46 - بَاب قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ أَزِفَتِ الآزِفَةُ اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ 6530 - حَدَّثَنِي يُوسُفُ بْنُ مُوسَى ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَقُولُ اللَّهُ : يَا آدَمُ ، فَيَقُولُ : لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ ، وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ ، قَالَ : يَقُولُ : أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ ، قَالَ : وَمَا بَعْثُ النَّارِ ؟ قَالَ : مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ ، فَذَاكَ حِينَ يَشِيبُ الصَّغِيرُ ، وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ ، فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَيُّنَا ذَلِكَ الرَّجُلُ ؟ قَالَ : أَبْشِرُوا ، فَإِنَّ مِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ أَلْفًا ، وَمِنْكُمْ رَجُلٌ ، ثُمَّ قَالَ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، إِنِّي لَأَطْمَعُ أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، قَالَ : فَحَمِدْنَا اللَّهَ وَكَبَّرْنَا ، ثُمَّ قَالَ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لَأَطْمَعُ أَنْ تَكُونُوا شَطْرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، إِنَّ مَثَلَكُمْ فِي الْأُمَمِ كَمَثَلِ الشَّعَرَةِ الْبَيْضَاءِ فِي جِلْدِ الثَّوْرِ الْأَسْوَدِ ، أَوْ كالرَّقْمَةِ فِي ذِرَاعِ الْحِمَارِ . قَوْلُهُ : بَابُ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ إِلَى مَا وَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ عِنْدَ ذِكْرِ الْحَدِيثِ ، وَالزَّلْزَلَةُ الِاضْطِرَابُ ، وَأَصْلُهُ مِنَ الزَّلَلِ ، وَفِي تَكْرِيرِ الزَّايِ فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى ذَلِكَ ، وَالسَّاعَةُ فِي الْأَصْلِ جُزْءٌ مِنَ الزَّمَانِ ، وَاسْتُعِيرَتْ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ سَكَرَاتِ الْمَوْتِ وَقَالَ الزَّجَّاجُ : مَعْنَى السَّاعَةِ الْوَقْتُ الَّذِي تَقُومُ فِيهِ الْقِيَامَةُ إِشَارَةً إِلَى أَنَّهَا سَاعَةٌ خَفِيفَةٌ يَقَعُ فِيهَا أَمْرٌ عَظِيمٌ ، وَقِيلَ : سُمِّيَتْ سَاعَةً لِوُقُوعِهَا بَغْتَةً ، أَوْ لِطُولِهَا ، أَوْ لِسُرْعَةِ الْحِسَابِ فِيهَا ، أَوْ لِأَنَّهَا عِنْدَ اللَّهِ خَفِيفَةٌ مَعَ طُولِهَا عَلَى النَّاسِ . قَوْلُهُ : أَزِفَتِ الآزِفَةُ اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ ) هُوَ مِنَ الْأَزَفِ بِفَتْحِ الزَّايِ ، وَهُوَ الْقُرْبُ ، يُقَالُ : أَزِفَ كَذَا أَيْ قَرُبَ ، وَسُمِّيَتِ السَّاعَةُ آزِفَةً لِقُرْبِهَا أَوْ لِضِيقِ وَقْتهَا ، وَاتَّفَقَ الْمُفَسِّرُونَ عَلَى أَنَّ مَعْنَى أَزِفَتِ اقْتَرَبَتْ أَوْ دَنَتْ . قَوْلُهُ : جَرِيرٌ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ . قَوْلُهُ : عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ فِي رِوَايَةِ أَبِي أُسَامَةَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ ، وَحَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْحَجِّ كِلَاهُمَا عَنِ الْأَعْمَشِ ، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ وَهُوَ ذَكْوَانُ ، وَأَبُو سَعِيدٍ هُوَ الْخُدْرِيُّ . قَوْلُهُ : يَقُولُ اللَّهُ كَذَا وَقَعَ لِلْأَكْثَرِ غَيْرَ مَرْفُوعٍ ، وَبِهِ جَزَمَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ وَفِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ بِإِثْبَاتِ قَوْلِهِ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَذَا وَقَعَ لِمُسْلِمٍ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ جَرِيرٍ بِسَنَدِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ ، وَنَحْوُهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي أُسَامَةَ ، وَحَفْصٍ ، وَقَدْ ظَهَرَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي قَبْلَهُ أَنَّ خِطَابَ آدَمَ بِذَلِكَ أَوَّلُ شَيْءٍ يَقَعُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَلَفْظُهُ أَوَّلُ مَنْ يُدْعَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَتَرَاءَى ذُرِّيَّتُهُ بِمُثَنَّاةٍ وَاحِدَةٍ وَمَدٍّ ثُمَّ هَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ مُمَالَةٍ ، وَأَصْلُهُ فَتَتَرَاءَى فَحُذِفَتْ إِحْدَى التَّاءَيْنِ وَتَرَاءَى الشَّخْصَانِ تَقَابَلَا بِحَيْثُ صَارَ كُلٌّ مِنْهُمَا يَتَمَكَّنُ مِنْ رُؤْيَةِ الْآخَرِ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ الدَّرَاوَرْدِيِّ ، عَنْ ثَوْرٍ فَتَتَرَاءَى لَهُ ذُرِّيَّتُهُ عَلَى الْأَصْلِ ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فَيُقَالُ هَذَا أَبُوكُمْ وَفِي رِوَايَةِ الدَّرَاوَرْدِيِّ فَيَقُولُونَ : هَذَا أَبُوكُمْ . قَوْلُهُ : فَيَقُولُ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ ، وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ ، فِي الِاقْتِصَارِ عَلَى الْخَيْرِ نَوْعُ تَعْطِيفٍ وَرِعَايَةٌ لِلْأَدَبِ ، وَإِلَّا فَالشَّرُّ أَيْضًا بِتَقْدِيرِ اللَّهِ كَالْخَيْرِ . قَوْلُهُ : أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بَعْثَ جَهَنَّمَ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ ، وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ نَصِيبَ بَدَلَ بَعْثَ وَالْبَعْثُ بِمَعْنَى الْمَبْعُوثِ ، وَأَصْلُهَا فِي السَّرَايَا الَّتِي يَبْعَثُهَا الْأَمِيرُ إِلَى جِهَةٍ مِنَ الْجِهَاتِ لِلْحَرْبِ وَغَيْرِهَا ، وَمَعْنَاهَا هُنَا مَيِّزْ أَهْلَ النَّارِ مِنْ غَيْرِهِمْ ، وَإِنَّمَا خَصَّ بِذَلِكَ آدَمَ لِكَوْنِهِ وَالِدَ الْجَمِيعِ ، وَلِكَوْنِهِ كَانَ قَدْ عَرَفَ أَهْلَ السَّعَادَةِ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاءِ ، فَقَدْ رَآهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ وَعَنْ يَمِينِهِ أَسْوِدَةٌ وَعَنْ شِمَالِهِ أَسْوِدَةٌ الْحَدِيثَ ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ . وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا مِنْ مُرْسَلِ الْحَسَنِ قَالَ : يَقُولُ اللَّهُ لِآدَمَ : يَا آدَمُ أَنْتَ الْيَوْمَ عَدْلٌ بَيْنِي وَبَيْنَ ذُرِّيَّتِكَ ، قُمْ فَانْظُرْ مَا يُرْفَعُ إِلَيْكَ مِنْ أَعْمَالِهِمْ . قَوْلُهُ : قَالَ : وَمَا بَعْثُ النَّارِ ؟ الْوَاوُ عَاطِفَةٌ عَلَى شَيْءٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ سَمِعْتُ وَأَطَعْتُ ، وَمَا بَعْثُ النَّارِ ؟ أَيْ وَمَا مِقْدَارُ مَبْعُوثِ النَّارِ ؟ وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فَيَقُولُ : يَا رَبِّ كَمْ أُخْرِجُ . قَوْلُهُ : مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ كُلِّ مِائَةٍ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ : فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مِنْ كُلِّ أَلْفٍ وَاحِدٌ وَكَذَا فِي حَدِيثِ غَيْرِهِ ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ حَدِيثَ ثَوْرٍ يَعْنِي رَاوِيهِ عَنْ أَبِي الْغَيْثِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهَمًا . قُلْتُ : وَلَعَلَّهُ يُرِيدُ بِقَوْلِهِ غَيْرَهُ مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ وَجْهَيْنِ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ نَحْوَهُ ، وَفِي أَوَّلِهِ زِيَادَةٌ قَالَ كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سَفَرٍ فَرَفَعَ صَوْتَهُ بِهَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ - إِلَى شَدِيدٌ فَحَثَّ أَصْحَابُهُ الْمَطِيَّ فَقَالَ : هَلْ تَدْرُونَ أَيُّ يَوْمٍ ذَاكَ ؟ قَالُوا : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، قَالَ : ذَاكَ يَوْمٌ يُنَادِي اللَّهُ آدَمَ فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَصَحَّحَهُ ، وَكَذَا الْحَاكِمُ ، وَهَذَا سِيَاقُ قَتَادَةَ ، عَنِ الْحَسَنِ مِنْ رِوَايَةِ هِشَامٍ الدَّسْتَوَائِيِّ عَنْهُ ، وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فَقَالَ : عَنْ أَنَسٍ أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ أَيْضًا وَنَقَلَ عَنِ الذُّهْلِيِّ أَنَّ الرِّوَايَةَ الْأُولَى هِيَ الْمَحْفُوظَةُ ، وَأَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ ، وَالْحَاكِمُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ هِلَالِ بْنِ خَبَّابٍ بِمُعْجَمَةٍ وَمُوَحَّدَتَيْنِ الْأُولَى ثَقِيلَةٌ عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : تَلَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَذِهِ الْآيَةَ ثُمَّ قَالَ : هَلْ تَدْرُونَ ؟ فَذَكَرَ نَحْوَهُ وَكَذَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، وَعِنْدَ مُسْلِمٍ رَفَعَهُ يَخْرُجُ الدَّجَّالُ - إِلَى أَنْ قَالَ - ثُمَّ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ ثُمَّ يُقَالُ : أَخْرِجُوا بَعْثَ النَّارِ وَفِيهِ فَيُقَالُ مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعُمِائَةٍ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ ، فَذَاكَ يَوْمٌ يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبَا وَكَذَا رَأَيْتُ هَذَا الْحَدِيثَ فِي مُسْنَدِ أَبِي الدَّرْدَاءِ بِمِثْلِ الْعَدَدِ الْمَذْكُورِ ، رُوِّينَاهُ فِي فَوَائِدِ طَلْحَةَ بْنِ الصَّقْرِ وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى نَحْوَهُ فَاتَّفَقَ هَؤُلَاءِ عَلَى هَذَا الْعَدَدِ ، وَلَمْ يَسْتَحْضِرِ الْإِسْمَاعِيلِيُّ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مُتَابِعًا ، وَقَدْ ظَفِرْتُ بِهِ فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ فَإِنَّهُ أَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاقَ الْهِجْرِيِّ وَفِيهِ مَقَالٌ عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ نَحْوُهُ . وَأَجَابَ الْكِرْمَانِيُّ بِأَنَّ مَفْهُومَ الْعَدَدِ لَا اعْتِبَارَ لَهُ ، فَالتَّخْصِيصُ بِعَدَدٍ لَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الزَّائِدِ ، وَالْمَقْصُودُ مِنَ الْعَدَدَيْنِ وَاحِدٌ ، وَهُوَ تَقْلِيلُ عَدَدِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَتَكْثِيرُ عَدَدِ الْكَافِرِينَ . قُلْتُ : وَمُقْتَضَى كَلَامِهِ الْأَوَّلِ تقديم حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَى حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ ، فَإِنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلَى زِيَادَةٍ ، فَإِنَّ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ نَصِيبَ أَهْلِ الْجَنَّةِ مِنْ كُلِّ أَلْفٍ وَاحِدٌ ، وَحَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ يَدُلُّ عَلَى عَشَرَةٍ ، فَالْحُكْمُ لِلزَّائِدِ ، وَمُقْتَضَى كَلَامِهِ الْأَخِيرِ أَنْ لَا يُنْظَرَ إِلَى الْعَدَدِ أَصْلًا ، بَلِ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَهُمَا مَا ذَكَرَهُ مِنْ تَقْلِيلِ الْعَدَدِ ، وَقَدْ فَتَحَ اللَّهُ - تَعَالَى - فِي ذَلِكَ بِأَجْوِبَةٍ أُخَرَ ، وَهُوَ حَمْلُ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَمَنْ وَافَقَهُ عَلَى جَمِيعِ ذُرِّيَّةِ آدَمَ ، فَيَكُونُ مِنْ كُلِّ أَلْفٍ وَاحِدٌ ، وَحَمْلُ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَمَنْ وَافَقَهُ عَلَى مَنْ عَدَا يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ ، فَيَكُونُ مِنْ كُلِّ أَلْفٍ عَشَرَةٌ ، وَيُقَرِّبُ ذَلِكَ أَنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ ذَكَرُوا فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ دُونَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْأَوَّلُ يَتَعَلَّقُ بِالْخَلْقِ أَجْمَعِينَ ، وَالثَّانِي بِخُصُوصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ ، وَيُقَرِّبُهُ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ إِذَا أُخِذَ مِنَّا لَكِنْ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَإِنَّمَا أُمَّتِي جُزْءٌ مِنْ أَلْفِ جُزْءٍ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَقَعَ الْقِسْمَةُ مَرَّتَيْنِ ، مَرَّةً مِنْ جَمِيعِ الْأُمَمِ قَبْلَ هَذِهِ الْأُمَّةِ ، فَيَكُونُ مِنْ كُلِّ أَلْفٍ وَاحِدٌ ، وَمَرَّةً مِنْ هَذِهِ الْأَمَةِ فَقَطْ ، فَيَكُونُ مِنْ كُلِّ أَلْفٍ عَشَرَةٌ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِبَعْثِ النَّارِ الْكُفَّارَ ، وَمَنْ يَدْخُلُهَا مِنَ الْعُصَاةِ فَيَكُونُ مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعُمِائَةٍ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ كَافِرًا ، وَمَنْ كُلِّ مِائَةٍ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ عَاصِيًا ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى . قَوْلُهُ : فَذَاكَ حِينَ يَشِيبُ الصَّغِيرُ ، وَتَضَعُ وَسَاقَ إِلَى قَوْلِهِ : قوله شَدِيد ظَاهِرُهُ أَنَّ ذَلِكَ يَقَعُ فِي الْمَوْقِفِ ، وَقَدِ اسْتُشْكِلَ بِأَنَّ ذَلِكَ الْوَقْتَ لَا حَمْلَ فِيهِ ، وَلَا وَضْعَ ، وَلَا شَيْبَ ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ : إِنَّ ذَلِكَ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَكِنَّ الْحَدِيثَ يَرُدُّ عَلَيْهِ ، وَأَجَابَ الْكِرْمَانِيُّ بِأَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ عَلَى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ وَالتَّهْوِيلِ ، وَسَبَقَ إِلَى ذَلِكَ النَّوَوِيُّ فَقَالَ فِيهِ وَجْهَانِ لِلْعُلَمَاءِ فَذَكَرَهُمَا ، وَقَالَ : التَّقْدِيرُ أَنَّ الْحَالَ يَنْتَهِي إلى أَنَّهُ لَوْ كَانَتِ النِّسَاءُ حِينَئِذٍ حَوَامِلَ لَوَضَعَتْ كَمَا تَقُولُ الْعَرَبُ أَصَابَنَا أَمْرٌ يَشِيبُ مِنْهُ الْوَلِيدُ ، وَأَقُولُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى حَقِيقَتِهِ ، فَإِنَّ كُلَّ أَحَدٍ يُبْعَثُ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ ، فَتُبْعَثُ الْحَامِلُ حَامِلًا ، وَالْمُرْضِعُ مُرْضِعَةً ، وَالطِّفْلُ طِفْلًا ، فَإِذَا وَقَعَتْ زَلْزَلَةُ السَّاعَةِ وَقِيلَ ذَلِكَ لِآدَمَ وَرَأَى النَّاسُ آدَمَ وَسَمِعُوا مَا قِيلَ لَهُ ، وَقَعَ بِهِمْ مِنَ الْوَجَلِ مَا يَسْقُطُ مَعَهُ الْحَمْلُ ، وَيَشِيبُ لَهُ الطِّفْلُ وَتَذْهَلُ بِهِ الْمُرْضِعَةُ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بَعْدَ النَّفْخَةِ الْأُولَى ، وَقَبْلَ النَّفْخَةِ الثَّانِيَةِ ، وَيَكُونُ خَاصًّا بِالْمَوْجُودِينَ حِينَئِذٍ ، وَتَكُونُ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ : فَذَاكَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُوَ صَرِيحٌ فِي الْآيَةِ ، وَلَا يَمْنَعُ مِنْ هَذَا الْحَمْلِ مَا يُتَخَيَّلُ مِنْ طُولِ الْمَسَافَةِ بَيْنَ قِيَامِ السَّاعَةِ وَاسْتِقْرَارِ النَّاسِ فِي الْمَوْقِفِ وَنِدَاءِ آدَمَ لِتَمْيِيزِ أَهْلِ الْمَوْقِفِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّ ذَلِكَ يَقَعُ مُتَقَارِبًا كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ يَعْنِي أَرْضَ الْمَوْقِفِ ، وَقَالَ تَعَالَى : يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُطْلَقُ عَلَى مَا بَعْدَ نَفْخَةِ الْبَعْثِ مِنْ أَهْوَالٍ وَزَلْزَلَةٍ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ إِلَى آخِرِ الِاسْتِقْرَارِ فِي الْجَنَّةِ أَوِ النَّارِ ، وَقَرِيبٌ مِنْهُ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فِي أَشْرَاطِ السَّاعَةِ إِلَى أَنْ ذَكَرَ النَّفْخَ فِي الصُّورِ إِلَى أَنْ قَالَ : ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ ثُمَّ يُقَالُ : أَخْرِجُوا بَعْثَ النَّارِ فَذَكَرَهُ قَالَ : فَذَاكَ يَوْمٌ يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ الصُّورِ الطَّوِيلِ عِنْدَ عَلِيِّ بْنِ مَعْبَدٍ وَغَيْرِهِ مَا يُؤَيِّدُ الِاحْتِمَالَ الثَّانِيَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي بَابِ النَّفْخِ فِي الصُّورِ وَفِيهِ بَعْدَ قَوْلِهِ وَتَضَعُ الْحَوَامِلُ مَا فِي بُطُونِهَا وَتَشِيبُ الْوِلْدَانُ وَتَتَطَايَرُ الشَّيَاطِينُ فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ تَصَدَّعَتِ الْأَرْضُ ، فَيَأْخُذُهُمْ لِذَلِكَ الْكَرْبُ وَالْهَوْلُ ، ثُمَّ تَلَا الْآيَتَيْنِ مِنْ أَوَّلِ الْحَجِّ الْحَدِيثَ . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي التَّذْكِرَةِ هَذَا الْحَدِيثُ صَحَّحَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فَقَالَ يَوْمُ الزَّلْزَلَةِ يَكُونُ عِنْدَ النَّفْخَةِ الْأُولَى ، وَفِيهِ مَا يَكُونُ فِيهِ مِنَ الْأَهْوَالِ الْعَظِيمَةِ ، وَمَنْ جُمْلَتِهَا مَا يُقَالُ لِآدَمَ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُتَّصِلًا بِالنَّفْخَةِ الْأُولَى ، بَلْ لَهُ مَحْمَلَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يَكُونَ آخِرُ الْكَلَامِ مَنُوطًا بِأَوَّلِهِ ، وَالتَّقْدِيرُ يُقَالُ لِآدَمَ ذَلِكَ فِي أَثْنَاءِ الْيَوْمِ الَّذِي يَشِيبُ فِيهِ الْوِلْدَانُ ، وَغَيْرُ ذَلِكَ . وَثَانِيهِمَا : أَنْ يَكُونَ شَيْبُ الْوِلْدَانِ عِنْدَ النَّفْخَةِ الْأُولَى حَقِيقَةً وَالْقَوْلُ لِآدَمَ يَكُونُ وَصْفُهُ بِذَلِكَ إِخْبَارًا عَنْ شِدَّتِهِ ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ عَيْنُ ذَلِكَ الشَّيْءِ ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى أَنَّ ذَلِكَ حِينَ يَقَعُ لَا يُهِمُّ كُلَّ أَحَدٍ إِلَّا نَفْسُهُ حَتَّى إِنَّ الْحَامِلَ تُسْقِطُ مِنْ مِثْلِهِ وَالْمُرْضِعَةُ إِلَخْ ، وَنُقِلَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْمَعْنَى أَنْ لَوْ كَانَ هُنَاكَ مُرْضِعَةٌ لَذَهَلَتْ ، وَذَكَرَ الْحَلِيمِيُّ وَاسْتَحْسَنَهُ الْقُرْطُبِيُّ أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُحْيِيَ اللَّهُ حِينَئِذٍ كُلَّ حَمْلٍ كَانَ قَدْ تَمَّ خَلْقُهُ ، وَنُفِخَتْ فِيهِ الرُّوحُ ، فَتَذْهَلُ الْأُمُّ حِينَئِذٍ عَنْهُ ؛ لِأَنَّهَا لَا تَقْدِرُ عَلَى إِرْضَاعِهِ إِذْ لَا غِذَاءَ هُنَاك وَلَا لَبَنَ ، وَأَمَّا الْحَمْلُ الَّذِي لَمْ يُنْفَخْ فِيهِ الرُّوحُ فَإِنَّهُ إِذَا سَقَطَ لَمْ يَحْيَ لِأَنَّ ذَلِكَ يَوْمُ الْإِعَادَةِ ، فَمَنْ لَمْ يَمُتْ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَحْيَى فِي الْآخِرَةِ . قَوْلُهُ : فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْقَوْمِ ، وَوَقَعَتْ عَلَيْهِمُ الْكَآبَةُ وَالْحُزْنُ ، وَفِي حَدِيثِ عِمْرَانَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ جُدْعَانَ ، عَنِ الْحَسَنِ فَأَنْشَأَ الْمُؤْمِنُونَ يَبْكُونَ وَمِنْ رِوَايَةِ قَتَادَةَ ، عَنِ الْحَسَنِ فَنُبِسَ الْقَوْمُ حَتَّى مَا أَبْدَوْا بِضَاحِكَةٍ وَنُبِسَ بِضَمِّ النُّونِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ مَعْنَاهُ تَكَلَّمَ فَأَسْرَعَ وَأَكْثَرُ مَا يُسْتَعْمَلُ فِي النَّفْيِ ، وَفِي رِوَايَةِ شَيْبَانَ عَنْ قَتَادَةَ عِنْدَ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ أَبْلَسُوا وَكَذَا لَهُ نَحْوُهُ مِنْ رِوَايَةِ ثَابِتٍ عَنِ الْحَسَنِ . قَوْلُهُ : وَأَيُّنَا ذَلِكَ الرَّجُلُ قَالَ الطِّيبِيُّ : يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الِاسْتِفْهَامُ عَلَى حَقِيقَتِهِ ، فَكَانَ حَقَّ الْجَوَابِ أَنَّ ذَلِكَ الْوَاحِدَ فُلَانٌ أَوْ مَنْ يَتَّصِفُ بِالصِّفَةِ الْفُلَانِيَّةِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ اسْتِعْظَامًا لِذَلِكَ الْأَمْرِ وَاسْتِشْعَارًا لِلْخَوْفِ مِنْهُ ، فَلِذَلِكَ وَقَعَ الْجَوَابُ بِقَوْلِهِ أَبْشِرُوا وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِذَا أُخِذَ مِنَّا مِنْ كُلِّ مِائَةٍ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ فَمَاذَا يَبْقَى وَفِي حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ فَبَكَى أَصْحَابُهُ . قَوْلُهُ : فَقَالَ أَبْشِرُوا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ : اعْمَلُوا وَأَبْشِرُوا ، وَفِي حَدِيثِ عِمْرَانَ مِثْلَهُ وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُدْعَانَ : قَارِبُوا وَسَدِّدُوا وَنَحْوَهُ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ . قَوْلُهُ : فَإِنَّ مِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ أَلْفًا وَمِنْكُمْ رَجُلٌ ظَاهِرُهُ زِيَادَةُ وَاحِدٍ عَمَّا ذَكَرَ مِنْ تَفْصِيلِ الْأَلْفِ ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ جَبْرِ الْكَسْرِ ، وَالْمُرَادُ أَنَّ مِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ ، أَوْ أَلْفًا إِلَّا وَاحِدًا ، وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَمِنْكُمْ رَجُلٌ تَقْدِيرُهُ وَالْمُخْرَجُ مِنْكُمْ أَوْ وَمِنْكُمْ رَجُلٌ مُخْرَجٌ ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ أَنَّ لِبَعْضِ الرُّوَاةِ فَإِنَّ مِنْكُمْ رَجُلًا وَمِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ أَلْفًا بِالنَّصْبِ فِيهِمَا عَلَى الْمَفْعُولِ بِإِخْرَاجِ الْمَذْكُورِ فِي أَوَّلِ الْحَدِيثِ ، أَيْ فَإِنَّهُ يُخْرَجُ كَذَا ، وَرَوَى بِالرَّفْعِ عَلَى خَبَرِ إِنَّ وَاسْمِهَا مُضْمَرٌ قَبْلَ الْمَجْرُورِ ، أَيْ فَإِنَّ الْمُخْرَجَ مِنْكُمْ رَجُلٌ ، قُلْتُ : وَالنَّصْبُ أَيْضًا عَلَى اسْمِ إِنَّ صَرِيحًا فِي الْأَوَّلِ ، وَبِتَقْدِيرٍ فِي الثَّانِي ، وَهُوَ أَوْلَى مِنَ الَّذِي قَالَهُ ، فَإِنَّ فِيهِ تَكَلُّفًا ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ بِالرَّفْعِ فِي أَلْفٍ وَحْدَهُ ، وَبِالنَّصْبِ فِي رَجُلًا ، وَلِأَبِي ذَرٍّ بِالْعَكْسِ ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ بِالرَّفْعِ فِيهِمَا ، قَالَ النَّوَوِيُّ : هَكَذَا فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ وَالتَّقْدِيرُ فَإِنَّهُ ، فَحَذَفَ الْهَاءَ وَهِيَ ضَمِيرُ الشَّأْنِ ، وَذَلِكَ مُسْتَعْمَلٌ كَثِيرًا ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَإِنَّمَا أُمَّتِي جُزْءٌ مِنْ أَلْفِ جُزْءٍ قَالَ الطِّيبِيُّ : فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ دَاخِلُونَ فِي الْعَدَدِ الْمَذْكُورِ ، وَالْوَعِيدِ كَمَا يَدُلُّ قَوْلُهُ : رُبُعُ أَهْلِ الْجَنَّةِ عَلَى أَنَّ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَيْضًا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : قَوْلُهُ مِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ أَلْفٌ أَيْ مِنْهُمْ وَمِمَّنْ كَانَ عَلَى الشِّرْكِ مِثْلَهُمْ وَقَوْلُهُ وَمِنْكُمْ رَجُلٌ يَعْنِي مِنْ أَصْحَابِهِ ، وَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا مِثْلَهُمْ . قُلْتُ : وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْإِشَارَةَ بِقَوْلِهِ مِنْكُمْ إِلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ جَمِيعِ الْأُمَمِ ، وَقَدْ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِقَوْلِهِ : إِنَّ الْجَنَّةَ لَا يَدْخُلُهَا إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ . قَوْلُهُ : ثُمَّ قَالَ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لَأَطْمَعُ أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، تَقَدَّمَ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ : أَتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَكَذَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى تَعَدُّدِ الْقِصَّةِ ، فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْقِصَّةَ الَّتِي فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَقَعَتْ وَهُوَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي قُبَّتِهِ بِمِنًى ، وَالْقِصَّةُ الَّتِي فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَقَعَتْ وَهُوَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَائِرٌ عَلَى رَاحِلَتِهِ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْكَلْبِيِّ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي مَسِيرِهِ فِي غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ وَمِثْلُهُ فِي مُرْسَلِ مُجَاهِدٍ عِنْدَ الْخَطِيبِ فِي الْمُبْهَمَاتِ كَمَا سَيَأْتِي التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ فِي بَابُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ ثُمَّ ظَهَرَ لِي أَنَّ الْقِصَّةَ وَاحِدَةٌ ، وَأَنَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ حَفِظَ فِيهِ مَا لَمْ يَحْفَظِ الْآخَرُ ، إِلَّا أَنَّ قَوْلَ مَنْ قَالَ : كَانَ ذَلِكَ فِي غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ وَاهٍ ، وَالصَّحِيحُ مَا فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِمِنًى ، وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي حَدِيثِهِ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ ، وَهُوَ فِي قُبَّتِهِ فَيُجْمَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ عِمْرَانَ ، بِأَنَّ تِلَاوَتَهُ الْآيَةَ وَجَوَابَهُ عَنْهَا اتَّفَقَ أَنَّهُ كَانَ وَهُوَ سَائِرٌ ، ثُمَّ قَوْلُهُ : إِنِّي لَأَطْمَعُ إِلَخْ وَقَعَ بَعْدَ أَنْ نَزَلَ وَقَعَدَ بِالْقُبَّةِ ، وَأَمَّا زِيَادَةُ الرُّبُعِ قَبْلَ الثُّلُثِ فَحَفِظَهَا أَبُو سَعِيدٍ وَبَعْضُهُمْ لَمْ يَحْفَظِ الرُّبُعَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ سَائِرُ مَبَاحِثِهِ فِي الْحَدِيثِ الْخَامِسِ مِنَ الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ · ص 396 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب قول الله عز وجل إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ · ص 108 ( باب قول الله عز وجل : إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ أي : هذا باب في قوله تعالى " إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ " أي : اضطراب يوم القيامة شيء عظيم ، والساعة في أصل الوضع جزء من الزمان واستعيرت ليوم القيامة ، وقال الزجاج : معنى الساعة الوقت الذي فيه القيامة . وقيل : سميت ساعة لوقوعها بغتة ، أو لطولها ، أو لسرعة الحساب فيها ، أو لأنها عند الله خفيفة مع طولها على الناس . أَزِفَتِ الآزِفَةُ أزف الماضي مشتق من الأزف ، بفتح الزاي وهو القرب ، يقال : أزف الوقت وحان الأجل ، أي : دنا وقرب . : اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ أي : دنت القيامة ، وقال ابن كيسان : في الآية تقديم وتأخير ، مجازها : انشق القمر واقتربت الساعة . وقيل : معناه وسينشق القمر ، والعلماء على خلافه . 