نتائج البحث عن
«ما صلي على أبي بكر [وعمر] إلا في المسجد»· 26 نتيجة
الترتيب:
أنَّ ابنَ عمرَ كانَ إذا قدِمَ مِن سفرٍ صلَّى السَّجدتَينِ في المسجدِ ثمَّ أتَى النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فيضعُ يدَه اليمنَى علَى قبرِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ويستدبرُ القِبلةَ ثمَّ يسلِّمُ علَى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ثمَّ يسلِّمُ علَى أبي بَكرٍ وعمرَ
أنَّ ابنَ عمرَ كان إذا قَدِمَ من سفرٍ صلَّى سجدتَينِ في المسجدِ ، ثم يأتي النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فيَضعُ يدَه اليُمنى على قبرِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم ، ويستدبِرُ القبلةَ ثم يُسلِّمُ على النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم ، ثم على أبي بكرٍ وعمرَ رضيَ اللهُ عنهُما .
تُوفِّي أبي وعليه دَيْنٌ فعرَضْتُ على غُرَمائِه أنْ يأخُذوا التَّمرَ بما عليه فأبَوْا ولَمْ يعرِفوا أنَّ فيه وفاءً فأتَيْتُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فذكَرْتُ ذلكَ له فقال : ( إذا جدَدْتَه ووضَعْتَه فآذِن لي ) فلمَّا جدَدْتُ ووضَعْتُه في المسجِدِ آذَنْتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فجاء ومعه أبو بكرٍ وعُمَرُ فجلَس فدعا له بالبركةِ وقال : ( ادعُ غُرَماءَكَ وأَوْفِهم ) فما ترَكْتُ أحَدًا له على أبي دَيْنٌ إلَّا قضَيْتُه وفضَل لي ثلاثةَ عشَرَ وَسْقًا عجوةً قال : فوافَيْتُ مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم صلاةَ المغرِبِ فذكَرْتُ ذلكَ له فضحِك صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وقال : ( ائتِ أبا بكرٍ وعُمَرَ فأخبِرْهما ) فقالا : قد علِمْنا إذ صنَع رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ما صنَع أنْ يكونَ ذلكَ
بينما رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّم جالسٌ في ملأٍ من أصحابِهِ إذ دخلَ أبو بَكرٍ وعمرُ في بعضِ أبوابِ المسجدِ معَهما فئامٌ منَ النَّاسِ يتمارونَ وقدِ ارتفعَت أصواتُهم يردُّ بعضُهم على بعضٍ حتَّى انتَهوا إلى النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ فقالَ: ما الَّذي كنتُم تُمارونَ قدِ ارتفعت فيهِ أصواتُكم وَكثرَ لغطُكم، فقالَ بعضُهم: يا رسولَ اللَّهِ شيءٌ تكلَّم فيهِ أبو بَكرٍ وعمرُ فاختلفا فاختلَفنا لاختلافِهم. فقالَ: وما ذاكَ؟ قالوا: في القدرِ. قالَ أبو بَكرٍ: يقدِّرُ اللَّهُ الخيرَ ولا يقدر الشَّرَّ. وقالَ عمرُ: يقدِّرُهما جميعًا. فقالَ: ألا أقضي بينَكما فيهِ بقضاءِ إسرافيلَ بينَ جبريلَ وميكائيلَ قالَ جبريلُ مقالةَ عمرَ وقالَ ميكائيلُ مقالةَ أبي بَكرٍ وذَكرَ تمامَ الحديثِ.
أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم صلَّى بهم إحدَى صلاتَيِ العشِيِّ وهي العصرُ ركعتَيْن ثمَّ سلَّم ، وخرج السِّرعانَ من المسجدِ فقالوا : قصُرتِ الصَّلاةُ أم نسيتَ ؟ فقال : لم أنْسَ ولم تُقصَرِ الصَّلاةُ ثمَّ أقبل على أبي بكرٍ وعمرَ فقال : ماذا يقولُ ذو اليدَيْن ؟ قالا : صدق يا رسولَ اللهِ ، فرجع رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وثاب النَّاسُ فصلَّى بهم ركعتَيْن ثمَّ سلَّم وسجد سجدتَيِ السَّهوِ
دخلَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ المسجدَ وَهوَ بينَ أبي بكرٍ وعمرَ وإذا ابنُ مسعودٍ يُصلِّي وإذا هوَ يقرأُ النِّساءَ فانتَهَى إلى رأسِ المئةِ فجعلَ ابنُ مسعودٍ يَدعو وَهوَ قائمٌ يصلِّي فقالَ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ اسأَلْ تُعطَهْ اسأَلْ تُعطَهْ ثمَّ قالَ مَن أحبَّ أن يَقرأَ القرآنَ غضًّا كما أُنزِلَ فليَقرأْهُ علَى قراءةِ ابنِ أمِّ عبدٍ فلمَّا أصبحَ غدا إليهِ أبو بكرٍ رضيَ اللَّهُ تعالى عنهُ ليبشِّرَهُ وقالَ لهُ ما سألتَ اللَّهَ البارحةَ قالَ قلتُ اللَّهمَّ إنِّي أسألُكَ إيمانًا لا يرتدُّ ونعيمًا لا ينفَدُ ومرافَقةَ محمَّدٍ في أعلَى جنَّةِ الخُلدِ ثمَّ جاءَ عمرُ رضيَ اللَّهُ عنهُ فقيلَ لهُ إنَّ أبا بكرٍ قد سبقَكَ قالَ يَرحمُ اللَّهُ أبا بكرٍ ما سَبقتُهُ إلى خَيرٍ قطُّ إلَّا سبقَني إليهِ
بينا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلم جالسٌ في ملإٍ من أصحابهِ إذ دخل أبو بكرٍ وعمرُ من بعضِ أبوابِ المسجدِ معهما فِئامٌ من الناسِ يتمارونَ وقد ارتفعتْ أصواتُهم يردُّ بعضُهم على بعضٍ حتَّى انتهوْا إلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلم فقال ما الذي كنتم تمارونَهُ وقد ارتفعتْ فيه أصواتُكم وكثُرَ لغَطُكم فقالوا في القدرِ قال أبو بكرٍ : يقدِّرُ اللهُ الخيرَ ولا يقدِّرُ الشرَّ فقال عمرُ : يقدِّرهما جميعًا فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلم : ألا أقضي بينكما فيه بقضاءِ إسرافيلَ بينَ جبريلَ وميكائيلَ فقال بعضُ القومِ وقد تكلم فيه جبريلُ وميكائيلُ فقال والذي بعثني بالحقِّ إنهما لأولُ الخلائقِ تكلمًا فيه فقال جبريلُ مقالةَ عمرَ وقال ميكائيلُ مقالةَ أبي بكرٍ فقال جبريلُ أما أنَّا إن ِاختلفنا اختلفَ أهلُ السمواتِ فهل من قاضٍ بيني وبينك فتحاكَما إلى إسرافيلَ فقضَى بينهما قضاءً هو قضائي بينَكما فقالوا : يا رسولَ اللهِ فما كان قضاؤهُ قال : أوجبَ القدرُ خيرهُ وشرهُ وضرهُ ونفعهُ وحلوهُ ومرهُ ، فهذا قضائي بينَكما ، ثمَّ ضرب على كتفِ أبي بكرٍ فقال : يا أبا بكرٍ إنَّ اللهَ تعالى لو لم يشأ أنْ يُعصَى ما خلقَ إبليسَ ، فقال أبو بكرٍ أستغفرُ اللهَ كانتْ مني يا رسولَ اللهِ زلةٌ أو هفوةٌ لا أعودُ لشيءٍ من هذا أبدًا قال : فما عاد حتَّى لقيَ اللهَ عزَّ وجلَّ
قلت يا رسول الله إن أبي ترك دينا ليهودي فقال سآتيك يوم السبت إن شاء الله وذلك في زمن التمر مع استجداد النخل فلما كان صبيحة يوم السبت جاءني رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما دخل علي في مالي دنا إلى الربيع فتوضأ منه ثم قام إلى المسجد فصلى ركعتين ثم دنوت به إلى خيمة لي فبسطت له نجادا من شعر وطرحت له جدية من قتب من شعر حشوها ليف فاتكأ عليها فلم يلبث إلا قليلا حتى طلع أبو بكر رضي الله عنه فكأنه نظر إلى ما عمل نبي الله صلى الله عليه وسلم فتوضأ وصلى ركعتين فلم ألبث إلا قليلا حتى جاء عمر رضي الله عنه فتوضأ وصلى ركعتين كأنه نظر إلى صاحبيه فدخلا فجلس أبو بكر عند رأسه وعمر عند رجليه
بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في ملأ من أصحابه إذ دخل أبوبكر وعمر من بعض أبواب المسجد معهما فئام من الناس ، يتمارون وقد ارتفعت أصواتهم ، يرد بعضهم على بعض حتى انتهوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : ما الذي كنتم تمارون ؟ قد ارتفعت فيه أصواتكم وكثر لغطكم ؟ فقال بعضهم : يا رسول الله شيء تكلم فيه أبوبكر وعمر فاختلفنا واختلفنا لاختلافهما ، فقال : وما ذاك ؟ فقالوا : في القدر ، قال أبوبكر : يقدر الله الخير ولا يقدر الشر ، وقال عمر : يقدرهما جميعا ، وكنا في ذلك نتمارى ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألا أقضي بينكما فيه بقضاء إسرافيل بين جبريل وميكائيل ؟ فقال بعض القوم : وقد تكلم فيه جبريل وميكائيل ؟ فقال : والذي بعثني بالحق إنهما لأول الخلق تكلما فيه ، فقال جبريل مقالة عمر ، وقال ميكائيل مقالة أبي بكر ، فقال جبريل : أما إنا إن اختلفنا اختلف أهل السماوات ، فهل لك في قاض بيني وبينك ؟ فتحاكما إلى إسرافيل ، فقضى بينهما قضاء هو قضائي بينكما ، فقالوا : يا رسول الله ! ما كان من قضائه ؟ فقال : أوجب الله القدر خيره وشره وضره ونفعه وحلوه ومره ، فهذا قضائي بينكما ، ثم ضرب كتف أبي بكر أو فخذه وكان إلى جنبه فقال : يا أبا بكر إن الله لو لم يشأ أن يعصى ما خلق إبليس ، فقال أبو بكر : أستغفر الله ، كانت مني يا رسول الله زلة أو هفوة ، لا أعود لشيء من هذا أبدا ، قال : فما عاود حتى لقي الله عز وجل
عَن أبي هُرَيْرةَ قالَ : صلَّى بنا رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ ، إحدى صلاتَيِ العشيِّ - الظُّهرَ أوِ العصرَ - ، قالَ: فصلَّى بنا رَكْعتينِ ، ثمَّ سلَّمَ ، ثمَّ قامَ إلى خَشبةٍ في مقدَّمِ المسجِدِ ، فوضعَ يديهِ عليهِما إحداهما علَى الأُخرى ، يُعرَفُ في وجهِهِ الغضَبُ ، ثمَّ خرجَ سَرعانُ النَّاسِ وَهُم يقولونَ: قُصِرَتِ الصَّلاةُ ، قُصِرَتِ الصَّلاةُ ، وفي النَّاسِ أبو بَكْرٍ ، وعمرُ ، فَهاباهُ أن يُكَلِّماهُ ، فقامَ رجلٌ كانَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ يسمِّيهِ ذا اليدينِ ، فقالَ: يا رسولَ اللَّهِ ، أنَسيتَ أم قُصِرَتِ الصَّلاةُ ؟ قالَ: لم أنسَ ، ولم تُقصَرِ الصَّلاةُ ، قالَ: بَل ، نَسيتَ يا رسولَ اللَّهِ ، فأقبلَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ على القومِ ، فقالَ: أصدَقَ ذو اليدَينِ ، فأومَأوا أي نعَم ، فرجعَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ إلى مقامِهِ ، فصلَّى الرَّكعتينِ الباقيَتينِ ، ثمَّ سلَّمَ ، ثمَّ كبَّرَ وسجدَ مثلَ سجودِهِ أو أطوَلَ ، ثمَّ رفعَ وَكَبَّرَ ، ثمَّ كبَّرَ وسجدَ مثلَ سجودِهِ ، أو أطوَلَ ، ثمَّ رفعَ وَكَبَّرَ ، قالَ: فقيلَ لِمُحمَّدٍ: سلَّمَ في السَّهوِ ؟ فقالَ: لَم أحفَظهُ عن أبي هُرَيْرةَ ، ولَكِن نُبِّئتُ أنَّ عِمرانَ بنَ حُصَيْنٍ ، قالَ: ثمَّ سلَّمَ
أنَّ المغيرةَ بنَ شُعبةَ كانَ في المسجِدِ الأَكْبرِ وعندَهُ أَهْلُ الكوفةِ عن يَمينِهِ ، وعن يَسارِهِ فجاءَهُ رجلٌ يُدعَى سعيدَ بنَ زيدٍ ، فحيَّاهُ المغيرةُ وأجلسَهُ عندَ رجليهِ على السَّريرِ . فجاءَ رجلٌ من أَهْلِ الكوفةِ فاستقبلَ المغيرةَ ، فسبَّ وسبَّ ، فقالَ : مَن يسبُّ هذا يا مُغيرةُ ؟ قالَ : يَسبُّ عليَّ بنَ أبي طالبٍ رضيَ اللَّهُ عنهُ قالَ : يا مُغيرَ بنَ شعبَ ، يا مغيرَ بنَ شعبَ ثلاثًا ، ألا أسمعُ أصحابَ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ يُسبُّونَ عندَكَ ؟ لا تُنكِرُ ولا تغيِّرُ ، فأَنا أشهدُ على رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ ، بما سمعَت أذُنايَ ووَعاهُ قَلبي مِن رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ ، فإنِّي لم أَكُنِ أروي عنهُ كذبًا يسألُني عنهُ إذا لقيتُهُ ، أنَّهُ قالَ : أبو بَكْرٍ في الجنَّةِ ، وعمرُ في الجنَّةِ ، وعليٌّ في الجنَّةِ ، وعُثمانُ في الجنَّةِ وطلحةُ في الجنَّةِ ، والزُّبَيْرُ في الجنَّةِ ، وعبدُ الرَّحمنِ في الجنَّةِ ، وسَعدُ بنُ مالِكٍ في الجنَّةِ ، وتاسعُ المؤمنينَ في الجنَّةِ لو شِئتُ أن أسمِّيَهُ لسمَّيتُهُ ، قالَ : فضجَّ أَهْلُ المسجدِ يُناشدونَهُ يا صاحبَ رسولِ اللَّهِ منِ التَّاسعُ ؟ قالَ : ناشدتُموني باللَّهِ ، واللَّهِ العَظيمِ أَنا تاسعُ المؤمنينَ ورسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ ، العاشرُ ، ثمَّ أتبعَ يمينًا ، قالَ : واللَّهِ لَمشهدٌ شَهِدَهُ رجلٌ يغبِّرُ فيهِ وجهَهُ معَ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ ، أفضَلُ من عملِ أحدِكُم . ولو عُمِّرَ عُمُرَ نوحٍ عليهِ السَّلامُ
صلَّى بنا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إحدى صلاتيِ العَشيِّ إمَّا قال الظُّهرَ وإمَّا قال العصرَ قال: وأكبرُ ظنِّي أنَّها صلاةُ العصرِ فصلَّى بنا ركعتينِ ثمَّ سلَّم وتقدَّم إلى خشبةٍ في مُقدَّمِ المسجدِ فوضَع يدَه عليها إحداهما على الأخرى وخرَج سَرَعانُ النَّاس فجعَلوا يقولون: قصُرَتِ الصَّلاةُ وفي القومِ أبو بكرٍ وعمرُ رضوانُ اللهِ عليهما فهابا أنْ يسأَلا رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن ذلك فقال له رجلٌ يُقالُ له ذو اليدينِ: أقصُرَتِ الصَّلاةُ يا رسولَ اللهِ أم نسيتَ ؟ قال: ما قصُرَتِ الصَّلاةُ ولا نسيتُ قال: بل نسيتَ يا رسولَ اللهِ قال: أكذلك ؟ قالوا: نَعم فرجَع فصلَّى بنا ركعتينِ ثمَّ سلَّم ثمَّ سجَد سجدتينِ فأطال نحوًا مِن سجودِه ثمَّ رفَع رأسَه ثمَّ سجَد الثَّانيةَ فأطال نحوًا مِن سجودِه ثمَّ رفَع رأسَه فقيل لمحمَّدٍ: ثمَّ سلَّم ؟ قال: لمْ أحفَظْ ذلك مِن أبي هُرَيرةَ وأُنبِئْتُ أنَّ عِمرانَ بنَ حُصينٍ قال: ثمَّ سلَّم
صلى بنا رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم إحدى صلاتي العشي الظهر أو العصر قال فصلى بنا ركعتين ثم سلم ثم قام إلى خشبة في مقدم المسجد فوضع يديه عليهما إحداهما على الأخرى يعرف في وجهه الغضب ثم خرج سرعان الناس وهم يقولون قصرت الصلاة قصرت الصلاة وفي الناس أبو بكر وعمر فهابًاه أن يكلماه فقام رجل كان رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم يسميه ذا اليدين فقال يا رسول اللهِ أنسيت أم قصرت الصلاة قال لم أنس ولم تقصر الصلاة قال بل نسيت يا رسول اللهِ فأقبل رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم على القوم فقال أصدق ذو اليدين فأومأوا أي نعم فرجع رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم إلى مقامه فصلى الركعتين البًاقيتين ثم سلم ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول ثم رفع وكبر ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول ثم رفع وكبر قال فقيل لمحمد سلم في السهو فقال لم أحفظه عن أبي هريرة ولكن نبئت أن عمران بن حصين قال ثم سلم
