لَيْسَ لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ ، قِيلَ : وَمَا إِذْلَالُهُ نَفْسَهُ
لَمَّا هَزَمَ يَزِيدُ بْنُ الْمُهَلَّبِ أَهْلَ الْبَصْرَةِ ، خَشِيتُ أَنْ أَجْلِسَ فِي حَلْقَةِ الْحَسَنِ [بْنِ أَبِي الْحَسَنِ(١)] ، فَأُوجَدَ فِيهَا فَأُعْرَفَ ، فَأَتَيْتُ الْحَسَنَ فِي مَنْزِلِهِ ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ ، فَقُلْتُ : يَا أَبَا سَعِيدٍ ، كَيْفَ بِهَذِهِ الْآيَةِ ؟ قَالَ : أَيَّةُ آيَةٍ ؟ قَالَ : قُلْتُ : قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ ، الْآيَةَ [وفي رواية : قَوْلُ اللَّهِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(٢)] ، قَالَ : يَا عَبْدَ اللَّهِ ، إِنَّ الْقَوْمَ عَرَضُوا السَّيْفَ فَحَالَ السَّيْفُ دُونَ الْكَلَامِ ، فَقُلْتُ : يَا أَبَا سَعِيدٍ ، فَهَلْ تَعْرِفُ لِمُتَكَلِّمٍ فَضْلًا ؟ قَالَ : لَا ، قَالَ الْمُعَلَّى : ثُمَّ حَدَّثَ بِحَدِيثَيْنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ [الْخُدْرِيُّ(٣)] ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : لَا يَمْنَعَنَّ أَحَدَكُمْ رَهْبَةُ النَّاسِ أَنْ يَقُولَ بِالْحَقِّ [وفي رواية : الْحَقَّ(٤)] إِذَا رَآهُ [أَنْ يَذْكُرَ تَعْظِيمَ اللَّهِ(٥)] ، فَإِنَّهُ لَا يُقَرِّبُ مِنْ أَجَلٍ ، وَلَا يُبَعِّدُ مِنْ رِزْقٍ . قَالَ : ثُمَّ حَدَّثَ الْحَسَنُ بِحَدِيثٍ آخَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَيْسَ لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ [وفي رواية : لَا يَنْبَغِي لِمُؤْمِنٍ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ(٦)] ، قِيلَ : وَمَا إِذْلَالُهُ نَفْسَهُ ؟ قَالَ : يَتَعَرَّضُ [وفي رواية : يَتَكَلَّفُ(٧)] مِنَ الْبَلَاءِ لِمَا لَا يُطِيقُ [وفي رواية : بِمَا لَا يُطِيقُ(٨)] ، قِيلَ : يَا أَبَا سَعِيدٍ فَيَزِيدُ الضَّبِّيُّ فِي كَلَامِهِ [وفي رواية : وَكَلَامُهُ(٩)] فِي الصَّلَاةِ ؟ قَالَ : أَمَا إِنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مِنَ السِّجْنِ حَتَّى نَدِمَ ، قَالَ الْمُعَلَّى : فَأَقُومُ مِنْ مَجْلِسِ الْحَسَنِ ، فَأَتَيْتُ يَزِيدَ الضَّبِّيَّ ، فَقُلْتُ : يَا أَبَا مَوْدُودٍ ، بَيْنَمَا أَنَا وَالْحَسَنُ نَتَذَاكَرُ إِذَا نَصَبْتَ أَمْرَكَ نَصْبًا ، فَقَالَ : مَهْ يَا أَبَا الْحَسَنِ قُلْتُ : قَدْ فَعَلْتُ ، قَالَ : فَمَا قَالَ ؟ قَالَ : أَمَا إِنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مِنَ السِّجْنِ حَتَّى نَدِمَ عَلَى مَقَالَتِهِ ، قَالَ يَزِيدُ : مَا نَدِمْتُ عَلَى مَقَالَتِي ، وَايْمُ اللَّهِ لَقَدْ قُمْتُ مَقَامًا أُخْطِرُ فِيهِ بِنَفْسِي ، قَالَ يَزِيدُ : أَتَيْتُ الْحَسَنَ ، فَقُلْتُ : يَا أَبَا سَعِيدٍ ، عَلَى كُلِّ شَيْءٍ نُغْلَبُ ، فَنُغْلَبُ عَلَى صَلَاتِنَا ؟ فَقَالَ : يَا عَبْدَ اللَّهِ ، إِنَّكَ تُعَرِّضُ بِنَفْسِكَ لَهُمْ ، ثُمَّ إِنَّكَ لَا تَصْنَعُ شَيْئًا ، قَالَ : ثُمَّ أَتَيْتُهُ فَقَالَ لِي مِثْلَ مَقَالَتِهِ ، فَقُمْتُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي الْمَسْجِدِ وَالْحَكَمُ بْنُ أَيُّوبَ يَخْطُبُ ، فَقُلْتُ : الصَّلَاةَ رَحِمَكَ اللَّهُ ، فَلَمَّا قُلْتُ ذَلِكَ احْتَوَشَنِي [وفي رواية : احْتَوَشَتْنِيَ(١٠)] الرِّجَالُ [يَتَعَاوَرُونِي(١١)] ، فَأَخَذُوا بِلِحْيَتِي ، وَرَأْسِي ، وَتَلْبِيَتِي [وفي رواية : وَتَلْبِيبَتِي(١٢)] ، وَجَعَلُوا يَجِئُونَ بَطْنِي بِنِعَالِ سُيُوفِهِمْ ، وَمَضَوْا بِي إِلَى نَحْوِ الْمَقْصُورَةِ [فَمَا وَصَلْتُ إِلَيْهِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُمْ سَيَقْتُلُونِي دُونَهُ(١٣)] [قَالَ : فَفُتِحَ لِي بَابُ الْمَقْصُورَةِ ،(١٤)] ، فَدَخَلْتُ ، فَقُمْتُ بَيْنَ الْحَكَمِ وَهُوَ سَاكِتٌ ، فَقَالَ : أَمَجْنُونٌ أَنْتَ ؟ أَوَمَا كُنَّا فِي صَلَاةٍ ؟ فَقُلْتُ : أَصْلَحَ اللَّهُ الْأَمِيرَ هَلْ مِنْ كَلَامٍ أَفْضَلَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ؟ قَالَ : لَا ، قُلْتُ : أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا نَشَرَ مُصْحَفًا يَقْرَؤُهُ غُدْوَةً إِلَى اللَّيْلِ ، أَكَانَ ذَلِكَ قَاضِيًا عَنْهُ صَلَاتَهُ ؟ قَالَ : وَاللَّهِ إِنِّي لَأَحْسَبُكَ مَجْنُونًا ، قَالَ : وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ جَالِسٌ تَحْتَ مِنْبَرِهِ سَاكِتٌ ، فَقُلْتُ : يَا أَنَسُ ! ، يَا أَبَا حَمْزَةَ ، أَنْشُدُكَ اللَّهَ تَعَالَى فَقَدْ خَدَمْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَحِبْتَهُ ، أَبِمَعْرُوفٍ قُلْتُ أَمْ بِمُنْكَرٍ ؟ أَبِحَقٍّ قُلْتُ أَمْ بِبَاطِلٍ ؟ قَالَ : فَلَا وَاللَّهِ مَا أَجَابَنِي بِكَلِمَةٍ ، فَقَالَ لَهُ الْحَكَمُ بْنُ أَيُّوبَ : يَا أَنَسُ ، قَالَ : لَبَّيْكَ ، أَصْلَحَكَ اللَّهُ ، قَالَ : أَكَانَ وَقْتُ الصَّلَاةِ قَدْ ذَهَبَ ؟ قَالَ : بَلْ بَقِيَ بَقِيَّةٌ ، فَقَالَ الْحَكَمُ : احْبِسُوهُ . قَالَ يَزِيدُ : فَأُقْسِمُ لَكَ يَا أَبَا الْحَسَنِ [- يَعْنِي لِلْمُعَلَّى -(١٥)] ، لَمَا لَقِيتُ مِنْ أَصْحَابِي كَانَ أَشَدَّ عَلَيَّ مِمَّا لَقِيتُ مِنَ الْحَكَمِ [وفي رواية : أَشَدَّ عَلَيَّ مِنْ مَقَامِي(١٦)] ، قَالَ بَعْضُهُمْ : مُرَائِي ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَجْنُونٌ ، قَالَ : وَكَتَبَ الْحَكَمُ إِلَى الْحَجَّاجِ أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي ضَبَّةَ قَامَ إِلَيَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَأَنَا أَخْطُبُ ، فَقَالَ : الصَّلَاةَ ، وَقَدْ شَهِدَ عِنْدِي الْعُدُولُ أَنَّهُ مَجْنُونٌ ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْحَجَّاجُ ، إِنْ شَهِدَ الشُّهُودُ الْعُدُولُ أَنَّهُ مَجْنُونٌ فَخَلِّ سَبِيلَهُ ، وَإِلَّا فَاقْطَعْ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ ، وَسَمِّرْ [وفي رواية : وَاسْمُرْ(١٧)] عَيْنَيْهِ ، وَاصْلُبْهُ ، قَالَ : فَشَهِدُوا عِنْدَ الْحَكَمِ أَنِّي مَجْنُونٌ ، فَخَلَّى عَنِّي . قَالَ الْمُعَلَّى : عَنْ يَزِيدَ الضَّبِّيِّ ، ثُمَّ مَاتَ أَخٌ لَنَا فَتَبِعْنَا جَنَازَتَهُ ، فَصَلَّيْنَا عَلَيْهِ ، فَلَمَّا دُفِنَ تَنَحَّيْتُ فِي عِصَابَةٍ ، فَذَكَرْنَا اللَّهَ تَعَالَى عَزَّ وَجَلَّ ، وَذَكَرْنَا مَعَادَنَا ، فَإِنَّا لَكَذَلِكَ إِذْ رَأَيْنَا نَوَاصِيَ الْخَيْلِ وَالْحِرَابَ ، فَلَمَّا رَآهُ أَصْحَابِي تَفَرَّقُوا وَتَرَكُونِي وَحْدِي ، فَجَاءَ الْحَكَمُ حَتَّى وَقَفَ عَلَيَّ ، فَقَالَ : مَا كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ ؟ قُلْتُ : أَصْلَحَ اللَّهُ الْأَمِيرَ ، مَاتَ صَاحِبٌ لَنَا ، فَصَلَّيْنَا عَلَيْهِ وَدَفَنَّاهُ وَقَعَدْنَا نَذْكُرُ رَبَّنَا ، وَنَذْكُرُ مَعَادَنَا ، وَنَذْكُرُ مَا صَارَ إِلَيْهِ ، قَالَ : مَا مَنَعَكَ أَنْ تَفِرَّ كَمَا فَرُّوا ؟ قُلْتُ : أَصْلَحَكَ اللَّهُ ، أَنَا أَبْرَأُ سَاحَةً مِنْ ذَلِكَ ، أَوَمِنَ الْأَمِيرِ أَفِرُّ ؟ فَسَكَتَ الْحَكَمُ ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْمُهَلَّبِ - كَانَ عَلَى شُرْطَتِهِ - : أَتَدْرِي مَنْ هَذَا ؟ قَالَ : لَا ، قَالَ : هَذَا الْمُتَكَلِّمُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، قَالَ : فَغَضِبَ الْحَكَمُ ، وَقَالَ : أَمَا إِنَّكَ لَجَرِيءٌ ، خُذْهُ ، فَأُخِذْتُ ، فَضَرَبَنِي أَرْبَعَمِائَةِ سَوْطٍ ، فَمَا دَرَيْتُ مَتَى تَرَكَنِي مِنْ شِدَّةِ مَا ضَرَبَنِي ، قَالَ : وَبَعَثَ بِي إِلَى وَاسِطَ ، فَكُنْتُ فِي دِيمَاسِ الْحَجَّاجِ حَتَّى مَاتَ الْحَجَّاجُ [وفي رواية : قَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ ، فَقَالَ : يَا أَبَا سَعِيدٍ إِنَّ الْحَجَّاجَ قَدْ أَخَّرَ الصَّلَاةَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ حَتَّى قَرُبْنَا مِنَ الْعَصْرِ ، فَقُمْ إِلَيْهِ ، وَأْمُرْهُ بِتَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى ، قَالَ الْحَسَنُ : إِذًا يَقْتُلَنِي ، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ : أَلَيْسَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ ، الْآيَةَ ، قَالَ الْحَسَنُ : حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : لَيْسَ لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ ، قَالُوا : وَكَيْفَ يُذِلُّهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : يَتَكَلَّفُ مِنَ الْبَلَاءِ مَا لَا يُطِيقُ(١٨)]
- (١)مسند أبي يعلى الموصلي١٤١١·المطالب العالية٥٣٦٥·
- (٢)مسند أبي يعلى الموصلي١٤١١·
- (٣)مسند أبي يعلى الموصلي١٤١١·
- (٤)مسند أبي يعلى الموصلي١٤١١·
- (٥)مسند أبي يعلى الموصلي١٤١١·
- (٦)مصنف عبد الرزاق٢٠٧٩٨·
- (٧)المطالب العالية٥٣٦٥·
- (٨)مصنف عبد الرزاق٢٠٧٩٨·
- (٩)مسند أبي يعلى الموصلي١٤١١·
- (١٠)مسند أبي يعلى الموصلي١٤١١·
- (١١)مسند أبي يعلى الموصلي١٤١١·
- (١٢)مسند أبي يعلى الموصلي١٤١١·
- (١٣)مسند أبي يعلى الموصلي١٤١١·
- (١٤)مسند أبي يعلى الموصلي١٤١١·
- (١٥)مسند أبي يعلى الموصلي١٤١١·
- (١٦)مسند أبي يعلى الموصلي١٤١١·
- (١٧)مسند أبي يعلى الموصلي١٤١١·
- (١٨)المطالب العالية٥٣٦٥·