حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب الرجاء مع الخوف

( باب الرجاء مع الخوف )

وقال سفيان : ما في القرآن آية أشد علي من : لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَمَا أُنْـزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ 56 - حدثنا قتيبة بن سعيد ، حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن ، عن عمرو بن أبي عمرو ، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري ، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن الله خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة ، فأمسك عنده تسعا وتسعين رحمة ، وأرسل في خلقه كلهم رحمة واحدة ، فلو يعلم الكافر بكل الذي عند الله من الرحمة لم ييأس من الجنة ، ولو يعلم المؤمن بكل الذي عند الله من العذاب لم يأمن من النار .

مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله : " فلو يعلم الكافر " إلى آخر الحديث ، وذلك أن المكلف لو تحقق ما عند الله من الرحمة لما قطع رجاءه أصلا ، ولو تحقق ما عنده من العذاب لما ترك الخوف أصلا ، فينبغي أن يكون بين الخوف والرجاء فلا يكون مفرطا في الرجاء بحيث يصير من المرجئة القائلين بأنه لا يضر مع الإيمان شيء ، ولا في الخوف بحيث يكون من الخوارج والمعتزلة ج٢٣ / ص٦٧القائلين بتخليد صاحب الكبيرة إذا مات من غير توبة في النار ، بل يكون وسطا بينهما كما قال الله تعالى : وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ قوله : " قتيبة بن سعيد " في رواية أبي ذر لم يذكر ابن سعيد . قوله : " وعمرو بن أبي عمرو " بالواو فيهما ، مولى المطلب وهو تابعي صغير ، وشيخه تابعي وسط ، وكلاهما مدنيان . والحديث من أفراده ، وقد مر في الأدب في باب جعل الله الرحمة مائة جزء ، من طريق سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ولفظه " جعل الله الرحمة مائة جزء " .

قوله : " إن الله خلق الرحمة " أي : الرحمة التي جعلها في عباده ، وهي مخلوقة ، وأما الرحمة التي هي صفة من صفاته فهي قائمة بذاته عز وجل . قوله : " مائة رحمة " أي : مائة نوع من الرحمة ، أو مائة جزء كما في الحديث الذي تقدم في الأدب . قوله : " في خلقه كلهم " ويروى " كله " قاله الكرماني .

قوله : " فلو يعلم الكافر " هكذا ثبت في هذا الطريق بالفاء إشارة إلى ترتب ما بعدها على ما قبلها ، ومن ثم قدم ذكر الكافر لأن كثرة الرحمة وسعتها تقتضي أن يطمعها كل أحد ، ثم ذكر المؤمن استطرادا ، والحكمة في التعبير بالمضارع دون الماضي الإشارة إلى أنه لم يقع له علم ذلك ، ولا يقع لأنه إذا امتنع في المستقبل كان ممتنعا فيما مضى ، وقد صرح ابن الحاجب أن لو لانتفاء الأول لانتفاء الثاني كما في قوله تعالى : لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فانتفاء التعدد بانتفاء الفساد وليس هاهنا كذلك إذ فيه انتفاء الثاني ، وهو انتفاء الرجاء لانتفاء الأول ، كما في قوله : لو جئتني لأكرمتك ، فإن الإكرام منتف لانتفاء المجيء . قوله : بكل الذي قيل فيه إشكال ، لأن لفظة كل إذا أضيفت إلى الموصول كانت إذ ذاك لعموم الأجزاء لا لعموم الأفراد والغرض من سياق الحديث تعميم الأفراد ، وأجيب بأنه وقع في بعض طرقه " أن الرحمة قسمت مائة جزء " فالتعميم حينئذ لعموم الأجزاء في الأصل ، ونزلت الأجزاء منزلة الأفراد مبالغة . قوله : " لم ييأس من الجنة " من اليأس ، وهو القنوط ، يقال : يئس ، بالكسر ، ييأس ، وفيه لغة أخرى بكسر الهمزة من مستقبله وهو شاذ ، وقال المبرد : منهم من يبدل الهمزة في المستقبل أو الياء الثانية ألفا ، فتقول : ييأس ويائس ، فإن قلت : ما معنى " لم ييئس من الجنة " قلت : قيل المراد أن الكافر لو علم سعة الرحمة لغطى على ما يعلمه من عظيم العذاب ، فيحصل له الرجاء ، وقيل : المراد أن متعلق علمه بسعة الرحمة مع عدم التفاته إلى مقابلها يطمعه في الرحمة .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث