6515- حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا مَاتَ أَحَدُكُمْ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ غُدْوَةً وَعَشِيًّا : إِمَّا النَّارُ وَإِمَّا الْجَنَّةُ ، فَيُقَالُ : هَذَا مَقْعَدُكَ حَتَّى تُبْعَثَ إِلَيْهِ . الْحَدِيثُ الْخَامِسُ ، قَوْلُهُ : أَبُو النُّعْمَانِ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ ، وَالسَّنَدُ إِلَى نَافِعٍ بَصْرِيُّونَ . قَوْلُهُ : إِذَا مَاتَ أَحَدُكُمْ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ كَذَا لِلْأَكْثَرِ ، وَفِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي وَالسَّرَخْسِيِّ عَلَى مَقْعَدِهِ وَهَذَا الْعَرْضُ يَقَعُ عَلَى الرُّوحِ حَقِيقَةً ، وَعَلَى مَا يَتَّصِلُ بِهِ مِنَ الْبَدَنِ الِاتِّصَالَ الَّذِي يُمْكِنُ بِهِ إِدْرَاكُ التَّنْعِيمِ أَوِ التَّعْذِيبِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ ، وَأَبْدَى الْقُرْطُبِيُّ فِي ذَلِكَ احْتِمَالَيْنِ : هَلْ هُوَ عَلَى الرُّوحِ فَقَطْ ، أَوْ عَلَيْهَا وَعَلَى جُزْءٍ مِنَ الْبَدَنِ ؟ وَحَكَى ابْنُ بَطَّالٍ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ بَلَدِهِمْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعَرْضِ هُنَا الْإِخْبَارُ بِأَنَّ هَذَا مَوْضِعَ جَزَائِكُمْ عَلَى أَعْمَالِكُمْ عِنْدَ اللَّهِ ، وَأُرِيدَ بِالتَّكْرِيرِ تَذْكَارُهُمْ بِذَلِكَ ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ الْأَجْسَادَ تَفْنَى ، وَالْعَرْضُ لَا يَقَعُ عَلَى شَيْءٍ فَانْ ، قَالَ : فَبَانَ أَنَّ الْعَرْضَ الَّذِي يَدُومُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّمَا هُوَ عَلَى الْأَرْوَاحِ خَاصَّةً ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ حَمْلَ الْعَرْضِ عَلَى الْإِخْبَارِ عُدُولٌ عَنِ الظَّاهِرِ بِغَيْرِ مُقْتَضٍ لِذَلِكَ ، وَلَا يَجُوزُ الْعُدُولُ إِلَّا بِصَارِفٍ يَصْرِفُهُ عَنِ الظَّاهِرِ . قُلْتُ : وَيُؤَيِّدُ الْحَمْلَ عَلَى الظَّاهِرِ أَنَّ الْخَبَرَ وَرَدَ عَلَى الْعُمُومِ فِي الْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ ، فَلَوِ اخْتُصَّ بِالرُّوحِ لَمْ يَكُنْ لِلشَّهِيدِ فِي ذَلِكَ كَبِيرُ فَائِدَةٍ ، لِأَنَّ رُوحَهُ مُنَعَّمَةٌ جَزْمًا كَمَا فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ ، وَكَذَا رُوحُ الْكَافِرِ مُعَذَّبَةٌ فِي النَّارِ جَزْمًا ، فَإِذَا حُمِلَ عَلَى الرُّوحِ الَّتِي لَهَا اتِّصَالٌ بِالْبَدَنِ ظَهَرَتْ فَائِدَةُ ذَلِكَ فِي حَقِّ الشَّهِيدِ وَفِي حَقِّ الْكَافِرِ أَيْضًا . قَوْلُهُ : غُدْوَةً وَعَشِيَّةً أَيْ أَوَّلَ النَّهَارِ وَآخِرَهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَهْلِ الدُّنْيَا . قَوْلُهُ : إِمَّا النَّارُ وَإِمَّا الْجَنَّةُ تَقَدَّمَ فِي الْجَنَائِزِ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ بِلَفْظِ إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَتَقَدَّمَ تَوْجِيهُهُ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْجَنَائِزِ ; وَتَقَدَّمَ هُنَاكَ بَحْثُ الْقُرْطُبِيِّ فِي الْمُفْهِمِ . ثُمَّ إِنَّ هَذَا الْعَرْضَ لِلْمُؤْمِنِ الْمُتَّقِي وَالْكَافِرِ ظَاهِرٌ ، وَأَمَّا الْمُؤْمِنُ الْمُخَلِّطُ فَيَحْتَمِلُ أَيْضًا أَنْ يُعْرَضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ مِنَ الْجَنَّةِ الَّتِي سَيَصِيرُ إِلَيْهَا . قُلْتُ : وَالِانْفِصَالُ عَنْ هَذَا الْإِشْكَالِ يَظْهَرُ مِنَ الْحَدِيثِ الَّذِي أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا ، وَالطَّبَرَانِيُّ ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ السُّؤَالِ فِي الْقَبْرِ وَفِيهِ : ثُمَّ يُفْتَحُ لَهُ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ فَيُقَالُ لَهُ : هَذَا مَقْعَدُكَ وَمَا أَعَدَّ اللَّهُ لَكَ فِيهَا ، فَيَزْدَادُ غِبْطَةً وَسُرُورًا ، ثُمَّ يُفْتَحُ لَهُ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ النَّارِ فَيُقَالُ لَهُ : هَذَا مَقْعَدُكَ وَمَا أَعَدَّ اللَّهُ لَكَ فِيهَا لَوْ عَصَيْتَهُ ، فَيَزْدَادُ غِبْطَةً وَسُرُورًا الْحَدِيثَ . وَفِيهِ فِي حَقِّ الْكَافِرِ ثُمَّ يُفْتَحُ لَهُ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ النَّارِ وَفِيهِ فَيَزْدَادُ حَسْرَةً وَثُبُورًا فِي الْمَوْضِعَيْنِ ، وَفِيهِ لَوْ أَطَعْتَهُ وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ : مَا مِنْ نَفْسٍ إِلَّا وَتَنْظُرُ فِي بَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ وَبَيْتٍ فِي النَّارِ ، فَيَرَى أَهْلُ النَّارِ الْبَيْتَ الَّذِي فِي الْجَنَّةِ فَيُقَالُ : لَوْ عَمِلْتُمْ ، وَيَرَى أَهْلُ الْجَنَّةِ الْبَيْتَ الَّذِي فِي النَّارِ فَيُقَالُ : لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ . وَلِأَحْمَدَ عَنْ عَائِشَةَ مَا يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ رُؤْيَةَ ذَلِكَ لِلنَّجَاةِ أَوِ الْعَذَابِ فِي الْآخِرَةِ ، فَعَلَى هَذَا يَحْتَمِلُ فِي الْمُذْنِبِ الَّذِي قُدِّرَ عَلَيْهِ أَنْ يُعَذَّبَ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ أَنْ يُقَالَ لَهُ مَثَلًا بَعْدَ عَرْضِ مَقْعَدِهِ مِنَ الْجَنَّةِ : هَذَا مَقْعَدُكَ مِنْ أَوَّلِ وَهْلَةٍ لَوْ لَمْ تُذْنِبْ ، وَهَذَا مَقْعَدُكَ مِنْ أَوَّلِ وَهْلَةٍ لِعِصْيَانِكَ . نَسْأَلُ اللَّهَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ مِنْ كُلِّ بَلِيَّةٍ فِي الْحَيَاةِ وَبَعْدَ الْمَوْتِ ، إِنَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ . قَوْلُهُ : فَيُقَالُ هَذَا مَقْعَدُكَ حَتَّى تُبْعَثَ إِلَيْهِ ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ عَلَيْهِ وَفِي طَرِيقِ مَالِكٍ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقَدْ بَيَّنْتُ الْإِشَارَةَ إِلَيْهِ بَعْدَ خَمْسَةِ أَبْوَابٍ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب سَكَرَاتِ الْمَوْتِ · ص 373 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب سكرات الموت · ص 97 102 - حدثنا أبو النعمان ، حدثنا حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا مات أحدكم عرض عليه مقعده غدوة وعشيا ، إما النار وإما الجنة ، فيقال : هذا مقعدك حتى تبعث . تؤخذ مطابقته للترجمة من قوله : إذا مات لأن الذي يموت لا بد له من سكرة الموت . وأبو النعمان : محمد بن الفضل السدوسي البصري ، يقال له عارم ، وأيوب : هو السختياني ، والحديث من أفراده . قوله : عرض عليه مقعده كذا في رواية الأكثرين ، وفي رواية السرخسي والمستملي عرض على مقعده ، والأول هو الأصل والثاني من باب القلب ، نحو : عرض الناقة على الحوض . قوله : غدوة وعشيا أي : أول النهار وآخره بالنسبة إلى أهل الدنيا ، والذي يعرض على المؤمن مقعدان يراهما جميعا ، وفائدة العرض للمؤمن