6489- حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أَصْدَقُ بَيْتٍ قَالَهُ الشَّاعِرُ : أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلُ . الْحَدِيثُ الثَّانِي حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ وَفِي الْأَدَبِ . قَوْلُهُ : أَصْدَقُ بَيْتٍ أَطْلَقَ الْبَيْتَ عَلَى بَعْضِهِ مَجَازًا ، فَإِنَّ الَّذِي ذَكَرَهُ نِصْفُهُ وَهُوَ الْمِصْرَاعُ الْأَوَّلُ الْمُسَمَّى عَرُوضَ الْبَيْتِ ، وَأَمَّا نِصْفُهُ الثَّانِي وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالضَّرْبِ فَهُوَ وَكُلُّ نَعِيمٍ لَا مَحَالَةَ زَائِلُ . وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى سَبِيلِ الِاكْتِفَاءِ فَأَشَارَ بِأَوَّلِ الْبَيْتِ إِلَى بَقِيَّتِهِ وَالْمُرَادُ كُلُّهُ ، وَعَكْسُهُ مَا مَضَى فِي بَابِ مَا يَجُوزُ مِنَ الشِّعْرِ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ بِلَفْظِ أَصْدَقُ كَلِمَةٍ فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهَا الْقَصِيدَةُ وَقَدْ أَطْلَقَهَا وَأَرَادَ الْبَيْتَ ، وَتَقَدَّمَ شَرْحُ هَذَا الْحَدِيثِ فِي أَيَّامِ الْجَاهِلِيَّةِ ، وَأَوْرَدَهُ فِيهَا أَيْضًا بِلَفْظِ أَصْدَقُ كَلِمَةٍ وَهُوَ الْمَشْهُورُ . وَذَكَرْتُ هُنَاكَ أَنَّ فِي رِوَايَةِ شَرِيكٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ أَشْعَرُ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَتْ بِهَا الْعَرَبُ ، وَبَحَثَ السُّهَيْلِيُّ فِي ذَلِكَ ، وَذَكَرْتُ أَيْضًا مَا أَوْرَدَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ فِيمَا جَرَى لِعُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ مَعَ لَبِيدِ بْنِ رَبِيعَةَ نَاظِمِ هَذَا الْبَيْتِ حَيْثُ قَالَ لَهُ لَمَّا أَنْشَدَ الْمِصْرَاعَ الْأَوَّلَ : صَدَقْتَ ، وَلَمَّا أَنْشَدَ الْمِصْرَاعَ الثَّانِيَ : كَذَبْتَ ، ثُمَّ قَالَ لَهُ : نَعِيمُ الْجَنَّةِ لَا يَزُولُ ، وَذَكَرْتُ تَوْجِيهَ كُلٍّ مِنَ الْأَمْرَيْنِ ، وَأَنَّ كُلَّ مَنْ صَدَّقَ بِأَنَّ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلٌ فَقَدْ صَدَّقَ بِبُطْلَانِ مَا سِوَاهُ ، فَيَدْخُلُ نَعِيمُ الْجَنَّةِ ، بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْبَاطِلِ هُنَا الْهَالِكُ ، وَكُلُّ شَيْءٍ سِوَى اللَّهِ جَائِزٌ عَلَيْهِ الْفِنَاءُ ، وَإِنْ خُلِقَ فِيهِ الْبَقَاءُ بَعْدَ ذَلِكَ كَنَعِيمِ الْجَنَّةِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ هُنَا : قَوْلُهُ : مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلُ لَفْظٌ عَامٌّ أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ ، وَالْمُرَادُ أَنَّ كُلَّ مَا قَرُبَ مِنَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِبَاطِلٍ ، وَأَمَّا أُمُورُ الدُّنْيَا الَّتِي لَا تَئُولُ إِلَى طَاعَةِ اللَّهِ فَهِيَ الْبَاطِلُ ، انْتَهَى وَلَعَلَّ الْأَوَّلَ أَوْلَى . ( تَنْبِيهٌ ) : مُنَاسَبَةُ هَذَا الْحَدِيثِ الثَّانِي لِلتَّرْجَمَةِ خَفِيَّةٌ ، وَكَأَنَّ التَّرْجَمَةَ لَمَّا تَضَمَّنَتْ مَا فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ مِنَ التَّحْرِيضِ عَلَى الطَّاعَةِ وَلَوْ قَلَّتْ وَالزَّجْرِ عَنِ الْمَعْصِيَةِ وَلَوْ قَلَّتْ فَيُفْهَمُ أَنَّ مَنْ خَالَفَ ذَلِكَ إِنَّمَا يُخَالِفُهُ لِرَغْبَةٍ فِي أَمْرٍ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا ، وَكُلُّ مَا فِي الدُّنْيَا بَاطِلٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْحَدِيثُ الثَّانِي ، فَلَا يَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَنْ يُؤْثِرَ الْفَانِيَ عَلَى الْبَاقِي .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الْجَنَّةُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ وَالنَّارُ مِثْلُ ذَلِكَ · ص 329 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله والنار مثل ذلك · ص 78 76 - حدثني محمد بن المثنى ، حدثنا غندر ، حدثنا شعبة ، عن عبد الملك بن عمير ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أصدق بيت قاله الشاعر ألا كل شيء ما خلا الله باطل . لم أر أحد من الشراح ذكر وجه إيراد هذا الحديث في هذا الباب ، فلذلك ذكره ابن بطال في الباب الذي قبله ، فأقول : من الفيض الإلهي الذي وقع في خاطري أن كل شيء ما خلا الله من أمر الدنيا الذي لا يؤول إلى طاعة الله ولا يقرب منه إذا كان باطلا يكون الاشتغال به مبعدا من الجنة ، مع كونها أقرب إليه من شراك نعله ، والاشتغال بالأمور التي هي داخلة في أمر الله تعالى يكون مبعدا من النار ، مع كونها أقرب إليه من شراك نعله . وغندر : بضم الغين المعجمة وسكون النون ، هو محمد بن جعفر ، والحديث قد مضى في الأدب في باب ما يجوز من الشعر ، ومضى الكلام فيه مستقصى ، وبسطنا الكلام فيه في شرحنا الأكبر للشواهد .