32- بَاب مَا يُتَّقَى مِنْ مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ 6492- حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ ، حَدَّثَنَا مَهْدِيٌّ ، عَنْ غَيْلَانَ ، عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : إِنَّكُمْ لَتَعْمَلُونَ أَعْمَالًا هِيَ أَدَقُّ فِي أَعْيُنِكُمْ مِنْ الشَّعَرِ ، إِنْ كُنَّا لَنَعُدُّهَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْمُوبِقَاتِ . قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ : يَعْنِي بِذَلِكَ الْمُهْلِكَاتِ . قَوْلُهُ : ( بَابٌ مَا يُتَّقَى مِنْ مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ ) التَّعْبِيرُ بِالْمُحَقَّرَاتِ وَقَعَ فِي حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَفَعَهُ إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ ، فَإِنَّمَا مَثَلُ مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ كَمَثَلِ قَوْمٍ نَزَلُوا بَطْنَ وَادٍ فَجَاءَ ذَا بِعُودٍ وَجَاءَ ذَا بِعُودٍ حَتَّى جَمَعُوا مَا أَنْضَجُوا بِهِ خُبْزَهُمْ ، وَإِنَّ مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ مَتَى يُؤْخَذُ بِهَا صَاحِبُهَا تُهْلِكُهُ . أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ ، وَنَحْوُهُ عِنْدَ أَحْمَدَ ، وَالطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَعِنْدَ النَّسَائِيِّ ، وَابْنِ مَاجَهْ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهَا : يَا عَائِشَةُ ، إِيَّاكِ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ ، فَإِنَّ لَهَا مِنَ اللَّهِ طَالِبًا . وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ . قَوْلُهُ : مَهْدِيٌّ هُوَ ابْنُ مَيْمُونٍ ، وَغَيْلَانُ بِمُعْجَمَةٍ ثُمَّ تَحْتَانِيَّةٍ وَزْنَ عَجْلَانَ هُوَ ابْنُ جَامِعٍ ، وَالسَّنَدُ كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ . قَوْلُهُ : هِيَ أَدَقُّ أَفْعَلُ تَفْضِيلٍ مِنَ الدِّقَّةِ بِكَسْرِ الدَّالِ إِشَارَةً إِلَى تَحْقِيرِهَا وَتَهْوِينِهَا ، وَتُسْتَعْمَلُ فِي تَدْقِيقِ النَّظَرِ فِي الْعَمَلِ وَالْإِمْعَانِ فِيهِ ، أَيْ تَعْمَلُونَ أَعْمَالًا تَحْسَبُونَهَا هَيِّنَةً وَهِيَ عَظِيمَةٌ أَوْ تَؤُولُ إِلَى الْعِظَمِ . قَوْلُهُ : إِنْ كُنَّا لَنَعُدُّهَا كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِلَامِ التَّأْكِيدِ ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ ، عَنِ السَّرَخْسِيِّ ، وَالْمُسْتَمْلِي بِحَذْفِهَا وَبِحَذْفِ الضَّمِيرِ أَيْضًا وَلَفْظُهُمَا إِنْ كُنَّا نَعُدُّ وَلَهُ عَنْ الْكُشْمِيهَنِيِّ إِنْ كُنَّا نَعُدُّهَا وَإِنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ وَهِيَ لِلتَّأْكِيدِ . قَوْلُهُ : مِنَ الْمُوبِقَاتِ بِمُوَحَّدَةٍ وَقَافٍ وَسَقَطَ لَفْظُ مِنْ لِلسَّرَخْسِيِّ ، وَالْمُسْتَمْلِي أَيْضًا . قَوْلُهُ : قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ هُوَ الْمُصَنِّفُ يَعْنِي بِذَلِكَ الْمُهْلِكَاتِ أَيِ الْمُوبِقَةَ هِيَ الْمُهْلِكَةُ ، وَوَقَعَ لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَجَّاجِ ، عَنْ مَهْدِيٍّ كُنَّا