مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ ؟ فَأَخْبَرَهُ فَجَحَدَ ذَلِكَ فِنْحَاصُ ، وَقَالَ : مَا قُلْتُ ذَلِكَ فَأَنْزَلَ اللهُ : لَقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ ، الْآيَةَ إِلَى قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : عَذَابَ الْحَرِيقِ ، وَأَنْزَلَ فِي أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَمَا بَلَغَهُ مِنْ ذَلِكَ الْغَضَبِ : وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ ، وَقَالَ فِي مَا قَالَ فِنْحَاصُ وَأَحْبَارٌ مِنَ الْيَهُودِ مَعَهُ : وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ ، إِلَى قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : عَذَابٌ أَلِيمٌ يَعْنِي فِنْحَاصَ وَأَشْيَعَ وَأَشْبَاهَهُمَا مِنَ الْأَحْبَارِ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا يُصِيبُونَ مِنَ الدُّنْيَا عَلَى مَا زَيَّنُوا لِلنَّاسِ مِنَ الضَّلَالَةِ ، وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا ، وَلِيَقُولَ النَّاسُ : لَهُمْ عِلْمٌ وَلَيْسُوا بِأَهْلِ عِلْمٍ لَمْ يَحْمِلُوهُمْ عَلَى هُدًى وَلَا عَلَى خَيْرٍ ، وَيُحِبُّونَ أَنْ يَقُولَ النَّاسُ : قَدْ فَعَلُوا وَلَمْ يَفْعَلُوا . فَقَالَ قَائِلٌ فِي هَذِهِ الرِّوَايَاتِ تَضَادٌّ شَدِيدٌ ؛ لِأَنَّ فِيهَا عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ كَانُوا يَعْتَذِرُونَ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ قُدُومِهِ مِنْ غَزْوِهِ أَنَّهُمْ لَمْ يُخَلِّفْهُمْ عَنْهُ أَنْ يَكُونُوا مَعَهُ فِي غَزْوِهِ إِلَّا السَّقَمَ وَالشُّغْلَ وَلِأَنَّ فِيهَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ وَأَنَّ الْمُرَادِينَ بِهَا أَهْلُ الْكِتَابِ الَّذِينَ أَخْبَرُوا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخِلَافِ مَا فِي كِتَابِهِمْ حِينَ سَأَلَهُمْ عَنْهُ فَأَخْبَرُوهُ بِخِلَافِهِ ، وَهَذَا تَضَادٌّ شَدِيدٌ . فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللهِ وَعَوْنِهِ : أَنْ لَا تَضَادَّ فِي ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرَانِ جَمِيعًا قَدْ كَانَا فَكَانَ مِنَ الْمُنَافِقِينَ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا ذَكَرَهُ رَافِعٌ وَأَبُو سَعِيدٍ وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَا كَانَ مِنْهُمْ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الْآيَةَ فِي مَا كَانَ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا ، فَعَلِمَ رَافِعٌ وَأَبُو سَعِيدٍ مَا نَزَلَتْ فِيهِ مِمَّا كَانَ مِنَ الْمُنَافِقِينَ وَعَلِمَ ابْنُ عَبَّاسٍ مَا نَزَلَتْ فِيهِ مِمَّا كَانَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ، وَلَمْ يَعْلَمْ وَاحِدٌ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ مَا عَلِمَ الْفَرِيقُ الْآخَرُ مَا نَزَلَتْ فِيهِ فَحَدَّثَ كُلُّ فَرِيقٍ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ بِمَا عَلِمَ بِهِ مِمَّا كَانَتِ الْآيَةُ نَزَلَتْ فِيهِ مِنَ السَّبَبَيْنِ اللَّذَيْنِ كَانَ نُزُولُهَا فِيهِمَا ، وَكَانَ نُزُولُهَا فِي الْحَقِيقَةِ فِي السَّبَبَيْنِ جَمِيعًا لَا فِي أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ فَبَانَ - بِحَمْدِ اللهِ وَنِعْمَتِهِ - أَنَّهُ لَمْ يَبِنْ لَنَا فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ تَضَادٌّ وَاللهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .