6498- حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ : أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إِنَّمَا النَّاسُ كَالْإِبِلِ الْمِائَةِ لَا تَكَادُ تَجِدُ فِيهَا رَاحِلَةً . الْحَدِيثُ الثَّالِثُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ ، وسَنَدُهُ مَعْدُودٌ فِي أَصَحِّ الْأَسَانِيدِ . قَوْلُهُ : إِنَّمَا النَّاسُ كَالْإِبِلِ الْمِائَةِ لَا تَكَادُ تَجِدُ فِيهَا رَاحِلَةً فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ : تَجِدُونَ النَّاسَ كَإِبِلٍ مِائَةٍ لَا يَجِدُ الرَّجُلُ فِيهَا رَاحِلَةً . فَعَلَى أَنَّ الرِّوَايَةَ بِغَيْرِ أَلِفٍ وَلَامٍ وَبِغَيْرِ تَكَادُ فَالْمَعْنَى لَا تَجِدُ فِي مِائَةِ إِبِلٍ رَاحِلَةً تَصْلُحُ لِلرُّكُوبِ ، لِأَنَّ الَّذِي يَصْلُحُ لِلرُّكُوبِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ وَطِيئًا سَهْلَ الِانْقِيَادِ ، وَكَذَا لَا تَجِدُ فِي مِائَةٍ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَصْلُحُ لِلصُّحْبَةِ بِأَنْ يُعَاوِنَ رَفِيقَهُ وَيُلِينَ جَانِبَهُ ، وَالرِّوَايَةُ بِإِثْبَاتِ لَا تَكَادُ أَوْلَى لِمَا فِيهَا مِنْ زِيَادَةِ الْمَعْنَى وَمُطَابَقَةِ الْوَاقِعِ ، وَإِنْ كَانَ مَعْنَى الْأَوَّلِ يَرْجِعُ إِلَى ذَلِكَ ، وَيُحْمَلُ النَّفْيُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُبَالَغَةِ ، وَعَلَى أَنَّ النَّادِرَ لَا حُكْمَ لَهُ . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : الْعَرَبُ تَقُولُ لِلْمِائَةِ مِنَ الْإِبِلِ إِبِلٌ . يَقُولُونَ : لِفُلَانٍ إِبِلٌ أَيْ مِائَةُ بَعِيرٍ ، وَلِفُلَانٍ إِبِلَانِ أَيْ مِائَتَانِ . قُلْتُ : فَعَلَى هَذَا فَالرِّوَايَةُ الَّتِي بِغَيْرِ أَلِفٍ وَلَامٍ يَكُونُ قَوْلُهُ : مِائَةٌ تَفْسِيرًا لِقولِهِ إِبِلٍ ، لِأَنَّ قَوْلَهُ كَإِبِلٍ أَيْ كَمِائَةِ بَعِيرٍ ، وَلَمَّا كَانَ مُجَرَّدُ لَفْظِ إِبِلٍ لَيْسَ مَشْهُورَ الِاسْتِعْمَالِ فِي الْمِائَةِ ذَكَرَ الْمِائَةَ تَوْضِيحًا وَرَفْعًا لِلْإِلْبَاسِ ، وَأَمَّا عَلَى رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ فَاللَّامُ لِلْجِنْسِ . وَقَالَ الرَّاغِبُ : الْإِبِلُ اسْمُ مِائَةِ بَعِيرٍ ، فَقَوْلُهُ كَالْإِبِلِ الْمِائَةِ الْمُرَادُ بِهِ عَشَرَةُ آلَافٍ ، لِأَنَّ التَّقْدِيرَ كَالْمِائَةِ الْمِائَةِ انْتَهَى . وَالَّذِي يَظْهَرُ عَلَى تَسْلِيمِ قَوْلِهِ لَا يَلْزَمُ مَا قَالَ : إِنَّ الْمُرَادَ عَشَرَةُ آلَافٍ ; بَلِ الْمِائَةُ الثَّانِيَةُ لِلتَّأْكِيدِ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : تَأَوَّلُوا هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنَّ النَّاسَ فِي أَحْكَامِ الدِّينِ سَوَاءٌ لَا فَضْلَ فِيهَا لِشَرِيفٍ عَلَى مَشْرُوفٍ ، وَلَا لِرَفِيعٍ عَلَى وَضِيعٍ ، كَالْإِبِلِ الْمِائَةِ الَّتِي لَا يَكُونُ فِيهَا رَاحِلَةٌ وَهِيَ الَّتِي