21 - بَاب وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ وقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ : مِنْ كُلِّ مَا ضَاقَ عَلَى النَّاسِ 6472 - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ : سَمِعْتُ حُصَيْنَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ : كُنْتُ قَاعِدًا عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، فَقَالَ : عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ : هُمْ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ ، وَلَا يَتَطَيَّرُونَ ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ . قَوْلُهُ : ( بَابُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ) اسْتَعْمَلَ لَفْظَ الْآيَةِ تَرْجَمَةً لِتَضَمُّنِهَا التَّرْغِيبَ فِي التَّوَكُّلِ ، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى تَقْيِيدِ مَا أُطْلِقَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ قَبْلَهُ ، وَأَنَّ كُلًّا مِنَ الِاسْتِغْنَاءِ وَالتَّصَبُّرِ وَالتَّعَفُّفِ إِذَا كَانَ مَقْرُونًا بِالتَّوَكُّلِ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ الَّذِي يَنْفَعُ وَيَنْجَعُ ، وَأَصْلُ التَّوَكُّلِ الْوُكُولُ ، يُقَالُ : وَكَّلْتُ أَمْرِي إِلَى فُلَانٍ ، أَيْ أَلْجَأْتُهُ إِلَيْهِ وَاعْتَمَدْتُ فِيهِ عَلَيْهِ ، وَوَكَّلَ فُلَانٌ فُلَانًا اسْتَكْفَاهُ أَمْرَهُ ثِقَةً بِكِفَايَتِهِ ، وَالْمُرَادُ بِالتَّوَكُّلِ اعْتِقَادُ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةِ : وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ تَرْكَ التَّسَبُّبِ وَالِاعْتِمَادَ عَلَى مَا يَأْتِي مِنَ الْمَخْلُوقِينَ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ قَدْ يَجُرُّ إِلَى ضِدِّ مَا يَرَاهُ مِنَ التَّوَكُّلِ ، وَقَدْ سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ رَجُلٍ جَلَسَ فِي بَيْتِهِ أَوْ فِي الْمَسْجِدِ ، وَقَالَ : لَا أَعْمَلُ شَيْئًا حَتَّى يَأْتِيَنِي رِزْقِي ، فَقَالَ : هَذَا رَجُلٌ جَهِلَ الْعِلْمَ ، فَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ اللَّهَ جَعَلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي ، وَقَالَ : لَوْ تَوَكَّلْتُمْ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا ، فَذَكَرَ أَنَّهَا تَغْدُو وَتَرُوحُ فِي طَلَبِ الرِّزْقِ قَالَ : وَكَانَ الصَّحَابَةُ يَتَّجِرُونَ وَيَعْمَلُونَ فِي نَخِيلِهِمْ وَالْقُدْوَةُ بِهِمْ . انْتَهَى ، وَالْحَدِيثُ الْأَوَّلُ سَبَقَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي الْجِهَادِ ، وَالثَّانِي أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَاهُ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ ) بِمُعْجَمَةٍ وَمُثَلَّثَةٍ مُصَغَّرٌ . قَوْلُهُ : ( مِنْ كُلِّ مَا ضَاقَ عَلَى النَّاسِ ) وَصَلَهُ الطَّبَرَانِيُّ ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ الرَّبِيعِ بْنِ مُنْذِرٍ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ قَالَ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى - : وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا الْآيَةَ قَالَ : مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ضَاقَ عَلَى النَّاسِ ، وَالرَّبِيعُ الْمَذْكُورُ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ ، صَحِبَ ابْنَ مَسْعُودٍ ، وَكَانَ يَقُولُ لَهُ : لَوْ رَآكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَأَحَبَّكَ ، أَوْرَدَ ذَلِكَ أَحْمَدُ فِي الزُّهْدِ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ ، وَحَدِيثُهُ مُخَرَّجٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا ، وَالرَّبِيعُ بْنُ مُنْذِرٍ لَمْ يُخَرِّجُوا عَنْهُ ، لَكِنْ ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَلَمْ يَذْكُرَا فِيهِ جَرْحًا ، وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ ، وَأَبُوهُ مُتَّفَقٌ عَلَى تَوْثِيقِهِ وَالتَّخْرِيجِ عَنْهُ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ ) هُوَ ابْنُ مَنْصُورٍ كَمَا أَوْضَحْتُهُ فِي الْمُقَدِّمَةِ ، وَغَلِطَ مَنْ قَالَ : إِنَّهُ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ وَسَيَأْتِي شَرْحُ الْحَدِيثِ مُسْتَوْفًى فِي بَابِ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ سَبْعُونَ أَلْفًا بَعْدَ ثَمَانِيَةٍ وَعِشْرِينَ بَابًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ · ص 311 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ · ص 68 ( باب : وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ أي : هذا باب مترجم بقوله تعالى وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ وأصل التوكل من الوكول ، يقال : وكل أمره إلى فلان ، أي : التجأ إليه واعتمد عليه ، والتوكل تفويض الأمر إلى الله وقطع النظر عن الأسباب ، وليس التوكل ترك السبب والاعتماد على ما يجيء من المخلوقين ، لأن ذلك قد يجر إلى ضد ما يراد من التوكل ، وقد سئل الإمام أحمد رحمه الله عن رجل جلس في بيته أو في مسجد وقال لا أعمل شيئا حتى يأتيني رزقي ، فقال : هذا رجل جهل العلم ، فقد قال النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم " إن الله جعل رزقي تحت ظل رمحي " وقال : " لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير ؛ تغدو خماصا وتروح بطانا " فذكر أنها تغدو وتروح في طلب الرزق ، قال : وكانت الصحابة رضي الله تعالى عنهم يتجرون ويعملون في نخيلهم والقدوة بهم . وقال الربيع بن خثيم : من كل ما ضاق على الناس . الربيع : بفتح الراء وكسر الباء الموحدة ، ابن خثيم ، بضم الخاء المعجمة وفتح الثاء المثلثة وسكون الياء آخر الحروف ، الثوري الكوفي ، من كبار التابعين ، صحب ابن مسعود رضي الله تعالى عنه ، وكان يقول له : لو رآك رسول الله صلى الله عليه وسلم لأحبك ، رواه الإمام أحمد في الزهد بسند جيد . قوله : " من كل ما ضاق " أراد : من يتوكل على الله فهو حسبه من كل ما ضاق على الناس ، وقال الكرماني : " من كل ما ضاق " يعني : التوكل على الله عام من كل أمر مضيق على الناس ، يعني : لا خصوصية في التوكل في أمر بل هو جار في جميع الأمور التي تضيق على الناس . 59 - حدثني إسحاق ، حدثنا روح بن عبادة ، حدثنا شعبة ، قال : سمعت حصين بن عبد الرحمن ، قال : كنت قاعدا عند سعيد بن جبير فقال : عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا بغير حساب ؛ هم الذين لا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون . مطابقته للترجمة في آخر الحديث ، وإسحاق : شيخ البخاري ، قال الغساني : لم أجده منسوبا عند شيوخنا لكن حدث البخاري في الجامع كثيرا عن إسحاق بن إبراهيم . وقال بعضهم : إسحاق هو ابن منصور ، وغلط من قال ابن إبراهيم . قلت : التغليط من أين وقد سمع البخاري من جماعة كل منهم يسمى إسحاق بن إبراهيم ؟ وحصين : بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين . والحديث أخرجه البخاري في الطب مطولا ، وفي أحاديث الأنبياء مختصرا عن مسدد ، وهاهنا أيضا روى بعضه . قوله : " لا يسترقون " أي : لا يطلبون الرقية ، وهي العودة التي يرقى بها صاحب الآفة كالحمى والصرع ونحو ذلك من الآفات ، وقد جاء في بعض الأحاديث جوازها ، وفي بعضها النهي عنها ، فمن الجواز : " استرقوا لها فإن بها النظرة " أي : اطلبوا لها من يرقي لها ، ومن النهي قوله هذا : " لا يسترقون " ، ووجه الجمع أن المنهي عنها ما كان بغير اللسان العربي وبغير أسماء الله وصفاته وكلامه في كتبه المنزلة ، وأن يعتقدوا أن الرقيا مانعة لا محالة ، والمأمور بها ما كان بقوارع القرآن ونحوه . قوله : " ولا يتطيرون " أي : لا يتشاءمون بالطيور ومثلها مما هو عادتهم قبل الإسلام ، والطيرة ما يكون في الشر والفأل ما يكون في الخير .