أنَّ المُسلِمينَ بَيْنا هم في صلاةِ الفجرِ يومَ الاثنَيْنِ وأبو بكرٍ يُصَلِّي بهم لم يفجَأْهم إلَّا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وقد كشَف سِتْرَ حُجرةِ عائشةَ فنظَر إليهم وهم صفوفٌ في صلاتِهم ثمَّ تبسَّم فضحِك فنكَص أبو بكرٍ على عقِبِه لِيصِلَ الصَّفَّ وظنَّ أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُريدُ أنْ يخرُجَ إلى الصَّلاةِ قال أنَسٌ : وهَمَّ المُسلِمونَ أنْ يفتَتِنوا في صلاتِهم فرَحًا برسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حينَ رأَوْه فأشار إليهم رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : أنِ اقضوا صلاتَكم ثمَّ دخَل الحُجرةَ وأرخى السِّتْرَ بَيْنَه وبَيْنَهم وتُوفِّي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ذلك اليومَ
قال الزُّهريُّ : وأخبَرني أنسُ بنُ مالكٍ أنَّه لمَّا تُوفِّي رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قام عمرُ بنُ الخطَّابِ في النَّاسِ خطيبًا فقال : لا أسمَعَنَّ أحَدًا يقولُ : إنَّ مُحمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قد مات، إنَّ مُحمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لم يَمُتْ ولكِنْ أرسَل إليه ربُّه كما أرسَل إلى موسى فلبِث عن قومِه أربعينَ ليلةً
قال الزُّهريُّ : وأخبَرني سعيدُ بنُ المُسيَّبِ أنَّ عُمَرَ بنَ الخطَّابِ قال في خُطبتِه : إنِّي لَأرجو أنْ يقطَعَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أيديَ رجالٍ وأرجُلَهم يزعُمونَ أنَّه مات
قال الزُّهريُّ : أخبرَني أبو سلَمةَ بنُ عبدِ الرَّحمنِ بنِ عوفٍ أنَّ عائشةَ زوجَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أخبَرَتْه أنَّ أبا بكرٍ أقبَل على فرَسٍ مِن مسكنِه بالسُّنُحِ حتَّى نزَل فدخَل المسجِدَ فلَمْ يُكلِّمِ النَّاسَ حتَّى دخَل على عائشةَ فتيمَّم رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهو مُسجًّى ببُردةٍ حِبَرةٍ فكشَف عن وجهِه فأكَبَّ عليه فقبَّله وبكى ثمَّ قال : بأبي أنتَ واللهِ لا يجمَعُ اللهُ عليكَ موتتَيْنِ أبدًا أمَّا المَوْتةُ الَّتي كُتِبَتْ عليك فقد مُتَّها
قال الزُّهريُّ : قال أبو سلَمةَ : أخبَرني ابنُ عبَّاسٍ أنَّ أبا بكرٍ خرَج وعُمَرُ يُكلِّمُ النَّاسَ فقال : اجلِسْ فأبى عُمَرُ أنْ يجلِسَ فقال : اجلِسْ فأبى أنْ يجلِسَ فتشهَّد أبو بكرٍ فمال النَّاسُ إليه وترَكوا عُمَرَ فقال : أيُّها النَّاسُ مَن كان منكم يعبُدُ مُحمَّدًا فإنَّ مُحمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قد مات ومَن كان يعبُدُ اللهَ فإنَّ اللهَ حَيٌّ لا يموتُ قال اللهُ تبارَك وتعالى : {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} [آل عمران: 144] قال : واللهِ لَكأنَّ النَّاسَ لم يكونوا يعلَمونَ أنَّ اللهَ جلَّ وعلا أنزَل هذه الآيةَ إلَّا حينَ تلاها أبو بكرٍ فتلقَّاها منه النَّاسُ كلُّهم فلَمْ تسمَعْ بشَرًا إلَّا يتلوها
قال الزُّهريُّ : وأخبَرني سعيدُ بنُ المُسيَّبِ أنَّ عُمَرَ بنَ الخطَّابِ قال : واللهِ ما هو إلَّا أنْ سمِعْتُ أبا بكرٍ تلاها عُقِرْتُ حتَّى ما تُقِلُّني رِجْلاي وأهوَيْتُ إلى الأرضِ وعرَفْتُ حينَ سمِعْتُه تلاها أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قد مات
قال الزُّهريُّ : وأخبَرني أنسُ بنُ مالكٍ أنَّه سمِع عُمَرَ بنَ الخطَّابِ مِن الغدِ حينَ بُويِع أبو بكرٍ في مسجدِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم واستوى أبو بكرٍ على مِنبَرِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قام عُمَرُ فتشهَّد قبْلَ أبي بكرٍ ثمَّ قال : أمَّا بعدُ فإنِّي قد قُلْتُ لكم أمسِ مقالةً لم تكُنْ كما قُلْتُ وإنِّي واللهِ ما وجَدْتُها في كتابٍ أنزَله اللهُ ولا في عهدٍ عهِده إليَّ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ولكنِّي كُنْتُ أرجو أنْ يعيشَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتَّى يَدْبُرَنا ـ يقولُ : حتَّى يكونَ آخِرَنا ـ فاختار اللهُ جلَّ وعلا لرسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الَّذي عندَه على الَّذي عندَكم وهذا كتابُ اللهِ هدَى اللهُ به رسولَه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فخُذوا به تهتَدوا بما هدى اللهُ به رسولَه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم
سمع عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يوما عند الظهيرة فوجد أبا بكر في المسجد جالسا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أخرجك في هذه الساعة قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم أخرجني يا رسول الله الذي أخرجك ثم إن عمر جاء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا ابن الخطاب ما أخرجك هذه الساعة قال أخرجني يا رسول الله الذي أخرجكما فقعد معهما فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدثهما فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم هل بكما من قوة فتنطلقان إلى هذا النخل فتصيبان من طعام وشراب فقلنا نعم يا رسول الله فانطلقنا حتى أتينا منزل مالك بن التيهان أبي الهيثم الأنصاري فتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أيدينا فاستأذن عليهم وأم أبي الهيثم تسمع السلام تريد أن يزيدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من السلام فلما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينصرف خرجت أم أبي الهيثم تسعى فقالت يا رسول الله قد سمعت سلامك ولكن أردت أن تزيدنا من سلامك فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم أين أبو الهيثم قالت قريب ذهب يا رسول الله يستعذب لنا من الماء ادخلوا الساعة يأتي فبسطت لنا بساطا تحت شجرة حتى جاء أبو الهيثم مع حماره وعليه قربتان من ماء ففرح بهم أبو الهيثم وقرب يحييهم فصعد أبو الهيثم على نخلة فصرم أعذاقا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حسبك يا أبا الهيثم قال يا رسول الله تأكلون من بسره ومن رطبه وتذنوبه ثم أتاهم بماء فشربوا عليه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا من النعيم الذي تسألون عنه ثم قام أبو الهيثم إلى شاة ليذبحها فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم إياك واللبون ثم قام أبو الهيثم فعجن لهم ووضع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر رؤوسهم فناموا فاستيقظوا وقد أدرك طعامهم فوضعه بين أيديهم فأكلوا وشبعوا وأتاهم أبو الهيثم ببقية الأعذاق فأصابوا منه وسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعا لهم بخير ثم قال لأبي الهيثم إذا بلغك أنه قد أتانا رقيق فائتنا قال أبو الهيثم فلما بلغني أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم رقيق أتيت المدينة فأعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسا فكاتبته على أربعين ألف درهم فما رأيت رأسا كان أعظم بركة منه وفي رواية قالت أم أبي الهيثم لو دعوت لنا قال أفطر عندكم الصائمون وأكل طعامكم الأبرار وصلت عليكم الملائكة
خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الظهيرة فوجد أبا بكر في المسجد فقال: ما أخرجك هذه الساعة؟ قال: أخرجني الذي أخرجك يا رسول الله وجاء عمر بن الخطاب فقال: يا ابن الخطاب! ما أخرجك؟ قال: أخرجني الذي أخرجكما قال: فقعد عمر وأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدثهما ثم قال هل بكما من قوة فتنطلقان إلى هذه النخل فتصيبان طعاماً وشراباً وظلاً؟ قلنا: نعم قال: مروا بنا إلى منزل أبي الهيثم بن التيهان الأنصاري قال فتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أيدينا فسلم واستأذن ثلاث مرات وأم الهيثم من وراء الباب تسمع الكلام يريد أن يزيدها رسول الله صلى الله عليه وسلم من السلام فلما أراد أن ينصرف خرجت أم الهيثم تسعى خلفنا فقالت يا رسول الله! قد والله سمعت تسليمك ولكن أردت أن تزيدنا من سلامك فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم خيراً ثم قال: أين أبو الهيثم؟ لا أراه قالت: هو يا رسول الله قريب ذهب يستعذب لنا الماء ادخلوا فإنه يأتي الساعة إن شاء الله فبسطت لهم بساطا تحت شجرة وجاء أبو الهيثم ففرح بهم وقرت عيناه بهم وصعد على نخلة فصرم لهما أعذاقاً فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: حسبك أبا الهيثم قال يا رسول الله تأكلون من بسره ومن رطبه ومن تذنوبه ثم أتاهم بماء فشربوا عليه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا من النعيم الذي تسألون عنه فقام أبو الهيثم ليذبح لهم شاة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم إياك واللبون فقامت أم الهيثم تعجن وتخبز لهم فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر رؤوسهم للقائلة فانتبهوا وقد أدرك طعامهم فوضع الطعام بين أيديهم فأكلوا وشبعوا وحمدوا الله عز وجل ورد عليهم أبو الهيثم بقية الأعذاق فأكلوا من رطبه ومن تذنوبه فسلم عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعا لهم
خرَجْتُ يومَ الخَندقِ أقفو أثَرَ النَّاسِ فسمِعْتُ وَئيدِ الأرضِ مِن ورائي فالتفَتُّ فإذا أنا بسعدِ بنِ مُعاذٍ ومعه ابنُ أخيه الحارثُ بنُ أوسٍ يحمِلُ مِجَنَّه فجلَسْتُ إلى الأرضِ فمَرَّ سعدٌ وعليه دِرْعٌ قد خرَجَتْ منها أطرافُه فأنا أتخوَّفُ على أطرافِ سعدٍ وكان مِن أعظَمِ النَّاسِ وأطولِهم قالت : فمَرَّ وهو يرتجِزُ ويقولُ :
لبِّثْ قليلًا يُدرِكِ الهَيْجا حَمَلْ ما أحسَنَ الموتَ إذا حان الأجَلْ
قالت : فقُمْتُ فاقتحَمْتُ حديقةً فإذا فيها نفَرٌ مِن المُسلِمينَ فيهم عُمَرُ بنُ الخطَّابِ رضِي اللهُ عنه فقال عُمَرُ : وَيْحَكِ ما جاء بكِ لَعَمْرِي واللهِ إنَّكِ لَجريئةٌ ما يُؤمِنُكِ أنْ يكونَ تحوُّزٌ أو بلاءٌ قالت : فما زال يلومُني حتَّى تمنَّيْتُ أنَّ الأرضَ قدِ انشقَّتْ فدخَلْتُ فيها وفيهم رجُلٌ عليه نَصيفةٌ له فرفَع الرَّجُلُ النَّصيفَ عن وجهِه فإذا طلحةُ بنُ عُبَيدِ اللهِ فقال : وَيْحَكَ يا عُمَرُ إنَّكَ قد أكثَرْتَ منذُ اليومِ وأينَ الفِرارُ إلَّا إلى اللهِ ؟
قالت : ورمى سعدًا رجُلٌ مِن المُشرِكينَ يُقالُ له : ابنُ العَرِقَةِ بسَهمٍ قال : خُذْها وأنا ابنُ العَرِقَةِ فأصاب أَكْحَلَه فقطَعها فقال : اللَّهمَّ لا تُمِتْني حتَّى تُقِرَّ عيني مِن قُرَيظةَ وكانوا حلفاءَه ومواليَه في الجاهليَّةِ فبرَأ كَلْمُه وبعَث اللهُ الرِّيحَ على المُشرِكينَ فكفى اللهُ المؤمنينَ القتالَ وكان اللهُ قويًّا عزيزًا، فلحِق أبو سُفيانَ بتِهامَةَ ولحِق عُيَينةُ ومَن معه بنَجْدٍ ورجَعَتْ بنو قُرَيظةَ فتحصَّنوا بصَياصِيهم فرجَع رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى المدينةِ وأمَر بقُبَّةٍ مِن أَدَمٍ فضُرِبَتْ على سعدٍ في المسجدِ ووضَع السِّلاحَ
قالت : فأتاه جِبريلُ فقال : أوَقَدْ وضَعْتَ السِّلاحَ فوَاللهِ ما وضَعَتِ الملائكةُ السِّلاحَ اخرُجْ إلى بني قُرَيظةَ فقاتِلْهم فأمَر رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالرَّحيلِ ولبِس لَأْمَتَه فخرَج فمَرَّ على بني غُنْمٍ وكانوا جيرانَ المسجِدِ فقال : ( مَن مَرَّ بكم ) ؟ قالوا : مَرَّ بنا دِحْيَةُ الكَلْبيُّ فأتاهم رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فحاصَرهم خمسًا وعشرينَ يومًا فلمَّا اشتَدَّ حَصْرُهم واشتَدَّ البلاءُ عليهم قيل لهم : انزِلوا على حُكْمِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فاستشاروا أبا لُبابةَ فأشار إليهم : أنَّه الذَّبحُ فقالوا : ننزِلُ على حُكْمِ سعدِ بنِ مُعاذٍ فنزَلوا على حُكْمِ سعدٍ وبعَث رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى سعدٍ فحُمِل على حمارٍ وعليه إِكافٌ مِن لِيفٍ وحَفَّ به قومُه فجعَلوا يقولونَ : يا أبا عمرٍو حلفاؤُك ومواليك وأهلُ النِّكايةِ ومَن علِمْتَ فلا يرجِعُ إليهم قولًا حتَّى إذا دنا مِن ذراريِّهم التفَت إلى قومِه فقال : قد آنَ لسعدٍ ألَّا يُباليَ في اللهِ لومةَ لائمٍ فلمَّا طلَع على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( قوموا إلى سيِّدِكم فأنزِلوه ) قال عُمَرُ : سيِّدُنا اللهُ قال : ( أنزِلوه ) فأنزَلوه فقال له رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( احكُمْ فيهم ) قال : فإنِّي أحكُمُ فيهم أنْ تُقتَلَ مُقاتِلتُهم وتُسبَى ذراريُّهم وتُقسَمَ أموالُهم قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( لقد حكَمْتَ فيهم بحُكْمِ اللهِ ورسولِه )
ثم دعا اللهَ سعدٌ فقال : اللَّهمَّ إنْ كُنْتَ أبقَيْتَ على نبيِّك صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن حَرْبِ قُرَيشٍ شيئًا فأبقِني لها وإنْ كُنْتَ قطَعْتَ بَيْنَه وبَيْنَهم فاقبِضْني إليكَ فانفجَر كَلْمُه وكان قد برَأ منه حتَّى ما بقي منه إلَّا مِثْلُ الحِمِّصِ قالت : فرجَع رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ورجَع سعدٌ إلى بيتِه الَّذي ضرَب عليه رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قالت فحضَره رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأبو بكرٍ وعُمَرُ قالت : فوالَّذي نفسي بيدِه إنِّي لَأعرِفُ بكاءَ أبي بكرٍ مِن بكاءِ عُمَرَ وأنا في حُجرتي وكانوا كما قال اللهُ {رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} [الفتح: 29] قال عَلْقمةُ : فقُلْتُ : أيْ أُمَّهْ فكيف كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يصنَعُ ؟ قالت : كان عيناه لا تدمَعُ على أحَدٍ ولكنَّه إذا وجَد إنَّما هو آخِذٌ بلِحيتِه
