وَقَالَ أَبُو يَعْلَى : حَدَّثَنَا قَطَنُ بْنُ نُسَيْرٍ ، ثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، ثَنَا الْمُعَلَّى بْنُ زِيَادٍ ، قَالَ
لَمَّا هَزَمَ يَزِيدُ بْنُ الْمُهَلَّبِ أَهْلَ الْبَصْرَةِ ، خَشِيتُ أَنْ أَجْلِسَ فِي حَلْقَةِ الْحَسَنِ ، فَأُوجَدَ فِيهَا فَأُعْرَفَ ، فَأَتَيْتُ الْحَسَنَ فِي مَنْزِلِهِ ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ ، فَقُلْتُ : يَا أَبَا سَعِيدٍ ، كَيْفَ بِهَذِهِ الْآيَةِ ؟ قَالَ : أَيَّةُ آيَةٍ ؟ قَالَ : قُلْتُ : قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ ، الْآيَةَ ، قَالَ : يَا عَبْدَ اللهِ ، إِنَّ الْقَوْمَ عَرَضُوا السَّيْفَ فَحَالَ السَّيْفُ دُونَ الْكَلَامِ ، فَقُلْتُ : يَا أَبَا سَعِيدٍ ، فَهَلْ تَعْرِفُ لِمُتَكَلِّمٍ فَضْلًا ؟ قَالَ : لَا ، قَالَ الْمُعَلَّى : ثُمَّ حَدَّثَ بِحَدِيثَيْنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : لَا يَمْنَعَنَّ أَحَدَكُمْ رَهْبَةُ النَّاسِ أَنْ يَقُولَ بِالْحَقِّ إِذَا رَآهُ ، فَإِنَّهُ لَا يُقَرِّبُ مِنْ أَجَلٍ ، وَلَا يُبْعِدُ مِنْ رِزْقٍ . قَالَ : ثُمَّ حَدَّثَ الْحَسَنُ بِحَدِيثٍ آخَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَيْسَ لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ ، قِيلَ : وَمَا إِذْلَالُهُ نَفْسَهُ ؟ قَالَ : يَتَعَرَّضُ مِنَ الْبَلَاءِ لِمَا لَا يُطِيقُ ، قِيلَ : يَا أَبَا سَعِيدٍ فَيَزِيدُ الضَّبِّيُّ فِي كَلَامِهِ فِي الصَّلَاةِ ؟ قَالَ : أَمَا إِنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مِنَ السِّجْنِ حَتَّى نَدِمَ ، قَالَ الْمُعَلَّى : فَأَقُومُ مِنْ مَجْلِسِ الْحَسَنِ ، فَأَتَيْتُ يَزِيدَ الضَّبِّيَّ ، فَقُلْتُ : يَا أَبَا مَوْدُودٍ ، بَيْنَمَا أَنَا وَالْحَسَنُ نَتَذَاكَرُ إِذَا نَصَبْتَ أَمْرَكَ نَصْبًا ، فَقَالَ : مَهْ يَا أَبَا الْحَسَنِ قُلْتُ : قَدْ فَعَلْتُ ، قَالَ : فَمَا قَالَ ؟ قَالَ : أَمَا إِنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مِنَ السِّجْنِ حَتَّى نَدِمَ عَلَى مَقَالَتِهِ ، قَالَ يَزِيدُ : مَا نَدِمْتُ عَلَى مَقَالَتِي ، وَايْمُ اللهِ لَقَدْ قُمْتُ مَقَامًا أُخْطِرُ فِيهِ بِنَفْسِي ، قَالَ يَزِيدُ : أَتَيْتُ الْحَسَنَ ، فَقُلْتُ : يَا أَبَا سَعِيدٍ ، عَلَى كُلِّ شَيْءٍ نُغْلَبُ ، فَنُغْلَبُ عَلَى صَلَاتِنَا ؟ فَقَالَ : يَا عَبْدَ اللهِ ، إِنَّكَ تُعَرِّضُ بِنَفْسِكَ لَهُمْ ، ثُمَّ إِنَّكَ لَا تَصْنَعُ شَيْئًا ، قَالَ : ثُمَّ أَتَيْتُهُ فَقَالَ لِي مِثْلَ مَقَالَتِهِ ، فَقُمْتُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي الْمَسْجِدِ وَالْحَكَمُ بْنُ أَيُّوبَ يَخْطُبُ ، فَقُلْتُ : الصَّلَاةَ ج١٨ / ص٣٢٨رَحِمَكَ اللهُ ، فَلَمَّا قُلْتُ ذَلِكَ احْتَوَشَنِي الرِّجَالُ ، فَأَخَذُوا بِلِحْيَتِي ، وَرَأْسِي ، وَتَلْبِيَتِي ، وَجَعَلُوا يَجِئُونَ بَطْنِي بِنِعَالِ سُيُوفِهِمْ ، وَمَضَوْا بِي إِلَى نَحْوِ الْمَقْصُورَةِ ، فَدَخَلْتُ ، فَقُمْتُ بَيْنَ الْحَكَمِ وَهُوَ سَاكِتٌ ، فَقَالَ : أَمَجْنُونٌ أَنْتَ ؟ أَوَمَا كُنَّا فِي صَلَاةٍ ؟ فَقُلْتُ : أَصْلَحَ اللهُ الْأَمِيرَ هَلْ مِنْ كَلَامٍ أَفْضَلَ مِنْ كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ ؟ قَالَ : لَا ، قُلْتُ : أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا نَشَرَ مُصْحَفًا يَقْرَؤُهُ غُدْوَةً إِلَى اللَّيْلِ ، أَكَانَ ذَلِكَ قَاضِيًا عَنْهُ صَلَاتَهُ ؟ قَالَ : وَاللهِ إِنِّي لَأَحْسَبُكَ مَجْنُونًا ، قَالَ : وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ جَالِسٌ تَحْتَ مِنْبَرِهِ سَاكِتٌ ، فَقُلْتُ : يَا أَنَسُ ! ، يَا أَبَا حَمْزَةَ ، أَنْشُدُكَ اللهَ تَعَالَى فَقَدْ خَدَمْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَحِبْتَهُ ، أَبِمَعْرُوفٍ قُلْتُ أَمْ بِمُنْكَرٍ ؟ أَبِحَقٍّ قُلْتُ أَمْ بِبَاطِلٍ ؟ قَالَ : فَلَا وَاللهِ مَا أَجَابَنِي بِكَلِمَةٍ ، فَقَالَ لَهُ الْحَكَمُ بْنُ أَيُّوبَ : يَا أَنَسُ ، قَالَ : لَبَّيْكَ ، أَصْلَحَكَ اللهُ ، قَالَ : أَكَانَ وَقْتُ الصَّلَاةِ قَدْ ذَهَبَ ؟ قَالَ : بَلْ بَقِيَ بَقِيَّةٌ ، فَقَالَ الْحَكَمُ : احْبِسُوهُ . قَالَ يَزِيدُ : فَأُقْسِمُ لَكَ يَا أَبَا الْحَسَنِ ، لَمَا لَقِيتُ مِنْ أَصْحَابِي كَانَ أَشَدَّ عَلَيَّ مِمَّا لَقِيتُ مِنَ الْحَكَمِ ، قَالَ بَعْضُهُمْ : مُرَائِي ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَجْنُونٌ ، قَالَ : وَكَتَبَ الْحَكَمُ إِلَى الْحَجَّاجِ أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي ضَبَّةَ قَامَ إِلَيَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَأَنَا أَخْطُبُ ، فَقَالَ : الصَّلَاةَ ، وَقَدْ شَهِدَ عِنْدِي الْعُدُولُ أَنَّهُ مَجْنُونٌ ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْحَجَّاجُ ، إِنْ شَهِدَ الشُّهُودُ الْعُدُولُ أَنَّهُ مَجْنُونٌ فَخَلِّ سَبِيلَهُ ، وَإِلَّا فَاقْطَعْ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ ، وَسَمِّرْ عَيْنَيْهِ ، وَاصْلُبْهُ ، قَالَ : فَشَهِدُوا عِنْدَ الْحَكَمِ أَنِّي مَجْنُونٌ ، فَخَلَّى عَنِّي . قَالَ الْمُعَلَّى : عَنْ يَزِيدَ الضَّبِّيِّ ، ثُمَّ مَاتَ أَخٌ لَنَا فَتَبِعْنَا جِنَازَتَهُ ، فَصَلَّيْنَا عَلَيْهِ ، فَلَمَّا دُفِنَ تَنَحَّيْتُ فِي عِصَابَةٍ ، فَذَكَرْنَا اللهَ تَعَالَى عَزَّ وَجَلَّ ، وَذَكَرْنَا مَعَادَنَا ، فَإِنَّا لَكَذَلِكَ إِذْ رَأَيْنَا نَوَاصِيَ الْخَيْلِ وَالْحِرَابَ ، فَلَمَّا رَآهُ ج١٨ / ص٣٢٩أَصْحَابِي تَفَرَّقُوا وَتَرَكُونِي وَحْدِي ، فَجَاءَ الْحَكَمُ حَتَّى وَقَفَ عَلَيَّ ، فَقَالَ : مَا كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ ؟ قُلْتُ : أَصْلَحَ اللهُ الْأَمِيرَ ، مَاتَ صَاحِبٌ لَنَا ، فَصَلَّيْنَا عَلَيْهِ وَدَفَنَّاهُ وَقَعَدْنَا نَذْكُرُ رَبَّنَا ، وَنَذْكُرُ مَعَادَنَا ، وَنَذْكُرُ مَا صَارَ إِلَيْهِ ، قَالَ : مَا مَنَعَكَ أَنْ تَفِرَّ كَمَا فَرُّوا ؟ قُلْتُ : أَصْلَحَكَ اللهُ ، أَنَا أَبْرَأُ سَاحَةً مِنْ ذَلِكَ ، أَوَمِنَ الْأَمِيرِ أَفِرُّ ؟ فَسَكَتَ الْحَكَمُ ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْمُهَلَّبِ - كَانَ عَلَى شُرْطَتِهِ - : أَتَدْرِي مَنْ هَذَا ؟ قَالَ : لَا ، قَالَ : هَذَا الْمُتَكَلِّمُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، قَالَ : فَغَضِبَ الْحَكَمُ ، وَقَالَ : أَمَا إِنَّكَ لَجَرِيءٌ ، خُذْهُ ، فَأُخِذْتُ ، فَضَرَبَنِي أَرْبَعَمِائَةِ سَوْطٍ ، فَمَا دَرَيْتُ مَتَى تَرَكَنِي مِنْ شِدَّةِ مَا ضَرَبَنِي ، قَالَ : وَبَعَثَ بِي إِلَى وَاسِطَ ، فَكُنْتُ فِي دِيمَاسِ الْحَجَّاجِ حَتَّى مَاتَ الْحَجَّاجُ