نتائج البحث عن
«كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذ أتى رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ،»· 35 نتيجة
الترتيب:
كنت مع رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم في جمْعٍ من أصحابهِ في المسجدِ إذ دخلَ علينا رجلٌ من الأنصارِ شيخٌ كبيرٌ فسلّمَ فردّ النبي صلى الله عليه وسلم فقال له : يا أخا الأنْصارِ فيمَ جِئتنَا ؟ لك حاجةً ؟ قال : نعم يا رسولَ اللهِ جِئتكَ في حاجةٍ ، كنت قد أمرتنا بصلاةِ الليلِ وما ذكرتَ فيها من الثوابِ والخيرِ فكنت آتي بِها ، فاليومَ قد ضعفتُ عنها يا رسولَ اللهِ فعلّمنِي شيئا يقومُ لي مقامَها ، فقال : نعم يا أخا الأنصارِ ، إذا أصبحت كل يومٍ في عافيةٍ فقل : سبحانَ اللهِ وبحمدهِ سبعينَ مرةً يَغْفرُ الله لك ذنوبَ سبعينَ سنةً ، ففرحَ وفرحَ أصحابهُ لما أن سمعوا بهذا ، فقالوا : يا رسولَ اللهِ إنّ ذا لشيء خفيفٌ عظيمُ الثوابِ ، فقال : هاهنا ما هو أخَفُّ من هذا ، من قال : أشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدهُ لا شريك له ، له الملكُ وله الحمدُ يحيي ويميت وهو حيّ لا يموتُ بيدهِ الخيرِ وهو على كل شيء قديرٍ شَهِدَ بهِ شعرهُ وبشرهُ ضمنتُ له على اللهِ الجنةَ ، ومن قامَ منكُمْ فتوضّأ وأسبغَ الوضوءَ وصلّى ركعتينِ لم يُرِدْ بهما غيرَ الله ضمنتُ له على اللهِ الجنةَ
كنتُ مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في جمعٍ من أصحابهِ في المسجدِ إذ دخلَ علينا رجلٌ من الأنصارِ شيخٌ كبيرٌ فسلَّم فردَّ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال له يا أخا الأنصارِ فيمَ جئتَنا لك حاجةٌ قال نعم يا رسولَ اللهِ جِئتُكَ في حاجةٍ كنتَ قد أمرتَنا بصلاةِ اللَّيلِ وما ذكرتَ فيها من الثَّوابِ والخيرِ فكنتُ آتي بها فاليومَ قد ضعفْتُ عنها يا رسولَ اللهِ فعلِّمْني شيئًا يقومُ لي مقامَها فقال نعم يا أخا الأنصارِ إذا أصبحتَ كلَّ يومٍ في عافيةٍ فقلْ سبحان اللهِ وبحمدهِ سبعينَ مرَّةً يغفرُ اللهُ لك ذنوبَ سبعينَ سنةٍ ففرِح وفرِح أصحابُهُ لمَّا أنْ سمِعوا بهذا فقالوا يا رسولَ اللهِ إنَّ ذا لشيءٌ خفيفٌ عظيمُ الثَّوابِ فقال هاهنا ما هو أخفُّ من هذا مَن قال أشهدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له له المُلكُ وله الحمدُ يُحيي ويُميتُ وهو حيٌّ لا يموتُ بيدِهِ الخيرُ وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ شهِدَ به شعرُهُ وبشَرُهُ ضمِنتُ له على اللهِ الجنَّةَ ومن قام منكم فتوضَّأَ وأسبغَ الوضوءَ وصلَّى ركعتينِ لم يُرِدْ بهما غيرَ اللهِ ضَمنتُ له على اللهِ الجنَّةَ
كنتُ مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فجاء رجلٌ من جبالِ مكةَ إذ أقبل شيخٌ متوكِّئًا على عكازةٍ ، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : مشيةُ جِنِّيٍّ ونغمتُه ، فقال : أجل ، فقال : من أي الجنِّ أنت ؟ فقال : أنا هامةُ بنُ الهيمِ بنِ لاقيسِ بنِ إبليسَ ، فقال : لا أرى بينك وبينَه إلا أبويْنِ ، قال : أجل ، قال : كم أتى عليك ؟ قال : أكلتُ عمرَ الدنيا إلا أقلَّها ، كنتُ لياليَ قتلِ قابيلَ هابيلَ غلامًا ابنُ أعوامٍ ، أمشي على الآكامِ وأصيدُ الهامَ ، وآمرُ بفسادِ الطعامِ ، وأُورِشُ بين الناسِ ، وأُغْرِي بينهم ، فقال النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : بئس عملُ الشيخِ المتوسِّمِ ، والفتى المُتَلَوِّمِ ، قال : دعني من اللَّوْهِ والهبلِ ، فقد جرت توبتي على يديْ نوحٍ ، فكنتُ فيمن آمنَ بهِ ، فعاتبتُه على دعائِه على قومِه ، فبكى وأبكاني ، وقال : إني من النادمينَ ، ولقيتُ صالحًا فعاتبتُه في دعائِه على قومِه فبكى وأبكاني ، وكنتُ مع إبراهيمَ خليلُ الرحمنِ إذ أُلْقِيَ في النارِ ، فكنتُ بينَه وبين المنجنيقِ حتى أخرجَه اللهُ منها ، وكانت عليهِ بردًا وسلامًا ، وكنتُ مع يوسفَ حتى أخرجَه اللهُ من الجُبِّ ، ولقيتُ موسى ، وكنتُ مع عيسى ، فقال : إن لقيتَ محمدًا فأَقْرِئْهُ مني السلامَ ، يا رسولَ اللهِ ، قد بلَّغتُ وآمنتُ بك ، فقال : وعلى عيسى السلامُ ، وعليك يا هامُ ، ما حاجتك ؟ فقال : موسى علَّمني التوراةَ ، وعيسى علَّمني الإنجيلَ ، فعلِّمني القرآنَ ، قال عمرُ : فعلَّمَه رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عشرَ سورٍ ، وقُبِضَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ولم يَنْعَه إلينا ولا أراهُ حيًّا
أنه وفد إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وخرج معه بأخيه لأمِّه يُقالُ له مطرُ بنُ هلالِ بنِ عنزةَ وخرج بابنِ أخٍ له مجنونٍ ومعهم الأشجُّ وكان اسمُه المنذرُ بنُ عائذٍ فقال المنذرُ يا زارعُ خرجتَ معنا برجلٍ مجنونٍ وفتًى شابٍّ ليس منا وافدين إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال الزارعُ أما المصابُ فآتِي به رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يدعو له عسَى أن يعافيَه اللهُ وأما الفتَى العنزيُّ فإنه أخِي لأمِّي وأرجو أن يدعوَ له النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بدعوةٍ تُصيبُه دعوةُ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فما عدا أن قدِمنا المدينةَ قلنا هذاك رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فما تمالكنا أن وَثَبنا عن رواحلِنا فانطلقنا إليه سراعًا فأخذنا يدَيه ورجليه نقبِّلُهما وأناخ المنذرُ راحلتَه فعقلَها وذاك بعينِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ثم عمد إلى رواحلِنا فأناخها راحلةً راحلةً فعقَلها كلَّها ثم عمد إلى عيبَتِه ففتحها فوضع عنها ثيابَ السفرِ ثم أتَى يمشِي فقال النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يا أشجُّ إن فيك لخلُقَينِ يُحبُّهما اللهُ ورسولُه قال وما هما بأبِي وأمِّي قال الحلمُ والأناةُ قال فأنا تخلَّقتُ بهما أم اللهُ جبلني عليهما قال بل اللهُ جبَلك عليهما قال الحمدُ للهِ الذي جبَلني على خلقين يُحبُّهما اللهُ ورسولُه الحلمِ والأناةِ قال الزارعُ يا نبيَّ اللهِ بأبِي وأمِّي جئتُ بابنِ أخٍ لي مصابٍ لتدعوَ اللهَ له وهو في الركابِ قال فائتِ به قال فأتيته وقد رأيت الذي صنع الأشجُّ فأخذت عيبَتي فأخرجت منها ثوبينِ حسنينِ وألقيت عنه ثيابَ السفرِ وألبستُه إياهما ثم أخذت بيدِه فجئت به النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهو ينظرُ نظرَ المجنونِ فقال النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم اجعلْ ظهرَه من قِبَلي فأقمته فجعلت ظَهرَه من قِبلِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ووجهُه من قِبلي فأخذه ثم جرَّه بمجامعِ ردائِه فرفع يدَه حتى رأيت بياضَ إبطيه ثم ضرب بيدِه ظهرَه وقال اخرجْ عدوَّ اللهِ فالتفت وهو ينظرُ نظرَ الصحيحِ ثم أقعده بينَ يدَيه فدعا له ومسح وجهَه قال فلم تزلْ تلك المسحةُ في وجهِه وهو شيخٌ كبيرٌ كأن وجهَه وجهُ عذراءٍ شبابًا وما كان في القومِ رجلٌ يفضلُ عليه بعدَ دعوةِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ثم دعا لنا عبدُ القيسِ فقال خيرُ أهلِ المشرقِ رحم اللهُ عبدَ القيسِ إذ أسلموا غيرَ خزايا إذ أبَى بعضُ الناسِ أن يُسلِموا قال ثم لم يزلْ يدعو لنا حتى زالتِ الشمسُ قال الزارعُ يا رسولَ اللهِ إن معنا ابنُ أختٍ لنا ليس منا قال ابنُ أختِ القومِ منهم فانصرفنا راجعينَ فقال الأشجُّ إنك كنت يا زارعُ أمثلَ مني رأيًا فيهما وكان في القومِ جهمُ بنُ قثمٍ كان قد شرب قبلَ ذلك بالبحرينِ مع ابنِ عمٍّ له فقام إليه ابنُ عمِّه فضرب ساقَه بالسيفِ فكانت تلك الضربةُ في ساقِه فقال بعضُ القومِ يا رسولَ اللهِ بأبِي وأمِّي إن أرضَنا ثقيلةٌ وَخْمةٌ وإنا نشربُ من هذا الشرابِ [ على طعامِنا فقال لعلَّ أحدَكم أن يشربَ الإناءَ ثم يزدادُ إليها أخرَى حتى يأخذَ منه الشرابُ فيقومُ إلى ] ابنِ عمِّه فيضربُ ساقَه بالسيفِ فجعل يُغطِّي جهمُ بنُ قُثَمٍ ساقَه قال فنهاهم عن الدماءِ والنقيرِ والحنتمِ
خرجَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم زمنَ الحُدَيْبِيَّةِ ، حتى كانوا ببعضِ الطريقِ ، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم : إن خالدَ بنَ الوليدِ بالغَمِيمِ ، في خيلٍ لقريشٍ طليعةٍ ، فخذوا ذاتَ اليمينٍ . فواللهِ ما شَعَرَ بهم خالدٌ حتى إذا هم بقَتَرَةِ الجيشِ ، فانطَلَقَ يَرْكُضُ نذيرًا لقريشٍ ، وسار النبيُّ صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالثَّنِيَّةِ التي يَهْبِطُ عليهم منها ، برَكَتْ به راحلتُه ، فقال الناس : حلْ حلْ . فأَلَحَّتْ، فقالوا خَلَأَتِ القَصْواءُ ، خلَأَتِ القصواءُ ! فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: ما خلَأَتِ القصواءُ ، وما ذاك لها بخُلُقٍ ، ولكن حبَسَها حابسُ الفيلِ . ثم قال: والذي نفسي بيدِه ، لا يَسْأَلُونَنِي خطةً يُعَظِّمون فيها حرماتِ اللهِ إلا أَعْطَيْتُهم إيَّاها . ثم زجَرَها فوثَبَتْ ، قال : فعَدَلَ عنهم حتى نزَلَ بأقصى الحديبيةِ على ثَمَدٍ قليلِ الماءِ ، يَتَبَرَّضُه الناسُ تَبَرُّضًا ، فلم يَلْبَثْه الناسُ حتى نَزَحُوه ، وشُكِيَ إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم العطشُ ، فانتَزَعَ سهمًا مِن كِنانتِه ، ثم أمَرَهم أن يَجْعَلُوه فيه ، فواللهِ، مازالَ يَجِيشُ لهم بالرَّيِّ حتى صدروا عنه ، فبينما هم كذلك إذ جاءَ بُدَيْلُ بنُ وَرْقاءَ الخُزَاعِيُّ في نفرٍ مِن قومِه مِن خُزاعةَ ، وكانوا عَيْبَةَ نصحِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِن أهل تِهامةَ ، فقال : إني تَرَكْتُ كعبَ بنَ لُؤَيٍّ، وعامرَ بنَ لُؤَيٍّ نزلوا أعدادَ مياهِ الحديبيةِ ، ومعهم العوذُ المَطافِيلُ ، وهم مُقاتِلوكَ، وصادُّوك عن البيتِ ، فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: إنا لم نَجِئْ لقتالِ أحدٍ ، ولكنَّا جِئْنَا مُعْتَمِرِين ، وإن قريشًا قد نَهِكَتْهم الحربُ ، وأَضَرَّتْ بهم ، فإن شاؤُوا مادَدْتُهم مدةً ، ويُخَلُّوا بيني وبينَ الناسِ ، فإن أظْهَرَ فإن شاؤوا أن يَدْخُلوا فيما دخَلَ فيه الناسُ فعلوا ؛ وإلا فقد جَمُّوا ، وإن هم أبَوْا ، فوالذي نفسي بيدِه لأُقاتِلَنَّهم على أمري هذا حتى تَنْفَرِدَ سالفتي ، وليَنْقَذَنَّ اللهُ أمرَه . فقال بُدْيلُ : سأُبْلِغُهم ما تقولُ . قال : فانطَلَقَ حتى أتى قريشًا ، قال : إنا قد جِئْنَاكم مِن هذا الرجلِ ، وسَمِعْنَاه يقولُ قولًا ، فإن شِئْتُم أن نَعْرِضَه عليكم فعَلْنَا ، فقال سفهاؤُهم : لا حاجةَ لنا أن تُخْبِرَنا عنه بشيءٍ ، وقال ذَوُو الرأيِ منهم : هاتِ ما سَمِعْتَه يقولُ . قال : سَمِعْتُه يقولُ كذا وكذا ، فحَدَّثَهم بما قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم ، فقام عروةُ بنُ مسعودٍ فقال : أَيْ قومُ ، أَلَسْتُم بالوالدِ ؟ قالوا : بلى. قال : أو لسْتُ بالولدِ ؟ قالوا : بلى. قال : فهل تَتَّهِمُونني ؟ قالوا : لا. قال : ألستم تَعْلَمُون أني استَنْفَرْتُ أهلَ عُكاظٍ ، فلما بَلَّحوا عليَّ جِئْتُكم بأهلي، وولدِي، ومَن أطاعَنِي ؟ قالوا : بلى. قال : فإن هذا قد عَرَضَ لكم خطةَ رُشْدٍ ، اقبلوها ودَعُوني آتِيه ، قالوا : ائْتِه . فأَتَاه ، فجَعل يُكَلِّمُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: نحوًا مِن قولِه لبُدَيْلٍ ، فقال عروةُ عندَ ذلك : أَيْ محمدُ ، أَرَأَيْتَ إن استَأْصَلْتَ أمرَ قومِك ، هل سَمِعْتَ بأحدٍ مِن العربِ اجتاحَ أهلَه قبلَكَ ؟! وإن تَكُنْ الأخرى، فإني واللهِ، لَأَرَىَ وجوهًا ، وإني لَأَرى أشوابًا مِن الناسِ خليقًا أن يَفِرُّوا ويَدَعُوكَ ، فقال له أبو بكرٍ : امْصُصْ ببظرِ اللاتِ! أنَحْنُ نَفِرُّ عنه ونَدَعُه ؟ فقال : مَن ذا ؟ قالوا : أبو بكرٍ . قال: أما والذي نفسي بيدِه ، لولا يدٌ كانت لك عندي لم أُجْزِكْ بها لأَجَبْتُكَ . قال : وجعَلَ يُكَلِّمُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فكلما تكَلَّمَ أخَذَ بلحيتِه ، والمغيرةُ بنُ شعبةَ قائمٌ على رأسِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ، ومعه السيفُ، وعليه المِغْفَرُ ، فكُلَّمَا أهوى عروةُ بيدِه إلى لحيةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ضرَبَ يدَه بنعلِ السيفِ ، وقال له: أَخِّرْ يدَك عن لحيةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ، فرَفَعَ عروةُ رأسَه ، فقال : مَن هذا ؟ قالوا : المغيرةُ بنُ شعبةَ. فقال : أَيْ غُدَرُ ، أَلَسْتُ أَسعى في غَدْرَتِك. وكان المغيرةُ صَحِبَ قومًا في الجاهليةِ فقَتَلَهم ، وأخَذَ أموالَهم ، ثم جاء فأَسْلَمَ ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: أَمَّا الإسلامُ فأَقْبَلُ ، وأَمَّا المالُ فلَسْتُ منه في شيءٍ . ثم إن عروةَ جعَلَ يَرْمُقُ أصحابَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم بعينِه ، قال : فواللهِ، ما تَنَخَّمَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم نُخَامَةَ إلا وقَعَتْ في كفِّ رجلٍ منهم ، فدَلَّكَ بها وجهَه وجلدَه ، وإذا أمَرَهم ابتدروا أمرَه ، وإذا توضأَ كادوا يَقْتَتِلون على وضوئِه ، وإذا تكَلَّمَ خَفَضُوا أصواتَهم عندَه ، وما يُحِدُّون إليه النظرَ؛ تعظيمًا له ، فرجَعَ عروةُ إلى أصحابِه فقال: أَيْ قومُ ، واللهِ، لقد وفَدْتُ على الملوكِ ، ووَفَدْتُ على قَيْصَرَ، وكسرى، والنَجَاشِيِّ ، واللهِ، إن رَأَيْتُ مِلْكًا قطُّ يُعِظِّمُه أصحابُه ما يُعِظِّمُ أصحابُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم محمدًا ، واللهِ، إن تَنَخَّمَ نُخامةً إلا وقَعَتْ في كفِّ رجلٍ منهم فدَلَّك بها وجهَه وجلدَه ، وإذا أَمَرَهم ابتدروا أمرَه ، وإذا توضأَ كادوا يَقْتَتِلون على وضوئِه ، وإذا تكَلَّم خَفَّضُوا أصواتَهم عندَه ، وما يُحِدُّون إليه النظرَ؛ تعظيمًا له، وإنه قد عَرَضَ عليكم خطةَ رُشْدٍ فأَقْبَلُوها . فقال رجلٌ مِن بني كِنانةَ : دَعُوني آتِيه . فقالوا : ائتِه . فلما أَشْرَفَ على النبيِّ صلى الله عليه وسلم وأصحابِه ، قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: هذا فلانٌ ، وهو مِن قوم يُعَظِّمون البُدْنَ ، فابعثُوها له. فبُعِثَتْ له ، واستَقْبَلَه الناسُ يُلَبُّون ، فلما رأى ذلك قال : سبحانَ اللهِ ، ما ينبغي لهؤلاء أن يُصَدُّوا عن البيتِ ، فلما رجَعَ إلى أصحابِه قال : رأَيْتُ قد قُلِّدَتْ وأُشِعْرَتْ ، فما أرى أن يُصَدُّوا عن البيتِ . فقام رجلٌ منهم ، يَقالُ له: مِكْرَزُ بْنُ حفصٍ ، فقال : دعوني آتيه . فقالوا : ائْتِه. فلما أَشْرَفَ عليهم ، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم : هذا مِكْرَزٌ ، وهو رجلٌ فاجرٌ. فجَعَلَ يُكَلِّمُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فبينما هو يُكَلِّمُه؛ إذ جاء سُهَيْلُ بنُ عمرٍو . قال مَعْمَرٌ : فأَخْبَرَني أيوبُ ، عن عَكْرِمَةَ : أنه لما جاءَ سُهَيْلُ بنُ عمرٍو: قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: لقد سَهُلَ لكم مِن أمرِكم. قال مَعْمَرٌ : قال الزهريُّ في حديثِه : فجاءَ سهيلُ بنُ عمرٍو فقال: هاتِ اكتُبْ بينَنَا وبينَكم كتابًا، فدعا النبيُّ صلى الله عليه وسلم الكاتبَ ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ . قال سهيلٌ : أَمَّا الرحمنُ فواللهِ ما أدري ما هو ، ولكن اكتُبْ باسمِك اللهمَّ، كما كنتَ تَكْتُبْ . فقال المسلمون : واللهِ لا نَكْتُبْها إلا بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ . فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: اكتُبْ باسمِك اللهمَّ . ثم قال: هذا ما قاضى عليه محمدٌ رسولُ اللهِ . فقال سهيلٌ : واللهِ، لو كنَّا نَعْلَمُ أنك رسولُ اللهِ ما صَدَدْنَاك عن البيتِ، ولا قاتلْنَاك ، ولكِنْ اكتُبْ : محمدُ بنُ عبدِ اللهِ ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: واللهِ، إني لرسولُ اللهِ وإن كَذَّبْتُموني ، اكتُبْ : محمدُ بنُ عبدِ الله . قال الزُّهْرِيُّ : وذلك لقولِه: لا يَسْأَلُونَنِي خطةً يُعِظِّمون بها حرماتِ اللهِ إلا أَعْطَيْتُهم إيَّاها. فقال له النبيُّ صلى الله عليه وسلم : على أن تُخَلُّوا بينَنا وبينَ البيت فنَطُوفُ به. فقال سهيلٌ : واللهِ، لا تَتَحَدَّثُ العربُ أَنَّا أُخِذْنَا ضُغْطَةً؛ ولكن ذلك مِن العامِ المُقْبِلِ . فكتَبَ ، فقال سهيلٌ : وعلى أنه لا يَأْتِيك منا رجلٌ ، وإن كان على دينِك إلا ردَدْتَه إلينا . قال المسلمون : سبحانَ اللهِ ! كيف يُرَدُّ إلى المشركين وقد جاء مسلمًا! فبينما هم كذلك؛ إذ دخَلَ أبو جَنْدَلٍ بنُ سُهَيْلِ بنِ عمرٍو يَرْسُفُ في قيودِه ، وقد خرَجَ ِمِن أسفلِ مكةَ حتى رَمى بنفسِه بينَ أظهرِ المسلمين ، فقال سهيلٌ : هذا يا محمدُ، أولُ ما أُقاضِيكَ عليه أن تَرُدَّه إليَّ . فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: إنا لم نَقْضِ الكتابَ بعدُ. قال: فواللهِ، إذًا لم أُصَالِحْكَ على شيءٍ أبدًا ، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: فأَجِزْه لي . قال : ما أنا بمجيزِه لكَ . قال: بلى فافْعَلْ . قال : ما أنا بفاعلٍ . قال مِكْرَزٌ : بل قد أَجَزْنَاه لك . قال أبو جندلٍ : أَيْ معشرَ المسلمين ، أُرَدُّ إلى المشركين وقد جِئْتُ مسلمًا ، ألا ترون ما قد لَقِيتُ ؟ وكان قد عُذِّبَ عذابًا شديدًا في اللهِ . قال : فقال عمرُ بنُ الخطابِ : فأَتَيْتُ نبيَّ اللهِ صلى الله عليه وسلم فقُلْتُ : ألستَ نبيَّ اللهِ حقًّا ؟ قال: بلى . قلتُ : أَلَسْنَا على الحقِّ، وعدوُّنَا على الباطلِ ؟ قال: بلى. قلتُ : فلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ في دينِنَا إذًا ؟ قال: إني رسولُ اللهِ ، ولَسْتُ أَعْصِيه ، وهو ناصرِي . قلتُ: أَوَلَيْسَ كنتَ تُحَدِّثُنَا أَنَّا سنأتي البيتَ فنَطُوفُ به ؟ قال : بلى، فأَخْبَرْتُك أَنَّا نَأْتِيه العامَ؟ قال : قلتُ: لا. قال: فإنك آتيه ومُطَوِّفٌ به . قال : فأَتَيْتُ أبا بكرٍ فقُلْتُ : يا أبا بكرٍ ، أليس هذا نبيَّ اللهِ حقًّا ؟ قال: بلى . قلتُ : أَلَسْنَا على الحقِّ، وعدُّونا على الباطلِ ؟ قال : بلى . قلتُ : فلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ في ديننِا إذًا ؟ قال : أيُّها الرجلُ، إنه لرسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، وليس يَعْصِي ربَّه ، وهو ناصرُه ، فاستَمْسِكْ بغرزِه ، فواللهِ إنه على الحقِّ. قلتُ : أليسَ كان يُحَدِّثُنَا أَنَّا سنَأْتِي البيتَ ونَطُوفُ به ؟ قال : بلى ، أَفَأَخْبَرَكَ أَنَّك تَأْتِيه العامَ؟ قلتُ: لا . قال : فإنك آتِيه ومُطَوِّفٌ به . قال الزُّهْرِيُّ : قال عمرُ: فعَمِلْتُ لذلكَ أعمالًا . قال : فلما فَرَغَ مِن قضيةِ الكتابِ ، قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لأصحابِه: قوموا فانحَرُوا ثم احْلِقُوا . قال : فواللهِ، ما قام منهم رجلٌ حتى قال ذلك ثلاثَ مراتٍ ، فلما لم يَقُمْ منهم أحدٌ دخَلَ على أمِّ سَلَمَةَ ، فذَكَرَ لها ما لَقِيَ مِن الناسِ ، فقالت أمُّ سَلَمَةَ : يانبيَّ اللهِ ، أَتَحُبُّ ذلك ، اخرُجْ لا تُكَلِّمْ أحدًا منهم كلمةً ، حتى تَنْحَرَ بُدْنَك ، وتَدْعُوَ حالقَك فيَحْلِقَكَ . فخَرَجَ فلم يُكَلِّمْ أحدًا منهم حتى فعَلَ ذلك ، نحَرَ بُدْنَه ، ودعا حالقَه فحَلَقَه ، فلما رأَوْا ذلك قاموا فنَحَرُوا وجعَلَ بعضُهم يَحْلِقُ بعضًا ، حتى كاد بعضُهم يُقْتَلُ غمًّا ، ثم جاءَه نسوةٌ مُؤْمناتٌ ، فأَنْزَلَ اللهُ تعالى : يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن - حتى بلغ - بعصم الكوافر . فطَلَّقَ عمرُ يومئذٍ امرأتين، كانَتَا له في الشركِ ، فتَزَوَّجَ إحداهما معاويةُ بنُ أبي سفيانَ ، والأخرى صفوانُ بنُ أُمَيَّةَ ، ثم رجَعَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى المدينةِ، فجَاءَه أبو بَصِيرٍ ، رجلٌ مِن قريشٍ وهو مسلمٌ، فأَرْسَلُوا في طلبِه رجلين ، فقالوا : العهدَ الذي جَعَلْتَ لنا . فدَفَعَه إلى الرَّجُلَيْن ، فخَرَجا به حتى إذا بلَغَا ذا الحُلَيْفَةِ ، فنزلوا يَأْكُلون مِن تمرٍ لهم ، فقال أبو بَصِيرٍ لأحدِ الرجلين : والله إني لأَرى سيفَك هذا يا فلانُ جيدًا ، فاستلَّه الآخرُ ، فقال : أجلِ ، والله إنه لجيدٌ ، لقد جَرَّبْتُ به ، ثم جَرَّبْتُ. فقال أبو بِصِيرٍ : أًرِنِي أنظُرْ إليه؟ فأَمْكَنَه منه ، فضَرَبَه حتى بَرَدَ ، وفرَّ الآخرُ حتى أتى المدينةَ ، فدَخَلَ المسجدَ يَعْدُو! فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حين رآه : لقد رأى هذا ذُعْرًا . فلما انتهى إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: قُتِلَ واللهِ صاحبي، وإني لمقتولٌ. فجاء أبو بَصِيرٍ، فقال : يا نبيَّ اللهِ ، قد واللهِ أَوْفَى اللهُ ذمتَك ، قد رَدَدْتَني إليهم ، ثم نَجَّانِي اللهُ منهم . قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: وَيْلَ أمِّه ، مِسْعَرُ حربٍ ، لو كان له أحدٌ . فلما سَمِعَ ذلك عَرَفَ أنه سَيَرُدُّه إليهم ، فخَرَجَ حتى أتى سِيفَ البحرِ ، قال : ويَنْفَلِتُ منهم أبو جندلِ بنِ سهيلٍ ، فلَحِقَ بأبي بَصِيرٍ ، فجَعَلَ لا يَخْرُجُ مِن قريشٍ رجلٌ قد أسَلَمَ إلا لِحِقَ بأبي بَصِيرٍ ، حتى اجتمَعَتْ منهم عِصابةٌ، فواللهِ، ما يَسْمَعُونَ بعِيرٍ خَرَجَتْ لقريشٍ إلى الشَّأْمِ إلا اعترضوا لها ، فقَتَلُوهم وأَخَذُوا أموالَهم ، فأَرْسَلَتْ قريشٌ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم تُنَاشِدُه باللهِ والرَّحِمِ لمَّا أَرْسَلَ : فمَن آتاه فهو آمنٌ ، فأَرْسَلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم إليهم ، فأَنْزَلَ الله تعالى : وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم - حتى بلغ - الحمية حمية الجاهلية . وكانت حمِيَّتُهم أنهم لم يُقِرُّوا أنه نبيُّ اللهِ ، ولم يَقُرِّوا ببسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ ، وحالوا بينَهم وبينَ البيتِ .
خرجَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم زمنَ الحُدَيْبِيَّةِ ، حتى كانوا ببعضِ الطريقِ ، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم : إن خالدَ بنَ الوليدِ بالغَمِيمِ ، في خيلٍ لقريشٍ طليعةٍ ، فخذوا ذاتَ اليمينٍ . فواللهِ ما شَعَرَ بهم خالدٌ حتى إذا هم بقَتَرَةِ الجيشِ ، فانطَلَقَ يَرْكُضُ نذيرًا لقريشٍ ، وسار النبيُّ صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالثَّنِيَّةِ التي يَهْبِطُ عليهم منها ، برَكَتْ به راحلتُه ، فقال الناس : حلْ حلْ . فأَلَحَّتْ، فقالوا خَلَأَتِ القَصْواءُ ، خلَأَتِ القصواءُ ! فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: ما خلَأَتِ القصواءُ ، وما ذاك لها بخُلُقٍ ، ولكن حبَسَها حابسُ الفيلِ . ثم قال: والذي نفسي بيدِه ، لا يَسْأَلُونَنِي خطةً يُعَظِّمون فيها حرماتِ اللهِ إلا أَعْطَيْتُهم إيَّاها . ثم زجَرَها فوثَبَتْ ، قال : فعَدَلَ عنهم حتى نزَلَ بأقصى الحديبيةِ على ثَمَدٍ قليلِ الماءِ ، يَتَبَرَّضُه الناسُ تَبَرُّضًا ، فلم يَلْبَثْه الناسُ حتى نَزَحُوه ، وشُكِيَ إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم العطشُ ، فانتَزَعَ سهمًا مِن كِنانتِه ، ثم أمَرَهم أن يَجْعَلُوه فيه ، فواللهِ، مازالَ يَجِيشُ لهم بالرَّيِّ حتى صدروا عنه ، فبينما هم كذلك إذ جاءَ بُدَيْلُ بنُ وَرْقاءَ الخُزَاعِيُّ في نفرٍ مِن قومِه مِن خُزاعةَ ، وكانوا عَيْبَةَ نصحِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِن أهل تِهامةَ ، فقال : إني تَرَكْتُ كعبَ بنَ لُؤَيٍّ، وعامرَ بنَ لُؤَيٍّ نزلوا أعدادَ مياهِ الحديبيةِ ، ومعهم العوذُ المَطافِيلُ ، وهم مُقاتِلوكَ، وصادُّوك عن البيتِ ، فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: إنا لم نَجِئْ لقتالِ أحدٍ ، ولكنَّا جِئْنَا مُعْتَمِرِين ، وإن قريشًا قد نَهِكَتْهم الحربُ ، وأَضَرَّتْ بهم ، فإن شاؤُوا مادَدْتُهم مدةً ، ويُخَلُّوا بيني وبينَ الناسِ ، فإن أظْهَرَ فإن شاؤوا أن يَدْخُلوا فيما دخَلَ فيه الناسُ فعلوا ؛ وإلا فقد جَمُّوا ، وإن هم أبَوْا ، فوالذي نفسي بيدِه لأُقاتِلَنَّهم على أمري هذا حتى تَنْفَرِدَ سالفتي ، وليَنْقَذَنَّ اللهُ أمرَه . فقال بُدْيلُ : سأُبْلِغُهم ما تقولُ . قال : فانطَلَقَ حتى أتى قريشًا ، قال : إنا قد جِئْنَاكم مِن هذا الرجلِ ، وسَمِعْنَاه يقولُ قولًا ، فإن شِئْتُم أن نَعْرِضَه عليكم فعَلْنَا ، فقال سفهاؤُهم : لا حاجةَ لنا أن تُخْبِرَنا عنه بشيءٍ ، وقال ذَوُو الرأيِ منهم : هاتِ ما سَمِعْتَه يقولُ . قال : سَمِعْتُه يقولُ كذا وكذا ، فحَدَّثَهم بما قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم ، فقام عروةُ بنُ مسعودٍ فقال : أَيْ قومُ ، أَلَسْتُم بالوالدِ ؟ قالوا : بلى. قال : أو لسْتُ بالولدِ ؟ قالوا : بلى. قال : فهل تَتَّهِمُونني ؟ قالوا : لا. قال : ألستم تَعْلَمُون أني استَنْفَرْتُ أهلَ عُكاظٍ ، فلما بَلَّحوا عليَّ جِئْتُكم بأهلي، وولدِي، ومَن أطاعَنِي ؟ قالوا : بلى. قال : فإن هذا قد عَرَضَ لكم خطةَ رُشْدٍ ، اقبلوها ودَعُوني آتِيه ، قالوا : ائْتِه . فأَتَاه ، فجَعل يُكَلِّمُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: نحوًا مِن قولِه لبُدَيْلٍ ، فقال عروةُ عندَ ذلك : أَيْ محمدُ ، أَرَأَيْتَ إن استَأْصَلْتَ أمرَ قومِك ، هل سَمِعْتَ بأحدٍ مِن العربِ اجتاحَ أهلَه قبلَكَ ؟! وإن تَكُنْ الأخرى، فإني واللهِ، لَأَرَىَ وجوهًا ، وإني لَأَرى أشوابًا مِن الناسِ خليقًا أن يَفِرُّوا ويَدَعُوكَ ، فقال له أبو بكرٍ : امْصُصْ ببظرِ اللاتِ! أنَحْنُ نَفِرُّ عنه ونَدَعُه ؟ فقال : مَن ذا ؟ قالوا : أبو بكرٍ . قال: أما والذي نفسي بيدِه ، لولا يدٌ كانت لك عندي لم أُجْزِكْ بها لأَجَبْتُكَ . قال : وجعَلَ يُكَلِّمُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فكلما تكَلَّمَ أخَذَ بلحيتِه ، والمغيرةُ بنُ شعبةَ قائمٌ على رأسِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ، ومعه السيفُ، وعليه المِغْفَرُ ، فكُلَّمَا أهوى عروةُ بيدِه إلى لحيةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ضرَبَ يدَه بنعلِ السيفِ ، وقال له: أَخِّرْ يدَك عن لحيةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ، فرَفَعَ عروةُ رأسَه ، فقال : مَن هذا ؟ قالوا : المغيرةُ بنُ شعبةَ . فقال : أَيْ غُدَرُ ، أَلَسْتُ أَسعى في غَدْرَتِك. وكان المغيرةُ صَحِبَ قومًا في الجاهليةِ فقَتَلَهم ، وأخَذَ أموالَهم ، ثم جاء فأَسْلَمَ ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: أَمَّا الإسلامُ فأَقْبَلُ ، وأَمَّا المالُ فلَسْتُ منه في شيءٍ . ثم إن عروةَ جعَلَ يَرْمُقُ أصحابَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم بعينِه ، قال : فواللهِ، ما تَنَخَّمَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم نُخَامَةَ إلا وقَعَتْ في كفِّ رجلٍ منهم ، فدَلَّكَ بها وجهَه وجلدَه ، وإذا أمَرَهم ابتدروا أمرَه ، وإذا توضأَ كادوا يَقْتَتِلون على وضوئِه ، وإذا تكَلَّمَ خَفَضُوا أصواتَهم عندَه ، وما يُحِدُّون إليه النظرَ؛ تعظيمًا له ، فرجَعَ عروةُ إلى أصحابِه فقال: أَيْ قومُ ، واللهِ، لقد وفَدْتُ على الملوكِ ، ووَفَدْتُ على قَيْصَرَ، وكسرى، والنَجَاشِيِّ ، واللهِ، إن رَأَيْتُ مِلْكًا قطُّ يُعِظِّمُه أصحابُه ما يُعِظِّمُ أصحابُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم محمدًا ، واللهِ، إن تَنَخَّمَ نُخامةً إلا وقَعَتْ في كفِّ رجلٍ منهم فدَلَّك بها وجهَه وجلدَه ، وإذا أَمَرَهم ابتدروا أمرَه ، وإذا توضأَ كادوا يَقْتَتِلون على وضوئِه ، وإذا تكَلَّم خَفَّضُوا أصواتَهم عندَه ، وما يُحِدُّون إليه النظرَ؛ تعظيمًا له، وإنه قد عَرَضَ عليكم خطةَ رُشْدٍ فأَقْبَلُوها . فقال رجلٌ مِن بني كِنانةَ : دَعُوني آتِيه . فقالوا : ائتِه . فلما أَشْرَفَ على النبيِّ صلى الله عليه وسلم وأصحابِه ، قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: هذا فلانٌ ، وهو مِن قوم يُعَظِّمون البُدْنَ ، فابعثُوها له. فبُعِثَتْ له ، واستَقْبَلَه الناسُ يُلَبُّون ، فلما رأى ذلك قال : سبحانَ اللهِ ، ما ينبغي لهؤلاء أن يُصَدُّوا عن البيتِ ، فلما رجَعَ إلى أصحابِه قال : رأَيْتُ قد قُلِّدَتْ وأُشِعْرَتْ ، فما أرى أن يُصَدُّوا عن البيتِ . فقام رجلٌ منهم ، يَقالُ له: مِكْرَزُ بْنُ حفصٍ ، فقال : دعوني آتيه . فقالوا : ائْتِه. فلما أَشْرَفَ عليهم ، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم : هذا مِكْرَزٌ ، وهو رجلٌ فاجرٌ. فجَعَلَ يُكَلِّمُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فبينما هو يُكَلِّمُه؛ إذ جاء سُهَيْلُ بنُ عمرٍو . قال مَعْمَرٌ : فأَخْبَرَني أيوبُ ، عن عَكْرِمَةَ : أنه لما جاءَ سُهَيْلُ بنُ عمرٍو: قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: لقد سَهُلَ لكم مِن أمرِكم. قال مَعْمَرٌ : قال الزهريُّ في حديثِه : فجاءَ سهيلُ بنُ عمرٍو فقال: هاتِ اكتُبْ بينَنَا وبينَكم كتابًا، فدعا النبيُّ صلى الله عليه وسلم الكاتبَ ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ . قال سهيلٌ : أَمَّا الرحمنُ فواللهِ ما أدري ما هو ، ولكن اكتُبْ باسمِك اللهمَّ، كما كنتَ تَكْتُبْ . فقال المسلمون : واللهِ لا نَكْتُبْها إلا بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ . فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: اكتُبْ باسمِك اللهمَّ . ثم قال: هذا ما قاضى عليه محمدٌ رسولُ اللهِ . فقال سهيلٌ : واللهِ، لو كنَّا نَعْلَمُ أنك رسولُ اللهِ ما صَدَدْنَاك عن البيتِ، ولا قاتلْنَاك ، ولكِنْ اكتُبْ : محمدُ بنُ عبدِ اللهِ ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: واللهِ، إني لرسولُ اللهِ وإن كَذَّبْتُموني ، اكتُبْ : محمدُ بنُ عبدِ الله . قال الزُّهْرِيُّ : وذلك لقولِه: لا يَسْأَلُونَنِي خطةً يُعِظِّمون بها حرماتِ اللهِ إلا أَعْطَيْتُهم إيَّاها. فقال له النبيُّ صلى الله عليه وسلم : على أن تُخَلُّوا بينَنا وبينَ البيت فنَطُوفُ به. فقال سهيلٌ : واللهِ، لا تَتَحَدَّثُ العربُ أَنَّا أُخِذْنَا ضُغْطَةً؛ ولكن ذلك مِن العامِ المُقْبِلِ . فكتَبَ ، فقال سهيلٌ : وعلى أنه لا يَأْتِيك منا رجلٌ ، وإن كان على دينِك إلا ردَدْتَه إلينا . قال المسلمون : سبحانَ اللهِ ! كيف يُرَدُّ إلى المشركين وقد جاء مسلمًا! فبينما هم كذلك؛ إذ دخَلَ أبو جَنْدَلٍ بنُ سُهَيْلِ بنِ عمرٍو يَرْسُفُ في قيودِه ، وقد خرَجَ ِمِن أسفلِ مكةَ حتى رَمى بنفسِه بينَ أظهرِ المسلمين ، فقال سهيلٌ : هذا يا محمدُ، أولُ ما أُقاضِيكَ عليه أن تَرُدَّه إليَّ . فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: إنا لم نَقْضِ الكتابَ بعدُ. قال: فواللهِ، إذًا لم أُصَالِحْكَ على شيءٍ أبدًا ، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: فأَجِزْه لي . قال : ما أنا بمجيزِه لكَ . قال: بلى فافْعَلْ . قال : ما أنا بفاعلٍ . قال مِكْرَزٌ : بل قد أَجَزْنَاه لك . قال أبو جندلٍ : أَيْ معشرَ المسلمين ، أُرَدُّ إلى المشركين وقد جِئْتُ مسلمًا ، ألا ترون ما قد لَقِيتُ ؟ وكان قد عُذِّبَ عذابًا شديدًا في اللهِ . قال : فقال عمرُ بنُ الخطابِ : فأَتَيْتُ نبيَّ اللهِ صلى الله عليه وسلم فقُلْتُ : ألستَ نبيَّ اللهِ حقًّا ؟ قال: بلى . قلتُ : أَلَسْنَا على الحقِّ، وعدوُّنَا على الباطلِ ؟ قال: بلى. قلتُ : فلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ في دينِنَا إذًا ؟ قال: إني رسولُ اللهِ ، ولَسْتُ أَعْصِيه ، وهو ناصرِي . قلتُ: أَوَلَيْسَ كنتَ تُحَدِّثُنَا أَنَّا سنأتي البيتَ فنَطُوفُ به ؟ قال : بلى، فأَخْبَرْتُك أَنَّا نَأْتِيه العامَ؟ قال : قلتُ: لا. قال: فإنك آتيه ومُطَوِّفٌ به . قال : فأَتَيْتُ أبا بكرٍ فقُلْتُ : يا أبا بكرٍ ، أليس هذا نبيَّ اللهِ حقًّا ؟ قال: بلى . قلتُ : أَلَسْنَا على الحقِّ، وعدُّونا على الباطلِ ؟ قال : بلى . قلتُ : فلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ في ديننِا إذًا ؟ قال : أيُّها الرجلُ، إنه لرسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، وليس يَعْصِي ربَّه ، وهو ناصرُه ، فاستَمْسِكْ بغرزِه ، فواللهِ إنه على الحقِّ. قلتُ : أليسَ كان يُحَدِّثُنَا أَنَّا سنَأْتِي البيتَ ونَطُوفُ به ؟ قال : بلى ، أَفَأَخْبَرَكَ أَنَّك تَأْتِيه العامَ؟ قلتُ: لا . قال : فإنك آتِيه ومُطَوِّفٌ به . قال الزُّهْرِيُّ : قال عمرُ: فعَمِلْتُ لذلكَ أعمالًا . قال : فلما فَرَغَ مِن قضيةِ الكتابِ ، قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لأصحابِه: قوموا فانحَرُوا ثم احْلِقُوا . قال : فواللهِ، ما قام منهم رجلٌ حتى قال ذلك ثلاثَ مراتٍ ، فلما لم يَقُمْ منهم أحدٌ دخَلَ على أمِّ سَلَمَةَ ، فذَكَرَ لها ما لَقِيَ مِن الناسِ ، فقالت أمُّ سَلَمَةَ : يانبيَّ اللهِ ، أَتَحُبُّ ذلك ، اخرُجْ لا تُكَلِّمْ أحدًا منهم كلمةً ، حتى تَنْحَرَ بُدْنَك ، وتَدْعُوَ حالقَك فيَحْلِقَكَ . فخَرَجَ فلم يُكَلِّمْ أحدًا منهم حتى فعَلَ ذلك ، نحَرَ بُدْنَه ، ودعا حالقَه فحَلَقَه ، فلما رأَوْا ذلك قاموا فنَحَرُوا وجعَلَ بعضُهم يَحْلِقُ بعضًا ، حتى كاد بعضُهم يُقْتَلُ غمًّا ، ثم جاءَه نسوةٌ مُؤْمناتٌ ، فأَنْزَلَ اللهُ تعالى : يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن - حتى بلغ - بعصم الكوافر . فطَلَّقَ عمرُ يومئذٍ امرأتين، كانَتَا له في الشركِ ، فتَزَوَّجَ إحداهما معاويةُ بنُ أبي سفيانَ ، والأخرى صفوانُ بنُ أُمَيَّةَ ، ثم رجَعَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى المدينةِ، فجَاءَه أبو بَصِيرٍ ، رجلٌ مِن قريشٍ وهو مسلمٌ، فأَرْسَلُوا في طلبِه رجلين ، فقالوا : العهدَ الذي جَعَلْتَ لنا . فدَفَعَه إلى الرَّجُلَيْن ، فخَرَجا به حتى إذا بلَغَا ذا الحُلَيْفَةِ ، فنزلوا يَأْكُلون مِن تمرٍ لهم ، فقال أبو بَصِيرٍ لأحدِ الرجلين : والله إني لأَرى سيفَك هذا يا فلانُ جيدًا ، فاستلَّه الآخرُ ، فقال : أجلِ ، والله إنه لجيدٌ ، لقد جَرَّبْتُ به ، ثم جَرَّبْتُ. فقال أبو بِصِيرٍ : أًرِنِي أنظُرْ إليه؟ فأَمْكَنَه منه ، فضَرَبَه حتى بَرَدَ ، وفرَّ الآخرُ حتى أتى المدينةَ ، فدَخَلَ المسجدَ يَعْدُو! فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حين رآه : لقد رأى هذا ذُعْرًا . فلما انتهى إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: قُتِلَ واللهِ صاحبي، وإني لمقتولٌ. فجاء أبو بَصِيرٍ، فقال : يا نبيَّ اللهِ ، قد واللهِ أَوْفَى اللهُ ذمتَك ، قد رَدَدْتَني إليهم ، ثم نَجَّانِي اللهُ منهم . قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: وَيْلَ أمِّه ، مِسْعَرُ حربٍ ، لو كان له أحدٌ . فلما سَمِعَ ذلك عَرَفَ أنه سَيَرُدُّه إليهم ، فخَرَجَ حتى أتى سِيفَ البحرِ ، قال : ويَنْفَلِتُ منهم أبو جندلِ بنِ سهيلٍ ، فلَحِقَ بأبي بَصِيرٍ ، فجَعَلَ لا يَخْرُجُ مِن قريشٍ رجلٌ قد أسَلَمَ إلا لِحِقَ بأبي بَصِيرٍ ، حتى اجتمَعَتْ منهم عِصابةٌ، فواللهِ، ما يَسْمَعُونَ بعِيرٍ خَرَجَتْ لقريشٍ إلى الشَّأْمِ إلا اعترضوا لها ، فقَتَلُوهم وأَخَذُوا أموالَهم ، فأَرْسَلَتْ قريشٌ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم تُنَاشِدُه باللهِ والرَّحِمِ لمَّا أَرْسَلَ : فمَن آتاه فهو آمنٌ ، فأَرْسَلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم إليهم ، فأَنْزَلَ الله تعالى : وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم - حتى بلغ - الحمية حمية الجاهلية . وكانت حمِيَّتُهم أنهم لم يُقِرُّوا أنه نبيُّ اللهِ ، ولم يَقُرِّوا ببسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ ، وحالوا بينَهم وبينَ البيتِ .
خرجَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم زمنَ الحُدَيْبِيَّةِ ، حتى كانوا ببعضِ الطريقِ ، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم : إن خالدَ بنَ الوليدِ بالغَمِيمِ ، في خيلٍ لقريشٍ طليعةٍ ، فخذوا ذاتَ اليمينٍ . فواللهِ ما شَعَرَ بهم خالدٌ حتى إذا هم بقَتَرَةِ الجيشِ ، فانطَلَقَ يَرْكُضُ نذيرًا لقريشٍ ، وسار النبيُّ صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالثَّنِيَّةِ التي يَهْبِطُ عليهم منها ، برَكَتْ به راحلتُه ، فقال الناس : حلْ حلْ . فأَلَحَّتْ، فقالوا خَلَأَتِ القَصْواءُ ، خلَأَتِ القصواءُ ! فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: ما خلَأَتِ القصواءُ ، وما ذاك لها بخُلُقٍ ، ولكن حبَسَها حابسُ الفيلِ . ثم قال: والذي نفسي بيدِه ، لا يَسْأَلُونَنِي خطةً يُعَظِّمون فيها حرماتِ اللهِ إلا أَعْطَيْتُهم إيَّاها . ثم زجَرَها فوثَبَتْ ، قال : فعَدَلَ عنهم حتى نزَلَ بأقصى الحديبيةِ على ثَمَدٍ قليلِ الماءِ ، يَتَبَرَّضُه الناسُ تَبَرُّضًا ، فلم يَلْبَثْه الناسُ حتى نَزَحُوه ، وشُكِيَ إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم العطشُ ، فانتَزَعَ سهمًا مِن كِنانتِه ، ثم أمَرَهم أن يَجْعَلُوه فيه ، فواللهِ، مازالَ يَجِيشُ لهم بالرَّيِّ حتى صدروا عنه ، فبينما هم كذلك إذ جاءَ بُدَيْلُ بنُ وَرْقاءَ الخُزَاعِيُّ في نفرٍ مِن قومِه مِن خُزاعةَ ، وكانوا عَيْبَةَ نصحِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِن أهل تِهامةَ ، فقال : إني تَرَكْتُ كعبَ بنَ لُؤَيٍّ، وعامرَ بنَ لُؤَيٍّ نزلوا أعدادَ مياهِ الحديبيةِ ، ومعهم العوذُ المَطافِيلُ ، وهم مُقاتِلوكَ، وصادُّوك عن البيتِ ، فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: إنا لم نَجِئْ لقتالِ أحدٍ ، ولكنَّا جِئْنَا مُعْتَمِرِين ، وإن قريشًا قد نَهِكَتْهم الحربُ ، وأَضَرَّتْ بهم ، فإن شاؤُوا مادَدْتُهم مدةً ، ويُخَلُّوا بيني وبينَ الناسِ ، فإن أظْهَرَ فإن شاؤوا أن يَدْخُلوا فيما دخَلَ فيه الناسُ فعلوا ؛ وإلا فقد جَمُّوا ، وإن هم أبَوْا ، فوالذي نفسي بيدِه لأُقاتِلَنَّهم على أمري هذا حتى تَنْفَرِدَ سالفتي ، وليَنْقَذَنَّ اللهُ أمرَه . فقال بُدْيلُ : سأُبْلِغُهم ما تقولُ . قال : فانطَلَقَ حتى أتى قريشًا ، قال : إنا قد جِئْنَاكم مِن هذا الرجلِ ، وسَمِعْنَاه يقولُ قولًا ، فإن شِئْتُم أن نَعْرِضَه عليكم فعَلْنَا ، فقال سفهاؤُهم : لا حاجةَ لنا أن تُخْبِرَنا عنه بشيءٍ ، وقال ذَوُو الرأيِ منهم : هاتِ ما سَمِعْتَه يقولُ . قال : سَمِعْتُه يقولُ كذا وكذا ، فحَدَّثَهم بما قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم ، فقام عروةُ بنُ مسعودٍ فقال : أَيْ قومُ ، أَلَسْتُم بالوالدِ ؟ قالوا : بلى. قال : أو لسْتُ بالولدِ ؟ قالوا : بلى. قال : فهل تَتَّهِمُونني ؟ قالوا : لا. قال : ألستم تَعْلَمُون أني استَنْفَرْتُ أهلَ عُكاظٍ ، فلما بَلَّحوا عليَّ جِئْتُكم بأهلي، وولدِي، ومَن أطاعَنِي ؟ قالوا : بلى. قال : فإن هذا قد عَرَضَ لكم خطةَ رُشْدٍ ، اقبلوها ودَعُوني آتِيه ، قالوا : ائْتِه . فأَتَاه ، فجَعل يُكَلِّمُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: نحوًا مِن قولِه لبُدَيْلٍ ، فقال عروةُ عندَ ذلك : أَيْ محمدُ ، أَرَأَيْتَ إن استَأْصَلْتَ أمرَ قومِك ، هل سَمِعْتَ بأحدٍ مِن العربِ اجتاحَ أهلَه قبلَكَ ؟! وإن تَكُنْ الأخرى، فإني واللهِ، لَأَرَىَ وجوهًا ، وإني لَأَرى أشوابًا مِن الناسِ خليقًا أن يَفِرُّوا ويَدَعُوكَ ، فقال له أبو بكرٍ : امْصُصْ ببظرِ اللاتِ! أنَحْنُ نَفِرُّ عنه ونَدَعُه ؟ فقال : مَن ذا ؟ قالوا : أبو بكرٍ . قال: أما والذي نفسي بيدِه ، لولا يدٌ كانت لك عندي لم أُجْزِكْ بها لأَجَبْتُكَ . قال : وجعَلَ يُكَلِّمُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فكلما تكَلَّمَ أخَذَ بلحيتِه ، والمغيرةُ بنُ شعبةَ قائمٌ على رأسِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ، ومعه السيفُ، وعليه المِغْفَرُ ، فكُلَّمَا أهوى عروةُ بيدِه إلى لحيةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ضرَبَ يدَه بنعلِ السيفِ ، وقال له: أَخِّرْ يدَك عن لحيةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ، فرَفَعَ عروةُ رأسَه ، فقال : مَن هذا ؟ قالوا : المغيرةُ بنُ شعبةَ. فقال : أَيْ غُدَرُ ، أَلَسْتُ أَسعى في غَدْرَتِك. وكان المغيرةُ صَحِبَ قومًا في الجاهليةِ فقَتَلَهم ، وأخَذَ أموالَهم ، ثم جاء فأَسْلَمَ ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: أَمَّا الإسلامُ فأَقْبَلُ ، وأَمَّا المالُ فلَسْتُ منه في شيءٍ . ثم إن عروةَ جعَلَ يَرْمُقُ أصحابَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم بعينِه ، قال : فواللهِ، ما تَنَخَّمَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم نُخَامَةَ إلا وقَعَتْ في كفِّ رجلٍ منهم ، فدَلَّكَ بها وجهَه وجلدَه ، وإذا أمَرَهم ابتدروا أمرَه ، وإذا توضأَ كادوا يَقْتَتِلون على وضوئِه ، وإذا تكَلَّمَ خَفَضُوا أصواتَهم عندَه ، وما يُحِدُّون إليه النظرَ؛ تعظيمًا له ، فرجَعَ عروةُ إلى أصحابِه فقال: أَيْ قومُ ، واللهِ، لقد وفَدْتُ على الملوكِ ، ووَفَدْتُ على قَيْصَرَ، وكسرى، والنَجَاشِيِّ ، واللهِ، إن رَأَيْتُ مِلْكًا قطُّ يُعِظِّمُه أصحابُه ما يُعِظِّمُ أصحابُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم محمدًا ، واللهِ، إن تَنَخَّمَ نُخامةً إلا وقَعَتْ في كفِّ رجلٍ منهم فدَلَّك بها وجهَه وجلدَه ، وإذا أَمَرَهم ابتدروا أمرَه ، وإذا توضأَ كادوا يَقْتَتِلون على وضوئِه ، وإذا تكَلَّم خَفَّضُوا أصواتَهم عندَه ، وما يُحِدُّون إليه النظرَ؛ تعظيمًا له، وإنه قد عَرَضَ عليكم خطةَ رُشْدٍ فأَقْبَلُوها . فقال رجلٌ مِن بني كِنانةَ : دَعُوني آتِيه . فقالوا : ائتِه . فلما أَشْرَفَ على النبيِّ صلى الله عليه وسلم وأصحابِه ، قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: هذا فلانٌ ، وهو مِن قوم يُعَظِّمون البُدْنَ ، فابعثُوها له. فبُعِثَتْ له ، واستَقْبَلَه الناسُ يُلَبُّون ، فلما رأى ذلك قال : سبحانَ اللهِ ، ما ينبغي لهؤلاء أن يُصَدُّوا عن البيتِ ، فلما رجَعَ إلى أصحابِه قال : رأَيْتُ قد قُلِّدَتْ وأُشِعْرَتْ ، فما أرى أن يُصَدُّوا عن البيتِ . فقام رجلٌ منهم ، يَقالُ له: مِكْرَزُ بْنُ حفصٍ ، فقال : دعوني آتيه . فقالوا : ائْتِه. فلما أَشْرَفَ عليهم ، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم : هذا مِكْرَزٌ ، وهو رجلٌ فاجرٌ. فجَعَلَ يُكَلِّمُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فبينما هو يُكَلِّمُه؛ إذ جاء سُهَيْلُ بنُ عمرٍو . قال مَعْمَرٌ : فأَخْبَرَني أيوبُ ، عن عَكْرِمَةَ : أنه لما جاءَ سُهَيْلُ بنُ عمرٍو: قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: لقد سَهُلَ لكم مِن أمرِكم . قال مَعْمَرٌ : قال الزهريُّ في حديثِه : فجاءَ سهيلُ بنُ عمرٍو فقال: هاتِ اكتُبْ بينَنَا وبينَكم كتابًا، فدعا النبيُّ صلى الله عليه وسلم الكاتبَ ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ . قال سهيلٌ : أَمَّا الرحمنُ فواللهِ ما أدري ما هو ، ولكن اكتُبْ باسمِك اللهمَّ، كما كنتَ تَكْتُبْ . فقال المسلمون : واللهِ لا نَكْتُبْها إلا بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ . فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: اكتُبْ باسمِك اللهمَّ . ثم قال: هذا ما قاضى عليه محمدٌ رسولُ اللهِ . فقال سهيلٌ : واللهِ، لو كنَّا نَعْلَمُ أنك رسولُ اللهِ ما صَدَدْنَاك عن البيتِ، ولا قاتلْنَاك ، ولكِنْ اكتُبْ : محمدُ بنُ عبدِ اللهِ ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: واللهِ، إني لرسولُ اللهِ وإن كَذَّبْتُموني ، اكتُبْ : محمدُ بنُ عبدِ الله . قال الزُّهْرِيُّ : وذلك لقولِه: لا يَسْأَلُونَنِي خطةً يُعِظِّمون بها حرماتِ اللهِ إلا أَعْطَيْتُهم إيَّاها. فقال له النبيُّ صلى الله عليه وسلم : على أن تُخَلُّوا بينَنا وبينَ البيت فنَطُوفُ به. فقال سهيلٌ : واللهِ، لا تَتَحَدَّثُ العربُ أَنَّا أُخِذْنَا ضُغْطَةً؛ ولكن ذلك مِن العامِ المُقْبِلِ . فكتَبَ ، فقال سهيلٌ : وعلى أنه لا يَأْتِيك منا رجلٌ ، وإن كان على دينِك إلا ردَدْتَه إلينا . قال المسلمون : سبحانَ اللهِ ! كيف يُرَدُّ إلى المشركين وقد جاء مسلمًا! فبينما هم كذلك؛ إذ دخَلَ أبو جَنْدَلٍ بنُ سُهَيْلِ بنِ عمرٍو يَرْسُفُ في قيودِه ، وقد خرَجَ ِمِن أسفلِ مكةَ حتى رَمى بنفسِه بينَ أظهرِ المسلمين ، فقال سهيلٌ : هذا يا محمدُ، أولُ ما أُقاضِيكَ عليه أن تَرُدَّه إليَّ . فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: إنا لم نَقْضِ الكتابَ بعدُ. قال: فواللهِ، إذًا لم أُصَالِحْكَ على شيءٍ أبدًا ، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: فأَجِزْه لي . قال : ما أنا بمجيزِه لكَ . قال: بلى فافْعَلْ . قال : ما أنا بفاعلٍ . قال مِكْرَزٌ : بل قد أَجَزْنَاه لك . قال أبو جندلٍ : أَيْ معشرَ المسلمين ، أُرَدُّ إلى المشركين وقد جِئْتُ مسلمًا ، ألا ترون ما قد لَقِيتُ ؟ وكان قد عُذِّبَ عذابًا شديدًا في اللهِ . قال : فقال عمرُ بنُ الخطابِ : فأَتَيْتُ نبيَّ اللهِ صلى الله عليه وسلم فقُلْتُ : ألستَ نبيَّ اللهِ حقًّا ؟ قال: بلى . قلتُ : أَلَسْنَا على الحقِّ، وعدوُّنَا على الباطلِ ؟ قال: بلى. قلتُ : فلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ في دينِنَا إذًا ؟ قال: إني رسولُ اللهِ ، ولَسْتُ أَعْصِيه ، وهو ناصرِي . قلتُ: أَوَلَيْسَ كنتَ تُحَدِّثُنَا أَنَّا سنأتي البيتَ فنَطُوفُ به ؟ قال : بلى، فأَخْبَرْتُك أَنَّا نَأْتِيه العامَ؟ قال : قلتُ: لا. قال: فإنك آتيه ومُطَوِّفٌ به . قال : فأَتَيْتُ أبا بكرٍ فقُلْتُ : يا أبا بكرٍ ، أليس هذا نبيَّ اللهِ حقًّا ؟ قال: بلى . قلتُ : أَلَسْنَا على الحقِّ، وعدُّونا على الباطلِ ؟ قال : بلى . قلتُ : فلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ في ديننِا إذًا ؟ قال : أيُّها الرجلُ، إنه لرسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، وليس يَعْصِي ربَّه ، وهو ناصرُه ، فاستَمْسِكْ بغرزِه ، فواللهِ إنه على الحقِّ. قلتُ : أليسَ كان يُحَدِّثُنَا أَنَّا سنَأْتِي البيتَ ونَطُوفُ به ؟ قال : بلى ، أَفَأَخْبَرَكَ أَنَّك تَأْتِيه العامَ؟ قلتُ: لا . قال : فإنك آتِيه ومُطَوِّفٌ به . قال الزُّهْرِيُّ : قال عمرُ: فعَمِلْتُ لذلكَ أعمالًا . قال : فلما فَرَغَ مِن قضيةِ الكتابِ ، قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لأصحابِه: قوموا فانحَرُوا ثم احْلِقُوا . قال : فواللهِ، ما قام منهم رجلٌ حتى قال ذلك ثلاثَ مراتٍ ، فلما لم يَقُمْ منهم أحدٌ دخَلَ على أمِّ سَلَمَةَ ، فذَكَرَ لها ما لَقِيَ مِن الناسِ ، فقالت أمُّ سَلَمَةَ : يانبيَّ اللهِ ، أَتَحُبُّ ذلك ، اخرُجْ لا تُكَلِّمْ أحدًا منهم كلمةً ، حتى تَنْحَرَ بُدْنَك ، وتَدْعُوَ حالقَك فيَحْلِقَكَ . فخَرَجَ فلم يُكَلِّمْ أحدًا منهم حتى فعَلَ ذلك ، نحَرَ بُدْنَه ، ودعا حالقَه فحَلَقَه ، فلما رأَوْا ذلك قاموا فنَحَرُوا وجعَلَ بعضُهم يَحْلِقُ بعضًا ، حتى كاد بعضُهم يُقْتَلُ غمًّا ، ثم جاءَه نسوةٌ مُؤْمناتٌ ، فأَنْزَلَ اللهُ تعالى : يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن - حتى بلغ - بعصم الكوافر . فطَلَّقَ عمرُ يومئذٍ امرأتين، كانَتَا له في الشركِ ، فتَزَوَّجَ إحداهما معاويةُ بنُ أبي سفيانَ ، والأخرى صفوانُ بنُ أُمَيَّةَ ، ثم رجَعَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى المدينةِ، فجَاءَه أبو بَصِيرٍ ، رجلٌ مِن قريشٍ وهو مسلمٌ، فأَرْسَلُوا في طلبِه رجلين ، فقالوا : العهدَ الذي جَعَلْتَ لنا . فدَفَعَه إلى الرَّجُلَيْن ، فخَرَجا به حتى إذا بلَغَا ذا الحُلَيْفَةِ ، فنزلوا يَأْكُلون مِن تمرٍ لهم ، فقال أبو بَصِيرٍ لأحدِ الرجلين : والله إني لأَرى سيفَك هذا يا فلانُ جيدًا ، فاستلَّه الآخرُ ، فقال : أجلِ ، والله إنه لجيدٌ ، لقد جَرَّبْتُ به ، ثم جَرَّبْتُ. فقال أبو بِصِيرٍ : أًرِنِي أنظُرْ إليه؟ فأَمْكَنَه منه ، فضَرَبَه حتى بَرَدَ ، وفرَّ الآخرُ حتى أتى المدينةَ ، فدَخَلَ المسجدَ يَعْدُو! فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حين رآه : لقد رأى هذا ذُعْرًا . فلما انتهى إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: قُتِلَ واللهِ صاحبي، وإني لمقتولٌ. فجاء أبو بَصِيرٍ، فقال : يا نبيَّ اللهِ ، قد واللهِ أَوْفَى اللهُ ذمتَك ، قد رَدَدْتَني إليهم ، ثم نَجَّانِي اللهُ منهم . قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: وَيْلَ أمِّه ، مِسْعَرُ حربٍ ، لو كان له أحدٌ . فلما سَمِعَ ذلك عَرَفَ أنه سَيَرُدُّه إليهم ، فخَرَجَ حتى أتى سِيفَ البحرِ ، قال : ويَنْفَلِتُ منهم أبو جندلِ بنِ سهيلٍ ، فلَحِقَ بأبي بَصِيرٍ ، فجَعَلَ لا يَخْرُجُ مِن قريشٍ رجلٌ قد أسَلَمَ إلا لِحِقَ بأبي بَصِيرٍ ، حتى اجتمَعَتْ منهم عِصابةٌ، فواللهِ، ما يَسْمَعُونَ بعِيرٍ خَرَجَتْ لقريشٍ إلى الشَّأْمِ إلا اعترضوا لها ، فقَتَلُوهم وأَخَذُوا أموالَهم ، فأَرْسَلَتْ قريشٌ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم تُنَاشِدُه باللهِ والرَّحِمِ لمَّا أَرْسَلَ : فمَن آتاه فهو آمنٌ ، فأَرْسَلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم إليهم ، فأَنْزَلَ الله تعالى : وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم - حتى بلغ - الحمية حمية الجاهلية . وكانت حمِيَّتُهم أنهم لم يُقِرُّوا أنه نبيُّ اللهِ ، ولم يَقُرِّوا ببسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ ، وحالوا بينَهم وبينَ البيتِ .
خرجَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم زمنَ الحُدَيْبِيَّةِ ، حتى كانوا ببعضِ الطريقِ ، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم : إن خالدَ بنَ الوليدِ بالغَمِيمِ ، في خيلٍ لقريشٍ طليعةٍ ، فخذوا ذاتَ اليمينٍ . فواللهِ ما شَعَرَ بهم خالدٌ حتى إذا هم بقَتَرَةِ الجيشِ ، فانطَلَقَ يَرْكُضُ نذيرًا لقريشٍ ، وسار النبيُّ صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالثَّنِيَّةِ التي يَهْبِطُ عليهم منها ، برَكَتْ به راحلتُه ، فقال الناس : حلْ حلْ . فأَلَحَّتْ، فقالوا خَلَأَتِ القَصْواءُ ، خلَأَتِ القصواءُ ! فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: ما خلَأَتِ القصواءُ ، وما ذاك لها بخُلُقٍ ، ولكن حبَسَها حابسُ الفيلِ . ثم قال: والذي نفسي بيدِه ، لا يَسْأَلُونَنِي خطةً يُعَظِّمون فيها حرماتِ اللهِ إلا أَعْطَيْتُهم إيَّاها . ثم زجَرَها فوثَبَتْ ، قال : فعَدَلَ عنهم حتى نزَلَ بأقصى الحديبيةِ على ثَمَدٍ قليلِ الماءِ ، يَتَبَرَّضُه الناسُ تَبَرُّضًا ، فلم يَلْبَثْه الناسُ حتى نَزَحُوه ، وشُكِيَ إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم العطشُ ، فانتَزَعَ سهمًا مِن كِنانتِه ، ثم أمَرَهم أن يَجْعَلُوه فيه ، فواللهِ، مازالَ يَجِيشُ لهم بالرَّيِّ حتى صدروا عنه ، فبينما هم كذلك إذ جاءَ بُدَيْلُ بنُ وَرْقاءَ الخُزَاعِيُّ في نفرٍ مِن قومِه مِن خُزاعةَ ، وكانوا عَيْبَةَ نصحِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِن أهل تِهامةَ ، فقال : إني تَرَكْتُ كعبَ بنَ لُؤَيٍّ، وعامرَ بنَ لُؤَيٍّ نزلوا أعدادَ مياهِ الحديبيةِ ، ومعهم العوذُ المَطافِيلُ ، وهم مُقاتِلوكَ، وصادُّوك عن البيتِ ، فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: إنا لم نَجِئْ لقتالِ أحدٍ ، ولكنَّا جِئْنَا مُعْتَمِرِين ، وإن قريشًا قد نَهِكَتْهم الحربُ ، وأَضَرَّتْ بهم ، فإن شاؤُوا مادَدْتُهم مدةً ، ويُخَلُّوا بيني وبينَ الناسِ ، فإن أظْهَرَ فإن شاؤوا أن يَدْخُلوا فيما دخَلَ فيه الناسُ فعلوا ؛ وإلا فقد جَمُّوا ، وإن هم أبَوْا ، فوالذي نفسي بيدِه لأُقاتِلَنَّهم على أمري هذا حتى تَنْفَرِدَ سالفتي ، وليَنْقَذَنَّ اللهُ أمرَه . فقال بُدْيلُ : سأُبْلِغُهم ما تقولُ . قال : فانطَلَقَ حتى أتى قريشًا ، قال : إنا قد جِئْنَاكم مِن هذا الرجلِ ، وسَمِعْنَاه يقولُ قولًا ، فإن شِئْتُم أن نَعْرِضَه عليكم فعَلْنَا ، فقال سفهاؤُهم : لا حاجةَ لنا أن تُخْبِرَنا عنه بشيءٍ ، وقال ذَوُو الرأيِ منهم : هاتِ ما سَمِعْتَه يقولُ . قال : سَمِعْتُه يقولُ كذا وكذا ، فحَدَّثَهم بما قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم ، فقام عروةُ بنُ مسعودٍ فقال : أَيْ قومُ ، أَلَسْتُم بالوالدِ ؟ قالوا : بلى. قال : أو لسْتُ بالولدِ ؟ قالوا : بلى. قال : فهل تَتَّهِمُونني ؟ قالوا : لا. قال : ألستم تَعْلَمُون أني استَنْفَرْتُ أهلَ عُكاظٍ ، فلما بَلَّحوا عليَّ جِئْتُكم بأهلي، وولدِي، ومَن أطاعَنِي ؟ قالوا : بلى. قال : فإن هذا قد عَرَضَ لكم خطةَ رُشْدٍ ، اقبلوها ودَعُوني آتِيه ، قالوا : ائْتِه . فأَتَاه ، فجَعل يُكَلِّمُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: نحوًا مِن قولِه لبُدَيْلٍ ، فقال عروةُ عندَ ذلك : أَيْ محمدُ ، أَرَأَيْتَ إن استَأْصَلْتَ أمرَ قومِك ، هل سَمِعْتَ بأحدٍ مِن العربِ اجتاحَ أهلَه قبلَكَ ؟! وإن تَكُنْ الأخرى، فإني واللهِ، لَأَرَىَ وجوهًا ، وإني لَأَرى أشوابًا مِن الناسِ خليقًا أن يَفِرُّوا ويَدَعُوكَ ، فقال له أبو بكرٍ : امْصُصْ ببظرِ اللاتِ! أنَحْنُ نَفِرُّ عنه ونَدَعُه ؟ فقال : مَن ذا ؟ قالوا : أبو بكرٍ . قال: أما والذي نفسي بيدِه ، لولا يدٌ كانت لك عندي لم أُجْزِكْ بها لأَجَبْتُكَ . قال : وجعَلَ يُكَلِّمُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فكلما تكَلَّمَ أخَذَ بلحيتِه ، والمغيرةُ بنُ شعبةَ قائمٌ على رأسِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ، ومعه السيفُ ، وعليه المِغْفَرُ ، فكُلَّمَا أهوى عروةُ بيدِه إلى لحيةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ضرَبَ يدَه بنعلِ السيفِ ، وقال له: أَخِّرْ يدَك عن لحيةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ، فرَفَعَ عروةُ رأسَه ، فقال : مَن هذا ؟ قالوا : المغيرةُ بنُ شعبةَ. فقال : أَيْ غُدَرُ ، أَلَسْتُ أَسعى في غَدْرَتِك. وكان المغيرةُ صَحِبَ قومًا في الجاهليةِ فقَتَلَهم ، وأخَذَ أموالَهم ، ثم جاء فأَسْلَمَ ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: أَمَّا الإسلامُ فأَقْبَلُ ، وأَمَّا المالُ فلَسْتُ منه في شيءٍ . ثم إن عروةَ جعَلَ يَرْمُقُ أصحابَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم بعينِه ، قال : فواللهِ، ما تَنَخَّمَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم نُخَامَةَ إلا وقَعَتْ في كفِّ رجلٍ منهم ، فدَلَّكَ بها وجهَه وجلدَه ، وإذا أمَرَهم ابتدروا أمرَه ، وإذا توضأَ كادوا يَقْتَتِلون على وضوئِه ، وإذا تكَلَّمَ خَفَضُوا أصواتَهم عندَه ، وما يُحِدُّون إليه النظرَ؛ تعظيمًا له ، فرجَعَ عروةُ إلى أصحابِه فقال: أَيْ قومُ ، واللهِ، لقد وفَدْتُ على الملوكِ ، ووَفَدْتُ على قَيْصَرَ، وكسرى، والنَجَاشِيِّ ، واللهِ، إن رَأَيْتُ مِلْكًا قطُّ يُعِظِّمُه أصحابُه ما يُعِظِّمُ أصحابُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم محمدًا ، واللهِ، إن تَنَخَّمَ نُخامةً إلا وقَعَتْ في كفِّ رجلٍ منهم فدَلَّك بها وجهَه وجلدَه ، وإذا أَمَرَهم ابتدروا أمرَه ، وإذا توضأَ كادوا يَقْتَتِلون على وضوئِه ، وإذا تكَلَّم خَفَّضُوا أصواتَهم عندَه ، وما يُحِدُّون إليه النظرَ؛ تعظيمًا له، وإنه قد عَرَضَ عليكم خطةَ رُشْدٍ فأَقْبَلُوها . فقال رجلٌ مِن بني كِنانةَ : دَعُوني آتِيه . فقالوا : ائتِه . فلما أَشْرَفَ على النبيِّ صلى الله عليه وسلم وأصحابِه ، قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: هذا فلانٌ ، وهو مِن قوم يُعَظِّمون البُدْنَ ، فابعثُوها له. فبُعِثَتْ له ، واستَقْبَلَه الناسُ يُلَبُّون ، فلما رأى ذلك قال : سبحانَ اللهِ ، ما ينبغي لهؤلاء أن يُصَدُّوا عن البيتِ ، فلما رجَعَ إلى أصحابِه قال : رأَيْتُ قد قُلِّدَتْ وأُشِعْرَتْ ، فما أرى أن يُصَدُّوا عن البيتِ . فقام رجلٌ منهم ، يَقالُ له: مِكْرَزُ بْنُ حفصٍ ، فقال : دعوني آتيه . فقالوا : ائْتِه. فلما أَشْرَفَ عليهم ، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم : هذا مِكْرَزٌ ، وهو رجلٌ فاجرٌ. فجَعَلَ يُكَلِّمُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فبينما هو يُكَلِّمُه؛ إذ جاء سُهَيْلُ بنُ عمرٍو . قال مَعْمَرٌ : فأَخْبَرَني أيوبُ ، عن عَكْرِمَةَ : أنه لما جاءَ سُهَيْلُ بنُ عمرٍو: قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: لقد سَهُلَ لكم مِن أمرِكم. قال مَعْمَرٌ : قال الزهريُّ في حديثِه : فجاءَ سهيلُ بنُ عمرٍو فقال: هاتِ اكتُبْ بينَنَا وبينَكم كتابًا، فدعا النبيُّ صلى الله عليه وسلم الكاتبَ ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ . قال سهيلٌ : أَمَّا الرحمنُ فواللهِ ما أدري ما هو ، ولكن اكتُبْ باسمِك اللهمَّ، كما كنتَ تَكْتُبْ . فقال المسلمون : واللهِ لا نَكْتُبْها إلا بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ . فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: اكتُبْ باسمِك اللهمَّ . ثم قال: هذا ما قاضى عليه محمدٌ رسولُ اللهِ . فقال سهيلٌ : واللهِ، لو كنَّا نَعْلَمُ أنك رسولُ اللهِ ما صَدَدْنَاك عن البيتِ، ولا قاتلْنَاك ، ولكِنْ اكتُبْ : محمدُ بنُ عبدِ اللهِ ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: واللهِ، إني لرسولُ اللهِ وإن كَذَّبْتُموني ، اكتُبْ : محمدُ بنُ عبدِ الله . قال الزُّهْرِيُّ : وذلك لقولِه: لا يَسْأَلُونَنِي خطةً يُعِظِّمون بها حرماتِ اللهِ إلا أَعْطَيْتُهم إيَّاها. فقال له النبيُّ صلى الله عليه وسلم : على أن تُخَلُّوا بينَنا وبينَ البيت فنَطُوفُ به. فقال سهيلٌ : واللهِ، لا تَتَحَدَّثُ العربُ أَنَّا أُخِذْنَا ضُغْطَةً؛ ولكن ذلك مِن العامِ المُقْبِلِ . فكتَبَ ، فقال سهيلٌ : وعلى أنه لا يَأْتِيك منا رجلٌ ، وإن كان على دينِك إلا ردَدْتَه إلينا . قال المسلمون : سبحانَ اللهِ ! كيف يُرَدُّ إلى المشركين وقد جاء مسلمًا! فبينما هم كذلك؛ إذ دخَلَ أبو جَنْدَلٍ بنُ سُهَيْلِ بنِ عمرٍو يَرْسُفُ في قيودِه ، وقد خرَجَ ِمِن أسفلِ مكةَ حتى رَمى بنفسِه بينَ أظهرِ المسلمين ، فقال سهيلٌ : هذا يا محمدُ، أولُ ما أُقاضِيكَ عليه أن تَرُدَّه إليَّ . فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: إنا لم نَقْضِ الكتابَ بعدُ. قال: فواللهِ، إذًا لم أُصَالِحْكَ على شيءٍ أبدًا ، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: فأَجِزْه لي . قال : ما أنا بمجيزِه لكَ . قال: بلى فافْعَلْ . قال : ما أنا بفاعلٍ . قال مِكْرَزٌ : بل قد أَجَزْنَاه لك . قال أبو جندلٍ : أَيْ معشرَ المسلمين ، أُرَدُّ إلى المشركين وقد جِئْتُ مسلمًا ، ألا ترون ما قد لَقِيتُ ؟ وكان قد عُذِّبَ عذابًا شديدًا في اللهِ . قال : فقال عمرُ بنُ الخطابِ : فأَتَيْتُ نبيَّ اللهِ صلى الله عليه وسلم فقُلْتُ : ألستَ نبيَّ اللهِ حقًّا ؟ قال: بلى . قلتُ : أَلَسْنَا على الحقِّ، وعدوُّنَا على الباطلِ ؟ قال: بلى. قلتُ : فلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ في دينِنَا إذًا ؟ قال: إني رسولُ اللهِ ، ولَسْتُ أَعْصِيه ، وهو ناصرِي . قلتُ: أَوَلَيْسَ كنتَ تُحَدِّثُنَا أَنَّا سنأتي البيتَ فنَطُوفُ به ؟ قال : بلى، فأَخْبَرْتُك أَنَّا نَأْتِيه العامَ؟ قال : قلتُ: لا. قال: فإنك آتيه ومُطَوِّفٌ به . قال : فأَتَيْتُ أبا بكرٍ فقُلْتُ : يا أبا بكرٍ ، أليس هذا نبيَّ اللهِ حقًّا ؟ قال: بلى . قلتُ : أَلَسْنَا على الحقِّ، وعدُّونا على الباطلِ ؟ قال : بلى . قلتُ : فلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ في ديننِا إذًا ؟ قال : أيُّها الرجلُ، إنه لرسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، وليس يَعْصِي ربَّه ، وهو ناصرُه ، فاستَمْسِكْ بغرزِه ، فواللهِ إنه على الحقِّ. قلتُ : أليسَ كان يُحَدِّثُنَا أَنَّا سنَأْتِي البيتَ ونَطُوفُ به ؟ قال : بلى ، أَفَأَخْبَرَكَ أَنَّك تَأْتِيه العامَ؟ قلتُ: لا . قال : فإنك آتِيه ومُطَوِّفٌ به . قال الزُّهْرِيُّ : قال عمرُ: فعَمِلْتُ لذلكَ أعمالًا . قال : فلما فَرَغَ مِن قضيةِ الكتابِ ، قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لأصحابِه: قوموا فانحَرُوا ثم احْلِقُوا . قال : فواللهِ، ما قام منهم رجلٌ حتى قال ذلك ثلاثَ مراتٍ ، فلما لم يَقُمْ منهم أحدٌ دخَلَ على أمِّ سَلَمَةَ ، فذَكَرَ لها ما لَقِيَ مِن الناسِ ، فقالت أمُّ سَلَمَةَ : يانبيَّ اللهِ ، أَتَحُبُّ ذلك ، اخرُجْ لا تُكَلِّمْ أحدًا منهم كلمةً ، حتى تَنْحَرَ بُدْنَك ، وتَدْعُوَ حالقَك فيَحْلِقَكَ . فخَرَجَ فلم يُكَلِّمْ أحدًا منهم حتى فعَلَ ذلك ، نحَرَ بُدْنَه ، ودعا حالقَه فحَلَقَه ، فلما رأَوْا ذلك قاموا فنَحَرُوا وجعَلَ بعضُهم يَحْلِقُ بعضًا ، حتى كاد بعضُهم يُقْتَلُ غمًّا ، ثم جاءَه نسوةٌ مُؤْمناتٌ ، فأَنْزَلَ اللهُ تعالى : يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن - حتى بلغ - بعصم الكوافر . فطَلَّقَ عمرُ يومئذٍ امرأتين، كانَتَا له في الشركِ ، فتَزَوَّجَ إحداهما معاويةُ بنُ أبي سفيانَ ، والأخرى صفوانُ بنُ أُمَيَّةَ ، ثم رجَعَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى المدينةِ، فجَاءَه أبو بَصِيرٍ ، رجلٌ مِن قريشٍ وهو مسلمٌ، فأَرْسَلُوا في طلبِه رجلين ، فقالوا : العهدَ الذي جَعَلْتَ لنا . فدَفَعَه إلى الرَّجُلَيْن ، فخَرَجا به حتى إذا بلَغَا ذا الحُلَيْفَةِ ، فنزلوا يَأْكُلون مِن تمرٍ لهم ، فقال أبو بَصِيرٍ لأحدِ الرجلين : والله إني لأَرى سيفَك هذا يا فلانُ جيدًا ، فاستلَّه الآخرُ ، فقال : أجلِ ، والله إنه لجيدٌ ، لقد جَرَّبْتُ به ، ثم جَرَّبْتُ. فقال أبو بِصِيرٍ : أًرِنِي أنظُرْ إليه؟ فأَمْكَنَه منه ، فضَرَبَه حتى بَرَدَ ، وفرَّ الآخرُ حتى أتى المدينةَ ، فدَخَلَ المسجدَ يَعْدُو! فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حين رآه : لقد رأى هذا ذُعْرًا . فلما انتهى إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: قُتِلَ واللهِ صاحبي، وإني لمقتولٌ. فجاء أبو بَصِيرٍ، فقال : يا نبيَّ اللهِ ، قد واللهِ أَوْفَى اللهُ ذمتَك ، قد رَدَدْتَني إليهم ، ثم نَجَّانِي اللهُ منهم . قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: وَيْلَ أمِّه ، مِسْعَرُ حربٍ ، لو كان له أحدٌ . فلما سَمِعَ ذلك عَرَفَ أنه سَيَرُدُّه إليهم ، فخَرَجَ حتى أتى سِيفَ البحرِ ، قال : ويَنْفَلِتُ منهم أبو جندلِ بنِ سهيلٍ ، فلَحِقَ بأبي بَصِيرٍ ، فجَعَلَ لا يَخْرُجُ مِن قريشٍ رجلٌ قد أسَلَمَ إلا لِحِقَ بأبي بَصِيرٍ ، حتى اجتمَعَتْ منهم عِصابةٌ، فواللهِ، ما يَسْمَعُونَ بعِيرٍ خَرَجَتْ لقريشٍ إلى الشَّأْمِ إلا اعترضوا لها ، فقَتَلُوهم وأَخَذُوا أموالَهم ، فأَرْسَلَتْ قريشٌ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم تُنَاشِدُه باللهِ والرَّحِمِ لمَّا أَرْسَلَ : فمَن آتاه فهو آمنٌ ، فأَرْسَلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم إليهم ، فأَنْزَلَ الله تعالى : وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم - حتى بلغ - الحمية حمية الجاهلية . وكانت حمِيَّتُهم أنهم لم يُقِرُّوا أنه نبيُّ اللهِ ، ولم يَقُرِّوا ببسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ ، وحالوا بينَهم وبينَ البيتِ .
خرجَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم زمنَ الحُدَيْبِيَّةِ ، حتى كانوا ببعضِ الطريقِ ، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم : إن خالدَ بنَ الوليدِ بالغَمِيمِ ، في خيلٍ لقريشٍ طليعةٍ ، فخذوا ذاتَ اليمينٍ . فواللهِ ما شَعَرَ بهم خالدٌ حتى إذا هم بقَتَرَةِ الجيشِ ، فانطَلَقَ يَرْكُضُ نذيرًا لقريشٍ ، وسار النبيُّ صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالثَّنِيَّةِ التي يَهْبِطُ عليهم منها ، برَكَتْ به راحلتُه ، فقال الناس : حلْ حلْ . فأَلَحَّتْ، فقالوا خَلَأَتِ القَصْواءُ ، خلَأَتِ القصواءُ ! فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: ما خلَأَتِ القصواءُ ، وما ذاك لها بخُلُقٍ ، ولكن حبَسَها حابسُ الفيلِ . ثم قال: والذي نفسي بيدِه ، لا يَسْأَلُونَنِي خطةً يُعَظِّمون فيها حرماتِ اللهِ إلا أَعْطَيْتُهم إيَّاها . ثم زجَرَها فوثَبَتْ ، قال : فعَدَلَ عنهم حتى نزَلَ بأقصى الحديبيةِ على ثَمَدٍ قليلِ الماءِ ، يَتَبَرَّضُه الناسُ تَبَرُّضًا ، فلم يَلْبَثْه الناسُ حتى نَزَحُوه ، وشُكِيَ إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم العطشُ ، فانتَزَعَ سهمًا مِن كِنانتِه ، ثم أمَرَهم أن يَجْعَلُوه فيه ، فواللهِ، مازالَ يَجِيشُ لهم بالرَّيِّ حتى صدروا عنه ، فبينما هم كذلك إذ جاءَ بُدَيْلُ بنُ وَرْقاءَ الخُزَاعِيُّ في نفرٍ مِن قومِه مِن خُزاعةَ ، وكانوا عَيْبَةَ نصحِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِن أهل تِهامةَ ، فقال : إني تَرَكْتُ كعبَ بنَ لُؤَيٍّ، وعامرَ بنَ لُؤَيٍّ نزلوا أعدادَ مياهِ الحديبيةِ ، ومعهم العوذُ المَطافِيلُ ، وهم مُقاتِلوكَ، وصادُّوك عن البيتِ ، فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: إنا لم نَجِئْ لقتالِ أحدٍ ، ولكنَّا جِئْنَا مُعْتَمِرِين ، وإن قريشًا قد نَهِكَتْهم الحربُ ، وأَضَرَّتْ بهم ، فإن شاؤُوا مادَدْتُهم مدةً ، ويُخَلُّوا بيني وبينَ الناسِ ، فإن أظْهَرَ فإن شاؤوا أن يَدْخُلوا فيما دخَلَ فيه الناسُ فعلوا ؛ وإلا فقد جَمُّوا ، وإن هم أبَوْا ، فوالذي نفسي بيدِه لأُقاتِلَنَّهم على أمري هذا حتى تَنْفَرِدَ سالفتي ، وليَنْقَذَنَّ اللهُ أمرَه . فقال بُدْيلُ : سأُبْلِغُهم ما تقولُ . قال : فانطَلَقَ حتى أتى قريشًا ، قال : إنا قد جِئْنَاكم مِن هذا الرجلِ ، وسَمِعْنَاه يقولُ قولًا ، فإن شِئْتُم أن نَعْرِضَه عليكم فعَلْنَا ، فقال سفهاؤُهم : لا حاجةَ لنا أن تُخْبِرَنا عنه بشيءٍ ، وقال ذَوُو الرأيِ منهم : هاتِ ما سَمِعْتَه يقولُ . قال : سَمِعْتُه يقولُ كذا وكذا ، فحَدَّثَهم بما قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم ، فقام عروةُ بنُ مسعودٍ فقال : أَيْ قومُ ، أَلَسْتُم بالوالدِ ؟ قالوا : بلى. قال : أو لسْتُ بالولدِ ؟ قالوا : بلى. قال : فهل تَتَّهِمُونني ؟ قالوا : لا. قال : ألستم تَعْلَمُون أني استَنْفَرْتُ أهلَ عُكاظٍ ، فلما بَلَّحوا عليَّ جِئْتُكم بأهلي، وولدِي، ومَن أطاعَنِي ؟ قالوا : بلى. قال : فإن هذا قد عَرَضَ لكم خطةَ رُشْدٍ ، اقبلوها ودَعُوني آتِيه ، قالوا : ائْتِه . فأَتَاه ، فجَعل يُكَلِّمُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: نحوًا مِن قولِه لبُدَيْلٍ ، فقال عروةُ عندَ ذلك : أَيْ محمدُ ، أَرَأَيْتَ إن استَأْصَلْتَ أمرَ قومِك ، هل سَمِعْتَ بأحدٍ مِن العربِ اجتاحَ أهلَه قبلَكَ ؟! وإن تَكُنْ الأخرى، فإني واللهِ، لَأَرَىَ وجوهًا ، وإني لَأَرى أشوابًا مِن الناسِ خليقًا أن يَفِرُّوا ويَدَعُوكَ ، فقال له أبو بكرٍ : امْصُصْ ببظرِ اللاتِ! أنَحْنُ نَفِرُّ عنه ونَدَعُه ؟ فقال : مَن ذا ؟ قالوا : أبو بكرٍ . قال: أما والذي نفسي بيدِه ، لولا يدٌ كانت لك عندي لم أُجْزِكْ بها لأَجَبْتُكَ . قال : وجعَلَ يُكَلِّمُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فكلما تكَلَّمَ أخَذَ بلحيتِه ، والمغيرةُ بنُ شعبةَ قائمٌ على رأسِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ، ومعه السيفُ، وعليه المِغْفَرُ ، فكُلَّمَا أهوى عروةُ بيدِه إلى لحيةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ضرَبَ يدَه بنعلِ السيفِ ، وقال له: أَخِّرْ يدَك عن لحيةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ، فرَفَعَ عروةُ رأسَه ، فقال : مَن هذا ؟ قالوا : المغيرةُ بنُ شعبةَ. فقال : أَيْ غُدَرُ ، أَلَسْتُ أَسعى في غَدْرَتِك. وكان المغيرةُ صَحِبَ قومًا في الجاهليةِ فقَتَلَهم ، وأخَذَ أموالَهم ، ثم جاء فأَسْلَمَ ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: أَمَّا الإسلامُ فأَقْبَلُ ، وأَمَّا المالُ فلَسْتُ منه في شيءٍ . ثم إن عروةَ جعَلَ يَرْمُقُ أصحابَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم بعينِه ، قال : فواللهِ، ما تَنَخَّمَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم نُخَامَةَ إلا وقَعَتْ في كفِّ رجلٍ منهم ، فدَلَّكَ بها وجهَه وجلدَه ، وإذا أمَرَهم ابتدروا أمرَه ، وإذا توضأَ كادوا يَقْتَتِلون على وضوئِه ، وإذا تكَلَّمَ خَفَضُوا أصواتَهم عندَه ، وما يُحِدُّون إليه النظرَ؛ تعظيمًا له ، فرجَعَ عروةُ إلى أصحابِه فقال: أَيْ قومُ ، واللهِ، لقد وفَدْتُ على الملوكِ ، ووَفَدْتُ على قَيْصَرَ، وكسرى، والنَجَاشِيِّ ، واللهِ، إن رَأَيْتُ مِلْكًا قطُّ يُعِظِّمُه أصحابُه ما يُعِظِّمُ أصحابُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم محمدًا ، واللهِ، إن تَنَخَّمَ نُخامةً إلا وقَعَتْ في كفِّ رجلٍ منهم فدَلَّك بها وجهَه وجلدَه ، وإذا أَمَرَهم ابتدروا أمرَه ، وإذا توضأَ كادوا يَقْتَتِلون على وضوئِه ، وإذا تكَلَّم خَفَّضُوا أصواتَهم عندَه ، وما يُحِدُّون إليه النظرَ؛ تعظيمًا له، وإنه قد عَرَضَ عليكم خطةَ رُشْدٍ فأَقْبَلُوها . فقال رجلٌ مِن بني كِنانةَ : دَعُوني آتِيه . فقالوا : ائتِه . فلما أَشْرَفَ على النبيِّ صلى الله عليه وسلم وأصحابِه ، قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: هذا فلانٌ ، وهو مِن قوم يُعَظِّمون البُدْنَ ، فابعثُوها له. فبُعِثَتْ له ، واستَقْبَلَه الناسُ يُلَبُّون ، فلما رأى ذلك قال : سبحانَ اللهِ ، ما ينبغي لهؤلاء أن يُصَدُّوا عن البيتِ ، فلما رجَعَ إلى أصحابِه قال : رأَيْتُ قد قُلِّدَتْ وأُشِعْرَتْ ، فما أرى أن يُصَدُّوا عن البيتِ . فقام رجلٌ منهم ، يَقالُ له: مِكْرَزُ بْنُ حفصٍ ، فقال : دعوني آتيه . فقالوا : ائْتِه. فلما أَشْرَفَ عليهم ، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم : هذا مِكْرَزٌ ، وهو رجلٌ فاجرٌ. فجَعَلَ يُكَلِّمُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فبينما هو يُكَلِّمُه؛ إذ جاء سُهَيْلُ بنُ عمرٍو . قال مَعْمَرٌ : فأَخْبَرَني أيوبُ ، عن عَكْرِمَةَ : أنه لما جاءَ سُهَيْلُ بنُ عمرٍو: قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: لقد سَهُلَ لكم مِن أمرِكم. قال مَعْمَرٌ : قال الزهريُّ في حديثِه : فجاءَ سهيلُ بنُ عمرٍو فقال: هاتِ اكتُبْ بينَنَا وبينَكم كتابًا، فدعا النبيُّ صلى الله عليه وسلم الكاتبَ ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ . قال سهيلٌ : أَمَّا الرحمنُ فواللهِ ما أدري ما هو ، ولكن اكتُبْ باسمِك اللهمَّ، كما كنتَ تَكْتُبْ . فقال المسلمون : واللهِ لا نَكْتُبْها إلا بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ . فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: اكتُبْ باسمِك اللهمَّ . ثم قال: هذا ما قاضى عليه محمدٌ رسولُ اللهِ . فقال سهيلٌ : واللهِ، لو كنَّا نَعْلَمُ أنك رسولُ اللهِ ما صَدَدْنَاك عن البيتِ، ولا قاتلْنَاك ، ولكِنْ اكتُبْ : محمدُ بنُ عبدِ اللهِ ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: واللهِ، إني لرسولُ اللهِ وإن كَذَّبْتُموني ، اكتُبْ : محمدُ بنُ عبدِ الله . قال الزُّهْرِيُّ : وذلك لقولِه: لا يَسْأَلُونَنِي خطةً يُعِظِّمون بها حرماتِ اللهِ إلا أَعْطَيْتُهم إيَّاها. فقال له النبيُّ صلى الله عليه وسلم : على أن تُخَلُّوا بينَنا وبينَ البيت فنَطُوفُ به. فقال سهيلٌ : واللهِ، لا تَتَحَدَّثُ العربُ أَنَّا أُخِذْنَا ضُغْطَةً؛ ولكن ذلك مِن العامِ المُقْبِلِ . فكتَبَ ، فقال سهيلٌ : وعلى أنه لا يَأْتِيك منا رجلٌ ، وإن كان على دينِك إلا ردَدْتَه إلينا . قال المسلمون : سبحانَ اللهِ ! كيف يُرَدُّ إلى المشركين وقد جاء مسلمًا! فبينما هم كذلك؛ إذ دخَلَ أبو جَنْدَلٍ بنُ سُهَيْلِ بنِ عمرٍو يَرْسُفُ في قيودِه ، وقد خرَجَ ِمِن أسفلِ مكةَ حتى رَمى بنفسِه بينَ أظهرِ المسلمين ، فقال سهيلٌ : هذا يا محمدُ، أولُ ما أُقاضِيكَ عليه أن تَرُدَّه إليَّ . فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: إنا لم نَقْضِ الكتابَ بعدُ. قال: فواللهِ، إذًا لم أُصَالِحْكَ على شيءٍ أبدًا ، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: فأَجِزْه لي . قال : ما أنا بمجيزِه لكَ . قال: بلى فافْعَلْ . قال : ما أنا بفاعلٍ . قال مِكْرَزٌ : بل قد أَجَزْنَاه لك . قال أبو جندلٍ : أَيْ معشرَ المسلمين ، أُرَدُّ إلى المشركين وقد جِئْتُ مسلمًا ، ألا ترون ما قد لَقِيتُ ؟ وكان قد عُذِّبَ عذابًا شديدًا في اللهِ . قال : فقال عمرُ بنُ الخطابِ : فأَتَيْتُ نبيَّ اللهِ صلى الله عليه وسلم فقُلْتُ : ألستَ نبيَّ اللهِ حقًّا ؟ قال: بلى . قلتُ : أَلَسْنَا على الحقِّ، وعدوُّنَا على الباطلِ ؟ قال: بلى. قلتُ : فلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ في دينِنَا إذًا ؟ قال: إني رسولُ اللهِ ، ولَسْتُ أَعْصِيه ، وهو ناصرِي . قلتُ: أَوَلَيْسَ كنتَ تُحَدِّثُنَا أَنَّا سنأتي البيتَ فنَطُوفُ به ؟ قال : بلى، فأَخْبَرْتُك أَنَّا نَأْتِيه العامَ؟ قال : قلتُ: لا. قال: فإنك آتيه ومُطَوِّفٌ به . قال : فأَتَيْتُ أبا بكرٍ فقُلْتُ : يا أبا بكرٍ ، أليس هذا نبيَّ اللهِ حقًّا ؟ قال: بلى . قلتُ : أَلَسْنَا على الحقِّ، وعدُّونا على الباطلِ ؟ قال : بلى . قلتُ : فلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ في ديننِا إذًا ؟ قال : أيُّها الرجلُ، إنه لرسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، وليس يَعْصِي ربَّه ، وهو ناصرُه ، فاستَمْسِكْ بغرزِه ، فواللهِ إنه على الحقِّ. قلتُ : أليسَ كان يُحَدِّثُنَا أَنَّا سنَأْتِي البيتَ ونَطُوفُ به ؟ قال : بلى ، أَفَأَخْبَرَكَ أَنَّك تَأْتِيه العامَ؟ قلتُ: لا . قال : فإنك آتِيه ومُطَوِّفٌ به . قال الزُّهْرِيُّ : قال عمرُ: فعَمِلْتُ لذلكَ أعمالًا . قال : فلما فَرَغَ مِن قضيةِ الكتابِ ، قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لأصحابِه: قوموا فانحَرُوا ثم احْلِقُوا . قال : فواللهِ، ما قام منهم رجلٌ حتى قال ذلك ثلاثَ مراتٍ ، فلما لم يَقُمْ منهم أحدٌ دخَلَ على أمِّ سَلَمَةَ ، فذَكَرَ لها ما لَقِيَ مِن الناسِ ، فقالت أمُّ سَلَمَةَ : يانبيَّ اللهِ ، أَتَحُبُّ ذلك ، اخرُجْ لا تُكَلِّمْ أحدًا منهم كلمةً ، حتى تَنْحَرَ بُدْنَك ، وتَدْعُوَ حالقَك فيَحْلِقَكَ . فخَرَجَ فلم يُكَلِّمْ أحدًا منهم حتى فعَلَ ذلك ، نحَرَ بُدْنَه ، ودعا حالقَه فحَلَقَه ، فلما رأَوْا ذلك قاموا فنَحَرُوا وجعَلَ بعضُهم يَحْلِقُ بعضًا ، حتى كاد بعضُهم يُقْتَلُ غمًّا ، ثم جاءَه نسوةٌ مُؤْمناتٌ ، فأَنْزَلَ اللهُ تعالى : يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن - حتى بلغ - بعصم الكوافر . فطَلَّقَ عمرُ يومئذٍ امرأتين، كانَتَا له في الشركِ ، فتَزَوَّجَ إحداهما معاويةُ بنُ أبي سفيانَ ، والأخرى صفوانُ بنُ أُمَيَّةَ ، ثم رجَعَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى المدينةِ، فجَاءَه أبو بَصِيرٍ ، رجلٌ مِن قريشٍ وهو مسلمٌ، فأَرْسَلُوا في طلبِه رجلين ، فقالوا : العهدَ الذي جَعَلْتَ لنا . فدَفَعَه إلى الرَّجُلَيْن ، فخَرَجا به حتى إذا بلَغَا ذا الحُلَيْفَةِ ، فنزلوا يَأْكُلون مِن تمرٍ لهم ، فقال أبو بَصِيرٍ لأحدِ الرجلين : والله إني لأَرى سيفَك هذا يا فلانُ جيدًا ، فاستلَّه الآخرُ ، فقال : أجلِ ، والله إنه لجيدٌ ، لقد جَرَّبْتُ به ، ثم جَرَّبْتُ. فقال أبو بِصِيرٍ : أًرِنِي أنظُرْ إليه؟ فأَمْكَنَه منه ، فضَرَبَه حتى بَرَدَ ، وفرَّ الآخرُ حتى أتى المدينةَ ، فدَخَلَ المسجدَ يَعْدُو! فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حين رآه : لقد رأى هذا ذُعْرًا . فلما انتهى إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: قُتِلَ واللهِ صاحبي، وإني لمقتولٌ. فجاء أبو بَصِيرٍ، فقال : يا نبيَّ اللهِ ، قد واللهِ أَوْفَى اللهُ ذمتَك ، قد رَدَدْتَني إليهم ، ثم نَجَّانِي اللهُ منهم . قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: وَيْلَ أمِّه ، مِسْعَرُ حربٍ ، لو كان له أحدٌ . فلما سَمِعَ ذلك عَرَفَ أنه سَيَرُدُّه إليهم ، فخَرَجَ حتى أتى سِيفَ البحرِ ، قال : ويَنْفَلِتُ منهم أبو جندلِ بنِ سهيلٍ ، فلَحِقَ بأبي بَصِيرٍ ، فجَعَلَ لا يَخْرُجُ مِن قريشٍ رجلٌ قد أسَلَمَ إلا لِحِقَ بأبي بَصِيرٍ ، حتى اجتمَعَتْ منهم عِصابةٌ ، فواللهِ، ما يَسْمَعُونَ بعِيرٍ خَرَجَتْ لقريشٍ إلى الشَّأْمِ إلا اعترضوا لها ، فقَتَلُوهم وأَخَذُوا أموالَهم ، فأَرْسَلَتْ قريشٌ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم تُنَاشِدُه باللهِ والرَّحِمِ لمَّا أَرْسَلَ : فمَن آتاه فهو آمنٌ ، فأَرْسَلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم إليهم ، فأَنْزَلَ الله تعالى : وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم - حتى بلغ - الحمية حمية الجاهلية . وكانت حمِيَّتُهم أنهم لم يُقِرُّوا أنه نبيُّ اللهِ ، ولم يَقُرِّوا ببسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ ، وحالوا بينَهم وبينَ البيتِ .
خرجَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم زمنَ الحُدَيْبِيَّةِ ، حتى كانوا ببعضِ الطريقِ ، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم : إن خالدَ بنَ الوليدِ بالغَمِيمِ ، في خيلٍ لقريشٍ طليعةٍ ، فخذوا ذاتَ اليمينٍ . فواللهِ ما شَعَرَ بهم خالدٌ حتى إذا هم بقَتَرَةِ الجيشِ ، فانطَلَقَ يَرْكُضُ نذيرًا لقريشٍ ، وسار النبيُّ صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالثَّنِيَّةِ التي يَهْبِطُ عليهم منها ، برَكَتْ به راحلتُه ، فقال الناس : حلْ حلْ . فأَلَحَّتْ، فقالوا خَلَأَتِ القَصْواءُ ، خلَأَتِ القصواءُ ! فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: ما خلَأَتِ القصواءُ ، وما ذاك لها بخُلُقٍ ، ولكن حبَسَها حابسُ الفيلِ . ثم قال: والذي نفسي بيدِه ، لا يَسْأَلُونَنِي خطةً يُعَظِّمون فيها حرماتِ اللهِ إلا أَعْطَيْتُهم إيَّاها . ثم زجَرَها فوثَبَتْ ، قال : فعَدَلَ عنهم حتى نزَلَ بأقصى الحديبيةِ على ثَمَدٍ قليلِ الماءِ ، يَتَبَرَّضُه الناسُ تَبَرُّضًا ، فلم يَلْبَثْه الناسُ حتى نَزَحُوه ، وشُكِيَ إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم العطشُ ، فانتَزَعَ سهمًا مِن كِنانتِه ، ثم أمَرَهم أن يَجْعَلُوه فيه ، فواللهِ، مازالَ يَجِيشُ لهم بالرَّيِّ حتى صدروا عنه ، فبينما هم كذلك إذ جاءَ بُدَيْلُ بنُ وَرْقاءَ الخُزَاعِيُّ في نفرٍ مِن قومِه مِن خُزاعةَ ، وكانوا عَيْبَةَ نصحِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِن أهل تِهامةَ ، فقال : إني تَرَكْتُ كعبَ بنَ لُؤَيٍّ، وعامرَ بنَ لُؤَيٍّ نزلوا أعدادَ مياهِ الحديبيةِ ، ومعهم العوذُ المَطافِيلُ ، وهم مُقاتِلوكَ، وصادُّوك عن البيتِ ، فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: إنا لم نَجِئْ لقتالِ أحدٍ ، ولكنَّا جِئْنَا مُعْتَمِرِين ، وإن قريشًا قد نَهِكَتْهم الحربُ ، وأَضَرَّتْ بهم ، فإن شاؤُوا مادَدْتُهم مدةً ، ويُخَلُّوا بيني وبينَ الناسِ ، فإن أظْهَرَ فإن شاؤوا أن يَدْخُلوا فيما دخَلَ فيه الناسُ فعلوا ؛ وإلا فقد جَمُّوا ، وإن هم أبَوْا ، فوالذي نفسي بيدِه لأُقاتِلَنَّهم على أمري هذا حتى تَنْفَرِدَ سالفتي ، وليَنْقَذَنَّ اللهُ أمرَه . فقال بُدْيلُ : سأُبْلِغُهم ما تقولُ . قال : فانطَلَقَ حتى أتى قريشًا ، قال : إنا قد جِئْنَاكم مِن هذا الرجلِ ، وسَمِعْنَاه يقولُ قولًا ، فإن شِئْتُم أن نَعْرِضَه عليكم فعَلْنَا ، فقال سفهاؤُهم : لا حاجةَ لنا أن تُخْبِرَنا عنه بشيءٍ ، وقال ذَوُو الرأيِ منهم : هاتِ ما سَمِعْتَه يقولُ . قال : سَمِعْتُه يقولُ كذا وكذا ، فحَدَّثَهم بما قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم ، فقام عروةُ بنُ مسعودٍ فقال : أَيْ قومُ ، أَلَسْتُم بالوالدِ ؟ قالوا : بلى. قال : أو لسْتُ بالولدِ ؟ قالوا : بلى. قال : فهل تَتَّهِمُونني ؟ قالوا : لا. قال : ألستم تَعْلَمُون أني استَنْفَرْتُ أهلَ عُكاظٍ ، فلما بَلَّحوا عليَّ جِئْتُكم بأهلي، وولدِي، ومَن أطاعَنِي ؟ قالوا : بلى. قال : فإن هذا قد عَرَضَ لكم خطةَ رُشْدٍ ، اقبلوها ودَعُوني آتِيه ، قالوا : ائْتِه . فأَتَاه ، فجَعل يُكَلِّمُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: نحوًا مِن قولِه لبُدَيْلٍ ، فقال عروةُ عندَ ذلك : أَيْ محمدُ ، أَرَأَيْتَ إن استَأْصَلْتَ أمرَ قومِك ، هل سَمِعْتَ بأحدٍ مِن العربِ اجتاحَ أهلَه قبلَكَ ؟! وإن تَكُنْ الأخرى، فإني واللهِ، لَأَرَىَ وجوهًا ، وإني لَأَرى أشوابًا مِن الناسِ خليقًا أن يَفِرُّوا ويَدَعُوكَ ، فقال له أبو بكرٍ : امْصُصْ ببظرِ اللاتِ! أنَحْنُ نَفِرُّ عنه ونَدَعُه ؟ فقال : مَن ذا ؟ قالوا : أبو بكرٍ . قال: أما والذي نفسي بيدِه ، لولا يدٌ كانت لك عندي لم أُجْزِكْ بها لأَجَبْتُكَ . قال : وجعَلَ يُكَلِّمُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فكلما تكَلَّمَ أخَذَ بلحيتِه ، والمغيرةُ بنُ شعبةَ قائمٌ على رأسِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ، ومعه السيفُ، وعليه المِغْفَرُ ، فكُلَّمَا أهوى عروةُ بيدِه إلى لحيةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ضرَبَ يدَه بنعلِ السيفِ ، وقال له: أَخِّرْ يدَك عن لحيةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ، فرَفَعَ عروةُ رأسَه ، فقال : مَن هذا ؟ قالوا : المغيرةُ بنُ شعبةَ. فقال : أَيْ غُدَرُ ، أَلَسْتُ أَسعى في غَدْرَتِك. وكان المغيرةُ صَحِبَ قومًا في الجاهليةِ فقَتَلَهم ، وأخَذَ أموالَهم ، ثم جاء فأَسْلَمَ ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: أَمَّا الإسلامُ فأَقْبَلُ ، وأَمَّا المالُ فلَسْتُ منه في شيءٍ . ثم إن عروةَ جعَلَ يَرْمُقُ أصحابَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم بعينِه ، قال : فواللهِ، ما تَنَخَّمَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم نُخَامَةَ إلا وقَعَتْ في كفِّ رجلٍ منهم ، فدَلَّكَ بها وجهَه وجلدَه ، وإذا أمَرَهم ابتدروا أمرَه ، وإذا توضأَ كادوا يَقْتَتِلون على وضوئِه ، وإذا تكَلَّمَ خَفَضُوا أصواتَهم عندَه ، وما يُحِدُّون إليه النظرَ ؛ تعظيمًا له ، فرجَعَ عروةُ إلى أصحابِه فقال: أَيْ قومُ ، واللهِ، لقد وفَدْتُ على الملوكِ ، ووَفَدْتُ على قَيْصَرَ، وكسرى، والنَجَاشِيِّ ، واللهِ، إن رَأَيْتُ مِلْكًا قطُّ يُعِظِّمُه أصحابُه ما يُعِظِّمُ أصحابُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم محمدًا ، واللهِ، إن تَنَخَّمَ نُخامةً إلا وقَعَتْ في كفِّ رجلٍ منهم فدَلَّك بها وجهَه وجلدَه ، وإذا أَمَرَهم ابتدروا أمرَه ، وإذا توضأَ كادوا يَقْتَتِلون على وضوئِه ، وإذا تكَلَّم خَفَّضُوا أصواتَهم عندَه ، وما يُحِدُّون إليه النظرَ ؛ تعظيمًا له، وإنه قد عَرَضَ عليكم خطةَ رُشْدٍ فأَقْبَلُوها . فقال رجلٌ مِن بني كِنانةَ : دَعُوني آتِيه . فقالوا : ائتِه . فلما أَشْرَفَ على النبيِّ صلى الله عليه وسلم وأصحابِه ، قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: هذا فلانٌ ، وهو مِن قوم يُعَظِّمون البُدْنَ ، فابعثُوها له. فبُعِثَتْ له ، واستَقْبَلَه الناسُ يُلَبُّون ، فلما رأى ذلك قال : سبحانَ اللهِ ، ما ينبغي لهؤلاء أن يُصَدُّوا عن البيتِ ، فلما رجَعَ إلى أصحابِه قال : رأَيْتُ قد قُلِّدَتْ وأُشِعْرَتْ ، فما أرى أن يُصَدُّوا عن البيتِ . فقام رجلٌ منهم ، يَقالُ له: مِكْرَزُ بْنُ حفصٍ ، فقال : دعوني آتيه . فقالوا : ائْتِه. فلما أَشْرَفَ عليهم ، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم : هذا مِكْرَزٌ ، وهو رجلٌ فاجرٌ. فجَعَلَ يُكَلِّمُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فبينما هو يُكَلِّمُه؛ إذ جاء سُهَيْلُ بنُ عمرٍو . قال مَعْمَرٌ : فأَخْبَرَني أيوبُ ، عن عَكْرِمَةَ : أنه لما جاءَ سُهَيْلُ بنُ عمرٍو: قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: لقد سَهُلَ لكم مِن أمرِكم. قال مَعْمَرٌ : قال الزهريُّ في حديثِه : فجاءَ سهيلُ بنُ عمرٍو فقال: هاتِ اكتُبْ بينَنَا وبينَكم كتابًا، فدعا النبيُّ صلى الله عليه وسلم الكاتبَ ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ . قال سهيلٌ : أَمَّا الرحمنُ فواللهِ ما أدري ما هو ، ولكن اكتُبْ باسمِك اللهمَّ، كما كنتَ تَكْتُبْ . فقال المسلمون : واللهِ لا نَكْتُبْها إلا بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ . فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: اكتُبْ باسمِك اللهمَّ . ثم قال: هذا ما قاضى عليه محمدٌ رسولُ اللهِ . فقال سهيلٌ : واللهِ، لو كنَّا نَعْلَمُ أنك رسولُ اللهِ ما صَدَدْنَاك عن البيتِ، ولا قاتلْنَاك ، ولكِنْ اكتُبْ : محمدُ بنُ عبدِ اللهِ ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: واللهِ، إني لرسولُ اللهِ وإن كَذَّبْتُموني ، اكتُبْ : محمدُ بنُ عبدِ الله . قال الزُّهْرِيُّ : وذلك لقولِه: لا يَسْأَلُونَنِي خطةً يُعِظِّمون بها حرماتِ اللهِ إلا أَعْطَيْتُهم إيَّاها. فقال له النبيُّ صلى الله عليه وسلم : على أن تُخَلُّوا بينَنا وبينَ البيت فنَطُوفُ به. فقال سهيلٌ : واللهِ، لا تَتَحَدَّثُ العربُ أَنَّا أُخِذْنَا ضُغْطَةً؛ ولكن ذلك مِن العامِ المُقْبِلِ . فكتَبَ ، فقال سهيلٌ : وعلى أنه لا يَأْتِيك منا رجلٌ ، وإن كان على دينِك إلا ردَدْتَه إلينا . قال المسلمون : سبحانَ اللهِ ! كيف يُرَدُّ إلى المشركين وقد جاء مسلمًا! فبينما هم كذلك؛ إذ دخَلَ أبو جَنْدَلٍ بنُ سُهَيْلِ بنِ عمرٍو يَرْسُفُ في قيودِه ، وقد خرَجَ ِمِن أسفلِ مكةَ حتى رَمى بنفسِه بينَ أظهرِ المسلمين ، فقال سهيلٌ : هذا يا محمدُ، أولُ ما أُقاضِيكَ عليه أن تَرُدَّه إليَّ . فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: إنا لم نَقْضِ الكتابَ بعدُ. قال: فواللهِ، إذًا لم أُصَالِحْكَ على شيءٍ أبدًا ، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: فأَجِزْه لي . قال : ما أنا بمجيزِه لكَ . قال: بلى فافْعَلْ . قال : ما أنا بفاعلٍ . قال مِكْرَزٌ : بل قد أَجَزْنَاه لك . قال أبو جندلٍ : أَيْ معشرَ المسلمين ، أُرَدُّ إلى المشركين وقد جِئْتُ مسلمًا ، ألا ترون ما قد لَقِيتُ ؟ وكان قد عُذِّبَ عذابًا شديدًا في اللهِ . قال : فقال عمرُ بنُ الخطابِ : فأَتَيْتُ نبيَّ اللهِ صلى الله عليه وسلم فقُلْتُ : ألستَ نبيَّ اللهِ حقًّا ؟ قال: بلى . قلتُ : أَلَسْنَا على الحقِّ، وعدوُّنَا على الباطلِ ؟ قال: بلى. قلتُ : فلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ في دينِنَا إذًا ؟ قال: إني رسولُ اللهِ ، ولَسْتُ أَعْصِيه ، وهو ناصرِي . قلتُ: أَوَلَيْسَ كنتَ تُحَدِّثُنَا أَنَّا سنأتي البيتَ فنَطُوفُ به ؟ قال : بلى، فأَخْبَرْتُك أَنَّا نَأْتِيه العامَ؟ قال : قلتُ: لا. قال: فإنك آتيه ومُطَوِّفٌ به . قال : فأَتَيْتُ أبا بكرٍ فقُلْتُ : يا أبا بكرٍ ، أليس هذا نبيَّ اللهِ حقًّا ؟ قال: بلى . قلتُ : أَلَسْنَا على الحقِّ، وعدُّونا على الباطلِ ؟ قال : بلى . قلتُ : فلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ في ديننِا إذًا ؟ قال : أيُّها الرجلُ، إنه لرسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، وليس يَعْصِي ربَّه ، وهو ناصرُه ، فاستَمْسِكْ بغرزِه ، فواللهِ إنه على الحقِّ. قلتُ : أليسَ كان يُحَدِّثُنَا أَنَّا سنَأْتِي البيتَ ونَطُوفُ به ؟ قال : بلى ، أَفَأَخْبَرَكَ أَنَّك تَأْتِيه العامَ؟ قلتُ: لا . قال : فإنك آتِيه ومُطَوِّفٌ به . قال الزُّهْرِيُّ : قال عمرُ: فعَمِلْتُ لذلكَ أعمالًا . قال : فلما فَرَغَ مِن قضيةِ الكتابِ ، قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لأصحابِه: قوموا فانحَرُوا ثم احْلِقُوا . قال : فواللهِ، ما قام منهم رجلٌ حتى قال ذلك ثلاثَ مراتٍ ، فلما لم يَقُمْ منهم أحدٌ دخَلَ على أمِّ سَلَمَةَ ، فذَكَرَ لها ما لَقِيَ مِن الناسِ ، فقالت أمُّ سَلَمَةَ : يانبيَّ اللهِ ، أَتَحُبُّ ذلك ، اخرُجْ لا تُكَلِّمْ أحدًا منهم كلمةً ، حتى تَنْحَرَ بُدْنَك ، وتَدْعُوَ حالقَك فيَحْلِقَكَ . فخَرَجَ فلم يُكَلِّمْ أحدًا منهم حتى فعَلَ ذلك ، نحَرَ بُدْنَه ، ودعا حالقَه فحَلَقَه ، فلما رأَوْا ذلك قاموا فنَحَرُوا وجعَلَ بعضُهم يَحْلِقُ بعضًا ، حتى كاد بعضُهم يُقْتَلُ غمًّا ، ثم جاءَه نسوةٌ مُؤْمناتٌ ، فأَنْزَلَ اللهُ تعالى : يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن - حتى بلغ - بعصم الكوافر . فطَلَّقَ عمرُ يومئذٍ امرأتين، كانَتَا له في الشركِ ، فتَزَوَّجَ إحداهما معاويةُ بنُ أبي سفيانَ ، والأخرى صفوانُ بنُ أُمَيَّةَ ، ثم رجَعَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى المدينةِ، فجَاءَه أبو بَصِيرٍ ، رجلٌ مِن قريشٍ وهو مسلمٌ، فأَرْسَلُوا في طلبِه رجلين ، فقالوا : العهدَ الذي جَعَلْتَ لنا . فدَفَعَه إلى الرَّجُلَيْن ، فخَرَجا به حتى إذا بلَغَا ذا الحُلَيْفَةِ ، فنزلوا يَأْكُلون مِن تمرٍ لهم ، فقال أبو بَصِيرٍ لأحدِ الرجلين : والله إني لأَرى سيفَك هذا يا فلانُ جيدًا ، فاستلَّه الآخرُ ، فقال : أجلِ ، والله إنه لجيدٌ ، لقد جَرَّبْتُ به ، ثم جَرَّبْتُ. فقال أبو بِصِيرٍ : أًرِنِي أنظُرْ إليه؟ فأَمْكَنَه منه ، فضَرَبَه حتى بَرَدَ ، وفرَّ الآخرُ حتى أتى المدينةَ ، فدَخَلَ المسجدَ يَعْدُو! فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حين رآه : لقد رأى هذا ذُعْرًا . فلما انتهى إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: قُتِلَ واللهِ صاحبي، وإني لمقتولٌ. فجاء أبو بَصِيرٍ، فقال : يا نبيَّ اللهِ ، قد واللهِ أَوْفَى اللهُ ذمتَك ، قد رَدَدْتَني إليهم ، ثم نَجَّانِي اللهُ منهم . قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: وَيْلَ أمِّه ، مِسْعَرُ حربٍ ، لو كان له أحدٌ . فلما سَمِعَ ذلك عَرَفَ أنه سَيَرُدُّه إليهم ، فخَرَجَ حتى أتى سِيفَ البحرِ ، قال : ويَنْفَلِتُ منهم أبو جندلِ بنِ سهيلٍ ، فلَحِقَ بأبي بَصِيرٍ ، فجَعَلَ لا يَخْرُجُ مِن قريشٍ رجلٌ قد أسَلَمَ إلا لِحِقَ بأبي بَصِيرٍ ، حتى اجتمَعَتْ منهم عِصابةٌ، فواللهِ، ما يَسْمَعُونَ بعِيرٍ خَرَجَتْ لقريشٍ إلى الشَّأْمِ إلا اعترضوا لها ، فقَتَلُوهم وأَخَذُوا أموالَهم ، فأَرْسَلَتْ قريشٌ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم تُنَاشِدُه باللهِ والرَّحِمِ لمَّا أَرْسَلَ : فمَن آتاه فهو آمنٌ ، فأَرْسَلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم إليهم ، فأَنْزَلَ الله تعالى : وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم - حتى بلغ - الحمية حمية الجاهلية . وكانت حمِيَّتُهم أنهم لم يُقِرُّوا أنه نبيُّ اللهِ ، ولم يَقُرِّوا ببسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ ، وحالوا بينَهم وبينَ البيتِ .
خرجَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم زمنَ الحُدَيْبِيَّةِ ، حتى كانوا ببعضِ الطريقِ ، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم : إن خالدَ بنَ الوليدِ بالغَمِيمِ ، في خيلٍ لقريشٍ طليعةٍ ، فخذوا ذاتَ اليمينٍ . فواللهِ ما شَعَرَ بهم خالدٌ حتى إذا هم بقَتَرَةِ الجيشِ ، فانطَلَقَ يَرْكُضُ نذيرًا لقريشٍ ، وسار النبيُّ صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالثَّنِيَّةِ التي يَهْبِطُ عليهم منها ، برَكَتْ به راحلتُه ، فقال الناس : حلْ حلْ . فأَلَحَّتْ، فقالوا خَلَأَتِ القَصْواءُ ، خلَأَتِ القصواءُ ! فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: ما خلَأَتِ القصواءُ ، وما ذاك لها بخُلُقٍ ، ولكن حبَسَها حابسُ الفيلِ . ثم قال: والذي نفسي بيدِه ، لا يَسْأَلُونَنِي خطةً يُعَظِّمون فيها حرماتِ اللهِ إلا أَعْطَيْتُهم إيَّاها . ثم زجَرَها فوثَبَتْ ، قال : فعَدَلَ عنهم حتى نزَلَ بأقصى الحديبيةِ على ثَمَدٍ قليلِ الماءِ ، يَتَبَرَّضُه الناسُ تَبَرُّضًا ، فلم يَلْبَثْه الناسُ حتى نَزَحُوه ، وشُكِيَ إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم العطشُ ، فانتَزَعَ سهمًا مِن كِنانتِه ، ثم أمَرَهم أن يَجْعَلُوه فيه ، فواللهِ، مازالَ يَجِيشُ لهم بالرَّيِّ حتى صدروا عنه ، فبينما هم كذلك إذ جاءَ بُدَيْلُ بنُ وَرْقاءَ الخُزَاعِيُّ في نفرٍ مِن قومِه مِن خُزاعةَ ، وكانوا عَيْبَةَ نصحِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِن أهل تِهامةَ ، فقال : إني تَرَكْتُ كعبَ بنَ لُؤَيٍّ، وعامرَ بنَ لُؤَيٍّ نزلوا أعدادَ مياهِ الحديبيةِ ، ومعهم العوذُ المَطافِيلُ ، وهم مُقاتِلوكَ، وصادُّوك عن البيتِ ، فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: إنا لم نَجِئْ لقتالِ أحدٍ ، ولكنَّا جِئْنَا مُعْتَمِرِين ، وإن قريشًا قد نَهِكَتْهم الحربُ ، وأَضَرَّتْ بهم ، فإن شاؤُوا مادَدْتُهم مدةً ، ويُخَلُّوا بيني وبينَ الناسِ ، فإن أظْهَرَ فإن شاؤوا أن يَدْخُلوا فيما دخَلَ فيه الناسُ فعلوا ؛ وإلا فقد جَمُّوا ، وإن هم أبَوْا ، فوالذي نفسي بيدِه لأُقاتِلَنَّهم على أمري هذا حتى تَنْفَرِدَ سالفتي ، وليَنْقَذَنَّ اللهُ أمرَه . فقال بُدْيلُ : سأُبْلِغُهم ما تقولُ . قال : فانطَلَقَ حتى أتى قريشًا ، قال : إنا قد جِئْنَاكم مِن هذا الرجلِ ، وسَمِعْنَاه يقولُ قولًا ، فإن شِئْتُم أن نَعْرِضَه عليكم فعَلْنَا ، فقال سفهاؤُهم : لا حاجةَ لنا أن تُخْبِرَنا عنه بشيءٍ ، وقال ذَوُو الرأيِ منهم : هاتِ ما سَمِعْتَه يقولُ . قال : سَمِعْتُه يقولُ كذا وكذا ، فحَدَّثَهم بما قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم ، فقام عروةُ بنُ مسعودٍ فقال : أَيْ قومُ ، أَلَسْتُم بالوالدِ ؟ قالوا : بلى. قال : أو لسْتُ بالولدِ ؟ قالوا : بلى. قال : فهل تَتَّهِمُونني ؟ قالوا : لا. قال : ألستم تَعْلَمُون أني استَنْفَرْتُ أهلَ عُكاظٍ ، فلما بَلَّحوا عليَّ جِئْتُكم بأهلي، وولدِي، ومَن أطاعَنِي ؟ قالوا : بلى. قال : فإن هذا قد عَرَضَ لكم خطةَ رُشْدٍ ، اقبلوها ودَعُوني آتِيه ، قالوا : ائْتِه . فأَتَاه ، فجَعل يُكَلِّمُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: نحوًا مِن قولِه لبُدَيْلٍ ، فقال عروةُ عندَ ذلك : أَيْ محمدُ ، أَرَأَيْتَ إن استَأْصَلْتَ أمرَ قومِك ، هل سَمِعْتَ بأحدٍ مِن العربِ اجتاحَ أهلَه قبلَكَ ؟! وإن تَكُنْ الأخرى، فإني واللهِ، لَأَرَىَ وجوهًا ، وإني لَأَرى أشوابًا مِن الناسِ خليقًا أن يَفِرُّوا ويَدَعُوكَ ، فقال له أبو بكرٍ : امْصُصْ ببظرِ اللاتِ! أنَحْنُ نَفِرُّ عنه ونَدَعُه ؟ فقال : مَن ذا ؟ قالوا : أبو بكرٍ . قال: أما والذي نفسي بيدِه ، لولا يدٌ كانت لك عندي لم أُجْزِكْ بها لأَجَبْتُكَ . قال : وجعَلَ يُكَلِّمُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فكلما تكَلَّمَ أخَذَ بلحيتِه ، والمغيرةُ بنُ شعبةَ قائمٌ على رأسِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ، ومعه السيفُ، وعليه المِغْفَرُ ، فكُلَّمَا أهوى عروةُ بيدِه إلى لحيةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ضرَبَ يدَه بنعلِ السيفِ ، وقال له: أَخِّرْ يدَك عن لحيةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ، فرَفَعَ عروةُ رأسَه ، فقال : مَن هذا ؟ قالوا : المغيرةُ بنُ شعبةَ. فقال : أَيْ غُدَرُ ، أَلَسْتُ أَسعى في غَدْرَتِك. وكان المغيرةُ صَحِبَ قومًا في الجاهليةِ فقَتَلَهم ، وأخَذَ أموالَهم ، ثم جاء فأَسْلَمَ ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: أَمَّا الإسلامُ فأَقْبَلُ ، وأَمَّا المالُ فلَسْتُ منه في شيءٍ . ثم إن عروةَ جعَلَ يَرْمُقُ أصحابَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم بعينِه ، قال : فواللهِ، ما تَنَخَّمَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم نُخَامَةَ إلا وقَعَتْ في كفِّ رجلٍ منهم ، فدَلَّكَ بها وجهَه وجلدَه ، وإذا أمَرَهم ابتدروا أمرَه ، وإذا توضأَ كادوا يَقْتَتِلون على وضوئِه ، وإذا تكَلَّمَ خَفَضُوا أصواتَهم عندَه ، وما يُحِدُّون إليه النظرَ؛ تعظيمًا له ، فرجَعَ عروةُ إلى أصحابِه فقال: أَيْ قومُ ، واللهِ، لقد وفَدْتُ على الملوكِ ، ووَفَدْتُ على قَيْصَرَ ، وكسرى، والنَجَاشِيِّ ، واللهِ، إن رَأَيْتُ مِلْكًا قطُّ يُعِظِّمُه أصحابُه ما يُعِظِّمُ أصحابُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم محمدًا ، واللهِ، إن تَنَخَّمَ نُخامةً إلا وقَعَتْ في كفِّ رجلٍ منهم فدَلَّك بها وجهَه وجلدَه ، وإذا أَمَرَهم ابتدروا أمرَه ، وإذا توضأَ كادوا يَقْتَتِلون على وضوئِه ، وإذا تكَلَّم خَفَّضُوا أصواتَهم عندَه ، وما يُحِدُّون إليه النظرَ؛ تعظيمًا له، وإنه قد عَرَضَ عليكم خطةَ رُشْدٍ فأَقْبَلُوها . فقال رجلٌ مِن بني كِنانةَ : دَعُوني آتِيه . فقالوا : ائتِه . فلما أَشْرَفَ على النبيِّ صلى الله عليه وسلم وأصحابِه ، قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: هذا فلانٌ ، وهو مِن قوم يُعَظِّمون البُدْنَ ، فابعثُوها له. فبُعِثَتْ له ، واستَقْبَلَه الناسُ يُلَبُّون ، فلما رأى ذلك قال : سبحانَ اللهِ ، ما ينبغي لهؤلاء أن يُصَدُّوا عن البيتِ ، فلما رجَعَ إلى أصحابِه قال : رأَيْتُ قد قُلِّدَتْ وأُشِعْرَتْ ، فما أرى أن يُصَدُّوا عن البيتِ . فقام رجلٌ منهم ، يَقالُ له: مِكْرَزُ بْنُ حفصٍ ، فقال : دعوني آتيه . فقالوا : ائْتِه. فلما أَشْرَفَ عليهم ، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم : هذا مِكْرَزٌ ، وهو رجلٌ فاجرٌ. فجَعَلَ يُكَلِّمُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فبينما هو يُكَلِّمُه؛ إذ جاء سُهَيْلُ بنُ عمرٍو . قال مَعْمَرٌ : فأَخْبَرَني أيوبُ ، عن عَكْرِمَةَ : أنه لما جاءَ سُهَيْلُ بنُ عمرٍو: قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: لقد سَهُلَ لكم مِن أمرِكم. قال مَعْمَرٌ : قال الزهريُّ في حديثِه : فجاءَ سهيلُ بنُ عمرٍو فقال: هاتِ اكتُبْ بينَنَا وبينَكم كتابًا، فدعا النبيُّ صلى الله عليه وسلم الكاتبَ ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ . قال سهيلٌ : أَمَّا الرحمنُ فواللهِ ما أدري ما هو ، ولكن اكتُبْ باسمِك اللهمَّ، كما كنتَ تَكْتُبْ . فقال المسلمون : واللهِ لا نَكْتُبْها إلا بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ . فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: اكتُبْ باسمِك اللهمَّ . ثم قال: هذا ما قاضى عليه محمدٌ رسولُ اللهِ . فقال سهيلٌ : واللهِ، لو كنَّا نَعْلَمُ أنك رسولُ اللهِ ما صَدَدْنَاك عن البيتِ، ولا قاتلْنَاك ، ولكِنْ اكتُبْ : محمدُ بنُ عبدِ اللهِ ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: واللهِ، إني لرسولُ اللهِ وإن كَذَّبْتُموني ، اكتُبْ : محمدُ بنُ عبدِ الله . قال الزُّهْرِيُّ : وذلك لقولِه: لا يَسْأَلُونَنِي خطةً يُعِظِّمون بها حرماتِ اللهِ إلا أَعْطَيْتُهم إيَّاها. فقال له النبيُّ صلى الله عليه وسلم : على أن تُخَلُّوا بينَنا وبينَ البيت فنَطُوفُ به. فقال سهيلٌ : واللهِ، لا تَتَحَدَّثُ العربُ أَنَّا أُخِذْنَا ضُغْطَةً؛ ولكن ذلك مِن العامِ المُقْبِلِ . فكتَبَ ، فقال سهيلٌ : وعلى أنه لا يَأْتِيك منا رجلٌ ، وإن كان على دينِك إلا ردَدْتَه إلينا . قال المسلمون : سبحانَ اللهِ ! كيف يُرَدُّ إلى المشركين وقد جاء مسلمًا! فبينما هم كذلك؛ إذ دخَلَ أبو جَنْدَلٍ بنُ سُهَيْلِ بنِ عمرٍو يَرْسُفُ في قيودِه ، وقد خرَجَ ِمِن أسفلِ مكةَ حتى رَمى بنفسِه بينَ أظهرِ المسلمين ، فقال سهيلٌ : هذا يا محمدُ، أولُ ما أُقاضِيكَ عليه أن تَرُدَّه إليَّ . فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: إنا لم نَقْضِ الكتابَ بعدُ. قال: فواللهِ، إذًا لم أُصَالِحْكَ على شيءٍ أبدًا ، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: فأَجِزْه لي . قال : ما أنا بمجيزِه لكَ . قال: بلى فافْعَلْ . قال : ما أنا بفاعلٍ . قال مِكْرَزٌ : بل قد أَجَزْنَاه لك . قال أبو جندلٍ : أَيْ معشرَ المسلمين ، أُرَدُّ إلى المشركين وقد جِئْتُ مسلمًا ، ألا ترون ما قد لَقِيتُ ؟ وكان قد عُذِّبَ عذابًا شديدًا في اللهِ . قال : فقال عمرُ بنُ الخطابِ : فأَتَيْتُ نبيَّ اللهِ صلى الله عليه وسلم فقُلْتُ : ألستَ نبيَّ اللهِ حقًّا ؟ قال: بلى . قلتُ : أَلَسْنَا على الحقِّ، وعدوُّنَا على الباطلِ ؟ قال: بلى. قلتُ : فلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ في دينِنَا إذًا ؟ قال: إني رسولُ اللهِ ، ولَسْتُ أَعْصِيه ، وهو ناصرِي . قلتُ: أَوَلَيْسَ كنتَ تُحَدِّثُنَا أَنَّا سنأتي البيتَ فنَطُوفُ به ؟ قال : بلى، فأَخْبَرْتُك أَنَّا نَأْتِيه العامَ؟ قال : قلتُ: لا. قال: فإنك آتيه ومُطَوِّفٌ به . قال : فأَتَيْتُ أبا بكرٍ فقُلْتُ : يا أبا بكرٍ ، أليس هذا نبيَّ اللهِ حقًّا ؟ قال: بلى . قلتُ : أَلَسْنَا على الحقِّ، وعدُّونا على الباطلِ ؟ قال : بلى . قلتُ : فلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ في ديننِا إذًا ؟ قال : أيُّها الرجلُ، إنه لرسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، وليس يَعْصِي ربَّه ، وهو ناصرُه ، فاستَمْسِكْ بغرزِه ، فواللهِ إنه على الحقِّ. قلتُ : أليسَ كان يُحَدِّثُنَا أَنَّا سنَأْتِي البيتَ ونَطُوفُ به ؟ قال : بلى ، أَفَأَخْبَرَكَ أَنَّك تَأْتِيه العامَ؟ قلتُ: لا . قال : فإنك آتِيه ومُطَوِّفٌ به . قال الزُّهْرِيُّ : قال عمرُ: فعَمِلْتُ لذلكَ أعمالًا . قال : فلما فَرَغَ مِن قضيةِ الكتابِ ، قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لأصحابِه: قوموا فانحَرُوا ثم احْلِقُوا . قال : فواللهِ، ما قام منهم رجلٌ حتى قال ذلك ثلاثَ مراتٍ ، فلما لم يَقُمْ منهم أحدٌ دخَلَ على أمِّ سَلَمَةَ ، فذَكَرَ لها ما لَقِيَ مِن الناسِ ، فقالت أمُّ سَلَمَةَ : يانبيَّ اللهِ ، أَتَحُبُّ ذلك ، اخرُجْ لا تُكَلِّمْ أحدًا منهم كلمةً ، حتى تَنْحَرَ بُدْنَك ، وتَدْعُوَ حالقَك فيَحْلِقَكَ . فخَرَجَ فلم يُكَلِّمْ أحدًا منهم حتى فعَلَ ذلك ، نحَرَ بُدْنَه ، ودعا حالقَه فحَلَقَه ، فلما رأَوْا ذلك قاموا فنَحَرُوا وجعَلَ بعضُهم يَحْلِقُ بعضًا ، حتى كاد بعضُهم يُقْتَلُ غمًّا ، ثم جاءَه نسوةٌ مُؤْمناتٌ ، فأَنْزَلَ اللهُ تعالى : يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن - حتى بلغ - بعصم الكوافر . فطَلَّقَ عمرُ يومئذٍ امرأتين، كانَتَا له في الشركِ ، فتَزَوَّجَ إحداهما معاويةُ بنُ أبي سفيانَ ، والأخرى صفوانُ بنُ أُمَيَّةَ ، ثم رجَعَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى المدينةِ، فجَاءَه أبو بَصِيرٍ ، رجلٌ مِن قريشٍ وهو مسلمٌ، فأَرْسَلُوا في طلبِه رجلين ، فقالوا : العهدَ الذي جَعَلْتَ لنا . فدَفَعَه إلى الرَّجُلَيْن ، فخَرَجا به حتى إذا بلَغَا ذا الحُلَيْفَةِ ، فنزلوا يَأْكُلون مِن تمرٍ لهم ، فقال أبو بَصِيرٍ لأحدِ الرجلين : والله إني لأَرى سيفَك هذا يا فلانُ جيدًا ، فاستلَّه الآخرُ ، فقال : أجلِ ، والله إنه لجيدٌ ، لقد جَرَّبْتُ به ، ثم جَرَّبْتُ. فقال أبو بِصِيرٍ : أًرِنِي أنظُرْ إليه؟ فأَمْكَنَه منه ، فضَرَبَه حتى بَرَدَ ، وفرَّ الآخرُ حتى أتى المدينةَ ، فدَخَلَ المسجدَ يَعْدُو! فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حين رآه : لقد رأى هذا ذُعْرًا . فلما انتهى إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: قُتِلَ واللهِ صاحبي، وإني لمقتولٌ. فجاء أبو بَصِيرٍ، فقال : يا نبيَّ اللهِ ، قد واللهِ أَوْفَى اللهُ ذمتَك ، قد رَدَدْتَني إليهم ، ثم نَجَّانِي اللهُ منهم . قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: وَيْلَ أمِّه ، مِسْعَرُ حربٍ ، لو كان له أحدٌ . فلما سَمِعَ ذلك عَرَفَ أنه سَيَرُدُّه إليهم ، فخَرَجَ حتى أتى سِيفَ البحرِ ، قال : ويَنْفَلِتُ منهم أبو جندلِ بنِ سهيلٍ ، فلَحِقَ بأبي بَصِيرٍ ، فجَعَلَ لا يَخْرُجُ مِن قريشٍ رجلٌ قد أسَلَمَ إلا لِحِقَ بأبي بَصِيرٍ ، حتى اجتمَعَتْ منهم عِصابةٌ، فواللهِ، ما يَسْمَعُونَ بعِيرٍ خَرَجَتْ لقريشٍ إلى الشَّأْمِ إلا اعترضوا لها ، فقَتَلُوهم وأَخَذُوا أموالَهم ، فأَرْسَلَتْ قريشٌ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم تُنَاشِدُه باللهِ والرَّحِمِ لمَّا أَرْسَلَ : فمَن آتاه فهو آمنٌ ، فأَرْسَلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم إليهم ، فأَنْزَلَ الله تعالى : وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم - حتى بلغ - الحمية حمية الجاهلية . وكانت حمِيَّتُهم أنهم لم يُقِرُّوا أنه نبيُّ اللهِ ، ولم يَقُرِّوا ببسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ ، وحالوا بينَهم وبينَ البيتِ .
خرجَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم زمنَ الحُدَيْبِيَّةِ ، حتى كانوا ببعضِ الطريقِ ، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم : إن خالدَ بنَ الوليدِ بالغَمِيمِ ، في خيلٍ لقريشٍ طليعةٍ ، فخذوا ذاتَ اليمينٍ . فواللهِ ما شَعَرَ بهم خالدٌ حتى إذا هم بقَتَرَةِ الجيشِ ، فانطَلَقَ يَرْكُضُ نذيرًا لقريشٍ ، وسار النبيُّ صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالثَّنِيَّةِ التي يَهْبِطُ عليهم منها ، برَكَتْ به راحلتُه ، فقال الناس : حلْ حلْ . فأَلَحَّتْ، فقالوا خَلَأَتِ القَصْواءُ ، خلَأَتِ القصواءُ ! فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: ما خلَأَتِ القصواءُ ، وما ذاك لها بخُلُقٍ ، ولكن حبَسَها حابسُ الفيلِ . ثم قال: والذي نفسي بيدِه ، لا يَسْأَلُونَنِي خطةً يُعَظِّمون فيها حرماتِ اللهِ إلا أَعْطَيْتُهم إيَّاها . ثم زجَرَها فوثَبَتْ ، قال : فعَدَلَ عنهم حتى نزَلَ بأقصى الحديبيةِ على ثَمَدٍ قليلِ الماءِ ، يَتَبَرَّضُه الناسُ تَبَرُّضًا ، فلم يَلْبَثْه الناسُ حتى نَزَحُوه ، وشُكِيَ إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم العطشُ ، فانتَزَعَ سهمًا مِن كِنانتِه ، ثم أمَرَهم أن يَجْعَلُوه فيه ، فواللهِ، مازالَ يَجِيشُ لهم بالرَّيِّ حتى صدروا عنه ، فبينما هم كذلك إذ جاءَ بُدَيْلُ بنُ وَرْقاءَ الخُزَاعِيُّ في نفرٍ مِن قومِه مِن خُزاعةَ ، وكانوا عَيْبَةَ نصحِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِن أهل تِهامةَ ، فقال : إني تَرَكْتُ كعبَ بنَ لُؤَيٍّ، وعامرَ بنَ لُؤَيٍّ نزلوا أعدادَ مياهِ الحديبيةِ ، ومعهم العوذُ المَطافِيلُ ، وهم مُقاتِلوكَ، وصادُّوك عن البيتِ ، فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: إنا لم نَجِئْ لقتالِ أحدٍ ، ولكنَّا جِئْنَا مُعْتَمِرِين ، وإن قريشًا قد نَهِكَتْهم الحربُ ، وأَضَرَّتْ بهم ، فإن شاؤُوا مادَدْتُهم مدةً ، ويُخَلُّوا بيني وبينَ الناسِ ، فإن أظْهَرَ فإن شاؤوا أن يَدْخُلوا فيما دخَلَ فيه الناسُ فعلوا ؛ وإلا فقد جَمُّوا ، وإن هم أبَوْا ، فوالذي نفسي بيدِه لأُقاتِلَنَّهم على أمري هذا حتى تَنْفَرِدَ سالفتي ، وليَنْقَذَنَّ اللهُ أمرَه . فقال بُدْيلُ : سأُبْلِغُهم ما تقولُ . قال : فانطَلَقَ حتى أتى قريشًا ، قال : إنا قد جِئْنَاكم مِن هذا الرجلِ ، وسَمِعْنَاه يقولُ قولًا ، فإن شِئْتُم أن نَعْرِضَه عليكم فعَلْنَا ، فقال سفهاؤُهم : لا حاجةَ لنا أن تُخْبِرَنا عنه بشيءٍ ، وقال ذَوُو الرأيِ منهم : هاتِ ما سَمِعْتَه يقولُ . قال : سَمِعْتُه يقولُ كذا وكذا ، فحَدَّثَهم بما قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم ، فقام عروةُ بنُ مسعودٍ فقال : أَيْ قومُ ، أَلَسْتُم بالوالدِ ؟ قالوا : بلى. قال : أو لسْتُ بالولدِ ؟ قالوا : بلى. قال : فهل تَتَّهِمُونني ؟ قالوا : لا. قال : ألستم تَعْلَمُون أني استَنْفَرْتُ أهلَ عُكاظٍ ، فلما بَلَّحوا عليَّ جِئْتُكم بأهلي، وولدِي، ومَن أطاعَنِي ؟ قالوا : بلى. قال : فإن هذا قد عَرَضَ لكم خطةَ رُشْدٍ ، اقبلوها ودَعُوني آتِيه ، قالوا : ائْتِه . فأَتَاه ، فجَعل يُكَلِّمُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: نحوًا مِن قولِه لبُدَيْلٍ ، فقال عروةُ عندَ ذلك : أَيْ محمدُ ، أَرَأَيْتَ إن استَأْصَلْتَ أمرَ قومِك ، هل سَمِعْتَ بأحدٍ مِن العربِ اجتاحَ أهلَه قبلَكَ ؟! وإن تَكُنْ الأخرى، فإني واللهِ، لَأَرَىَ وجوهًا ، وإني لَأَرى أشوابًا مِن الناسِ خليقًا أن يَفِرُّوا ويَدَعُوكَ ، فقال له أبو بكرٍ : امْصُصْ ببظرِ اللاتِ! أنَحْنُ نَفِرُّ عنه ونَدَعُه ؟ فقال : مَن ذا ؟ قالوا : أبو بكرٍ . قال: أما والذي نفسي بيدِه ، لولا يدٌ كانت لك عندي لم أُجْزِكْ بها لأَجَبْتُكَ . قال : وجعَلَ يُكَلِّمُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فكلما تكَلَّمَ أخَذَ بلحيتِه ، والمغيرةُ بنُ شعبةَ قائمٌ على رأسِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ، ومعه السيفُ، وعليه المِغْفَرُ ، فكُلَّمَا أهوى عروةُ بيدِه إلى لحيةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ضرَبَ يدَه بنعلِ السيفِ ، وقال له: أَخِّرْ يدَك عن لحيةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ، فرَفَعَ عروةُ رأسَه ، فقال : مَن هذا ؟ قالوا : المغيرةُ بنُ شعبةَ. فقال : أَيْ غُدَرُ ، أَلَسْتُ أَسعى في غَدْرَتِك. وكان المغيرةُ صَحِبَ قومًا في الجاهليةِ فقَتَلَهم ، وأخَذَ أموالَهم ، ثم جاء فأَسْلَمَ ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: أَمَّا الإسلامُ فأَقْبَلُ ، وأَمَّا المالُ فلَسْتُ منه في شيءٍ . ثم إن عروةَ جعَلَ يَرْمُقُ أصحابَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم بعينِه ، قال : فواللهِ، ما تَنَخَّمَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم نُخَامَةَ إلا وقَعَتْ في كفِّ رجلٍ منهم ، فدَلَّكَ بها وجهَه وجلدَه ، وإذا أمَرَهم ابتدروا أمرَه ، وإذا توضأَ كادوا يَقْتَتِلون على وضوئِه ، وإذا تكَلَّمَ خَفَضُوا أصواتَهم عندَه ، وما يُحِدُّون إليه النظرَ؛ تعظيمًا له ، فرجَعَ عروةُ إلى أصحابِه فقال: أَيْ قومُ ، واللهِ، لقد وفَدْتُ على الملوكِ ، ووَفَدْتُ على قَيْصَرَ، وكسرى، والنَجَاشِيِّ ، واللهِ، إن رَأَيْتُ مِلْكًا قطُّ يُعِظِّمُه أصحابُه ما يُعِظِّمُ أصحابُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم محمدًا ، واللهِ، إن تَنَخَّمَ نُخامةً إلا وقَعَتْ في كفِّ رجلٍ منهم فدَلَّك بها وجهَه وجلدَه ، وإذا أَمَرَهم ابتدروا أمرَه ، وإذا توضأَ كادوا يَقْتَتِلون على وضوئِه ، وإذا تكَلَّم خَفَّضُوا أصواتَهم عندَه ، وما يُحِدُّون إليه النظرَ؛ تعظيمًا له، وإنه قد عَرَضَ عليكم خطةَ رُشْدٍ فأَقْبَلُوها . فقال رجلٌ مِن بني كِنانةَ : دَعُوني آتِيه . فقالوا : ائتِه . فلما أَشْرَفَ على النبيِّ صلى الله عليه وسلم وأصحابِه ، قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: هذا فلانٌ ، وهو مِن قوم يُعَظِّمون البُدْنَ ، فابعثُوها له. فبُعِثَتْ له ، واستَقْبَلَه الناسُ يُلَبُّون ، فلما رأى ذلك قال : سبحانَ اللهِ ، ما ينبغي لهؤلاء أن يُصَدُّوا عن البيتِ ، فلما رجَعَ إلى أصحابِه قال : رأَيْتُ قد قُلِّدَتْ وأُشِعْرَتْ ، فما أرى أن يُصَدُّوا عن البيتِ . فقام رجلٌ منهم ، يَقالُ له: مِكْرَزُ بْنُ حفصٍ ، فقال : دعوني آتيه . فقالوا : ائْتِه. فلما أَشْرَفَ عليهم ، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم : هذا مِكْرَزٌ ، وهو رجلٌ فاجرٌ. فجَعَلَ يُكَلِّمُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فبينما هو يُكَلِّمُه؛ إذ جاء سُهَيْلُ بنُ عمرٍو . قال مَعْمَرٌ : فأَخْبَرَني أيوبُ ، عن عَكْرِمَةَ : أنه لما جاءَ سُهَيْلُ بنُ عمرٍو: قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: لقد سَهُلَ لكم مِن أمرِكم. قال مَعْمَرٌ : قال الزهريُّ في حديثِه : فجاءَ سهيلُ بنُ عمرٍو فقال: هاتِ اكتُبْ بينَنَا وبينَكم كتابًا، فدعا النبيُّ صلى الله عليه وسلم الكاتبَ ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ . قال سهيلٌ : أَمَّا الرحمنُ فواللهِ ما أدري ما هو ، ولكن اكتُبْ باسمِك اللهمَّ، كما كنتَ تَكْتُبْ . فقال المسلمون : واللهِ لا نَكْتُبْها إلا بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ . فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: اكتُبْ باسمِك اللهمَّ . ثم قال: هذا ما قاضى عليه محمدٌ رسولُ اللهِ . فقال سهيلٌ : واللهِ، لو كنَّا نَعْلَمُ أنك رسولُ اللهِ ما صَدَدْنَاك عن البيتِ، ولا قاتلْنَاك ، ولكِنْ اكتُبْ : محمدُ بنُ عبدِ اللهِ ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: واللهِ، إني لرسولُ اللهِ وإن كَذَّبْتُموني ، اكتُبْ : محمدُ بنُ عبدِ الله . قال الزُّهْرِيُّ : وذلك لقولِه: لا يَسْأَلُونَنِي خطةً يُعِظِّمون بها حرماتِ اللهِ إلا أَعْطَيْتُهم إيَّاها. فقال له النبيُّ صلى الله عليه وسلم : على أن تُخَلُّوا بينَنا وبينَ البيت فنَطُوفُ به. فقال سهيلٌ : واللهِ، لا تَتَحَدَّثُ العربُ أَنَّا أُخِذْنَا ضُغْطَةً؛ ولكن ذلك مِن العامِ المُقْبِلِ . فكتَبَ ، فقال سهيلٌ : وعلى أنه لا يَأْتِيك منا رجلٌ ، وإن كان على دينِك إلا ردَدْتَه إلينا . قال المسلمون : سبحانَ اللهِ ! كيف يُرَدُّ إلى المشركين وقد جاء مسلمًا! فبينما هم كذلك؛ إذ دخَلَ أبو جَنْدَلٍ بنُ سُهَيْلِ بنِ عمرٍو يَرْسُفُ في قيودِه ، وقد خرَجَ ِمِن أسفلِ مكةَ حتى رَمى بنفسِه بينَ أظهرِ المسلمين ، فقال سهيلٌ : هذا يا محمدُ ، أولُ ما أُقاضِيكَ عليه أن تَرُدَّه إليَّ . فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: إنا لم نَقْضِ الكتابَ بعدُ. قال: فواللهِ، إذًا لم أُصَالِحْكَ على شيءٍ أبدًا ، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: فأَجِزْه لي . قال : ما أنا بمجيزِه لكَ . قال: بلى فافْعَلْ . قال : ما أنا بفاعلٍ . قال مِكْرَزٌ : بل قد أَجَزْنَاه لك . قال أبو جندلٍ : أَيْ معشرَ المسلمين ، أُرَدُّ إلى المشركين وقد جِئْتُ مسلمًا ، ألا ترون ما قد لَقِيتُ ؟ وكان قد عُذِّبَ عذابًا شديدًا في اللهِ . قال : فقال عمرُ بنُ الخطابِ : فأَتَيْتُ نبيَّ اللهِ صلى الله عليه وسلم فقُلْتُ : ألستَ نبيَّ اللهِ حقًّا ؟ قال: بلى . قلتُ : أَلَسْنَا على الحقِّ، وعدوُّنَا على الباطلِ ؟ قال: بلى. قلتُ : فلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ في دينِنَا إذًا ؟ قال: إني رسولُ اللهِ ، ولَسْتُ أَعْصِيه ، وهو ناصرِي . قلتُ: أَوَلَيْسَ كنتَ تُحَدِّثُنَا أَنَّا سنأتي البيتَ فنَطُوفُ به ؟ قال : بلى، فأَخْبَرْتُك أَنَّا نَأْتِيه العامَ؟ قال : قلتُ: لا. قال: فإنك آتيه ومُطَوِّفٌ به . قال : فأَتَيْتُ أبا بكرٍ فقُلْتُ : يا أبا بكرٍ ، أليس هذا نبيَّ اللهِ حقًّا ؟ قال: بلى . قلتُ : أَلَسْنَا على الحقِّ، وعدُّونا على الباطلِ ؟ قال : بلى . قلتُ : فلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ في ديننِا إذًا ؟ قال : أيُّها الرجلُ، إنه لرسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، وليس يَعْصِي ربَّه ، وهو ناصرُه ، فاستَمْسِكْ بغرزِه ، فواللهِ إنه على الحقِّ. قلتُ : أليسَ كان يُحَدِّثُنَا أَنَّا سنَأْتِي البيتَ ونَطُوفُ به ؟ قال : بلى ، أَفَأَخْبَرَكَ أَنَّك تَأْتِيه العامَ؟ قلتُ: لا . قال : فإنك آتِيه ومُطَوِّفٌ به . قال الزُّهْرِيُّ : قال عمرُ: فعَمِلْتُ لذلكَ أعمالًا . قال : فلما فَرَغَ مِن قضيةِ الكتابِ ، قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لأصحابِه: قوموا فانحَرُوا ثم احْلِقُوا . قال : فواللهِ، ما قام منهم رجلٌ حتى قال ذلك ثلاثَ مراتٍ ، فلما لم يَقُمْ منهم أحدٌ دخَلَ على أمِّ سَلَمَةَ ، فذَكَرَ لها ما لَقِيَ مِن الناسِ ، فقالت أمُّ سَلَمَةَ : يانبيَّ اللهِ ، أَتَحُبُّ ذلك ، اخرُجْ لا تُكَلِّمْ أحدًا منهم كلمةً ، حتى تَنْحَرَ بُدْنَك ، وتَدْعُوَ حالقَك فيَحْلِقَكَ . فخَرَجَ فلم يُكَلِّمْ أحدًا منهم حتى فعَلَ ذلك ، نحَرَ بُدْنَه ، ودعا حالقَه فحَلَقَه ، فلما رأَوْا ذلك قاموا فنَحَرُوا وجعَلَ بعضُهم يَحْلِقُ بعضًا ، حتى كاد بعضُهم يُقْتَلُ غمًّا ، ثم جاءَه نسوةٌ مُؤْمناتٌ ، فأَنْزَلَ اللهُ تعالى : يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن - حتى بلغ - بعصم الكوافر . فطَلَّقَ عمرُ يومئذٍ امرأتين، كانَتَا له في الشركِ ، فتَزَوَّجَ إحداهما معاويةُ بنُ أبي سفيانَ ، والأخرى صفوانُ بنُ أُمَيَّةَ ، ثم رجَعَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى المدينةِ، فجَاءَه أبو بَصِيرٍ ، رجلٌ مِن قريشٍ وهو مسلمٌ، فأَرْسَلُوا في طلبِه رجلين ، فقالوا : العهدَ الذي جَعَلْتَ لنا . فدَفَعَه إلى الرَّجُلَيْن ، فخَرَجا به حتى إذا بلَغَا ذا الحُلَيْفَةِ ، فنزلوا يَأْكُلون مِن تمرٍ لهم ، فقال أبو بَصِيرٍ لأحدِ الرجلين : والله إني لأَرى سيفَك هذا يا فلانُ جيدًا ، فاستلَّه الآخرُ ، فقال : أجلِ ، والله إنه لجيدٌ ، لقد جَرَّبْتُ به ، ثم جَرَّبْتُ. فقال أبو بِصِيرٍ : أًرِنِي أنظُرْ إليه؟ فأَمْكَنَه منه ، فضَرَبَه حتى بَرَدَ ، وفرَّ الآخرُ حتى أتى المدينةَ ، فدَخَلَ المسجدَ يَعْدُو! فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حين رآه : لقد رأى هذا ذُعْرًا . فلما انتهى إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: قُتِلَ واللهِ صاحبي، وإني لمقتولٌ. فجاء أبو بَصِيرٍ، فقال : يا نبيَّ اللهِ ، قد واللهِ أَوْفَى اللهُ ذمتَك ، قد رَدَدْتَني إليهم ، ثم نَجَّانِي اللهُ منهم . قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: وَيْلَ أمِّه ، مِسْعَرُ حربٍ ، لو كان له أحدٌ . فلما سَمِعَ ذلك عَرَفَ أنه سَيَرُدُّه إليهم ، فخَرَجَ حتى أتى سِيفَ البحرِ ، قال : ويَنْفَلِتُ منهم أبو جندلِ بنِ سهيلٍ ، فلَحِقَ بأبي بَصِيرٍ ، فجَعَلَ لا يَخْرُجُ مِن قريشٍ رجلٌ قد أسَلَمَ إلا لِحِقَ بأبي بَصِيرٍ ، حتى اجتمَعَتْ منهم عِصابةٌ، فواللهِ، ما يَسْمَعُونَ بعِيرٍ خَرَجَتْ لقريشٍ إلى الشَّأْمِ إلا اعترضوا لها ، فقَتَلُوهم وأَخَذُوا أموالَهم ، فأَرْسَلَتْ قريشٌ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم تُنَاشِدُه باللهِ والرَّحِمِ لمَّا أَرْسَلَ : فمَن آتاه فهو آمنٌ ، فأَرْسَلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم إليهم ، فأَنْزَلَ الله تعالى : وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم - حتى بلغ - الحمية حمية الجاهلية . وكانت حمِيَّتُهم أنهم لم يُقِرُّوا أنه نبيُّ اللهِ ، ولم يَقُرِّوا ببسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ ، وحالوا بينَهم وبينَ البيتِ .
خرجَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم زمنَ الحُدَيْبِيَّةِ ، حتى كانوا ببعضِ الطريقِ ، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم : إن خالدَ بنَ الوليدِ بالغَمِيمِ ، في خيلٍ لقريشٍ طليعةٍ ، فخذوا ذاتَ اليمينٍ . فواللهِ ما شَعَرَ بهم خالدٌ حتى إذا هم بقَتَرَةِ الجيشِ ، فانطَلَقَ يَرْكُضُ نذيرًا لقريشٍ ، وسار النبيُّ صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالثَّنِيَّةِ التي يَهْبِطُ عليهم منها ، برَكَتْ به راحلتُه ، فقال الناس : حلْ حلْ . فأَلَحَّتْ، فقالوا خَلَأَتِ القَصْواءُ ، خلَأَتِ القصواءُ ! فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: ما خلَأَتِ القصواءُ ، وما ذاك لها بخُلُقٍ ، ولكن حبَسَها حابسُ الفيلِ . ثم قال: والذي نفسي بيدِه ، لا يَسْأَلُونَنِي خطةً يُعَظِّمون فيها حرماتِ اللهِ إلا أَعْطَيْتُهم إيَّاها . ثم زجَرَها فوثَبَتْ ، قال : فعَدَلَ عنهم حتى نزَلَ بأقصى الحديبيةِ على ثَمَدٍ قليلِ الماءِ ، يَتَبَرَّضُه الناسُ تَبَرُّضًا ، فلم يَلْبَثْه الناسُ حتى نَزَحُوه ، وشُكِيَ إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم العطشُ ، فانتَزَعَ سهمًا مِن كِنانتِه ، ثم أمَرَهم أن يَجْعَلُوه فيه ، فواللهِ، مازالَ يَجِيشُ لهم بالرَّيِّ حتى صدروا عنه ، فبينما هم كذلك إذ جاءَ بُدَيْلُ بنُ وَرْقاءَ الخُزَاعِيُّ في نفرٍ مِن قومِه مِن خُزاعةَ ، وكانوا عَيْبَةَ نصحِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِن أهل تِهامةَ ، فقال : إني تَرَكْتُ كعبَ بنَ لُؤَيٍّ، وعامرَ بنَ لُؤَيٍّ نزلوا أعدادَ مياهِ الحديبيةِ ، ومعهم العوذُ المَطافِيلُ ، وهم مُقاتِلوكَ، وصادُّوك عن البيتِ ، فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: إنا لم نَجِئْ لقتالِ أحدٍ ، ولكنَّا جِئْنَا مُعْتَمِرِين ، وإن قريشًا قد نَهِكَتْهم الحربُ ، وأَضَرَّتْ بهم ، فإن شاؤُوا مادَدْتُهم مدةً ، ويُخَلُّوا بيني وبينَ الناسِ ، فإن أظْهَرَ فإن شاؤوا أن يَدْخُلوا فيما دخَلَ فيه الناسُ فعلوا ؛ وإلا فقد جَمُّوا ، وإن هم أبَوْا ، فوالذي نفسي بيدِه لأُقاتِلَنَّهم على أمري هذا حتى تَنْفَرِدَ سالفتي ، وليَنْقَذَنَّ اللهُ أمرَه . فقال بُدْيلُ : سأُبْلِغُهم ما تقولُ . قال : فانطَلَقَ حتى أتى قريشًا ، قال : إنا قد جِئْنَاكم مِن هذا الرجلِ ، وسَمِعْنَاه يقولُ قولًا ، فإن شِئْتُم أن نَعْرِضَه عليكم فعَلْنَا ، فقال سفهاؤُهم : لا حاجةَ لنا أن تُخْبِرَنا عنه بشيءٍ ، وقال ذَوُو الرأيِ منهم : هاتِ ما سَمِعْتَه يقولُ . قال : سَمِعْتُه يقولُ كذا وكذا ، فحَدَّثَهم بما قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم ، فقام عروةُ بنُ مسعودٍ فقال : أَيْ قومُ ، أَلَسْتُم بالوالدِ ؟ قالوا : بلى. قال : أو لسْتُ بالولدِ ؟ قالوا : بلى. قال : فهل تَتَّهِمُونني ؟ قالوا : لا. قال : ألستم تَعْلَمُون أني استَنْفَرْتُ أهلَ عُكاظٍ ، فلما بَلَّحوا عليَّ جِئْتُكم بأهلي، وولدِي، ومَن أطاعَنِي ؟ قالوا : بلى. قال : فإن هذا قد عَرَضَ لكم خطةَ رُشْدٍ ، اقبلوها ودَعُوني آتِيه ، قالوا : ائْتِه . فأَتَاه ، فجَعل يُكَلِّمُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: نحوًا مِن قولِه لبُدَيْلٍ ، فقال عروةُ عندَ ذلك : أَيْ محمدُ ، أَرَأَيْتَ إن استَأْصَلْتَ أمرَ قومِك ، هل سَمِعْتَ بأحدٍ مِن العربِ اجتاحَ أهلَه قبلَكَ ؟! وإن تَكُنْ الأخرى، فإني واللهِ، لَأَرَىَ وجوهًا ، وإني لَأَرى أشوابًا مِن الناسِ خليقًا أن يَفِرُّوا ويَدَعُوكَ ، فقال له أبو بكرٍ : امْصُصْ ببظرِ اللاتِ! أنَحْنُ نَفِرُّ عنه ونَدَعُه ؟ فقال : مَن ذا ؟ قالوا : أبو بكرٍ . قال: أما والذي نفسي بيدِه ، لولا يدٌ كانت لك عندي لم أُجْزِكْ بها لأَجَبْتُكَ . قال : وجعَلَ يُكَلِّمُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فكلما تكَلَّمَ أخَذَ بلحيتِه ، والمغيرةُ بنُ شعبةَ قائمٌ على رأسِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ، ومعه السيفُ، وعليه المِغْفَرُ ، فكُلَّمَا أهوى عروةُ بيدِه إلى لحيةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ضرَبَ يدَه بنعلِ السيفِ ، وقال له: أَخِّرْ يدَك عن لحيةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ، فرَفَعَ عروةُ رأسَه ، فقال : مَن هذا ؟ قالوا : المغيرةُ بنُ شعبةَ. فقال : أَيْ غُدَرُ ، أَلَسْتُ أَسعى في غَدْرَتِك. وكان المغيرةُ صَحِبَ قومًا في الجاهليةِ فقَتَلَهم ، وأخَذَ أموالَهم ، ثم جاء فأَسْلَمَ ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: أَمَّا الإسلامُ فأَقْبَلُ ، وأَمَّا المالُ فلَسْتُ منه في شيءٍ . ثم إن عروةَ جعَلَ يَرْمُقُ أصحابَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم بعينِه ، قال : فواللهِ، ما تَنَخَّمَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم نُخَامَةَ إلا وقَعَتْ في كفِّ رجلٍ منهم ، فدَلَّكَ بها وجهَه وجلدَه ، وإذا أمَرَهم ابتدروا أمرَه ، وإذا توضأَ كادوا يَقْتَتِلون على وضوئِه ، وإذا تكَلَّمَ خَفَضُوا أصواتَهم عندَه ، وما يُحِدُّون إليه النظرَ؛ تعظيمًا له ، فرجَعَ عروةُ إلى أصحابِه فقال : أَيْ قومُ ، واللهِ، لقد وفَدْتُ على الملوكِ ، ووَفَدْتُ على قَيْصَرَ، وكسرى، والنَجَاشِيِّ ، واللهِ، إن رَأَيْتُ مِلْكًا قطُّ يُعِظِّمُه أصحابُه ما يُعِظِّمُ أصحابُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم محمدًا ، واللهِ، إن تَنَخَّمَ نُخامةً إلا وقَعَتْ في كفِّ رجلٍ منهم فدَلَّك بها وجهَه وجلدَه ، وإذا أَمَرَهم ابتدروا أمرَه ، وإذا توضأَ كادوا يَقْتَتِلون على وضوئِه ، وإذا تكَلَّم خَفَّضُوا أصواتَهم عندَه ، وما يُحِدُّون إليه النظرَ؛ تعظيمًا له، وإنه قد عَرَضَ عليكم خطةَ رُشْدٍ فأَقْبَلُوها . فقال رجلٌ مِن بني كِنانةَ : دَعُوني آتِيه . فقالوا : ائتِه . فلما أَشْرَفَ على النبيِّ صلى الله عليه وسلم وأصحابِه ، قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: هذا فلانٌ ، وهو مِن قوم يُعَظِّمون البُدْنَ ، فابعثُوها له. فبُعِثَتْ له ، واستَقْبَلَه الناسُ يُلَبُّون ، فلما رأى ذلك قال : سبحانَ اللهِ ، ما ينبغي لهؤلاء أن يُصَدُّوا عن البيتِ ، فلما رجَعَ إلى أصحابِه قال : رأَيْتُ قد قُلِّدَتْ وأُشِعْرَتْ ، فما أرى أن يُصَدُّوا عن البيتِ . فقام رجلٌ منهم ، يَقالُ له: مِكْرَزُ بْنُ حفصٍ ، فقال : دعوني آتيه . فقالوا : ائْتِه. فلما أَشْرَفَ عليهم ، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم : هذا مِكْرَزٌ ، وهو رجلٌ فاجرٌ. فجَعَلَ يُكَلِّمُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فبينما هو يُكَلِّمُه؛ إذ جاء سُهَيْلُ بنُ عمرٍو . قال مَعْمَرٌ : فأَخْبَرَني أيوبُ ، عن عَكْرِمَةَ : أنه لما جاءَ سُهَيْلُ بنُ عمرٍو: قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: لقد سَهُلَ لكم مِن أمرِكم. قال مَعْمَرٌ : قال الزهريُّ في حديثِه : فجاءَ سهيلُ بنُ عمرٍو فقال : هاتِ اكتُبْ بينَنَا وبينَكم كتابًا، فدعا النبيُّ صلى الله عليه وسلم الكاتبَ ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ . قال سهيلٌ : أَمَّا الرحمنُ فواللهِ ما أدري ما هو ، ولكن اكتُبْ باسمِك اللهمَّ، كما كنتَ تَكْتُبْ . فقال المسلمون : واللهِ لا نَكْتُبْها إلا بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ . فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: اكتُبْ باسمِك اللهمَّ . ثم قال: هذا ما قاضى عليه محمدٌ رسولُ اللهِ . فقال سهيلٌ : واللهِ، لو كنَّا نَعْلَمُ أنك رسولُ اللهِ ما صَدَدْنَاك عن البيتِ، ولا قاتلْنَاك ، ولكِنْ اكتُبْ : محمدُ بنُ عبدِ اللهِ ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: واللهِ، إني لرسولُ اللهِ وإن كَذَّبْتُموني ، اكتُبْ : محمدُ بنُ عبدِ الله . قال الزُّهْرِيُّ : وذلك لقولِه: لا يَسْأَلُونَنِي خطةً يُعِظِّمون بها حرماتِ اللهِ إلا أَعْطَيْتُهم إيَّاها. فقال له النبيُّ صلى الله عليه وسلم : على أن تُخَلُّوا بينَنا وبينَ البيت فنَطُوفُ به. فقال سهيلٌ : واللهِ، لا تَتَحَدَّثُ العربُ أَنَّا أُخِذْنَا ضُغْطَةً؛ ولكن ذلك مِن العامِ المُقْبِلِ . فكتَبَ ، فقال سهيلٌ : وعلى أنه لا يَأْتِيك منا رجلٌ ، وإن كان على دينِك إلا ردَدْتَه إلينا . قال المسلمون : سبحانَ اللهِ ! كيف يُرَدُّ إلى المشركين وقد جاء مسلمًا! فبينما هم كذلك؛ إذ دخَلَ أبو جَنْدَلٍ بنُ سُهَيْلِ بنِ عمرٍو يَرْسُفُ في قيودِه ، وقد خرَجَ ِمِن أسفلِ مكةَ حتى رَمى بنفسِه بينَ أظهرِ المسلمين ، فقال سهيلٌ : هذا يا محمدُ، أولُ ما أُقاضِيكَ عليه أن تَرُدَّه إليَّ . فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: إنا لم نَقْضِ الكتابَ بعدُ. قال: فواللهِ، إذًا لم أُصَالِحْكَ على شيءٍ أبدًا ، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: فأَجِزْه لي . قال : ما أنا بمجيزِه لكَ . قال: بلى فافْعَلْ . قال : ما أنا بفاعلٍ . قال مِكْرَزٌ : بل قد أَجَزْنَاه لك . قال أبو جندلٍ : أَيْ معشرَ المسلمين ، أُرَدُّ إلى المشركين وقد جِئْتُ مسلمًا ، ألا ترون ما قد لَقِيتُ ؟ وكان قد عُذِّبَ عذابًا شديدًا في اللهِ . قال : فقال عمرُ بنُ الخطابِ : فأَتَيْتُ نبيَّ اللهِ صلى الله عليه وسلم فقُلْتُ : ألستَ نبيَّ اللهِ حقًّا ؟ قال: بلى . قلتُ : أَلَسْنَا على الحقِّ، وعدوُّنَا على الباطلِ ؟ قال: بلى. قلتُ : فلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ في دينِنَا إذًا ؟ قال: إني رسولُ اللهِ ، ولَسْتُ أَعْصِيه ، وهو ناصرِي . قلتُ: أَوَلَيْسَ كنتَ تُحَدِّثُنَا أَنَّا سنأتي البيتَ فنَطُوفُ به ؟ قال : بلى، فأَخْبَرْتُك أَنَّا نَأْتِيه العامَ؟ قال : قلتُ: لا. قال: فإنك آتيه ومُطَوِّفٌ به . قال : فأَتَيْتُ أبا بكرٍ فقُلْتُ : يا أبا بكرٍ ، أليس هذا نبيَّ اللهِ حقًّا ؟ قال: بلى . قلتُ : أَلَسْنَا على الحقِّ، وعدُّونا على الباطلِ ؟ قال : بلى . قلتُ : فلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ في ديننِا إذًا ؟ قال : أيُّها الرجلُ، إنه لرسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، وليس يَعْصِي ربَّه ، وهو ناصرُه ، فاستَمْسِكْ بغرزِه ، فواللهِ إنه على الحقِّ. قلتُ : أليسَ كان يُحَدِّثُنَا أَنَّا سنَأْتِي البيتَ ونَطُوفُ به ؟ قال : بلى ، أَفَأَخْبَرَكَ أَنَّك تَأْتِيه العامَ؟ قلتُ: لا . قال : فإنك آتِيه ومُطَوِّفٌ به . قال الزُّهْرِيُّ : قال عمرُ: فعَمِلْتُ لذلكَ أعمالًا . قال : فلما فَرَغَ مِن قضيةِ الكتابِ ، قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لأصحابِه: قوموا فانحَرُوا ثم احْلِقُوا . قال : فواللهِ، ما قام منهم رجلٌ حتى قال ذلك ثلاثَ مراتٍ ، فلما لم يَقُمْ منهم أحدٌ دخَلَ على أمِّ سَلَمَةَ ، فذَكَرَ لها ما لَقِيَ مِن الناسِ ، فقالت أمُّ سَلَمَةَ : يانبيَّ اللهِ ، أَتَحُبُّ ذلك ، اخرُجْ لا تُكَلِّمْ أحدًا منهم كلمةً ، حتى تَنْحَرَ بُدْنَك ، وتَدْعُوَ حالقَك فيَحْلِقَكَ . فخَرَجَ فلم يُكَلِّمْ أحدًا منهم حتى فعَلَ ذلك ، نحَرَ بُدْنَه ، ودعا حالقَه فحَلَقَه ، فلما رأَوْا ذلك قاموا فنَحَرُوا وجعَلَ بعضُهم يَحْلِقُ بعضًا ، حتى كاد بعضُهم يُقْتَلُ غمًّا ، ثم جاءَه نسوةٌ مُؤْمناتٌ ، فأَنْزَلَ اللهُ تعالى : يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن - حتى بلغ - بعصم الكوافر . فطَلَّقَ عمرُ يومئذٍ امرأتين، كانَتَا له في الشركِ ، فتَزَوَّجَ إحداهما معاويةُ بنُ أبي سفيانَ ، والأخرى صفوانُ بنُ أُمَيَّةَ ، ثم رجَعَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى المدينةِ، فجَاءَه أبو بَصِيرٍ ، رجلٌ مِن قريشٍ وهو مسلمٌ، فأَرْسَلُوا في طلبِه رجلين ، فقالوا : العهدَ الذي جَعَلْتَ لنا . فدَفَعَه إلى الرَّجُلَيْن ، فخَرَجا به حتى إذا بلَغَا ذا الحُلَيْفَةِ ، فنزلوا يَأْكُلون مِن تمرٍ لهم ، فقال أبو بَصِيرٍ لأحدِ الرجلين : والله إني لأَرى سيفَك هذا يا فلانُ جيدًا ، فاستلَّه الآخرُ ، فقال : أجلِ ، والله إنه لجيدٌ ، لقد جَرَّبْتُ به ، ثم جَرَّبْتُ. فقال أبو بِصِيرٍ : أًرِنِي أنظُرْ إليه؟ فأَمْكَنَه منه ، فضَرَبَه حتى بَرَدَ ، وفرَّ الآخرُ حتى أتى المدينةَ ، فدَخَلَ المسجدَ يَعْدُو! فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حين رآه : لقد رأى هذا ذُعْرًا . فلما انتهى إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: قُتِلَ واللهِ صاحبي، وإني لمقتولٌ. فجاء أبو بَصِيرٍ، فقال : يا نبيَّ اللهِ ، قد واللهِ أَوْفَى اللهُ ذمتَك ، قد رَدَدْتَني إليهم ، ثم نَجَّانِي اللهُ منهم . قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: وَيْلَ أمِّه ، مِسْعَرُ حربٍ ، لو كان له أحدٌ . فلما سَمِعَ ذلك عَرَفَ أنه سَيَرُدُّه إليهم ، فخَرَجَ حتى أتى سِيفَ البحرِ ، قال : ويَنْفَلِتُ منهم أبو جندلِ بنِ سهيلٍ ، فلَحِقَ بأبي بَصِيرٍ ، فجَعَلَ لا يَخْرُجُ مِن قريشٍ رجلٌ قد أسَلَمَ إلا لِحِقَ بأبي بَصِيرٍ ، حتى اجتمَعَتْ منهم عِصابةٌ، فواللهِ، ما يَسْمَعُونَ بعِيرٍ خَرَجَتْ لقريشٍ إلى الشَّأْمِ إلا اعترضوا لها ، فقَتَلُوهم وأَخَذُوا أموالَهم ، فأَرْسَلَتْ قريشٌ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم تُنَاشِدُه باللهِ والرَّحِمِ لمَّا أَرْسَلَ : فمَن آتاه فهو آمنٌ ، فأَرْسَلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم إليهم ، فأَنْزَلَ الله تعالى : وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم - حتى بلغ - الحمية حمية الجاهلية . وكانت حمِيَّتُهم أنهم لم يُقِرُّوا أنه نبيُّ اللهِ ، ولم يَقُرِّوا ببسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ ، وحالوا بينَهم وبينَ البيتِ .
خرجَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم زمنَ الحُدَيْبِيَّةِ ، حتى كانوا ببعضِ الطريقِ ، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم : إن خالدَ بنَ الوليدِ بالغَمِيمِ ، في خيلٍ لقريشٍ طليعةٍ ، فخذوا ذاتَ اليمينٍ . فواللهِ ما شَعَرَ بهم خالدٌ حتى إذا هم بقَتَرَةِ الجيشِ ، فانطَلَقَ يَرْكُضُ نذيرًا لقريشٍ ، وسار النبيُّ صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالثَّنِيَّةِ التي يَهْبِطُ عليهم منها ، برَكَتْ به راحلتُه ، فقال الناس : حلْ حلْ . فأَلَحَّتْ، فقالوا خَلَأَتِ القَصْواءُ ، خلَأَتِ القصواءُ ! فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: ما خلَأَتِ القصواءُ ، وما ذاك لها بخُلُقٍ ، ولكن حبَسَها حابسُ الفيلِ . ثم قال: والذي نفسي بيدِه ، لا يَسْأَلُونَنِي خطةً يُعَظِّمون فيها حرماتِ اللهِ إلا أَعْطَيْتُهم إيَّاها . ثم زجَرَها فوثَبَتْ ، قال : فعَدَلَ عنهم حتى نزَلَ بأقصى الحديبيةِ على ثَمَدٍ قليلِ الماءِ ، يَتَبَرَّضُه الناسُ تَبَرُّضًا ، فلم يَلْبَثْه الناسُ حتى نَزَحُوه ، وشُكِيَ إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم العطشُ ، فانتَزَعَ سهمًا مِن كِنانتِه ، ثم أمَرَهم أن يَجْعَلُوه فيه ، فواللهِ، مازالَ يَجِيشُ لهم بالرَّيِّ حتى صدروا عنه ، فبينما هم كذلك إذ جاءَ بُدَيْلُ بنُ وَرْقاءَ الخُزَاعِيُّ في نفرٍ مِن قومِه مِن خُزاعةَ ، وكانوا عَيْبَةَ نصحِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِن أهل تِهامةَ ، فقال : إني تَرَكْتُ كعبَ بنَ لُؤَيٍّ، وعامرَ بنَ لُؤَيٍّ نزلوا أعدادَ مياهِ الحديبيةِ ، ومعهم العوذُ المَطافِيلُ ، وهم مُقاتِلوكَ، وصادُّوك عن البيتِ ، فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: إنا لم نَجِئْ لقتالِ أحدٍ ، ولكنَّا جِئْنَا مُعْتَمِرِين ، وإن قريشًا قد نَهِكَتْهم الحربُ ، وأَضَرَّتْ بهم ، فإن شاؤُوا مادَدْتُهم مدةً ، ويُخَلُّوا بيني وبينَ الناسِ ، فإن أظْهَرَ فإن شاؤوا أن يَدْخُلوا فيما دخَلَ فيه الناسُ فعلوا ؛ وإلا فقد جَمُّوا ، وإن هم أبَوْا ، فوالذي نفسي بيدِه لأُقاتِلَنَّهم على أمري هذا حتى تَنْفَرِدَ سالفتي ، وليَنْقَذَنَّ اللهُ أمرَه . فقال بُدْيلُ : سأُبْلِغُهم ما تقولُ . قال : فانطَلَقَ حتى أتى قريشًا ، قال : إنا قد جِئْنَاكم مِن هذا الرجلِ ، وسَمِعْنَاه يقولُ قولًا ، فإن شِئْتُم أن نَعْرِضَه عليكم فعَلْنَا ، فقال سفهاؤُهم : لا حاجةَ لنا أن تُخْبِرَنا عنه بشيءٍ ، وقال ذَوُو الرأيِ منهم : هاتِ ما سَمِعْتَه يقولُ . قال : سَمِعْتُه يقولُ كذا وكذا ، فحَدَّثَهم بما قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم ، فقام عروةُ بنُ مسعودٍ فقال : أَيْ قومُ ، أَلَسْتُم بالوالدِ ؟ قالوا : بلى. قال : أو لسْتُ بالولدِ ؟ قالوا : بلى. قال : فهل تَتَّهِمُونني ؟ قالوا : لا. قال : ألستم تَعْلَمُون أني استَنْفَرْتُ أهلَ عُكاظٍ ، فلما بَلَّحوا عليَّ جِئْتُكم بأهلي، وولدِي، ومَن أطاعَنِي ؟ قالوا : بلى. قال : فإن هذا قد عَرَضَ لكم خطةَ رُشْدٍ ، اقبلوها ودَعُوني آتِيه ، قالوا : ائْتِه . فأَتَاه ، فجَعل يُكَلِّمُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: نحوًا مِن قولِه لبُدَيْلٍ ، فقال عروةُ عندَ ذلك : أَيْ محمدُ ، أَرَأَيْتَ إن استَأْصَلْتَ أمرَ قومِك ، هل سَمِعْتَ بأحدٍ مِن العربِ اجتاحَ أهلَه قبلَكَ ؟! وإن تَكُنْ الأخرى، فإني واللهِ ، لَأَرَىَ وجوهًا ، وإني لَأَرى أشوابًا مِن الناسِ خليقًا أن يَفِرُّوا ويَدَعُوكَ ، فقال له أبو بكرٍ : امْصُصْ ببظرِ اللاتِ! أنَحْنُ نَفِرُّ عنه ونَدَعُه ؟ فقال : مَن ذا ؟ قالوا : أبو بكرٍ . قال: أما والذي نفسي بيدِه ، لولا يدٌ كانت لك عندي لم أُجْزِكْ بها لأَجَبْتُكَ . قال : وجعَلَ يُكَلِّمُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فكلما تكَلَّمَ أخَذَ بلحيتِه ، والمغيرةُ بنُ شعبةَ قائمٌ على رأسِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ، ومعه السيفُ، وعليه المِغْفَرُ ، فكُلَّمَا أهوى عروةُ بيدِه إلى لحيةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ضرَبَ يدَه بنعلِ السيفِ ، وقال له: أَخِّرْ يدَك عن لحيةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ، فرَفَعَ عروةُ رأسَه ، فقال : مَن هذا ؟ قالوا : المغيرةُ بنُ شعبةَ. فقال : أَيْ غُدَرُ ، أَلَسْتُ أَسعى في غَدْرَتِك. وكان المغيرةُ صَحِبَ قومًا في الجاهليةِ فقَتَلَهم ، وأخَذَ أموالَهم ، ثم جاء فأَسْلَمَ ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: أَمَّا الإسلامُ فأَقْبَلُ ، وأَمَّا المالُ فلَسْتُ منه في شيءٍ . ثم إن عروةَ جعَلَ يَرْمُقُ أصحابَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم بعينِه ، قال : فواللهِ، ما تَنَخَّمَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم نُخَامَةَ إلا وقَعَتْ في كفِّ رجلٍ منهم ، فدَلَّكَ بها وجهَه وجلدَه ، وإذا أمَرَهم ابتدروا أمرَه ، وإذا توضأَ كادوا يَقْتَتِلون على وضوئِه ، وإذا تكَلَّمَ خَفَضُوا أصواتَهم عندَه ، وما يُحِدُّون إليه النظرَ؛ تعظيمًا له ، فرجَعَ عروةُ إلى أصحابِه فقال: أَيْ قومُ ، واللهِ ، لقد وفَدْتُ على الملوكِ ، ووَفَدْتُ على قَيْصَرَ، وكسرى، والنَجَاشِيِّ ، واللهِ ، إن رَأَيْتُ مِلْكًا قطُّ يُعِظِّمُه أصحابُه ما يُعِظِّمُ أصحابُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم محمدًا ، واللهِ ، إن تَنَخَّمَ نُخامةً إلا وقَعَتْ في كفِّ رجلٍ منهم فدَلَّك بها وجهَه وجلدَه ، وإذا أَمَرَهم ابتدروا أمرَه ، وإذا توضأَ كادوا يَقْتَتِلون على وضوئِه ، وإذا تكَلَّم خَفَّضُوا أصواتَهم عندَه ، وما يُحِدُّون إليه النظرَ؛ تعظيمًا له، وإنه قد عَرَضَ عليكم خطةَ رُشْدٍ فأَقْبَلُوها . فقال رجلٌ مِن بني كِنانةَ : دَعُوني آتِيه . فقالوا : ائتِه . فلما أَشْرَفَ على النبيِّ صلى الله عليه وسلم وأصحابِه ، قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: هذا فلانٌ ، وهو مِن قوم يُعَظِّمون البُدْنَ ، فابعثُوها له. فبُعِثَتْ له ، واستَقْبَلَه الناسُ يُلَبُّون ، فلما رأى ذلك قال : سبحانَ اللهِ ، ما ينبغي لهؤلاء أن يُصَدُّوا عن البيتِ ، فلما رجَعَ إلى أصحابِه قال : رأَيْتُ قد قُلِّدَتْ وأُشِعْرَتْ ، فما أرى أن يُصَدُّوا عن البيتِ . فقام رجلٌ منهم ، يَقالُ له: مِكْرَزُ بْنُ حفصٍ ، فقال : دعوني آتيه . فقالوا : ائْتِه. فلما أَشْرَفَ عليهم ، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم : هذا مِكْرَزٌ ، وهو رجلٌ فاجرٌ. فجَعَلَ يُكَلِّمُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فبينما هو يُكَلِّمُه؛ إذ جاء سُهَيْلُ بنُ عمرٍو . قال مَعْمَرٌ : فأَخْبَرَني أيوبُ ، عن عَكْرِمَةَ : أنه لما جاءَ سُهَيْلُ بنُ عمرٍو: قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: لقد سَهُلَ لكم مِن أمرِكم. قال مَعْمَرٌ : قال الزهريُّ في حديثِه : فجاءَ سهيلُ بنُ عمرٍو فقال: هاتِ اكتُبْ بينَنَا وبينَكم كتابًا، فدعا النبيُّ صلى الله عليه وسلم الكاتبَ ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ . قال سهيلٌ : أَمَّا الرحمنُ فواللهِ ما أدري ما هو ، ولكن اكتُبْ باسمِك اللهمَّ، كما كنتَ تَكْتُبْ . فقال المسلمون : واللهِ لا نَكْتُبْها إلا بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ . فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: اكتُبْ باسمِك اللهمَّ . ثم قال: هذا ما قاضى عليه محمدٌ رسولُ اللهِ . فقال سهيلٌ : واللهِ ، لو كنَّا نَعْلَمُ أنك رسولُ اللهِ ما صَدَدْنَاك عن البيتِ، ولا قاتلْنَاك ، ولكِنْ اكتُبْ : محمدُ بنُ عبدِ اللهِ ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: واللهِ ، إني لرسولُ اللهِ وإن كَذَّبْتُموني ، اكتُبْ : محمدُ بنُ عبدِ الله . قال الزُّهْرِيُّ : وذلك لقولِه: لا يَسْأَلُونَنِي خطةً يُعِظِّمون بها حرماتِ اللهِ إلا أَعْطَيْتُهم إيَّاها. فقال له النبيُّ صلى الله عليه وسلم : على أن تُخَلُّوا بينَنا وبينَ البيت فنَطُوفُ به. فقال سهيلٌ : واللهِ ، لا تَتَحَدَّثُ العربُ أَنَّا أُخِذْنَا ضُغْطَةً؛ ولكن ذلك مِن العامِ المُقْبِلِ . فكتَبَ ، فقال سهيلٌ : وعلى أنه لا يَأْتِيك منا رجلٌ ، وإن كان على دينِك إلا ردَدْتَه إلينا . قال المسلمون : سبحانَ اللهِ ! كيف يُرَدُّ إلى المشركين وقد جاء مسلمًا! فبينما هم كذلك؛ إذ دخَلَ أبو جَنْدَلٍ بنُ سُهَيْلِ بنِ عمرٍو يَرْسُفُ في قيودِه ، وقد خرَجَ ِمِن أسفلِ مكةَ حتى رَمى بنفسِه بينَ أظهرِ المسلمين ، فقال سهيلٌ : هذا يا محمدُ، أولُ ما أُقاضِيكَ عليه أن تَرُدَّه إليَّ . فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: إنا لم نَقْضِ الكتابَ بعدُ. قال: فواللهِ، إذًا لم أُصَالِحْكَ على شيءٍ أبدًا ، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: فأَجِزْه لي . قال : ما أنا بمجيزِه لكَ . قال: بلى فافْعَلْ . قال : ما أنا بفاعلٍ . قال مِكْرَزٌ : بل قد أَجَزْنَاه لك . قال أبو جندلٍ : أَيْ معشرَ المسلمين ، أُرَدُّ إلى المشركين وقد جِئْتُ مسلمًا ، ألا ترون ما قد لَقِيتُ ؟ وكان قد عُذِّبَ عذابًا شديدًا في اللهِ . قال : فقال عمرُ بنُ الخطابِ : فأَتَيْتُ نبيَّ اللهِ صلى الله عليه وسلم فقُلْتُ : ألستَ نبيَّ اللهِ حقًّا ؟ قال: بلى . قلتُ : أَلَسْنَا على الحقِّ، وعدوُّنَا على الباطلِ ؟ قال: بلى. قلتُ : فلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ في دينِنَا إذًا ؟ قال: إني رسولُ اللهِ ، ولَسْتُ أَعْصِيه ، وهو ناصرِي . قلتُ: أَوَلَيْسَ كنتَ تُحَدِّثُنَا أَنَّا سنأتي البيتَ فنَطُوفُ به ؟ قال : بلى، فأَخْبَرْتُك أَنَّا نَأْتِيه العامَ؟ قال : قلتُ: لا. قال: فإنك آتيه ومُطَوِّفٌ به . قال : فأَتَيْتُ أبا بكرٍ فقُلْتُ : يا أبا بكرٍ ، أليس هذا نبيَّ اللهِ حقًّا ؟ قال: بلى . قلتُ : أَلَسْنَا على الحقِّ، وعدُّونا على الباطلِ ؟ قال : بلى . قلتُ : فلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ في ديننِا إذًا ؟ قال : أيُّها الرجلُ، إنه لرسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، وليس يَعْصِي ربَّه ، وهو ناصرُه ، فاستَمْسِكْ بغرزِه ، فواللهِ إنه على الحقِّ. قلتُ : أليسَ كان يُحَدِّثُنَا أَنَّا سنَأْتِي البيتَ ونَطُوفُ به ؟ قال : بلى ، أَفَأَخْبَرَكَ أَنَّك تَأْتِيه العامَ؟ قلتُ: لا . قال : فإنك آتِيه ومُطَوِّفٌ به . قال الزُّهْرِيُّ : قال عمرُ: فعَمِلْتُ لذلكَ أعمالًا . قال : فلما فَرَغَ مِن قضيةِ الكتابِ ، قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لأصحابِه: قوموا فانحَرُوا ثم احْلِقُوا . قال : فواللهِ، ما قام منهم رجلٌ حتى قال ذلك ثلاثَ مراتٍ ، فلما لم يَقُمْ منهم أحدٌ دخَلَ على أمِّ سَلَمَةَ ، فذَكَرَ لها ما لَقِيَ مِن الناسِ ، فقالت أمُّ سَلَمَةَ : يانبيَّ اللهِ ، أَتَحُبُّ ذلك ، اخرُجْ لا تُكَلِّمْ أحدًا منهم كلمةً ، حتى تَنْحَرَ بُدْنَك ، وتَدْعُوَ حالقَك فيَحْلِقَكَ . فخَرَجَ فلم يُكَلِّمْ أحدًا منهم حتى فعَلَ ذلك ، نحَرَ بُدْنَه ، ودعا حالقَه فحَلَقَه ، فلما رأَوْا ذلك قاموا فنَحَرُوا وجعَلَ بعضُهم يَحْلِقُ بعضًا ، حتى كاد بعضُهم يُقْتَلُ غمًّا ، ثم جاءَه نسوةٌ مُؤْمناتٌ ، فأَنْزَلَ اللهُ تعالى : يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن - حتى بلغ - بعصم الكوافر . فطَلَّقَ عمرُ يومئذٍ امرأتين، كانَتَا له في الشركِ ، فتَزَوَّجَ إحداهما معاويةُ بنُ أبي سفيانَ ، والأخرى صفوانُ بنُ أُمَيَّةَ ، ثم رجَعَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى المدينةِ، فجَاءَه أبو بَصِيرٍ ، رجلٌ مِن قريشٍ وهو مسلمٌ، فأَرْسَلُوا في طلبِه رجلين ، فقالوا : العهدَ الذي جَعَلْتَ لنا . فدَفَعَه إلى الرَّجُلَيْن ، فخَرَجا به حتى إذا بلَغَا ذا الحُلَيْفَةِ ، فنزلوا يَأْكُلون مِن تمرٍ لهم ، فقال أبو بَصِيرٍ لأحدِ الرجلين : والله إني لأَرى سيفَك هذا يا فلانُ جيدًا ، فاستلَّه الآخرُ ، فقال : أجلِ ، والله إنه لجيدٌ ، لقد جَرَّبْتُ به ، ثم جَرَّبْتُ. فقال أبو بِصِيرٍ : أًرِنِي أنظُرْ إليه؟ فأَمْكَنَه منه ، فضَرَبَه حتى بَرَدَ ، وفرَّ الآخرُ حتى أتى المدينةَ ، فدَخَلَ المسجدَ يَعْدُو! فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حين رآه : لقد رأى هذا ذُعْرًا . فلما انتهى إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: قُتِلَ واللهِ صاحبي، وإني لمقتولٌ. فجاء أبو بَصِيرٍ، فقال : يا نبيَّ اللهِ ، قد واللهِ أَوْفَى اللهُ ذمتَك ، قد رَدَدْتَني إليهم ، ثم نَجَّانِي اللهُ منهم . قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: وَيْلَ أمِّه ، مِسْعَرُ حربٍ ، لو كان له أحدٌ . فلما سَمِعَ ذلك عَرَفَ أنه سَيَرُدُّه إليهم ، فخَرَجَ حتى أتى سِيفَ البحرِ ، قال : ويَنْفَلِتُ منهم أبو جندلِ بنِ سهيلٍ ، فلَحِقَ بأبي بَصِيرٍ ، فجَعَلَ لا يَخْرُجُ مِن قريشٍ رجلٌ قد أسَلَمَ إلا لِحِقَ بأبي بَصِيرٍ ، حتى اجتمَعَتْ منهم عِصابةٌ، فواللهِ، ما يَسْمَعُونَ بعِيرٍ خَرَجَتْ لقريشٍ إلى الشَّأْمِ إلا اعترضوا لها ، فقَتَلُوهم وأَخَذُوا أموالَهم ، فأَرْسَلَتْ قريشٌ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم تُنَاشِدُه باللهِ والرَّحِمِ لمَّا أَرْسَلَ : فمَن آتاه فهو آمنٌ ، فأَرْسَلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم إليهم ، فأَنْزَلَ الله تعالى : وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم - حتى بلغ - الحمية حمية الجاهلية . وكانت حمِيَّتُهم أنهم لم يُقِرُّوا أنه نبيُّ اللهِ ، ولم يَقُرِّوا ببسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ ، وحالوا بينَهم وبينَ البيتِ .
لم أتخلَّفْ عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في غزوةٍ غزاها حتَّى كانت غزوةُ تبوكَ إلَّا بدر، ولم يُعاتِبِ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أحدًا تخلَّف عن بدرٍ إنَّما خرَج النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُريدُ العيرَ وخرَجَت قريشٌ مُغيثينَ لعيرِهم فالتقَوا على غيرِ موعدٍ كما قال اللهُ ولعَمْري إنَّ أشرفَ مشاهدِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في النَّاسِ لَبدرٌ وما أُحِبُّ أنِّي كُنْتُ شهِدْتُها مكانَ بيعتي ليلةَ العَقبةِ حينَ تواثَقْنا على الإسلامِ ولم أتخلَّفْ بعدُ عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في غزوةٍ غزاها حتَّى كانت غزوةُ تبوكَ وهي آخِرُ غزوةٍ غزاها، آذَن النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم [ النَّاسَ ] بالرَّحيلِ وأراد أنْ يتأهَّبوا أُهبةَ غزوِهم وذلك حين طاب الظِّلالُ وطابتِ الثِّمارُ وكان قلَّما أراد غزوةً إلَّا ورَّى غيرَها وكان يقولُ: ( الحربُ خَدْعةٌ ) فأراد النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في غزوةِ تبوكَ أنْ يتأهَّبَ النَّاسُ أُهبَتَه وأنا أيسَرُ ما كُنْتُ قد جمَعْتُ راحلتينِ لي فلم أزَلْ كذلك حتَّى قام النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم غاديًا بالغداةِ وذلك يومَ الخميسِ ـ وكان يُحِبُّ أنْ يخرُجَ يومَ الخميسِ ـ فأصبَح غاديًا فقُلْتُ: أنطلِقُ إلى السُّوقِ وأشتري جَهازي ثمَّ ألحَقُ بها فانطلَقْتُ إلى السُّوقِ مِن الغدِ فعسُر علَيَّ بعضُ شأني فرجَعْتُ فقُلْتُ: أرجِعُ غدًا إنْ شاء اللهُ فألحَقُ بهم فعسُر علَيَّ بعضُ شأني أيضًا فلم أزَلْ كذلك حتَّى لبَّس بي الذَّنبُ وتخلَّفْتُ عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فجعَلْتُ أمشي في الأسواقِ وأطرافِ المدنيةِ فيُحزِنُني ألَّا أرى أحدًا تخلَّف عن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلَّا رجلًا مغموصًا عليه في النِّفاقِ وكان ليس أحدٌ تخلَّف إلَّا أرى ذلك سيَخفى له وكان النَّاسُ كثيرًا لا يجمَعُهم ديوانٌ وكان جميعُ مَن تخلَّف عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بضعةً وثمانينَ رجلًا
ولم يذكُرْني النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتَّى بلَغ تبوكًا فلمَّا بلَغ تبوكًا قال: ( ما فعَل كعبُ بنُ مالكٍ ) ؟ فقال رجلٌ مِن قومي: خلَّفه يا رسولَ اللهِ بُرداهُ والنَّظرُ في عِطْفَيه فقال معاذُ بنُ جبلٍ: بئس ما قُلْتَ واللهِ يا نبيَّ اللهِ ما نعلَمُ إلَّا خيرًا قال: فبَيْنا هم كذلك إذا رجلٌ يزولُ به السَّرابُ فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ( كُنْ أبا خَيثمةَ ) فإذا هو أبو خَيثمةَ فلمَّا قضى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم غزوةَ تبوكٍ وقفَل ودنا مِن المدينةِ جعَلْتُ أتذكَّرُ ماذا أخرُجُ به مِن سخَطِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأستعينُ على ذلك بكلِّ ذي رأيٍ مِن أهلِ بيتي حتَّى إذا قيل: النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مُصبِّحُكم بالغداةِ راح عنِّي الباطلُ وعرَفْتُ أنِّي لا أنجو إلَّا بالصِّدْقِ فدخَل النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ضُحًى فصلَّى في المسجدِ ركعتينِ ـ وكان إذا قدِم مِن سفرٍ فعَل ذلك: دخَل المسجدَ فصلَّى فيه ركعتينِ ثمَّ جلَس ـ فجعَل يأتيه مَن تخلَّف فيحلِفون له ويعتذِرون إليه فيستغفرُ لهم ويقبَلُ علانيتَهم ويكِلُ سرائرَهم إلى اللهِ فدخَلْتُ المسجدَ فإذا هو جالسٌ فلمَّا رآني تبسَّم تبسُّمَ المُغضَبِ فجِئْتُ فجلَسْتُ بينَ يدَيهِ فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ( ألم تكُنِ ابتَعْتَ ظَهرًا ) ؟ قُلْتُ: بلى يا نبيَّ اللهِ فقال ( ما خلَّفك عنِّي ) ؟ فقُلْتُ: واللهِ لو بينَ يدَيْ أحَدٍ مِن النَّاسِ غيرِك جلَسْتُ لخرَجْتُ مِن سخَطِه عليَّ بعُذْرٍ ولقد أوتيتُ جدَلًا ولكنِّي قد علِمْتُ ـ يا نبيَّ اللهِ ـ أنِّي إنْ حدَّثْتُك اليومَ بقولٍ تجِدُ عليَّ فيه وهو حقٌّ فإنِّي أرجو فيه عقبى اللهِ وإنْ حدَّثْتُك اليومَ بحديثٍ ترضى عنِّي فيه وهو كذِبٌ أوشَك أنْ يُطلِعَك اللهُ علَيَّ واللهِ يا نبيَّ اللهِ ما كُنْتُ قطُّ أيسَرَ ولا أخفَّ حاذًا منِّي حيثُ تخلَّفْتُ عليك فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ( أمَّا هذا فقد صدَقكم الحديثَ قُمْ حتَّى يقضيَ اللهُ فيك)
فقُمْتُ فثار على أثري ناسٌ مِن قومي يؤنِّبونَني فقالوا: واللهِ ما نعلَمُك أذنَبْتَ ذنبًا قطُّ قبْلَ هذا فهلَّا اعتذَرْتَ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بعُذْرٍ يرضاه عنك فيه وكان استغفارُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم سيأتي مِن وراءِ ذلك ولم تقِفْ موقفًا لا ندري ماذا يُقضى لك فيه فلم يزالوا يؤنِّبونَني حتَّى همَمْتُ أنْ أرجِعَ فأُكذِّبَ نفسي فقُلْتُ: هل قال هذا القولَ أحدٌ غيري ؟ قالوا: نَعم قاله هلالُ بنُ أُميَّةَ ومُرارةُ بنُ ربيعةَ فذكَروا رجلينِ صالحينِ شهِدا بدرًا لي فيهما أُسوةٌ فقُلْتُ: واللهِ لا أرجِعُ إليه في هذا أبدًا ولا أُكذِّبُ نفسي
ونهى النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن كلامِنا أيُّها الثَّلاثةُ فجعَلْتُ أخرُجُ إلى السُّوقِ ولا يُكلِّمُني أحدٌ وتنكَّر لنا النَّاسُ حتَّى ما هم بالَّذينَ نعرِفُ وتنكَّر لنا الحيطانُ حتَّى ما هي بالحيطانِ الَّتي نعرِفُ وتنكَّرَت لنا الأرضُ حتَّى ما هي بالأرضِ الَّتي نعرِفُ وكُنْتُ أقوى أصحابي فكُنْتُ أخرُجُ فأطوفُ في الأسواقِ فآتي المسجدَ وآتي النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأُسلِّمُ عليه وأقولُ: هل حرَّك شفَتَيهِ بالسَّلامِ فإذا قُمْتُ أُصلِّي إلى ساريةٍ وأقبَلْتُ على صلاتي نظَر إليَّ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بمؤخِرِ عينَيْه وإذا نظَرْتُ إليه أعرَض عنِّي واشتكى صاحباي فجعَلا يبكيانِ اللَّيلَ والنَّهارَ ولا يُطلِعانِ رؤوسَهما
قال: فبَيْنا أنا أطوفُ في الأسواقِ إذا رجلٌ نصرانيٌّ قد جاء بطعامٍ له يبيعُه يقولُ: مَن يدُلُّ على كعبِ بنِ مالكٍ فطفِق النَّاسُ يُشيرونَ له إليَّ فأتاني وأتى بصحيفةٍ مِن ملِكِ غسَّانَ فإذا فيها: أمَّا بعدُ فإنَّه بلَغني أنَّ صاحبَك قد جفاك وأقصاك ولسْتَ بدارِ هوانٍ ولا مَضيعةٍ فالحَقْ بنا نواسِكَ فقُلْتُ: هذا أيضًا مِن البلاءِ فسجَرْتُ لها التَّنُّورَ فأحرَقْتُها فيه
فلمَّا مضَت أربعونَ ليلةً إذا رسولٌ مِن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قد أتاني فقال: اعتزِلِ امرأتَك فقُلْتُ: أُطلِّقُها ؟ قال: لا ولكنْ لا تقرَبْها فجاءَتِ امرأةُ هلالِ بنِ أميَّةَ فقالت: يا نبيَّ اللهِ إنَّ هلالَ بنَ أميَّةَ شيخٌ ضعيفٌ فهل تأذَنُ لي أنْ أخدُمَه قال: ( نَعم ولكنْ لا يقرَبَنَّكِ ) قالت: يا نبيَّ اللهِ ما به حركةٌ لشيءٍ ما زال متَّكئًا يبكي اللَّيلَ والنَّهارَ مُذْ كان مِن أمرِه ما كان
قال كعبٌ: فلمَّا طال علَيَّ البلاءُ اقتحَمْتُ على أبي قتادةَ حائطَه ـ وهو ابنُ عمِّي ـ فسلَّمْتُ عليه فلم يرُدَّ علَيَّ فقُلْتُ: أنشُدُكَ اللهَ يا أبا قتادةَ أتعلَمُ أنِّي الله ورسوله ؟ فسكَت فقُلْتُ: أنشُدُك اللهَ يا أبا قتادةَ أتعلَمُ أنِّي أُحِبُّ اللهَ ورسولَه ؟ فسكَت فقُلْتُ: أنشُدُك اللهَ يا أبا قتادةَ أتعلَمُ أنِّي أُحِبُّ اللهَ ورسولَه فقال: اللهُ ورسولُه أعلَمُ قال: فلم أملِكْ نفسي أنْ بكَيْتُ ثمَّ اقتحَمْتُ الحائطَ خارجًا حتَّى إذا مضَتْ خمسونَ ليلةً مِن حينِ نهى النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن كلامِنا صلَّيْتُ على ظهرِ بيتٍ لنا صلاةَ الفجرِ وأنا في المنزلةِ الَّتي قال اللهُ: قد ضاقَت علينا الأرضُ بما رحُبَت وضاقت علينا أنفسُنا إذ سمِعْتُ نداءً مِن ذِروةِ سَلْعٍ أنْ أبشِرْ يا كعبُ بنَ مالكٍ فخرجت ساجدًا وعرَفْتُ أنَّ اللهَ قد جاءنا بالفرَجِ ثمَّ جاء رجلٌ يركُضُ على فرسٍ يُبشِّرُني فكان الصَّوتُ أسرَعَ مِن فرسِه فأعطَيْتُه ثوبيَّ بشارةً ولبِسْتُ ثوبينِ آخَرينِ
وكانت توبتُنا نزَلت على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ثُلُثَ اللَّيلِ فقالت أمُّ سلَمةَ: يا نبيَّ اللهِ ألا نُبشِّرُ كعبَ بنَ مالكٍ فقال: ( إذًا يحطِمُكم النَّاسُ ويمَنعونَكم النَّومَ سائرَ اللَّيلةِ )
قال: وكانت أمُّ سلَمةَ محسنةً في شأني تُخبِرُني بأمري فانطلَقْتُ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فإذا هو جالسٌ في المسجدِ وحولَه المسلمونَ وهو يستنيرُ كاستنارِ القمرِ وكان إذا سُرَّ بالأمرِ استنار فجِئْتُ فجلَسْتُ بينَ يدَيْهِ فقال: ( يا كعبُ بنَ مالكٍ أبشِرْ بخيرِ يومٍ أتى عليك منذُ ولدَتْك أمُّك ) قال: فقُلْتُ: يا نبيَّ اللهِ أمِن عندِ اللهِ أم مِن عندِك ؟ قال: ( بل مِن عندِ اللهِ ) ثمَّ تلا عليهم: {لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ} [التوبة: 117] حتَّى بلَغ {هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [التوبة: 118] قال: وفينا نزَلت {اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [التوبة: 119] قال: فقُلْتُ: يا نبيَّ اللهِ إنَّ مِن توبتي أنِّي لا أُحدِّثُ إلَّا صدقًا وأنْ أنخلَعَ مِن مالي كلِّه صدقةً إلى اللهِ وإلى رسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال ( أمسِكْ عليك بعضَ مالِك فهو خيرٌ لك ) قال: فقُلْتُ: فإنِّي أُمسِكُ سهمي الَّذي بخيبرَ قال: فما أنعَمَ اللهُ علَيَّ مِن نعمةٍ بعدَ الإسلامِ أعظَمَ في نفسي مِن صدقي رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حينَ صدَقْتُه أنا وصاحباي ألَّا نكونَ كذَبْنا فهلَكْنا كما هلَكوا، وما تعمَّدْتُ لكذبةٍ بعدُ وإنِّي لأرجو أنْ يحفَظَني اللهُ فيما بقي
قال الزُّهريُّ: فهذا ما انتهى إلينا مِن حديثِ كعبِ بنِ مالكٍ
خرَج النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم زمَنَ الحُديبيَةِ في بضعَ عشر مئةً مِن أصحابِه حتَّى إذا كانوا بذي الحُليفةِ قلَّد رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأشعَر ثمَّ أحرَم بالعمرةِ وبعَث بيْنَ يدَيْهِ عينًا له رجُلًا مِن خُزاعةَ يجيئُه بخبرِ قريشٍ وسار رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتَّى إذا كان بغَديرِ الأشطاطِ قريبًا مِن عُسْفانَ أتاه عينُه الخُزاعيُّ فقال: إنِّي ترَكْتُ كعبَ بنَ لُؤيٍّ وعامرَ بنَ لؤيٍّ قد جمَعوا لك الأحابيشَ وجمَعوا لك جموعًا كثيرةً وهم مقاتِلوك وصادُّوك عن البيتِ الحرامِ فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ( أشيروا علَيَّ أترَوْنَ أنْ نميلَ إلى ذراريِّ هؤلاء الَّذين أعانوهم فنُصيبَهم فإنْ قعَدوا قعَدوا مَوتورين محزونين وإنْ نجَوْا يكونوا عُنقًا قطَعها اللهُ أم ترَوْنَ أنْ نؤُمَّ البيتَ فمَن صدَّنا عنه قاتَلْناه ) ؟ فقال أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ رضوانُ اللهِ عليه: اللهُ ورسولُه أعلمُ يا نبيَّ اللهِ إنَّما جِئْنا مُعتمرينَ ولم نجِئْ لقتالِ أَحدٍ ولكنْ مَن حال بينَنا وبيْنَ البيتِ قاتَلْناه فقال النَّبيُّ ـ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ( فرُوحوا إذًا ) قال الزُّهريُّ في حديثِه: وكان أبو هُريرةَ يقولُ: ما رأَيْتُ أحدًا أكثرَ مشاورةً لأصحابِه مِن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال الزُّهريُّ في حديثِه عن عُروةَ عن المِسوَرِ ومَروانَ في حديثِهما: فراحوا حتَّى إذا كانوا ببعضِ الطَّريقِ قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ( إنَّ خالدَ بنَ الوليدِ بالغَميمِ في خيلٍ لقريشٍ طليعةً فخُذوا ذاتَ اليمينِ ) فواللهِ ما شعَر بهم خالدُ بنُ الوليدِ حتَّى إذا هو بقَترةِ الجيشِ فأقبَل يركُضُ نذيرًا لقريشٍ وسار النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتَّى إذا كان بالثَّنيَّةِ الَّتي يُهبَطُ عليهم منها فلمَّا انتهى إليها برَكتْ راحلتُه فقال النَّاسُ: حَلْ حَلْ فألحَّتْ فقالوا: خلَأتِ القصواءُ فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ( ما خلَأتِ القصواءُ وما ذلك لها بخُلُقٍ ولكنْ حبَسها حابسُ الفيلِ ) ثمَّ قال: ( والَّذي نفسي بيدِه لا يسأَلوني خُطَّةً يُعظِّمون فيها حُرماتِ اللهِ إلَّا أعطَيْتُهم إيَّاها ) ثمَّ زجَرها فوثَبتْ به قال: فعدَل عنهم حتَّى نزَل بأقصى الحُديبيَةِ على ثَمَدٍ قليلِ الماءِ إنَّما يتبَرَّضُه النَّاسُ تبرُّضًا فلم يلبَثْ بالنَّاسِ أنْ نزَحوه فشُكي إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم العطشُ فانتزَع سهمًا مِن كِنانتِه ثمَّ أمَرهم أنْ يجعَلوه فيه قال: فما زال يَجيشُ لهم بالرِّيِّ حتَّى صدَروا عنه: فبينما هم كذلك إذ جاءه بُدَيْلُ بنُ ورقاءَ الخزاعيُّ في نفرٍ مِن قومِه مِن خُزاعةَ وكانت عَيْبَةَ نُصحِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن أهلِ تِهامةَ فقال: إنِّي ترَكْتُ كعبَ بنَ لؤيٍّ وعامرَ بنَ لؤيٍّ نزَلوا أعدادَ مياهِ الحُديبيَةِ معهم العُوذُ المَطافيلُ وهم مقاتلوك وصادُّوك عن البيتِ الحرامِ فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ( إنَّا لم نجِئْ لقتالِ أَحدٍ ولكنَّا جِئْنا مُعتمرينَ فإنَّ قريشًا قد نهَكَتْهم الحربُ وأضرَّت بهم فإنْ شاؤوا مادَدْتُهم مدَّةً ويُخلُّوا بيني وبيْنَ النَّاسِ فإنْ ظهَرْنا وشاؤوا أنْ يدخُلوا فيما دخَل فيه النَّاسُ فعَلوا وقد جَمُّوا وإنْ هم أبَوْا فوالَّذي نفسي بيدِه لأُقاتِلَنَّهم على أمري هذا حتَّى تنفرِدَ سالفتي أو لَيُبْدِيَنَّ اللهُ أمرَه ) قال بُدَيْلُ بنُ وَرْقاءَ: سأُبلِغُهم ما تقولُ: فانطلَق حتَّى أتى قريشًا فقال: إنَّا قد جِئْناكم مِن عندِ هذا الرَّجُلِ وسمِعْناه يقولُ قولًا فإنْ شِئْتم أنْ نعرِضَه عليكم فعَلْنا فقال سفهاؤُهم: لا حاجةَ لنا في أنْ تُخبِرونا عنه بشيءٍ وقال ذو الرَّأيِ: هاتِ ما سمِعْتَه يقولُ قال: سمِعْتُه يقولُ كذا وكذا فأخبَرْتُهم بما قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقام عندَ ذلك أبو مسعودٍ عُروةُ بنُ مسعودٍ الثَّقفيُّ فقال: يا قومِ ألَسْتُم بالولدِ ؟ قالوا: بلى قال: ألَسْتُ بالوالدِ ؟ قالوا: بلى قال: فهل تتَّهموني ؟ قالوا: لا قال: ألَسْتُم تعلَمون أنِّي استنفَرْتُ أهلَ عُكاظٍ فلمَّا بلَّحوا عليَّ جِئْتُكم بأهلي وولَدي ومَن أطاعني ؟ قالوا: بلى قال: فإنَّ هذا امرؤٌ عرَض عليكم خُطَّةَ رُشدٍ فاقبَلوها ودعوني آتِهِ قالوا: ائتِه فأتاه قال: فجعَل يُكلِّمُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم نحوًا مِن قولِه لبُدَيْلِ بنِ وَرْقاءَ فقال عروةُ بنُ مسعودٍ عندَ ذلك يا محمَّدُ أرأَيْتَ إنِ استأصَلْتَ قومَك هل سمِعْتَ أحدًا مِن العربِ اجتاح أصلَه قبْلَك وإنْ تكُنِ الأخرى فواللهِ إنِّي أرى وجوهًا وأرى أشوابًا مِن النَّاسِ خُلَقاءَ أنْ يفِرُّوا ويدَعوك فقال أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ رضوانُ اللهِ عليه: امصُصْ ببَظْرِ اللَّاتِ أنحنُ نفِرُّ وندَعُه ؟ فقال أبو مسعودٍ: مَن هذا ؟ قالوا: أبو بكرِ بنُ أبي قُحافةَ فقال: أمَا والَّذي نفسي بيدِه لولا يدٌ كانت لك عندي لم أَجْزِك بها لأجَبْتُك وجعَل يُكلِّمُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فكلَّما كلَّمه أخَذ بلِحيتِه والمغيرةُ بنُ شُعبةَ الثَّقفيُّ قائمٌ على رأسِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وعليه السَّيفُ والمِغفَرُ فكلَّما أهوى عُروةُ بيدِه إلى لحيةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ضرَب يدَه بنَعْلِ السَّيفِ، وقال: أخِّرْ يدَك عن لحيةِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فرفَع عروةُ رأسَه وقال: مَن هذا ؟ فقالوا: المغيرةُ بنُ شُعبةَ الثَّقفيُّ فقال: أيْ غُدَرُ، أولَسْتُ أسعى في غَدرَتِك وكان المغيرةُ بنُ شُعبةَ صحِب قومًا في الجاهليَّةِ فقتَلهم وأخَذ أموالَهم ثمَّ جاء فأسلَم فقال له النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ( أمَّا الإسلامُ فأقبَلُ وأمَّا المالُ فلَسْتُ منه في شيءٍ ) قال: ثمَّ إنَّ عروةَ جعَل يرمُقُ صحابةَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بعينِه فواللهِ ما يتنخَّمُ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم نُخامةً إلَّا وقَعتْ في كفِّ رجُلٍ منهم فدلَك بها وجهَه وجِلدَه وإذا أمَرهم انقادوا لأمرِه وإذا توضَّأ كادوا يقتتلون على وَضوئِه وإذا تكلَّم خفَضوا أصواتَهم عندَه وما يُحِدُّون إليه النَّظرَ تعظيمًا له فرجَع عروةُ بنُ مسعودٍ إلى أصحابِه فقال: أيْ قومِ واللهِ لقد وفَدْتُ إلى الملوكِ ووفَدْتُ إلى كسرى وقيصرَ والنَّجاشيِّ واللهِ ما رأَيْتُ ملِكًا قطُّ يُعظِّمُه أصحابُه ما يُعظِّمُ أصحابُ محمَّدٍ محمَّدًا وواللهِ إنْ يتنخَّمُ نُخامةً إلَّا وقَعت في كفِّ رجُلٍ منهم فدلَك بها وجهَه وجِلْدَه وإذا أمَرهم ابتدَروا أمرَه وإذا توضَّأ اقتتلوا على وَضوئِه وإذا تكلَّم خفَضوا أصواتَهم عندَه وما يُحِدُّون إليه النَّظرَ تعظيمًا له وإنَّه قد عرَض عليكم خُطَّةَ رُشدٍ فاقبَلوها فقال رجُلٌ مِن بني كِنانةَ دعوني آتِه فلمَّا أشرَف على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: هذا فلانٌ مِن قومٍ يُعظِّمون البُدنَ فابعَثوها له قال: فبُعِثَتْ واستقبَله القومُ يُلَبُّون فلمَّا رأى ذلك قال: سُبحانَ اللهِ لا ينبغي لهؤلاء أنْ يُصَدُّوا عن البيتِ فلمَّا رجَع إلى أصحابِه قال: رأَيْتُ البُدْنَ قد قُلِّدتْ وأُشعِرَتْ فما أرى أنْ يُصَدُّوا عن البيتِ فقام رجُلٌ منهم يُقالُ له: مِكرَزٌ فقال: دعوني آتِهِ فقالوا: ائتِه فلمَّا أشرَف عليهم قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ( هذا مِكرَزٌ وهو رجُلٌ فاجرٌ ) فجعَل يُكلِّمُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فبينما هو يُكلِّمُه إذ جاءه سُهيلُ بنُ عمرٍو قال مَعْمَرٌ: فأخبَرني أيُّوبُ السَّخْتِيانيُّ عن عِكرمةَ قال: فلمَّا جاء سُهيلٌ قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ( هذا سُهيلٌ قد سهَّل اللهُ لكم أمرَكم ) قال مَعْمَرٌ في حديثِه عن الزُّهريِّ عن عُروةَ عن المِسوَرِ ومَروانَ: فلمَّا جاء سُهيلٌ قال: هاتِ اكتُبْ بينَنا وبينَكم كتابًا فدعا الكاتبَ فقال: اكتُبْ بِسْمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ فقال سُهيلٌ: أمَّا الرَّحمنُ فلا أدري واللهِ ما هو ولكِنِ اكتُبْ باسمِك اللَّهمَّ ثمَّ قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ( اكتُبْ هذا ما قاضى عليه محمَّدٌ رسولُ اللهِ ) فقال سُهيلُ بنُ عمرٍو: لو كنَّا نعلَمُ أنَّك رسولُ اللهِ ما صدَدْناك عن البيتِ ولا قاتَلْناك ولكِنِ اكتُبْ: محمَّدُ بنُ عبدِ اللهِ فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ( واللهِ إنِّي لَرسولُ اللهِ وإنْ كذَّبْتُموني اكتُبْ محمَّدُ بنُ عبدِ اللهِ ) قال الزُّهريُّ: وذلك لقولِه: لا يسأَلوني خُطَّةً يُعظِّمون فيها حُرماتِ اللهِ إلَّا أعطَيْتُهم إيَّاها وقال في حديثِه عن عُروةَ عنِ المِسوَرِ ومَروانَ فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ( على أنْ تُخَلُّوا بينَنا وبيْنَ البيتِ فنطوفَ به فقال سُهيلُ بنُ عمرٍو: إنَّه لا يتحدَّثُ العربُ أنَّا أُخِذْنا ضُغطةً، ولكِنْ لك مِن العامِ المقبِلِ، فكتَب، فقال سُهيلُ بنُ عمرٍو: على أنَّه لا يأتيك منَّا رجُلٌ وإنْ كان على دِينِك أو يُريدُ دينَك إلَّا ردَدْتَه إلينا فقال المسلِمونَ: سُبحانَ اللهِ كيف يُرَدُّ إلى المشركينَ وقد جاء مسلِمًا فبينما هم على ذلك إذ جاء أبو جَنْدَلِ بنُ سُهيلِ بنِ عمرٍو يرسُفُ في قيودِه قد خرَج مِن أسفلِ مكَّةَ حتى رمى بنفسِه بيْنَ المسلمينَ فقال سُهيلُ بنُ عمرٍو: يا محمَّدُ هذا أوَّلُ مَن نُقاضيك عليه أنْ ترُدَّه إليَّ فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: إنَّا لم نُمضِ الكتابَ بعدُ فقال: واللهِ لا أُصالِحُك على شيءٍ أبدًا فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ( فأَجِزْه لي ) فقال: ما أنا بمُجيزِه لك قال: فافعَلْ قال: ما أنا بفاعلٍ قال مِكرَزٌ: بل قد أجَزْناه لك فقال أبو جَنْدَلِ بنُ سُهيلِ بنِ عمرٍو: يا معشرَ المسلمينَ أُرَدُّ إلى المشركين وقد جِئْتُ مسلِمًا ألا ترَوْنَ إلى ما قد لقيتُ وكان قد عُذِّب عذابًا شديدًا في اللهِ - فقال عمرُ بنُ الخطَّابِ رضوانُ اللهِ عليه: واللهِ ما شكَكْتُ منذُ أسلَمْتُ إلَّا يومَئذٍ فأتَيْتُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقُلْتُ: ألَسْتَ رسولَ اللهِ حقًّا ؟ قال: ( بلى ) قُلْتُ: ألَسْنا على الحقِّ وعدوُّنا على الباطلِ ؟ قال: ( بلى ) قُلْتُ: فلِمَ نُعطي الدَّنيَّةَ في دِيننِا إذًا ؟ قال: ( إنِّي رسولُ اللهِ ولَسْتُ أعصي ربِّي وهو ناصري ) قُلْتُ: أوليسَ كُنْتَ تُحدِّثُنا أنَّا سنأتي البيتَ فنطوفُ به ؟ قال ( بلى فخبَّرْتُك أنَّك تأتيه العامَ ؟ ) قال: لا قال: ( فإنَّك تأتيه فتطوفُ به قال: فأتَيْتُ أبا بكرٍ الصِّدِّيقَ رضوانُ اللهِ عليه فقُلْتُ: يا أبا بكرٍ أليس هذا نبيَّ اللهِ حقًّا ؟ قال: ( بلى ) قُلْتُ: أولَسْنا على الحقِّ وعدوُّنا على الباطلِ ؟ قال: ( بلى ) قُلْتُ: فلِمَ نُعطي الدَّنيَّةَ في دِينِنا إذًا ؟ قال: أيُّها الرَّجلُ إنَّه رسولُ اللهِ وليس يعصي ربَّه وهو ناصرُه فاستمسِكْ بغَرْزِه حتَّى تموتَ فواللهِ إنَّه على الحقِّ قُلْتُ: أوليس كان يُحدِّثُنا أنَّا سنأتي البيتَ ونطوفُ به ؟ قال: بلى قال فأخبَرك أنَّا نأتيه العامَ ؟ قُلْتُ: لا قال: فإنَّك آتيه وتطوفُ به قال عمرُ بنُ الخطَّابِ رضوانُ اللهِ عليه فعمِلْتُ في ذلك أعمالًا - يعني في نقضِ الصَّحيفةِ -
فلمَّا فرَغ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن الكتابِ أمَر رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أصحابَه فقال: ( انحَروا الهَدْيَ واحلِقوا ) قال: فواللهِ ما قام رجُلٌ منهم رجاءَ أنْ يُحدِثَ اللهُ أمرًا فلمَّا لم يقُمْ أحَدٌ منهم قام رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فدخَل على أمِّ سلَمةَ فقال: ما لقيتُ مِن النَّاسِ قالت أمُّ سلَمةَ: أوَتُحِبُّ ذاك، اخرُجْ ولا تُكلِّمَنَّ أحدًا منهم كلمةً حتَّى تنحَرَ بُدنَكَ وتدعوَ حالقَك فقام النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فخرَج ولم يُكلِّمْ أحدًا منهم حتَّى نحَر بُدْنَه ثمَّ دعا حالقَه فحلَقه فلمَّا رأى ذلك النَّاسُ جعَل بعضُهم يحلِقُ بعضًا حتَّى كاد بعضُهم يقتُلُ بعضًا قال: ثمَّ جاء نِسوةٌ مؤمناتٌ فأنزَل اللهُ تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ} [الممتحنة: 10] إلى آخِرِ الآيةِ قال: فطلَّق عمرُ رضوانُ اللهِ عليه امرأتينِ كانتا له في الشِّركِ فتزوَّج إحداهما معاويةُ بنُ أبي سُفيانَ والأخرى صفوانُ بنُ أميَّةَ قال: ثمَّ رجَع صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى المدينةِ فجاءه أبو بَصيرٍ رجُلٌ مِن قريشٍ وهو مسلِمٌ فأرسَلوا في طلبِه رجُلينِ وقالوا: العهدَ الَّذي جعَلْتَ لنا فدفَعه إلى الرَّجُلينِ فخرَجا حتَّى بلَغا به ذا الحليفةِ فنزَلوا يأكُلون مِن تمرٍ لهم فقال أبو بَصيرٍ لأَحدِ الرَّجُلينِ: واللهِ لَأرى سيفَك هذا يا فلانُ جيِّدًا فقال: أجَلْ واللهِ إنَّه لَجيِّدٌ لقد جرَّبْتُ به ثمَّ جرَّبْتُ فقال أبو بَصيرٍ: أَرِني أنظُرْ إليه فأمكَنه منه فضرَبه حتَّى برَد وفرَّ الآخَرُ حتَّى أتى المدينةَ فدخَل المسجدَ يعدو فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: لقد رأى هذا ذُعْرًا فلمَّا انتهى إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: قُتِل واللهِ صاحبي وإنِّي لَمقتولٌ فجاء أبو بَصيرٍ فقال: يا نبيَّ اللهِ قد واللهِ أوفى اللهُ ذمَّتَك قد ردَدْتَني إليهم ثمَّ أنجاني اللهُ منهم فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ويلُ امِّه لو كان معه أحَدٌ فلمَّا سمِع بذلك عرَف أنَّه سيرُدُّه إليهم مرَّةً أخرى فخرَج حتَّى أتى سِيفَ البحرِ قال: وتفلَّت منهم أبو جَنْدَلِ بنُ سُهيلِ بنِ عمرٍو فلحِق بأبي بَصيرٍ فجعَل لا يخرُجُ مِن قريشٍ رجُلٌ أسلَم إلَّا لحِق بأبي بَصيرٍ حتَّى اجتمَعت منهم عصابةٌ قال: فواللهِ ما يسمَعون بِعِيرٍ خرَجتْ لقريشٍ إلى الشَّامِ إلَّا اعترَضوا لها فقتَلوهم وأخَذوا أموالَهم فأرسَلتْ قريشٌ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم تُناشِدُه اللهَ والرَّحِمَ لَمَا أرسَل إليهم ممَّن أتاه فهو آمِنٌ فأرسَل النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إليهم فأنزَل اللهُ جلَّ وعلا: {وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ} [الفتح: 24] حتَّى بلَغ {حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ} [الفتح: 26] وكانت حميَّتُهم أنَّهم لم يُقِرُّوا أنَّه نبيُّ اللهِ ولم يُقِرُّوا ببِسْمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ
خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية في بضع عشرة مائة من أصحابه حتى إذا كانوا بذي الحليفة قلد رسول الله صلى الله عليه وسلم الهدي وأشعره وأحرم بالعمرة وبعث بين يديه عينا له من خزاعة يخبره عن قريش ، وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بغدير الأشطاط قريبا من عسفان أتاه عيينة الخزاعي فقال : إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي قد جمعوا لك الأحابيش وجمعوا لك جموعا وهم قاتلوك أو مقاتلوك ، وقال أبو أحمد بن زياد : وهم مقاتلوك قالا جميعا : وصادوك عن البيت فقال النبي صلى الله عليه وسلم أشيروا علي أترون أن نميل إلى ذراري هؤلاء الذين أعانوهم فنصيبهم ، فإن قعدوا قعدوا موتورين محروبين ، وإن نجوا تكن عنقا قطعها الله ، أم ترون أن نؤم البيت فمن صدنا عنه قاتلناه ؟ قال أبو بكر رضي الله عنه : الله ورسوله أعلم ، إنما جئنا معتمرين ولم نجئ لقتال أحد ولكن من حال بيننا وبين البيت قاتلناه ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : فروحوا إذا . قال الزهري في حديثه : فراحوا حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال النبي صلى الله عليه وسلم : إن خالد بن الوليد بالغميم في خيل لقريش طليعة فخذوا ذات اليمين ، فو الله ما شعر بهم خالد حتى إذا هو بقترة الجيش فانطلق يركض نذيرا لقريش ، وسار النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها بركت راحلته ، فقال الناس : حل حل ، فألحت ، فقالوا : خلأت القصواء خلأت القصواء . قال أبو أحمد بن زياد في حديثه : لما بلغ قوله فقال النبي صلى الله عليه وسلم : فروحوا إذا قال الزهري قال أبو هريرة : ما رأيت أحدا كان أكثر مشاورة لأصحابه من رسول صلى الله عليه وسلم . قال المسور ومروان في حديثهما : فراحوا حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال النبي صلى الله عليه وسلم : إن خالد بن الوليد بالغميم في خيل لقريش - رجع الحديث إلى موضعه - فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ما خلأت القصواء ، وما ذلك لها بخلق ولكن حبسها حابس الفيل ، ثم قال : والذي نفسي بيده ! لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها ، ثم زجرها فوثبت به ، قال : فعدل حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد قليل الماء إنما يتبرضه الناس تبرضا ، فلم يلبثه الناس أن نزحوه ، فشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العطش فانتزع سهما من كنانته ثم أمرهم أن يجعلوه فيه . قال : فو الله ما زال يجيش لهم بالرمي حتى صدروا عنه ، فبينما هم كذلك إذ جاءه بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من خزاعة وكانوا عيبة نصح رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل تهامة ، فقال : إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي نزلوا أعداد مياه الحديبية ، معهم العوذ المطافيل ، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنا لم نجئ لقتال أحد ، ولكنا جئنا معتمرين ، وإن قريشا قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم ، فإن شاءوا ماددتهم مدة ويخلوا ، بيني وبين الناس ، فإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا وإلا فقد جموا ، وإن هم أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي ، أو لينفذن الله عز وجل أمره . فقال بديل : سأبلغهم ما تقول ، فانطلق حتى أتى قريشا فقال : إنا قد جئناكم من عند هذا الرجل وسمعناه يقول قولا ، فإن شئتم نعرض عليكم فعلنا ، فقال سفهاؤهم : لا حاجة لنا في أن تحدثنا عنه بشيء ، وقال ذو الرأي منهم : هات ما سمعته . يقول : قال : سمعته يقول كذا وكذا ، فحدثهم بما قال النبي صلى الله عليه وسلم ، فقام عروة بن مسعود الثقفي فقال : أي قوم ! ألستم بالوالد ؟ قالوا : بلى . قال : ألست بالولد ؟ قالوا : بلى . قال : هل تتهموني ؟ قالوا : لا . قال : ألستم تعلمون أني استنفرت أهل عكاظ فلما بلحوا علي جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني ؟ قالوا : بلى . قال : فإن هذا قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها ودعوني آتيه قالوا : ائته . فأتاه فجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم نحوا من قوله لبديل ، فقال عروة عن ذلك : أي محمد ! أرأيت إن استأصلت قومك هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أصله قبلك وإن تكن الأخرى ؟ فوالله إني لأرى وجوها وأرى أو شابا من الناس خلقاء أن يفروا ويدعوك ، فقال له أبو بكر رضي الله عنه : امصص بظر اللات ، أنحن نفر عنه وندعه ؟ قال : من ذا ؟ قال : أبو بكر ، أما والذي نفسي بيده لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك ، قال : وجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم كلما كلمه أخذ بلحيته والمغيرة بن شعبة قائم على رأس النبي صلى الله عليه وسلم ومعه السيف وعليه المغفر ، فكلما أهوى عروة إلى لحية النبي صلى الله عليه وسلم ضرب يده بنعل السيف وقال : أخر يدك عن لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فرفع عروة رأسه فقال : من هذا ؟ قالوا : المغيرة بن شعبة . قال : أي غدر ! أو لست أسعى في غدرتك ؟ قال : وكان المغيرة صحب قوما في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم ثم جاء فأسلم . قال النبي صلى الله عليه وسلم : أما الإسلام فأقبل ، وأما المال فلست منه في شيء ، ثم إن عروة جعل يرمق صحابة النبي صلى الله عليه وسلم فوالله ما تنخم رسول الله صلى الله عليه وسلم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم يدلك بها وجهه وجلده ، وإذا أمرهم ابتدروا لأمره ، وإذا توضأ ثاروا يقتتلون على وضوئه ، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده ، وما يجدن إليه النظر تعظيما له . قال : فرجع عروة إلى أصحابه فقال : أي قوم ! والله لقد وفدت على الملوك ؛ وفدت على قيصر وكسرى والنجاشي ، والله إن رأيت ملكا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدا ، والله إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده ، وإذا أمرهم ابتدروا أمره ، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه ، وإذا تكلموا خفضوا أصواتهم عنده ، وما يحدون إليه النظر تعظيما له ، وأنه قد عرض عليكم خطة رشد فأقبلوه ، فقال رجل من بني كنانة : دعوني آته ، فقالوا : ائتيه ، فلما أشرف على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هذا فلان وهو من قوم يعظمون البدن فابعثوها له ، فبعث له فاستقبله القوم يلبون ، فلما رأى ذلك قال : سبحان الله ! ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت فرجع لأصحابه فقال : رأيت البدن قد قلدت وأشعرت ، فما أرى أن يصدوا عن البيت ، فقام رجل منهم يقال له مكرز بن حفص فقال : دعوني آته ، قالوا : ائتيه ، فلما أشرف عليهم قال النبي صلى الله عليه وسلم : هذا مكرز وهو رجل فاجر فجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم فبينما هو يكلمه إذ جاء سهيل بن عمرو . قال معمر : وأخبرني أيوب عن عكرمة : أنه لما جاء سهيل قال النبي صلى الله عليه وسلم : قد سهل لكم من أمركم . قال الزهري في حديثه : فجاء سهيل بن عمرو فقال : هات اكتب بيننا وبينك كتابا ، فدعا الكاتب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اكتب بسم الله الرحمن الرحيم . فقال سهيل : أما الرحمن فوالله ما أدري ما هو ولكن باسمك اللهم كما كنت تكتب ، فقال المسلمون : والله لا نكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : اكتب باسمك اللهم ، ثم قال : هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله . فقال سهيل : والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولكن أكتب محمد بن عبد الله . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إني لرسول الله وإن كذبتموني ، اكتب محمد بن عبد الله . قال الزهري : وذلك لقوله : لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف ، فقال سهيل : والله لا تتحدث العرب أنا أخذنا ضغطة ولكن لك من العام المقبل فكتب ، فقال سهيل : على أنه لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا ، فقال المسلمون : سبحان الله ! كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلما ؟ فبينا هم كذلك إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في قيوده قد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين ، فقال سهيل : هذا يا محمد أول من أقاضيك عليه أن ترده ، قال : فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إنا لم نقض الكتاب بعد ، قال : فوالله إذا لا نصالحك على شيء أبدا ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : فأجره لي ، قال : ما أنا بمجيره لك ، قال : بلى فافعل ، قال : ما أنا بفاعل ، قال مكرز : بلى قد أجرناه . قال أبو جندل : معاشر المسلمين ! أأرد إلى المشركين وقد جئت مسلما ، ألا ترون ما قد لقيت ؟ وكان قد عذب عذابا شديدا في الله ، فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : والله ما شككت منذ أسلمت إلا يومئذ ، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت : يا رسول الله ! ألست نبي الله ؟ قال : بلى . قلت : ألسنا على الحق وعدونا على الباطل ؟ قال : بلى . قال : فلم نعطي الدنية في ديننا إذا ؟ قال : إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري ، قلت : أولست كنت تحدثنا إنا سنأتي البيت فنطوف حقا ؟ قال : بلى ، أنا أخبرتك أنك تأتيه العام ؟ قلت : لا . قال : فإنك آتيه وتطوف به ، قال : فأتيت أبا بكر رضي الله عنه ، فقلت : يا أبا بكر ! أليس هذا نبي الله حقا ؟ قال : بلى . قلت : ألسنا على الحق وعدونا على الباطل ؟ قال : بلى . قلت : فلم نعط الدنية في ديننا إذا ؟ قال : أيها الرجل ، إنه رسول الله وليس يعصي ربه وهو ناصره ، فاستمسك بغرزه حتى تموت ، فوالله إنه لعلى الحق ، قلت : أوليس كان يحدثنا أنه سيأتي البيت ويطوف به ؟ قال : بلى . أفأخبرك أنك تأتيه العام ؟ قلت : لا . قال : فإنك آتيه وتطوف به . قال الزهري : قال عمر : فعملت لذلك أعمالا ، فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قوموا فانحروا ثم احلقوا ، قال فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ثلاث مرار ، فلما لم يقم منهم أحد قام فدخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس ، فقالت أم سلمة : يا نبي الله ! أتحب ذلك ؟ اخرج ثم لا تكلم أحدا كلمة حتى تنحر بدنك وتدعو بحالقك فيحلقك . فقام فخرج فلم يكلم أحدا منهم حتى فعل ذلك ؛ نحر بدنه ودعا حالقه فحلقه ، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضا حتى كاد بعضهم يقتل بعضا غما ، ثم جاءه نسوة مؤمنات وأنزل الله عز وجل ? يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات? حتى بلغ ? بعصم الكوافر? فطلق عمر يومئذ امرأتين كانتا له في الشرك ، فتزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان والأخرى صفوان بن أمية ، ثم رجع إلى المدينة فجاءه أبو بصير ؛ رجل من قريش وهو مسلم فأرسلوا في طلبه رجلين ، فقالوا : العهد الذي جعلت لنا ، فدفعه إلى الرجلين فخرجا به حتى بلغ به ذا الحليفة ، فنزلوا يأكلون من ثمر لهم ، فقال أبو بصير لأحد الرجلين : والله إني لأرى سيفك جيد جدا ، فاستله الآخر فقال : أجل والله إنه لجيد ، لقد جربت به ثم جربت ، فقال أبو بصير : أرني أنظر إليه ، فأمكنه منه ، فضربه حتى برد ، وفر الآخر حتى بلغ المدينة ، فدخل المسجد يعدو ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رآه : لقد رأى هذا ذعرا ، فلما انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال : قتل والله صاحبي وإني لمقتول ، قال : فجاء أبو بصير فقال : يا نبي الله ! قد والله أوفى الله ذمتك ، قد رددتني إليهم ثم أنجاني الله منهم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ويل أمه مسعر حرب لو كان له أحد ، فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم ، فخرج حتى أتى سيف البحر ويتفلت منهم أبو جندل بن سهيل فلحق بأبي بصير فلا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير حتى اجتمعت منهم عصابة . قال : فوالله لا يسمعون بعير لقريش خرجت إلى الشام إلا اعترضوا لها فقتلوهم وأخذوا أموالهم ، فأرسلت قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم تناشده الله والرحم لما أرسل إليهم من أتاه منهم ، فهو آمن فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إليهم فأنزل ?وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم? حتى بلغ ?حمية الجاهلية? وكانت حميتهم أنهم لم يقروا بنبي الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يقروا ببسم الله الرحمن الرحيم ، وحالوا بينهم وبين البيت
خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية في بضع عشرة مائة من أصحابه حتى إذا كانوا بذي الحليفة قلد رسول الله صلى الله عليه وسلم الهدي وأشعره وأحرم بالعمرة وبعث بين يديه عينا له من خزاعة يخبره عن قريش ، وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بغدير الأشطاط قريبا من عسفان أتاه عيينة الخزاعي فقال : إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي قد جمعوا لك الأحابيش وجمعوا لك جموعا وهم قاتلوك أو مقاتلوك ، وقال أبو أحمد بن زياد : وهم مقاتلوك قالا جميعا : وصادوك عن البيت فقال النبي صلى الله عليه وسلم أشيروا علي أترون أن نميل إلى ذراري هؤلاء الذين أعانوهم فنصيبهم ، فإن قعدوا قعدوا موتورين محروبين ، وإن نجوا تكن عنقا قطعها الله ، أم ترون أن نؤم البيت فمن صدنا عنه قاتلناه ؟ قال أبو بكر رضي الله عنه : الله ورسوله أعلم ، إنما جئنا معتمرين ولم نجئ لقتال أحد ولكن من حال بيننا وبين البيت قاتلناه ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : فروحوا إذا . قال الزهري في حديثه : فراحوا حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال النبي صلى الله عليه وسلم : إن خالد بن الوليد بالغميم في خيل لقريش طليعة فخذوا ذات اليمين ، فو الله ما شعر بهم خالد حتى إذا هو بقترة الجيش فانطلق يركض نذيرا لقريش ، وسار النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها بركت راحلته ، فقال الناس : حل حل ، فألحت ، فقالوا : خلأت القصواء خلأت القصواء . قال أبو أحمد بن زياد في حديثه : لما بلغ قوله فقال النبي صلى الله عليه وسلم : فروحوا إذا قال الزهري قال أبو هريرة : ما رأيت أحدا كان أكثر مشاورة لأصحابه من رسول صلى الله عليه وسلم . قال المسور ومروان في حديثهما : فراحوا حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال النبي صلى الله عليه وسلم : إن خالد بن الوليد بالغميم في خيل لقريش - رجع الحديث إلى موضعه - فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ما خلأت القصواء ، وما ذلك لها بخلق ولكن حبسها حابس الفيل ، ثم قال : والذي نفسي بيده ! لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها ، ثم زجرها فوثبت به ، قال : فعدل حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد قليل الماء إنما يتبرضه الناس تبرضا ، فلم يلبثه الناس أن نزحوه ، فشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العطش فانتزع سهما من كنانته ثم أمرهم أن يجعلوه فيه . قال : فو الله ما زال يجيش لهم بالرمي حتى صدروا عنه ، فبينما هم كذلك إذ جاءه بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من خزاعة وكانوا عيبة نصح رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل تهامة ، فقال : إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي نزلوا أعداد مياه الحديبية ، معهم العوذ المطافيل ، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنا لم نجئ لقتال أحد ، ولكنا جئنا معتمرين ، وإن قريشا قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم ، فإن شاءوا ماددتهم مدة ويخلوا ، بيني وبين الناس ، فإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا وإلا فقد جموا ، وإن هم أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي ، أو لينفذن الله عز وجل أمره . فقال بديل : سأبلغهم ما تقول ، فانطلق حتى أتى قريشا فقال : إنا قد جئناكم من عند هذا الرجل وسمعناه يقول قولا ، فإن شئتم نعرض عليكم فعلنا ، فقال سفهاؤهم : لا حاجة لنا في أن تحدثنا عنه بشيء ، وقال ذو الرأي منهم : هات ما سمعته . يقول : قال : سمعته يقول كذا وكذا ، فحدثهم بما قال النبي صلى الله عليه وسلم ، فقام عروة بن مسعود الثقفي فقال : أي قوم ! ألستم بالوالد ؟ قالوا : بلى . قال : ألست بالولد ؟ قالوا : بلى . قال : هل تتهموني ؟ قالوا : لا . قال : ألستم تعلمون أني استنفرت أهل عكاظ فلما بلحوا علي جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني ؟ قالوا : بلى . قال : فإن هذا قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها ودعوني آتيه قالوا : ائته . فأتاه فجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم نحوا من قوله لبديل ، فقال عروة عن ذلك : أي محمد ! أرأيت إن استأصلت قومك هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أصله قبلك وإن تكن الأخرى ؟ فوالله إني لأرى وجوها وأرى أو شابا من الناس خلقاء أن يفروا ويدعوك ، فقال له أبو بكر رضي الله عنه : امصص بظر اللات ، أنحن نفر عنه وندعه ؟ قال : من ذا ؟ قال : أبو بكر ، أما والذي نفسي بيده لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك ، قال : وجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم كلما كلمه أخذ بلحيته والمغيرة بن شعبة قائم على رأس النبي صلى الله عليه وسلم ومعه السيف وعليه المغفر ، فكلما أهوى عروة إلى لحية النبي صلى الله عليه وسلم ضرب يده بنعل السيف وقال : أخر يدك عن لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فرفع عروة رأسه فقال : من هذا ؟ قالوا : المغيرة بن شعبة . قال : أي غدر ! أو لست أسعى في غدرتك ؟ قال : وكان المغيرة صحب قوما في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم ثم جاء فأسلم . قال النبي صلى الله عليه وسلم : أما الإسلام فأقبل ، وأما المال فلست منه في شيء ، ثم إن عروة جعل يرمق صحابة النبي صلى الله عليه وسلم فوالله ما تنخم رسول الله صلى الله عليه وسلم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم يدلك بها وجهه وجلده ، وإذا أمرهم ابتدروا لأمره ، وإذا توضأ ثاروا يقتتلون على وضوئه ، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده ، وما يجدن إليه النظر تعظيما له . قال : فرجع عروة إلى أصحابه فقال : أي قوم ! والله لقد وفدت على الملوك ؛ وفدت على قيصر وكسرى والنجاشي ، والله إن رأيت ملكا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدا ، والله إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده ، وإذا أمرهم ابتدروا أمره ، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه ، وإذا تكلموا خفضوا أصواتهم عنده ، وما يحدون إليه النظر تعظيما له ، وأنه قد عرض عليكم خطة رشد فأقبلوه ، فقال رجل من بني كنانة : دعوني آته ، فقالوا : ائتيه ، فلما أشرف على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هذا فلان وهو من قوم يعظمون البدن فابعثوها له ، فبعث له فاستقبله القوم يلبون ، فلما رأى ذلك قال : سبحان الله ! ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت فرجع لأصحابه فقال : رأيت البدن قد قلدت وأشعرت ، فما أرى أن يصدوا عن البيت ، فقام رجل منهم يقال له مكرز بن حفص فقال : دعوني آته ، قالوا : ائتيه ، فلما أشرف عليهم قال النبي صلى الله عليه وسلم : هذا مكرز وهو رجل فاجر فجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم فبينما هو يكلمه إذ جاء سهيل بن عمرو . قال معمر : وأخبرني أيوب عن عكرمة : أنه لما جاء سهيل قال النبي صلى الله عليه وسلم : قد سهل لكم من أمركم . قال الزهري في حديثه : فجاء سهيل بن عمرو فقال : هات اكتب بيننا وبينك كتابا ، فدعا الكاتب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اكتب بسم الله الرحمن الرحيم . فقال سهيل : أما الرحمن فوالله ما أدري ما هو ولكن باسمك اللهم كما كنت تكتب ، فقال المسلمون : والله لا نكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : اكتب باسمك اللهم ، ثم قال : هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله . فقال سهيل : والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولكن أكتب محمد بن عبد الله . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إني لرسول الله وإن كذبتموني ، اكتب محمد بن عبد الله . قال الزهري : وذلك لقوله : لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف ، فقال سهيل : والله لا تتحدث العرب أنا أخذنا ضغطة ولكن لك من العام المقبل فكتب ، فقال سهيل : على أنه لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا ، فقال المسلمون : سبحان الله ! كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلما ؟ فبينا هم كذلك إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في قيوده قد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين ، فقال سهيل : هذا يا محمد أول من أقاضيك عليه أن ترده ، قال : فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إنا لم نقض الكتاب بعد ، قال : فوالله إذا لا نصالحك على شيء أبدا ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : فأجره لي ، قال : ما أنا بمجيره لك ، قال : بلى فافعل ، قال : ما أنا بفاعل ، قال مكرز : بلى قد أجرناه . قال أبو جندل : معاشر المسلمين ! أأرد إلى المشركين وقد جئت مسلما ، ألا ترون ما قد لقيت ؟ وكان قد عذب عذابا شديدا في الله ، فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : والله ما شككت منذ أسلمت إلا يومئذ ، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت : يا رسول الله ! ألست نبي الله ؟ قال : بلى . قلت : ألسنا على الحق وعدونا على الباطل ؟ قال : بلى . قال : فلم نعطي الدنية في ديننا إذا ؟ قال : إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري ، قلت : أولست كنت تحدثنا إنا سنأتي البيت فنطوف حقا ؟ قال : بلى ، أنا أخبرتك أنك تأتيه العام ؟ قلت : لا . قال : فإنك آتيه وتطوف به ، قال : فأتيت أبا بكر رضي الله عنه ، فقلت : يا أبا بكر ! أليس هذا نبي الله حقا ؟ قال : بلى . قلت : ألسنا على الحق وعدونا على الباطل ؟ قال : بلى . قلت : فلم نعط الدنية في ديننا إذا ؟ قال : أيها الرجل ، إنه رسول الله وليس يعصي ربه وهو ناصره ، فاستمسك بغرزه حتى تموت ، فوالله إنه لعلى الحق ، قلت : أوليس كان يحدثنا أنه سيأتي البيت ويطوف به ؟ قال : بلى . أفأخبرك أنك تأتيه العام ؟ قلت : لا . قال : فإنك آتيه وتطوف به . قال الزهري : قال عمر : فعملت لذلك أعمالا ، فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قوموا فانحروا ثم احلقوا ، قال فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ثلاث مرار ، فلما لم يقم منهم أحد قام فدخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس ، فقالت أم سلمة : يا نبي الله ! أتحب ذلك ؟ اخرج ثم لا تكلم أحدا كلمة حتى تنحر بدنك وتدعو بحالقك فيحلقك . فقام فخرج فلم يكلم أحدا منهم حتى فعل ذلك ؛ نحر بدنه ودعا حالقه فحلقه ، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضا حتى كاد بعضهم يقتل بعضا غما ، ثم جاءه نسوة مؤمنات وأنزل الله عز وجل ? يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات? حتى بلغ ? بعصم الكوافر? فطلق عمر يومئذ امرأتين كانتا له في الشرك ، فتزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان والأخرى صفوان بن أمية ، ثم رجع إلى المدينة فجاءه أبو بصير ؛ رجل من قريش وهو مسلم فأرسلوا في طلبه رجلين ، فقالوا : العهد الذي جعلت لنا ، فدفعه إلى الرجلين فخرجا به حتى بلغ به ذا الحليفة ، فنزلوا يأكلون من ثمر لهم ، فقال أبو بصير لأحد الرجلين : والله إني لأرى سيفك جيد جدا ، فاستله الآخر فقال : أجل والله إنه لجيد ، لقد جربت به ثم جربت ، فقال أبو بصير : أرني أنظر إليه ، فأمكنه منه ، فضربه حتى برد ، وفر الآخر حتى بلغ المدينة ، فدخل المسجد يعدو ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رآه : لقد رأى هذا ذعرا ، فلما انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال : قتل والله صاحبي وإني لمقتول ، قال : فجاء أبو بصير فقال : يا نبي الله ! قد والله أوفى الله ذمتك ، قد رددتني إليهم ثم أنجاني الله منهم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ويل أمه مسعر حرب لو كان له أحد ، فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم ، فخرج حتى أتى سيف البحر ويتفلت منهم أبو جندل بن سهيل فلحق بأبي بصير فلا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير حتى اجتمعت منهم عصابة . قال : فوالله لا يسمعون بعير لقريش خرجت إلى الشام إلا اعترضوا لها فقتلوهم وأخذوا أموالهم ، فأرسلت قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم تناشده الله والرحم لما أرسل إليهم من أتاه منهم ، فهو آمن فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إليهم فأنزل ?وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم? حتى بلغ ?حمية الجاهلية ? وكانت حميتهم أنهم لم يقروا بنبي الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يقروا ببسم الله الرحمن الرحيم ، وحالوا بينهم وبين البيت
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه أثلاثا فمن أصابته القرعة خرج بهن معه فكن يخرجن يسقين الماء ويداوين الجرحى فلما غزا بني المصطلق أقرع بينهن فأصابت القرعة عائشة أم المؤمنين وأم سلمة فخرج بهما معه فلما كانوا ببعض الطريق مال رحل أم سلمة فأناخوا بعيرها ليصلحوا رحلها وكانت عائشة تريد قضاء حاجة فلما أناخوا إبلهم قالت عائشة فقلت في نفسي إلى ما يصلحوا رحل أم سلمة أقضي حاجتي قالت فنزلت من الهودج فأخذت ما في السطل ولم يعلموا بنزولي فأتيت خربة فانقطعت قلادتي فاحتبست في رجعها ونظامها وبعث القوم إبلهم ومضوا وظنوا أني في الهودج لم أنزل قالت فاتبعتهم حتى أعييت فقدر في نفسي أن القوم سيفقدوني ويرجعون في طلبي قالت فنمت على بعض الطريق فمر بي صفوان بن المعطل وكان رفيق رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجعله على الساقة فجعله فكان إذا رحل الناس قام يصلي ثم اتبعهم فما سقط منهم من شيء حمله حتى يأتي به أصحابه قالت عائشة فلما مر بي ظن أني رجل فقال يا نؤوما قم فإن الناس قد مضوا قالت قلت إني لست رجلا أنا عائشة فقال إنا لله وإنا إليه راجعون ثم أناخ بعيره فعقل يديه ثم ولى عني فقال يا أمه قومي فاركبي فإذا ركبت فآذنيني قالت فركبت فجاء حتى حل العقال ثم بعث جمله فأخذ بخطام الجمل قال ابن عمر فما كلمها كلاما حتى أتى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عبد الله بن أبي بن سلول فجر بها ورب الكعبة وأعانه على ذلك حسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة وحمنة وشاع ذلك في العسكر وبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم وكان في قلب النبي صلى الله عليه وسلم ما قالوا حتى رجعوا إلى المدينة وأشاع عبد الله بن أبي بن سلول المنافق هذا الحديث في المدينة واشتد ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت عائشة فدخلت ذات يوم أم مسطح فرأتني وأنا أريد المذهب فحملت معي السطل وفيه ماء فوقع السطل منها فقالت تعس مسطح فقالت لها عائشة سبحان الله تتعسين رجلا من أصحاب بدر وهو ابنك فقالت لها أم مسطح إنك سال بك السيل وأنت لا تدرين فأخبرتها بالخبر قالت فلما أخبرتني أخذتني الحمى وتقبض ما كان بي ولم أبعد المذهب قالت عائشة وكنت أرى من النبي صلى الله عليه وسلم جفوة ولم أدر من أي شيء هي حتى حدثتني أم مسطح فعلمت أن جفوة رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أخبرتني أم مسطح قالت عائشة فقلت للنبي صلى الله عليه وسلم يا رسول الله أتأذن لي أن أذهب إلى أهلي قال اذهبي فخرجت عائشة حتى أتت أباها أبا بكر رضي الله عنه فقال لها أبو بكر ما لك قالت أخرجني رسول الله صلى الله عليه وسلم من بيته قال لها أبو بكر أخرجك رسول الله صلى الله عليه وسلم وأؤويك أنا والله لا أؤويك حتى يأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يؤويها قال لها أبو بكر والله ما قيل لنا هذا في الجاهلية قط فكيف وقد أعزنا الإسلام فبكت عائشة وأمها أم رومان وأبو بكر وعبد الرحمن وبكى معهم أهل الدار وبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وقال يا أيها الناس من يعذرني ممن يؤذيني فقام إليه سعد بن معاذ فسل سيفه فقال يا رسول الله أنا أعيذك منه إن يكن من الأوس أتيتك برأسه وإن يكن من الخزرج أمرتنا بأمرك فيه فقام سعد بن عبادة فقال كذبت لعمر الله لا تقدر على قتله إنما طلبتنا بذحول كانت بيننا وبينكم في الجاهلية فقال هذا يا للأوس وقال هذا يا للخزرج فاضطربوا بالنعال والحجارة وتلاطموا فقام أسيد بن حضير فقال ففيم الكلام هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا بأمره فنفذ عن رغم أنف من رغم ونزل جبريل عليه السلام وهو على المنبر فصعد إليه أبو عبيدة فاحتضنه فلما سري عنه أومأ رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس جميعا ثم تلا عليهم ما نزل به جبريل عليه السلام فنزل { وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي } إلى آخر الآيات فصاح الناس رضينا يا رسول الله بما أنزل الله من القرآن فقام بعضهم إلى بعض فتلازموا وتصالحوا ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المنبر وانتظر الوحي في عائشة فبعث إلى علي وأسامة وبريرة وكان إذا أراد أن يستشير في أهله لم عليا وأسامة بعد موت أبيه زيد فقال لعلي ما تقول في عائشة فقد أهمني ما قال الناس فيها فقال علي يا رسول الله قد نال الناس وقد أحل لك طلاقها وقال لأسامة ما تقول أنت فيها قال سبحان الله ما يحل لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم فقال لبريرة ما تقولين يا بريرة قالت والله يا رسول الله ماعلمت على أهلك إلا خيرا إلا أنها امرأة نؤوم تنام حتى تجيء الداجن فتأكل عجينها وإن كل شيء من هذا حتى يجزيك الله خيرا فخرج النبي صلى الله عليه وسلم حتى أتى منزل أبي بكر فدخل عليها فقال لها يا عائشة إن كنت فعلت هذا الأمر فقولي حتى أستغفر الله لك فقالت والله لا أستغفر الله منه أبدا إن كنت فعلته فلا غفره الله لي وما أجد مثلي ومثلكم إلا مثل أبي يوسف وذهب اسم يعقوب من الأسف { إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون } فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يكلمنا إذ نزل جبريل عليه السلام بالوحي على النبي صلى الله عليه وسلم فأخذت النبي صلى الله عليه وسلم رعشة فقال أبو بكر لعائشة قومي فاحتضني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت لا والله لا أدنو منه فقام أبو بكر فاحتضن النبي صلى الله عليه وسلم فسري عنه وهو يتبسم فقال يا عائشة قد أنزل الله عذرك فقالت بحمد الله لا بحمدك فتلا عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة النور إلى الموضع الذي انتهى إليه خبرها وعذرها وبراءتها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قومي إلى البيت فقامت وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد فأمر أبا عبيدة بن الجراح فجمع الناس ثم تلا عليهم ما أنزل الله عز وجل من البراءة لعائشة ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعث إلى عبد الله بن أبي المنافق فجيء به فضربه النبي صلى الله عليه وسلم حدين وبعث إلى حسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش فضربوا ضربا وجيعا ووجيء في رقابهم قال ابن عمر إنما ضرب النبي صلى الله عليه وسلم حدين لأنه من قذف أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فعليه حدان فبعث أبو بكر إلى مسطح بن أثاثة فقال أخبرني عنك وأنت ابن خالتي ما حملك على ما قلت في عائشة أما حسان فرجل من الأنصار ليس من قومي وأما حمنة فامرأة ضعيفة لا عقل لها وأما عبد الله بن أبي فمنافق وأنت في عيالي منذ مات أبوك وأنت ابن أربع حجج وأنا أنفق عليك وأكسوك حتى بلغت ما قطعت عنك نفقة إلى يومي هذا والله إنك لرجل لا وصلتك بدراهم أبدا ولا عطفت عليك بخير أبدا ثم طرده أبو بكر وأخرجه من منزله فنزل القرآن { ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة } الآية فلما قال { ألا تحبون أن يغفر الله لكم } بكى أبو بكر فقال أما قد نزل القرآن فيك لأضاعفن لك النفقة وقد غفرت لك فإن الله أمرني أن أغفر لك وكانت امرأة عبد الله بن أبي منافقة معه فنزل القرآن { الخبيثات } يعني امرأة عبد الله { للخبيثين } يعني عبد الله { والخبيثون للخبيثات } عبد الله لامرأته { والطيبات للطيبين } يعني عائشة وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم { أولئك مبرؤون } إلى آخر الآيات
كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا أراد سفَرًا أقرَع بينَ نسائِه أثلاثًا فمَن أصابَتْه القُرعةُ خرَج بهنَّ معه فكُنَّ يَخرُجْنَ يَسقين الماءَ ويُداوينَ الجَرْحى فلمَّا غزا بني المُصْطَلِقِ أقرَع بينهُنَّ فأصابَتِ القُرعةُ عائشةَ أمَّ المؤمنين وأمَّ سلَمةَ فخرَج بهما معه فلمَّا كانوا ببعضِ الطَّريقِ مال رَحْلُ أمِّ سَلَمَةَ فأناخوا بعيرَها ليُصْلِحوا رَحْلَها وكانت عائشةُ تُريدُ قضاءَ حاجةٍ فلمَّا أناخوا إبلَهم قالت عائشةُ فقلْتُ في نفسي إلى ما يُصْلِحوا رَحْلَ أمِّ سَلَمَةَ أقضي حاجتي قالت فنزَلْتُ مِنَ الهَودجِ فأخَذْتُ ما في السَّطْلِ ولم يعلموا بنزولي فأتيْتُ خَرِبةً فانقطَعَتْ قِلادتي فاحتبَسْتُ في رَجْعِها ونِظامِها وبعَث القومُ إبلَهم ومضَوا وظنُّوا أنِّي في الهَودجِ لم أنزِلْ قالت فاتَّبَعْتُهم حتَّى أَعْيَيْتُ فقُدِّرَ في نفسي أنَّ القومَ سيفقِدوني ويرجِعون في طلبي قالت فنِمْتُ على بعضِ الطَّريقِ فمرَّ بي صَفْوانُ بنُ المُعَطَّلِ وكان رفيقَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وكان سأل رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن يجعَلَه على السَّاقةِ فجعَله فكان إذا رحَل النَّاسُ قام يُصلِّي ثمَّ اتَّبَعَهم فما سقَط منهم مِن شيءٍ حمَله حتَّى يأتيَ به أصحابَه قالت عائشةُ فلمَّا مرَّ بي ظنَّ أنِّي رجلٌ فقال يا نَؤومًا قُمْ فإنَّ النَّاسَ قد مضَوا قالت قلْتُ إنِّي لسْتُ رجلًا أنا عائشةُ فقال إنَّا للهِ وإنَّا إليه راجعون ثمَّ أناخ بعيرَه فعقَل يدَيه ثمَّ ولَّى عنِّي فقال يا أُمَّهْ قومي فاركَبي فإذا ركِبْتِ فآذِنيني قالت فركِبْتُ فجاء حتَّى حَلَّ العِقالَ ثمَّ بعَث جَمَلَه فأخَذ بخُطامِ الجَمَلِ قال ابنُ عمرَ فما كلَّمها كلامًا حتَّى أتى بها رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال عبدُ اللهِ بنُ أُبَيِّ بنِ سَلولٍ فجَر بها وربِّ الكعبةِ وأعانه على ذلك حسَّانُ بنُ ثابتٍ ومِسْطَحُ بنُ أُثاثةَ وحَمْنةُ وشاع ذلك في العَسْكرِ وبلَغ ذلك النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وكان في قلبِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ما قالوا حتَّى رجَعوا إلى المدينةِ وأشاع عبدُ اللهِ بنُ أُبَيِّ بن سَلولٍ المنافقُ هذا الحديثَ في المدينةِ واشتدَّ ذلك على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قالت عائشةُ فدخَلَتْ ذاتَ يومٍ أمُّ مِسْطَحٍ فرأتْني وأنا أُريدُ المَذْهَبَ فحمَلت معي السَّطْلَ وفيه ماءٌ فوقَع السَّطْلُ منها فقالت تعِس مِسْطَحٌ فقالت لها عائشةُ سبحانَ اللهِ تُتَعِّسين رجلًا مِن أصحابِ بَدْرٍ وهو ابنُكِ فقالت لها أمُّ مِسْطَحٍ إنَّك سال بك السَّيلُ وأنت لا تدرين فأخبَرَتْها بالخبرِ قالت فلمَّا أخبَرَتْني أخَذَتْني الحُمَّى وتقبَّض ما كان بي ولم أُبْعِدِ المذهبَ قالت عائشةُ وكنْتُ أرى مِنَ النَّبيّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم جَفوةً ولم أدرِ مِن أيِّ شيءٍ هي حتَّى حدَّثَتْني أمُّ مِسْطَحٍ فعَلِمْتُ أنَّ جَفوةَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لِما أخبَرَتْني أمُّ مِسْطَحٍ قالت عائشةُ فقلْتُ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يا رسولَ اللهِ أتأذَنُ لي أن أذهبَ إلى أهلي قال اذهَبي فخَرَجَتْ عائشةُ حتَّى أتَتْ أباها أبا بكرٍ رضِيَ اللهُ عنه فقال لها أبو بكرٍ ما لكِ قالت أخرَجَني رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن بيته قال لها أبو بكرٍ أخرَجَكِ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأُؤْويكِ أنا واللهِ لا أُؤْويكِ حتَّى يأمُرَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأمَرَه رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن يُؤْويَها قال لها أبو بكرٍ واللهِ ما قيل لنا هذا في الجاهليَّةِ قطُّ فكيف وقد أعزَّنا الإسلامُ فبكَتْ عائشةُ وأمُّها أمُّ رومانٍ وأبو بكرٍ وعبدُ الرَّحمنِ وبكى معهم أهلُ الدَّارِ وبلَغ ذلك النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فصعِد المِنبرَ فحمِد اللهَ وأثنى عليه وقال يا أيُّها النَّاسُ مَن يعذِرُني ممَّن يُؤْذيني فقام إليه سعدُ بنُ معاذٍ فسلَّ سيفَه فقال يا رسولَ اللهِ أنا أُعيذُك منه إنْ يكُنْ مِنَ الأوسِ أتيْتُك برأسِه وإنْ يكُنْ مِنَ الخزرجِ أمَرْتَنا بأمرِك فيه فقام سعدُ بنُ عُبادةَ فقال كذَبْتَ لَعَمْرُ اللهِ لا تقدِرُ على قَتْلِه إنَّما طلبْتَنا بذُحولٍ كانت بينَنا وبينَكم في الجاهليَّةِ فقال هذا يا لِلْأَوْسِ وقال هذا يا لِلْخَزْرَجِ فاضطربوا بالنِّعالِ والحِجارةِ وتلاطَموا فقام أُسَيدُ بنُ حُضَيرٍ فقال ففيم الكلامُ هذا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يأمُرُنا بأمرِه فنَفَذَ عن رَغْمِ أنفِ مَن رَغِمْ ونزَل جبريلُ عليه السَّلامُ وهو على المِنبرِ فصعِد إليه أبو عُبيدةَ فاحتضَنه فلمَّا سُرِّيَ عنه أومأ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم النَّاسَ جميعًا ثمَّ تلا عليهم ما نزَل به جبريلُ عليه السَّلامُ فنزَل { وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي} إلى آخِرِ الآياتِ فصاح النَّاسُ رضِينا يا رسولَ اللهِ بما أنزَل اللهُ مِنَ القرآنِ فقام بعضُهم إلى بعضٍ فتلازَموا وتصالحوا ونزَل رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن المِنبرِ وانتظر الوحيَ في عائشةَ فبعَث إلى عليٍّ وأسامةَ وبَريرةَ وكان إذا أراد أن يستشيرَ في أهلِه لم عليًّا وأسامةَ بعدَ موتِ أبيه زيدٍ فقال لعليٍّ ما تقولُ في عائشةَ فقد أهَمَّني ما قال النَّاسُ فيها فقال عليٌّ يا رسولَ اللهِ قد نال النَّاسُ وقد أُحِلَّ لك طلاقُها وقال لأسامةَ ما تقولُ أنت فيها قال سبحانَ اللهِ ما يَحِلُّ لنا أن نتكلَّمَ بهذا سُبْحانكَ هذا بُهْتانٌ عظيمٌ فقال لبَريرةَ ما تقولين يا بَريرةُ قالت واللهِ يا رسولَ اللهِ ماعلِمْتُ على أهلِك إلَّا خيرًا إلَّا أنَّها امرأةٌ نؤومٌ تنامُ حتَّى تجيءُ الدَّاجِنُ فتأكُلُ عجينَها وإنَّ كلَّ شيءٍ مِن هذا حتَّى يَجزيَك اللهُ خيرًا فخرج النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتَّى أتى مَنزِلَ أبي بكرٍ فدخَل عليها فقال لها يا عائشةُ إنْ كنْتِ فعَلْتِ هذا الأمرَ فقولي حتَّى أستغفِرَ اللهَ لكِ فقالت واللهِ لا أستغفِرُ اللهَ منه أبدًا إنْ كنْتُ فعَلْتُه فلا غفَره اللهُ لي وما أجِدُ مَثَلي ومثَلَكم إلَّا مَثَلَ أبي يوسفَ وذهَب اسمُ يعقوبَ مِنَ الأسَفِ { إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} فبينا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُكلِّمُنا إذ نزَل جبريلُ عليه السَّلامُ بالوحيِ على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأخَذَتِ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم رَعْشةٌ فقال أبو بكرٍ لعائشةَ قومي فاحتضِني رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقالت لا واللهِ لا أدنو منه فقام أبو بكرٍ فاحتَضَنَ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فسُرِّيَ عنه وهو يتبسَّمُ فقال يا عائشةُ قد أنزَل اللهُ عُذرَكِ فقالت بحمدِ اللهِ لا بحمدِك فتلا عليها رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم سورةَ النُّورِ إلى الموضعِ الَّذي انتهى إليه خبرُها وعُذرُها وبراءتُها فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قومي إلى البيتِ فقامت وخرَج رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى المسجدِ فأمر أبا عُبَيدةَ بنَ الجرَّاحِ فجمَع النَّاسَ ثمَّ تلا عليهم ما أنزَل اللهُ عزَّ وجلَّ مِنَ البراءةِ لعائشةَ ونزَل رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وبعَث إلى عبِد اللهِ بن أُبَيٍّ المنافقِ فجيء به فضرَبه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حدَّينِ وبعَث إلى حسَّانَ بنِ ثابتٍ ومِسْطَحِ بنِ أُثاثةَ وحَمْنةَ بنتِ جَحْشٍ فضُرِبوا ضَرْبًا وَجيعًا ووُجِيءَ في رقابِهم قال ابنُ عمرَ إنَّما ضرَب النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حدَّين لأنَّه مَن قذَف أزواجَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فعليه حدَّانِ فبعَث أبو بكرٍ إلى مِسْطَحِ بنِ أُثاثةَ فقال أخبِرْني عنك وأنت ابنُ خالتي ما حمَلك على ما قلْتَ في عائشةَ أمَّا حسَّانُ فرجلٌ مِنَ الأنصارِ ليس مِن قَومي وأما حَمْنةُ فامرأةٌ ضعيفةٌ لا عَقْلَ لها وأمَّا عبدُ اللهِ بنُ أُبَيٍّ فمنافقٌ وأنت في عيالي منذُ مات أبوك وأنت ابنُ أربعِ حِجَجٍ وأنا أُنفِقُ عليك وأكسوك حتَّى بلَغْتَ ما قطَعْتُ عنك نفقةً إلى يومي هذا واللهِ إنَّك لرجلٌ لا وصَلْتُك بدراهمَ أبدًا ولا عطَفْتُ عليك بخيرٍ أبدًا ثمَّ طرَده أبو بكرٍ وأخرَجه مِن منزلِه فنزَل القرآن { وَلَا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ } الآيةَ فلمَّا قال { أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ } بكى أبو بكرٍ فقال أمَا قد نزَل القرآنُ فيك لأُضاعِفَنَّ لك النَّفقةَ وقد غفَرْتُ لك فإنَّ اللهَ أمَرني أن أغفِرَ لك وكانت امرأةُ عبدِ اللهِ بنِ أُبَيٍّ منافقةً معه فنزَل القرآنُ { الخَبِيثَاتُ } يعني امرأةَ عبدِ اللهِ { لِلْخَبِيثِينَ } يعني عبدَ اللهِ { وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ } عبدُ اللهِ لامرأتِه { وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ } يعني عائشةَ وأزواجَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم { أُولَئِكَ مُبَرَّؤُونَ } إلى آخِرِ الآياتِ
عن عائشةَ زوجِ النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ حينَ قال لَها أَهلُ الإفكِ ما قالوا فبرَّأَها اللَّهُ منهُ فَكلُّهم حدَّثني بطائفةٍ من حديثِها وبعضُهم كانَ أوعى لحديثِها من بعضٍ وأثبتَ لَها اقتِصاصًا وقد وعيتُ من كلِّ رجلٍ منهمُ الحديثَ الَّذي حدَّثني عن عائشةَ وبعضُهم يصدِّقُ بعضًا وإن كانَ بعضُهم أوعى من بعضٍ زعموا أنَّ عائشةَ زوجَ النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ قالت كانَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ إذا أرادَ سفرًا أقرعَ بينَ أزواجِه فأيَّتُهنَّ خرجَ سَهمُها خرجَ بِها رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ معَه قالت عائشةُ فأقرعَ بيننَا رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ في غزوةٍ غزاها فخرجَ سَهمي فخرجَ بي رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ في غزوتِه تلكَ أذنَ اللَّهُ بالرَّحيلِ فخرجتُ حينَ أذَّنوا بالرَّحيلِ فمشيتُ حتَّى جاوزتُ الجيشَ فلمَّا قضيتُ شأني أقبلتُ إلى رحلي فلمستُ صدري فإذا عقدٌ لي جزعِ ظفارَ قدِ انقطعَ فخرجتُ فالتمستُ عِقدي وحبسني ابتغاؤُه وأقبلَ الرَّهطُ الَّذينَ كانوا يرحلونَ بي فحملوا هَودَجي فرحلوهُ على بعيري الَّذي كنتُ أركبُ وَهم يحسَبونَ أنِّي فيهِ وَكانَ النِّساءُ إذ ذاكَ خفافًا لم يثقُلنَ ولم يحمِلنَ اللَّحمَ إنَّما يأكلنَ العلقةَ منَ الطَّعامِ فلم يستَنكرِ القومُ خفَّةَ الهَودجِ حينَ حملوهُ وَكنتُ جاريةً حديثةَ السِّنِّ فبعثوا الجملَ فساروا فوجدتُ عِقدي بعدَ ما استمرَّ الجيشُ فجئتُ منازلَهم وليسَ بِها داعٍ ولا مجيبٌ فتيمَّمتُ منزلي الَّذي كنتُ بهِ وظننتُ أنَّهم سيفقدوني فيرجِعوا إليَّ فبينا أنا جالسةٌ إذ غلبتني عينايَ فنمتُ وَكانَ صفوانُ بنُ المعطَّلِ الصَّفوانيُّ ثمَّ الذَّكوانيُّ من وراءِ الجيشِ فأدلجَ فأصبحَ عندَ منزلي فرأى سوادَ إنسانٍ نائمٍ فعرفني حينَ رآني قبلَ الحجابِ فاستيقظتُ باسترجاعِه حينَ عرفني فخمَّرتُ وجهي بجلبابي واللَّهِ ما كلَّمتُه كلمةً ولا سمعتُ منهُ كلمةً غيرَ استرجاعِه حينَ عرفني حتَّى أناخَ راحلتَه ووطئَ على يدِها فرَكبتُها وانطلقَ يقودُ بيَ الرَّاحلةَ حتَّى أتينا الجيشَ بعدَ ما نزلوا معرِّسينَ في نحرِ الظَّهيرةِ وَهلَك فيَّ من هلَك وَكانَ الَّذي تولَّى كِبْرَ الإفكِ عبدُ اللَّهِ بنُ أبيِّ بنِ سلولٍ فقدِمنا المدينةَ فشَكيتُ شَهرًا والنَّاسُ يُفيضونَ في قولِ أصحابِ الإفكِ وأنا لا أشعرُ بالشَّيءِ حتَّى نقِهتُ فخرجتُ أنا وأمُّ مِسطَحٍ قِبَلَ المناصعِ وَكانَ متبرَّزَنا لا نخرجُ إليها إلَّا ليلًا إلى ليلٍ وذلِك قبلَ أن نتَّخذَ الكُنُفَ قريبًا من بيوتِنا وإنَّما أمرُنا أمرُ العربِ الأوَّلِ في البرِّيَّةِ قبلَ الغائطِ وَكنَّا نتأذَّى بالكُنُفِ أن نتَّخذَها عندَ بيوتِنا فأقبلتُ أنا وأمُّ مِسطَحٍ قبلَ بيتي حينَ فرغنا من شأنِنا وأمُّ مسطحٍ وَهيَ ابنةُ أبي إبراهيمَ بنِ المطَّلبِ بنِ عبدِ منافٍ وأمُّها بنتُ صخرِ بنِ عامرٍ خالةُ أبي بَكرٍ الصِّدِّيقِ وابنُها مِسطَحُ بنُ أثاثةَ بنِ عبَّادِ بنِ عبدِ المطَّلبِ فعثَرتْ أمُّ مسطحٍ في مِرطِها فقالت تعِسَ مسطَحٌ فقلتُ لَها بئسَ ما قلتِ وماذا قال فأخبرتْني بقولِ أَهلِ الإفكِ فازددتُ مرضًا على مرضي فلمَّا دخلَ عليَّ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ قال كيفَ تِيكم فقلتُ لهُ أتأذنُ لي أن آتيَ أبويَّ وأنا حينئذٍ أريدُ أن أستيقِنَ الخبرَ مِن قِبَلِهما فأذنَ لي رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ فأتيتُ أبويَّ فقلتُ لأمِّي يا أمَّتاهُ ما يتحدَّثُ بهِ النَّاسُ فقالت يا بنيَّةُ هوِّني عليكِ هذا الشَّأنَ فواللَّهِ لقلَّما كانتِ امرأةٌ وضيئةً عندَ رجلٍ يحبُّها ولَها ضرائرُ إلَّا أَكثرنَ عليها فقلتُ سبحانَ اللَّهِ ولقد تحدَّثَ النَّاسُ بِها قالت فبَكيتُ تلكَ اللَّيلةَ حتَّى أصبحتُ ثمَّ أصبحتُ ودعا رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ عليَّ بنَ أبي طالبٍ وأسامةَ بنَ زيدٍ حينَ استلبثَ الوحيُ يستشيرُهما في فراقِ أَهلِه فأمَّا أسامةُ فإنَّهُ أشارَ على رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ بالَّذي يعلَمُ من براءةِ أَهلِه وبالَّذي يعلَمُ منَ الوُدِّ لَهم قال يا رسولَ اللَّهِ أَهلُكَ ولا نعلمُ إلَّا خيرًا وأمَّا عليٌّ فقال يا رسولَ اللَّهِ لم يضيِّقِ اللَّهُ عليكَ والنِّساءُ بكثيرٍ سواها سلِ الجاريةَ تصدُقْكَ فدعا رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ بَريرةَ فقال يا بَريرةُ هل رأيتِ على عائشةَ شيئًا تُنكرينَه عليها قالت لا والَّذي بعثَك بالحقِّ ما رأيتُ على عائشةَ شيئًا أغمِصُه عليها غيرَ أنَّها جاريةٌ حديثةُ السِّنِّ تَنامُ عن عجينِ أَهلِها فتأتي الدَّاجِنُ فتأكلُه قالت عائشةُ فقامَ على المنبرِ حينَ استلبثَ الوحيُ يستعذِرُ من عبدِ اللَّهِ بنِ أبيِّ بنِ سلولٍ فقال يا معشرَ المسلمينَ مَن يعذِرُني مِن رجلٍ بلغَ أذاهُ في أَهلي فواللَّهِ ما علمتُ على أَهلي إلَّا خيرًا وما كانَ يدخلُ على أَهلي إلَّا وهوَ معي فقامَ سعدُ بنُ معاذٍ الأنصاريُّ فقال يا رسولَ اللَّهِ أنا واللَّهِ أعذِرُك منهُ إن كانَ منَ الأوسِ ضربتُ عنقَه وإن كانَ من إخوانِنا الخزرجِ أمرتَنا ففعلنا أمرَك فقامَ سعدُ بنُ عبادةَ الخزرجيُّ وهوَ سيِّدُ الخزرجِ وَكانَ قبلَ ذلِك رجلًا صالِحًا ولَكنِ احتملتهُ الحميَّةُ فقال لسعدِ بنِ معاذٍ كذبتَ لعمرُ اللَّهِ لا تقتلُه ولا تقدِرُ على قتلِه فقامَ سعدُ بنُ معاذٍ فقال لِسعدِ بنِ عبادةَ كذبتَ لَعَمرُ اللَّهِ لنقتلنَّهُ فإنَّكَ منافقٌ تجادلُ عنِ المنافقينَ فثارَ الحيَّانِ الأوسُ والخزرجُ حتَّى همُّوا أن يقتتِلوا ورسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ على المنبرِ فلم يزل رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ يخفِّضُهم حتَّى سَكتوا قالت عائشةُ وبَكيتُ يومي ذلِك لا يرقَأُ لي دمعٌ ولا أَكتحلُ بنومٍ ولا أظنُّ البُكاءَ إلَّا فالقَ كبِدي قالت فبينا أنا أبكي وأبوايَ عندي إذِ استأذنَتْ عليَّ امرأةٌ منَ الأنصارِ فأذنَتْ لَها أمِّي فجلست تبكي معنا فبينا نحنُ على ذلِك إذ دخلَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ فسلَّمَ ثمَّ جلسَ ولم يجلِسْ عندي منذُ قيلَ لي ما قيلَ قبلَها وقد لبثَ شَهرًا لا يوحَى إليهِ في شأني بشيءٍ قالت فتشَهَّدَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ حينَ جلسَ ثمَّ قال يا عائشةُ أما بعدُ فقدْ بلغني عنكِ كذا وَكذا فإن كنتِ بريئةً فسيبرِّئُكِ اللَّهُ وإن كنتِ ألممتِ بذنبٍ فاستغفِري اللَّهَ وتوبي إليهِ فإنَّ العبدَ إذا اعترفَ بذنبِهِ ثمَّ تابَ تابَ اللَّهُ عليهِ قالت فلمَّا قضى رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ مقالتَه وقلُصَ دمعي حتَّى ما أحسُّ منهُ قطرةً فقلتُ لأبي أجِب عنِّي رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ فيما قال قالَ واللَّهِ ما أدري ما أقولُ لرسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ فقلتُ لأمِّي أجيبي عنِّي رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ فيما قال فقالت واللَّهِ ما أدري ما أقولُ لرسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ فقلتُ وإنِّي لجاريةٌ حديثةُ السِّنِّ لا أقرأُ شيئًا منَ القرآنِ واللَّهِ لقد علِمتُ أنَّكم سمعتُم بِهذا الحديثِ واستقرَّ في أنفسِكم ولئنْ قلتُ لكم إنِّي بريئةٌ واللَّهُ لَيعلمُ أنِّي بريئةٌ وأعلمُ أنَّهُ مبرِّئي ببراءةٍ إنِّي بريئةٌ لا تصدِّقونَ ولئن أعترفْ لكم بأمرٍ واللَّهُ يعلمُ أنِّي منهُ بريئةٌ لتصدِّقُنِّي فواللَّهِ ما أجدُ لي ولَكم مَثلًا إلَّا أنَّ أبا يوسفَ قال {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} زادَ ابنُ دَيزيلَ في حديثِه ونسيتُ اسمَ يعقوبَ لما بي منَ الحزنِ وإحراقِ القلبِ ثمَّ رجعَ إلى حديثِهما قالت ثمَّ تحوَّلتُ إلى فراشي فنمتُ وأنا أعلمُ أنِّي بريئةٌ واللَّهُ مبرِّئي ببراءتي ولَكنْ واللَّهِ ما علمتُ أنَّ اللَّهَ ينزِّلُ في شأني قرآنًا يُتلَى ولَشأني أحقرُ في نفسي من أن ينزِّلَ اللَّهُ فيَّ وحيًا يُتلى قالت فواللَّهِ ما رامَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ مجلسَه ذاكَ ولا خرجَ أحدٌ من أَهلِ البيتِ حتَّى أخذَه ما كانَ يأخُذُه منَ البُرَحاءِ حتَّى إنَّهُ لينحدِرُ مثلَ الجُمانِ منَ العرقِ في اليومِ الشَّاتي قالت فلمَّا سُرِّيَ عن رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ وهوَ يبتسمُ كانَ أوَّلَ كلمةٍ تَكلَّمَ بِها أن قال يا عائشةُ أمَّا اللَّهُ فقد برَّأَك فقال لي أبي قُومي إلى رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ فقلتُ لا أقومُ ولا أحمدُ إلَّا اللَّهَ تعالى قالت أُنزِلَ على رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ} العشرُ الآياتُ كلُّها قالت فلمَّا أنزلَ اللَّهُ في براءتي هذا قال أبو بَكرٍ الصِّدِّيقُ وَكانَ ينفِقُ على مِسطحِ بنِ أثاثةَ لقرابتِه منهُ واللَّهِ لا أنفقُ على مسطحٍ شيئًا أبدًا بعدَ الَّذي قال لعائشةَ ما قال قالت فأنزلَ اللَّهُ { وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ } فقال أبو بَكرٍ بلى واللَّهِ إنِّي لأحبُّ أن يُغفَرَ لي فرجَّعَ إلى مسطحٍ نفقتَه الَّتي كانَ ينفقُ عليهِ فقال واللَّهِ لا أنزِعُها منهُ أبدًا قالت عائشةُ وَكانت زينبُ بنتُ جحشٍ هيَ الَّتي تساميني من بينِ أزواجِ النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ فعصمَها اللَّهُ بالورَعِ فطفِقت أختُها حمنةُ تحارِبُ لَها فَهلَكت فيمن هلَكَ قال ابنُ شِهابٍ فبلغني أنَّ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ لمَّا سألَ بريرةَ عن شأنِ عائشةَ قالت يا رسولَ اللَّهِ تسألُني عن عائشةَ فواللَّهِ لَعائشةُ أطيبُ من طيِّبِ الذَّهبِ ولئن كانَ ما يقولُ النَّاسُ حقًّا ليخبرنَّكَ اللَّهُ
عن عائشةَ زوجِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حينَ قال لها أهلُ الإفكِ ما قالوا فبرَّأها اللهُ منه
قال الزُّهريُّ : وكلُّهم حدَّثني طائفةً مِن حديثِها وبعضُهم أوعى مِن بعضٍ وأثبَتُ له اقتصاصًا وقد وعَيْتُ عن كلِّ واحدٍ منهم الحديثَ الَّذي حدَّثني عن عائشةَ وبعضُ حديثِهم يُصدِّقُ بعضًا
زعَموا أنَّ عائشةَ رضِي اللهُ عنها قالت : كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا أراد أنْ يخرُجَ سفَرًا أقرَع بَيْنَ أزواجِه فأيَّتُهنَّ خرَج سهمُها خرَج بها معه فأقرَع بَيْنَنا في غَزاةٍ غزاها فخرَج سهمي فخرَجْتُ معه بعدَما أُنزِل الحجابُ وأنا أُحمَلُ في هَوْدجي وأنزِلُ فيه فسِرْنا حتَّى إذا فرَغ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن غزوتِه تلك قفَل ودنَوْنا مِن المدينةِ فآذَن ليلةً بالرَّحيلِ فقُمْتُ فمشَيْتُ حتَّى جاوَزْتُ الجيشَ فلمَّا قضَيْتُ شأني أقبَلْتُ إلى الرَّحْلِ فلمَسْتُ صدري فإذا عِقْدٌ لي مِن جَزْعِ أظفارٍ قدِ انقطَع فرجَعْتُ فالتمَسْتُ عِقدي فحبَسني ابتغاؤُه فأقبَل الَّذينَ يرحَلونَ بي فاحتمَلوا هَوْدجي فرحَلوه على بعيري الَّذي كُنْتُ أركَبُ وهم يحسَبونَ أنِّي فيه وكان النِّساءُ إذ ذاكَ خِفافًا لَمْ يثقُلْنَ ولَمْ يغشَهنَّ اللَّحمُ وإنَّما يأكُلْنَ العُلقةَ مِن الطَّعامِ فلَمْ يستنكِرِ القومُ حينَ رفَعوه ثِقَلَ الهَوْدجِ فاحتمَلوه وكُنْتُ جاريةً حديثةَ السِّنِّ فبعَثوا الجمَلَ وساروا فوجَدْتُ عِقدي بعدَما استمرَّ الجيشُ فجِئْتُ منزِلَهم وليس فيه أحَدٌ فأقمَتْ منزِلي الَّذي كُنْتُ به وظنَنْتُ أنَّهم سيفقِدوني فيرجِعونَ إلَيَّ فبَيْنا أنا جالسةٌ غلَبَتْني عينايَ فنِمْتُ
وكان صفوانُ بنُ المعطَّلِ السُّلَميُّ ثمَّ الذَّكوانيُّ مِن وراءِ الجيشِ فأصبَح عندَ منزلي فرأى سوادَ إنسانٍ نائمٍ وكان يراني قبْلَ الحجابِ فاستيقَظْتُ باسترجاعِه حينَ عرَفني فخمَّرْتُ وجهي بجِلْبابي واللهِ ما تكلَّمْتُ بكلمةٍ ولا سمِعْتُ منه كلمةً غيرَ استرجاعِه حتَّى أناخ راحلتَه فوطِئ يدَها فركِبْتُها فانطلَق يقودُ بي الرَّاحلةَ حتَّى أتَيْنا الجيشَ بعدَما نزَلوا معرِّسينَ في نحرِ الظَّهيرةِ فهلَك مَن هلَك
وكان الَّذي تولَّى كِبْرَ الإفكِ عبدُ اللهِ بنُ أُبَيٍّ ابنُ سَلولٍ فقدِمْنا المدينةَ فاشتكَيْتُ بها شهرًا والنَّاسُ يُفيضونَ في قولِ أصحابِ الإفكِ ويَريبني في وجَعي أنِّي لا أرى مِن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم اللُّطْفَ الَّذي كُنْتُ أرى منه حينَ أمرَضُ إنَّما يدخُلُ فيُسلِّمُ ثمَّ يقولُ : ( كيفَ تِيكُمْ ) ؟ ولا أشعُرُ بشيءٍ مِن ذلك حتَّى نقِهْتُ فخرَجْتُ أنا وأمُّ مِسطَحٍ بنتُ أبي رُهْمٍ قِبَلَ المَناصِعِ وكان مُتبرَّزَنا لا نخرُجُ إلَّا ليلًا إلى ليلٍ وذلكَ قبْلَ أنْ نتَّخِذَ الكُنُفَ قريبًا مِن بيوتِنا وأمرُنا أمرُ العرَبِ الأُوَلِ في البَرِّيَّةِ أو في التَّبرُّزِ فأقبَلْتُ أنا وأمُّ مِسطَحٍ بنتُ أبي رُهْمٍ نمشي فعثَرَتْ في مِرْطِها فقالت : تعِس مِسطَحٌ فقُلْتُ : بِئس ما قُلْتِ أتسُبُّينَ رجُلًا شهِد بدرًا ؟ فقالت : يا هَنْتاه ألَمْ تسمَعي ما قالوا ؟ فأخبَرَتْني بما يقولُ أهلُ الإفكِ فازدَدْتُ مرَضًا على مرضٍ
فلمَّا رجَعْتُ إلى بيتي دخَل علَيَّ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال : ( كيف تِيكم ) ؟ فقُلْتُ : ائذَنْ لي آتي أبويَّ قالت : وأنا حينَئذٍ أُريدُ أنْ أستيقِنَ الخبَرَ مِن قِبَلِهما فأذِن لي رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأتَيْتُ أبويَّ فقُلْتُ لِأُمِّي : ما يتحدَّثُ به النَّاسُ ؟ فقالت : يا بُنيَّةُ هوِّني على نفسِك الشَّأنَ فواللهِ لقلَّما كانتِ امرأةٌ قطُّ وضيئةٌ عندَ رجُلٍ يُحِبُّها ولها ضرائرُ إلَّا أكثَرْنَ عليها فقُلْتُ : سُبحانَ اللهِ لقد تحدَّث النَّاسُ بهذا ؟ قالت : نَعم فبِتُّ تلكَ اللَّيلةَ حتَّى أصبَحْتُ لا يرقَأُ لي دَمْعٌ ولا أكتحِلُ بنومٍ
ثمَّ أصبَحْتُ فدعا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم علِيَّ بنَ أبي طالبٍ وأُسامةَ بنَ زيدٍ حينَ استَلْبَث الوحيُ يستشيرُهما في فِراقِ أهلِه فأمَّا أُسامةُ فأشار عليه بالَّذي يعلَمُ في نفسِه مِن الوُدِّ لهم فقال : أهلُك يا رسولَ اللهِ ولا نعلَمُ واللهِ إلَّا خيرًا وأمَّا علِيٌّ فقال : يا رسولَ اللهِ لَمْ يُضيِّقِ اللهُ عليكَ والنِّساءُ سواها كثيرٌ وسَلِ الجاريةَ تصدُقْكَ فدعا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بَريرةَ فقال : ( يا بَريرةُ هل رأَيْتِ فيها شيئًا ما يريبُكِ ) ؟ فقالت : لا والَّذي بعَثكَ بالحقِّ إنْ رأَيْتُ منها أمرًا أغمِصُه عليها أكثَرَ مِن أنَّها جاريةٌ حديثةُ السِّنِّ تنامُ عنِ العجينِ فتأتي الدَّاجنُ فتأكُلُه
فقام رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن يومِه فاستعذَر مِن عبدِ اللهِ بنِ أُبَيٍّ ابنِ سَلولٍ فقال : ( مَن يعذِرُني مِن رجُلٍ بلَغ أذاه في أهلي وواللهِ ما علِمْتُ على أهلي إلَّا خيرًا وقد ذكَروا رجُلًا ما علِمْتُ عليه إلَّا خيرًا وما كان يدخُلُ على أهلي إلَّا معي ) فقام سعدُ بنُ مُعاذٍ فقال : يا رسولَ اللهِ وأنا واللهِ أعذِرُك منه إنْ كان مِن الأوسِ ضرَبْنا عُنُقَه وإنْ كان مِن إخوانِنا مِن الخَزرجِ أمَرْتَنا ففعَلْنا فيه أمرَك فقام سعدُ بنُ عُبادةَ وكان قبْلَ ذلكَ رجُلًا صالِحًا ولكِنِ احتمَلَتْه الحَميَّةُ فقال : كذَبْتَ لَعَمْرُ اللهِ لا تقتُلُه ولا تقدِرُ على ذلكَ فقام أُسَيدُ بنُ حُضَيرٍ فقال كذَبْتَ لَعَمْرُ اللهِ لَنقتُلَنَّه فإنَّكَ مُنافِقٌ تُجادِلُ عنِ المُنافِقينَ فثار الحيَّانِ الأوسُ والخَزرجُ حتَّى همُّوا ورسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على المِنبَرِ فجعَل يُخفِّضُهم حتَّى سكَتوا
ومكَثْتُ يومي لا يرقَأُ لي دمعٌ ولا أكتحِلُ بنومٍ فأصبَح عندي أبواي وقد بكَيْتُ ليلتي ويومي حتَّى أظُنَّ أنَّ البكاءَ فالِقٌ كبِدي قالت : فبَيْنا هما جالسانِ عندي وأنا أبكي إذِ استأذَنَتِ امرأةٌ مِن الأنصارِ فأذِنْتُ لها فجلَسَتْ تبكي معي فبَيْنا نحنُ كذلك إذ دخَل رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فجلَس ولَمْ يجلِسْ عندي مِن يومِ قيل لي ما قيل قبْلَها وقد مكَث شهرًا لا يُوحَى إليه في شأني شيءٌ قالت : فتشهَّد ثمَّ قال :
( يا عائشةُ أمَّا بعدُ فإنَّه قد بلَغني عنكِ كذا وكذا فإنْ كُنْتِ بريئةً فسيُبرِّئُكِ اللهُ وإنْ كُنْتِ ألمَمْتِ فاستغفِري اللهَ وتُوبي إليه فإنَّ العبدَ إذا اعترَف بذَنبِه ثمَّ تاب تاب اللهُ عليه ) فلمَّا قضى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مقالتَه قلَص دمعي حتَّى ما أُحِسُّ منه بقَطرةٍ وقُلْتُ لِأَبي : أجِبْ عنِّي رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال : واللهِ ما أدري ما أقولُ لِرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقُلْتُ لِأمِّي : أجيبي عنِّي رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فيما قال قالت : واللهِ ما أدري ما أقولُ لِرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قالت : وأنا جاريةٌ حديثةُ السِّنِّ لا أقرَأُ كثيرًا مِن القُرآنِ فقُلْتُ : إي واللهِ لقد علِمْتُ أنَّكم سمِعْتُم ما تحدَّث النَّاسُ ووقَر في أنفسِكم وصدَّقْتُم به ولئِنْ قُلْتُ لكم : إنِّي بريئةٌ واللهُ يعلَمُ أنِّي بريئةٌ ـ لا تُصدِّقوني بذلكَ وإنِ اعترَفْتُ لكم بأمرٍ ـ واللهُ يعلَمُ أنِّي بريئةٌ ـ لَتُصدِّقُنِّي واللهِ ما أجِدُ لي ولكم مَثَلًا إلَّا أبا يوسُفَ إذ قال : {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} [يوسف: 18] ثمَّ تحوَّلْتُ على فِراشي وأنا أرجو أنْ يُبرِّئَني اللهُ ولكِنْ واللهِ ما ظنَنْتُ أنْ ينزِلَ في شأني وحيٌ ولَأنا أحقَرُ في نفسي مِن أنْ يُتكلَّمَ بالقُرآنِ في أمري ولكنِّي كُنْتُ أرجو أنْ يرى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في النَّومِ رؤيا تُبرِّئُني
فواللهِ ما رام في مجلسِه ولا خرَج أحَدٌ مِن البيتِ حتَّى أُنزِل عليه فأخَذه ما كان يأخُذُه مِن البُّرَحاءِ حتَّى إنَّه لَينحدِرُ منه مِثلُ الجُمَانِ مِن العَرَقِ في يومٍ شاتٍ فلمَّا سُرِّي عن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهو يضحَكُ فكان أوَّلَ كلمةٍ تكلَّم بها أنْ قال : ( يا عائشةُ احمَدي اللهَ فقد برَّأكِ اللهُ ) فقالت لي أُمِّي : قومي إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقُلْتُ : لا واللهِ لا أقومُ إليه ولا أحمَدُ إلَّا اللهَ فأنزَل اللهُ تعالى : {إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ} [النور: 11] الآياتِ فلمَّا أنزَل اللهُ هذا في براءتي قال أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ رضِي اللهُ عنه وكان يُنفِقُ على مِسطَحٍ لقَرابتِه منه : واللهِ لا أُنفِقُ على مِسطَحٍ شيئًا أبدًا بعدَما قال لِعائشةَ فأنزَل اللهُ : {وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ} [النور: 22] إلى قولِه : {وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور: 22] فقال أبو بكرٍ : واللهِ إنِّي لَأُحِبُّ أنْ يغفِرَ اللهُ لي فرجَع إلى مِسطَحٍ بالَّذي كان يُجري عليه وكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم سأَل زينبَ بنتَ جَحْشٍ عن أمري فقالت : يا رسولَ اللهِ [ أحمي ] سَمْعي وبصَري وكانت تُساميني فعصَمها اللهُ بالوَرَعِ
كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إذا أراد أن يخرجَ سفرًا ، أقرعَ بين نسائِه . فأيُّتهنَّ خرج سهمُها ، خرج بها رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ معه . قالت عائشةُ : فأقرع بيننا في غزوةٍ غزاها . فخرج سَهمي . فخرجتُ مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ . وذلك بعدما أُنزِلَ الحجابُ . فأنا أحمل هَودجي ، وأنزلُ فيه ، مَسيرَنا . حتى إذا فرغ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ من غزوة ، وقفَل ، ودنونا من المدينةِ ، آذنَ ليلةً بالرحيلِ . فقمتُ حين آذنوا بالرَّحيلِ . فمشيتُ حتى جاوزتُ الجيشَ . فلما قضيتُ من شأني أقبلتُ إلى الرَّحلِ . فلمستُ صدري فإذا عِقدي من جِزعِ ظفارٍ قد انقطع . فرجعتُ فالتمستُ عِقدي فحبَسني ابتغاؤه . وأقبل الرَّهطُ الذين كانوا يَرحلون لي فحملوا هودَجي . فرحلوه على بعيري الذي كنتُ أركب . وهم يحسبون أني فيه . قالت : وكانت النساءُ إذ ذاك خفافًا . لم يهبلنَ ولم يغشهنَّ اللحمُ . إنما يأكلنَ العَلقةَ من الطعامِ . فلم يستنكرِ القومُ ثِقَلَ الهودجِ حين رحلوه ورفعوه . وكنتُ جاريةً حديثةَ السِّنِّ . فبعثوا الجملَ وساروا . ووجدتُ عِقدي بعد ما استمر الجيشُ . فجئتُ منازلَهم وليس بها داعٍ ولا مجيبٍ . فتيمَّمتُ منزلي الذي كنتُ فيه . وظننتُ أنَّ القومَ سيفقدوني فيرجعون إليَّ . فبينا أنا جالسةٌ في منزلي غلبتْني عيني فنمتُ . وكان صفوانُ بنُ المُعطَّلِ السُّلَميُّ ، ثم الذكوانيُّ ، قد عرَّس من وراءِ الجيش فادَّلج . فأصبح عند منزلي . فرأى سوادَ إنسانٍ نائمٍ . فأتاني فعرفني حين رآني . وقد كان يراني قبل أن يُضرَبَ الحجابُ عليَّ . فاستيقظتُ باسترجاعِه حين عرفني . فخمَّرتُ وجهي بجِلبابي . وواللهِ ! ما يُكلِّمُني كلمةً ولا سمعتُ منه كلمةً غيرَ استرْجاعِه . حتى أناخ راحلتَه . فوطِئَ على يدِها فركبْتُها . فانطلق يقود بي الراحلةَ . حتى أتينا الجيشَ . بعد ما نزلوا مُوغِرين في نحرِ الظهيرةِ . فهلك من هلك في شأني . وكان الذي تولى كِبرَه . عبدُ اللهِ بنُ أُبيِّ بنِ سَلولٍ . فقدِمْنا المدينةَ . فاشتكيتُ ، حين قدمنا المدينةَ ، شهرًا . والناس يُفيضون في قولِ أهلِ الإفكِ . ولا أشعرُ بشيءٍ من ذلك . وهو يُريبني في وجَعي أني لا أعرفُ من رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ اللطفَ الذي كنتُ أرى منه حين أَشتكي . إنما يدخل رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فيُسلِّمُ ثم يقول " كيف تِيكم ؟ " فذاك يَريبُني . ولا أشعر بالشَّرِّ . حتى خرجتُ بعدما نقَهتُ وخرجتْ معي أمُّ مِسطحٍ قبل المَناصعِ . وهو مُتبرَّزُنا . ولا نخرج إلا ليلًا إلى ليلٍ . وذلك قبل أن نتَّخذَ الكُنُفَ قريبًا من بيوتِنا . وأمرُنا أمرُ العربِ الأوَّلِ في التَّنزُّه . وكنا نتأذَّى بالكنفِ أن نتخذها عند بيوتِنا . فانطلقتُ أنا وأمُّ مِسطحٍ ، وهي بنتُ أبي رَهمٍ بنِ المطلبِ بنِ عبدِ منافٍ . وأمها ابنةُ صخرِ بنِ عامرٍ ، خالةُ أبي بكرٍ الصديقُ . وابنها مِسطحُ بنُ أَثاثةَ بنُ عبادِ بنِ المطلبِ . فأقبلتُ أنا وبنتُ أبي رُهمٍ قِبَل بيتي . حين فرغنا من شأنِنا . فعثَرَتْ أمُّ مِسطحٍ في مِرطِها . فقالت : تعِسَ مِسطحُ . فقلتُ لها : بئسَ ما قلتِ . أَتَسُبِّين رجلًا قد شهد بدرًا . قالت : أي هُنتاه ! أو لم تسمعي ما قال ؟ قلتُ : وماذا قال ؟ قالت ، فأخبرتْني بقولِ أهلِ الإفكِ . فازددتُ مرضًا إلى مرضي . فلما رجعتُ إلى بيتي ، فدخل عليَّ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ . فسلَّم ثم قال " كيف تِيكم ؟ " قلتُ : أتأذنُ لي أن آتيَ أبويَّ ؟ قالت ، وأنا حينئذٍ أريد أن أتيقَّنَ الخبرَ من قبلِهما . فأذِن لي رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ . فجئتُ أبويَّ فقلتُ لأمي : يا أمَّتاه ! ما يتحدَّث الناسُ ؟ فقالت : يا بُنيَّةُ ! هوِّني عليك . فواللهِ ! لقلَّما كانت امرأةٌ قطُّ وضيئةٌ عند رجلٍ يحبُّها ، ولها ضرائرُ ، إلا كثَّرْنَ عليها . قالت قلتُ : سبحان اللهِ ! وقد تحدَّث الناسُ بهذا . قالت ، فبكيتُ تلك الليلةِ حتى أصبحتُ لا يرقأْ لي دمعٌ ولا أكتحل بنومٍ . ثم أصبحتُ أبكي . ودعا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عليَّ بنَ أبي طالبٍ وأسامةَ بنَ زيدٍ حين استلبثَ الوحيُ . يستشيرُهما في فِراقِ أهلِه . قالت فأما أسامةُ بنُ زيدٍ فأشار على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بالذي يعلمُ من براءةِ أهلِه ، وبالذي يعلمُ في نفسِه لهم من الوُدِّ . فقال : يا رسولَ اللهِ ! هم أهلُك ولا نعلمُ إلا خيرًا . وأما عليُّ بنُ أبي طالبٍ فقال : لم يُضيِّقِ اللهُ عليك . والنساءُ سواها كثيرٌ . وإن تسأل الجاريةَ تَصدُقْك . قالت فدعا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بريرةَ فقال " أي بريرةُ ! هل رأيتِ من شيءٍ يَريبُكِ من عائشةَ ؟ " قالت له بريرةُ : والذي بعثك بالحقِّ ! إن رأيتُ عليها أمرًا قطُّ أغمِصُه عليها ، أكثرَ من أنها جاريةٌ حديثةُ السِّنِّ ، تنام عن عجينِ أهلِها ، فتأتي الداجنُ فتأكلُه . قالت فقام رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ على المنبر . فاستعذر من عبدِاللهِ بنِ أُبيِّ ، ابنِ سلولٍ . قالت فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وهو على المنبر " يا معشرَ المسلمين ! من يَعذِرني من رجلٍ قد بلغ أذاه في أهلِ بيتي . فواللهِ ! ما علمتُ على أهلي إلا خيرًا . ولقد ذكروا رجلًا ما علمتُ عليه إلا خيرًا . وما كان يدخل على أهلي إلا معي " فقام سعدُ بنُ معاذٍ الأنصاريُّ فقال : أنا أعذِرُك منه . يا رسولَ الله ِ! إن كان في الأوسِ ضربْنا عُنُقَه . وإن كان من إخواننا الخزرجِ أمرتَنا ففعلْنا أمرَك . قالت فقام سعدُ بنُ عبادةَ ، وهو سيِّدُ الخزرجِ ، وكان رجلًا صالحًا . ولكن اجتهلَتْه الحَمِيَّةُ . فقال لسعدِ بنِ معاذٍ : كذبتَ . لعَمرُ اللهِ ! لا تقتلْه ولا تقدرُ على قتلِه . فقام أُسَيدُ بنُ حُضَيرٍ ، وهو ابنُ عمِّ سعدِ بنِ معاذٍ ، فقال لسعدِ بنِ عُبادةَ : كذبتَ . لعَمرُ اللهِ ! لنقتلنَّه . فإنك منافقٌ تجادل عن المنافِقين . فثار الحيَّانِ الأوسُ والخزرجُ . حتى همُّوا أن يقتَتِلوا . ورسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قائمٌ على المِنبر . فلم يزل رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يُخفِّضُهم حتى سكتوا وسكت . قالت وبكيتُ يومي ذلك . لا يرقأُ لي دمعٌ ولا أكتحلُ بنومٍ . ثم بكيتُ ليلتي المُقبلةَ . لا يرقأُ لي دمعٌ ولا أكتحلُ بنومٍ . وأبواي يظنان أنَّ البكاءَ فالقٌ كبِدي . فبينما هما جالسانِ عندي ، وأنا أبكي ، استأذنتْ عليَّ امرأةٌ من الأنصارِ فأذنتُ لها . فجلستْ تبكي . قالت فبينا نحن على ذلك دخل علينا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ . فسلَّم ثم جلس . قالت ولم يجلسْ عندي منذُ قيل لي ما قيل . وقد لبث شهرًا لا يُوحَى إليه في شأني بشيءٍ . قالت فتشهَّد رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حين جلس ثم قال " أما بعد . يا عائشةُ ! فإنه قد بلغَني عنكِ كذا وكذا . فإن كنتُ بريئةً فسيبرِّئُك اللهُ . وإن كنتُ ألمَمْتِ بذنبٍ . فاستغفِري اللهَ وتوبي إليه . فإنَّ العبدَ إذا اعترف بذنبٍ ثم تاب ، تاب اللهُ عليه " قالت فلما قضى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مَقالتَه ، قلَصَ دَمعي حتى ما أحسُّ منه قطرةً . فقلتُ لأبي : أَجِبْ عنِّي رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فيما قال . فقال : واللهِ ! ما أدري ما أقولُ لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ . فقلتُ لأُمِّي : أَجِيبي عني رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ . فقالت : واللهِ ! ما أدري ما أقولُ لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ . فقلتُ ، وأنا جاريةٌ حديثةُ السِّنِّ ، لا أقرأ كثيرًا من القرآنِ : إني ، واللهِ ! لقد عرفتُ أنكم قد سمعتُم بهذا حتى استقرَّ في نفوسِكم وصدقتُم به . فإن قلتُ لكم إني بريئةٌ ، واللهُ يعلم أني بريئةٌ ، لا تُصدِّقوني بذلك . ولئن اعترفتُ لكم بأمرٍ ، واللهُ يعلم أني بريئةً ، لتُصدِّقونني . وإني ، واللهِ ! ما أجد لي ولكم مثلًا إلا كما قال أبو يوسفَ : فصبرٌ جميلٌ واللهِ المستعانُ على ما تَصفون . قالت ثم تحوَّلتُ فاضطجعتُ على فراشي . قالت وأنا ، واللهِ ! حينئذٍ أعلمُ أني بريئةٌ . وأنَّ اللهَ مُبرِّئي ببراءَتي . ولكن ، واللهِ ! ما كنتُ أظنُّ أن ينزلَ في شأني وحيٌ يُتلى . ولشأني كان أحقرَ في نفسي من أن يتكلَّمَ اللهُ عزَّ وجلَّ فيَّ بأمرٍ يُتلى . ولكني كنتُ أرجو أن يرى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في النومِ رُؤيا يُبرِّئُني اللهُ بها . قالت : فواللهِ ! ما رام رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مَجلسَه ، ولا خرج من أهلِ البيتِ أحدٌ ، حتى أنزل اللهُ عزَّ وجلَّ على نبيِّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ . فأخذه ما كان يأخذُه من البَرحاءِ عند الوحيِ . حتى إنه ليتحدَّرُ منه مثلُ الجُمانِ من العَرَقِ ، في اليوم الشاتِ ، من ثِقَلِ القولِ الذي أُنزِل عليه . قالت ، فلما سُرِّيَ عن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ، وهو يضحك ، فكان أولَ كلمةٍ تكلَّم بها أن قال " أَبشِري . يا عائشةُ ! أما اللهُ فقد برأًكِ " فقالت لي أمي : قومي إليه . فقلتُ : واللهِ ! لا أقوم إليه . ولا أحمد إلا اللهَ . هو الذي أنزل براءَتي . قالت فأنزل اللهُ عزَّ وجلَّ : إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ [ 24 / النور / 11 ] عشرَ آياتٍ . فأنزل اللهُ عزَّ وجلَّ هؤلاء الآياتِ براءَتي . قالت فقال أبو بكرٍ ، وكان يُنفق على مِسطحٍ لقرابتِه منه وفقرِه : واللهِ ! لا أُنفقُ عليه شيئًا أبدًا . بعد الذي قال لعائشةَ . فأنزل اللهُ عزَّ وجلَّ : وَلَا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى [ 24 / النور / 22 ] إلى قوله : أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ . قال حبانُ بنُ موسى : قال عبدُ اللهِ بنُ المباركِ : هذه أرجى آيةٍ في كتاب اللهِ . فقال أبو بكرٍ : واللهِ ! إني لَأُحبُّ أن يغفرَ اللهُ لي . فرجع إلى مِسطحٍ النفقةَ التي كان يُنفِقُ عليه . وقال : لا أنزعُها منه أبدًا . قالت عائشةُ : وكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ سأل زينبَ بنتَ جحشٍ ، زوجَ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عن أمري " ما علمتُ ؟ أو ما رأيتُ ؟ " فقالت : يا رسولَ اللهِ ! أَحمي سَمعي وبصري . واللهِ ! ما علمتُ إلا خيرًا . قالت عائشةُ : وهي التي كانت تُساميني من أزواجِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ . فعصمَها اللهُ بالورَعِ . وطفقتْ أختُها حَمنةُ بنتُ جحشٍ تحاربُ لها . فهلكتْ فيمن هلك . قال الزهريُّ : فهذا ما انتهى إلينا من أمرِ هؤلاءِ الرَّهطِ . وقال في حديث يونس : احتملَتْه الحَمِيَّةُ .
كان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إذا أرادَ سفرًا أَقْرَعَ بينَ أزواجِه ، فأيَّتُهنَّ خرَجَ سهمُها خرَجَ بها رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم معه ، قالت عائشةُ : فأقرَعَ بينَنا في غزوةٍ غزاها، فخرَجَ فيها سهمي ، فخرَجْتُ مع رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بعدَ ما أُنْزِلَ الحجابُ ، فكُنْتُ أُحْمَلُ في هَوْدَجِي وأُنْزَلُ فيه ، فسِرْنا حتى إذا فَرَغَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم من غزوتِه تلك وقَفَلَ ، ودَنَوْنا مِن المدينةِ قافلين ، آذَنَ ليلةً بالرحيلِ ، فقُمْتُ حينَ آذَنوا بالرَّحيلِ ، فمَشَيْتُ حتى جاوزْتُ الجيشَ ، فلما قَضَيتُ شأني أقبَلْتُ إلى رَحْلي ، فلَمَسْتُ صدري فإذا عِقْدٌ لي مِن جَزْعِ ظَفَارِ قد انقطَعَ ! فرَجَعْتُ فالتَمَسْتُ عِقْدي؛ فحَبَسَني ابتغاؤُه ، قالت : وأقبلَ الرَّهْطُ الذين كانوا يَرْحَلُون لي ، فاحتملوا هُوْدَجي، فرَحَلوه على بعيري الذي كنتُ أركَبُ عليه ، وهم يَحْسِبون أني فيه ، وكان النساءُ إذ ذاكَ خِفَافًا لم يَهْبُلْنَ ، ولم يَغْشَهُنَّ اللحمُ ؛ إنما يأكُلْنَ العَلَقَةَ مِن الطعامِ ، فلم يَسْتَنْكِرِ القومُ خِفَةَ الهَوْدَجِ حينَ رَفعوه وحملوه ، وكنتُ جاريةً حديثةَ السنِّ ، فبعثوا الجملَ فساروا ، ووَجَدْتُ عِقْدي بعدَ ما استمَرَّ الجيشُ ، فجِئْتُ منازلَهم وليس بها منهم داعٍ ولا مجيبٌ ، فتَيَمَّمْتُ منزلي الذي كنتُ فيه ، وظَنَنْتُ أنهم سيَفْقِدوني فيَرجِعون إليَّ ، فبينا أنا جالسةٌ في منزلي غلَبَتْني عيني فنِمْتُ ، وكان صفوانُ بنُ المُعطِّل السُّلَمِيُّ ثم الذَّكْوَانِيُّ مِن وراءِ الجيشِ ، فأصبحَ عندَ منزلي ، فرأى سَوادَ إنسانٍ نائمٍ، فعرفَني حين رآني ، وكان رآني قبلَ الحجابِ ، فاستيقَظْتُ باسترجاعِه حينَ عرَفَني ، فخَمَّرْتُ وجهي بجِلْبابي ، والله ما تكلَّمْنا بكلمةٍ ، ولا سَمِعْتُ منه كلمةً غيرَ استرجاعِه ، وهوى حتى أناخَ راحلتَه ، فوَطِئَ على يدِها ، فقُمْتُ إليها فركِبْتُها ، فانطلَقَ يَقُودُ بي الراحلةَ حتى أَتَيْنا الجيشَ مُوغِرِين في نَحْرِ الظَّهيرةِ وهم نُزُولٌ . قالت : فهلَكَ مَن هلَكَ ، وكان الذي تَولَّى كِبْرَ الإفكِ عبدُ اللهِ بنُ أُبَيٍّ ابنُ سَلُولٍ . قال عروةُ : أُخْبِرْتُ أنه كان يُشاعُ ويُتَحَدَّثُ به عندَه ، فيُقِرُّه ويَسْتَمِعُه ويَسْتَوْشِيه . وقال عروةُ أيضا : لم يُسَمَّ مِن أهلِ الإفكِ أيضًا إلا حسانُ بنُ ثابتٍ ، ومِسْطَحُ بنُ أَثَاثَةَ ، وحِمْنَةُ بنتُ جَحْشٍ ، في ناسٍ آخرين لا علمَ لي بهم ، غيرَ أنهم عُصْبَةٌ ، كما قال الله تعالى ، وإن كِبْرَ ذلك يُقالُ له: عبدُ اللهِ بنِ أُبَيٍّ ابنُ سلولٍ . قال عروةُ : كانت عائشةُ تَكْرَهُ أن يُسَبَّ عندَها حسانٌ ؛ وتقولُ : أنه الذي قال : فإن أبي ووالدَه وعرضي *** لعرضِ محمدٍ منكم وقاءُ . قالت عائشةُ : فقَدِمْنا المدينةَ ، فاشتَكَيْتُ حين قَدِمْتُ شهرًا ، والناسُ يُفِيضون في قولِ أصحابِ الإِفْكِ ، لا أشعرُ بشيءٍ مِن ذلك ، وهو يُرِيبُني في وجعي أني لا أَعْرِفُ مِن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم اللُّطْفَ الذي كنتُ أرى منه حين أَشْتَكي ، إنما يَدْخُلُ عليَّ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فيُسَلِّمُ ، ثم يقول : كيف تِيْكُم ؟ ثم يَنْصَرِفُ ، فذلك يُرِيبُني ولا أَشْعُرُ بالشرِّ ، حتى خَرَجْتُ حينَ نَقْهْتُ ، فخَرَجْتُ مع أمِّ مِسْطَحٍ قِبَلَ المَناصِعَ ، وكان مُتَبَرَّزَنا ، وكنا لا نَخْرُجُ إلا ليلًا إلى ليلٍ ، وذلك قبلَ أن نتخِذَ الكُنُفَ قريبًا مِن بيوتِنا ، قالت : وأمرُنا أمرُ العربِ الأُوَلُ في البريِّةِ قِبَلَ الغائطَ ، وكنا نَتَأَذَّى بالكُنُفِ أن نتخِذَها عند بيوتِنا ، قالت : فانطلَقْتُ أنا وأمُّ مِسْطَحٍ ، وهي ابنةُ أبي رَهْمِ بنِ المُطَّلِبِ بنِ عبدِ مَنافٍ ، وأمُّها بنتُ صخرِ بنِ عامرٍ خالةُ أبي بكرٍ الصديقِ ، وابنُها مِسْطَحُ بنُ أَثَاثَةَ بنُ عبَّادِ بنِ المطلبِ ، فأقْبَلْتُ أنا وأمُّ مِسْطَحٍ قِبَلَ بيتي حينَ فَرَغْنا مِن شأنِنا ، فعثَرَتْ أمُّ مِسْطَحٍ في مُرُطِها فقالت : تَعِسَ مَسْطَحٌ ! فقلت لها : بِئْسَ ما قلتِ ! أَتَسُبِّين رجلًا شَهِدَ بدرًا ؟ فقالت : أَيْ هِنْتَاه، أو لم تسمعي ما قال ؟ قالت : وقلتُ : وما قال ؟ فأخبرتني بقولِ أهلِ الإِفْكِ ، قالت : فازدَدْتُ مرضًا على مرضي ، فلما رَجَعْتُ إلى بيتي دخَلَ عليَّ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فسلم ، ثم قال : كيف تيكم ؟ فقلتُ له : أَتَأْذَنُ لي أن آتي أبويَّ ؟ قالت : وأُرِيدُ أن أَسْتَيْقِنَ الخبرَ مِن قِبَلِهما ، قالت : فأَذِنَ لي رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فقلتُ لأمي : يا أمتاه ، ماذا يَتَحَدَّثُ الناسُ ؟ قالت : يا بُنَيَّةُ ، هوِّني عليك ، فواللهِ لقلَّما كانت امرأةٌ قطُّ وَضِيئَةً عندَ رجلٍ يُحِبُّها ، لها ضرائرُ ، إلا أكثرْنَ عليها . قالت : فقُلْتُ : سبحان الله ، أو لقد تحدَّثَ الناسُ بهذا ! قالت : فبكيتُ تلك الليلةَ حتى أَصْبَحْتُ لا يَرْقَأُ لي دمعٌ ولا أَكْتِحِلُ بنومٍ ، ثم أَصْبَحْتُ أَبْكي ، قالت : ودعا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عليَّ بنَ أبي طالبٍ وأسامةَ بنَ زيدٍ ، حين اسْتَلْبَثَ الوحيُّ ، يسأَلُهما ويَسْتَشِيرُهما في فِراقِ أهلِه ، قالت : فأما أسامةُ أشارَ على رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بالذي يَعْلَمُ مِن بَراءَةِ أهلِه ، وبالذي يعلم لهم في نفسِه ، فقال أسامة : أَهْلُك ، ولا نعلمُ إلا خيرًا . وأما عليٌّ فقال : يا رسولَ اللهِ ، لم يُضَيِّقِ اللهُ عليك ، والنساءُ سِواها كثيرٌ ، وسلِ الجاريةَ تَصْدُقْك . قالت : فدعا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَرِيرَةَ ، فقال : أَيْ بريرةُ ، هل رأيتِ شيءً يُرِيبُك؟ قالت له بريرةُ : والذي بعثَك بالحقِّ ، ما رأيتُ عليها أمرًا قطُّ أُغْمِصُه أكثرَ مِن أنها جاريةٌ حديثةُ السنِّ ، تنامُ عن عجينِ أهلِها ، فتأتي الداجنَ فتأكلُه ، قالت : فقام رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِن يومِه فاستَعَذَرَ مِن عبدِ اللهِ بنِ أُبَيٍّ ، وهو على المنبرِ ، فقال : يا معشرَ المسلمين ، مَن يَعْذُرُني مِن رجلٍ قد بلَغَني عنه أذاه في أهلي ، واللهِ ما علمتُ على أهلي إلا خيرًا ، ولقد ذكروا رجلًا ما علمتُ عليه إلا خيرًا وما يَدْخُلُ على أهلي إلا معي . قالت : فقام سعدُ بنُ معاذٍ أخو بني عبدِ الأَشْهَلِ فقال : أنا يا رسولَ اللهِ أَعْذُرُكَ ، فإن كان مِن الأَوْسِ ضَرَبْتُ عنقَه ، وإن كان مِن إخوانِنا مِن الخَزْرَجِ ، أمرْتَنا ففَعَلْنا أمرَك . قالت : فقام رجلٌ مِن الخَزْرَجِ ، وكانت أمُّ حسانٍ بنتَ عمِّه مِن فِخِذِه ، وهو سعدُ بنُ عُبَادَةَ ، وهو سيدُ الخَزْرَجِ ، قالت : وكان قبلَ ذلك رجلًا صالحًا ، ولكن احتَمَلَتْه الحَمِيَّةُ ، فقال لسعدٍ : كذَبْتَ لعَمْرُ اللهِ لا تَقْتُلُه ، ولا تَقْدِرُ على قتلِه ، ولو كان مِن رَهْطِك ما أَحْبَبْتُ أن يُقْتَلَ . فقام أُسَيْدُ بنُ حُضَيْرٍ ، وهو ابنُ عمِّ سعدٍ ، فقال لسعدِ بنِ عبادةَ : كذَبْتَ لعَمْرُ اللهِ لَنَقْتُلَنَّه ، فإنك منافقٌ تُجادِلُ عن المنافقين . قالت فثار الحيَّان الأَوْسُ والخَزْرَجُ ، حتى هموا أن يَقْتَتِلوا ، ورسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قائمٌ على المنبرِ ، قالت : فلم يزَلْ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُخْفِضُهم ، حتى سكتوا وسكتَ ، فبَكَيْتُ يومي ذلك كلَّه لا يَرْقَأُ لي دمعٌ ولا أكتَحِلُ بنومٍ ، قالت : وأصبح أبويَّ عندي ، قد بكَيْتُ ليلتين ويومًا ، ولا يَرْقَأُ لي دمعٌ لا أكْتَحِلُ بنومٍ ، حتى إني لأظنُّ أن البكاءَ فالقٌ كبدي ، فبينا أبوايَّ جالسان عندي وأنا أبكي ، فاستأَذَنَتْ عليَّ امرأةٌ مِن الأنصارِ فأَذِنْتُ لها ، فجلَسَتْ تبكي معي ، قالت : فبينا نحن على ذلك دخَلَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم علينا فسلَّمَ ثم جَلَسَ ، قالت : لم يَجْلِسْ عندي منذ قيل ما قيل قبلها ، وقد لَبِثَ شهرًا لا يُوحى إليه في شأني بشيءٍ ، قالت : فتَشَهَّدَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حين جَلَسَ ، ثم قال : أما بعدُ ، ياعائشةُ ، إنه بلَغَني عنك كذا وكذا ، فإن كنتِ بريئةً ، فسُيُبَرِّئُك اللهُ ، وإن كنتِ أَلْمَمْتِ بذنبٍ ، فاستغفري اللهَ وتوبي إليه ، فإن العبدَ إذا اعتَرَفَ ثم تابَ ، تابَ اللهُ عليه . قالت عائشة : فلما قضى رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مقالتَه قَلُصَ دمعي حتى ما أُحِسُّ منه قطرةً ، فقلتُ لأبي : أَجِبْ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عني فيما قال ، فقال أبي : والله ما أدري ما أقولُ لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فقلت لأمي : أجيبي رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فيما قال ، قالت أمي : واللهِ ما أدري ما أقولُ لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم .، فقلت : وأنا جاريةٌ حديثةُ السنِّ لا أقرأُ مِن القرآنِ كثيرًا : إني واللهِ لقد علمتُ : لقد سمعتم هذا الحديثَ حتى استقرَّ في أنفسِكم وصدقتم به ، فلئِن قلتُ لكم : إني بريئةٌ ، لا تصدقوني ، ولئن اعترَفْتُ لكم بأمرٍ ، والله يعلمُ أني منه بريئةٌ ، لتُصَدِّقُنِّي ، فواللهِ لا أَجِدُ لي ولكم مثلًا إلا أبا يوسفَ حين قال : فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون . ثم تحوَّلْتُ واضطَجَعْتُ على فراشي ، واللهُ يعلمُ أني حِينئِذٍ بريئةٌ ، وأن اللهَ مُبَرِّئي ببراءتي ، ولكن واللهِ ما كنتُ أظنُّ أن اللهَ مُنْزِلٌ في شأني وحْيًا يُتْلَى ، لشأني في نفسي كان أحقرُ مِن أن يَتَكَلَّمَ اللهُ فيَّ بأمرٍ ، ولكني كنتُ أرجو أن يَرى رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم في النومِ رؤيا يُبَرِّئُني اللهُ بها ، فواللهِ ما رامَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مجلسَه ، ولا خرَجَ أحدٌ مِن أهلِ البيتِ ، حتى أُنْزِلَ عليه ، فأَخَذَه ما كان يَأْخُذُه مِن البُرَحَاءِ ، حتى إنه لَيَتَحَدَّرُ منه العرقُ مثلَ الجُمَانِ ، وهو في يومٍ شاتٍ ، مِن ثِقَلِ القولِ الذي أُنْزِلَ عليه ، قالت : فسُرِّىَ عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وهو يَضْحَكُ ، فكانت أو كلمةٌ تَكَلَّمَ بها أن قال : يا عائشةُ ، أما والله فقد برَّأَكِ . فقالت لي أمي : قومي إليه . فقلت : واللهِ لا أقومُ إليه ، فإني لا أحمدُ إلا اللهَ عز وجل ، قالت : وأنزل اللهُ تعالى : إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم . العشر الآيات ، ثم أنزل اللهً هذا في براءتي ، قال أبو بكر الصديق ، وكان يُنْفِقُ على مِسْطَحِ بنِ أَثَاثَةَ؛ لِقَرابِتِه منه وفقرِه : واللهِ لا أُنْفِقُ على مِسْطَحٍ شيئًا أبدًا ، بعد الذي قال لعائشةَ ما قال . فأنزل اللهُ : ولا يأتل أولوا الفضل منكم - إلى قوله - غفور رحيم . قال أبو بكر الصديق : بلى واللهِ إني لَأُحِبُّ أن يًغْفِرَ اللهُ لي ، فرجَعَ إلى مِسْطَحٍ النفقةَ التي يُنْفِقُ عليه ، وقال : واللهِ لا أَنْزِعُها منه أبدًا . قالت عائشةُ : وكان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم سألَ زينبَ بنتَ جَحْشٍ عن أمري ، فقال لزينبَ : ماذا علِمْتِ ، أو رأيتِ ؟ فقالت : يا رسولَ اللهِ، أحمي سمعي وبصري ، واللهِ ما علمتُ إلا خيرًا . قالت عائشةُ : وهي التي كانت تُساميني مِن أزواجِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فعَصَمَها اللهُ بالورعِ . قالت : وطَفِقَتْ أختُها تُحَاربُ لها ، فهلَكَتْ فيمَنْ هَلَكَ . قال ابنُ شهابٍ : فهذا الذي بَلَغَني مِن حديثِ هؤلاء الرَّهْطِ . ثم قال عروةُ : قالت عائشةُ : واللهِ إن الرجلَ الذي قيل له ما قيل لَيَقولُ : سبحانِ اللهِ ! فوالذي نفسي بيدِه ما كَشَفْتُ مِن كَنَفِ أنثى قطُّ ، قالت : ثم قُتِلَ بعدَ ذلك في سبيلِ اللهِ .
كان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إذا أرادَ سفرًا أَقْرَعَ بينَ أزواجِه ، فأيَّتُهنَّ خرَجَ سهمُها خرَجَ بها رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم معه ، قالت عائشةُ : فأقرَعَ بينَنا في غزوةٍ غزاها، فخرَجَ فيها سهمي ، فخرَجْتُ مع رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بعدَ ما أُنْزِلَ الحجابُ ، فكُنْتُ أُحْمَلُ في هَوْدَجِي وأُنْزَلُ فيه ، فسِرْنا حتى إذا فَرَغَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم من غزوتِه تلك وقَفَلَ ، ودَنَوْنا مِن المدينةِ قافلين ، آذَنَ ليلةً بالرحيلِ ، فقُمْتُ حينَ آذَنوا بالرَّحيلِ ، فمَشَيْتُ حتى جاوزْتُ الجيشَ ، فلما قَضَيتُ شأني أقبَلْتُ إلى رَحْلي ، فلَمَسْتُ صدري فإذا عِقْدٌ لي مِن جَزْعِ ظَفَارِ قد انقطَعَ ! فرَجَعْتُ فالتَمَسْتُ عِقْدي؛ فحَبَسَني ابتغاؤُه ، قالت : وأقبلَ الرَّهْطُ الذين كانوا يَرْحَلُون لي ، فاحتملوا هُوْدَجي، فرَحَلوه على بعيري الذي كنتُ أركَبُ عليه ، وهم يَحْسِبون أني فيه ، وكان النساءُ إذ ذاكَ خِفَافًا لم يَهْبُلْنَ ، ولم يَغْشَهُنَّ اللحمُ ؛ إنما يأكُلْنَ العَلَقَةَ مِن الطعامِ ، فلم يَسْتَنْكِرِ القومُ خِفَةَ الهَوْدَجِ حينَ رَفعوه وحملوه ، وكنتُ جاريةً حديثةَ السنِّ ، فبعثوا الجملَ فساروا ، ووَجَدْتُ عِقْدي بعدَ ما استمَرَّ الجيشُ ، فجِئْتُ منازلَهم وليس بها منهم داعٍ ولا مجيبٌ ، فتَيَمَّمْتُ منزلي الذي كنتُ فيه ، وظَنَنْتُ أنهم سيَفْقِدوني فيَرجِعون إليَّ ، فبينا أنا جالسةٌ في منزلي غلَبَتْني عيني فنِمْتُ ، وكان صفوانُ بنُ المُعطِّل السُّلَمِيُّ ثم الذَّكْوَانِيُّ مِن وراءِ الجيشِ ، فأصبحَ عندَ منزلي ، فرأى سَوادَ إنسانٍ نائمٍ، فعرفَني حين رآني ، وكان رآني قبلَ الحجابِ ، فاستيقَظْتُ باسترجاعِه حينَ عرَفَني ، فخَمَّرْتُ وجهي بجِلْبابي ، والله ما تكلَّمْنا بكلمةٍ ، ولا سَمِعْتُ منه كلمةً غيرَ استرجاعِه ، وهوى حتى أناخَ راحلتَه ، فوَطِئَ على يدِها ، فقُمْتُ إليها فركِبْتُها ، فانطلَقَ يَقُودُ بي الراحلةَ حتى أَتَيْنا الجيشَ مُوغِرِين في نَحْرِ الظَّهيرةِ وهم نُزُولٌ . قالت : فهلَكَ مَن هلَكَ ، وكان الذي تَولَّى كِبْرَ الإفكِ عبدُ اللهِ بنُ أُبَيٍّ ابنُ سَلُولٍ . قال عروةُ : أُخْبِرْتُ أنه كان يُشاعُ ويُتَحَدَّثُ به عندَه ، فيُقِرُّه ويَسْتَمِعُه ويَسْتَوْشِيه . وقال عروةُ أيضا : لم يُسَمَّ مِن أهلِ الإفكِ أيضًا إلا حسانُ بنُ ثابتٍ ، ومِسْطَحُ بنُ أَثَاثَةَ ، وحِمْنَةُ بنتُ جَحْشٍ ، في ناسٍ آخرين لا علمَ لي بهم ، غيرَ أنهم عُصْبَةٌ ، كما قال الله تعالى ، وإن كِبْرَ ذلك يُقالُ له: عبدُ اللهِ بنِ أُبَيٍّ ابنُ سلولٍ . قال عروةُ : كانت عائشةُ تَكْرَهُ أن يُسَبَّ عندَها حسانٌ ؛ وتقولُ : أنه الذي قال : فإن أبي ووالدَه وعرضي *** لعرضِ محمدٍ منكم وقاءُ . قالت عائشةُ : فقَدِمْنا المدينةَ ، فاشتَكَيْتُ حين قَدِمْتُ شهرًا ، والناسُ يُفِيضون في قولِ أصحابِ الإِفْكِ ، لا أشعرُ بشيءٍ مِن ذلك ، وهو يُرِيبُني في وجعي أني لا أَعْرِفُ مِن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم اللُّطْفَ الذي كنتُ أرى منه حين أَشْتَكي ، إنما يَدْخُلُ عليَّ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فيُسَلِّمُ ، ثم يقول : كيف تِيْكُم ؟ ثم يَنْصَرِفُ ، فذلك يُرِيبُني ولا أَشْعُرُ بالشرِّ ، حتى خَرَجْتُ حينَ نَقْهْتُ ، فخَرَجْتُ مع أمِّ مِسْطَحٍ قِبَلَ المَناصِعَ ، وكان مُتَبَرَّزَنا ، وكنا لا نَخْرُجُ إلا ليلًا إلى ليلٍ ، وذلك قبلَ أن نتخِذَ الكُنُفَ قريبًا مِن بيوتِنا ، قالت : وأمرُنا أمرُ العربِ الأُوَلُ في البريِّةِ قِبَلَ الغائطَ ، وكنا نَتَأَذَّى بالكُنُفِ أن نتخِذَها عند بيوتِنا ، قالت : فانطلَقْتُ أنا وأمُّ مِسْطَحٍ ، وهي ابنةُ أبي رَهْمِ بنِ المُطَّلِبِ بنِ عبدِ مَنافٍ ، وأمُّها بنتُ صخرِ بنِ عامرٍ خالةُ أبي بكرٍ الصديقِ ، وابنُها مِسْطَحُ بنُ أَثَاثَةَ بنُ عبَّادِ بنِ المطلبِ ، فأقْبَلْتُ أنا وأمُّ مِسْطَحٍ قِبَلَ بيتي حينَ فَرَغْنا مِن شأنِنا ، فعثَرَتْ أمُّ مِسْطَحٍ في مُرُطِها فقالت : تَعِسَ مَسْطَحٌ ! فقلت لها : بِئْسَ ما قلتِ ! أَتَسُبِّين رجلًا شَهِدَ بدرًا ؟ فقالت : أَيْ هِنْتَاه، أو لم تسمعي ما قال ؟ قالت : وقلتُ : وما قال ؟ فأخبرتني بقولِ أهلِ الإِفْكِ ، قالت : فازدَدْتُ مرضًا على مرضي ، فلما رَجَعْتُ إلى بيتي دخَلَ عليَّ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فسلم ، ثم قال : كيف تيكم ؟ فقلتُ له : أَتَأْذَنُ لي أن آتي أبويَّ ؟ قالت : وأُرِيدُ أن أَسْتَيْقِنَ الخبرَ مِن قِبَلِهما ، قالت : فأَذِنَ لي رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فقلتُ لأمي : يا أمتاه ، ماذا يَتَحَدَّثُ الناسُ ؟ قالت : يا بُنَيَّةُ ، هوِّني عليك ، فواللهِ لقلَّما كانت امرأةٌ قطُّ وَضِيئَةً عندَ رجلٍ يُحِبُّها ، لها ضرائرُ ، إلا أكثرْنَ عليها . قالت : فقُلْتُ : سبحان الله ، أو لقد تحدَّثَ الناسُ بهذا ! قالت : فبكيتُ تلك الليلةَ حتى أَصْبَحْتُ لا يَرْقَأُ لي دمعٌ ولا أَكْتِحِلُ بنومٍ ، ثم أَصْبَحْتُ أَبْكي ، قالت : ودعا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عليَّ بنَ أبي طالبٍ وأسامةَ بنَ زيدٍ ، حين اسْتَلْبَثَ الوحيُّ ، يسأَلُهما ويَسْتَشِيرُهما في فِراقِ أهلِه ، قالت : فأما أسامةُ أشارَ على رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بالذي يَعْلَمُ مِن بَراءَةِ أهلِه ، وبالذي يعلم لهم في نفسِه ، فقال أسامة : أَهْلُك ، ولا نعلمُ إلا خيرًا . وأما عليٌّ فقال : يا رسولَ اللهِ ، لم يُضَيِّقِ اللهُ عليك ، والنساءُ سِواها كثيرٌ ، وسلِ الجاريةَ تَصْدُقْك . قالت : فدعا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَرِيرَةَ ، فقال : أَيْ بريرةُ ، هل رأيتِ شيءً يُرِيبُك ؟ قالت له بريرةُ : والذي بعثَك بالحقِّ ، ما رأيتُ عليها أمرًا قطُّ أُغْمِصُه أكثرَ مِن أنها جاريةٌ حديثةُ السنِّ ، تنامُ عن عجينِ أهلِها ، فتأتي الداجنَ فتأكلُه ، قالت : فقام رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِن يومِه فاستَعَذَرَ مِن عبدِ اللهِ بنِ أُبَيٍّ ، وهو على المنبرِ ، فقال : يا معشرَ المسلمين ، مَن يَعْذُرُني مِن رجلٍ قد بلَغَني عنه أذاه في أهلي ، واللهِ ما علمتُ على أهلي إلا خيرًا ، ولقد ذكروا رجلًا ما علمتُ عليه إلا خيرًا وما يَدْخُلُ على أهلي إلا معي . قالت : فقام سعدُ بنُ معاذٍ أخو بني عبدِ الأَشْهَلِ فقال : أنا يا رسولَ اللهِ أَعْذُرُكَ ، فإن كان مِن الأَوْسِ ضَرَبْتُ عنقَه ، وإن كان مِن إخوانِنا مِن الخَزْرَجِ ، أمرْتَنا ففَعَلْنا أمرَك . قالت : فقام رجلٌ مِن الخَزْرَجِ ، وكانت أمُّ حسانٍ بنتَ عمِّه مِن فِخِذِه ، وهو سعدُ بنُ عُبَادَةَ ، وهو سيدُ الخَزْرَجِ ، قالت : وكان قبلَ ذلك رجلًا صالحًا ، ولكن احتَمَلَتْه الحَمِيَّةُ ، فقال لسعدٍ : كذَبْتَ لعَمْرُ اللهِ لا تَقْتُلُه ، ولا تَقْدِرُ على قتلِه ، ولو كان مِن رَهْطِك ما أَحْبَبْتُ أن يُقْتَلَ . فقام أُسَيْدُ بنُ حُضَيْرٍ ، وهو ابنُ عمِّ سعدٍ ، فقال لسعدِ بنِ عبادةَ : كذَبْتَ لعَمْرُ اللهِ لَنَقْتُلَنَّه ، فإنك منافقٌ تُجادِلُ عن المنافقين . قالت فثار الحيَّان الأَوْسُ والخَزْرَجُ ، حتى هموا أن يَقْتَتِلوا ، ورسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قائمٌ على المنبرِ ، قالت : فلم يزَلْ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُخْفِضُهم ، حتى سكتوا وسكتَ ، فبَكَيْتُ يومي ذلك كلَّه لا يَرْقَأُ لي دمعٌ ولا أكتَحِلُ بنومٍ ، قالت : وأصبح أبويَّ عندي ، قد بكَيْتُ ليلتين ويومًا ، ولا يَرْقَأُ لي دمعٌ لا أكْتَحِلُ بنومٍ ، حتى إني لأظنُّ أن البكاءَ فالقٌ كبدي ، فبينا أبوايَّ جالسان عندي وأنا أبكي ، فاستأَذَنَتْ عليَّ امرأةٌ مِن الأنصارِ فأَذِنْتُ لها ، فجلَسَتْ تبكي معي ، قالت : فبينا نحن على ذلك دخَلَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم علينا فسلَّمَ ثم جَلَسَ ، قالت : لم يَجْلِسْ عندي منذ قيل ما قيل قبلها ، وقد لَبِثَ شهرًا لا يُوحى إليه في شأني بشيءٍ ، قالت : فتَشَهَّدَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حين جَلَسَ ، ثم قال : أما بعدُ ، ياعائشةُ ، إنه بلَغَني عنك كذا وكذا ، فإن كنتِ بريئةً ، فسُيُبَرِّئُك اللهُ ، وإن كنتِ أَلْمَمْتِ بذنبٍ ، فاستغفري اللهَ وتوبي إليه ، فإن العبدَ إذا اعتَرَفَ ثم تابَ ، تابَ اللهُ عليه . قالت عائشة : فلما قضى رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مقالتَه قَلُصَ دمعي حتى ما أُحِسُّ منه قطرةً ، فقلتُ لأبي : أَجِبْ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عني فيما قال ، فقال أبي : والله ما أدري ما أقولُ لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فقلت لأمي : أجيبي رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فيما قال ، قالت أمي : واللهِ ما أدري ما أقولُ لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم .، فقلت : وأنا جاريةٌ حديثةُ السنِّ لا أقرأُ مِن القرآنِ كثيرًا : إني واللهِ لقد علمتُ : لقد سمعتم هذا الحديثَ حتى استقرَّ في أنفسِكم وصدقتم به ، فلئِن قلتُ لكم : إني بريئةٌ ، لا تصدقوني ، ولئن اعترَفْتُ لكم بأمرٍ ، والله يعلمُ أني منه بريئةٌ ، لتُصَدِّقُنِّي ، فواللهِ لا أَجِدُ لي ولكم مثلًا إلا أبا يوسفَ حين قال : فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون . ثم تحوَّلْتُ واضطَجَعْتُ على فراشي ، واللهُ يعلمُ أني حِينئِذٍ بريئةٌ ، وأن اللهَ مُبَرِّئي ببراءتي ، ولكن واللهِ ما كنتُ أظنُّ أن اللهَ مُنْزِلٌ في شأني وحْيًا يُتْلَى ، لشأني في نفسي كان أحقرُ مِن أن يَتَكَلَّمَ اللهُ فيَّ بأمرٍ ، ولكني كنتُ أرجو أن يَرى رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم في النومِ رؤيا يُبَرِّئُني اللهُ بها ، فواللهِ ما رامَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مجلسَه ، ولا خرَجَ أحدٌ مِن أهلِ البيتِ ، حتى أُنْزِلَ عليه ، فأَخَذَه ما كان يَأْخُذُه مِن البُرَحَاءِ ، حتى إنه لَيَتَحَدَّرُ منه العرقُ مثلَ الجُمَانِ ، وهو في يومٍ شاتٍ ، مِن ثِقَلِ القولِ الذي أُنْزِلَ عليه ، قالت : فسُرِّىَ عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وهو يَضْحَكُ ، فكانت أو كلمةٌ تَكَلَّمَ بها أن قال : يا عائشةُ ، أما والله فقد برَّأَكِ . فقالت لي أمي : قومي إليه . فقلت : واللهِ لا أقومُ إليه ، فإني لا أحمدُ إلا اللهَ عز وجل ، قالت : وأنزل اللهُ تعالى : إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم . العشر الآيات ، ثم أنزل اللهً هذا في براءتي ، قال أبو بكر الصديق ، وكان يُنْفِقُ على مِسْطَحِ بنِ أَثَاثَةَ؛ لِقَرابِتِه منه وفقرِه : واللهِ لا أُنْفِقُ على مِسْطَحٍ شيئًا أبدًا ، بعد الذي قال لعائشةَ ما قال . فأنزل اللهُ : ولا يأتل أولوا الفضل منكم - إلى قوله - غفور رحيم . قال أبو بكر الصديق : بلى واللهِ إني لَأُحِبُّ أن يًغْفِرَ اللهُ لي ، فرجَعَ إلى مِسْطَحٍ النفقةَ التي يُنْفِقُ عليه ، وقال : واللهِ لا أَنْزِعُها منه أبدًا . قالت عائشةُ : وكان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم سألَ زينبَ بنتَ جَحْشٍ عن أمري ، فقال لزينبَ : ماذا علِمْتِ ، أو رأيتِ ؟ فقالت : يا رسولَ اللهِ، أحمي سمعي وبصري ، واللهِ ما علمتُ إلا خيرًا . قالت عائشةُ : وهي التي كانت تُساميني مِن أزواجِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فعَصَمَها اللهُ بالورعِ . قالت : وطَفِقَتْ أختُها تُحَاربُ لها ، فهلَكَتْ فيمَنْ هَلَكَ . قال ابنُ شهابٍ : فهذا الذي بَلَغَني مِن حديثِ هؤلاء الرَّهْطِ . ثم قال عروةُ : قالت عائشةُ : واللهِ إن الرجلَ الذي قيل له ما قيل لَيَقولُ : سبحانِ اللهِ ! فوالذي نفسي بيدِه ما كَشَفْتُ مِن كَنَفِ أنثى قطُّ ، قالت : ثم قُتِلَ بعدَ ذلك في سبيلِ اللهِ .
كان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إذا أرادَ سفرًا أَقْرَعَ بينَ أزواجِه ، فأيَّتُهنَّ خرَجَ سهمُها خرَجَ بها رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم معه ، قالت عائشةُ : فأقرَعَ بينَنا في غزوةٍ غزاها، فخرَجَ فيها سهمي ، فخرَجْتُ مع رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بعدَ ما أُنْزِلَ الحجابُ ، فكُنْتُ أُحْمَلُ في هَوْدَجِي وأُنْزَلُ فيه ، فسِرْنا حتى إذا فَرَغَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم من غزوتِه تلك وقَفَلَ ، ودَنَوْنا مِن المدينةِ قافلين ، آذَنَ ليلةً بالرحيلِ ، فقُمْتُ حينَ آذَنوا بالرَّحيلِ ، فمَشَيْتُ حتى جاوزْتُ الجيشَ ، فلما قَضَيتُ شأني أقبَلْتُ إلى رَحْلي ، فلَمَسْتُ صدري فإذا عِقْدٌ لي مِن جَزْعِ ظَفَارِ قد انقطَعَ ! فرَجَعْتُ فالتَمَسْتُ عِقْدي؛ فحَبَسَني ابتغاؤُه ، قالت : وأقبلَ الرَّهْطُ الذين كانوا يَرْحَلُون لي ، فاحتملوا هُوْدَجي، فرَحَلوه على بعيري الذي كنتُ أركَبُ عليه ، وهم يَحْسِبون أني فيه ، وكان النساءُ إذ ذاكَ خِفَافًا لم يَهْبُلْنَ ، ولم يَغْشَهُنَّ اللحمُ ؛ إنما يأكُلْنَ العَلَقَةَ مِن الطعامِ ، فلم يَسْتَنْكِرِ القومُ خِفَةَ الهَوْدَجِ حينَ رَفعوه وحملوه ، وكنتُ جاريةً حديثةَ السنِّ ، فبعثوا الجملَ فساروا ، ووَجَدْتُ عِقْدي بعدَ ما استمَرَّ الجيشُ ، فجِئْتُ منازلَهم وليس بها منهم داعٍ ولا مجيبٌ ، فتَيَمَّمْتُ منزلي الذي كنتُ فيه ، وظَنَنْتُ أنهم سيَفْقِدوني فيَرجِعون إليَّ ، فبينا أنا جالسةٌ في منزلي غلَبَتْني عيني فنِمْتُ ، وكان صفوانُ بنُ المُعطِّل السُّلَمِيُّ ثم الذَّكْوَانِيُّ مِن وراءِ الجيشِ ، فأصبحَ عندَ منزلي ، فرأى سَوادَ إنسانٍ نائمٍ، فعرفَني حين رآني ، وكان رآني قبلَ الحجابِ ، فاستيقَظْتُ باسترجاعِه حينَ عرَفَني ، فخَمَّرْتُ وجهي بجِلْبابي ، والله ما تكلَّمْنا بكلمةٍ ، ولا سَمِعْتُ منه كلمةً غيرَ استرجاعِه ، وهوى حتى أناخَ راحلتَه ، فوَطِئَ على يدِها ، فقُمْتُ إليها فركِبْتُها ، فانطلَقَ يَقُودُ بي الراحلةَ حتى أَتَيْنا الجيشَ مُوغِرِين في نَحْرِ الظَّهيرةِ وهم نُزُولٌ . قالت : فهلَكَ مَن هلَكَ ، وكان الذي تَولَّى كِبْرَ الإفكِ عبدُ اللهِ بنُ أُبَيٍّ ابنُ سَلُولٍ . قال عروةُ : أُخْبِرْتُ أنه كان يُشاعُ ويُتَحَدَّثُ به عندَه ، فيُقِرُّه ويَسْتَمِعُه ويَسْتَوْشِيه . وقال عروةُ أيضا : لم يُسَمَّ مِن أهلِ الإفكِ أيضًا إلا حسانُ بنُ ثابتٍ ، ومِسْطَحُ بنُ أَثَاثَةَ ، وحِمْنَةُ بنتُ جَحْشٍ ، في ناسٍ آخرين لا علمَ لي بهم ، غيرَ أنهم عُصْبَةٌ ، كما قال الله تعالى ، وإن كِبْرَ ذلك يُقالُ له: عبدُ اللهِ بنِ أُبَيٍّ ابنُ سلولٍ . قال عروةُ : كانت عائشةُ تَكْرَهُ أن يُسَبَّ عندَها حسانٌ ؛ وتقولُ : أنه الذي قال : فإن أبي ووالدَه وعرضي *** لعرضِ محمدٍ منكم وقاءُ . قالت عائشةُ : فقَدِمْنا المدينةَ ، فاشتَكَيْتُ حين قَدِمْتُ شهرًا ، والناسُ يُفِيضون في قولِ أصحابِ الإِفْكِ ، لا أشعرُ بشيءٍ مِن ذلك ، وهو يُرِيبُني في وجعي أني لا أَعْرِفُ مِن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم اللُّطْفَ الذي كنتُ أرى منه حين أَشْتَكي ، إنما يَدْخُلُ عليَّ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فيُسَلِّمُ ، ثم يقول : كيف تِيْكُم ؟ ثم يَنْصَرِفُ ، فذلك يُرِيبُني ولا أَشْعُرُ بالشرِّ ، حتى خَرَجْتُ حينَ نَقْهْتُ ، فخَرَجْتُ مع أمِّ مِسْطَحٍ قِبَلَ المَناصِعَ ، وكان مُتَبَرَّزَنا ، وكنا لا نَخْرُجُ إلا ليلًا إلى ليلٍ ، وذلك قبلَ أن نتخِذَ الكُنُفَ قريبًا مِن بيوتِنا ، قالت : وأمرُنا أمرُ العربِ الأُوَلُ في البريِّةِ قِبَلَ الغائطَ ، وكنا نَتَأَذَّى بالكُنُفِ أن نتخِذَها عند بيوتِنا ، قالت : فانطلَقْتُ أنا وأمُّ مِسْطَحٍ ، وهي ابنةُ أبي رَهْمِ بنِ المُطَّلِبِ بنِ عبدِ مَنافٍ ، وأمُّها بنتُ صخرِ بنِ عامرٍ خالةُ أبي بكرٍ الصديقِ ، وابنُها مِسْطَحُ بنُ أَثَاثَةَ بنُ عبَّادِ بنِ المطلبِ ، فأقْبَلْتُ أنا وأمُّ مِسْطَحٍ قِبَلَ بيتي حينَ فَرَغْنا مِن شأنِنا ، فعثَرَتْ أمُّ مِسْطَحٍ في مُرُطِها فقالت : تَعِسَ مَسْطَحٌ ! فقلت لها : بِئْسَ ما قلتِ ! أَتَسُبِّين رجلًا شَهِدَ بدرًا ؟ فقالت : أَيْ هِنْتَاه، أو لم تسمعي ما قال ؟ قالت : وقلتُ : وما قال ؟ فأخبرتني بقولِ أهلِ الإِفْكِ ، قالت : فازدَدْتُ مرضًا على مرضي ، فلما رَجَعْتُ إلى بيتي دخَلَ عليَّ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فسلم ، ثم قال : كيف تيكم ؟ فقلتُ له : أَتَأْذَنُ لي أن آتي أبويَّ ؟ قالت : وأُرِيدُ أن أَسْتَيْقِنَ الخبرَ مِن قِبَلِهما ، قالت : فأَذِنَ لي رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فقلتُ لأمي : يا أمتاه ، ماذا يَتَحَدَّثُ الناسُ ؟ قالت : يا بُنَيَّةُ ، هوِّني عليك ، فواللهِ لقلَّما كانت امرأةٌ قطُّ وَضِيئَةً عندَ رجلٍ يُحِبُّها ، لها ضرائرُ ، إلا أكثرْنَ عليها . قالت : فقُلْتُ : سبحان الله ، أو لقد تحدَّثَ الناسُ بهذا ! قالت : فبكيتُ تلك الليلةَ حتى أَصْبَحْتُ لا يَرْقَأُ لي دمعٌ ولا أَكْتِحِلُ بنومٍ ، ثم أَصْبَحْتُ أَبْكي ، قالت : ودعا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عليَّ بنَ أبي طالبٍ وأسامةَ بنَ زيدٍ ، حين اسْتَلْبَثَ الوحيُّ ، يسأَلُهما ويَسْتَشِيرُهما في فِراقِ أهلِه ، قالت : فأما أسامةُ أشارَ على رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بالذي يَعْلَمُ مِن بَراءَةِ أهلِه ، وبالذي يعلم لهم في نفسِه ، فقال أسامة : أَهْلُك ، ولا نعلمُ إلا خيرًا . وأما عليٌّ فقال : يا رسولَ اللهِ ، لم يُضَيِّقِ اللهُ عليك ، والنساءُ سِواها كثيرٌ ، وسلِ الجاريةَ تَصْدُقْك . قالت : فدعا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَرِيرَةَ ، فقال : أَيْ بريرةُ ، هل رأيتِ شيءً يُرِيبُك؟ قالت له بريرةُ : والذي بعثَك بالحقِّ ، ما رأيتُ عليها أمرًا قطُّ أُغْمِصُه أكثرَ مِن أنها جاريةٌ حديثةُ السنِّ ، تنامُ عن عجينِ أهلِها ، فتأتي الداجنَ فتأكلُه ، قالت : فقام رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِن يومِه فاستَعَذَرَ مِن عبدِ اللهِ بنِ أُبَيٍّ ، وهو على المنبرِ ، فقال : يا معشرَ المسلمين ، مَن يَعْذُرُني مِن رجلٍ قد بلَغَني عنه أذاه في أهلي ، واللهِ ما علمتُ على أهلي إلا خيرًا ، ولقد ذكروا رجلًا ما علمتُ عليه إلا خيرًا وما يَدْخُلُ على أهلي إلا معي . قالت : فقام سعدُ بنُ معاذٍ أخو بني عبدِ الأَشْهَلِ فقال : أنا يا رسولَ اللهِ أَعْذُرُكَ ، فإن كان مِن الأَوْسِ ضَرَبْتُ عنقَه ، وإن كان مِن إخوانِنا مِن الخَزْرَجِ ، أمرْتَنا ففَعَلْنا أمرَك . قالت : فقام رجلٌ مِن الخَزْرَجِ ، وكانت أمُّ حسانٍ بنتَ عمِّه مِن فِخِذِه ، وهو سعدُ بنُ عُبَادَةَ ، وهو سيدُ الخَزْرَجِ ، قالت : وكان قبلَ ذلك رجلًا صالحًا ، ولكن احتَمَلَتْه الحَمِيَّةُ ، فقال لسعدٍ : كذَبْتَ لعَمْرُ اللهِ لا تَقْتُلُه ، ولا تَقْدِرُ على قتلِه ، ولو كان مِن رَهْطِك ما أَحْبَبْتُ أن يُقْتَلَ . فقام أُسَيْدُ بنُ حُضَيْرٍ ، وهو ابنُ عمِّ سعدٍ ، فقال لسعدِ بنِ عبادةَ : كذَبْتَ لعَمْرُ اللهِ لَنَقْتُلَنَّه ، فإنك منافقٌ تُجادِلُ عن المنافقين . قالت فثار الحيَّان الأَوْسُ والخَزْرَجُ ، حتى هموا أن يَقْتَتِلوا ، ورسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قائمٌ على المنبرِ ، قالت : فلم يزَلْ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُخْفِضُهم ، حتى سكتوا وسكتَ ، فبَكَيْتُ يومي ذلك كلَّه لا يَرْقَأُ لي دمعٌ ولا أكتَحِلُ بنومٍ ، قالت : وأصبح أبويَّ عندي ، قد بكَيْتُ ليلتين ويومًا ، ولا يَرْقَأُ لي دمعٌ لا أكْتَحِلُ بنومٍ ، حتى إني لأظنُّ أن البكاءَ فالقٌ كبدي ، فبينا أبوايَّ جالسان عندي وأنا أبكي ، فاستأَذَنَتْ عليَّ امرأةٌ مِن الأنصارِ فأَذِنْتُ لها ، فجلَسَتْ تبكي معي ، قالت : فبينا نحن على ذلك دخَلَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم علينا فسلَّمَ ثم جَلَسَ ، قالت : لم يَجْلِسْ عندي منذ قيل ما قيل قبلها ، وقد لَبِثَ شهرًا لا يُوحى إليه في شأني بشيءٍ ، قالت : فتَشَهَّدَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حين جَلَسَ ، ثم قال : أما بعدُ ، ياعائشةُ ، إنه بلَغَني عنك كذا وكذا ، فإن كنتِ بريئةً ، فسُيُبَرِّئُك اللهُ ، وإن كنتِ أَلْمَمْتِ بذنبٍ ، فاستغفري اللهَ وتوبي إليه ، فإن العبدَ إذا اعتَرَفَ ثم تابَ ، تابَ اللهُ عليه . قالت عائشة : فلما قضى رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مقالتَه قَلُصَ دمعي حتى ما أُحِسُّ منه قطرةً ، فقلتُ لأبي : أَجِبْ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عني فيما قال ، فقال أبي : والله ما أدري ما أقولُ لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فقلت لأمي : أجيبي رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فيما قال ، قالت أمي : واللهِ ما أدري ما أقولُ لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم .، فقلت : وأنا جاريةٌ حديثةُ السنِّ لا أقرأُ مِن القرآنِ كثيرًا : إني واللهِ لقد علمتُ : لقد سمعتم هذا الحديثَ حتى استقرَّ في أنفسِكم وصدقتم به ، فلئِن قلتُ لكم : إني بريئةٌ ، لا تصدقوني ، ولئن اعترَفْتُ لكم بأمرٍ ، والله يعلمُ أني منه بريئةٌ ، لتُصَدِّقُنِّي ، فواللهِ لا أَجِدُ لي ولكم مثلًا إلا أبا يوسفَ حين قال : فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون . ثم تحوَّلْتُ واضطَجَعْتُ على فراشي ، واللهُ يعلمُ أني حِينئِذٍ بريئةٌ ، وأن اللهَ مُبَرِّئي ببراءتي ، ولكن واللهِ ما كنتُ أظنُّ أن اللهَ مُنْزِلٌ في شأني وحْيًا يُتْلَى ، لشأني في نفسي كان أحقرُ مِن أن يَتَكَلَّمَ اللهُ فيَّ بأمرٍ ، ولكني كنتُ أرجو أن يَرى رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم في النومِ رؤيا يُبَرِّئُني اللهُ بها ، فواللهِ ما رامَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مجلسَه ، ولا خرَجَ أحدٌ مِن أهلِ البيتِ ، حتى أُنْزِلَ عليه ، فأَخَذَه ما كان يَأْخُذُه مِن البُرَحَاءِ ، حتى إنه لَيَتَحَدَّرُ منه العرقُ مثلَ الجُمَانِ ، وهو في يومٍ شاتٍ ، مِن ثِقَلِ القولِ الذي أُنْزِلَ عليه ، قالت : فسُرِّىَ عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وهو يَضْحَكُ ، فكانت أو كلمةٌ تَكَلَّمَ بها أن قال : يا عائشةُ ، أما والله فقد برَّأَكِ . فقالت لي أمي : قومي إليه . فقلت : واللهِ لا أقومُ إليه ، فإني لا أحمدُ إلا اللهَ عز وجل ، قالت : وأنزل اللهُ تعالى : إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم . العشر الآيات ، ثم أنزل اللهً هذا في براءتي ، قال أبو بكر الصديق ، وكان يُنْفِقُ على مِسْطَحِ بنِ أَثَاثَةَ؛ لِقَرابِتِه منه وفقرِه : واللهِ لا أُنْفِقُ على مِسْطَحٍ شيئًا أبدًا ، بعد الذي قال لعائشةَ ما قال . فأنزل اللهُ : ولا يأتل أولوا الفضل منكم - إلى قوله - غفور رحيم . قال أبو بكر الصديق : بلى واللهِ إني لَأُحِبُّ أن يًغْفِرَ اللهُ لي ، فرجَعَ إلى مِسْطَحٍ النفقةَ التي يُنْفِقُ عليه ، وقال : واللهِ لا أَنْزِعُها منه أبدًا . قالت عائشةُ : وكان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم سألَ زينبَ بنتَ جَحْشٍ عن أمري ، فقال لزينبَ : ماذا علِمْتِ ، أو رأيتِ ؟ فقالت : يا رسولَ اللهِ ، أحمي سمعي وبصري ، واللهِ ما علمتُ إلا خيرًا . قالت عائشةُ : وهي التي كانت تُساميني مِن أزواجِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فعَصَمَها اللهُ بالورعِ . قالت : وطَفِقَتْ أختُها تُحَاربُ لها ، فهلَكَتْ فيمَنْ هَلَكَ . قال ابنُ شهابٍ : فهذا الذي بَلَغَني مِن حديثِ هؤلاء الرَّهْطِ . ثم قال عروةُ : قالت عائشةُ : واللهِ إن الرجلَ الذي قيل له ما قيل لَيَقولُ : سبحانِ اللهِ ! فوالذي نفسي بيدِه ما كَشَفْتُ مِن كَنَفِ أنثى قطُّ ، قالت : ثم قُتِلَ بعدَ ذلك في سبيلِ اللهِ .