في قوله { إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا } قال لما نزلت على محمد صلى الله عليه وسلم قال يا جبريل نفسي قد نعيت قال جبريل عليه السلام { وللآخرة خير لك من الأولى ولسوف يعطيك ربك فترضى } فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالا أن ينادي بالصلاة جامعة فاجتمع المهاجرون والأنصار إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بالناس ثم صعد المنبر فحمد الله عز وجل وأثنى عليه ثم خطب خطبة وجلت منها القلوب وبكت منها العيون ثم قال أيها الناس أي نبي كنت لكم قالوا جزاك الله من نبي خيرا كنت لنا كالأب الرحيم وكالأخ الناصح الشفيق أديت رسالات الله عز وجل وأبلغتنا وحيه ودعوت إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة فجزاك الله عنا أفضل ما جازى نبيا عن أمته فقال لهم معاشر المسلمين أناشدكم بالله وبحقي عليكم من كانت له قبلي مظلمة فليقم فليقتص مني قبل القصاص في القيامة فقام من بين المسلمين شيخ كبير يقال له عكاشة فتخطى المسلمين حتى وقف بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال فداك أبي وأمي لولا أنك نشدتنا بالله مرة بعد أخرى ما كنت بالذي أتقدم على شيء من هذا كنت معك في غزاة فلما فتح الله عز وجل علينا ونصر نبيه صلى الله عليه وسلم وكنا في الانصراف حاذت ناقتي ناقتك فنزلت عن الناقة ودنوت منك لأقبل فخذك فرفعت القضيب فضربت خاصرتي ولا أدري أكان عمدا منك أم أردت ضرب الناقة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أعيذك بجلال الله أن يتعمدك رسول الله صلى الله عليه وسلم بالضرب يا بلال انطلق إلى بيت فاطمة فائتني بالقضيب الممشوق فخرج بلال من المسجد ويده على أم رأسه وهو ينادي هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي القصاص من نفسه فقرع الباب على فاطمة فقال يا بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ناوليني القضيب الممشوق فقالت له فاطمة يا بلال وما يصنع أبي بالقضيب وليس هذا يوم حج ولا يوم غزاة فقال يا فاطمة ما أغفلك عما فيه أبوك رسول الله صلى الله عليه وسلم يودع الناس ويفارق الدنيا ويعطي القصاص من نفسه فقالت فاطمة رضي الله عنها ومن ذا الذي تطيب نفسه أن يقتص من رسول الله صلى الله عليه وسلم يا بلال إذن فقل للحسن والحسين يقومان إلى هذا الرجل يقتص منهما ولا يدعانه يقتص من رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجع بلال إلى المسجد ودفع القضيب إلى النبي صلى الله عليه وسلم ودفع رسول الله صلى الله عليه وسلم القضيب إلى عكاشة فلما نظر أبو بكر وعمر رضي الله عنهما إلى ذلك قاما وقالا يا عكاشة هذا نحن بين يديك فاقتص منا ولا تقتص من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم امض يا أبا بكر وأنت يا عمر فامض فقد عرف الله مكانكما ومقامكما فقام علي بن أبي طالب فقال يا عكاشة أنا في الحياة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تطيب نفسي أن تضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم فهذا ظهري وبطني فاقتص مني بيدك واجلدني مائة ولا تقتص من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم يا علي اقعد فقد عرف الله لك مقامك ونيتك وقام الحسن والحسين رضي الله عنهما فقالا يا عكاشة أليس تعلم أنا سبطا رسول الله صلى الله عليه وسلم والقصاص منا كالقصاص من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهما النبي صلى الله عليه وسلم اقعدا يا قرة عيني لا نسي الله لكما هذا المقام ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم يا عكاشة اضرب إن كنت ضاربا قال يا رسول الله ضربتني وأنا حاسر عن بطني فكشف عن بطنه صلى الله عليه وسلم وصاح المسلمون بالبكاء وقالوا أترى عكاشة ضارب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما نظر عكاشة إلى بطن رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنه القباطي لم يملك أن أكب عليه فقبل بطنه وهو يقول فداك أبي وأمي ومن تطيب نفسه أن يقتص منك فقال له النبي صلى الله عليه وسلم إما أن تضرب وإما أن تعفو قال قد عفوت عنك يا رسول الله رجاء أن يعفو الله عني في يوم القيامة فقال النبي صلى الله عليه وسلم من سره أن ينظر إلى رفيقي في الجنة فلينظر إلى هذا الشيخ فقام المسلمون فجعلوا يقبلون ما بين عيني عكاشة ويقولون طوباك طوباك نلت درجات العلا ومرافقة النبي صلى الله عليه وسلم فمرض النبي صلى الله عليه وسلم من يومه فكان مرضه ثمانية عشر يوما يعوده الناس وكان صلى الله عليه وسلم ولد يوم الاثنين وبعث يوم الاثنين وتوفي يوم الاثنين فلما كان يوم الأحد ثقل في مرضه فأذن بلال بالأذان ثم وقف بالباب فنادى السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله أقيم الصلاة فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم صوت بلال فقالت فاطمة يا بلال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم اليوم مشغول بنفسه فدخل بلال المسجد فلما أسفر الصبح قال والله لا أقيمها أو أستأذن سيدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج بلال فقام بالباب ونادى السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته الصلاة يرحمك الله فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم صوت بلال فقال ادخل يا بلال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم اليوم مشغول بنفسه مر أبا بكر يصلي بالناس فخرج ويده على أم رأسه وهو يقول واغوثاه بالله وانقطاع رجاه وانقصام ظهراه ليتني لم تلدني أمي وإذ ولدتني لم أشهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا اليوم ثم قال يا أبا بكر إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرك أن تصلي بالناس فتقدم أبو بكر فصلى بالناس وكان رجلا رقيقا فلما رأى خلو المكان من رسول الله صلى الله عليه وسلم خر مغشيا عليه وصاح المسلمون بالبكاء فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ضجيج الناس فقال ما هذه الضجة قالوا ضجيج المسلمين لفقدك يا رسول الله فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب وابن عباس فاتكأ عليهما فخرج إلى المسجد فصلى بالناس ركعتين خفيفتين ثم أقبل عليهم بوجهه المليح فقال يا معشر المسلمين أستودعكم الله أنتم في رجاء الله وأمانة الله والله خليفتي عليكم معاشر المسلمين عليكم باتقاء الله وحفظ طاعته من بعدي فإني مفارق الدنيا هذا أول يوم من الآخرة وآخر يوم من الدنيا فلما كان يوم الاثنين اشتد الأمر وأوحى الله عز وجل إلى ملك الموت صلى الله عليه وسلم أن اهبط إلى حبيبي وصفيي محمد صلى الله عليه وسلم في أحسن صورة وارفق به في قبض روحه فهبط ملك الموت صلى الله عليه وسلم فوقف بالباب شبه أعرابي ثم قال السلام عليكم يا أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة ومختلف الملائكة أدخل فقالت عائشة لفاطمة أجيبي الرجل فقالت فاطمة آجرك الله في ممشاك يا عبد الله إن رسول الله مشغول بنفسه فنادى الثانية فقالت عائشة يا فاطمة أجيبي الرجل فقالت فاطمة آجرك الله في ممشاك يا عبد الله إن رسول الله صلى الله عليه وسلم مشغول بنفسه ثم نادى الثالثة السلام عليكم يا أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة ومختلف الملائكة أدخل فلا بد من الدخول فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم صوت ملك الموت فقال يا فاطمة من بالباب فقالت يا رسول الله إن رجلا بالباب يستأذن في الدخول فأجبناه مرة بعد أخرى فنادى في الثالثة صوتا اقشعر منه جلدي وارتعدت منه فرائصي فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم يا فاطمة أتدرين من بالباب هذا هادم اللذات ومفرق الجماعات هذا مرمل الأزواج وموتم الأولاد وهذا مخرب الدور وعامر القبور هذا ملك الموت صلى الله عليه وسلم ادخل يرحمك الله يا ملك الموت فدخل ملك الموت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم جئتني زائرا أم قابضا قال جئتك زائرا وقابضا وأمرني الله عز وجل أن لا أدخل عليك إلا بإذنك ولا أقبض روحك إلا بإذنك فإن أذنت وإلا رجعت إلى ربي عز وجل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا ملك الموت أين خلفت حبيبي جبريل قال خلفته في سماء الدنيا والملائكة يعزونه فيك فما كان بأسرع أن أتاه جبريل عليه السلام فقعد عند رأسه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الرحيل من الدنيا فبشرني ما لي عند الله قال أبشرك يا حبيب الله أني تركت أبواب السماء قد فتحت والملائكة قد قاموا صفوفا صفوفا بالتحية والريحان يحيون روحك يا محمد قال لوجه ربي الحمد فبشرني يا جبريل قال أبشرك أن أبواب الجنان قد فتحت وأنهارها قد اطردت وأشجارها قد تدلت وحورها قد تزينت لقدوم روحك يا محمد قال لوجه ربي الحمد فبشرني يا جبريل قال أنت أول شافع وأول مشفع يوم القيامة قال لوجه ربي الحمد قال جبريل يا حبيبي عما تسألني قال أسألك عن غمي وهمي من لقراء القرآن من بعدي من لصوام شهر رمضان من بعدي من لحجاج بيت الله الحرام من بعدي من لأمتي المصطفاة من بعدي قال أبشر يا حبيب الله فإن الله عز وجل يقول قد حرمت الجنة على جميع الأنبياء والأمم حتى تدخلها أنت وأمتك قال الآن طابت نفسي ادن يا ملك الموت فانته إلى ما أمرت به قال علي يا رسول الله إذا أنت قبضت فمن يغسلك وفيم نكفنك ومن يصلي عليك ومن يدخلك القبر قال النبي صلى الله عليه وسلم يا علي أما الغسل فاغسلني أنت والفضل بن عباس يصب عليك الماء وجبريل عليه السلام ثالثكما فإذا أنتم فرغتم من غسلي فكفني في ثلاثة أثواب جدد وجبريل عليه السلام يأتيني بحنوط فإذا أنتم وضعتموني على السرير فضعوني في المسجد واخرجوا فإن أول من يصلي علي الرب عز وجل من فوق عرشه ثم جبريل عليه السلام ثم ميكائيل ثم إسرافيل عليهما السلام ثم الملائكة زمرا زمرا ثم ادخلوا فقوموا صفوفا لا يتقدم علي أحد فقالت فاطمة اليوم الفراق فمتى ألقاك قال يا بنية تلقيني يوم القيامة عند الحوض وأنا أسقي من يرد علي الحوض من أمتي قالت فإن لم ألقاك يا رسول الله قال تلقيني عند الصراط وأنا أنادي رب سلم أمتي من النار فدنا ملك الموت صلى الله عليه وسلم يعالج قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما بلغ الروح الركبتين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أوه فلما بلغ الروح السرة نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم واكرباه فقالت فاطمة كربي لكربك يا أبتاه فلما بلغ الروح الثندوة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا جبريل ما أشد مرارة الموت فولى جبريل عليه السلام وجهه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا جبريل كرهت النظر إلي فقال جبريل عليه السلام يا حبيبي ومن تطيق نفسه أن ينظر إليك وأنت تعالج سكرات الموت فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم فغسله علي بن أبي طالب وابن عباس يصب عليه الماء وجبريل عليه السلام معهما فكفن بثلاثة أثواب جدد وحمل على سرير ثم أدخلوه المسجد ووضعوه في المسجد وخرج الناس منه فأول من صلى عليه الرب تبارك وتعالى من فوق عرشه ثم جبريل ثم ميكائيل ثم إسرافيل ثم الملائكة زمرا زمرا قال علي لقد سمعنا في المسجد همهمة ولم نر لهم شخصا فسمعنا هاتفا يهتف ويقول ادخلوا رحمكم الله فصلوا على نبيكم صلى الله عليه وسلم فدخلنا وقمنا صفوفا صفوفا كما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فكبرنا بتكبير جبريل عليه السلام ما تقدم منا أحد على رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل القبر أبو بكر الصديق وعلي بن أبي طالب وابن عباس ودفن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما انصرف الناس قالت فاطمة لعلي كيف طابت أنفسكم أن تحثوا التراب على رسول الله صلى الله عليه وسلم أما كان في صدوركم لرسول الله صلى الله عليه وسلم الرحمة أما كان معلم الخير قال بلى يا فاطمة ولكن أمر الله الذي لا مرد له فجعلت تبكي وتندب وتقول يا أبتاه الآن انقطع جبريل عليه السلام وكان جبريل يأتينا بالوحي من السماء