نَعُدُّهَا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الْكَبَائِرِ وَكَأَنَّهُ ذَكَرَهُ بِالْمَعْنَى . وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : الْمُحَقَّرَاتُ إِذَا كَثُرَتْ صَارَتْ كِبَارًا مَعَ الْإِصْرَارِ ، وَقَدْ أَخْرَجَ أَسَدُ بْنُ مُوسَى فِي الزُّهْدِ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ : إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ الْحَسَنَةَ فَيَثِقُ بِهَا وَيَنْسَى الْمُحَقَّرَاتِ فَيَلْقَى اللَّهَ وَقَدْ أَحَاطَتْ بِهِ ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ السَّيِّئَةَ فَلَا يَزَالُ مِنْهَا مُشْفِقًا حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ آمِنًا .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب مَا يُتَّقَى مِنْ مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ · ص 337 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب ما يتقى من محقرات الذنوب · ص 80 ( باب ما يتقى من محقرات الذنوب ) أي : هذا باب في بيان ما يتقى ، أي : ما يجتنب من محقرات الذنوب ، وجاء هذا اللفظ في حديث أخرجه النسائي وابن ماجه " عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها : يا عائشة إياك ومحقرات الذنوب ، فإن لها من الله طالبا " وصححه ابن حبان ، والمحقرات : جمع محقرة ، وهي الذنوب التي يحتقرها فاعلها . 79 - حدثنا أبو الوليد ، حدثنا مهدي ، عن غيلان ، عن أنس رضي الله عنه قال : إنكم لتعملون أعمالا هي أدق في أعينكم من الشعر إن كنا نعد على عهد النبي صلى الله عليه وسلم الموبقات . قال أبو عبد الله : يعني بذلك المهلكات . مطابقته للترجمة تؤخذ من معنى الحديث ، وأبو الوليد : هشام بن عبد الملك الطيالسي ، ومهدي : هو ابن ميمون الأزدي ، وغيلان : بفتح المعجمة وسكون الياء آخر الحروف ، ابن جرير ، وقال بعضهم : هو غيلان بن جامع ، وهو غلط صريح ، لأن غيلان بن جرير من أهل البصرة وغيلان بن جامع كوفي قاضي الكوفة . ورجال السند كلهم بصريون والحديث من أفراده . قوله : " لتعملون " اللام فيه للتأكيد . قوله : " هي أدق " أفعل التفضيل من الدقة بكسر الدال ، وأراد به أنهم كانوا يحقرونها ويهونونها . قوله : " إن كنا نعدها " ، إن مخففة من الثقيلة ، وجاز استعمالها بدون اللام الفارقة بينها وبين النافية عند الأمن من الالتباس ، " ونعدها " بدون اللام في رواية أبي ذر عن السرخسي والمستملي وعند الأكثرين " لنعدها " بلام التأكيد وأيضا بالضمير ، وعندهما بحذف الضمير أيضا ، ولفظهما " إن كنا نعد " . قوله : " على عهد النبي صلى الله تعالى عليه وسلم " أي : في زمنه وأيامه . قوله : " الموبقات " أي : المهلكات ، هكذا فسره البخاري على ما يجيء الآن ، وفي رواية الأكثرين " من الموبقات " ، وسقوط كلمة " من " في رواية السرخسي والمستملي . قوله : " قال أبو عبد الله " هو البخاري نفسه ، يعني بذلك أي : بلفظ الموبقات يعني أراد بها المهلكات ، وهي جمع موبقة ، أي : مهلكة ، وثلاثيه وبق يبق فهو وبق إذا هلك ، وأوبقه غيره فهو موبق ، فالفاعل بكسر الباء والمفعول بفتحها ، ومعنى الحديث راجع إلى قوله عز وجل : وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ وكانت الصحابة يعدون الصغائر من الموبقات لشدة خشيتهم لله ، ولم تكن لهم كبائر ، والمحقرات إذا كثرت صارت كبائر للإصرار عليها .