خرجنا من قومنا غِفَارٌ . وكانوا يُحلُّونَ الشهرَ الحرامَ . فخرجتُ أنا وأخي أنيسٌ وأمنا . فنزلنا على خالٍ لنا . فأكرمَنا خالُنا وأحسنَ إلينا . فحسدنا قومُه فقالوا : إنك إذا خرجت عن أهلِكَ خالفْ إليهم أنيسٌ . فجاء خالنا فنَثَا علينا الذي قيل لهُ . فقلتُ : أما ما مضى من معروفِك فقد كدَّرْتَه ، ولا جماعَ لك فيما بعدُ . فقرَّبنا صَرْمَتَنا . فاحتملنا عليها . وتَغَطَّى خالنا ثوبَه فجعل يبكي . فانطلقنا حتى نزلنا بحضرةِ مكةَ . فنافَرَ أنيسٌ عن صِرْمَتِنا وعن مثلِها . فأتيا الكاهنَ . فخيَّر أنيسًا . فأتانا أنيسٌ بصِرْمَتِنا ومثلِها معها . قال : وقد صليتُ ، يا ابنَ أخي ! قبل أن ألقى رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بثلاثِ سنين . قلتُ : لمن ؟ قال : للهِ . قلتُ : فأين توجَّهُ ؟ قال : أتوجَّهُ حيثُ يُوجِّهُني ربي . أصلي عشاءً حتى إذا كان من آخرِ الليلِ أُلْقِيتُ كأني خفاءٌ . حتى تعلوني الشمسُ . فقال أنيسٌ : إنَّ لي حاجةً بمكةَ فاكفِني . فانطلق أنيسٌ حتى أتى مكةَ . فراث عليَّ . ثم جاء فقلتُ : ما صنعتَ ؟ قال : لقيتُ رجلًا بمكةَ على دِينِك . يزعمُ أنَّ اللهَ أرسلَه . قلتُ : فما يقول الناسُ ؟ قال : يقولون : شاعرٌ ، كاهنٌ ، ساحرٌ . وكان أنيسٌ أحدُ الشعراءِ . قال أنيسٌ : لقد سمعتُ قولَ الكهنةِ . فما هو بقولهم . ولقد وضعتُ قولَه على أقراءِ الشِّعْرِ . فما يلتئمُ على لسانِ أحدٍ بعدي ؛ أنَّهُ شِعْرٌ . واللهِ ! إنَّهُ لصادقٌ . وإنهم لكاذبون . قال : قلتُ : فاكفني حتى أذهبَ فأنظرُ . قال فأتيتُ مكةَ . فتضعفتُ رجلًا منهم . فقلتُ : أين هذا الذي تدعونَه الصابئَ ؟ فأشار إليَّ ، فقال : الصابئُ . فمال عليَّ أهلُ الوادي بكل مُدْرَةٍ وعظمٍ . حتى خررتُ مغشيًّا عليَّ . قال فارتفعتُ حينَ ارتفعتُ ، كأني نُصُبٌ أحمرُ . قال فأتيتُ زمزمَ فغسلتُ عني الدماءَ : وشربتُ من مائها . ولقد لبثتُ ، يا ابنَ أخي ! ثلاثين ، بين ليلةٍ ويومٍ . ما كان لي طعامٌ إلا ماءَ زمزمَ . فسمنتُ حتى تكسرتْ عُكَنُ بطني . وما وجدتُ على كبدي سُخْفَةَ جوعٍ . قال فبينا أهلُ مكةَ في ليلةٍ قمراءَ إضحيانِ ، إذ ضُرِبَ على أسمختهم . فما يطوف بالبيتِ أحدٌ . وامرأتين منهم تدعوانِ إسافًا ونائلةً . قال فأتتا عليَّ في طوافِهما فقلتُ : أنكحا أحدهما الأخرى . قال فما تناهتَا عن قولهما . قال فأتتا عليَّ . فقلتُ : هنَّ مثلُ الخشبةِ . غيرَ أني لا أكني . فانطلقتا تُوَلْوِلَانِ ، وتقولان : لو كان ههنا أحدٌ من أنفارنا ! قال فاستقبَلَهُما رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وأبو بكرٍ . وهما هابطانِ . قال " ما لكما ؟ " قالتا : الصابئُ بين الكعبةِ وأستارها . قال " ما قال لكما ؟ " قالتا : إنَّهُ قال لنا كلمةً تملأُ الفمَ . وجاء رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ حتى استلمَ الحجرَ . وطاف بالبيتِ هو وصاحبُه . ثم صلى . فلما قضى صلاتَه ( قال أبو ذرٍّ ) فكنتُ أنا أولُ من حيَّاهُ بتحيةِ الإسلامِ . قال فقلتُ : السلامُ عليك يا رسولَ اللهِ ! فقال " وعليكَ ورحمةُ اللهِ " . ثم قال " من أنت ؟ " قال قلتُ : من غفارٍ . قال فأهوى بيدِه فوضع أصابعَه على جبهتِه . فقلتُ في نفسي : كرِهَ أن انتميتُ إلى غفارٍ . فذهبتُ آخذُ بيدِه . فقدعني صاحبُه . وكان أعلمَ بهِ مني . ثم رفع رأسَه . ثم قال " متى كنتَ ههنا ؟ " قال قلتُ : قد كنتُ ههنا منذ ثلاثينَ ، بين ليلةٍ ويومٍ . قال " فمن كان يُطعمك ؟ " قال قلتُ : ما كان لي طعامٌ إلا ماءُ زمزمَ . فسمنتُ حتى تكسرتْ عُكَنُ بطني . وما أجدُ على كبدي سُخْفَةَ جوعٍ . قال " إنها مباركةٌ . إنها طعامُ طُعْمٍ " . فقال أبو بكرٍ : يا رسولَ اللهِ ! ائذن لي في طعامِه الليلةَ . فانطلق رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وأبو بكرٍ . وانطلقتُ معهما . ففتح أبو بكرٍ بابًا . فجعل يقبضُ لنا من زبيبِ الطائفِ . وكان ذلك أولُ طعامٍ أكلتُه بها . ثم غبرتُ ما غبرتُ . ثم أتيتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقال " إنَّهُ قد وُجِّهَتْ لي أرضٌ ذاتُ نخلٍ . لا أراها إلا يثربَ . فهل أنت مُبَلِّغٌ عني قومك ؟ عسى اللهُ أن ينفَعَهم بك ويأجُرَكَ فيهم " . فأتيتُ أنيسًا فقال : ما صنعتَ ؟ قلتُ : صنعتُ أني قد أسلمتُ وصدَّقتُ . قال : ما بي رغبةٌ عن دِينِكَ . فإني قد أسلمتُ وصدَّقتُ . فأتينا أمَّنا . فقالت : ما بي رغبةٌ عن دينكما . فإني قد أسلمتُ وصدَّقتُ . فاحتملنا حتى أتينا قومنا غفارًا . فأسلمَ نصفهم . وكان يَؤُمُّهم إيماءُ بنُ رحضةَ الغفاريُّ . وكان سيدهم . وقال نصفُهم : إذا قدم رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ المدينةَ أسلمنا . فقدم رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ المدينةَ . فأسلم نصفُهم الباقي . وجاءت أسلمُ . فقالوا : يا رسولَ اللهِ ! إخوتنا . نُسْلِمُ على الذين أسلموا عليهِ . فأسلموا . فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ " غفارٌ غفر اللهُ لها . وأسلمُ سالمها اللهُ " . وفي روايةٍ : وزاد بعدَ قولِه - قلتُ فاكفني حتى أذهبَ فأنظرَ - قال : نعم . وكن على حذرٍ من أهلِ مكةَ . فإنهم قد شنَفُوا لهُ وتجهَّموا . وفي روايةٍ : قال أبو ذرٍّ : يا ابنَ أخي ! صليتُ سنتين قبل مبعثِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ . قال قلتُ : فأين كنتَ تَوجَّهُ ؟ قال : حيثُ وجَّهني اللهُ . واقتصَّ الحديثَ بنحوِ حديثِ سليمانَ بنِ المغيرةِ . وقال في الحديثِ : فتنافروا إلى رجلٍ من الكُهَّانِ . قال فلم يزل أخي ، أنيسٌ يمدحُه حتى غلَبَه . قال فأخذنا صرْمَتَه فضممناها إلى صرمَتِنا . وقال أيضًا في حديثِه : قال فجاء النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فطاف بالبيتِ وصلى ركعتين خلفَ المقامِ . قال فأتيتُه . فإني لأولُ الناسِ حيَّاهُ بتحيةِ الإسلامِ . قال قلتُ : السلامُ عليك يا رسولَ اللهِ ! قال " وعليك السلامُ . من أنت " . وفي حديثِه أيضًا : فقال " منذُ كم أنت ههنا ؟ " قال قلتُ : منذُ خمسَ عشرةَ . وفيهِ : فقال أبو بكرٍ : أتْحَفَنِي بضيافتِه الليلةَ .
عن النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنه قال له أصحابه : يا رسولَ اللهِ، أخبرنا عن ليلة أسري بك فيها : قال : قال الله عز وجل : { سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله، لنريه من آياتنا، إنه هو السميع البصير }، قال : فأخبرهم فقال : فبينا أنا نائم عشاء في المسجد الحرام، إذ أتاني آت فأيقظني، فاستيقظت، فلم أر شيئا،، وإذا أنا بكهيئة خيال، فأتبعته بصري حتى خرجت من المسجد، فإذا أنا بدابة أدنى في شبهه بدوابكم هذه، بغالكم هذه، مضطرب الأذنين، يقال له : البراق . وكانت الأنبياء تركبه قبلي، يقع حافره عِندَ مد بصره، فركبته، فبينما أنا أسير عليه، إذ دعاني داع عن يميني : يا محمد، انظرني أسألك، يا محمد، انظرني أسألك . فلم أجبه ولم أقم عليه، فبينما أنا أسير عليه إذ دعاني داع عن يساري : يا محمد انظرني أسألك فلم أجبه ولم أقم عليه فبينما أنا أسير إذ أنا بامرأة حاسرة عن ذراعيها، وعليها من كل زينة خلقها الله، فقالتْ : يا محمد، انظرني أسألك . فلم ألتفت إليها ولم أقم عليها، حتى أتيت بيت المقدس، فأوثقت دابتي بالحلقة التي كانت الأنبياء توثقها بها . فأتاني جبريل عليه السلامُ بإناءين : أُحُدٍهما خمر، والآخر لبن، فشربت اللبن، وتركت الخمر، فقال جبريل : أصبت الفطرة . فقُلْت : الله أكبر، الله أكبر . فقال جبريل : ما رأيت في وجهك هذا ؟ قال : فقُلْت : بينما أنا أسير، إذ دعاني داع عن يميني : يا محمد، انظرني أسألك . فلم أجبه ولم أقم عليه . قال : ذاك داعي اليهود، أما إنك لو أجبته أو وقفت عليه لتهودت أمتك . قال : فبينما أنا أسير، إذ دعاني داع عن يساري قال : يا محمد، انظرني أسألك . فلم ألتفت إليه ولم أقم عليه . قال : ذاك داعي النصارى، أما إنك لو أجبته لتنصرت أمتك . قال : فبينما أنا أسير إذ أنا بامرأة حاسرة عن ذراعيها، عليها من كل زينة خلقها الله تعالى تقول : يا محمد، انظرني أسألك . فلم أجبها ولم أقم عليها : قال : تلك الدنيا أما إنك لو أجبتها أو أقمت عليها، لاختارت أمتك الدنيا على الآخرة . قال : ثم دخلت أنا وجبريل بيت المقدس، فصلَّى كل واحد منا ركعتين . ثم أتيت بالمعراج الذي تعرج عليه أرواح بني آدم، فلم ير الخلائق أحسن من المعراج، أما رأيت الميت حين يشق بصره طامحا إلى السماء، فإنما يشق بصره طامحا إلى السماء عجبه بالمعراج . قال : فصعدت أنا وجبريل، فإذا أنا بملك يقال له : إسماعيل وهو صاحب سماء الدنيا، وبين يديه سبعون ألف، مع كل ملك جنده مائة ألف ملك قال : وقال الله : { وما يعلم جنود ربك إلا هو } فاستفتح جبريل باب السماء، قيل : من هذا ؟ قال : جبريل . قيل : ومن معك ؟ قال : محمد . قيل : أو قد بعث إليه ؟ قال : نعم . فإذا أنا بآدم كهيئته يومَ خلقه الله تعالى على صورته، تعرض عليه أرواح ذريته المؤمنين، فيقول : روح طيبة، ونفس طيبة، اجعلوها في عليين، ثم تعرض عليه أرواح ذريته الفجار ، فيقول : روح خبيثة ونفس خبيثة، اجعلوها في سجين . ثم مضيت هنية، فإذا أنا بأخونة عليها لحم مشرح، ليس يقربها أُحُدٍ، وإذا أنا بأخونة أخرى عليها لحم قد أروح وأنتن، عِندَها أناس يأكلون منها، قُلْت : يا جبريل، من هؤلاء ؟ قال : هؤلاء من أمتك، يتركون الحلال ويأتون الحرام . قال : ثم مضيت هنية فإذا أنا بأقوام بطونهم أمثال البيوت، كلما نهض أُحُدٍهم خر يقول : اللهم، لا تقم الساعة قال : وهم على سابلة آل فرعون، قال : فتجيء السابلة فتطؤهم، قال : فسمعتهم يضجون إلى الله عز وجل، قال : قُلْت : يا جبريل، من هؤلاء ؟ قال : هؤلاء من أمتك { الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس } قال : ثم مضيت هنية فإذا أنا بأقوام مشافرهم كمشافر الإبل قال : فتفتح على أفواههم ويلقمون من ذلك الجمر، ثم يخرج من أسافلهم . فسمعتهم يضجون إلى الله عز وجل . فقُلْت : من هؤلاء يا جبريل ؟ قال : هؤلاء من أمتك { الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا } قال : ثم مضيت هنية فإذا أنا بنساء يعلقن بثديهن، فسمعتهن يضججن إلى الله عز وجل قُلْت : يا جبريل، من هؤلاء النساء، قال : هؤلاء الزناة من أمتك . قال : ثم مضيت هنية فإذا أنا بأقوام يقطع من جنوبهم اللحم، فيلقمونه، فيقال له : كل كما كنتُ تأكل من لحم أخيك . قُلْت : يا جبريل، من هؤلاء ؟ قال : هؤلاء الهمازون من أمتك اللمازون . قال : ثم صعدنا إلى السماء الثانية، فإذا أنا برجلٌ أحسن ما خلق الله عز وجل، قد فضل الناس في الحسن كالقمر ليلة البدر على سائر الكواكب، قُلْت : يا جبريل، من هذا ؟ قال : هذا أخوك يوسف ومعه نفر من قومه، فسلمت عليه وسلم علي ثم صعدت إلى السماء الثالثة : فإذا أنا بيحيى وعيسى عليهما السلام، ومعهما نفر من قومهما، فسلمت عليهما وسلما علي . ثم صعدت إلى السماء الرابعة، فإذا أنا بإدريس قد رفعه الله مكانا عليا، فسلمت عليه وسلم علي . قال : ثم صعدت إلى السماء الخامسة فإذا بهارون، ونصف لحيته بيضاء ونصفها سوداء تكاد لحيته تصيب سرته من طولها، قُلْت : يا جبريل، من هذا ؟ قال : هذا المحبب في قومه، هذا هارون بن عمران ومعه نفر من قومه، فسلمت عليه وسلم علي . ثم صعدت إلى السماء السادسة، فإذا بموسى بن عمران، رجلٌ آدم كثير الشعر، لو كان عليه قميصان لنفذ شعره دون القميص، فإذا هو يقول : يزعم الناس أني أكرم على الله من هذا، بل هذا أكرم على الله تعالى مني، قال : قُلْت : يا جبريل، من هذا ؟ قال : هذا أخوك موسى بن عمران عليه السلامُ، ومعه نفر من قومه . فسلمت عليه وسلم علي . ثم صعدت إلى السماء السابعة، فإذا أنا بأبينا إبراهيم خليل الرحمن ساند ظهره إلى البيت المعمور كأحسن الرجال، قُلْت : يا جبريل، من هذا ؟ قال : هذا أبوك خليل الرحمن ومعه نفر من قومه، فسلمت عليه وسلم علي، وإذا أنا بأمتي شطرين، شطر عليهم ثياب بيض كأنهم القراطيس، وشطر عليهم ثياب رمد قال : فدخلت البيت المعمور، ودخل معي الذين عليهم الثياب البيض، وحجب الآخرون الذين عليهم ثياب رمد، وهم على خير فصليت أنا ومن معي في البيت المعمور، ثم خرجت أنا ومن معي قال : والبيت المعمور يصلي فيه كل يومَ سبعون ألف ملك، لا يعودون فيه إلى يومَ القيامة . قال : ثم دفعت إلى سدرة المنتهى، فإذا كل ورقة منها تكاد أن تغطي هذه الأمة، وإذا فيها عين تجري يقال لها : سلسبيل، فينشق منها نهران، أُحُدٍهما : الكوثر، والآخر يقال له : نهر الرحمة . فاغتسلت فيه، فغفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر ثم إني دفعت إلى الجنة، فاستقبلتني جارية، فقُلْت : لمن أنت يا جارية ؟ فقالتْ : لزيد بن حارثة، وإذا أنا بأنهار من { ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى } وإذا رمانها كأنه الدلاء عظما، وإذا أنا بطيرها كأنها بختيكم هذه فقال عِندَها صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : إن الله تعالى قد أعد لعباده الصالحين مالا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قُلْب بشر . قال : ثم عرضت علي النار، فإذا فيها غضب الله وزجره ونقمته، لو طرح فيها الحجارة والحديد لأكلتها، ثم أغلقت دوني . ثم إني دفعت إلى سدرة المنتهى، فتغشاني فكان بيني وبينه قاب قوسين أو أدنى قال : ونزل على كل ورقة ملك من الملائكة - قال : وفرضت علي خمسون . وقال : لك بكل حسنة عشر، إذا هممت بالحسنة فلم تعملها كتبت لك حسنة، فإذا عملتها كتبت لك عشرا، وإذا هممت بالسيئة فلم تعملها لم يكتب عليك شيء، فإن عملتها كتبت عليك سيئة واحدة ثم دفعت إلى موسى فقال : بم أمرك ربك ؟ قُلْت : بخمسين صلاة . قال : ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، فإن أمتك لا يطيقون ذلك، ومتى لا تطيقه تكفر . فرجعت إلى ربي فقُلْت : يا رب خفف عن أمتي، فإنها أضعف الأمم، فوضع عني عشرا، وجعلها أربعين . فما زلت أختلف بين موسى وربي، كلما أتيت عليه قال لي مثل مقالتْه، حتى رجعت إليه فقال لي : بم أمرت ؟ فقُلْت : أمرت بعشر صلوات، قال : ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، فرجعت إلى ربي فقُلْت : أي رب، خفف عن أمتي فإنها أضعف الأمم، فوضع عني خمسا، وجعلها خمسا . فناداني ملك عِندَها : تممت فريضتي، وخففت عن عبادي، وأعطيتهم بكل حسنة عشر أمثالها . ثم رجعت إلى موسى فقال : بم أمرت ؟ فقُلْت : بخمس صلوات . قال : ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فإنه لا يؤوده شيء، فاسأله التخفيف لأمتك فقُلْت : رجعت إلى ربي حتى استحييته . ثم أصبح بمكة يخبرهم بالأعاجيب : إني أتيت البارحة بيت المقدس، وعرج بي إلى السماء، ورأيت كذا وكذا . فقال أبو جهل يعني ابن هشام : ألا تعجبون مما يقول محمد ؟ يزعم أنه أتى البارحة بيت المقدس، ثم أصبح فينا . وأُحُدٍنا يضرب مطيته مصعدة شهرا ومقفلة شهرا، فهذا مسيرة شهرين في ليلة واحدة، قال : فأخبرهم بعير لقريش : لما كنتُ في مصعدي رأيتها في مكان كذا وكذا، وأنها نفرت، فلما رجعت رأيتها عِندَ العقبة . وأخبرهم بكل رجلٌ وبعيره كذا وكذا، ومتاعه كذا وكذا . فقال أبو جهل : يخبرنا بأشياء . فقال رجلٌ من المشركين أنا أعلم الناس ببيت المقدس، وكيف بناؤه ؟ وكيف هيئته ؟ وكيف قربه من الجبل ؟ فإن يك محمد صادقا فسأخبركم، وإن يك كاذبا فسأخبركم، فجاء ذلك المشرك فقال : يا محمد، أنا أعلم الناس ببيت المقدس، فأخبرني : كيف بناؤه وكيف هيئته وكيف قربه من الجبل قال : فرفع لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بيت المقدس من مقعده، فنظر إليه كنظر أُحُدٍنا إلى بيته : بناؤه كذا وكذا، وهيئته كذا وكذا، وقربه من الجبل كذا وكذا . فقال الآخر : صدقت . فرجع إلى أصحابه فقال : صدق محمد فيما قال أو نحو هذا الكلام
عن النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنه قال له أصحابه : يا رسولَ اللهِ، أخبرنا عن ليلة أسري بك فيها : قال : قال الله عز وجل : { سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله، لنريه من آياتنا، إنه هو السميع البصير }، قال : فأخبرهم فقال : فبينا أنا نائم عشاء في المسجد الحرام، إذ أتاني آت فأيقظني، فاستيقظت، فلم أر شيئا،، وإذا أنا بكهيئة خيال، فأتبعته بصري حتى خرجت من المسجد، فإذا أنا بدابة أدنى في شبهه بدوابكم هذه، بغالكم هذه، مضطرب الأذنين، يقال له : البراق . وكانت الأنبياء تركبه قبلي، يقع حافره عِندَ مد بصره، فركبته، فبينما أنا أسير عليه، إذ دعاني داع عن يميني : يا محمد، انظرني أسألك، يا محمد، انظرني أسألك . فلم أجبه ولم أقم عليه، فبينما أنا أسير عليه إذ دعاني داع عن يساري : يا محمد انظرني أسألك فلم أجبه ولم أقم عليه فبينما أنا أسير إذ أنا بامرأة حاسرة عن ذراعيها، وعليها من كل زينة خلقها الله، فقالتْ : يا محمد، انظرني أسألك . فلم ألتفت إليها ولم أقم عليها، حتى أتيت بيت المقدس، فأوثقت دابتي بالحلقة التي كانت الأنبياء توثقها بها . فأتاني جبريل عليه السلامُ بإناءين : أُحُدٍهما خمر، والآخر لبن، فشربت اللبن، وتركت الخمر، فقال جبريل : أصبت الفطرة . فقُلْت : الله أكبر، الله أكبر . فقال جبريل : ما رأيت في وجهك هذا ؟ قال : فقُلْت : بينما أنا أسير، إذ دعاني داع عن يميني : يا محمد، انظرني أسألك . فلم أجبه ولم أقم عليه . قال : ذاك داعي اليهود، أما إنك لو أجبته أو وقفت عليه لتهودت أمتك . قال : فبينما أنا أسير، إذ دعاني داع عن يساري قال : يا محمد، انظرني أسألك . فلم ألتفت إليه ولم أقم عليه . قال : ذاك داعي النصارى، أما إنك لو أجبته لتنصرت أمتك . قال : فبينما أنا أسير إذ أنا بامرأة حاسرة عن ذراعيها، عليها من كل زينة خلقها الله تعالى تقول : يا محمد، انظرني أسألك . فلم أجبها ولم أقم عليها : قال : تلك الدنيا أما إنك لو أجبتها أو أقمت عليها، لاختارت أمتك الدنيا على الآخرة . قال : ثم دخلت أنا وجبريل بيت المقدس، فصلَّى كل واحد منا ركعتين . ثم أتيت بالمعراج الذي تعرج عليه أرواح بني آدم، فلم ير الخلائق أحسن من المعراج، أما رأيت الميت حين يشق بصره طامحا إلى السماء، فإنما يشق بصره طامحا إلى السماء عجبه بالمعراج . قال : فصعدت أنا وجبريل، فإذا أنا بملك يقال له : إسماعيل وهو صاحب سماء الدنيا، وبين يديه سبعون ألف، مع كل ملك جنده مائة ألف ملك قال : وقال الله : { وما يعلم جنود ربك إلا هو } فاستفتح جبريل باب السماء، قيل : من هذا ؟ قال : جبريل . قيل : ومن معك ؟ قال : محمد . قيل : أو قد بعث إليه ؟ قال : نعم . فإذا أنا بآدم كهيئته يومَ خلقه الله تعالى على صورته، تعرض عليه أرواح ذريته المؤمنين، فيقول : روح طيبة، ونفس طيبة، اجعلوها في عليين، ثم تعرض عليه أرواح ذريته الفجار، فيقول : روح خبيثة ونفس خبيثة، اجعلوها في سجين . ثم مضيت هنية، فإذا أنا بأخونة عليها لحم مشرح، ليس يقربها أُحُدٍ، وإذا أنا بأخونة أخرى عليها لحم قد أروح وأنتن، عِندَها أناس يأكلون منها، قُلْت : يا جبريل، من هؤلاء ؟ قال : هؤلاء من أمتك، يتركون الحلال ويأتون الحرام . قال : ثم مضيت هنية فإذا أنا بأقوام بطونهم أمثال البيوت، كلما نهض أُحُدٍهم خر يقول : اللهم، لا تقم الساعة قال : وهم على سابلة آل فرعون، قال : فتجيء السابلة فتطؤهم، قال : فسمعتهم يضجون إلى الله عز وجل، قال : قُلْت : يا جبريل، من هؤلاء ؟ قال : هؤلاء من أمتك { الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس } قال : ثم مضيت هنية فإذا أنا بأقوام مشافرهم كمشافر الإبل قال : فتفتح على أفواههم ويلقمون من ذلك الجمر، ثم يخرج من أسافلهم . فسمعتهم يضجون إلى الله عز وجل . فقُلْت : من هؤلاء يا جبريل ؟ قال : هؤلاء من أمتك { الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا } قال : ثم مضيت هنية فإذا أنا بنساء يعلقن بثديهن، فسمعتهن يضججن إلى الله عز وجل قُلْت : يا جبريل، من هؤلاء النساء، قال : هؤلاء الزناة من أمتك . قال : ثم مضيت هنية فإذا أنا بأقوام يقطع من جنوبهم اللحم، فيلقمونه، فيقال له : كل كما كنتُ تأكل من لحم أخيك . قُلْت : يا جبريل، من هؤلاء ؟ قال : هؤلاء الهمازون من أمتك اللمازون . قال : ثم صعدنا إلى السماء الثانية، فإذا أنا برجلٌ أحسن ما خلق الله عز وجل، قد فضل الناس في الحسن كالقمر ليلة البدر على سائر الكواكب ، قُلْت : يا جبريل، من هذا ؟ قال : هذا أخوك يوسف ومعه نفر من قومه، فسلمت عليه وسلم علي ثم صعدت إلى السماء الثالثة : فإذا أنا بيحيى وعيسى عليهما السلام، ومعهما نفر من قومهما، فسلمت عليهما وسلما علي . ثم صعدت إلى السماء الرابعة، فإذا أنا بإدريس قد رفعه الله مكانا عليا، فسلمت عليه وسلم علي . قال : ثم صعدت إلى السماء الخامسة فإذا بهارون، ونصف لحيته بيضاء ونصفها سوداء تكاد لحيته تصيب سرته من طولها، قُلْت : يا جبريل، من هذا ؟ قال : هذا المحبب في قومه، هذا هارون بن عمران ومعه نفر من قومه، فسلمت عليه وسلم علي . ثم صعدت إلى السماء السادسة، فإذا بموسى بن عمران، رجلٌ آدم كثير الشعر، لو كان عليه قميصان لنفذ شعره دون القميص، فإذا هو يقول : يزعم الناس أني أكرم على الله من هذا، بل هذا أكرم على الله تعالى مني، قال : قُلْت : يا جبريل، من هذا ؟ قال : هذا أخوك موسى بن عمران عليه السلامُ، ومعه نفر من قومه . فسلمت عليه وسلم علي . ثم صعدت إلى السماء السابعة، فإذا أنا بأبينا إبراهيم خليل الرحمن ساند ظهره إلى البيت المعمور كأحسن الرجال، قُلْت : يا جبريل، من هذا ؟ قال : هذا أبوك خليل الرحمن ومعه نفر من قومه، فسلمت عليه وسلم علي، وإذا أنا بأمتي شطرين، شطر عليهم ثياب بيض كأنهم القراطيس، وشطر عليهم ثياب رمد قال : فدخلت البيت المعمور، ودخل معي الذين عليهم الثياب البيض، وحجب الآخرون الذين عليهم ثياب رمد، وهم على خير فصليت أنا ومن معي في البيت المعمور، ثم خرجت أنا ومن معي قال : والبيت المعمور يصلي فيه كل يومَ سبعون ألف ملك، لا يعودون فيه إلى يومَ القيامة . قال : ثم دفعت إلى سدرة المنتهى، فإذا كل ورقة منها تكاد أن تغطي هذه الأمة، وإذا فيها عين تجري يقال لها : سلسبيل، فينشق منها نهران، أُحُدٍهما : الكوثر، والآخر يقال له : نهر الرحمة . فاغتسلت فيه، فغفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر ثم إني دفعت إلى الجنة، فاستقبلتني جارية، فقُلْت : لمن أنت يا جارية ؟ فقالتْ : لزيد بن حارثة، وإذا أنا بأنهار من { ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى } وإذا رمانها كأنه الدلاء عظما، وإذا أنا بطيرها كأنها بختيكم هذه فقال عِندَها صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : إن الله تعالى قد أعد لعباده الصالحين مالا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قُلْب بشر . قال : ثم عرضت علي النار، فإذا فيها غضب الله وزجره ونقمته، لو طرح فيها الحجارة والحديد لأكلتها، ثم أغلقت دوني . ثم إني دفعت إلى سدرة المنتهى، فتغشاني فكان بيني وبينه قاب قوسين أو أدنى قال : ونزل على كل ورقة ملك من الملائكة - قال : وفرضت علي خمسون . وقال : لك بكل حسنة عشر، إذا هممت بالحسنة فلم تعملها كتبت لك حسنة، فإذا عملتها كتبت لك عشرا، وإذا هممت بالسيئة فلم تعملها لم يكتب عليك شيء، فإن عملتها كتبت عليك سيئة واحدة ثم دفعت إلى موسى فقال : بم أمرك ربك ؟ قُلْت : بخمسين صلاة . قال : ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، فإن أمتك لا يطيقون ذلك، ومتى لا تطيقه تكفر . فرجعت إلى ربي فقُلْت : يا رب خفف عن أمتي، فإنها أضعف الأمم، فوضع عني عشرا، وجعلها أربعين . فما زلت أختلف بين موسى وربي، كلما أتيت عليه قال لي مثل مقالتْه، حتى رجعت إليه فقال لي : بم أمرت ؟ فقُلْت : أمرت بعشر صلوات، قال : ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، فرجعت إلى ربي فقُلْت : أي رب، خفف عن أمتي فإنها أضعف الأمم، فوضع عني خمسا، وجعلها خمسا . فناداني ملك عِندَها : تممت فريضتي، وخففت عن عبادي، وأعطيتهم بكل حسنة عشر أمثالها . ثم رجعت إلى موسى فقال : بم أمرت ؟ فقُلْت : بخمس صلوات . قال : ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فإنه لا يؤوده شيء، فاسأله التخفيف لأمتك فقُلْت : رجعت إلى ربي حتى استحييته . ثم أصبح بمكة يخبرهم بالأعاجيب : إني أتيت البارحة بيت المقدس، وعرج بي إلى السماء، ورأيت كذا وكذا . فقال أبو جهل يعني ابن هشام : ألا تعجبون مما يقول محمد ؟ يزعم أنه أتى البارحة بيت المقدس، ثم أصبح فينا . وأُحُدٍنا يضرب مطيته مصعدة شهرا ومقفلة شهرا، فهذا مسيرة شهرين في ليلة واحدة، قال : فأخبرهم بعير لقريش : لما كنتُ في مصعدي رأيتها في مكان كذا وكذا، وأنها نفرت، فلما رجعت رأيتها عِندَ العقبة . وأخبرهم بكل رجلٌ وبعيره كذا وكذا، ومتاعه كذا وكذا . فقال أبو جهل : يخبرنا بأشياء . فقال رجلٌ من المشركين أنا أعلم الناس ببيت المقدس، وكيف بناؤه ؟ وكيف هيئته ؟ وكيف قربه من الجبل ؟ فإن يك محمد صادقا فسأخبركم، وإن يك كاذبا فسأخبركم، فجاء ذلك المشرك فقال : يا محمد، أنا أعلم الناس ببيت المقدس، فأخبرني : كيف بناؤه وكيف هيئته وكيف قربه من الجبل قال : فرفع لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بيت المقدس من مقعده، فنظر إليه كنظر أُحُدٍنا إلى بيته : بناؤه كذا وكذا، وهيئته كذا وكذا، وقربه من الجبل كذا وكذا . فقال الآخر : صدقت . فرجع إلى أصحابه فقال : صدق محمد فيما قال أو نحو هذا الكلام
عن النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنه قال له أصحابه : يا رسولَ اللهِ، أخبرنا عن ليلة أسري بك فيها : قال : قال الله عز وجل : { سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله، لنريه من آياتنا، إنه هو السميع البصير }، قال : فأخبرهم فقال : فبينا أنا نائم عشاء في المسجد الحرام، إذ أتاني آت فأيقظني، فاستيقظت، فلم أر شيئا،، وإذا أنا بكهيئة خيال، فأتبعته بصري حتى خرجت من المسجد، فإذا أنا بدابة أدنى في شبهه بدوابكم هذه، بغالكم هذه، مضطرب الأذنين، يقال له : البراق . وكانت الأنبياء تركبه قبلي، يقع حافره عِندَ مد بصره، فركبته، فبينما أنا أسير عليه، إذ دعاني داع عن يميني : يا محمد، انظرني أسألك، يا محمد، انظرني أسألك . فلم أجبه ولم أقم عليه، فبينما أنا أسير عليه إذ دعاني داع عن يساري : يا محمد انظرني أسألك فلم أجبه ولم أقم عليه فبينما أنا أسير إذ أنا بامرأة حاسرة عن ذراعيها، وعليها من كل زينة خلقها الله، فقالتْ : يا محمد، انظرني أسألك . فلم ألتفت إليها ولم أقم عليها، حتى أتيت بيت المقدس، فأوثقت دابتي بالحلقة التي كانت الأنبياء توثقها بها . فأتاني جبريل عليه السلامُ بإناءين : أُحُدٍهما خمر، والآخر لبن، فشربت اللبن، وتركت الخمر، فقال جبريل : أصبت الفطرة . فقُلْت : الله أكبر، الله أكبر . فقال جبريل : ما رأيت في وجهك هذا ؟ قال : فقُلْت : بينما أنا أسير، إذ دعاني داع عن يميني : يا محمد، انظرني أسألك . فلم أجبه ولم أقم عليه . قال : ذاك داعي اليهود، أما إنك لو أجبته أو وقفت عليه لتهودت أمتك . قال : فبينما أنا أسير، إذ دعاني داع عن يساري قال : يا محمد، انظرني أسألك . فلم ألتفت إليه ولم أقم عليه . قال : ذاك داعي النصارى، أما إنك لو أجبته لتنصرت أمتك . قال : فبينما أنا أسير إذ أنا بامرأة حاسرة عن ذراعيها، عليها من كل زينة خلقها الله تعالى تقول : يا محمد، انظرني أسألك . فلم أجبها ولم أقم عليها : قال : تلك الدنيا أما إنك لو أجبتها أو أقمت عليها، لاختارت أمتك الدنيا على الآخرة . قال : ثم دخلت أنا وجبريل بيت المقدس، فصلَّى كل واحد منا ركعتين . ثم أتيت بالمعراج الذي تعرج عليه أرواح بني آدم، فلم ير الخلائق أحسن من المعراج، أما رأيت الميت حين يشق بصره طامحا إلى السماء، فإنما يشق بصره طامحا إلى السماء عجبه بالمعراج . قال : فصعدت أنا وجبريل، فإذا أنا بملك يقال له : إسماعيل وهو صاحب سماء الدنيا، وبين يديه سبعون ألف، مع كل ملك جنده مائة ألف ملك قال : وقال الله : { وما يعلم جنود ربك إلا هو } فاستفتح جبريل باب السماء، قيل : من هذا ؟ قال : جبريل . قيل : ومن معك ؟ قال : محمد . قيل : أو قد بعث إليه ؟ قال : نعم . فإذا أنا بآدم كهيئته يومَ خلقه الله تعالى على صورته، تعرض عليه أرواح ذريته المؤمنين، فيقول : روح طيبة، ونفس طيبة، اجعلوها في عليين، ثم تعرض عليه أرواح ذريته الفجار، فيقول : روح خبيثة ونفس خبيثة، اجعلوها في سجين . ثم مضيت هنية، فإذا أنا بأخونة عليها لحم مشرح، ليس يقربها أُحُدٍ، وإذا أنا بأخونة أخرى عليها لحم قد أروح وأنتن، عِندَها أناس يأكلون منها، قُلْت : يا جبريل، من هؤلاء ؟ قال : هؤلاء من أمتك، يتركون الحلال ويأتون الحرام . قال : ثم مضيت هنية فإذا أنا بأقوام بطونهم أمثال البيوت، كلما نهض أُحُدٍهم خر يقول : اللهم، لا تقم الساعة قال : وهم على سابلة آل فرعون، قال : فتجيء السابلة فتطؤهم، قال : فسمعتهم يضجون إلى الله عز وجل، قال : قُلْت : يا جبريل، من هؤلاء ؟ قال : هؤلاء من أمتك { الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس } قال : ثم مضيت هنية فإذا أنا بأقوام مشافرهم كمشافر الإبل قال : فتفتح على أفواههم ويلقمون من ذلك الجمر، ثم يخرج من أسافلهم . فسمعتهم يضجون إلى الله عز وجل . فقُلْت : من هؤلاء يا جبريل ؟ قال : هؤلاء من أمتك { الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا } قال : ثم مضيت هنية فإذا أنا بنساء يعلقن بثديهن، فسمعتهن يضججن إلى الله عز وجل قُلْت : يا جبريل، من هؤلاء النساء، قال : هؤلاء الزناة من أمتك . قال : ثم مضيت هنية فإذا أنا بأقوام يقطع من جنوبهم اللحم، فيلقمونه، فيقال له : كل كما كنتُ تأكل من لحم أخيك . قُلْت : يا جبريل، من هؤلاء ؟ قال : هؤلاء الهمازون من أمتك اللمازون . قال : ثم صعدنا إلى السماء الثانية، فإذا أنا برجلٌ أحسن ما خلق الله عز وجل، قد فضل الناس في الحسن كالقمر ليلة البدر على سائر الكواكب، قُلْت : يا جبريل، من هذا ؟ قال : هذا أخوك يوسف ومعه نفر من قومه، فسلمت عليه وسلم علي ثم صعدت إلى السماء الثالثة : فإذا أنا بيحيى وعيسى عليهما السلام، ومعهما نفر من قومهما، فسلمت عليهما وسلما علي . ثم صعدت إلى السماء الرابعة، فإذا أنا بإدريس قد رفعه الله مكانا عليا، فسلمت عليه وسلم علي . قال : ثم صعدت إلى السماء الخامسة فإذا بهارون، ونصف لحيته بيضاء ونصفها سوداء تكاد لحيته تصيب سرته من طولها، قُلْت : يا جبريل، من هذا ؟ قال : هذا المحبب في قومه، هذا هارون بن عمران ومعه نفر من قومه، فسلمت عليه وسلم علي . ثم صعدت إلى السماء السادسة، فإذا بموسى بن عمران، رجلٌ آدم كثير الشعر، لو كان عليه قميصان لنفذ شعره دون القميص، فإذا هو يقول : يزعم الناس أني أكرم على الله من هذا، بل هذا أكرم على الله تعالى مني، قال : قُلْت : يا جبريل، من هذا ؟ قال : هذا أخوك موسى بن عمران عليه السلامُ، ومعه نفر من قومه . فسلمت عليه وسلم علي . ثم صعدت إلى السماء السابعة، فإذا أنا بأبينا إبراهيم خليل الرحمن ساند ظهره إلى البيت المعمور كأحسن الرجال، قُلْت : يا جبريل، من هذا ؟ قال : هذا أبوك خليل الرحمن ومعه نفر من قومه، فسلمت عليه وسلم علي، وإذا أنا بأمتي شطرين، شطر عليهم ثياب بيض كأنهم القراطيس، وشطر عليهم ثياب رمد قال : فدخلت البيت المعمور، ودخل معي الذين عليهم الثياب البيض، وحجب الآخرون الذين عليهم ثياب رمد، وهم على خير فصليت أنا ومن معي في البيت المعمور، ثم خرجت أنا ومن معي قال : والبيت المعمور يصلي فيه كل يومَ سبعون ألف ملك، لا يعودون فيه إلى يومَ القيامة . قال : ثم دفعت إلى سدرة المنتهى، فإذا كل ورقة منها تكاد أن تغطي هذه الأمة، وإذا فيها عين تجري يقال لها : سلسبيل، فينشق منها نهران، أُحُدٍهما : الكوثر، والآخر يقال له : نهر الرحمة . فاغتسلت فيه، فغفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر ثم إني دفعت إلى الجنة، فاستقبلتني جارية، فقُلْت : لمن أنت يا جارية ؟ فقالتْ : لزيد بن حارثة، وإذا أنا بأنهار من { ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى } وإذا رمانها كأنه الدلاء عظما، وإذا أنا بطيرها كأنها بختيكم هذه فقال عِندَها صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : إن الله تعالى قد أعد لعباده الصالحين مالا عين رأت ، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قُلْب بشر . قال : ثم عرضت علي النار، فإذا فيها غضب الله وزجره ونقمته، لو طرح فيها الحجارة والحديد لأكلتها، ثم أغلقت دوني . ثم إني دفعت إلى سدرة المنتهى، فتغشاني فكان بيني وبينه قاب قوسين أو أدنى قال : ونزل على كل ورقة ملك من الملائكة - قال : وفرضت علي خمسون . وقال : لك بكل حسنة عشر، إذا هممت بالحسنة فلم تعملها كتبت لك حسنة، فإذا عملتها كتبت لك عشرا، وإذا هممت بالسيئة فلم تعملها لم يكتب عليك شيء، فإن عملتها كتبت عليك سيئة واحدة ثم دفعت إلى موسى فقال : بم أمرك ربك ؟ قُلْت : بخمسين صلاة . قال : ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، فإن أمتك لا يطيقون ذلك، ومتى لا تطيقه تكفر . فرجعت إلى ربي فقُلْت : يا رب خفف عن أمتي، فإنها أضعف الأمم، فوضع عني عشرا، وجعلها أربعين . فما زلت أختلف بين موسى وربي، كلما أتيت عليه قال لي مثل مقالتْه، حتى رجعت إليه فقال لي : بم أمرت ؟ فقُلْت : أمرت بعشر صلوات، قال : ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، فرجعت إلى ربي فقُلْت : أي رب، خفف عن أمتي فإنها أضعف الأمم، فوضع عني خمسا، وجعلها خمسا . فناداني ملك عِندَها : تممت فريضتي، وخففت عن عبادي، وأعطيتهم بكل حسنة عشر أمثالها . ثم رجعت إلى موسى فقال : بم أمرت ؟ فقُلْت : بخمس صلوات . قال : ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فإنه لا يؤوده شيء، فاسأله التخفيف لأمتك فقُلْت : رجعت إلى ربي حتى استحييته . ثم أصبح بمكة يخبرهم بالأعاجيب : إني أتيت البارحة بيت المقدس، وعرج بي إلى السماء، ورأيت كذا وكذا . فقال أبو جهل يعني ابن هشام : ألا تعجبون مما يقول محمد ؟ يزعم أنه أتى البارحة بيت المقدس، ثم أصبح فينا . وأُحُدٍنا يضرب مطيته مصعدة شهرا ومقفلة شهرا، فهذا مسيرة شهرين في ليلة واحدة، قال : فأخبرهم بعير لقريش : لما كنتُ في مصعدي رأيتها في مكان كذا وكذا، وأنها نفرت، فلما رجعت رأيتها عِندَ العقبة . وأخبرهم بكل رجلٌ وبعيره كذا وكذا، ومتاعه كذا وكذا . فقال أبو جهل : يخبرنا بأشياء . فقال رجلٌ من المشركين أنا أعلم الناس ببيت المقدس، وكيف بناؤه ؟ وكيف هيئته ؟ وكيف قربه من الجبل ؟ فإن يك محمد صادقا فسأخبركم، وإن يك كاذبا فسأخبركم، فجاء ذلك المشرك فقال : يا محمد، أنا أعلم الناس ببيت المقدس، فأخبرني : كيف بناؤه وكيف هيئته وكيف قربه من الجبل قال : فرفع لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بيت المقدس من مقعده، فنظر إليه كنظر أُحُدٍنا إلى بيته : بناؤه كذا وكذا، وهيئته كذا وكذا، وقربه من الجبل كذا وكذا . فقال الآخر : صدقت . فرجع إلى أصحابه فقال : صدق محمد فيما قال أو نحو هذا الكلام