في قولِه {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} [النصر: 1 - 3] قال لمَّا نزَلَت على محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم قال يا جبريلُ نفسي قد نُعِيَتْ قال جبريلُ عليه السَّلامُ {وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (4) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى} [الضحى: 4، 5] فأمر رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم بلالًا أن يُنادِيَ بالصَّلاةِ جامعةً فاجتَمَع المهاجِرونَ والأنصارُ إلى مسجدِ رسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم فصلَّى بالنَّاسِ ثُمَّ صعِد المِنبرَ فحمِد اللهَ عزَّ وجلَّ وأثنى عليه ثُمَّ خطَب خطبةً وجِلَت منها القلوبُ وبكَت منها العُيونُ ثُمَّ قال أيُّها النَّاسُ أيُّ نبيٍّ كُنْتُ لكم قالوا جزاك اللهُ من نبيٍّ خيرًا كُنْتَ لنا كالأبِ الرَّحيمِ وكالأخِ النَّاصحِ الشَّفيقِ أدَّيْتَ رسالاتِ اللهِ عزَّ وجلَّ وأبلَغْتَنا وحيَه ودعَوْتَ إلى سبيلِ ربِّك بالحكمةِ والموعظةِ الحسنةِ فجزاك اللهُ عنَّا أفضلَ ما جازى نبيًّا عن أمَّتِه فقال لهم معاشرَ المسلمينَ أُناشِدُكم باللهِ وبحقِّي عليكم مَن كانت له قِبَلي مظلمةٌ فليَقُمْ فليقتَصَّ منِّي قبلَ القِصاصِ في القيامةِ فقام من بينِ المسلمينَ شيخٌ كبيرٌ يُقالُ له عُكَّاشةُ فتخطَّى المسلمين حتَّى وقَف بين يدي رسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم فقال فِداك أبي وأمِّي لولا أنَّك نشَدْتَنا باللهِ مرَّةً بعدَ أخرى ما كُنْتُ بالَّذي أتقدَّمُ على شيءٍ من هذا كُنْتُ معك في غزاةٍ فلمَّا فتَح اللهُ عزَّ وجلَّ علينا ونصَر نبيَّه صلَّى الله عليه وسلَّم وكنَّا في الانصرافِ حاذَت ناقتي ناقتَك فنزَلْتُ عن النَّاقةِ ودنَوْتُ منك لأقبِّلَ فخذَك فرفَعْتَ القضيبَ فضرَبْتَ خاصرتي ولا أدري أكان عمدًا منك أم أرَدْتَ ضربَ النَّاقةِ فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أُعِيذُك بجلالِ اللهِ أن يتعمَّدَك رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم بالضَّربِ يا بلالُ انطَلِقْ إلى بيتِ فاطمةَ فائتِني بالقضيبِ الممشوقِ فخرَج بلالٌ من المسجدِ ويدُه على أمِّ رأسِه وهو يُنادِي هذا رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم يُعطِي القِصاصَ من نفسِه فقرَع البابَ على فاطمةَ فقال يا بنتَ رسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم ناوليني القضيبَ الممشوقَ فقالت له فاطمةُ يا بلالُ وما يصنَعُ أبي بالقضيبِ وليس هذا يومَ حجٍّ ولا يومَ غزاةٍ فقال يا فاطمةُ ما أغفَلَك عمَّا فيه أبوكِ رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم يُودِّعُ النَّاسَ ويُفارِقُ الدُّنيا ويُعطِي القِصاصَ من نفسِه فقالت فاطمةُ رضي اللهُ عنها ومَن ذا الذي تطيبُ نفسُه أن يقتَصَّ من رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم يا بلالُ إذًا فقُلْ للحسنِ والحسينِ يقومانِ إلى هذا الرَّجلِ يقتَصُّ منهما ولا يدَعانِه يقتَصُّ من رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم فرجَع بلالٌ إلى المسجدِ ودفَع القضيبَ إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ودفَع رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم القضيبَ إلى عكَّاشةَ فلمَّا نظَر أبو بكرٍ وعمرُ رضي اللهُ عنهما إلى ذلك قاما وقالا يا عكَّاشةُ هذا نحن بين يدَيْك فاقتَصَّ منَّا ولا تقتَصَّ من رسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم فقال لهما رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم امضِ يا أبا بكرٍ وأنت يا عمرُ فامضِ فقد عرَف اللهُ مكانَكما ومقامَكما فقام عليُّ بنُ أبي طالبٍ فقال يا عكَّاشةُ أنا في الحياةِ بين يدي رسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم ولا تطيبُ نفسي أن تضرِبَ رسولَ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم فهذا ظهري وبطني فاقتَصَّ منِّي بيدِك واجلِدْني مائةً ولا تقتَصَّ من رسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم فقال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يا عليُّ اقعُدْ فقد عرَف اللهُ لك مقامَك ونيَّتَك وقام الحسنُ والحسينُ رضي اللهُ عنهما فقالا يا عكَّاشةُ أليس تعلَمُ أنا سِبْطا رسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم والقِصاصُ منَّا كالقِصاصِ من رسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم فقال لهما النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم اقعُدا يا قُرَّةَ عيني لا نسي اللهُ لكما هذا المقامَ ثُمَّ قال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يا عكَّاشةُ اضرِبْ إن كُنْتَ ضاربًا قال يا رسولَ اللهِ ضرَبْتَني وأنا حاسرٌ عن بطني فكشَف عن بطنِه صلَّى الله عليه وسلَّم وصاح المسلمونَ بالبكاءِ وقالوا أترى عكَّاشةَ ضاربَ رسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم فلمَّا نظَر عكَّاشةُ إلى بطنِ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم كأنَّه القَباطيُّ لم يملِكْ أن أكَبَّ عليه فقبَّل بطنَه وهو يقولُ فداك أبي وأمِّي ومَن تطيبُ نفسُه أن يقتَصَّ منك فقال له النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم إمَّا أن تضرِبَ وإمَّا أن تعفوَ قال قد عفَوْتُ عنك يا رسولَ اللهِ رجاءَ أن يعفوَ اللهُ عنِّي في يومِ القيامةِ فقال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم مَن سرَّه أن ينظُرَ إلى رفيقي في الجنَّةِ فلينظُرْ إلى هذا الشَّيخِ فقام المسلمون فجعَلوا يقبِّلونَ ما بين عينَيْ عكَّاشةَ ويقولون طوباك طوباك نِلْتَ درجاتِ العلا ومرافقةَ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم فمرِض النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم من يومِه فكان مرضُه ثمانيةَ عشرَ يومًا يعودُه النَّاسُ وكان صلَّى الله عليه وسلَّم وُلِد يومَ الاثنينِ وبُعِث يومَ الاثنينِ وتُوفِّي يومَ الاثنينِ فلمَّا كان يومُ الأحدِ ثقُل في مرضِه فأذَّن بلالٌ بالأذانِ ثُمَّ وقَف بالبابِ فنادى السَّلامُ عليك يا رسولَ اللهِ ورحمةُ اللهِ أُقِيمُ الصَّلاةَ فسمِع رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم صوتَ بلالٍ فقالت فاطمةُ يا بلالُ إنَّ رسولَ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم اليومَ مشغولٌ بنفسِه فدخَل بلالٌ المسجدَ فلمَّا أسفَر الصُّبحُ قال واللهِ لا أُقِيمُها أو أستأذِنَ سيدي رسولَ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم فخرَج بلالٌ فقام بالبابِ ونادى السَّلامُ عليك يا رسولَ اللهِ ورحمةُ اللهِ وبركاتُه الصَّلاةَ يرحَمُك اللهُ فسمِع رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم صوتَ بلالٍ فقال ادخُلْ يا بلالُ إنَّ رسولَ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم اليومَ مشغولٌ بنفسِه مُرْ أبا بكرٍ يُصلِّي بالنَّاسِ فخرَج ويدُه على أمِّ رأسِه وهو يقولُ واغَوْثاه باللهِ وانقطاعِ رجاه وانقصامِ ظهراه ليتَني لم تلِدْني أمِّي وإذ ولدَتْني لم أشهَدْ من رسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم هذا اليومَ ثُمَّ قال يا أبا بكرٍ إنَّ رسولَ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم أمَرك أن تُصلِّيَ بالنَّاسِ فتقدَّم أبو بكرٍ فصلَّى بالنَّاسِ وكان رجلًا رقيقًا فلمَّا رأى خلوَّ المكانِ من رسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم خرَّ مغشيًّا عليه وصاح المسلمون بالبكاءِ فسمِع رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم ضجيجَ النَّاسِ فقال ما هذه الضجَّةُ قالوا ضجيجُ المسلمين لفقدِك يا رسولَ اللهِ فدعا رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم عليَّ بنَ أبي طالبٍ وابنَ عبَّاسٍ فاتَّكأ عليهما فخرَج إلى المسجدِ فصلَّى بالنَّاسِ ركعتينِ خفيفتينِ ثُمَّ أقبَل عليهم بوجهِه المليحِ فقال يا معشرَ المسلمينَ أستودِعُكم اللهَ أنتم في رجاءِ اللهِ وأمانةِ اللهِ واللهُ خليفتي عليكم معاشرَ المسلمينَ عليكم باتِّقاءِ اللهِ وحفظِ طاعتِه من بعدي فإنِّي مفارِقٌ الدُّنيا هذا أوَّلُ يومٍ من الآخرةِ وآخرُ يومٍ من الدُّنيا فلمَّا كان يومُ الاثنينِ اشتدَّ الأمرُ وأوحى اللهُ عزَّ وجلَّ إلى مَلَكِ الموتِ صلَّى الله عليه وسلَّم أن اهبِطْ إلى حبيبي وصفيِّي محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم في أحسنِ صورةٍ وارفُقْ به في قبضِ روحِه فهبَط مَلَكُ الموتِ صلَّى الله عليه وسلَّم فوقَف بالبابِ شبهَ أعرابيٍّ ثُمَّ قال السَّلامُ عليكم يا أهلَ بيتِ النُّبوَّةِ ومعدِنِ الرِّسالةِ ومختلفِ الملائكةِ أدخُلُ فقالت عائشةُ لفاطمةَ أجيبي الرَّجلَ فقالت فاطمةُ آجَرك اللهُ في ممشاك يا عبدَ اللهِ إنَّ رسولَ اللهِ مشغولٌ بنفسِه فنادى الثَّانيةَ فقالت عائشةُ يا فاطمةُ أجيبي الرَّجلَ فقالت فاطمةُ آجَرك اللهُ في ممشاك يا عبدَ اللهِ إنَّ رسولَ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم مشغولٌ بنفسِه ثم نادى الثَّالثةَ السَّلامُ عليكم يا أهلَ بيتِ النُّبوَّةَ ومعدِنِ الرِّسالةِ ومختلفِ الملائكةِ أدخُلُ فلا بدَّ من الدُّخولِ فسمِع رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم صوتَ مَلَكِ الموتِ فقال يا فاطمةُ مَن بالبابِ فقالت يا رسولَ اللهِ إنَّ رجلًا بالبابِ يستأذِنُ في الدُّخولِ فأجَبْناه مرَّةً بعدَ أخرى فنادى في الثَّالثةِ صوتًا اقشعَرَّ منه جلدي وارتعَدَت منه فرائِصي فقال لها النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يا فاطمةُ أتدرينَ مَن بالبابِ هذا هادِمُ اللَّذَّاتِ ومُفرِّقُ الجماعاتِ هذا مُرمِّلُ الأزواجِ وموتِّمُ الأولادِ وهذا مُخرِّبُ الدُّورِ وعامرُ القبورِ هذا مَلَكُ الموتِ صلَّى الله عليه وسلَّم ادخُلْ يرحَمُك اللهُ يا مَلَكَ الموتِ فدخَل مَلَكُ الموتِ على رسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم فقال رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم جِئْتَني زائرًا أم قابضًا قال جِئْتُك زائرًا وقابضًا وأمَرني اللهُ عزَّ وجلَّ ألَّا أدخُلَ عليك إلا بإذنِك ولا أقبِضَ روحَك إلا بإذنِك فإن أذِنْتَ وإلَّا رجَعْتُ إلى ربِّي عزَّ وجلَّ فقال رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم يا مَلَكَ الموتِ أينَ خلَفْتَ حبيبي جبريلَ قال خلَفْتُه في سماءِ الدُّنيا والملائكةُ يُعزُّونَه فيك فما كان بأسرعَ أن أتاه جبريلُ عليه السَّلامُ فقعَد عندَ رأسِه فقال رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم هذا الرَّحيلُ من الدُّنيا فبشِّرْني ما لي عندَ اللهِ قال أُبشِّرُك يا حبيبَ اللهِ أنِّي ترَكْتُ أبوابَ السَّماءِ قد فُتِحَت والملائكةُ قد قاموا صفوفًا صفوفًا بالتَّحيَّةِ والرَّيحانِ يُحَيُّونَ روحَك يا محمَّدُ قال لوجهِ ربِّي الحمدُ فبشِّرْني يا جبريلُ قال أُبشِّرُك أنَّ أبوابَ الجِنانِ قد فُتِحت وأنهارُها قد اطَّردَت وأشجارُها قد تدلَّت وحُورُها قد تزيَّنت لقُدومِ روحِك يا محمَّدُ قال لوجهِ ربِّي الحمدُ فبشِّرْني يا جبريلُ قال أنت أوَّلُ شافعٍ وأوَّل مشفَّعٍ يومَ القيامةِ قال لوجهِ ربِّي الحمدُ قال جبريلُ يا حبيبي عمَّا تسأَلُني قال أسأَلُك عن غمِّي وهمِّي مَن لقرَّاءِ القرآنِ من بعدي مَن لصوَّامِ شهرِ رمضانَ من بعدي مَن لحجَّاجِ بيتِ الله الحرامِ من بعدي مَن لأمَّتي المصطفاةِ من بعدي قال أبشِرْ يا حبيبَ اللهِ فإنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ يقولُ قد حرَّمْتُ الجنَّةَ على جميعِ الأنبياءِ والأممِ حتَّى تدخُلَها أنتَ وأمَّتُك قال الآنَ طابَت نفسي ادْنُ يا مَلَكَ الموتِ فانتَهِ إلى ما أُمِرْتَ به قال عليٌّ يا رسولَ اللهِ إذا أنت قُبِضْتَ فمَن يُغسِّلُك وفيمَ نُكفِّنُك ومَن يُصلِّي عليك ومَن يُدخِلُك القبرَ قال النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يا عليُّ أمَّا الغسلُ فاغسِلْني أنتَ والفضلُ بنُ عبَّاسٍ يصُبُّ عليك الماءَ وجبريلُ عليه السَّلامُ ثالثُكما فإذا أنتم فرَغْتُم من غسلي فكفِّنِّي في ثلاثةِ أثوابٍ جُددٍ وجبريلُ عليه السَّلامُ يأتيني بحَنوطٍ فإذا أنتم وضَعْتُموني على السَّريرِ فضَعوني في المسجدِ واخرُجوا فإنَّ أوَّلَ منَ يُصلِّي عليَّ الرَّبُّ عزَّ وجلَّ من فوقِ عرشِه ثُمَّ جبريلُ عليه السَّلامُ ثُمَّ ميكائيلُ ثُمَّ إسرافيلُ عليهما السَّلامُ ثُمَّ الملائكةُ زُمرًا زُمرًا ثُمَّ ادخُلوا فقوموا صفوفًا لا يتقدَّم عليَّ أحدٌ فقالت فاطمةُ اليومَ الفراقُ فمتى ألقاك قال يا بُنيَّةُ تلقيني يومَ القيامةِ عندَ الحوضِ وأنا أسقي مَن يرِدُ عليَّ الحوضَ من أمَّتي قالت فإن لم ألقَكْ يا رسولَ اللهِ قال تلقيني عندَ الصِّراطِ وأنا أُنادِي ربِّ سلِّمْ أمَّتي من النَّارِ فدَنا مَلَكُ الموتِ صلَّى الله عليه وسلَّم يُعالِجُ قبضَ رسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم فلمَّا بلَغ الرُّوحُ الرُّكبتينِ قال رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم أوه فلمَّا بلَغ الرُّوحُ السُّرَّةَ نادى رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم واكرباه فقالت فاطمةُ كربي لكربِك يا أبتاه فلمَّا بلَغ الرُّوح الثَّنْدُوَةَ قال رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم يا جبريلُ ما أشدَّ مرارةَ الموتِ فولَّى جبريلُ عليه السَّلامِ وجهَه عن رسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم فقال رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم يا جبريلُ كرِهْتَ النَّظرَ إليَّ فقال جبريلُ عليه السَّلامُ يا حبيبي ومَن تُطِيقُ نفسُه أن ينظُرَ إليك وأنت تُعالِجُ سكراتِ الموتِ فقُبِض رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم فغسَّله عليُّ بنُ أبي طالبٍ وابنُ عبَّاسٍ يصُبُّ عليه الماءَ وجبريلُ عليه السَّلامُ معهما فكُفِّن بثلاثةِ أثوابٍ جددٍ وحُمِل على سريرٍ ثُمَّ أدخَلوه المسجدَ ووضَعوه في المسجدِ وخرَج النَّاسُ منه فأوَّلُ مَن صلَّى عليه الرَّبُّ تبارَك وتعالى من فوقِ عرشِه ثُمَّ جبريلُ ثُمَّ ميكائيلُ ثُمَّ إسرافيلُ ثُمَّ الملائكةُ زُمرًا زُمرًا قال عليٌّ لقد سمِعْنا في المسجدِ هَمْهَمةً ولم نرَ لهم شخصًا فسمِعْنا هاتفًا يهتِفُ ويقولُ ادخُلوا رحِمكم اللهُ فصلُّوا على نبيِّكم صلَّى الله عليه وسلَّم فدخَلْنا وقُمْنا صفوفًا صفوفًا كما أمَر رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم فكبَّرْنا بتكبيرِ جبريلَ عليه السَّلامُ ما تقدَّم منَّا أحدٌ على رسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم ودخَل القبرَ أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ وعليُّ بنُ أبي طالبٍ وابنُ عبَّاسٍ ودُفِن رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم فلمَّا انصَرَف النَّاسُ قالت فاطمةُ لعليٍّ كيف طابَت أنفسُكم أن تُحثُوا التُّرابَ على رسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم أمَا كان في صدورِكم لرسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم الرَّحمةُ أما كان معلِّمَ الخيرِ قال بلى يا فاطمةُ ولكنَّ أمرَ اللهِ الَّذي لا مَرَدَّ له فجعَلَت تبكي وتندُبُ وتقولُ يا أبتاه الآنَ انقَطَع جبريلُ عليه السَّلامُ وكان جبريلُ يأتينا بالوحيِ من السَّماءِ
خرجتُ يومَ الخندقِ أقفُو آثارَ الناسِ قالت : فسمعتُ وئيدَ الأرضِ ورائي يعني حسَّ الأرضِ قالت : فالتفتُّ فإذا أنا بسعدِ بنِ معاذٍ ومعه ابنُ أخيه الحارثُ بنُ أوسٍ يحمل مِجنَّه قالت : فجلستُ إلى الأرضِ فمرَّ سعدٌ وعليه دِرعٌ من حديدٍ قد خرجتْ منها أطرافُه فأنا أتخوَّفُ على أطرافِ سعدٍ قالت : فمرَّ وهو يرتجزُ ( ويقول : لَيْتَ قَلِيلًا يُدْرِكِ الْهَيْجَا حمَلْ ... مَا أَحْسَنَ الْمَوْتَ إِذَا حَانَ الْأَجَلْ) قالت : فقمت فاقتحمتُ حديقةً فإذا فيها نفرٌ من المسلمين وإذا فيهم عمرُ بنُ الخطابِ وفيهم رجلٌ عليه تسبِغةٌ له يعنى مِغفرًا فقال عمرُ : ما جاء بك لَعَمري والله إنكِ لجريئةٌ وما يؤمنِك أن يكون بلاءٌ أو يكون تحوَّزٌ قالت : فما زال يلومُني حتى تمنَّيتُ أنَّ الأرضَ انشقَّتْ لي ساعتَئذٍ فدخلتُ فيها قالت فرفع الرجلُ التَّسبِغةَ عن وجهِه فإذا طلحةُ بنُ عُبيدِ اللهِ فقال : يا عمرُ إنك قد أكثرتَ منذُ اليومَ وأين التحوُّزُ أو الفرارُ إلا إلى اللهِ عزَّ وجلَّ قالت ويرمي سعدًا رجلٌ من المشركين من قريشٍ يقال له ابنُ العَرقةِ بسهمٍ له فقال له خُذْها وأنا ابنُ العَرقةِ فأصاب أكحُلَه فقطعه فدعا اللهَ عزَّ وجلَّ سعدٌ فقال اللهمَّ لا تُمِتْني حتى تُقرَّ عيني من قُريظةَ قالت وكانوا حلفاءَ مواليه في الجاهليةِ قالت : فرقِيَ كَلْمُه أي جُرحَه وبعث اللهُ عزَّ وجلَّ الريحَ على المشركين ف(كَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللهُ قَوِيًّا عَزِيزًا) فلحِق أبو سفيانَ ومن معه بتِهامةَ ولحق عُيينةُ بنُ بدرٍ ومن معه بنجدٍ ورجعتْ بنو قُريظةَ فتحصَّنوا في صياصِيهم ورجع رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ إلى المدينةِ فوضع السلاحَ وأمر بقُبَّةٍ من أدَمٍ فضُربَتْ على سعدٍ في المسجدِ قالت فجاء جبريلُ عليه السلامُ وإنَّ على ثناياه لَنقعُ الغُبارِ فقال : أوقدْ وضعتَ السِّلاحَ ؟ واللهِ ما وضعتِ الملائكةُ بعدُ السِّلاحَ اخرُجْ إلى بني قُريظةَ فقاتِلهم قالت : فلبسَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لأْمتَه وأذَّن في الناسِ بالرَّحيلِ أن يخرُجوا فخرج رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فمرَّ على بني غنمٍ وهم جيرانُ المسجدِ حولَه فقال : من مرَّ بكم ؟ فقالوا : مرَّ بنا دِحيةُ الكَلبيُّ وكان دِحيةُ الكلبيُّ تشبِه لحيتُه وسِنُّه ووجهُه جبريلَ عليه السلامُ فقالت : فأتاهم رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فحاصرَهم خمسًا وعشرين ليلة ًفلما اشتدَّ حصرُهم واشتدَّ البلاءُ قيل لهم انزِلوا على حكمِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فاستشاروا أبا لُبابة بنَ عبدِ المنذرِ فأشار إليهم أنه الذَّبحُ قالوا : ننزلُ على حُكمِ سعدِ بنِ معاذٍ فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ انزِلوا على حكمِ سعدِ بنِ معاذٍ فنزلوا وبعث رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ إلى سعدِ بن معاذٍ فأُتِيَ به على حمارٍ عليه إِكافٌ من ليفٍ قد حُمِل عليه وحَفَّ به قومُه فقالوا يا أبا عمرو :حلفاؤك ومواليك وأهلُ النكايةِ ومن قد علمتَ فلم يُرجِعْ إليهم شيئًا ولا يلتفتُ إليهم حتى إذا دنا من دورِهم التفتَ إلى قومِه فقال قد آنَ لي أن لا أُباليَ في اللهِ لومةَ لائمٍ قال قال أبو سعيدٍ فلما طلع على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قال قومُوا إلى سيِّدِكم . . . قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : احكمْ فيهم قال سعدٌ : فإني أحكمُ فيهم أن تُقتلَ مُقاتلتُهم وتُسبى ذراريهم وتُقسمَ أموالُهم فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : لقد حكمتَ بحكمِ اللهِ عزَّ وجلَّ وحكمِ رسولِه قالت : ثم دعا سعدٌ قال اللهمَّ إن كنتَ أبقيتَ على نبيِّك صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ من حربِ قريشٍ شيئًا فأبقِني لها وإن كنتَ قطعتَ الحربَ بينه وبينهم فاقبضْني إليك قالت فانفجَر كَلْمُه وكان قد برئَ حتى ما يُرى منه إلا مثلُ الخرصِ ورجع إلى قُبَّته التي ضرب عليه رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قالت عائشةُ : فحضره رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وأبو بكرٍ وعمرُ قالت فوالذي نفسُ محمد بيدِه إني لأعرفُ بكاءَ عمرَ من بكاءِ أبِي بكرٍ وأنا في حُجرتي وكانوا كما قال اللهُ عزَّ وجلَّ : { رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ } قال علقمةُ : قلتُ : أي أُمَّه فكيف كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يصنعُ ؟ قالت : كانت عينُه لا تدمعُ على أحدٍ ولكنه كان إذا وجَد فإنما هو آخذٌ بلِحيتِه
خرجتُ يومَ الخندقِ أقفوا آثارَ الناسِ فسمعتُ وئيدَ الأرضِ من ورائي يعني حسَّ الأرضِ قالتْ فإذا أنا بسعدِ بنِ معاذٍ ومعه ابنُ أخيه الحرْثُ بنُ أوسٍ يحملُ مِجَنَّهُ قالتْ فجلستُ إلى الأرضِ فمَرَّ سعدٌ وعليه درعٌ من حديدٍ قد خرجتْ منها أطرافُه فأنا أتخوَّفُ على أطرافِ سعدٍ قالتْ وكان سعدٌ من أعظمِ الناسِ وأطولِهِم قالتْ فمَرَّ وهو يرتجزُ ويقولُ لَبِّثْ قليلًا يُدرِكُ الهيجا حَمَلْ ما أحسنَ الموتَ إذا حانَ الأَجَلْ – قالتْ فاقتحمتُ حديقةً فإذا فيها نفرٌ من المسلمينَ وإذا فيها عمرُ بنُ الخطابِ وفيهم رجلٌ عليه تَسْبِغَةٌ له يعني المِغْفَرَ فقال عمرُ ما جاءَ بكِ لعمري إنَّكِ لجريئةٌ وما يُؤْمِنُكِ أن لا يكونَ تحَوَّزٌ قالتْ فما زالَ يلومُني حتى تَمنَّيتُ أنَّ الأرضَ انشقَّتْ لي ساعتَئذٍ فدخلتُ فيها قال فرفعَ الرجلُ التَّسْبِغَةَ عن وجهِه فإذا طلحةُ بنُ عُبيدِ اللهِ فقال ويحكَ يا عمرُ إنَّكَ قد أكثرتَ منذُ اليومَ وأينَ التَّحَوُّزُ والفِرارُ إلَّا إلى اللهِ تعالى قالتْ ويرمي سعدًا رجلٌ من المشركينَ من قريشٍ يُقالُ له ابنُ العَرِقَةِ بسهمٍ له فقال له خُذْها وأنا ابنُ العَرِقَةِ فأصابَ أُكحَلَهُ فقطعَه فدعا اللهَ سعدٌ فقال اللهمَّ لا تُمتني حتى تُقِرَّ عيني من بني قريظةَ فيخرجوا من صياصيهِم ورجعَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إلى المدينةِ وأمَر بِقُبَّةٍ من أَدَمٍ فَضُربَتْ على سعدٍ في المسجدِ قالتْ فجاءَه جبريلُ عليه السلامُ وإنَّ على ثناياهُ لَنَقْعُ الغُبارِ فقال لقد وضعتَ السلاحَ لا واللهِ ما وضعتِ الملائكةُ بعدُ السلاحَ اخرُجْ إلى بني قريظةَ فقاتلْهُم قال فلبِسَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لامَتَهُ وأذَّنَ في الناسِ بالرَّحيلِ أن يخرجوا فخرجَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فَمرَّ على بني غَنْمٍ و هم جيرانُ المسجدِ فقال من مَرَّ بكم فقالوا مَرَّ بنا دِحْيَةُ الكلبيُّ وكان دِحْيةُ تُشبِهُ لحيتُه ووجُهُ جبريلَ عليه السلامُ قالتْ فأتاهم رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فحاصرَهم خمسًا وعشرينَ ليلةً فلمَّا اشتَدَّ حصرُهُم واشتَدَّ البلاءَ قيل لهمُ انزلوا على حكمِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فاستشاروا أبا لُبابَةَ بنَ عبدِ المنذرِ فأشارَ إليهم أنَّه الذَّبحُ فقالوا ننزِلُ على حكمِ سعدِ بنِ معاذٍ وبعثَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إلى سعدِ بنِ معاذٍ فأُتي به على حمارٍ عليه أَكافٌ من ليفٍ قد حُمِلَ عليه وحَفَّ به قومُه وقالوا له يا أبا عمرو وحلفاؤُكَ ومواليكَ وأهلُ النِّكايةِ ومَن قد علمتَ فلمْ يرجعْ إليهم شيئًا ولا يلتفتْ إليهم حتى إذا دنا من دورِهم التفتَ إلى قومِهِ فقال قد أتى لي أن لا يأخُذَني في اللهِ لومةَ لائمٍ قال قال أبو سعيدٍ فلمَّا طلعَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قوموا إلى سيِّدِكُم فأنزِلُوه قال عمرُ سيِّدُنا اللهُ قال أنزِلوه فأنزَلوه قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ احكمْ فيهم قال سعدٌ فإنِّي أحكمُ فيهم أن تُقْتَلَ مُقاتِلَتُهُم وتُسبى ذراريُّهُم وتُقسَمَ أموالُهم فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لقد حَكمْتَ فيهم بحكمِ اللهِ عزَّ وجلَّ وحكمِ رسولِه قال ثم دعا سعدٌ فقال اللهمَّ إن كنتَ أبقيتَ على نبيِّكَ من حربِ قريشٍ شيئًا فأَبْقِني لها وإن كنتَ قطعتَ الحربَ بينَه وبينهم فاقبِضْني إليكَ قالتْ فانفجَرَ كَلْمُه وكان قد برأَ إلَّا مثلُ الخُرْصِ قالتْ ورجعَ إلى قُبَّتِهِ التي ضربَ عليه رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قالت عائشةُ فحضرَه رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وأبو بكرٍ وعمرَ قالتْ فوالذي نفسُ محمدٍ بيدِه إني لأعرفُ بكاءَ عمرَ من بكاءِ أبي بكرٍ وأنا في حُجرَتي وكانوا كما قال اللهُ عزَّ وجلَّ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ قال علقمةُ فقلتُ أيْ أُمَّهْ فكيفَ كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يصنعُ قالتْ كانتْ عينُهُ لا تَدمَعُ على أحدٍ ولكنَّهُ كان إذا وجَدَ فإنَّما هو آخِذٌ بلحْيَتِه
عنْ عائِشةَ قالتْ خرجتُ يومَ الخندقِ أقْفو النَّاسَ فسمعتُ وئيدَ الأرضِ وَرائي فإذا أنا بِسعدِ بنِ معاذٍ ومعَهُ ابنُ أخيهِ الحارثُ بنُ أوسٍ يحمِلُ مِجَنَّةً قالتْ فجلستُ إِلى الأرضِ فمرَّ سعدٌ وعليهِ دِرعٌ من حديدٍ قد خرجَتْ منها أطرافُهُ فأنا أتخوَّفُ على أطرافِ سعْدٍ قالت وكانَ سعدٌ من أعظَمِ النَّاسِ وأطوَلِهمْ فمرَّ وهوَ يرتجزُ ويقولُ لبِّثْ قليلًا يدركِ الهيجا جمَلْ ما أحسنَ الموتَ إذا حانَ الأجلْ قالتْ فقمتُ فاقتحمتُ حديقَةً فإذا نفرٌ منَ المسلمينَ فإذا فيها عمرُ بنُ الخطَّابِ وفيهمْ رجل عليه سَبْغَةٌ لهُ تعني الْمِغْفَرَ فقالَ عُمَرُ ما جاءَ بكِ واللَّهِ إنَّكِ لجريئةٌ وما يؤمِنُكِ أن يكونَ بلاءٌ أوْ يكونَ تَحوُّزٌ فما زال يلومُني حتى تمنَّيتُ أن الأرض فُتِحتْ ساعتَئِذٍ فدخَلتُ فيها فرفعَ الرَّجلُ السَّبغَةَ عن وجههِ فإذا هوَ طَلحَةُ بنُ عُبيدِ اللَّهِ فقالَ يا عُمَرُ ويحَكَ إنَّكَ قد أكثرتَ منذُ اليومِ وأينَ التَّحوُّزُ أوِ الفرارُ إلَّا إلى اللَّهِ عزَّ وجلَّ قالتْ ويَرمِي سعدًا رجلٌ من قريشٍ يقالُ لهُ ابنُ العرَقةِ وقالَ خُذْهَا وأنا ابنُ العرَقةِ فأصابَ أكحَلَهُ فقطَعهُ فدعا اللَّهَ سعدٌ فقَال اللَّهمّ لا تُمِتْني حتَّى تُقِرَّ عينِي من بَنِي قُرَيظةَ قالتْ وكانوا حلفاءَهُ ومواليهِ في الجاهليَّةِ قالتْ فَرَقأَ كَلْمُهُ وبعثَ اللَّهُ الرِّيحَ على المشرِكينَ وكفَى اللَّهُ المؤمنينَ القِتالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا فَلَحِقَ أبو سفيانَ ومن معَهُ بِتِهامَةَ ولَحِقَ عُيَيْنَةُ بنُ بَدْرٍ ومن معهُ بِنجْدٍ ورجعَتْ بَنو قُرَيظةَ فتَحصَّنوا في صَياصيهم ورجعَ رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ إلى المدينةِ وأمرَ بقُبَّةٍ مِن أَدَمٍ فضُربَتْ على سعْدٍ في المسْجِدِ قالتْ فجاء جِبْريلُ وإنَّ على ثناياهُ لنقْعُ الغُبارِ فقالَ أقدْ وَضعتَ السِّلاحَ لا واللَّهِ ما وضعتِ الملائكةُ السِّلاحَ بَعدُ اخرُجْ إلى بَنِي قُريظةَ فَقاتِلْهُمْ قالت فَلبِسَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّم لأْمَتَهُ وأذَّنَ في النَّاسِ بالرَّحيلِ أنْ يخرجوا فمَرَّ على بني غَنْمٍ وهمْ جيرانُ المسجِدِ حولَهُ فقالَ مَنْ مرَّ بكم قالوا مرَّ بنا دِحيةُ الكلبيُّ وكانَ دِحْيَةُ الكلبيُّ تُشبِهُ لحيتُهُ وسِنُّهُ ووجهُهُ جِبريلَ عليهِ السَّلامُ فأتاهُمْ رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ فحاصَرَهُم خمسًا وعشرِينَ لَيْلةً فلمَّا اشتدَّ حصْرُهُمْ واشتدَّ البلاءُ قيلَ لهمُ انزِلوا على حُكْمِ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ فاستشاروا أبا لُبابَةَ بنَ عبدِ المنذِرِ فأشارَ إليهِمْ أنَّهُ الذَّبحُ قالوا ننزِلُ على حُكْمِ سعدِ بنِ معاذٍ فقالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ انزِلوا على حُكْمِ سعدِ بنِ معاذٍ فأُتِيَ بهِ على حمارٍ عليهِ إكافٌ من ليفٍ قد حُمِلَ عليهِ وحَفَّ بهِ قومُهُ فقالوا يا أبا عَمرٍو حلفاؤُكَ ومَواليكَ وأهلُ النِّكايةِ ومن قدْ عَلِمتَ قالتْ ولا يرجِعُ إليهم شيئًا ولا يلتفِتُ إليهِمْ حتَّى إذا دنا من دُورِهمُ التفتَ إلى قومهِ فقالَ قد آنَ لي أن لا أُباليَ في اللَّهِ لوْمَةَ لائِمٍ قالتْ قالَ أبو سعيدٍ فلمَّا طلَعَ قالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمْ قوموا إلى سيِّدِكُمْ فأنزِلوهُ قالَ عُمَرُ سيِّدُنا اللَّهُ قالَ أنْزِلوهُ فأنزَلوه قالَ رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ احكُمْ فيهم فقالَ سعدٌ فإنِّي أحكمُ فيهم أن تُقتَلَ مقاتِلَتُهُمْ وتُسبَى ذَرَارِيُّهمْ وتُقَسَّمَ أموالُهُمْ فقالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ لقد حَكمْتَ فيهم بِحُكمِ اللَّهِ وحُكمِ رسولهِ ثمَّ دعا سعدٌ فقالَ اللَّهمَّ إنْ كنتَ أبقَيتَ على نَبِيِّك من حربِ قريشٍ شيئًا فأبقِني لهَا وإن كنتَ قطعتَ الحربَ بينهُ وبينهُمْ فاقبِضْني إليكَ قالت فانفجرَ كَلْمُهُ وكانَ قد بَرِئَ حتَّى لا يُرَى منهُ إلَّا مثلُ الخُرْصِ ورجعَ إلى قُبَّتهِ الَّتي ضربَ عليهِ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ قالت عائِشَةُ فحضَرهُ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ وأبو بكرٍ وعُمَرَ قالت فوَ الَّذي نفسُ محمَّدٍ بيدهِ إنِّي لأعرفُ بُكاءَ عُمَرَ من بكاءِ أبي بكرٍ وأنا في حُجْرَتي وكانوا كما قالَ اللَّهُ رُحَمَاءُ بَينَهُمْ قالَ علقَمَةُ فقلتُ يا أُمَّهْ فكيفَ كانَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ يَصْنَعُ قالتْ كانتْ عَينُهُ لا تدمَعُ على أحدٍ ولكنَّهُ كانَ إذا وجدَ فإنَّما هُوَ آخِذٌ بلِحيَتِهِ
