقه، وأصبح رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قادما، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد، فيركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس، قُلْما فعل ذلك جاءه المخلفون، فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلًا، فقبل منهم رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم علانيتهم، وبايعهم واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله، فجئته، فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب، ثم قال : ( تعال ) . فجئت أمشي حتى جلست يديه، فقال لي : ( ما خلفك، ألم تكن قد ابتعت ظهرك ) . فقُلْت : بلى، إني والله - يا رسولَ اللهِ - لو جلست عِندَ غيرك من أهل الدنيا، لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أعطيت جدلا، ولكني والله، لقد علمت لئن حدثتك اليومَ حديث كذب ترضى به عني، ليوشكن الله أن يسخطك علي، ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه، إني لأرجو فيه عفو الله، لا والله، ما كان لي من عذر، والله ما كنتُ قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك . فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك ) . فقمت وثار رجال من بني سلمة فاتبعوني، فقالوا لي : والله ما علمناك كنتُ أذنبت ذنبا قبل هذا، ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بما اعتذر إليه المتخلفون، قد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟ك . فوالله ما زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي، ثم قُلْت لهم : هل لقي هذا معي أُحُدٍ ؟ قالوا : نعم، رجلان قالا مثل ما قُلْت، فقيل لهما مثل ما قيل لك، فقُلْت : من هما ؟ قالوا : مرارة بن الربيع العمري وهلال بن أمية الواقفي، فذكروا لي رجلٌين صالحين، قد شهدا بدرا، فيهما أسوة، فمضيت حين ذكروهما لي، ونهى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه، فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا، حتى تنكرت في نفسي الأرض فما هي التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنتُ أشب القوم وأجلدهم، فكنتُ أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أُحُدٍ، وآتي رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي : هل حرك شفتيه برد السلام علي أم لا ؟ ثم أصلي قريبا منه، فأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إلي، وإذا التفت نحوه أعرض عني، حتى إذا طال علي ذلك من جفوة الناس، مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي وأحب الناس إلي، فسلمت عليه، فوالله ما رد علي السلام، فقُلْت : يا أبا قتادة، أنشدك بالله هل تعلمني أحب الله ورسوله ؟ فسكت، فعدت له فنشدته فسكت، فعدت له فنشدته، فقال : الله ورسوله أعلم، ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار . قال : فبينا أنا أمشي بسوق المدينة، إذا نبطي من أنباط أهل الشأم ، ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة، يقول : من يدل على كعب بن مالك، فطفق الناس يشيرون له، حتى إذا جاءني دفع إلي كتابا من ملك غسان، فإذا فيه : أما بعد، فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك . فقُلْت لما قرأتها : وهذا أيضا من البلاء، فتيممت بها التنور فسجرته بها، حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين، إذا رسول رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يأتيني فقال : إن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يأمرك أن تعتزل امرأتك، فقُلْت : أطلقها أم ماذا أفعل ؟ قال : لا، بل اعتزلها ولا تقربها . وأرسل إلى صاحبي مثل ذلك، فقُلْت لامرأتي : الحقي بأهلك، فتكوني عِندَهم حتى يقضي الله في هذا الأمر . قال كعب : فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقالتْ : يا رسولَ اللهِ، إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه ؟ قال : ( لا، ولكن لا يقربك ) . قالتْ : إنه والله ما به حركة إلى شيء، والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومَه هذا . فقال لي بعض أهلي : لو استأذنت رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في امرأتك، كما أذن لامرأة هلال بن أميه أن تخدمه ؟ فقُلْت : والله لا أستأذن فيها رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وما يدريني ما يقول رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا استأذنته فيها، وأنا رجلٌ شاب ؟ فلبثت بعد ذلك عشر ليال، حتى كملت لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن كلامنا، فلما صليت صلاة الفجر صبح خمسين ليلة، وأنا على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله، قد ضاقت علي نفسي، وضاقت علي الأرض بما رحبت، سمعت صوت صارخ، أوفى على جبل سلع، بأعلى صوته : يا كعب بن مالك أبشر، قال : فخررت ساجدا، وعرفت أن قد جاء فرج، وآذن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بتوبة الله علينا حين صلَّى صلاة الفجر، فذهب الناس يبشروننا، وذهب قبل صاحبي مبشرون، وركض إلي رجلٌ فرسا، وسعى ساع من أسلم، فأوفى على الجبل، وكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي، فكسوته إياهما ببشراه، والله ما أملك غيرهما يومَئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما، وانطلقت إلى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فيتلقاني الناس فوجا فوجا، يهونني بالتوبة يقولون : لتهنك توبة الله عليك، قال كعب : حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟الس حوله الناس، فقام إلى طلحةَ بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني، والله ما قام إلي رجلٌ من المهاجرين غيره، ولا أنساها لطلحةَ، قال كعب : فلما سلمت على رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وهو يبرق وجهه من السرور : ( أبشر بخير يومَ مر عليك منذ ولدتك أمك ) . قال : قُلْت : أمن عِندَك يا رسولَ اللهِ، أم من عِندَ الله ؟ قال : ( لا، بل من عِندَ الله ) . وكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا سر استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منه، فلما جلست بين يديه قُلْت : يا رسولَ اللهِ، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسول الله، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك ) . قُلْت : فإني أمسك سهمي الذي بخيبر، فقُلْت : يا رسولَ اللهِ، إن الله إنما نجاني بالصدق، وإن من توبتي أن لا أُحُدٍث إلا صدقا مالقيت . فوالله ما أعلم أحدًا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أحسن مما أبلاني، ما تعمدت منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى يومَي هذا كذبا، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقيت . وأنزل الله على رسوله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار - إلى قوله - وكونوا مع الصادقين . فوالله ما أنعم الله علي من نعمة قط، بعد أن هداني للإسلام، أعظم في نفسي من صدقي لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا، فإن الله قال للذين كذبوا - حين أنزل الوحي - شر ما قال لأُحُدٍ، فقال تبارك وتعالى : سيحلفون بالله لكم إذا انقُلْبتم - إلى قوله - فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين . قال كعب : وكنا تخلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حين حلفوا له، فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أمرنا حتى قضى الله فيه، فبذلك قال الله : وعلى الثلاثة الذين خلفوا . وليس الذي ذكر الله مما خلفنا عن الغزو، إنما هو تخليفه إيانا، وإرجاؤه أمرنا، عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه .
أن عبد الله بن كعب بن مالك، وكان قائد كعب من بنيه حين عمي، قال : سمعت كعب بن مالك يحدث حين تخلف عن قصة تبوك، قال كعب : لم أتخلف عن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في غزوة غزاها الإ في غزوة تبوك، غير أني كنتُ تخلفت في بدر، ولم يعاتب أحدًا تخلف عنها، إنما خرج رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يريد عير قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ليلة العقبة، حين تواثقنا على الإسلام، وما أحب أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها، كان من خبري : أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر حين تخلفت عنه في تلك الغزاة، والله ما اجتمعت عِندَي قبله راحلتان قط، حتى جمعتهما في تلك الغزوة، ولم يكن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يريد غزوة إلا ورى بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة، غزاها رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في حر شديد، واستقبل سفرا بعيدا، ومفازا وعدوا كثيرا، فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم، فأخبرهم بوجهه الذي يريد، والمسلمون مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كثير، ولا يجمعهم كتاب حافظ، يريد الديوان . قال كعب : فما رجلٌ يريد أن يتغيب إلا ظن أن سيخفى له، ما لم ينزل فيه وحي الله، وغزا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟لك الغزوة حين طابت الثمار والظلال، وتجهز رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والمسلمون معه، فطفقت أغدو لكي أتجهز معهم، فأرجع ولم أقضى شيئا، فأقول في نفسي : أنا قادر عليه، فلم يزل يتمادى بي حتى اشتد بالناس الجد، فأصبح رسول صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والمسلمون معه، ولم أقض من جهازي شيئا، فقُلْت أتجهز بعده بيومَ أو يومَين ثم ألحقهم، فغدوت بعد أن فصلوا لأتجهز، فرجعت ولم أقض شيئا، ثم غدوت، ثم رجعت ولم أقض شيئا، فلم يزل بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو، وهممت أن أرتحل فأدركهم، وليتني فعلت، فلم يقدر لي ذلك، فكنتُ إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فطفت فيهم، أحزنني أني لا أرى إلا رجلًا مغموصا عليه النفاق، أو رجلًا ممن عذر الله من الضعفاء، ولم يذكرني رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتى بلغ تبوك، فقال، وهو جالس في القوم بتبوك : ( ما فعل كعب ) . فقال رجلٌ من بني سلمة : يا رسولَ اللهِ، حبسه برداه، ونظره في عطفيه . فقال مُعاذٍ بن جبل : بئس ما قُلْت، والله يا رسولَ اللهِ ما علمنا عليه الإ خيرا . فسكت رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم . قال كعب بن مالك : فلما بلغني أنه توجه قافلا حضرني همي، وطفقت أتذكر الكذب وأقول : بماذا أخرج من سخطه غدا، واستعنت على ذلك بكل ذي رأي من أهلي، فلما قيل : إن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قد أظل قادما زاح عني الباطل، وعرفت أني لن أخرج منه أبدا بشيء فيه كذب، فأجمعت صدقه، وأصبح رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قادما، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد، فيركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس، قُلْما فعل ذلك جاءه المخلفون، فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلًا، فقبل منهم رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم علانيتهم، وبايعهم واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله، فجئته، فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب، ثم قال : ( تعال ) . فجئت أمشي حتى جلست يديه، فقال لي : ( ما خلفك، ألم تكن قد ابتعت ظهرك ) . فقُلْت : بلى، إني والله - يا رسولَ اللهِ - لو جلست عِندَ غيرك من أهل الدنيا، لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أعطيت جدلا، ولكني والله، لقد علمت لئن حدثتك اليومَ حديث كذب ترضى به عني، ليوشكن الله أن يسخطك علي، ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه، إني لأرجو فيه عفو الله، لا والله، ما كان لي من عذر ، والله ما كنتُ قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك . فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك ) . فقمت وثار رجال من بني سلمة فاتبعوني، فقالوا لي : والله ما علمناك كنتُ أذنبت ذنبا قبل هذا، ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بما اعتذر إليه المتخلفون، قد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟ك . فوالله ما زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي، ثم قُلْت لهم : هل لقي هذا معي أُحُدٍ ؟ قالوا : نعم، رجلان قالا مثل ما قُلْت، فقيل لهما مثل ما قيل لك، فقُلْت : من هما ؟ قالوا : مرارة بن الربيع العمري وهلال بن أمية الواقفي، فذكروا لي رجلٌين صالحين، قد شهدا بدرا، فيهما أسوة، فمضيت حين ذكروهما لي، ونهى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه، فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا، حتى تنكرت في نفسي الأرض فما هي التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنتُ أشب القوم وأجلدهم، فكنتُ أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أُحُدٍ، وآتي رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي : هل حرك شفتيه برد السلام علي أم لا ؟ ثم أصلي قريبا منه، فأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إلي، وإذا التفت نحوه أعرض عني، حتى إذا طال علي ذلك من جفوة الناس، مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي وأحب الناس إلي، فسلمت عليه، فوالله ما رد علي السلام، فقُلْت : يا أبا قتادة، أنشدك بالله هل تعلمني أحب الله ورسوله ؟ فسكت، فعدت له فنشدته فسكت، فعدت له فنشدته، فقال : الله ورسوله أعلم، ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار . قال : فبينا أنا أمشي بسوق المدينة، إذا نبطي من أنباط أهل الشأم، ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة، يقول : من يدل على كعب بن مالك، فطفق الناس يشيرون له، حتى إذا جاءني دفع إلي كتابا من ملك غسان، فإذا فيه : أما بعد، فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك . فقُلْت لما قرأتها : وهذا أيضا من البلاء، فتيممت بها التنور فسجرته بها، حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين، إذا رسول رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يأتيني فقال : إن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يأمرك أن تعتزل امرأتك، فقُلْت : أطلقها أم ماذا أفعل ؟ قال : لا، بل اعتزلها ولا تقربها . وأرسل إلى صاحبي مثل ذلك، فقُلْت لامرأتي : الحقي بأهلك، فتكوني عِندَهم حتى يقضي الله في هذا الأمر . قال كعب : فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقالتْ : يا رسولَ اللهِ، إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه ؟ قال : ( لا، ولكن لا يقربك ) . قالتْ : إنه والله ما به حركة إلى شيء، والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومَه هذا . فقال لي بعض أهلي : لو استأذنت رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في امرأتك، كما أذن لامرأة هلال بن أميه أن تخدمه ؟ فقُلْت : والله لا أستأذن فيها رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وما يدريني ما يقول رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا استأذنته فيها، وأنا رجلٌ شاب ؟ فلبثت بعد ذلك عشر ليال، حتى كملت لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن كلامنا، فلما صليت صلاة الفجر صبح خمسين ليلة، وأنا على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله، قد ضاقت علي نفسي، وضاقت علي الأرض بما رحبت، سمعت صوت صارخ، أوفى على جبل سلع، بأعلى صوته : يا كعب بن مالك أبشر، قال : فخررت ساجدا، وعرفت أن قد جاء فرج، وآذن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بتوبة الله علينا حين صلَّى صلاة الفجر، فذهب الناس يبشروننا، وذهب قبل صاحبي مبشرون، وركض إلي رجلٌ فرسا، وسعى ساع من أسلم، فأوفى على الجبل، وكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي، فكسوته إياهما ببشراه، والله ما أملك غيرهما يومَئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما، وانطلقت إلى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فيتلقاني الناس فوجا فوجا، يهونني بالتوبة يقولون : لتهنك توبة الله عليك، قال كعب : حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟الس حوله الناس، فقام إلى طلحةَ بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني، والله ما قام إلي رجلٌ من المهاجرين غيره، ولا أنساها لطلحةَ، قال كعب : فلما سلمت على رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وهو يبرق وجهه من السرور : ( أبشر بخير يومَ مر عليك منذ ولدتك أمك ) . قال : قُلْت : أمن عِندَك يا رسولَ اللهِ، أم من عِندَ الله ؟ قال : ( لا، بل من عِندَ الله ) . وكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا سر استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منه، فلما جلست بين يديه قُلْت : يا رسولَ اللهِ، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسول الله، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك ) . قُلْت : فإني أمسك سهمي الذي بخيبر، فقُلْت : يا رسولَ اللهِ، إن الله إنما نجاني بالصدق، وإن من توبتي أن لا أُحُدٍث إلا صدقا مالقيت . فوالله ما أعلم أحدًا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أحسن مما أبلاني، ما تعمدت منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى يومَي هذا كذبا، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقيت . وأنزل الله على رسوله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار - إلى قوله - وكونوا مع الصادقين . فوالله ما أنعم الله علي من نعمة قط، بعد أن هداني للإسلام، أعظم في نفسي من صدقي لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا، فإن الله قال للذين كذبوا - حين أنزل الوحي - شر ما قال لأُحُدٍ، فقال تبارك وتعالى : سيحلفون بالله لكم إذا انقُلْبتم - إلى قوله - فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين . قال كعب : وكنا تخلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حين حلفوا له، فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أمرنا حتى قضى الله فيه، فبذلك قال الله : وعلى الثلاثة الذين خلفوا . وليس الذي ذكر الله مما خلفنا عن الغزو، إنما هو تخليفه إيانا، وإرجاؤه أمرنا، عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه .
أن عبد الله بن كعب بن مالك، وكان قائد كعب من بنيه حين عمي، قال : سمعت كعب بن مالك يحدث حين تخلف عن قصة تبوك، قال كعب : لم أتخلف عن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في غزوة غزاها الإ في غزوة تبوك، غير أني كنتُ تخلفت في بدر، ولم يعاتب أحدًا تخلف عنها، إنما خرج رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يريد عير قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ليلة العقبة، حين تواثقنا على الإسلام، وما أحب أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها، كان من خبري : أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر حين تخلفت عنه في تلك الغزاة، والله ما اجتمعت عِندَي قبله راحلتان قط، حتى جمعتهما في تلك الغزوة، ولم يكن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يريد غزوة إلا ورى بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة، غزاها رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في حر شديد، واستقبل سفرا بعيدا، ومفازا وعدوا كثيرا، فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم، فأخبرهم بوجهه الذي يريد، والمسلمون مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كثير، ولا يجمعهم كتاب حافظ، يريد الديوان . قال كعب : فما رجلٌ يريد أن يتغيب إلا ظن أن سيخفى له، ما لم ينزل فيه وحي الله ، وغزا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟لك الغزوة حين طابت الثمار والظلال، وتجهز رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والمسلمون معه، فطفقت أغدو لكي أتجهز معهم، فأرجع ولم أقضى شيئا، فأقول في نفسي : أنا قادر عليه، فلم يزل يتمادى بي حتى اشتد بالناس الجد، فأصبح رسول صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والمسلمون معه، ولم أقض من جهازي شيئا، فقُلْت أتجهز بعده بيومَ أو يومَين ثم ألحقهم، فغدوت بعد أن فصلوا لأتجهز، فرجعت ولم أقض شيئا، ثم غدوت، ثم رجعت ولم أقض شيئا، فلم يزل بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو، وهممت أن أرتحل فأدركهم، وليتني فعلت، فلم يقدر لي ذلك، فكنتُ إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فطفت فيهم، أحزنني أني لا أرى إلا رجلًا مغموصا عليه النفاق، أو رجلًا ممن عذر الله من الضعفاء، ولم يذكرني رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتى بلغ تبوك، فقال، وهو جالس في القوم بتبوك : ( ما فعل كعب ) . فقال رجلٌ من بني سلمة : يا رسولَ اللهِ ، حبسه برداه، ونظره في عطفيه . فقال مُعاذٍ بن جبل : بئس ما قُلْت، والله يا رسولَ اللهِ ما علمنا عليه الإ خيرا . فسكت رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم . قال كعب بن مالك : فلما بلغني أنه توجه قافلا حضرني همي، وطفقت أتذكر الكذب وأقول : بماذا أخرج من سخطه غدا، واستعنت على ذلك بكل ذي رأي من أهلي، فلما قيل : إن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قد أظل قادما زاح عني الباطل، وعرفت أني لن أخرج منه أبدا بشيء فيه كذب، فأجمعت صدقه، وأصبح رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قادما، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد، فيركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس، قُلْما فعل ذلك جاءه المخلفون، فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلًا، فقبل منهم رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم علانيتهم، وبايعهم واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله ، فجئته، فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب، ثم قال : ( تعال ) . فجئت أمشي حتى جلست يديه، فقال لي : ( ما خلفك، ألم تكن قد ابتعت ظهرك ) . فقُلْت : بلى، إني والله - يا رسولَ اللهِ - لو جلست عِندَ غيرك من أهل الدنيا، لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أعطيت جدلا، ولكني والله، لقد علمت لئن حدثتك اليومَ حديث كذب ترضى به عني، ليوشكن الله أن يسخطك علي، ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه، إني لأرجو فيه عفو الله ، لا والله، ما كان لي من عذر، والله ما كنتُ قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك . فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك ) . فقمت وثار رجال من بني سلمة فاتبعوني، فقالوا لي : والله ما علمناك كنتُ أذنبت ذنبا قبل هذا، ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بما اعتذر إليه المتخلفون، قد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟ك . فوالله ما زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي، ثم قُلْت لهم : هل لقي هذا معي أُحُدٍ ؟ قالوا : نعم، رجلان قالا مثل ما قُلْت، فقيل لهما مثل ما قيل لك، فقُلْت : من هما ؟ قالوا : مرارة بن الربيع العمري وهلال بن أمية الواقفي، فذكروا لي رجلٌين صالحين، قد شهدا بدرا، فيهما أسوة، فمضيت حين ذكروهما لي، ونهى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه، فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا، حتى تنكرت في نفسي الأرض فما هي التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنتُ أشب القوم وأجلدهم، فكنتُ أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أُحُدٍ، وآتي رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي : هل حرك شفتيه برد السلام علي أم لا ؟ ثم أصلي قريبا منه، فأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إلي، وإذا التفت نحوه أعرض عني، حتى إذا طال علي ذلك من جفوة الناس، مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي وأحب الناس إلي، فسلمت عليه، فوالله ما رد علي السلام، فقُلْت : يا أبا قتادة، أنشدك بالله هل تعلمني أحب الله ورسوله ؟ فسكت ، فعدت له فنشدته فسكت ، فعدت له فنشدته، فقال : الله ورسوله أعلم، ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار . قال : فبينا أنا أمشي بسوق المدينة، إذا نبطي من أنباط أهل الشأم، ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة، يقول : من يدل على كعب بن مالك، فطفق الناس يشيرون له، حتى إذا جاءني دفع إلي كتابا من ملك غسان، فإذا فيه : أما بعد، فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك . فقُلْت لما قرأتها : وهذا أيضا من البلاء، فتيممت بها التنور فسجرته بها، حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين، إذا رسول رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يأتيني فقال : إن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يأمرك أن تعتزل امرأتك، فقُلْت : أطلقها أم ماذا أفعل ؟ قال : لا، بل اعتزلها ولا تقربها . وأرسل إلى صاحبي مثل ذلك، فقُلْت لامرأتي : الحقي بأهلك، فتكوني عِندَهم حتى يقضي الله في هذا الأمر . قال كعب : فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقالتْ : يا رسولَ اللهِ ، إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه ؟ قال : ( لا، ولكن لا يقربك ) . قالتْ : إنه والله ما به حركة إلى شيء، والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومَه هذا . فقال لي بعض أهلي : لو استأذنت رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في امرأتك، كما أذن لامرأة هلال بن أميه أن تخدمه ؟ فقُلْت : والله لا أستأذن فيها رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وما يدريني ما يقول رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا استأذنته فيها، وأنا رجلٌ شاب ؟ فلبثت بعد ذلك عشر ليال، حتى كملت لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن كلامنا، فلما صليت صلاة الفجر صبح خمسين ليلة، وأنا على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله ، قد ضاقت علي نفسي، وضاقت علي الأرض بما رحبت، سمعت صوت صارخ، أوفى على جبل سلع، بأعلى صوته : يا كعب بن مالك أبشر، قال : فخررت ساجدا، وعرفت أن قد جاء فرج، وآذن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بتوبة الله علينا حين صلَّى صلاة الفجر، فذهب الناس يبشروننا، وذهب قبل صاحبي مبشرون، وركض إلي رجلٌ فرسا، وسعى ساع من أسلم، فأوفى على الجبل، وكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي، فكسوته إياهما ببشراه، والله ما أملك غيرهما يومَئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما، وانطلقت إلى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فيتلقاني الناس فوجا فوجا، يهونني بالتوبة يقولون : لتهنك توبة الله عليك، قال كعب : حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟الس حوله الناس، فقام إلى طلحةَ بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني، والله ما قام إلي رجلٌ من المهاجرين غيره، ولا أنساها لطلحةَ، قال كعب : فلما سلمت على رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وهو يبرق وجهه من السرور : ( أبشر بخير يومَ مر عليك منذ ولدتك أمك ) . قال : قُلْت : أمن عِندَك يا رسولَ اللهِ ، أم من عِندَ الله ؟ قال : ( لا، بل من عِندَ الله ) . وكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا سر استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منه، فلما جلست بين يديه قُلْت : يا رسولَ اللهِ ، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسول الله ، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك ) . قُلْت : فإني أمسك سهمي الذي بخيبر، فقُلْت : يا رسولَ اللهِ ، إن الله إنما نجاني بالصدق، وإن من توبتي أن لا أُحُدٍث إلا صدقا مالقيت . فوالله ما أعلم أحدًا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أحسن مما أبلاني، ما تعمدت منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى يومَي هذا كذبا، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقيت . وأنزل الله على رسوله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار - إلى قوله - وكونوا مع الصادقين . فوالله ما أنعم الله علي من نعمة قط، بعد أن هداني للإسلام، أعظم في نفسي من صدقي لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا، فإن الله قال للذين كذبوا - حين أنزل الوحي - شر ما قال لأُحُدٍ، فقال تبارك وتعالى : سيحلفون بالله لكم إذا انقُلْبتم - إلى قوله - فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين . قال كعب : وكنا تخلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حين حلفوا له، فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أمرنا حتى قضى الله فيه، فبذلك قال الله : وعلى الثلاثة الذين خلفوا . وليس الذي ذكر الله مما خلفنا عن الغزو، إنما هو تخليفه إيانا، وإرجاؤه أمرنا، عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه .
أن عبد الله بن كعب بن مالك، وكان قائد كعب من بنيه حين عمي، قال : سمعت كعب بن مالك يحدث حين تخلف عن قصة تبوك، قال كعب : لم أتخلف عن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في غزوة غزاها الإ في غزوة تبوك، غير أني كنتُ تخلفت في بدر، ولم يعاتب أحدًا تخلف عنها، إنما خرج رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يريد عير قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ليلة العقبة، حين تواثقنا على الإسلام، وما أحب أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها، كان من خبري : أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر حين تخلفت عنه في تلك الغزاة، والله ما اجتمعت عِندَي قبله راحلتان قط، حتى جمعتهما في تلك الغزوة، ولم يكن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يريد غزوة إلا ورى بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة، غزاها رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في حر شديد، واستقبل سفرا بعيدا، ومفازا وعدوا كثيرا، فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم، فأخبرهم بوجهه الذي يريد، والمسلمون مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كثير، ولا يجمعهم كتاب حافظ، يريد الديوان . قال كعب : فما رجلٌ يريد أن يتغيب إلا ظن أن سيخفى له، ما لم ينزل فيه وحي الله، وغزا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟لك الغزوة حين طابت الثمار والظلال، وتجهز رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والمسلمون معه، فطفقت أغدو لكي أتجهز معهم، فأرجع ولم أقضى شيئا، فأقول في نفسي : أنا قادر عليه، فلم يزل يتمادى بي حتى اشتد بالناس الجد، فأصبح رسول صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والمسلمون معه، ولم أقض من جهازي شيئا، فقُلْت أتجهز بعده بيومَ أو يومَين ثم ألحقهم، فغدوت بعد أن فصلوا لأتجهز، فرجعت ولم أقض شيئا، ثم غدوت، ثم رجعت ولم أقض شيئا، فلم يزل بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو، وهممت أن أرتحل فأدركهم، وليتني فعلت، فلم يقدر لي ذلك، فكنتُ إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فطفت فيهم، أحزنني أني لا أرى إلا رجلًا مغموصا عليه النفاق، أو رجلًا ممن عذر الله من الضعفاء، ولم يذكرني رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتى بلغ تبوك، فقال، وهو جالس في القوم بتبوك : ( ما فعل كعب ) . فقال رجلٌ من بني سلمة : يا رسولَ اللهِ، حبسه برداه، ونظره في عطفيه . فقال مُعاذٍ بن جبل : بئس ما قُلْت، والله يا رسولَ اللهِ ما علمنا عليه الإ خيرا . فسكت رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم . قال كعب بن مالك : فلما بلغني أنه توجه قافلا حضرني همي، وطفقت أتذكر الكذب وأقول : بماذا أخرج من سخطه غدا، واستعنت على ذلك بكل ذي رأي من أهلي، فلما قيل : إن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قد أظل قادما زاح عني الباطل، وعرفت أني لن أخرج منه أبدا بشيء فيه كذب، فأجمعت صدقه، وأصبح رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قادما، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد، فيركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس، قُلْما فعل ذلك جاءه المخلفون، فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلًا، فقبل منهم رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم علانيتهم، وبايعهم واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله، فجئته، فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب، ثم قال : ( تعال ) . فجئت أمشي حتى جلست يديه، فقال لي : ( ما خلفك، ألم تكن قد ابتعت ظهرك ) . فقُلْت : بلى، إني والله - يا رسولَ اللهِ - لو جلست عِندَ غيرك من أهل الدنيا، لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أعطيت جدلا، ولكني والله، لقد علمت لئن حدثتك اليومَ حديث كذب ترضى به عني، ليوشكن الله أن يسخطك علي، ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه، إني لأرجو فيه عفو الله، لا والله، ما كان لي من عذر، والله ما كنتُ قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك . فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك ) . فقمت وثار رجال من بني سلمة فاتبعوني، فقالوا لي : والله ما علمناك كنتُ أذنبت ذنبا قبل هذا، ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بما اعتذر إليه المتخلفون، قد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟ك . فوالله ما زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي، ثم قُلْت لهم : هل لقي هذا معي أُحُدٍ ؟ قالوا : نعم، رجلان قالا مثل ما قُلْت، فقيل لهما مثل ما قيل لك، فقُلْت : من هما ؟ قالوا : مرارة بن الربيع العمري وهلال بن أمية الواقفي، فذكروا لي رجلٌين صالحين، قد شهدا بدرا، فيهما أسوة، فمضيت حين ذكروهما لي، ونهى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه، فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا، حتى تنكرت في نفسي الأرض فما هي التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنتُ أشب القوم وأجلدهم، فكنتُ أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أُحُدٍ، وآتي رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي : هل حرك شفتيه برد السلام علي أم لا ؟ ثم أصلي قريبا منه، فأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إلي، وإذا التفت نحوه أعرض عني، حتى إذا طال علي ذلك من جفوة الناس، مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي وأحب الناس إلي، فسلمت عليه، فوالله ما رد علي السلام، فقُلْت : يا أبا قتادة، أنشدك بالله هل تعلمني أحب الله ورسوله ؟ فسكت، فعدت له فنشدته فسكت، فعدت له فنشدته، فقال : الله ورسوله أعلم، ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار . قال : فبينا أنا أمشي بسوق المدينة، إذا نبطي من أنباط أهل الشأم، ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة، يقول : من يدل على كعب بن مالك، فطفق الناس يشيرون له، حتى إذا جاءني دفع إلي كتابا من ملك غسان، فإذا فيه : أما بعد، فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك . فقُلْت لما قرأتها : وهذا أيضا من البلاء، فتيممت بها التنور فسجرته بها، حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين، إذا رسول رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يأتيني فقال : إن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يأمرك أن تعتزل امرأتك، فقُلْت : أطلقها أم ماذا أفعل ؟ قال : لا، بل اعتزلها ولا تقربها . وأرسل إلى صاحبي مثل ذلك، فقُلْت لامرأتي : الحقي بأهلك، فتكوني عِندَهم حتى يقضي الله في هذا الأمر . قال كعب : فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقالتْ : يا رسولَ اللهِ، إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه ؟ قال : ( لا، ولكن لا يقربك ) . قالتْ : إنه والله ما به حركة إلى شيء، والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومَه هذا . فقال لي بعض أهلي : لو استأذنت رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في امرأتك، كما أذن لامرأة هلال بن أميه أن تخدمه ؟ فقُلْت : والله لا أستأذن فيها رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وما يدريني ما يقول رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا استأذنته فيها، وأنا رجلٌ شاب ؟ فلبثت بعد ذلك عشر ليال، حتى كملت لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن كلامنا، فلما صليت صلاة الفجر صبح خمسين ليلة، وأنا على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله، قد ضاقت علي نفسي، وضاقت علي الأرض بما رحبت، سمعت صوت صارخ، أوفى على جبل سلع، بأعلى صوته : يا كعب بن مالك أبشر، قال : فخررت ساجدا، وعرفت أن قد جاء فرج، وآذن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بتوبة الله علينا حين صلَّى صلاة الفجر، فذهب الناس يبشروننا، وذهب قبل صاحبي مبشرون، وركض إلي رجلٌ فرسا ، وسعى ساع من أسلم، فأوفى على الجبل، وكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي، فكسوته إياهما ببشراه، والله ما أملك غيرهما يومَئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما، وانطلقت إلى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فيتلقاني الناس فوجا فوجا، يهونني بالتوبة يقولون : لتهنك توبة الله عليك، قال كعب : حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟الس حوله الناس، فقام إلى طلحةَ بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني، والله ما قام إلي رجلٌ من المهاجرين غيره، ولا أنساها لطلحةَ، قال كعب : فلما سلمت على رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وهو يبرق وجهه من السرور : ( أبشر بخير يومَ مر عليك منذ ولدتك أمك ) . قال : قُلْت : أمن عِندَك يا رسولَ اللهِ، أم من عِندَ الله ؟ قال : ( لا، بل من عِندَ الله ) . وكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا سر استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منه، فلما جلست بين يديه قُلْت : يا رسولَ اللهِ، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسول الله، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك ) . قُلْت : فإني أمسك سهمي الذي بخيبر، فقُلْت : يا رسولَ اللهِ، إن الله إنما نجاني بالصدق، وإن من توبتي أن لا أُحُدٍث إلا صدقا مالقيت . فوالله ما أعلم أحدًا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أحسن مما أبلاني، ما تعمدت منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى يومَي هذا كذبا، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقيت . وأنزل الله على رسوله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار - إلى قوله - وكونوا مع الصادقين . فوالله ما أنعم الله علي من نعمة قط، بعد أن هداني للإسلام، أعظم في نفسي من صدقي لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا، فإن الله قال للذين كذبوا - حين أنزل الوحي - شر ما قال لأُحُدٍ، فقال تبارك وتعالى : سيحلفون بالله لكم إذا انقُلْبتم - إلى قوله - فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين . قال كعب : وكنا تخلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حين حلفوا له، فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أمرنا حتى قضى الله فيه، فبذلك قال الله : وعلى الثلاثة الذين خلفوا . وليس الذي ذكر الله مما خلفنا عن الغزو، إنما هو تخليفه إيانا، وإرجاؤه أمرنا، عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه .
أن عبد الله بن كعب بن مالك، وكان قائد كعب من بنيه حين عمي، قال : سمعت كعب بن مالك يحدث حين تخلف عن قصة تبوك، قال كعب : لم أتخلف عن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في غزوة غزاها الإ في غزوة تبوك، غير أني كنتُ تخلفت في بدر، ولم يعاتب أحدًا تخلف عنها، إنما خرج رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يريد عير قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ليلة العقبة، حين تواثقنا على الإسلام، وما أحب أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها، كان من خبري : أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر حين تخلفت عنه في تلك الغزاة، والله ما اجتمعت عِندَي قبله راحلتان قط، حتى جمعتهما في تلك الغزوة، ولم يكن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يريد غزوة إلا ورى بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة، غزاها رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في حر شديد، واستقبل سفرا بعيدا، ومفازا وعدوا كثيرا، فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم، فأخبرهم بوجهه الذي يريد، والمسلمون مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كثير، ولا يجمعهم كتاب حافظ، يريد الديوان . قال كعب : فما رجلٌ يريد أن يتغيب إلا ظن أن سيخفى له، ما لم ينزل فيه وحي الله، وغزا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟لك الغزوة حين طابت الثمار والظلال، وتجهز رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والمسلمون معه، فطفقت أغدو لكي أتجهز معهم، فأرجع ولم أقضى شيئا، فأقول في نفسي : أنا قادر عليه، فلم يزل يتمادى بي حتى اشتد بالناس الجد، فأصبح رسول صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والمسلمون معه، ولم أقض من جهازي شيئا، فقُلْت أتجهز بعده بيومَ أو يومَين ثم ألحقهم، فغدوت بعد أن فصلوا لأتجهز، فرجعت ولم أقض شيئا، ثم غدوت، ثم رجعت ولم أقض شيئا، فلم يزل بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو، وهممت أن أرتحل فأدركهم، وليتني فعلت، فلم يقدر لي ذلك، فكنتُ إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فطفت فيهم، أحزنني أني لا أرى إلا رجلًا مغموصا عليه النفاق، أو رجلًا ممن عذر الله من الضعفاء، ولم يذكرني رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتى بلغ تبوك، فقال، وهو جالس في القوم بتبوك : ( ما فعل كعب ) . فقال رجلٌ من بني سلمة : يا رسولَ اللهِ، حبسه برداه، ونظره في عطفيه . فقال مُعاذٍ بن جبل : بئس ما قُلْت، والله يا رسولَ اللهِ ما علمنا عليه الإ خيرا . فسكت رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم . قال كعب بن مالك : فلما بلغني أنه توجه قافلا حضرني همي، وطفقت أتذكر الكذب وأقول : بماذا أخرج من سخطه غدا، واستعنت على ذلك بكل ذي رأي من أهلي، فلما قيل : إن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قد أظل قادما زاح عني الباطل، وعرفت أني لن أخرج منه أبدا بشيء فيه كذب، فأجمعت صدقه، وأصبح رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قادما، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد، فيركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس، قُلْما فعل ذلك جاءه المخلفون، فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلًا، فقبل منهم رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم علانيتهم، وبايعهم واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله، فجئته، فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب، ثم قال : ( تعال ) . فجئت أمشي حتى جلست يديه، فقال لي : ( ما خلفك، ألم تكن قد ابتعت ظهرك ) . فقُلْت : بلى، إني والله - يا رسولَ اللهِ - لو جلست عِندَ غيرك من أهل الدنيا، لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أعطيت جدلا، ولكني والله، لقد علمت لئن حدثتك اليومَ حديث كذب ترضى به عني، ليوشكن الله أن يسخطك علي، ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه، إني لأرجو فيه عفو الله، لا والله، ما كان لي من عذر، والله ما كنتُ قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك . فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك ) . فقمت وثار رجال من بني سلمة فاتبعوني، فقالوا لي : والله ما علمناك كنتُ أذنبت ذنبا قبل هذا، ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بما اعتذر إليه المتخلفون، قد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟ك . فوالله ما زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي، ثم قُلْت لهم : هل لقي هذا معي أُحُدٍ ؟ قالوا : نعم، رجلان قالا مثل ما قُلْت، فقيل لهما مثل ما قيل لك، فقُلْت : من هما ؟ قالوا : مرارة بن الربيع العمري وهلال بن أمية الواقفي، فذكروا لي رجلٌين صالحين، قد شهدا بدرا، فيهما أسوة، فمضيت حين ذكروهما لي، ونهى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه، فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا، حتى تنكرت في نفسي الأرض فما هي التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنتُ أشب القوم وأجلدهم، فكنتُ أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أُحُدٍ، وآتي رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي : هل حرك شفتيه برد السلام علي أم لا ؟ ثم أصلي قريبا منه، فأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إلي، وإذا التفت نحوه أعرض عني، حتى إذا طال علي ذلك من جفوة الناس، مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي وأحب الناس إلي، فسلمت عليه، فوالله ما رد علي السلام، فقُلْت : يا أبا قتادة، أنشدك بالله هل تعلمني أحب الله ورسوله ؟ فسكت، فعدت له فنشدته فسكت، فعدت له فنشدته، فقال : الله ورسوله أعلم، ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار . قال : فبينا أنا أمشي بسوق المدينة، إذا نبطي من أنباط أهل الشأم، ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة، يقول : من يدل على كعب بن مالك، فطفق الناس يشيرون له، حتى إذا جاءني دفع إلي كتابا من ملك غسان، فإذا فيه : أما بعد، فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك . فقُلْت لما قرأتها : وهذا أيضا من البلاء، فتيممت بها التنور فسجرته بها، حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين، إذا رسول رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يأتيني فقال : إن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يأمرك أن تعتزل امرأتك ، فقُلْت : أطلقها أم ماذا أفعل ؟ قال : لا، بل اعتزلها ولا تقربها . وأرسل إلى صاحبي مثل ذلك، فقُلْت لامرأتي : الحقي بأهلك، فتكوني عِندَهم حتى يقضي الله في هذا الأمر . قال كعب : فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقالتْ : يا رسولَ اللهِ، إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه ؟ قال : ( لا، ولكن لا يقربك ) . قالتْ : إنه والله ما به حركة إلى شيء، والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومَه هذا . فقال لي بعض أهلي : لو استأذنت رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في امرأتك ، كما أذن لامرأة هلال بن أميه أن تخدمه ؟ فقُلْت : والله لا أستأذن فيها رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وما يدريني ما يقول رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا استأذنته فيها، وأنا رجلٌ شاب ؟ فلبثت بعد ذلك عشر ليال، حتى كملت لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن كلامنا، فلما صليت صلاة الفجر صبح خمسين ليلة، وأنا على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله، قد ضاقت علي نفسي، وضاقت علي الأرض بما رحبت، سمعت صوت صارخ، أوفى على جبل سلع، بأعلى صوته : يا كعب بن مالك أبشر، قال : فخررت ساجدا، وعرفت أن قد جاء فرج، وآذن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بتوبة الله علينا حين صلَّى صلاة الفجر، فذهب الناس يبشروننا، وذهب قبل صاحبي مبشرون، وركض إلي رجلٌ فرسا، وسعى ساع من أسلم، فأوفى على الجبل، وكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي، فكسوته إياهما ببشراه، والله ما أملك غيرهما يومَئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما، وانطلقت إلى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فيتلقاني الناس فوجا فوجا، يهونني بالتوبة يقولون : لتهنك توبة الله عليك، قال كعب : حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟الس حوله الناس، فقام إلى طلحةَ بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني، والله ما قام إلي رجلٌ من المهاجرين غيره، ولا أنساها لطلحةَ، قال كعب : فلما سلمت على رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وهو يبرق وجهه من السرور : ( أبشر بخير يومَ مر عليك منذ ولدتك أمك ) . قال : قُلْت : أمن عِندَك يا رسولَ اللهِ، أم من عِندَ الله ؟ قال : ( لا، بل من عِندَ الله ) . وكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا سر استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منه، فلما جلست بين يديه قُلْت : يا رسولَ اللهِ، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسول الله، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك ) . قُلْت : فإني أمسك سهمي الذي بخيبر، فقُلْت : يا رسولَ اللهِ، إن الله إنما نجاني بالصدق، وإن من توبتي أن لا أُحُدٍث إلا صدقا مالقيت . فوالله ما أعلم أحدًا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أحسن مما أبلاني، ما تعمدت منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى يومَي هذا كذبا، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقيت . وأنزل الله على رسوله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار - إلى قوله - وكونوا مع الصادقين . فوالله ما أنعم الله علي من نعمة قط، بعد أن هداني للإسلام، أعظم في نفسي من صدقي لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا، فإن الله قال للذين كذبوا - حين أنزل الوحي - شر ما قال لأُحُدٍ، فقال تبارك وتعالى : سيحلفون بالله لكم إذا انقُلْبتم - إلى قوله - فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين . قال كعب : وكنا تخلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حين حلفوا له، فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أمرنا حتى قضى الله فيه، فبذلك قال الله : وعلى الثلاثة الذين خلفوا . وليس الذي ذكر الله مما خلفنا عن الغزو، إنما هو تخليفه إيانا، وإرجاؤه أمرنا، عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه .
أن عبد الله بن كعب بن مالك، وكان قائد كعب من بنيه حين عمي، قال : سمعت كعب بن مالك يحدث حين تخلف عن قصة تبوك، قال كعب : لم أتخلف عن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في غزوة غزاها الإ في غزوة تبوك، غير أني كنتُ تخلفت في بدر، ولم يعاتب أحدًا تخلف عنها، إنما خرج رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يريد عير قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ليلة العقبة، حين تواثقنا على الإسلام، وما أحب أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها، كان من خبري : أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر حين تخلفت عنه في تلك الغزاة، والله ما اجتمعت عِندَي قبله راحلتان قط، حتى جمعتهما في تلك الغزوة، ولم يكن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يريد غزوة إلا ورى بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة، غزاها رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في حر شديد، واستقبل سفرا بعيدا، ومفازا وعدوا كثيرا، فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم، فأخبرهم بوجهه الذي يريد، والمسلمون مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كثير، ولا يجمعهم كتاب حافظ، يريد الديوان . قال كعب : فما رجلٌ يريد أن يتغيب إلا ظن أن سيخفى له، ما لم ينزل فيه وحي الله، وغزا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟لك الغزوة حين طابت الثمار والظلال، وتجهز رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والمسلمون معه، فطفقت أغدو لكي أتجهز معهم، فأرجع ولم أقضى شيئا، فأقول في نفسي : أنا قادر عليه، فلم يزل يتمادى بي حتى اشتد بالناس الجد، فأصبح رسول صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والمسلمون معه، ولم أقض من جهازي شيئا، فقُلْت أتجهز بعده بيومَ أو يومَين ثم ألحقهم، فغدوت بعد أن فصلوا لأتجهز، فرجعت ولم أقض شيئا، ثم غدوت، ثم رجعت ولم أقض شيئا، فلم يزل بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو، وهممت أن أرتحل فأدركهم، وليتني فعلت، فلم يقدر لي ذلك، فكنتُ إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فطفت فيهم، أحزنني أني لا أرى إلا رجلًا مغموصا عليه النفاق، أو رجلًا ممن عذر الله من الضعفاء، ولم يذكرني رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتى بلغ تبوك، فقال، وهو جالس في القوم بتبوك : ( ما فعل كعب ) . فقال رجلٌ من بني سلمة : يا رسولَ اللهِ، حبسه برداه، ونظره في عطفيه . فقال مُعاذٍ بن جبل : بئس ما قُلْت، والله يا رسولَ اللهِ ما علمنا عليه الإ خيرا . فسكت رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم . قال كعب بن مالك : فلما بلغني أنه توجه قافلا حضرني همي، وطفقت أتذكر الكذب وأقول : بماذا أخرج من سخطه غدا، واستعنت على ذلك بكل ذي رأي من أهلي، فلما قيل : إن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قد أظل قادما زاح عني الباطل، وعرفت أني لن أخرج منه أبدا بشيء فيه كذب، فأجمعت صدقه، وأصبح رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قادما، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد، فيركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس، قُلْما فعل ذلك جاءه المخلفون، فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلًا، فقبل منهم رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم علانيتهم، وبايعهم واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله، فجئته، فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب، ثم قال : ( تعال ) . فجئت أمشي حتى جلست يديه، فقال لي : ( ما خلفك، ألم تكن قد ابتعت ظهرك ) . فقُلْت : بلى، إني والله - يا رسولَ اللهِ - لو جلست عِندَ غيرك من أهل الدنيا، لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أعطيت جدلا، ولكني والله، لقد علمت لئن حدثتك اليومَ حديث كذب ترضى به عني، ليوشكن الله أن يسخطك علي، ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه، إني لأرجو فيه عفو الله، لا والله، ما كان لي من عذر، والله ما كنتُ قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك . فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك ) . فقمت وثار رجال من بني سلمة فاتبعوني، فقالوا لي : والله ما علمناك كنتُ أذنبت ذنبا قبل هذا، ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بما اعتذر إليه المتخلفون، قد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟ك . فوالله ما زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي، ثم قُلْت لهم : هل لقي هذا معي أُحُدٍ ؟ قالوا : نعم، رجلان قالا مثل ما قُلْت، فقيل لهما مثل ما قيل لك، فقُلْت : من هما ؟ قالوا : مرارة بن الربيع العمري وهلال بن أمية الواقفي، فذكروا لي رجلٌين صالحين، قد شهدا بدرا، فيهما أسوة، فمضيت حين ذكروهما لي، ونهى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه، فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا، حتى تنكرت في نفسي الأرض فما هي التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنتُ أشب القوم وأجلدهم، فكنتُ أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أُحُدٍ، وآتي رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي : هل حرك شفتيه برد السلام علي أم لا ؟ ثم أصلي قريبا منه، فأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إلي، وإذا التفت نحوه أعرض عني، حتى إذا طال علي ذلك من جفوة الناس، مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي وأحب الناس إلي، فسلمت عليه، فوالله ما رد علي السلام، فقُلْت : يا أبا قتادة، أنشدك بالله هل تعلمني أحب الله ورسوله ؟ فسكت، فعدت له فنشدته فسكت، فعدت له فنشدته، فقال : الله ورسوله أعلم، ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار . قال : فبينا أنا أمشي بسوق المدينة، إذا نبطي من أنباط أهل الشأم، ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة، يقول : من يدل على كعب بن مالك، فطفق الناس يشيرون له، حتى إذا جاءني دفع إلي كتابا من ملك غسان، فإذا فيه : أما بعد، فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك . فقُلْت لما قرأتها : وهذا أيضا من البلاء، فتيممت بها التنور فسجرته بها، حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين، إذا رسول رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يأتيني فقال : إن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يأمرك أن تعتزل امرأتك، فقُلْت : أطلقها أم ماذا أفعل ؟ قال : لا، بل اعتزلها ولا تقربها . وأرسل إلى صاحبي مثل ذلك، فقُلْت لامرأتي : الحقي بأهلك، فتكوني عِندَهم حتى يقضي الله في هذا الأمر . قال كعب : فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقالتْ : يا رسولَ اللهِ، إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه ؟ قال : ( لا، ولكن لا يقربك ) . قالتْ : إنه والله ما به حركة إلى شيء، والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومَه هذا . فقال لي بعض أهلي : لو استأذنت رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في امرأتك، كما أذن لامرأة هلال بن أميه أن تخدمه ؟ فقُلْت : والله لا أستأذن فيها رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وما يدريني ما يقول رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا استأذنته فيها، وأنا رجلٌ شاب ؟ فلبثت بعد ذلك عشر ليال، حتى كملت لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن كلامنا، فلما صليت صلاة الفجر صبح خمسين ليلة، وأنا على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله، قد ضاقت علي نفسي، وضاقت علي الأرض بما رحبت، سمعت صوت صارخ، أوفى على جبل سلع، بأعلى صوته : يا كعب بن مالك أبشر ، قال : فخررت ساجدا، وعرفت أن قد جاء فرج، وآذن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بتوبة الله علينا حين صلَّى صلاة الفجر، فذهب الناس يبشروننا، وذهب قبل صاحبي مبشرون، وركض إلي رجلٌ فرسا، وسعى ساع من أسلم، فأوفى على الجبل، وكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي، فكسوته إياهما ببشراه، والله ما أملك غيرهما يومَئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما، وانطلقت إلى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فيتلقاني الناس فوجا فوجا، يهونني بالتوبة يقولون : لتهنك توبة الله عليك، قال كعب : حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟الس حوله الناس، فقام إلى طلحةَ بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني، والله ما قام إلي رجلٌ من المهاجرين غيره، ولا أنساها لطلحةَ، قال كعب : فلما سلمت على رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وهو يبرق وجهه من السرور : ( أبشر بخير يومَ مر عليك منذ ولدتك أمك ) . قال : قُلْت : أمن عِندَك يا رسولَ اللهِ، أم من عِندَ الله ؟ قال : ( لا، بل من عِندَ الله ) . وكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا سر استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منه، فلما جلست بين يديه قُلْت : يا رسولَ اللهِ، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسول الله، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك ) . قُلْت : فإني أمسك سهمي الذي بخيبر، فقُلْت : يا رسولَ اللهِ، إن الله إنما نجاني بالصدق، وإن من توبتي أن لا أُحُدٍث إلا صدقا مالقيت . فوالله ما أعلم أحدًا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أحسن مما أبلاني، ما تعمدت منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى يومَي هذا كذبا، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقيت . وأنزل الله على رسوله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار - إلى قوله - وكونوا مع الصادقين . فوالله ما أنعم الله علي من نعمة قط، بعد أن هداني للإسلام، أعظم في نفسي من صدقي لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا، فإن الله قال للذين كذبوا - حين أنزل الوحي - شر ما قال لأُحُدٍ، فقال تبارك وتعالى : سيحلفون بالله لكم إذا انقُلْبتم - إلى قوله - فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين . قال كعب : وكنا تخلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حين حلفوا له، فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أمرنا حتى قضى الله فيه، فبذلك قال الله : وعلى الثلاثة الذين خلفوا . وليس الذي ذكر الله مما خلفنا عن الغزو، إنما هو تخليفه إيانا، وإرجاؤه أمرنا، عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه .
لا مزيد من النتائج