6605 - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : كُنَّا جُلُوسًا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهُ عُودٌ يَنْكُتُ به فِي الْأَرْضِ ، فنكس ، وَقَالَ : مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنْ النَّارِ ، أَوْ مِنْ الْجَنَّةِ ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ : أَلَا نَتَّكِلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : لَا اعْمَلُوا ، فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ ، ثُمَّ قَرَأَ : فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى الْآيَةَ . الْحَدِيثُ الْخَامِسُ حَدِيثُ عَلِيٍّ قَوْلُهُ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ ) بِمُهْمَلَةٍ وَزَايٍ ، هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ مَيْمُونٍ السُّكَّرِيُّ . قَوْلُهُ : عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ ، بِضَمِّ الْعَيْنِ ، هُوَ السُّلَمِيُّ الْكُوفِيُّ ، يُكَنَّى أَبَا حَمْزَةَ ، وَكَانَ صِهْرَ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ شَيْخِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَوَقَعَ فِي تَفْسِيرِ : وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ عُبَيْدَةَ وَأَبُو عَبْدُ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَبِيبٍ ، وَهُوَ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ ، وَوَقَعَ مُسَمًّى فِي رِوَايَةِ مُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ ، عِنْدَ الْفِرْيَابِيِّ . قَوْله ( عَنْ عَلِيٍّ ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ الْبُطَيْنِ ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ . أَخَذَ بِيَدِي عَلِيٌّ فَانْطَلَقْنَا نَمْشِي حَتَّى جَلَسْنَا عَلَى شَاطِئِ الْفُرَاتِ ، فَقَالَ عَلِيٌّ : قَالَ رَسُولُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَ الْحَدِيثَ مُخْتَصَرًا . قَوْلُهُ : كُنَّا جُلُوسًا . فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْوَاحِدِ ، عَنِ الْأَعْمَشِ : كُنَّا قُعُودًا وَزَادَ فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، عَنِ الْأَعْمَشِ كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بَقِيعِ الْغَرْقَدِ - بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالْقَافِ بَيْنَهُمَا رَاءٌ سَاكِنَةٌ - فِي جِنَازَةٍ ، فَظَاهِرُهُ أَنَّهُمْ كَانُوا جَمِيعًا شَهِدُوا الْجِنَازَةَ ، لَكِنْ أَخْرَجَهُ فِي الْجَنَائِزِ مِنْ طَرِيقِ مَنْصُورٍ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ ، فَبَيَّنَ أَنَّهُمْ سَبَقُوا بِالْجِنَازَةِ ، وَأَتَاهُمُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ ذَلِكَ ، وَلَفْظُهُ : كُنَّا فِي جِنَازَةٍ فِي بَقِيعِ الْغَرْقَدِ ، فَأَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَعَدَ وَقَعَدْنَا حَوْلَهُ . قَوْلُهُ : وَمَعَهُ عُودٌ يَنْكُتُ بِهِ فِي الْأَرْضِ ، فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ : وَبِيَدِهِ عُودٌ ، فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِهِ فِي الْأَرْضِ ، وَفِي رِوَايَةِ مَنْصُورٍ : وَمَعَهُ مِخْصَرَةٌ ، بِكَسْرِ الْمِيمِ ، وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ ، وَفَتْحِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ - هِيَ عَصًا أَوْ قَضِيبٌ يُمْسِكُهُ الرَّئِيسُ لِيَتَوَكَّأَ عَلَيْهِ ، وَيَدْفَعُ بِهِ عَنْهُ ، وَيُشِيرُ بِهِ لِمَا يُرِيدُ ، وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تُحْمَلُ تَحْتَ الْخِصْرِ غَالِبًا لِلِاتِّكَاءِ عَلَيْهَا ، وَفِي اللُّغَةِ اخْتَصَرَ الرَّجُلُ إِذَا أَمْسَكَ الْمِخْصَرَةَ . قَوْلُهُ : فَنَكَّسَ بِتَشْدِيدِ الْكَافِ أَيْ أَطْرَقَ . قَوْلُهُ : فَقَالَ : مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ ، زَادَ فِي رِوَايَةِ مَنْصُورٍ : مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ ، أَيْ مَصْنُوعَةٍ مَخْلُوقَةٍ ، وَاقْتَصَرَ فِي رِوَايَةِ أَبِي حَمْزَةَ ، وَالثَّوْرِيِّ عَلَى الْأَوَّلِ . قَوْلُهُ : إِلَّا قَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ أَوْ مِنَ الْجَنَّةِ ، أَوْ لِلتَّنْوِيعِ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ مَا قَدْ يُشْعِرُ بِأَنَّهَا بِمَعْنَى الْوَاوِ ، وَلَفْظُهُ : إِلَّا وَقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ الْجَنَّةِ وَمَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ ، وَكَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الدَّالِّ عَلَى أَنَّ لِكُلِّ أَحَدٍ مَقْعَدَيْنِ ، وَفِي رِوَايَةِ مَنْصُورٍ : إِلَّا كُتِبَ مَكَانَهَا مِنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ ، وَزَادَ فِيهَا : وَإِلَّا وَقَدْ كُتِبَتْ شَقِيَّةً أَوْ سَعِيدَةً ، وَإِعَادَةُ إِلَّا ، يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَا مِنْ نَفْسٍ بَدَلَ مَا مِنْكُمْ ، وَإِلَّا الثَّانِيَةُ بَدَلًا مِنَ الْأُولَى ، وَأَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ اللَّفِّ وَالنَّشْرِ ، فَيَكُونُ فِيهِ تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ ، وَالثَّانِي فِي كُلٍّ مِنْهُمَا أَعَمُّ مِنَ الْأَوَّلِ أَشَارَ إِلَيْهِ الْكَرْمَانِيُّ . قَوْلُهُ : فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ ) فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ ، وَشُعْبَةَ فَقَالُوا . يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَهَذَا الرَّجُلُ وَقَعَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، أَنَّهُ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ ، وَلَفْظُهُ : جَاءَ سُرَاقَةُ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَعْمَلُ الْيَوْمَ فِيمَا جَفَّتْ بِهِ الْأَقْلَامُ وَجَرَتْ بِهِ الْمَقَادِيرُ أَوْ فِيمَا يُسْتَقْبَلُ ؟ قَالَ : بَلْ فِيمَا جَفَّتْ بِهِ الْأَقْلَامُ وَجَرَتْ بِهِ الْمَقَادِيرُ ، فَقَالَ : فَفِيمَ الْعَمَلُ ؟ قَالَ : اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ نَحْوَهُ ، وَزَادَ ، وَقَرَأَ : فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى - إِلَى قَوْلِهِ - لِلْعُسْرَى ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ سُرَاقَةَ نَفْسِهِ ، لَكِنْ دُونَ تِلَاوَةِ الْآيَةِ . وَوَقَعَ هَذَا السُّؤَالُ وَجَوَابُهُ سِوَى تِلَاوَةِ الْآيَةِ لِشُرَيْحِ بْنِ عَامِرٍ الْكِلَابِيِّ ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالطَّبَرَانِيُّ ، وَلَفْظُهُ : قَالَ : فَفِيمَ الْعَمَلُ إِذًا ؟ قَالَ : اعْمَلُوا ؛ فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ ، وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ عُمَرُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ مَا نَعْمَلُ فِيهِ أَمْرٌ مُبْتَدَعٌ أَوْ أَمْرٌ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ ؟ قَالَ : فِيمَا قَدْ فُرِغَ مِنْهُ ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ ، وَأَخْرَجَ الْبَزَّارُ ، وَالْفِرْيَابِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ عُمَرَ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ فَذَكَرَهُ ، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالْبَزَّارُ ، وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ نَعْمَلُ عَلَى مَا فُرِغَ مِنْهُ الْحَدِيثَ نَحْوَهُ ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ وَالْجَمْعُ بَيْنَهَا تَعَدُّدُ السَّائِلِينَ عَنْ ذَلِكَ ؛ فَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ السَّائِلَ عَنْ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ ، وَلَفْظُهُ فَقَالَ أَصْحَابُهُ : فَفِيمَ الْعَمَلُ إِنْ كَانَ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ ؟ فَقَالَ : سَدِّدُوا وَقَارِبُوا ، فَإِنَّ صَاحِبَ الْجَنَّةِ يُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، وَإِنْ عَمِلَ أَيَّ عَمَلٍ الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْفِرْيَابِيُّ . قَوْلُهُ : أَلَا نَتَّكِلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ أَفَلَا ، وَالْفَاءُ مُعَقِّبَةٌ لِشَيْءٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ : أَفَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ أَفَلَا نَتَّكِلُ ، وَزَادَ فِي رِوَايَةِ مَنْصُورٍ وَكَذَا فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ : أَفَلَا نَتَّكِلُ عَلَى كِتَابِنَا وَنَدَعُ الْعَمَلَ أَيْ نَعْتَمِدُ عَلَى مَا قُدِّرَ عَلَيْنَا ، وَزَادَ فِي رِوَايَةِ مَنْصُورٍ : فَمَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ السَّعَادَةِ ، وَمَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ مِثْلُهُ . قَوْلُهُ : اعْمَلُوا ، فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ ، زَادَ شُعْبَةُ : لِمَا خُلِقَ لَهُ ، أَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ ، فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ السَّعَادَةِ . الْحَدِيثَ . وَفِي رِوَايَةِ مَنْصُورٍ قَالَ : أَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ . الْحَدِيثَ . وَحَاصِلُ السُّؤَالِ : أَلَا نَتْرُكُ مَشَقَّةَ الْعَمَلِ ، فَإِنَّا سَنَصِيرُ إِلَى مَا قُدِّرَ عَلَيْنَا ، وَحَاصِلُ الْجَوَابِ لَا مَشَقَّةَ ; لِأَنَّ كُلَّ أَحَدٍ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ ، وَهُوَ يَسِيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ ، قَالَ الطِّيبِيُّ : الْجَوَابُ مِنَ الْأُسْلُوبِ الْحَكِيمِ مَنَعَهُمْ عَنْ تَرْكِ الْعَمَلِ وَأَمَرَهُمْ بِالْتِزَامِ مَا يَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ مِنَ الْعُبُودِيَّةِ ، وَزَجَرَهُمْ عَنِ التَّصَرُّفِ فِي الْأُمُورِ الْمُغَيَّبَةِ ، فَلَا يَجْعَلُوا الْعِبَادَةَ وَتَرْكَهَا سَبَبًا مُسْتَقِلًّا لِدُخُولِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ ، بَلْ هِيَ عَلَامَاتٌ فَقَطْ . قَوْلُهُ : ثُمَّ قَرَأَ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى الْآيَةَ ، وَسَاقَ فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ ، وَوَكِيعٍ الْآيَاتِ إِلَى قَوْلِهِ : لِلْعُسْرَى وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ نَحْوَ حَدِيثِ عُمَرَ ، وَفِي آخِرِهِ : قَالَ : اعْمَلْ فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ ، وَفِي آخِرِهِ عِنْدَ الْبَزَّارِ : فَقَالَ الْقَوْمُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ : فَالْجِدُّ إِذًا ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي آخِرِ حَدِيثِ سُرَاقَةَ وَلَفْظُهُ : فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ : فَفِيمَ الْعَمَلُ ؟ قَالَ : كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِعَمَلِهِ ، قَالَ : الْآنَ الْجِدُّ الْآنَ الْجِدُّ وَفِي آخِرِ حَدِيثِ عُمَرَ عِنْدَ الْفِرْيَابِيِّ : فَقَالَ عُمَرُ : فَفِيمَ الْعَمَلُ إذًا ؟ قَالَ : كُلٌّ لَا يَنَالُ إِلَّا بِالْعَمَلِ ، قَالَ عُمَرُ : إذًا نَجْتَهِدُ ، وَأَخْرَجَ الْفِرْيَابِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ إِلَى بَشِيرِ بْنِ كَعْبٍ أَحَدِ كِبَارِ التَّابِعِينَ ، قَالَ : سَأَلَ غُلَامَانِ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فِيمَ الْعَمَلُ فِيمَا جَفَّتْ بِهِ الْأَقْلَامُ ، وَجَرَتْ بِهِ الْمَقَادِيرُ ، أَمْ شَيْءٌ نَسْتَأْنِفُهُ ؟ قَالَ : بَلْ فِيمَا جَفَّتْ بِهِ الْأَقْلَامُ ، قَالَا : فَفِيمَ الْعَمَلُ ؟ قَالَ : اعْمَلُوا ، فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا هُوَ عَامِلٌ ، قَالَا : فَالْجِدُّ الْآنَ ، وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ الْقُعُودِ عِنْدَ الْقُبُورِ ، وَالتَّحَدُّثِ عِنْدَهَا بِالْعِلْمِ وَالْمَوْعِظَةِ . وَقَالَ الْمُهَلَّبُ : نَكْتُهُ الْأَرْضَ بِالْمِخْصَرَةِ أَصْلٌ فِي تَحْرِيكِ الْأُصْبُعِ فِي التَّشَهُّدِ ، نَقَلَهُ ابْنُ بَطَّالٍ ، وَهُوَ بَعِيدٌ ، وَإِنَّمَا هِيَ عَادَةٌ لِمَنْ يَتَفَكَّرُ فِي شَيْءٍ يَسْتَحْضِرُ مَعَانِيَهُ ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَفَكُّرًا مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أَمْرِ الْآخِرَةِ بِقَرِينَةِ حُضُورِ الْجِنَازَةِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فِيمَا أَبَدَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ لِأَصْحَابِهِ مِنَ الْحِكَمِ الْمَذْكُورَةِ ، وَمُنَاسَبَتُهُ لِلْقِصَّةِ أَنَّ فِيهِ إِشَارَةً إِلَى التَّسْلِيَةِ عَنِ الْمَيِّتِ بِأَنَّهُ مَاتَ بِفَرَاغِ أَجَلِهِ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ أَصْلٌ لِأَهْلِ السُّنَّةِ فِي أَنَّ السَّعَادَةَ وَالشَّقَاءَ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ الْقَدِيمِ ، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى الْجَبْرِيَّةِ ; لِأَنَّ التَّيْسِيرَ ضِدُّ الْجَبْرِ ; لِأَنَّ الْجَبْرَ لَا يَكُونُ إِلَّا عَنْ كُرْهٍ ، وَلَا يَأْتِي الْإِنْسَانُ الشَّيْءَ بِطَرِيقِ التَّيْسِيرِ إِلَّا وَهُوَ غَيْرُ كَارِهٍ لَهُ ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى إِمْكَانِ مَعْرِفَةِ الشَّقِيِّ مِنَ السَّعِيدِ فِي الدُّنْيَا كَمَنِ اشْتُهِرَ لَهُ لِسَانُ صِدْقٍ وَعَكْسُهُ ; لِأَنَّ الْعَمَلَ أَمَارَةٌ عَلَى الْجَزَاءِ عَلَى ظَاهِرِ هَذَا الْخَبَرِ ، وَرُدَّ بِمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَأَنَّ هَذَا الْعَمَلَ الظَّاهِرَ قَدْ يَنْقَلِبُ لِعَكْسِهِ عَلَى وَفْقِ مَا قُدِّرَ ، وَالْحَقُّ أَنَّ الْعَمَلَ عَلَامَةٌ وَأَمَارَةٌ ، فَيُحْكَمُ بِظَاهِرِ الْأَمْرِ وَأَمْرُ الْبَاطِنِ إِلَى اللَّهِ - تَعَالَى - . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : لَمَّا أَخْبَرَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ سَبْقِ الْكَائِنَاتِ رَامَ مَنْ تَمَسَّكَ بِالْقَدَرِ أَنْ يَتَّخِذَهُ حُجَّةً فِي تَرْكِ الْعَمَلِ ، فَأَعْلَمَهُمْ أَنَّ هُنَا أَمْرَيْنِ لَا يَبْطُلُ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ بَاطِنٌ وَهُوَ الْعِلَّةُ الْمُوجِبَةُ فِي حُكْمِ الرُّبُوبِيَّةِ ، وَظَاهِرٌ وَهُوَ الْعَلَامَةُ اللَّازِمَةُ فِي حَقِّ الْعُبُودِيَّةِ ، وَإِنَّمَا هِيَ أَمَارَةٌ مُخَيَّلَةٌ فِي مُطَالَعَةِ عِلْمِ الْعَوَاقِبِ غَيْرُ مُفِيدَةٍ حَقِيقَةً ، فَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ كُلًّا مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ ، وَأَنَّ عَمَلَهُ فِي الْعَاجِلِ دَلِيلٌ عَلَى مَصِيرِهِ فِي الْآجِلِ ، وَلِذَلِكَ مَثَّلَ بِالْآيَاتِ ، وَنَظِيرُ ذَلِكَ الرِّزْقُ مَعَ الْأَمْرِ بِالْكَسْبِ ، وَالْأَجَلُ مَعَ الْإِذْنِ فِي الْمُعَالَجَةِ ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ : هَذَا الْحَدِيثُ إِذَا تَأَمَّلْتَهُ وَجَدْتَ فِيهِ الشِّفَاءَ مِمَّا يُتَخَالَجُ فِي الضَّمِيرِ مِنْ أَمْرِ الْقَدَرِ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْقَائِلَ : أَفَلَا نَتَّكِلُ ، وَنَدَعُ الْعَمَلَ ؟ لَمْ يَدَعْ شَيْئًا مِمَّا يَدْخُلُ فِي أَبْوَابِ الْمُطَالَبَاتِ وَالْأَسْئِلَةِ إِلَّا وَقَدْ طَالَبَ بِهِ ، وَسَأَلَ عَنْهُ فَأَعْلَمَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ الْقِيَاسَ فِي هَذَا الْبَابِ مَتْرُوكٌ ، وَالْمُطَالَبَةَ سَاقِطَةٌ ، وَأَنَّهُ لَا يُشْبِهُ الْأُمُورَ الَّتِي عُقِلَتْ مَعَانِيهَا وَجَرَتْ مُعَامَلَةُ الْبَشَرِ فِيمَا بَيْنَهُمْ عَلَيْهَا ، بَلْ طَوَى اللَّهُ عِلْمَ الْغَيْبِ عَنْ خَلْقِهِ ، وَحَجَبَهُمْ عَنْ دَرْكِهِ ، كَمَا أَخْفَى عَنْهُمْ أَمْرَ السَّاعَةِ ، فَلَا يَعْلَمُ أَحَدٌ مَتَى حِينُ قِيَامِهَا . انْتَهَى . وَقَدْ تَقَدَّمَ كَلَامُ ابْنِ السَّمْعَانِيِّ فِي نَحْوِ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْقَدَرِ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : وَجْهُ الِانْفِصَالِ عَنْ شُبْهَةِ الْقَدَرِيَّةِ أَنَّ اللَّهَ أَمَرَنَا بِالْعَمَلِ ، فَوَجَبَ عَلَيْنَا الِامْتِثَالَ ، وَغَيَّبَ عَنَّا الْمَقَادِيرَ لِقِيَامِ الْحُجَّةِ ، وَنَصَبَ الْأَعْمَالَ عَلَامَةً عَلَى مَا سَبَقَ فِي مَشِيئَتِهِ ، فَمَنْ عَدَلَ عَنْهُ ضَلَّ وَتَاهَ ; لِأَنَّ الْقَدَرَ سِرٌّ مِنْ أَسْرَارِ اللَّهِ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ إِلَّا هُوَ ، فَإِذَا أَدْخَلَ أَهْلَ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ كَشَفَ لَهُمْ عَنْهُ حِينَئِذٍ ، وَفِي أَحَادِيثِ هَذَا الْبَابِ أَنَّ أَفْعَالَ الْعِبَادِ وَإِنْ صَدَرَتْ عَنْهُمْ ، لَكِنَّهَا قَدْ سَبَقَ عِلْمُ اللَّهِ بِوُقُوعِهَا بِتَقْدِيرِهِ ، فَفِيهَا بُطْلَانُ قَوْلِ الْقَدَرِيَّةِ صَرِيحًا . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا · ص 504 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا · ص 151 12 - حدثنا عبدان ، عن أبي حمزة ، عن الأعمش ، عن سعد بن عبيدة ، عن أبي عبد الرحمن السلمي ، عن علي رضي الله عنه قال : كنا جلوسا مع النبي صلى الله عليه وسلم ومعه عود ينكت به في الأرض ، وقال : ما منكم من أحد إلا قد كتب مقعده من النار أو من الجنة ، فقال رجل من القوم : ألا نتكل يا رسول الله ؟ قال : لا ، اعملوا فكل ميسر ، ثم قرأ : فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى الآية . مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله : ألا نتكل . . . . إلى آخره لأن معناه نعتمد على ما قدره الله في الأزل ونترك العمل . وعبدان لقب عبد الله بن عثمان ، وقد تكرر ذكره ، وأبو حمزة بالحاء المهملة والزاي اسمه محمد بن ميمون السكري ، وسعد بن عبيدة مصغر عبدة السلمي الكوفي وهو صهر أبي عبد الرحمن شيخه في هذا الحديث ، وأبو عبد الرحمن عبد الله بن حبيب من كبار التابعين ، وعلي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه . والحديث مضى في الجنائز في باب موعظة الرجل عند القبر بأطول منه ، ومضى الكلام فيه . قوله : جلوسا أي : جالسين ، ويروى عن الأعمش : قعودا جمع القاعد . قوله : مع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم عن الأعمش : كنا مع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في بقيع الغرقد بفتح الغين المعجمة وسكون الراء وفتح القاف وبالدال المهملة وهي مقبرة أهل المدينة . قوله : ومعه عود وفي رواية شعبة وبيده فجعل ينكت بها في الأرض ، وفي رواية منصور معه مخصرة بكسر الميم وهي عصا أو قضيب يمسكه الرئيس ليتوكأ عليه ولغير ذلك ، ومعنى ينكت بالنون بعد الياء يضرب . قوله : أو من الجنة كلمة أو للتنويع ، ووقع في رواية سفيان ما يشعر بأنها بمعنى الواو ، وقد تقدم من حديث ابن عمر أن لكل أحد مقعدين . قوله : فقال رجل وهذا الرجل وقع في حديث جابر عند مسلم أنه سراقة بن مالك بن جعشم . قوله : ألا نتكل أي : ألا نعتمد على ما قدره الله في الأزل ونترك العمل ، فقال : لا إذ كل أحد ميسر لما خلق له ، وحاصله أن الواجب عليكم متابعة الشريعة لا تحقيق الحقيقة ، والظاهر لا يترك للباطن . قوله : فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى الآية ، وفي رواية سفيان ووكيع الآيات إلى قوله : ( العسرى ) .