لمَّا نزلتْ { إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ } [ النَّصر : 1 ] إلى آخرِ السُّورةِ قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : يا جبريلُ نفسي قد نُعِيَتْ ، قال جبريلُ : { وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى } [ الضُّحى : 4 - 5 ] فأمر رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بلالًا ينادي : الصَّلاةُ جامعةٌ ، فاجتمع المهاجرون ، والأنصارُ إلى مسجدِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فصلَّى بالنَّاسِ ثمَّ صعِد المنبرَ فحمِد اللهَ وأثنَى عليه ، ثمَّ خطَب خُطبةً وَجِلتْ منها القلوبُ وبكتْ منها العيونُ ، ثمَّ قال : أيُّها النَّاسُ أيُّ نبيٍّ كنتُ لكم ؟ فقالوا : جزاك اللهُ من نبيٍّ خيرًا فلقدْ كُنتَ لنا كالأبِ الرَّحيمِ ، وكالأخِ النَّاصحِ المشفقِ ، أدَيْتَ رسالاتِ اللهِ وأبلغتنا وحيَه ، ودعوتَ إلى سبيلِ ربِّك بالحكمةِ والموعظةِ الحسنةِ ، فجزاك اللهُ عنَّا أفضلَ ما جازَى نبيًّا عن أمَّتِه ، فقال لهم : معاشرَ المسلمين أنشدُكم باللهِ ، وبحقِّي عليكم ، من كانت له قِبَلي مَظلمةٌ فليقُمْ فليقتصَّ منِّي ، فلم يقُمْ إليه أحدٌ ، فناشدهم اللهَ ، فلم يقُمْ إليه أحدٌ ، فناشدهم الثَّالثةَ : معاشرَ المسلمين ! من كانت له من قِبَلي مظلمةٌ فليقُمْ فليقتصَّ منِّي قبلَ القِصاصِ في القيامةِ فقام من بينِ المسلمين شيخٌ كبيرٌ يُقالُ له عُكَّاشةُ ، فتخطَّى المسلمين حتَّى وقف بينَ يدَيِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ، فقال : فِداكَ أبي وأمِّي ، لولا أنَّك ناشدتَنا مرَّةً بعدَ أخرَى ما كنتُ بالَّذي أنقلِعُ على شيءٍ منك ، كنتُ معك في غَزاةٍ فلمَّا فتح اللهُ علينا فكنَّا في الانصرافِ ، حاذت ناقتي ناقتَك فنزلتُ عن النَّاقةِ ودنوتُ منك لأقبِّلَ فخِذَك ، فرفعتَ القضيبَ فضربتَ خاصرتي ، فلا أدري أكان عمدًا منك أم أردتَ ضربَ النَّاقةِ ؟ فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : يا عُكَّاشةُ أُعيذُك بجلالِ اللهِ أن يتعمَّدَك رسولُ اللهِ بالضَّربِ . يا بلالُ انطلِقْ إلى منزلِ فاطمةَ وأتني بالقضيبِ الممشوقِ ، فقالت فاطمةُ : وما يصنعُ أبي بالقضيبِ الممشوقِ ، وليس هذا يومَ حجٍّ ولا يومَ غَزاةٍ ؟ فقال : يا فاطمةُ ما أغفلَك عمَّا فيه أبوك ؟ إنَّ رسولَ اللهِ يُودِّعُ الدِّينَ ويُفارِقُ الدُّنيا ، ويُعطي القِصاصَ من نفسِه ، فقالت فاطمةُ : يا بلالُ ومن ذا الَّذي تطيبُ نفسُه أن يقتصَّ من رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟ يا بلالُ إذن فقلْ للحسنِ والحسينِ يقومان إلى هذا الرَّجلِ فيقتصَّ منهما ولا يدعانه يقتصُّ من رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فدخلَ بلالٌ المسجدَ ، ودفع القضيبَ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فدفع رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم القضيبَ إلى عُكَّاشةَ ، فلمَّا نظر أبو بكرٍ وعمرُ إلى ذلك قاما فقالا : يا عُكَّاشةُ ها نحن بين يدَيْك ، فاقتصَّ منَّا ولا تقتصَّ من رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ، فقال لهما النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : امضِ أبا بكرٍ ، وأنتَ يا عمرُ فامضِ ، فقد عرف اللهُ عزَّ وجلَّ مكانَكما ومقامَكما ، فقام عليُّ بنُ أبي طالبٍ فقال : يا عُكَّاشةُ أنا في الحياةِ بين يدَيْ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ولا تطيبُ نفسي أن تضرِبَ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهذا ظهرِي وبطني فاقتصَّ منِّي بيدِك واجلدنِي مائةً ، ولا تقتصَّ من رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يا عليُّ اقعُدْ ، فقد عرف اللهُ عزَّ وجلَّ مقامَك ونيَّتَك ، وقام الحسنُ والحسينُ فقالا : يا عُكَّاشةُ أليس تعلَّمُ أنا سِبطا رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟ فالقِصاصُ منَّا كالقِصاصِ من رسولِ اللهِ ، فقال لهما النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم اقعُدا يا قُرَّةَ عيني ، لا نَسِي اللهُ لكما هذا المقامَ ، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : يا عُكَّاشةُ اضرِبْ إن كنتَ ضاربًا ، فقال : يا رسولَ اللهِ ضربتني وأنا حاسرٌ عن بطني ، فكشف عن بطنِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وصاح المسلمون بالبكاءِ ، وقالوا : ترَى عُكَّاشةَ ضاربًا بطنَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟ فلمَّا نظر عُكَّاشةُ إلى بياضِ بطنِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كأنَّه القَبَاطِيُّ لم يملكْ أن أكبَّ عليه فقبَّل بطنَه وهو يقولُ : فداكَ أبِي وأمِّي ، ومن تُطيقُ نفسُه أن يقتصَّ منك ؟ فقال له النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : إمَّا أن تضرِبَ وإمَّا أن تعفوَ ، فقال : قد عفوتُ عنك رجاءَ أن يعفوَ اللهُ عنِّي في القيامةِ ، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم من أراد أن ينظُرَ إلى رفيقِي في الجنَّةِ فلينظُرْ إلى هذا الشَّيخِ ، فقام المسلمون ، فجعلوا يُقبِّلون ما بين عينَيْه ، ويقولون : طوباك ، طوباك نِلتَ الدَّرجاتِ العُلَى ، ومرافقةَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ، فمرِض رسولُ اللهِ من يومِه فكان مرضُه ثمانيةَ عشرَ يومًا يعودُه النَّاسُ ، وكان صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وِلِد يومَ الإثنين ، وبُعث يومَ الإثنين ، وقُبِض يومَ الإثنين ، فلمَّا كان يومُ الأحدِ ثَقُل في مرضِه ، فأذَّن بلالٌ ، ثمَّ وقف بالبابِ فنادَى : السَّلامُ عليك يا رسولَ اللهِ ورحمةُ اللهِ وبركاتُه ، الصَّلاةَ يرحمُكَ اللهُ ! فسمِع رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم صوتَ بلالٍ فقالتْ فاطمةُ : يا بلالُ إنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم اليومَ مشغولٌ بنفسِه فدخل بلالٌ المسجدَ فلمَّا أسفر الصُّبحُ قال : واللهِ لا أُقيمُها أو أستأذِنُ سيِّدي رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فخرج وقام بالبابِ ونادَى : السَّلامُ عليك يا رسولَ اللهِ ورحمةُ اللهِ الصَّلاةُ يرحمُك اللهُ ! فسمِع رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم صوتَ بلالٍ فقال : ادخُلْ يا بلالُ إنَّ رسولَ اللهِ مشغولٌ بنفسِه مُرْ أبا بكرٍ يُصلِّي بالنَّاسِ فخرج ويدُه على أمِّ رأسِه يقولُ : يا غوْثاه باللهِ ! وانقطاعَ رجائي ، وانفصامَ ظهري ، ليتني لم تلِدْني أمِّي ، وإذ ولدتني لم أشهَدْ مِن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم هذا اليومَ ثم قال يا أبا بكرٍ ألا إنَّ رسولَ اللهِ أمرك أن تصلِّيَ بالنَّاسِ فتقدَّم أبو بكرٍ ، وكان رجلًا رقيقًا ، فلمَّا نظر إلى [ خلُوِّ ] المكانِ من رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لم يتمالَكْ أن خرَّ مغشيًّا عليه ، وصاح المسلمون بالبكاءِ ، فسمِع رسولُ اللهِ ضجيجَ النَّاسِ ، فقال ما هذه الضَّجَّةُ ؟ فقالوا : ضجَّةُ المسلمين لفقدِك يا رسولَ اللهِ ! فدعا النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عليًّا والعبَّاسَ ، فاتَّكأ عليهما فخرجَ إلى المسجدِ فصلَّى بالنَّاسِ ركعتَيْن خفيفتَيْن ، ثمَّ أقبل بوجهِه المليحِ عليهم فقال : معشرَ المسلمين أستودِعُكم اللهَ ، أنتم في رجاءِ اللهِ وأمانتِه ، واللهُ خليفتي عليكم ، معاشرَ المسلمين عليكم باتِّقاءِ اللهِ ! وحفْظِ طاعتِه من بعدي ، فإنِّي مفارقٌ الدُّنيا هذا أوَّلُ يومٍ من أيَّامِ الآخرةِ ، وآخرُ يومٍ من الدُّنيا فلمَّا كان يومُ الإثنينِ اشتدَّ به الأمرُ ، وأوحَى اللهُ تعالَى إلى ملَكِ الموتِ أن اهبِطْ إلى حبيبي وصفيِّي محمَّدٍ في أحسنِ صورةٍ ، وارفُقْ به في قبضِ روحِه ، فهبط ملَكُ الموتِ ، فوقف بالبابِ شبهَ أعرابيٍّ ، ثمَّ قال : السَّلامُ عليكم يا أهلَ بيتِ النُّبوَّةِ ، ومعدِنَ الرِّسالةِ ومختلفَ الملائكةِ أدخُلُ ؟ فقالت عائشةُ لفاطمةَ أجيبي الرَّجلَ ، فقالت فاطمةُ : آجرك اللهُ في ممشاك يا عبدَ اللهِ ، إنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم اليومَ مشغولٌ بنفسِه ، فنادَى الثَّانيةَ فقالت عائشةُ : يا فاطمةُ أجيبي الرَّجلَ ، فقالت فاطمةُ آجركَ اللهُ في ممشاك يا عبدَ اللهِ إنَّ رسولَ اللهِ اليومَ مشغولٌ بنفسِه ، ثمَّ دعا الثَّالثةَ فقال : السَّلامُ عليكم يا أهلَ بيتِ النُّبوَّةِ ومعدِنَ الرِّسالةِ ومختلفَ الملائكةِ أدخُلُ ؟ فلا بدَّ من الدُّخولِ ! فسمِع رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم صوتَ ملَكِ الموتِ ، فقال : يا فاطمةُ مَن بالبابِ ؟ فقالت : يا رسولَ اللهِ إنَّ رجلًا بالبابِ يستأذِنُ في الدُّخولِ فأجبناه مرَّةً بعد أخرَى فنادَى في الثَّالثةِ صوتًا اقشعرَّ منه جلدي ، وارتعَدَتْ منه فرائصي ، فقال لها النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : يا فاطمةُ أتدرين من بالبابِ ؟ هذا هادمُ اللَّذاتِ ومفرِّقُ الجماعاتِ ، هذا مُرمِّلُ الأزواجِ ، ومُوتِمُ الأولادِ ، هذا مخرِّبُ الدُّورِ ، وعامرُ القبورِ ، هذا ملَكُ الموتِ ، ادخلْ يرحمْك اللهُ يا ملَكَ الموتِ جئتني زائرًا أم قابضًا ؟ قال : جئتُك زائرًا وقابضًا ، وأمرني اللهُ عزَّ وجلَّ أن لا أدخلَ عليك إلَّا بإذنِك ، ولا أقبضُ روحَك إلَّا بإذنِك ، فإن أذِنتَ وإلَّا رجِعتُ إلى ربِّي فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : يا ملَكَ الموتِ أين خلَّفت حبيبي جبريلَ ؟ فقال : خلَّفتُه في السَّماءِ الدُّنيا والملائكةُ يُعزُّونه فيك ، فما كان بأسرع أن أتاه جبريلُ ، فقعد عندَ رأسِه ، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : يا جبريلُ ! هذا الرَّحيلُ من الدُّنيا فبشِّرْني ما لي عند اللهِ ؟ قال : أُبشِّرُك يا حبيبَ اللهِ إنِّي تركتُ أبوابَ السَّماءِ قد فُتِحَتْ والملائكةُ قد قاموا صفوفًا بالتَّحيَّةِ والرَّيحانِ يُحيُّونَ روحَك يا محمَّدُ ، فقال : لوجهِ ربِّي الحمدُ ، فبشِّرْني يا جبريلُ ، قال : أُبشِّرُك أنَّ أبوابَ الجنَّةِ قد فُتِّحتْ ، وأنهارُها قد اطَّردتْ وأشجارُها قد تدلَّتْ ، وحورُها قد تزيَّنتْ لقُدومِ روحِك يا محمَّدُ . قال : لوجهِ ربِّي الحمدُ ! بشِّرْني يا جبريلُ ، قال : أبوابُ النِّيرانِ قد أطبَقتْ لقُدومِ روحِك يا محمَّدُ ، قال : لوجهِ ربِّي الحمدُ ! فبشِّرْني يا جبريلُ ، قال : أنت أوَّلُ شافعٍ وأوَّلُ مُشفَّعٍ في القيامةِ ، قال لوجهِ ربِّي الحمدُ ! فبشِّرْني يا جبريلُ : يا حبيبي عمَّ تسألُني ؟ قالَ : أسألُك عن غمِّي وهمِّي من لقُرَّاءِ القرآنِ من بعدي ، من لصُّوَّامِ رمضانَ من بعدي ؟ من لحُجَّاجِ بيتِ اللهِ الحرامِ من بعدي ؟ من لأمَّتي المصطفاةِ من بعدي ؟ قال : أُبشِّرُك يا حبيبَ اللهِ فإنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ يقولُ : قد حرَّمتُ الجنَّةَ على جميعِ الأنبياءِ والأممِ حتَّى تدخُلَها أنتَ وأمَّتُك يا محمَّدُ . قال : الآنَ طابتْ نفسي ، ادْنُ يا ملكَ الموتِ فانتَهِ إلى ما أُمِرْتَ : فقال عليٌّ رضِي اللهُ عنه : إذا أنت قُبِضتَ فمن يُغسِّلُك وفيم نُكفِّنُك ؟ ومن يُصلِّي عليك ؟ ومن يدخُلُ القبرَ ؟ فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : يا عليٌّ أمَّا الغُسلُ فاغسلني أنت ، وابنُ عبَّاسٍ يصبُّ عليك الماءَ ، وجبريلُ ثالثُكما ، فإذا أنتم فرغتُم من غسلي فكفِّنوني في ثلاثةِ أثوابٍ جُددٍ ، وجبريلُ يأتيني بحنوطٍ من الجنَّةِ ، فإذا أنتم وضعتموني على السَّريرِ فضعوني في المسجدِ ، واخرجوا عنِّي فإنَّ أوَّلَ من يُصلِّي عليَّ الرَّبُّ عزَّ وجلَّ من فوقِ عرشِه ، ثمَّ جبريلُ ، ثمَّ ميكائيلُ ، ثمَّ إسرافيلُ ، ثمَّ الملائكةُ ، زُمَرًا زُمَرًا ، ثمَّ ادخلوا فقُوموا صفوفًا صفوفًا لا يتقدَّمُ عليَّ أحدٌ ، فقالت فاطمةُ : اليومَ الفِراقُ ، فمتَى ألقاك ، فقال لها : يا بُنيَّةُ تلقينني يومَ القيامةِ عند الحوضِ وأنا أسقِي من يرِدُ على الحوضِ من أمَّتي ، قالت : فإن لم ألقَك يا رسولَ اللهِ ؟ قال : تلقينني عند الميزانِ ، وأنا أشفعُ لأمَّتي ، قالت : فإن لم ألقَك يا رسولَ اللهِ ؟ قالَ : تلقينني عند الصِّراطِ وأنا أُنادي : ربِّ سلَّم أمَّتي من النَّارِ ، فدنا ملَكُ الموتِ فعالج قبْضَ روحِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ، فلمَّا بلغ إلى الرُّكبتَيْن قال النَّبيُّ : أُوَاه ! فلمَّا بلغ الرَّوحُ إلى السُّرَّةِ نادَى النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : واكرْبَاه ! فقالتْ فاطمةُ : كربي لكربِك يا أبتاه ! فلمَّا بلغ الرُّوحُ إلى الثُّندُوَةِ قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : يا جبريلُ ما أشدَّ مرارةَ الموتِ ! فولَّى جبريلُ وجهَه عن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : يا جبريلُ كرِهتَ النَّظرَ إليَّ ؟ فقال جبريلُ : يا حبيبي ومن تُطيقُ نفسُه أن ينظُرَ إليك وأنت تُعالِجُ سكَراتِ الموتِ ، فقُبِض رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فغسَّله عليُّ بنُ أبي طالبٍ وابنُ عبَّاسٍ يصُبُّ الماءَ ، وجبريلُ عليه السَّلامُ معهما ، وكُفِّنَ في ثلاثةِ أثوابٍ جُددٍ ، وحُمِل على السَّريرِ ، ثمَّ أدخلوه المسجدَ وخرج النَّاسُ عنه ، وأوَّلُ من صلَّى عليه الرَّبُّ من فوقِ عرشِه تعالَى وتقدَّس ثمَّ جبريلُ ، ثمَّ ميكائيلُ ، ثمَّ إسرافيلُ ، ثمَّ الملائكةُ زُمَرًا زُمَرًا ، قال عليٌّ رضِي اللهُ عنه : لقد سمِعنا في المسجدِ همهمةً ولم نرَ لهم شخصًا ، فسمِعنا هاتفًا يهتِفُ وهو يقولُ : ادخلوا رحِمكم اللهُ ! فصلُّوا على نبيِّكم صلَّى اللهُ عليه وسلمَ ، فدخلنا فقُمنا صفوفًا كما أمرنا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فكبَّرنا بتكبيرِ جبريلَ . وصلَّيْنا على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بصلاةِ جبريلَ ما تقدَّم منَّا أحدٌ على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ، ودخل القبرَ عليُّ بنُ أبي طالبٍ وابنُ عبَّاسٍ وأبو بكرٍ الصِّدِّيقُ ، ودُفِن رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ، فلمَّا انصرف النَّاسُ قالت فاطمةُ : يا أبا الحسنِ دفنتُم رسولَ اللهِ ؟ قال : نعم قالتْ فاطمةُ : كيف طابتْ أنفسُكم أن تحثوا التُّرابَ على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟ أما كان في صدورِكم لرسولِ اللهِ الرَّحمةُ ؟ أما كان مُعلِّمَ الخيرِ ؟ قال : بلى يا فاطمةُ ، ولكنَّ أمرَ اللهِ عزَّ وجلَّ الَّذي لا مردَّ له ، فجعلتْ تبكي ، وتندُبُ وهي تقولُ : يا أبتاه ؟ الآن انقطع عنَّا جبريلُ وكان جبريلُ يأتينا بالوحيِ من السَّماءِ
تذاكرَ الناسُ في مجلسِ ابنِ عباسٍ فأخَذوا في فضلِ أبى بكرٍ ثمَّ أخذوا في فضلِ عُمرَ بنِ الخطابِ فلمَّا سمِعَ عبدُ اللهِ بنُ عباسٍ بكى بكاءً شديدًا حتَّى أُغميَ عليهِ ثمَّ أفاقَ وقال رحِمَ اللهُ رجلًا لمْ تأخذْهُ في اللهِ لومةُ لائمٍ رحمَ اللهُ رجلًا قرأَ القرآنَ وعمِلَ بِمَا فيهِ وأقامَ حدودَ اللهِ كما أُمِرَ لمْ يزدجرْ عنِ القريبِ لقرابتِهِ ولمْ يحفَّ عنِ البعيدِ لبعدِهِ ثمَّ قال واللهِ لقدْ رأيتُ عمرَ وقدْ أقامَ الحدَّ على ولدِهِ فقتلَهُ فيهِ ثمَّ بَكى وبكى الناسُ مِنْ حولِهِ وقُلْنا يا ابنَ عمِّ رسولِ اللهِ إنْ رأيتَ أنْ تحدثَنا كيفَ أقامَ عمرُ على ولدِهِ الحدَّ فقال واللهِ لقدْ أذكرْتُموني شيئًا كنتُ لهُ ناسيًا فقلنا أقسَمْنا عليكَ بحقِّ المُصطَفى بِمَا حدثْتَنا فقال معاشرَ الناسِ كنتُ ذاتَ يومٍ في مسجدِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وعمرُ بنُ الخطابِ جالسٌ والناسُ حولَهُ يعظُهُمْ ويحكمُ فِيما بينَهُمْ فإذا نحنُ بجاريةٍ قدْ أقبلَتْ مِنْ بابِ المسجدِ تتخطَّى رقابَ المهاجرينَ والأنصارِ حتَّى وقفَتْ بإزاءِ عمرَ فقالتِ السلامُ عليكَ يا أميرَ المؤمنينَ ورحمةُ اللهِ وبركاتُهُ فقال عمرُ وعليكِ السلامُ يا أمةَ اللهِ هلْ لكِ حاجةٌ قالتْ نعمْ أعظمُ الحوائجِ إليكَ خذْ ولدَكَ هذا مِنِّي فأنتَ أحقُّ بهِ ثمَّ رفعَتِ القناعَ فإذا على يدِها طِفلٌ فلمَّا نظرَ إليهِ عمرُ قال يا أمةَ اللهِ أسفِري عنْ وجهِكِ فأسفرَتْ فأطرقَ عمرُ وهوَ يقولُ لا حولَ ولا قوةَ إلا باللهِ العليِّ العظيمِ يا هذِهِ أنا لا أعرفُكِ فكيفَ يكونُ هذا وَلدي فبكتِ الجاريةُ حتَّى بلَّتْ خمارُها بالدموعِ ثمَّ قالتْ يا أميرَ المؤمنينَ إنْ لمْ يكنْ ولدَكَ مِنْ ظهرِكَ فهوَ ولدُ ولدِكَ قال أيُّ أَولادي قالتْ أبو شحمةَ قال أبحلالٍ أمْ بحرامٍ قالتْ مِنْ قِبَلي بحلالٍ ومِنْ جهتِهِ بحرامٍ قال عمرُ وكيفَ ذاكَ قالتْ يا أميرَ المؤمنينَ اسمعْ مقالَتي فواللهِ ما زدتُ عليكَ حرفًا ولا نقصْتُ فقالَ لها اتَّقى اللهَ ولا تَقولي إلا الصدقَ ثمَّ قالتْ يا أميرَ المؤمنينَ كنتُ في بعضِ الأيامِ مارَّةً في بعضِ حوائجِي إذ مررتُ بحائطٍ لبني النجارِ ، فإذا أنا بصائحٍ يصيحُ مِنْ ورائِي فإذا أنا بولدِكَ أبي شحمةَ يتمايلُ سكرًا وكان قدْ شربَ عندَ مسيكةَ اليهوديِّ فلمَّا قربَ مِني توَاعدَني وهددَني وراودَني عنْ نفسِي وجرنِي إلى الحائطِ فسقطتُ وأغميَ عليَّ ، فواللهِ ما أفقتُ إلا وقدْ نالَ منِّي ما ينالُ الرجلُ مِنِ امرأتِهِ فقمتُ وكتمتُ أَمري عنْ عمِّي وعنْ جيرانِي ، فلمَّا تكاملَتْ أيامِي وانقضَتْ شُهوري وضربَني الطلقُ وأحسستُ بالولادةِ خرجتُ إلى موضعِ كذا وكذا فوضعتُ هذا الغلامَ فهممتُ بقتلِهِ ثمَّ ندمتُ على ذلكَ فاحكمْ بحكمِ اللهِ بَيني وبينَهُ قال ابنُ عباسٍ فأمرَ عمرُ مناديهِ فنادى فأقبلَ الناسُ يهرعونَ إلى المسجدِ ثمَّ قامَ عمرُ فقال يا معشرَ المهاجرينَ والأنصارِ لا تَتفرقوا حتَّى آتيكُمْ بالخبرِ ثمَّ خرجَ مِنَ المسجدِ وأنا معَهُ فنظرَ إليَّ وقال يا ابنَ عباسٍ أسرعْ معِي فجعلَ يسرعُ حتى قربَ مِنْ منزلِهِ فقرعَ البابَ فخرجتْ جاريةٌ كانتْ تخدمُهُ فلمَّا نظرَتْ إلى وجهِهِ وقدْ غلبَهُ الغضبُ قالتْ ما الذي نزلَ بِكَ قال يا هذهِ وَلدي أبو شحمةَ هاهنا قالتْ إنهُ على الطعامِ فدخلَ وقال لهُ كلْ يا بنيَّ فيوشكُ أنْ يكونَ هذا آخرَ زادِكَ مِنَ الدُّنيا قال ابنُ عباسٍ فرأيتُ الغلامَ وقدْ تغيرَ لونُهُ وارتعدَ وسقطَتِ اللقمةُ مِنْ يدِهِ فقال لهُ عمرُ يا بُنيَّ مَنْ أنا فقال أنتَ أَبي وأميرُ المؤمنينَ قال فلي عليكَ حقُّ طاعةٍ أمْ لا قال طاعتانِ مفروضتانِ أولهُمَا أنَّكَ والدي والأُخرى أنكَ أميرُ المؤمنينَ قال عمرُ بحقِّ نبيِّكَ وبحقِّ أبيكَ إنْ أسألُكَ عنْ شيءٍ إلا أخبرتَني قال يا أَبي لا أقولُ غيرَ الصدقِ قال هلْ كنتَ ضيفًا لنسيِكَ اليهوديِّ فشربْتَ الخمرَ عندَهُ وسكرتَ قال يا أبي قدْ كان ذلكَ وقدْ تبتُ قال يا بنيَّ رأسُ مالِ المذنبينَ التوبةُ ثمَّ قال يا بنيَّ أنشدُكَ اللهَ هلْ دخلتَ ذلكَ اليومَ حائطَ بَني النجارِ فرأيتَ امرأةً واقعتَها فسكتَ وبكَى وهوَ يَبكي ويلطمُ وجهَهُ فقال لهُ عمرُ لا بأسَ اصدقْ فإنَّ اللهَ يحبُّ الصادقينَ فقال يا أَبي قدْ كان ذلكَ والشيطانُ أَغواني وأنا تائبٌ نادمٌ فلمَّا سمعَ منهُ عمرُ ذلكَ قبضَ على يدِهِ ولبتِهِ وجرَّهُ إلى المسجدِ فقال يا أبتِ لا تَفضحني على رؤوسِ الخلائقِ خذِ السيفَ فاقطعْنِي هاهُنا إربًا إربًا قال أمَا سمعتَ قولَ اللهِ تَعالى وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ثمَّ جرَّهُ حتَّى أخرجَهُ إلى بينَ يديْ أصحابِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في المسجدِ وقال صدقَتِ المرأةُ وأقرَّ أبو شحمةَ بِمَا قالتْ وكان لهُ مملوكٌ يقالُ لهُ أفلحُ فقال لهُ يا أفلحُ إنَّ لي إليكَ حاجةً إنْ أنتَ قضيتَها فأنتَ حرٌّ لوجهِ اللهِ تَعالى فقال يا أميرَ المؤمنينَ مُرْني بأمرِكَ قال خذْ ابْني هذا فاضربْهُ مائةَ سوطٍ ولا تقصرْ في ضربِهِ فقال لا أفعلُهُ وبَكى وقال يا ليتَني لمْ تلدْني أُمي حيثُ أكلفُ ضربَ ولدِ سيدِي فقال لهُ عمرُ يا غلامُ إنَّ طاعَتي طاعةُ الرسولِ فافعلْ ما أمرتُكَ بهِ فانزعْ ثيابَهُ فضجَّ الناسُ بالبكاءِ والنحيبِ وجعلَ الغلامُ يشيرُ بإصبعِهِ إلى أبيهِ ويقولُ يا أبتِ ارحمْني فقال لهُ عمرُ وهوَ يَبكي ربُّك يرحمُكَ وإنَّما هذا كي يَرحمَني ويرحمَكَ ثمَّ قال يا أفلحُ اضربْ فضربَ أولَ سوطٍ فقال الغلامُ بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ فقال نِعمَ الاسمُ سميتَ يا بنيَّ فلمَّا ضربَهُ ثانيًا قال أوهُ يا أبتِ قال اصبرْ كما عصيتَ فلمَّا ضربَهُ ثالثًا قال الأمانُ الأمانُ قال عمرُ ربكَ يعطيكُ الأمانَ فلمَّا ضربَهُ رابعًا قال واغوثاهُ قال الغوثُ عندَ الشدةِ فلمَّا ضربَهُ قال الحمدُ للهِ قال لهُ عمرُ كذا يجبُ أنْ تحمدَهُ فلمَّا ضربهُ عشرًا قال يا أبتِ قتلتَني قال يا بنيَّ ذنبُكَ قتلَكَ فلمَّا ضربهُ ثلاثينَ قال أحرقتَ واللهِ قلبِي قال يا بنيَّ النارُ أشدُّ حرًا فلمَّا ضربَهُ أربعينَ قال يا أبتِ دعْني أذهبُ على وجهي قال يا بنىَّ إذا أخذتُ حدَّ اللهِ مِنْ جنبِكَ فاذهبْ حيثُ شئتَ فلمَّا ضربَهُ خمسينَ قال أنشدُكَ بالقرآنِ لما خلَّيتَني قال يا بنيَّ هلَّا وعظَكَ القرآنُ وزجرَكَ عنْ معصيةِ اللهِ يا غلامُ اضربْ فلما ضربَهُ ستينَ قال يا أَبي أغِثني قال يا بنيَّ إنَّ أهلَ النارِ إذا استغاثوا لمْ يُغاثوا فلمَّا ضربَهُ سبعينَ قال يا أبتِ اسقِني شربةً مِنْ ماءٍ قال يا بنيَّ إنْ كان ربُّكَ ليطهرُكَ فيسقيكَ محمدٌ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ شربةً لا تظمأُ بعدها أبدًا يا غلامُ اضربْ فلمَّا ضربَهُ ثمانينَ قال يا أبتِ السلامُ عليكَ قال وعليكَ السلامُ إنْ رأيتَ محمدًا صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فأقرأْهُ مِنِّي السلامَ وقلْ لهُ خلفتُ عمرَ يقرأُ القرآنَ ويقيمُ الحدودَ يا غلامُ اضربْهُ فلمَّا ضربَهُ تسعينَ انقطعَ كلامُهُ وضعُفَ فوثبَ أصحابُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ مِنْ كلِّ جانبٍ فقالوا يا عمرُ انظرْ كمْ بقيَ فأخرْهُ إلى وقتٍ آخرَ فقال كما لا تؤخرُ المعصيةُ لا تؤخرُ العقوبةُ وأتى الصريخُ إلى أمِّهِ فجاءَتْ باكيةً صارخةً وقالتْ يا عمرُ أحجُّ بكلِّ سوطٍ حجةً ماشيةً ، وأتصدقُ بِكَذا وكذا درهمًا قال إنَّ الحجَّ والصدقةَ لا تنوبُ مِنَ الحدِّ يا غلامُ أتمَّ الحدَّ فلمَّا كان آخرُ سوطٍ سقطَ الغلامُ ميتًا فقال عمرُ يا بنيَّ محَّصَ اللهُ عنكَ الخَطايا وجعلَ رأسَهُ في حجرِهِ وجعلَ يَبكي ويقولُ بأبي مَنْ قتلَهُ الحقُّ بأبي مَنْ ماتَ عندَ انقضاءِ الحدِّ بأبي مَنْ لمْ يرحمْهُ أبوهُ وأقاربُهُ فنظرَ الناسُ إليهِ فإذا هوَ قدْ فارقَ الدُّنيا فلمْ يُرَ يومًا أعظمَ مِنهُ وضجَّ الناسُ بالبكاءِ والنحيبِ فلمَّا كان بعدَ أربعينَ يومًا أقبلَ عليهِ حذيفةُ بنُ اليمانِ صبيحةَ يومِ الجمعةِ فقال : إنِّي أخذتُ ورْدي مِنَ الليلِ فرأيتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في المنامِ وإذا الفَتى معَهُ وعليهِ حُلتانِ خضراوتانِ فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أقرئْ عمرَ منِّي السلامَ وقلْ لهُ هكذا أمرَكَ اللهُ أنْ تقرأَ القرآنَ وتقيمَ الحدودَ وقال الغلامُ يا حذيفةُ أقرئْ أبي مِنِّي السلامَ وقلْ طهرَكَ اللهُ كما طهرْتَني والسلامُ