117 - حدثني يوسف بن موسى ، حدثنا جرير ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي سعيد ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يقول الله : يا آدم . فيقول : لبيك وسعديك ، والخير في يديك . قال : يقول : أخرج بعث النار . قال : وما بعث النار ؟ قال : من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين ، فذاك حين يشيب الصغير ، وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد ، فاشتد ذلك عليهم ، فقالوا : يا رسول الله ، أينا ذلك الرجل . قال : أبشروا ، فإن من يأجوج ومأجوج ألف ومنكم رجل . ثم قال : والذي نفسي في يده إني لأطمع أن تكونوا ثلث أهل الجنة . قال : فحمدنا الله وكبرنا . ثم قال : والذي نفسي في يده إني لأطمع أن تكونوا شطر أهل الجنة ، إن مثلكم في الأمم كمثل الشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود ، أو الرقمة في ذراع الحمار . مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله : " يشيب الصغير " إلى آخره الآية . ويوسف بن موسى بن راشد : القطان الكوفي ، مات ببغداد سنة اثنتين وخمسين ومائتين ، وجرير : هو ابن عبد الحميد ، والأعمش : هو سليمان ، وأبو صالح : هو ذكوان الزيات ، وأبو سعيد : هو سعد بن مالك الخدري . والحديث مر في باب قصة يأجوج ومأجوج ، فإنه أخرجه هناك عن إسحاق بن نصر عن أبي أسامة عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد الخدري . قوله : " قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم " كذا هو في رواية كريمة وفي رواية الأكثرين ، وقع غير مرفوع ووقع فيما مضى في باب قصة يأجوج ومأجوج مرفوعا ، وكذا في رواية مسلم ، قوله : " والخير في يديك " خص به لرعاية الأدب ، وإلا فالخير والشر كله بيد الله ، وقيل : الكل بالنسبة إلى الله حسن ولا قبيح في فعله ، وإنما الحسن والقبح بالنسبة إلى العباد . قوله : " من كل ألف " وقد سبق في الحديث الذي قبل هذا الباب " من كل مائة " ، والتفاوت بينهما كثير ، والجواب أن مفهوم العدد لا اعتبار له ، يعني التخصيص بعدد لا يدل على نفي الزائد ، أو المقصود منهما شيء واحد وهو تقليل عدد المؤمنين وتكثير عدد الكافرين . قوله : " وما بعث النار ؟ " عطف على مقدر ، تقديره : سمعت وأطعت وما بعث النار ؟ أي : وما مقدار مبعوث النار ؟ قوله : " فذاك " ، إشارة إلى الوقت الذي يشيب فيه الصغير وتضع كل ذات حمل حملها ، وظاهر هذا الكلام أن هذا يقع في الموقف ، وقال بعض المفسرين : إن ذلك قبل يوم القيامة ، لأنه ليس فيها حمل ولا وضع ولا شيب ، والحديث يرد عليه ، وقال الكرماني : هذا تمثيل للتهويل ، وقيل : إنه كناية عن اشتداد الحال بحيث إنه لو كانت النساء حوامل لوضعت حملهن ويشيب فيه الطفل ، كما تقول العرب : أصابنا أمر يشب فيه الوليد . قوله : " أينا ذلك الرجل " ، إشارة إلى الرجل الذي يستثنى من الألف . قوله : " أبشروا " وفي حديث ابن عباس " اعملوا وأبشروا " وفي حديث أنس أخرجه الترمذي " قاربوا وسددوا " . قوله : " ومنكم رجل " أي : المخرج منكم رجل واحد ، وقال القرطبي : قوله : " من يأجوج ومأجوج ألف " أي : منهم وممن كان على الشرك مثلهم . قوله : " أو الرقمة " بفتح القاف وسكونها : الخط ، والرقمتان في الحمار : هما الأثران اللذان في باطن عضديه . وقيل : الدائرة في ذراعه . وقال الكرماني : الفرق كثير بين المشبه والمشبه به الأول والثاني ، فكيف يصح التشبيه في المقدار بشيئين مختلفي القدر ؟ وأجاب بأن الغرض من التشبيهين أمر واحد وهو بيان قلة عدد المؤمنين بالنسبة إلى الكافرين غاية القلة ، وهو حاصل منهما سواء .