نوع من الفرح وللكافر نوع من العذاب ، والعرض على الروح حقيقة ، وعلى ما يتصل به من البدن الاتصال الذي يمكن به إدراك التنعيم أو التعذيب ، وقال ابن بطال حاكيا عن غيره : إن المراد بالعرض هنا الإخبار بأن هذا موضع جزائكم على أعمالكم عند الله ، لأن العرض لا يقع على شيء فانٍ ، فالعرض الذي يدوم إلى يوم القيامة هو العرض الذي على الأرواح خاصة ، واعترض عليه بأن حمل العرض على الإخبار عدول عن الظاهر بغير مقتضى لذلك ، فلا يجوز العدول إلا بصارف يصرفه عن الظاهر ، انتهى . قلت : فيه نظر ، لأن الأبدان تفنى والذي يفنى حكمه حكم المعدم ، ولا يتصور العرض على المعدوم . وقوله : عدول عن الظاهر بغير مقتضى غير مسلم ، لأن الحكم بالظاهر متعذر ، والصارف عن الظاهر موجود وهو امتناع العرض على المعدوم ، وقال بعضهم : يؤيد الحمل على الظاهر أن الخبر ورد على العموم في المؤمن والكافر ، فلو اختص العرض بالروح لم يكن للشهيد في ذلك كثير فائدة لأن روحه منعمة جزما كما في الأحاديث الصحيحة ، وكذا روح الكافر معذبة في النار جزما ، فإذا حمل على الروح التي لها اتصال بالبدن ظهرت فائدة ذلك في حق الشهيد وفي حق الكافر أيضا ، انتهى . قلت : كون عموم الخبر يؤيد الحمل على الظاهر ، غير مسلم لما ذكرنا ، ثم تقوية ذلك بقوله فلو اختص العرض بالروح إلى آخره غير مسلم أيضا ، لأن العرض في حق الشهيد زيادة فرح وسرور ، وفي حق الكافر زيادة جزع وتحسر ، ويؤيد هذا ما رواه ابن أبي الدنيا والطبراني وصححه ابن حبان من حديث أبي هريرة في فتنة السؤال في القبر وفيه ثم يفتح له باب من أبواب الجنة فيقال له : هذا مقعدك وما أعده الله لك فيها ، فيزاد غبطة وسرورا ، ثم يفتح له باب من أبواب النار ، فيقال له : هذا مقعدك وما أعده الله لك فيها لو عصيته ، فيزداد غبطة وسرورا الحديث ، وفيه في حق الكافر ثم يفتح له باب من أبواب النار وفيه فيزداد حسرة وثبورا في الموضعين ، وفيه لو أطعته . قوله : إما النار وإما الجنة ، قيل : كلمة إما التفصيلية تمنع الجمع بينهما ، وأجيب بأنه قد يكون لمنع الخلو عنهما ، فإن قلت : هذا العرض للمؤمن المتقي والكافر ظاهر ، فكيف الأمر في المؤمن المخلص . قلت : يحتمل أن يعرض عليه مقعده من الجنة التي سيصير إليها ، فإن قلت : ما فائدة التكرار في العرض ؟ قلت : فائدته تذكارهم بذلك . قوله : حتى تبعث إليه وفي رواية الكشميهني حتى تبعث عليه وفي طريق مالك حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة . وقال الكرماني : ما معنى الغاية التي في حتى تبعث ؟ ثم أجاب بقوله : معناها أنه يرى بعد البعث من عند الله كرامة ينسى عندها هذا المقعد ، وقال الكرماني أيضا : وفيه إثبات عذاب القبر ، والأصح أنه للجسد ولا بد من إعادة الروح فيه ، لأن الألم لا يكون إلا للحي . قلت : إثبات عذاب القبر لا نزاع فيه ، وأما قوله : والأصح أنه للجسد ، فغير مسلم ، لأن الجسد يفنى وتعذيب الذي فني غير متصور ، وأما قوله : ولا بد من إعادة الروح فيه ، ففيه اختلاف ، هل تعود الروح فيه حقيقة أو تقرب من البدن بحسب ما يعذب البدن بواسطة أو بغير ذلك ، فحقيقة ذلك عند الله ، وقد ضرب بعض العلماء لتعذيب الروح مثلا بالنائم ، فإن روحه تتنعم أو تعذب ، والجسد لا يحس بشيء من ذلك ، واعلم أن نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة ويعرض عليه مقعدها غدوة وعشيا ، وأرواح الكفار في أجواف طيور سود تغدو على جهنم وتروح كل يوم مرتين ، فذلك عرضها ، وقد قيل : إن أرواحهم في صخرة سوداء تحت الأرض السابعة على شفير جهنم ، في حواصل طيور سود .