تَذاكر النَّاسُ في مجلسِ ابنِ عبَّاس ٍ ، فأخذوا في فضلِ أبي بكرٍ ، ثمَّ أخذوا في فضلِ عمرَ بنِ الخطَّابِ ، فلمَّا سمِع عبدُ اللهِ بنَ عبَّاس ٍ [ بكَى ] بكاءً شديدًا حتَّى أُغميَ عليه ، ثمَّ أفاق فقال : رحِم اللهُ رجلًا لم تأخُذْه في اللهِ لومةُ لائمٍ ، رحِم اللهُ رجلًا قرأ القرآنَ وعمِل بما فيه ، وأقام حدودَ اللهِ كما أمر ، لم يزدجِرْ عن القريبِ لقرابتِه . ولم يجْفُ عن البعيدِ لبُعدِه ، ثمَّ قال : واللهِ لقد رأيتُ عمرَ وقد أقام الحدَّ على ولدِه فقُتِل فيه ، ثمَّ بكَى وبكَى النَّاسُ من حولِه ، فقلنا : يا بنَ عمِّ رسولِ اللهِ إن رأيتَ أن تُحدِّثنا كيف أقام عمرُ على ولدِه الحدَّ ؟ فقال : واللهِ لقد أذكرتموني شيئًا كنتُ له ناسيًا ، فقلتُ : أقسمنا عليك بحقِّ المصطفَى أما حدَّثتَنا ؟ فقال : معاشرَ النَّاسِ ، كنتُ ذاتَ يومٍ في مسجدِ رسولِ اللهِ وعمرُ بنُ الخطَّابِ جالسٌ والنَّاسُ حوله يعِظُهم ، ويحكُمُ فيما بينهم ، فإذا نحن بجاريةٍ قد أقبلت من بابِ المسجدِ ، فجعلت تتخطَّى رِقابَ المهاجرين والأنصارِ حتَّى وقفت بإزاءِ عمرَ فقالت : السَّلامُ عليك يا أميرَ المؤمنين ورحمةُ اللهِ وبركاتُه ، فقال عمرُ : وعليك السَّلامُ يا أمةَ اللهِ ، هل من حاجةٍ ؟ قالت : نعم أعظمُ الحوائجِ إليك ، خُذْ ولدَك هذا منِّي فأنت أحقُّ به ، ثمَّ رفعت القِناعَ ، فإذا على يدِها طفلٌ ، فلمَّا نظر إليه عمرُ قال : يا أمةَ اللهِ أسفِري عن وجهِك ، فأسفرت ، فأطرق عمرُ وهو يقولُ : لا حولَ ولا قوَّةَ إلَّا باللهِ [ العليِّ ] العظيمِ ، يا هذه أنا لا أعرِفُك ، فكيف يكون هذا ولدي ؟ فبكت الجاريةُ حتَّى بلَّت خِمارَها بالدُّموعِ ، ثمَّ قالت : يا أميرَ المؤمنين إن لم يكن ولدَك من ظهرِك فهو ولدُك من ولدِك . قال : أيَّ أولادي ؟ قالت : أبو شحمةَ قال : أبحلالٍ أم بحرامٍ ؟ قالت : من قِبَلي بحلالٍ ومن جِهتِه بحرامٍ . قال عمرُ : وكيف ذاك ؟ قالت : يا أميرَ المؤمنين اسمَعْ مقالتي ، فواللهِ ما زِدتُ عليك حرفًا ولا نقصتُ ، فقال لها : اتَّقي اللهَ ولا تقولي إلَّا الصِّدقَ . قالت : يا أميرَ المؤمنين كنتُ في بعضِ الأيَّامِ مارَّةً في بعضِ حوائجي إذ مررتُ بحائطٍ لبني النَّجَّارِ ، فإذا أنا بصائحٍ يصيحُ من ورائي ، فإذا أنا بولدِك أبي شحمةَ يتمايلُ سُكرًا ، وكان قد شرِب عند نُسَيكةَ اليهوديِّ ، فلمَّا قرُب منِّي تواعدني وتهدَّدني وراودني عن نفسي وجرَّني إلى الحائطِ فسقطتُ وأُغمِي عليَّ . فو اللهِ ما أفقتُ إلَّا وقد نال منِّي ما نال الرَّجلُ من امرأتِه . فقمتُ وكتمتُ أمري ، عن عمِّي وعن جيراني ، فلمَّا تكاملت أيَّامي وانقضت شهوري وضربني الطَّلقُ وأحسستُ بالولادةِ خرجتُ إلى موضعِ كذا وكذا فوضعتُ هذا الغلامَ فهممتُ بقتلِه ، ثمَّ ندِمتُ على ذلك ، فاحكُمْ بحكمِ اللهِ بيني وبينه . قال ابنُ عبَّاس ٍ : فأمر عمرُ ( رضِي اللهُ عنه ) مناديَه يُنادي ، فأقبل النَّاسُ يُهرَعون إلى المسجدِ ، ثمَّ قام عمرُ فقال : يا معاشرَ المهاجرين والأنصارِ لا تتفرَّقوا حتَّى آتيكم بالخبرِ ، ثمَّ خرج من المسجدِ وأنا معه فنظر إليَّ وقال : يا بنَ عبَّاس ٍ أسرِعْ معي ، فجعل يُسرِعُ حتَّى قرُب من منزلِه فقرع البابَ فخرجت جاريةٌ كانت تخدُمُه ، فلمَّا نظَرتْ إلى وجهِه وقد غلبه الغضبُ قالت : ما الَّذي نزل بك ؟ قال : يا هذه ولدي أبو شحمةَ ههنا ؟ قالت : إنَّه على الطَّعامِ ، فدخل وقال له : كُلْ يا بُنيَّ فيُوشكُ أن يكونَ آخرَ زادِك من الدُّنيا ، قال : قال ابنُ عبَّاس ٍ : فرأيتُ الغلامَ وقد تغيَّر لونُه وارتعد ، وسقطت اللُّقمةُ من يدِه ، فقال له عمرُ : يا بُنيَّ من أنا ؟ قال : أنت أبي وأميرُ المؤمنين . قال : فلي عليك حقُّ طاعةٍ أم لا ؟ قال : طاعتان مُفترَضتان ، أولهما : أنَّك والدي والأخرَى أنَّك أميرُ المؤمنين ، قال عمرُ : بحقِّ نبيِّك وبحقِّ أبيك ، فإنِّي أسألُك عن شيءٍ إلَّا أخبرتَني قال : يا أبي لا أقولُ غيرَ الصِّدقِ . قال : هل كنتَ ضيفًا لنُسَيكةَ اليهوديِّ ، فشرِبتَ عنده الخمرَ وسكِرتَ ؟ قال : يا أبي قد كان ذلك وقد تبتُ . قال : يا بُنيَّ رأسُ مالِ المذنبين التَّوبةُ ، ثمَّ قال : يا بُنيَّ أنشُدك اللهَ هل دخلتَ ذلك اليومَ حائطًا لبني النَّجَّارِ فرأيتَ امرأةً فواقعتَها ؟ فسكَت وبكَى وهو يبكي ويلطِمُ وجهَه ، فقال له عمرُ : لا بأسَ اصدُقْ ، فإنَّ اللهَ يحِبُّ الصَّادقين . فقال : يا أبي كان ذلك الشَّيطانُ أغواني وأنا تائبٌ ، نادمٌ . فلمَّا سمِع منه عمرُ ذلك قبض على يدِه ولبَّبه وجرَّه إلى المسجدِ ، فقال : يا [ أبتِ ] لا تفضَحْني على رؤوسِ الخلائقِ خُذِ السَّيفَ ، واقطعني هاهنا إرْبًا إرْبًا . فقال : أما سمِعتَ قولَ اللهِ عزَّ وجلَّ وليشهَدْ عذابَهما طائفةٌ من المؤمنين [ النُّور : 2 ] ثمَّ جرَّه حتَّى أخرجه بين يدَيْ أصحابِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في المسجدِ فقال : صدقت المرأةُ ، وأقرَّ أبو شحمةَ بما قالت ، وله مملوكٌ يُقالُ له أفلحُ [ فقال له : يا أفلحُ ] إنَّ لي إليك حاجةً إن قضيتها فأنت حُرٌّ لوجهِ اللهِ ، فقال : يا أميرَ المؤمنين مُرْني بأمرِك . قال : خُذِ ابني هذا فاضرِبْه مائةَ سوْطٍ ولا تُقصِّرْ في ضربِه فقال : لا أفعلُه ، وبكَى وقال : يا ليتني لم تلِدْني أمِّي حيث أُكلَّفُ بضربِ [ ولدِ سيِّدي ] فقال له عمرُ : يا غلامُ إنَّ طاعتي طاعةُ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فافعَلْ ما آمرُك به ، فانزع ثيابَه ، فضجَّ النَّاسُ بالبكاءِ والنَّحيبِ ، وجعل الغلامُ يشيرُ بأصبعِه إلى أبيه ويقولُ أبتِ ارحَمْني ، فقال له عمرُ وهو يبكي : ربُّك يرحمُك وإنَّما هذا كي يرحمَني ويرحمَك ، ثمَّ قال : يا أفلحُ اضرِبْ ، فضرب أوَّلَ سوطٍ ، فقال الغلامُ بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ ، فقال : نعم الاسمُ سمَّيتَ يا بُنيَّ . فلمَّا ضرب به ثانيًا قال : أُوَّهْ يا أبتِ ، فقال عمرُ : اصبِرْ كما عصَيْتَ . فلمَّا ضرب ثالثًا قال : الأمانَ ، الأمانَ . قال عمرُ : ربُّك يُعطيك الأمانَ ، فلمَّا ضربه رابعًا : قال : واغوْثاه . فقال : الغوثُ عند الشِّدَّةِ . فلمَّا ضربه خامسًا حمِد اللهَ ، فقال له عمرُ : كذا يجبُ أن تحمدَه ، فلمَّا ضربه عشرًا قال : يا أبتِ قتلتَني . قال : يا بُنيَّ ذنبُك قتلك فلمَّا ضربه ثلاثين قال : أحرقت واللهِ قلبي . قال : يا بُنيَّ النَّارُ أشدُّ حرًّا . قال : فلمَّا ضربه أربعين قال : يا أبتِ دَعْني أذهَبْ على وجهي . قال : يا بُنيَّ إذا أخذتَ حدَّ اللهِ من جنبِك اذهَبْ حيث شئتَ . فلمَّا ضربه خمسين قال : نشدتُك بالقرآنِ لما خلَّيتَني . قال : يا بُنيَّ هلَّا وعظك القرآنُ وزجرك عن معصيةِ اللهِ عزَّ وجلَّ ، يا غلامُ اضرِبْ ، فلمَّا ضربه ستِّين قال : يا أبتِ أغِثْني . قال : يا بُنيَّ إنَّ أهلَ النَّارِ إذا استغاثوا [ لم ] يُغاثوا . فلمَّا ضربه سبعين قال : يا أبتِ اسْقِني شَربةً من ماءٍ . قال : يا بُنيَّ إن كان ربُّك يُطهِّرُك فيسقيك محمَّدٌ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم شَربةً لا تظمأُ بعدها أبدًا ، يا غلامُ اضرِبْ ، فلمَّا ضربه ثمانين قال : يا أبتِ السَّلامُ عليك قال : وعليك السَّلامُ ، إن رأيتَ محمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فاقرِئْه منِّي السَّلامَ وقُلْ له : خلَّفتُ عمرَ يقرأُ القرآنَ ويُقيمُ الحدودَ ، يا غلامُ اضرِبْه . فلمَّا ضربه تسعين انقطع كلامُه وضعُف . فوثب أصحابُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم من كلِّ جانبٍ فقالوا : يا عمرُ انظُرْ كم بَقي فأخِّرْه إلى وقتٍ آخرَ . فقال : كما لا تُؤخَّرُ المعصيةُ لا تُؤخَّرُ العقوبةُ ، وأتَى الصَّريخُ إلى أمِّه فجاءت باكيةً صارخةً وقالت : يا عمرُ أحُجُّ بكلِّ سوطٍ حجَّةً ماشيةً ، وأتصدَّقُ بكذا وكذا درهمًا . قال : إنَّ الحجَّ والصَّدقةَ لا تنوبُ عن الحدِّ ، يا غلامُ أتمَّ الحدَّ ، فلمَّا كان آخرُ سوطٍ سقط الغلامُ ميِّتًا فقال عمرُ : يا بُنيَّ محَّص اللهُ عنك الخطايا ، وجعل رأسَه في حجرِه وجعل يبكي ويقولُ : بأبي من قتله الحقُّ ، بأبي من مات عند انقضاءِ الحدِّ ، بأبي من لم يرحَمْه أبوه ! وأقاربُه ! فنظر النَّاسُ إليه فإذا هو قد فارق الدُّنيا ، فلم يُرَ يومٌ أعظمَ منه ، وضجَّ النَّاسُ بالبكاءِ والنَّحيبِ . فلمَّا أن كان بعد أربعين يومًا أقبل عليه حذيفةُ بنُ اليمانِ صبيحةَ يومِ الجمعةِ فقال : إنِّي أخذتُ وِردي من اللَّيل فرأيتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في المنامِ وإذا الفتَى معه عليه حُلَّتان خضراوتان فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( ( أقرِئْ عمرَ منِّي السَّلامَ وقُلْ [ له هكذا أمرك اللهُ أن تقرأَ القرآنَ وتُقيمَ الحدودَ وقال الغلامُ : يا حذيفةُ أقرِئْ أبي عنِّي السَّلامَ وقُلْ له : ] طهَّرك اللهُ كما طهَّرتَني ) )
بينما النبي صلى الله عليه وسلم بفناء الكعبة إذ نزل عليه جبريل فقال : يا محمد إنه سيخرج في أمتك رجل يشفع فيشفعه الله في عدد ربيعة ومضر فإن أدركته فاسأله الشفاعة لأمتك ، فقال : يا جبريل ما اسمه وما صفته قال أما اسمه فأويس وأما صفته وقبيلته فمن اليمن من مراد ، وهو رجل أصهب مقرون الحاجبين أدعج العينين بكفه اليسرى وضح أبيض ، فلم يزل النبي صلى الله عليه وسلم يطلبه فلم يقدر عليه فلما احتضر النبي صلى الله عليه وسلم أوصى أبا بكر وأخبره بما قال له جبريل في أويس القرني : فإن أنت أدركته فاسأله الشفاعة لك ولأمتي ، فلم يزل أبو بكر يطلبه فلم يقدر عليه ، فلما احتضر أبو بكر الصديق أوصى به عمر بن الخطاب وأخبره بما قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال : يا عمر إن أنت أدركته فاسأله الشفاعة لي ولأمة رسول الله ، فلم يزل عمر يطلبه حتى كان آخر حجة حجها عمر وعلي بن أبي طالب فأتيا رفاق اليمن فنادى عمر بأعلى صوته : يا معشر الناس هل فيكم أويس القرني ؟ أعاد مرتين فقام شيخ من أقصى الرفاق فقال : يا أمير المؤمنين نعم هو ابن أخ لي ، هو أخمل أمرا وأهون ذكرا من أن يسأل مثلك عن مثله ، فأطرق عمر طويلا حتى أن الشيخ ظن أنه ليس من شأنه ابن أخيه ، قال عمر : أيها الشيخ ابن أخيك في حرمنا هذا ؟ قال الشيخ : هو في وادي أراك عرفات ، فركب عمر وعلي حتى أتيا وادي أراك عرفات فإذا هما برجل كما وصفه جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم أصهب مقرون الحاجبين أدعج العينين رام بذقنه على صدره شاخص ببصره نحو موضع سجوده قائم يصلي وهو يتلو القرآن فدنيا منه فقالا له وقد فرغ : السلام عليك ورحمة الله ، قال : أنبأنا عبد الله بن عبد الله فقال له علي : قد علمنا أن أهل السموات وأهل الأرض كلهم عبيد الله ، قال : أنا راعي الإبل وأجير القوم ، فقال له علي : لسنا عن هذا سألناك من رعيك وإجارتك إنما نسألك بحق حرمنا هذا إلا أخبرتنا باسمك الذي سماك به أبوك ، قال : أنا أويس القرني ، فقال له علي : يا أويس إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر أن بكفك اليسرى وضحا أبيض فأوضح لنا فيه فإذا هما إياه ، فأقبل علي وعمر يقبلانه ، فقال علي : يا أويس إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر أنك سيد التابعين وأنك تشفع يشفعك الله في عدد ربيعة ومضر ، فقال لهما أويس فعسى أن يكون ذلك غيري ، قال له علي : قد أيقنا أنك أنت هو حقا يقينا ، فرفع يده إلى السماء ثم قال : اللهم إن هذين ابنا عمي بحياتي عليك فاغفر لهما وللمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات ، ثم إن عمر قال له : أين الميعاد بيني وبينك إني أراك رث الحال حتى آتيك بكسوة ونفقة من رزقي ، فقال له أويس : هيهات هيهات إن بيني وبينك عقبة كؤدا لا يجاوزها إلا كل ضامر عطشان مهزول ، ما ترى يا عمر إن علي طمرين من صوف ونعلين مخصوفتين ولي نفقة ولي على القوم حساب ، قال : فإلى متى آكل هذا وإلى متى يبلى هذا ، فأخرج عمر الدرة من كمه ثم نادى : يا معشر الناس من يأخذ الخلافة بما فيها ، فقال أويس من جدع الله أنفه يا أمير المؤمنين ، فقال له عمر : والله ما نكبت مصرا ولا ظلمت فيه ذميا ولا أكلت منها حمى أرض ، قال أويس : جزاك الله خيرا يا عمر عن هذه الأمة وأنت يا علي فجزاك الله خيرا عن هذه الأمة فتعيشان حميدين وتموتان سعيدين ، فقالا له : أوصنا يرحمك الله ، فقال : أوصيكما بتقوى الله والعمل بطاعته والصبر على ما أصابكما فإن ذلك من عزم الأمور وأوصيكما أن تلقيا هرم ابن حيان فتقرآه مني السلام وخبراه إني أرجو أن يكون رفيقي في الجنة ، قال : فودعاه فلم يزل عمر وعلي يطلبان هرم بن حيان فبينما هما مارين في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم إذا هما بهرم بن حيان قائم يصلي فانتظراه فلما انصرف سلما عليه فرد عليهما السلام ثم قال لهما : من أين جئتما ؟ قالا : جيئنا من عند أويس القرني وهو يقرئك السلام ويقول لك : إني أرجو أن تكون رفيقي في الجنة ، فلم يزل هرم بن حيان في طلب أويس فبينما هو بالكوفة مار على شاطئ الفرات إذا هو برجل أصهب مقرون الحاجبين أدعج العينين يغسل طمرين له من صوف فدنا منه هرم بن حيان فقال : السلام عليك يا أويس فأجابه بمثل ذلك من السلام وقال له : يا هرم بن حيان ، قال له هرم : كيف الزمان عليك ؟ قال له أويس : كيف الزمان على رجل إذا أصبح يقول : لا أمسي ويمسي يقول : لا أصبح ، يا أخا مراد إن الموت وذكره لم يتركا لأحد فرحا ، وإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لم يتركا للمؤمن صديقا ، فقال له هرم : يا أويس أنا معرفك فإن عمر وعليا وصفاك لي فعرفتك بصفتهما فأنت من أين عرفتني ؟ قال له أويس : إن الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها في الله ائتلف وما تناكر في الله اختلف ، قال له أويس : يا هرم اتل علي آيات من كتاب الله عز وجل ، فتلا عليه هذه الآية وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين فخر أويس مغشيا عليه فلما أفاق قال له : إني أريد أصحبك وأكون معك ، فقال له أويس : لا يا هرم ولكن إذا مت لا يكفنني أحد حتى تأتي أنت فتكفنني وتدفنني ، ثم إنهما افترقا ولم يزل هرم بن حيان في طلب أويس حتى دخل مدينة من مدائن الشام يقال لها دمشق فإذا هو برجل ملفوف في عباءة له ملقى في صحن المسجد فدنا منه فكشف العباءة عن وجهه فإذا هو أويس قد توفي ، فوضع يده على أم رأسه ثم قال : وا أخاه هذا أويس القرني مات ضائعا ، فقال له : من أنت يا عبد الله ومن هذا ؟ فقال : أما أنا فهرم بن حيان المرادي وأما هذا فأويس القرني ولي الله ، قالوا : فإنا قد جمعنا له ثوبين نكفنه فيهما ، فقال لهم هرم : ما له بثمن ثوبكم حاجة ولكن يكفنه هرم بن حيان المرادي من ماله ، فضرب هرم بيده إلى مردة أويس القرني فإذا هو بثوبين لم يكن له بهما عهد عند رأس أويس على أحدهما مكتوب : بسم الله الرحمن الرحيم براءة من الرحمن الرحيم لأويس القرني من النار ، وعلى الآخر مكتوب : هذا كفن لأويس القرني من الجنة
لا مزيد من النتائج