6483- حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ النَّاسِ كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نَارًا ، فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ جَعَلَ الْفَرَاشُ وَهَذِهِ الدَّوَابُّ الَّتِي تَقَعُ فِي النَّارِ يَقَعْنَ فِيهَا ، فَجَعَلَ يَزِعُهُنَّ وَيَغْلِبْنَهُ فَيَقْتَحِمْنَ فِيهَا ، فَأَنَا آخُذُ بِحُجَزِكُمْ عَنْ النَّارِ وأنتم تقْتَحِمُونَ فِيهَا . الْحَدِيثُ الثَّانِي حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ، جَزَمَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ بِأَنَّ الْبُخَارِيَّ ذَكَرَهُ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ أَوْرَدَهُ فِي الرِّقَاقِ ، فَوَجَدْتُهُ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ فِي تَرْجَمَةِ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَكِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ إِلَّا طَرَفًا مِنْهُ وَلَمْ أَسْتَحْضِرْهُ إِذْ ذَاكَ فِي الرِّقَاقِ فَشَرَحْتُهُ هُنَاكَ ، ثُمَّ ظَفِرْتُ بِهِ هُنَا فَأَذْكُرُ الْآنَ مِنْ شَرْحِهِ مَا لَمْ يَتَقَدَّمْ . قَوْلُهُ : ( اِسْتَوْقَدَ ) بِمَعْنَى أَوْقَدَ وَهُوَ أَبْلَغُ ، وَالْإِضَاءَةُ فَرْطُ الْإِنَارَةِ . قَوْلُهُ : فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ اخْتَصَرَهَا الْمُؤَلِّفُ هُنَاكَ وَنَسَبْتُهَا أَنَا لِتَخْرِيجِ أَحْمَدَ ، وَمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ هَمَّامٍ وَهِيَ فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ كَمَا تَرَى ، وَكَأَنَّهُ تَبَرَّكَ بِلَفْظِ الْآيَةِ . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مَا حَوْلَهَا وَالضَّمِيرُ لِلنَّارِ ، وَالْأَوَّلُ لِلَّذِي أَوْقَدَ النَّارَ ، وَحَوْلُ الشَّيْءِ جَانِبُهُ الَّذِي يُمْكِنُ أَنْ يَنْتَقِلَ إِلَيْهِ ، وَسُمِّيَ بِذَلِكَ إِشَارَةً إِلَى الدَّوَرَانِ ، وَمِنْهُ قِيلَ لِلْعَامِ حَوْلٌ . قَوْلُهُ : ( الْفَرَاش ) جَزَمَ الْمَازِرِيُّ بِأَنَّهَا الْجَنَادِبُ ، وَتَعَقَّبَهُ عِيَاضٌ فَقَالَ : الْجُنْدُبُ هُوَ الصِّرَارُ . قُلْتُ : وَالْحَقُّ أَنَّ الْفَرَاشَ اسْمٌ لِنَوْعٍ مِنَ الطَّيْرِ مُسْتَقِلٌّ لَهُ أَجْنِحَةٌ أَكْبَرُ مِنْ جُثَّتِهِ ، وَأَنْوَاعُهُ مُخْتَلِفَةٌ فِي الْكِبَرِ وَالصِّغَرِ ، وَكَذَا أَجْنِحَتُهُ ، وَعَطْفُ الدَّوَابِّ عَلَى الْفَرَاشِ يُشْعِرُ بِأَنَّهَا غَيْرُ الْجَنَادِبِ وَالْجَرَادِ ، وَأَغْرَبَ ابْنُ قُتَيْبَةَ فَقَالَ : الْفَرَاشُ مَا تَهَافَتَ فِي النَّارِ مِنَ الْبَعُوضِ ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ بَعْضَ الْبَعُوضِ هُوَ الَّذِي يَقَعُ فِي النَّارِ وَيُسَمَّى حِينَئِذٍ الْفَرَاشُ ، وَقَالَ الْخَلِيلُ : الْفَرَاشُ كَالْبَعُوضِ ، وَإِنَّمَا