19 - بَاب الرَّجَاءِ مَعَ الْخَوْفِ . وَقَالَ سُفْيَانُ : مَا فِي الْقُرْآنِ آيَةٌ أَشَدُّ عَلَيَّ مِنْ : لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَمَا أُنْـزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ 6469 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الرَّحْمَةَ يَوْمَ خَلَقَهَا مِائَةَ رَحْمَةٍ ، فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعًا وَتِسْعِينَ رَحْمَةً ، وَأَرْسَلَ فِي خَلْقِهِ كُلِّهِمْ رَحْمَةً وَاحِدَةً ، فَلَوْ يَعْلَمُ الْكَافِرُ بِكُلِّ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ مِنْ الرَّحْمَةِ لَمْ يَيْأسْ مِنْ الْجَنَّةِ ، وَلَوْ يَعْلَمُ الْمُسْلِمُ بِكُلِّ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ مِنْ الْعَذَابِ لَمْ يَأْمَنْ مِنْ النَّارِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ الرَّجَاءِ مَعَ الْخَوْفِ ) ؛ أَيِ اسْتِحْبَابُ ذَلِكَ فَلَا يَقْطَعُ النَّظَرَ فِي الرَّجَاءِ عَنِ الْخَوْفِ ، وَلَا فِي الْخَوْفِ عَنِ الرَّجَاءِ ؛ لِئَلَّا يُفْضِيَ فِي الْأَوَّلِ إِلَى الْمَكْرِ ، وَفِي الثَّانِي إِلَى الْقُنُوطِ ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا مَذْمُومٌ ، وَالْمَقْصُودُ مِنَ الرَّجَاءِ أَنَّ مَنْ وَقَعَ مِنْهُ تَقْصِيرٌ فَلْيُحْسِنْ ظَنَّهُ بِاللَّهِ ، وَيَرْجُو أَنْ يَمْحُوَ عَنْهُ ذَنْبَهُ ، وَكَذَا مَنْ وَقَعَ مِنْهُ طَاعَةٌ يَرْجُو قَبُولَهَا ، وَأَمَّا مَنِ انْهَمَكَ عَلَى الْمَعْصِيَةِ رَاجِيًا عَدَمَ الْمُؤَاخَذَةِ بِغَيْرِ نَدَمٍ وَلَا إِقْلَاعٍ فَهَذَا فِي غُرُورٍ ، وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ أَبِي عُثْمَانَ الْجِيزِيِّ : مِنْ عَلَامَةِ السَّعَادَةِ أَنْ تُطِيعَ وَتَخَافَ أَنْ لَا تُقْبَلَ ، وَمِنْ عَلَامَةِ الشَّقَاءِ أَنْ تَعْصِيَ وَتَرْجُوَ أَنْ تَنْجُوَ . وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ وَهْبٍ عَنْ أَبِيهِ . عَنْ عَائِشَةَ قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، الَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَهُوَ الَّذِي يَسْرِقُ وَيَزْنِي ؟ قَالَ : لَا ، وَلَكِنَّهُ الَّذِي يَصُومُ وَيَتَصَدَّقُ وَيُصَلِّي وَيَخَافُ أَنْ لَا يَقْبَلَهُ مِنْهُ ، وَهَذَا كُلُّهُ مُتَّفَقٌ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ فِي حَالَةِ الصِّحَّةِ ، وَقِيلَ : الْأَوَّلُ أَنْ يَكُونَ الْخَوْفُ فِي الصِّحَّةِ أَكْثَرَ ، وَفِي الْمَرَضِ عَكْسَهُ ، وَأَمَّا عِنْدَ الْإِشْرَافِ عَلَى الْمَوْتِ فَاسْتَحَبَّ قَوْمٌ الِاقْتِصَارَ عَلَى الرَّجَاءِ لِمَا يَتَضَمَّنُ مِنَ الِافْتِقَارِ إِلَى اللَّهِ - تَعَالَى - وَلِأَنَّ الْمَحْذُورَ مِنْ تَرْكِ الْخَوْفِ قَدْ تَعَذَّرَ ، فَيَتَعَيَّنُ حُسْنُ الظَّنِّ بِاللَّهِ بِرَجَاءِ عَفْوِهِ وَمَغْفِرَتِهِ ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ : لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ . وَقَالَ آخَرُونَ : لَا يُهْمِلُ جَانِبَ الْخَوْفِ أَصْلًا بِحَيْثُ يَجْزِمُ بِأَنَّهُ آمِنٌ ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ ، عَنْ أَنَسٍ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ عَلَى شَابٍّ وَهُوَ فِي الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُ : كَيْفَ تَجِدُكَ ؟ فَقَالَ : أَرْجُو اللَّهَ وَأَخَافُ ذُنُوبِي ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا يَجْتَمِعَانِ فِي قَلْبِ عَبْدٍ فِي هَذَا الْمَوْطِنِ إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ مَا يَرْجُو وَآمَنَهُ مِمَّا يَخَافُ ، وَلَعَلَّ الْبُخَارِيَّ أَشَارَ إِلَيْهِ فِي التَّرْجَمَةِ ، وَلَمَّا لَمْ يُوَافِقْ شَرْطَهُ أَوْرَدَ مَا يُؤْخَذُ مِنْهُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُسَاوِيًا لَهُ فِي التَّصْرِيحِ بِالْمَقْصُودِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ سُفْيَانُ ) هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ ( مَا فِي الْقُرْآنِ آيَةٌ أَشَدَّ عَلَيَّ ) مِنْ قَوْلِهِ - تَعَالَى - : قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَمَا أُنْـزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا الْأَثَرِ وَبَيَانِهِ وَالْبَحْثِ فِيهِ فِي تَفْسِيرِ الْمَائِدَةِ ، وَمُنَاسَبَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْآيَةَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يَعْمَلْ بِمَا تَضَمَّنَهُ الْكِتَابُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ لَمْ تَحْصُلْ لَهُ النَّجَاةُ ، لَكِنْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنَ الْإِصْرِ الَّذِي كَانَ كُتِبَ عَلَى مَنْ قَبْلَ هَذِهِ الْأُمَّةِ فَيَحْصُلُ الرَّجَاءُ بِهَذِهِ الطَّرِيقِ مَعَ الْخَوْفِ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ) هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ ، وَثَبَتَ كَذَلِكَ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ ، وَعَمْرٌو هُوَ ابْنُ أَبِي عَمْرٍو مَوْلَى الْمُطَلِّبِ وَهُوَ تَابِعِيٌّ صَغِيرٌ ، وَشَيْخُهُ تَابِعِيٌّ وَسَطٌ ، وَهُمَا مَدَنِيَّانِ . قَوْلُهُ : ( إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الرَّحْمَةَ يَوْمَ خَلَقَهَا مِائَةَ رَحْمَةٍ ) قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ : رَحْمَتُ اللَّهِ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ ، وَلَيْسَ هِيَ بِمَعْنَى الرِّقَّةِ الَّتِي فِي صِفَاتِ الْآدَمِيِّينَ ؛ بَلْ ضَرَبَ ذَلِكَ مَثَلًا لِمَا يُعْقَلُ مِنْ ذِكْرِ الْأَجْزَاءِ وَرَحْمَةِ الْمَخْلُوقِينَ ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ . قُلْتُ : الْمُرَادُ بِالرَّحْمَةِ هُنَا مَا يَقَعُ مِنْ صِفَاتِ الْفِعْلِ كَمَا سَأُقَرِّرُهُ فَلَا حَاجَةَ لِلتَّأْوِيلِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ الْأَدَبِ جَوَابٌ آخَرُ مَعَ مَبَاحِثَ حَسَنَةٍ ، وَهُوَ فِي بَابِ جَعَلَ اللَّهُ الرَّحْمَةَ مِائَةَ جُزْءٍ . قَوْلُهُ : ( وَأَرْسَلَ فِي خَلْقِهِ كُلِّهِمْ ) كَذَا لَهُمْ وَكَذَا لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ سُفْيَانَ ، وَلِأَبِي نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيقِ السَّرَّاجِ كِلَاهُمَا عَنْ قُتَيْبَةَ ، وَذَكَرَ الْكِرْمَانِيُّ أَنَّ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ فِي خَلْقِهِ كُلِّهِ . قَوْلُهُ : ( فَلَوْ يَعْلَمُ الْكَافِرُ ) كَذَا ثَبَتَ فِي هَذِهِ الطَّرِيقِ بِالْفَاءِ إِشَارَةً إِلَى تَرْتِيبِ مَا بَعْدَهَا عَلَى مَا قَبْلَهَا ، وَمِنْ ثَمَّ قَدَّمَ ذِكْرَ الْكَافِرِ ؛ لِأَنَّ كَثْرَتَهَا وَسَعَتَهَا تَقْتَضِي أَنْ يَطْمَعَ فِيهَا كُلُّ أَحَدٍ ، ثُمَّ ذَكَرَ الْمُؤْمِنَ اسْتِطْرَادًا ، وَرَوَى هَذَا الْحَدِيثَ الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، فَقَطَعَهُ حَدِيثَيْنِ ، أَخْرَجَهُمَا مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِهِ ، فَذَكَرَ حَدِيثَ الرَّحْمَةِ بِلَفْظِ : خَلَقَ اللَّهُ مِائَةَ رَحْمَةٍ ، فَوَضَعَ وَاحِدَةً بَيْنَ خَلْقِهِ وَخَبَّأَ عِنْدَهُ مِائَةً إِلَّا وَاحِدَةً ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ الْآخَرَ بِلَفْظِ : لَوْ يَعْلَمُ الْمُؤْمِنُ إِلَخْ ، وَالْحِكْمَةُ فِي التَّعْبِيرِ بِالْمُضَارِعِ دُونَ الْمَاضِي الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ لَهُ عِلْمُ ذَلِكَ وَلَا يَقَعُ ؛ لِأَنَّهُ إِذَا امْتَنَعَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ كَانَ مُمْتَنِعًا فِيمَا مَضَى . قَوْلُهُ : ( بِكُلِّ الَّذِي ) اسْتَشْكَلَ هَذَا التَّرْكِيبُ لِكَوْنِ كُلٍّ إِذَا أُضِيفَتْ إِلَى الْمَوْصُولِ كَانَتْ إِذْ ذَاكَ لِعُمُومِ الْأَجْزَاءِ لَا لِعُمُومِ الْأَفْرَادِ ، وَالْغَرَضُ مِنْ سِيَاقِ الْحَدِيثِ تَعْمِيمُ الْأَفْرَادِ ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ وَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ أَنَّ الرَّحْمَةَ قُسِّمَتْ مِائَةَ جُزْءٍ ، فَالتَّعْمِيمُ حِينَئِذٍ لِعُمُومِ الْأَجْزَاءِ فِي الْأَصْلِ ، أَوْ نَزَلَتِ الْأَجْزَاءُ مَنْزِلَةَ الْأَفْرَادِ مُبَالَغَةً . قَوْلُهُ : ( لَمْ يَيْأَسْ مِنَ الْجَنَّةِ ) قِيلَ : الْمُرَادُ أَنَّ الْكَافِرَ لَوْ عَلِمَ سَعَةَ الرَّحْمَةِ لَغَطَّى عَلَى مَا يَعْلَمُهُ مِنْ عِظَمِ الْعَذَابِ فَيَحْصُلُ بِهِ الرَّجَاءُ ، أَوِ الْمُرَادُ أَنَّ مُتَعَلِّقَ عِلْمِهِ بِسَعَةِ الرَّحْمَةِ مَعَ عَدَمِ الْتِفَاتِهِ إِلَى مُقَابِلِهَا يُطْمِعُهُ فِي الرَّحْمَةِ ، وَمُطَابَقَةُ الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ أَنَّهُ اشْتَمَلَ عَلَى الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ الْمُقْتَضَيَيْنِ لِلرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ ، فَمَنْ عَلِمَ أَنَّ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ - تَعَالَى - الرَّحْمَةَ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَرْحَمَهُ ، وَالِانْتِقَامَ مِمَّنْ أَرَادَ أَنْ يَنْتَقِمَ مِنْهُ لَا يَأْمَنِ انْتِقَامَهُ مَنْ يَرْجُو رَحْمَتَهُ ، وَلَا يَيْأَسْ مِنْ رَحْمَتِهِ مَنْ يَخَافُ انْتِقَامَهُ ، وَذَلِكَ بَاعِثٌ عَلَى مُجَانَبَةِ السَّيِّئَةِ وَلَوْ كَانَتْ صَغِيرَةً وَمُلَازَمَةُ الطَّاعَةِ وَلَوْ كَانَتْ قَلِيلَةً ، قِيلَ : فِي الْجُمْلَةِ الْأُولَى نَوْعُ إِشْكَالٍ ، فَإِنَّ الْجَنَّةَ لَمْ تُخْلَقْ لِلْكَافِرِ وَلَا طَمَعَ لَهُ فِيهَا ، فَغَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ أَنْ يَطْمَعَ فِي الْجَنَّةِ مَنْ لَا يَعْتَقِدُ كُفْرَ نَفْسِهِ ، فَيُشْكِلُ تَرَتُّبُ الْجَوَابِ عَلَى مَا قَبْلَهُ ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ سِيقَتْ لِتَرْغِيبِ الْمُؤْمِنِ فِي سَعَةِ رَحْمَةِ اللَّهِ الَّتِي لَوْ عَلِمَهَا الْكَافِرُ الَّذِي كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ يُخْتَمُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا حَظَّ لَهُ فِي الرَّحْمَةِ لَتَطَاوَلَ إِلَيْهَا وَلَمْ يَيْأَسْ مِنْهَا ، إِمَّا بِإِيمَانِهِ الْمَشْرُوطِ وَإِمَّا لِقَطْعِ نَظَرِهِ عَنِ الشَّرْطِ ، مَعَ تَيَقُّنِهِ بِأَنَّهُ عَلَى الْبَاطِلِ وَاسْتِمْرَارِهِ عَلَيْهِ عِنَادًا ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ حَالَ الْكَافِرِ فَكَيْفَ لَا يَطْمَعُ فِيهَا الْمُؤْمِنُ الَّذِي هَدَاهُ اللَّهُ لِلْإِيمَانِ ؟ وَقَدْ وَرَدَ : أَنَّ إِبْلِيسَ يَتَطَاوَلُ لِلشَّفَاعَةِ ؛ لِمَا يَرَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَعَةِ الرَّحْمَةِ ، أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ ، وَمِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ وَسَنَدُ كُلٍّ مِنْهُمَا ضَعِيفٌ ، وَقَدْ تَكَلَّمَ الْكِرْمَانِيُّ هُنَا عَلَى لَوْ بِمَا حَاصِلُهُ : أَنَّهَا هُنَا لِانْتِفَاءِ الثَّانِي وَهُوَ الرَّجَاءُ لِانْتِفَاءِ الْأَوَّلِ وَهُوَ الْعِلْمُ ، فَأَشْبَهَتْ : لَوْ جِئْتَنِي أَكْرَمْتُكَ ، وَلَيْسَتْ لِانْتِفَاءِ الْأَوَّلِ لِانْتِفَاءِ الثَّانِي كَمَا بَحَثَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى - : لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ . قَالَ : وَالْمَقْصُودُ مِنَ الْحَدِيثِ أَنَّ الْمُكَلَّفَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ حَتَّى لَا يَكُونَ مُفْرِطًا فِي الرَّجَاءِ بِحَيْثُ يَصِيرُ مِنَ الْمُرْجِئَةِ الْقَائِلِينَ لَا يَضُرُّ مَعَ الْإِيمَانِ شَيْءٌ ، وَلَا فِي الْخَوْفِ بِحَيْثُ لَا يَكُونُ مِنَ الْخَوَارِجِ وَالْمُعْتَزِلَةِ الْقَائِلِينَ بِتَخْلِيدِ صَاحِبِ الْكَبِيرَةِ إِذَا مَاتَ عَنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ فِي النَّارِ ؛ بَلْ يَكُونُ وَسَطًا بَيْنَهُمَا كَمَا قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى - : وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ وَمَنْ تَتَبَّعَ دِينَ الْإِسْلَامِ وَجَدَ قَوَاعِدَهُ أُصُولًا وَفُرُوعًا كُلَّهَا فِي جَانِبِ الْوَسَطِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الرَّجَاءِ مَعَ الْخَوْفِ · ص 307 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الرجاء مع الخوف · ص 66 ( باب الرجاء مع الخوف ) أي : هذا باب في بيان استحباب الرجاء مع الخوف فلا يقطع النظر في الرجاء عن الخوف ولا في الخوف عن الرجاء ، لئلا يفضي في الأول إلى الكبر وفي الثاني إلى القنوط ، وكل منهما مذموم والمقصود من الرجاء أن من وقع منه تقصير فليحسن ظنه بالله ويرجو أن يمحو عنه ذنبه ، وكذا من وقع منه طاعة يرجو قبولها ، وأما من انهمك في المعصية راجيا عدم المؤاخذة بغير ندم ولا إقلاع فهذا غرور في غرور ، وقد أخرج ابن ماجه من طريق عبد الرحمن بن سعيد بن وهب عن أبيه عن عائشة قلت : يا رسول الله ، الذين يؤتون وقلوبهم وجلة ، أهو الذي يسرق ويزني ؟ قال : لا ، ولكن الذي يصوم ويتصدق ويصلي ، ويخاف أن لا يقبل منه . وقال سفيان : ما في القرآن آية أشد علي من : لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَمَا أُنْـزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ سفيان هذا : هو ابن عيينة ، وأول الآية : قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ وإنما كان أشد لأنه يستلزم العلم بما في الكتب الإلهية والعمل بها ، وقد مر في تفسير سورة المائدة ، وقيل : الأخوف هو قوله تعالى : وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ وقيل : هو : لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ وقيل : أخوف آية : مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ فإن قلت : ما وجه مناسبة الآية بالترجمة ؟ قلت : من حيث إن الآية تدل على أن من لم يعمل بما تضمنه الكتاب الذي أنزل عليه لم يحصل له النجاة ولا ينفعه رجاؤه من غير عمل ما أمر به . 56 - حدثنا قتيبة بن سعيد ، حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن ، عن عمرو بن أبي عمرو ، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري ، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن الله خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة ، فأمسك عنده تسعا وتسعين رحمة ، وأرسل في خلقه كلهم رحمة واحدة ، فلو يعلم الكافر بكل الذي عند الله من الرحمة لم ييأس من الجنة ، ولو يعلم المؤمن بكل الذي عند الله من العذاب لم يأمن من النار . مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله : " فلو يعلم الكافر " إلى آخر الحديث ، وذلك أن المكلف لو تحقق ما عند الله من الرحمة لما قطع رجاءه أصلا ، ولو تحقق ما عنده من العذاب لما ترك الخوف أصلا ، فينبغي أن يكون بين الخوف والرجاء فلا يكون مفرطا في الرجاء بحيث يصير من المرجئة القائلين بأنه لا يضر مع الإيمان شيء ، ولا في الخوف بحيث يكون من الخوارج والمعتزلة القائلين بتخليد صاحب الكبيرة إذا مات من غير توبة في النار ، بل يكون وسطا بينهما كما قال الله تعالى : وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ قوله : " قتيبة بن سعيد " في رواية أبي ذر لم يذكر ابن سعيد . قوله : " وعمرو بن أبي عمرو " بالواو فيهما ، مولى المطلب وهو تابعي صغير ، وشيخه تابعي وسط ، وكلاهما مدنيان . والحديث من أفراده ، وقد مر في الأدب في باب جعل الله الرحمة مائة جزء ، من طريق سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ولفظه " جعل الله الرحمة مائة جزء " . قوله : " إن الله خلق الرحمة " أي : الرحمة التي جعلها في عباده ، وهي مخلوقة ، وأما الرحمة التي هي صفة من صفاته فهي قائمة بذاته عز وجل . قوله : " مائة رحمة " أي : مائة نوع من الرحمة ، أو مائة جزء كما في الحديث الذي تقدم في الأدب . قوله : " في خلقه كلهم " ويروى " كله " قاله الكرماني . قوله : " فلو يعلم الكافر " هكذا ثبت في هذا الطريق بالفاء إشارة إلى ترتب ما بعدها على ما قبلها ، ومن ثم قدم ذكر الكافر لأن كثرة الرحمة وسعتها تقتضي أن يطمعها كل أحد ، ثم ذكر المؤمن استطرادا ، والحكمة في التعبير بالمضارع دون الماضي الإشارة إلى أنه لم يقع له علم ذلك ، ولا يقع لأنه إذا امتنع في المستقبل كان ممتنعا فيما مضى ، وقد صرح ابن الحاجب أن لو لانتفاء الأول لانتفاء الثاني كما في قوله تعالى : لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فانتفاء التعدد بانتفاء الفساد وليس هاهنا كذلك إذ فيه انتفاء الثاني ، وهو انتفاء الرجاء لانتفاء الأول ، كما في قوله : لو جئتني لأكرمتك ، فإن الإكرام منتف لانتفاء المجيء . قوله : بكل الذي قيل فيه إشكال ، لأن لفظة كل إذا أضيفت إلى الموصول كانت إذ ذاك لعموم الأجزاء لا لعموم الأفراد والغرض من سياق الحديث تعميم الأفراد ، وأجيب بأنه وقع في بعض طرقه " أن الرحمة قسمت مائة جزء " فالتعميم حينئذ لعموم الأجزاء في الأصل ، ونزلت الأجزاء منزلة الأفراد مبالغة . قوله : " لم ييأس من الجنة " من اليأس ، وهو القنوط ، يقال : يئس ، بالكسر ، ييأس ، وفيه لغة أخرى بكسر الهمزة من مستقبله وهو شاذ ، وقال المبرد : منهم من يبدل الهمزة في المستقبل أو الياء الثانية ألفا ، فتقول : ييأس ويائس ، فإن قلت : ما معنى " لم ييئس من الجنة " قلت : قيل المراد أن الكافر لو علم سعة الرحمة لغطى على ما يعلمه من عظيم العذاب ، فيحصل له الرجاء ، وقيل : المراد أن متعلق علمه بسعة الرحمة مع عدم التفاته إلى مقابلها يطمعه في الرحمة .