تُرَحَّلُ لِتُرْكَبَ ، وَالرَّاحِلَةُ فَاعِلَةٌ بِمَعْنَى مَفْعُولَةٍ أَيْ كُلُّهَا حَمُولَةٌ تَصْلُحُ لِلْحَمْلِ وَلَا تَصْلُحُ لِلرَّحْلِ وَالرُّكُوبِ عَلَيْهَا . وَالثَّانِي أَنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ أَهْلُ نَقْصٍ ، وَأَمَّا أَهْلُ الْفَضْلِ فَعَدَدُهُمْ قَلِيلٌ جِدًّا ، فَهُمْ بِمَنْزِلَةِ الرَّاحِلَةِ فِي الْإِبِلِ الْحَمُولَةِ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ - تَعَالَى - وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ قُلْتُ : وَأَوْرَدَ الْبَيْهَقِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ فِي كِتَابِ الْقَضَاءِ فِي تَسْوِيَةِ الْقَاضِي بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ أَخْذًا بِالتَّأْوِيلِ الْأَوَّلِ ، وَنُقِلَ عَنِ ابْنِ قُتَيْبَةَ أَنَّ الرَّاحِلَةَ هِيَ النَّجِيبَةُ الْمُخْتَارَةُ مِنَ الْإِبِلِ لِلرُّكُوبِ ، فَإِذَا كَانَتْ فِي إِبِلٍ عُرِفَتْ ، وَمَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ النَّاسَ فِي النَّسَبِ كَالْإِبِلِ الْمِائَةِ الَّتِي لَا رَاحِلَةَ فِيهَا فَهِيَ مُسْتَوِيَةٌ . وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ : الرَّاحِلَةُ عِنْدَ الْعَرَبِ الذَّكَرُ النَّجِيبُ وَالْأُنْثَى النَّجِيبَةُ ، وَالْهَاءُ فِي الرَّاحِلَةِ لِلْمُبَالَغَةِ . قَالَ : وَقَوْلُ ابْنِ قُتَيْبَةَ غَلَطٌ ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الزَّاهِدَ فِي الدُّنْيَا الْكَامِلَ فِيهِ الرَّاغِبَ فِي الْآخِرَةِ قَلِيلٌ كَقِلَّةِ الرَّاحِلَةِ فِي الْإِبِلِ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : هَذَا أَجْوَدُ ، وَأَجْوَدُ مِنْهُمَا قَوْلُ آخَرِينَ : إِنَّ الْمَرْضِيَّ الْأَحْوَالِ مِنَ النَّاسِ الْكَامِلَ الْأَوْصَافِ قَلِيلٌ . قُلْتُ : هُوَ الثَّانِي ، إِلَّا أَنَّهُ خَصَّصَهُ بِالزَّاهِدِ ، وَالْأَوْلَى تَعْمِيمُهُ كَمَا قَالَ الشَّيْخُ . وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : الَّذِي يُنَاسِبُ التَّمْثِيلَ أَنَّ الرَّجُلَ الْجَوَادَ الَّذِي يَحْمِلُ أَثْقَالَ النَّاسِ وَالْحُمَالَاتِ عَنْهُمْ وَيَكْشِفُ كُرَبَهُمْ عَزِيزُ الْوُجُودِ كَالرَّاحِلَةِ فِي الْإِبِلِ الْكَثِيرَةِ . وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ النَّاسَ كَثِيرٌ وَالْمَرْضِيَّ مِنْهُمْ قَلِيلٌ ، وَإِلَى هَذَا الْمَعْنَى أَوْمَأَ الْبُخَارِيُّ بِإِدْخَالِهِ فِي بَابِ رَفْعِ الْأَمَانَةِ لِأَنَّ مَنْ كَانَتْ هَذِهِ صِفَتَهُ فَالِاخْتِيَارُ عَدَمُ مُعَاشَرَتِهِ . وَأَشَارَ ابْنُ بَطَّالٍ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّاسِ فِي الْحَدِيثِ مَنْ يَأْتِي بَعْدَ الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَتَابِعِيهِمْ حَيْثُ يَصِيرُونَ يَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ . وَنَقَلَ الْكِرْمَانِيُّ هَذَا عَنْ مُغْلَطَايْ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُ كَلَامُهُ لِكَوْنِهِ لَمْ يَعْزُهُ فَقَالَ : لَا حَاجَةَ إِلَى هَذَا التَّخْصِيصِ ، لِاحْتِمَالِ أَنْ يُرَادَ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ لِلْكَفَّارِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب رَفْعِ الْأَمَانَةِ · ص 342 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب رفع الأمانة · ص 85 85 - حدثنا أبو اليمان ، أخبرنا شعيب ، عن الزهري ، قال : أخبرني سالم بن عبد الله أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إنما الناس كالإبل المائة لا تكاد تجد فيها راحلة . مطابقته للترجمة يمكن أن توجه من حيث إن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر في هذا الحديث بأن الناس كثيرون والمرضي فيهم قليل بمنزلة الراحلة في الإبل المائة ، وغير المرضي هم الذين ضيعوا الفرائض التي عليهم ، وقد ذكرنا أن ابن عباس فسر الأمانة بالفرائض فمن هذه الحيثية تحصل المطابقة بين الترجمة والحديث . وأبو اليمان الحكم بن نافع . والحديث بهذا الإسناد من أفراده وفي رواية مسلم من طريق معمر عن الزهري تجدون الناس كإبل مائة لا يجد الرجل فيها راحلة . واختلفوا في معنى هذا الحديث فقيل : إنما يراد به القرون المذمومة في آخر الزمان ، ولذلك ذكره البخاري هنا ولم يرد به صلى الله تعالى عليه وسلم زمن أصحابه وتابعيهم ، لأنه قد شهد لهم بالفضل ، فقال : خير القرون الحديث ، ونقل الكرماني هذا في شرحه بقوله : وقال بعضهم المراد به القرون المذمومة إلى آخر ما ذكرناه ، وقال بعضهم : نقل الكرماني هذا عن مغلطاي ظنا منه أنه كلامه لكونه لم يعزه . قلت : لم يقل الكرماني إلا قال بعضهم ، ولم يذكر لفظ مغلطاي أصلا ، فلا يحتاج إلى ذكره بما فيه من سوء الأدب ونسبة الظن إليه ، وبعض الظن إثم . وقيل : يحتمل أن يريد كل الناس ، فلا يكون مؤمن إلا في مائة أو أكثر . وقيل : إن الناس في أحكام الدين سواء لا فضل فيها لشريف على مشروف ولا لرفيع على وضيع كالإبل المائة التي لا تكون فيها راحلة . وقيل : إن أكثر الناس أهل نقص وأهل الفضل عددهم قليل بمنزلة الراحلة في الإبل الحمولة ، قال الله تعالى : وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ وقوله : وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ وقال القرطبي : الذي يناسب التمثيل أن الرجل الجواد الذي يتحمل أثقال الناس والحمالات عنهم ويكشف كربهم عزيز الوجود كالراحلة في الإبل الكثيرة . قلت : الأنسب من كل الأقوال هو القول الذي ذكرناه أولا ، وفيه أيضا مطابقة الحديث للترجمة كما ذكرناه . قوله : كالإبل المائة وصف لفظ الإبل الذي هو مفرد بقوله المائة لأن العرب يقول للمائة من الإبل ، ويقال : لفلان إبل ، أي : مائة من الإبل ، وإبلان إذا كان له مائتان . قوله : راحلة هي النجيبة المختارة الكاملة الأوصاف الحسنة المنظر . وقيل : الراحلة الجمل النجيب والهاء للمبالغة .