شَبَّهَهُ بِهِ لِكَوْنِهِ يُلْقِي نَفْسَهُ فِي النَّارِ لَا أَنَّهُ يُشَارِكُ الْبَعُوضَ فِي الْقَرْصِ . قَوْلُهُ : وَهَذِهِ الدَّوَابُّ الَّتِي تَقَعُ فِي النَّارِ يَقَعْنَ فِيهَا الْقَوْلُ فِيهِ كَالْقَوْلِ فِي الَّذِي قَبْلَهُ ، اخْتَصَرَهُ هُنَاكَ فَنِسْبَتُهُ لِتَخْرِيجِ أَبِي نُعَيْمٍ ، وَهُوَ فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ كَمَا تَرَى ، وَيَدْخُلُ فِيمَا يَقَعُ فِي النَّارِ الْبَعُوضُ وَالْبَرْغَشُ ، وَوَقَعَ فِي كَلَامِ بَعْضِ الشُّرَّاحِ الْبَقُّ وَالْمُرَادُ بِهِ الْبَعُوضُ . قَوْلُهُ : ( فَجَعَلَ ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَجَعَلَ وَمِنْ هَذِهِ الْكَلِمَةِ إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُصَنِّفُ هُنَاكَ . قَوْلُهُ : فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَزَعُهُنَّ بِفَتْحِ التَّحْتَانِيَّةِ وَالزَّايِ وَضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ يَدْفَعُهُنَّ ، وَفِي رِوَايَةِ يَنْزِعُهُنَّ بِزِيَادَةِ نُونٍ ، وَعِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ هَمَّامٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَجَعَلَ يَحْجِزُهُنَّ وَيَغْلِبْنَهُ فَيَتَقَحَّمْنَ فِيهَا . قَوْلُهُ : فَيَقْتَحِمْنَ فِيهَا أَيْ يَدْخُلْنَ ، وَأَصْلُهُ الْقَحْمُ وَهُوَ الْإِقْدَامُ وَالْوُقُوعُ فِي الْأُمُورِ الشَّاقَّةِ مِنْ غَيْرِ تَثَبُّتٍ ، وَيُطْلَقُ عَلَى رَمْيِ الشَّيْءِ بَغْتَةً ، وَاقْتَحَمَ الدَّارَ هَجَمَ عَلَيْهَا . قَوْلُهُ : فَأَنَا آخِذٌ قَالَ النَّوَوِيُّ : رُوِيَ بِاسْمِ الْفَاعِلِ ، وَيُرْوَى بِصِيغَةِ الْمُضَارَعَةِ مِنَ الْمُتَكَلِّمِ . قُلْتُ : هَذَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الَّذِي وَقَعَ فِي الْبُخَارِيِّ . وَقَالَ الطِّيبِيُّ : الْفَاءُ فِيهِ فَصَيْحَةٌ كَأَنَّهُ لَمَّا قَالَ مَثَلِي وَمَثَلُ النَّاسِ إِلَخْ أَتَى بِمَا هُوَ أَهَمُّ وَهُوَ قَوْلُهُ : فَأَنَا آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ ، وَمِنْ هَذِهِ الدَّقِيقَةِ الْتَفَتَ مِنَ الْغِيبَةِ فِي قَوْلِهِ : مَثَلُ النَّاسِ إِلَى الْخِطَابِ فِي قَوْلِهِ : بِحُجَزِكُمْ كَمَا أَنَّ مَنْ أَخَذَ فِي حَدِيثِ مَنْ لَهُ بِشَأْنِهِ عِنَايَةٌ وَهُوَ مُشْتَغِلٌ فِي شَيْءٍ يُوَرِّطُهُ فِي الْهَلَاكِ يَجِدُ لِشِدَّةِ حِرْصِهِ عَلَى نَجَاتِهِ أَنَّهُ حَاضِرٌ عِنْدَهُ ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْإِنْسَانَ إِلَى النَّذِيرِ أَحْوَجُ مِنْهُ إِلَى الْبَشِيرِ ; لِأَنَّ جِبِلَّتَهُ مَائِلَةٌ إِلَى الْحَظِّ الْعَاجِلِ دُونَ الْحَظِّ الْآجِلِ ، وَفِي الْحَدِيثِ مَا كَانَ فِيهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الرَّأْفَةِ وَالرَّحْمَةِ وَالْحِرْصِ عَلَى نَجَاةِ الْأُمَّةِ ، كَمَا قَالَ - تَعَالَى - حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ قَوْلُهُ : بِحُجَزِكُمْ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْجِيمِ بَعْدَهَا زَايٌ جَمْعُ حُجْزَةٍ وَهِيَ مَعْقِدُ الْإِزَارِ ، وَمِنَ السَّرَاوِيلِ مَوْضِعُ التِّكَّةِ ، وَيَجُوزُ ضَمُّ الْجِيمِ فِي الْجَمْعِ . قَوْلُهُ : ( عَنِ النَّارِ ) وَضَعَ الْمُسَبَّبَ مَوْضِعَ السَّبَبِ لِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ يَمْنَعُهُمْ مِنَ الْوُقُوعِ فِي الْمَعَاصِي الَّتِي تَكُونُ سَبَبًا لِوُلُوجِ النَّارِ . قَوْلُهُ : ( وَأَنْتُمْ ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَهُمْ وَعَلَيْهَا شَرْحُ الْكِرْمَانِيِّ فَقَالَ : كَانَ الْقِيَاسُ أَنْ يَقُولَ : وَأَنْتُمْ ، وَلَكِنَّهُ قَالَ : وَهُمْ وَفِيهِ الْتِفَاتٌ ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ مَنْ أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِحُجْزَتِهِ لَا اقْتِحَامَ لَهُ فِيهَا ، قَالَ : وَفِيهِ أَيْضًا احْتِرَازٌ عَنْ مُوَاجَهَتِهِمْ بِذَلِكَ . قُلْتُ : وَالرِّوَايَةُ بِلَفْظِ وَأَنْتُمْ ثَابِتَةٌ تَدْفَعُ هَذَا . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَأَنْتُمْ تَفْلِتُونَ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَالْفَاءِ وَاللَّامِ الثَّقِيلَةِ وَأَصْلُهُ تَتَفَلَّتُونَ ، وَبِضَمِّ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْفَاءِ وَفَتْحِ اللَّامِ ضَبَطُوهُ بِالْوَجْهَيْنِ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ ، تَقُولُ : تَفَلَّتَ مِنِّي وَأَفْلَتَ مِنِّي لِمَنْ كَانَ بِيَدِكَ فَعَالَجَ الْهَرَبَ مِنْكَ حَتَّى هَرَبَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ هَذَا التَّمْثِيلِ ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ شَبَّهَ تَهَافُتُ أَصْحَابِ الشَّهَوَاتِ فِي الْمَعَاصِي الَّتِي تَكُونُ سَبَبًا فِي الْوُقُوعِ فِي النَّارِ بِتَهَافُتِ الْفَرَاشِ بِالْوُقُوعِ فِي النَّارِ اتِّبَاعًا لِشَهَوَاتِهَا ، وَشَبَّهَ ذَبَّهُ الْعُصَاةَ عَنِ الْمَعَاصِي بِمَا حَذَّرَهُمْ بِهِ وَأَنْذَرَهُمْ بِذَبِّ صَاحِبِ النَّارِ الْفَرَاشَ عَنْهَا . وَقَالَ عِيَاضٌ : شَبَّهَ تَسَاقُطَ أَهْلِ الْمَعَاصِي فِي نَارِ الْآخِرَةِ بِتَسَاقُطِ الْفَرَاشِ فِي نَارِ الدُّنْيَا . قَوْلُهُ : تَقَحَّمُونَ فِيهَا فِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ فَيَغْلِبُونِّي النُّونُ مُثَقَّلَةٌ لِأَنَّ أَصْلَهُ فَيَغْلِبُونَنِي ، وَالْفَاءُ سَبَبِيَّةٌ ، وَالتَّقْدِيرُ أَنَا آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ لِأُخَلِّصَكُمْ مِنَ النَّارِ فَجَعَلْتُمُ الْغَلَبَةَ مُسَبَّبَةً عَنِ الْأَخْذِ . قَوْلُهُ : ( تَقَحَّمُونَ ) بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ وَالْقَافِ وَالْمُهْمَلَةِ الْمُشَدَّدَةِ وَالْأَصْلُ تَتَقَحَّمُونَ فَحُذِفَتْ إِحْدَى التَّاءَيْنِ ، قَالَ الطِّيبِيُّ : تَحْقِيقُ التَّشْبِيهِ الْوَاقِعِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ يَتَوَقَّفُ عَلَى مَعْرِفَةِ مَعْنَى قَوْلِهِ : وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ وَذَلِكَ أَنَّ حُدُودَ اللَّهِ مَحَارِمُهُ وَنَوَاهِيهِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَلَا إِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ ، وَرَأْسُ الْمَحَارِمِ حُبُّ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَاسْتِيفَاءُ لَذَّتِهَا وَشَهَوَاتِهَا ، فَشَبَّهَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِظْهَارَ تِلْكَ الْحُدُودِ بِبَيَانَاتِهِ الشَّافِيَةِ الْكَافِيَةِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِاسْتِنْقَاذِ الرِّجَالِ مِنَ النَّارِ ، وَشَبَّهَ فُشُوَّ ذَلِكَ فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا بِإِضَاءَةِ تِلْكَ النَّارِ مَا حَوْلَ الْمُسْتَوْقَدِ ، وَشَبَّهَ النَّاسَ وَعَدَمَ مُبَالَاتِهِمْ بِذَلِكَ الْبَيَانِ وَالْكَشْفِ وَتَعَدِّيَهُمْ حُدُودَ اللَّهِ وَحِرْصَهُمْ عَلَى اسْتِيفَاءِ تِلْكَ اللَّذَّاتِ وَالشَّهَوَاتِ وَمَنْعَهُ إِيَّاهُمْ عَنْ ذَلِكَ بِأَخْذِ حُجَزِهِمْ بِالْفَرَاشِ الَّتِي تَقْتَحِمْنَ فِي النَّارِ وَتَغْلِبْنَ الْمُسْتَوْقِدَ عَلَى دَفْعِهِنَّ عَنْ الِاقْتِحَامِ ، كَمَا أَنَّ الْمُسْتَوْقِدَ كَانَ غَرَضُهُ مِنْ فِعْلِهِ انْتِفَاعَ الْخَلْقِ بِهِ مِنَ الِاسْتِضَاءَةِ وَالِاسْتِدْفَاءِ وَغَيْرَ ذَلِكَ ، وَالْفَرَاشُ لِجَهْلِهَا جَعَلَتْهُ سَبَبًا لِهَلَاكِهَا ، فَكَذَلِكَ كَانَ الْقَصْدُ بِتِلْكَ الْبَيَانَاتِ اهْتِدَاءَ الْأُمَّةِ وَاجْتِنَابَهَا مَا هُوَ سَبَبُ هَلَاكِهِمْ وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ لِجَهْلِهِمْ جَعَلُوهَا مُقْتَضِيَةً لِتَرَدِّيهِمْ ، وَفِي قَوْلِهِ آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ اسْتِعَارَةٌ مِثْلُ حَالَةِ مَنْعِهِ الْأُمَّةِ عَنِ الْهَلَاكِ بِحَالَةِ رَجُلٍ أَخَذَ بِحُجْزَةِ صَاحِبِهِ الَّذِي يَكَادُ يَهْوِي فِي مَهْوَاةِ مُهْلِكَةٍ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الِانْتِهَاءِ عَنْ الْمَعَاصِي · ص 324 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الانتهاء عن المعاصي · ص 76 70 - حدثنا أبُو اليَمان ، أخبرنا شُعَيْب ، حدثنا أبُو الزِّناد ، عنْ عبْدِ الرحمنِ أنَّهُ حَدَّثَه أنَّهُ سَمِعَ أبا هُرَيْرَةَ رضي الله عنه ، أنَّهُ سَمِعَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يَقولُ : إنَّما مَثَلِي ومَثَلُ النَّاسِ كَمَثَلِ رَجُل اسْتَوْقَدَ نارا فَلمَّا أضاءَتْ ما حَوْلهُ جَعَلَ الفَرَاشُ - وهذِهِ الدَّوابُّ الَّتي تَقَعُ في النَّارِ - يَقَعْنَ فِيها ، فَجَعَلَ يَنْزعُهُنَّ ويَغْلِبْنَهُ فَيَقْتَحمْنَ فِيها ، فأنا آخذ بِحُجَزكمْ عنِ النَّارِ وهُمْ يَقْتَحِمُونَ فِيها . مطابقته للترجمة من حيث إن فيه منع النبي صلى الله عليه وسلم إياهم عن الإتيان بالمعاصي التي تؤديهم إلى الدخول في النار . وأبو اليمان : الحكم بن نافع ، وشعيب : هو ابن أبي حمزة الحمصي ، وأبو الزناد : بالزاي والنون عبد الله بن ذكوان ، وعبد الرحمن : هو الأعرج . والحديث مضى في باب قول الله : وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ فإنه أخرجه هناك بعين هذا السند عن أبي اليمان ، إلى قوله : وهذه الدواب تقع في النار ثم اختصره ، وذكر حديثاً آخر . قوله : استوقد بمعنى أوقد ، ولكن استوقد أبلغ . قوله : أضاءت من الإضاءة ، وهي فرط الإنارة . قوله : الفراش بفتح الفاء وتخفيف الراء وبالشين المعجمة ، جمع الفراشة ، وقال الكرماني : هي صغار البق . وقيل : هي ما يتهافت في النار من الطيارات . قلت : هذا أصح من الأول . وقال الفراء في تفسيرها : إنها كغوغاء الجراد ، يركب بعضه بعضا . وقال ابن سيده : هي دواب مثل البعوض ، واحدتها : فراشة . وقال الطبري : ليس هي ببعوض ولا ذباب . وقال أبو نصر : هي التي تطير وتتهافت في السراج . وفي مجمع الغرائب : هي ما تتهافت في النار من الطيارات . وقال الداودي : هي طائر فوق البعوض . قوله : يقعن خبر قوله جعل الفرش . قوله : وهذه الدواب التي تقع في النار جملة معترضة ، وأشار بها إلى تفسير الفراش . قوله : فجعل بالفاء ، وفي رواية الكشميهني بالواو ، والضمير فيه يرجع إلى الرجل . قوله : ينزعهن بفتح الياء والزاي وضم العين المهملة ، أي : يدفعهن ، ويروى يزعهن بلا نون من وزعه يزعه وزعا فهو وازع إذا كفه ومنعه . قوله : فيقتحمن من الاقتحام وهو الهجوم على الشيء ، يقال : قحم في الأمر أي : رمى بنفسه فيه فجأة ، وأقحمته فاقتحم ، ويقال اقتحم المنزل إذا هجم . قوله : فيها أي : في النار . قوله : فأنا آخذ ، قال النووي : روي باسم الفاعل ، ويروى بصيغة المضارع من المتكلم ، وقال الطيبي : الفاء فيه فصيحة ، كأنه لما قال مثلي ومثل الناس إلى آخره ، أتى بما هو أهم ، وهو قوله : فأنا آخذ بحجزكم ومن هذه الدقيقة التفت من الغيبة في قوله : مثل الناس إلى الخطاب في قوله بحجزكم . قوله : بحجزكم بضم الحاء المهملة وفتح الجيم وبالزاي ، جمع حجزة ، وهي معقد الإزار ، ومن السراويل موضع التكة ، ويجوز ضم الجيم في الجمع . قوله : وهم يقتحمون فيها هذه رواية الكشميهني ، وفي رواية غيره وأنتم تقتحمون وعلى الأول سأل الكرماني فقال : القياس وأنتم لا هم ، ليوافق لفظ حجزكم ، ثم أجاب بأنه التفات . وفيه إشارة إلى أن من أخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم بحجزته لا اقتحام له فيها .